Verse. 1102 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوْسٰي مِنْۢ بَعْدِہٖ مِنْ حُلِـيِّہِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّہٗ خُوَارٌ۝۰ۭ اَلَمْ يَرَوْا اَنَّہٗ لَا يُكَلِّمُہُمْ وَلَا يَہْدِيْہِمْ سَبِيْلًا۝۰ۘ اِتَّخَذُوْہُ وَكَانُوْا ظٰلِـمِيْنَ۝۱۴۸
Waittakhatha qawmu moosa min baAAdihi min huliyyihim AAijlan jasadan lahu khuwarun alam yaraw annahu la yukallimuhum wala yahdeehim sabeelan ittakhathoohu wakanoo thalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«واتخذ قوم موسى من بعده» أي بعد ذهابه إلى المناجاة «من حُليِّهم» الذي استعاروه من قوم فرعون بعلَّة عرس فبقي عندهم «عجلا» صاغه لهم منه السامري «جسدا» بدل لحما ودما «له خُوارٌ» أي صوت يسمع، انقلب كذلك بوضع التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل في فمه فإن أثره الحياة فيما يوضع فيه، ومفعول اتخذ الثاني محذوف أي إلها «ألم يروا أنه لا يكلِّمهم ولا يهديهم سبيلا» فكيف يُتَّخذ إلها «اتخذوه» إلها «وكانوا ظالمين» باتخاذه.

148

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المراد من هذه الآية قصة اتخاذ السامري العجل، وفيها مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي: {حُلِيّهِمْ } بكسر الحاء واللام وتشديد الياء للاتباع كدلـي. والباقون: {حُلِيّهِمْ } بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلي كثدي وثدي، وقرأ بعضهم: {مِنْ حُلِيّهِمْ } على التوحيد، والحلي اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة. المسألة الثانية: قيل: إن بنـي إسرائيل كان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا حلي القبط لذلك اليوم، فلما أغرق الله القبط بقيت تلك الحلي في أيدي بنـي إسرائيل، فجمع السامري تلك الحلي وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى عليه السلام أن يجعل لهم إلٰهاً يعبدونه، فصاغ السامري عجلاً. ثم اختلف الناس، فقال قوم كان قد أخذ كفاً من تراب حافر فرس جبريل عليه السلام فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة. فقال السامري: هذا إلٰهكم وإلٰه موسى وقال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص، وكان قد وضع ذلك التمثال على مهب الرياح، فكانت الريح تدخل في جوف الأنابيب ويظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل، وقال آخرون: إنه جعل ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس فسمعوا الصوت من جوفه كالخوار. قال صاحب هذا القول والناس قد يفعلون الآن في هذه التصاوير التي يجرون فيها الماء على سبيل الفوارات ما يشبه ذلك، فبهذا الطريق وغيره أظهر الصوت من ذلك التمثال، ثم ألقى إلى الناس أن هذا العجل إلٰههم وإلٰه موسى. بقي في لفظ الآية سؤالات: السؤال الأول: لم قيل: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً } والمتخذ هو السامري وحده؟. والجواب: فيه وجهان: الأول: أن الله نسب الفعل إليهم، لأن رجلاً منهم باشره كما يقال: بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائل والفاعل واحد. والثاني: أنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به، فكأنهم اجتمعوا عليه. السؤال الثاني: لم قال: {مِنْ حُلِيّهِمْ } ولم يكن الحلي لهم، وإنما حصل في أيديهم على سبيل العارية؟. والجواب: أنه تعالى لما أهلك قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم، وصارت ملكاً لهم كسائر أملاكهم بدليل قوله تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ } تفسير : [الدخان: 25]، {أية : وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 58]، {أية : وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَـٰكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا قَوْماً ءاخَرِينَ } تفسير : [الدخان: 27، 28]. السؤال الثالث: هؤلاء الذين عبدوا العجل هم كل قوم موسى أو بعضهم؟. والجواب: أن قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً } يفيد العموم. قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون. واحتج عليه بوجهين: الأول: عموم هذه الآية، والثاني: قول موسى عليه السلام في هذه القصة {رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَلاخِى } قال خص نفسه وأخاه بالدعاء، وذلك يدل على أن من كان مغايراً لهما ما كان أهلاً للدعاء ولو بقوا على الإيمان لما كان الأمر كذلك، وقال آخرون: بل كان قد بقي في بنـي إسرائيل من ثبت على إيمانه فإن ذلك الكفر إنما وقع في قوم مخصوصين، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }تفسير : [الأعراف: 181]. السؤال الرابع: هل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً على ما قاله بعضهم أو بقي ذهباً كما كان قبل ذلك؟. والجواب: الذاهبون إلى الاحتمال الأول احتجوا على صحة قولهم بوجهين: الأول: قوله تعالى: {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ } والجسد اسم للجسم الذي يكون من اللحم والدم، ومنهم من نازع في ذلك وقال بل الجسد اسم لكل جسم كثيف، سواء كان من اللحم والدم أو لم يكن كذلك. والحجة الثانية: أنه تعالى أثبت له خواراً، وذلك إنما يتأتى في الحيوان. وأجيب عنه: بأن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لم يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه، وقرأ علي رضي الله عنه: (جؤار) بالجيم والهمزة، من جأر إذا صاح فهذا ما قيل في هذا الباب. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم هذا المذهب والمقالة احتج على فساد كون ذلك العجل إلٰهاً بقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } وتقرير هذا الدليل أن هذا العجل لا يمكنه أن يكلمهم ولا يمكنه أن يهديهم إلى الصواب والرشد، وكل من كان كذلك كان إما جماداً وإما حيواناً عاجزاً، وعلى التقديرين فإنه لا يصلح للإلٰهية، واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن من لا يكون متكلماً ولا هادياً إلى السبيل لم يكن إلٰهاً لأن الإلٰه هو الذي له الأمر والنهي، وذلك لا يحصل إلا إذا كان متكلماً، فمن لا يكون متكلماً لم يصح منه الأمر والنهي، والعجل عاجز عن الأمر والنهي فلم يكن إلٰهاً. وقالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن شرط كونه إلٰهاً أن يكون هادياً إلى الصدق والصواب، فمن كان مضلاً عنه وجب أن لا يكون إلٰهاً. فإن قيل: فهذا يوجب أنه لو صح أن يتكلم ويهدي، يجوز أن يتخذ إلٰهاً، وإلا فإن كان إثبات ذلك كنفيه في أنه لا يجوز أن يتخذ إلهاً فلا فائدة فيما ذكرتم. والجواب من وجهين: الأول: لا يبعد أن يكون ذلك شرطاً لحصول الإلهية، فيلزم من عدمه عدم الإلهية وإن كان لا يلزم من حصوله حصول الإلهية. الثاني: أن كل من قدر على أن يكلمهم وعلى أن يهديهم إلى الخير والشر فهو إلٰه، والخلق لا يقدرون على الهداية، إنما يقدرون على وصف الهداية، فأما على وضع الدلائل ونصبها فلا قادر عليه إلا الله سبحانه وتعالى. واعلم أنه ختم الآية بقوله: {وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } أي كانوا ظالمين لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى واشتغلوا بعبادة العجل، والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد خروجه إلى الطُّور. {مِنْ حُلِيِّهِمْ} هذه قراءة أهل المدينة وأهلِ البصرة. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً «من حِلِيِّهمْ» بكسر الحاء. وقرأ يعقوب «من حَلْيِهِم» بفتح الحاء والتخفيف. قال النحاس: جمع حَلْيٍ حُلِيٌّ وحِليٌّ؛ مثلُ ثَدْي وثُدِيّ وثِدِيّ. والأصل «حلُوى» ثم أدغمت الواو في الياء فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام. وضمها على الأصل. {عِجْلاً} مفعول. {جَسَداً} نعت أو بدل. {لَّهُ خُوَارٌ} رفع بالابتداء. يقال: خار يَخُور خُوَاراً إذا صاح. وكذلك جَأر يَجْأَر جُؤارا. ويقال: خَور يَخْوَر خَوَراً إذا جَبُن وضَعُف. ورُوي في قصص العجل: أن السّامِريّ، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سَامِرة. وُلد عام قَتْل الأبناء، وأخفته أُمه في كهف جبل فغذّاه جبريل فعرفه لذلك؛ فأخذ حين عبر البحر على فرس وَدِيق ليتقدّم فرعونَ في البحر ـ قبضةً من أثر حافر الفرس. وهو معنى قوله {أية : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ}تفسير : [طه: 96]. وكان موسى وعد قومه ثلاثين يوماً، فلما أبطأ في العشر الزائد ومضت ثلاثون ليلة قال لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم: إن معكم حُلِيّاً من حُليّ آل فرعون، وكان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحُلِيّ فاستعاروا لذلك اليوم؛ فلما أخرجهم الله من مصر وغرّق القبط بَقِيَ ذلك الحليّ في أيديهم، فقال لهم السَّامِرِيّ: إنه حرام عليكم، فهاتوا ما عندكم فنحرقه. وقيل: هذا الحليّ ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق، وأن هارون قال لهم: إن الحُليّ غنيمة، وهي لا تَحِلّ لكم؛ فجمعها في حُفْرة حَفَرها فأخذها السّامِرِيّ. وقيل: استعاروا الحليّ ليلةَ أرادوا الخروج من مصر، وأوهموا القبط أن لهم عرساً أو مجتمَعاً، وكان السَّامِرِيّ سمع قولهم {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف: 138]. وكانت تلك الآلهة على مثال البقر؛ فصاغ لهم عجلاً جسداً، أي مُصْمَتاً؛ غير أنهم كانوا يسمعون منه خُواراً. وقيل: قَلبه الله لحماً ودماً. وقيل: إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحُليّ صار عجلاً له خُوار؛ فخار خَوْرَة واحدة ولم يُثنّ ثم قال للقوم: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ}تفسير : [طه: 88]. يقول: نَسيهَ ها هنا وذهب يطلبه فضلّ عنه ـ فتعالَوْا نعبد هذا العجل. فقال الله لموسى وهو يناجيه: {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ}تفسير : [طه: 85]. فقال موسى: يا ربّ، هذا السّامريّ أخرج لهم عجلاً من حلِيّهم، فمن جعل له جسداً؟ ـ يريد اللّحم والدّم ـ ومن جعل له خواراً؟ فقال الله سبحانه: أنا فقال: وعِزّتك وجلالك ما أضلّهم غيرُك. قال صدقت يا حكيم الحكماء. وهو معنى قوله: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف: 155]. وقال القَفّال: كان السامِريّ احتال بأن جوّف العجل، وكان قابل به الريح، حتى جاء من ذلك ما يُحاكي الخُوار، وأوهمهم أن ذلك إنما صار كذلك لما طرح في الجسد من التراب الذي كان أخذه من تراب قوائم فرس جبريل. وهذا كلام فيه تهافت؛ قاله القُشَيْرِيّ. قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} بيّن أن المعبود يجب أن يتّصف بالكلام. {وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} أي طريقاً إلى حجة. {ٱتَّخَذُوهُ} أي إلهاً. {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} أي لأنفسهم فيما فعلوا من ٱتخاذه. وقيل: وصاروا ظالمين أي مشركين لجعلهم العجل إلهاً.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري؛ من حلي القبط الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلاً، ثم ألقى فيه القبضة من التراب التي أخذها من أثر فرس جبريل عليه السلام، فصار عجلاً جسداً له خوار، والخوار: صوت البقر، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى، فأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول تعالى إخباراً عن نفسه الكريمة: {أية : قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ} تفسير : [طه: 85] وقد اختلف المفسرون في هذا العجل، هل صار لحماً ودماً له خوار، أو استمر على كونه من ذهب، إلا أنه يدخل فيه الهواء فيصوت كالبقر؟ على قولين، والله أعلم. ويقال: إنهم لما صوت لهم العجل، رقصوا حوله، وافتتنوا به، وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، فنسي، قال الله تعالى: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} تفسير : [طه: 89] وقال في هذه الآية الكريمة {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} ينكر تعالى عليهم في ضلالهم بالعجل، وذهولهم عن خالق السموات والأرض ورب كل شيء ومليكه؛ أن عبدوا معه عجلاً جسداً له خوار، لا يكلمهم ولا يرشدهم إلى خير، ولكن غطى على أعين بصائرهم عمى الجهل والضلال؛ كما تقدم من رواية الإمام أحمد وأبي داود عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : حبك الشيء يعمي ويصم» تفسير : وقوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فَىۤ أَيْدِيهِمْ} أي: ندموا على ما فعلوا، {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} وقرأ بعضهم: لئن لم ترحمنا، بالتاء المثناة من فوق، {رَبَّنَا} منادى {وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} أي: من الهالكين، وهذا اعتراف منهم بذنبهم والتجاء إلى الله عز وجل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ } أي بعد ذهابه إلى المناجاة {مِنْ حُلِيِّهِمْ } الذي استعاروه من قوم فرعون بعلَّة عرس فبقي عندهم {عِجْلاً } صاغه لهم منه السامريّ {جَسَداً } بدل لحماً ودماً {لَّهُ خُوَارٌ } أي صوت يسمع، انقلب كذلك بوضع التراب الذي أخذه من حافر فرس جبريل في فمه فإنّ أثره الحياة فيما يوضع فيه، ومفعول (اتخذ) الثاني محذوف: أي إلٰها {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } فكيف يُتَّخذ إلهاً {ٱتَّخَذُوهُ } إلهاً؟ {وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ } باتخاذه.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ } أي من بعد خروجه إلى الطور {مِنْ حُلِيّهِمْ } متعلق بـ {اتخذ} أو بمحذوف وقع حالاً، و{من} للتبعيض، أو للابتداء، أو للبيان. والحلي جمع حلى. وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة {من حُلِّيهم} بضم الحاء وتشديد الياء. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً بكسر الحاء. وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء. قال النحاس: جمع حَلْيٍ وحُليٍ وحِلِى مثل ثدي وثدي وثدي، والأصل حلوى أدغمت الواو في الياء، فانكسرت اللام لمجاورتها الياء، وتكسر الحاء لكسرة اللام وضمها على الأصل. وأضيفت الحلي إليهم وإن كانت لغيرهم؛ لأن الإضافة تجوز لأدنى ملابسة، و {عِجْلاً } مفعول {اتخذ}. وقيل: هو بمعنى التصيير، فيتعدى إلى مفعولين ثانيهما محذوف: أي اتخذوا عجلاً إلهاً. و{جَسَداً } بدل من عجلاً. وقيل وصف له. والخوار الصياح. يقال خار يخور خوراً إذا صاح. وكذلك خار يخار خواراً. ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعاً، مع أنه اتخذه السامريّ وحده، لكونه واحداً منهم، وهم راضون بفعله. روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة، قال السامري لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم: إن معكم حلياً من حلي آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد، وخرجتم وهو معكم، وقد أغرق الله أهله من القبط، فهاتوها، فدفعوها إليه، فاتخذ منها العجل المذكور. قوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ } الاستفهام للتقريع والتوبيخ، أي ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلهاً لا يقدر على تكليمهم، فضلاً عن أن يقدر على جلب نفع لهم، أو دفع ضرّ عنهم. {وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } أي طريقاً واضحة يسلكونها {ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } أي اتخذوه إلهاً {وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ } لأنفسهم في اتخاذه، أو في كل شيء. ومن جملة ذلك هذا الاتخاذ. قوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات، يقال للنادم المتحير قد سقط في يده. قال الأخفش: يقال سقط في يده وأسقط. ومن قال {سقط في أيديهم} على البناء للفاعل، فالمعنى عنده: سقط الندم. وأصله أن من شأن من اشتدّ ندمه وحسرته أن يعضّ يده غماً، فتصير يده مسقوطاً فيها، لأن فاه قد وقع فيها. وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم: معنى {سقط في أيديهم} أي في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالاً أن يكون في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد، لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال الله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } تفسير : [الحج: 10] وأيضاً الندم وإن حلّ القلب، فأثره يظهر في البدن، لأن النادم يعضّ يده، ويضرب إحدى يديه على الأخرى، قال الله تعالى: {أية : فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } تفسير : [الكهف: 42] ومنه: {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّـٰلِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ } تفسير : [الفرقان: 27] أي: من الندم. وأيضاً النادم يضع ذقنه في يده. {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } معطوف على {سقط}: أي تبينوا أنهم قد ضلوا باتخاذهم العجل، وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا } قرأ حمزة والكسائي بالفوقية في الفعلين جميعاً. وقرأ الباقون بالتحتية، واللام للقسم، وجوابه: {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال. وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى. وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد. قوله: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفًا } هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه. وانتصاب غضبان وأسفا على الحال، والأسف شديد الغضب. قيل هو منزلة وراء الغضب أشدّ منه، وهو أسف وأسيف وأسفان وأسوف، قال ابن جرير الطبري: أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا، فلذلك رجع وهو غضبان أسفاً. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى } هذا ذمّ من موسى لقومه، أي بئس العمل ما عملتموه من بعدي، أي من بعد غيبتي عنكم، يقال خلفه بخير وخلفه بشرّ، استنكر عليهم ما فعلوه، وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الانزجار والإيمان بالله وحده، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلوّن حالهم واضطراب أفعالهم. ثم قال منكراً عليهم {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } والعجلة. التقدّم بالشيء قبل وقته، يقال عجلت الشيء سبقته، وأعجلت الرجل حملته على العجلة، والمعنى: أعجلتم عن انتظار أمر ربكم؟ أي ميعاده الذي وعدنيه، وهو الأربعون ففعلتم ما فعلتم. وقيل معناه: تعجلتم سخط ربكم. وقيل معناه: أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. {وَأَلْقَى ٱلألْوَاحَ } أي طرحها لما اعتراه من شدّة الغضب والأسف، حين أشرف على قومه، وهم عاكفون على عبادة العجل. قوله: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } أي أخذ برأس أخيه هارون، أو بشعر رأسه حال كونه يجرّه إليه فعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامريّ، ولا غيره ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل، فقال: هارون معتذراً منه {ٱبْنَ أُمَّ إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى } أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين، استضعافهم لي، ومقاربتهم لقتلي. وإنما قال {ابن أمّ} مع كونه أخاه من أبيه وأمه، لأنها كلمة لين وعطف، ولأنها كانت كما قيل مؤمنة. وقال الزجاج: قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه. قرىء {ابن أمّ} بفتح الميم تشبيهاً له بخمسة عشر، فصار كقولك يا خمسة عشر أقبلوا. وقال الكسائي والفراء وأبو عبيد: إن الفتح على تقدير يابن أما. وقال البصريون هذا القول خطأ. لأن الألف خفيفة لا تحذف، ولكن جعل الاسمين اسماً واحداً كخمسة عشر، واختاره الزجاج والنحاس. وأما من قرأ بكسر الميم، فهو على تقدير ابن أمي، ثم حذفت الياء وأبقيت الكسرة، لتدل عليها. وقال الأخفش وأبو حاتم: ابن أمّ بالكسر، كما تقول يا غلام أقبل وهي لغة شاذة والقراءة بها بعيدة. وإنما هذا فيما يكون مضافاً إليك. وقرىء {ٱبْن أمي} بإثبات الياء. قوله: {يَقْتُلُونَنِى فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأعْدَاء } الشماتة: السرور من الأعداء بما يصيب من يعادونه مع المصائب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء، ودرك الشقاء، وجهد البلاء، وشماتة الأعداء» تفسير : وهو في الصحيح. ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما الدهر جرّ على أناس كلاكله أناخ بآخرينا فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تفسير : والمعنى: لا تفعل بي ما يكون سبباً للشماتة منهم. وقرأ مجاهد ومالك بن دينار "فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ ٱلأعْدَاء" بفتح حرف المضارعة، وفتح الميم، ورفع الأعداء على أن الفعل مسند إليهم، أي لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله بي. وروي عن مجاهد أنه قرأ "تُشْمِتْ" كما تقدّم عنه مع نصب الأعداء. قال ابن جني: والمعنى فلا تشمت بي أنت يا ربّ، وجاز هذا كما في قوله: {أية : ٱللَّهُ يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } تفسير : [البقرة: 15] ونحوه، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء، كأنه قال: ولا تشمت يا ربّ بي الأعداء، وما أبعد هذه القراءة عن الصواب، وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب. قوله: {وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } أي: لا تجعلني بغضبك عليّ في عداد القوم الظالمين، يعني الذين عبدوا العجل، أو لا تعتقد أني منهم. قوله: {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي} هذا كلام مستأنف جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: فماذا قال موسى بعد كلام هارون هذا؟ فقيل: {قَالَ رَبّ ٱغْفِرْ لِى وَلأَخِي} طلب المغفرة له أوّلاً، ولأخيه ثانياً، ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة، فكأنه تذمم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له، وطلب المغفرة من الله مما فرط منه في جانبه، ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير فيما يجب عليه من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم، ثم طلب إدخاله وإدخال أخيه في رحمة الله التي وسعت كل شيء، فهو {أَرْحَمُ ٱلرحِمِينَ }. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن مجاهد، في قوله: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ } الآية، قال: حين دفنوها ألقى عليها السامري قبضة من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، في الآية قال: استعاروا حلياً من آل فرعون، فجمعه السامري فصاغ منه {عِجْلاً } فجعله {جَسَداً } لحماً ودماً {لَّهُ خُوَارٌ }. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله: {خُوَارٌ } قال: الصوت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: خار العجل خورة لم يئن، ألم تر أن الله قال: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ }. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } قال: ندموا. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ من طرق، عن ابن عباس {أَسَفاً } قال: حزينا. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي الدرداء، قال: الأسف منزلة وراء الغضب أشدّ من ذلك. وأخرج عبد بن حميد، عن محمد بن كعب، قال: الأسف الغضب الشديد. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع. وأخرج أبو نعيم في الحلية، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، قال: لما ألقاها موسى ذهب التفصيل وبقي الهدى. وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج، قال: كانت تسعة رفع منها لوحان وبقي سبعة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ } قال: مع أصحاب العجل.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل{وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} في الأسف خمسة أقاويل: أحدها: أنه المتأسف على فوت ما سلف قاله علي بن عيسى. والثاني: أنه الحزين، قاله ابن عباس. والثالث: هو الشديد الغضب، قاله الأخفش. والرابع: المغتاظ، قاله السدي. والخامس: النادم، قاله ابن قتيبة. وفي غضبه وأسفه قولان: أحدهما: غضبان من قومه على عبادة العجل؟ أسفاً على ما فاته من مناجاة ربه. والثاني: غضبان على نفسه في ترك قومه حتى ضلوا، أسفاً على ما رأى في قومه من ارتكاب المعاصي. وقال بعض المتصوفة إن غضبه للرجوع عن مناجاة الحق إلى مخاطبة الخلق. {قَالَ بِئْسَ مَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدي} يعني بعباة العجل. {أَعَجِلْتُم أَمْرَ رَبِّكُمْ} فيه قولان: أحدهما: يعني وعد ربكم الذي وعدني به من الأربعين ليلة، وذلك أنه قَدَّروا أنه قد مات لمَّا لم يأت على رأس الثلاثين ليلة، قاله الحسن، والسدي. والثاني: وعد ربكم بالثواب على عبادته حتى عدلتم إلى عبادة غيره، قاله بعض المتأخرين. والفرق بين العجلة والسرعة أن العجلة: التقدم بالشيء قبل وقته، والسرعة: عمله في أقل أوقاته. {وَأَلْقَى الألْوَاحَ} وفي سبب إلقائها قولان: أحدهما: غضباً حين رأى عبادة العجل، قاله ابن عباس. والثاني: أنه ألقاها لما رأى فيها فضائل غير قومه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنهم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، قال: رب فاجعلهم أمتي قال: تلك أمة أحمد، فاشتد عليه فألقاها، قاله قتادة. وكانت التوراة سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح فتكسرت رفع منها ستة أسباعها وكان فيما رفع تفصيل كل شيء الذي قال الله {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الألْوَاحِ من كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْضِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وبقي الهدى والرحمة في السبع الباقي، وهو الذي قاله الله: {أَخَذَ الأَلْوَاحَ وَفي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ}. وقال ابن عباس: ألقى موسى الألواح فتكسرت ورفعت إلا سدُسها. {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} فيه قولان: أحدهما: أنه أخذ بأذنه. والثاني: أخذ بجملة رأسه. فإن قيل: فلم قصده بمثل هذا الهوان ولا ذنب له؟ فعن ذلك جوابان. أحدهما: أن هذا الفعل مما قد يتغير حكمه بالعادة فيجوز أن يكون في ذلك الزمان بخلاف ما هو عليه الآن من الهوان. والثاني: أن ذلك منه كقبض الرجل منا الآن على لحيته وعضه على شفته {قَالَ ابْنَ أُمَّ} فيه وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك لأنه كان أخاه لأمه، قاله الحسن. والثاني: أنه قال ذلك على عادة العرب استعطافاً بالرحم، كما قال الشاعر: شعر : يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شقيقَ نَفْسِي أَنْتَ خَلَّيْتَنِي لأَمْرٍ شَدِيدٍ تفسير : {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ} يعني من خالفه في عبادة العجل لأنهم قد صاروا لمخالفتهم له أعداء. {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَومِ الظَّالِمِينَ} أي لا تغضب عليّ كغضبك عليهم ولست منهم فأدركته الرقة: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لَي ولأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}.

