٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
150
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا } لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل، ولا يوجب ذلك لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السبب اختلفوا فيه فقال قوم: إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك. وقال أبو مسلم: بل كان عارفاً بذلك من قبل، وهذا أقرب، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا } يدل على أنه حال ما كان راجعاً كان غضبان أسفاً، وهو إنما كان راجعاً إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالماً بهذه الحالة. الثاني: أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات. المسألة الثانية: في الأسف قولان: الأول: أن الأسف الشديد الغضب، وهو قول أبـي الدرداء وعطاء، عن ابن عباس واختيار الزجاج. واحتجوا بقوله: {أية : فَلَمَّا ءاسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ } تفسير : [الزخرف: 55] أي أغضبونا. والثاني: وهو أيضاً قول ابن عباس والحسن والسدي، إن الآسف هو الحزين. وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إن أبا بكر رجل أسيف أي حزين. قال الواحدي: والقولان متقاربان، لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت، وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت. فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً، فعلى هذا كان موسى غضبان على قومه لأجل عبادتهم العجل، أسفاً حزيناً، لأن الله تعالى فتنهم. وقد كان تعالى قال له: {أية : إِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ }تفسير : [طه: 85]. أما قوله: {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى } فمعناه بئسما قمتم مقامي وكنتم خلفائي من بعدي وهذا الخطاب إنما يكون لعبدة العجل من السامري وأشياعه أو لوجوه بنـي إسرائيل، وهم: هارون عليه السلام والمؤمنون معه، ويدل عليه قوله: {أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى } تفسير : [الأعراف: 142] وعلى التقدير الأول يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وعلى هذا التقدير الثاني، يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى، وههنا سؤالات: السؤال الأول: أين ما يقتضيه «بئس» من الفاعل، والمخصوص بالذم. والجواب: الفاعل مضمر يفسره قوله: {مَا خَلَفْتُمُونِى } والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. السؤال الثاني: أي معنى لقوله: {مِن بَعْدِى } بعد قوله: {خَلَفْتُمُونِى }. والجواب: معناه من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله تعالى، ونفي الشركاء عنه وإخلاص العبادة له أو من بعد ما كنت أحمل بنـي إسرائيل على التوحيد وأمنعهم من عبادة البقر حين قالوا: {ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلفين. وأما قوله: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } فمعنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة، لأن معناها عمل الشيء في أول أوقاته. هكذا قاله الواحدي. ولقائل أن يقول: لو كانت العجلة مذمومة، فلم قال موسى عليه السلام: {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبّ لِتَرْضَىٰ } تفسير : [طه: 84] قال ابن عباس: المعنى {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } يعني ميعاد ربكم فلم تصبروا له؟ وقال الحسن: وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين، وذلك لأنهم قدروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة، فقد مات. وقال عطاء: يريد أعجلتم سخط ربكم؟ وقال الكلبي: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم، ولما ذكر تعالى أن موسى رجع غضبان ذكر بعده ما كان ذلك الغضب موجباً له، وهو أمران: الأول: أنه قال: {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ} يريد التي فيها التوراة، ولما كانت تلك الألواح أعظم معاجزه، ثم أنه ألقاها دل ذلك على شدة الغضب، لأن المرء لا يقدم على مثل هذا العمل إلا عند حصول الغضب المدهش. روي أن التوراة كانت سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد. وكان فيما رفع تفصيل كل شيء، وفيما بقي الهدى والرحمة، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : يرحم الله أخي موسى ليس الخبر كالمعاينة لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه على ذلك متمسك بما في يده»تفسير : . ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلا أنه ألقى الألواح فأما أنه ألقاها بحيث تكسرت، فهذا ليس في القرآن وأنه لجراءة عظيمة على كتاب الله، ومثله لا يليق بالأنبياء عليهم السلام. والأمر الثاني: من الأمور المتولدة عن ذلك الغضب. قوله تعالى: { وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } وفي هذا الموضع سؤال لمن يقدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ذكرناه في سورة طه مع الجواب الصحيح، وبالجملة فالطاعنون في عصمة الأنبياء يقولون أنه أخذ برأس أخيه يجره إليه على سبيل الإهانة والاستخفاف، والمثبتون لعصمة الأنبياء قالوا إنه جر رأس أخيه إلى نفسه ليساره ويستكشف منه كيفية تلك الواقعة. فإن قيل: فلماذا قال {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى }. قلنا: الجواب عنه أن هرون عليه السلام خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى عليه السلام غضبان عليه كما أنه غضبان على عبدة العجل، فقال له {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى } وما أطاعوني في ترك عبادة العجل، وقد نهيتهم ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم بهم عن هذا العمل، فلا تفعل بي ما تشمت أعدائي به فهم أعداؤك فإن القوم يحملون هذا الفعل الذي تفعله بي على الإهانة لا على الإكرام. وأما قوله تعالى {ٱبْنَ أُمَّ } فاعلم أنه قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم {ٱبْنَ أُمَّ } بكسر الميم، وفي طه مثله على تقدير (أمي) فحذف ياء الإضافة لأن مبنى النداء على الحذف وبقي الكسر على الميم ليدل على الإضافة، كقوله: {ياعِبَادِ } والباقون بفتح الميم في السورتين، وفيه قولان: أحدهما: أنهما جعلا اسماً واحداً وبنى لكثرة أصطحاب هذين الحرفين فصار بمنزلة اسم واحد نحو حضرموت وخمسة عشر. وثانيهما: أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة، وأصله يا ابن أما كما قال الشاعر:شعر : يا ابنة عما لا تلومي واهجعي تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى } أي لم يلتفتوا إلى كلامي وكادوا يقتلونني، فلا تشمت بي الأعداء يعني أصحاب العجل ولا تجعلني مع القوم الظالمين، الذين عبدوا العجل أي لا تجعلني شريكاً لهم في عقوبتك لهم على فعلهم، فعند هذا قال موسى عليه السلام: {رَبّ ٱغْفِرْ لِى } أي فيما أقدمت عليه من هذا الغضب والحدة {وَلأَخِى} في تركه التشديد العظيم على عبدة العجل {وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ }. واعلم أن تمام هذه السؤالات والجوابات في هذه القصة مذكور في سورة طه. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} لم ينصرف «غَضْبَانَ» لأن مؤنّثه غَضْبَى، ولأن الألف والنون فيه بمنزلة ألفي التأنيث في قولك حمراء. وهو نصب على الحال. و «أَسِفاً» شديد الغضب. قال أبو الدَّرداء: الأسف منزلةٌ وراء الغضب أشد من ذلك. وهو أسِف وأسِيف وأسْفان وأَسُوف. والأسيف أيضاً الحزِين. ابن عباس والسُّدِّي: رجع حزيناً من صنيع قومه. وقال الطبرِيّ: أخبره الله عز وجل قبل رجوعه أنهم قد فُتِنُوا بالعجل؛ فلذلك رجع وهو غضبان. ابن العربيّ: وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضباً، لكنه كان سريع الفَيْئة؛ فتِلك بتلك. قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: كان موسى عليه السلام إذا غَضِب طلع الدُّخَان من قَلَنْسُوَتِه، ورفع شعرُ بدنه جُبَّتَه. وذلك أن الغضب جَمْرة تتوقّد في القلب. ولأجله أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم مَنْ غَضب أن يضطجع. فإن لم يذهب غضبُه ٱغتسل: فيُخْمِدها اضطجاعُه ويطفئها اغتساله. وسُرْعةُ غضبه كان سبباً لصَكّه مَلَكَ الموت ففقأ عينَه. وقد تقدم في «المائدة» ما للعلماء في هذا. وقال الترمذِيّ الحكيم: وإنما ٱستجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله؛ كأنه رأى أن من اجترأ عليه أو مدّ إليه يدا بأذًى فقد عَظُم الخطب فيه. ألا ترى أنه ٱحتجّ عليه فقال: من أين تنزِع روحي؟ أمن فمِي وقد ناجيت به ربي! أَمْ مِن سمعي وقد سمعت به كلام رَبِّي! أم مِن يدي وقد قبضت منه الألواح! أم مِن قدمي وقد قمتُ بين يديه أُكلمه بالطُّور ٰ أمْ مِن عيني وقد أشرق وجهي لنوره. فرجع إلى ربّه مُفْحَماً. وفي مُصَنّف أبي داود عن أبي ذرٍّ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: «حديث : إذا غَضِب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فلْيضطجع»تفسير : . وروي أيضاً عن أبي وائل القاصّ قال: دخلنا على عروة بن محمد السّعدِيّ فكلمه رجل فأغضبه؛ فقام ثم رجع وقد توضأ، فقال: حدّثني أبي عن جدّي عطيّة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنّ الغضب من الشيطان وإنّ الشيطان خُلق من النار وإنما تُطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ».تفسير : قوله تعالى: {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ} ذَمٌّ منه لهم؛ أي بئس العملُ عمِلتم بعدي. يقال: خَلَفَه؛ بما يكره. ويقال في الخير أيضاً. يقال منه: خَلَفَه بخير أو بشر في أهله وقومه بعد شخوصه. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} أي سبقتموه. والعجلة: التقدّم بالشيء قبل وقته، وهي مذمومة. والسرعة: عَمَل الشيء في أوّل أوقاته، وهي محمودة. قال يعقوب: يقال عجلت الشيء سبقته. وأعجلت الرجل استعجلته، أي حملته على العجلة. ومعنى «أَمْرَ رَبِّكُمْ» أي ميعاد ربكم، أي وعد أربعين ليلة. وقيل: أي تعجّلتم سخط ربكم. وقيل: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أَمْرٌ من ربكم. قوله تعالى: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} أي مما ٱعتراه من الغضب والأسف حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، وعلى أخيه في إهمال أمرهم؛ قاله سعيد بن جُبير. ولهذا قيل: ليس الخبر كالمعاينة. ولا التفات لما رُوي عن قتادة إن صح عنه، ولا يصح: أنّ إلقاءه الألواح إنما كان لما رأى فيها من فضيلة أُمة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأُمّته. وهذا قول رديء لا ينبغي أن يضاف إلى موسى صلى الله عليه وسلم. وقد تقدّم عن ابن عباس رضي الله عنه أن الألواح تكسّرت، وأنه رفع منها التفصيل وَبَقِيَ فيها الهدى والرحمة. الثانية ـ وقد ٱستدلّ بعض جُهّال المتصوّفة بهذا على جواز رَمْي الثياب إذا ٱشتد طربُهم على المَغْنَى. ثم منهم من يرمي بها صِحاحاً، ومنهم من يَخْرقها ثم يرمي بها. قال: هؤلاء في غيبة فلا يُلامون؛ فإن موسى عليه السلام لما غلب عليه الغم بعبادة قومه العجلَ، رمى الألواح فكسرها، ولم يدر ما صنع. قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: من يصحّح عن موسى عليه السلام أنه رماها رَمْيَ كاسر؟ والذي ذُكر في القرآن ألقاها، فمن أين لنا أنها تكسرت؟ ثم لو قيل: تكسرت فمن أين لنا أنه قصد كسرها؟ ثم لو صححنا ذلك عنه قلنا كان في غيبة، حتى لو كان بين يديه بحر من نار لخاضه. ومَن يصحّح لهؤلاء غيبتهم وهم يعرفون المغنى من غيره، ويحذرون من بئر لو كانت عندهم. ثم كيف تقاس أحوال الأنبياء على أحوال هؤلاء السفهاء. وقد سئل ابن عقيل عن تواجدهم وتخريق ثيابهم فقال: خطأ وحرام؛ وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال. فقال له قائل: فإنهم لا يعقلون ما يفعلون. فقال: إن حضروا هذه الأمكنة مع علمهم أن الطَّرب يغلِب عليهم فيزيل عقولهم أثموا بما أدخلوه على أنفسهم من التخريق وغيره مما أفسدوا، ولا يسقط عنهم خطاب الشرع؛ لأنهم مخاطبون قبل الحضور بتجنّب هذا الموضع الذي يُفضِي إلى ذلك. كما هم منهِيُّون عن شرب المسكر، كذلك هذا الطَّرَب الذي يسميه أهل التصوف وَجْداً إن صدقوا أن فيه سُكْرَ طبع، وإن كذبوا أفسدوا مع الصَّحْو، فلا سلامة فيه مع الحالين، وتجنّب مواضع الرِّيَب واجبٌ. قوله تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} أي بلحيته وذؤابته. وكان هارون أكبر من موسى ـ صلوات الله وسلامه عليهما ـ بثلاث سنين، وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى؛ لأنه كان لَيِّن الغضب. وللعلماء في أخذ موسى برأس أخيه أربعة تأويلات: الأوّل ـ أن ذلك كان متعارَفاً عندهم؛ كما كانت العرب تفعله من قبض الرجل على لحية أخيه وصاحبه إكراماً وتعظيماً، فلم يكن ذلك على طريق الإذلال. الثاني ـ أن ذلك إنما كان ليُسرّ إليه نزول الألواح عليه؛ لأنها نزلت عليه في هذه المناجاة وأراد أن يُخفيَها عن بني إسرائيل قبل التوراة. فقال له هارون: لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي؛ لئلا يشتبه سِرارُه على بني إسرائيل بإذلاله. الثالث ـ إنما فعل ذلك به لأنه وقع في نفسه أن هارون مائلٌ مع بني إسرائيل فيما فعلوه من أمر العجل. ومثل هذا لا يجوز على الأنبياء. الرابع ـ ضَمّ إليه أخاه ليعلم ما لديه؛ فكره ذلك هارون لئلا يظن بنو إسرائيل أنه أهانه؛ فبيّن له أخوه أنهم استضعفوه، يعني عبَدَة العجل، وكادوا يقتلونه أي قاربوا. فلما سمع عذره قال؛ رب ٱغفر لي ولأخي؛ أي ٱغفر لي ما كان من الغضب الذي ألقيت من أجله الألواح، ولأخي لأنه ظنّه مقصِّراً في الإنكار عليهم وإن لم يقع منه تقصير؛ أي ٱغفر لأخي إن قصّر. قال الحسن: عبد كلّهم العجل غير هارون، إذ لو كان ثَمَّ مؤمن غير موسى وهارون لَما ٱقتصر على قوله: رب ٱغفر لي ولأخي، ولدَعَا لذلك المؤمن أيضاً. وقيل: ٱستغفر لنفسه من فعله بأخيه، فعل ذلك لمَوْجِدته عليه، إذ لم يلحق به فيعرّفه ما جرى ليرجع فيتلافاهم؛ ولهذا قال: {أية : يٰهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ} تفسير : [طه: 92-93] الآية. فبيّن هارون أنه إنما أقام خوفاً على نفسه من القتل. فدلَّت الآية على أن لمن خشي القتل على نفسه عند تغيير المنكر أن يَسْكُت. وقد تقدّم بيان هذا في «آل عمران». ابن العربيّ: وفيها دليل على أن الغضب لا يغيّر الأحكام كما زعم بعض الناس؛ فإن موسى عليه السلام لم يغيّر غضبُه شيئاً من أفعاله، بل ٱطردت على مجراها من إلقاء لوح وعتابِ أخ وصكّ مَلَك. المَهْدَوِيّ: لأن غضبه كان لله عز وجل، وسكوته عن بني إسرائيل خوفاً أن يتحاربوا ويتفرّقوا. قوله تعالى: {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ} وكان ٱبنَ أُمّه وأبيه. ولكنها كلمةُ لِين وعطف. قال الزَّجاج: قيل كان هارون أخا موسى لأُمه لا لأبيه. وقُرىء بفتح الميم وكسرها؛ فمن فتح جعل «ٱبن أُم» ٱسماً واحداً كخمسةَ عشر؛ فصار كقولك: يا خمسة عشر أقبلوا. ومن كسر الميم جعله مضافاً إلى ضمير المتكلم ثم حذف ياء الإضافة؛ لأن مبنى النداء على الحذف، وأبقى الكسرة في الميم لتدُلّ على الإضافة؛ كقوله: {أية : يٰعِبَادِ}تفسير : [الزمر: 10]. يدلّ عليه قراءة ابن السَّمَيْقَع «يابنَ أُمّي» بإثبات الياء على الأصل. وقال الكسائي والفرّاء وأبو عبيد: «يابن أُمَّ» بالفتح، تقديره يابن أُمّاه. وقال البصريون: هذا القول خطأ؛ لأن الألف خفيفة لا تحذف ولكن جعل الاسمين ٱسماً واحداً. وقال الأخفش وأبو حاتم: «يابن أُمِّ» بالكسر كما تقول: يا غلام غلام أقبل، وهي لغة شاذّة والقراءة بها بعيدة. وإنما هذا فيما يكون مضافاً إليك؛ فأما المضاف إلى مضاف إليك فالوجه أن تقول: يا غلام غلامي، ويابن أخي. وجوّزوا يابن أُمَّ، يابن عمَّ، لكثرتها في الكلام. قال الزجاج والنحاس: ولكن لها وجه حسن جيّد، يجعل الابن مع الأُم ومع العَمّ ٱسماً واحداً؛ بمنزلة قولك: يا خمسة عشر أقبلوا، فحذفت الياء كما حذفت من يا غلام {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} استذلُّوني وعدّوني ضعيفاً. {وَكَادُواْ} أي قاربوا. {يَقْتُلُونَنِي} بنونين؛ لأنه فعل مستقبل. ويجوز الإدغام في غير القرآن. {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} أي لا تُسرّهم. والشماتة: السرور بما يصيب أخاك من المصائب في الدِّين والدنيا. وهي محرّمة مَنْهِيٌّ عنها. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تظهر الشماتةَ بأخيك فيعافيه الله ويبتليك»تفسير : . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوّذ منها ويقول: «حديث : اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من سوء القضاء ودَرْك الشقاء وشماتة الأعداء»تفسير : . أخرجه البخاريّ وغيره. وقال الشاعر:شعر : إذا ما الدّهرُ جرّ على أُناسٍ كَلاكِلَه أناخَ بآخرينا فقل للشَّامتين بِنَا أفِيقوا سَيَلقَى الشامتون كما لَقِينا تفسير : وقرأ مجاهد ومالك بن دِينار «تَشْمَت» بالنصب في التاء وفتح الميم، «الأعداءُ» بالرفع. والمعنى: لا تفعل بي ما تشمت من أجله الأعداء، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي. وعن مجاهد أيضاً «تَشْمَتْ» بالفتح فيهما «الأعداءَ» بالنصب. قال ابن جِنّي: المعنى فلا تشمت بي أنت يا رب. وجاز هذا كما قال: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة: 15] ونحوه. ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء؛ كأنه قال: ولا تشمت بي، الأعداء. قال أبو عبيد: وحكيت عن حُميد: «فلا تشمِت» بكسر الميم. قال النحاس: ولا وجه لهذه القراءة؛ لأنه إن كان من شَمِت وجب أن يقول تشمت. وإن كان من أشمت وجب أن يقول تشمت وقوله: {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} قال مجاهد: يعني الذين عبدوا العجل. {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} تقدّم.
