٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
147
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته بقوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 146] بين حال أولئك المكذبين، فقد كان يجوز أن يظن أنهم يختلفون في باب العقاب لأن فيهم من يعمل بعض أعمال البر، فبين تعالى حال جميعهم سواء كان متكبراً أو متواضعاً أو كان قليل الإحسان، أو كان كثير الإحسان، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلأَخِرَةِ } يعني بذلك جَحْدهم للميعاد وجرأتهم على المعاصي، فبين تعالى أن أعمالهم محبطة، والكلام في حقيقة الإحباط قد تقدم في سورة البقرة على الاستقصاء فلا فائدة في الإعادة. ثم قال تعالى: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وفيه حذف والتقدير: هل يجزون إلا بما كانوا يعملون؟ أو على ما كانوا يعملون. واحتج أصحابنا بهذه الآية على فساد قول أبـي هاشم في أن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد أن لا يفعل الواجب، وإن لم يصدر منه فعل عند ذلك الواجب قالوا: هذه الآية تدل على أنه لا جزاء إلا على العمل، وليس ترك الواجب بعمل، فوجب أن لا يجازي عليه، فثبت أن الجزاء إنما حصل على فعل ضده. وأجاب أبو هاشم: بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء فسقط الاستدلال. وأجاب أصحابنا عن هذا الجواب: بأن الجزاء إنما سمي جزاء لأنه يجزي ويكفي في المنع من النهي، وفي الحث على المأمور به فإن ترتب العقاب على مجرد ترك الواجب كان ذلك العقاب كافياً في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء، فثبت أنه لا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا وَلِقَآءَ ٱلأَخِرَةِ } البعث وغيره {حَبِطَتْ } بطلت {أَعْمَٰلُهُمْ } ما عملوه في الدنيا من خير، كصلة رحم وصدقة فلا ثواب لهم لعدم شرطه {هل} ما {يُجْزَوْنَ إِلاَّ } جزاء {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من التكذيب والمعاصي.
الخازن
تفسير : {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} يعني ولقاء الدار الآخرة التي فيها الثواب والعقاب {حبطت أعمالهم} يعني بطلت فصارت كأن لم تكن والمعنى أنه قد يكون في الذين يكذبون بآيات الله من يعمل البر والإحسان والخير فبين الله تعالى بهذه الآية أن ذلك ليس ينفعهم من كفرهم وتكذيبهم بآيات الله وإنكارهم الدار الآخرة والبعث {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} يعني هل يجزون في العقبى إلا جزاء العمل الذي كانوا يعملونه في الدنيا. قوله تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده} يعني من بعد انطلاق موسى إلى الجبل لمناجاة ربه عز وجل: {من حليهم} يعني التي استعاروها من قوم فرعون وذلك أن بني إسرائيل كان لهم عيد فاستعاروا من القبط الحلي ليتزينوا به في عيدهم فبقي عندهم إلى أن أهلك الله فرعون وقومه فبقي الحلي لبني إسرائيل ملكاً لهم فلذلك قال الله تعالى من حليهم فلما أبطأ موسى عليهم جمع السامري ذلك الحلي وكان رجلاً مطاعاً في بني إسرائيل فذلك قال تعالى: واتخذ قوم موسى. والمتخذ هو واحد فنسب الفعل إلى الكل لأنه كان برضاهم فكأنهم أجمعوا عليه وكان السامري رجلاً صائغاً فصاغ لهم {عجلاً جسداً} يعني من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة وألقى في ذلك العجل من تراب أثر فرس جبريل عليه السلام فتحول عجلاً جسداً لحماً ودماً {له خوار} هو صوت البقر وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور أهل التفسير وقيل كان جسداً لا روح فيه وكان يسمع منه صوت وقيل إن ذلك الصوت كان خفيق الريح وذلك أنه جعله مجوفاً ووضع في جوفه أنابيب على وضع مخصوص فإذا هبت الريح دخلت في تلك الأنابيب فيسمع لها صوت كصوت البقر. والقول الأول: أصح لأنه كان يخور وقيل إنه خار مرة واحدة وقيل إنه كان يخور كثيراً وكلما خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. قال وهب كان يسمع منه الخوار ولا يتحرك. وقال السدي: كان يخور ويمشي {ألم يروا} يعني الذين عبدوا العجل وقيل إن بني إسرائيل كلهم عبدوا العجل إلا هارون عليه الصلاة والسلام بدليل قوله تعالى: {واتخذ قوم موسى من بعده} وهذا يفيد العموم وقيل إن بعضهم عبد العجل وهو الصحيح وأجيب عن قوله واتخذ قوم موسى أنه خرج على الأغلب وكذا قوله {ألم يروا} {أنه} يعني العجل الذي عبدوه {لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً} يعني أن هذا العجل لا يمكنه