ابن عطية

تفسير : {اتخذ} أصله ايتخذ وزنه افتعل من تخذ هذا قول أبي علي الفارسي، والضمير في {بعده} عائد على موسى أي بعد مضيه إلى المناجاة وأضاف الحليّ إلى بني إسرائيل وإن كان مستعاراً من القبط إذ كانوا قد تملكوه إما بأن نفلوه كما روي وحكى يحيى بن سلام عن الحسن أنه قال: استعار بنو إسرائيل حلي القبط ليوم الزينة فلما أمر موسى أن يسري بهم ليلاً تعذر عليهم رد العواري، وأيضاً فخشوا أن يفتضح سرهم، ثم إن الله نفلهم إياه، ويحتمل أن يضاف الحلي إلى بني إسرائيل من حيث تصرفت أيديهم فيه بعد غزو آل فرعون، ويروى أن السامري واسمه موسى بن ظفر وينسب إلى قرية تسمى سامرة قال لهارون حين ذهب موسى إلى المناجاة: يا هارون إن بني إسرائيل قد بددوا الحلي الذي استعير من القبط وتصرفوا فيه وأنفقوا منه، فلو جمعته حتى يرى موسى فيه رأيه، قال: فجمعه هارون فلما اجتمع قال للسامري: أنت أولى الناس بأن يختزن عندك، فأخذه السامري وكان صائغاً فصاغ منه صورة عجل وهو ولد البقرة {جسداً} أي جثة وجماداً وقيل كان جسداً بلا رأس وهذا تعلق بأن الجسد في اللغة ما عدا الرأس وقيل إن الله جعل له لحماً ودماً. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد تكذب ذلك، و"الخوار" صوت البقر، ويروى أن هذا العجل إنما خار مرة واحدة، وذلك بحيلة صناعية من السامري أو بسحر تركب له من قبضه القبضة من أثر الرسول، أو بأن الله أخار العجل لفتن بني إسرائيل، وقرأت فرقة له "جوار" بالجيم وهو الصياح قال أبو حاتم وشدة الصوت، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وأبو جعفر وشيبة "من حُلِيهم" بضم الحاء وكسر اللام، وهو جمع حلي على مثال ثدي، وثديّ، وأصله حلوي قلبت الواو ياء وأدغمت فجاء حلي فكسرت اللام لتناسب الياء، وقرأ حمزة والكسائي "من حِليهم" بكسر الحاء على ما قدمنا من التعليل، قال أبو حاتم إلا أنهم كسروا الحاء إتباعاً لكسرة اللام، قال أبو علي وقوى التغيير الذي دخل على الجمع على هذا التغيير الأخير، قال ومما يؤكد كسر الفاء في هذا النحو من الجمع قولهم قسيّ، قال أبو حاتم وقرأ هكذا يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش وأصحاب عبد الله، وقرأ يعقوب الحضرمي "من حَلْيهم" بفتح الحاء وسكون اللام، فإما أن يكون مفرداً يراد به الجميع وإما أن يكون جمع حلية كتمرة وتمر ومعنى الحلي ما يتجمل به من حجارة وذهب وفضة، ثم بين الله تعالى سوء فطرهم وقرر فساد اعتقادهم بقوله {ألم يروا أنه لا يكلمهم} الآية، وذلك أن الصامت الجماد لا يتصف بالإلهية والذي لا يرشد إلى خير ولا يكشف غماً كذلك، والضمير في {اتخذوه} عائد على العجل، وقوله {وكانوا} إخبار لنا عن جميع أحوالهم ماضياً وحالاً ومستقبلاً، ويحتمل أن تكون الواو واو حال، وقد مر في البقرة سبب اتخاذ العجل وبسط تلك الحال بما أغنى عن إعادته هاهنا. وقرأ جمهور الناس بكسر القاف وضم السين "سُقِطَ في أيديهم" وقرأت فرقة "سَقَطَ" بفتح السين والقاف حكاه الزّجاج، وقرأ ابن أبي عبلة "أسْقط" وهي لغة حكاها الطبري بالهمزة المضمومة وسين ساكنة، والعرب تقول لمن كان ساعياً لوجه أو طالباً غاية ما، فعرضه ما غلبه وصده عن وجهته وأوقفه موقف العجز عن بغيته وتيقن أنه قد عجز: سقط في يد فلان، وقال أبو عبيدة: يقال لمن قدم على أمر وعجز عنه سقط في يده. قال القاضي أبو محمد: والندم عندي عرض يعرض صاحب هذه الحال وقد لا يعرضه فليس الندم بأصل في هذا أما أن أكثر أصحاب هذه الحال يصحبهم الندم وكذلك صحب بني إسرائيل المذكورين في الآية والوجه الذي يصل بين هذه الألفاظ وبين المعنى الذي ذكرناه هو أن السعي أو الصرف أو الدفاع سقط في يد المشار إليه فصار في يده لا يجاوزها ولا يكون له خارجها تأثير وقال الزجاج: المعنى أن الندم سقط في أيديهم ويحتمل أن الخسران والخيبة سقط في أيديهم. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا كله يلزم أن يكون "سقط" يتعدى فإن "سقط" يتضمن مفعولاً وهو هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط كما يقال ذهب بزيد وفي هذا عندي نظر، وأما قراءة من قرأ "سقَطَ " على بناء الفعل للفاعل أو "أسقط" على التعدية بالهمزة فبين في الاستغناء عن التعدي ويحتمل أن يقال سقط في يديه على معنى التشبيه بالأسير الذي تكتف يداه فكأن صاحب هذه الحال يستأسر ويقع ظهور الغلبة عليه في يده، أو كأن المراد سقط بالغلب والقهر في يده، وحدثت عن أبي مروان بن سراج أنه كان يقول: قول العرب سقط في يديه مما أعياني معناه، وقال الجرجاني: هذا مما دثر استعماله مثلما دثر استعمال قوله تعالى: {أية : فضربنا على آذانهم} تفسير : [الكهف:11]. قال القاضي أبو محمد: وفي الكلام ضعف والسقاط في كلام العرب كثرة الخطأ والندم عليه ومنه قول سويد بن أبي كاهل: [الرمل] شعر : كيف يرجون سقاطي بعدما لفع الرأسَ مشيب وصلع تفسير : وقول بني إسرائيل {لئن لم يرحمنا ربنا} إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم ورؤيتهم أنهم قد خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة بن نصاح ومجاهد وغيرهم "قالوا لئن لم يرحمنا ربنا" بالياء في يرحمنا وإسناد الفعل إلى الرب تعالى، "ويغفر" بالياء، وقرأ حمزة والكسائي والشعبي وابن وثاب والجحدري وطلحة بن مصرف والأعمش وأيوب "ترحمنا ربَّنا" بالتاء في "ترحمنا" ونصب لفظة ربنا على جهة النداء "وتغفر" بالتاء، من فوق، وفي مصحف أبيّ "قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين".