البيضاوي
تفسير : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا} شديد الغضب وقيل حزيناً. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى} فعلتم بعدي حيث عبدتم العجل، والخطاب للعبدة أو أقمتم مقامي فلم تكفوا العبدة والخطاب لهارون والمؤمنين معه! وما نكرة موصوفة تفسر المستكن في بئس والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، ومعنى من بعدي من بعد انطلاقي، أو من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ} أتركتموه غير تام، كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته، أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم. {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} طرحها من شدة الغضب وفرط الضجر حمية للدين. روي: أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ستة أسباعها وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام. {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} بشعر رأسه. {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} توهماً بأنه قصر في كفهم، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين وكان حمولاً ليناً ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل. {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ} ذكر الأم ليرققه عليه وكانا من أب وأم. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم هنا وفي «طه» «يا ابن أم» بالكسر وأصله يا ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً كالمنادى المضاف إلى الياء، والباقون بالفتح زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيهاً بخمسة عشر. {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى} إزاحة لتوهم التقصير في حقه، والمعنى بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي. {فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأَعْدَاء} فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله. {وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} معدوداً في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبة التقصير.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه من مناجاة ربه تعالى وهو غضبان أسف، قال أبو الدرداء: الأسف: أشد الغضب، {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِىۤ} يقول: بئس ما صنعتم في عبادة العجل بعد أن ذهبت وتركتكم، وقوله: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} يقول: استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدر من الله تعالى؟ وقوله: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} قيل: كانت الألواح من زمرد، وقيل: من ياقوت، وقيل: من برد، وفي هذا دلالة على ما جاء في الحديث: «حديث : ليس الخبر كالمعاينة» تفسير : ثم ظاهر السياق أنه إنما ألقى الألواح غضباً على قومه، وهذا قول جمهور العلماء سلفاً وخلفاً. وروى ابن جرير عن قتادة في هذا قولاً غريباً لا يصح إسناده إلى حكاية قتادة، وقد رده ابن عطية وغير واحد من العلماء، وهو جدير بالرد، وكأنه تلقاه قتادة عن بعض أهل الكتاب، وفيهم كذابون ووضاعون وأفاكون وزنادقة. وقوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} خوفاً أن يكون قد قصر في نهيهم؛ كما قال في الآية الأخرى: {أية : قَالَ يٰهَـٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوۤاْ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى إِنِّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىۤ إِسْرءِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } تفسير : [طه: 92-94] وقال ههنا: {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي: لا تَسُقْني مَساقَهم، وتجعلني معهم، وإنما قال: ابن أم؛ ليكون أرق وأنجع عنده، وإلا فهو شقيقه لأبيه وأمه، فلما تحقق موسى عليه السلام براءة ساحة هارون عليه السلام كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَـٰرُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِى وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِى} تفسير : [طه: 90] فعند ذلك {قَالَ} موسى: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَلأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَٰحِمِينَ} وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يرحم الله موسى، ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه عز وجل أن قومه فتنوا بعده، فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح».
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ } من جهتهم {أَسِفاً } شديد الحزن {قَالَ } لهم {بِئْسَمَا } أي بئس خلافة {خَلَفْتُمُونِى } ها {مِن بَعْدِى } خلافتكم هذه حيث أشركتم {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلالْوَاحَ } ألواح التوراة غضبا لربه فتكسرت {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } أي بشعره بيمينه، ولحيته بشماله {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } غضباً {قَالَ } يا {ٱبْنَ أُمَّ } بكسر الميم وفتحها، أراد: أمي، وذكرُها أعطف لقلبه {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ } قاربوا {يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ } تُفرح {بِىَ ٱلأَعْدَآءَ } بإهانتك إياي {وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ } بعبادة العجل في المؤاخذة.
ابن عطية
تفسير : يريد رجع من المناجاة، ويروى: أنه لما قرب من محلة بني إسرائيل سمع أصواتهم فقال: هذه أصوات قوم لاهين، فلما تحقق عكوفهم على عبادة العجل داخله الغضب والأسف وألقى الألواح، قاله ابن إسحاق، وقال الطبري: أخبره الله تعالى قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل فلذلك رجع وهو غاضب، و "الأسف" قد يكون بمعنى الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن والمعنيان مترتبان هاهنا، و"ما" المتصلة بـ "بئس" مصدرية، هذا قول الكسائي، وفيها اختلاف قد تقدم في البقرة، أي بئس خلافتكم لي من بعدي، ويقال: خلفه بخير أو بشر إذا فعله بمن ترك من بعده، ويقال عجل فلان الأمر إذا سبق فيه، فقوله: {أعجلتم} معناه: أسابقتم قضاء ربكم واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر به، وقوله تعالى: {وألقى الألواح} الآية، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان سبب إلقائه الألواح غضبه على قومه في عبادتهم العجل وغضبه على أخيه في إهمال أمرهم، وقال قتادة إن صح عنه: بل كان ذلك لما رأى فيها من فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرغب أن يكون ذلك لأمته فلما علم أنه لغيرها غضب. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول رديء لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام به والأول هو الصحيح، وبالجملة فكان في خلق موسى عليه السلام ضيق وذلك مستقر في غير موضع، وروي أنها كانت لوحان وجمع إذ التثنية جمع، وروي أنها كانت وقر سبعين بعيراً يقرأ منها الجزء في سنة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف مفرط، وقاله الربيع بن أنس، وقال ابن عباس: إن موسى لما ألقاها تكسرت فرفع أكثرها الذي فيه تفصيل كل شيء وبقي الذي في نسخته الهدى والرحمة، وهو الذي أخذ بعد ذلك، وقد تقدم القول من أي شيء كانت الألواح، وأخذه برأس أخيه ولحيته من الخلق المذكور، هذا ظاهر اللفظ، وروي أن ذلك إنما كان ليساره فخشي هارون أن يتوهم الناظر إليهما أنه لغضب فلذلك نهاه ورغب إليه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح لقوله {أية : فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} تفسير : [طه:94] وقوله: {يا ابن أم} استلطاف برحم الأم إذ هو ألصق القرابات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم "ابن أمَّ" بفتح الميم فقال الكوفيون أصله ابن أماه فحذفت تخفيفاً، وقال سيبويه هما اسمان بنيا على الفتح كاسم واحد كخمسة عشر ونحوها، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي "ابن أمِّ" بكسر الميم، فكأن الأصل ابن أمي فحذفت الياء إما على حد حذفهم من: لا أبال ولا أدر تخفيفاً، وإما كأنهم جعلوا الأول والآخر اسماً واحداً ثم أضافوا كقولك يا أحد عشر أقبلوا، قاله سيبويه، وهذا أقيس من الحذف تخفيفاً، ثم أضافوا ياء المتكلم، ثم حذفت الياء من أمي على لغة من يقول يا غلام فيحذفها من المنادى، ولو لم يقدر جعل الأول والآخر اسماً واحداً لما صح حذفها لأن الأم ليست بمناداة، و {استضعفوني} : معناه اعتقدوا أني ضعيف، وقوله: {كادوا} معناه قالوا ولم يفعلوا، وقرأ جمهور الناس "فلا تُشْمِت بي الأعداء" بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء، وقرأ مجاهد فيما حكاه أبو حاتم "فلا تَشمَت بي" بفتح التاء من فوق والميم ورفع "الأعداءُ" أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله أنت بي، وقرأ حميد بن قيس " تَشمِت " بتاء مفتوحة وميم مكسورة ورفع "الأعداءُ" حكاها أبو حاتم، وقرأ مجاهد أيضاً فيما حكاه أبو الفتح "فلا تَشمَت بي الأعداءَ" بفتح التاء من فوق والميم ونصب الأعداء، هذا على أن يعدى شمت يشمت، وقد روي ذلك، قال أبو الفتح: فلا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما قال تعالى: {أية : يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة:15] ونحو ذلك، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء كأنه قال: لا تشمت بي الأعداء كقراءة الجماعة. قال القاضي أبو محمد: وفي كلام أبي الفتح هذا تكلف، وحكى المهدوي عن ابن محيصن: "تَشِمت" بفتح التاء وكسر الميم، "الأعداءَ" بالنصب، والشماتة: فرحة العدو بمصاب عدوه، وقوله: {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} يريد عبدة العجل.
ابن عبد السلام
تفسير : {أَسِفاً} حزيناً، أو شديد الغضب، أو مغتاظاً، أو نادماً. والأَسِف: المتأسف على فوت ما سلف، غضب عليهم لعبادة العجل أسفاً على ما فاته من المناجاة، أو غضب على نفسه من تركهم حتى ضلُّوا أسفاً على ما رآهم عليه من المعصية، قال بعض المتصوفة: أغضبه الرجوع عن مناجاة الحق إلى مخاطبة الخلق. {أَمْرَ رَبِّكُمْ} وعده بالأربعين، ظنوا موت موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما لم يأتهم على رأس الثلاثين، أو وعده بالثواب على عبادته فعدلتم إلى عبادة غيره، والعجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، والسرعة: عمله في أول أوقاته. {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ} غضباً لما رأى عبادة العجل، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو لما رأى فيها أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خيرُ أمة أُخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالله، قال: رب اجعلهم أمتي، قال: تلك أمة أحمد فاشتدّ عليه فألقاها، قاله قتادة. فلما ألقاها تكسرت ورفعت إلا سبعها، وكان في المرفوع تفصيل كل شيء، وبقي الهدى والرحمة في الباقي فـ {أية : أَخَذَ الآَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} تفسير : [الأعراف: 154] وقال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ تكسرت الألواح ورُفعت إلا سدسها. {بِرَأْسِ أَخِيهِ} بأذنه، أو شعر رأسه، كما يقبض الرجل منا على لحيته ويعض على شفته، أو يجوز أن يكون ذلك في ذلك الزمان بخلاف ما هو عليه الآن من الهوان. {أبْنَ أُمَّ} كان أخاه لأبويه، أو استعطفه بالرحمة كما في عادة العرب قال: شعر : يا ابن أمي ويا شُقَيِّقَ نفسي ...................... تفسير : {مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} لا تغضب عليَّ كما غضبت عليهم، فَرَقَّ له، فـ {أية : قَالَ رَبِّ أغْفِرْ لِي وَلأَخَي}تفسير : [الأعراف: 151].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق ابن عباس في قوله {أسفاً} قال: حزيناً . وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً} قال: حزيناً على ما صنع قومه من بعده . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {غضبان اسفاً} قال: حزيناً وفي الزخرف {أية : فلما آسفونا} تفسير : [الزخرف: 55] يقول: اغضبونا. والأسف على وجهين: الغضب والحزن . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {أسفاً} قال: جزعاً. وأخرج أبو الشيخ عن أبي الدرداء قال: الأسف: منزلة وراء الغضب أشد من ذلك . وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن كعب قال: الأسف: الغضب الشديد . وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : ايزحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر ما تكسر " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم قال: كان موسى عليه السلام إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً . وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: لما ألقى موسى الألواح تكسرت، فرفعت إلا سدسها . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: كتب الله لموسى في الألواح فيها {أية : موعظة وتفصيلاً لكل شيء}تفسير : [الأعراف: 145] فلما ألقاها رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، يقول الله {أية : وفي نسختها هدى ورحمة} تفسير : [الأعراف: 154] يقول: فيما بقي منها. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: أوتي رسول الله صلى عليه وسلم السبع المثاني وهي الطوال وأوتي موسى ستاً، فلما ألقى الألواح رفعت أثنتان وبقيت أربع . وأخرج أبو الشيخ عن الربيع في قوله {وألقى الألواح} قال: ذكر أنه رفع من الألواح خمسة أشياء، وكان لا ينبغي أن يعلمه الناس {أية : إن الله عنده علم الساعة} تفسير : [لقمان: 34] إلى آخر الآية . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد وسعيد بن جبير قال: كانت الألواح من زمرد، فلما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: اخبرت أن الواح موسى كانت تسعة، فرفع منها لوحان وبقي سبعة . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} قال: مع أصحاب العجل .
ابو السعود
تفسير : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ} شروعٌ في بـيان ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعِه من الميقات إثرَ بـيانِ ما وقع من قومه بعده، وقولُه تعالى: {غَضْبَـٰنَ أَسِفًا} حالان من موسى عليه السلام أو الثاني من المستكنّ في غضبانَ والآسِفُ الشديدُ الغضبِ وقيل: الحزين {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى} أي بئسما فعلتم من بعد غَيْبتي حيث عبدتم العجلَ بعد ما رأيتم فعلي من توحيد الله تعالى ونفيِ الشركاءِ عنه وإخلاصِ العبادةِ له أو من حملكم على ذلك وكفِّكم عما طمَحَت نحوه أبصارُكم حيث قلتم: اجعلْ لنا إلٰهاً كما لهم آلهةٌ ومن حق الخلفاءِ أن يسيروا بسيرة المستخلِفِ فالخطابُ للعبَدَة من السامريِّ وأشياعِه، أو بئسما قمتم مَقامي ولم ترعوا عهدي حيث لم تكفوا العبَدَةَ عما فعلوا، فالخطابُ لهارونَ ومن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : قَالَ يَـا هَـٰرُونَ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ أَن لا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } تفسير : [طه: 92 - 93] ويجوز أن يكون الخطابُ للكل على أن المرادَ بالخليفة ما يعم الأمرين المذكورين، وما نكرةٌ موصوفةٌ مفسِّرةٌ لفاعل بئس المستكنِّ فيه والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديره بئس خلافةً خلفتمونيها من بعدي خلافتُكم {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ} أي تركتموه غيرَ تام على تضمين عجِلَ معنى سبَق، يقال: عجِل عن الأمر إذا تركه غيرَ تام أو أعجِلتم وعدَ ربِّكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدّرتم موتي وغيّرتم بعدي كما غيرت الأممُ بعد أنبـيائِهم {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} طرحها من شدة الغضبِ وفرطِ الضجر حميةً للدين. روي أن التوراةَ كانت سبعةَ أسباعٍ في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفعت ستةُ أسباعِها التي كان فيها تفصيلُ كلِّ شيءٍ وبقي سُبعٌ كان فيه المواعظُ والأحكامُ {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} بشعر رأسِه عليهما السلام {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} حال من (أخذ)، فعلَه عليه السلام توهما أنه قصّر في كفهم، وهارونُ كان أكبرَ منه عليهما السلام بثلاث سنينَ وكان حَمولاً ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل. {قَالَ} أي هارون لموسى عليهما السلام {ٱبْنَ أُمَّ} بحذف حرف النداءِ، وتخصيصُ الأم بالذكر مع كونهما شقيقين لما أن حقّ الأمِّ أعظمُ وأحقُّ بالمراعاة مع أنها كانت مؤمنةً وقد قاست فيه المخاوفَ والشدائد وقرى بكسر الميم بإسقاط الياءِ تخفيفاً كالمنادى لمضافِ إلى الياء وقراءةُ الفتح لزيادة التخفيف أو لتشبـيهه بخمسةَ عشرَ {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى} إزاحةً لتوهم التقصيرِ في حقه، والمعنى بذلتُ جُهدي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي {فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأَعْدَاء} أي فلا تفعلْ بـي ما يكون سبباً لشماتتهم بـي {وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ} أي معدوداً في عدادهم بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير، وهذا يؤيد كونَ الخطابِ للكل، أو لا تعتقد أني واحدٌ من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} [الآية: 150]. قال: آسفًا على ما فاته من مخاطبة الحق إلى مخاطبة من لا أوزان لهم، فرده من شوقه إلى شاهده ليلاً يقطعه من حال شوقه {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}. قال ابن عطاء: غضبان على نفسه حيث ترك قومه حتى ضلوا، آسفًا على مناجاة ربه. قال بعضهم: ماقتًا نفسه متأسفًا على ما فاته من اختصاصه بالمخاطبة. قال بعضهم: من رأى من قومه من ارتكاب مخالفة الله وقيل: أغضبه الرجوع عن مفاجأة الحق إلى مخاطبة الخلق. قوله تعالى: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ}. قال القرشى: من تحرك غيرة للحق فإن الحق يحفظ عليه حدوده، لئلا تخرجه الحركة إلى شىء مذموم، كموسى لما ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما رأى قومه يعبدون العجل، فلم يعاتبه الله على ذلك، ولو باشر أحدٌ من الكسر والأخذ ما باشر موسى، كان ملومًا على ذلك ولكن حركة موسى كانت بِلا حَظٍ لموسى فيها، بل قام غيرة لله وابتغاء ماله، فلم يزدد بذلك من الحق إلا قربًا.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}. لو وجد موسى قومه بألف ألف وِفاقٍ لكان متنغِّصَ العيش لِمَا مني به من حرمان سماع الخطاب والرد إلى شهود الأغيار.. فكيف وقد وجد قومه قد ضلوا وعبدوا العجل؟ ولا يُدْرَى أيُّ المحن كانت أشدَّ على موسى: أَفِقدانُ سماع الخطابِ؟ أو بقاؤه عن سؤال الرؤية؟ أو ما شاهد من افتنان بني إسرائيل، واستيلاء الشهوة على قلوبهم في عبادة العجل؟ سبحان الله! ما أَشدَّ بلاءه على أوليائه! قوله جلّ ذكره: {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}. إن موسى عليه السلام وإنْ كان سَمِعَ من اللهِ فتَنَ قومه فإنه لما شَاهَدَهُم أثَّرت فيه المشاهدةُ بما لم يؤثر فيه السماع، وإنْ عُلِمَ قطعاً أنه تأثر بالسماع إلا أن للمعاينة تأثيراً آخر. ثم إن موسى لما أخذ برأس أخيه يجره إليه استلطفه هارونُ في الخطاب. فقال: {أية : يَبْنَؤُمَّ}تفسير : [طه: 94] فَذَكَرَ الأمَّ هنا للاسترفاق والاسترحام. وكذلك قوله: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي}تفسير : [طه: 94] يريد بهذا أنه قد توالت المحنُ علي فذرني وما أنا فيه، ولا تَزِدْ في بلائي، خلفتني فيهم فلم يستنصحوني. وتلك عليَّ شديدةٌ. ولقيتُ بَعْدَكَ منهم ما ساءني، ولقد علمت أنها كانت علي عظيمة كبيرة، وحين رجعتَ أخذتَ في عتابي وجر رأسي وقصدْتَ ضربي، وكنت أود منك تسليتي وتعزيتي. فرِفقاً بي ولا تُشْمِتْ بي الأعداء، ولا تضاعِفْ عليّ البلاء. وعند ذلك رقَّ له موسى - عليه السلام، ورجع إلى الابتهال إلى الله والسؤال بنشر الافتقار فقال: {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} وفي هذا إشارة إلى وجوب الاستغفار على العبد في عموم الأحوال، والتحقق بأنَّ له - سبحانه - تعذيبَ البريءِ؛ إذ الخلقُ كُلُّهم مِلْكُه، وتَصَرُّفُ المالكِ في مِلْكه نافذٌ. ويقال: ارتكابُ الذَّنْبِ كان من بني إسرائيل، والاعتذارُ كان من موسى وهارون عليهما السلام، وكذا الشرط في باب خلوص العبودية.