أن يتكلم بصواب ولا يهدي إلى رشد ولا يقدر على ذلك ومن كان كذلك كان جماداً أو حيواناً ناقصاً عاجزاً وعلى كلا التقديرين لا يصلح لأن يعبد {اتخذوه وكانوا ظالمين} يعني لأنفسهم حيث أعرضوا عن عبادة الله تعالى الذي يضر وينفع واشتغلوا بعبادة العجل الذي لا يضر ولا ينفع ولا يتكلم ولا يهديهم إلى رشد وصواب. قوله عز وجل: {ولما سقط في أيديهم} يعني ولما ندموا على عبادة العجل. تقول العرب لكل نادم على أمر: سقط في يده وذلك لأن من شأن من اشتد ندمه على أمر أن يعض يده ثم يضرب على فخذه فتصير يده ساقطة لأن السقوط عبارة عن النزول من أعلى إلى أسفل {ورأوا أنهم قد ضلوا} يعني وتيقنوا أنهم على الضلالة في عبادتهم العجل {قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا} يعني يتب علينا ويتجاوز عنا {لنكونن من الخاسرين} يعني الذين خسروا أنفسهم بوضعهم العبادة في غير موضعها وهذا كلام من اعتراف بعظيم ما أقدر عليه من الذنب وندم على ما صدره منه ورغب إلى الله تعالى في إقالة عثرته واعترافهم على أنفسهم بالخسران إن لم يغفر لهم ربهم ويرحمهم كلام التائب النادم على ما فرط منه وإنما قالوا ذلك لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم وهو قوله تعالى: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً} يعني لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام من مناجاة ربه إلى قومه بني إسرائيل رجع غضبان أسفاً لأن الله تعالى كان قد أخبره أنه قد فتن قومه وأن السامري قد أضلهم فكان موسى في حال رجوعه غضبان أسفاً. قال أبو الدرداء: الأسف أشد الغضب. وقال ابن عباس والسدي: الأسف الحزن والأسيف الحزين. قال الواحدي والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً فعلى هذا كان موسى عليه الصلاة والسلام غضبان من قومه لأجل عبادتهم العجل آسفاً حزيناً لأن الله تعالى فتنهم وأن الله تعالى كان قد أعلمه بذلك فحزن لأجل ذلك {قال} يعني موسى عليه الصلاة والسلام لقومه {بئسما خلفتموني من بعدي} أي بئس الفعل فعلتم بعد فراقي إياكم هذا الخطاب يحتمل أن يكون لعبدة العجل من السامي وأتباعه أو لهارون من بني إسرائيل فعلى الاحتمال الأول في أنه خطاب لعبدة العجل يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث عبدتم العجل وتركتم عبادة الله وعلى الاحتمال الثاني وهو أن يكون الخطاب لهارون ومن معه من المؤمنين يكون المعنى بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوهم من عبادة غير الله تعالى وقد رأيتم مني الأمر بتوحيد الله تعالى وإخلاص العبادة له ونفي الشركاء عنه وحمل بني إسرائيل على ذلك ومن حق الخلفاء أن يسروا لسيرة مستخلفهم وقوله {أعجلتم أمر ربكم} معنى العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول وقته ولقائل أن يقول لو كانت العجلة مذمومة لم يقل موسى عليه الصلاة والسلام {أية : وعجلت إليك رب لترضى}تفسير : [طه: 84] ومعنى الآية أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدروا أنه لم يأت على رأس الثلاثين فقد مات وقيل معناه أعجلتم سخط ربكم بعبادة العجل. وقال الكلبي: معناه أعجلتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم ولما ذكر الله تعالى أن موسى عليه الصلاة والسلام رجع إلى قومه غضبان أسفاً ذكر بعده ما أوجبه الغضب فقال تعالى: {وألقى الألواح} يعني التي فيها التوراة وكان حاملاً لها فألقاها من شدة الغضب قالت الرواة وأصحاب الأخبار: كانت التوراة سبعة أسباع فلما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباع وبقي سبع واحد رفع منها ما كان من أخبار الغيب وبقي ما فيه المواعظ والأحكام والحلال والحرام، وروى أن الله تعالى أخبر موسى عليه الصلاة والسلام بفتنة قومه وعرف موسى عليه الصلاة والسلام أن ما أخبره الله سبحانه وتعالى به حق وصدق ومع ذلك لم يلق التوراة من يده فلما رجع إلى قومه وعاين ذلك وشاهده ألقى التوراة وهذا كما قيل ليس الخبر كالمعاينة {وأخذ برأس أخيه يجره إليه} قيل إنه أخذ بشعر رأسه ولحيته من شدة غضبه وقال ابن الأنباري لما رجع موسى عليه الصلاة والسلام ووجد قومه مقيمين على المعصية أكبر ذلك واستعظمه فأقبل على أخيه هارون يلومه ومد يده إلى رأسه لشدة موجدته عليه إذا لم يلحق به فيعرفه خبر بني إسرائيل فيرجع ويتلافاهم فأعلمه هارون عليه السلام أنه إنما أقام بين أظهرهم خوفاً على نفسه من القتل وهو قوله تعالى {قال} يعني هارون {ابن أم} إذ قال هارون لموسى ابن أم وإن كانا لأب وأم ليرققه ويستعطفه عليه {إن القوم} يعني الذين عبدوا العجل {استضعفوني} أي استذلوني وقهروني {وكادوا يقتلونني} أي وقاربوا أهمّوا أن يقتلوني {فلا تشمت بي الأعداء} أصل الشماتة الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه نزل به والمعنى لا تسر الأعداء بما تنال مني من مكروه {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} يعني الذين عبدوا العجل.