٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
151
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى} بما صنعت بأخي. {وَلأَخِى} إن فرط في كفهم ضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له ودفعاً للشماتة عنه. {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} بمزيد الإِنعام علينا. {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرٰحِمِينَ} فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى } ما صنعت بأخي {وَلأَخِى } أشركه في الدعاء إرضاء له ودفعاً للشماتة به {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرٰحِمِينَ }.
ابن عطية
تفسير : استغفر موسى من فعله مع أخيه ومن عجلته في إلقاء الألواح واستغفر لأخيه من فعله في الصبر لبني إسرائيل، ويمكن بأن الاستغفار كان لغير هذا مما لا نعلمه والله أعلم. وقوله: {إن الذين اتخذوا العجل} الآية، مخاطبة من الله لموسى عليه السلام لقوله: {سينالهم} ووقع ذلك النيل في عهد موسى عليه السلام، و "الغضب والذلة" هو أمرهم بقتل أنفسهم هذا هو الظاهر، وقال بعض المفسرين: الذلة الجزية، ووجه هذا القول أن الغضب والذلة بقيت في عقب هؤلاء المقصودين بها أولاً وكأن المراد سينال أعقابهم، وقال ابن جريج: الإشارة في قوله {الذين} إلى من مات من عبدة العجل قبل التوبة بقتل النفس وإلى من فر فلم يكن حاضراً وقت القتل. قال القاضي أبو محمد: والغضب على هذا والذلة هو عذاب الآخرة، والغضب من الله عز وجل إن أخذ بمعنى الإرادة فهو صفة ذات، وإن أخذ بمعنى العقوبة وإحلال النقمة فهو صفة فعل، وقوله: {وكذلك نجزي المفترين} المراد أولاً أولئك الذين افتروا على الله في عبادة العجل وتكون قوة اللفظ تعم كل مفتر إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن عيينة وأبو قلابة وغيرهما: كل صاحب بدعة أو فرية ذليل، واستدلوا بالآية. وقوله تعالى: {والذين عملوا السيئات} الآية، تضمنت هذه الآية الوعد بأن الله عز وجل يغفر للتائبين، والإشارة إلى من تاب من بني إسرائيل، وفي الآية ترتيب الإيمان بعد التوبة، والمعنى في ذلك أنه أرادوا وأمنوا أن التوبة نافعة لهم منجية فتمسكوا بها فهذا إيمان خاص بعد الإيمان على الإطلاق، ويحتمل أن يريد بقوله: {وآمنوا} أي وعملوا عمل المؤمنين حتى وافوا على ذلك، ويحتمل أن يريد التأكيد فذكر التوبة والإيمان إذ هما متلازمان، إلا أن التوبة على هذا تكون من كفر ولا بد فيجيء "تابوا وآمنوا" بمعنى واحد، وهذا لا يترتب في توبة المعاصي فإن الإيمان متقدم لتلك ولا بد وهو وتوبة الكفر متلازمان، وقوله: {إن ربك} إيجاب ووعد مرج. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله: "تابوا وآمنوا" أن يكون لم تقصد رتبة الفعلين على عرف الواو في أنها لا توجب رتبة ويكون {وآمنوا} بمعنى وهم مؤمنون قبل وبعد، فكأنه قال ومن صفتهم أن آمنوا.