البقلي
تفسير : { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} وصل الى كليم المضرب قهر ترانى ورجع غضبانا منه عليه من غلبة انبساطه وشربه وكرس سم افاعى الفرق اسفا مما فات من وصول الوصول ورجع الى قومه مع شريعة العبودية فى تلك الحالة وراى عبده العجل صار كاسود الجياع واخيه فان الكليم رجع من باب الازل الذى كان الحدثان هناك باسرها اقل من ذرة فراى دناءه هم القوم حين اختراوا مصنوعهم بالالهية واين اعقل والفهم والعلم والانسانية هناك العقل لا يقبل من وصفه التغير والاصوات والخوار المشابهة والجسدية والمملاثلة بالالوهية المنزعة عن المتاشبه باشكال الحدثان الا ترى ان الله عز وجل وصف العجل بالعرض والجوهر حيث قال عجلا جسدا له خوار ووصفه بانه لا يكلمهم من عجزه عن ابداع الكلام ولا يهديهم الى سبيل تجاتهم من قهر ربوبيته الازل وليس من يقدر بالكلام فهو اله ارادته لا يكلمهم مثل كلام الازلى الذى يكلمهم الله الذى من وصفه انه صفة الازل المنزه عن الخوار والاصوات والهمهمة والانفاس والحروف والقياس قيل اسفا على ما فاته من مخاطبة الحق الى مخاطبة من لا اوزان لهم فرده من شوقه الى مشاهدة لئى يقطعه وحال شوقه ومن بقيه سكره وغضبه من فوت مكالمة الحق واسفه على قوت مشاهدته الىقى الالواح واخذ برأس اخيه يجره اليه ان الله سبحانه علم شوق موسى الى جماله وعشقه بوجهه فاراه كل وقت ما اغراه عليه لزيادة خرقة وهيجانه اغضبه لان الله احب غضب كليمة وهكذا عادة الاحباب فابرز من اول اللوح نعوت نبينا صلى الله عليه وسلم فلما راى بينه وبين حبيبه من اقرب منه اليه غضب من غيره العشق وهكذا شان العاشقين وايضا ذكر ايام الوصال وطيب المناجاة بغير واسطة الالواح فالجاء فوت تلك المقامات الى كسر الالواح فالقى الالواح لانها عراضة بينه وبين خطاب محبوبه صرفا بلا واسطة وجراخيه اليه لانه راه فى مقام الشريعة مشغولا عن تلك المواقف القدسية التى خرج منها قال ابو سعيد القرشى من تحرك غيرة للحق فان الحق يحفظ عليه حوده لئلا يخرجه الحركة الى شئ مذموم كموسى لما القى الالوح واخذ برأس اخيه يجره لما راى قومه يعبدون العجل فلما يعابته الله على ذلك ولو باشر احد من الكسر والاخذ ما باشر موسى كان ملوما ولكن حركة موسة كانت ملاحظ لموسى فيه بل قام غيره الله وانتقاله فلم يزد وبذلك من الله الا قربا.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما رجع موسى} من جبل الطور {الى قومه} حال كونه {غضبان اسفا} اى شديد الغضب يقال آسفنى فاسفت اى اغضبنى فغضبت ومنه قوله تعالى {أية : فلما آسفونا انتقمنا منهم} تفسير : [الزخرف: 54]. وهو يدل على انه عليه السلام كان عالما باتخاذهم العجل آلها قبل مجيئه اليهم بسبب انه تعالى اخبره فى حال المكالمة بما كان من قومه من عبادة العجل {قال بئسما خلفتمونى من بعدى} اى ساء ما عملتم خلفى ايها العبدة بعد غيبتى وانطلاقى الى الجبل لانه يقال خلفه بما يكره اذا عمل خلفه ذلك. وما نكره موصوفة مفسرة لفاعل بئس المستكن فيه والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعد خلافتكم {أعجلتم امر ربكم} الهمزة للانكار اى اتركتموه غير تام كأنه ضمن عجل معنى سبق والا فعجل يتعدى بعن يقال عجل عن الامر اذا تركه غير تام ونفيضه تم عليه. والمعنى أعجلتم عن امر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما اوصاكم به الى ان يجيء. فالامر واحد الاوامر او انه بمعنى المأمور به. والعجلة العمل بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة بخلاف السرعة فانها غير مذمومة لكونها عبارة عن العمل بالشيء فى اول وقته. وفى التأويلات النجمية استعجلتم يا صفات الروح بالرجوع الى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل اوانه من غير ان يأمر به ربكم وفيه اشارة الى ان ارباب الطلب واصحاب السلوك لا ينبغى ان يلتفتوا الى شيء من الدنيا ولا يتعلقوا بها فى اثناء الطلب والسلوك لئلا ينقطعوا عن الحق اللهم الا اذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا الى كعبة وصال المولى فلهم ان يرجعوا الى الدنيا لدعوة الخلق الى المولى وتسليكهم فى طريق الدنيا والعقبى {والقى الالواح} التى كانت فيها التوراة من يده {واخذ برأس اخيه} اى بشعر رأس هارون حال كونه اى موسى {يجرهُ اليه} [بطرف خود كشيد اورا بطريق معاتبه نه ازروى اهانت] توهما انه قصر فى كفهم وهارون كان اكبر منه بثلاث سنين وكان حمولا لينا ولذلك كان احب الى بنى اسرائيل {قال} اى هارون مخاطبا لموسى {ابن ام} بحذف حرف النداء واصله يا ابن اما حذفت الالف المبدلة من الياء اكتفاء بالفتحة زيادة فى التخفيف لطوله باشتماله على اضافة بعد اضافة وكان هارون اخاه لاب وام ولكنه ذكر الام ليرفقه عليه اى يحمله على الرفق والشفقة وعلى هذا طريق العرب {ان القوم استضعفونى وكادوا يقتلوننى} ازاحة لتوهم التقصير فى حقه. والمعنى بذلت وسعى فى كفهم حتى قهرونى واستضعفونى وقاربوا قتلى {فلا تشمت بى الاعداء} اى فلا تفعل بى ما يكون سببا لشماتتهم بى وبالفارسى [بس شادمان مكردان بمن دشمنانرا وجنان مكن كه آرزوى ايشان حاصل شود از اهانت من] يقال شمت به يشمت شماتة من باب علم يعلم اذا فرح ببلية اصابت عدوه ثم ينقل الى باب الافعال للتعدية فالشماتة [شادى كردن بمكر وهى كه دشمن رارسد] ويعدى بالباء. والاشمات [شاد كام كردن دشمن] كما فى تاج المصادر وشماتة العدو اشد من كل بلية فلذلك قيل والموت دون شماتة الاعداء {ولا تجعلنى مع القوم الظالمين} اى معدودا فى عدادهم بالمؤاخذة او النسبة الى التقصير. والاشارة ان هارون القلب اخ موسى الروح والاعداء النفس والشيطان والهوى والقوم الظالمون هم الذين عبدوا عجل الدنيا ةهم صفات القلب يشير الى ان صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعوناتها ومن هنا يكون شنشنة الشطار من ارباب الطريقة ورعوناتهم وزلات اقدامهم ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وانما تتغير صفاته كما ان النفس لا تتغير من حيث هى هى عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها وانما تتغير صفاتها من الامارية الى اللوامية والملهمية والمطمئنية والرجوع الى الحق ولو وكلت الى نفسها طرفة عين لعادت المشومة الى طبعها وجبلتها سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ابن عجيبة
تفسير : الإشارة: {بئسما}: "ما" نكرة موصوفة: تمييز، تفسير للضمير المستكن في (بئس)، والمخصوص: محذوف، أي: بئس شيئًا خلفتموني خلافتكم هذه، و {ابن أم}: منادى مضاف، منصوب بفتحة مقدرة قبل ياء المتكلم، وأصله: ابن أمي، فحذفت الياء، وفتحت الميم تخفيفًا. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولما رجعَ موسى} من ميقاته {إلى قومه غضبان} على قومه، {أسِفًا} أي: حزينًا عليهم حيث ضلوا، {قال} لهم، أو لأخيه ومن معه من المؤمنين: {بئسما خلفتُموني من بعدي} أي: من بعد انطلاقي إلى المناجاة، {أعَجِلتُم أمرَ ربكم} أي: أسابقتم قضاء ربكم ووعده، واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدَّر فيه، أو أعجلتم عقوبة ربكم وإهلاكه لكم حيث عبدتم غيره. {وألقى الألواحَ}؛ طرحها من شدة الغضب حمية للدين، رُوِي أن التوراة كانت سبعة أسفار في سبعة ألواح، فلما ألقاها انكسرت، فرفع ستةَ أسبَاعِها، وكان فيها تفصيل كل شيء، وبقي سُبعٌ كان فيه المواعظ والأحكام، {وأخذَ برأسِ أخيه}: بشعر رأسه {يَجرُّه إليه}؛ توهمًا في أنه قصَّر في زجرهم، وهارونُ كان أكبر منه بثلاث سنين، وكان حمولاً لَيِّنًا، ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل، ولما رأى هارونُ ما يفعل به أخروه {قال ابنَ أُمَّ}؛ ذكر الأم ليرقّقه، وكان شقيقًا له، {إنَّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} حين أنكرتُ عليهم، فقد بذلتُ جهدي في كفهم، وقهروني حتى قاربوا قتلي، فلم أُقَصِّر، {فلا تُشمت بي الأعداء}؛ فلا تفعل بي ما يشمتون بي، أي: يستشفون بي لأجله، {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} معدودًا في عدادهم بالمؤاخذة، أو نسبة التقصير. {قال} موسى: {ربِّ أغفر لي} ما صنعتُ بأخي، {ولأخي}؛ إن فرَّط في كفَّهم، {وأدخلنا في رحمتك} بمزيد الإنعام علينا، {وأنت أرحمُ الراحمين} فأنت أرحم منا على أنفسنا. قال تعالى: {إن الذين اتخذوا العِجلَ سينالُهم غضبٌ من ربهم}؛ وهو ما أمرهم من قتل أنفسهم، أو الطاعون الذي سلط عليهم، {وذلةٌ في الحياة الدنيا} وهي ضرب الجزية والهوان إلى يوم القيامة، {وكذلك نجزي المفترين} على الله، ولا فرية أعظم من فريتهم، حيث {قالوا هذا إلهكم وإله موسى}، ولعله لم يفترِ أحدٌ مثلها قبلهم ولا بعدهم، حيث جعلوا البقر إلههم وإله الرسول، نسأل الله الحفظ. ثم ذكر توبتهم، فقال: {والذين عَمِلُوا السيئات} من الكفر والمعاصي، {ثم تابوا من بعدها}؛ من بعد السيئات {وآمنوا} واشتغلوا بما يقتضيه الإيمان من الأعمال الصالحات، {إنَّ ربك من بعدها} من بعد التوبة {لغفورٌ رحيم} وإن عَظُم الذنب؛ كجريمة عَبَدَة العجل ـ وكَثُر؛ كجرائم بني إسرائيل. الإشارة: الغضب لله وبالله، والأسف على دين الله، من أمارة الغَيرة على دين الله، لكنَّ صاحب هذا المقام مالك نفسه، يظهر الغلظة ويبطن الرحمة، قيامًا بشهود الحكمة والقدرة، وأما ما صدر من سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ فتشريع لأهل التشريع، لئلا يقع التساهل في تغيير المناكر. وساق الإمام الهروي هذه الآية في منازل السائرين في باب المراد، وهو المخصوص من ربه بما لم يُرِده هو ولا خطر بباله، والإشارة بذلك إلى الضَّنَائِن الذين وَرَدَ فيهم الخبر: "حديث : إنَّ للهِ ضَنَائِن من خَلقِه، ألبَسَهُم النُور السَّاطِع، وغذاهُم فِي رَحَمِتِه، وفَعَلَ بِهم وفَعَلَ..." تفسير : أورده الإمام أو نعيم في الحلية. وحاصله: أن المُرادين هم قوم مخصوصون، ملطوف بهم، محمول عنهم، ومنه: { أية : ومَا كُنتَ تَرْجُوَاْ أَن يُلْقَىَ إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِن رَّبِكَ }تفسير : [القَصَص:86] فقد خُص ـ عليه الصلاة والسلام ـ بما لم يخطر على باله قبل النبوة. قال الهروي: والمراد: ثلاث درجات: الدرجة الأولى: أن يُعصمَ العبد وهو مستشرف للجفا؛ اضطرارًا بتنغيص الشهوات وتعويق الملاذ، وسد مسالك المعاطب عليه، إكرامًا، والدرجة الثانية: أن توضع عن العبد عوارض النقص، ويعافيه من سمة اللائمة، ويملكه عواقب الهفوات، كما فعل لسليمان عليه السلام في قتل الخيل؛ حمله على الريح الرُخاء، فأغناه عن الخيل، وكما فعل لموسى عليه السلام؛ حين ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه لم يعتب عليه كما عتب على آدم ونوح وداود ويونس ـ عليهم السلام ـ. هـ. قال شارحه الإمام عبد المعطي السكندري: وهذه الدرجة أتم في الحمل على الأعمال وركوب الأهوال، والتلطف في تعليم الإقبال مما قبلها، فإن ما قبلها منعٌ من الشهوات وصيانة عن الآفات؛ جبرًا وقهرًا وحفظًا، وهذا حفظ عنها؛ بإظهار صفح برفق وإكرام ولطف، فتقوى المحبة في القلب، فيحمل ذلك على سرعة الموافقة، ومتى عرف العبد تقصيره في حق مولاه، ورأى مع ذلك تجاوزه عنه، وإحسانه إليه، فضلاً عن ترك مؤاخذته بما جناه، انغرس في قلبه محبته، وقوى بذلك نشاطه، وخفت عليه الأعمال، وقويت منه الأحوال، فكلاهما محفوظ مُعَان، إلا أن الأول قهر مع تعلقه، وهذا إكرام ولطف بعد جريان هفوته، ثم ذكر الدرجة الثالثة، فانظره. هـ. بنقل المحشي. ثم كمَّل القصة، فقال: {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن عامر "ابن أم" بكسر الميم. الباقون بالفتح والقراء كلهم على {تُشمِت} بضم التاء. وقرأ حميد الاعرج، ومجاهد "لا تَشمت" بفتح التاء. واللغة الفصيحة بضم التاء من (أشمت) وقد ذكر: شمت يَشمت، وأشمت يُشمت. أخبر الله تعالى في هذه الآية أن موسى حين رجع من مناجاة ربه رجع غضبان آسفاً، لما رأى من عكوف قومه على عبادة العجل. والغضب معنى يدعو الى الانتقام على ما سلف وهو يضادُّ الرضا، يقال: غضب غضباً وأغضبه إِغضاباً وغاضبه مغاضبة وتغضب تغضباً، والأسف الغضب الذي فيه تأسف على فوت ما سلف. وقال ابن عباس: أسفاً يعني حزيناً، وقال أبو الدرداء: معناه شديد الغضب بدلالة قوله تعالى {أية : فلما آسفونا انتقمنا}تفسير : ومعناه أغضبونا كغضب المتحسر في الشدة، وهو مجاز في الصفة. وقوله تعالى {بئس ما خلفتموني من بعدي} معناه بئس ما عملتم خلفي، يقال: خلفه بما يكره وخلفه بما يحب إِذا عمل خلفه ذلك العمل يقال: خلف خلفاً، وأخلف إِخلافاً، وخالفه مخالفة، واختلف اختلافاً، واستخلف استخلافاً وتخلَّف تخلفا، وخلف تخليفا، وتخالفا تخالفاً. وقوله {أعجلتم أمر ربكم} قال الجبائي معناه أعجلتم منه ما وعدكم من ثوابه ورحمته، فلما لم تروه فعل بكم ذلك كفرتم، واستبدلتم به عبادة العجل، والعجلة التقدم بالشىء، قبل وقته، والسرعة عمله في أول وقته، ولذلك صارت العجلة مذمومة، والسرعة محمودة ويقال: عجلته أي سبقته وأعجلته استحثثته. وقوله {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الجبائي: إِنما هو كقبض الرجل منا على لحيته وعضه على شفته أو إِبهامه، فأجرى موسى هارون مجرى نفسه، فقبض على لحيته، كما يقبض على لحية نفسه اختصاصاً. وقال أبو بكر بن الاخشيد: إِن هذا أمر يتغير بالعادة ويجوز أن تكون العادة في ذلك الوقت أنه اذا أراد الانسان أن يعاتب غيره لا على وجه الهوان أخذ بلحيته وجره اليه ثم تغيرت العادة الآن وقال: انما أخذ برأسه ليسر اليه شيئا أراده. وقال {يابن أم} حكاية عما قال هارون لموسى حين أخذ برأسه خوفاً من أن يدخل الشبهة على جهال قومه، فيظنون أن موسى فعل ذلك على وجه الاستخفاف به والانكار عليه {يابن أم إِن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني}. ومن فتح ميم (أم) تحتمل قراءته أمرين: أحدهما - أنه بني لكثرة اصطحاب هذين حتى صار بمنزلة اسم واحد مع قوة النداء على التغيير نحو خمسة عشر. الثاني - أنه على حذف الألف المبدلة من ياء الاضافة، كما قال الشاعر: شعر : يا بنية عما لا تلومي واهجعي تفسير : والقياس يابن أمي، ومن كسر الميم اضافة الى نفسه بعد أن جعله اسماً واحداً، ومن العرب من يثبت الياء كما قال الشاعر: شعر : يابن أمي ويا شقيق نفسي أنت خليتني لدهر شديد تفسير : وقال الآخر: شعر : يابن أمي ولو شهدتك إِذ تدعو تميماً وأنت غير مجاب تفسير : وقال الحسن: كان أخاه لأبيه وأمه، والعرب تقول ذلك على وجه الاستعطاف بالرحم. وقوله {فلا تشمت بي الأعداء} فالشماتة سرور العدو بسوء العاقبة تقول: شمت به شماتة وأشمته إِشماتاً اذا عرضته لتلك الحال. وقوله {وألقى الألواح} يعني رماها. وقال مجاهد: كانت من زمرد أخضر. وقال سعيد بن جبير: كانت من ياقوت أحمر، وقال أبو العالية: كانت من زبرجد، وقال الحسن: كانت من خشب. وقوله {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} سؤال من هارون لموسى ألا يشمت به عدوه ولا يجعله في جملة القوم الظالمين لبراءة ساحته مما فعل قومه، فلما ظهر لموسى براءة ساحة هارون بأن له عذراً، عذره في المقام بينهم من خوفه على نفسه قال عند ذلك {رب اغفر لي ولأخي}.
