Verse. 1100 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

سَاَصْرِفُ عَنْ اٰيٰــتِيَ الَّذِيْنَ يَتَكَبَّرُوْنَ فِي الْاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ۝۰ۭ وَاِنْ يَّرَوْا كُلَّ اٰيَۃٍ لَّا يُؤْمِنُوْا بِہَا۝۰ۚ وَاِنْ يَّرَوْا سَبِيْلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوْہُ سَبِيْلًا۝۰ۚ وَاِنْ يَّرَوْا سَبِيْلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوْہُ سَبِيْلًا۝۰ۭ ذٰلِكَ بِاَنَّہُمْ كَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَا وَكَانُوْا عَنْہَا غٰفِلِيْنَ۝۱۴۶
Saasrifu AAan ayatiya allatheena yatakabbaroona fee alardi bighayri alhaqqi wain yaraw kulla ayatin la yuminoo biha wain yaraw sabeela alrrushdi la yattakhithoohu sabeelan wain yaraw sabeela alghayyi yattakhithoohu sabeelan thalika biannahum kaththaboo biayatina wakanoo AAanha ghafileena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«سأصرف عن آياتي» دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها «الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق» بأن أخذلهم فلا يتكبرون فيها «وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل» طريق «الرُّشد» الهدى الذي جاء من عند الله «لا يتخذوه سبيلا» يسلكوه «وإن يروا سبيل الغي» الضلال «يتخذوه سبيلا ذلك» الصرف «بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين» تقدم مثله.

146

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية المتقدمة قوله: {أية : سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [الأعراف: 145] ذكر في هذه الآية ما يعاملهم به فقال: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ } واحتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وذلك ظاهر، وقالت المعتزلة: لا يمكن حمل الآية على ما ذكرتموه ويدل عليه وجوه: الوجه الأول: قال الجبائي لا يجوز أن يكون المراد منه أنه تعالى يصرفهم عن الإيمان بآياته لأن قوله: {سَأَصْرِفُ } يتناول المستقبل وقد بين تعالى أنهم كفروا فكذبوا من قبل هذا الصرف، لأنه تعالى وصفهم بكونهم متكبرين في الأرض بغير الحق وبأنهم إن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً، فثبت أن الآية دالة على أن الكفر قد حصل لهم في الزمان الماضي، فهذا يدل على أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر بالله. الوجه الثاني: أن قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ } مذكور على وجه العقوبة على التكبر والكفر، فلو كان المراد من هذا الصرف هو كفرهم، لكان معناه أنه تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر، ومعلوم أن العقوبة على الكفر بمثل ذلك الفعل المعاقب عليه لا يجوز، فثبت أنه ليس المراد من هذا الصرف الكفر. الوجه الثالث: أنه لو صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه فكيف يمكن أن يقول مع ذلك {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الانشقاق: 20]، {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ }تفسير : [المدثر: 49}، {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ } تفسير : [الإسراء: 94، الكهف: 55] فثبت أن حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن فوجب حملها على وجوه أخرى. فالوجه الأول: قال الكعبـي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم إهلاكهم فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها ولا على منع المؤمنين من الإيمان به، وهو شبيه بقوله: {أية : بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [المائدة: 67] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة. والوجه الثاني: في التأويل ما ذكره الجبائي فقال: سأصرف هؤلاء المتكبرين على نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدين للأنبياء والمؤمنين، وإنما يصرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يجري مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله. والوجه الثالث: أن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان. فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذ يصرفهم الله عنها. والوجه الرابع: أن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله ذلك منه، صح من الله تعالى أن يصرفه عنه. والوجه الخامس: نقل عن الحسن أنه قال: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِيَ} هؤلاء. فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، وظهر أن هذه الآية ليس فيها دلالة قوية على صحة ما يقول به في مسألة خلق الأعمال. والله أعلم. المسألة الثانية: معنى يتكبرون: أنهم يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم وهذه الصفة أعني التكبر لا تكون إلا لله تعالى، لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد فلا جرم يستحق كونه متكبراً، وقال بعضهم: التكبر: إظهار كبر النفس على غيرها. وصفة التكبر صفة ذم في جميع العباد، وصفة مدح في الله جل جلاله، لأنه يستحق إظهار ذلك على من سواه لأن ذلك في حقه حق. وفي حق غيره باطل. واعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية قوله: {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } لأن إظهار الكبر على الغير قد يكون بالحق، فإن للمحق أن يتكبر على المبطل، وفي الكلام المشهور التكبر على المتكبر صدقة. أما قوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } ففيه مباحث: البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي: {ٱلرُّشْدِ } بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين. وفرق أبو عمرو بينهما فقال: {ٱلرُّشْدِ } بضم الراء الصلاح لقوله تعالى: {أية : فإن آنستم منهم رشداً} تفسير : [النساء: 6] أي صلاحاً، و {ٱلرُّشْدِ } بفتحهما الاستقامة في الدين. قال تعالى: {أية : مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } تفسير : [الكهف: 66] وقال الكسائي هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزن والحزن، والسقم والسقم، وقيل: {ٱلرُّشْدِ } بالضم الاسم، وبالفتحتين المصدر. البحث الثاني: {سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ } عبارة عن سبيل الهدى والدين الحق والصواب في العلم والعمل و {سَبِيلَ ٱلْغَىّ } ما يكون مضاداً لذلك، ثم بيّن تعالى أن هذا الصرف إنما كان لأمرين: أحدهما: كونهم مكذبين بآيات الله. والثاني: كونهم غافلين عنها، والمراد أنهم واظبوا على الإعراض عنها حتى صاروا بمنزلة الغافل عنها والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} قال قتادة: سأمنعهم فَهْمَ كتابي. وقاله سفيان بن عُيينة. وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها. وقيل: سأصرفهم عن نفعها؛ وذلك مجازاة على تكبّرهم. نظيره: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}تفسير : [الصف: 5]. والآيات على هذه المعجزاتُ أو الكتبُ المنزَّلة. وقيل: خَلقُ السموات والأرض. أي أصرفهم عن الاعتبار بها. {يَتَكَبَّرُونَ} يَرَوْن أنهم أفضل الخلق. وهذا ظن باطل؛ فلهذا قال: {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} فَلاَ يتبعون نَبِيَّاً ولا يَصْغون إليه لتكبّرهم. قوله تعالىٰ: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} يعني هؤلاء المتكبرون. أخبر عنهم أنهم يتركون طريق الرشاد ويتبعون سبيل الغيّ والضلال؛ أي الكفر يتخذوه دِيناً. ثم علل فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي ذلك الفعل الذي فعلته بهم بتكذيبهم. {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} أي كانوا في تركهم تدبّر الحق كالغافلين. ويحتمل أن يكونوا غافلين عما يُجازون به؛ كما يقال: ما أغفل فلان عما يراد به؛ وقرأ مالك بن دينار «وإن يُروا» بضم الياء في الحرفين؛ أي يفعل ذلك بهم. وقرأ أهل المدينة وأهل البصرة «سَبيل الرُّشْد» بضم الراء وإسكان الشين. وأهل الكوفة إلا عاصماً «الرَّشَد» بفتح الراء والشين. قال أبو عبيد: فَرّق أبو عمرو بين الرُّشْد والرَّشَد فقال: الرُّشْد في الصلاح. والرَّشَد في الدِّين. قال النحاس: «سيبويه يذهب إلى أن الرُّشْد والرَّشَد مثل السُّخْط والسَّخَط، وكذا قال الكسائي. والصحيح عن أبي عمرو غيرُ ما قال أبو عبيد. قال إسماعيل بن إسحاق: حدّثنا نصر بن عليّ عن أبيه عن أبي عمرو بن العلاء قال: إذا كان الرُّشْد وسطَ الآية فهو مسَكَّن، وإذا كان رأس الآية فهو محرَّك. قال النحاس: يعني برأس الآية نحو {أية : وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً} تفسير : [الكهف: 10] فهما عنده لغتان بمعنىٰ واحد؛ إلا أنه فتح هذا لتتفق الآيات. ويقال: رَشَد يَرْشُد، ورَشُد يَرْشد. وحكى سيبويه رَشِد يَرْشد. وحقيقة الرشْد والرَّشَد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد. وهو ضدّ الخيبة.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} أي: سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي قلوب المتكبرين عن طاعتي، ويتكبرون على الناس بغير حق، أي: كما استكبروا بغير حق، أذلهم الله بالجهل؛ كما قال تعالى: {أية : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَـٰرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام: 110] وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ} تفسير : [الصف: 5] وقال بعض السلف: لا ينال العلم حيي ولا مستكبر، وقال آخر: من لم يصبر على ذل التعلم ساعة، بقي في ذلك الجهل أبداً، وقال سفيان بن عيينة في قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} قال: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي، قال ابن جرير: وهذا يدل على أن هذا الخطاب لهذه الأمة، قلت: ليس هذا بلازم؛ لأن ابن عيينة إنما أراد أن هذا مطرد في حق كل أمة، ولا فرق بين أحد وأحد في هذا، والله أعلم. وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ } تفسير : [يونس: 96-97] وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أي: وإن ظهر لهم سبيل الرشد، أي: طريق النجاة، لا يسلكوها، وإن ظهر لهم طريق الهلاك والضلال، يتخذوه سبيلاً، ثم علل مصيرهم إلى هذه الحال بقوله: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا} أي: كذبت بها قلوبهم {وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ} أي: لا يعلمون شيئاً مما فيها، وقوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآايَـٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلاَْخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} أي: من فعل منهم ذلك، واستمر عليه إلى الممات، حبط عمله، وقوله: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: إنما نجازيهم بحسب أعمالهم التي أسلفوها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وكما تدين تدان.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَٰتِي } دلائل قدرتي من المصنوعات وغيرها {ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } بأن أخذلهم فلا يتفكرون فيها {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ} طريق {ٱلرُّشْدِ } الهُدىٰ الذي جاء من عند الله {لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } يسلكوه {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَىِّ } الضلال {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ } الصرف {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بئَايـَٰتِنَا وَكَانواْ عَنْها غَـٰفِليِنَ} تقدّم مثله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَاياتي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: سأمنعهم من فهم القرآن، قاله سفيان بن عيينة. والثاني: سأجعل جزاءهم على كفرهم ضلالهم عن الاهتداء بما جاء به من الحق. والثالث: سأصرفهم عن دفع الانتقام عنهم. وفي {يَتَكَبَّرُونَ} وجهان: أحدهما: يحقرون الناس ويرون أن لهم عليهم فضلاً. والثاني: يتكبرون عن الإيمان واتباع الرسول. {وَإن يَرَوْاْ كُلَّ ءَآيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بها وإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشُدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} فيه وجهان: أحدهما: أن الرشد الإيمان، والغي: الكفر. والثاني: أن الرشد الهداية. والغي: الضلال. {ذَلَكَ بِأَنَّهُمْ كذَّبُواْ بِآَيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنَها غَافِلِينَ} فيه وجهان: أحدهما: غافلين عن الإيمان. والثاني: غافلين عن الجزاء.

