٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
149
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنهم اتفقوا على أن المراد من قوله: {سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أنه اشتد ندمهم على عبادة العجل واختلفوا في الوجه الذي لأجله حسنت هذه الاستعارة. فالوجه الأول: قال الزجاج: معناه سقط الندم في أيديهم، أي في قلوبهم كما يقال حصل في يديه مكروه، وإن كان من المحال حصول المكروه الواقع في اليد، إلا أنهم أطلقوا على المكروه الواقع في القلب والنفس كونه واقعاً في اليد، فكذا ههنا. والوجه الثاني: قال صاحب «الكشاف»: إنما يقال لمن ندم سقط في يده لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده غماً، فيصير ندمه مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها. والوجه الثالث: أن السقوط عبارة عن نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ولهذا قالوا سقط المطر، ويقال: سقط من يدك شيء وأسقطت المرأة، فمن أقدم على عمل فهو إنما يقدم عليه لاعتقاده أن ذلك العمل خير وصواب، وأن ذلك العمل يورثه شرفاً ورفعة، فإذا بان له أن ذلك العمل كان باطلاً فاسداً فكأنه قد انحط من الأعلى إلى الأسفل وسقط من فوق إلى تحت، فلهذا السبب يقال للرجل إذا أخطأ: كان ذلك منه سقطة، شبهوا ذلك بالسقطة على الأرض، فثبت أن إطلاق لفظ السقوط على الحالة الحاصلة عند الندم جائز مستحسن، بقي أن يقال: فما الفائدة في ذكر اليد؟ فنقول: اليد هي الآلة التي بها يقدر الإنسان على الأخذ والضبط والحفظ، فالنادم كأنه يتدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم ويشتغل بتلافيها، فكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أن بعد حصول ذلك الندم اشتغل بالتدارك والتلافي. والوجه الرابع: حكى الواحدي عن بعضهم: أن هذا مأخوذ من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج. يقال: منه سقطت الأرض كما يقال: من الثلج ثلجت الأرض وثلجنا أي أصابها الثلج، ومعنى سقط في يده أي وقع في يده السقيط، والسقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يبقى، فمن وقع في يده السقيط لم يحصل منه على شيء قط فصار هذا مثلاً لكل من خسر في عاقبته ولم يحصل من سعيه على طائل، وكانت الندامة آخر أمره. والوجه الخامس: قال بعض العلماء: النادم إنما يقال له سقط في يده، لأنه يتحير في أمره ويعجز عن أعماله والآلة الأصلية في الأعمال في أكثر الأمر هي اليد. والعاجز في حكم الساقط فلما قرن السقوط بالأيدي علم أن السقوط في اليد إنما حصل بسبب العجز التام ويقال في العرف لمن لا يهتدي لما يصنع، ضلت يده ورجله. والوجه السادس: إن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده معتمداً عليه وتارة يضعها تحت ذقنه، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكانت اليد مسقوط فيها لتمكن السقوط فيها ويكون قوله سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم، كقوله: {أية : وَلأَصَلّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ } تفسير : [طه: 71] أي عليها، والله أعلم. ثم قال تعالى: {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } أي قد تبينوا ضلالهم تبييناً كأنهم أبصروه بعيونهم قال القاضي: يجب أن يكون المؤخر مقدماً لأن الندم والتحير إنما يقطعان بعد المعرفة فكأنه تعالى قال: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم لما نالهم من عظيم الحسرة، ويمكن أن يقال إنه لا حاجة إلى هذا التقديم والتأخير، وذلك لأن الإنسان إذا صار شاكاً في أن العمل الذي أقدم عليه هل هو صواب أو خطأ؟ فقد يندم عليه من حيث أن الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأ فاسداً أو باطلاً غير جائز، فعند ظهور هذه الحالة يحصل الندم، ثم بعد ذلك يتكامل العلم ويظهر أنه كان خطأ وفاسداً وباطلاً فثبت أن على هذا التقدير لا حاجة إلى التزام التقديم والتأخير. ثم بين تعالى أنهم عند ظهور هذا الندم وحصول العلم بأن الذي عملوه كان باطلاً أظهروا الانقطاع إلى الله تعالى فـ {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وهذا كلام من اعترف بعظيم ما أقدم عليه وندم على ما صدر منه ورغب إلى ربه في إقالة عثرته، ثم صدقوا على أنفسهم كونهم من الخاسرين إن لم يغفر الله لهم، وهذا الندم والاستغفار إنما حصل بعد رجوع موسى عليه السلام إليهم، وقرىء: (لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا) بالتاء {وَرَبُّنَا } بالنصب على النداء، وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام: {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} أي بعد عوْدِ موسى من المِيقات. يقال للنادم المتحيِّر: قد سقط في يده. قال الأخفش؛ يقال سُقط في يده، وأُسقط. ومن قال: سَقَطَ في أيديهم على بناء الفاعل؛ فالمعنى عنده: سَقط الندم؛ قاله الأزهرِيّ والنحاس وغيرهما. والندم يكون في القلب، ولكنه ذكر اليد لأنه يقال لمن تحصّل على شيء: قد حصل في يده أمر كذا؛ لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد؛ قال الله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} تفسير : [الحج: 10]. وأيضاً: الندم وإن حَلّ في القلب فأثره يظهر في البدن؛ لأن النادم يعضّ يده؛ ويضرب إحدى يديه على الأُخرى؛ قال الله تعالى: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا}تفسير : [الكهف: 42] أي ندِم. {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ} تفسير : [الفرقان: 27] أي من الندم. والنادم يضع ذقنه في يده. وقيل: أصله من الاستئسار، وهو أن يضرب الرجلُ الرجلَ أو يصرَعه فيرميَ به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه؛ فالمرمي مسقوط به في يد الساقط. {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} أي انقلبوا بمعصية الله. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } أخذوا في الإقرار بالعبودية والاستغفار. وقرأ حمزة والكسائيّ «لئن لَمْ ترحمنا ربَّنا وتغفر لنا» بالتاء على الخطاب. وفيه معنى الاستغاثة والتضرُّع والابتهال في السؤال والدعاءِ. «ربَّنا» بالنصب على حذف النداء. وهو أيضاً أبلغ في الدعاء والخضوع. فقراءتهما أبلغ في الاستكانة والتضرع، فهي أوْلى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أي ندموا على عبادته {وَرَأَوُاْ } أي: علموا {أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } بها وذلك بعد رجوع موسى {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا } بالياء والتاء فيهما {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ }.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} الجارُّ قائم مقام الفاعل. وقيل القائمُ مقامه ضميرُ المصدر الذي هو السُّقُوط أي سُقِط السقوط في أيديهم، ونقل أبو حيان عن بعضهم أنه قال: "سقط" تَتضمَّن مَفعُولاً، وهو ههنا المصدر، الذي هو الإسقاطُ كقولك: "ذُهِبَ بزيد". قال: وصوابه: وهو هنا ضميرُ المصدر الذي هو السُّقُوط؛ لأنَّ "سقط" ليس مصدرُهُ الإسقاط، ولأن القائمَ مقام الفاعل ضميرُ المصدر، لا المصدر، ونقل الواحديُّ عن الأزهريِّ أن قولهم: "سُقِط في يده"؛ كقوله امرىء القيس: [الطويل] شعر : 2575 - دَعْ عَنْكَ نَهْباً صِيحَ في حجراتِهِ ولكنْ حَدِيثاً ما حَدِيثُ الرَّواحلِ تفسير : في كون الفعل مُسْنداً للجار، كأنه قيل: صَاحَ المنتهبُ في حجراته، وكذلك المراد سُقِط في يده، أي: سقط النَّدمُ في يده. فقوله: أي سقط النَّدم في يده، تَصْرِيحٌ بأنَّ القائمَ مقام الفاعل حرفُ الجَرّ، لا ضمير المصدرِ. ونقل الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ أنه يقال: سقط في يده وأسقط أيضاً، إلاَّ أنَّ الفرَّاء قال: سَقَطَ - أي الثلاثي - أكثرُ وأجودُ. وهذه اللَّفظةُ تُسْتعمَلُ في التندُّم والتحير. وقد اضْطربَتْ أقوالُ أهل اللُّغَةِ في أصلها. فقال أبو مروان بن سراج اللُّغوي: "قولُ العرب سُقِط في يده مِمَّا أعْيَانِي معناهُ". وقال الواحِدي: قَدْ بَانَ مِنْ أقوالِ المُفسِّرينَ وأهْلِ اللُّغةِ أنَّ "سُقِطَ في يدهِ" نَدم، وأنَّه يُسْتعملُ في صفة النّادم فأمَّا القولُ في أصلِهِ وما حَدُّه فلمْ أرِ لأحَدٍ من أئَّمةِ اللُّغةِ شَيْئاً أرْتَضِيه إلاَّ ما ذكر الزَّجَّاجي فإنَّه قال: قوله تعالى: {سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} بمعنى نَدمُوا، نظمٌ لم يُسمع قبلَ القرآن، ولمْ تعرفهُ العرب، ولمْ يُوجَدْ ذلك في أشعارِهِم، ويدُلُّ على صحَّةِ ذلك أنَّ شعراء الإسلام لما سَمِعُوا هذا النَّظْمَ واستعملُوهُ في كلامهم خَفِي عليهم وجهُ الاستعمال، لأنَّ عادتَهُم لمْ تَجْرِ بِهِ. فقال أبو نواس: [الرجز] شعر : 2576 - ونَشْوَةٌ سُقِطْتُ مِنْهَا فِي يَدِي تفسير : وأبُو نواس هو العالمُ النِّحْرِيرُ، فأخطأ في استعمال هذا اللفظ، لأنَّ "فُعِلْتُ" لا يُبْنَى إلاَّ من فعل مُتعَدٍّ، و "سقط" لازمٌ، لا يتعدَّى إلاَّ بحرفِ الصفة لا يقالُ: "سُقطت" كما لا يُقال: رُغبتُ وغُضِبت، إنَّما يُقَال: رُغِبَ فيَّ، وغُضِب عَلَيَّ، وذكر أبُو حاتمٍ: "سُقِط فلان في يده" بمعنى ندم. وهذا خطأ مثلُ قول أبي نواس، ولو كان الأمرُ كذلك لكان النَّظْم {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} و"سُقِطَ القومُ في أيديهم". وقال أبُو عُبيدة: "يُقَالُ لِمَنْ على أمْرٍ وعجز عنه: سُقِطَ في يده". وقال الواحِدِيُّ: "وذِكْرُ اليد ههنا لوجهين أحدهما: أنه يُقال للَّذي يَحْصُلَ وإن كان ذلك مِمَّا لا يكُون في اليد: "قَدْ حصلَ في يده مكروهٌ" يشبه ما يحصُلُ في النَّفس وما يحصُل في القلب بِمَا يُرَى بالعينِ، وخُصَّت اليدُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ مباشرةَ الذُّنُوبِ بها. فاللائمةُ ترجع عليها، لأنَّهَا هي الجارحةِ العُظْمَى، فيُسْنَدُ إليها ما لم تُباشِرهُ، كقوله: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ}تفسير : [الحج: 10] وكثيرٌ من الذُّنُوب لمْ تُقدّمهُ اليد". الوجه الثاني: أنَّ النَّدَمَ حدثٌ يَحْصُلُ في القلب، وأثرُهُ يَظْهَرُ في اليد؛ لأنَّ النَّادِمَ يَعَضُّ يدَهُ، ويضربُ إحْدَى يديْه على الأخرى كقوله: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ}تفسير : [الكهف: 42] فتَقْلِيبُ الكفِّ عبارةٌ عن النَّدم، وكقوله: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ}تفسير : [الفرقان: 37] فلمَّا كان أثرُ النَّدم يحصُل في اليدِ مِن الوجهِ الذي ذَكَرْنَاه أضيف سقوطُ النَّدم إلى اليَدِ؛ لأنَّ الذي يَظْهَرُ للعُيُونِ من فِعْلِ النَّادم هو تَقْلِيبُ الكفِّ وعضُّ الأنامل واليدِ كَمَا أنَّ السُّرُورَ معنى في القلب يسْتَشْعره الإنسانُ، والذي يظهرُ منه حالة الاهتزاز والحركةِ والضَّحك وما يَجْرِي مجراه. وقال الزمخشريُّ: {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} أي ولمَّا اشتدَّ ندمهم؛ لأنَّ مِنْ شأن من اشتدَّ ندمُهُ وحَسْرَتُهُ أن يَعَضَّ يدهُ غماً، فتصيرَ يده مَسْقُوطاً فيها، لأنَّ فاه قد وقع فيها. وقيل: مِنْ عادةِ النَّادمِ أن يُطَأطِىءَ رَأسَهُ، ويضع ذقنه على يده معتمداً عليها، ويصيرُ على هيئةٍ لو نُزِعت يده لسقط على وجهه، فكأنَّ اليدَ مَسْقُوطٌ فيها. ومعنى "في" "على"، فمعنى "في أيديهم" كقوله: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ}تفسير : [طه: 71]. وقيل: هو مَأخُوذٌ من السِّقاط، وهو كثرةُ الخَطَأ، والخَاطِىءُ يَنْدَمُ على فعلهِ. قال ابنُ أبي كاهل: [الرمل] شعر : 2577 - كَيْفَ يَرْجُونَ سِقَاطِي بَعْدَمَا لَفَّعَ الرَّأسَ بياضٌ وصَلَعْ تفسير : وقيل: هو مأخوذٌ من السَّقيط، وهو ما يُغَشِّي الأرض من الجَليدِ يُشْبِه الثَّلْج. يقال منه: سَقَطَت الأرْضُ كما يُقَال: ثلجت، والسَّقْطُ والسَّقِيطُ يذُوبُ بأدْنَى حرارةٍ ولا يبقى. ومنْ وقع في يده السَّقِيط لمْ يَحْصُل منه على شيء فصار هذا مثلاً لكل من خسر في عاقبته، ولمْ يَحْصُل من بغيته على طائلٍ. واعْلَمْ أنَّ "سُقِطَ في يده" عدَّهُ بعضُهم في الأفعال الَّتِي لا تتصرَّف كـ "نِعْمَ وبِئْسَ". وقرأ ابْنُ السَّمَيْفَع سقط في أيديهم مبنياً للفاعل وفاعلُه مُضْمَرٌ، أي: سَقَطَ النَّدمُ هذا قولُ الزَّجَّاجِ. وقال الزمخشريُّ: "سَقَطَ العَضُّ". وقال ابنُ عطيّة: "سَقَطَ الخسران، والخيبة". وكل هذه أمثلةٌ. وقرأ ابنُ أبي عبلة: أسْقِط رباعياً مبنياً للمعفول، وقد تقدَّم أنَّها لغةٌ نقلها الفرَّاءُ والزَّجَّاجُ. فصل قوله: ورَأوْا أنَّهُمْ هذه قلبيَّة، ولا حاجةَ في هذا إلى تقديم وتأخير، كما زعم بعضهم. قال القاضِي: يجبُ أن يكون المؤخَّرُ مقدماً؛ لأنَّ النَّدَمَ والتَّحسّر إنَّما يقعانِ بعد المعرفة فكأنه تعالى قال: ولما رأوا أنهم قد ضلّوا سقط في أيديهم لما نالهُم من عظيم الحسْرَةِ. ويمكنُ أن يقال لا حاجة إلى ذلك، لأنَّ الإنسانَ إذا شكَّ في العملِ الذي يُقْدِمُ عليه هل هو صوابٌ أو خطأ؟ فقد يَنْدَمُ عليه من حيثُ أنَّ الإقدامَ على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأ غير جائز. قوله: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} لما ظهر لَهُمْ أنَّ الذي عَمِلُوهُ كان بَاطِلاً، أظْهَرُوا الانقطاع إلى اللَّهِ تعالى وقالوا: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا}. قرأ الأخوان "تَرْحَمْنَا" و "تَغْفِر" بالخطاب، "رَبَّنَا" بالنَّصْب، وهي قراءةُ الشعبي وابن وثَّاب وابن مصرف والجَحْدريّ والأعمش، وأيُّوب، وباقي السبعة بياءِ الغيبةِ فيهما، "رَبُّنَا" رفعاً، وهي قراءةُ الحسنِ، ومُجاهدٍ، والأعرج وشيْبَةَ وأبي جَعْفَرٍ. فالنَّصبُ على أنَّهُ مُنَادى، وناسَبهُ الخطاب، والرَّفْعُ على أنَّه فاعلٌ، فَيَجُوزُ أن يكون هذا الكلام صَدَرَ من جميعهم على التَّعَاقُبِ، أو هذا من طائفةٍ، وهذا من طائفةٍ، فمن غلب عليه الخوفُ، وقوي على المُواجهةِ؛ خاطب مستقيلاً من ذنبه، ومن غلب عليه الحياء أخرج كلامهُ مُخْرج المُسْتَحِي من الخطاب؛ فأسند الفِعْلَ إلى الغَائِبِ. قال المُفَسِّرُونَ: وكان هذا النَّدمُ والاستغفارُ منهم بَعْدَ رُجوعِ مُوسى إليهم. قوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً}: هذان حالان من "مُوسَى" عند من يُجيزُ تعدُّد الحال، وعند من لا يُجيزه يجعل "أسِفاً" حالاً من الضَّميرِ المُسْتَتر في "غَضْبانَ"، فتكون حالاً مُتداخِلةً، أو يجعلُها بدلاً من الأولى، وفيه نظرٌ لِعُسْر إدخالِهِ في أقْسَام البدلِ. وأقربُ ما يقال: إنَّه بدلُ بَعْضٍ من كُل إن فسَّرنا الأسفَ بالشَّديدِ الغضبِ، وهو قولُ أبِي الدَّرْدَاء وعطاء عن ابنِ عبَّاس، واختيار الزَّجَّاجِ، واحْتَجُّوا بقوله: {أية : فَلَمَّآ آسَفُونَا ٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ}تفسير : [الزخرف: 55] أي: أغْضَبُونَا، أو بدل اشتمال إن فسَّرناهُ بالحزِينِ. وهو قول ابن عباس والحسن، والسُّدِّي، ومنه قوله: [المديد] شعر : 2578 - غَيْرُ مأسُوفٍ على زَمَنٍ يَنْقَضِي بالهَمِّ والحَزَنِ تفسير : وقالت عائشةُ - رضي الله عنها -: إنَّ أبا بكر رَجُلٌ أسِيفٌ أي: حَزِينٌ. قال الواحديُّ: "والقولان مُتقاربانِ؛ لأنَّ الغضبَ من الحُزْنِ، والحُزْن من الغَضَبِ"؛ قال: [البسيط] شعر : 2579 -...................... فَحُزنُ كُلِّ أخِي حُزْنٍ أخُو الغَضَبِ تفسير : وقال الأعشى: [الطويل] شعر : 2580 - أرَى رَجُلاً مِنْهُمْ أسِيفاً كأنَّمَا يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبَا تفسير : فهذا بمعنى: غَضْبَان، وحديث عائشة يدلُّ على أنَّهُ: الحزين، فلمَّا كانا مُتقاربَيْنِ في المعنى صَحَّت البدليَّةُ. ويقال: رَجُلٌ أسِفٌ: إذا قُصِد ثُبُوتُ الوَصْفِ واستقراره، فإن قُصِد بِهِ الزَّمان جَاءَ على فاعل. فصل اختلفُوا في هذه الحال. فقيل: إنَّهُ عند هجومه عليهم، عرف ذلك. وقال أبُو مسلم: بل كان عارفاً بذلك من قبل؛ لقوله تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} وإنَّما كان راجعاً قبل وصوله إليهم. وقال تعالى - لموسى عليه الصَّلاة والسَّلام - في حال المكالمة {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ}تفسير : [طه: 85]. قوله: قال بِئْسَمَا هذا جوابُ "لَمَّا" وتقدَّم الكلامُ على "بِئْسَمَا"، ولكنَّ المَخْصُوصَ بالذَّم محذوفٌ، والفاعلُ مستتر يُفَسِّرُهُ "ما خَلَفْتُمُونِي" والتقديرُ: بِئْسَ خلافة خَلَفتُمُونيهَا خلافَتُكُمْ. فصل فإن قيل: ما معنى قوله: "من بعدي" بعد قوله "خلفتموني"؟ فالجواب: معناه: من بعد ما رأيتم مني من تَوْحيد اللَّهِ، ونفي الشُّركاءِ، وإخلاص العبادةِ له، أو من بعد ما كتب: احمل بني إسرائيل على التَّوحيد، وامنعهم من عبادة البقرِ حين قالوا: {أية : ٱجْعَل لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 138]، ومن حقِّ الخلفاء أن يسيرُوا سيرة المُستخلفين. قوله: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ}: في "أمْرَ" وجهان، أحدهما: أنَّهُ منصوبٌ على المفعول بعد إسْقاط الخافض، وتضمينُ الفعل مَعْنَى ما يتعدَّى بنفسه، والأصلُ: أعجلْتُمْ عن أمْرِ ربِّكم. قال الزمخشريُّ: يُقال: عَجِل عن الأمرِ: إذا تركه غير تَامٍّ، ونقيضه تَمَّ عليه، وأعجله عنه غيره، ويُضَمَّن معنى "سَبَقَ" فيتعدَّى تَعْديته. فيقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ، والمعنى: "أعجلتم عَنْ أمر ربكم". والثاني: أنَّهُ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ غَيْرَ مضمنٍ معنى آخر، حكى يَعْقُوب عجلتُ الشَّيء سَبَقْتُهُ، وأعْجلْتُ الرَّجُلَ: اسْتَعْجَلْتُهُ، أي: حَمَلْتُهُ على العَجَلَةِ. فصل قال الواحدي: "معنى العَجَلَة: التقدم بالشَّيءِ قبل وقْتِهِ، ولذلك صارت مَذْمُومَةً والسُّرعة غر مذمومة، لأنَّ معناها: عمل الشَّيء في أول أوقاتِهِ". ولقائلٍ أن يقُولَ: لو كانت العجلةُ مَذْمُومَةٌ فلم قال موسى: {أية : وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَىٰ}تفسير : [طه: 84]. قال ابْنُ عبَّاسٍ: معنى {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} يعني: ميعاد ربكم فلمْ تَصْبِرُوا لهُ وقال الحسنُ: وعْدُ رَبكم الذي وَعَدكُم من الأربعين، وذلك أنَّهُمْ قَدروا أنَّه إن لم يأت على رأس الثَّلاثين، فقد مات. وقال عطاءٌ: يريدُ أعَجِلْتُم سَخَطَ رَبّكُم. وقال الكلبي: أعَجِلْتُم بعبادة العِجْلِ قبل أنْ يأتيكم أمْر ربكُم. قوله: "وألْقَى الألوَاحَ" أي الَّتِي فيها التَّوْراةُ على الأرض من شدَّةِ الغضب. قالت الرُّواةُ: كانتِ التَّوراةُ سبعة أسباعٍ، فلمَّا ألْقَاهَا انكسرت، فرفع منها سِتَّةُ أسباعٍ، وبقي سبع واحد فرفع ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه الموعظة والأحكام من الحلال والحرام. ولقائل أن يقول: ليس في القرآن إلاَّ أنَّه ألقى الألْوَاحَ فأما أنه ألقاها بحيث تكسّرت، فليس في القُرآنِ وإنَّهُ جُرأة عَظِيمةٌ على كتاب الله تعالى، ومثله لا يليقُ بالأنبياء، ويرد هذا قوله تعالى بعد ذلك: {أية : وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلْغَضَبُ أَخَذَ ٱلأَلْوَاحَ}تفسير : [الأعراف: 154] فدلَّ ذلك على أنَّها لم تنكسر، ولا شيء منها، وأنَّ القائلينَ بأنَّ ستة أسباعها رفعت إلى السَّماءِ، ليس الأمر كذلك، وأنَّهُ أخذها بأعيانها. قوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} بذُؤابته ولحيتِهِ، لقوله: {أية : لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي}تفسير : [طه: 94]. قوله: "يَجُرُّهُ إلَيْهِ" فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أنَّ الجُملةَ حالٌ من ضمير مُوسَى المستتر في أخَذَ، أي: أخَذَهُ جَارًّا إليه. الثاني: أنَّها حَالٌ من رَأس قاله أبُو البقاءِ، وفيه نظرٌ لعدم الرَّابط. والثالث: أنَّها حالٌ من أخِيهِ. قال أبُو البقاءِ: "وهو ضعيفٌ" يعني من حيث إنَّ الحَالَ من المُضافِ إليه يَقِلُّ مجيئُهَا، أو يمتنعُ عند بعضهم وقد تقدَّم أن بعضهم يُجَوّزهُ في صور، هذه منها وهو كونُ المضافِ جزءاً من المضافِ إليه. فصل الطَّاعنون في عصْمة الأنبياء يقولون: إنه أخذ برأسِ أخيه يجرُّه على سبيل الإهانةِ، والمُثْبِتُون لعصمة الأنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - قالوا: إنَّهُ جَرَّ أخَاهُ لِيَسْألَهُ ويستكشف مِنْهُ كيفية تلك الواقعة. فإن قيل: فَلِمَ قَالَ: {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي}؟ فالجوابُ: أنَّ هارون - عليه السَّلامُ - خاف أن يتوَهّمَ جُهَّالُ بني إسرائيل أنَّ موسى غضبان عليه كما غضب على عبدة العِجل. فقال: قد نهيتهم، ولم يكن معي من الجمع ما أمنعهم به عن هذا العمل؛ فلا تفعل ما تُشْمِت أعدائي، فهم أعداؤُك فإنَّ القومَ يحملون هذا الفعل الذي تفعله على الإهانة لا على الإكرام. قوله: ابْنَ أمَّ قرأ الأخوان، وأبو بكر، وابن عامر هُنَا، وفي طه، بكسر الميم، والباقون بفتحها. فأمَّا الفَتْحِ ففيها مذهبان. مذهبُ البصريين: أنَّهُمَا بُنيا على الفتح، لتركيبهما تركيب "خَمْسةَ عَشَرَ"، فعلى هذا ليس "ابْن" مضافاً لـ "أمّ"، بل هو مركَّب معها، فَحَركتُهَا حركةُ بناء. والثاني: مذهب الكوفيِّينَ: وهو أنَّ "ابن" مضاف لـ "أمّ" و "أمّ" مضافة لياءِ المتكلِّمِ، وياء المُتكلِّم قد قلبت ألفاً، كما تُقْلَبُ في المُنَادَى المُضاف إلى ياء المتكلم، نحو: يَا غلاماً، ثم حُذفت الألفُ واجتزىءَ عنها بالفَتْحَةِ، كام يُجْتَزَأ عن الياءِ بالكَسْرَةِ، فحينئذ حركة "ابْن" حركةُ إعراب، وهو مضاف لـ "أمَّ" فهي في محلِّ خفض بالإضافة. وأمَّا قراءة الكسر فعلى رأي البصريين هو كسرُ بناءٍ لأجل ياء المتكلم، بمعنى: أنَّا أضَفْنَا هذا الاسم المركب كلَّه لياء المتكلم، فَكُسِرَ آخرُه، ثم اجتُزىء عن الياء بالكسرةِ، فهو نظير: يا أحَدَ عشرِ، ثم: يا أحد عشر بالحذفِ، ولا جائز أن يكُونَا باقيين على الإضافة إذ لم يَجُزْ حذفُ الياء؛ لأنَّ الاسمَ ليس منادى، ولكنه مضاف إليه المُنادَى، فلم يَجُزْ حَذْفُ الياء منه. وعلى رأي الكُوفيين يكون الكَسْرُ كسرَ إعراب، وحُذِفَت الياءُ مُجْتَزَأ عنها بالكسرةِ كما اجتُزىء عن ألفها بالفتحَةِ، وهذان الوجهان يَجْرِيَان، في: "ابن أمّ"، و "ابْنَ عَمّ"، و "ابْنَة أمّ"، و "ابنة عمّ". فصل فاعْلَمْ أنَّهُ يجوزُ في هذه الأمثلةِ الأربعةِ خاصةً خَمْسُ لغات: فُصْحَاهُنَّ: حذفُ الياءِ مجتزأ عنها بالكسرة، ثم قلبُ الياءِ ألفاً؛ فَيَلْزَمُ قلبُ الكَسْرَةِ فَتْحَةً، ثم حذفُ الألف مُجْتَزأ عنها بالفتحةِ، ثمَّ إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة، وأمَّا غيرُ هذه الأمثلةِ الأربعة ممَّا أُضِيفَ إلى مضاف إلى ياء المتكلِّمِ في النِّداء، فإنَّهُ لا يجوز فيه إلاَّ ما يجُوزُ في غير بابِ النِّداءِ، لأنَّه ليس منادى، نحوُ: يا غلام أبِي، ويا غلام أمي، وإنَّما جَرَتْ هذه الأمثلةُ خاصَّةً هذا المَجْرَى؛ تنزيلاً للكلمتين منزلة كلمةٍ واحدةٍ، ولكثرة الاستعمالِ. وقرىء "يا ابْنَ أمِّي" بإثبات الياءِ ساكنةً؛ ومثله قوله: [الخفيف] شعر : 2581 - يَا ابْنَ أمِّي وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ تفسير : وقول الآخر: [الخفيف] شعر : 2582 - يَا ابْنَ أمِّي فَدَتْكَ نَفْسِي ومَالِي ............................ تفسير : وقرىء أيضاً: "يَا ابْنَ إمِّ" بكسر الهمزة والميم وهو إتباعٌ. ومِنْ قلبِ الياءِ ألفاً قوله: [الرجز] شعر : 2583 - يَا ابْنَةَ عَمَّا لا تَلُومِيَ واهْجَعِي تفسير : وقوله: [الرجز] شعر : 2584 - كُنْ لِيَ لا عَلَيَّ يَا ابْنَ عَمَّا نَدُمْ عَزيزَيْنِ ونُكْفَ الذَّمَّا تفسير : فصل إنَّما قال: "ابْنَ أمّ" وكان هارون أخاه لأبيه ليرققه ويستعطفه. وقيل: كان أخاه لأمِّه دون أبيه، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، وأحبَّ إلى بني إسرائيل من موسى؛ لأنه كان لين الغضب. قوله: {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} أي لم يلتفتوا إلى كلامي، يعني: عبدة العجل {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} أي: شريكاً لهم في عقوبتك على فعلهم. قوله: {فَلاَ تُشْمِتْ} العَامَّةُ على ضمِّ التاء، وسكر الميم، وهو من "أشْمَتَ" رباعياً، الأعداء مفعول به. وقرأ ابْنُ محيصنٍ "فلا تَشْمِتْ" بفتح التَّاءِ وكسر الميم، ومجاهدٌ: بفتح التَّاءِ أيضاً وفتح الميم، "الأعْدَاءَ" نصب على المفعول به، وفي هاتين القراءتين تَخْرِيجَان: أظهرهما: أن "شَمِتَ، أو شَمَتَ" بكسر الميم أو فتحها مُتَعَدٍّ بنفسه كـ: أشْمَتَ الرباعي. يقال: شَمِتَ بي زيدٌ العَدُوَّ؛ كما يقال: أشْمَت بي العَدُوَّ. والثاني: أنَّ تَشْمَتْ مُسْندٌ لضمير الباري تعالى أي: فلا تَشْمَتْ يا رب، وجاز هذا كما جاز: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ}تفسير : [البقرة: 15] ثم أضمر ناصباً للأعْدَاءِ، كقراءة الجماعة، قاله ابْنُ جنِّي. ولا حاجة إلى هذا التَّكلف؛ لأنَّ "شَمِتَ" الثلاثيَّ يكون متعدِّياً بنفسه، والإضمار على خلاف الأًصل. وقال أبُو البقاءِ - في هذا التَّخريج -: "فلا تشمت أنت" فجعل الفاعل ضمير "مُوسَى"، وهو أولى من إسناده إلى ضمير اللَّهِ تعالى، وأمَّا تَنْظِيرُهُ بقوله {ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} فإنَّما جاز ذلك للمقابلة في قوله: {أية : إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}تفسير : [البقرة: 14] {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 54] ولا يجُوزُ ذلك في غَيْر المقابلة. وقرأ حميد بنُ قيس "فلا تَشْمِت" كقراءة ابنِ محيصن، ومجاهد كقراءته فيه أوَّلاً، إلاَّ أنَّهُما رفعا "الأعْدَاء" على الفاعلية، جعلا "شَمِتَ" لازماً فرفعا به "الأعداء" على الفاعليَّة، فالنَّهْيُ في اللَّفْظِ للمخاطب والمُرادُ به غيره كقولهم: لا أرَيَنَّكَ ههنا، أي: لا يكن منك ما يقتضي أن تُشْمِتَ بي الأعْدَاءَ. والإشمات والشَّماته: الفَرَحُ بِبَلِيةٍ تنالُ عَدُوَّك؛ قال: [الكامل] شعر : 2585 -......................... والمَوْتُ دُونَ شَماتَةِ الأعْدَاء تفسير : فصل قيل: واشتقاقُها من شوامِتِ الدَّابة، وهي قوائِمُهَا؛ لأنَّ الشَّماتة تَقْلِبُ قلب الحاسِد في حالتي الفرَحِ والتَّرحِ كتقلُّب شوامِت الدَّابة. وتشميت العاطس وتسميته، بالشِّين والسِّين الدعاء له بالخير. قال أبو عبيد: الشِّينُ أعْلَى اللُّغتين. وقال ثَعلبٌ: الأصْلُ فيها السِّينُ من السَّمْت، وهو القصد والهَدْي. وقيل: معنى تشميت العاطس [بالمعجمة] أنْ يُثَبِّتَهُ اللَّه كما يثبت قوائم الدابة. وقيل: بل التَّفعيل للسَّلب، أي: أزال الله الشَّماتة به وبالسِّين المهملة، أي: رَدَّهُ اللَّهُ إلى سَمْتِهِ الأول، أي: هيئته، لأنَّهُ يحصل له انزعاج. وقال أبُو بَكْرٍ: "يقال: شَمَّتَه وشَمَّتَ عليه" وفي الحديث: وشَمَّت عليهما. فصل ولمَّا تبيَّنَ لمُوسَى عُذْرُ أخيه قال: "رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صنعت" أي: ما أقدمت عليه من الغضب، "ولأخِي" إن كان منه في الإنكار على عبدة العجل "وأدخلْنَا جَمِيعاً في رحْمَتِكَ وأنتَ أرْحَمُ الرَّاحمِينَ".