الهواري
تفسير : قوله: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} أي حزينا. وقال بعضهم: الأسف شدة الغضب {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ} قال مجاهد: مع أصحاب العجل. {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} يعني الجنة {وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني بالذلة الجزية. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ} أي لعبادتهم العجل. افتروا على الله إذ زعموا أن العجل إلَههم. قوله: {وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا} أي من بعد تلك السيئات {وَءَامَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {ولمَّا رجَعَ مُوسى إلى قَوْمهِ} بنى إسرائيل من مناجات ربه {غَضْبانَ أسِفاً} حزينا عند ابن عباس والسدى، وشديد الغضب عند أبى الدرداء، قيل: إذا جاءك ما تكره ممن تقدر عليه حزنت، فالغضب هنا على قومه إذا اتخذوا العجل إلهاً، والحزن من حيث إن الله فتنهم. {قالَ بئْسَما خَلفْتُمونى مِنْ بَعْدى} ما مصدرية، أى بئس خلافتكم نكرة موصوفة بخلفتمونى، واقعة على خلافة، والرابط محذوف، أى بئس خلافة خلفتمونيها وهى فاعل، أو تمييز لفاعل مستتر، والمخصوص بالذم محذوف، أى خلافتكم، والخطاب لعبدة العجل، أى بئس مقام أقمتموه من بعد انطلاقى، أو من بعد إيضاحى لكم الحق وهو التوحيد إذ عبدتموا العجل، أو لهارون ومن معه من المؤمنين، أى بئس مقام أقمتموه عنى من بعد انطلاقى أو إيضاحى، إذ لم تكفوهم عن عبادة غير الله، أو للكل وهو أفيد، واختار بعضهم الثانى لقوله تعالى: {أية : اخلفنى فى قومى} تفسير : وسكن غير نافع وابن كثير وأبى عمر ياء من بعدى. {أعجِلْتم أمْر ربِّكُم} منصوب على نزع الخافض، أى عن أمر ربكم، أى مأموره أو ضمن عجل معنى سبق فتعدى بنفسه، أى أسبقتموه مثل من كان مماشيا للشىء ثم سبقه وتركه وراءه، أو هو من عجل الذى بمعنى سبق لا المتعدى المضمن معنى سبق، وذلك أنهم تركوا أمر الله غير تام، وإتمامه أن يدوموا على العبادة والتوحيد، أو أن وعد الله على تمام الأربعين فسبقوه بعبادة العجل، أو قدروا موت موسى أو ضلاله عن الله، وغيروا كما تغير الأمم بعد أنبيائها، روى أن السامرى قال لهم بعد الثلاثين أو العشرين: إن موسى لا يرجع وقد مات، فأمر الله دينه أو وعده لموسى، وقيل: سخطه أى أعجلتم إلى سخطه. {وألْقى الألْواحَ} طرحها من شدة الغضب والحمية لدين الله، وشدة ملله منهم، كان يجتهد فى استقامتهم، وما زالوا يعوجون فتكسرت بإلقائه، فرفع من التوراة ستة أسباع ما فيها، وهى تفصيل كل شىء، وإخبار الغيب، وبقى سبع هو المواعظ والأحكام، والحلال والحرام، ونفس الألواح باق لقوله: {أية : أخذ الألواح} تفسير : وقيل: لم تتكسر ولم يرفع منها شىء، وقد قيل: إن الألواح سبعة، وفى ذلك مصداق لشيئين: الأول: ذم العَجَلة إذ غاب الله عليهم عجلهم أمر ربهم، أى أعاملتم أمر الله بقبيح وهو العَجَلة، وهى عمل الشىء قبل وقته، وليس قول موسى: {أية : وعجلت إليك رب لترضى} تفسير : دليلا على حسن العجلة كما قال بعض فإنه لا يخفى أن الوقوف على الشىء فى وقته إذا كان محدودا بوقت أولى، بل أوجب، وأما السرعة فغير مذمومة وهى عمل الشىء فى أول وقته. الثانى: ما يقال من أنه ليس الخبر كالعيان، فإن موسى قد أخبره بفتنة قومه بالعجل، فلم يلق الألواح وهو مصدق بأخباره تصديقا راسخا، فلما شاهد الأمر ألقاها. وما قيل عن قتادة من أنه ألقى الألواح لما رأى فيها من فضيلة لهذه الأمة، لا لأمته غير صحيح عنه، وغير جائز وصف موسى به، ولو كان فى خلقه ضيق: ولذلك أخا لى أحب بنى إسرائيل هارون منه، إذا كان ألين وأسهل عليهما السلام، وكان هارون حمولا، وفى عرائس القرآن: ألقى الألواح فتكسرت فصعدت منها ستة أسباعها، وبقى سبع فى أعيدة له فى لوحين، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله أخى موسى ما الخبر كالمعاينة، لقد أخبره بفتنة قومه فلم يلق الألواح، ولما عاين الفتنة ألقى الألواح فكسرها"تفسير : ، وعن تميم الدارى "حديث : قلت: يا رسول الله مررت بمدينة كيت وكيت - قرية من ساحل البحر - قال صلى الله عليه وسلم: "تلك أنطاكية أما إن فى غار من غيرانها رضاضا من ألواح موسى، وما من سحابة شرقية ولا غربية تمر عليها إلا ألقت عليها من بركاتها، ولكن لا تذهب الليالى والأيام حتى يغزوها رجل من أهل بيتى يملؤها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما" ". تفسير : {وأخَذَ برأسِ أخِيهِ} هارون، أى بشعر رأسه، قال بعض: وكان ذوائب وذلك بيمين موسى، وأخذ بلحيته بشماله {يَجرُّه إليهِ} يجره موسى إلى نفسه غضبا إذ توهم أنه قصر فى كفهم، وحق على الخليفة أن يسير بسيرة مستخلفه، وقيل: فعل ذلك ليدنو منه فيكلمه سرا، فخشى هارون أن يتوهم الناظر إليهما أن ذلك لغضب، ولذلك نهاه ورغَّب إليه، وهو ضعيف لقوله: {أية : فرقت بين بنى إسرائيل} تفسير : كذا قيل، وكان هارون أكبر من موسى كما يأتى فى سورة طه إن شاء الله. {قالَ ابْنَ أمَّ} منادى بمحذوف وأم مضاف إليه، والفتحة فيه لمناسبة الألف المحذوفة المبدلة عن ياء مضافة، وقيل: للتركيب تشبيها بخمسة عشر، ونسب لسيبويه، وقرأ ابن عامر وأبو بكر فى رواية حمزة والكسائى بكسر الميم، قال سيبويه: حذفت الياء تخفيفا كحذفها من لا أبالى، ولا أدرى، أو لجعل الاسمين كاسم واحد منادى، ثم أضافوه كقولك: يا أحد عشرى اقبلوا، كما يقال: يا غلام بكسر الميم وهذا أقيس ا هـ بزيادة وإيضاح. وقيل: الفتح تخفيف للطول، وقرىء بإثبات الياء، وقرىء بكسر الهمزة والميم وإضافة اللام لأنه كان أخاه لأمه، وتضمن ذلك استعطافا، وقيل: كان أخاه لأبيه وأمه، واقتصر على الأم استعطافا وترقيقا فى اختصار، فإن الأم أرحم وأعظم حقا، لأنها التى قاست فيه المخاوف والشدائد، وذلك أدعى للعطف، قيل: ولأنها كانت مؤمنة واعتد بنسبها ا هـ اعتد بالنسبة إليها. {إنَّ القَوْم} عبدة العجل {اسْتضْعفُونى} اعتقدوا أنى ضعيف {وكادُوا يقْتُلوننى} لاجتهادى فى الوعظ والإنذار، والنهى ولست مقصرا {فَلاَ تُشْمِت} تُفْرح فإن الشماتة الفرح ببلية العدو {بِىَ الأعْداءَ} بفعلك بى ما هو إهانة ومكروه، وقرأ مجاهد فى حكاية أبى الفتح بفتح التاء والميم فقيل: إن شمت قد يتعدى والأعداء مفعوله، وقال أبو الفتح: لا تشمت يا رب بى، وجاز هذا كما قال: {أية : الله يستهزىء بهم} {أية : ويمكر الله} {أية : وهو خادعهم} تفسير : للمناسبة، أى أولا تشمت بى يا موسى، والأعداء مفعول بتشمت بضم التاء وكسر الميم محذوفا متعديا بالهمزة كقراءة الجمهور، قال عياض: وفى كلام أبى الفتح تكلف، وقرأ بن محيصن فى رواية المهدوى بفتح التاء وكسر الميم، والكلام فيه كالكلام فى قرءاة مجاهد المذكورة، وقرأ مجاهد فى رواية أبى حاتم بفتح التاء والميم ورفع الأعداء، وكذا قرأ حميد بن قيس فى رواية أبى حاتم، إلا أنه قرأ بالياء التحتية، والمعنى عليهما نهى الأعداء عن الشماتة، والمراد نهيه عن فعل ما يشتمون به، وهذا كناية بذكر اللازم، وإرادة الملزوم مثل قولهم: أريتك هاهنا، والمراد لا تكن هاهنا، ومنه {أية : فلا يكن فى صدرك حرج منه}. تفسير : {ولا تَجْعلنِى مَعَ القَوم الظَّالمينَ} بعبادة العجل فى عقابهم، أو فى النسبة إلى الظلم، فإنهم ظالمون بعبادته، ولست بظالم بالتقصير، فإننى لم أقصر فى نهيهم عنها.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى} من المناجاة {إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ} عليهم لعبادتهم العجل، وقد أَخبره الله فى المناجاة أَو فى الرجوع قبل الوصول {أَسِفًا} حزناً أَو شديد الغضب، وليسا بمعنى واحد، كرر للتأْكيد كما قيل: وإِذا أَصبت بمن فوقك حزنت، أَو بمن تحتك غضبت، فهو حزن لله سبحانه وتعالى، غضبان على قومه {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِنْ بَعْدِى} لإِشراككم، والمراد من بعد غيبتى أَو توحيدى وإِخلاصى العبادة لله عز وجل. وما: واقعة على الخلافة اسم موصول أَو نكرة موصوفة، والرابط مفعول مطلق محذوف، أَى بئس الخلافة التى خلفتمونيها، أَو بئس خلافة خلفتمونيها، والمخصوص بالذم محذوف، أَى خلافتهم هذه، أَو الفاعل مستتر، وما نكرة موصوفة تمييز أَو مصدرية، والمصدر تمييز أَو فاعل، والخلافة بقاؤهم خلفه، أَو كونهم خلائف فى فعل ما يفعله وقول ما يقول، ومن حق الخلفاء أَن يسيروا بسيرة مستخلفهم، ولا يتكرر قوله من بعدى مع قوله خلفتمونى لأَن معنى الخلافة أَن يقوموا مقامه فى التوحيد والعدل وإِبطال الشرك، ومعنى البعدية ذهابه عنهم إِلى المناجاة، والخطاب للكفرة منهم، إِذ عبدوا العجل، أَو المعنى قمتم مقامى، فالخطاب لهارون والمؤمنين معه، إِذ لم يكفوا عباد العجل عن عبادته، والخلافة فى الحقيقة لسيدنا هارون صلى الله عليه وسلم، وغيره من المؤمنين تبع له، وعلى أَن الخطاب له فقط ظن موسى صلى الله عليه وسلم الظن البشرى العاجل الذى لا يؤاخذ عليه، ولا سيما مع عظم الشرك، وشدة غضبه أَن هارون لم يفرغ وسعه حتى يمنعهم من الشرك، فلذلك قيل بئسما، أَو الخطاب للكفرة وفهارون عليه السلام ومن معه فهم أَشركوا، وهارون ومن معه قصروا فى ظنهم لموسى عليه السلام {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} ضمن عجل معنى سبق أَو ترك فعداه، أَى أَسبقتم أَمر ربكم، أَو تركتموه، أَى شأنه، وهو واحد الأُمور، وهو توحيده وعبادته، أَو ميعاده أَن يبقوا على الدين، حتى يأْتى بالتوراة على رأس أَربعين فى قوله "أية : فتم ميقات ربه أَربعين ليلة" تفسير : [الأَعراف: 142] أَو ثلاثين يوماً، ويقال: عدوا الليل يوماً والنهار يوماً، فتم عدد الأَربعين على عشرين، وقالوا، أَو قال لهم السامري فتبعوه أَن موسى صلى الله عليه وسلم لم يأْتنا وقد مات، أَو الأَمر ضد النهى، أَى تركتم أَمره بالتوحيد والعبادة {وَأَلْقَى الأَلْوَاحَ} تغلبت عليه شدة الغضب لدين الله فنسى الأَدب مع الأَلواح فأَلقاها فى موضع ليرجع إِليها إِذا تفرغ لكن بعنف فانكسرت فرفع منها ستة أَسباع كان فيها تفصيل كل شئ، وبقى سبع كان فيه المواعظ والأَحكام. وقيل: رفع ما فى الستة من الإِخبار بالغيب لا نفس الأَلواح، ثم رد ما رفع فى لوحين بعد أَن صام أَربعين يوماً أخرى لترد، أَقدر الله تعالى موسى على حملها ولو كان وقر سبعين بعيراً. قال ابن عباس رضى الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله أَخى موسى"تفسير : ، ليس الخبر كالمعاينة إِن الله تعالى أَخبر موسى أَن قومه قد ضلوا فلم يكسر الأَلواح، ولما عاين ذلك كسر الأَلواح، أَى اَلقاها عمداً مع تغلب الغضب لا إِهانة، وقيل: وقعت منه بلا اختيار منه لغفلته عنها للغضب، والآية إِخبار لنا بما وقع لا تعنيف لموسى، فضلا عن أَن يقال: لو كان بلا اختيار لم يعاتبه الله سبحانه وتعالى، ومعنى قوله تعالى "أية : ولما سكت عن موسى الغضب أَخذ الأَلواح"تفسير : [الأَعراف: 154] أَنه أَخذ بقيتها، أَو أَخدها كلها كما هو ظاهر الآية، ما لم يكسر وما كسر، كما روى أَن كسورها فى تابوت بنى إسرائيل إِلى زمن داود عليه السلام وما بعده مع السكينة كما قال الله عز وجل "أية : وبقيةٌ مما ترك آل موسى وآل هارون"تفسير : [البقرة: 248] ومن القول بأَن الأَلواح عشر وغير ذلك {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} بشعر رأس أَخيه هارون عليهما السلام، وهو شعر لحيته كما فى طه، والقول بأَنه أَخذه ليناجيه فى شأْن القوم ويسأَله، أَو ليسكته مما فيه من الغضب، أَو أَخذه أَخذ الإِنسان لحيته فى غضب، غير ظاهر ولا دليل عليه، والجر إِليه يدل على العنف وهو المراد، وما ذكر لا عنف فيه، وقوله: "أية : لا تأْخذ بلحيتى"تفسير : [طه: 94] دليل على العنف والعتاب، وكذا قوله "أية : رب اغفر لى" تفسير : [الأَعراف: 151] أَى اغفر لى الجر {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} توهما بأَنه قصر فى كفهم عن الشرك وذلك التوهم جاءه من شدة الغضب لله، ولا يؤاخذ عليه، وكان أَكبر من موسى بثلاث سنين، وكان متحملا لجفاء من جفاه وكان أَحب إِليهم، وموسى حديد شديد الغضب ومع شدته وحدته يحبه كل من رآه {قَالَ ابْنَ أُمَّ} يابن أم والأَصل أمى قلبت الياء أَلفاً، وحذفت الأَلف، وجر الإِضافة مقدر فى الميم، أَو ذلك كمركب مبنى على الفتح، وهو أَخوه لأُمه وأَبيه، واقتصر على الأُم تعطفاً، ولأَن المقام للعجلة {إِنَّ الْقَوْمَ} بنى إِسرائيل الكفرة {اسْتَضْعَفُونِى} وجدونى ضعيفاً، أَو صيرونى ضعيفاً، أَو عالجوا ضعفى باجتماعهم على حتى قهرونى {وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى} حين أَتيت بمجهودى فى كفهم عن عبادة العجل {فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأَعْدَاءَ} أَى لا تجعلهم شامتين بى، أَى فرحين ببليتى التى هى الجر بالرأس المشروع فيه، والشتم باللسان لى، واللفظ نهى عن المسبب والمراد النهى عن السبب، وهو فعل ما يكون سبباً لشمتهم، كأنه قيل: لا تفعل ما يكون سبباً لشمتهم، أَى لا تبق على هذا الجر، أَو لا تزد جراً آخر {وَلاَ تَجْعَلْنِى} لا تصيرنى بالتهمة، أَو لا تعتقدنى {مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} فى المؤاخذة والتقصير أَو الرضا، وقد آخذ بالقول فى قوله {بئسما خلفتمونى} وقوله"أية : ما منعك إِذ رأَيتهم ضلوا أَلاَّ تتبعنى" تفسير : [طه: 92 - 93] إِلخ.. ومقتضى الظاهر معهم، وأَظهر ليصفهم بالظلم.