ابن عطية

تفسير : المعنى سأمنع وأصد، وقال سفيان بن عيينة: الآيات هنا كل كتاب منزل. قال القاضي أبو محمد: فالمعنى عن فهمها وتصديقها، وقال ابن جريج: الآيات العلامات المنصوبة الدالة على الوحدانية. قال القاضي أبو محمد: فالمعنى عن النظر فيها والتفكير والاستدلال بها، واللفظ يعم الوجهين، والمتكبرون بغير حق في الأرض هم الكفرة، والمعنى في هذه الآية سأجعل الصرف عن الآيات عقوبة للمتكبرين على تكبرهم، وقوله {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} حتم من الله عز وجل على الطائفة التي قدر ألا يؤمنوا، وقراءة الجمهور: "يرَوا" بفتح الياء قرأها ابن كثير وعاصم ونافع وأبو جعفر وشيبة وشبل وابن وثاب وطلحة بن مصرف وسائر السبعة، وقرأها مضمومة الياء مالك بن دينار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "الرشد"، وقرأ ابن عامر في بعض ما روي عنه وأبو البرهسم "الرُّشد" بضم الراء والشين وقرأ حمزة والكسائي على أن "الرُّشد" بضم الراء وسكون الشين "الرَّشد" بفتحهما الدين، وأما قراءة ابن عامر بضمهما فأتبعت الضمة الضمة، وقرأ ابن أبي عبلة "لا يتخذوها وتتخذوها" على تأنيث "السبيل"، والسبيل تؤنث وتذكر، وقوله {ذلك} إشارة إلى الصرف أي صرفنا إياهم وعقوبتنا لهم هي بكفرهم وتكذيبهم وغفلتهم عن النظر في الآيات والوقوف عند الحجج، ويحتمل أن يكون ذلك خبر ابتداء تقديره: الأمر ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بفعل تقديره فعلنا ذلك. وقوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} الآية، هذه الآية مؤكدة للتي قبلها وسوقها في جملة المكذب به، ولقاء الآخرة لفظ يتضمن تهديداً أي هنالك يفتضح لهم حالهم، و {حبطت} معناه سقطت وفسدت وأصل الحبط فيما تقدم صلاحه ولكنه قد يستعمل في الذي كان أول مرة فاسداً إذ مئال العاملين واحد، وقوله {هل يجزون} استفهام بمعنى التقرير أي يستوجبون بسوء فعلهم إلا عقوبة، وساغ أن يستعمل {حبطت} هنا إذ كانت أعمالهم في معتقداتهم جارية في طريق صلاح فكأن الحبط فيها إنما هو بحسب معتقداتهم وأما بحسب ما هي عليه في أنفسها ففاسدة منذ أول أمرها، ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم أي فساداً لكثرة الأكل بعد الصلاح الذي كان أولاً، وقرأ ابن عباس وأبو السمال "حبَطت" بفتح الباء.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِىَ} أمنع عن فهم القرآن، أو أجزيهم على كفرهم بإضلالهم عما جاء به من الحق، أو أصرفهم عن دفع الانتقام عنهم {يَتَكَبَّرُونَ} عن الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم أو يحقرون الناس ويرون لهم عليهم فضلاً. {الرُّشْدِ} الإيمان، والغي: الكفر، أو الرشد: الهدى، والغي: الضلال. {غَافلِينَ} عن الإيمان، أو عن الجزاء.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} قال ابن عباس يريد الذين يتجبرون على عبادي ويحاربون أوليائي سأصرفهم عن قبول آياتي والتصديق بها حتى لا يؤمنوا بي عقوبة بحرمان الهداية لعنادهم الحق. وقال سفيان بن عيينة: سأمنعهم فهم القرآن وقيل معناه سأصرفهم عن التفكير في خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات والعبر وقيل حكم الآية لأهل مصر خاصة وأراد بالآيات الآيات التسع التي أعطاها الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام والأكثرون على أن الآية فيه دليل لمذهب أهل السنة على أن الله تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويصرف عن آياته ويقبل الحق من يشاء ويوفق بالتفكر في آياته وقبول الحق من يشاء لأنه القادر على ما يشاء {أية : لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}تفسير : [الأَنبياء: 23] ومعنى الذين يتكبرون الذين يرون أنهم أفضل الخلق وأن لهم من الحق ما ليس لغيرهم والتكبر على هذه الصفة لا يكون إلا لله عز وجل لأنه هو الذي له القدرة والفضل الذي ليس لأحد سواه فالتكبر في حق الله عز وجل صفة مدح وفي حق المخلوقين صفة ذم لأنه تكبر بما ليس له ولا يستحقه وقيل التكبر إظهار كبر النفس على غيرها فهو صفة ذم في حق جميع العباد وقوله يتكبرون من الكبر لا من التكبر أن يفتعلون التكبر ويرون أنهم أفضل من غيرهم فلذلك قال يتكبرون في الأرض بغير الحق بل بالباطل {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد} يعني طريق الحق والهدى والسداد والصواب {لا يتخذوه سبيلاً} يعني لا يختاروه لأنفسهم طريقاً يسلكونه إلى الهداية {وإن يروا سبيل الغي} يعني طريق الضلال {يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} يعني ذلك اختاروه لأنفسهم من ترك الرشد واتباع الغي بسبب أنهم كذبوا بآيات الله الدالة على توحيده {وكانوا عنها غافلين} يعني عن التفكر فيها والاتعاظ بها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَـٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ...} الآية: المعنىٰ: سأَمْنَعُ وأصُدُّ، قال سفيان بن عُيَيْنَة: الآياتُ هنا كلُّ كتابٍ منزَّل. * ع *: والمعنَىٰ عن فَهْمِها وتصدِيقها، وقال ابن جُرَيْج: الآياتُ: العلامات المنصوبة الدالَّة على الوحدانية، والمعنى: عن النظر فيها، والتفكُّر والاستدلال بها، واللفظُ يعمُّ الوجْهَيْن، والمتكبِّرون في الأرض بغير الحَقِّ: هم الكُفَّار، قُلْتُ: ويدخل في هذا المعنَىٰ مَنْ تشبَّهَ بهم من عُصَاة المؤمنين، والمعنَىٰ في هذه الآية: سأجْعَلُ الصَّرْف عن الآيات؛ عقوبةً للمتكبِّرين على تكبُّرهم، وقوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} حَتْمٌ من اللَّه على الطائفةِ التي قَدَّر عليهم أَلاَّ يؤمنوا، وقوله: {ذَٰلِكَ }: إِشارة إِلى الصَّرْف المتقدِّم. وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا وَلِقَاءِ ٱلأَخِرَةِ...} الآية: هذه الآية مؤكَّدة للتي قبلها، وفيها تهديدٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} الآية. قال ابْنُ عبَّاسٍ: يريد الَّذينَ يتجبَّرون على عبادي، ويحاربون أوليائي حتَّى لا يؤمنوا سأصرفهم عن قبول آياتي والتَّصْدِيق بها، عُوقبوا بحرمان الهدايةِ لعنادهم الحَقّ كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُوۤاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ}تفسير : [الصف: 5]. واحْتَجّ أهلُ السُّنَّةِ بهذه الآية على أنَّهُ تعالى قد يمنع الإيمان. وقالت المعتزلة: لا يمكنُ حمل الآية على ذلك لوجوه: الأوّلُ: قال الجُبَّائِيُّ: لا يجوزُ أن يكون المراد منه أنَّه تعالى يصرفهم عن الإيمان؛ لأن قوله: "سَأصْرِفُ" يتناول المستقبلَ، وقد بيَّن تعالى أنَّهُمْ كفروا وكذَّبُوا من قبل هذا الصرف، لأنَّهُ وصفهم بكونهم: {يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} وبأنَّهُمْ: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} فدلَّت الآية على أنَّ الكُفْرَ قد حصل لهم في الزَّمانِ الماضي؛ فدلَّ على أن المراد من هذا الصرف ليس الكفر بالله. الثاني: أن قوله {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ} مذكورٌ على وجه العقوبة على التَّكَبُّر والكُفْر، فلو كان المراد من هذا الصَّرْفِ هو كفرهم، لكان معناه أنَّهُ تعالى خلق فيهم الكفر عقوبة لهم على إقدامهم على الكفر، والعقوبة على فعل الكفر بمثل ذلك الفِعْل المعاقب عليه لا يجوز؛ فثبت أنَّ المرادَ من هذا الصَّرفِ ليس هو الكفر. الثالث: أنَّه تعالى لو صَرَفَهُمْ عن الإيمان وصدهم عنه، فكيف يمكن أن يقُول مع ذلك: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ}تفسير : [المدثر: 49] {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الانشقاق: 20]{أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ}تفسير : [الإسراء: 94] فثبت أنَّ حمل الآية على هذا الوجه غير ممكن؛ فوجب حملها على وجوه أخرى: الأول: قال الكلبي وأبو مسلم الأصفهاني: إنَّ هذا الكلام تمام لما وعد اللَّهُ موسى به من إهلاك أعدائه ومعنى صرَفَهُمْ، أهلكَهُمْ فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا يمنع المؤمنين من الإيمان بها، وهو تشبيه بقوله: {أية : بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}تفسير : [المائدة: 67] فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى من إيذائه ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوةِ والرِّسالة. التَّأويلُ الثَّاني: قال الجُبَّائِيُّ: سأصرفُ المتكبرين عن نَيْل ما في آياتي من العزَّة والكرَامَة المُعَدَّيْن للأنبياء، والمُؤمنين. وإنَّمَا صرفهم عن ذلك بواسطة إنزال الذل والإذلال بهم، وذلك يَجْرِي مجرى العقوبة على كُفْرِهِم، وتكبرهم على اللَّهِ. التَّأويل الثالثُ: أنَّ من الآيات ما لا يُمْكِنُ الانتفاع بها إلاَّ بعد سبق الإيمان، فإذا كَفَرُوا فقد صَيَّرُوا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بتلك الآيات، فحينئذٍ يصرفهم اللَّهُ عنها. التأويل الرابع: أنَّ اللَّه عز وجل إذا علم من حال بعضهم أنَّهُ إذا شاهد تلك الآيات فإنَّه لا يستدلّ بها بل يستخف بها، ولا يقومُ بحقِّها، فإذا علم اللَّهُ ذلك منه، صَحَّ أن يَصْرِفَهُ عنها. التأويل الخامس: نقل عن الحسن أنَّه قال: إنَّ من الكفار من بالغ في كُفره، وانتهى إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه، فالمراد من قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي} هؤلاء. فصل المُرَادُ من الصَّرْفِ المَنْع، والمُرَادُ بالآيات: الآياتُ التسع الَّتي أعطاها اللَّهُ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - والأكثرون على أنَّ الآية عامَّة. ومعنى "يَتَكَبَّرُونَ": أي: يَرَوْنَ أنَّهُم أفضل الخَلْقِ، وأن لهم من الحقِّ ما ليس لغيرهم، وصفةُ التَّكبر لا تكون إلا للَّهِ تعالى. وقال بعضهم: التَّكَبر: إظهار كبر النَّفْسِ على غيرها، والتَّكبر صِفَةُ ذمٍّ في جميع العبادِ وصفةُ مدحٍ في حقِّ الله تعالى؛ لأنَّهُ يستحقُّ إظهار الكبر على ما سواه؛ لأنَّ ذلك في حقه حَقٌّ، وفي حق غيره باطل. قال عليه الصَّلاةُ والسَّلام يقولُ اللَّهُ تعالى: "حديث : الكِبْريَاءُ رِدائِي والعظمةُ إزَارِي، فمنْ نَازَعنِي فيهما حَرَّمْتُ عليه الجنَّة ". تفسير : قوله: "بِغَيْرِ الحَقِّ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ، أي: يَتَكَبَّرُونَ ملتبسين بغير الحقِّ. والثاني: أنه متعلِّق بالفعلِ قبله، أي: يتكبرون بما ليس بحق، والتَّكَبُّرُ بالحقِّ لا يكونُ إلاَّ لِلَّهِ تعالى خاصَّة. قال بعضهم: وقد يكون إظْهَارُ الكبرِ على الغَيْرِ بالحقِّ، فإنَّ للمحقّ أن يتكبَّرَ على المُبْطِلِ وفي الكلامِ المشهور: التَّكبر على المتكبر صدقةٌ. قوله: وإن يَرَوْا الظَّاهرُ أنَّها بصريَّةٌ، ويجوزُ أن تكون قلبية، والثَّاني محذوفٌ لِفَهْمِ المعنى: كقول عنترة: [الكامل] شعر : 2574 - وَلَقَدْ نَزلْتِ فلا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ تفسير : أي: فلا تظني غيره واقعاً مني، وكذا الآية الكريمة، أي: وإن يَرَوْا هؤلاء المتكبرين كل آية جائية، أو حادثة. وقرأ مالك بن دينارٍ "وإن يُرَوْا" مبنياً للمفعول من أري المنقول بهمزة التعدية. قوله: "سَبِيلَ الرُّشْدِ" قرأ حمزة والكسائي هنا وأبُو عمرو في الكهف في قوله: {مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} خاصة دون الأولين فيها بفتحتين، والباقون بضمة وسكون واختلف النَّاسُ فيهما هل هما بمعنى واحد. فقال الجمهور نعم لغتان في المصدر كالبُخْلِ والبَخَل، والسُّقْم والسَّقَم، والحُزْن والحَزَن. وقال أبُو عمرو بن العلاءِ: "الرُّشْدُ - بضمة وسكون - الصَّلاحُ في النَّظر، وبفتحتين الدِّين" ولذلك أجمع على قوله: {أية : فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً}تفسير : [النساء: 6] بالضمِّ والسُّكُون، وعلى قوله {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً}تفسير : [الجن: 14] بفتحتين. ورُوي عن ابن عامر "الرُّشُد" بضمتين وكأنَّهُ من باب الإتباع، كاليُسُر والعُسُر وقرأ السلمي الرَّشَاد بألف فيكون: الرُّشْد والرَّشَد والرَّشَاد كالسُّقْم والسَّقَم والسَّقَام. وقرأ ابنُ أبي عَبْلَة لا يتَّخِذُوَها، ويتَّخِذُوها بتأنيث الضَّمير، لأنَّ السبيل يَجُوزُ تأنيثُها. قال تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ}تفسير : [يوسف: 108]. والمُرادُ بسَبيل الرُّشْدِ سبيل الهدى والدين، وسَبيلَ الغَيِّ ضد ذلك. ثُمَّ بيَّن العلة لذلك الصَّرف، وهو كونهم مُكّذِّبينَ بآياتِ اللَّهِ، وكونهم عنها غافلين أي معرضين، أي: أنَّهم واظبوا على الإعراضِ حتى صَارُوا بِمَنْزلةِ الغافلينَ عَنْهَا. قوله: "ذَلِكَ" فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مبتدأ، خبره الجارُّ بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. والثاني: أنَّه في محلِّ نصبٍ، ثم اختلفَ في ذلك. فقال الزَّمخشريُّ: "صَرَفَهُمُ اللَّهُ ذلك الصَّرْفَ بعينه". فجعله مصدراً. وقال ابْنُ عطيَّة: فعلنا ذلك فجعله مفعولاً به وعلى الوجهين فالباءُ في بأنَّهُمْ متعلقةٌ بذلك المحذوف. قوله: {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}. في هذه الجملة احتمالان: أحدهما: أنَّهَا نَسَقٌ على خبر أنَّ، أي: ذلك بأنَّهُمْ كذّبوا، وبأنَّهُمْ كانوا غافلين عن آياتنا. والثاني: أنَّها مستأنفةٌ، أخبر اللَّهُ تعالى عنهم بأنهم من شأنهم الغفلة عن الآيات وتدبرها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون} يقول سأصرفهم عن أن يتفكروا في آياتي . وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {سأصرف عن آياتي} قال: عن خلق السموات والأرض والآيات التي فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا فيها . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان بن عيينة في قوله {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} أنزع عنهم فهم القرآن .