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ} في خبره وجهان، أحدهما: أنَّهُ الجملةُ من قوله "حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ" و "هل يُجْزَونَ" - خبر ثان، أو مستأنف والثاني: أنَّ الخبر هَلْ يجزونَ والجملةُ من قوله حَبِطَتْ في محلِّ نصب على الحالِ، و "قَدْ" مضمرة معه، عند من يشترط ذلك، وصاحبُ الحال فاعلُ كَذَّبُوا. قوله: ولقاء الآخرةِ فيه وجهان، أحدهما: أنَّهُ من باب إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف، والتقديرُ: ولقائهم الآخرة. والثاني: أنَّهُ من باب إضافة المصدر للظرف يعني: ولقاء ما وعد الله في الآخرة. ذكرهما الزمخشريُّ. قال أبُو حيَّان: "ولا يُجيز جُلَّةُ النَّحويين الإضافة إلى الظَّرف، لأنَّ الظَّرف على تقدير "في"، والإضافةُ عندهم على تقدير اللاَّم، أو "مِنْ" فإن اتُّسِعَ في العَامِل جازَ أن يُنْصبَ الظرفُ نَصْبَ المفعول، ويجوزُ إذْ ذاك أن يُضافَ مصدرُه إلى ذلك الظَّرف المُتَّسَع في عاملِهِ، وأجازَ بعضُ النَّحويين أن تكون الإضافةُ على تقدر "في" كما يُفْهِمُ ظاهرُ كلام الزمخشري". فصل لمَّا ذكر ما لأجله صرف المتكبرين عن آياته وأتبعه ببيان العلّة لذلك الصرف وهُو كونُهم مُكَذِّبينَ بالآياتِ غافلين عنها، فقد كان يَجُوزُ أن يظن أنَّهُمْ يختلفون في باب العقابِ لأنَّ فيهم مَنْ يعمل بعض أعمال البرّ، بيَّن تعالى أنه حال جميعهم، سواء كان متكبراً أو متواضعاً، أو قليل الإحسان، أو كثير الإحسان، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلأَخِرَةِ} يعني ذلك بجحدهم للميعاد وجراءتهم على المعاصي، فبيَّنَ تعالى أنَّ أعمالهم محيطة. قوله: هَلْ يَجْزوْنَ هذا الاستفهامُ معناه النَّفي، لذلك دخلت: "إلاَّ" ولو كان معناه التقرير لكان مُوجباً، فيبعدُ دخول "إلاَّ" أو يمتنع. وقال الواحديُّ هنا: "لا بد من تقدير محذوفٍ أي: إلا بِمَا كانُوا أو على ما كانُوا، أو جزاء ما كانوا" وتقريره: أنَّ نفس ما كانوا يعملونه لا يُجْزونَهُ إنَّمَا يُجْزَوْنَ بمقابله. فصل احْتَجُّوا على فساد قول أبي هاشم في أنَّ تاركَ الواجب يستحقُّ العقابَ بمجرَّد أن لا يَفْعَل الواجبَ، وإن لَمْ يَصْدُرْ منه فعلٌ ضدَّ ذلك الواجب بهذه الآية. قالوا: لأنّها تدلُّ على أنَّه لا جزاء إلاَّ على العملِ، وترك الواجبِ ليس بعملٍ؛ فوجب أن لا يُجازى عليه؛ فثبت أنَّ الجزاء إنَّمَا حصل على فعل ضده. وأجاب أبوُ هاشم: بأنِّي لا أسمِّي ذلك العقاب جزاءً، فسقطَ الاستدلالُ. وأجَابُوا عن هذا: بأنَّ الجَزاءَ إنَّمَا سُمِّيَ جزاءً؛ لأنَّهُ يجزي، ويكفي في المَنْعِ عن المَنْهِيِّ، وفي الحثِّ على المأمُور به، فإن ترتَّب العِقابُ على مجرد ترك الواجبِ؛ كان ذلك العقابُ كافياً في الزَّجْرِ عن ذلك التَّرك، فكان جزاء، فلا سبيل إلى الامتناع من تسميته جزاء. قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ} الآية. أي: من بعد مُضيِّة وذهابه إلى الميقات والجارَّان متعلِّقان بـ "اتَّخَذَ"، وجَازَ أن يتعلَّق بعاملٍ حرفا جَرّ متحدَا اللَّفْظِ، لاختلافِ مَعْنيْهما لأنَّ الأولى لابتداء الغايةِ، والثَّانية للتَّبعيضِ، ويجوزُ أن يكون "مِن حُلِيِّهِمْ" متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من عِجْلاً لأنَّهُ لو تأخَّر عنه لكان صفةً فكان يقال عِجْلاً من حليهم. وقرأ الأخوان مِنْ حِليِّهم بكسر الحاء وَوجْهُهَا الإتباع لكسرة اللاَّم، وهي قراءة أصحاب عبد الله وطلحة ويحيى بن وثاب والأعمش. والباقون بضمِّ اللاَّم، وهي قراءةُ الحسنِ وأبي جعفرٍ وشيبة بن نصاح، وهو في القراءتينِ جمع "حَلْيِ" كـ "طَيٍّ"، فجمع على "فُعُول" كـ "فَلْس" و "فُلُوس" فأصله: حُلُويٌّ كثُدِي في "ثُدُوي"، فاجتمعت الياء والواوُ، وسبقت إحداهما بالسُّكُون، فقلبت الواوُ ياء، وأدغمت، وكُسرت عين الكلمة، وإن كانت في الأصل مضمومةً لتصِحَّ الياء، ثُمَّ لك فيه بعد ذلك وجهانِ: تركُ الفاءِ على ضَمِّهَا، أو إتباعُها للعين في الكسرةِ، وهذا مُطَّردٌ في كل جمعٍ على "فُعُول" من المعتلِّ اللاَّم، سواء كان الاعتلال بالياء كـ "حُلِيّ" و " ثُدِي" أم بالواو نحو: "عُصِيّ"، و "دُلِيّ" جمع عَصَا ودَلْو. وقرأ يعقوبُ "من حَلْيهم" بفتح الحاءِ وسكون اللاَّمِ، وهي محتملةٌ لأن يكون "الحَلْي" مفرداً أريد به الجمعُ، أو اسمُ جنسٍ مفرده "حَلْيَة" على حدِّ قَمْحٍ وقَمْحَةٍ، و "عِجْلاً" مفعولُ "اتَّخَذَ" و "مِنْ حُلِيِّهم" تقدَّم حكمه. ويجوزُ أن يكون "اتَّخذَ" متعديةً لاثنين بمعنى "صَيَّرَ" فيكون: "مِنْ حُلِيِّهم" هو المفعول الثاني. وقال أبُو البقاءِ: "وهو محذوفٌ، أي: إلهاً" ولا حاجة إليه. والحَلْيُ: اسم لما يُحَسَّن به من الذَّهبِ والفضَّةِ. و "جَسَداً" فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنَّهُ نعتٌ. الثَّانِي: أنَّهُ عطفُ بيان، والثالثُ: أنَّهُ بدلٌ قاله الزمخشريُّ، وهو أحسنُ؛ لأنَّ الجسد ليس مشتقاً، فلا يُنْعَتُ به إلا بتأوُّلٍ، وعطفُ البيان في النكراتِ قليلٌ، أو ممتنع عند الجمهور، وإنَّما قال: "جَسَداً" لئلاَّ يُتوهَّمَ أنَّهُ كان مخطوطاً، أو مرقوماً. والجسد: الجثة. وقيل: ذات لحم ودمٍ. قوله: "لَهُ خُوَارٌ" في محل النَّصْبِ نعتاً لـ "عِجْلاً"، وهذا يُقَوِّي كون "جَسَداً" نعتاً؛ لأنه إذا اجتمع نعتُ وبدلٌ قُدِّم النَّعْتُ على البدلِ، والجمهورُ على خُوَارٌ بخاء معجمة وواو صريحة، وهو صوتُ البقرِ خاصّةً، وقد يُسْتَعَارُ للبعير، والخَوَرُ: الضَّعْفُ، ومنهُ أرْضٌ خَوَّارةٌ وريح خوار والخورانُ: مجرى الرَّوث، وصوت البهائم أيضاً. وقرأ عليٌّ - رضي الله عنه - وأبُو السَّمَّال: جُؤار بالجيم والهَمْز، وهو الصَّوت الشديد. فصل قال ابنُ عبَّاسٍ والحسنُ وقتادةُ وجماهيرُ أهل التفسير: كان لبني إسرائيل عبيد يتزيَّنُونَ فيه ويَسْتعِيرُونَ من القبط الحلي، فاستعارُوا حلي القبط لذلك اليوم: فَلَمَّا أغرق اللَّهُ القبط بقي ذلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فجمع السَّامريّ تلك الحلي، واسْمُهُ موسى بنُ ظفر، من قرية يقال لها سامرة، وكان رجلاً مُطاعاً فيهم، وكانُوا قد سألوا موسى - عليه السلام - أن يجعل لهم إلهاً يعبدونه، فصاغَ السَّامري لهم من ذلك الحُلِيِّ عِجْلاً، وألقى في فَمِهِ من تراب أثر فرس جبريل؛ فتحول عِجْلاً جَسداً حَيّاً لَحْماً ودماً له خُوَارٌ. وقيل: كان جَسَداً مُجَسَّداً من ذهب لا روح فيه، كان يسمع منه صوتُ الرِّيح يدخل في جوفه ويخرج. قال أكثرُ المفسِّرينَ من المعتزلة: إنَّهُ جعل ذلك العجلَ مجوفاً، وجعل في جوفه أنابيب على شكل مخصوص. وكان قد وضع ذلك التمثال في مهبِّ الرِّيح، فكانت تدخل في تلك الأنابيبِ فيظهرُ منه صوت مخصوص يشبه خُوار العجل. وقال آخرون: إنَّهُ جعلَ ذلك التمثال أجوف، وجعل تحته في الموضع الذي نصب فيه العجل من ينفخ فيه من حيثُ لا يشعر به النَّاس، فيسمعوا الصوت من جوفه كالخوار، كما يفعلون الآن في هذه التَّصَاوير التي يجرون فيها الماء كالفوارات وغيرها. قيل: إنَّهُ ما خار إلاَّ مرة واحدة، وقيل: كان يخور كثيراً كُلَّمَا خار سجدوا له وإذا سكت رفعوا رؤوسهم. وقال وهب: كان يَخُورُ ولا يتحَرّك. وقال السدي: كان يخور ويمشي. ثم قال لهم هذا إلهكم وإله مُوسَى. فإن قيل لِمَ قال: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ} والمتّخذ هو السّامريُّ؟ فالجوابُ من وجهين: أحدهما: أنَّ اللَّه نسب الفعل إليهم، لأنَّ رجلاً منهم باشره. كما يقال: بَنُو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا، والقائِلُ والفاعِلُ واحد، والثاني: أنَّهُم كانوا مُريدين لاتخاذِهِ راضين به، فكأنَّهُم اجتمعُوا عليه. فإن قيل: لم قال: "مِنْ حُلِيِّهم" ولم يكن الحلي لهم، وإنَّما اسْتَعَارُوهَا؟ فالجوابُ: أنَّه لَمَّا أهلك اللَّهُ قوم فرعون بقيت تلك الأموال في أيديهم ملكاً لهم كقوله: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ}تفسير : [الدخان: 25] - إلى قوله - {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ}تفسير : [الدخان: 28] فصل قيل إنَّ الذين عبدُوا العِجْلَ كانوا كل قوم موسى. قال الحسنُ: كلهم عبدوا العجل غير هارون، لعموم هذه الآية. ولقول موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام -: {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي}تفسير : [الأعراف: 151]، فتخصيص نفسه وأخيه بالدُّعاءِ يدلُّ على أنَّ غيرهُمَا ما كان أهلاً للدعاءِ، ولو بَقَوْا على الإيمان لما كان الأمْرُ كذلك. وقيل: بل كان منهم من ثَبَتَ على إيمانه لقوله تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 159]. قوله: "ألَمْ يَرَوْا" إن قلنا: إنَّ اتَّخَذَ متعدية لاثنين، وإنَّ الثَّاني محذوفٌ، تقديره: واتَّخَذَ قوم موسى من بعده من حليهم عِجْلاً جَسَداً إلهاً، فلا حاجة حينئذ إلى ادِّعاءِ حذف جملة يتوجَّه عليها هذا الإنكارُ، وإن قلنا: إنَّها متعدية لواحد بمعنى: صَنَعَ وعَمِلَ أو متعدية لاثنين، والثاني هو: مِنْ حُليِّهِمْ فلا بُدَّ مِنْ حذفِ جملة قبل ذلك، ليتوَجَّه عليها الإنكار، والتقدير: يعبدوه، ويَرَوْا يجوز أن تكونَ العِلْمِية، وهو الظَّاهرُ وأن تكون البصرية، وهو بعيدٌ. فصل اعلم أنَّهُ تعالى احْتَجَّ على فساد هذا المذهب وكون العِجْلِ إلهاً بقوله: {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} وتقرير هذا الدَّليل أنَّ هذا العِجْلَ لا يمكنه أن يُكلِّمهم، ولا يَهْديهم إلى الصَّواب والرُّشْدِ ومَنْ كانَ كذلك كان إمَّا جَماداً، وإمَّا حيواناً، وكلاهما لا يصلحُ للإلهيَّةِ. ثم قال تعالى: {ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} لأنفسهم حيثُ أعرضوا عن عبادة الله واشتغلوا بعبادة العجل. قوله: {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} يجُوزُ فيها وجهان: أظهرهما: أنَّهَا استئنافيةٌ، أخبر عنهُم بهذا الخبر وأنه دَيْدنهُم وشأنهُم في كلِّ شيء فاتَّخاذُهم العجلَ من جملة ذلك، ويجوزُ أن تكون حالاً، أي: وقد كانُوا، أي: اتَّخَذُوه في هذه الحالِ المستقرَّةِ لهُم وعلى هذا التفسير المتقدم.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَاء ٱلأَخِرَةِ} أي وبلقائهم الدارَ الآخرةَ أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من الجزاء ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداء وقوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} خبرُه أي ظهر بُطلانُ أعمالِهم التي كانوا عمِلوها من صلة الأرحامِ وإغاثةِ الملهوفين ونحوِ ذلك، أو حبطت بعد ما كانت مرجُوَّةَ النفعِ على تقدير إيمانهم بها {هَلْ يُجْزَوْنَ} أي لا يُجزون {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي الإجزاءَ ما كانوا يعمَلونه من الكفر والمعاصي. {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} أي من بعد ذهابِه إلى الطور {مِنْ حُلِيّهِمْ} متعلقٌ باتخذ كالجارِّ الأول لاختلاف معنيـيهما فإن الأولَ للابتداء والثاني للتبعيض أو للبـيان، أو الثاني متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً مما بعده إذ لو تأخر لكان صفةً له وإضافةُ الحُلِيِّ إليهم مع أنها كانت للقِبْط لأدنى الملابسة حيث كانوا استعاروها من أربابها قُبـيل الغرقِ فبقِيَتْ في أيديهم. وأما أنهم ملكوها بعد الغرقِ ـ فذلك منوطٌ بتملك بني إسرائيلَ غنائمَ القِبطِ وهم مستأمَنون فيما بـينهم ـ فلا يساعده قولُهم: {أية : حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ } تفسير : والحلي بضم الحاء وكسر اللام جمعُ حَلْيٍ كثَدْيٍ وثُدِيّ وقرىء بكسر الحاء بالإتباع كدِليّ وقرىء حَلْيِهم على الإفراد وقوله تعالى: {عِجْلاً} مفعولُ اتخذ أُخِّر عن المجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طولٍ يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم، وقيل: هو متعدَ إلى اثنين بمعنى التصيـير والمفعول الثاني محذوفٌ أي إلٰهاً وقوله تعالى: {جَسَداً} بدلٌ من عجلاً أي جُثةً ذاتَ دمٍ ولحمٍ أو جسداً من ذهب لا روحَ معه وقوله تعالى: {لَّهُ خُوَارٌ} أي صوتُ بقر، وقرىء بالجيم والهمزة وهو الصياح نعتٌ لعجلاً. روي أن السامريَّ لما صاغ العجلَ ألقىٰ في فمه تراباً من أثر فرسِ جبريلَ عليه الصلاة والسلام وقد كان أخذه عنه فلْقِ البحر أو عند توجُّهِه إلى الطور، فصار حيّاً وقيل: صاغه بنوع من الحيل فيدخُلُ الريحُ في جوفه فيصوِّت، والأنسبُ بما في سورة طه هو الأولُ وإنما نُسبَ اتخاذُه إليهم وهو فعلُه إما لأنه واحدٌ وإما لأنهم رضُوا به فكأنهم فعلوه وإما لأن المرادَ بالاتخاذ اتخاذُهم إياه إلٰهاً لا صنعُه وإحداثُه {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ} استئنافٌ مَسوقٌ لتقريعهم وتشنيعِهم وتركيكِ عقولِهم وتسفيهِهم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي هو اتخاذُه إلٰهاً، أي ألم يرَوا أنه ليس فيه شيءٌ من أحكام الألوهية حيث لا يكلمهم {وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} بوجه من الوجوه فكيف اتخذوه إلٰهاً وقوله تعالى: {ٱتَّخَذُوهُ} أي فعلوا ذلك {وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ} أي واضعين للأشياء في غير موضعِها فلم يكن هذا أولَ منكرٍ فعلوه، والجملةُ اعتراضٌ تذيـيليٌّ وتكريرٌ اتخذوه لتثنية التشنيعِ وترتيبِ الاعتراض عليه.