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ} مما حدث منهم {أَسَفاً} أي شديد الغضب كما قال أبو الدرداء ومحمد القرظي وعطاء والزجاج، أو حزيناً على ما روي عن ابن عباس والحسن وقتادة رضي الله تعالى عنهم، وقال أبو مسلم: الغضب والأسف بمعنى والتكرير للتأكيد. / وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فعلى هذا كان موسى عليه السلام غضبان على قومه باتخاذهم العجل حزيناً لأن الله تعالى فتنهم، وقد أخبره سبحانه بذلك قبل رجوعه، ونصب الوصفين على أنهما حالان مترادفان أو متداخلان بأن يكون الثاني حالاً من الضمير المستتر في الأول، وجوز أبو البقاء أن يكون بدلاً من الحال الأولى وهو بدل كل لا بعض كما توهم. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي} خطاب إما لعبدة العجل وإما لهارون عليه السلام ومن معه من المؤمنين أي بئسما ما فعلتم بعد غيبتي حيث عبدتم العجل بعدما رأيتم مني من توحيد الله تعالى ونفي الشركاء عنه سبحانه وإخلاص العبادة له جل جلاله، أو بئسما قمتم مقامي حيث لم تراعوا عهدي ولم تكفوا العبدة عما فعلوا بعد ما رأيتم مني من حملهم على التوحيد وكفهم عما طمحت نحوه أبصارهم من عبادة البقر حين قالوا {أية : اجعل لنا إلۤهاً كما لهم آلهة}تفسير : [الأعراف: 138] وجوز أن يكون على الخطاب للفريقين على أن المراد بالخلافة الخلافة فيما يعم الأمرين اللذين أشير إليهما ولا تكرار في ذكر {مِن بَعْدِي} بعد {خَلَفْتُمُونِي} لأن المراد من بعد ولايتي وقيامي بما كنت أقوم إذ بعديته على الحقيقة إنما تكون على ما قيل بعد فراقه الدنيا، وقيل: إن {مِن بَعْدي} تأكيد من باب رأيته بعيني وفائدته تصوير نيابة المستخلف ومزاولة سيرته كما أن هنالك تصوير الرؤية وما يتصل بها، و (ما) نكرة موصوفة مفسرة لفاعل بئس المستكن فيه والمخصوص بالذم محذوف أي بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم، والذم فيما إذا كان الخطاب لهارون عليه السلام ومن معه من المؤمنين ليس للخلافة نفسها بل لعدم الجري على مقتضاها، وأما إذا كان للسامري وأشياعه فالأمر ظاهر. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} أي أعجلتم عما أمركم به ربكم وهو انتظار موسى عليه السلام حال كونهم حافظين لعهده وما وصاهم به فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره ولم أرجع إليكم فحدثتم أنفسكم بموتي فغيرتم. روي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال: إن هذا إلهكم وإله موسى إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. والمعروف تعدي (عجل) بعن لا بنفسه فيقال: عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره وضمنوه هنا معنى السبق وهو كناية عن الترك فتعدى تعديته ولم يضمن ابتداء معنى الترك لخفاء المناسبة بينهما وعدم حسنها. وذهب يعقوب إلى أن السبق معنى حقيقي له من غير تضمين، والأمر واحد الأوامر. وعن الحسن أن المعنى أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين فالأمر عليه واحد الأمور والمراد بهذه الأربعين على ما ذكره الطيبـي غير الأربعين التي أشار الله تعالى إليها بقوله سبحانه: {أية : فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } تفسير : [الأعراف: 142] وسيأتي تتمة الكلام في ذلك قريباً إن شاء الله تعالى. {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} أي وضعها على الأرض كالطارح لها ليأخذ برأس أخيه مما عراه من فرط الغيرة الدينية وكان عليه السلام شديد الغضب لله سبحانه، فقد أخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه عليه السلام كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته ناراً. وقال القاضي ناصر الدين [البيضاوي]: أي طرحها من شدة الغضب وفرط الضجرة حمية للدين، ثم نقل أنه انكسر بعضها حين ألقاها، واعترض عليه أفضل المتأخرين شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري بأن الحمية للدين إنما تقتضي احترام كتاب الله تعالى وحمايته أن يلحق به نقص أو هوان بحيث / تنكسر ألواحه ثم قال: والصواب أن يقال: إنه عليه السلام لفرط حميته الدينية وشدة غضبه لله تعالى لم يتمالك ولم يتماسك أن وقعت الألواح من يده بدون اختيار فنزل ترك التحفظ منزلة الإلقاء الاختياري فعبر به تغليظاً عليه عليه السلام فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين انتهى. وتعقبه العلامة صالح أفندي الموصلي عليه الرحمة بأنه لا يخفى أن هذا الإيراد إنما نشأ من جعل قول القاضي حمية للدين مفعولاً له لطرحها وهو غير صحيح، فقد صرح في أوائل «تفسيره» لسورة طه بأن الفعل الواحد لا يتعدى لعلتين وإنما هو مفعول له لشدة الغضب وفرط الضجرة على سبيل التنازع، والتوجيه الذي ذكر للآية هو ما أراده القاضي وتفسيره الإلقاء بالطرح لا ينافي ذلك على ما لا يخفى ا هـ. وأقول أنت تعلم أن كون هذا التوجيه هو ما أراده القاضي غير بين ولا مبين على أن حديث كون التعبير بالإلقاء تغليظاً عليه عليه السلام منحط عن درجة القبول جداً إذ ليس في السباق ولا في السياق ما يقضي بكون المقام عتاب موسى عليه السلام ليفتي بهذا التغليظ نظراً إلى مقامه صلى الله عليه وسلم بل المقام ظاهر في الحط على قومه كما لا يخفى على من له أدنى حظ من رفيع النظر، والذي يراه هذا الفقير ما أشرنا إليه أولاً. وحاصله أن موسى عليه السلام لما رأى من قومه ما رأى غضب غضباً شديداً حمية للدين وغيرة من الشرك برب العالمين فعجل في وضع الألواح لتفرغ يده فيأخذ برأس أخيه فعبر عن ذلك الوضع بالإلقاء تفظيعاً لفعل قومه حيث كانت معاينته سبباً لذلك وداعياً إليه مع ما فيه من الإشارة إلى شدة غيرته وفرط حميته وليس في ذلك ما يتوهم منه نوع إهانة لكتاب الله تعالى بوجه من الوجوه، وانكسار بعض الألواح حصل من فعل مأذون فيه ولم يكن غرض موسى عليه السلام ولا مر بباله ولا ظن ترتبه على ما فعل، وليس هناك إلا العجلة في الوضع الناشئة من الغيرة لله تعالى، ولعل ذلك من باب {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ } تفسير : [طه: 84]. واختلفت الروايات في مقدار ما تكسر ورفع، وبعضهم أنكر ذلك حيث أن ظاهر القرآن خلافه. نعم أخرج أحمد وغيره وعبد بن حميد والبزار وابن أبـي حاتم وابن حبان والطبراني وغيرهم عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : يرحم الله تعالى موسى ليس المعاين كالمخبر أخبره ربه تبارك وتعالى أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح فتكسر منها ما تكسر» تفسير : فتأمل ولا تغفل، وما روي عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما ألقى الألواح رفع منها ستة أسباع وبقي سبع، وكذا ما روي عن غيره نحوه مناف لما روي فيما تقدم من أن التوراة نزلت سبعين وقراً يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام. وكذا لما يذكر بعد من قوله تعالى: {أية : أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ } تفسير : [الأعراف: 154] فإن الظاهر منه العهد. والجواب بأن الرفع لما فيها من الخط دون الألواح خلاف الظاهر والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} أي بشعر رأس هارون عليه السلام لأنه الذي يؤخذ ويمسك عادة ولا ينافي أخذه بلحيته كما وقع في سورة طه [94] أو أدخل فيه تغليباً {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} ظناً منه عليه السلام أنه قصر في كفهم ولم يتمالك لشدة غضبه وفرط غيظه أن فعل ذلك وكان هارون أكبر من موسى عليهما السلام بثلاث سنين إلا أن موسى أكبر منه مرتبة وله الرسالة والرياسة استقلالاً وكان هارون وزيراً له وكان عليه السلام حمولاً ليناً جداً ولم يقصد موسى بهذا الأخذ إهانته والاستخفاف به بل اللوم الفعلي على التقصير المظنون بحكم الرياسة وفرط الحمية، والقول بأنه عليه السلام إنما أخذ رأس أخيه ليساره ويستكشف منه كيفية الواقعة مما يأباه / الذوق كما لا يخفى على ذويه، ومثله القول بأنه إنما كان لتسكين هارون لما رأى به من الجزع والقلق، وقال أبو علي الجبائي: إن موسى عليه السلام أجرى أخاه مجرى نفسه فصنع به ما يصنع الإنسان به عند شدة الغضب، وقال الشيخ المفيد من الشيعة: إن ذلك للتألم من ضلال قومه وإعلامهم على أبلغ وجه عظم ما فعلوه لينزجروا عن مثله ولا يخفى أن الأمر على هذا من قبيل:شعر : غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأنني سبابة المتندم تفسير : ولعل ما أشرنا إليه هو الأولى. وجملة {يَجُرُّهُ} في موضع الحال من ضمير موسى أو من رأس أو من أخيه لأن المضاف جزء منه وهو أحد ما يجوز فيه ذلك، وضعفه أبو البقاء. {قَالَ} أي هارون مخاطباً لموسى عليه السلام إزاحة لظنه {ٱبْنَ أُمَّ} بحذف حرف النداء لضيق المقام وتخصيص الأم بالذكر مع كونهما شقيقين على الأصح للترقيق، وقيل: لأنها قامت بتربيته وقاست في تخليصه المخاوف والشدائد، وقيل: إن هارون عليه السلام كانت آثار الجمال والرحمة فيه ظاهرة كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَـٰرُونَ نَبِيّاً } تفسير : [مريم: 53] وكان مورده ومصدره ذلك، ولذا كان يلهج بذكر ما يدل على الرحمة، ألا ترى كيف تلطف بالقوم لما قدموا على ما قدموا فقال: {أية : يا قوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ } تفسير : [طه: 90] ومن هنا ذكر الأم ونسب إليها لأن الرحمة فيها أتم ولولاها ما قدرت على تربية الولد وتحمل المشاق فيها وهو منزع صوفي كما لا يخفى، واختلف في اسم أمهما عليهما السلام فقيل: محيانة بنت يصهر بن لاوى، وقيل: يوحانذ، وقيل: يارخا، وقيل: يازخت، وقيل: غير ذلك، ومن الناس من زعم أن لاسمها رضي الله تعالى عنها خاصية في فتح الأقفال وله رياضة مخصوصة عند أرباب الطلاسم والحروف وما هي إلا رهبانية ابتدعوها ما أنزل الله تعالى بها من كتاب. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم هنا وفي طه [94] {ٱبْنَ أُمَّ} بالكسر وأصله ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً كالمنادى المضاف إلى الياء. وقرأ الباقون بالفتح زيادة في التخفيف أو تشبيهاً بخمسة عشر. {إِنَّ ٱلْقَوْمَ} الذين فعلوا ما فعلوا {ٱسْتَضْعَفُونِي} أي استذلوني وقهروني ولم يبالوا بـي لقلة أنصاري {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} وقاربوا قتلي حين نهيتهم عن ذلك؛ والمراد أني بذلت وسعي في كفهم ولم آل جهداً في منعهم {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَاء} أي فلا تفعل ما يشمتون بـي لأجله فإنهم لا يعلمون سر فعلك، والشماتة سرور العدو بما يصيب المرء من مكروه. وقرىء {فلا تشمت بي الأعداء} بفتح حرف المضارعة وضم الميم ورفع الأعداء ـ حطهم الله تعالى ـ وهو كناية عن ذلك المعنى أيضاً على حد لا أرينك هٰهنا. والمراد من الأعداء القوم المذكورون إلا أنه أقيم الظاهر مقام ضميرهم ولا يخفى سره {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} أي لا تجعلني معدوداً في عدادهم ولا تسلك بـي سلوكك بهم في المعاتبة، أو لا تعتقدني واحداً من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم، فالجعل مثله في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَـٰثاً } تفسير : [الزخرف: 19].