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ} استئنافٌ مَسوقٌ لتحذيرهم عن التكبر الموجبِ لعدم التفكرِ في الآيات التي هي ما كتب في ألواح التوراةِ من المواعظ والأحكامِ أو ما يعمُّها وغيرَها من الآيات التكوينيةِ التي من جملتها ما وعد إراءَته من الفاسقين ومعنى صرفِهم عنها الطبعُ على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ }تفسير : وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر مع أن في المؤخَّرِ نوعَ طُولٍ يُخِل تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الجليلِ أي سأطبع على قلوب الذين يعدّون أنفسَهم كُبراءَ ويرَوْن لهم على الخلق مزِيةً وفضلاً فلا ينتفعون بآياتي التنزيليةِ والتكوينيةِ ولا يغتنمون مغانمَ آثارِها، فلا تسلُكوا مسلكَهم فتكونوا أمثالَهم، وقي: المعنى سأصرِفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعونُ في إبطال ما رآه من الآيات فأبى الله تعالى إلا إحقاقَ الحقِّ وإزهاقَ الباطل، وعلى هذا فالأنسبُ أن يُرادَ بدار الفاسقين أرضُ الجبابرةِ والعمالقةِ المشهورين بالفسق والتكبر في الأرض وبإراءتها للمخاطَبـين إدخالُهم الشامَ وإسكانُهم في مساكنهم ومنازلِهم حسبما نطَق به قولُه تعالى: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ }تفسير : [المائدة: 21] ويكون قولُه تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِي} الخ، جواباً عن سؤال مقدر ناشىءٍ من الوعد بإدخال الشامِ على أن المرادَ بالآيات ما تُلي آنفاً ونظائرُه، وبصرفهم عنها إزالتُهم عن مَقام معارضتِها وممانعتِها لوقوع أخبارِها وظهور أحكامِها وآثارِها بإهلاكهم على يد موسى عليه الصلاة والسلام حين سار بعد التّيهِ بمن بقيَ من بني إسرائيلَ أو بذرياتهم على اختلاف الروايتين إلى أريحا ويوشعُ بنُ نونٍ في مقدمته ففتحها واستقر بنو إسرائيلَ بالشام وملكوا مشارقَها ومغاربَها كأنه قيل: كيف يرون دارهم وهم فيها؟ فقيل: سأُهلِكُهم، وإنما عدل إلى الصَرْف ليزدادوا ثقةً بالآيات واطمئناناً بها وقوله تعالى: {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} إما صلةٌ للتكبر أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينُهم الباطلُ وظلمُهم المُفْرِطُ أو متعلق بمحذوف هو حالٌ من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق وقوله تعالى {وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها} عطفٌ على يتكبرون داخلٌ معه في حُكم الصلةِ والمرادُ بالآية إما المنزلةُ فالمرادُ برؤيتها مشاهدتُها بسماعها أو ما يعمُّها من المعجزات فالمرادُ برؤيتها مطلقُ المشاهَدةِ المنتظمةِ للسماع والإبصار، أي وإن يشاهِدوا كلَّ آيةٍ من الآيات لا يؤمنوا بها على عموم النفي لا على نفي العُموم أي كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائِهم إياها كما هي وهذا كما ترى يؤيد كونَ الصرفِ بمعنى الطبع وقوله تعالى: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي لا يتوجهون إلى الحق ولا يسلُكون سبـيله أصلاً لاستيلاء الشيطنةِ عليهم ومطبوعيّتِهم على الانحراف والزيغ، وقرىء بفتحتين وقرىء الرشادِ وثلاثتُها لغات كالسُّقْم والسقام {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَىّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أي يختارونه لأنفسهم مسلَكاً مستمراً لا يكادون يعدِلون عنه لموافقته لأهوائهم الباطلةِ وإفضائه بهم إلى شهواتهم {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما ذكر من تكبُّرهم وعدمِ إيمانهم بشيء من الآيات وإعراضِهم عن سبـيل الرشدِ وإقبالِهم التامّ إلى سبـيل الغيِّ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ} أي حاصلٌ بسبب أنهم {كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} الدالةِ على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادِها {وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ} لا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل، ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما ذُكر من الصرف ولا يمنعُه الإشعارُ بعلّية ما في حيز الصلةِ كيف لا وقد مر أن ذلك في قوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ بِمَا عَصَواْ }تفسير : [البقرة: 61, المائدة: 78] الآية، يجوزُ أن يكون إشارةً إلى ضرب الذلةِ والمسكنةِ والبَوْءِ بالغضب العظيمِ مع كون ذلك معللاً بالكفر بآيات الله صريحاً، وقيل: محلُّ اسمِ الإشارةِ النصبُ على المصدر، أي سأصرفهم ذلك الصَّرْفَ بسبب تكذيبِهم بآياتنا وغفلتِهم عنها.