النسفي
تفسير : {قال ربّ اغفر لي ولأخي} ليرضي أخاه وينفي الشماتة عنه بإشراكه معه في الدعاء، والمعنى اغفر لي ما فرط مني في حق أخي ولأخي إن كان فرط في حسن الخلافة {وأدخلنا في رحمتك} عصمتك في الدنيا وجنتك في الآخرة {وأنت أرحم الراحمين إنّ الّذين اتّخذوا العجل} إلهاً {سينالهم غضبٌ مّن رّبّهم} هو ما أمروا به من قتل أنفسهم توبة {وذلّةٌ في الحيوٰة الدّنيا} خروجهم من ديارهم فالغربة تذل الأعناق أو ضرب الجزية عليهم {وكذلك نجزي المفترين} الكاذبين على الله ولا فرية أعظم من قول السامري «هذا إلهكم وإله موسى» {والّذين عملوا السّيّئات} من الكفر والمعاصي {ثم تابوا} رجعوا إلى الله {من بعدها وءامنوآ} وأخلصوا الإيمان {إنّ ربّك من بعدها} أي السيئات أو التوبة {لغفورٌ} لستور عليهم محاء لما كان منهم {رّحيمٌ} منعم عليهم بالجنة. و «إن» مع اسمها وخبرها خبر {الذين} وهذا حكم عام يدخل تحته متخذو العجل وغيرهم عظم جنايتهم أولاً، ثم أردفها بعظم رحمته ليعلم أن الذنوب وإن عظمت فعفوه أعظم. ولما كان الغضب لشدته كأنه هو الآمر لموسى بما فعل قيل: {ولمّا سكت عن مّوسى الغضب} وقال الزجاج: معناه سكن وقريء به {أخذ الألواح} التي ألقاها {وفي نسختها}وفيما نسخ منها أي كتب فعلة بمعنى مفعول كالخطبة {هدًى وّرحمةٌ لّلّذين هم لربّهم يرهبون} دخلت اللام لتقدم المفعول وضعف عمل الفعل فيه باعتباره {واختار موسى قومه} أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل {سبعين رجلاً} قيل: اختار من اثني عشر سبطاً من كل سبط ستة فبلغوا اثنين وسبعين رجلاً فقال: ليتخلف منكم رجلان فقعد كالب ويوشع {لّميقاتنا} لاعتذارهم عن عبادة العجل {فلمّآ أخذتهم الرّجفة} الزلزلة الشديدة {قال ربّ لو شئت أهلكتهم مّن قبل} بما كان منهم من عبادة العجل {وإيّاى} لقتلي القبطي {أتهلكنا بما فعل السّفهآء منّا} أتهلكنا عقوبة بما فعل الجهال منا وهم أصحاب العجل {إن هي إلاّ فتنتك} ابتلاؤك وهو راجع إلى قوله {أية : فإنا قد فتنا قومك من بعدك}تفسير : [طه: 85] فقال موسى: هي تلك الفتنة التي أخبرتني بها أو هي ابتلاء الله تعالى عباده بما شاء، {أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة}تفسير : [الأنبياء: 35] {تضلّ بها} بالفتنة {من تشآء} من علمت منهم اختيار الضلالة {وتهدي} بها {من تشآء} من علمت منهم اختيار الهدى {أنت وليّنا} مولانا القائم بأمورنا {فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين واكتب لنا} وأثبت لنا واقسم {في هذٰه الدّنيا حسنةً} عاقبة وحياة طيبة وتوفيقا في الطاعة {وفي الآخرة} الجنة {إنّا هدنآ إليك} تبنا إليك وهاد إليه يهود إذا رجع وتاب والهود جمع هائد وهو التائب. {قال عذابي} من صفته أني {أصيب به من أشآء} أي لا أعفو عنه {ورحمتي وسعت كلّ شيءٍ} أي من صفة رحمتي أنها واسعة تبلغ كل شيء، ما من مسلم ولا كافر إلا وعليه أثر رحمتي في الدنيا {فسأكتبها} أي هذه الرحمة {للّذين يتّقون} الشرك من أمة محمد صلى الله عليه وسلم {ويؤتون الزّكوٰة} المفروضة {والّذين هم بآياتنا} بجميع كتبنا {يؤمنون} لا يكفرون بشيء منها {الّذين يتّبعون الرّسول} الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به وهو القرآن {النّبيّ} صاحب المعجزات {الأمّيّ الّذي يجدونه} أي يجد نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل {مكتوباً عندهم في التّوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف} بخلع الأنداد وإنصاف العباد {وينهاهم عن المنكر} عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام {ويحلّ لهم الطّيّبات} ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها، أو ما طاب في الشريعة مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح وما خلا كسبه من السحت {ويحرّم عليهم الخبائث} ما يستخبث كالدم والميتة ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، أو ما خبث في الحكم كالربا والرشوة ونحوهما من المكاسب الخبيثة {ويضع عنهم إصرهم} هو الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه عن