البقاعي
تفسير : ولما كان هذا في سياق {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} فأنتج أن من كذب على هذه الصفة أهلك، فانتظر السامع الإخبار بتعجيل هلاكهم، أخبر بأنه منعهم من ذلك وحرسهم المبادرة بالتوبة، ولما اشتد من تشوف السامع إليه، قدمه على سببه وهو رجوع موسى عليه السلام إليهم وإنكاره عليهم، ولأن السياق في ذكر إسراعهم في الفسق لم يذكر قبول توبتهم كما في البقرة؛ ولما كان من المعلوم أنهم تبين لهم عن قرب سوء مرتكبهم لكون نبيهم فيهم، عبر بما أفهم أن التقدير: فسقط في إيديهم، وعطف عليه قوله سائقاً مساق ما هو معروف: {ولما سقط} أي سقطت أسنانهم {في أيديهم} بعضها ندماً سقوطاً كأنه بغير اختيار لما غلب فيه من الوجد والأسف الذي أزال تأملهم ولذلك بناه للمفعول {ورأوا أنهم قد ضلوا} أي عن الطريق الواضح {قالوا} توبة ورجوعاً إلى الله كما قال أبوهم آدم عليه السلام {لئن لم يرحمنا ربنا} أي الذي لم يقطع قط إحسانه عنا فكيف غضبه ويديم إحسانه {ويغفر لنا} أي يمحو ذنوبنا عيناً وأثراً لئلا ينتقم منا في المستقبل {لنكونن من الخاسرين*} أي فينتقم من بذنوبنا. ولما أخبر بالسبب في تأخير الانتقام عنهم مع مساواتهم لمن أوقعت بهم النقمة في موجب الانتقام، أخبر سبحانه بحال موسى عليه السلام معهم عند رجوعه إليهم من الغضب لله والتبكيت لمن خالفه مع ما اشتمل عليه من الرحمة والتواضع فقال: {ولما رجع موسى} أي من المناجاة {إلى قومه غضبان} أي في حال رجوعه لما أخبره الله تعالى عنهم من عبادة العجل {أسفاً } أي شديد الغضب والحزن {قال بئسما} أي خلافة خلافتكم التي {خلفتموني} أي قمتم مقامي وفعلتم مقامي وفعلتم خلفي. ولما كان هذا ربما أوهم أنهم فعلوه من روائه وهو حاضر في طرف العسكر، قال: {من بعدي} أي حيث عبدتم غير الله أيها العبدة، وحيث لم تكفوهم أيها الموحدون بعد ذهابي إلى الجبل للمواعدة الإلهية وبعد ما سمعتم مني من التوحيد لله تعالى وإفراده عن خلقه بالعبادة ونفي الشركاء عنه، وقد رأيتم حين كففتكم وزجرتكم عن عبادة غيره حين قلتم {اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} ومن حق الخلفاء أن يسيروا سيرة المستخلف ولا يخالفوه في شيء. ولما كان قد أمرهم ان لا يحدثوا حدثاً حتى يعود إليهم، أنكر عليهم عدم انتظاره فقال: {أعجلتم} قال الصغاني في المجمع: سبقتم، وقال غيره: عجل عن الأمر - إذا تركه غير تام، ويضمن معنى سبق، فالمعنى: سابقين {أمر ربكم} أي ميعاد الذي ما زال محسناً إليكم، أي فعلتم هذا قبل بلوغ أمر الموعد الذي زاد فيه ربي وهو العشرة الأيام برجوعي إليكم إلى حده، فظننتم أني مت فغيرتم كما غيرت الأمم بعد موت أنبيائها، قال الإمام أبو عبد القزاز أيضاً: عجلتم: سبقتم، ومنه تقول: عجلت فلاناً سبقته، وأسنده ابن التياني إلى الأصمعي {وألقى الألواح} أي التي فيها التوراة غضباً لله وإرهاباً لقومه، ودل هذا على أن الغضب بلغ منه حداً لم يتمالك معه، وذلك في الله تعالى {وأخذ برأس أخيه} أي بشعره {يجره إليه} أي بناء على أنه قصر وإعلاماً لهم بأن الغضب من هذا الفعل قد بلغ منه مبلغاً يجل عن الوصف، لأنه اجتثاث للدين من أصله. ولما كان هارون عليه السلام غير مقصر في نهيهم، أخذ في إعلام موسى عليه السلام بذلك مخصصاً الأم وإن كان شقيقه - تذكيراً له بالرحم الموجبه للعطف والرقة ولا سيما وهي مؤمنه وقد قاست فيه المخاوف، فاستأنف سبحانه الإخبار عن ذلك بقوله: {قال ابن أم} وحذف أداة النداء وياء الإضافة لما يقتضيه الحال من الإيجاز، وفتح الجمهور الميم تشبيهاً له بخمسة عشر وعلى حذف الألف المبدلة من ياء الإضافة، وكسر الميم ابن عامر وحمزه والكسائي وأبو بكر عن عاصم بتقدير حذف ياء الإضافة تخفيفاً {إن القوم} أي عبدة العجل الذين يعرف قيامهم في الأمور التي يريدونها {استضعفوني} أي عدوني ضعيفاً وأوجدوا ضعفي بإرهابهم لي {وكادوا يقتلونني} أي قاربوا ذلك لإنكاري ما فعلوه فسقط عني الوجوب. ولما تسبب عن ذلك إطلاقه، خاف أن يمنعه الغضب من ثبات ذلك في ذهنه وتقرره في قلبه فقال: {فلا تشمت بي الأعداء} أي لا تسرهم بما تفعل بي فأكون ملوماً منهم ومنك؛ ولما استعطفه بالتذكير بالشماتة التي هي شماتة به أيضاً، أتبعه ضرراً يخصه فقال: {ولا تجعلني} أي بمؤاخذتك لي {مع القوم الظالمين*} أي فتقطعن بعدّك لي معهم وجعلي في زمرتهم عمن أحبه من الصالحين، وتصلني بمن أبغضه من الفاسدين الذين فعلوا فعل من هو في الظلام، فوضعوا العبادة في غير موضعها من غير شبهة ولا لبس أصلاً. ولما تبين له ما هو اللائق بمنصب أخيه الشريف من أنه لم يقصر في دعائهم إلى الله ولا ونى في نهيهم عن الضلال، ورأى أن ما ظهر من الغضب مرهب لقومه وازع لهم عما ارتكبوا، دعاء له ولنفسه مع الاعتراف بالعجز وأنه لا يسع أحداً إلا العفو، وساق سبحانه ذلك مساق الجواب لسؤال بقوله: {قال رب} أي أيها المحسن إليَّ {اغفر لي} أي ما حملني عليه الغضب لك من إيقاعي بأخي {ولأخي} أي في كونه لما يبلغ ما كنت أريده منه من جهادهم. ولما دعا بمحو التقصير، أتبعه الإكرام فقال: {وأدخلنا} أي أنا وأخي وكل من انتظم معنا {في رحمتك} لتكون غامرة لنا محيطة بنا؛ ولما كان التقدير: فأنت خير الغافرين، عطف عليه {وأنت أرحم الراحمين*} أي لأنك تنعم بما لا يحصره الجد ولا يحصيه العد من غير نفع يصل إليك ولا أذى يلحقك بفعل ذلك ولا تركه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ولما سقط في أيديهم} قال: ندموا .
ابو السعود
تفسير : {وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ} أي ندِموا على ما فعلوا غايةَ الندمِ فإن ذلك كنايةٌ عنه لأن النادمَ المتحسِّرَ يعَضُّ يدَه غماً فتصير يدُه مسقوطاً فيها، وقرىء سقَطَ على البناء للفاعل بمعنى وقع العضُّ فيها فاليدُ حقيقةٌ، وقال الزجاج: معناه سقَط الندمُ في أنفسهم إما بطريق الاستعارةِ بالكناية أو بطريق التمثيل {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} باتخاذ العجلِ أي تبـيّنوا بحيث تيقنوا بذلك حتى كأنهم رأَوْه بأعينهم، وتقديمُ ذكرِ ندمِهم على هذه الرؤيةِ مع كونه متأخراً عنها للمسارعة إلى بـيانه والإشعارِ بغاية سُرعتِه كأنه سابقٌ على الرؤية {قَالُواْ} والله {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} بإنزال التوبةِ المكفرة {وَيَغْفِرْ لَنَا} ذنوبَنا بالتجاوز عن خطيئتنا، وتقديمُ الرحمةِ على المغفرة مع أن التخليةَ حقُّها أن تقدمَ على التحلية إما للمسارعة إلى ما هو المقصودُ الأصليّ وإما لأن المرادَ بالرحمة مطلقُ إرادةِ الخير بهم وهو مبدأٌ لإنزال التوبةِ المكفرة لذنوبهم، واللامُ في لئن موطئةٌ للقسم كما أشير إليه وفي قوله تعالى: {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} لجواب القسمِ، وما حُكي عنهم من الندامة والرؤية والقولِ وإن كان بعد ما رجَع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم كما ينطِق به الآياتُ الواردة في سورة طه لكن أريد بتقديمه عليه حكايةُ ما صدر عنهم من القول والفعلِ في موضع واحد.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ}[149] قال: يعني ندموا، يقال: سُقِطَ الرجل في يديه إذا ندم على أمر.
القشيري
تفسير : حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرَّعوا كاساتِ الأسف ندماً، واعترفوا بأنهم خَسِروا إنْ لم يتداركهم من الله جميلُ لطْفِه.