التستري

تفسير : قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}[146] قال: هو أن يحرمهم فهم القرآن، والاقتداء بالرسول عليه الصلاة والسلام. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من أعطي فهم القرآن فقد أعطي الخير الكثير، ومن فاته فهم القرآن فقد فاته علم عظيم"تفسير : . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تعظيم الله إكرام ذي الشيبة في الإسلام، وإكرام الإمام العادل، وإكرام حامل القرآن غير الغالي فيه ". تفسير : قوله: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}[146] قال: ردهم إلى سابق علمه فيهم أنهم سيفعلون ذلك لخذلانه إياهم بما دلتهم عليه أنفسهم الطبيعية من الحركة في النهي، والسكون في الأمر، وادعاء الحول والقوة على ما جبلت عليه أنفسهم، والاغترار به.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [الآية: 146]. قال بعضهم: التكبر تكبران: وتكبر بحق وتكبر بغير حقٍ، فالتكبر بالحق تكبر الفقراء على الأغنياء، استغناء بالله عما فى أيديهم وتكبر بغير حقٍ وهو تكبر الأغنياء على الفقراء إزدراءً لما هم فيه من فقرهم. قال الواسطى رحمة الله عليه: والتكبر بالحق هو التكبر على الأغنياء والفسقة والكفار وأهل البدع، لأنه روى فى الأثر: "ألقوا أهل المعاصى بوجوه مكفهرة". قال بعضهم: أرباب الكبائر مصروفون عن الكرائم، لأن الله يقول: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ}. قال سهل: هو أن يحرمهم فهم القرآن، والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطاء: سأمنع قلوبهم وأسرارهم وأرواحهم عن الجولان فى ملكوت القدس عن الحق، لأن ذلك فى ملكوت القدس قال الجريرى فى هذه الآية: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} حتى لا يفهموها ولا يجدوا لها لذة، لأنهم تكبروا بأحوال النفوس بالخلق والدنيا، فصرف الله عن قلوبهم آياته لما انصرفوا عنه، ومن استولت عليه النفس صار أسيرًا فى حكم الشهوات، محصورًا فى سجن الهوى، حرم الله على قلبه فوائد آياته وكتابه وإن أكثر ترداده على لسانه.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا}. سأَحْرُمُ المتكبرين بركاتِ الاتباع حتى لا يقابلوا الآياتِ التي يُكاشَفُون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان. والتكبُّر جحدُ الحق - على لسان العلم، فَمَنْ جَحَدَ حقائقَ الحقِّ فجحودُه تكبُّره واعتراضُه على التقدير مما يتحقق جحودُه في القلب. ويقال التكبُّر توهمُ استحقاقِ الحقِّ لك. ويقال من رأى لنفسه قيمةً في الدنيا والآخرة فهو متكبِّر. ويقال مَنْ ظَنَّ أَنَّ شيئاً منه أو له أو إليه - من النفي والإثبات - إلا على وجه الاكتساب فهو متكبِّر. قوله جلّ ذكره: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تبيَّن بهذا أنه لا يكفي شهودُ الحقِّ حقاً وشهودُ الباطلِ باطلاً بل لا بُدَّ من شهود الحق من وجود التوفيق للحق، ومنع شهود الباطل من وجود العصمة من اتباع الباطل. ويقال إِنَّ الجاحِدَ للحقِّ - مع تحققه به - أقبحُ حالةً من الجاهل به المُقصِّرِ في تعريفه.

اسماعيل حقي

تفسير : {سأصرف عن آياتى الذين يتكبرون فى الارض} المراد بالآيات ما كتب فى الواح التوراة من المواعظ والاحكام وغيرها من الآيات التكوينية التى من جملتها ما وعد اراءته من دار الفاسقين ومعنى صرفهم عنها الطبع على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لاصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر. والمعنى ساطبع على قلوب الذين يعدون انفسهم كبراء ويرون لهم على الخلق مزية وفضلا فلا ينتفعون بآياتى التنزيلية والتكوينية المنصوبة فى الانفس والآفاق ولا يغتنمون بمغانم آثارها فلا تسلكوا يا بنى اسرائيل مسلكهم فتكونوا امثالهم {بغير الحق} صلة للتكبر اى يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط. قال ابن الشيخ لما كان التكبر مؤديا الى الحرمان من الانتفاع بالات المذكورة وتضييعها كان المقصود من الآية تحذير بنى اسرائيل عن التكبر المفضى الى ان يصرفهم الله عن التفكر فى الآيات والاهتداء بها حتى يأخذوا احكام التوراة بجد ورغبة انتهى. فالآية متصلة بقصة بنى اسرائيل ويحتمل ان تكون كلاما معترضا خلال قصتهم اخبر به رسول الله انه حرم المتكبرين من امته فهم معانى القرآن والتدبر فيها كما قيل ابى الله تعالى ان يكرم قلوب الظالمين بتمكينهم من فهم حكمة القرآن والاطلاع على عجائبه شعر : حيفست جنين كنج دران ويرانه تفسير : {وان يروا} يشاهدوا {كل آية}من الآيات كانت معجزة {لا يؤمنوا بها} اى كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائها اياها كما هى {وان يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} اى لا يتوجهون الى الحق ولا يسلكون سبيله اصلا لاستيلاء الشيطنة عليهم ومطبوعيتهم على الانحراف والزيغ {وان يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا} اى يختارونه لانفسهم مسلكا مستمراً لا يكادون يعدلون عنه لموافقته لاهوائهم الباطلة وافضائه بهم الى شهواتهم {ذلك} اشارة الى ما ذكر من تكبرهم وعدم ايمانهم بشيء من الآيات واعراضهم عن سبيل الرشد واقبالهم التام على سبيل الغى {بانهم} اى حاصل بسبب انهم {كذبوا بآيتنا} الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية اضدادها وهى الآيات المنزلة والمعجزة {وكانوا عنها غافلين} لا يتفكرون فيها والا لما فعلوه من الاباطيل فالمراد بالغفلة عنها عدم التفكر والتدبر فيها عبر عن عدم تدبر الآيات بالغفلة عنها تشبيها للمعرض عن الشيء بمن غفل عنه.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي وخلف {الرشد} بفتح الراء والشين. الباقون بضم الراء وسكون الشين. وفرق بينهما أبو عمرو بن العلاء، فقال: الرشد - بضم الراء - الصلاح، كقوله {أية : فإِن آنستم منهم رشداً}تفسير : أي صلاحاً، لدفعه اليهم، والرشد الاستقامة في الدين، كقوله{أية : على أن تعلمني مما علمت رشدا}تفسير : وقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، مثل الحزْن والحزَن، والسِقم والسَقم، والرشد سلوك طريق الحق تقول: رشُد يرشد رشداً، ورشِد يرشد رشدا، وارشده ارشادا، واسترشد أسترشادا، وضده الغي: غوي يغوى غياً وغواية، وأغواه إِغواء، واستغواه استغواء. وقال الجبائي والرماني: معنا {سأصرف عن آياتي} أي سأصرف عن أياتي من العز والكرامة بالدلالة التي كسبت الرفعة في الدنيا والآخرة، ويجوز ان يكون معناه أي احكم عليهم بالانصراف واسميهم بأنهم منصرفون عنها، لانهم قد انصرفوا عنها، كما قال {أية : ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم}. تفسير : ويحتمل أن يكون المراد اني سأصرفهم عن التوراة والقرآن، وما أوحى الله من كتبه بمعنى امنعهم من إِفساده وتغييره وإِبطاله، لأنه قال في أوَّل الآية {وكتبنا له في الألواح} الى قوله تعالى {سأصرف عن آياتي} ويجوز ان يكون المراد {سأريهم آياتي} فينصرفون عنها وهم الذين يتكبرون في الارض بغير الحق، كما يقول القائل: سأحير فلانا أي اسأله عن شيء فيتحير عند مسألتي، وسأنجل فلانا أي أسأله ما ينجل عنده، وكذلك يقال: سأقطع فلانا بكلامي، والمراد انه سينقطع عند كلامي، وكل ذلك واضح بحمد الله. ويجوز أن يكون المراد انهم لما عاندوا وتمردوا بعد لزوم الحجة عليهم وحضروا للتلبيس والشغب على ما حكاه الله عنهم انهم قالوا {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}تفسير : صرفهم الله بلطفه عن الحضور كما كانوا يحضرونه، ويحتمل أن يكون المراد سأصرف عن جزاء آياتي. ومن زعم انه بمعنى سأصرف عن الايمان بآياتي فقد أخطأ، لانه تعالى لا يأمر بالايمان ثم يمنع منه، لان حكمته تمنع من ذلك. والصرف نقل الشيء الى خلاف جهته، يقال: صرفه يصرفه صرفا، وصرَّفه تصريفا، وتصرف تصرفا، وصارفه مصارفة، انصرف انصرافا. وقوله تعالى {الذين يتكبرون في الأرض} والتكبر اظهار كبر النفس على غيرها، وصفة متكبر صفة ذم في جميع البشر، وهو مدح في صفات الله تعالى، لانه يستحق اظهار الكبر على كل شيء سواه، لان ذلك حق، وهذا المعنى في صفة غيره باطل، فمعنى الآية الاخبار من الله انه يصرف عن ثواب آياته {الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإِن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} يعني الذين اذا شاهدوا الحجج والبراهين لا ينقادون لها، ولا يصدِّقون بها {وإِن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا} ومعناه انهم متى رأوا سبيل الصلاح عدلوا عنه، ولم يتخذوه طريقا لهم بمعنى انهم لا يعملون بذلك {وإِن يروا سبيل الغي..} يعني وان يروا ضد الرشد من الكفر والضلال سلكوه وارتكبوا معصية الله في ذلك. وقوله تعالى {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} يحتمل ذلك أن يكون في موضع رفع أي امرهم ذلك، ويحتمل ان يكون نصبا أي فعلنا بهم ذلك، لانهم تكبروا وكذبوا، ومعناه: أفعل ذلك بهم، يعني صرفي لهم عن ثواب الآيات الجزيل والمنزلة الجليلة. ومن قال من المجبرة: ان الله تعالى يصرفه عن الايمان قوله باطل، لانه تعالى لا يجوز ان يصرف احدا عن الايمان، لانه لو صرفه عنه ثم أمره به لكان كلفه ما لا يطيقه، وذلك لا يجوز عليه تعالى. وأيضا فان الله تعالى بين انه يصرفهم عن ذلك في المستقبل، جزاء لهم على كفرهم الذي كفروا، فكيف يكون ذلك صرفا عن الايمان! وقيل: إِن معنى الآية أي سأصرف عن آياتي، ولا أظهرها لهم كما أظهرتها للمؤمنين، ويريد بذلك المعجزات الباهرات، لعلمي بأن إِظهارها مفسدة لهم يزدادون عندها كفرا، تبين ذلك في قوله تعالى {وإِن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإِن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا}. وقيل: معناه سأصرف عن إِبطالها والطعن فيها بما أظهره من حججها، كما يقال: سأمنعك من فلان أي من أذاه، ذكره البلخي.