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ }: الخُوَارُ: صَوْتُ البقر، وقرأَتْ فرقة: «لَهُ جُؤَارٌ» - بالجيم -، أيْ: صِيَاحٌ، ثم بيَّن سبحانه سُوءَ فِطَرهم، وقرَّر فساد ٱعتقادِهِمْ بقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ...} الآية: وقوله: {وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ }: إِخبارٌ عن جميع أحوالهم؛ ماضياً، وحالاً، ومستقبلاً، وقد مَرَّ في «البقرة» قصَّة العِجْلِ؛ فأغنَىٰ عن إِعادته. قال أبو عُبَيْدة: يقال لمن نَدِمَ على أمْرٍ، وعَجَز عنه: سُقِطَ في يَدِهِ، وقولُ بني إِسرائيل: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا }، إِنما كان بَعْدَ رجوعِ موسَىٰ، وتَغَيُّرِهِ عليهم، ورؤيتِهِمْ أنهم قد خَرَجُوا من الدِّين، ووقعوا في الكُفْر. وقوله سبحانه: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَـٰنَ أَسِفاً}، يريد: رجَعَ من المُنَاجَاة، والأَسَفُ، قد يكون بمعنى الغَضَبِ الشديدِ، وأكثرُ ما يكونُ بمعنى الحُزْن، والمعنيانِ مترتبان هنا. وعبارةُ * ص *: {غَضْبَـٰنَ }: صفةُ مبالغةٍ، والغَضَبُ غَلَيَانُ القَلْب؛ بسبب ما يؤلم و{أَسِفاً }: مِنْ أَسِفَ، فهو أَسِفٌ، كَفَرِقَ فهو فَرِقٌ، يدل على ثبوت الوصف، ولو ذُهِبَ به مَذْهَبُ الزمان، لقيل: آسِف؛ على وزن فَاعِل، والأَسَفُ: الحزنُ. انتهى. وقوله تعالى: {أَعَجِلْتُمْ }، معناه: أسابقتم قضاء رَبِّكُم، وٱستعجلتم إِتْيَانِي قبل الوقت الذي قدر به، قال سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس: كان سببُ إِلقائه الأَلْوَاحَ - غَضَبَهُ عَلَىٰ قومه في عبادتهم العِجْل، وَغَضَبَهُ عَلىٰ أخيه في إِهمال أَمرهم. قال ابن عباس: لمَّا ألقاها، تكسَّرت، فَرُفِعَ أكثَرُها الذي فيه تفصيلُ كلِّ شيء، وبقي الذي في نُسْخَتِهِ الهُدَىٰ والرحمة، وهو الذي أخذ بعد ذلك، قال ابن عبَّاس: كانت الألواح مِنْ زُمُرُّدِ، وقيل: من ياقوتٍ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيل: من خشبٍ، واللَّه أعلم. وقوله: {ٱبْنَ أُمَّ } استعطافٌ برحمِ الأمِّ؛ إذ هو ألْصَقُ القراباتِ، وقوله: {كَادُواْ }، معناه: قاربوا، ولم يَفْعَلُوا، وقوله: {وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّـٰلِمِينَ }، يريد: عَبَدَةَ العجْلِ.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد في قوله {واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً} قال: حين دفنوها ألقي عليها السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {من حليهم عجلاً جسداً له خوار} قال: استعاروا حلياً من آل فرعون، فجمعه السامري فصاغ منه عجلاً فجعله الله جسداً لحماً ودماً له خوار . وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {عجلاً جسداً له خوار} قال: يعني له صياح. قال: وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال: نعم أما سمعت الشاعر وهو يقول: شعر : كان بني معاوية بن بكر إلى الإِسلام ضاحية تخور تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: خار العجل خورة لم يثن، ألم تر أن الله قال {ألم يروا أنه لا يكلمهم } . وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {له خوار} قال: الصوت .

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}[148] قال: عجل كل إنسان ما أقبل عليه، فأعرض به عن الله من أهل وولد، ولا يتخلص من ذلك إلاَّ بعد إفناء جميع حظوظه من أسبابه، كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته إلاَّ بعد قتل النفوس.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} [الآية: 148]. قال سهل: عجل كل إنسان ما أقبل عليه وأعرض به عن الله من أهلٍ وولد، ولا نتخلص من ذلك إلا بعد إفناء حظوظه أجمع من أسبابه، كما لم يتخلص عبَدة العجل من عبادته، إلا من بعد قتلهم أنفسهم.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}. لم يُطَهِّر قلوبَهم - في ابتداء أحوالهم - عن توهم الظنون، ولم يتحققوا بخصائص القِدَمِ وشروط الحدوث، فعثرت أقدام فكرهم في وهاد المغاليط لما سلكوا المسير. ويقال إن أقواماً رضوا بالعِجْلِ أن يكونَ معبودَهم متى تشم أسرارُهم نسيمَ التوحيد؟ هيهات لا! لا ولا مَنْ لاحظ جبريلَ وميكائيلَ والعرشَ أو الثَّرى، أو الجِنَّ أو الورى. وإِنَّ مَنْ لَحِقَه ذلك أو وجد من قبيل ما يقبل نعوت الحدثان، أو صحَّ في التجويز أن ترتقي إليه صواعد التقدير وشرائط الكيفية فغيرُ صالحٍ لاستحقاق الإلهية. ويقال شتَّان بين أمة وأمة! أمة خرج نبيهم عليه السلام من بينهم أربعين يوماً فعبدوا العِجْلَ، وأمة خرج نبيُّهم - عليه السلام - من بينهم وأَتَى نيف وأربعمائة سنة فمن ذكر بين أيديهم أن الشموس والأقمار أو شيئاً من الرسوم والإطلال تستحق الإلهية أحرقوه بهممهم. ويقال لا فصلَ بين الجسم والجسد، فكما لا يصلح أن يكون المعبود جسماً لا يصلح أن يكون متصفاً بما في معناه، ولا أن يكون له صوت فإن حقيقة الأصوات مُصَاكَّةُ الأجرام الصلبة، والتوحيد الأزلي ينافي هذه الجملة. ويقال أَجْهِلْ بقوم آمنوا بأن يكونَ مصنوعُهم معبودَهم! ولولا قهر الربوبية وأنه تعالى يفعل ما يشاء - فأَيُّ عقلٍ يُقِرُّ مثل هذا التلبيس؟! قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ}. جعل من استحقاقه نعوت الإلهية صحة الخطاب وأن تكون منه الهداية، وهذا يدل على استحقاق الحق بالنعوت بأن متكلِّمٌ في حقائق آزاله، وأنه متفرِّد بهداية العبد لا هاديَ سواه. وفيه إشارة إلى مخاطبة الحق - سبحانه - وتكليمه مع العبد، وإنَّ الملوكَ إذا جلَّتْ رتبتهم استنكفوا أن يخاطبوا أحداً بلسانهم حتى قال قائلهم: شعر : وما عَجَبٌ تناسي ذِكْرِ عبدٍ على المولى إذا كَثُرَ العبيدُ تفسير : وبخلاف هذا أجرى الحقُّ - سنَّتَه مع عباده المؤمنين، أما الأعداء فيقول لهم: {أية : ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}تفسير : [المؤمنون: 108] وأمَّا المؤمنون فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم إلا يكلمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان"تفسير : ، وأنشدوا في معناه. شعر : وما تزدهينا الكبرياءُ عليهمُ إذا كلَّمونا أن نكلمهم مَرَدَّا تفسير : قال تعالى: {أية : قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً}تفسير : [الكهف: 109].

البقلي

تفسير : {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} كان القوم فى طلب الحق غلب عليهم رعونات الطبيعة من جهة ماشموا بعض روائح القرب فصار فى قلوبهم حلاوة فباشرت تلك الحلاوة قلوبهم ولم يكن غالبا يفنى صفات الانساينة منها فاختلط ذلك الحظ بحظوظ البشرية فلما هاجت حلاوة البشرية غابت حلاوة القرب وعشقه فى عشق الانساينة وحظ البشرية فطلبت القلوب بعد ذلك فى كل منظور من الحدثان على صورة المخائيل لان حظوظ بشريتهم اورثت فى قلوبهم الخيالات المختلفة فسقطوا عن رؤية التوحيد وافراد القدم عن الحدوث وبقوا فى طلب الخيال وبحثه عن كل شئ فكل متحرك يتحرك لهم قبلوه بالمعبود من قصورهم عن كمال العشق وحقائق التوحيد فكسى الحق سبحانه العجل كسوة من قهر ربوبيته امتحانا للقوم فرقعوا فى حسن اللباس واحتمشوه واحتجبوا من رؤية القهر والامتحان ولو خرجوا من اوائل الالتباس لا حرقوه كما احرقه موسى عليه السلام وكذا حال من لم يبلغ الى درجة التوحيد بوقى فى رعونة العشق حتى يوول حاله الى حدغار عليه التوحيد والجاه الى القتل لانه بقى فى رؤية غير الله المشرك فى التوحيد وجب قتله فى طريق المعرفة الا ترى ان الله سبحانه امرهم بقتل انفسهم بقوله فتوبوا الى بارئكم فاقتلوا افنسكم قال سهل عجل كل انسان ما اقبل عليه واعرض به عن الله من اهل وولد لا يتخلص من ذلك الا بعد فناء جميع حظوظه من اسبابه كما لم يتخلص عبده العجل من غاره الا من عبد قتلهم انفسهم وقال الاستاد لم يظهر قلوبهم فى ابتداء احوالهم عن توهم الظنون ولم يتحققوا بخصائص القدم وشروط الحدوث فعثروا عن اقدام ذكرهم فى وهاد المغاليط ويقال ابن اقوام رضوا بالعجل ان يكون معبودهم شمت اسرارهم نسيم التويحد هيات لا ولا من لاحظ جبرئيل وميكائيل او العرش والثى اى الخلق والورى.