الحراك لثقله، والمراد التكاليف الصعبة كقتل النفس في توبتهم وقطع الأعضاء الخاطئة. {آصارهم} شامي على الجمع {والأغلال الّتي كانت عليهم} هي الأحكام الشاقة نحو: بت القضاء بالقصاص عمداً كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم وظهور الذنوب على أبواب البيوت، وشبهت بالغل للزومها لزوم الغل {فالّذين ءامنوا به} بمحمد صلى الله عليه وسلم {وعزّروه} وعظموه أو منعوه من العدو حتى لا يقوي عليه عدو ـ وأصل العزر المنع ومنه التعزير لأنه منع عن معاودة القبيح كالحد فهو المنع {ونصروه واتّبعوا النّور الّذي أنزل معه} أي القرآن «ومع» متعلق بـ {اتبعوا} أي واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته {أولئك هم المفلحون} الفائزون بكل خير والناجون من كل شر. {قل يا أيّها النّاس إنّي رسول الله إليكم} بعث كل رسول إلى قومه خاصة وبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى كافة الإنس وكافة الجن {جميعاً} حال من {إليكم} {الّذي له ملك السّموٰت والأرض} في محل النصب بإضمار أعني وهو نصب على المدح {لآ إله إلاّ هو} بدل من الصلة وهي {له ملك السماوات والأرض} وكذلك {يحيـي ويميت} وفي {لا إله إلا هو} بيان للجملة قبلها لأن من ملك العالم كان هو الإلٰه على الحقيقة، وفي {يحيـي ويميت} بيان لاختصاصه بالإلٰهية إذ لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره {فئامنوا بالله ورسوله النّبيّ الأمّيّ الّذي يؤمن بالله وكلماته} أي الكتب المنزلة {واتّبعوه لعلّكم تهتدون} ولم يقل فآمنوا بالله وبي بعد قوله {إني رسول الله إليكم} لتجري عليه الصفات التي أجريت عليه، ولما في الالتفات من مزية البلاغة، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً من كان ـ أنا أو غيري ـ إظهاراً للنصفة وتفادياً من العصبية لنفسه {ومن قوم موسىٰ أمّةٌ يهدون بالحقّ} أي يهدون الناس محقين أو بسبب الحق الذي هم عليه {وبه يعدلون} وبالحق يعدلون بينهم في الحكم لا يجورون. قيل: هم قوم وراء الصين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج، أو هم عبد الله بن سلام وأضرابه. {وقطعناهم} وصيرناهم قطعاً أي فرقاً وميزنا بعضهم من بعض {اثنتي عشرة أسباطاً} كقولك اثنتي عشرة قبيلة، والأسباط أولاد الولد جمع سبط وكانوا اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من ولد يعقوب عليه السلام. نعم مميز ما عدا العشرة مفرد فكان ينبغي أن يقال اثني عشر سبطاً، لكن المراد وقطعناهم اثنتي عشرة قبيلة وكل قبيلة أسباط لا سبط فوضع «أسباط» موضع «قبيلة» {أمماً} بدل من {اثنتي عشرة} أي وقطعناهم أمماً لأن كل أسباط كانت أمة عظيمة وكل واحدة كانت تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى {وأوحينآ إلى موسىٰ إذ استسقاه قومه أن اضرب بّعصاك الحجر} فضرب {فانبجست} فانفجرت {منه اثنتا عشرة عيناً قد علم كلّ أناسٍ مّشربهم} هو اسم جمع غير تكسير {وظلّلنا عليهم الغمام} وجعلناه ظليلاً عليهم في التيه {وأنزلنا عليهم المنّ والسّلوىٰ} وقلنا لهم {كلوا من طيّبات ما رزقناكم وما ظلمونا} أي وما رجع إلينا ضرر ظلمهم بكفرانهم النعم {ولكن كانوآ أنفسهم يظلمون} ولكن كانوا يضرون أنفسهم ويرجع وبال ظلمهم إليهم.
الخازن
تفسير : {قال رب اغفر لي} يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لما تبين له عذر أخيه هارون قال رب اغفر لي ما صنعت إلى أخي هارون يريد ما أظهر من الموجدة عليه في وقت الغضب {ولأخي} يعني واغفر لأخي هارون إن كان وقع منه تقصير في الإنكار على عبدة العجل {وأدخلنا} يعني جميعاً {في رحمتك} يعني في سعة رحمتك {وأنت أرحم الراحمين} وهذا فيه دليل على الترغيب في الدعاء لأن من هو أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة وفيه تقوية لطمع الداعي في نجاح طلبته {إن الذين اتخذوا العجل} يعني إلهاً عبدوه من دون الله {سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} يعني سينالهم عقوبة من ربهم وهوان بسبب كفرهم وعبادتهم العجل وذلك في عاجل الحياة الدنيا ثم للمفسرين في هذه الآية قولان: أحدهما: أن المراد بالذين اتخذوا العجل تابوا إلى الله تعالى بقتلهم أنفسهم كما أمرهم الله فتاب عليهم فكيف ينالهم الغضب والذلة مع التوبة؟ والجواب: إن ذلك الغضب إنما حصل لهم في الدنيا وهو في نفس القتل فكان ذلك القتل غضباً عليهم والمراد بالذلة هو إسلامهم أنفسهم للقتل واعترافهم على أنفسهم بالضلال والخطأ. فإن قلت السين في قوله سينالهم للاستقبال فكيف تكون للماضي؟ قلت: هذا الكلام إنما هو خبر عما أخبر الله به موسى عليه الصلاة والسلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ثم أخبره الله في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة فكان هذا الكلام سابقاً لوقوعه وهو التل الذي أمرهم الله به بعد ذلك وقال ابن جريج في هذه الآية إن هذا الغضب والذلة لمن مات منهم على عبادة العجل ولمن فر من القتل وهو الذي قاله ابن جريج وإن كان له وجه لكن لجميع المفسرين على الخلافة. القول الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل اليهود الذين كانوا في زمن النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عباس: هم الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم وآباؤهم هم الذين عبدوا العجل وأراد بالغضب عذاب الآخرة وبالذلة في الدنيا الجزية. وقال عطية العوفي: سينال أولاد الذين عبدوا العجل وهم الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد بالغضب والذلة ما أصاب بني النضير وبني قريظة من القتل والجلاء وعلى هذا القول في تقرير الآية وجهان: الأول: أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل لك في المناقب فتقول للأبناء كذا وفعلتم كذا وإما فعل ذلك من مضى من آبائهم فكذلك هاهنا وصف اليهود الذين كانوا على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم اتخذوا العجل وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ثم حكم على اليهود الذين كانوا في زمنه بأنهم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا. الوجه الثاني: أن تكون الآية من باب حذف المضاف والمعنى أن الذين اتخذوا العجل وباشروا عبادته سينال أولادهم، الخ ثم حذف المضاف لدلالة الكلام عليه. وقوله تعالى: {وكذلك نجزي المفترين} يعني: وكما جزينا هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً نجزي كل من افترى على الله كذباً أو عبد غيره وقال أبو قلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة أن يذله الله، وقال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة وقال مالك ابن أنس: ما من مبتدع إلا وهو يجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية قال والمبتدع مفتر في دين الله {والذين عملوا السيئات} يعني عملوا الأعمال السيئة ويدخل في ذلك كل ذنب صغير وكبير حتى الكفر فما دونه {ثم تابوا من بعدها} يعني ثم رجعوا إلى الله من بعد أعمالهم السيئة {وآمنوا} يعني وصدقوا بالله تعالى وأنه يقبل توبة التائب ويغفر الذنوب {إن ربك} يا محمد أو يا أيها الإنسان التائب {من بعدها} يعني من بعد توبتهم {لغفور رحيم} يعني أنه تعالى يغفر الذنوب ويرحم التائبين وفي الآية دليل على أن السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأن الله تعالى يغفرها جميعاً بفضله ورحمته وتقدير الآية أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب إلى الله وأخلص التوبة فإن الله يغفرها له ويقبل توبته وهذا من أعظم البشائر للمذنبين التائبين.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية اعتذارِ هارونَ عليه السلام كأنه قيل: فماذا قال موسى عند ذلك؟ فقيل: قال: {رَبّ ٱغْفِرْ لِى} أي ما فعلتُ بأخي من غير ذنبٍ مقرِّرٍ من قِبَله {وَلأَخِى} إن فرَطَ منه تقصيرٌ ما في كفهم عما فعلوه من العظيمة، استغفرَ عليه السلام لنفسه ليُرضِيَ أخاه ويُظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتُهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاجٌ إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلَهم {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} بمزيد الإنعامِ بعد غُفران ما سلف منا {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلراحِمِينَ} فلا غَرْوَ في انتظامنا في سلك رحمتِك الواسعةِ في الدنيا والآخرة، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} أي تمّوا على اتخاذه واستمروا على عبادته كالسامريِّ وأشياعِه من الذين أُشربوه في قلوبهم كما يُفصح عنه كونُ الموصولِ الثاني عبارةً عن التائبـين فإن ذلك صريحٌ في أن الموصولَ الأولَ عبارةٌ عن المصِرّين {سَيَنَالُهُمْ} أي في الآخرة {غَضَبٌ} أي عظيمٌ لا يقادر قدرُه مستتبِعٌ لفنون العقوباتِ لما أن جريمتَهم أعظمُ الجرائم وأقبحُ الجرائر وقوله تعالى: {مّن رَّبّهِمُ} أي مالكِهم، متعلقٌ بـينالُهم أو بمحذوف هو نعتٌ لغضب مؤكد لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافية، أي كائنٌ من ربهم {وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا} هي ذلةُ الاغترابِ التي تُضرب بها الأمثالُ والمسكنةُ المنتظمةُ لهم ولأولادهم جميعاً، والذلةُ التي اختص بها السامريُّ من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مِساس. يروى أن بقاياهم اليومَ يقولون ذلك، وإذا مس أحدَهم أحدٌ غيرُهم حُمّاً جميعاً في الوقت، وإيرادُ ما نالهم في حيز السين مع مُضِيِّه بطريق تغليب حالِ الأخلافِ على حال الأسلاف، وقيل: المرادُ بهم التائبون، وبالغضب ما أُمروا به من قتل أنفسِهم، واعتُذر عن السين بأن ذلك حكايةٌ عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومِه واتخاذِهم العجلَ بأنه سينالهم غضبٌ من ربهم وذلةٌ فيكون سابقاً على الغضب، وأنت خبـيرٌ بأن سباقَ النظم الكريم وسياقَه نابـيان عن ذلك نُبوّاً ظاهراً، كيف لا وقوله تعالى: {وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ} ينادي على خلافه فإنهم شهداءُ تائبون فكيف يمكن وصفُهم بعد ذلك بالافتراء؟ وأيضاً ليس يجزي الله تعالى كلَّ المفترين بهذا الجزاءِ الذي ظاهرُه قهرٌ وباطنُه لطفٌ ورحمة، وقيل: المرادُ بهم أبناؤهم المعاصِرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تعيـيرَ الأبناءِ بأفاعيلِ الآباء مشهورٌ معروفٌ، منه قولُه تعالى: {أية : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } تفسير : [البقرة: 72] الآية، وقولُه تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ }تفسير : [البقرة: 55, 61] الآية، والمرادُ بالغضب الغضبُ الأخرويُّ وبالذلة ما أصابهم من القتل والإجلاءِ وضربِ الجزية عليهم، وقيل: المرادُ بالموصول المتّخِذون حقيقةً وبالضمير في ينالُهم أخلافُهم ولا ريب في أن توسيطَ حالِ هؤلاء في تضاعيف بـيانِ حالِ المتخِذين من قبـيل الفصل بـين الشجرِ ولِحائه.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال} موسى وهو استئناف بيانى {رب اغفر لى} اى ما فعلت باخى من غير ذنب مقرر من قبله {ولاخى} اى ان فرط فى كفهم استغفر عليه السلام لنفسه ليرضى اخاه ويظهر للشامتين رضاه ئلا تتهم به ولاخيه للايذان بانه محتاج الى الاستغفار حيث كان عليه ان يقاتلهم {وادخلنا فى رحمتك} بمزيد الانعام علينا بعد غفران ما سلف منا. قال الحدادى اى جنتك {وانت ارحمن الراحمين} وانت ارحم بنا منا على انفسنا ومن آبائنا وامهاتنا - حكى - انه اعتقل لسان فتى عن الشهادة حين اشرف على الموت فاخبروا النبى عليه السلام فدخل عليه وعرض الشهادة فاضطرب ولم يعمل لسانه فقال عليه السلام اما كان يصلى اما كان يزكى اما كان يصوم قالوا بلى قال فهل عق والديه قالوا نعم قالوا هاتوا بامه فجاءت وهى عجوز عوراء فقال عليه السلام هلا عفوت عنه فقالت لا اعفو لأنه لطمنى ففقاء عينى قال هاتوا بالحطب والنار قالت ما تصنع قال أحرقه بالنار بين يديك جزاء لما عمل قالت عفوت عفوت أللنار حملته تسعة اشهر أللنار ارضعته سنتين فأين رحمة الام فعند ذلك انطلق لسانه بالكلمة والنكة انها كانت رحيمة الا رحمانة فللقليل من رحمتها ما جوزت احراقه بالنار فالله الذى لا يتضرر بجناية العباد كيف يستجيز احراق المؤمن المواظب على كلمة الشهادة سبعين