الجنابذي

تفسير : {سَأَصْرِفُ} البتّة على ان يكون السّين للتّأكيد او سأظهر يوم القيامة انّ انصراف المنصرف كان بسبب تكبّره بغير الحقّ، ولمّا كان الاهتمام ببيان سبب الانصراف لا الصّارف لم يقل: انا اصرف بتقديم المسند اليه تقوية للحكم او حصراً {عَنْ آيَاتِي} التّدوينيّة الّتى هى احكام نظام المعاش وحسن المعاد وظهور الآيات التّكوينيّة او عن الآيات التّكوينيّة الآفاقيّة والانفسيّة واعظمها الآيات العظمى او عن الجميع {ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ} يظهرون الكبر او ينتحلون الكبر {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} فانّ التكبّر بأمره مع المتكّبر صدقة، والتكبّر بكبريائه تعالى كبرياء الحقّ وهما لا يمنعان من انقياد الآيات {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} من عطف المسبّب على السّبب لتكّبرهم المانع من الاذعان بآياتى {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} لادبارهم بتكبّرهم عن سبيل الرّشد {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} لاقبالهم على الغىّ، والمراد بسبيل الرّشد والغىّ الاعمال والاخلاق الموصلة اليهما بل نقول: للنّفس طريق الى العقل وهو الرّشد وطرقٌ عديدةٌ الى الجهل وهى الغىّ، والنّفس برزخ واقع بينهما والاعمال والاخلاق الحسنة من لوازم طريقها الى العقل، وضدّها من لوازم طرقها الى الجهل {ذٰلِكَ} التكبّر الّذى هو سبب الكلّ او ذلك المذكور من الصّرف والتّكبّر وعدم الايمان بالآيات وعدم اتّخاذ سبيل الرّشد واتّخاذ سبيل الغىّ {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} فانّ سبب الكلّ التّكذيب بآياتنا العظمى او مطلق الآيات {وَكَانُواْ عَنْهَا} من حيث انّها آيات {غَافِلِينَ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآُخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} عطف على مدخول انّ وهو على صورة قياسٍ اقترانىٍّ من الشّكل الاوّل وصورته هكذا: ذلك بانّهم كّذبوا بآياتنا وكلّ من كذّب بآياتنا حبطت اعمالهم فلا ينتفعون بها حتّى يقرّبهم الى سبيل الرّشد والانقياد للآيات {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} كأنّه قيل: حبط الاعمال لا يشبه العدل، فقال: ليس حبط الاعمال الاّ جزاء اعمالهم.

الهواري

تفسير : قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ} قال الحسن: سأصرفهم عنها بفعلهم حتى لا يؤمنوا بها. قال: {وَإِن يَرَوْا كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا} يخبر بعلمه فيهم. {وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أخبر أَنهم لا يؤمنون أبداً. ثم أخبر لِمَ ذلك وبِمَ هو، فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أي معرضين جاحدين. قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الأَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} أي حسناتهم في الآخرة، أي استوفوها في الدنيا {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. كقوله: (أية : مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمُ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ ) تفسير : [هود:15] أي لا ينقصون (أية : أوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الأَخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تفسير : [هود:16].

اطفيش

تفسير : {سأصْرفُ} أمنع بالطبع على القلوب {عَنْ آياتى} كلما يدل على وجود الله ووحدانيته ورسالة رسله، وسكن بن عامر وحمزة الياء {الَّذينَ يَتكبَّرونَ} يدعون أنهم أعظم من غيرهم شأنا وفضلا {فى الأرْض بغَيرِ الحقِّ} حال من الواو، أى يتكبرون مبطلين لا محققين وهى مؤسسة باعتبار أن الناس كانوا لا يعرفون أن التكبر الحق مختص بالله، أو باعتبار أن التكبر قد يكون بحق كالكبر عن الفساق بفسقهم، ومؤكدة بقطع النظر عن ذلك إلى أن من يتكبر وحق له التكبر على الإطلاق هو الله، أو يتعلق بيتكبرون أى يتكبر بما ليس حقا من دينهم الباطل، وبما لا مدخل له فى الفضل: كمال وولد وجاه، فإن الفضل بالتقوى، وذلك التكبر أخذ من قلوبهم مكانه فلم يمكنهم التفكر والاعتبار فى الآيات، وذلك خذلان من الله عقابا على تكبرهم، وذلك دليل على أن الضلال من الله باختيار من العبد فى فعل ما يوجبه، وكذا الهدى. واعلم أن الانهماك فى الشهوات مشغل عن الآيات، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا عظَّمت أمتى الدنيا نُزعت هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر حرمت بركة الوحى" تفسير : أو سأصرفهم عن إبطال آياتى وان اجتهدوا فيه كما كان أبو جهل يجتهد فى إبطال ما يجىء به سيدنا محمد بنحو تسميته سحرا، وكما كان فرعون يجتهد فى إبطال آيات موسى التسع فأعلى الله الآيات وأهلكهم، وقد جمع فرعون السحرة لإبطال آية موسى فانتكس عليه الأمر، أو سأصرفهم عن الطعن فى الآيات والاستهانة بها، وتسميتها سحرا بإهلاكهم. وقال سفيان بن عيينة: سأصرفهم عن فهم القرآن، وقيل عنه: الآيات آيات كل كتاب، وعلى كل حال فالآية عامة، وذلك قول الأكثر، وقيل: إن ذلك من جملة ما قيل لموسى، وإن الآيات آياته التسع، والمتكبرون فرعون وقومه، وعلى كل قول ففى الآية إنذار للمتكبرين أن يترك التكبر لئلا يسلك بهم ذلك المسلك السيىء. {وإنْ يَروْا} وقرأ مالك بن دينار رحمه الله بالبناء المفعول من أرى الرباعى، والعطف على يتكبرون، أى الذى من صفتهم التكبر وعدم الإيمان بالآيات، واتخاذ سبيل الغى لا الرشد سبيلا {كُلَّ آيةٍ} من آيات كتب الله أو كل معجزة {لا يؤمنُوا بها} لعنادهم، أو لاختلال عقولهم بانهماكهم فى الهوى والتقليد، وهذا يقوى أن الصرف المذكور الطبع على القلب. {وإنْ يَروْا سَبيلَ الرُّشدِ} طريق الصواب، وقرأ ابن عامر فى رواية عنه، وأبو البرهسم بضم الشين اتباعا للراء أو جمعا للرشد بالإسكان، أو للرشاد، وقرأ حمزة والكسائى بفتح الراء والشين، وقرأ أبو عبد الرحمن فيما ذكر أبو حاتم الرشاد والمعنى واحد، وقال المعرى: الرشد بضم الراء وإسكان الشين الصلاح فى النظر وبفتحهما أو مع ألف فى الدين {لا يتَّخذوهُ} وقرأ ابن أبى عبلة لا يتخذوها، لأن السبيل يذكر ويؤنث {سَبيلاً وإنْ يَروْا سَبيلَ الغىِّ} خلاف الرشد {يتَّخذوهُ} وقرأ ابن عبلة يتخذوها {سَبيلاً} والسبيلان مستعاران، أى لما يأخذ به الإنسان فينجوا ويهلك، والقرينة الرشد والغى، أو شبه ما ينجو به فى الآخرة، أو يهلك بما ينجو به فى الأرض، أو يهلك تشبيها مضمرا فى النفس. وذكر السبيل رمز، وأولى من ذلك أن يجعل الكلام كله استعارة تمثيلية بأن يشبه ركوب الخطأ فى الديانة، والإعراض عن الصواب فيها بالإعراض عن الطريق المستقيم فى المفازة، والأخذ فى غيره المهلك على العمد، ولا أسفه من فعل ذلك ولا أشد استيلاء من الشيطان عليه منه. {ذَلكَ} الصرف والمذكور من عدم الإيمان واتخاذ سبيل الغى لا الرشد سبيلا، مبتدأ وقوله: {بأنهم} بسبب أنهم {كذَّبُوا بآياتنا} خبره، أو مفعول لمحذوف أى فعلت ذلك، لأنهم الخ، أو مفعول مطلق لمحذوف، أى صرفتهم ذلك الصرف، وإن قلت: كيف يكون صرفهم عن الآيات بسبب تكذيبهم بالآيات؟ قلت: على أن المراد بآيات الأولى غير المراد بالثانية، أو على أن المعنى نصرفهم عن الاتعاظ بها، لأنهم كذبوا بها {وكانُوا عَنْها غَافلينَ} غير متوجهين إلى النظر فيها.

اطفيش

تفسير : {سَأَصْرِفُ} بالطبع على القلوب فلا يعتبرون {عَنْ آيَاتِىَ} آيات التوراة وسائر وحيى أَو دلائلى فى الآفاق كالسموات والأَرض وما فيهما، أَو سأَصرف عن إِبطال آياتى ولو اجتهد فى إِبطالها كما فعل فرعون {الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} من كفار قريش، أَو من الكفار مطلقاً {فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} أَى بدينهم الباطل، أَو حال كونهم بغير حق تأكيداً لأَن التكبر لا يكون بحق، أَو بغير حق فى عملهم إِنهم غير محقين، أَو احترز عن تكبر بحق كاعتقاد الإِنسان رفعة رتبته بكونه على الهدى بلا تسفيه حق، ولا تحقير خلق، وكالتكبر على الفساق لله لا للنفس. والكلام مع موسى، أَو مع رسول الله صلى الله وسلم عليهما {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} عطف على يتكبرون، أَى الذين من صفتهم التكبر بغير الحق وانتفاء الإيمان بكل آية رأَوها، وانتفاء اتخاذ سبيل الرشد سبيلا، وثبوت اتخاذ سبيل الغى سبيلا، والرشد: الهدى، والغى: الضلال، والآية تشمل الآية المنزلة والمعجزة، فالرؤية المشاهدة بالسمع أَو البصر من عموم المجاز لا من الجمع بين الحقيقة والمجاز، والمعنى: وإِن يشاهدوا كل آية لا يؤمنوا بها على نفى العموم، فقد يؤمنون ببعضها لكن لا ينفع الإِيمان بالبعض، أَو على عموم النفى لأَنهم ولو آمنوا ببعض لكن لا ينفع، ولا يحقون ما آمنوا به، فكأَنهم لم يؤمنوا، والظاهر الأَول، ولو كان الثانى ملائماً للطبع، وقيل: المراد الآية المنزلة، ويدل له قوله سبحانه {وإِن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا} والموعظة مما يجب أَن يرجع إِليه فى كل أَمر يذكر به كما كثر فى أَكثر الفواصل نحو: أَفلا تتذكرون، أَفلا تتقون، وانظر سورة الرحمن كيف وقع فيها التكرير ليستأنف السامع ادكارا واتعاظا، ويجدد تنبيها واستيقاظا {ذَلِكَ} أَى صرفى إِياهم عنها، {بِأَنَّهُمْ} أَى ثابت بأَنهم {كَذَّبُوا} أَى بتكذيبهم {بِآيَاتِنَا} أَو مفعول مطلق لأَنه إِشارة إِلى الصرف لا صرف، أَى سأَصرف عن آياتى ذلك الصرف {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أَى وبكونهم غافلين عنها، فذلك عطف، ولا تثبت واو الاستئناف، والغفلة الإِعراض عن الشئ بلا عمد، شبه به الإِعراض عنه عمدا.