اسماعيل حقي

تفسير : {واتخذ قوم موسى من بعده} اى من بعد ذهابه الى الطور ومن للابتداء الغاية {من} للتبعيض {حليهم} جمع حلى كثدى وثدى وهو ما تزين به من الذهب والفضة واضافة الحلى اليهم مع انها كانت للقبط لادنى الملابسة حيث كانوا استعاروها من اربابها حين هموا بالخروج من مصر {عجلا} مفعول اول لقوله اتخذ لانه متعد الى اثنين بمعنى التصيير والمفعول ثانى محذوف اى صيروه آلها والعجل ولد البقر وابو العجل الثور والجمع العجاجيل والانثى عجلة سمى عجلا لاستعجال بنى اسرائيل عبادته وكانت مدة عبادتهم له اربعين يوما فعوقبوا فى التيه اربعين سنة فجعل الله تعالى كل سنة فى مقابلة يوم {جسدا} بدل من عجلا اى جثة ذادم ولحم او جسدا من ذهب لا روح معه فان الجسد اسم لجسم له لحم ودم ويطلق على جثة لا روح لها {له خوار} اى صوت البقر. وذلك ان موسى كان وعد قومه بالانطلاق الى الجبل ثلاثين يوما فلما تأخر رجوعه قال لهم السامرى رجل من قرية يقال لها سامرة وكان رجلا مطاعا من قوم موسى انكم اخذتم الحلى من آل فرعون فعاقبهم الله بتلك الجناية ومنع موسى عنكم فاجمعوا الحلى حتى احرقها لعل الله يرد علينا موسى او سألوه آلها يعبدونه وقد كان لهم ميل الى عبادة البقر منذ مروا على العمالقة التى كانوا يعبدون تماثيل البقر وذلك بعد عبور النهر وقد مرت قصته فجعل السامر الحلى بعد جمعها فى النار وصاغ لهم من ذلك عجلا لانه كان صاغا والقى فى فمه ترابا من اثر فرس جبريل عليه السلام وكان ذلك الفرس فرس الحياة ما وضع حافره فى موضع الا اخضر وكان قد اتخذ ذلك التراب عند فلق البحر او عند وجهه الى الطور فانقلب ذلك الجسد لحما ودما وظهر فيه خوار وحركة ومشى فقال السامرى هذا آلهكم واله موسى فعبدوه الا اثنى عشر الفا من ستمائة الف وقيل انه جعل ذلك العجل مجوفا وجعل فى جوفه انابيب على شكل مخصوص وكان وضع ذلك التمثال على مهب الريح فكانت الريح تدخل فى تلك الانابيب فظهر منه صوت مخصوص يشبه خوار العجل فاوهم بنى اسرائيل انه حى يخور فزفنوا حوله اى رقصوا. نقل القرطبى عن الطرطوشى انه سئل عن قو يجتعون فى مكان يقرأون شيا من القرآن ثم ينشد لهم منشد شيأ من الشعر برقصون ويطربون ويضربون بالدف والشنانير هل الحضور معهم حلال اولا. قال مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة وما الاسلام الا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. واما الرقص والتواجد فاول من احدثه اصحاب السامرى فلما اتخذوه عجلا جسدا له خوار قاموا يرقصون حوله ويتواجدون فهو دين الكفار وعباد العجل وانما كان يجلس النبى عليه السلام مع اصحابه كأنما على رؤسهم الطير من الوقار فينبغى للسلطان ونوابه ان يمنعهم من الحضور فى المساجد وغيرها ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يحضر معهم ولا يعينهم على باطلهم هذا مذهب مالك والشافعى وابى حنيفة واحمد وغيرهم من ائمة المسلمين كذا فى حياة الحيوان. قال فى نصاب الاحتساب هل يجوز له الرقص فى السماع الجواب لا يجوز ذكر فى الذخيرة انه كبيرة ومن اباحه من المشايخ فذلك للذى صارت حركاته كحركات المرتعش وهل يجوز السماع الجواب ان كان السماع سماع القرآن او الموعظة يجوز وان كان السماع الغناء فهو حرام لان التغنى واستماع الغناء حرام ومن اباحه من مشايخ الصوفية فلمن تخلى عن الهوى وتحلى بالتقوى الى ذلك احتياج المريض الى الدواء. وله شرائط. احداها ان لا يكون فيهم امرد. والثانية ان لا يكون جمعيتهم الا من جنسهم ليس فيه فاسق ولا اهل دنيا ولا امرأة. والثالثة ان يكون نية القوال الاخلاص لا أخذ الاجرة والطعام. والرابعة ان لا يجتمعوا لاجل طعام او نظر الى فتوح والخامسة لا يقومون الا مغلوبين. والسادسة لا يظهرون الوجد الا صادقين. قال الشيخ عمر ابن الفارض فى القصيدة الموسومة بنظم الدر شعر : اذهام شوقا بالمناغى وهمّ ان يطير الى اوطانه الاولية يسكن بالتحريك وهو بمهده اذا ناله ايدى المربى بهزة تفسير : قال الامام القاشانى فى شرحه اذا هام الولى واضطرب شوقا الى مركزه الاصلى ووطنه الاولى بسبب مناغاة المناغى وهم طائر روحه الى ان يطير الى عشه ووكره الاولى تهزه ايدى من يربيه فى المهد فيسكن بسبب التحريك من قلقه وهمه بالطيران والمقصودمن ايراد هذا المعنى ان يشير الى فائدة الرقص والحركة فى السماع وذلك ان روح السامه يهم عند السماع ان يرجع الى وطنه المألوف ويفارق النفس والقالب فتحركه يد الحال وتسكنه عما يهم به بسبب التحريك الى حلول الاجل المعلوم وذلك تقدير العزيز العليم انتهى: قال السعدى قدس سره شعر : مكن عيب درويش مدهوش ومست كه غرقست از آن مى زند با دوست نكويم سماع اى برادر كه جيست مكر مستمع را بدانم كه كيست كر از برج معنى برد طير او فرشته فروماند از سير او اكر مرد بازى ولهوست ولاغ قوى تر شود ديوش اندر دماغ جه مرد سماعست شهوت برست بآواز خوش خفته خيزد نه مست تفسير : قال السرورى [جون سماع آواز خوش سبب حركت شد حركت را سماع كفتند] [وجون كسى آواز خوش شنود دروحالتى بيدا شود اين حالت را وجد كويند]: وفى المثنوى شعر : بس غداى عاشقان آمد سماع كه دراو باشد خيال واجتماع قوتى كيرد خيالات ضمير بلكه صورت كردد ازبانك صفير تفسير : واعلم ان الرقص والسماع حال المتلون لا حال المتمكن ولذا تاب سيد الطائفة الجنيد البغدادى قدس سره عن السماع فى زمانه فمن الناس من هو متواجد ومنهم من هو اهل وجد ومنهم من هو اهل وجود. فالاول المبتدئ الذى له انجذاب ضعيف. والثانى المتوسط الذى له انجذاب قوى. والثالث المنتهى الذى له انجذاب قوى وهو مستغن عن الدوران الصورى بالدوران المعنوى بخلاف الاولين ولا بد من العشق فى القلب والصدق فى الحركة حتى يصح الدوران والعلماء وان اختلفوا فى ذلك فمن مثبت ومن ناف لكن الناس متفاوتون والجواز للاهل المستجمع لشرائطه لا لغيره. قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره ليس فى طريقنا رقص ولا فى طريق الشيخ الحاج بيرام ولى ايضا لان الرقص والاصوات كلها انما وضع لدفع الخواطر ولا شيء دفعها اشد تأثيرا من التوحيد ونبينا عليه الصلاة والسلام ولم يلقن الا التوحيد - ذكر - ان عليا قال يوما لا اجد لذة العبادة يا رسول الله فلقنه التوحيد ووصاه ان لا يكلم احدا بما ظهر من آثار التوحيد فلما امتلأ باطنه من انوار التوحيد واضطر الى التكلم جاء الى بئر فتكلم فيها فنبت منها قصب فأخذ راع وعمل منه المزمار وكان ذلك مبدأ لعلم الموسقى وقال قد يقال ان رجلا يقال له عبد المؤمن سمع صوت الافلاك فى دورها فأخذ منه العلم الموسقى ولذلك كان اصله اثنى عشر على عدد البروج ولكن صداها على طرز واحد فالانسان لقابليته الحق به زيادات كذا فى الواقعات المحمودية فقد عرفت من هذا البيان انه ليس فى الطريقة الجلوتية بالجيم دور ورقص بل توحيد وذكر قياما وقعودا بشرائط وآداب وانما يفعله الخلوتية باالخاء المعجمة ما يتوارثون من اكابر اهل الله تعالى لكن انما يقبل منهم ويمدح اذا قارن شرائطه وآدابه كما سبق والا يرد ويذم وقد وجدنا فى زماننا اكثر المجالس الدورية على خلاف موضوعها فالعاقل يختار الطريق الاسلم ويجتنب عن القيل والقال وينظر الى قولهم لكل زمان رجال ولكل رجال مقام وحال. قال الشيخ ابو العباس من كان من فقراء هذا الزمان آكلا لاموال الظلمة مؤثرا للسماع ففيه نزغة يهودية قال الله تعالى {أية : سماعون للكذب أكالون للسحت} تفسير : [المائدة: 42]. وقال الحاتمى السماع فى هذا الزمان لا يقول به مسلم ولا يفتدى بشيخ يعمل السماع وقد عرفت وشاهدت فى هذا الزمان ان المجالس الدورية يحضرها المراد ان الملاح والنساء وحضورهم آفة عظيمة فانهم والاختلاط بهم والصحبة معهم كالسم القاتل ولا شيء اسرع اهلاكا للمرء فى دينه من صحبتهم فانهم حبائل الشيطان ونعوذ بالله من المكر بعد الكرم ومن الحور بعد الكور انه هو الهادى الى طريق وصاله وكاشف القناء عن ذاته وجماله والمواصل الى كماله بعد جماله وجلاله وهو الصاحب والرفيق فى كل طريق {ألم يروا} [آيانديدند ونداستند] {انه} اى العجل {لا يكلمهم} اى ليس فيه شيء من احكام الالوهية حيث لا يقدر على كلام ولا امر ولا نهى {ولا يهديهم سبيلا} اى ولا يرشدهم طريقا الى خير ليأتوه ولا الى شر لينتهوا عنه {اتخذوه} آلها ولو كان آلها لكلمهم وهداهم لان الاله لا يهمل عباده قوله اتخذوه تكرير للذم اى اتخذوه آلها وحسبوا انه خالق الاجسام والقوى والقدر {وكانوا ظالمين} اى واضعين الاشياء فى غير موضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم. وفى التفسير الفارسى [در لطائف قشيرى مذكورست كه جه دروست ميان امتى كه مصنوع خودرا برستند وامتى كه عبادت صانع خود كنند] شعر : آنراكه توخاستى نسازد كارت سازنده توست در دو عالم يا رب

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {عِجلاً}: مفعول أول لاتخذ، و {جسدًا}: بدل منه، وحذف الثاني ـ أي: "إلهًا" ـ لدلالة أوله، و {له خوار}: نعت له. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واتخذ قُوم موسى من بعده} أي: من بعد ذهابه للميقات، {من حُليَّهم} التي كانوا استعاروها من القبط، حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم؛ لأنها كانت تحت أيديهم، فصنع لهم منها السامري {عِجلاً جسدًا} بلا روح، فألقى في جوفه من تراب أثر فرس جبريل، فصار {له خُوارٌ}، فقال لهم: {هذا إلهكم وإله موسى}، فعكفوا على عبادته، واتخذوه إلهًا. قال تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً} أي: ألم يروا، حين اتخذوه إلهًا، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر، حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر، وهذا تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر. قال تعالى: {اتخذوه} إلهًا {وكانوا ظالمين} في اتخاذه، وضعوا الأشياء في غير محلها، أي: كانت عادتهم الظلم، فلم يكن اتخاذ العجل بدعًا منهم. {ولما سُقِطَ في أيديهم}؛ كناية عن اشتداد ندمهم، فإن النادم المتحسر يعض يده غمًا، فتصير يده مسقوطًا فيها. أو يسقط رأسه، أي: يطأطئها لبعض يده. وقال الدمياميني: العرب تضرب الأمثال بالأعضاء، ولا تريد أعيانها، تقول للنادم: يُسقط في يده، وفي الذليل: رغم أنفه. هـ. أي: ولَمَّا ندموا على ما فعلوا، {ورأوا} أي: علموا {أنهم قد ضلّوا} باتخاذ العجل، {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} بالتجاوز عن خطيئتنا، {لنكونَنّ من الخاسرين} دنيًا وأخرى. الإشارة: كلّ مَن ركن إلى شيء وعكف على محبته من دون الله فهو في حقه عجل يعبده من دون الله، "ما أحببت شيئًا إلا وكنت عبدًا له، وهو لا يحب أن تكون عبدًا لغيره". عافانا الله من ذلك. ثم ذكر رجوع موسى عليه السلام من الطور، فقال: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {من حِلِيّهم} - بكسر الحاء واللام - الباقون بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء، وقرأ يعقوب بفتح الحاء، وسكون اللام، وتخفيف الياء، فوجه قراءة يعقوب أن (الحلي) اسم جنس يقع على القليل والكثير. ومن قرأ بضم الحاء، فلأنه جمع (حلي) نحو ثِدِيِّ وثَدْي، وإِنما جمعه لأنه أضافه الى جمع. ومن قرأ بكسر الحاء أتبع الكسرة الكسرة، وكره الخروج من الضمة الى الكسرة، واجراه مجرى (قسي) جمع (قوس). أخبر الله تعالى عن قوم موسى أنهم اتخذوا من بعد مفارقة موسى لهم ومضيِّه الى ميقات ربه من حليهم، ومعنى الاتخاذ الاعداد، وهو (إِفتعال) من الأخذ وأصله يتخذ إِلا أن الياء تقلب في (إِفتعل) وتدغم لانها في موضع ثقيل في كلمة واحدة، ولا يجوز في مثل (أحسن نوماً) الادغام، والاتخاذ اجتباء الشيء لامر من الامور، فهؤلاء اتخذوا العجل للعبادة، والحلي ما أتخذ للزينة من الذهب والفضة، يقال: حلي بعيني يحلا، وحلا في فمي يحلو حلاوة، وحليت الرجل تحلية اذا وضعته بما يرى منه. وقد تحلى بكذا أي تحسن به، والعجل ولد البقرة القريب العهد بالولادة، وهو العجول أيضاً، وإِنما أخذ من تعجيل أمره لصغره. وقيل: إِنهم عملوا العجل من الذهب، وقوله {جسداً له خوار} فالجسد جسم الحيوان مثل البدن، وهو روح وجسد، والروح ما لطف، والجسد ما غلظ، والجسم يقع على جسد الحيوان وغيره من الجمادات، والخوار صوت الثور، وهو صوت غليظ كالجؤار، وبناء (فعال) يدل على الآفة نحو الصراخ، والعوار والسكات والعطاش والنباح. وفي كيفية خوار العجل مع أنه مصوغ من الذهب خلاف، فقال الحسن: قبض السامري قبضة من تراب من أثر فرس جبرائيل (ع) يوم قطع البحر فقذف ذلك التراب في فم العجل، فتحول لحماً ودماً، وكان ذلك معتاداً غير خارق للعادة، وجاز أن يفعل الله لمجرى العادة. وقال الجبائي والبلخي: إِنما احتال بادخال الريح فيه حتى سمع له كالخوار، كما قد يحتال قوم اليوم كذلك. ثم أخبر تعالى فقال {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا} على وجه الانكار عليهم والتعجب من جهلهم وبعد تصورهم، فقال: كيف يعبدون هذا العجل، وهم يشاهدونه، ولا يكلمهم ولا يتأتى منه ذلك، ولا يهديهم الى سبيل خير. ثم قال {اتخذوه} إِلهاً {وكانوا ظالمين} في اتخاذهم له إِلهاً واضعين للعبادة في غير موضعها. والحلي الذي صاغ السامري منه العجل كانوا أصابوه من حلي آل فرعون قذفه البحر، فقال السامري لـ (هارون): إِن هذا حرام كله وينبغي أن نحرقه كله أو نصرفه في وجه المصلحة، فأمر هارون بجمع ذلك كله، وأخذه السامري لأنه كان مطاعاً فيهم، فصاغه عجلاً وكان صائغاً، وطرحه في النار وطرح معه التراب الذي معه.

الجنابذي

تفسير : {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} من بعد ذهابه الى الميقات تعريض بامّة محمّد (ص) يعنى لا تتّخذوا انتم من بعد محمّد (ص) عجلاً معبوداً {مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً} وفى ابدال جسداً رفع ايهام انّه كان عجلاً حقيقة {لَّهُ خُوَارٌ} روى عن الباقر (ع) انّ فيما ناجى موسى (ع) ربّه ان قال: يا ربّ هذا السّامرىّ صنع العجل فالخوار من صنعه؟ - قال: فاوحى الله اليه يا موسى (ع) انّ تلك فتنتى فلا تفحص عنها، وعن الصّادق (ع) قال: يا ربّ ومن اخار الصّنم؟ فقال الله تعالى: يا موسى انا آخرته، فقال موسى (ع): {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهْدِي مَن تَشَآءُ} تفسير : [الأعراف: 155]، وعن النّبىّ (ص): "حديث : رحم الله اخى موسى ليس المخبر كالمعاين ولقد اخبره الله تعالى بفتنة قومه ولقد عرف انّ ما اخبره ربّه حقّ وانّه على ذلك لمتمسّك بما فى يديه فرجع الى قومه ورءآهم فغضب والقى الالواح"تفسير : {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} تقريع باعتبار ترك التّفكّر {ٱتَّخَذُوهُ} صفة سبيلاً اى لا يهديهم سبيلاً جعلوه سبيلاً الى الله او مستأنف اى اتّخذوا العجل آلهاً {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} فى ذلك الاتّخاذ او من قبيل عطف السّبب.

