Verse. 1098 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

قَالَ يٰمُوْسٰۗي اِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَي النَّاسِ بِرِسٰلٰتِيْ وَبِكَلَامِيْ۝۰ۡۖ فَخُذْ مَاۗ اٰتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشّٰكِرِيْنَ۝۱۴۴
Qala ya moosa innee istafaytuka AAala alnnasi birisalatee wabikalamee fakhuth ma ataytuka wakun mina alshshakireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قال» تعالى له «يا موسى إني اصطفيتك» اخترتك «على الناس» أهل زمانك «برسالاتي» بالجمع والإفراد «وبكلامي» أي تكليمي إياك «فخذ ما آتيتك» من الفضل «وكن من الشاكرين» لأنعمي.

144

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن موسى عليه السلام لما طلب الرؤية ومنعه الله منها، عدد الله عليه وجوه نعمه العظيمة التي له عليه، وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا، فلا يضيق صدرك بسبب منع الرؤية، وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها واشتغل بشكرها. والمقصود تسلية موسى عليه السلام عن منع الرؤية، وهذا أيضاً أحد ما يدل على أن الرؤيا جائزة على الله تعالى، إذ لو كانت ممتنعة في نفسها لما كان إلى ذكر هذا القدر حاجة. واعلم أن الاصطفاء استخلاص الصفوة فقوله: {ٱصْطَفَيْتُكَ } أي اتخذتك صفوة على الناس قال ابن عباس: يريد فضلتك على الناس، ولما ذكر أنه تعالى اصطفاه ذكر الأمر الذي به حصل هذا الاصطفاء فقال: {بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي } قرأ ابن كثير ونافع {برسالتي} على الواحد والباقون { بِرِسَـٰلَـٰتِي } على الجمع، وذلك أنه تعالى أوحى إليه مرة بعد أخرى، ومن قرأ {برسالتي} فلأن الرسالة تجري مجرى المصدر، فيجوز إفرادها في موضع الجمع، وإنما قال: {ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ } ولم يقل على الخلق، لأن الملائكة قد تسمع كلام الله من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام. فإن قيل: كيف اصطفاه على الناس برسالاته مع أن كثيراً من الناس قد ساواه في الرسالة؟ قلنا: إنه تعالى بين أنه خصه من دون الناس بمجموع الأمرين، وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجموع ما حصل لغيره، فثبت أنه إنما حصل التخصيص ههنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة، وإنما كان الكلام بغير واسطة سبباً لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر، لأن من سمع كلام الملك العظيم من فلق فيه كان أعلى حالاً وأشرف مرتبة ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب، ولما ذكر هذين النوعين من النعمة العظيمة. قال: {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } يعني فخذ هذه النعمة، ولا يضيق قلبك بسبب منعك الرؤية، واشتغل بشكر الفوز بهذه النعمة والاشتغال بشكرها إنما يكون بالقيام بلوازمها علماً وعملاً والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} الاصطفاء: الاجتباء؛ أي فضّلتك. ولم يقل على الخلق؛ لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه وقد كلم الملائكة، وأرسله وأرسل غيره. فالمراد «عَلَىٰ النَّاسِ» المرسل إليهم. وقرأ «بِرسالتي» على الإفراد نافع وٱبن كثير. والباقون بالجمع. والرسالة مصدر، فيجوز إفرادها. ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه؛ كما قال: {أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} تفسير : [لقمان: 19]. فجمع لاختلاف أجناس الأصوات واختلاف المصوّتين. ووحد في قوله «لَصوْتُ» لما أراد به جنساً واحداً من الأصوات. ودلّ هذا على أن قومه لم يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين؛ كما بيناه في «البقرة». قوله تعالىٰ: {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} إشارة إلى القناعة؛ أي ٱقنع بما أعطيتك. {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ } أي من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك؛ يقال: دابة شَكُور إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعْطَى من العَلَف. والشاكر معرّض للمزيد كما قال: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 7]. ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله تعالىٰ أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل.