الالوسي

تفسير : {سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ} استئناف مسوق على ما قال شيخ الإسلام لتحذيرهم عن التكبر الموجب لعدم التفكر في الآيات التي كتبت في ألواح التوراة المتضمنة للمواعظ والأحكام أو ما يعمها وغيرها من الآيات التكوينية التي من جملتها ما وعدوا إراءته من دار الفاسقين، ومعنى صرفهم عنها منعهم بالطبع على قلوبهم فلا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله سبحانه: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : [الصف: 5] أي سأطبع على قلوب الذين يعدون أنفسهم كبراء ويرون أن لهم ارتفاعاً في العالم السفلي ومزية على الخلق فلا ينتفعون بآياتي ولا يغتنمون مغانم آثارها فلا تسلكوا مسلكهم فتكونوا / أمثالهم، وقيل: هو جواب سؤال مقدر ناشىء من الوعد بإدخال أرض الجبابرة والعمالقة على أن المراد بالآيات ما تلي آنفاً ونظائره وبالصرف عنها إزالة المتكبرين عن مقام معارضتها وممانعتها لوقوع أخبارها وظهور أحكامها وآثارها بإهلاكهم على يد موسى أو يوشع عليهما السلام، كأنه قيل: كيف ترى دارهم وهم فيها؟ فقيل لهم: سأهلكهم، وإنما عدل إلى الصرف ليزدادوا ثقة بالآيات واطمئناناً بها؛ وعلى هذين القولين يكون الكلام مع موسى عليه السلام، والآية متعلقة إما بقوله سبحانه: {أية : سأوريكم} تفسير : [الأعراف:145] وإما بما تقدمه على الوجه الذي أشير إليه آنفاً، وجوز الطيبـي كونها متصلة بقوله تعالى: {أية : وَأَمَرْ }تفسير : [الأعراف: 145] الخ على معنى الأمر كذلك؛ وأما الإرادة فإني سأصرف عن الأخذ بآياتي أهل الطبع والشقاوة، وقيل: الكلام مع كافري مكة والآية متصلة بقوله عز شأنه: {أية : أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } تفسير : [الأعراف: 100] الآية، وإيراد قصة موسى عليه السلام وفرعون للاعتبار أي سأصرف المتكبرين عن إبطال الآيات وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه فعله بعكس ما أراد، وقيل: إن الآية على تقدير كون الكلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتراض في خلاف ما سيق للاعتبار ومن حق من ساق قصة له أن ينبه على مكانه كلما وجد فرصة التمكن منه، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لإظهار الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع أن في المؤخر نوع طول يخل تقديمه بتجاوب أطراف النظم الجليل، واحتج بالآية بعض أصحابنا على أن الله تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصد عنه وهو ظاهر على تقدير أن يراد بالصرف المنع عن الإيمان وليس بمتعين كما علمت، وقد خاض المعتزلة في تأويلها فأولوها بوجوه ذكرها الطبرسي. {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} إما صلة للتكبر على معنى يتكبرون ويتعززون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل وظلمهم المفرط أو متعلق بمحذوف هو حال من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق ومآله يتكبرون غير محقين لأن التكبر بحق ليس إلا لله تعالى كما في الحديث القدسي الذي أخرجه أبو داود عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه «حديث : الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحد منهما قذفته في النار».تفسير : وقيل: المراد أنهم يتكبرون على من لا يتكبر كالأنبياء عليهم السلام لأنه الذي يكون بغير حق، وأما التكبر على المتكبر فهو بحق لما في الأثر «التكبر على المتكبر صدقة»، وأنت تعلم أن هذا صورة تكبر لا تكبر حقيقة فلعل مراد هذا القائل: إن التقييد بما ذكر لإظهار أنهم يتكبرون حقيقة. {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} عطف على {يَتَكَبَّرُونَ} داخل معه في حكم الصلة، والمراد بالآية إما المنزلة فالمراد برؤيتها مشاهدتها والإحساس بها بسماعها أو ما يعمها وغيرها من المعجزات، فالمراد برؤيتها مطلق المشاهدة المنتظمة للسماع والإبصار، وفسر بعضهم الآيات فيما تقدم بالمنصوبة في الآفاق والأنفس، والآية هنا بالمنزلة أو المعجزة لئلا يتوهم الدور على ما قيل فليفهم، وجوز أن يكون عطفاً على {سَأَصْرِفُ} للتعليل على منوال قوله سبحانه: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ } تفسير : [النمل: 15] على رأي صاحب «المفتاح»، وأياً ما كان فالمراد عموم النفي لا نفي العموم أي كفروا بكل آية آية {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ} أي طريق الهدى والسداد {لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أي لا يتوجهون إليه ولا يسلكونه أصلاً لاستيلاء الشيطنة عليهم. وقرأ حمزة. والكسائي {الرشد} بفتحتين، وقرىء {الرشاد} وثلاثها لغات كالسقم والسقم والسقام، وفرق / أبو عمرو كما قال الجبائي بين الرشد والرشد بأن الرشد بالضم الصلاح في الأمر والرشد بالفتح الاستقامة في الدين، والمشهور عدم الفرق {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ} أي طريق الضلال {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} أي يختارونه لأنفسهم مسلكاً مستمراً لا يكادون يعدلون عنه لموافقته لأهوائهم وإفضائه بهم إلى شهواتهم. {ذٰلِكَ} أي المذكور من التكبر وعدم الإيمان بشيء من الآيات وإعراضهم عن سبيل الهدى وإقبالهم التام إلى سبيل الضلال حاصل {بِأَنَّهُمْ} أي بسبب أنهم {كَذَّبُواْ بِـايَـٰتِنَا} الدالة على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادها {وَكَانُواْ عَنْهَا غَـٰفِلِينَ} غير معتدين بها فلا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل، وجوز غير واحد أن يكون ذلك إشارة إلى الصرف، وما فيه من البحث يدفع بأدنى عناية كما لا يخفى على من مدت إليه العناية أسبابها، وأياً ما كان فاسم الإشارة مبتدأ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع خبراً عنه كما أشرنا إليه. وقيل: محل اسم الإشارة النصب على المصدر أي سأصرفهم ذلك الصرف بسبب تكذيبهم بآياتنا وغفلتهم عنها، ولا مانع من كون العامل أصرف المقدم لأن الفاصل ليس بأجنبـي.

