٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
145
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين أنه خص موسى -عليه السلام- بالرسالة ذكر في هذه الآية تفصيل تلك الرسالة فقال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلاْلْوَاحِ } نقل صاحب «الكشاف» عن بعضهم: أن موسى خر صعقاً يوم عرفة. وأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر، وذكروا في عدد الألواح، وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح. وقيل: سبعة. وقيل إنها كانت من زمردة جاء بها جبريل عليه السلام. وقيل من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء. وقال الحسن: كانت من خشب نزلت من السماء. وقال وهب: كانت من صخرة صماء لينها الله لموسى عليه السلام، وأما كيفية الكتابة. فقال ابن جريج كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور. واعلم أنه ليس في لفظ الآية ما يدل على كيفية تلك الألواح، وعلى كيفية تلك الكتابة، فإن ثبت ذلك التفصيل بدليل منفصل قوي، وجب القول به وإلا وجب السكوت عنه. وأما قوله: {من كل شيء} فلا شبهة فيه أنه ليس على العموم، بل المراد من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في دينهم من الحلال والحرام والمحاسن والمقابح. وأما قوله: {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَىْءٍ } فهو كالبيان للجملة التي قدمها بقوله: {مِن كُلِّ شَىْءٍ } وذلك لأنه تعالى قسمه إلى ضربين: أحدهما: {مَّوْعِظَةً} والآخر {تَفْصِيلاً } لما يجب أن يعلم من الأحكام، فيدخل في الموعظة كل ما ذكره الله تعالى من الأمور التي توجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية، وذلك بذكر الوعد والوعيد، ولما قرر ذلك أولاً أتبعه بشرح أقسام الأحكام وتفصيل الحلال والحرام، فقال: {وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } ولما شرح ذلك، قال لموسى: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي بعزيمة قوية ونية صادقة، ثم أمره الله تعالى أن يأمر قومه بأن يأخذوا بأحسنها، وظاهر ذلك أن بين التكليفين فرقاً، ليكون في هذا التفصيل فائدة، ولذلك قال بعض المفسرين: إن التكليف كان على موسى عليه السلام أشد، لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره، وقال بعضهم: بل خصه من حيث كلفه البلاغ والأداء. وإن كان مشاركاً لقومه فيما عداه، وفي قوله: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا }. سؤال: وهو أنه تعالى لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، وظاهر قوله {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } يقتضي أن فيه ما لبس بأحسن، وإنه لا يجوز لهم الأخذ به، وذلك متناقض وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً: الأول: أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن، كالقصاص، والعفو، والانتصار، والصبر، أي فمرهم أن يحملوا أنفسهم على الأخذ بما هو أدخل في الحسن، وأكثر للثواب كقوله: {أية : وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم }تفسير : [الزمر: 55] وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ }تفسير : [الزمر: 18]. فإن قالوا: فلما أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن، فقد منع من الأخذ بذلك الحسن، وذلك يقدح في كونه حسناً فنقول يحمل أمر الله تعالى بالأخذ بالأحسن على الندب حتى يزول هذا التناقض. الوجه الثاني: في الجواب قال قطرب {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي بحسنها وكلها حسن لقوله تعالى: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ } تفسير : [العنكبوت: 45] وقول الفرزدق:شعر : بيتاً دعائمهُ أعز وأطول تفسير : الوجه الثالث: قال بعضهم: الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، وأحسن هذه الثلاثة الواجبات والمندوبات. وأما قوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } ففيه وجهان: الأول: أن المراد التهديد والوعيد على مخالفة أمر الله تعالى، وعلى هذا التقدير: فيه وجهان: الأول: قال ابن عباس والحسن ومجاهد دار الفاسقين هي جهنم، أي فليكن ذكر جهنم حاضراً في خاطركم لتحذروا أن تكونوا منهم. والثاني: قال قتادة: سأدخلكم الشام وأريكم منازل الكافرين الذين كانوا متوطنين فيها من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها وما صاروا إليه من النكال. وقال الكلبي: {دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } هي المساكن التي كانوا يمرون عليها إذا سافروا، من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله تعالى. والقول الثاني: أن المراد الوعد والبشارة بأنه تعالى سيورثهم أرض أعدائهم وديارهم والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} يريد التوراة. وروي في الخبر أنه قبض عليه جبريلُ عليه السلام بجناحه فمر به في العُلاَ حتى أدناه حتى سَمِع صَرِيف القلم حين كتب الله له الألواح؛ ذكره الترمذيّ الحكيم. وقال مجاهد: كانت الألواح من زُمُرُّدَة خضراء. ابن جُبير: من ياقوتة حمراء. أبو العالية: من زَبَرْجَد. الحسن: من خشب؛ نزلت من السماء. وقيل: من صخرة صمّاء، لَيّنها الله لموسىٰ عليه السلام فقطعها بيده ثم شقها بأصابعه؛ فأطاعته كالحديد لداود. قال مقاتل: أي كتبنا له في الألواح كنقش الخاتم. ربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وِقْر بعير. وأضاف الكتابة إلى نفسه على جهة التشريف؛ إذ هي مكتوبة بأمره كتبها جبريل بالقلم الذي كتب به الذكر. واستُمدّ من نهر النور. وقيل: هي كتابة أظهرها الله وخلقها في الألواح. وأصل اللّوح: لَوْح (بفتح اللام)؛ قال الله تعالىٰ: {أية : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ} تفسير : [البروج: 22]. فكأن اللوح تلوح فيه المعاني. ويروى أنها لوحان، وجاء بالجمع لأن الاثنين جمع. ويقال: رجل عظيم الألواح إذا كان كبير عظم اليدين والرجلين. ابن عباس: وتكسرت الألواح حين ألقاها فرفعت إلا سُدْسَها. وقيل: بقي سُبُعُها ورفعت سِتّة أسباعها. فكان في الذي رفع تفصيل كل شيء، وفي الذي بقي الهدىٰ والرحمة. وأسند أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن موسىٰ بن عمران نبيّ الله صلى الله عليه وسلم صام أربعين ليلة؛ فلما ألقىٰ الألواح تكسرت فصام مثلها فردّت إليه. ومعنىٰ «مِنْ كُلِّ شَيْءٍ» مما يحتاج إليه في دينه من الأحكام وتبيين الحلال والحرام؛ عن الثَّوْرِيّ وغيره. وقيل: هو لفظ يُذكر تفخيماً ولا يراد به التعميم؛ تقول: دخلت السوق فاشتريت كل شيء. وعند فلان كل شيء. و {أية : تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأحقاف: 25]. {أية : وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 23]. وقد تقدّم. {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي لكل شيء أمروا به من الأحكام؛ فإنه لم يكن عندهم اجتهاد، وإنما خص بذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} في الكلام حذف، أي فقلنا له: خذها بقوة؛ أي بجدّ ونشاط. نظيره {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ} وقد تقدّم. {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي يعملوا بالأوامر ويتركوا النواهي، ويتدبروا الأمثال والمواعظ. نظيره {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} تفسير : [الزمر: 55]. وقال: {أية : فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}تفسير : [الزمر: 18]. والعَفْوُ أحسنُ من الاقتصاص. والصبر أحسن من الانتصار. وقيل: أحسنها الفرائض والنوافل، وأدْوَنُها المباح. {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} قال الكلبي: «دَارَ الْفَاسِقينَ» ما مروا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود، والقرون التي أهلكوا. وقيل: هي جهنم؛ عن الحسن ومجاهد. أي فلتكن منكم على ذُكْر، فاحْذُروا أن تكونوا منها. وقيل: أراد بها مصر؛ أي سأريكم ديار القبط ومساكن فرعون خالية عنهم؛ عن ابن جُبير. قتادة: المعنىٰ سأريكم منازل الكفار التي سكنوها قبلكم من الجبابرة والعمالقة لتعتبروا بها؛ يعني الشأم. وهذان القولان يدل عليهما {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ}تفسير : [الأعراف: 137] الآية. {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [القصص: 5] الآية، وقد تقدّم. وقرأ ابن عباس وقَسَامة بن زهير «سأورّثكم» من ورّث. وهذا ظاهر. وقيل: الدار الهلاك، وجمعه أدوار. وذلك أن الله تعالىٰ لما أغرق فرعون أوْحىٰ إلى البحر أن ٱقذف بأجسادهم إلى الساحل، قال: ففعل: فنظر إليهم بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين.
البيضاوي
تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلّ شَىْء} مما يحتاجون إليه من أمر الدين. {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء} بدل من الجار والمجرور، أي وكتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام. واختلف في أن الألواح كانت عشرة أو سبعة، وكانت من زمرد أو زبرجد، أو ياقوت أحمر أو صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها بيده وسقفها بأصابعه وكان فيها التوراة أو غيرها. {فَخُذْهَا} على إضمار القول عطفاً على كتبنا أو بدل من قوله: {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ} والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو للرسالات. {بِقُوَّةٍ} بجد وعزيمة. {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي بأحسن ما فيها كالصبر والعفو بالإضافة إلى الانتصار، والاقتصاص على طريقة الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ }تفسير : [الزمر: 55] أو بواجباتها فإن الواجب أحسن من غيره، ويجوز أن يراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة، وهو المأمور به كقولهم الصيف أحر من الشتاء. {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها، أو منازل عاد وثمود وأضرابهم لتعتبروا فلا تفسقوا، أو دارهم في الآخرة وهي جهنم. وقرىء سأوريكم بمعنى سأبين لكم من أوريت الزند وسأورثكم، ويؤيده قوله: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ }تفسير : [الأعراف: 137] {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِي} المنصوبة في الآفاق والأنفس. {ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ} بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. وقيل سأصرفهم عن ابطالها وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه بإعلائها أو بإهلاكهم. {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ} صلة يتكبرون أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل، أو حال من فاعله. {وَإِنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ} منزلَة أو معجزة. {لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} لعنادهم واختلال عقولهم بسبب انهماكهم في الهوى والتقليد وهو يؤيد الوجه الأول. {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} لاستيلاء الشيطنة عليهم. وقرأ حمزة والكسائي "الرَّشَد" بفتحتين وقرىء «الرشاد» وثلاثتها لغات كالسقم والسقم والسقام، {وَإِنْ يَرَوا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم للآيات، ويجوز أن ينصب ذلك على المصدر أي سأصرف ذلك الصرف بسببهما. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَاء ٱلأَخِرَةِ} أي ولقائهم الدار الآخرة، أو ما وعد الله في الدار الآخرة. {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ} لا ينتفعون بها. {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} إلا جزاء أعمالهم. {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ} من بعد ذهابه للميقات. {مِنْ حُلِيّهِمْ} التي استعاروا من القبط حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو ملكوها بعد هلاكهم. وهو جمع حلي كثدي وثدي. وقرأ حمزة والكسائي بالكسر بالاتباع كدلي ويعقوب على الإِفراد. {عِجْلاً جَسَداً} بدنا ذا لحم ودم، أو جسداً من الذهب خالياً من الروح ونصبه على البدل. {لَّهُ خُوَارٌ} صوت البقر. روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل فصار حياً. وقيل صاغه بنوع من الحيل فتدخل الريح جوفه وتصوت، وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا به أو لأن المراد اتخاذهم إياه إلهاً. وقرىء «جؤار» أي صياح. {أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر، والمعنى ألم يروا حين اتخذوه إلهاً أنه لا يقدر على كلام ولا على إرشاد سبيل كآحاد البشر حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر. {ٱتَّخَذُوهُ} تكرير للذم أي اتخذوه إلهاً. {وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ} واضعين الأشياء في غير مواضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم. {وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ} كناية عن اشتداد ندمهم فإن النادم المتحسر يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها. وقرىء {سُقِطَ} على بناء الفعل للفاعل بمعنى وقع العض فيها. وقيل معناه سقط الندم في أنفسهم. {وَرَأَوُاْ} وعلموا. {أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} باتخاذ العجل. {قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} بإنزال التوراة. {وَيَغْفِرْ لَنَا} بالتجاوز عن الخطيئة. {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} وقرأهما حمزة والكسائي بالتاء و {رَبَّنَا} على النداء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ } أي ألواح التوراة، وكانت من سدر الجنة أو زبرجد أو زمرد سبعة أو عشرة {مِن كُلِّ شَىْءٍ } يحتاج إليه في الدين {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً } تبيينا {لّكُلِّ شَىْءٍ } بدل من الجار والمجرور قبله {فَخُذْهَا } قبله: «قلنا» مقدّراً {بِقُوَّةٍ } بجدّ واجتهاد {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَٰسِقِينَ } فرعون وأتباعه وهي مصر لتعتبروا بهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَكَتَبْنَا} فرضنا كـ {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ}تفسير : [البقرة: 183] أو خططنا بالقلم. {الأَلْوَاحِ} زمرد أخضر، أو ياقوت، أو بُرد، أو خشب، أًخذ اللوح من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه. {مِن كُلِّ شَىْءٍ} يحتاج إليه في الدين من حرام، أو حلال، أو مباح، أو واجب، أو غير واجب، أو كل شيء من الحِكم والعِبر. {مَّوْعِظَةً} بالنواهي {وَتَفْصِيلاً} بالأوامر، أو موعظة: بالزواجر، وتفصيلاً: بالأحكام، وكانت سبعة ألواح. {بِقُوَّةٍ} بجد واجتهاد، أو بطاعة، أو بصحة عزيمة، أو بشكر. {بِأَحْسَنِهَا} الفرائض أحسن من المباح، أو بناسخها دون منسوخها أو المأمور أحسن من ترك المنهي وإن كانا طاعة. {دَارَ الْفَاسِقِينَ} جهنم، أو منازل الهلكى ليعتبروا بنكالهم، أو مساكن الجبابرة والعمالقة بالشام، أو مصر دار فرعون.