سنة وهو ارحم الراحمين: قال الحافظ شعر : لطف خدا بيشتر ازجرم ماست نكته سربسته جه دانى خموش تفسير : وقال شعر : دلا طمع مبر از لطف بى نهايت دوست كه ميرسد همه را لطف بى نهايت او تفسير : قال بعض اهل التفسير ان قابيل لما قتل اخاه هابيل اشتد ذلك على آدم فقال الله تعالى يا آدم جعلت الارض فى امرك مرها فلتفعل ما تهوى بمكان ابنك قابيل فقال آدم عليه السلام يا ارض خذيه فاخذت الارض قابيل فقال قابيل يا ارض بحق الله ان تمهلينى حتى اقول قولى ففعلت فقال يا رب ان ابى قد عصاك فلم تخسف به الارض فقال الله نعم ولكنه ترك امرا واحدا وانت تركت امرى وامر ابيك وقتلت اخاك فقال آدم ثانيا يا ارض خذيه فقال قابيل بحرمة محمد عليه السلام ان تمهلينى حتى اقول قولى ففعلت فقال يا رب ان ابليس ترك امرك وعاداك ولم تخسف به الارض فاجاب الله تعالى مثل الاولى فقال الهى اليس لك تسعة وتسعون اسما فقال الله بلى فقال أليس الرحمن الرحيم من جملة ذلك قال بلى قال ألست سميت نفسك رحمانا رحيما لكثرة الرحمة قال بلى قال يا رب ان اردت اهلاكى فاخرج هذين الاسمين من بين اسمائك ثم اهلكنى لان اخذ العبد بجريمة واحدة لا يكون رحمة فامر الله الارض حتى خلت سبيله ةلم تهلكه فاعتبر اذا كانت رحمته بهذه المرتبة للكافر فما ظنك للمؤمن فينبغى للمقصر ان يرفع حاجته الى المولى ويستغفر من ذنبه الا خفى والا جلى كى يدخل فى الرحمة التى هى الفردوس الاعلى: قال الحافظ شعر : سياه نامه ترازخود كسى نمى بينم جكونه جون قلمم دوددل بسر نرود تفسير : وفى قوله تعالى {رب اغفر لى} الآية اشارة الى السير فى الصفات لان المغفرة والرحمة من الصفات فيشير الى ان لموسى الروح ولاخيه هارون القلب استعداد لقبول الجذبة الالهية التىتدخلهما فى عالم الصفات {وادخلنا فى رحمتك وأنت ارحم الراحمين} لان غيرك من الراحمين عاجز عن ادخال غيره فى صفاته وانت قادر على ذلك لمن تشاء ويدل عليه قوله {أية : يدخل من يشاء فى رحمته} تفسير : [الإنسان: 31]. كذا فى التأويلات النجمية.
الطوسي
تفسير : في هذه الآية حكاية عن دعاء موسى (ع) ربه عز وجل - حين تبين له ما نبهه عليه هارون من خوف التهمة، ودخول الشبهة عليهم بجره رأسه اليه - بأن يغفر له ولأخيه، وأن يدخلهما رحمته، والمقتضي لهذا الدعاء بالمغفرة قيل فيه قولان: أحدهما - ما أظهره من الموجدة على هارون وهو بريء مما يوجب العتب عليه، لأنه لم يكن منه تقصير في الانكار على من عبد العجل، لأنه بلغ معهم من الانكار إلى أن همُّوا بقتله لشدة إِنكاره، ولذلك قال {إِن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}. والثاني - قال أبو علي: إِنه بين بذلك لبني اسرائيل أنه لم يأخذ برأسه على جهة الغضب عليه، وإِنما فعل ذلك كما يفعله الانسان بنفسه عند شدة غضبه على غيره، ولم يكن منه في تلك الحال معصية. وكان هذا الدعاء من موسى انقطاعاً منه الى الله تعالى، وتقرباً اليه لا أنه كان وقع منه أو من أخيه قبيح صغير أو كبير يحتاج أن يستغفر منه، ومن قال: إِنه استغفر من صغيرة كانت منه أو من أخيه، فقد أخطأ. ويقال له: الصغيرة على مذهبكم تقع مكفرة محبطة، فلا معنى لسؤال المغفرة لها. وقد بينا في غير موضع أن الانبياء (ع) لا يجوز عليهم شيء من القبائح لا كبيرها ولا صغيرها لأن ذلك يؤدي الى التنفير عن قبول قولهم، والأنبياء منزهون عما ينفر عنهم على كل حال. وقوله {وأنت أرحم الراحمين} اعتراف من موسى بأن الله تعالى أرحم الراحمين وإِعترافه بذلك دليل على قوة طمعه في نجاح طلبته، لأن من هو أرحم الراحمين يؤمل الرحمة من جهته ومن هو أجود الاجودين يؤمل الجود من قبله.
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} بعد الافاقة من غضبه {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي} فيما فرّط منّى فى حقّه ومنه فى حقّ القوم {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} ولمّا فرغ من الاستغفار وطلب الرّحمة صار المقام مقام ان يسأل الله: ما لمن عبد العجل؟ - فقال تعالى جواباً لسؤاله المقدّر: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ}.