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} من اضافة المصدر الى مفعوله والفاعل محذوف اى ولقائهم الدار الآخرة {حبطت اعمالهم} اى ظهر بطلان اعمالهم التى كانوا عملوها من صلة الارحام واغاثة الملهوفين ونحو ذلك فلا ينتفعون بها {هل يجزون} استفهام بمعنى النفى والانكار يعنى لا يجزون {الا ما كانوا يعملون} اى الاجزاء ما كانوا يعملون من الكفر والمعاصى. قال فى التأويلات النجمية يعنى لما حبطت اعمالنها عندهم من بعثة الانبياء وانزال الكتب واظهار المعجزات لتكبرهم عنها جازيناهم بان حبطت اعمالهم عندنا لكبريائنا وغنانا عن اهل الشرك وشركهم نظيره قوله تعالى {أية : وجزاء سيئة سيئة مثلها} تفسير : [الشورى: 40]. وفى الآية ذم التكبر وانه من اعظم اوصاف البشر حجبا لانه يزيد فى الانانية وما لعن من ابليس وطرد الا للتكبر. وصف بعض البلغاء متكبرا فقال كأن كسرى حامل غاشيته وقارون وكيل نفقته وبلقيس احد داياته وكأن يوسف لم ينظر الا بمقلته ولقمان لم ينطق الا بحكمته كأن الخضراء له عرشت والغبراء باسمه فرشت: وفى المثنوى شعر : اين تكبر زهر قاتل دانكه هست ازمى برزهر شد آن كيج مست جون مى بر زهر نوشد مدبرى از طرب يكدم بجنباند سرى بعد يكدم زهر بر جانش زند زهر برجانش كند داد وستد كرندارى زهريش را اعتقاد كرجه زهر آمد نكر در قوم عاد جونكه شاهى دست يابد بر شهى بكشدش ياباز دارد در جهى ور بيابد خسته افتاده را مرهمش سازد شه وبدهد عطا كه نه زهراست اين تكبر بس جرا كشت شه را بى كناه وبى خطا وين دكر رابى زخدمت جون نواخت زين دو جنبش زهررا شايد شناخت نردبان خلق اين ما ومنيست عاقبت زين نردبان افتاد نيست هركه بالا تر رود ابله ترست كاستخوتن او بترخواهد شكست اين فروعست واصولش آن بود كه ترفع شركت يزدان بود جون نمردى ونكشتى زنده زو باغئ باشى بشركت ملك جو جون بدور زنده شدى آن خود دويست وحدت محض است آن شركت كى است تفسير : فعلى العاقل ان يزكى نفسه عن الكبر ويأخذ التواضع فى طريق الحق ويخلص العمل لله تعالى فان من اخلص فى العمل وان لم ينو ظهرت آثار بركته عليه وعلى عقبه الى يوم القيامة كما قيل انه لما هبط آدم عليه السلام الى الارض جاءت وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره فيدعو لكل جنس بما يليق به فجاءت طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر فيهن نوافج المسك فلما رأى بواقيها ذلك قلن من اين هذا لكن فقلت زرنا صفى الله آدم فدعا لنا ومسح على ظهورنا فمضى البواقى اليه فدعا لهن ومسح على ظهورهن فلم يظهر لهن من ذلك شيء فقالوا قد فعلنا كما فعلتم فلم نر شيأ مما حصل لك فقالوا انتم كان عملكم لتنالوا كما نال اخوانكم واولئك كان عملهم لله من غير شوب فظهر ذلك فى نسلهم وعقبهم الى يوم القيامة فظهر ان الخلق لا يجزون الا ما كانوا يعملون والجزاء لا بد وان يكون من جنس العمل نسأل الله تعالى دفع الكسل ورفع الزلل.
الطوسي
تفسير : هذا إِخبار من الله تعالى أن الذين كذبوا بآياته، وجحدوا البعث والنشور في الآخرة. وهي الكرة الثانية، لأنه حقيق على من عرف النشأة الأولى ألا ينكر النشأة الأخرى، لأن الذي قدر على الأولى، فهو على الثانية أقدر، كما أن من بنى دارا ابتداء، فهو على اعادتها أقدر. وأصل اللقاء إِلتقاء الحدين. ثم يحمل على الادراك، فيقال لما أدركه: لقيه، فهؤلاء، كذبوا بادراك الآخرة استبعاداً لكونها. وقوله {حبطت أعمالهم} إِخبار من الله تعالى أن من كذب بآياته وجحد البعث والنشور تنحبط أعماله، لأنها تقع على خلاف الوجه الذي يستحق بها المدح والثواب فيصير وجودها وعدمها سواء، والحبوط سقوط العمل حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل. وأصل الاحباط الفساد مشتق من الحبط، وهو داء يأخذ البعير في بطنه من فساد الكلأ عليه، يقال: حبطت الابل تحبط: إِذا أصابها ذلك، واذا عمل الانسان عملا على خلاف الوجه الذي أمر به يقال: أحبطه، بمنزلة من يعمل شيئاً ثم يفسده. وقوله {هل يجزون إِلا ما كانوا يعملون} أي به، وصورته صورة الاستفهام والمراد به الانكار والتوبيخ، والمعنى ليس يجزون إِلا ما كانوا يعملون إِن خيراً فخيراً وإِن شراً فشراً.