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وكتبنا في الألواح} قال ابن عباس: يريد ألواح التوراة والمعنى وكتبنا لموسى في ألواح التوراة قال البغوي وفي الحديث كانت من سدر الجنة طول اللوح إثنا عشر ذراعاً وجاء في الحديث حديث : خلق الله تعالى آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيدهتفسير : . وقال الحسن: كانت الألواح من خشب. وقال الكلبي من زبرجدة خضراء. وقال سعيد بن جبير من ياقوته حمراء. وقال ابن جريج من زمرد أمر الله تعالى جبريل عليه السلام حتى جاء بها من جنة عدن وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور. وقال الربيع بن أنس: كانت الألواح من زبرجد وقال وهب: أمره الله بقطع ألواح من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده ثم شقها بأصبعه وسمع موسى عليه الصلاة والسلام صرير الأقلام بالكلمات العشر وكان ذلك في أول يوم من ذي الحجة كان طول الألواح عشرة أذرع على طول موسى وقيل إن موسى خر صعقاً يوم عرفه فأعطاه الله تعالى التوراة يوم النحر وهذا أقرب إلى الصحيح عنه أنها لوحان واختاره الفراء قال وإنما جمعت على عدة العرب في إطلاق الجمع على الاثنين وقال وهب كانت عشرة ألواح. وقال مقاتل: كانت تسعة. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي وقر سبعين بعيراً يقرأ لجزء منها في سنة ولم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع بن نون وعزير وعيسى عليهم الصلاة والسلام والمراد بقوله لم يقرأها يعني لم يحفظها ويقرأها عن ظهر قلبه إلا هؤلاء الأربعة. وقال الحسن: هذه الآية في التوراة بألف آية يعني قوله وكتبنا له في الألواح {من كل شيء} يعني يحتاج إليه من أمر ونهي {موعظة} يعني نهياً عن الجهل وحقيقة الموعظة التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته {وتفصيلاً لكل شيء} يعني وتبييناً لكل شيء من الأمر والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام مما يحتاج إليه في أمور الدين وروى الطبري بسنده عن وهب بن منبه قال: كتب له يعني في التوراة لا تشرك بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك خلقي ولا تحلف باسمي كاذباً فإن من حلف باسمي كاذباً فلا أزكيه ووقر والديك. وروى البغوي بإسناد الثعلبي عن كعب الأحبار أن موسى عليه الصلاة والسلام نظر في التوراة فقال: إني أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال رب اجعلهم أمتي قال هي أمة محمد يا موسى فقال رب إني لأجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمراً قالوا نفعل إن شاء الله فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: رب إني أجد في التوراة أمة يأكلون كفارتهم وصدقاتهم وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبّر الله وإذا هبط وادياً حمد الله الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا رب إني أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتب له حسنة بمثلها وإن عملها كتبت بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: يا رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيتهم فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد أحداً منهم إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد قال: رب إني أجد أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة يصفون في صلاتهم صفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل لا يدخل النار أحد منهم أبداً إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء من البحر فاجعلهم أمتي قال هي أمة محمد فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله عز وجل محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته قال يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن {أية : يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} تفسير : [الأَعراف: 144] - إلى قوله - {سأريكم دار الفاسقين}{أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : [الأَعراف: 159] قال فرضي موسى كل الرضا. وقوله تعالى: {فخذها بقوة} يعني وقلنا لموسى عليه الصلاة والسلام إذا كتبنا له في الألواح من كل شيء خذها بجد واجتهاد. وقيل معناه فخذها بقوة قلب وصحة عزيمة ونية صادقة لأن من أخذ شيئاً بضعف نية أداه إلى الفتور {وأمر قومك يأخذون بأحسنها} قال ابن عباس: يحلوا حلالها ويحرموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويعلموا بمحكمها ويقفوا عند متشابهها وكان موسى عليه الصلاة والسلام أشد عبادة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به وقيل ظاهر قوله {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} يدل على أن بين التكليفين فرقا ليكون في هذا الفصل فائدة وهي أن التكليف كان على موسى أشد لأنه تعالى لم يرخص له ما رخص لغيره من قومه. فإن قلت ظاهر قوله تعالى: {يأخذوا بأحسنها} يدل على أن فيها ما ليس بحسن وذلك لم يقل به أحد فما معنى قوله {يأخذوا بأحسنها}؟ قلت إن التكليف كله حسن وبعضه أحسن كالقصاص حسن ولكن العفو أحسن وكالانتصار حسن والصبر أحسن منه فأمروا أن يأخذوا بالشد على أنفسهم ليكون ذلك أعظم من الثواب فهو كقوله {أية : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الزمر: 55] وكقوله {أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}تفسير : [الزمر: 18] وقيل إن الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح والأحسن الأخذ بالأشد والأشق على النفس وقيل معناه بأحسنها بحسنها وكلها حسن. قوله تعالى: {سأريكم دار الفاسقين} قال مجاهد: يعني مصيركم في الآخرة وقال الحسن وعطاء يريد جهنم يحذركم أن تكونوا مثلهم. وقال قتادة: سأدخلكم الشام فأريكم منازل القرون الماضية الذين خالفوا الله تعالى لتعتبروا بها. وقال عطية العوفي يعني دار فرعون وقومه وهي مصر. وقال السدي: يعني منازل الكفار وقال الكلبي هي منازل عاد وثمود والقرون الذين هلكوا فكانوا يمرون عليها إذا سافروا.
البقاعي
تفسير : ولما انقضى ما أنسه سبحانه به لفت الكلام - في الإخبار لنا عن عظيم ما آتاه - لي مظهر العظمة، فقال مفصلاً لتلك الرسالة ومبيناً بعض ما كان من الكلام {وكتبنا} أي بعظمتنا {له في الألواح} عرفها لعظمتها تنبيهاً على أنها لجلالة ما اختصت به كأنها المختصة بهذا الاسم، وأعظم من هذا جعل قلب النبي الأمي لوحاً قابلاً لما يلقى إليه جامعاً لعلوم الأولين والآخرين {من كل شيء} أي يحتاجه بنو إسرائيل، وذلك هو العشر الآيات التي نسبتها إلى التوارة نسبة الفاتحة إلى القران، ففيها أصوال الدين وأصول الأحكام والتذكير بالنعم والأمر بالزهد والورع ولزوم محاسن الأعمال والبعد عن مساويها، ولذا قال مبدلاً: {موعظة وتفصيلاً} أي على وجازتها بما كانت سبباً {لكل شيء} أي لأنها - مع كونها أمهات وجوامع - مفصلة ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها. ولما كان هذا هكذا، تسبب عنه حتماً قوله تعالى التفاتاً إلى خطاب موسى عليه السلام بخطاب التأنيس إشارة إلى أن التزام التكاليف صعب: {فخذها} أي الألواح {بقوة} أي بجد وعزيمة في العلم والعمل {وأمر قومك} أي الأقوياء على محاولة ما يراد {يأخذوا بأحسنها} كأنه سبحانه أطلق لموسى عليه السلام الأخذ بكل ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من المجاوزة، ولذلك قال له {بقوة} وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جداً مانعاً لهم من الوصول إلى القبيح، وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر. ولما كان كأنه قيل: وهل يترك الأحسن أحد؟ فقيل: نعم، الفاسق يتركه، بل ويتجاوز الحسن إلى القبيح، بل وإلى أقبح القبيح، ومن تركه أهلكته وإن جل آله وعظمت جنوده وأمواله، قال كالتعليل لذلك: {سأوريكم دار الفاسقين*} أي الذين يخرجون عن أوامري إلى ما أنهاهم عنه فأنصركم عليهم وأمكنكم بفسقهم من رقابهم وأموالهم من الكنعانيين والحاثانيين وغيرهم من سكان الأراضي المقدسه لتعلموا أن من أغصبني وترك أمري أمكنت منه، وإنما ذكر الدار لئلا تغرهم منعتها إذا استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام أسوارها، وإذا تأملت ما سيأتي في شرح هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا المعنى، وكذا ما ذكر من التوراة عند قوله في المائدة {أية : قل هو أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله}تفسير : [المائدة: 60] وفي هذه الجملة المختصرة بشارة يإتمام الوعد بنصرتهم عليهم بطاعتهم ونذارة على تقدير معصيتهم، فكأنه قيل: إن أخذوا بالأحسن أريتهم دار الفاسقين، وأتممت عليهم النعمة ما دامو على الشكر، وإن لم يأخذوا أهلكتهم كما أهلك الفاسقين من بين أيديهم، فحذرهم لئلا يفعلوا أفعالهم إذا استقرت بهم الدار، وزالت عنهم الأكدار، ويؤيد كون المراد القدس لا مصر قراءة من قرأ: سأورثكم - من الإرث، لأنها هي المقصودة بإخراجهم من مصر وبعث موسى عليه السلام، ولا ينفي ذلك احتمال مصر أيضاً - والله أعلم. ولما انقضى ذلك، كان كأنه قيل: وكيف يختار عاقل ذلك؟ فكيف بمن رأى الآيات وشاهد المعجزات؟ فقال: {سأصرف عن آياتي} أي المسموعة والمرئية على عظمتها بما أشارت إليه الإضافة بالصرف عن فهمها واتباعها والقدرة على الطعن فيها بما يؤثر في إبطالها {الذين يتكبرون} أي يطلبون الكبر بما ليس لهم ويعملون قواهم فيه {في الأرض} أي جنسها الذي أمرت بالتواضع فيه. ولما كان من رفعه الله بصفة فاضلة فوضع نفسه موضعها ولم يهنها نظراً لما أنعم الله به عليه ومنحه إياه ربما سمى ذلك كبراً، وربما سمى طلبه لتلك الأخلاق التي توجب رفعته تكبراً، وليس كذلك وإن وافقه في الصورة، لمفارقته له في المعنى فإنه صيانة النفس عن الذل، وهو إنزال النفس دون منزلتها صنعة لا تواضعاً، والكبر رد الحق واحتقار الناس، ففي التقييد هنا إشارة خفية لإثبات العزة بالحق والوقوف على حد التواضع من غير انحراف إلى الصنعة وقوفاً على شرط العزم المنصوب على متن نار الكبر؛ قال الإمام السهروردي: ولا يؤيد في ذلك ويثبت عليه إلا أقدام العلماء الراسخين - قال تعالى احترازاً عنه ومدخلاً كل كبر خلا عن الحق الكامل: {بغير الحق} أي إنما يختار غير الأحسن من يختاره بقضائي الذي لا يرد وأمري العالي على أمر كل ذي جد فأزين لمن علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد حتى يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل مليحة، فينصرفون عن الآيات ويعمون عن الدلالات الواضحات. ولما أخبر بتكبرهم في الحال، عطف عليه فعلهم في المآل فقال: {وإن يروا كل آية} أي مرئية أو مسموعة {لا يؤمنوا بها} أي لتكبرهم عن الحق {وإن يروا سبيل} أي طريق {الرشد} أي الصلاح والصواب الذي هو أهل للسلوك {لا يتخذوه سبيلاً} أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد، بل إن سلكوه فعن غير قصد {وإن يروا سبيل الغي} أي الضلال {يتخذوه سبيلاً} أي بغاية الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه. ولما كان هذا محل عجب، أجاب من يسأل عنه بقوله: {ذلك} أي الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف بالعمى عن الإيمان واتخاذ الرشاد {بأنهم} أي بسبب أنهم {كذبوا بآياتنا} أي على ما لها من العظمة {وكانوا عنها} أي خاصة جبلة وطبعاً {غافلين*} أي كان دأبهم وديدنهم معاملتهم لها بالإعراض عنها حتى كأنها مغفول عنها فهم لذلك يصرون على ما يقع منهم. ولما ذكر أحوال المتكبرين الذين أداهم كبرهم إلى التكذيب في الدنيا، ذكر أحوالهم في الآخرة فقال: {والذين} أي كذبوا بها والحال أن الذين {كذبوا بآياتنا } أي فلم يعتبروا عظمتها {ولقاء الآخرة} أي ولقائهم إياها أو لقائهم ما وعدوا به فيها، اللازم من التكذيب بالآيات الحامل التصديق بها على معالي الأخلاق {حبطت} أي فسدت فسقطت {أعمالهم} والآية من الاحتباك: إثبات الغفلة أولاً يدل على إرادتها ثانياً، واللقاء ثانياً يدل على إرادته أولاً. ولما كان كأنه قيل: لم بطلت؟ قيل: {هل يجزون إلا ما} أي جزاء ما {كانوا يعملون} أي بإبطال أعمالهم وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب أنهم أبطلوا الآيات والآخرة بتكذيبهم بها، أي عدوها باطلة، والجزاء من جنس العمل، والحاصل أنهم لما عموا عن الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا انقادوا مع ما دلت عقولهم عليه من أمرها، بل سدوا باب الفكر فيها؛ زادهم الله عمى فختم على مداركهم، فصارت لاينتفع بها فصاروا لا يعون، وهذه الآيات أعظم زاجر عن التكبر، فإنها بينت أنه يوجب الكفر والإصرار عليه والوهن في جميع الأمور، ولما كان ذلك كله مما يتعجب الموفق من ارتكابه، أعقبه تعالى مبيناً ومصوراً ومحققاً لوقوعه ومقرراً قوله عطفاً على {أية : فأتوا على قوم يعكفون}تفسير : [الأعراف: 138] مبيناً لإسراعهم في الكفر: {واتخذ} أي بغاية الرغبة {قوم موسى} أي باتخاذ السامري ورضاهم، ولم يعتبروا شيئاً مما أتاهم به من تلك الآيات التي لم ير مثلها {من بعده} أي بعد إبطائه عنهم بالعشرة الأيام التي أتممنا بها الأربعين {من حليهم} أي التي كانت معهم من مالهم ومما استعاروه من القبط {عجلاً} ولما كان العجل اسماً لولد البقر، بين أنه إنما يشبه صورته فقط، فقال مبدلاً منه: {جسداً}. ولما كان الإخبار بأنه جسد مفهماً لأنه خال مما يشبه الناشىء عن الروح، قال {له خوار} أي صوت كصوت البقر، والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى من قوم كان معهم حلي أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر الكفرة فكان جديراً بالبغض لكونه من آثار الظالمين الأعداء فاعتقدوا انه بالصوغ صار إلهاً وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه، ونبيهم الذي هداهم الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها. ولما لم يكن في الكلام نص باتخاذه إلهاً، دل على ذلك بالإنكار عليهم في قوله: {ألم يروا} أي الذين اتخذوا إلهاً {أنه لا يكلمهم} أي كما كلم الله موسى عليه السلام {ولا يهديهم سبيلاً} كما هداهم الله تعالى إلى سبيل النجاة، منها سلوكهم في البحر الذي كان سبباً لإهلاك عدوهم كما كان سبباً لنجاتهم؛ قال أبو حيان: سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإلهية لأن انتقاء التكليم يستلزم انتفاء العلم، وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتفاء القدرة، وانتفاء هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي الأوصاف. ولما كان هذا أمراً عظيماً جداً مستبعد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم بينهم ولا سيما وقد أراهم من النعم والآيات ما ملأت أنواره الآفاق، كان جديراً بالتأكيد فقال تعالى: {اتخذوه} أي بغاية الجد والنشاط والشهوة {وكانوا} أي جلبة وطبعاً مع ما أثبت لهم من الأنوار {ظالمين*} أي حالهم حال من يمشي في الظلام، أو أن المقصود أن الظلم وصف لهم لازم، فلا بدع إذا فعلوا أمثال ذلك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} [الآية: 145]. قال بعضهم: سر الله عند عباده وأهل خصوصيته لا يحمله إلا الأقوياء بأبدانهم وقلوبهم ألا ترى الله جل وعز يقول لكليمه صلى الله عليه وسلم {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} والقوة هى الثقة بالله والاعتماد عليه، ولذلك قال بعضهم: عطاياه لا تحتمل إلا مطاياه. وقيل فى قوله: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}: أى خذها بى ولا تأخذها بنفسك، فالقوى من لا حول له ولا قوة، ويكون حوله وقوته بالقوى.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ}. وفي الأثر: أن موسى عليه السلام كان يسمع صريرَ القلم، وفي هذا نوع لطف لأنه إنْ منع منه النظر أو منعه من النظر فقد علله بالأثر. قوله جلّ ذكره: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ}. فيه إشارة إلى أن الأَخْذَ يُشير إلى غاية القرْبِ، والمراد ها هنا صفاءُ الحال، لأن قربَ المكانِ لا يَصِحُّ على الله سبحانه. قوله جلّ ذكره: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. فَرْقٌ بين ما أمر به موسى من الأخذ وبين ما أمره أن يأمر به قومه من الأخذ، أَخْذُ موسى عليه السلام من الحق على وجهٍ من تحقيق الزلفة وتأكيد الوصلة، وأَخْذُهُم أخذُ قبولٍ من حيث التزام الطاعة، وشتان ما هما!. قوله: {بِأَحْسَنِهَا} بمعنى بِحُسْنِهَا، ويحتمل أن تكون الهمزة للمبالغة يعني: بأحسنها ألا تعرِّج على تأويل وارجع إلى الأَوْلى. قوله جلّ ذكره: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}. يعني عليها غَبَرةٌ العقوبة، خاوية على عروشها، ساقطة على سقوفها، مُنْهَدٌّ بنيانُها، عليها قَتَرةُ العِقاب. والإشارة من دار الفاسقين إلى النُّفوس المتابعة للشهوات، والقلوب التي هي معادن المنى وفاسد الخطرات، فإنَّ الفِسقَ يوجب خرابَ المحل الذي يجري فيه؛ فمن جرى على نفسه فِسْق خربت نفسه. وآية خراب النفوس انتفاءُ ما كان عليها وفيها من سكان الطاعات، فكما تتعطل المنازل عن قطانها إذا تداعت للخراب فكذلك إذا خربت النفوس بعمل المعاصي فتنتفي عنها لوازم الطاعات ومعتادها، فبعد ما كان العبد يتيسر عليه فعل الطاعات لو ارتكب شيئاً من المحظورات يشق عليه فعل العبادة، حتى لو خُيِّر بين ركعتي صلاة وبين مقاساة كثيرٍ من المشاق آثر تحمل المشاقِّ على الطاعة.. وعلى هذا النحو ظلمُ القلوب وفسادُها في إيجاب خراب محالها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وكتبنا} [ونوشتيم ما يعنى قلم اعلى را فرموديم كه كتابت كرد يا جبريل را كفتيم كه بقلم ذكر امداد نهر النور نوشت] {له} [براى موسى] {فى الالواح} اى فى تسعة الواح من الزمرد الاخضر وهو الاصح وفيها التوراة كنقش الخاتم طول كل لوح عشرة اذرع. وفى القاموس اللوح كل صفيحة عريضة خشبا او عظما جمعه الواح -روى- ان سؤال الرؤية كان يوم عرفة واعطاء التوراة يوم النحر {من كل شيء} مما يحتاجون اليه من امور دينهم {موعظة وتفصيلا لكل شيء} بدل من الجار والمجرور لانه فى محل النصب على انه مفعول كتبنا ومن مزيدة لا تبعيضية اى كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الاحكام. قال مقاتل كتب فى الالواح انى انا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بى شيأ ولا تقطعوا السبيل ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين {فخذها} على اضمار القول عطفا على كتبنا اى فقلنا خذها اى الالواح {بقوة} بجد وعزيمة {وائمر قومك} اى على طريق الندب والحث على اختيار الافضل {ياخذوا} اى ليأخذوا {باحسنها} الباء زائدة فى المفعول به. الاحسن العزائم والحسن الرخص يعنى ليعلموا ان ما هو عزيمة يكون ثوابه اكثر كالجمع بين الفرائض والنوافل والصبر بالاضافة الى الانتصار وغير ذلك. قال قطرب اى بحسنها وكلها حسن كقوله تعالى {أية : ولذكر الله أكبر} تفسير : [العنكبوت: 45]. {سأريكم} يا بنى اسرائيل {دار الفاسقين} دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها ومنازل عاد وثمود واضرابهم لتعتبروا فلا تفسقوا بمخالفة ما امرتم به من العمل باحكام التوراة او ارض مصر او ارض الجبابرة والعمالقة بالشام. ومعنى الاراءة الادخال بطريق الايراث فعلى الاول يكون وعيدا وترهيبا وعلى الثانى وعدا وترغيبا. وفى الآية اشارة الى ان طلب الآخرة كان احسن من طلب الدنيا كذلك طلب الله احسن من طلب الآخرة فعلى العاشق ان يختار الاحسن وقوله {سأريكم دار الفاسقين} يعنى الخارجين من طلب الآخرة فدارهم الجنة ودار الخارجين من طلب الآخرة الى طلب الله فى مقعد صدق عند مليك مقتدر: قال الحافظ شعر : سايه طوبى ودلجويئ حورولب حوض بهواى سركوى توبرفت ازيادم نيست برلوح دلم جز الف قامت دوست جه كنم حرف دكر يادنداد استادم
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب لموسى (ع) في الألواح من كل شىء موعظة وتفصيلاً لكل شىء، وقال الجبائي: المكتوب في الألواح التوراة، فيها اخبار الامم الماضية، وفصل فيها الحرام والحلال. و (الألواح) جمع لوح، وقال الزجاج: كانا لوحين فجمع، قال: ويجوز أن تكون ألواحاً جماعة، واللوح صفيحة مهيأه للكتابة فيها، وقد يقال لوح فضة تشبيهاً باللوح من الخشب، ومثله لو عمل من حجر، وقال الحسن: وكانت الالواح من خشب نزلت من السماء، ومعنى كتبنا له من كل شىء كتبنا اليه كل ما في شرعه من حلال وحرام، وحسن وقبيح، وواجب وندب، وغير ذلك مما يحتاجون الى معرفته. وقيل: كتب له التوراة فيها من كل شىء من الحكم والعبر. وأصل اللوح اللمع يقال: لاح الامر يلوح، لوحا اذا لمع وتلألأ. والتلويح تضمير، ولوَّحه السفر والعطش إِذا غيَّره تغييراً تبين عليه أثره، لأن حاله يلوِّح بما نزل به، واللوح الهواء، لأنه كاللامع في هبوبه، واللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه. و (الموعظة) التحذير بما يزجر عن القبيح وتبصر مواقع الخوف تقول: وعظه يعظه وعظاً وموعظة، واتعظ اتعاظاً إِذا قيل الوعظ. وقوله {وتفصيلاً لكل شيء} يعني تمييزاً لكل ما يحتاجون اليه. وقوله {فخذها بقوة} قيل: معناه بجد واجتهاد. وقيل: بصحة عزيمة، ولو أخذه بضعف نية لأداه الى فتور العمل به. وقوله {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} معناه يأخذوا بأحسن المحاسن، وهي الفرائض والنوافل، وأدونها في الحسن المباح، لأنه لا يستحق عليه حمد ولا ثواب. وقال الجبائي: أحسنها الناسخ دون المنسوخ المنهي عنه، لأن العمل بهذا المنسوخ قبيح. وقال الزجاج: يأخذوا بأحسنها معناه بما هو حسن دون ما هو قبيح، وهذا تأويل بعيد، لأنه لا يقال في الحسن أنه أحسن من القبيح. ويجوز أن يكون المراد بأحسنها حسنها، كما قال تعالى {أية : وهو أهون عليه}تفسير : ومعناه هين. ويحتمل ان يكون اراد بأحسنها الى ما دونه من الحسن، ألا ترى أن استيفاء الدين حسن وتركه أحسن، وأما القصاص في الجنايات فحسن والعفو أحسن ويكون ذلك على وجه الندب. وقوله عز وجل {سأوريكم دار الفاسقين} قال الحسن ومجاهد والجبائي: يعني به جهنم، والمراد به فليكن منكم على ذكر لتحذروا أن تكونوا منهم، وقال قتادة: هي منازلهم أي لتعتبروا بها وبما صاروا اليه من النكال فيها.
الجنابذي
تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ} ما يسمّى شيئاً {مَّوْعِظَةً} فانّ فى كلّ شيءٍ جهة وعظ ونصح للخير كما انّ فيه جهة كثرة وحجاب عن الخير فكتبنا من كلّ شيءٍ جهة وعظ فى الواح التّوارة او فى الواح نفسه النّبويّة {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} عطف على مجموع من كل شيءٍ موعظة لا على موعظة فقط او هو عطف على موعظة، والمعنى وكتبنا له فى الالواح من كلّ شيءٍ تفصيلاً لكلّ شيءٍ، فانّ البصير المرتفع عن عالم الطّبع بل عن عالم المثال يرى كلّ شيءٍ فى كلّ شيءٍ لكون الكلّ فى ذلك العالم مرائى متعاكسات يترائى كلّ شيءٍ فى ذلك العالم فى كلّ شيءٍ بل نقول: ظاهر الآية كون تفصيلاً معطوفاً على موعظة والقيود المتقدّمة على المعطوف عليه معتبرة فى المعطوف بحكم العطف وقد اشتهر عن الصّوفيّة انّهم يقولون: كلّ شيءٍ فى كلّ شيءٍ {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} اى قائلين فخذ الالواح الّتى فيها الموعظة وتفصيل كلّ شيءٍ، او خذ الموعظة وتفصيل كلّ شيءٍ، او مجموع الالواح والموعظة والتّفصيل ولاخذ تفصيل كلّ شيءٍ من كلّ شيءٍ ههنا فى المأخوذ اضاف قوله بقوّةٍ {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} بأخذ الالواح والموعظة او بأخذ احسنها او بأىّ امرٍ كان {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} فى حذف متعلّق الامر وجزم الجواب ايهام سببيّة امره (ع) باىّ امر كان لاخذ قومه بأحسنها، كأنّه بامره وتوجّهه اليهم يؤثّر فيهم اثراً يفتح بصيرتهم بحيث يميّزون بين الاحسن وغير الاحسن، وكلّ انسان مفطور على اخذ الاحسن اذا عرفه وفى امثال قوله تعالى لنبيّنا (ص): {أية : قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ}تفسير : [الجاثية: 14] وقوله تعالى: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} تفسير : [النور: 30] دلالة على قوّة نفس نبيّنا (ص) بالنّسبة الى موسى (ع) لايهامه انّ محض تخاطبه (ص) مع المؤمنين امراً كان او نهياً او حكاية وقصّة يؤثّر فيهم بحيث يصير سبباً لما ذكر بعده من افعالهم الحسنة بخلاف موسى (ع)، فانّه ان امر اثّر والاّ فلا. ولمّا كان القوم غير جامعة لجملة المراتب لضيقهم وعدم سعتهم بل كلّ من كان منهم فى مرتبةٍ لم يكن يجرى عليه حكم المرتبة العالية او الدّانية لضيقه وكان الحسن والاحسن فى حقّه حكم تلك المرتبة وكان حكم المرتبة العالية او الدّانية فى حقّه قبيحاً امره (ع) ان يامر قومه ان يأخذوا احسن العظة او احسن الالواح باعتبار ما فيها من الاحكام الّتى هى موعظته تعالى، فانّ الاحكام فيها كالقرآن متكثّرة مترتّبة بحسب تكثّر المراتب كالانتقام وكظم الغيظ والعفو عن المسيء والاحسان اليه، فانّ الاحكام الاربعة مذكورة فى القرآن لكن هى مترتّبة حسب مراتب الانسان ويختلف احسنها بحسب اختلاف الاشخاص فى مراتب العبوديّة، فانّ الواقع فى جهنّام النّفس لا يرتضى من المسيء بالانتقام بمثل اساءته بل لا يرتضى باضعافها فالاحسن فى حقّه الانتقام بمثل اعتدائه كما قال {أية : فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:194]، ومن خرج من تلك الجهنّام فالاحسن فى حقّه كظم الغيظ وترك الانتقام ولكن لا يتصوّر فى حقّه الصّفح واخراج رين الاساءة من صدره، والاحسن فى حقّ من خرج من حدود النّفس وتوجّه الى حدود القلب الصّفح وتطهير القلب من رين الاساءة ولا يتصوّر فى حقّه الاحسان، وفى حقّ الدّاخل فى بيت الله الّذى من دخله كان آمنا وهو القلب كان الاحسن الاحسان فالمراد باحسنها احسن ما يتصوّر ويمكن فى حقّهم، هذا اذا كان المراد بالاحسن الاحسن الاضافىّ وان اريد بالاحسن الاحسن المطلق فليخصّص قومه بخواصّه؛ هذا على ظاهر مفهوم اللّفظ والاّ فالمراد به الولاية فانّها العظة الحسنى والحكم الاحسن حقيقةً والمعنى انّك لسعة وجودك واستقلالك فى جميع المراتب مأمور باخذ جميع الاحكام فى جميع المراتب، ولكنّ قومك لضيقهم وعدم استقلال رأيهم مأمورون بأخذ الاحسن منها وهى الولاية حتّى يحصل لهم بتبعيّة وليّهم سعةٌ واستقلال فى رأيهم فيستحقّوا بذلك الامر بأخذ الجميع وبأحد المعنيين ورد قوله تعالى {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ} تفسير : [الزمر: 55] ولمّا صار المقام مظنّة ان يقال: ما لمن خرج من الانقياد ولم يأخذ حكم الالواح وعظةً؟ - قال جواباً {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} وجزائهم والخطاب لموسى (ع) وقومه او لمحمّد (ص) وقومه، ثمّ صار المقام مظنّة ان يقال: ما سبب خروج الفاسق ومَنِ المخرج له؟ ايخرج بنفسه ام يخرجه غيره؟ - فقال {سَأَصْرِفُ}.