البقلي
تفسير : {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} ندموا على تقصيرهم رؤية الحقيقة {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} عن طريق المعرفة {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا} بان تقبلنا بشركنا فى التوحيد حتى نجدك بدرجة الشهادة {وَيَغْفِرْ لَنَا} بان تخرجنا من رؤية غيرك اليك {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} الذين فارقوا حظ مشاهدتك بغيرك قال ابو عثمان من اقبل على الله فلينتظر الراحة والزلفة والقبول ومن اعرض عنه فلينتظر الذل والسخط والبغضة مع غضب الله فى الاخرة قال الله تعالى ان الذين اتخذوا العجل الأية قال الحسين بن الفضل الا ترى -- الا ذليلا لان الله يقول وكذلك نجزى المفترين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولما سقط فى ايديهم} كناية عن شدة ندمهم فان الذى يشتد ندمه وتحسره يعض يده مسقوط فيها كأنّ فاه وقع فيها. والمعنى ندموا على ما فعلوا من عبادة العجل غاية الندم وسقط مسند الى فى ايديهم {ورأوا انهم قد ضلوا} باتخاذ العجل آلها اى تبينوا بحيث تيقنوا بذلك حتى كأنهم رأوه باعينهم {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا} بإنزال التوراة المكفرة {ويغفر لنا} بالتجاوز عن الخطيئة {لنكونن من الخاسرين} [از زيانكاران وهلاك شد كان] وما حكى عنهم من الندامة والرؤية والقول وان كان بعدما رجع موسى عليه السلام اليهم كما ينطق به الآيات الواردة فى سورة طه لكن اريد بتقديمه عليه حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل فى موضع واحد.
الطوسي
تفسير : قرأ أهل الكوفة إِلا عاصماً {لئن لم ترحمنا} بالتاء {ربنا} بالنصب على النداء. الباقون بالياء {ربنا} بالرفع على الخبر. ومعنى قوله {سقط في أيديهم} وقع البلاء في أيديهم أي وجدوه وجدان من يده فيه، يقال: ذلك للنادم عندما يجده مما كان خفي عليه، ويقال أيضاً: سقط في يديه أي صار الذي كان يضربه في يديه. ومعنى قوله {ورأوا} علموا {أنهم قد ضلوا} وتبينوا بطلان ما كانوا عليه من عبادة العجل والكفر والضلال، لأن ما تعلق به الرؤية، لا يجوز أن يكون مدركاً بالبصر، وهو معنى الجملة، وإِنما يصح أن يعلم وإِن يدخل على الجملة، وهي في تقدير المفرد، ومتى ظهر فساد الاعتقاد، فلا بد أن يندم صاحبه عليه، لانه لا معنى للاقامة عليه مع توافر الدواعي الى خلافه، كما أنه لا معنى أن يكذب على نفسه مع علمه بكذبه، غير أنه مع ظهور الضلالة لهم لم يكونوا ملجئين الى الندم، لأن الالجاء يقع إِما بالعلم بالمنع أو تخوف من المضرة العاجلة أو النفع العظيم العاجل الذي مثله يلجيء، ولم يكن القوم على واحد من الأمرين، لأنهم كانوا مكلفين للندم. وفي الآية دلالة على بطلان قول من يقول لا محجوج الا عارف، لأن الله وصفهم بأنهم سقط في أيديهم عندما رأوا من ضلالهم، فدل على أنهم كانوا محجوجين في ترك الضلال الذي إِن لم يغفر لهم هلكوا. وقوله {لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} أخبار عمَّا قال القوم حين تبينوا ضلالهم وسقط في أيديهم والتجائهم الى الله واعترافهم بأنه ان لم يغفر لهم ربهم ويتغمدهم بمغفرته يكونوا من جملة الخاسرين الذين خسروا أنفسهم بما يستحقونه من العقاب الدائم. وقال الحسن: كلهم عبدوا العجل إِلا هارون بدلالة قول موسى {أية : رب اغفر لي ولأخي}تفسير : ولو كان هناك مؤمن غيرهما لدعا له، وقال الجبائي: إِنما عبد بعضهم بدلالة ما ورد من الاخبار عن النبي (صلى الله عليه وسلم) فيما روي عنه في هذا المعنى.
الجنابذي
تفسير : {وَلَمَّا سُقِطَ فَيۤ أَيْدِيهِمْ} هذا مثلٌ فى العرب والعجم جميعاً كناية عن غاية النّدم والتّحسّر والعجز عن دفع ما يتحسّر على وروده يعنى ندموا وعجزوا عن رفع بليّة عبادة العجل {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ} اعترافاً بالّذنب وتضرّعاً {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي} خلفه قام مقامه وعمل فى خلفه، وما نكرة موصوفة، او معرفة موصولة، او معرفة تامّة، واذا كانت معرفة تامّة كان خلفتمونى حالاً، وعلى اىّ تقديرٍ فالعائد محذوف والمعنى بئس الّذى خلفتمونى فيه عبادة العجل فعبادة العجل مخصوصة بالّذم ومحذوفة، ويجوز ان يكون ما مصدريّة ويكون المعنى: بئس الخلافة خلافتكم لى حيث عبدتم العجل وتركتم امر ربّكم، ويجوز ان يكون الخطاب لهارون ولمن بقى معه ولم يعبد العجل ويكون المعنى: بئس الّذى خلفتمونى فيه من السّكوت عن نهى العابدين والمعاشرة معهم {مِن بَعْدِيۤ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} اسبقتم امر ربّكم باتّباعى وانتظار الكتاب السّماوىّ وتركتموه ورائكم، وتعدية عجلتم بنفسه لتضمين مثل معنى السّبق او المعنى اسبقتم فى عبادة العجل امر ربّكم فعبدتم العجل من دون امرٍ منه او المعنى اسبقتم امر الرّب بانتظار اربعين ليلةً فما لبثتم انقضاء الوعد {وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} من شدّة الغيظ لله فتكسّر بعضه ورفع بعضه وبقى بعضه كما روى {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} لانّه لم يفارقهم ولم يلحق بموسى (ع) بعد ما نهاهم فلم ينتهوا {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ} نسبة الى الامّ استعطافاً لانّ بنى امٍّ واحدةٍ اقرب مودّة من بنى ابٍ واحدٍ وكان اخاه من اب وامّ وكان اكبر من موسى (ع) بثلاث سنين {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} اعتذر عن تقصيره المترائى فى منع القوم من عبادة العجل {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} من غير تقصيرٍ لى {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} فى نسبة التّقصير الىّ وجعلى مثهلم.
اطفيش
تفسير : {ولما سُقِطَ فى أيدِيهمْ} حذف الفاعل وهو الأفواه، وناب عنه الجار والمجرور، أو المجرور وحده، والأصل ولما سقط أفواههم فى أيديهم، وذلك كناية عن شدة تحسرهم وندمهم وغمهم، لأن من كان كذلك يوقع فمه على يد بعضها، ويجوز أن يكون الفاعل المحذوف المنوب عنه الندم، أو التحسر أو الغم أو الخسران، أو الخيبة أو السعى أو الصرف أو الدفع أو نحو ذلك كالغلبة، وإنما صح أن يقع ذلك فى أيديهم، مع أن محله القلب تشبيها لما يحصل فى القلب بما يحصل فى اليد، ويرى كما يقال: حصل فى يدى مكروه إلا السعى والصرف والدفع، فتحصل باليد واللسان وغيرهما، نعم قد تستعار لفعل القلب، وزعم بعض أنه يجوز أن يكون ذلك من حيث إن المتحسر يضرب فخذه بيده، فتصير يده ساقطة، أى نازلة، ويرده أن اليد فى الآية مسقوط فيها لا ساقطة، وقرأ ابن أبى عبلة أسقط وهى لغة حكاها الطبرى، يقال: سقط فى يده وأسقط فيها، وقرأ ابن السميفع وغيره سقط بالبناء للفاعل وهو ضمير مستتر عائد إلى الندم أو غيره مما ذكر، ولو لم يذكر لدلالة المقام عليه. {وَرأوا} علموا {أنهُم قد ضلُّوا} عن الحق باتخاذ العجل ويجوز أن تكون الرؤية بصرية على سبيل المجاز، بأن شبه ما عملوه علما واضحا قويا لما يرى بالعين، أو شبه علمهم القوى حينئذ برؤيتهم بأعينهم. {قالُوا لئِنْ لَم يرحَمُنا ربُّنا ويغْفِر لَنا} المراد مطلق الرحمة عن النار وغفران الذنب، وقال القاضى: أراد الرحمة بإنزال التوراة، وقرأ حمزة، والكسائى، والشعبى، وابن وثاب والجحدرى، وطلحة ابن مصرف، والأعمش: ترحمنا بالفوقية، ونصب رب على النداء بحرف محذوف، وتغفر بالفوقية، وفى مصحف أبى: ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لنا بالنصب والفوقية فى الموضعين {لنَكوننَّ من الخاسِرينَ} بما فعلنا واعتقدنا.