الأعقم

تفسير : قوله تعالى: {واتخذ قوم موسى} يعني السامري ومن أعانه، وقيل: أراد جميعهم لأن منهم من اطاع ومنهم من عبد ومنهم من رضي والقليل منهم أنكر ذلك، فخرج الكلام على الغالب منهم {من بعد} أي من بعد خروج موسى (عليه السلام) إلى الميقات {من حليهم} أي من زينتهم من الذهب والفضة وكانوا استعادوها بنو إسرائيل من القبط ليوم عيد لهم وخرج موسى من مصر ومعهم ذلك الحلي فلما غرق فرعون وقومه اتخذ السامري وقومه منها عجلاً {جسداً} وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وقيل: كان السامري من أشرافهم، قيل: جسداً لا روح فيه، وقيل: لحماً ودماً، وقيل: لم يصر لحماً ودماً كسائر الأجسام والخوار صوت البقر، قال الحسن: أن السامري قبض قبضة من أثر فرس جبريل يوم قطع البحر فقذفها في العجل فكان عجلاً {له خوار ألم يروا} يعني الذين عبدوا العجل من دون الله {أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً اتخذوه} أي عبدوه {وكانوا ظالمين ولما سقط في أيديهم} يعني لما اشتد ندمهم وحسرتهم على ذلك والأصل فيه الندم {ورأوا أنهم قد ضلوا} يعني تبينوا أنهم قد ضلوا {قالوا لئن لم يرحمنا} الآية، {ولما رجع موسى} إلى قومه يعني من الميقات الذي وعده الله تعالى وكلمه وأعطاه التوراة {غضبان أسفاً} يعني حزيناً {قال بئس ما خلفتموني من بعدي} بئس الفعل فعلتم بعد ذهابي يعني فقمتم مقامي وخلفتموني من بعدي وهذا الخطاب إما أن يكون لعبدة العجل من السامري وأتباعه، أو يكون الخطاب لهارون (عليه السلام) والمؤمنين معه، بئس ما خلفتموني حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله تعالى: {أعجلتم أمر ربكم} وعد ربكم الذي وعدني من الأربعين الليلة، وروي أن السامري قال لهم حين أخرج لهم العجل وقال لهم: وإلهكم وإله موسى، إن موسى لم يرجع وأنه قد مات، وروي أنهم عدّوا عشرين يوماً بلياليها {وألقى الألواح} غضباً على قومه حين عبدوا العجل، وطرحها لما لحقه من فرط الدهش وشدة الضجر من استماعه حديث العجل غضباً لله وحميَّة لدينه، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) شديد الغضب لله، وكان هارون ألين جناباً إلى بني اسرائيل من موسى {وأخذ برأس أخيه} يعني بشعر رأسه {يجره إليه} وذلك لشدة ما ورد عليه من الأمر {قال ابن أم} وكان أخاه من أبيه وأمه {إنّ القوم استضعفوني} يعني حين عبدوا العجل {وكادوا} أي همّوا وقاربوا {فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني}، الآية، قيل: لا تجمع الغضب بيني وبينهم، وقيل: لا تجعلني في زمرتهم، قوله تعالى: {قال رب اغفر لي ولأخي} ما صنعت الى أخي {وأدخلنا} جميعاً أنا وأخي {في رحمتك} الآية {إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا} الغضب ما أمروا به من قبل أنفسهم، والذلة خروجهم من ديارهم، وقيل: الغضب من الله تعالى العقوبة، والذلة هو ما أمروا به من قبل نفوسهم، وقيل: هي الجزية، وقيل: هي ما أصاب أولادهم في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير {وكذلك نجزي المفترين} الكاذبين، وعن مالك بن انس ما من مبتدع إلا ويجد في رأسه ذلة، ثم قرأ: {إن الذين اتخذوا العجل} الآية.

الهواري

تفسير : قوله: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ} أي من بعد موسى حين ذهب للميعاد. {مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}. قال بعضهم: جعل يخور خوار البقرة. وقال مجاهد: خوار فيه الريح. وقال الحسن: إن موسى عليه السلام لما مضى للميعاد عمد السامري فألقى ما كان معه من الحليّ، وألقى بنو إسرائيل ما كان معهم من الحليّ أيضاً. وكانت معهم تلك الحليّ عوارى استعاروها من آل فرعون ليوم الزينة، يوم العيد الذي وعدهم موسى حيث يقول: (أية : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ) تفسير : [طه:59]. وهو قول بني إسرائيل: {حُمِّلْنَا أَوْزَاراً}، أي:آثاماً، (أية : مِّن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ) تفسير : [طه:87] أي ما معه كما ألقيّنا ما معنا. وكان الله أمر موسى أن يسير بهم ليلاً، فكره القوم أن يردوا العواري على آل فرعون، فيفطن بهم آل فرعون، فساروا من الليل والعواري معهم. فعمد السامري فصاغ عجلاً من ذلك الحليّ؛ قال: وكان صائغاً. قال: وقد كان أخذ تراباً من أثر فرس جبريل يوم قطعوا البحر فكان معه، فقذف ذلك التراب في ذلك العجل، فتحول لحماً ودماً له خوار للبلا. (أية : فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) تفسير : [طه:88] أي ولكن نسى موسى إلهه فأضله فذهب في طلبه، وهو عندكم. قال الله: {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} يعني العجل {وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} أي طريقاً. {اتَّخَذُوهُ} إلَهاً {وَكَانُوا ظَالِمِينَ} لأنفسهم باتخاذهم إياه. قوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [أي ندموا] {وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} أي: لئن لم يفعل ذلك بنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}. وهي تقرأ على وجه آخر: {لَئِن لَّمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا} أي لئن لم ترحمنا يا ربنا، صراخ منسوب، {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ}. قالوا ذلك لما صنع موسى بالعجل ما صنع، فطلبوا التوبة، فأبى الله أن يقبل منهم إلا أن يقتلوا أنفسهم، فَغَلِظَ عليهم في المتاب. وهو قوله:{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ}. أي إلى خالقكم (أية : فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ...)تفسير : إلى آخر الآية. [البقرة:54].

اطفيش

تفسير : {واتَّخذَ} قيل هو افتعل من اتخذ {قَومُ مُوسَى مِنْ بَعْده} أى بعد موسى، أى بعد انطلاق موسى إلى الجبل، روى أنهم اتخذوا فى العشرة بعد الثلاثين، زادها الله، وأمره أن يخبرهم بها فنسى، وإنما نسب الاتخاذ لقوم موسى مع أن متخذه السامرى وحده، لأنه منهم وفيهم يقال لهم: بنو تميم، أو فعلوا مع أن القائل أو الفاعل واحد، ولا إرادتهم لاتخاذه ورضاهم، أو لأن المراد بالاتخاذ لاتخاذ إلهاً. {مِنْ حُليِِّهم} جمع حلى بإسكان اللام ووزنه فعول، أصله حلوى اجتمعت الواو والياء، وسكنت السابقة فقلبت الواو ياء وأدغمت، وقلبت الضمة قبلها كسرة لتناسب الياء، وقرأ حمزة والكسائى بكسر الحاء تبعا للاَّم، وكذا قرأ يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وإسكان اللام على الإفراد فى معنى الجمع، أو على أنه جمع حلية كتمرة وتمر، والحلى ما يتزين به من ذهب وفضة وحجر، والضمير لفرعون وقومه، أو لبنى إسرائيل، لأنه ولو كان لفرعون وقومه لكنه قد كان فى أيدى بنى إسرائيل وتصرفوا فيه، أو لأن الله ملكهم إياه. حكى يحيى بن سلام، عن الحسن: أن بنى إسرائيل استعادوا الحلى من القبط لعيد لهم، فلما أمر موسى أن يسرى ليلا تعذر عليهم ردم، وخشوا أن يفتضح سرهم ثم ملكهم الله إياه، وروى أنه لما غرقوا بقى فى أيدى بنى إسرائيل فملكوه، وروى أن الله أمرهم أن يستعيروه فاستعاروه كله، حتى لم يبق فى خزانة فرعون شىء منه ليأخذوه، ووصل اتخذ بمن مرتين بلا تبعية، لأن الأولى لتأكيد الحد وهو التعدية بفتح الباء. وقال ابن مالك: زائدة، والثانية قيل: للتبعيض، وضعف بأن حليهم كلها صارت عجلا، إلا إن أريد بالضمير القبط، على أنه بقى فى أيديهم بعض ما أوضح بأن بنى إسرائيل أخفوا بعضا، والأولى أن تكون للابتداء، فإن إنشاء العجل إنما هو من الحلى، ويجوز تعليق الثانية بمحذوف حال من عجلا. {عِجْلا} ولد البقرة، أى صورة مثله، قال فى عرائس القرآن: قال على بن أبى طالب: سمى العجل عجلا لأنهم تعجلوا إليه قبل رجوع موسى، وعن الحسن البصرى: اسمه ميمون {جَسداً} بدل أو نعت بدناً ذا لحم ودم عند بعض، وضعفه بعضهم بأن موسى بَرَده بالمبرد، وأجيب بأنه بعد ظهور الحق على يد موسى رجع إلى أصله، أو برد عظامه، وقيل: كان جسداً من الذهب خاليا من الروح، وزعم بعض أنه كان جسداً بلا رأس، فإن الجسد لغة ما عدى الرأس. {لهُ خُوارٌ} صوت كصوت البقر، وقرأ على بن أبى طالب: جوأر بالجيم والهمز، أى صياح، ويأتى فيه كلام فى طه، قال فى عرائس القرآن: لما ذهب موسى استخلف هارون، ولما مضى عشرون يوما قالوا: قد تم أربعون، وقد عدوا الليلة واليوم يومين، وقيل: لما مضى ثلاثون يوما قالوا: قد تم، وقال السامرى: إن موسى احتبس عنكم فينبغى أن نتخذ إلهاً، وإنما طمع فى ذلك من يوم مروا على العمالقة، وقالوا: يا موسى اجعل لنا إلهاً، فصاغ العجل من ذلك الحلى. وقيل: إنه لما انفصل موسى قال السامرى: إن حلى القبط الذى استعرتموه غنيمة لا يحل لكم فاجمعوه جميعا، واحفروا له حفرة، وادفنوه حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه، ففعلوا ذلك، وجاء بالقبضة التى قبضها من تحت حافر فرس جبريل، وهى أنثى بلقاء لا تصيب شيئا إلا جبى، جاء جبريل عليها بعد تمام الثلاثين، ومر عليهم إلى موسى، فرأى السامرى أثرها ينبت فى الحين، وقيل: قبض من أثرها يوم الغرق، إذ جاء خلف قوم موسى، وأمام قوم فرعون، وخطوها قدر مد البصر، إلا إذا أريد القصر. وروى أنها مركب الأنبياء، وأنها شمت خيل فرعون ريحا فخاضت بأثرها، فقال لهارون: اقذفها، فقال هارون: أقذفها بظنها حليا فقذفها فى الحلى، فصار عجلا بأمر الله، فقال ابن عباس: أوقد نارا وأمرهم أن يقذفوا فيها، وكان مطاعا فى بنى إسرائيل فقذفوا، فقال: كن عجلا جسدا له خوار فكان، كذلك للبلاء والفتنة. وروى أنه صاغه عجلا، فألقى فى فمه القبضة، وكان صائغاً، وأنه صاغه فى ثلاثة أيام، وقيل: إن الذى قال: إن الحلى غنيمة لا تحل لكم هو هارون ورصعه فى صوغه بالياقوت كأحسن ما يكون. وروى أنه كان من قوم يعبدون البقر، فأحب عبادة البقر، وأنه قال: أخلفكم موسى الموعد لتصرفكم فى هذا الحلى الذى فى أيديكم، وأن إبليس خار فى وسط العجل، وروى أنه جعل مؤخره إلى حائط وحفر وراءه حفرة أنزل فيها إنسانا، فوضع فى دبره، فكان الإنسان يتكلم، وقال السامرى: هذا إلهكم وإله موسى، فشبه على عباد بنى إسرائيل وجها لهم فأضلهم، وقال: إن موسى قد أخطأ ربكم فأتاكم ربكم، أراد أن يريكم أنه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، وأنه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه، وكان هنالك ستمائة ألف افتتنوا به وأحبوه حبا شديدا وعبدوه، إلا اثنى عشر ألفا، وقيل: إلا هارون قال الله سبحانه: {ألَم يَروْا أنَّه لا يُكلِّمهم} ويرد بهذا قول بعض أن إنسانا يتكلم من دبره، وقد مر ولو صح لقالوا إنه المتكلم أعنى العجل، فلا يقول الله ألم يروا أنه لا يكلمهم {ولا يَهْدِيهم سَبيلاً} فكيف يعبدون من لا يكلم ولا يرشد سبيلا، وإنما يعبد من كان يتكلم ويرشد، وخلق الأجسام والقوى والقدر: ولا تنتهى معلوماته وهو الله سبحانه بدلائل {اتَّخذوهُ وكانُوا ظالمِينَ} لأنفسهم، حيث أشغلوها بما يكون وبالا فى الدنيا والآخرة، أو واضعين الأشياء فى غير مواضعها على الإطلاق، فليس هذا بأول مناكيرهم، والواو عاطفة أو حالية بتقدير قد أو بدونه.

اطفيش

تفسير : {واتَّخَذَ} صاغ {قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ} بعد ذهابه إِلى الطور للمناجاة، وأخذه العهد منهم أَلاَّ يحدثوا فى الدين ولا يشركوا ومن للابتداء، وقيل زائدة بخلافها فى قوله: {مِنْ حُلِيِّهِمْ} فإِنها فيه للتبعيض لا لمعنى واحد، فصح تعلقها بعامل واحد بلا تبعية مع جواز تعلقه بمحذوف نعت لقوله {عِجْلاً} ولو نكرة لتأَخره، والأَصل حلوى - بضم الحاء واللام وإِسكان الواو - والإِعراب على الياء، قلبت الواو ياء، وأدغمت فى الياء، جمع حلى بفتح فإِسكان، و هو ما يتزين به من ذهب وفضة وغيرهما، استعاروه بأَمر الله حين أَرادوا الخروج من مصر، قبل غرق فرعون، وأَبقاه الله عز وجل ملكاً لهم، وليس غنيمة لأَنه بلا قتال، ولا تحل لهم الغنائم، وقيل استعاروه لعرس وأَحل الله عز وجل لهم أَن يملكوه بعد غرق فرعون وقومه كما ورثوا أَرضهم وسائر أَموالهم، وأَضافه إِليهم لملكهم إِياه بعد الغرق، والعجل ولد البقرة {جَسَدًا} مستقلا لا صورة منقوشة فى الحائط، بدل من عجلا لا نعت له، لأَنه جامد غير مؤول بمشتق إِلا أَن يسوغ ذلك بجعل له نعتاً رافعاً لخوار على الفاعلية فيكون من النعت الجامد لوصفه بمشتق، أَى جسداً ثابتاً له خوار، كقوله عز وجل "أية : بشراً سويا" تفسير : [مريم: 17] وأَجاز بعضهم عطف البيان فى النكرات {لَهُ خُوَارٌ} صوت البقر، يخور ويمشى عند السدى، أَو يخور ولا يتحرك عند وهب، وقيل يمشى، وكان لحماً ودماً، وإِذا خار سجدوا له حتى يسكت، وقيل خار مرة واحدة، ذبحه موسى عليه السلام، والذبح دليل اللحم والحياة، وكذا الخوار، وحرقه وأَلقاه فى البحر، صوره السامرى من الحلى، وكان حدادا مطاعا فى قومه، وأَلقى فيه أَو فى فمه من تراب أَثر فرس جبريل حين رأَى أَثره ينبت فى الحين، وقد سأَله قومه إِلهاً يعبدونه. وقيل: وقعت فيه قوة من جبريل وهو روح الحياة فحيى، وذلك بأَمر الله لا كلما مر بشئ، وإِنما شاهد أَثر الفرس حين جاءَ جبريل على صورة فرس أَنثى ليتبعه خيل فرعون وقومه، وكانت ذكوراً فيغرقوا، وأَمسكه عنده، أَو كان ذلك عند ذهابه إِلى الطور مع موسى، وظاهر ذلك أَنه عندهم إِله مستحدث، لا ما قيل أَنهم من أَهل الحلول، ادعوا حلول الله فى تلك الصورة، وأَنهم لذلك قالوا: وإِله موسى، وإِنما قالوه توهما أَو خداعاً، وقيل: الخوار مجاز صورى، وكذا العجل جعل فى جوفه أَنابيب على شكل مخصوص موجه للريح، فيخرج منه صوت كصوت البقر، وليس لحماً ولا دماً، وهو قول جمهور المعتزلة، ولو كان ذلك لما احتاج إِلى أَثر الرسول، إِلا أَن يقال: أَحدث فيه أَثر الرسول صوتاً كصوت البقر بلا حياة ولا انقلاب لحماً ودماً، ولا حاجة إِلى أَنابيب {أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} كما يتكلم الإِنسان، وكما كلم موسى ربه {وَلاَ يَهْدِيهِمْ} كما يهدى الإِنسان آخر، وكما هدى الله قوم موسى {سَبِيلاً} نفى للتعجب منهم، ومن إِخلالهم فى النظر ومن ضلالهم، إِذ جعلوه إِلهاً وعبدوه حتى أَنه يلزم على ذلك أَنه خالق للأَجسام والأَعراض مع أَنه لا يوجد منه كلام إِلا الخوار، ولا يرشدهم لسبيل {اتَّخَذُوهُ} صاغوه من الحلى فهو تأكيد لما سبق ذماً لهم، أَو اتخذوه إِلهاً {وَكَانُوا ظَالِمِينَ} عطف أَو حال، ومن شأْنهم الظلم بالذنوب لأَنفسهم ولغيرهم فلم يكن ذلك بدعا فيهم، والظلم أَيضاً النقص من الحق وأَيضاً وضع الشئ فى غير موضعه.