اطفيش
تفسير : {والَّذينَ كذَّبوا بآياتِنا ولقاءِ الآخِرةِ} من إضافة المصدر إلى مفعوله، على أن المراد بالآخرة ما يشاهد من أحوالها، أو على تقدير مضاف، أى ولقاء أحوال الآخرة، أو إلى الظرف، والمفعول محذوف، أى ولقاءهم أحوالا فى الآخرة {فأولئكَ حَبِطتْ} بطلت {أعْمالُهم} لا يعود لهم منها لشركهم أو لتوفيتها لهم فى الدنيا، وقد كانوا يرجون نفعها لو كان أمر الآخرة صحيحا، واستعمل الحبط فى الفساد من أول الأمر، وقرأ ابن عباس وأبو السمال بفتح الباء. {هَل يُجْزونَ} فى الآخرة {إلا ما كانُوا يعْملُون} فى الدنيا إلا جزاء عملهم، أو إلا جزاء ما عملوا، أو إلا بما عملوه.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ} أَى الدار الآخرة أَى بالبعث، أَو بآياتنا ولقاء جزاء الآخرة {حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ} أَعمالهم الحسنة كصلة رحم، وصدقة وفك العانى، وإِطعام الجائع وسائر مكارم الأَخلاق، وذكر الله والتلبية ونحو ذلك من فرض ونفل لا ثواب لهم {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} من التكذيب بالآيات، وسائر الضلال، أَى إِلا عقاب ما كانوا يعملون، أَو ما كانوا يعملون هو الجزاء تسمية للمسبب باسم السبب، وقيل: تجسم أَعمالهم فيعذبون بها، وهو خطأ.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـأيَـٰتِنَا وَلِقَاءِ ٱلأَخِرَةِ} أي لقائهم الدار الآخرة على أنه من إضافة المصدر إلى المفعول وحذف الفاعل أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من الجزاء على أن الإضافة إلى الظرف على التوسع. والمفعول مقدر كالفاعل ومحل الموصول في الاحتمالين الرفع على الابتداء، وقوله تعالى: {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} خبره أي ظهر بطلان أعمالهم التي كانوا عملوها من صلة الأرحام وإغاثة الملهوفين بعدما كانت مرجوة النفع على تقدير إيمانهم بها، وحاصله أنهم لا ينتفعون بأعمالهم وإلا فهي أعراض لا تحبط حقيقة {هَلْ يُجْزَوْنَ} أي لا يجزون يوم القيامة. {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي إلا جزاء ما استمروا على عمله من الكفر والمعاصي وتقدير هذا المضاف لظهور أن المجزي ليس نفس العمل، وقيل: إن أعمالهم تظهر في صور ما يجزون به فلا حاجة إلى التقدير، وهذه الجملة مستأنفة، وقيل: هي الخبر والجملة السابقة في موضع الحال بإضمار قد. واحتجت الأشاعرة على ما قيل بهذه الآية على فساد قول أبـي هاشم أن تارك الواجب يستحق العقاب وإن لم يصدر عنه فعل الضد لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس به. وأجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء، ورد بأن الجزاء ما يجزي أي يكفي في المنع عن المنهي عنه والحث على المأمور به والعقاب على ترك الواجب كاف في الزجر عن ذلك الترك فكان جزاء.
ابن عاشور
تفسير : يجوز أن تكون هذه الجملة معطوفة على جملة {أية : سأصرف عن آياتي}تفسير : [الأعراف: 146] إلى آخر الآيات على الوجهين السابقين ويجوز أن يكون معطوفة على جملة {أية : ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا}تفسير : [الأعراف: 146]، ويجوز أن تكون تذييلاً معترضاً بين القصتين وتكون الواو اعتراضية، وأيّاً ما كان فهي آثارها الإخبار عنهم بأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، فإن ذلك لما كان هو الغالب على المتكبرين الجاحدين للآيات، وكأن لا تخلو جماعة المتكبرين من فريق قليل يتخذ سبيل الرشد عن حلم وحب للمحمدة، وهم بعض سادة المشركين وعظماؤهم في كل عصر، كانوا قد يحسب السامع أنْ ستنفعهم أعمالهم، أزيل هذا التوهم بأن أعمالهم لا تنفعهم مع التكذيب بآيات الله ولقاء الآخرة، وأشير إلى أن التكذيب هو سبب حبط أعمالهم بتعريفهم بطريق الموصولية، دون الإضمار، مع تقدم ذكرهم المقتضي بحسب الظاهر الإضمار فخولف مقتضى الظاهر لذلك. وإضافة {ولقاء} إلى {الآخرة} على معنى (في) لأنها إضافة إلى ظرف المكان، مثلُ {أية : عقْبى الدار}تفسير : [الرعد: 24] أي لقاء الله في الآخرة، أي لقاء وعده ووعيده. والحبط فساد الشيء الذي كان صالحاً، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} تفسير : في سورة المائدة (5). وجملة: {هل يُجْزَون إلاّ ما كانوا يعملون} مستأنفة استينافاً بيانياً، جواباً عن سؤال ينشأ عن قوله: {حبطت أعمالهم} إذ قد يقول سائل: كيف تحبط أعمالهم الصالحة، فأجيب بأنهم جُوزُوا كما كانوا يعملون، فإنهم لما كذبوا بآيات الله كانوا قد أحالوا الرسالة والتبليغ عن الله، فمن أين جاءهم العلم بأن لهم على أعمالهم الصالحة جزاءً حسناً، لأن ذلك لا يعرف إلاّ بإخبار من الله تعالى، وهم قد عطلوا طريق الإخبار وهو الرسالة، ولأن الجزاء إنما يظهر في الآخرة، وهم قد كذبوا بلقاء الآخرة، فقد قطعوا الصلة بينهم وبين الجزاء، فكان حبط أعمالهم الصالحة وفاقاً لاعتقادهم. والمراد بـــ {ما كانوا يعملون} ما كانوا يعتقدون، فأطلق على التكذيب بالآيات وبلقاء الآخرة فعلُ {يَعملون} لأن آثار الاعتقاد تظهر في أقوال المعتقد وأفعاله، وهي من أعماله. والاستفهام بــ {هل} مُشْرب معنى النفي، وقد جعل من معاني (هل) النفيُ، وقد بيناه عند قوله تعالى: {أية : هل تجزون إلاّ ما كنتم تعملون} تفسير : في سورة النمل (90)، فانظره هناك. {وما كانوا يعملون} مقدر فيه مضاف، والتقدير مكافىء ما كانوا يعملون بقرينة قوله: {يُجزون} لأن الجزاء لا يكون نفس المجزي عليه، فإن فعل جَزى يتعدى إلى العوض المجعول جزاء بنفسه، ويتعدى إلى العمل المجزي عليه بالباء، كما قال تعالى: {أية : وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً}تفسير : [الإنسان: 12] ونظير هذه الآية قوله في سورة الأنعام (139) {أية : سيجزيهم وصفهم}.