اطفيش
تفسير : {وَلَمَّا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ} نائب فاعل سقط والفاعل العض أَو الفم أَو الأَسنان، ومن شأْن النادم عض يده "أية : ويوم يعض الظالم على يديه"تفسير : [الفرقان: 27] أَو التقليب "أية : فأَصبح يقلب كفيه" تفسير : [الكهف: 42] أَو الرأس، ومن شأَن النادم وضع وجهه أَو ذقنه على يده، أَو الندم أَو الخيبة، وخصت اليد لوقوع أَثر الندم عليها، ولأَنها المباشرة للأَعمال غالباً، حتى أَنه يسند إِليها ما لم تباشر، أَو اليد بمعنى النفس، ومن ندم على شئ وعجز قيل له: سقط على يده، أَو فى يده، وفى على ظاهرها، أَو بمعنى على، ولم يسمع قبل القرآن سقط فى يده، أَو فى أَيديهم، أَو نحو ذلك، وهو لا يتصرف فى معنى الندم، لا يقال مسقوط فى يده أَو يسقط فى يده للبناء للمفعول أَو للفاعل على معنى الندم أَو ساقط فى يده كذلك، أَو نحو ذلك من التصاريف، وذلك استعارة تمثيلية، شبه حال الندم فى النفس بحال الشئ فى اليد {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا} علموا أَنهم قد ضلوا باتخاذ العجل، أَو عبر عن العلم برؤية العين مبالغة فى ظهور ضلالهم المعقول حتى كأَنه محسوس للمسارعة إِلى بيان حصوله، وللإِشعار بسرعته كأَنه سابق على الرؤية، ولأَن الانتقال من الجزم بالشئ إِلى تبيين الجزم بالنقيض يكون فى الغالب إِلى الشك ثم الظن بالنقيض ثم الجزم به، ثم تبينه، والقوم جازمون بأَنهم على صواب، وكان ندمهم المعبر عنه بقوله عز وجل سقط بعد رجوع موسى، وقدمه على ذكر رجوعه ليتصل ما قالوا بما فعلوا، وأَخر قوله عز وجل {ورأَوا أَنهم قد ضلوا}عن الندم مع أَنه مقدم إِذ هو سبب للندم، لأَنه علة فى قوله سقط فى أَيديهم، والمقصود هو المعلول فقدم المقصود، ولأَن الندم هو السبب لطلب المغفرة فيقدم، وهى فى قوله عز وجل {قَالُوا} لله وبعض لبعض {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} بإِنزال التوبة علينا، وهو توفيقه لنا إِليها وقبولها {وَيَغْفِرْ لَنَا} بعدم العقاب، وقدم التوبة لأَن التخلية قبل التحلية، وقبولها مقدم على المغفرة وسبب لها، وقدم الرحمة مع أَنها تحلية على المغفرة مع أَنها تخلية مسارعة إِلى ذكر ما هو المقصود الأَصلى بالذات، وأَنها سبقت غضبه تعالى، ولأَن الرحمة مبدأ لإِنزال التوبة المكفرة لذنوبهم {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} دنيا وأُخرى، كما قال آدم وحواء "أية : ظلمنا أَنفسنا وإِن لم تغفر لنا" تفسير : [الأَعراف: 23].
الالوسي
تفسير : {وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ} أي ندموا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وجعله غير واحد كناية عن شدة الندم وغايته لأن النادم إذا اشتد ندمه عض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها، وأصله سقط فوه أو عضه في يده أي وقع ثم حذف الفاعل وبنى الفعل للمفعول به فصار سقط في يده كقولك: مر بزيد، وقرأ ابن السميقع {سقط} بالبناء للفاعل على الأصل، واليد على ما ذكر حقيقة، وقال الزجاج: معناه سقط الندم في أنفسهم وجعل / القطب ذلك من باب الاستعارة التمثيلية حيث شبه حال الندم في النفس بحال الشيء في اليد في التحقيق والظهور ثم عبر عنه بالسقوط في اليد ولا لطف للاستعارة التصريحية فيه، وقال الواحدي: إنه يقال لما يحصل وإن لم يكن في اليد وقع في يده وحصل في يده مكروه فيشبه ما يحصل في النفس وفي القلب بما يرى بالعين، وخصت اليد لأن مباشرة الأمور بها كقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ }تفسير : [الحج: 10] أو لأن الندم يظهر أثره بعد حصوله في القلب في اليد لعضها والضرب بها على أختها ونحو ذلك فقد قال سبحانه في النادم: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } تفسير : [الكهف: 42] {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ }تفسير : [الفرقان: 27]، وقيل: من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضع ذقنه على يده بحيث لو أزالها سقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، و {فِي} بمعنى على، وقيل: هو من السقاط وهو كثرة الخطأ، وقيل: من السقيط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج لا ثبات له، فهو مثل لمن خسر في عاقبته ولم يحصل على طائل من سعيه، وعد بعضهم سقط من الأفعال التي لا تتصرف كنعم وبئس. وقرأ ابن أبـي عبلة {اسقط} على أنه رباعي مجهول وهي لغة نقلها الفراء والزجاج، وذكر بعضهم أن هذا التركيب لم يسمع قبل نزول القرآن، ولم تعرفه العرب، ولم يوجد في أشعارهم وكلامهم فلذا خفي على الكثير وأخطأوا في استعماله كأبـي حاتم وأبـي نواس، وهو العالم النحرير ولم يعلموا ذلك ولو علموه لسقط في أيديهم. {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} أي تبينوا ضلالهم باتخاذ العجل وعبادته تبيناً كأنهم قد أبصروه بعيونهم قيل: وتقديم ذكر ندمهم على هذه الرؤية مع كونه متأخراً عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعار بغاية سرعته كأنه سابق على الرؤية. وقال القطب [الرازي] في بيان تأخير تبين الضلال عن الندم مع كونه سابقاً عليه: إن الانتقال من الجزم بالشيء إلى تبين الجزم بالنقيض لا يكون دفعياً في الأغلب بل إلى الشك ثم الظن بالنقيض ثم الجزم به ثم تبينه، والقوم كانوا جازمين بأن ما هم عليه صواب والندم عليه ربما وقع لهم في حال الشك فيه فقد تأخر تبين الضلال عنه انتهى، فافهم ولا تغفل. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} بإنزال التوبة المكفرة {وَيَغْفِرْ لَنَا} بالتجاوز عن خطيئتنا، وتقديم الرحمة على المغفرة مع أن التخلية حقها أن تقدم على التحلية قيل: إما للمسارعة إلى ما هو المقصود الأصلي وإما لأن المراد بالرحمة مطلق إرادة الخير بهم وهو مبدأ لإنزال التوبة المكفرة لذنوبهم، واللام في {لَئِنْ} موطئة للقسم أي والله لئن الخ، وفي قوله سبحانه: {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} لجواب القسم كما هو المشهور. وقرأ حمزة والكسائي {تَرْحَمْنَا وَتَغْفِرْ لَنَا} بالتاء الفوقية و {رَبَّنَا} بالنصب على النداء؛ وما حكى عنهم من الندامة والرؤية والقول كان بعد رجوع موسى عليه السلام من الميقات كما ينطق به ما سيأتي إن شاء الله تعالى في طه [86]، وقدم ليتصل ما قالوه بما فعلوه.