الالوسي

تفسير : {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد ذهابه إلى الجبل لمناجاة ربه سبحانه {مِنْ حُلِيّهِمْ} جمع حلي كثدي وثدي وهو ما يتخذ للزينة ويتحلى به من الذهب والفضة، والجار والمجرور متعلق باتخذ كمن بعده من قبله ولا ضير في ذلك لاختلاف معنى الجارين فإن الأول للابتداء والثاني للتبعيض، وقيل: للابتداء أيضاً، وتعلقه بالفعل بعد تعلق الأول به واعتباره معه، وقيل: الجار الثاني متعلق بمحذوف وقع حالاً مما بعده إذ لو تأخر لكان صفة له، وإضافة الحلي إلى ضمير القوم لأدنى ملابسة لأنها كانت للقبط فاستعاروها منهم قبيل الغرق فبقيت في أيديهم وقيل: إنها على ما يتبادر منها بناءً على أن القوم ملكوها بعد أن ألقاها البحر على الساحل بعد غرق القبط أو بعد أن استعاروها منهم وهلكوا. قال الإمام: روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون وقومه لعلمه أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط ليخرجوا خلفهم لأجل المال أو لتبقى أموالهم في أيديهم. واستشكل ذلك بكونه أمراً بأخذ مال الغير بغير حق، وإنما يكون غنيمة بعد الهلاك مع أن الغنائم لم تكن حلالاً لهم لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي أحلت لي الغنائم» تفسير : الحديث على أن ما نقل عن القوم في سورة طه [87] من قولهم: {أية : حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ}تفسير : يقتضي عدم الحل أيضاً. وأجيب بأن ذلك أن تقول: إنهم لما استعبدوهم بغير حق واستخدموهم وأخذوا أموالهم وقتلوا أولادهم ملكهم الله تعالى أرضهم وما فيها، فالأرض لله تعالى يورثها من يشاء من عباده، وكان ذلك بوحي من الله تعالى لا على طريق الغنيمة، ويكون ذلك على خلاف القياس وكم في الشرائع مثله، والقول المحكي سيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه، وهذه الجملة كما قال الطيبـي عطف على قوله سبحانه: {أية : وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ } تفسير : [الأعراف: 142] عطف قصة على قصة. وقرأ حمزة والكسائي {حليهم} بكسر الحاء اتباعاً لكسر اللام كدلي وبعض {حليهم} على الأفراد. وقوله سبحانه: {عِجْلاً} مفعول {ٱتَّخَذَ} بمعنى صاغ وعمل، أخر عن المجرور لما مر آنفاً، وقيل: إن {وَٱتَّخَذَ} متعد إلى اثنين وهو بمعنى صير والمفعول الثاني محذوف أي إلهاً، والعجل ولد البقر خاصة وهذا كما يقال لولد الناقة حوار ولولد الفرس مهر ولولد الحمار جحش ولولد الشاة حمل ولولد العنز جدي ولولد الأسد شبل ولولد الفيل دغفل ولولد الكلب جرو ولولد الظبـي خشف ولولد الأروية غفر ولولد الضبع فرعل ولولد الدب ديسم ولولد الخنزير خنوص ولولد الحية حربش ولولد النعام رأل ولولد الدجاجة فروج ولولد الفأر درص ولولد الضب حسل إلى غير ذلك، والمراد هنا ما هو على صورة العجل. وقوله تعالى: {جَسَداً} بدل من {عِجْلاً} أو عطف بيان أو نعت له بتأويل متجسداً، وفسر ببدن ذي لحم ودم، قال الراغب: الجسد كالجسم لكنه أخص منه، وقيل: إنه يقال لغير الإنسان من خلق الأرض ونحوه، ويقال أيضاً لما له لون والجسم لما لا يبين له لون كالهواء، ومن هنا على ما قيل قيل للزعفران الجساد ولما أشبع صبغه من الثياب مجسد، وجاء المجسد أيضاً بمعنى الأحمر، وبعض فسر الجسد به هنا فقال: أي أحمر من ذهب. {لَّهُ خُوَارٌ} هو صوت البقر خاصة كالثغار للغنم واليعار للمعز والنبيب للتيس والنباح للكلب والزئير للأسد والعواء والوعوعة للذئب والضباح للثعلب والقباع للخنزير والمؤاء للهرة، والنهيق والسحيل للحمار والصهيل والضبح والقنع والحنحمة للفرس والرغاء للناقة والصني للفيل والبتغم للظبـي والضعيب للأرنب والعرار للظليم والصرصرة للبازي والعقعقة للصقر والصفير للنسر والهدير للحمام والسجع للقمري والسقسقة للعصفور والنعيق والنعيب للغراب والصقاء والزقاء للديك والقوقاء والنقيقة للدجاجة والفحيح للحية والنقيق للضفدع والصيء للعقرب والفأرة والصرير للجراد إلى غير ذلك. وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ {جؤار} بجيم مضمومة وهمزة، وهو الصوت الشديد، ومثله الصياح / والصراخ. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً مقدماً و {خُوَارٌ} مبتدأ، والجملة في موضع النعت لعجلاً. روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فصار حياً، وذكر بعضهم في سر ذلك أن جبريل عليه السلام لكونه الروح الأعظم سرت قوة منه إلى ذلك التراب أثرت ذلك الأثر بإذن الله تعالى لأمر يريده عز وجل، ولا يلزم من ذلك أن يحيا ما يطؤه بنفسه عليه السلام لأن الأمر مربوط بالإذن وهو إنما يكون بحسب الحكم التي لا يعلمها إلا الحكيم الخبير فتدبر. وإلى القول بالحياة ذهب كثير من المفسرين، وأيد بأن الخوار إنما يكون للبقر لا لصورته، وبأن ما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة طه [88] كالصريح فيما دل عليه الخبر. وقال جمع من مفسري المعتزلة: إن العجل كان بلا روح وكان السامري قد صاغه مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على شكل مخصوص وجعله في مهب الريح فكانت تدخل في تلك الأنابيب فيسمع لها صوت يشبه خوار العجل ولذلك سمي خواراً. وما في طه سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام فيه. واختلف في هذا الخوار فقيل: كان مرة واحدة، وقيل: كان مرات كثيرة، وكانوا كلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وعن السدي أنه كان يخور ويمشي. وعن وهب نفي الحركة، والآية ساكتة عن إثباتها، وليس في الأخبار ما يعول عليه فالتوقف عن إثبات المشي أولى، وليست هذه المسألة من المهمات، وإنما نسب الاتخاذ إلى قوم موسى عليه السلام وهو فعل السامري لأنهم رضوا به وكثيراً ما ينسب الفعل إلى قوم مع وقوعه من واحد منهم فيقال: قتل بنو فلان قتيلاً والقاتل واحد منهم، وقيل: لأن المراد اتخاذهم إياه إلهاً، فالمعنى صيروه إلهاً وعبدوه، وحينئذٍ لا تجوز في الكلام لأن العبادة له وقعت منهم جميعاً. قال الحسن: كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه السلام، واستثنى آخرون غيره معه، وعلى القول الأول قيل: لا بد من تقدير فعبدوه ليكون ذلك مصب الإنكار لأن حرمة التصوير حدثت في شرعنا على المشهور ولأن المقصود إنكار عبادته. {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} تقريع لهم وتشنيع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر، أي ألم يروا أنه لا يقدر على ما يقدر عليه آحاد البشر من الكلام وإرشاد السبيل بوجه من الوجوه فكيف عدلوه بخالق الأجسام والقوى والقدر، وجعله بعضهم تعريضاً بالإله الحق وكلامه الذي لا ينفد وهدايته الواضحة التي لا تجحد، وقيل: إنه تعريض بالله تعالى وبكلامه مع موسى عليه السلام وهدايته لقومه {ٱتَّخَذُوهُ} تكرار لجميع ما سلف من الاتخاذ على الوجه المخصوص المشتمل على الذم، وهو من باب الكناية على أسلوب:شعر : أن يرى مبصر ويسمع واع تفسير : أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر. {وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ} اعتراض تذييلي أي إن دأبهم قبل ذلك الظلم ووضع الأشياء في غير موضعها فليس ببدع منهم هذا المنكر العظيم، وكرر الفعل ليبني عليه ذلك، وقيل: الجملة في موضع الحال أي اتخذوه في هذه الحالة المستمرة لهم.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : وواعدنا موسى}تفسير : [الأعراف: 142] عطَف قصة على قصة، فذكر فيما تقدم قصة المناجاة، وما حصل فيها من الآيات والعبر، وذكر في هذه الآية ما كان من قوم موسى، في مدة مغيبه في المناجاة، من الإشراك. فقوله: {من بعده} أي من بعد مغيبه، كما هو معلوم من قوله: {أية : ولما جاء موسى لميقاتنا}تفسير : [الأعراف: 143] ومن قوله: {أية : وقال موسى لأخيه هارون اخلفْني في قومي} تفسير : [الأعراف: 142]. وحَذْفُ المضاف مع «بَعْد» المضافةِ إلى اسم المتحّدث عنه شائع في كلام العرب، كما تقدم في نظيرها من سورة البقرة. و(مِن) في مثله للابتداء، وهو أصل معاني (مِن) وأما (مِن) في قوله: {من حليَّهم} فهي للتبعيض. والحُلّي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد المثناة التحتية، جمع حَلْي، بفتح الحاء وسكون اللام وتخفيف التحتية، ووزن هذا الجمع فُعول كما جمع ثدْي، ويجمع أيضاً على حِلي، بكسر الحاء مع اللام، مثل عِصي وقِسي اتباعاً لحركة العين، وبالأول قرأ جمهور العشرة، وبالثاني حمزة، والكسائي، وقرأ يعقوب حَلْيهم بفتح الحاء وسكون اللام على صيغة الإفراد، أي اتخذوا من مصوغهم وفي التوراة أنهم اتخذوه من ذهب، نزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائِهم وبناتهم وبنيهم. والعجل ولد البقرة قبل أن يصير ثَوْراً، وذكر في سورة طه أن صانع العجل رجل يقال له السامري، وفي التوراة أن صانعه هو هارون، وهذا من تحريف الكلم عن مواضعه الواقع في التوراة بعد موسى، ولم يكن هارون صائِغاً، ونسب الاتخاذ إلى قوم موسى كلهم على طريقة المجاز العقلي، لأنهم الآمرون باتخاذه والحريصون عليه، وهذا مجاز شائِع في كلام العرب. ومعنى اتخذوا عِجلاً صورة عِجْل، وهذا من مجاز الصورة، وهو شائِع في الكلام. والجسد الجسم الذي لا روح فيه، فهو خاص بجسم الحيوان إذا كان بلا روح، والمراد أنه كجسم العجل في الصورة والمقدار إلاّ أنه ليس بحي وما وَقع في القصص: إنه كان لحماً ودماً ويأكل ويشرب، فهو من وضع القصاصين، وكيف والقرآنِ يقول: {من حُليهم}، ويقول: {له خوار}، فلو كان لحماً ودماً لكان ذكره أدخل في التعجيب منه. والخُوار بالخاء المعجمة صوت البقر، وقد جعل صانع العجل في باطنه تجْويفاً على تقدير من الضيق مخصوص، واتخذ له آلة نافخة خفية، فإذا حركت آلة النفخ انضغط الهواء في باطنه، وخرج من المضيق، فكان له صوت كالخوار، وهذه صنعة كصنعة الصفارة والمزمار، وكان الكنعانيون يجعلون مثل ذلك لصنعهما المسمى بعْلاً. و{جسداً} نعت لــــ {عجلاً} وكذلك {له خوار}. وجملة: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً؛ لبيان فساد نظرهم في اعتقادهم. والاستفهام للتقرير وللتعجيب من حالهم، ولذلك جعل الاستفهام عن نفي الرؤية، لأن نفي الرؤية هو غير الواقع من حالهم في نفس الأمر، ولكن حالهم يشبه حال من لا يرون عدم تكليمه، فوقع الاستفهام عنه لعلهم لم يروا ذلك، مبالغة، وهو للتعجيب وليس للإنكار، إذ لا ينكر ما ليس بموجود، وبهذا يعلم أن معنى كونه في هذا المقام بمنزلة النفي للنفي إنما نشأ من تنزيل المسؤول عنهم منزلة من لا يرى، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم} تفسير : في سورة البقرة (243). والرؤية بصرية، لأن عدم تكليم العجل إياهم مشاهد لهم، لأن عدم الكلام يرى من حال الشيء الذي لا يتكلم، بانعدام آلة التكلم وهو الفم الصالح للكلام، وبتكرر دعائهم إياه وهو لا يجيب. وقد سفه رأي الذين اتخذوا العجل إلاهاً، بأنهم يشاهدون أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً، ووجه الاستدلال بذلك على سفه رأيهم هو أنهم لا شبهة لهم في اتخاذه إلاهاً بأن خصائصه خصائص العجماوات، فجسمه جسم عجل، وهو من نوع ليس أرقى أنواع الموجودات المعروفة، وصوته صوت البقر، وهو صوت لا يفيد سامعه، ولا يبين خطاباً، وليس هو بالذي يهديهم إلى أمر يتبعونه حتى تغني هدايتهم عن كلامه، فهو من الموجودات المنحطة عنهم، وهذا كقول إبراهيم {أية : فاسْألوهم إن كانوا ينطقون}تفسير : [الأنبياء: 63] فماذا رأوا منه مما يستأهل الإلهية، فضلاً على أن ترتقي بهم إلى الصفات التي يستحقها الإله الحق، والذين عبدوه أشرف منه حالاً وأهدى، وليس المقصود من هذا الاستدلال على الألوهية بالتكليم والهداية، وإلا للزم إثبات الإلهية لحكماء البشر. وجملة: {اتخذوه} مؤكدة لجملة {واتخذ قوم موسى} فلذلك فصلت، والغرض من التوكيد في مثل هذا المقام هو التكرير لأجل التعجيب، كما يقال: نَعمْ اتخذوه، ولتبنى عليه جملة {وكانوا ظالمين} فيظهرَ أنها متعلقة باتخاذ العجل، وذلك لبعد جملة: {واتخذ قوم موسى} بما وليها من الجملة وهذا كقوله: {أية : وليكتب بينكم كاتب بالعدل} تفسير : [البقرة: 282] ــــ إلى قوله ــــ {أية : فليكتب}تفسير : [البقرة: 282] أعيد فليكتب لتُبنى عليه جملة: {أية : وليُملل الذي عليه الحق}تفسير : [البقرة: 282]، وهذا التكرير يفيد معَ ذلك التوكيدَ وما يترتب على التوكيد. وجملة: {وكانوا ظالمين} في موضع الحال من الضمير المرفوع في قوله: {اتخذوه} وهذا كقوله في سورة البقرة (51) {أية : ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ}. بين في هذه الآية الكريمة سخافة عقول عبدة العجل، ووبخهم على أنهم يعبدون ما لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً، وأوضح هذا في "طه" بقوله: {أية : أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} تفسير : [طه: 89] الآية، وقد قدمنا في سورة "البقرة" أن جميع آيات اتخاذهم العجل إلهاً حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً} الآية. أي اتخذوه إلهاً، وقد قدمنا أن النكتة في حذفه دائماً التنبيه: على أنه لا ينبغي التلفظ بأن عجلاً مصطنعاً من جماد إله، وقد أشار تعالى إلى هذا المفعول المحذوف دائماً في "طه" بقوله: {أية : فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 88].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من حليهم: جمع حلي وهو ما تتحلى به المرأة لزوجها من أساور ونحوها من ذهب. عجلاً جسداً: العجل ولد البقرة والجسد أي ذاتا لا مجرد صورة على ورق أو جدار. له خوار: الخوار صوت البقر كالرغاء صوت الإبل. ولما سقط في أيديهم: أي ندموا على عبادته لأنها عبادة باطلة. معنى الآيات: هذا عود إلى قصص موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل، فقد كان السياق مع موسى في جبل الطور وطلبه الرؤية وتوبته من ذلك ثم اعترض السياق ببيان القاعدة العظيمة في تعليل هلاك العباد وبيان سببه وهو التكذيب بآيات الله المنزلة والغفلة عنها، ثم عاد السياق لقصص موسى مع بني إسرائيل فقال تعالى {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد غيبته في جبل الطور لمناجاة ربه وليأتي بالكتاب الحاوي للشريعة التي سيسوسهم بها موسى ويحكمهم بموجبها ومقتضى قوانينها اتخذوا {مِنْ حُلِيِّهِمْ} أي حلي نسائهم {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} وذلك أن السامري طلب من نسائهم حليهم بحجة واهية: أن هذا الحلي مستعار من نساء الأقباط ولا يحل تملكه فاحتال عليهم وكان صائغاً فصهره وأخرج لهم منه {عِجْلاً جَسَداً} أي ذاتاً {لَّهُ خُوَارٌ} أي صوت كصوت البقر، وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه ولم يقل وإله هارون لأن هارون كان معهم خليفة فخاف أن يكذبه هارون فلم ينسبه إليه، وقوله تعالى {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} توبيخ لهم وتقريع على غباوتهم وجهلهم، وإلا كيف يعتقدون إلهاً وهو لا يتكلم فيكلمهم ولا يعقل فيهديهم سبيل الرشد إن ضلوا وقد ضلوا بالفعل ثم قال تعالى {ٱتَّخَذُوهُ} أي إلهاً {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} في ذلك، لأن الله رب موسى وهارون والعالمين لم يكن عجلاً ولا مخلوقاً كائناً من كان فما أجهل القوم وما أسوأ فهمهم وحالهم. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [148] وأما الآية الثانية [149] فقد أخبر تعالى عن حالهم بعد انكشاف الأمر لهم، وبيان خطئهم فقال تعالى {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} أي ندموا ندماً شديداً ورأوا أنهم بشركهم هذا قد ضلوا الطريق الحق والرشد، صاحوا معلنين توبتهم {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا} أي هذا الذنب العظيم {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} في الدار الآخرة فنكون من أصحاب الجحيم. هداية الآيتين من هداية الآيتين: 1- بيان سنة من سنن الكون وهي أن المرء يتأثر بما يرى ويسمع، والرؤية أكثر تأثيراً في النفس من السماع فإن بني إسرائيل رؤيتهم للأبقار الآلهة التي مروا بأهل قرية يعكفون عليها وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً مثلها هو الذي جعلهم يقبلون عجل السامري الذي صنعه لهم، ومن هذا كان منظر الأشياء في التلفاز وشاشات الفيديو مؤثراً جداً وكم أفسد من عقول ولوث من نفوس، وأفسد من أخلاق. 2- تقبيح الغباء والجمود في الفكر، وذلك لقول الله تعالى {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ}. 3- إذا أراد الله بعبده خراً ألهمه التوبة بعد المعصية فندم واستغفر.