اطفيش
تفسير : {قالَ ربِّ اغْفِر لى} ما توهمت فى أخى من التقصير، وإظهار الغضب عليه، وأخذى برأسه ولحيته، وإلقاء الألواح {ولأخِى} هارون تقصيره إن كان مقصرا تقصيرا ما، وعن بعض أنه لما تبين له عذر أخيه استغفر لما فعل به، ولما عساه أن يصدر من أخيه من تقصير لا يخلو عنه البشر، أو ترك رأى أصوب، وعلى كل حال ففى ذلك الاستغفار مما صدر منه فى أخيه، وذلك الاستغفار لأخيه إرضاء له، ودفع للشماتة عنه. {وأدْخِلْنا فى رحْمتِكَ} دنيا وأخرى بإيجاد الإنعام وزيادته {وأنْتَ أرْحَم الرَّاحمِينَ} فهو أرحم بنا منا، ولا مرغبا فى الدعاء مثل هذا.
اطفيش
تفسير : {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِى} جريه إِلىَّ برأسه، أَو ذنوبى كلها فدخل جره إِياه أَولا وبالذات {وَلأَخِى} ما كان منه من تقصير فى كفهم، وهذا على التوهم، أَو ما يمكن أَن يكون منه من تقصير، أَو ذنوبه كلها فيدخل التقصير أَولا بالذات، أَشركه فى الدعاء إِرضاء له ودفعاً لشماتة الأَعداء وهى من أَشد البلايا حتى قال الشاعر: والموت دون شماتة الأَعداء. ولم يقل وقال رب اغفر لى بالواو لأَنه استئناف بيانى ناشئ من اعتذار هارون، كأَنه قيل: فماذا قال موسى عند اعتذار هارون. فقال الله عز وجل: {قال رب اغفر لى ولأَخى} {وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} لم يقل وأَدخلنى وأَخى، أَو أَدخلنى وإِياه كما قال: رب اغفر لى ولأَخى، لظهور مرجع الضمير بخلاف الأَول فإِنه أو قال: رب اغفر لنا لم يصرح بأَخيه، والقصد التصريح إِرضاءً ودفعاً للشماتة، ولأَمكن توهم التعظيم أَو تعميم غير هارون دونه "وأَدخلنا فى رحمتك" أَبلغ من ارحمنا، لدلالته على إِحاطة الرحمة بهم كأَنها ظرف لهم، وأَنت أَرحم بنا منا على أَنفسنا.
الالوسي
تفسير : {قَالَ} استئناف مبني على سؤال نشأ من حكاية الاعتذار كأنه قيل فماذا قال موسى عليه السلام عند اعتذار أخيه؟ فقيل: قال {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} ما فعلت بأخي قبل جلية الحال وحسنات الأبرار سيئات المقربين {وَلأَخِي} إن كان اتصف بما يعد ذنباً / بالنسبة إليه في أمر أولئك الظالمين، وفي هذا الضم ترضية له عليه السلام ورفع للشماتة عنه، والقول بأنه عليه السلام استغفر لنفسه ليرضي أخاه ويظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاج إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلهم لي فيه توقف ولا يخفى وجهه. {وَأَدْخِلْنَا} جميعاً. {فِي رَحْمَتِكَ} الواسعة بمزيد الإنعام علينا، وهذا ما يقتضيه المقابلة بالمغفرة، والعدول عن ارحمنا إلى ما ذكر {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ} فلا غرو في انتظامنا في سلك رحمتك الواسعة في الدنيا والآخرة، والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله، وادعى بعضهم أن فيه إشارة إلى أنه سبحانه استجاب دعاءه وفيه خفاء.