ابن عاشور
تفسير : جُعل رجوع موسى إلى قومه غضبان كالأمر الذي وقع الإخبار عنه من قبلُ على الأسلوب المبين في قوله: {أية : ولما جاء موسى لميقاتنا} تفسير : [الأعراف: 143] وقوله: {أية : ولما سُقط في أيديهم}تفسير : [الأعراف: 149]. فرجوع موسى معلوم من تَحقق انقضاء المدة الموعود بها، وكونُه رجع في حالة غضب مشعر بأن الله أوحى إليه فأعلمه بما صنع قومُه في مغيبه، وقد صرح بذلك في سورة طه (85) {أية : قال فإنّا قد فتنّا قومك من بَعدِك وأضلهم السامري} تفسير : فــــ {غضبان أسِفاً} حَالان من موسى، فهما قيدانِ لـ{رجع} فعلم أن الغضب والأسف مقارنان للرجوع. والغْضب تقدم في قوله: {أية : قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب} تفسير : في هذه السورة (71). والأَسِف بدون مد، صيغة مبالغة للآسف بالمد الذي هو اسم فاعل للذي حل به الأسف وهو الحزن الشديد، أي رجع غضْبان من عصْيان قومه حزيناً على فساد أحوالهم، وبئسما ضد نِعمّا، وقد مضى القول عليه في قوله تعالى: {أية : قل بئسما يأمركم به إيمانكم }تفسير : في سورة البقرة (93)، والمعنى بئست خلافة خلفتمونيها خِلاَفتُكم. وتقدم الكلام على فعل خَلف في قوله: {أية : اخلُفْني في قومي}تفسير : [الأعراف: 142] قريباً. وهذا خطاب لهارون ووجوه القوم، لأنهم خلفاء موسى في قومهم فيكون {خلفتموني} مستعملاً في حقيقته، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع القوم، فأما هارون فلأنه لم يُحسن الخلافة بسياسة الأمة كما كان يسوسها موسى، وأما القوم فلأنهم عبدوا العجل بعد غيبة موسى، ومن لوازم الخلافة فعل ما كان يفعله المخلُوف عنه، فهم لما تركوا ما كان يفعله موسى من عبادة الله وصاروا إلى عبادة العجل فقد انحرفوا عن سيرته فلم يخلفوه في سيرته، وإطلاق الخلافة على هذا المعنى مجاز فيكون فعل {خلفتموني} مستعملاً في حقيقته ومجازه. وزيادة {مِن بعدي} عقب {خلفتموني} للتذكير بالبَون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوفَ عنه تصوير لفظاعة ما خلفوه به أي بعدما سمعتم مني التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين حين قلتم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فيكون قيد {من بعدي} للكشف وتصوير الحالة كقوله تعالى: {أية : فخَر عليهم السقُف من فوقِهم}تفسير : [النحل: 26]، ومعلوم أن السقف لا يكون إلاّ من فوق، ولكنه ذكر لتصوير حالة الخرور وتهويلها، ونظيره قوله تعالى، بعد ذكر نفر من الأنبياء وصفاتهم، {أية : فخلف من بعدهم خَلْف}تفسير : [الأعراف: 169] أي من بعد أولئك الموصوفين بتلك الصفات. و«عَجلَ» أكثرَ ما يستعمل قاصراً، بمعنى فعل العجلة أي السرعة، وقد يتعدى إلى المعمول «بعن» فيقال: عجلَ عن كذا بمعنى لم يتمّه بعد أن شَرع فيه، وضده تَم على الأمر إذا شرع فيه فأتمّه، ويستعمل عَجِل مضمناً معنى سَبَق فعّدَيَ بنفسه على اعتبار هذا المعنى، وهو استعمال كثير. ومعنى «عَجِل» هنا يَجوز أن يكون بمعنى لم يُتّمَ، وتكون تعديته إلى المفعول على نزع الخافض. والأمرُ يكون بمعنى التكليف وهو ما أمرهم الله به: من المحافظة على الشريعة، وانتظار رجوعه، فلم يتموا ذلك واستعجلوا فبدلوا وغيروا، ويجوز أن يكون بمعنى سَبق أي بادرتم فيكون الأمر بمعنى الشأن أي الغضب والسخط كقوله: {أية : أتى أمر الله فلا تستعجلوه}تفسير : [النحل: 1] وقوله: {أية : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور}تفسير : [هود: 40] فالأمر هو الوعيد، فإن الله حذرهم من عبادة الأصنام وتوعدهم، فكان الظن بهم إن وقع منهم ذلك إن يقع بعد طول المدة، فلما فعلوا ما نُهوا عنه بحدثان عهد النهي، جُعلوا سابقين له على طريقة الاستعارة: شبهوا في مبادرتهم إلى أسباب الغضب والسخط بسبق السابق المسبوقَ، وهذا هو المعنى الأوضح، ويوضحه قوله، في نظير هذه القصة في سورة طه (86)، حكاية عن موسى: {أية : قال يا قوم ألم يَعدْكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي}. تفسير : وقد تعرضت التوراة إلى شيء من هذا المعنى في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج «وقال الله لموسى رأيتُ هذا الشّعْب فإذا هو شعب صلْب الرقبة فالآن اتركني ليحميَ غَضبي عليهم فأفنيهم». وإلقاء الألواح رَميُها من يده إلى الأرض، وقد تقدم بيان الإلقاء آنفاً. وذلك يؤذن بأنه لما نزل من المناجاة كانت الألواح في يده كما صرح به في التوراة. ثم إن إلقاءه إياها إنما كان إظهاراً للغضب، أو أثراً من آثار فوران الغضب لما شاهدهم على تلك الحالة، وما ذكر القرآن ذلك الإلقاءَ إلاّ للدلالة على هذا المعنى إذ ليس فيه من فوائد العبرة في القصة إلاّ ذلك، فلا يستقيم قول من فسرها بأن الإلقاء لأجل إشغال يده بجرّ رأس أخيه، لأن ذكر ذلك لا جرور فيه، ولأنه لو كان كذلك لعطف، وأخذ برأس أخيه بالفاء. وروي أن موسى عليه السلام كان في خلقه ضيق، وكان شديداً عند الغضب، ولذلك وكزَ القبطي فقضى عليه، ولذلك أخذ برأس أخيه يجره إليه، فهو دليل على فظاعة الفعل الذي شاهده من قومه، وذلك علامة على الفظاعة، وتشنيع عليهم، وليس تأديباً لهم، لأنه لا يكون تأديبهم بإلقاء ألواح كُتب فيها ما يصلحهم، لأن ذلك لا يناسب تصرف النبوءة (ولذلك جزمنا بأن إعراض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة الكتاب الذي هَمَّ بكتابته قبيل وفاته لم يكن تأديباً للقوم على اختلافهم عنده، كما هو ظاهر قول ابن عباس، بل إنما كان ذلك لِما رأى من اختلافهم في ذلك، فرأى أن الأوْلى ترك كتابته، إذ لم يكن الدين محتاجاً إليه) ووقع في التوراة أن الألواح تكسرت حين ألقاها، وليس في القرآن ما يدل على ذلك سوى أن التعبير بالإلقاء الذي هو الرمي، ومَا روي من أن الألواح كانت من حجر، يقتضي أنها اعتراها انكسار، ولكن ذلك الانكسار لا يُذهب ما احتوت عليه من الكتابة، وأما ما روي أنها لما تكسرت ذهب ستة أسباعها، أو ذهب تفصيلها وبقيت موعظتها، فهو من وضع القصّاصين والله تعالى يقول: {أية : ولما سكت عن موسى الغضبْ أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون} تفسير : [الأعراف: 154]. وأما أخذه برأس أخيه هارون يجره إليه، أي إمساكه بشعر رأسه، وذلك يولمه، فذلك تأنيب لهارون على عدم أخذه بالشدة على عَبدَة العجل، واقتصاره على تغيير ذلك عليهم بالقول، وذلك دليل على أنه غير معذور في اجتهاده الذي أفصح عنه بقوله: {أية : إني خشيت أن تقول فرقْت بين بني إسرائيل ولم تَرْقُب قولي}تفسير : [طه: 94] لأن ضعف مستنده جعله بحيث يستحق التأديب، ولم يكن له عذراً، وكان موسى هو الرسول لبني إسرائيل، وما هارون إلاّ من جملة قومه بهذا الاعتبار، وإنما كان هارون رسولاً مع موسى لفرعون خاصة، ولذلك لم يسَعْ هارونَ إلاّ الاعتذارُ والاستصفاح منه. وفي هذا دليل على أن الخطأ في الاجتهاد مع وضوح الأدلة غير معذور فيه صاحبه في إجراء الأحكام عليه، وهو ما يسميه الفقهاء بالتأويل البَعيد ولا يظن بأن موسى عاقب هارون قبل تحقق التقصير. وفصلت جملةٌ: {قال ابن أم} لوقوعها جوابها لحوار مقدر دل عليه قوله {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} لأن الشأن أن ذلك لا يقع إلاّ مع كلام توبيخ، وهو ما حكي في سورة طه (92، 93) بقوله: {أية : قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا ألاَّ تتبعنِ أفعصيت أمري} تفسير : على عادة القرآن في توزيع القصة، واقتصاراً على موقع العبرة؛ ليخالف أسلوبُ قصَصه الذي قصد منه الموعظة أساليبَ القصّاصين الذين يقصدون الخبر بكل ما حدث. و{ابنَ أم} منادى بحذف حرف النداء، والنداء بهذا الوصف للترقيق والاستشفاع، وحذف حرف النداء لإظهار ما صاحب هارون من الرعب والاضطراب، أو لأن كلامه هذا وقع بعد كلام سبقه فيه حرف النداء وهو المحكي في سورة طه (94) {أية : قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي} تفسير : ثم قال، بعد ذلك {ابنَ أم إن القوم استضعفوني} فهما كلامان متعاقبان، ويظهر أن المحكي هنا هو القول الثاني، وأن ما في سورة طه هو الذي ابتدأ به هارون، لأنه كان جواباً عن قول موسى: {أية : ما منعك إذ رأيتهم ضَلوا أن لا تتبعن}تفسير : [طه: 92، 93]. واختيار التعريف بالإضافة؛ لتضمن المضاف إليه معنى التذكير بصلة الرحم، لأن إخوة الأم أشد أواصر القرابة؛ لاشتراك الأخوين في الألف من وقت الصبا والرضاع. وفتح الميم في {ابن أم} قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عَمرو، وحفص عن عاصم، وهي لغة مشهورة في المنادى المضاف إلى أم أو عَم، وذلك بحذف ياء المتكلم وتعويض ألف عنها في آخر المنادى، ثم يحذف ذلك الألف تخفيفاً، ويجوز بقاء كسرة الميم على الأصل، وهي لغة مشهورة أيضاً، وبها قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلفٌ. وتقدم الكلام على الأم عند قوله تعالى: {أية : حرمت عليكم أمهاتكم}تفسير : في سورة النساء (23). وتأكيد الخبر بــــ {إن} لتحقيقه لدى موسى، لأنه بحيث يتردد فيه قبل إخبار المخبر به، والتأكيدُ يستدعيه قبولُ الخبر للتردد من قِبَل إخبار المخبر به، وإن كان المخبر لا يُظن به الكذب، أو لئلا يظن به أنه تَوهم ذلك من حال قومه، وكانت حالهم دون ذلك. والسين والتاء في {استضعفوني} للحسبان أي حسبوني ضعيفاً لا ناصر لي، لأنهم تمالؤوا على عبادة العجل ولم يخالفهم إلا هارون في شرذمة قليلة. وقوله: {وكادوا يقتلونني} يدل على أنه عارضهم معارضة شديدة ثم سلّم خشيةَ القتل. والتفريع في قوله: {فَلا تُشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} تفريع على تبين عذره في إقرارهم على ذلك، فطلب من أخيه الكف عن عقابه الذي يَشْمت به الأعداء لأجله، ويجعله مع عداد الظالمين فطلبُ ذلك كنايةٌ عن طلب الإعراض عن العقاب. والشماتة: سُرور النفس بما يصيب غيرها من الإضرار، وإنما تحصل من العداوة والحسد. وفعلَها قاصر كفرح، ومصدرها مخالف للقياس، ويتعدى الفعل إلى المفعول بالباء يقال: شَمتَ به: أي: كان شامتاً بسببه، وأشمته به جعله شامتاً به، وأراد بالأعداء الذين دعوا إلى عبادة العجل، لأن هارون أنكره عليهم فكرهوه لذلك، ويجوز أن تكون شماتةُ الأعداء كلمة جرت مجرى المثل في الشيء الذي يُلحق بالمرءِ سوءاً شديداً، سواء كان للمرء أعداء أو لم يكونوا، جرياً على غالب العرْف. ومعنى {ولا تجعلْني مع القوم الظالمين} لا تحسبني واحداً منهم، فـ (جعل) بمعنى ظن كقوله تعالى: {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمٰن إناثاً} تفسير : [الزخرف: 19]. والقوم الظالمون هم الذين أشركوا بالله عبادة العجل، ويجوز أن يكون المعنى: ولا تجعلني في العقوبة معهم، لأن مُوسى قد أمر بقتل الذين عَبدوا العجل، فـ (جعل) على أصلها. وجملة: {قال رب اغفر لي} جواب عن كلام هارون، فلذلك فصلت. وابتدأ موسى دعاءه فطلب المغفرة لنفسه تأدباً مع الله فيما ظهر عليه من الغضب، ثم طلب المغفرة لأخيه فيما عسى أن يكون قد ظهر منه من تفريط أو تساهل في ردع عبدة العجل عن ذلك. وذكر وصف الأُخوة هناك زيادة في الاستعطاف عسى الله أن يُكرم رسوله بالمغفرة لأخيه كقول نوح: {أية : رب إن ابني من أهلي}تفسير : [هود: 45]. والإدخال في الرحمة استعارة لشمول الرحمة لهما في سائر أحوالهما، بحيث يكونان منها، كالمستقر في بيت أو نحوه مما يحوي، فالإدخال استعارة أصلية وحرف (في) استعارة تبعية، أوقع حرفه الظرفية موقع باء الملابسة. وجملة: {وأنت أرحم الراحمين} تذييل، والواوُ للحال أو اعتراضية، و{أرحم الراحمين} الأشد رحمة من كل راحم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} الآية. أوضح الله ما ذكره هنا بقوله في "طه" {أية : قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا} تفسير : [طه: 86-87] الآية. قوله تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} الآية. أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ما اعتذر به نبي الله هارون لأخيه موسى عما وجهه إليه من اللوم، وأوضحه في "طه" بقوله: {أية : قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 94]، وصرح الله تعالى ببراءته بقوله: {أية : وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ}تفسير : [طه: 90-91].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولما رجع موسى: أي من جبل الطور بعد مرور أكثر من أربعين يوما. أسفاً: أي حزيناً شديد الحزن والغضب. أعجلتم أمر ربكم: أي استعجلتم. برأس أخيه: أي هارون شقيقه. قال ابن أم: أصلها يا ابن أمي فقلبت الياء ألفاً نحو يا غلاماً، ثم حذفت وهارون شقيق موسى وإنما ناداه بأمه لأنه أكثر عطفاً وحناناً. فلا تشمت بي الأعداء: أي لا تجعل الأعداء يفرحون بإهانتك أو ضربك لي. اتخذوا العجل: أي إلهاً عبدوه. المفترين: الكاذبين على الله تعالى بالشرك به أي بجعل شريك له. ولما سكت عن موسى الغضب: زال غضبه وسكنت نفسه من القلق والاضطراب. أخذ الألواح: أي من الأرض بعد أن طرحها فتكسرت. وفي نسختها: أي وفي ما نسخه منها بعد تكسرها نسخة فيها هدى ورحمة. يرهبون: يخافون ربهم ويخشون عقابه فلا يعصونه. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث قصص موسى مع بني إسرائيل ففي هذا السياق الكريم يخبر تعالى أن موسى عليه السلام لما رجع إلى قومه من مناجاته وقد أخبره ربه تعالى أنه قد فتن قومه من بعده وأن السامري قد أضلهم فلذا رجع {غَضْبَٰنَ أَسِفاً} أي شديد الغضب والحزن، وما إن واجههم حتى قال {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}؟ أي استعجلتم فلم تتموا ميعاد ربكم أربعين يوماً فقلتم مات موسى وبدلتم دينه فعبدتم العجل {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} اي طرحها فتكسرت {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} هارون ورأسه يؤنبه على تفريطه في مهام الخلافة فاعتذر هارون فقال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي هذا وارد في سورة طه وأما السياق هنا فقد قال {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} وهم الذين ظلموا بعبادة العجل، ومعنى {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} لا تؤذني بضرب ولا بغيره إذ ذاك يفرح أعداءنا من هؤلاء الجهلة الظالمين، وهنا رق له موسى وعطف عليه فقال {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} توسل إلى الله تعالى في قبول دعائه بقوله {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} هذا ما تضمنته الآيتان الأولى [150] والثانية [151] أما الآية الثالثة فقد أخبر تعالى بأن الذين اتخذوا العجل أي إلهاً {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} وكما جزاهم بالغضب المستوجب للعذاب والذلة المستلزمة للإِهانة يجزي تعالى المفترين عليه الكاذبين باتخاذ الشريك له وهو بريء من الشركاء والمشركين، هذا ما دلت عليه الآية الثالثة [152] أما الآية الرابعة فقد تضمنت فتح باب الله تعالى لمن أراد أن يتوب إليه إذ قال تعالى {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ} جمع سيئة وهي هنا سيئة الشرك {ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا} أي تركوا عبادة غير الله تعالى وآمنوا إيماناً صادقاً فإن الله تعالى يقبل توبتهم ويغفر لهم ذنوبهم ويرحمهم فيدخلهم جنته مع الصالحين من عباده، هذا ما دلت عليه الآية الرابعة [153] أما الآية الخامسة [154] فقد تضمنت الإِخبار عن موسى عليه السلام وإنه لما سكت عنه الغضب أي ذهب أخذ الألواح التي ألقاها من شدة الغضب وأخبر تعالى أن في نسخة تلك الألواح {هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} وهم المؤمنون المتقون وخصوا بالذكر لأنهم الذين يجدون الهدى والرحمة في نسخة الألواح، لأنهم يقرأون ويفهمون ويعلمون وذلك لإِيمانهم وتقواهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الغضب من طباع البشر فلا يلام عليه المرء ومهما بلغ من الكمال كالأنبياء، ولكن أهل الكمال لا يخرج بهم الغضب إلى حد أن يقولوا أو يعملوا ما ليس بخير وصلاح. 2- مشروعية الاعتذار وقبول العذر من أهل المروءات. 3- مشروعية التوسل بأسماء الله وصفاته. 4- كل وعيد لله تعالى توعد به عبداً من عباده مقيد بعدم توبة المتوعد. 5- كل رحمة وهدى ونور في كتاب الله لا ينتفع به إلا أهل الإِيمان والتقوى.