القطان

تفسير : الحلي: بضم الحاء وقرئ بكسرها، مفردها حَلْي وهو كل ما يتُزين به من المصوغات المعدنية والحجارة الكريمة. العجل: ولد البقرة. له خوار: له صوت البقر. سُقِط في أيديهم: ندموا، وهذا من تعابير القرآن الكريم البليغة. بعد ان ذكر الله خبر مناجاة موسى واصطفاءه له بالرسالة، وأمرَه إياه ان يأخذ الالواح بقوة - بين هنا ما حدث اثناء غياب موسى عن قومه، حيث بدّلوا الوثنية بديانتهم. لقذ ذهب موسى الى الجبل لمناجاة ربه، فما أسرع ما اتخذ قومه من مصوغاتهم وزينتهم جسماً على صورة عجلٍ من الحيوان، لا يعقل، له صوت كصوت البقر، كان قد صنعه لهم السامريُ وأمرهم بعبادته. لقد عَمُوا، فلم يروا حين عبدوه انه لا يكلمهم ولا يقدر على هاديتهم الى طريق الصواب! ومع هذا فقد اتخذوه إلهاً لهم، وبذلك ظلموا أنفهسم باقترافهم مثل هذا العمل الشنيع. ولما شعروا بزلتهم وخطيئتهم، تحيَّروا فيما يفعلون، وندموا اشد الندم وتبيّنوا ضلالهم، وقالوا: واللهِ لئن لم يتبْ علينا ربنا، لنكوننّ من الذين خسروا سعادة الدنيا والآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ظَالِمِينَ} (148) - وَبَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ مُوسَى لِميقَاتِ رَبِّهِ، فَتَنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ سَامِريٌّ، خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَزَيَّنَ السَّامِرِيُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ عِبَادَةَ العِجْلِ، فَصَنَعَ لَهُمْ تِمْثَالاً عَلَى صُورَةِ عِجْلٍ مِنَ الحُلِيِّ التِي أَخْرَجُوهَا مَعَهُمْ مِنْ مِصْرَ (وَهِيَ حُلِيٌّ كَانُوا اسْتَعَارُوهَا مِنَ القِبْطِ وَهَرَبُوا بِهَا)، وَكَانَ هذَا التِّمْثَالُ إِذَا هَبّتِ الرِّيحُ دَخَلَتْ فِي جَوْفِهِ وَصَدَرَ عَنْ مُرُورِها صَوْتٌ كَخُوارِ البَقَرِ، فَافْتَتَنَ بَنُو إِسْرائيلَ بِهذا العِجْلِ، وَعَكَفُوا عَلَى عِبَادَتِهِ وَالطَّوافِ بِهِ. وَيُوَبِّخُهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى اتِّخَاذِهِمُ العِجْلَ رَبّاً، وَيَسْتَسْخِفُ تَصَرُّفَاتِهِمْ هذِهِ، لأَِنَّهُمْ اتَّخَذُوا إِلهاً لَهُمْ عِجْلاً لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يُرْشِدُهُمْ إلى جَنَّةٍ، وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً، وَتَرَكُوا عِبَادَةِ اللهِ، خَالِقِ السَّماواتِ والأَرضِ، الذي أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَقَدْ فَعَلُوا ذلِكَ وَهُمْ ظَالِمُونَ لأَِنْفُسِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد انطلاقه إلى الجبل {مِنْ حُلِيِّهِمْ} التي استعاروها من قوم فرعون. وكانت بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية في الإسلام، وكان لهم يوم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فزامن ذلك عيدهم فاستعادوا الحلي للقبط فلما أخرجهم الله من مصر وغرق فرعون بقيت تلك الحلي في أيديهم فاتخذ السامري منها عجلاً وهو ولد البقر {عِجْلاً جَسَداً} مجسّد لا روح فيه. وقال وهب: جسداً لحماً ودماً {لَّهُ خُوَارٌ} وهو صوت البقر خار خورة واحدة ثمّ لم تعد. وقال وهب: كان يسمع منه الخوار إلاّ أنّه لا يتحرك. وقرأ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه: خوار بالجيم والهمز وهو الصوت أيضاً واختلفت القراء في قوله [حليهم]، فقرأ يعقوب بفتح الحاء وجزم اللام وتخفيف الياء على الواحد. وقرأ حمزة والكسائي: حليّهم بكسر الحاء وتشديد الياء، الباقون بضم الحاء وهما لغتان مثل [صلى] وجثى وبكى [وعثى] يجوز فيها الكسر والضم {أَلَمْ يَرَوْاْ} يعني الذين عبدوا العجل من دون الله {أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} قال الله {ٱتَّخَذُوهُ} عبدوه واتخذوه إلهاً {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} كافرين {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} أي ندموا على عبادة العجل وهذا من فصيحات القرآن. والعرب تقول لكل نادم أو عاجز عن شيء: سقط في يديه وأسقط، وهما لغتان وأصله من [الاستئسار] وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره فيكتفه، والمرمي فيه مسقوط في يد الساقط. {وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} يتب علينا ربنا {وَيَغْفِرْ لَنَا} ويتجاوز عنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} بالعقوبة {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً} قال أبو الدرداء: الأسف منزلة وراء الغضب أشد منه، وقال ابن عباس والسدي: [رجع حزيناً من صنيع قومه] قال الحسن بن غضبان: حزيناً {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيۤ} أي بئس الفعل فعلتم بعد ذهابي، يقال: منه خلفه بخير أو شر إذا ألاه في أهله أو قومه بعد شخوصه عليهم خيراً أو شراً. {أَعَجِلْتُمْ} أسبقتم {أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} غضباً على قومه حين عبدوا العجل، وقال قتادة: إنّما ألقاها حين سمع من فضائل أُمّة محمد صلى الله عليه وسلم وفي الألواح: قال: يا رب اجعلني من أُمّة محمد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يرحم الله أخي موسى ما المخبر كالمعاين لقد أخبره الله بفتنة قومه فعرف أنّ ما أخبره الله حق وأنه على ذلك لمتمسّك بمّا في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم فغضب وألقى الألواح ". تفسير : قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع فلمّا ألقى الألواح تكسرت فوقع منها ستة أسباع وبقي سبع وكان فيها رُقع موسى وفيما بقي الهدى والرحمة {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} أي لحيته وذقنه {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} وكان هرون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب {قَالَ} هرون عند ذلك يا {ٱبْنَ أُمَّ} قرأ [أهل] الكوفة بكسر الميم هاهنا وفي طه أراد يا بن أُمي فحذف ياء الإضافة، لأنه مبنى النداء على الحذف وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الاضافة كقوله {أية : يٰعِبَادِ}تفسير : [الزمر: 10] [الزمر: 16] [الزخرف: 68] يدل عليه، قراءة ابن السميقع: يا ابن أُمي بإثبات الياء على الأصل، وقرأ الباقون بفتح الميم فهما على معنى يا ابن اُماه جعل أصله إسماً واحداً وبناه على الفتح كقولهم: حضرموت وخمسة عشر ونحوهما. {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} باتخاذهم العجل {وَكَادُواْ} يعني همّوا وقاربوا {يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ} بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء قرأه العامّة وقرأ مالك بن دينار فلا تشمت {بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} بفتح التاء والميم الأعداء رفع {وَلاَ تَجْعَلْنِي} في [موعدتك] عليّ وعقوبتك لي {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ} يعني أصحاب العجل {قَالَ} موسى لمّا تبيّن له عذر أخيه {رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} ما صنعت إلي {وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا} جميعاً أنا وأخي {فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ * إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ} في الآخرة {وَذِلَّةٌ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا} قال أبو العالية: هو ما أُمروا به من قتل أنفسهم. وقال عطيّة العوفي: أراد سينالهم أولادهم [الكبير] كابراً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب وذُلّة في الحياة الدنيا، وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليتهم متخذي العجل ورضاهم به، وقال ابن عباس: هو الجزية. {وَكَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُفْتَرِينَ} الكاذبين قال أبو قلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة، قال يذله الله عزّ وجلّ. وسمعت أبا عمرو الفراتي سمعت أبا سعيد بكر بن أبي عثمان الخيري سمعت السراج سمعت سوار بن عبد الله الغزّي سمعت أبي يقول: قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلاّ [وتجد فوق] رأسه ذلّة ثمّ قرأ {إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} الآية يعني المبتدعين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وقوله: {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد ذهابه لميقات ربه بعد أن قال لهارون: {ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي}. بعد ذلك اتخذ قوم موسى من حليهم عجلاً جسداً له خُوار، ونعرف أن الحلي هو ما يُتَزين به من الذهب، والجواهر والأشياء الثمينة، وسيد هذه الحلي هو الذهب دائماً، ونعلم أن الصائغ الماهر يشكل الذهب كما يريد، وإن انكسر يسهل إصلاحه، كما أن كسر الذهب بطيء، ولذلك يقال: إن الذهب كالإِنسان الطيب، كسره بطيء، واجباره سهل. وساعة نسمع كلمة "زينة" قد يدخل فيها الماس والزمرد، والياقوت، لكن الذهب سيد هذه الحلي. ونعلم أن العالم مهما ارتقى، فلن يكون هناك رصيد لأمواله إلا الذهب، ولذلك لم يأت سبحانه بالياقوت، أو بالجواهر، أو بالماس. ولذلك إذا أطلقت كلمة "الحلي" فالمراد بها الذهب. وهذه الزينة هي التي صنع منها موسى السامري تمثال العجل، وبطبيعة الحال أخذ الحلي الذهبية لأن الماس والجواهر لا يمكن صهرها. لكن من أين جاء قوم موسى بالحلي وقد كانوا مستضعفين، ومستذلين؟ لقد احتالوا على أهل مصر وأخذوا منهم الحلي كسلفة سيردونها من بعد ذلك. ثم جاء رحيلهم فأخذوا الحلي معهم! وغرق قوم فرعون وبقيت الحلي مع قوم موسى، وصنع موسى السامري من ذهب هذه الحلي عجلاً، والعجل هو الذكر من ولد البقر، وساعة تسمع قوله: {عِجْلاً جَسَداً} أي أنه مُحَجَّم، أي له حجم واضح. وأخذ أهل التفسير من كلمة "جسداً" أن ذلك العجل هو بدن لا روح له، مثلما نقول: "فلان هذا مجرد جثة". أي كأنه جثة بلا روح. وقوله الحق: {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ}، هذا القول يدل على أن جسدية العجل لم تكن لها حياة؛ لأنه لو كان جسداً فيه روح لما احتاج إلى أن يقول عجلاً جسداً له خوار، ولاكتفي بالقول بأنه عجل. لكن قوله سبحانه: {لَّهُ خُوَارٌ} دليل على أن الجسدية في العجل لا تعطي له الحياة. وجاء بالوصف في قوله: {لَّهُ خُوَارٌ} والخُوار هو صوت البقر. وقد صنعه من الذهب وكأنه يريد أن يتميز عن الآلهة التي كانت من الأحجار، وحاول أن يجعله إلهاً نفيساً، فصنعه - كما نعرف - من الحلي المسروقة، وصنعه بطريقة أن هذا العجل الجسد إذا ما استقبل من دبره هبة الهواء؛ صنعت وأحدثت في جوفه صوتاً يشبه صوت وخوار البقر الذي يخرج من فمه، وهذه المسألة نراها في الناي وهو أنبوبة من القصب مما يسمى الغاب البلدي وتصنع به ثقوب، ويعزف عليه العازف ليخرج منه النغمة التي يريدها. وحين صنع موسى السامري العجل بهذه الحيلة، حدث هذا الصوت مشابها لخوار البقر. وقصة هذا العجل تأتي في سورة طه بوضوح وسنتعرض لها حين نتعرض بخواطرنا الإِيمانية لسورة طه بإذن الله: {...عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] ولماذا اختار السامري العجل؟ لأنهم حين خروجهم من مصر، رأوا قدماء المصريين وهم يعبدون العجل لمزية فيه، فقد كانوا يرون فيه مظهر قوة، كما عبد الآخرون الشمس حين رأوا فيها مظهر قوة، وكذلك من عبدوا القمر، والنجوم. وقدماء المصريين عبدوا العجل لأن فيضان النيل كان يغمر الأرض بالمياه، وكانوا يستخدمون العجل. حين يريدون حرث الأرض. وكان أَيِّدًا، أي قويًّا وشديداً في حرث الأرض وهذا مظهر من مظاهر القوة، ولكن كيف اتخذ قوم موسى من بعده عجلاً يعبدونه بعد أن أتم عليهم الله المنة العظيمة حين أنجاهم وأغرق فرعون وآله؟. وهنا أوضح لنا الله أنه جاوز ببني إسرائيل البحر ومروا على قوم يعبدون الأصنام؛ فقالوا لموسى عليه السلام: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ويأتي القول من الحق: {... أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] وهذه قضية تهدم كل عبادة دون عبادة الله؛ لأن العبد لابد أن يتلقى من المعبود أوامر، وأن يكون عند المعبود منهج يريد من العبد أن ينفذه، وأن يأتي المنهج بواسطة رسل يبلغون رسالات الله وكلام الله للبشر. أما الذين يعبدون الشمس - مثلاً - فنسألهم: لماذا تعبدونها؟ وما المنهج الذي أرسلته الشمس لكم؟. إن العبادة هي طاعة العابد للمعبود في "افعل" و"لا تفعل" فهل قالت لكم الشمس "افعلوا" و"لا تفعلوا"؟ لا؛ لأنه لا توجد واسطة كلامية تقول لكم المنهج، وكيف يوجد - إذن - معبود بدون منهج للعابد؟ وهل قالت: إن من يعبدني سأشرق عليه، وأعطيه الضوء والحرارة، ومن لا يعبدني فلن أعطيه شيئاً من ذلك؟ لم تقل الشمس ذلك فهي تعطي من آمن بها ومن كفر، ولم ترسل خبراً عن الآخرة وقيام القيامة. وهكذا يبطل أمامنا كل عبادة لغير الله من ناحية أن العبادة تقتضي أمراً ونهيا، في "افعل" و"لا تفعل" ولم يقل معبود من هؤلاء ما الذي نطيعه وما الذي نعصاه. والأصل في المعبود أنه يهدي العابد السبيل الموصل إلى خيره في الدنيا وفي الآخرة. لذلك يقول الحق: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ}. و{وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} لأنهم أعطوا حقًّا لمن ليس له الحق، والحق سبحانه أعلى قمة في الحق، ولذلك قال عن الشرك به: {إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {خُوَارٌ} معناهُ لَهُ صوتٌ.