الواحدي
تفسير : {قال ربِّ اغفر لي} ما صنعتُ إلى أخي {ولأخي} إن قصَّر في الإِنكار {وأدخلنا في رحمتك} جنَّتك. {إنَّ الذين اتخذوا العجل} يعني: اليهند الذين كانوا في عصر النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهم أبناء الذين اتَّخذوا العجل إلهاً، فأضيف إليهم تعييراً لهم بفعل آبائهم {سينالهم غضب من ربهم} عذابٌ في الآخرة {وذلة في الحياة الدنيا} وهي الجزية {وكذلك نجزي المفترين} كذلك أعاقب مَن اتَّخذ إلهاً دوني. {والذين عملوا السيئات} الشِّرك {ثم تابوا} رجعوا عنها {وآمنوا} صدَّقوا أنَّه لا إله غيري {إنَّ ربك من بعدها} من بعد التَّوبة {لغفور رحيم}. {ولما سكت} [سكن] {عن موسى الغضب أخذ الألواح} التي كان ألقاها {وفي نسختها} وفيما كُتب فيها: {هدىً} من الضَّلالة {ورحمة} من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} للخائفين من ربِّهم. {واختار موسى قومه} من قومه {سبعين رجلاً لميقاتنا} أمره الله تعالى أن يأتيه في ناس من بي إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعده لذلك موعداً، فاختار موسى سبعين رجلاً ليعتذروا، فلمَّا سمعوا كلام الله قالوا لموسى: أرنا الله جهرةٌ فأخذتهم {الرَّجفة} وهي الحركة الشَّديدة، فماتوا جميعاً، فقال موسى: {رب لو شئت أهلكتهم} وإيَّاي قبل خروجنا للميقات، وكان بنو إسرائيل يُعاينون ذلك ولا يتَّهمونني، ظنَّ أنَّهم أهلكوا باتِّخاذ أصحابهم العجل، فقال: {أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} وإنَّما أُهلكوا لمسألتهم الرُّؤية {إن هي إلاَّ فتنتك} أَيْ: تلك الفتنة التي وقع فيها السُّفهاء لم تكن إلاَّ فتنتك، أي: اختبارك وابتلاؤك أضللتَ بها قوماً فافتتنوا، وعصمتَ آخرين وهذا معنى قوله: {تضل بها مَنْ تشاء وتهدي مَنْ تشاء}. {واكتب لنا} أوجب لنا {في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة} أَي: اقبل وفادتنا، ورُدَّنا بالمغفرة والرَّحمة {إنا هُدْنا إليك} تبنا ورجعنا إليك بالتَّوبة {قال عذابي أصيب به من أشاء} آخذ به مَنْ أشاء على الذَّنب اليسير {ورحمتي وسعت كلَّ شيء} يعني: إنَّ رحمته في الدُّنيا وسعت البرَّ والفاجر، وهي في الآخرة للمؤمنين خاصَّةً، وهذا معنى قوله: {فسأكتبها} فسأوجبها في الآخرة {للذين يتقون} يريد: أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم {ويؤتون الزكاة} صدقات الأموال عند محلها {والذين هم بآياتنا يؤمنون} يصدِّقون بما أنزل على محمد والنَّبييِّن.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرَّاحِمِينَ} (151) - فَلَمَّا تَحَقَّقَ مُوسَى مِنْ بَرَاءَةِ هارُونَ، وَأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبِهِ كَامِلاً نَحْوَ قَوْمِهِ، دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا فَرَطَ مِنْهُ مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، فِيهما غِلْظَةٌ وَجَفَاءٌ، بِحَقِّ أَخيهِ، وَأَنْ يَغْفِرَ لأَِخِيهِ مَا عَسَاهُ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَصَّرَ فِيهِ مِنْ نَهيِ القَوْمِ عَنْ فِعْلِ مَا فَعَلُوهُ، مِنْ عِبَادَةِ العِجْلِ، وَأَنْ يُدْخِلَهُمَا فِي رَحْمَتِهِ التِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ، وَأَنْ يَغْمُرَهُما بِجُودِهِ وَفَضْلِهِ، فَهُوَ تَعَالَى أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ جَمِيعاً بِعِبَادِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قال يا رب اغفر لي إن كان قد بدر مني شيء يخالف منطق الصواب والحق. واغفر لأخي هارون ما صنع، فقد كان يجب عليه أن يأخذ في قتال من عبدوا العجل حتى يمنعهم أو ينالوا منه ولو مادون القتل جرحاً أو خدشاً أو.. أو.. إلخ. ويطلب موسى لنفسه ولأخيه الرحمة: {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151] وحين تسمع {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} أو {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، أو {خَيْرُ ٱلْوَارِثِينَ}، أو {أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ}، وكل جمع هو وصف لله، وإنه بهذا أيضاً يدعو خلقه إلى التخلق بهذا الخلق، ويوصف به خلقه. فاعلم أن الله لم يحرمهم من وصفهم بهذه الصفات لأن لهم فيها عملا وإن كان محدودا يتناسب مع قدرتهم ومخلوقيتهم وعبوديتهم، فضلا على أنها عطاء ومنحة منه - سبحانه - أما صفات الله فهي صفات لا محدودة ولا متناهية جلالا وكمالا وجمالا فسبحانه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فإذا كان خلق الله هو {أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} فهذا يعني أنه سبحانه لم يمنع الرحمة من خلقه على خلقه؛ فمن رحم أخاه سُميِّ رحيماً، وراحماً، ولكن الله أرحم الراحمين؛ لأن الرحمة من كل إنسان ضمان لمظهرية الغضب في هذا الأحد، يقال: "رحمت فلاناً" أي من غضبك عليه وعقوبتك، وإنّ عقوبتك على قدر قوتك، لكن الله حين يريد أن يأخذ واحداً بذنب فقوته لا نهاية لها، وكذلك رحمته أيضاً لا نهاية لها. ويقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):