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن تكون هذه الآية تكملة لما خاطب الله به موسى وقومه، فتكون جملة {سأصرف} الخ بأسهم، استئنافاً بيانياً، لأن بني إسرائيل كانوا يهابون أولئك الأقوام ويخْشوْن، فكأنهم تساءلوا كيف تُرينا دارهم وَتعدُنا بها، وهلْ لا نهلك قبل الحلول بها، كما حكى الله عنهم {أية : قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبّارين} تفسير : الآية في سورة العقود (22) وقد حكى ذلك في الإصحاح الرابع عشر من سفر العدد، فاجيبوا بأن الله سيصرف أولئك عن آياتِه. والصرف الدفع أي سَأَصُدُّ عن آياتي، أي عن تعطيلها وإبطالها. والآيات الشريعة، ووعد الله أهلها بأن يورثهم أرض الشام، فيكون المعنى سأتَوَلّى دفعهم عنكم، ويكون هذا مثل ما ورد في التوراة في الإصحاح الرابع والثلاثين «ها أنا طاردٌ من قُدَّامِك الأُموريين الخ»، فالصرف على هذا الوجه عناية من الله بموسى وقومِه بما يُهيء لهم من أسباب النصر على أولئك الأقوام الأقوياء، كإلقاء الرعببِ في قلوبهم، وتشتيت كلمتهم، وإيجاد الحوادث التي تفت في ساعد عُدتهم أو تكونُ الجملة جواباً لسؤال من يقول: إذا دخلنا أرض العدو فلعلهم يؤمنون بهدينا، ويتبعون ديننا، فلا نحتاج إلى قتالهم، فأجيبوا بأن الله يَصرفهم عن إتباع آياته؛ لأنهم جُبلوا على التكبر في الأرض، والإعراضضِ عن الآيات، فالصرف هنا صرف تكويني في نفوس الأقوام، وعن الحسن: أن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى حد إذا وصل إليه مَات قلبه. وفي قَصِّ الله تعالى هذا الكلامَ على محمد صلى الله عليه وسلم تعريض بكفار العرب بأن الله دافِعُهم عن تعطيل آياته، وبأنه مانع كثيراً منهم عن الإيمان بها لما ذكرناه آنفاً. ويجوز أن تكون جملة {سأصرف عن آياتي} من خطاب الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم رَوى الطبري ذلك عن سفيان بن عيينة، فتكون الجملة معترضة في أثناء قصة بني إسرائيل بمناسبة قوله: {أية : سأُريكم دار الفاسقين} تفسير : [الأعراف: 145] تعريضاً بأن حال مشركي العرب كحال أولئك الفاسقين، وتصريحاً بسبب إدامتهم العناد والإعراض عن الإيمان، فتكون الجملة مستأنفة استينافاً ابتدائياً، وتأتي في معنى الصرف عن الآيات الوجوه السابقة واقتران فعل {سأصرف} بسين الاستقبال القريب تنبهه على أن الله يُعجل ذلك الصرف. وتقديم المجرور على مفعول {أصرف} للاهتمام بالآيات، ولأن ذكره عقب الفعل المتعلق هو به أحسنُ. وتعريف المصروفين عن الآيات بطريق الموصولية للإيماء بالصلة إلى علة الصرف. وهي ما تضمنته الصلات المذكورة، لأن من صارت تلك الصفات حالات له يَنصره الله، أو لأنه إذا صار ذلك حاله رين على قلبه، فصرف قلبه عن إدراك دلالة الآيات وزالت منه الأهلية لذلك الفهم الشريف. والأوصاف التي تضمنتها الصلات في الآية تنطبق على مشركي أهل مكة أتَمّ الانطباق. والتكبر الاتصاف بالكبر. وقد صيغ له الصيغة الدالة على التكلف، وقد بينا ذلك عند قوله تعالى: {أية : أبَى واستكبر} تفسير : [البقرة: 34] وقوله: {أية : استكْبرتم} تفسير : في سورة البقرة (87)، والمعنى: أنهم يُعْجبَون بأنفسهم، ويعُدون أنفسهم عظماءَ فلا يأتمرون لآمر، ولا ينتصحون لناصح. وزيادة قوله: {في الأرض} لتفضيح تكبرهم، والتشهير بهم بأن كبرهم مظروف في الأرض، أي ليس هو خفياً مقتصراً على أنفسهم، بل هو مبثوث في الأرض، أي مبثوث أثره، فهو تكبر شائع في بقاع الأرض كقوله: {أية : يبغون في الأرض بغير الحق}تفسير : [يونس: 23] وقوله: {أية : ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} تفسير : [البقرة: 27] وقوله: {أية : ولا تمش في الأرض مَرحاً}تفسير : [الإسراء: 37] وقولُ مرة بن عَدّاءَ الفقعسي:شعر : فهلاّ أعدوني لِمثلي تفاقَدوا وفي الأرْض مبثوثٌ شجاعٌ وعقرب تفسير : وقوله: {بغير الحق} زيادة لتشنيع التكبر بذكر ما هو صفة لازمة له، وهو مغايرة الحق، أي: باطل وهي حال لازمة للتكبر، كاشفة لوصفه، إذ التكبر لا يكون بحق في جانب الخلق، وإنما هو وصف لله بحق؛ لأنه العظيم على كل موجود، وليس تكبر الله بمقصود أن يحترز عنه هنا حتى يجعل القيد {بغير الحق} للاحتراز عنه، كما في «الكشاف». ومن المفسرين من حاول جعل قوله: {بغير الحق} قيداً للتكبر، وجعل من التكبر ما هو حق، لأن للمحق أن يتكبر على المبطل، ومنه المقالة الشمهورة «الكِبْر على المتكبر صدقة» وهذه المقالة المستشهد بها جرت على المجاز أو الغلط. وقوله: {وإن يَروا كل آية لا يؤمنوا بها} عطف على قوله: {يتكبرون} فهو في حكم الصلة، والقول فيه كالقول في قوله: {أية : لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية} تفسير : في سورة يونس (96، 97) وكل مستعملة في معنى الكثرة، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ولئن أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية} تفسير : في سورة البقرة (145). والسبيل مستعار لوسيلة الشيء بقرينة إضافته إلى الرشد وإلى الغي. والرؤية مستعارة للإدراك. والاتخاذ حقيقته مطاوع أخّذه بالتشديد، إذا جعله آخذاً، ثم أطلق على أخذ الشيء ولو لم يعطه إياه غيرُه، وهوَ هنا مستعار للملازمة، أي لا يلازمون طريق الرشد، ويلازمون طريق الغي. والرشد الصلاح وفعل النافع، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : فإن آنستم منهم رشداً} تفسير : في سورة النساء (6) والمراد به هنا: الشيء الصالح كله من الإيمان والأعمال الصالحة. والغي الفساد والضلال، وهو ضد الرشد بهذا المعنى، كما أن السفه ضد الرشد بمعنى حسن النظر في المال، فالمعنى: أن يدركوا الشيءَ الصالح لم يعملوا به. لغلبة الهوى على قلوبهم، وإن يدركوا الفساد عملوا به لغلبة الهوى، فالعمل به حمل للنفس على كلفة، وذلك تأباه الأنفس التي نشأت على متابعة مَرغوبها، وذلك شأن الناس الذين لم يروّضوا أنفسهم بالهدى الإلهي، ولا بالحكمة ونصائح الحكماء والعقلاء، بخلاف الغي، فإنه ما ظهر في العالم إلاّ من آثار شهوات النفوس ودعواتها التي يزيَن لها الظاهر العاجل، وتجهل عواقب السوء الآجلة، كما جاء في الحديث: "حديث : حفّت الجنة بالمكاره وُحفّت النار بالشهوات"تفسير : . والتعبير في الصلات الأربع بالأفعال المضارعة: لإفادة تجدد تلك الأفعال منهم واستمرارهم عليها. وقرأ الجمهور: {الرُشد} ــــ بضم فسكون ــــ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: بفتحتين، وهما لغتان فيه. وجملة: {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} مستأنفة استئنافاً بيانياً، لأن توسيمهم بتلك الصلات يثير سؤالاً. والمشار إليه بذلك ما تضمنه الكلام السابق، نُزّل منزلة الموجود في الخارج وهو ما تضمنه قوله: {سأصرف عن آياتي} إلى آخر الآية، واستعمل له اسم إشارة المفرد؛ لتأويل المشار إليه بالمذكور كقوله تعالى: {أية : والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلاّ بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاماً}تفسير : [الفرقان: 68] أي من يفعل المذكور، وهذا الاستعمال كثير في اسم الإشارة، وألحق به الضمير كما تقدم في قوله تعالى: {أية : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله} تفسير : في سورة البقرة (61). والباء السببية أي: كِبْرُهم. وعدمُ إيمانهم، واتباعُهم سبيل الغي، وإعراضُهم عن سبيل الرشد سببه تَكذيبهم بالآيات، فأفادت الجملة بيان سبب الكبر، وما عطف عليه من الأوصاف التي هي سبب صرفهم عن الآيات، فكان ذلك سبب السبب، وهذا أحسن من إرجاع الإشارة إلى الصرف المأخوذة من {سأصرف} لأن هذا المحمل يجعل التكذيب سبباً ثانياً للصرف، وجعله سبباً للسبب أرشق. واجتلبت (أن) الدالة على المصدرية والتوكيد؛ لتحقيق هذا التسبب وتأكيده، لأنه محل عرابة. وجعل المسند فعلاً ماضياً، لإفادة أن وصف التكذيب قديم راسخ فيهم، فكان رسوخ ذلك فيهم سبباً في أن خُلق الطبعُ والختمُ على قلوبهم فلا يشعرون بنقائصهم، ولا يصلحون أنفسهم، فلا يزالون متكبرين معرضين غاوين. ومعنى {كذبوا بآياتنا} إنهم ابتدأوا بالتكذيب، ولم ينظروا، ولم يهتموا بالتأمل في الآيات فداموا على الكبر وما معه، فصرف الله قلوبهم عن الانتفاع بالآيات، وليس المراد الإخبار بأنهم حصل منهم التكذيب، لأن ذلك قد علم من قوله: {وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها}. والغفلة انصراف العقل والذهن عن تذكر شيء بقصدٍ أو بغير قصد، وأكثر استعماله في القرآن فيما كان عن قصد بإعراض وتشاغل، والمذموم منها ما كان عن قصد، وهو مناط التكليف والمؤاخذة، فأما الغفلة عن غير قصد فلا مؤاخذة عليها، وهي المقصود من قول علماء أصول الفقه: يمتنع تكليف الغافل. وللتنبيه على أن غفلتهم عن قصد صيغ الإخبار عنهم بصيغة {كانوا عنها غافلين} للدلالة على استمرار غفلتهم. وكونها دأباً لهم، وإنما تكون كذلك إذا كانوا قد التزموها، فأما لو كانت عن غير قصد. فإنها قد تعتريهم وقد تفارقهم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سأصرف: سأبعد. يتكبرون: يعلون ويترفعون فيمنعون الحقوق ويحتقرون الناس. سبيل الرشد: طريق الحق القائم على الإِيمان والتقوى. سبيل الغي: طريق الضلال القائم على الشرك والمعاصي. وكانوا عنها غافلين: لا يلتفتون إليها ولا ينظرون فيها ولا يتفكرون فيما تدل عليه وتهدي إليه. حبطت أعمالهم: فسدت فلا ينتفعون بها لأنها أعمال مشرك والشرك محبط للعمل. معنى الآيتين الكريمتين: هاتان الآيتان تحملان تعليلاً صحيحاً صائباً لكل انحراف وفساد وظلم وشر وقع في الأرض ويقع إلى نهاية هذه الحياة وهذا التعليل الصحيح هو التكذيب بآيات الله والغفلة عنها، وسواء كان الحامل على التكذيب الكبر أو الظلم، أو التقليد أو العناد، إلا أن الكبر أقوى عوامل الصرف عن آيات الله تعالى لقوله عز وجل في مطلع الآية الأولى [146] {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} ومن صرفه الله حسب سنته في صرف العباد لا يقبل ولا يرجع أبداً، وقوله {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} هذا بيان لعامل من عوامل الصرف عن آيات الله، وهو أن يعرض على العبد سبيل الرشد فيرفضه، ويرى سبيل الغي فيتبعه ويتخذه سبيلاً، وقوله تعالى {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} التي جاءت بها رسلنا {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} غير مبالين بها ولا ملتفتين إليها هذا هو التعليل الصحيح الذي نبهنا إليه فليتأمل، وقوله تعالى في الآية الثانية [147] {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} تقرير المراد به تأكيد خسران أولئك المصروفين عن آيات الله تعالى، إذ أعمالهم لم تقم على أساس العدل والحق بل قامت على أساس الظلم والباطل فلذا هي باطلة من جهة فلا تكسبهم خيراً، ومن جهة أخرى فهي أعمال سوء سوف يجزون بها سوءاً في دار الجزاء وهو عذاب الجحيم، ولذا قال تعالى {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ما يجزون إلا ما كانوا يعملون من السوء، وعدالة الله تعالى أن من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله تعالى في صرف العباد عن آيات الله حتى يهلكوا كما هلك فرعون وآله. 2- من أقوى عوامل الصرف عن آيات الله الكبر. 3- التكذيب بآيات الله والغفلة عنها هما سبب كل ضلال وشر وظلم وفساد. 4- بطلان كل عمل لم يسلك فيه صاحبه سبيل الرشد التي هي سبيل الله التي تحدد الآيات القرآنية وتبين معالمها، وترفع أعلامها.