فرات الكوفي
تفسير : {وَكَتَبْنا لَهُ في الأَلواحِ مِنْ كُلِّ شَيءٍ145} فرات قال: حدثني علي بن أحمد بن عتاب معنعناً: عن أبي جعفر [عن أبيه. أ، ر] عليهما [ب: عليه] السلام قال: ما بعث الله نبياً إلا أعطاه من العلم بعضه ما خلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أعطاه من العلم كله فقال: {أية : تبياناً لكل شيء} تفسير : [89/ النحل] وقال: {وكتبنا [له.ب: لموسى. ر: موسى] فى الألواح من كل شيء} وقال: {أية : الذي عنده علم من الكتاب} تفسير : [40/ النمل] ولم يخبران عنده [علم الكتاب]، والمن لا يقع من الله على الجميع وقال لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: {أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} تفسير : [32/ فاطر] فهذا الكل ونحن المصطفون، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : رب زدني علماًتفسير : ، فهي الزيادة التي عندنا من العلم الذي لم يكن عند أحدٍ من الأوصياء والأنبياء ولا ذرية الأنبياء غيرنا، فهذا [خ: فبهذا] العلم علمنا البلايا والمنايا وفصل الخطاب.
اطفيش
تفسير : {وكَتبْنا لهُ فى الألواحِ} وهى عشر عند وهب، طول كل واحد عشرة، وكذا عرضه، وهى من زمرد من الجنة عند ابن جريج بضم الزاى والميم والراء المشددة وبفتحها وإعجام الدال، وقال ابن عباس: سبعة ألواح، وقال الفراء: لوحان إطلاقا للجمع على اثنين، وقال أبو العالية: هى من زبرجد أخضر، وروى هذا حديثا، وعن أبى العالية: من برد، وقال ابن جبير: من ياقوت أحمر، وقال وهب: من صخرة لينها الله لموسى فصنعها منها بأصابعه. وعن الحسن: كانت من خشب نزلت من السماء، والمكتوب فيها التوراة، وقيل: غيرها، وقيل: من سدر الجنة، والطول اثنا عشر ذراعا، وروى هذا حديثا، وقال مقاتل: الألواح تسعة، وعن الربيع ابن أنس: نزلت التوراة وِقْرَ سبعين بعيرا، يقرأ الجزء فى سنة، ولم يحفظها إلا موسى ويوشع وعزير وعيسى عليه السلام، وهو قول ضعيف مفرط، وعن الحسن: هذه الآية فى التوراة بألف آية يعنى {وكتبنا له فى الألواح} الخ. {مِنْ كلِّ شَىءٍ موعِظَةً وتفْصِيلا لِكلِّ شَىءٍ} الذى يظهر أن المعنى جمعنا له فى الألواح ما يحتاجون إليه من كل نوع من أمر الدين لأجل الوعظ، والتفصيل لكل شىء، احتاجوا إليه من الأحكام من حلال وحرام، فإن الكتابة فيها معنى الجمع، وموعظة مفعول لأجله، ومفعول كتبنا محذوف كما رأيت أو موعظة مفعول به، أى جمعنا له فيها موعظة وتفصيلا لكل فرد من أفراد الأحكام من كل نوع، وعلى كل حال، فمن متعلق بكتبا، وذكر بعضهم أن من كل شىء مستغنى به عن المفعول، وموعظة بدل منه، أو من محل المجرور بناء على أن محل النصب للمجرور وحده، ومن أجاز زيادة من فى الإثبات أجاز كون من صلة، وكل مفعولا وموعظة بدل منه أو مفعول لأجله. {فخُذْها} العطف على كتبنا، والمعطوف محذوف أى فقلنا له خذها {بقوَّةٍ} إلخ، ويجوز أن يكون فخذها بقوة الخ بدلا من قوله: {أية : فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} تفسير : فلا يقدر القول، وإنما صح إبدال جملة مقرونة بالفاء، لأن المراد اللفظ فهى مفرد لتقدم القول، والضمير فى خذها للألواح فيما يظهر، وأجيز عوده للرسالة لكل شىء، لأنه بمعنى الأشياء قيل أو للتوراة، والقوة الاجتهاد والعزيمة والصبر، واحتمال مؤنتها، وعدم الفتور، قاله ابن عباس والسدى، وقال الربيع ابن أنس: القوة الطاعة، وعن ابن عباس: أمر موسى أن يأخذ بأشد ما فيها. {وَأمُر قَومَك يأخذُوا} إن قلت: جزم يأخذ والشرط مقدر عند الجمهور إن أمرتهم يأخذوا، وبالطلب لنيابته مناب الجازم المقدر عند السرافى والفارسى، وبه لتضمنه معنى ذلك الجازم عند الخليل وسيبويه، ومعنى إن الشرطية على كل حال مرعى، وذلك يستلزم أن لا يتخلف أحد عن الأخذ، والتخلف واقع؟ قلت: الحكم فى قوله: {يأخذوا} على المجموع ويقدر مضاف أى يأخذ بعضهم. {بأحْسَنها} ويترك الحسن فيأخذوا بالعفو، ويتركوا الاقتصاص، وبالصبر ويتركوا الانتصار ونحو ذلك، مما هو داخل فى الثواب، ومما قيل: من أن القصاص مكتوب على بنى إسرائيل قطعا لم يثبت، بل يجوز لهم العفو، فالأمر للندب سلمنا أنه مكتوب عليهم قطعا فنقول: الاقتصاص أحسن، والعفو حسن فى الجملة، وقيل: الأحسن الواجب والندب والحسن هو المباح الجائز الأخذ والترك، أو الأحسن هو المتوسط شدة وسهولة، فإنه أحسن من الأشد باعتبار الطبيعة، وباعتبار الدوام عليه، فالحسن هو الأشد أو الأحسن هو السهل، والحسن هو الشديد، أو الأحسن المأمور به، والتفضيل على حده فى قولك: العسل أحلى من الخل، أى العسل فى حلاوته أشد من الخل فى حموضته، والمأمور به أبلغ فى الحسن من المنهى عنه فى القبح. أو المراد بالأحسن الحسن، وكلها حسن، فعلى هذا فاسم التفضيل خارج عن بابه، فيكون لم يقل يأخذوا بها مع أنه المراد من حيث إنها كلها حسنة تصريحا بحسنها، وترغيبا فيها، قال فى عرائس القرآن: معظم التوراة عشر كلمات، عليها مدار كل شريعة، وهى: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الجبار القهار، لعبده ورسوله موسى بن عمران سبِّحنى وقدِّسْنى، لا إله إلا أنا فاعبدنى، ولا تشرك بى شيئا من أهل السماء والأرض، فكلهم خلقى، واشكر لى ولوالديك إلىَّ المصير أحيك حياة طيبة، ولا تقتل النفس التى حرم الله عليك فتضيق السماء عليك بأقطارها، والأرض برحبها، ولا تحلف باسمى كاذبا، فإنى لا أطهر ولا أزكى من لم يعظم اسمى، ولا تشهد بما لا يعى سمعك، ولا تحفظ عيناك، ولم يقف قلبك عليه، فإنى أوقف أهل الشهادة على شهادتهم يوم القيامة فأسائلهم عنها، ولا تحسد الناس على ما أتيتهم من فضلى ورزقى، فإن الحاسد عدوّ نعمتى ساخط لقسمى، ولا تزن، ولا تسرق، فأحجب عنك وجهى، وأغلق دون دعوتك أبواب السماوات، ولا تذبح لغيرى، فإنه لا يصعد إلىَّ من قربان الأرض إلا ما ذكر عليه اسمى ولا تغدرنَّ بحليلة جارك، فإنه أكبر مقتا عندى، وأحبب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك. قال ابن عباس: لما سار إلى الميقات قال له ربه: ما تبتغى؟ قال: جئتك أبتغى الهدى، قال هديتك يا موسى، قال: يا رب أى عبادك أحب إليك؟ قال: الذى يذكرنى ولا ينسانى، قال: وأى عبادك أقضى؟ قال: الذى يقضى بالحق ولا يتبع الهوى، قال: فأى عبادك أعلم؟ قال: الذى يزيد علم الناس إلى علمه، فيسمع الكلمة تهديه إلى هدىٍ أو ترده عن ردىء. وعن ابن مسعود: لما قرب الله موسى بالطور رأى عبدا فى ظل العرش جالسا قال: رب من هذا؟ قال: هذا عبد لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، بر بوالديه، لا يمشى بين الناس بالنميمة، فقال موسى: يا رب اغفر لى ما جرى من أمرى وما غَبَر، وما بين ذلك وما أنت أعلم به منى، أعوذ بك من وسوسة نفسى، وأعوذ بك من سوء عملى، قال: كفيت ذلك يا موسى، قال يا رب أى الأعمال أحب إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرنى ولا تنسانى، قال: أى عبادك خير عملا؟ قال: من لا يكذب لسانه، ولا يفجر قلبه، ولا يزنى فرجه، مؤمن فى خُلُق حسن، قال: وأى عبادك شر عملا؟ قال: فاجر فى خُلُق سيىء، جيفة فى الليل بطل فى النهار. قال الحسن: مكث موسى بعد ما تغشاه النور فى الجبل أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات، فاتخذ برقعا ستر به وجهه، وقيل: اتخذه من أول أمره، وقالت له زوجته: اشتقت إلى رؤيتك، فإنى لم أرك منذ كلمك ربك، فكشف لها عن وجهه وهو كالشمس، فوضعت يدها على وجهها، وخرت ساقطة ثم قالت: ادع ربك أن يجعلنى زوجتك فى الجنة، قال: ذلك إن لم تتزوجى بعدى، فإن المرأة لآخر أزواجها. وعن أبى هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما كلم الله موسى كان لا تدب النملة فى الليلة الظلماء على الصفا من مسيرة عشرة فراسخ إلا رآها ". تفسير : {سأرِيكُم} من رؤية البصرية المتعدية إلى اثنين بالهمزة، فإنه مضارع أرى، لكنه أشعبت ضمة همزة التكلم تمكينا للصوت فى موضع التغليظ، أو الواو زائدة فى الخط فقط، لاحظ لها فى اللسان، وهو ما للقراء، والإشباع مروى عن الحسن، والواو ثابتة فى خط المصحف، ويحتمل الإشباع أن يكون ذلك مضارع أورى يورى بمعنى بين يبين، أى سأبين لكم، قيل: وهى لغة فاشية بالحجار، وأصلها أورى الزند أى أظهر ما فيه أو أنار، قال أبو حاتم: وقرأ قسامة بن زهير: سأورثكم، ونسبها المهدوى إلى ابن عباس وهى حسنة يصححها قوله سبحانه: {أية : وأورثنا القوم الذين} تفسير : الخ وهى بالتخفيف والمثلثة، وضبطها بعض المغاربة بالتشديد. {دَارَ الفَاسِقينَ} وهم فرعون وقومه ودارهم مصر، وتقدر حال، أى أريكموها مقفرة منهم لفسقهم فلا تفسقوا فتهلكوا مثلهم، أو يقدر مضاف أى إقفار دارهم، أو يقدر كيف أقفرت منهم، قال الكلبى: دار الفاسقين دار عاد وثمود والقرون المهلكة لفسقهم، أى أريكموها فى أسفاركم، وقيل: دار الفاسقين نار جهنم، ونسب هذا الحسن ومجاهد وعطاء، وبالأول قال على ومقاتل وقتادة فى رواية النقاش عنهم، وقال قتادة فى رواية دار الفاسقين: الشام، والمراد ما خلا منه لفسق أهله، وعنه أن دار الفاسقين الشام، وأن المراد العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، ويجوز أن تجعل الرؤية علمية تتعدى لثلاثة بالهمزة، والثالث محذوف لتبادره وعلمه، أى سأريكم دار الفاسقين خالية أو مقفرة منهم، أو سأريكموها مسعرة على أنها جهنم، ومنع بعضهم ذلك، ولا يجوز ذلك على الوجه الأخير إلا إن أريد سأريكموها خربة أو خالية أو مقفرة بعد قتالكم.
اطفيش
تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الأَلْوَاحِ} عشرة أَلواح أَو تسعة أَو سبعة أَو اثنان طول اللوح عشرة أَذرع، أَو اثنا عشر من خشب أَو سدر الجنة، أَو ياقوت أَحمر أَو من زمرد أَو زبرجد أَو من صخرة لينها الله عز وجل له فقطعها بأَصبعه، أَو التوراة حمل سبعين بعيرًا يقرأ الجزءَ فى سنة لم يحفظها إِلا موسى ويوشع وعزير وعيسى، قال الحسن: هذه الآية فى التوراة بأَلف آية، وكتابة التوراة فى الأَلواح خلق من الله، أَو المكتوب فى الأَلواح غير التوراة، كما قال البيضاوى: أَو غيرها، ويبعد أَن يريد غير تلك الأَقوال {مِنْ كُلِّ شَئٍ} محتاج إِليه فى دينهم وقيل: بأَعم من ذلك، حتى أَن كعباً بلغ صفين ونظر ساعة واقفاً فقال: ليراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين ما لم يهرق فى بقعة. وقال: إِن ذلك فى التوراة، ولعله استخراج ورمز، ومن متعلق بكتبنا، وهى للابتداء، أَو بمحذوف حال من قوله {مَوْعِظَةٌ} مفعول كتبنا، أَى موعظة عظيمة من كل نوع، والمراد بالشئ النوع، وهذا معنى كبير، {وَتَفْصِيلاً} تبييناً {لِكُلِّ شَىْءٍ} محتاج إِليه {فَخُذْهَا } أَى فقلنا له خذها، وقلنا معطوف على كتبنا، ويجوز أَن يعتبر الخطاب فى له، أَى وكتبنا لك، فلا يقدر قلنا، وها عائد للأَلواح، أَو لكل شئ لأَنه بمعنى الجملة، أَو الجماعة، كأَنه قيل: وتفصيلا للأَشياء. أَو للموعظة، أَو للرسالة، {بِقُوَّةٍ} بجد وعزم حفظا وفهماً وعملا ودرساً وتعليماً، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} وكل من أَمكن لك. وخص القوم بالذكر لأَنه أَحق للنسب والجوار، ولأَن التوراة مطلوبة لهم، وفخر لهم، أَو القوم الأُمة {يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} أَى يتمسكوا بأَحسنها، وقيل: الباء صلة فى المفعول به، وقيل: هو محذوف، أَى يأخذوا أَنفسهم بما هو أَفضل فيها انتقالا عن الجائز إِلى ما هو خير منه على طريق الندب كالعفو بدل القصاص، والصبر بدل الانتقام، وصدقة النفل بدل الإِمساك، وقيام الليل بدل النوم، وكل ذلك حسن يأْخذوا بالأَحسن فيه، ومعنى حسن النوم أَنه مباح لا قبيح حرام، أَو أحسن الواجب المندوب، والحسن المباح، أَو الأَحسن الحسن وكلها حسن، أَو الناسخ، أَو أَن يحمل ما احتمل معنيين أَو معانى على ما هو أَقرب إِلى الحق وأَحوط، والمراد الزيادة المطلقة، وهى المأمور به، فإِنه أَبلغ فى الحسن من المنهى عنه فى القبح، ومرتبة حسن المأمور به أعلى من مرتبة قبح المنهى عنه، وهذا راجع إِلى التفضيل بمن كأَنه قيل: المأمور به أَحسن من المنهى عنه كما تقول: العسل أَحلى من الخل، والصيف أَحر من الشتاء، أَى أَبلغ فى الحلاوة من الخل فى الحموضة، وأَبلغ فى الحر من الشتاء فى البرد، ولحر الصيف حدة، ولبرد الشتاء حدة، وحدة حره أَشد من حدة برد الشتاء، ولحلاوة العسل حدة، ولحموضة الخل حدة، وحدة حلاوته أَشد من حموضة الخل، أَو أَحسن خارج عن التفضيل، أَى بحَسَنِها - بفتح السين - وهو الواجب والمندوب والمباح، ومقابله القبيح وهو المعاصى وما يقرب {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} فرعون وقومه، وأَل للعهد، ودارهم مصر القاهرة وأَعمالها، والمراد بإِراءَتها إِراءَتها خاوية لتعتبروا فلا تفسقوا، فخاوية مفعول ثالث للإِراءة العلمية، أَو إِدخالها بالإِرث على أَن الإِراءَة بصرية، كما قرئ سأَورثكم، وكما قال "أية : أَورثنا القوم" تفسير : [الأَعراف: 137] إِلخ... وكما قال: "أية : كذلك وأَورثناها بنى إِسرائيل" تفسير : [الشعراء: 59] فهذا وعد للمؤمنين، رجعوا من الشام إِلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه، فورثوا ما فيها من الجنان والعيون، والكنوز والمقام الكريم، وضعف القول بأَنهم لم يرجعوا، أَو أَنه ملكها غيرهم، أَو دار الفاسقين، ديار المهلكين كعاد وثمود لتعتبروا فلا تفسقوا، أَو ديار الجبابرة والعمالقة بالشام تملكها بنو إِسرائيل، أَو دارهم جهنم، أَخبر بنى إِسرائيل لينزجروا، ويردهما قراءَة سأُورثكم، لأَنهم لم يورثوا منازل عاد وثمود ونحوهم، ولا يورث المؤمنون جهنم، وقد قيل: رجع يوشع من الشام إِلى مصر بعد موت موسى عليهما السلام، وقد قيل: دخلهما موسى ومقدمته يوشع، والخطاب لموسى ولقومه تغليباً على غيبة قومه، وهذا أَولى من أَن يقال هذا على طريق الالتفات عن الغيبة فى يأْخذوا بأَحسنها إِلى الخطاب وإِن الكاف لقومه، وأَن الأَصل سأَرويهم دار الفاسقين.