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَا} {ٱلآخِرَةِ} {أَعْمَالُهُمْ} (147) - وَالذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَكُتُبِهِ، المُنَزَّلَةِ بِالحَقِّ وَالهُدَى، عَلَى رُسُلِهِ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وَلَمْ يَهْتَدُوا، وَكَذَّبُوا بِمَا يَكُونُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الجَزَاءِ عَلَى الأَعْمَالِ: مِنْ ثَوَابٍ عَلَى الخَيْرِ، وَعِقَابٍ عَلَى الشَّرِّ .. فَإِنَّ أَعْمَالَهُمْ تَهْلَكُ وَتَتَلاَشَى وَتَذْهَبُ سُدًى (تَحْبَطُ)، لأَِنَّهُمْ عَمِلُوا لِغَيْرِ اللهِ، وَأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي غَيْرِ مَا يُرْضِي اللهَ، فَتَصِيرُ أَعْمَالُهُمْ وَبَالاً عَلَيْهِمْ، وَلاَ يُجْزَوْنَ إِلاَّ عَلَى الأَعْمَالِ التِي قَامُوا بِهَا مِنَ الكُفْرِ وَالمَعَاصِي، وَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللهِ بِأَنْ جَعَلَ الجَزَاءَ فِي الآخِرَةِ أَثَراً لِلْعَمَلِ فِي الدُّنْيا، وَلاَ يَظْلِمُ اللهُ تَعَالَى أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ أَبَداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقد جاء لفظ الآيات هنا أكثر من مرة، فقد قال الحق: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا}. ويقول أيضاً: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}. ويقول سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}. إذن فالمسألة كلها مناطها في الآيات الكونية للاستدلال على من أوجدها، والإِعجازية للاستدلال على صدق مَنْ أرسل من الرسل، والقرآنية لأخذ منهج الله لتقويم واستواء حركة الإِنسان. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ...} [الأعراف: 147] ويقال: حبط الشيء أي انتفخ وورم من علة أو مرض. أي أنهم في ظاهر الأمر يبدو لهم أنهم عملوا أعمالا حسنة ولكنها في الواقع أعمال باطلة وفاسدة، وقد يوجد من عمل عملاً حسناً نافعاً للناس، ولكن ليس في باله أنه بفعل ذلك إرضاء لله، بل للشهرة لينتشر ذكره ويذيع صِيتُه ويثني الناس عليه، أو للجاه والمركز والنفوذ. ولذلك حين حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: من الشهيد؟. قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ". تفسير : لأن الرجل قد يقاتل حمية، أو ليعرف الناس مثلاً أنه شجاع. إذن فهناك من يعمل عملاً ليفتخر به. ويقال مثلاً: إن الكفار هم من اكتشفوا الميكروب وصعدوا إلى الفضاء. ونقول: نعم لقد أخذوا التقدير من الناس لأن الناس كانت في بالهم، ولن يأخذوا التقدير من الله لأنهم عملوا أعمالهم وليس في بالهم الله. والإِنسان يأخذ أجره ممن عمل له، والله سبحانه وتعالى لن يضيع أجر أعمالهم الحسنة، بل أعطى لهم أجورهم في الدنيا، لكن حرث الآخرة ليس لهم. {أية : مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا...} تفسير : [الشورى: 20] فمن زرع وأحسن اختيار البذور، واختيار التربة وروى بنظام يأتي له الزرع بالثمر لأنه أخذ بالأسباب، وهذا اسمه عطاء الربوبية وهو عطاء عام لكن مَن خلق الله، مؤمناً كان أو كافراً، عاصيًّا أو طائعاً، لكن عطاء الألوهية يكون في اتباع المنهج بـ"افعل ولا تفعل" وهذا خاص بالمؤمنين، فإذا ما أحسنوا استعمال أسباب الحياة في السنن الكونية. يأخذون حظهم منها، والكافرون أيضاً يأخذون حظهم منها، إذا أحسنوا الأخذ بالأسباب؛ ويكون ذلك بتخليد الذكرى وإقامة التماثيل لهم. وأخذ المكافآت والجوائز وحفلات التكريم. أما جزاء الآخرة فيأخذه من عمل لرب الآخرة، أما من لم يفعلوا من أجل لقاء الله فهو سبحانه يقول في حقهم: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان: 23] وكذلك يقول: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً...} تفسير : [النور: 39] فالكافرون مثلهم مثل الظمآن الذي يسير في صحراء ويخيل له أن أمامه ماء، ويمشي ويمشي فلا يجد ماء. أما غير الظمآن فلا يهمه إن كان هناك ماء أو لا يوجد ماء، فالظمآن ساعة يرى السراب يمني نفسه بأن المياه قادمة وأنه سيحصل عليها. {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً...} تفسير : [النور: 39] وليس المهم أنه لم يجده شيئاً، بل يفاجأ: {وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ}. إنه يفاجأ بأن الإِله الذي كان لا يصدق بأنه موجود يجده أمامه يوم القيامة فيوفيه حسابه ويجزيه على عمله القبيح. إذن فإن عمل الإِنسان عملاً فلينتظر الأجر ممن عمل له، وإن عمل الإِنسان عملاً وليس في باله الله فعليه ألاّ يتوقع الأجر منه، وعلى الرغم من ذلك يعطي الله لهؤلاء الأجر في قانون نواميس الحياة الكونية؛ لأن من يحسن عملاً يأخذ جزاءه عنه. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 147] هم إذن كذبوا بآيات الله، وكذبوا باليوم الآخر، ولم يعملوا وفق منهج الإِيمان، فلهم جزاء وعقاب من الحق الذي أنزل هذا المنهج، ولكنّهم أعرضوا عنه وكذبوه. ولذلك يقول سبحانه: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف: 103-104] ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):