القطان

تفسير : الرشد: الصلاح والاستقامة، وضده الغي والفاسد. كل آية: كل بينة. كذبوا بآياتنا: الآيات المنزلة من عند الله. حبطت اعمالهم: بطلت. بعد ان بيّن الله تعالى لما لحق فرعون وقومه بسبب من استكباره وظلمه وفساده في الأرض، بيَّن هنا ضلال البشر وتكذيبهم للرسل، وذكر ان السبب في كل ذلك هو التكبر. ومعنى الآية: سأمنع اولئك الذين يتطاولون في الأرض ويتكبّرون عن قبول الصواب بغير الحق من التفكير في دلائل قدرتي إنهم يروا كل آية تدل على صدق رسُلنا لا يصدقوا بها، أما حين يشاهدون طريق الضلال فسرعان ما يسلكونه راغبين، وذلك لأنهم كذّبوا بآياتنا المنزلة، وغفلوا عن الاهتداء بها. وامثال هؤلاء كثيرون اليوم في بلادنا من المسلمين، لقد درسوا في الغرب ورأوا رخرف المدنيّة الأوروبية، وغرَّهم بَهْرَجها، وأخذوا منها ما يوفر لهم اللذات والمتع ولم يأخذوا العلم النافع ولا الصناعة المفيدة، والأنظمة النافعة. ان هذه تكلفهم جهداً كبيراً فيما هم لا يريدون غير المتع والملذات. والذين كذّبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا للهداية، كما كذّبوا بلقائنا يوم القيامة، ومن ثم أنكروا البعث والجزاء - بطلت أعمالُهم التي كانوا يرجون نفعها. لذا فإنهم لن يلاقوا إلا جزاء ما استمروا عليه من العصيان، وانكار دعوة الرسل.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتِي} {آيَةٍ} {بِآيَاتِنَا} {غَافِلِينَ} (146) - سَأَصْرِفُ عَنِ الهِدَايَةِ قُلُوبَ الذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَنْ طَاعَتِي، وَيَتَكَبَّرُونَ عَلَى النَّاسِ بِغَيرِ الحَقِّ، وَإِذا رَأَوْا آيَاتِ اللهِ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها، وَإِذَا رَأَوْا طَرِيقَ الخَيْرِ تَنَكَّبُوا عَنْهُ، وَلَمْ يَتَّخِذُوهُ سَبيلاً، وَإِذَا رَأَوا سَبيلَ الضَّلاَلِ اتَّبَعُوهُ، وَقَدْ جَازَاهُمُ اللهُ تَعَالَى هَذا الجَزَاءَ لأَِنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَغَفَلُوا عَنْهَا، فَأَضَلَُّهُمُ اللهُ، وَلَمْ يَهْدِهِمْ. فَكَمَا اسْتَكْبَرُوا بِغَيرِ الحَقِّ فَإِن اللهَ عَاقَبَهُمْ بِالإِذْلاَلِ وَبِالخَتْمِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَبِإلقَاءِ الغِشَاوَةِ عَلَى أَعْيُنِهِمْ حَتَّى لاَ يَجِدَ الحَقُّ مَنْفَذاً لِلْوُصُولِ إِلَيها.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والآيات جمع آية وهي الأمر العجيب، وتطلق ثلاث إطلاقات، فإما أن تكون آية كونية مثل قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}، وإما أن تكون آية دلالة على صدق الرسول في البلاغ، وإما أن تكون آية قرآنية فيها حكم من أحكام الله، وهنا يقول الحق: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ...} [الأعراف: 146] إذن يوضح سبحانه هنا أنه سيصرف الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق عن أن ينظروا نظر اعتبار في آيات الكون، أو أن الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق سيبطل كيدهم في أن يتجهوا للحق بالهدم؛ لأن الواحد من هؤلاء ساعة يرى آية من آيات الله سينظر إليها على أنها سحر، أو شعوذة، أو أن يقول عنها إنها ضمن أساطير الأولين. إذن وجه الصرف أن يسلط الحق عليه من الكبر ما يجعله غير قادر على وزن الآية بالميزان الصحيح لها، والمتكبر هو من ظن أن غيره أدنى منه وأقل منزلة، ومقومات الكبر قد تكون قوة، لكن ألم يرَ المتكبر قويًّا قد ضعف؟ وقد يكون الثراء من مقومات التكبر، لكن ألم يرَ المتكبر غنيًّا قد افتقر؟ أو يكون المتكبر صاحب جاه، ألم يرَ ذا جاه صار ذليلاً؟. إذن فمن يتكبر، عليه أن يتكبر بشيء ذاتي لا يُسْلَب منه أبداً. فإذا ما أردت أن تطبق هذا على البشر فلن تجد واحداً يستحق أن يكون متكبراً أبداً؛ لأنه لا يوجد في الإِنسان خاصية ذاتية فيه تلازمه ولا تفارقه أبداً، بل كلها موهوبة، ومن الأغيار التي تحدث وقد تزول. فكلها من الله وليست أموراً ذاتية؛ لأن القوة فيك إن كانت ذاتية فحافظ عليها، ولن تستطيع. وإن كان الثراء ذاتيًّا فحافظ على غناك أبداً، ولن تستطيع. وإن كانت العزة ذاتية فحافظ على عزتك أبداً ولن تستطيع. إذن فمقومات الكبرياء في البشر غير ذاتية. وقوله سبحانه: {يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} يفيد أن هناك كبرياء بحق لمن يملك في ذاته كل عناصر القوة والثراء والجاه والعزة، ولذلك فالكبرياء لله وحده. واعلموا أن كل متكبر في الأرض لا يخطر الله بباله؛ لأنه لو خطر الله بكماله وجلاله في باله لتضاءل؛ لأن الله يخطر فقط ببال المتواضعين من الناس، ولذلك نضرب هذا المثل: إننا نجد من حولنا إنساناً هو الرئيس الأعلى، وهناك رئيس لطائفة ومرؤوس لآخر، وهناك مرؤوس فقط. والرئيس المرؤوس لا يستطيع أن يجلس مع المرؤوسين له بتكبر ويضع ساقاً على ساق ويعطي أوامر؛ لأنه قد يلتفت فيجد رئيسه وقد دخل عليه. فلو فعل الرئيس المرؤوس ذلك لضحك منه المرؤوسون له. فكذلك الناس الذين لا يستحضرون الله في بالهم نجدهم مثار سخرية، لكن الذين يستحضرون الله الذي له الكبرياء في السموات والأرض لا يتكبرون أبداً. إنه سبحانه يصرف عن المتكبرين النظر في الآيات الكونية فلا يعتبرون، ويصرف عنهم تصديق الآيات الدالة على نبوة الأنبياء، ويصرف عنهم القدرة على تصديق أحكام القرآن، ويطبع على قلوبهم، فما بداخل هذه القلوب من الكفر لا يخرج، وما في خارج هذه القلوب من الإِيمان لا يدخل. وهم برغم حركتهم في الحياة إلا أن الحق يعجزهم عن رؤية آياته في الكون. {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً...} [الأعراف: 146] وحين يرى أهل الكبر الآية الكونية أو الآية الإِعجازية أو آيات الأحكام فهم لا يؤمنون بها، وحين يرون سبيل الرشد لا يتخذونه سبيلاً؛ لأن سبيل الرشد يضغط على شهوات النفس وهواها، فينهى عن السيئات وهم لا يقدرون على كبح جماح شهواتهم لأنها تمكنت منهم، ولكن سبيل الغي يطلق العِنان لشهوات النفس، ولا يكون كذلك إلا إذا غفل عن معطيات الإِيمان الذي يحرمه من شيء ليعطيه أشياء أثمن، وهكذا تكون نظرة أهل الكبر سطحية. ونلحظ أن كلمة السبيل تأتي مرة كمذكر كقوله؛ {لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً}، ومرة تأتي مؤنثة، فالحق يقول: {قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي}. وهنا يقول الحق عن الذين يتبعون سبيل الغي من أهل الكبر: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}. وقديماً قلنا إن الغفلة لا توجب الجزاء عليها؛ لأن الغافل ساهٍ وناس، ولكن هؤلاء صدفوا عن الأمر صدوفاً عقليًّا مقصوداً، لدرجة أنهم لا يعيرون الإيمان أي التفات. ويقول الحق بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ...}

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه: {سَأَصْرِفُ} أي: أميل وأغفل {عَنْ آيَاتِي} الظاهرة في الآفاق والأنفس الدالة على توحيدي واستقلالي في التصرفات الكائنة في الآفاق، القوم {ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ} ويمشون خيلاً {فِي ٱلأَرْضِ} ويظلمون فيها {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} لخبث طينتهم ورداءة فطرتهم {وَ} هم من نهاية جهلهم المركوز في جبلتهم {إِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ} دالة على الصدق والصواب {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} عتواً وعناداً {وَ} بالجلمة {إِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ} الصدق والصواب {لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} لعدم موافقة طباعهم {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ} والضلال {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} لميل نفوسهم نحوه بالطبع، كل {ذٰلِكَ} أي: الصرف والانحراف والأهواء الباطلة والآراء الفاسدة {بِأَنَّهُمْ} من غاية انهماكهم في الضلال {كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الدالة على توحيدنا المنزلة على رسلنا { وَكَانُواْ} من غاية جهلهم {عَنْهَا} وعن الامتثال بها والعمل بمقتضاها والتدبير في معناها {غَافِلِينَ} [الأعراف: 146] غفلة لا تيقظ لهم منها أصلاً، نبهنا بلطفك عن نومة الغالفين. {وَ} بالجملة: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} الظاهرة عن أوصافنا الذاتية في النشأة الأولى {وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} أي: كذبوا برجوع الكل إلينا في النشاة الأخرى، أولئك الأشقياء المردودون هم الذين {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} وضاعت وخسروا فيها في الأولى والأخرى {هَلْ يُجْزَوْنَ} بإحباط الأعمال {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 147] أي: جزاء ما يقترفون ويكتسبون لأنفسهم من تكذيب الآيات والرسل المنبهين لها المبينين لمقتضاها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن تصرفات القدرة للعزة بقوله تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} [الأعراف: 146] إلى قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182] الإشارة فيها: أن الكبر والتكبر من أعظم حجب أوصاف البشرية؛ لأنه يزيد في الأنانية وما لعن إبليس وطرد إلاَّ للتكبر، وقيل له: {أية : فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا}تفسير : [الأعراف: 13]، وحجاب التكبر يحرم المتكبر عن رؤيات الآيات، كما قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ}؛ يعني: اجعل حجاب التكبر على أبصارهم لئلا يعرفوا أحبابي، {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ} [الأعراف: 146]؛ يعني: وإن يروا كل آية نؤمن على أمثالها، {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ} [الأعراف: 146]؛ أي: طريقاً يهدي إلى الحق، {لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} [الأعراف: 146] لا يمشون فيه، {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ} [الأعراف: 146] طريقاً يهديهم إلى الباطل {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} [الأعراف: 146] يمشون فيه، {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 146] من الكتب المنزلة بما أظهروا من المعجزات تكبيراً عليهم، {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146]؛ أي: معرضين عن الآيات بالتكبر. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} [الأعراف: 147] جزاء على تكبرهم كما حبط على أعمال إبليس جزاء على تكبره، {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 147]؛ يعني: لما حبطت أعمالنا عندهم من بعثة الأنبياء وإنزال الكتب وإظهار المعجزات؛ لتكبرهم عنها جازيناهم بأن حبطت أعمالهم عندنا تكبراً عنها، نظيره قوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]. ثم أخبر عن جهل اليهود واتخاذهم العجل بالمعبود بقوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف: 148] إلى قوله: {أية : وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ}تفسير : [الأعراف: 151] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً} إشارة إلى أن سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق اتخذ من حليٍ زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب قبط صفات النفس، {عِجْلاً جَسَداً} وهي الدنيا، {لَّهُ خُوَارٌ} يدعوا الخلق به إلى العبادة، {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ} [الأعراف: 148] عبدة عجل الدنيا أنه {لاَ يُكَلِّمُهُمْ} [الأعراف: 148] بالخير، {وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} [الأعراف: 148] إلى الحق، {ٱتَّخَذُوهُ} [الأعراف: 148] إلهاً ومعبوداً بالجهل، {وَكَانُواْ ظَالِمِينَ} [الأعراف: 148] في ذلك؛ لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها، وبدلوا طلب الحق ومحبته بطلب الدنيا ومحبتها. وفي قوله تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} الأعراف: 149] إشارة إلى أن صفات القلب لمَّا أيدت بتأييد الحق علمت أنها ضلت طريق الحق، وأخطأت فيما تعلقت برعونات البشرية عند غيبة موسى الروح إلى قوم أوصاف الإنسان، وتغييره إياها فيما فعلت من الالتفات إلى الدنيا وزينتها ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص في طلبه، وذلك قوله تعالى {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} [الأعراف: 149]؛ يعني: بجذبات العناية، {وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149] الذين يعبدون الدنيا وزينتها وشهواتها من صفات النفس.