الأندلسي

تفسير : {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ} إن كان الاتخاذ بمعنى اتخاذه إلهاً معبوداً فصح نسبته إلى القوم وذكر أنهم كلهم عبدوه غير هارون ولذلك قال: رب اغفر لي ولأخي. فقيل: إنما عبده قوم منهم لا جميعهم، لقوله: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 159]، وإن كان بمعنى العمل كقوله تعالى: {أية : كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً}تفسير : [العنكبوت: 41]، أي عملت وصنعت. فالمتخذ إنما هو السامري واسمه موسى بن ظفر من قرية تسمى سامرة ونسب ذلك إلى قوم موسى مجازاً كما قالوا بنو تميم قتلوا فلاناً وإنما قتله واحد منهم ولكونهم راضين بذلك. ومعنى: {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد مضيه للمناجاة. و{مِنْ حُلِيِّهِمْ} متعلق باتخذو بها يتعلق بمن بعده وإن كانا حرفي جر بلفظ واحد وجاز ذلك لاختلاف مدلوليهما لأن من الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض. وقرىء: من حُليّهم مفرداً ومن حليهم جمعاً وأصله حلوى على وزن فعول فاجتمعت واو وياء وأدغمت فيها ثم كسر ما قبلها لنصح الياء ثم أتبعت حركة الماء لحركة اللام فقيل: حلى، كما قالوا: عصى. والعجل ولد البقرة القريب الولادة. ومعنى: {جَسَداً} جثة جماداً ليس مصوراً بالخط في حائط ولا رقماً في ثوب وكان ذلك بسبب ما كان تقدم من أنهم مروا بقوم يعبدون البقر فقالوا تلك المقالة الشنيعة. {لَّهُ خُوَارٌ} ظاهره أنه قامت به الحياة ولذلك كان له خوار. وقيل: ولما صنعه السامري أجوف تحيل لتصويته بأن جعل في جوفه أنابيب على شكل مخصوص وجعله في مهب الرياح فتدخل في تلك الأنابيب فيظهر له صوت يشبه الخوار فإِذا خار سجدوا وإذا سكت رفعوا. {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} إن كان اتخذ بمعنى عمل وصنع فلا بد من تقدير محذوف يترتب عليه هذا الإِنكار وهو فعبدوه وجعلوه إلهاً لهم وإن كان المحذوف إلهاً أي اتخذوا عجلاً جسداً له خوار إلهاً فلا يحتاج إلى حذف جملة، وهذا استفهام إنكار حيث عبدوا جماداً أو حيواناً عاجزاً عليه آثار الصنعة لا يمكن أن يتكلم ولا يهدي. وقد ركز في العقول أن من كان بهذه المثابة استحال أن يكون إلهاً وهذا نوع من أنواع البلاغة يسمى الاحتجاج النظري وبعضهم يسميه المذهب الكلامي. والظاهر أن يروا بمعنى يعلموا وسلب تعالى عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإِلهية لأن انتفاء التكليم يستلزم انتفاء العلم وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتفاء القدرة وانتفاء هذين الوصفين وهما العلم والقدرة يستلزمان انتفاء باقي الأوصاف فلذلك خص هذان الوصفان بانتفائهما. {ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} أي أقدموا على ما أقدموا عليه من هذا الأمر الشنيع وكانوا واضعين الشىء في غير موضعه أي من شأنهم الظلم فليسوا مبتكرين وضع الشىء في غير موضعه. {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} قال الزمخشري: لما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعضّ يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه قد وقع فيها وسقط مسند إلى، في أيديهم وهو من باب الكناية. "انتهى". وأصل السقوط الوقوع من علو. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} إنقطاع إلى الله تعالى واعتراف بعظيم ما أقدموا عليه، ولما كان هذا الذنب وهو اتخاذ غير الله إلهاً أعظم الذنوب بدأوا بالرحمة التي وسعت كل شىء ومن نتائجها غفران الذنب. {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ} الآية أخبره تعالى قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل فلذلك رجع وهو غاضب. ويدل على هذا القول قوله تعالى: {أية : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} تفسير : [طه: 85]. وغضبان صيغة مبالغة، والغضب غليان في القلب بسبب حصول ما يؤلم. و{أَسِفاً} حزيناً. والفعل من أسف يأسف. {قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي} تقدم الكلام على بئسما في أوائل البقرة. ومعنى: {مِن بَعْدِيۤ} أي من بعد انفصالي عنكم للمناجاة ذمهم على عبادة غير الله تعالى. و{أَعَجِلْتُمْ} استفهام إنكار. يقال: عجل عن الأمر، إذا تركه غير تام، وأعجله عنه غيره، والمعنى أعجلتم أمر ربكم وهو انتظار موسى عليه السلام حافظين لعهده وما وصاكم به. و{أَلْقَى ٱلأَلْوَاحَ} أي ألواح التوراة وكان حاملاً لها فوضعها بالأرض غضباً على ما فعله قومه من عبادة العجل وحمية لدين الله تعالى. والظاهر أنه أخذ برأسه أي أمسك رأسه جارَّه إليه. والظاهر أن سبب هذا الأخذ هو غضبه على أخيه وكيف عبدوا العجل وهو قد استخلفه فيهم وأمره بالإِصلاح وأن لا يتبع سبيل من أفسد وكيف لم يكفهم عن ذلك. {قَالَ ٱبْنَ أُمَّ} ناداه نداء استعطاف وترفق وكان شقيقه وهي عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأم كما قال: شعر : يا ابن أمي ويا شُقيّق نفسي أنت خلفتني لدهر شديد تفسير : وقرىء: بكسر الميم اجتزاء بالكسرة عن الياء إذ أصله يا ابن أمي. وقرىء: يا ابن أمّ بفتح الميم اجتزاء بالفتحة عن الألف إذ أصله يا ابن أمّا والألف منقلبة عن ياء المتكلم كما قال: شعر : يا ابنة عما لا تلوحي واهجعي تفسير : يريد ابنة عمي. ومعنى: {ٱسْتَضْعَفُونِي} وجدوني ضعيفاً ولما أبدى له ما كان منهم من الاستشعاف له ومقاربة قتلهم إياه سأله ترك ما يسرهم بفعله، فقال: {فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ ٱلأَعْدَآءَ} أي لا تسرهم بما تفعل بي فأكون ملوماً منهم ومنك. قال الشاعر: شعر : والموت دون شماتة الأعداء تفسير : {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي} لما اعتذر إليه أخوه استغفر لنفسه وله. قالوا: واستغفاره لنفسه بسبب فعلته مع أخيه وعجلته في إلقاء الألواح، واستغفاره لأخيه من فعلته في الصبر لبني إسرائيل.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من جملة الأسباب الموجبة لإحباط أعمالهم: اتخاذهم العجل إلهاً، وذلك أنه {ٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد ذهابه إلى الميقات عنده ربه {مِنْ حُلِيِّهِمْ} التي ورثوها من القبط بتعليم السامري أياهم {عِجْلاً} صورة عجل، وبعدها أذابوا الحلي وصاغوها ألغى السامري عليها ما قبض من تراب حافر فرس جبريل فصارت {جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} صوت كصوت البقر، فقال السامري: هذا إلهكم وإله موسى فاتخذوها إلهاً، مع أنهم صاغوها بأيديهم من حليهم، أيأخذون العجل المصنوع إلهاً أولئك الهالكون في تيه الغفلة والنسيان. {أَلَمْ يَرَوْاْ} أي: لم يعلموا ولم يتفطنوا {أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ} أي: المصوغ المصنوع لا يكلمهم بكلامٍ دال على إصلاح حالهم {وَلاَ يَهْدِيهِمْ} ويرشدهم {سَبِيلاً} أي: الخير والصواب حتى يستحق للعبودية، بل {ٱتَّخَذُوهُ} معبوداً ظلماً وزوراً {وَكَانُواْ} في أنفسهم {ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] خارجين مجاوزين عن مقتضى العقل والنقل. {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ} أي: ظهر ندمهم عن فعلهم، واشتد فيهم تجهيل نفوسهم وتخطئة عقولهم، ولاح عندهم قبح صنيعهم هذا {وَ} بالجملة: {رَأَوْاْ} وعلموا {أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} بهذه الغفلة القبيحة عن مقتضى العقل والنقل {قَالُواْ} متضرعين مسترجعين خائفين، خجلين: {لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} بسعة رحمته وجوده {وَ} لم {يَغْفِرْ لَنَا} ما جئتنا به ولم يتجاوز عنا ما فرطنا فيه {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149] خسراناً عظيماً في الدنيا والآخرة. {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ} بعدما وقع فيه ما وقع، وسمع ما سمع صار {غَضْبَٰنَ} أي: استولى عليه غضبه حمية وغيرة {أَسِفاً} متأسفاً متحزناً؛ لضلال قومه {قَالَ} مغاضباً: {بِئْسَمَا} أي: بئس شيئاً {خَلَفْتُمُونِي} أي: أبدعتم خلفي {مِن بَعْدِيۤ} أي: من بعد ذهابي إلى ربي؛ لأزيد صلاحكم وإصلاحكم أيها المسرفون المفرطون فازددتم الضلال، واستوجتبم النكال {أَعَجِلْتُمْ} أيها الحمقى {أَمْرَ رَبِّكُمْ} أي: عذابه وعقابه {وَأَلْقَى} من غضبه {ٱلأَلْوَاحَ} التي كانت بيده من التوراة فانكسر منها واضمحل ما يتعلق بتفصيل الاحكام، وبقي المواعظ {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ} هارون؛ أي: من شعر رأسه؛ من غاية غضبه وغيظه {يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} أي: إلى نفسه؛ زجراً له وتشدداً عليه كيف لا يحفظهم، ولا ينكر عليهم؛ حتى لا يضلوا ولا يكفروا باتخاذ العجل لها؟ {قَالَ} هارون معتذراً متحزناً: {ٱبْنَ أُمَّ} أضافه إلى الأم استعطافاً {إِنَّ ٱلْقَوْمَ ٱسْتَضْعَفُونِي} حين أظهرت الإنكار عليهم، وأردت أن أصرفهم عمَّا هم عليه، وصاروا بأجمعهم أعدائي، بل {وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي} لشدة غيظهم عليَّ وعداوتهم معي، وأنت أيضاً تغضب عليَّ وتجر رأسي، وهم يفرحون ويضحكون ببغضك عليَّ وزجرك إياي {فَلاَ تُشْمِتْ} ولا تٌفرح يا أخي {بِيَ ٱلأَعْدَآءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي} شريكاً {مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ} [الأعراف: 150] الخارجين عن مقتضى العقل والنقل. ثمَّ لمَّا سمع موسى من هارون ما سمع ندم عن فعله وعن سوء الأدب مع أخيه؛ لأنه أكبر منه سناً، واسترجع إلى الله حيث {قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي} عمَّا صنعت مع أنه بريء مما نسبت إأليه {وَ} اغفر أيضاً {لأَخِي} فلم يتقاعد ويتقاصر عن إنكار هؤلاء المضلين المتخذين لك شريكاً من أدنى مخلوقاتك {وَأَدْخِلْنَا} بفضلك وجودك {فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151].

همام الصنعاني

تفسير : 937- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً}: [الآية: 148]، قال: استعاروا حلياً من آل فِرْعَوْنَ فَحَمَله السَّامِرِيُّ، فَصَاغَ منه عجلاً فجعله جسداً لحماً ودماً له خُوار.