القطان
تفسير : الاسف: الحزن. أعجِلتم امر ربكم: اسبقتم. القى: طرح، شمت بعدوه: فرح بمكروه اصابه. قراءات: قرأ حفص يا ابن ام بفتح الميم، وقرأ الكسائي وحمزة وابن عامر: يا ابن أمِّ بكسر الميم. بعدما ذكرت الآياتُ ما احدثه السامريّ من صناعته العجل لبني اسرائيل وعبادتهم له، ثم ندمهم على ذلك وطلبهم الرحمة من ربهم - تورد هذه الآيات ما حدث من غضب موسى وحزنه حين رأى قومه على تلك الحال من الضلال والغّي، وتصف ما وجّهه موسى من التعنيف واللوم لأخيه هارون، الذي سكت عن قومه حين رآهم في ضلالتهم يعمهون. {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً...}. ولما رجع موسى من مناجاة ربّه ووجد قومه على تلك الحال غضب عليهم، وحزن لأنهم وقعوا في تلك الفتنة، وقال: ما أقبح ما فعلتم بعد غيبتي عنكم! اسبقتم بعبادتكم العجلَ ما أمركم به ربكم من انتظاري حتى أتيكم بالتوراة!؟ آنئذٍ وضع الألواح، واتجه الى اخيه هارون، واخذ يشدّهُ من رأسه، ويجره نحوه من شدة الغضب، ظنّاً منه انه قصر في ردعهم. فقال هارون: لا تعجل بلومي وتعنيفي يا أخي، ولا تظن اني قصرت في ردع القوم. لكنّهم استضعفوني وكادوا يقتلونني حين نهيتهم عن عبادة العجل. لا تدع الأعداء يفرحون لتخاصُمنا ويشمتون بي، ولا تجعلني في زمرة هؤلاء الظالمين فأنا بريء منهم ومن ظلمهم. قال موسى: ربِّ اغفر لي ما صنعتُ بأخي، واغفر لأخي إن كان قصّر، وأَدخلنا جميعاً في رحمتك التي وسعت كل شيء فأنت أرحم الراحمين، بل وأرحم بنا منا على انفسنا. والآية صريحة في براءة هارون من جريمة اتخاذ العجل، في القرآن الكريم. أما التوراة ففيها ان هارون هو الذي صنعه. وهذا احد مواضع التحريف الذي جرى فيها، كما نص عليه القرآن الكريم.
د. أسعد حومد
تفسير : {غَضْبَانَ} {ٱلظَّالِمِينَ} (150) - أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ عَلَيهِ السَّلامُ، بِمَا فَعَلَهُ قَوْمُهُ مِنْ عِبَادَتِهِم العِجْلَ بَعْدَ ذَهَابِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ غَضْبَانَ حَزيناً، وَقَالَ لَهُمْ بِئْسَ مَا فَعَلْتُمُوهُ فِي غَيْبَتِي بَعْدَ ذَهَابِي عَنْكُمْ إِلى مُنَاجَاةِ رَبِّي، وَقَدْ كُنْتُ عَلَّمْتُكُمُ التَّوْحِيدَ، وَكَفَفْتُكُمْ عَنِ الشِّرْكِ، وَكَانَ مِنْ وَاجِبِكُمْ أَنْ تَقْتَفُوا أَثَرِي، وَتَسِيرُوا بِسيرَتي، فَفَعَلْتُمْ غَيْرَ ذلِكَ، وَاتَّخَذْتُمْ صَنَماً، وَعَبَدَهُ بَعْضُكُمْ، وَلَمْ يَرْدَعْكُمُ الآخَرُونَ عَنْ ذلِكَ. فَهَلْ اسْتَعْجَلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ، وَهُوَ انْتِظَارُ عَوْدَتِي وَأَنْتُمْ حَافِظُونَ لِعَهْدِي وَمَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ؟ فَبَنَيْتُمُ الأَمْرَ عَلَى أَنَّ المِيعَادَ قَد بَلَغَ آخِرَهُ وَلَمْ أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ، فَحَدَّثتكُمْ أَنْفُسُكُمْ بِأَنَّنِي مِتُّ، فَغَيَّرْتُمْ كَمَا غَيَّرَتِ الأُمَم بَعْدَ أَنْبِيَائِهِمْ؟ (وَيُرْوَى أَنَّ السَّامِرِيَّ قَالَ لَهُمْ: هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى، إِنَّ مُوسَى مَاتَ وَلَنْ يَرْجِعَ). فَأَلْقَى مُوسَى الأَلْوَاحَ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ هارُونَ يَجرُّهُ إِليهِ، مَخَافَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَهَاوَنَ فِي نَهْيِهِمْ عَنِ اتِّخَاذِ العِجْلِ، فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: يَا أَخِي يَا ابْنَ أُمِّي، لاَ تُعَنِّفْنِي، وَ لاَ تَشُدَّ لِحيَتِي وَرَأْسِي - كَمَا جَاءَ فِي آيَةٍ أُخْرى -، فَإِنَّ القَوْمَ قَدِ اسْتَضْعَفُونِي، وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي لَمَّا نَهَيْتُهُمْ، فَلاَ تَصُبَّ نِقْمَتَكَ عَلَيَّ فَتُشْمِتَ بِيَ الأَعْدَاءَ، وَلاَ تَعَامِلْنِي مُعَامَلَةَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ الذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ إِلهاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وكون موسى يعود إلى قومه حالة كونه غضبان أسِفاً، يدلنا على أنه علم الخبر بحكاية العجل. والغضب والأسف عملية نفسية فيها حزن وسموها: "المواجيد النفسية"، أي الشيء الذي يجده الإِنسان في نفسه، وقد يعبر عن هذه المواجيد بانفعالات نزوعية، ولذلك تجد فارقاً بين من يحزن ويكبت في نفسه، وبين من يغضب، فمن يغضب تنتفخ أوداجه ويحمر وجهه ويستمر هياجه، وتبرق عيناه بالشر وتندفع يداه، وهذا اسمه: غضبان. وصار موسى إلى الحالتين الاثنتين؛ وقدّم الغضب لأنه رسول له منهجه. ولا يكفي في مثل هذا الأمر الحزن فقط، بل لابد أن يكون هناك الغضب نتيجة هياج الجوارح. وقديماً قلنا: إن كل تصور شعوري له ثلاث مراحل: المرحلة الأولى. مرحلة إدراكية، ثم مرحلة وجدانية في النفس، ثم مرحلة نزوعيه بالحركة، وضربنا المثل لذلك بالوردة. فمن يرى الوردة فهذا إدراك، وله أن يعجب بها ويسر من شكلها ويطمئن لها ويرتاح، وهذا وجدان. لكن من يمد يده ليقطفها فهذا نزوع حركي. والتشريع للإِدراك أو للوجدان لكنه قنن للسلوك. إلا في غض البصر عما حرم الله وذلك رعاية لحرمة الأعراض. والأسف عند موسى لن يظهر للمخالفين للمنهج. بل يظهر الغضب وهو عملية نزوعية، ونلحظ بكلمة أَسِف. وهي مبالغة. فهناك فرق بين أَسِف وآسف، آسف خفيفة قليلاً، لكن أسِف صيغة مبالغة، مما يدل على أن الحزن قد اشتد عليه وتمكن منه. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ...} [الأعراف: 150] وقوله سبحانه: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} أي استبطأتموني، وهذا نتيجة لذهاب موسى لثلاثين ليلة وأتممها بعشر، فتساءل موسى: هل ظننتم أنني لن آتي؟ أو أنني أبطأت عليكم؟ وهل كنتم تعتقدون وتؤمنون من أجلي أو من أجل إله قادر؟. ولذلك قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: عندما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى: "من كان يعبد محمدًّا فإن محمدًّا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وهنا يقول سيدنا موسى: افترضوا أنكم عجلتم الأمر واستبطأتموني أو خفتم أن أكون قد مت. فهل كنتم تعبدونني أو تعبدون ربنا. {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ}، ونعلم أن الألواح فيها المنهج، وقدر موسى على أخيه: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} وهذا "النزوع الغضبي" الذي جعله يأخذ برأس أخيه، كأن الأخوة هنا لا نفع لها، فماذا كان رد الأخ هارون:؟ {...قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} {الأعراف: 150] نلحظ أنه قال: "ابن أم" ولم يقل: "ابن أب" لأن أبا موسى وهارون طُوي اسمه في تاريخ النبوات ولم يظهر عنه أي خبر، والعلم جاءنا عن أمه لأنها هي التي قابلت المشقات في أمر حياته، لذلك جاء لنا بالقدر المشترك البارز في حياتهما، ولأن الأمومة مستقر الأرحام؛ لذلك أنت تجد أخوة من الأم، وأخوة من الأب فقط، وأخوة من الأب والأم، والأخوة من الأب والأم أمرهم معروف. لكن نجد في أخوة الأم حناناً ظاهراً، ويقل الحنان بين الأخوة من الأب. وجاء الحق هنا بالقدر المشترك بينهما - موسى وهارون - وهو أخوة الأم، وله وجود مستحضر في تاريخهم. أما الأب عمران فنحن لا نعرف عنه شيئاً، وكل الآيات التي جاءت عن موسى متعلقة بأمه، لذلك نجد أخاه هارون يكلمه بالأسلوب الذي يحننه: {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}. ومادام قد قال: {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} فهذا دليل على أنه وقف منهم موقف المعارض والمقاوم الذي أدى ما عليه إلى درجة أنهم فكروا في قتله، ويتابع الحق بلسان هارون: {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. والشماتة هي إظهار الفرح بمصيبة تقع بخصم، والأعداء هم القوم الذين اتخذوا العجل، وقد وصفهم بالأعداء كدليل على أنه وقف منهم موقف العداوة، وأن موقف الخلاف بين موسى وهارون سيفرحهم، وقوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ}.. إجمال للرأس في عمومها، وفي آية أخرى يقول: {لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي}. ولقد صنع موسى ذلك ليسمع العذر من هارون؛ لأنه يعلم أن هارون رسول مثله، وأراد أن يسمعنا ويسمع الدنيا حجة أخيه حين أوضح أنه لم يقصر. قال: إن القوم استغضعفوني لأني وحدي وكادوا يقتلونني، مما يدل على أنه قاومهم مقاومة وصلت وانتهت إلى آخر مجهودات الطاقة في الحياة؛ حتى أنهم كادوا يقتلونه، إذن فهو لم يوافقهم على شيء، ولكنه قاوم على قدر الطاقة البشرية، لذلك يذيل الحق الآية بقوله سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ}. وكأنه يقول: لموسى إنك أن آخذتني هذه المؤاخذة في حالة غضبك، ربما ظُنَّ بي أنني كنت معهم، أو سلكت مسلكهم في اتخاذ العجل وعبادته. وأراد الحق سبحانه أن يبين لنا موقف موسى وموقف أخيه؛ فموقف موسى ظهر حين غضب على أخيه وابن أمه، وموقف هارون الذي بيّن العلة في أن القوم استضعفوه وكادوا يقتلونه، ولا يمكن أن يطلب منه فوق هذا، وحينما قال هارون ذلك تنبه موسى إلى أمرين: الأمر الأول: أنه كيف يلقي الألواح وفيها المنهج؟ والأمر الثاني: أنه كيف يأخذ أخاه هذه الأخذة قبل أن يتبين وجه الحق منه؟ ويقول الحق على لسانه بعد ذلك: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا ابراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} [الآية: 150]. قال: يعني مع أَصحاب العجل. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن الرقي وقتادة في قوله: {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} [الآية: 155]. قال: اختارهم لتمام الموعد. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} [الآية: 155]. يقول: ماتوا، ثم أَحياهم. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {هُدْنَـآ إِلَيْكَ} [الآية: 156]. قال: تبنا إِليك.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى عليه السلام مع بني إِسرائيل، وما أغدق الله عليهم من النعم، وما قابلوها به من الجحود والعصيان، وقد ذكرت الآيات قصة {أية : أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ} تفسير : [يس: 13] واعتداءهم يوم السبت بالاصطياد فيه وكيف أن الله تعالى مسخهم قردة، وفي ذلك عبرةٌ للمعتبرين. اللغَة: {أَسِفاً} الأسف: شدة الحزن أو الغضب يقال هو أسِفٌ وأسيف {ٱبْنَ أُمَّ} أصلها ابن أمي وهي استعطاف ولين {تُشْمِتْ} الشماتة: السرور بما يصيب الإِنسان من مكروه وفي الحديث "حديث : وأعوذ بك من شماتة الأعداء" تفسير : {ٱلرَّجْفَةُ} الزلزلة الشديدة {هُدْنَـآ} تبنا يقال: هاد يهودُ إِذا تاب ورجع فهو هائد قال الشاعر: إِني امرؤٌ مما جنيتُ هائد {إِصْرَهُمْ} التكاليف الشاقة وأصل الإِصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحِرَاك {ٱلأَغْلاَلَ} جمع غُل وهو ما يوضع في العنق أو اليد من الحديد {عَزَّرُوهُ} وقّروه ونصروه {أَسْبَاطاً} جمع سبط وهو ولد الولد أو ولد البنت ثم أطلق على كل قبيلة من بني إِسرائيل {تَأَذَّنَ} آذن من الإِيذان بمعنى الإِعلام {يَسُومُهُمْ} يذيقهم {خَلَفَ} بسكون اللام من يخلف غيره بالسوء والشر وأمّا بفتح اللام فهو من يخلف غيره بالخير ومنه قولهم: "جعلك الله خير خلف لخير سلف". التفسِير: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} أي ولما رجع موسى من المناجاة {غَضْبَانَ} مما فعلوه من عبادة العجل {أَسِفاً} أي شديد الحزن {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ} أي بئس ما فعلتموه بعد غيبتي حيث عبدتم العجل {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} أي أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حتى يرجع من الطور؟ والاستفهام للإِنكار {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} أي طرح الألواح لما عراه من شدة الغضب، وفرط الضجر غضباً لله من عبادة العجل، وأخذ بشعر رأس أخيه هارون يجره إليه ظناً منه أنه قصَّر في كفهم عن ذلك وكان عليه السلام شديد الغضب لله سبحانه قال ابن عباس: لمّا عاين قومه وقد عكفوا على العجل ألقى الألواح فكسرها غضباً لله وأخذ برأس أخيه يجره إليه {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} أي قال هارون يا ابن أمي - وهو نداء استعطاف وترفق - إن القوم استذلوني وقهروني وقاربوا قتلي حين نهيتهم عن ذلك فأنا لم أقصّر في نصحهم {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي لا تُسئْ إليَّ حتى يُسرَّ الأعداء بي ويشمتوا بإهانتك إليَّ ولا تجعلني في عداد الظالمين بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير قال مجاهد: {ٱلظَّالِمِينَ} أي الذين عبدوا العجل {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} لما تحقق لموسى براءة ساحة هارون عليه السلام من التقصير طلب عند ذلك المغفرة له ولأخيه فقال {ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي} الآية قال الزمخشري: استغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه مما عسى أن يكون فرط منه في حين الخلافة، وطلب ألاّ يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} أي إن الذين عبدوا العجل - ذكر البقر - واتخذوه إلهاً سيصيبهم غضب شديد من الرحمن، وينالهم في الدنيا الذل والهوان قال ابن كثير: أما الغضب الذي نال بني إسرائيل فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم توبة حتى قتلَ بعضُهم بعضاً، وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلاً وصَغَاراً في الحياة الدنيا {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} أي كما جازينا هؤلاء بإِحلال الغضب والإِذلال كذلك نجزي كل من افترى الكذب على الله قال سفيان بن عُيينة: كلُّ صاحب بدعة ذليل {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ} أي عملوا القبائح والمعاصي ثم تابوا ورجعوا إلى الله من بعد اقترافها وداموا على إيمانهم وأخلصوا فيه {إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي إنَّ ربك يا محمد من بعد تلك التوبة لغفور لذنوبهم رحيم بهم قال الألوسي: وفي الآية إعلامٌ بأنَّ الذنوب وإن جلّتْ وعظمت فإن عفو الله تعالى وكرمه أعظم وأجلُّ، وما ألطف قول أبي نواس غفر الله تعالى له: شعر : يا ربِّ إنْ عَظُمتْ ذنوبي كثرةً فلقد علمتُ بأنَّ عفوكَ أعظمُ إن كانَ لا يَرْجوكَ إلا محسنٌ فبمنْ يلوذُ ويستجيرُ المجرمُ؟ تفسير : {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} أي سكن غضب موسى على أخيه وقومه {أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ} أي ألواح التوراة التي كان ألقاها {وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ} أي وفيما نُسخ فيها وكُتب هداية للحق ورحمة للخلق بإرشادهم إلى ما فيه سعادة الدارين {لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} أي هذه الرحمة للذين يخافون الله ويخشون عقابه على معاصيه {وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} أي اختار موسى من قومه سبعين رجلاً ممن لم يعبدوا العجل للوقت الذي وعده ربه الإِتيان فيه للاعتذار عن عبادة العجل {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} أي فلما رجف بهم الجبل وصعقوا {قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} أي قال موسى على وجه التضرع والإِستسلام لأمر الله: لو شئت يا ربِّ أن تهلكنا قبل ذلك لفعلتَ فإِنّا عبيدك وتحت قهرك وأنت تفعل ما تشاء {أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ}؟ أي أتهلكنا وسائر بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء السبعون في قولهم: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153]؟ والاستفهام استفهام استعطاف وتذلل فكأنه يقول: لا تعذبنا يا ألله بذنوب غيرنا قال الطبري في رواية السدي: إن الله أمر موسى عليه السلام أن يأتيه في ناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، ووعدهم موعداً فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً على عينه ثم ذهب بهم ليعتذروا فلما أتوا ذلك المكان قالوا: لن نؤمن لك يا موسى حتى نرى الله جهرة، فإِنك قد كلمته فأرناه فأخذتهم الصاعقة فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: رب ماذا أقول لبني اسرائيل إذا أتيتُهم وقد أهلكتَ خيارهم لو شئت أهلكتَهم من قبل وإياي" أقول: إذا كان هذا قول الأخيار من بني اسرائيل فكيف حال الأشرار منهم؟ نعوذ بالله من خبث اليهود {إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} أي ما هذه الفتنة التي حدثت لهم إلا محنتك وابتلاؤك تمتحن بها عبادك {تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} أي تضل بهذه المحنة من تشاء إضلاله وتهدي من تشاء هدايته {أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَا} أي أنت يا رب متولي أمورنا وناصرنا وحافظنا فاغفر لنا ما قارفناه من المعاصي وارحمنا برحمتك الواسعة الشاملة {وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْغَافِرِينَ} أي أنت خير من صفح وستر، تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة {وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ} هذا من جملة دعاء موسى عليه السلام أي حقّقْ وأثبتْ لنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة {إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} أي تبنا ورجعنا إليك من جميع ذنوبنا {قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} أي قال تعالى أما عذابي فأصيب به من أشاء من عبادي وأما رحمتي فقد عمَّتْ خلقي كلهم قال أبو السعود: وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارع ونسبة السعة إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذانٌ بأن الرحمة مقتضى الذات، وأما العذاب فبمقتضى معاصي العباد {فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أي سأجعل هذه الرحمة خاصة في الآخرة بالذين يتقون الكفر والمعاصي ويعطون زكاة أموالهم ويصدّقون بجميع الكتب والأنبياء {ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ} أي هؤلاء الذين تنالهم الرحمة هم الذين يتبعون محمداً صلى الله عليه وسلم النبيَّ العربي الأمي أي الذي لا يقرأ ولا يكتب قال البيضاوي: وإنما سمّاه رسولاً بالإِضافة إلى الله تعالى، ونبياً بالإِضافة إلى العباد {ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ} أي الذي يجدون نعته وصفته في التوراة والإِنجيل قال ابن كثير: هذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتب الأنبياء، بشروا أممهم ببعثته وأمروهم بمتابعته، ولم تزل صفاته موجودة في كتبهم يعرفها علماؤهم وأحبارهم {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} أي لا يأمر إلا بكل شيء مستحسن ولا ينهي إلا عن كل شيء قبيح {وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} أي يحل لهم ما حرّم عليهم من الأشياء الطيبة بشؤم ظلمهم ويُحرّم عليهم ما يستخبث من نحو الدم والميتة ولحم الخنزير {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} أي يخفف عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة التي تشبه الأغلال كقتل النفس في التوبة وقطع موضع النجاسة من الثوب والقصاص من القاتل عمداً كان القتل أو خطأً وشبه ذلك {فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} أي فالذين صدقوا بمحمد وعظّموه ووقّروه ونصروا دينه {وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ} أي واتبعوا قرآنه المنير وشرعه المجيد {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي هم الفائزون بالسعادة السرمدية {قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} هذا بيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم لجميع الخلق أي قل يا محمد للناس إني رسولٌ من عند الله إلى جميع أهل الأرض {ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي المالك لجميع الكائنات {لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} أي لا ربَّ ولا معبود سواه فهو الإِله القادر على الإِحياء والإِفناء {فَآمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ} أي صدّقوا بآيات الله وصدقوا برسوله المبعوث إلى جميع خلقه {ٱلنَّبِيِّ ٱلأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ} أي آمنوا بالنبي الأمي صاحب المعجزات الذي لا يقرأ ولا يكتب المصدق بالكتب التي أنزلها الله عليه وعلى غيره من الأنبياء {وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أى اسلكوا طريقه واقتفوا أثره رجاء اهتدائكم إلى المطلوب {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أى ومن بنى إسرائيل جماعة مستقيمون على شريعة الله يهدون الناس بكلمة الحق لا يجورون قال الزمخشري: لما ذكر تعالى الذين تزلزلوا منهم في الدين وارتابوا حتى أقدموا على العظيمتين: عبادة العجل، وطلب رؤية الله، ذكر أن منهم أمة موقنين ثابتين يهدون الناس بكلمة الحق ويدلونهم ويرشدونهم على الاستقامة {وَقَطَّعْنَاهُمُ ٱثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً} أي وفرقنا بني اسرائيل فجعلناهم قبائل شتّى اثنتي عشرة قبيلة من اثني عشر ولداً من أولاد يعقوب قال أبو حيان: أي فرقناهم وميّزناهم أسباطاً ليرجع أمر كل سبط أي "قبيلة" إلى رئيسه ليخفَّ أمرهم على موسى لئلا يتحاسدوا فيقع الهرج، ولهذا فجّر لهم اثنتي عشرة عيناً لئلا يتنازعوا ويقتتلوا على الماء، وجعل لكل سبطٍ نقيباً ليرجعوا في أمورهم إليه {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ ٱسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ} أي حين استولى عليهم العطش في التيه {أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ} أي أوحينا إليه أن يضرب الحجر بعصاه فضربه {فَٱنبَجَسَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} أي انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عيناً من الماء بعدد الأسباط {قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} أي قد عرف كل سبطٍ وجماعة منهم عينهم الخاصة بهم قال الطبري: لا يدخل سبطٌ على غيره في شربه {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْغَمَامَ} أي جعلنا الغمام يكنّهم من حر الشمس ويقيهم من أذاها قال الألوسي: وكان الظلُّ يسير بسيرهم ويسكن بإقامتهم {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي وأكرمناهم بطعام شهي هو {ٱلْمَنَّ} وهي شيء حلوٌ ينزل على الشجر يجمعونه ويأكلونه و {وَٱلسَّلْوَىٰ} وهو طائر لذيذ اللحم يسمى السُمَّاني، كلُّ ذلك من إفضال الله وإنعامه عليهم دون جهدٍ منهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي وقلنا لهم كلوا من هذا الشيء الطيب اللذيذ الذي رزقناكم إياه {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} في الكلام محذوف تقديره: فكفروا بهذه النعم الجليلة وما ظلمونا بذلك ولكنْ ظلموا أنفسهم حيث عرّضوها بالكفر لعذاب الله {وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} أي واذكر لهم حين قلنا لأسلافهم اسكنوا بيت المقدس وكلوا من مطاعمها وثمارها من أي جهة ومن أي مكان شئتم منها {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي وقولوا حين دخولكم: يا ألله حُطَّ عنا ذنوبنا {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيۤئَاتِكُمْ} أي نمح عنكم جميع الذنوب التي سلفت منكم {سَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي وسنزيد من أحسن عمله بامتثال أمر الله وطاعته فوقَ الغفران دخولَ الجنان {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} أي غيَّر الظالمون منهم أمر الله بقولهم كلاماً لا يليق حيث قالوا بدل {حِطَّةٌ} حنطة في شعيرة وبدل أن يدخلوا ساجدين خشوعاً لله دخلوا يزحفون على أستاههم "أدبارهم" سخرية واستهزاء بأوامر الله {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي فأرسلنا عليهم عذاباً من السماء بسبب ظلمهم وعدوانهم المستمر سابقاً ولاحقاً قال أبو السعود: والمراد بالعذاب "الطاعون" روي أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعةٌ وعشرون ألفاً {وَسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} أي واسأل يا محمد اليهود عن أخبار أسلافهم وعن أمر القرية التي كانت بقرب البحر وعلى شاطئه ماذا حلَّ بهم لما عصوا أمر الله واصطادوا يوم السبت؟ ألم يمسخهم الله قردة وخنازير؟ قال ابن كثير: وهذه القرية هي (أيلة) وهي على شاطئ بحر القلزم {إِذْ يَعْدُونَ فِي ٱلسَّبْتِ} أي يتجاوزون حدّ الله فيه وهو اصطيادهم يوم السبت {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً} أي حين كانت الحيتان "الأسماك" تأتيهم يوم السبت - وقد حُرّم عليهم الصيدُ فيه - كثيرةً ظاهرةً على وجه الماء {وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ} أي وفي غير يوم السبت وهي سائر الأيام لا تأتيهم بل تغيب عنهم وتختفي {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي مثل ذلك البلاء العجيب نختبرهم ونمتحنهم بإظهار السمك لهم على وجه الماء في اليوم المحرَّم عليهم صيده وإخفائها عنهم في اليوم الحلال بسبب فسقهم وانتهاكهم حرمات الله قال القرطبي: روي أنها كانت في زمن داود عليه السلام وأن إبليس أوحى إليهم فقال: إنما نُهيتُم عن أخذها يوم السبت فاتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد ويحتالون في صيدها {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً} قال ابن كثير: يخبر تعالى عن أهل هذه القرية أنهم صاروا إلى ثلاث فرق: فرقة ارتكبت المحظور واحتالوا على اصطياد السمك يوم السبت، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلتهم، وفرقة سكتت فلم تفعل ولم تنه ولكنها قالت للمنكرة {لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ} أي لم تنهون هؤلاء وقد علمتم أنهم قد هلكوا واستحقوا العقوبة من الله فلا فائدة في نهيكم إياهم؟ {قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمْ} أي قال الناهون: إنما نعظهم لنعذر عند الله بقيامنا بواجب النصح والتذكير {وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي ينزعون عمَّا هم فيه من الإِجرام قال الطبري: أي لعلهم أن يتقوا الله فينيبوا إلى طاعته ويتوبوا من معصيتهم إيّاه وتعدّيهم الاعتداء في السبت {فَلَماَّ نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي فلما تركوا ما ذكّرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء وأعرضوا عن قبول النصيحة إعراضاً كلياً {أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ} أي نجينا الناهين عن الفساد في الأرض {وَأَخَذْنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} أي وأخذنا الظالمين العصاة بعذابٍ شديد وهم الذين ارتكبوا المنكر {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بسبب فسقهم وعصيانهم لأمر الله {فَلَماَّ عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ} أي فلما استعصوا وتكبروا عن ترك ما نهوا عنه {قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أي مسخناهم إلى قردة وخنازير؛ والمعنى أنهم عُذبوا أولاً بعذاب شديد فلما لم يرتدعوا وتمادوا في الطغيان مسخوا قردة وخنازير، والحاصل أن أصحاب القرية انقسموا ثلاث فرق: فرقةٌ عصتْ فحلَّ بها العذاب، وفرقة نهت ووعظت فنجاها الله من العذاب، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تُقارف المعصية وقد سكت عنها القرآن قال ابن عباس: ما أدري ما فعل بالفرقة الساكتة أنجوا أم هلكوا؟ قال عكرمة: فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نجوا لأنهم كرهوا ما فعله أولئك، فكساني حلة {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي واذكر يا محمد حين أعلم ربك ليسلطنَّ على اليهود إلى قيام الساعة من يذيقهم أسوأ العذاب بسبب عصيانهم ومخالفتهم أمر الله واحتيالهم على المحارم، وقد سلّط الله عليهم بختنصّر فقتلهم وسباهم، وسلّط عليهم النصارى فأذلوهم وضربوا عليهم الجزية، وسلَّط عليهم محمداً صلى الله عليه وسلم فطهَّر الأرض من رجسهم وأجلاهم عن الجزيرة العربية، وسلّط عليهم أخيراً "هتلر" فاستباح حماهم وكاد أن يبيدهم ويفنيهم بالقتل والتشريد في الأرض، ولا يزال وعد الله بتسليط العذاب عليهم سارياً إلى أن يقتلهم المسلمون في المعركة الفاصلة إن شاء الله ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي سريع العقاب لمن عصاه وغفورٌ رحيم لمن أطاعه {وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً} أي فرّقناهم في البلاد طوائف وفرقاً ففي كل بلدة فرقة منهم، وليس لهم إقليم يملكونه حتى لا تكون لهم شوكة، وما اجتمعوا في الأرض المقدسة في هذه الأيام إلا ليذبحوا بأيدي المؤمنين إن شاء الله كما وعد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "حديث : لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود.." تفسير : الحديث أخرجه مسلم ثم بيّن تعالى أنهم ليسوا جميعاً فجاراً بل فيهم الأخيار وفيهم الأشرار فقال {مِّنْهُمُ ٱلصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذٰلِكَ} أي منهم من آمن وهم قلة قليلة ومنهم من انحطّ عن درجة الصلاح بالكفر والفسوق وهم الكثرة الغالبة {وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} أي اختبرناهم بالنعم والنقم والشدة والرخاء لعلهم يرجعون عن الكفر والمعاصي {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ} قال ابن كثير: أي خلف من بعد ذلك الجيل الذي فيهم الصالح والطالح خلْفٌ آخر لا خير فيهم ورثوا الكتاب وهو التوراة عن آبائهم {يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا} أي يأخذون ذلك الشيء الدنيء من حطام الدنيا من حلال وحرامٍ ويقولون متبجحين: سيغفر الله لنا ما فعلناه، وهذا اغترار منهم وكذب على الله {وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ} أي يرجون المغفرة وهم مصرّون على الذنب كلما لاح لهم شيء من حطام الدنيا أخذوه لا يُبالون من حلالٍ كان أو حرام {أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِّيثَاقُ ٱلْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ} الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي ألم يؤخذ عليهم العهد المؤكد في التوراة أن يقولوا الحق ولا يكذبوا على الله؟ فكيف يزعمون أنه سيغفر لهم مع إصرارهم على المعاصي وأكل الحرام؟ {وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ} في هذا أعظم التوبيخ لهم أي والحال أنهم درسوا ما في الكتاب وعرفوا ما فيه المعرفة التامة من الوعيد على قول الباطل والافتراء على الله {وَٱلدَّارُ ٱلآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ} أي والآخرة خير للذين يتقون الله بترك الحرام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}؟ الاستفهام للإِنكار أي فلا ينزجرون ويعقلون؟ والمراد أنهم لو كانوا عقلاء لما آثروا الفانية على الباقية {وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} أي يتمسكون في أمور دينهم بما أنزله الله ويحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} أي لا نضيع أجرهم بل نجزيهم على تمسكهم وصلاحهم أفضل وأكرم الجزاء. البَلاَغَة: 1- {وَلَماَّ سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ} شبّه الغضب بإِنسان يرعد ويزبد ويزمجر بصوته آمراً بالانتقام ثم اختفى هذا الصوت وسكت، ففي الكلام "استعارة مكنية" ويا له من تصوير لطيف يستشعر جماله كل ذي طبع سليم وذوقٍ صحيح. 2- بين لفظ "تضل" و "تهدي" طباقٌ وكذلك بين لفظ "يحيي" و "يميت". 3- {يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب. 4- {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ} استعار الإِصر والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة. 5- {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} التفات من الغيبة إلى الخطاب زيادة في التوبيخ والتأنيب. فَائِدَة: الخَلَف بفتح اللام من يخلف غيره بالخير، والخَلْف بسكون اللام من يخلف غيره في الشر ومنه قوله تعالى {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً} تفسير : [مريم: 59] وهذه الآية {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ ٱلْكِتَابَ} والله أعلم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {غَضْبَانَ أَسِفاً} معناهُ مَتغضِبٌ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ} [الأعراف: 150] الروح من صفات مكالمة الحق، {إِلَىٰ قَوْمِهِ} [الأعراف: 150] من أوصاف الإنسانية، {غَضْبَٰنَ} [الأعراف: 150] مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا، {أَسِفاً} [الأعراف: 150] على ما فات لها من عبودية الحق، {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي} [الأعراف: 150] بصفات القلب، {مِن بَعْدِيۤ} [الأعراف: 150]؛ أي: غيبتي، {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف: 150]؛ أي: استعجلتم بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم، وفيه إشارة إلى أن أرباب الطلب وأصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا، ولا يتعلقوا بها في إناء القلب والسلوك؛ لئلا ينقطعوا عن الحق، اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق إلى المولى، وتسليكهم في طريق الدنيا والعقبى، {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} [الأعراف: 150]؛ يعني: ما لاح الخروج من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي، {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} [الأعراف: 150] يعني: القلب فإنه أخ الروح، {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف: 150] قهراً وفراً عند استيلاء الطبيعة الروحانية، {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ} [الأعراف: 150] وهما من أب وأم، أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق؛ لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر، فافهم جدّاً. {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} [الأعراف: 150]؛ يعني: أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك، {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} [الأعراف: 150] وكذلك يكون استيلاء صفات البشرية وغلباتها حلل غيبة الروح وشغله بنوع من الأنواع قهر القلب وهلاكه، {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} [الأعراف: 150] وهم: الشيطان والنفس والهوى، {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأعراف: 150] الذين عبدوا عجل الدنيا وهم: صفات القلب، يشير إلى أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعوناتها؛ ومن هنا يكون شنشنة الشيطان من أرباب الطريقة ورعوناتهم وزلات أقدامهم، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته، كما أن النفس لا تتغير من حيث هي هي عما جبلت عليه من حيث الدنيا وطلبها وإنما تغير صفاتها من الأمارية إلى اللوامية والملهمية والرجوع إلى الخالق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادة المشومة إلى طبعها وجبلتها {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]. وفي قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ} [الأعراف: 151] الإشارة إلى: السير في الصفات؛ لأن المغفرة والرحمة من الصفات، فيشير إلى أن لموسى الروح ولأخيه هارون القلب استعداداً لقبول الجذبة الإلهية التي تدخلها في عالم الصفات، {وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151]؛ لأن غيرك من الراحمين عاجز عن إدخال غيره في صفاته، وأنت قادر على ذلك لمن تشاء، يدل عليه قوله تعالى: {أية : يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ}تفسير : [الشورى: 8]. ثم أخبر عن أهل الغضب بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} [الأعراف: 152] الإشارة فيها: أن الذين اتخذوا العجل؛ أي: اتخذوا عجل الهوى إلهاً يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الفرقان: 43]، {سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} [الأعراف: 152]؛ يعني: عبادة الهوى موجبة لغضب الله تعالى، دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عبد في الأرض آله أبغض على الله من الهوى"،تفسير : وإن عابد الهوى يكون ذليل شهوات النفس وأسير صفاتها الذميمة الحيوانية والسبعية والشيطانية ما دام يميل إلى الحياة الدنيوية، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152]؛ يعني: كذلك نجازي بالغضب والطرد الإبعاد وذلة عبادة الهوى المدَّعين الذين يفترون على الله أعطانا قوة لا تضر بنا عبادة الهوى والرجوع إلى طلب الخلق، {وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوۤاْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأعراف: 153]؛ يعني: يعفو عنهم تلك السيئات، ويرحمهم بنيل القربات والكرامات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):