الالوسي
تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ} يحتاجون إليه من الحلال والحرام والمحاسن والقبائح على ما قال الرازي وغيره، وما أخرجه الطبراني. والبيهقي في «الدلائل» عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن / خرشة وكعب الأحبار حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله تعالى به؟ فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة التي أنزل الله تعالى على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة ظاهر في أن كل شيء أعم مما ذكر، ولعل ذكر ذلك من باب الرمز كما ندعيه في القرآن. {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلِّ شَىْء} بدل من الجار والمجرور، أي كتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام، وإلى هذا ذهب غير واحد من المعربين، وهو مشعر بأن {مِنْ} مزيدة لا تبعيضية، وفي زيادتها في الإثبات كلام، قيل: ولم تجعل إبتدائية حالاً من موعظة و {مَّوْعِظَةً} مفعول به لأنه ليس له كبير معنى، ولم تجعل موعظة مفعول له وإن استوفى شرائطه لأن الظاهر عطف {تَفْصِيلاً} عن {مَّوْعِظَةً}، وظاهر أنه لا معنى لقولك كتبنا له من كل شيء لتفصيل كل شيء، وأما جعله عطفاً على محل الجار والمجرور فبعيد من جهة اللفظ والمعنى. والطيبـي اختار هذا العطف وأن {مِنْ} تبعيضية و {مَّوْعِظَةً} وحدها بدل، والمعنى كتبنا بعض كل شيء في الألواح من نحو السور والآيات وغيرهما موعظة وكتبنا فيها تفصيل كل شيء يحتاجون إليه من الحلال والحرام ونحو ذلك، وفي ذلك اختصاص الإجمال والتفصيل بالموعظة للإيذان بأن الاهتمام بهذا أشد والعناية بها أتم، ولكونها كذلك كثر مدح النبـي صلى الله عليه وسلم بالبشير النذير، وإشعار بأن الموعظة مما يجب أن يرجع إليه في كل أمر يذكر به، ألا يرى إلى أن أكثر الفواصل التنزيلية والردود على هذا النمط نحو {أية : أَفَلاَ تَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف: 65] {أية : أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } تفسير : [الأنعام: 80] وإلى سورة الرحمن كيف أعيد فيها ما أعيد وذلك ليستأنف السامع به ادكاراً واتعاظاً ويجدد تنبيهاً واستيقاظاً، وأنت تعلم أن البعد الذي أشرنا إليه باق على حاله، وقوله سبحانه: {لّكُلِّ شَىْءٍ} إما متعلق بما عنده أو بمحذوف كما قال السمين وقع صفة له. واختلف في عدد الألواح وفي جوهرها ومقدارها وكاتبها فقيل كانت عشرة ألواح، وقيل: سبعة، وقيل: لوحين، قال الزجاج: ويجوز أن يقال في اللغة للوحين ألواح وأنها كانت من زمرد أخضر، أمر الرب تعالى جبريل عليه السلام فجاء بها من عدن، وروي ذلك عن مجاهد، وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: أخبرت أن الألواح كانت من زبرجد، وعن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون إنها كانت من ياقوتة وأنا أقول: إنها كانت من زمرد، وأخرج ابن أبـي حاتم وغيره عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً» تفسير : وعن الحسن أنها كانت من خشب نزلت من السماء، وأن طول كل عشرة أذرع، وقيل: أمر الله تعالى موسى عليه السلام بقطعها من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده وشققها بأصابعه ولا يخفى أن أمثال هذا يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا فالسكوت أولى إذ ليس في الآية ما يدل عليه، والمختار عندي أنها من خشب السدر إن صح السند إلى سلسلة الذهب، والمشهور عن ابن جريج أن كاتبها جبريل عليه السلام كتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، والمروي عن علي كرم الله تعالى وجهه ومجاهد وعطاء وعكرمة وخلق كثير أن الله تعالى كتبها بيده وجاء أنها كتبت وموسى عليه السلام يسمع صريف الأقلام التي كتبت بها وهو المأثور عن الأمير كرم الله تعالى وجهه. وجاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده، ثم / قال لأشياء كوني فكانت، وأخرج عبد بن حميد عن وردان بن خالد قال: خلق الله تعالى آدم بيده وخلق جبريل بيده وخلق القلم بيده وخلق عرشه بيده وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده وكتب التوراة بيده وهذا كله من قبيل المتشابه، وفي بعض الآثار أنها كتبت قبل الميقات وأنزلت على ما قيل وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى عليهم السلام. ومما كتب فيها كما أخرج ابن أبـي حاتم عن ابن عباس ذكر النبـي صلى الله عليه وسلم وذكر أمته وما ادخر لهم عنده وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم حتى إنه جاء أن موسى عليه السلام عجب من الخير الذي أعطاه الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته وتمنى أن يكون منهم. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في «الحلية» وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : كان فيما أعطى الله تعالى موسى في الألواح يا موسى لا تشرك بـي شيئاً فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار، واشكر لي ولوالديك أقك المتالف وأنسئك في عمرك وأحيك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها، ولا تقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق فتضيق عليه الأرض برحبها والسماء بأقطارها وتبوء بسخطي والنار، ولا تحلف باسمي كاذباً ولا آثماً فإني لا أطهر ولا أزكي من لم ينزهني ويعظم أسمائي، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضلي ولا تنفس عليه نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتي راد لقضائي ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي ومن يكون كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك ويعقد عليه قلبك فإني واقف أهل الشهادات على شهاداتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤالاً حثيثاً، ولا تزن ولا تسرق، ولا تزن بحليلة جارك فأحجب عنك وجهي وتغلق عنك أبواب السماء، وأحب للناس ما تحب لنفسك، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان خالصاً لوجهي، وتفرغ لي يوم السبت وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى جعل السبت لموسى عليه السلام عيداً، واختار لنا الجمعة فجعلها عيداً» تفسير : . {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي بجد وحزم قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والجملة على إضمار القول عطفاً على {كَتَبْنَا} وحذف القول كثير مطرد، والداعي لهذا التقدير كما قال العلامة الثاني رعاية المناسبة لكتبنا له لأنه جاء على الغيبة، ولو كان بدله كتبنا لك لم يحتج إلى تقدير، وأما حديث عطف الإنشاء على الإخبار فلا ضير فيه لأنه يجوز إذا كان بالفاء. وقيل: هو بدل من قوله سبحانه: {أية : فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ}تفسير : [الأعراف: 144] وضعف بأن فيه الفصل بأجنبـي وهو جملة {وَكَتَبْنَا} المعطوفة على جملة {أية : قَالَ}تفسير : [الأعراف: 144] وهو تفكيك للنظم والضمير المنصوب للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء والعموم لا يكفي في عود ضمير الجماعة بدون تأويله بالجمع، وجوز عوده للتوراة بقرينة السياق، والقائل بالبدلية جعله عاداً إلى الرسالات؛ والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالاً من الفاعل أي ملتبساً بقوة، وجوز أن يكون حالاً من المفعول أي ملتبسة بقوة براهينها، والأول أوضح، وأن يكون صفة مفعول مطلق أي أخذاً بقوة. {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي أحسنها فالباء زائدة كما في قوله:شعر : سود المحاجر لا يقرأن بالسور تفسير : ويحتمل أن تكون بالباء أصلية وهو الظاهر، وحينئذ فهي إما متعلقة بيأخذوا بتضمينه معنى يعملوا أو هو من الأخذ بمعنى السيرة، ومنه أخذ أخذهم أي سار سيرتهم وتخلق / بخلائقهم كما نقول وإما متعلقة بمحذوف وقع حالاً ومفعول {يَأْخُذُواْ} محذوف أي أنفسهم كما قيل، والظاهر أنه مجزوم في جواب الأمر فيحتاج إلى تأويل لأنه لا يلزم من أمرهم أخذهم، أي إن تأمرهم ويوفقهم الله تعالى يأخذوا، وقيل: بتقدير لام الأمر فيه بناء على جواز ذلك بعد أمر من القول أو ما هو بمعناه كما هنا، وإضافة أفعل التفضيل هنا عند غير واحد كإضافته في زيد أحسن الناس وهي على المشهور محضة على معنى اللام، وقيل: إنها لفظية ويوهم صنيع بعضهم أنها على معنى في وليس به؛ والمعنى بأحسن الأجزاء التي فيها، ومعنى أحسنيتها اشتمالها على الأحسن كالصبر فإنه أحسن بالإضافة إلى الانتصار، أي مرهم يأخذوا بذلك على طريق الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم } تفسير : [الزمر: 55] أو المعنى بأحسن أحكامها والمراد به الواجبات فإنها أحسن من المندوبات والمباحات أو هي والمندوبات على ما قيل فإنها أحسن من المباحات. وقيل: إن الأحسن بمعنى البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة وهو المأمور به ومقابله المنهي عنه، وإلى هذا يشير كلام الزجاج حيث قال: أمروا بالخير ونهوا عن الشر وعرفوا ما لهم وما عليهم فقيل: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} الخ فافعل نظيره في قولهم: الصيف أحر من الشتاء فإنه بمعنى الصيف في حره أبلغ من الشتاء في برده إذ تفضيل حرارة الصيف على حرارة الشتاء غير مرادة بلا شبهة ويقال هنا: المأمور به أبلغ في الحسن من المنهي عنه في القبح. وتفصيل ما في المقام على ما ذكره الدماميني في «تعليقه على المصابيح» ونقله عنه الشهاب أن لأفعل أربع حالات. إحداها: وهي الحالة الأصلية أن يدل على ثلاثة أمور: الأول: اتصاف من هو له بالحدث الذي اشتق منه وبهذا كان وصفاً، الثاني: مشاركة مصحوبة في تلك الصفة، الثالث: مزية موصوفه على مصحوبه فيها، وبكل من هذين الأمرين فارق غيره من الصفات، وثانيتها: أن يخلع عنه ما امتاز به من الصفات ويتجرد للمعنى الوصفي، وثالثتها: أن تبقى عليه معانيه الثلاثة ولكن يخلع عنه قيد المعنى الثاني ويخلفه قيد آخر، وذلك أن المعنى الثاني وهو الاشتراك كان مقيداً بتلك الصفة التي هي المعنى الأول فيصير مقيداً بالزيادة التي هي المعنى الثالث، ألا ترى أن المعنى في قولهم العسل أحلى من الخل أن للعسل حلاوة وأن تلك الحلاوة ذات زيادة وأن زيادة حلاوة العسل أكثر من زيادة حموضة الخل، وقد قال ذلك ابن هشام في «حواشي التسهيل» وهو بديع جداً، ورابعتها: أن يخلع عنه المعنى الثاني وهو المشاركة وقيد المعنى الثالث وهو كون الزيادة على مصاحبه فيكون للدلالة على الاتصاف بالحدث وعلى زيادة مطلقة لا مقيدة وذلك في نحو يوسف أحسن إخوته انتهى. وعدم اشتراك المأمور به والمنهي عنه في الحسن المراد مما لا شبهة فيه وإن كان الحسن مطلقاً كما في «البحر» مشتركاً فإن المأمور به أحسن من حيث الامتثال وترتب الثواب عليه والمنهي عنه حسن باعتبار الملاذ والشهوة. وقال قطرب كما نقله عنه محي السنة: المعنى يأخذوا بحسنها وكلها حسن، وهو ظاهر في حمل أفعل على الحالة الثانية، وقيل: المعنى يأخذوا بها وأحسن صلة وليس له من القبول عائد. وقال الجبائي: المراد يأخذوا بالناسخ دون المنسوخ، وقيل: الأخذ بالأحسن هو أن تحمل الكلمة المحتملة لمعنيين أو لمعان على أشبه محتملاتها بالحق وأقربها للصواب، ولا ينبغي أن يحمل الأخذ على الشروع كما في قولك أخذ زيد يتكلم أي شرع في الكلام، والأحسن على العقائد فيكون المراد أمرهم ليشرعوا بالتحلي بالعقائد الحقة وهي لكونها أصول الدين وموقوفة عليها صحة الأعمال أحسن من غيرها من الفروع وهو متضمن لأمرهم بجميع ما فيها كما لا يخفى فإن أخذ / بالمعنى المعنى من أفعال الشروع ليس هذا استعمالها المعهود في كلامهم على أن فيه بعد ما فيه، ومثل هذا كون ضمير أحسنها عائداً إلى قوة على معنى مرهم يأخذوها بأحسن قوة وعزيمة فيكون أمراً منه سبحانه أن يأمرهم بأخذها كما أمره به ربه سبحانه إلا أنه تعالى اكتفى في أمره عن ذكر الأحسن بما أشار إليه التنوين فإن ذلك خلاف المأثور المنساق إلى الفهم مع أنا لم نجد في كلامهم أحسن قوة ومفعول {يَأْخُذُواْ} عليه محذوف كما في بعض الاحتمالات السابقة