ابن عاشور
تفسير : كان مقتضى الظاهر في ترتيب حكاية الحوادث أن يتأخر قوله: {ولما سُقط في أيديهم} الآية، عن قوله: {أية : ولما رَجع موسى إلى قومه غضبانَ أسِفاً} تفسير : [الأعراف: 150] لأنهم ما سُقط في أيديهم إلاّ بعد أن رجع موسى ورأوا فَرْط غضبه وسمعوا توبيخه أخاه وإيّاهم، وإنما خولف مقتضى الترتيب تعجيلاً بذكر ما كان لاتخاذهم العجل من عاقبة الندامة وتبين الضلالة، موعظة للسامعين لكيلا يعجلوا في التحول عن سنتهم، حتى يتبينوا عواقب ما هم متحولون إليه. و{سُقط في أيديهم} مبني للمجهول، كلمة أجراها القرآن مجرى المثل إذا أُنظمت على إيجاز بديع وكناية واستعارة، فإن اليد تستعار للقوة والنصرة إذ بها يُضرب بالسيففِ والرمح، ولذلك حين يَدْعون على أنفسهم بالسوء يقولون: «شَلّتْ من يديّ الأنامل»، وهي آلةُ القدرة قال تعالى: {أية : ذَا الأيد}تفسير : [ص: 17]، ويقال: ما لي بذلك يدٌ، أوْ ما لي بذلك يَداننِ أي لا أستطيعه، والمرء إذا حصل له شلل في عضد ولم يستطع تحريكه يحسن أن يقال: سَقط في يده ساقط، أي نزل به نازل. ولما كان ذكر فاعل السقوط المجهول لا يزيد على كونه مشتقاً من فعله، ساغ أن يُبنى فعله للمجهول فمعنى «سُقط في يده» سَقط في يده ساقِط فأبطل حركة يده، إذ المقصود أن حركة يده تعطلت بسبب غير معلوم، إلاّ بأنه شيء دخل في يده فصيّرها عاجزة عن العمل وذلك كناية عن كونه قد فجأه ما أوجب حيرته في أمره، كما يقال: فُتَ في ساعده. وقد استعمل في الآية في معنى الندم وتبيُّن الخطأ لهم، فهو تمثيل لحالهم بحال من سُقط في يده حين العمل. فالمعنى أنهم تبين لهم خطأهم وسوء معاملتهم ربهم ونبيهم، فالندامة هي معنى التركيب كله، وأما الكناية فهي في بعض أجزاء المركب وهو سقط في اليد، قال ابن عطية «وحُدثت عن أبي مروان بن سراج» أنه كان يقول قول العرب: سقط في يده مما أعياني معناه، وقال الزجاح هو نظم لم يُسمع قبل القرآن، ولم تعرفه العرب. قلت وهو القول الفصل، فإني لم أره في شيء من كلامهم قبل القرآن، فقول ابن سراج: قول العرب سقط في يده، لعله يريد العرب الذين بعدَ القرآن. والمعنى لما رجع موسى إليهم وهددهم وأحرق العجل كما ذكر في سورة طه، وأوجز هنا إذ من المعلوم أنهم ما سقط في أيديهم ورأوا أنهم ضلوا بعد تصميمهم وتصلبهم في عبادة العجل وقولهم: {أية : لن نبرح عليه عاكفين}تفسير : [طه: 91]، إلاّ بسبب حادث حدث ينكشف لهم بسببه ضلالهم، فطيّ ذلك من قبيل الإيجاز ليبنى عليه أن ضلالهم لم يلبث أن انكشف لهم، ولذلك قرن بهذا حكاية اتخاذهم العجل للمبادرة ببيان انكشاف ضلالهم تنهية لقصة ضلالهم، وكأنه قيل: فسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا ثم قيل ولما سقط أيديهم قالوا. وقولهم: {لئن لم يرْحمنْا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين} توبة وإنابة، وقد علموا أنهم أخطأوا خطيئة عظيمة، ولذلك أكدوا التعليق الشرطي بالقسم الذي وطَأتْه اللامُ. وقدموا الرحمة على المغفرة؛ لأنها سببها. ومجيء خبر كان مقترناً بحرف (مِن) التبعيضية؛ لأن ذلك أقوى في إثبات الخسارة من لنكونن خاسرين كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قد ضللتُ إذاً وما أنا من المهتدين}تفسير : [الأنعام: 55] وقرأه الجمهور {يرحمنا ربنا ويغفر} بياء الغيبة في أول الفعلين وبرفع ربُّنا، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بتاء الخطاب في أول الفعلين ونصب ربّنا على النداء، أي قالوا ذلك كله لأنهم دعوا ربهم وتداولوا ذلك بينهم.
الشنقيطي
تفسير : بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن عبدة العجل اعترفوا بذنبهم، وندموا على ما فعلوا، وصرح في سورة "البقرة" بتوبتهم ورضاهم بالقتل وتوبة الله جل وعلا عليهم بقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [البقرة: 54].
الواحدي
تفسير : {ولما سُقط في أيديهم} أَيْ: ندموا على عبادتهم العجل {ورأوا أنهم قد ضلوا} قد ابتلوا بمعصية الله، وهذا كان بعد رجوع موسى إليهم. {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان} عليهم {أسفاً} حزيناً؛ لأنَّ الله تعالى فتنهم {قال بئس ما خلفتموني من بعدي} بئسما عملتم من بعدي حين اتَّخذتم العجل إلهاً، وكفرتم بالله {أعجلتم أمر ربكم} أسبقتم باتَّخاذ العجل معياد ربِّكم؟ يعني: الأربعين ليلة، وذلك أنَّه كان قد وعدهم أن يأتيهم بعد ثلاثين ليلةَ، فلمَّا لم يأتهم على رأس الثَّلاثين قالوا: إنَّه قد مات {وألقى الألواح} التي فيها التَّوراة {وأخذ برأس أخيه} بذؤابته وشعره {يجرُّه إليه} إنكاراً عليه إذ لم يلحقه فَيُعرِّفه ما فعل بنو إسرائيل، كما قال في سورة طه: {قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألاَّ تتبعنِ...} الآية. فأعلمه هارون أنَّه أَنَّما أقام بين أظهرهم خوفاً على نفسه من القتل، وهو قوله: {قال ابن أمَّ} وكان أخاه لأبيه وأُمِّه، ولكنَّه قال: يا ابنَ أمَّ ليرقِّقه عليه {إنَّ القوم استضعفوني} استذلُّوني وقهروني {وكادوا} وهمُّوا أن {يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء} يعني: أصحاب العجل بضربي وإهانتي {ولا تجعلني} في موجدتك وعقوبتك لي {مع القوم الظالمين} الذين عبدوا العجل، فلمَّا عرف براءة هارون ممَّا يوجب العتب عليه، إذا بلغ من إنكاره على عبدة العجل ما خاف على نفسه القتل.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 149- ولما شعروا بزلتهم وخطئهم، تحيروا وندموا أشد الندم على اتخاذ العجل إلها. وتبينوا ضلالهم تبيناً ظاهراً، وقالوا: واللَّه لئن لم يتب علينا ربنا ويتجاوز عنا لنكونن من الذين خسروا خسراناً مبينا، بوضعهم العبادة فى غير موضعها. 150- ولما رجع موسى من مناجاة ربه إلى قومه، غضبان عليهم لعبادتهم العجل، حزينا لأن اللَّه فتنهم - وكان اللَّه قد اخبره بذلك قبل رجوعه - فقال لهم: ما أقبح ما فعلتم بعد غيبتى، أسَبَقْتم بعبادة العجل ما أمركم به ربكم من انتظارى وحفظ عهدى حتى آتيكم بالتوراة؟! ووضع الألواح، واتجه إلى أخيه لشدة حزنه حين رأى ما رأى من قومه، وأخذ يشد أخاه من رأسه ويجره نحوه من شدة الغضب، ظنا منه أنه قصر فى كفَّهم عما فعلوا، فقال هارون لموسى. يا ابن أمى إن القوم حين فعلوا ما فعلوا قد استضعفونى وقهرونى، وقاربوا قتلى لما نهيتهم عن عبادة العجل، فلا تَسُر الأعداء بإيذائك لى، ولا تعتقدنى واحدا من الظالمين مع براءتى منهم ومن ظلمهم. 151- قال موسى: رب اغفر لى ما صنعت بأخى قبل جلية الأمر، واغفر لأخى إن كان فَرّط فى حسن الخلافة، وأدخلنا فى سعة رحمتك لأنك أكثر الراحمين رحمة. 152- إن الذين استمروا على اتخاذ العجل إلها، كالسامرى وأشياعه، سينالهم غضب عظيم من ربهم فى الدار الآخرة، ومهانة شديدة فى الحياة الدنيا، بمثل ذلك الجزاء نجزى كل من اختلق الكذب على اللَّه وعبد غيره. 153- والذين عملوا الأعمال القبيحة من الكفر وعبادة العجل والمعاصى، ثم رجعوا إلى اللَّه من بعد عملها، وصدقوا به، إن ربك من بعد توبتهم ستَّار عليهم، غفَّار لما كان منهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {لَئِن} {ٱلْخَاسِرِينَ} (149) - ثُمَّ نَدِمُوا عَلَى مَا فَعَلُوا (سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ)، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ ضَلُّوا عن الهُدَى، فَقَالُوا مُنِيبِينَ إِلى اللهِ: إِنَّهُمْ إِذا لَمْ يَرْحَمْهُمْ رَبُّهُمْ، وَيَغْفِرْ لَهُمْ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ ظُلْمٍ، بِاتِّخَاذِهِم العِجْلَ رَبّاً، ليَكُونُنَّ مِنَ الهَالِكِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذا يوضح لنا أن عبادة العجل بين قوم موسى صار لها جمهور. لكن الناس الذين امتلكوا قدراً من البصيرة، أو بقية إيمان قالوا: هذه الحكاية سخيفة، وما كان لنا أن نفعلها وندموا على ما كان، ويقال: سُقِط في يده، وهذه من الدلالات الطبيعية الفطرية التي لا تختلف فيها أمة عن أمة، بل هي في كل الأجناس، وفي كل لغة تشير إلى أن الإِنسان إذا ما فعل فعلا وحدث له عكس ما يفعل يعض على الأنامل ندماً وغمًّا، وهذه من الدلالات الفطرية الباقية لنا من الالتقاء الطبعي في المخاطبات، في كل الأجناس. ويعض الإِنسان الأنامل لأنه عمل شيئاً ما كان يصح أن يعمله، فإذا كان الشيء عظيماً فهو لا يكتفي بالأنملة بل يمسك يده كلها ويعضها. والحق يقول: {وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ}. و"سُقط في أيديهم" أي جاءت أنيابهم على أيديهم، كأن الندم بلغ أشده، إن ذلك حدث من التائبين الذين أبصروا بعيونهم ورأوا أن ذلك باطل وخسران. أي قالوا: لئن لم يتداركنا الله برحمته ومغفرته لنكونن من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} معناهُ نَدِمُوا.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):