غير أنه فرق ظاهر بين ما هنا وما هناك. {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} توكيد لأمر القوم بالأخذ بالأحسن وبعث عليه على نهج الوعيد والترهيب بناءً على ما روي عن قتادة وعطية العوفي من أن المراد بدار الفاسقين دار فرعون وقومه بمصر ورأى بصرية، وجوز أن تكون علمية والمفعول الثالث محذوف أي سأريكم إياها خاوية على عروشها لتعتبروا وتجدوا ولا تهاونوا في امتثال الأمر ولا تعملوا أعمال أهلها ليحل بكم ما حل بهم، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وحسن موقعه قصد المبالغة في الحث وفي وضع الإراءة موضع الاعتبار إقامة السبب مقام المسبب مبالغة أيضاً كقوله تعالى: {أية : قُلْ سِيرُواْ فِى ٱلأَرْضِ فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلْمُجْرِمِينَ } تفسير : [النمل: 69] وفي وضع دار الفاسقين موضع أرض مصر الإشعار بالعلية والتنبيه على أن يحترزوا ولا يستنوا بسنتهم من الفسق، والسين للاستقبال لأن ذلك قبل الرجوع إلى مصر كما في «الكشف» وقال الكلبـي: المراد بدار الفاسقين منازل عاد وثمود والقرون الذين هلكوا، وعن الحسن وعطاء أن المراد بها جهنم، وأياً ما كان فالكلام على النهج الأول أيضاً، ويجوز أن يكون على نهج الوعد والترغيب بناءً على ما روي عن قتادة أيضاً من أن المراد بدار الفاسقين أرض الجبابرة والعمالقة بالشام فإنها مما أبيح لبني إسرائيل وكتب لهم حسبما ينطق به قوله عز وجل: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } تفسير : [المائدة: 21] ومعنى الإراءة الإدخال بطريق الإيراث، ويؤيده قراءة بعضهم {سأورثكم}، وجوز على هذا أن يراد بالدار مصر، وفي الكلام على هذه القراءة وإرادة أرض مصر من الدار تغليب لأن المعنى سأورثك وقومك أرض مصر، ولا يصح ذلك عليها إذا أريد من الدار أرض الجبابرة بناءً على أن موسى عليه السلام لم يدخلها وإنما دخلها يوشع مع القوم بعد وفاته عليه السلام، ويصح بناءً على القول بأن موسى عليه السلام دخلها ويوشع على مقدمته، وجوز اعتبار التغليب على القراءة المشهورة أيضاً، وقرأ الحسن {سأوريكم} بضم الهمزة وواو ساكنة وراء خفيفة مكسورة وهي لغة فاشية في الحجاز، والمعنى سأبين لكم ذلك وأنوره على أنه من أوريت الزند، واختار ابن جني في تخريج هذه القراءة ولعله الأظهر أنها على الإشباع كقوله:شعر : من حيثما سلكوا أدنو فأنظور
ابن عاشور
تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. عطف على جملة {أية : قال يا موسى، إني اصطفيتك على الناس برسالاتي}تفسير : [الأعراف: 144] إلى آخرها، لأن فيها: {أية : فخذ ما آتيتك}تفسير : [الأعراف: 144] والذي آتاه هو ألواح الشريعة، أو هو المقصود من قوله: {ما آتيتك}. والتعريف في الألواح يجوز أن يكون تعريف العهد، إن كان {ما آتيتك} مراداً به الألواح التي أُعطيها موسى في المناجاة، فساغ أن تعرّف تعريف العهد، كأنه قيل: فخذ ألواحاً آتيتُكها، ثم قيل: كتبنا له في الألواح، وإذا كان ما آتيتك مراداً به الرسالة والكلام كان التعريف في الألواح تعريف الذهني، أي: وكتبنا له في ألواح معينة من جنس الألواح. والألواح جمع لَوْحَ بفتح اللام، وهو قطعة مربعة من الخشب، وكانوا يكتبون على الألواح، أو لأنها ألواح معهودة للمسلمين الذين سيقت إليهم تفاصيل القصة (وإن كان سوق مجمل القصة لتهديد المشركين بأن يحل بهم ما حصل بالمكذبين بموسى). وتسمية الألواح التي أعطاها الله موسى ألواحاً مجاز بالصورة لأن الألواح التي أعطيها موسى كانت من حجارة، كما في التوراة في الإصحاح الرابع والعشرين من سفر الخروج، فتسميتها الألواح؛ لأنها على صورة الألواح، والذي بالإصحاح الرابع والثلاثين أن اللوحين كتبت فيهما الوصايا العشر التي ابتدأت بها شريعة موسى، وكانا لوحين، كما في التوراة، فإطلاق الجمع عليها هنا: إما من باب إطلاق صيغة الجمع على المثنى بناء على أن أقل الجمع اثنان، وإما لأنهما كانا مكتوبين على كلا وجهيهما، كما يقتضيه الإصحاح الثاني والثلاثون من سفر الخروج، فكانا بمنزلة أربعة ألواح. وأسندت الكتابة إلى الله تعالى؛ لأنها كانت مكتوبة نقشاً في الحجر من غير فعل إنسان بل بمحض قدرة الله تعالى، كما يفهم من الإصحاح الثاني والثلاثين، كما أسند الكلام إلى الله في قوله: {أية : وبكلامي}تفسير : [الأعراف: 144]. و(مِنْ) التي في قوله: {من كل شيء} تبعيضية متعلقة بـ {كتبنا} ومفعول {كتبنا} محذوف دل عليه فعل كتبنا أي مكتُوباً، ويجوز جعل (مِن) اسما بمعنى بعض فيكون منصوباً على المفعول به بكتبنا، أي كتبنا له بعضاً من كل شيء، وهذا كقوله تعالى في سورة النمل (16) {أية : وأوتينا من كل شيء}.تفسير : وكل شيء عام عموماً عرفياً أي كل شيء تحتاج إليه الأمة في دينها على طريقة قوله تعالى: {أية : مَا فرطنا في الكتاب من شيء} تفسير : [الأنعام: 138] على أحد تأويلين في أن المراد من الكتاب القرآن، وعلى طريقة قوله تعالى: {أية : اليوم أكملتُ لكم دينكم}تفسير : [المائدة: 3] أي أصوله. والذي كتب الله لموسى في الألواح هو أصول كليات هامة للشريعة التي أوحى الله بها إلى موسى عليه السلام وهي ما في الإصحاح (20) من سفر الخروج ونصها: أنا الرب إلاهك الذي اخرجك من أرض مصر من بيت العبودية، لا يكن لك ءالهة أخرى أمامي، لا تصنع تمثالاً منحوتاً، ولا صورة مّا مما في السماء، من فوق، وما في الأرض من تحت، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبُدْهن لأني أنا الرب إلاهك غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيَّ واصنع إحساناً إلى ألوف من محِبّيّ وحافظي وصاياي، لا تنطق باسم الرب إلاهك باطلاً لأن الرب لا يبرىء من نطق باسمه باطلاً، اذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلاهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك واختك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب السما والأرض والبحر، وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه، أكرم أباك وأمك؛ لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلاهك، لا تقتلْ، لا تزْننِ لا تسرق، لا تشهد، على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك، لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته، ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك اهــــ، واشتهرت عند بني إسرائيل بالوصايا العشر، وبالكلمات العشر أي لجمل العشر. وقد فصلت (في) من الإصحاح العشرين إلى نهاية الحادي والثلاثين من سفر الخروج، ومن جملتها الوصايا العشر التي كلم الله بها موسى في جبل سينا ووقع في الإصحاح الرابع والثلاثين إن الألواح لم تكتب فيها إلاّ الكلمات العشر، التي بالفقرات السبع عشرة منه، وقوله هنا {موعظة وتفصيلاً} يقتضي الاعتماد على ما في الأصاحيح الثلاثة عشر. والموعظة اسم مصدر الوعظ وهو نصح بإرشاد مشوب بتحذير من لحاق ضر في العاقبة أو بتحريض على جلب نفع، مغفول عنه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} تفسير : في سورة البقرة (275)، وقوله: {أية : فأعرض عنهم وعظْهم} تفسير : في سورة النساء (63)، وسيجيء قوله: {أية : والموعظة الحسنة} تفسير : في آخر سورة النحل (125). والتفصيل التبيين للمجملات ولعل الموعظة هي الكلمات العشر والتفصيل ما ذكر بعدها من الأحكام في الإصحاحات التي ذكرناها. وانتصب {موعظة} على الحال من كل شيء، أو على البدل من (من) إذا كانت اسماً ــــ إذا كان ابتداء التفصيل قد عَقِبَ كتابة الألواح بما كلمه الله به في المناجاة مما تضمنه سفر الخروج من الإصحاح الحادي والعشرين إلى الإصحاح الثاني والثلاثين ولما أوحي إليه إثر ذلك. ولك أن تجعل {موعظة وتفصيلاً} حالين من الضمير المرفوع في قوله: {وكتبنا له} أي واعظينَ ومفصلين، فموعظة حال مقارنة وتفصيلاً حال مقدّرة، وأما جعلهما بدلين من قوله: {من كل شيء} فلا يستقيم بالنسبة لقوله: {وتفصيلاً}. وقوله: {فخذها} يتعين أن الفاء دالة على شيء من معنى ما خاطب الله به موسى، ولما لم يقع فيما وَليتْه ما يصلح لأن يتقرع عنه الأمر بأخذها بقوة. تعين أن يكون قوله: {فخذها} بدلاً من قوله: {أية : فخذ ما آتيتك}تفسير : [الأعراف: 144] بدلَ اشتمال لأن الأخذ بقوة يشتمل عليه الأخذ المطلق، وقد اقتضاه العود، إلى ما خاطب الله به موسى إثر صعقته إتماماً لذلك الخطاب فأعيد مضمون ما سبق ليتصل ببقيته، فيكون بمنزلة أن يقول فخذ ما آتيتك بقوة وكن من الشاكرين، ويكون ما بينهما بمنزلة اعتراض، ولولا إعادة {فخذها} لكان ما بين قوله: {أية : من الشاكرين}تفسير : [الأعراف: 144] وقوله: {وأمرْ قومك يأخذوا} اعتراضاً على بابه ولمّا اقتضى المقام هذا الفصلَ، وإعادة الأمر بالأخذ، اقتضى حسن ذلك أن يكون في الإعادة زيادة، فأخر مقيّد الأخذ، وهو كونه بقوة، عن التعلق بالأمر الأول، وعلق بالأمر الثاني الرابط للأمر الأول، فليس قوله: {فخذها} بتأكيد، وعلى هذا الوجه يكون نظم حكاية الخطاب لموسى على هذا الأسلوب من نظم القرآن. ويجوز أن يكون في أصل الخطاب المحكي إعادة ما يدل على الأمر بالأخذ لقصد تأكيد هذا الأخذ، فيكون توكيداً لفظياً، ويكون تأخيرُ القيد تحسيناً للتوكيد اللفظي ليكون معه زيادة فائدة، ويكون الاعتراض قد وقع بيْن التوكيد والموكّد وعلى هذا الوجه يكون نظم الخطاب على هذا الأسلوب من نظم الكلام الذي كلّم الله به موسى حكي في القرآن على أسلوبه الصادر به. والضمير المؤنث في قوله: {فخذها} عائِد إلى الألواح باعتبار تقدم ذكرها في قوله: {وكتبنا له في الألواح}. والمقول لموسى هو مرجع الضمير، وفي هذا الضمير تفسير للإجمال في قوله: {أية : ما آتيتك}تفسير : [الأعراف: 144] وفي هذا ترجْيح كون ما صْدَق {ما آتيتك} هو الألواح، وَمن جَعلوا ما صْدَق {ما آتيتك} الرسالةَ والكلامَ جعلوا الفاءَ عاطفة لقول محذوف على جملة {وكتبنا} والتقدير عندهم: وكتبنا فقلنا خُذها بقوة، وما اخترناه أحسن وأوفق بالنظم. والأخذُ: تناول الشيء، وهو هنا مجاز في التلقي والحفظ. والباء في قوله: {بقوة} للمصاحبة. والقوة حقيقتها حالة في الجسم يتأتّى له بها أن يعمل ما يشُق عمله في المعتاد فتكون في الأعضاء الظاهرة مثل قُوة اليدين على الصنع الشديد، والرجلْين على المشي الطويل، والعينين على النظر للمرئيات الدقيقة. وتكون في الأعضاء الباطنة مثل قوة الدماغ على التفكير الذي لا يستطيعه غالب الناس، وعلى حفظ ما يعجز عن حفظه غالب الناس ومنه قولهم: قوة العقل. وإطلاق اسم القُوى على العقل وفيما أنشد ثعْلب:شعر : وصاحِبيْن حازماً قَواهما نَبّهْتُ والرقادُ قدْ علاهما إلى أمونَيْن فعدّياهما تفسير : وسمى الحكماء الحواس الخمس العقلية بالقوى الباطنية وهي الحافظة، والواهمة، والمفكرة، والمخيّلة، والحسُ المشترك. فيقال: فرس قوي، وجمل قوي على الحقيقة، ويقال: عود قوي، إذا كان عسير الإنكسار، وأسّس قوي، إذا كان لا ينخسف بما يُبنى عليه من جدار ثقيل، إطلاقاً قريباً من الحقيقة، وهاته الحالة مقول عليها بالتشكيك لأنها في بعض موصوفاتها أشّدُ منها في بعض آخر، ويظهر تفاوتها في تفاوت ما يستطيع موصوفها أن يعمله من عمل ممّا هي حالة فيه، ولما كان من لوازم القوة أن قدره صاحبها على عمل ما يريده أشد مما هو المعتاد، والأعمالُ عليه أيسر، شاع إطلاقها على الوسائِل التي يستعين بها المرء على تذليل المصاعب مثل السلاح والعتاد، والمال، والجاه، وهو إطلاق كنائي قال تعالى: {أية : قالوا نحن أولوا قوة} تفسير : في سورة النمل (33). ولكونها يلزمها الاقتدار على الفعل وُصف الله تعالى باسم القوي أي الكامل القدرة قال تعالى: {أية : إن الله قوي شديد العقاب} تفسير : في سورة الأنفال (52). والقوة هنا في قوله: {فخذها بقوة} تمثيل لحالة العزم على العمل بما في الألواح، بمنتهى الجِد والحِرص دون تأخير ولا تساهل ولا انقطاع عند المشقة ولا ملل، بحالة القوي الذي لا يستعصي عليه عمل يريده. ومنه قوله تعالى: {أية : يا يحيى خذ الكتاب بقوة} تفسير : في سورة مريم (12). وهذا الأخذ هو حَظ الرسول وأصحابه المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله المشرّع، والرسولُ المنفذ، وأصحابه ووُلاةَ الأمور هم أعوان على التنفيذ، وإنما اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند مغيبه، وهُو وُهمْ فيما سوى ذلك كسائر الأمة. فقوله: {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} تعريج على ما هو حظ عموم الأمة من الشريعة وهو التمسك بها، فهذا الأخذ مجاز في التمسك والعمل ولذلك عدي بالباء الدالة على اللصوق، يقال: أخذ بكذا إذا تمسك به وقبض عليه، كقوله: {أية : وأخذ برأس أخيه}تفسير : [الأعراف: 150] وقوله: {أية : لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي} تفسير : [طه: 94]. ولم يُعد فعل الأخذ بالباء في قوله: {فخذها} لأنه مستعمل في معنى التلقي والحفظ لأنه أهم من الأخذ بمعنى التمسك والعمل، فإن الأول حظ ولي الأمر والثاني حظ جميع الأمة. وجزم {يأخذوا} جواباً لقوله: {وأُمرْ} تحقيقاً لحصول امتثالهم عندما يأمرهم. و{بأحسنها} وصف مسلوب المفاضلة مقصود به المبالغة في الحُسن، فإضافتها إلى ضمير الألواح على معنى اللام، أي: بالأحسن الذي هو لها وهو جميع ما فيها، لظهور أن ما فيها من الشرائع ليس بينه تفاضل بين أحسن ودون الأحسن، بل كله مرتبة واحدة فيما عين له، ولظهور أنهم لا يؤمنون بالأخذ ببعض الشريعة وترك بعضها، ولأن الشريعة مفصّل فيها مراتب الأعمال، فلو أن بعض الأعمال كان عندها أفضلَ من بعض، كالمندوب بالنسبة إلى المباح، وكالرخصة بالنسبة إلى العزيمة، كان الترغيب في العمل بالأفضل مذكوراً في الشريعة، فكان ذلك من جملة الأخذ بها، فقرائِن سلب صيغة التفضيل عن المفاضلة قائمة واضحة، فلا وجه للتردد في تفسير الأحسن في هذه الآية والتعزب إلى التنظير بتراكيب مصنوعة أو نادرة خارجة عن كلام الفصحاء، وهذه الآية والتعزب إلى التنظير بتراكيب مصنوعة أو نادرة خارجة عن كلام الفصحاء، وهذه الآية نظير قوله تعالى: {أية : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : في سورة الزمر (55). والمعنى: واُمر قومَك يأخذوا بما فيها لحسنها. {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}. كلام موجّه إلى موسى عليه السلام فيجوز أن يكون منفصلاً عن الكلام الذي قبله فيكون استئنافاً ابتدائياً: هو وعد له بدخولهم الأرض الموعودة، ويجوز أن تكون الجملة متصلة بما قبلها فتكون من تمام جملة {وأُمرْ قومك يأخذوا باحسنها} على أنها تحذير من التفريط في شيء مما كُتب له في الألواح. والمعنى سأبين لكم عقاب الذين لا يأخذون بها. والدار المكان الذي تسكنه العائِلة، كما في قوله تعالى: {أية : فخسفنا به وبداره الأرض} تفسير : في سورة القصص (81) والمكان الذي يحله الجماعة من حي أو قبيلة كما قال تعالى: {أية : فأصبحوا في دارهم جاثمين}تفسير : [الأعراف: 91] وقد تقدم. وتطلق الدار على ما يكون عليه الناس أو المرء من حالة مستمرة ومنه قوله تعالى: {أية : فنعم عقبى الدار}تفسير : [الرعد: 24]، وقد يراد بها مآل المرء ومصيره؛ لأنه بمنزلة الدار يأوي إليه في شأنه. وقد تقدم قريب من هذا عند قوله تعالى: {أية : فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار} تفسير : في سورة الأنعام (135). وخوطب بضمير الجمع باعتبار من معه من أصحابه شيوخ بني إسرائيل، أو باعتبار جماعة قومه فالخطاب شامل لموسى ومن معه. والإراءة من رأى البصرية؛ لأنها عديت إلى مفعولين فقط. وأوثر فعل {أريكم} دون نحو: سأدخلكم، لأن الله منع معظم القوم الذين كانوا مع موسى من دخول الأرض المقدسة لمّا امتنعوا من قتال الكنعانيين كما تقدم في قوله تعالى: {أية : قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض} تفسير : في سورة المائدة (26). وجاء ذلك في التوراة في سفر التثنية الإصحاح الأول: أن الله قال لموسى: {وأنت لا تدخل إلى هناك} وفي الإصحاح (34) "وصعد موسى إلى الجبل (نبو) فأراه الله جميع الأرض وقال له: هذه الأرض التي أقسمتُ لإبراهيم قائِلاً لِنسلك أُعطيها قد أريتُك إياها بعينيك ولكنك لا تعبُرُ". ويجوز أن يكون سأريكم خطاباً لقوم موسى، فيكون فعل أريكم كناية عن الحلول في دار الفاسقين، والحلول في ديار قوم لا يكون إلاّ الفتح والغلبة، فالإراءة رمز إلى الوعد بفتح بلاد الفاسقين، والمراد بالفاسقين المشركون، فالكلام وعد لموسى وقومه بأن يفتحوا ديار الأمم الحالة بالأرض المقدسة التي وعدهم الله بها، وهم المذكورون في التوراة في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر الخروج خطاباً للشعب "إحفظ ما أنا موصيك به ها أنا طارد من قدامك الأموريين، والكنعانيين، والحثيين، والفرزيين، والحويين، واليبوسيين، احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها لئلا يصيروا فَخّا في وسطك بل تهدمون مذابحهم وتكسرون أنصابهم وتقطعون سواريهم فإنك لا تسْجد لإلٰه آخر". ويؤيده مَا روي عن قتادة أن دار الفاسقين هي دار العمالقة والجبابرة، وهي الشام، فمن الخطأ تفسير من فسروا دار الفاسقين بأنها أرض مصر فإنهم قد كانوا بها وخرجوا منها ولم يرجعوا إليها، ومن البعيد تفسير دار الفاسقين بجهتهم، وفي الإصحاح 34 من سفر الخروج "احترز من أن تقطع عهداً مع سكان الأرض التي أنت آت إليها فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم فتُدعى وتأكل من ذبيحتهم وتأخذ من بناتهم لبنيك فتزني بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن، ولا يخفى حسن مناسبة التعبير عن أولئك الأقوام بالفاسقين على هذا الوجه". وقيل المراد بدار الفاسقين ديار الأمم الخالية مثل ديار ثمود وقوم لوط الذين أهلكهم الله لكفرهم، أي ستمرون عليهم فترون ديارهم فتتعظون بسوء عاقبتهم لفسقهم، وفيه بعد لأن بني إسرائيل لم يمروا مع موسى على هذه البلاد. والعدول عن تسمية الأمم بأسمائهم إلى التعبير عنهم بوصف الفاسقين؛ لأنه أدل على تسبب الوصف في المصير الذي صاروا إليه، ولأنه أجمع وأوجز، واختيار وصف الفاسقين دون المشركين والظالمين الشائِع في التعبير عن الشرك في القرآن؛ للتنبيه على أن عاقبتهم السوأى تسببت على الشرك وفاسد الأفعال معاً.
الواحدي
تفسير : {وكتبنا له في الألواح} يعني: ألواح التَّوراة {من كل شيء} يحتاج إليه في أمر دينه {موعظة} نهياً عن الجهل {وتفصيلاً لكل شيء} من الحلال والحرام {فخذها} أَيْ: وقلنا له: فخذها {بقوة} بجدٍّ وصحِّةٍ وعزيمةٍ {وأمر قومك} أن {يأخذوا بأحسنها} أَيْ: بحسنها، وكلُّها حسن {سأريكم دار الفاسقين} يعني: جهنَّم، أَيْ: ولتكن على ذكرٍ منهم لتحذورا أن تكونوا منهم. {سأصرف عن آياتي} يعني: السَّموات والأرض. أصرفهم عن الاعتبار بما فيها {الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق} يعني: المشركين. يقول: أعاقبهم بحرمان الهداية {وإن يروا سبيل الرشد} الهدى والبيان الذي جاء من الله {لا يتخذوه سبيلاً} ديناً {وإن يروا سبيل الغي} طاعة الشَّيطان {يتخذوه سبيلاً} ديناً {ذلك} فعل الله بهم {بأنهم كذبوا بآياتنا} جحدوا الإِيمان بها {وكانوا عنها غافلين} غير ناظرين فيها، ولا معتبرين بها. {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} يريد: الثَّواب والعقاب {حبطت أعمالهم} ضلَّ سعيهم {هل يجزون إلاَّ ما} أَيْ: جزاء ما {كانوا يعملون}. {واتخذ قوم موسى من بعده} أَيْ: من بعد انطلاقه إلى الجبل {من حليِّهم} التي بقيت في أيديهم ممَّا استعاروه من القبط {عجلاً جسداً} لحماً ودماً {له خوار} صوتٌ {الم يروا} يعني: قوم موسى {أنه} أنَّ العجل {لا يكلَِّمهم ولا يهديهم سبيلاً} لا يرشدهم إلى دينٍ {اتخذوه} أَيْ: إلهاً ومعبوداً {وكانوا ظالمين} مشركين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 145- وبينا لموسى فى ألواح التوراة كل شئ من المواعظ والأحكام المفصلة التى يحتاج الناس إليها فى المعاش والمعاد، وقلنا له: خذ الألواح بجد وحزم، وأمر قومك أن يأخذوا بأفضل ما فيها، كالعفو بدل القصاص، والإبراء بدل الانتظار، واليسر بدل العسر. سأريكم يا قوم موسى فى أسفاركم دار الخارجين على أوامر اللَّه، وما صارت إليه من الخراب لتعتبروا، فلا تخالفوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم. 146- سأمنع من التفكير فى دلائل قدرتى القائمة فى الأنفس والأفاق، أولئك الذين يتطاولون فى الأرض ويتكبرون عن قبول الصواب غير محقين، وإن يروا كل آية تدل على صدق رسلنا لا يصدقوها، وإن يشاهدوا طريق الهدى لا يسلكوه، وإن يشاهدوا طريق الضلال يسلكوه. يحدث ذلك منهم بسبب أنهم كذبوا بآياتنا المنزلة، وغفلوا عن الاهتداء بها. 147- والذين كذبوا بآياتنا المنزلة على رسلنا للهداية، وكذبوا بلقائنا يوم القيامة، فأنكروا البعث والجزاء، بطلت أعمالهم التى كانوا يرجون نفعها فلا يلقون إلا جزاء ما استمروا على عمله من الكفر والمعاصى. 148- وبعد أن ذهب موسى إلى الجبل لمناجاة ربه، اتخذ قومه من حليهم المخصصة للزينة جسما على صورة العجل الذى لا يعقل ولا يميز، له صوت يشبه صوت البقر، مما أودع فيه من الصناعة ومرور الريح بداخله.. وقد صنعه لهم السامرى وأمرهم بعبادته. يا لسفاهة عقولهم. ألم يروا حين أتخذوه إلها وعبدوه أنه لا يكلمهم ولا يقدر على هدايتهم إلى طريق الصواب؟! إنهم ظلموا أنفسهم بهذا العمل الشنيع.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَأُوْرِيكُمْ} {ٱلْفَاسِقِينَ} (145) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَعْطَى مُوسَى أَلواحاً كُتِبَ فِيها أَنْوَاعُ الهِدَايَةِ وَالمَواعِظِ، وَأَحْكَاماً مُفَصَّلةً تُبَيِّنُ الحَلالَ وَالحَرَامَ (وَقِيلَ: إِنَّ هذهِ الأَلواحَ كَانَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى التَّوْرَاةِ) وَأَمَرَهُ اللهُ بِأَنْ يَأْخُذَ بِهَا بِعَزْمٍ عَلَى الطَّاعَةِ، وَأَنْ يَأْمُرَ قَوْمَه بني إِسْرائيلَ بِأَنْ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِ مَا فِيهَا: كَالإِخْلاَصِ في العِبَادَةِ، وَبِالعَفْوِ بَدَلَ القِصَاصِ. أمَّا الفَاسِقُونَ الذِينَ يُخَالِفُونَ أَمْرَ اللهِ، وَيَخْرُجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ، فَإِنَّهُمْ سَيَصِيرُونَ إِلَى الهَلاَكِ، وَالدَّمَارِ، وَسَيُرِي اللهُ بَني إِسرائيلَ، فِي أَسْفَارِهِمْ، دِيَارَ الأُمَمِ الفَاسِقَةِ السَّالِفَةِ، وَمَا صَارَتْ إِلَيهِ مِنْ خَرابٍ، لِيَعْتَبِرُوا بِمَا أَصَابَ غَيْرَهُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والكتْب هو الرقم بقلم على ما يكتب عليه من ورق أو جلد أو عظم أو أي شيء، وعندما يقول ربنا: {وَكَتَبْنَا} فالله لم يزاول الكتابة بنفسه، ولكن أرسله من الملائكة يكتبون بأمر من الحق وهو القائل: {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ...} تفسير : [يس: 12] وكتابة الرسل من الملائكة لأعمالنا هي بالأمر من الله، ومرة ينسب الأمر إلى الأعلى، أو ينسب إلى المباشر أو إلى الواسطة: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً}. ونحن نعرف الألواح، وكنا نكتب عليها قديماً. وللكتابة على الألواح سبب، فقديماً كانوا يكتبون على أي شيء مبسوط، وتبين لنا الآثار أن هناك كتباً مكتوبة على جلود الحيوانات، مثلاً نجد قدماء المصريين قد كتبوا على الأحجار، مثل حجر رشيد الذي أتاح لنا معرفة تاريخهم. وكان العرب يكتبون على القحف المأخوذ من النخل، وكذلك كتبوا على عظام الذبائح، أخذوا منها قطعة العظم المبسوطة مثل عظم اللوح وكتبوا عليها، وكانت هذه الوسيلة مشهورة جدًّا لديهم، وصار كل مكتوب يسمونه لوحاً. {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ...} [الأعراف: 145] وقوله سبحانه: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} يعني: من كل شيء تتطلبه خلافة الإِنسان في الأرض في الوقت المناسب له؛ فالرسل تأتي بعقيدة، لكن قد يأتي تشريع مناسب للفترة الزمنية التي جاء فيها الرسول، ويضيف الله لرسول آخر يأتي من بعده، إلى أن جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالمنهج المكتمل إلى قيام الساعة. لقد أوضح سبحانه أنه كتب في الألواح الموعظة والتفصيل لمنهج الحياة، والموعظة تعني ألاَّ تنشئ حكماً للسامع، بل تعظه بتنفيذ ما عُلِم له من قبل، ولذلك يقال: واعظ وهو الذي لا يُنشئ مسائل جديدة. بل يعرف أن المستمع يعلم أركان الدين ويعظه بما يعلم. وقوله الحق سبحانه: {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي أن الكلام لم يأت مجملاً، بل يأتي بالتفصيل، ويأمر الحق موسى أن يقبل على الموعظة والتفصيلات التي في الألواح بقوة. ولماذا جاء الأمر هنا بأن يأخذها بقوة؟ لأن الإِنسان حين يؤمر أمراً قد يكون الأمر مخالفاً لرتابة ما ألف، وحين يُنهي نهيا قد يكون هذا النهي مخالفاً لرتابة ما ألف. وبذلك ينزع هذا النهي أو ذلك الأمر الإِنسان مما ألف، ويأخذه ويخرجه عما اعتاد. إن الإِنسان في هذه الحالة يحتاج إلى قوة نفس تتغلب على الشهوة الرتيبة التي تخلقها العادة، ولذلك فمن يريد أن يقبل على منهج الله فعليه أن يعرف أن المنهج سوف يخرجه مما ألف، ولابد أن يقبل على المنهج بقوة وعزم ليواجه إلف النفس، لأن إلف النفس قد يقول للإِنسان: لا تفعل، والمنهج يقول له: "افعل" وعلى المؤمن - إذن - أن يأخذ التكاليف بقوة، لأن شهوات النفس تحقق متع الدنيا الزائلة، والمنهج يعطي متعة طويلة الأجل. إن الشهوة قد تحقق للإِنسان لذة على مقدار قدرته واستعداده، لكن التكليف يعطي للمؤمن نفعاً يتناسب مع طلاقة قدرة الله في النفع. إذن لابد أن تشحن نفسك بما يعطيه الله لك من المنهج، وإياك ساعة أن ترى المنهج مطالباً لك ببعض من الجهد أن تقول: إن تلك أمور صعبة لأنك لست وحدك في المنهج، بل معك غيرك. فإذا قال لك: لا تسرق، إياك أن تقول: أيحدد المنهج حريتي؟ لا، لا تنظر إلى أن حظر وتحريم السرقة هو تحديد لحريتك بل هو صيانة لك من أن يعتدي عليك آخرون؛ فقد قال المنهج للناس كلهم لا تسرقوا منه وأنت الكاسب في هذه الحالة. ويتابع الحق بيان ما في الألواح من قيم فيقول سبحانه: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. "أحسن" تفيد أن هناك مرتبة أقل منها وهي "حسن"؛ فأمرهم الحق أن يتركوا الحسن ويأخذوا بالأحسن، ونعلم أن الإِنسان من الأغيار، إذا ما أصابته مصيبة من أحد يعتبره غريماً له، فإذا ما كان للإِنسان غريم تحركت نوازع نفسه إلى عقابه بمثل ما أصابه به. وهذا ما يبيحه الله في القصاص، ولكن الله يطلب من المؤمن إن قدر على نفسه أن يعفو، إذن فالعقوبة بالقصاص أو بغيره مادامت مشروعة من الله بمثل ما عوقبت فهذه مرتبة الحسن، لكن إذا تركت نوازع نفسك وعفوت فهذه مرتبة "الأحسن"، وجاءت هذه الترقيات لأن الحق سبحانه وتعالى خلق في الإِنسان عواطف وغرائز، وللعواطف والغرائز مهمة في حركة الحياة، ولكن العواطف لا يمكن أن يسيطر عليها الإِنسان، ولذلك لا يقنن الله للعاطفة ولكنه سبحانه يقنن للغرائز. كيف؟. نحن نعلم أن "حب الطعام" غريزة، ولكن يجب ألا يصل حب الطعام إلى مرتبة النهم والشره. وأيضاً "بقاء النوع" أو المتعة الجنسية أوجدها الحق من أجل بقاء النوع. لكن لا يصح أن تتحول إلى درجة الشرود والوقوع في أعراض الناس وانتهاك حرماتهم، وحب الاستطلاع غريزة، والذين اكتشفوا الكشوف العلمية جاءت أعمالهم من حب استطلاعهم على أسرار الوجود. لكن لا يصح ولا ينبغي أن يصل حب الاستطلاع إلى التجسس الاستذلالي. إن للإِنسان غرائز يعليها الشرع؛ أمَّا الحب فهو مسألة عاطفية. فالمشرع، يقول لك: أحبب من شئت وأبغض من شئت، ولكن لا تظلم من أبغضته ولا تظلم الناس لحساب من أحببت. ولنا في رسول الله أسوة حسنة حين قال: "حديث : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين ". تفسير : فقال عمر: كيف؟. وكررها رسول الله فعلم عمر - رضي الله عنه - بفطرته أن ذلك أمر تكليفي. وعرف أن الحب المراد هو الحب العقلي. فيقول المؤمن لنفسه: من أنا لولا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟. وكل مؤمن يحب رسول الله حبًّا عقليًّا، وقد يتسامى إلى أن يصير حبًّا عاطفيًّا. والإِنسان منا - كما قلنا سابقاً - يحب الدواء بعقله لا بعاطفته لأنه مُرّ، ولكنه يغضب إن اختفى الدواء من الأسواق ويفرح بمن يأتي له به. إذن التكليف يتطلب الحب العقلي. ومن أخبار سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - عندما مرّ أمامه قاتل أخيه زيد بن الخطاب فقال له عمر: ازو نفسك عني فأنا لا أحبك، فرد الرجل بكل جرأة إيمانية: أو عدم حبك لي يمنعني حقًّا من حقوقي؟. قال عمر: لا، قال الرجل: إنما يبكي على الحب النساء. والحق يقول هنا: {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} فمثلاً، حين يُقْتَلُ إنسان فلولي الدم أن يقتص، لكن الحق يحنن قلب ولي الدم على القاتل فيقول: {أية : فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ...} تفسير : [البقرة: 178] وحين يسمى الحق القاتل أخاً فهو يهدئ من صراع العواطف ويخفف من رغبة الانتقام. ويقول سبحانه أيضاً: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] ونجده سبحانه يؤكد أن مثل هذا الأمر من "عزم الأمور" لأنه أمر يتطلب الصبر والمغفرة. ومادام المؤمن قد استطاع أن يصبر وأن يغفر لغريم له، أفلا يصبر إذا نزلت مصيبة عليه بدون غريم كمرض مفاجئ أو افتقاد حبيب؟. من إذن غريمك في المرض؟ وممن تغضب، وعلى من تهيج وإلى أين انفعالك؟ ولذلك يقول لك الحق سبحانه: {وَٱصْبِرْ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَ} أي مما لا غريم لك فيه، ويوضح لك سبحانه: {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ}. ونلحظ أن الحق هنا لم يؤكد "باللام" لكنه أكد الأخرى "باللام"؛ لأن لك غريماً يهيجك ساعة أن تراه، وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق لسيدنا موسى: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. يعني إذا وجدت لهم ذريعة ووسيلة وسبباً إلى شيء ويوجد ما هو أحسن فأمرهم أن يأخذوا بالأحسن، لماذا؟؛ لأن الإِنسان إذا روَّض نفسه وذللها وعودها على الأحسن يكون قد فهم عن الله. ونفرض أن واحداً أساء إليك ويمكنك أن تسيء إليه، فعليك أن تراعي في ردك للإِساءة أن تكون بقدرها مصداقاً لقوله الحق سبحانه: {أية : فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ...} تفسير : [النحل: 126] ولكن منَ منا يتصف بالدقة في الموازين النفسية حتى يستطيع أن يعرف المثلية بالهوى؟ فإن كان هناك من صفعك وتريد أن ترد الصفعة، فمن أين لك أن تقدر حجم الألم الذي في صفعتك له؟. لا يمكن لك أن تحدد هذا القدر من الألم؛ لأن هذه مسألة تتناسب مع القوة. إذن لماذا تدخل نفسك في متاهات، ولماذا لا تعفو وينتهي الأمر؟ وحين يدلك الحق على أن العفو أحسن، إنما يريد بذلك أن ينهي شراسة النفوس وضغن الصدور. فحين يقتل إنسانٌ إنسانا آخرَ؛ سيكون هناك قصاص ودم، ولكن إذا عفا وليّ الدم تكون حياة المعفو عنه هبة من وليّ الدم فيستحي القاتل - بعد ذلك - أن يجعل أية حركة من حركات هذه الحياة ضد وليّ الدم أو من ينسب إلى وليّ الدم، وحينذاك تنتهي أي ضغينة أو رغبة في الثأر، ولذلك نجد البلاد التي تحدث فيها الثأرات وتستشري فيها عادة الأخذ بالثأر - مثل صعيد مصر - نجد القاتل إذا ما أخذ كفنه على يده ودخل على وليّ الدم وقال له: أنا جئت إليك.. يعفو عنه وليّ الدم وتفهم العائلة كلها أن حياة المطلوب للثأر صارت هبة من وليّ الدم، وتصفى الثأرات وتنتهي. ولذلك جاء الأمر من الحق بالأخذ بالأحسن: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. ومثال آخر على الأخذ بالأحسن، قد نجد مديناً غير قادر أن يوفي الدين، هنا نجد الحق يقول: {أية : فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ...} تفسير : [البقرة: 280] اقترض الرجل لأنه محتاج؛ لأن القرض لا يكون إلا عن حاجة، وهو عكس السؤال الذي يكون عن حاجة أو عن غير حاجة، ولهذا نجد ثواب القرض أكثر من ثواب الصدقة؛ لأن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، ولأن المتصدق حين يتصدق بشيء من ماله يكون قد أخرج هذا المال من نفسه ولم يعد يتعلق به. لكن القرض تتعلق به النفس، فكلما صبر المقرِض مع تعلق نفسه بماله أخذ أجراً، وهكذا يكون القرض أحسن من الصدقة. إذن فهناك حَسَن وهناك أحسن، الحَسَن هو أن تأخذ حقك المشروع، والأحسن أن تتنازل عنه، ومن يتنازلون هم الفاهمون عن الله فهماً واسعاً، ولنا المثل والأسوة في سيدنا الحسن البصري - رضي الله عنه - الذي أحسن لمن أساء إليه فقال كلمته: "ألا نحسن إلى من جعل الله في جانبنا". ودائماً أضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - هب أن إنساناً عنده أولاد وأساء واحد منهم للآخر. نجد قلب الأب يكون مع من أُسي إليه، وكذلك الأمر فينا نحن خلق الله. إن أساء واحد من خلق الله إلى واحد آخر من خلق الله؛ نجد رب الخلق مع من أُسيء إليه، وعلى من أسيء إليه أن يقول: هذا الإِنسان الذي أساء إلي قد جعل ربنا في جانبي ولذلك فهو يستحق أن أحسن إليه. ولهذا يقول الحق سبحانه: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} تفسير : [الزمر: 18] وفي آية ثانية يقول الحق: {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ...} تفسير : [الزمر: 55] ويذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}. ودار الفاسقين هي النار، وكأن الحق هنا يقول: سأريكم النار، ونعلم أن كل البشر سيمرون عليها ويرونها، ولكن المؤمنين سيعبرونها ويردون عليها ويدخلون الجنة. ولقائل أن يقول: ولماذا تأتي سيرة النار هنا؟ ونقول: جاءت سيرة النار ليرهب ويخيف النفس ويحملها على أن تبتعد عن كل ما أمر يقرب إلى النار. والقول هنا أيضاً لبني إسرائيل الذين نصرهم الحق على قوم فرعون وأخذوا منهم الكنوز والمقام الكريم. وكأن الحق يقول لهم: إن كنتم تحبون أن يكون مآلكم مثل مآل قوم فرعون فافعلوا مثلهم، وإن كنتم لا تريدون هذا المآل فالتزموا منهج الحق. إذن فقوله الحق: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} معناه حملهم على ما في الألواح من عظة، وعلى أن يأخذوه بقوة، وعلى أن يتبعة أحسن ما أنزل على الله. أو {دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} هي المدائن التي دمرّت وخربت بتمرد وكفر وعصيان أهلها وفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل الله بكم مثل نكاله بهم، وأنتم تمرون عليها في الغدو والرواح. ويقول الحق بعد ذلك: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الآية: 145]. قال: يعني ما أُمروا به ونهوا عنه. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} [الآية: 145]. يقول: سأُريكم مصيرهم في الآخرة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ}. يعني حين دفنوها، أَلقى عليها السامري قبضة تراب من أَثر فرس جبريل، عليه السلام، فصارت {عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} [الآية: 148].
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 293 : 15 : 16 - سفين في قوله {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} قال، هلاك الفاسقين [الآية 145].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ} [145] 201- أنا محمد بن عبد الله بن يزيد، نا سفيان، عن عمرو، عن طاووس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال موسى لآدم: أنت الذي خيَّبْت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله، وكتب لك بيده التوراة؟ أتلومني على أمر قد قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ".
همام الصنعاني
تفسير : 936- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ}: [الآية: 145]، قال: منازِلهُمْ. 963- حدثنا عبد الرزاق، عن عبد الصمد بن معقل، أنه سمع وهباً يقول في قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ}: [الآية: 145]، قال: كتب له لا تشرك بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهْلِ الأرض، فإن كل ذلك خَلْقِي، وَلاَ تحلف باسْمِي كاذِباً، فإن من حَلَفَ باسمي كاذباً فإني لا أزكيه، وَوَقِّرْ وَالِدَيْكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):