البيضاوي

تفسير : {قَالَ يَـا مُوسَىٰ إِنّى ٱصْطَفَيْتُكَ } اخترتك. {عَلَى ٱلنَّاسِ} أي الموجودين في زمانك، وهارون وإن كان نبياً كان مأموراً باتباعه ولم يكن كليماً ولا صاحب شرع. {بِرِسَـٰلَـٰتِي} يعني أسفار التوراة وقرأ ابن كثير ونافع «برسالتي». {وَبِكَلَـٰمِي} وبتكليمي إياك. {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ} أعطيتك من الرسالة. {وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} على النعمة فيه. روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة كان يوم النحر.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنه خاطب موسى بأنه اصطفاه على أهل زمانه برسالاته تعالى، وبكلامه، ولا شك أن محمداً صلى الله عليه وسلمسيد ولد آدم من الأولين والآخرين، ولهذا اختصه الله تعالى بأن جعله خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تستمر شريعته إلى قيام الساعة، وأتباعه أكثر من أتباع سائر الأنبياء والمرسلين كلهم، وبعده في الشرف والفضل إبراهيم الخليل عليه السلام، ثم موسى بن عمران كليم الرحمن عليه السلام ولهذا قال الله تعالى له: {فخذ ما آتيتك} أي: من الكلام والوحي والمناجاة، {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي: على ذلك، ولا تطلب ما لا طاقة لك به. ثم أخبر تعالى أنه كتب له في الألواح من كل شيء موعظة، وتفصيلاً لكل شيء. قيل: كانت الألواح من جوهر، وإن الله تعالى كتب له فيها مواعظ وأحكاماً مفصلة مبينة للحلال والحرام، وكانت هذه الألواح مشتملة على التوراة التي قال الله تعالى فيها: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ } تفسير : [القصص: 43] وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة، والله أعلم، وعلى كل تقدير فكانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية، ومنع منها، والله أعلم، وقوله: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي: بعزم على الطاعة، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} قال سفيان بن عيينة: حدثنا أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: أمر موسى عليه السلام أن يأخذ بأشد ما أمر قومه. وقوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي: سترون عاقبة من خالف أمري، وخرج عن طاعتي، كيف يصير إلى الهلاك والدمار والتباب. قال ابن جرير: وإنما قال: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} كما يقول القائل لمن يخاطبه: سأريك غداً إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري؛ على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره، ثم نقل معنى ذلك عن مجاهد والحسن البصري، وقيل: معناه {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} أي: من أهل الشام، وأعطيكم إياها، وقيل: منازل قوم فرعون، والأول أولى، والله أعلم؛ لأن هذا بعد انفصال موسى وقومه عن بلاد مصر، وهو خطاب لبني إسرائيل قبل دخولهم التيه، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قَالَ } تعالى له { يٰمُوسَىٰ إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ } اخترتك {عَلَى ٱلنَّاسِ } أهل زمانك {بِرِسَٰلَٰتِي } بالجمع والإِفراد {وَبِكَلَٰمِي } أي تكليمي إياك {فَخُذْ مآ ءَاتَيْتُكَ } من الفضل {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ } لأنعمي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ...} الآية في {وَكَتَبْنَا لَهُ} قولان: أحدهما: فرضنا، كقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} تفسير : [البقرة: 183] أي فرض. والثاني: أنه كتابة خط بالقلم في ألواح أنزلها الله عليه. واختلفوا في الألواح من أي شيء كانت على أربعة أقاويل: أحدها: أنها كانت من زمرد أخضر، قاله مجاهد. والثاني: أنها كانت من ياقوت، قاله ابن جبير. والثالث: أنها كانت من زبرجد، قاله أبو العالية. والرابع: قاله الحسن كانت الألواح من خشب، واللوح مأخوذ من أن المعاني تلوح بالكتابة فيه. وفي قوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} قولان: أحدهما: من كل شيء يحتاج إليه في دينه من الحلال والحرام والمباح والمحظور والواجب وغير الواجب. والثاني: كتب له التوراة فيها من كل شيء من الحكم والعبر. وفي قوله: {مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً...} تأويلان: أحدهما: أن الموعظة النواهي، والتفصيل: الأوامر، وهو معنى قول الكلبي. والثاني: الموعظة: الزواجر، والتفصيل: الأحكام، وهو معنى قول مقاتل. قال: وكانت سبعة ألواح. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: بجد واجتهاد قاله السدي. والثاني: بطاعة، قاله الربيع بن أنس. والثالث: بصحة عزيمة، قاله علي بن عيسى. والرابع: بشكر، قاله جويبر. {وَأمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} لم يقل ذلك لأن فيها غير حسن، وفيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن أحسنها: المفروضات، وغير الأحسن: المباحات. والثاني: أنه الناسخ دون المنسوخ. والثالث: أن فعل ما أمر به أحسن من ترك ما نهي عنه لأن العمل أثقل من الترك وإن كان طاعة. {سَأُرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ} فيها أربعة أقاويل: أحدها: هي جهنم، قاله الحسن، ومجاهد. والثاني: هي منازل من هلك بالتكذيب من عاد وثمود والقرون الخالية، لتعتبروا بها وبما صاروا إليه من النكال، قاله قتادة. والثالث: أنها منازل سكان الشام الجبابرة والعمالقة. والرابع: أنها دار فرعون وهي مصر. وقرأ قسامة بن زهير {سَأُوْرِثُكُمْ}.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} يعني قال الله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام يا موسى إني اخترتك واتخذتك صفوة. الاصطفاء الاستخلاص من الصفوة والاجتباء والمعنى إني فضلتك واجتبيتك على الناس وفي هذا تسلية لموسى عليه الصلاة والسلام عن منع الرؤية حين طلبها لأن الله تعالى عدد عليه نعمه التي أنعم بها عليه وأمره أن يشتغل بشكرها كأنه قال له إن كنت منعت من الرؤية التي طلبت فقد أعطيتك من النعم العظيمة كذا وكذا فلا يضيقن صدرك بسبب منع الرؤية وانظر إلى سائر أنواع النعم التي خصصتك بها وبه الاصطفاء على الناس برسالاتي وبكلامي يعني من غير واسطة لأن غيره من الرسل منع كلام الله تعالى إلا بواسطة الملك. فإن قلت كيف قال اصطفيتك على الناس برسالاتي مع أن كثيراً من الأنبياء قد ساواه في الرسالة قلت ذكر العلماء عن هذا السؤال جوابين. أحدهما: ذكره البغوي فقال لما لم تكون الرسالة على العموم في حق الناس كافة استقام قوله {اصطفيتك على الناس} وإن شاركه فيها غيره كما يقول الرجل للرجل خصصتك بمشورتي وإن كان قد شاور غيره إذا لم تكن المشورة على العموم فيكون مستقيماً وفي هذا الجواب نظر لأن من جملة من اصطفاه الله برسالته محمداً صلى الله عليه وسلم وهو أفضل من موسى عليه الصلاة والسلام فلا يستقيم هذا الجواب الجواب الثاني ذكره الإمام فخر الدين الرازي فقال: إن الله تعالى بين أنه خصه بمجموع أمرين وهما الرسالة مع الكلام بغير واسطة وهذا المجموع ما حصل لغيره فثبت أنه إنما حصل التخصيص هاهنا لأنه سمع ذلك الكلام بغير واسطة وإنما كان الجواب بغير واسطة سبباً لمزيد الشرف بناء على العرف الظاهر لأن من سمع كلام الملك العظيم من فيه كان أعلى وأشرف ممن سمعه بواسطة الحجاب والنواب وهذا الجواب فيه نظر أيضاً لأن محمداً صلى الله عليه وسلم اصطفاه برسالته وكلمه ليلة المعراج بغير واسطة وفرض عليه وعلى أمته الصلوات وخاطبه بيا محمد يدل عليه قوله {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى}تفسير : [النجم: 10] ورفعه إلى حيث سمع صريف الأقلام وهذا كله يدل على مزيد الفضل والشرف على موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الأنبياء فلا يستقيم هذا الجواب أيضاً والذي يعتمد في هذا الجواب عن هذا السؤال أن الله اصطفى موسى عليه الصلاة والسلام برسالته وبكلامه على الناس الذين كانوا في زمانه وذلك أنه لم يكن في ذلك الوقت أعلى منصباً ولا أشرف ولا أفضل منه وهو صاحب الشريعة الظاهرة وعليه نزلت التوراة فدل ذلك عليه أنه اصطفاه على ناس زمكانه كما اصطفى قومه على عالمي زمانهم وهو قوله تعالى:{أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}تفسير : [البقرة: 47] قال المفسرون: يعني على عالمي زمانهم. وقوله تعالى: {فخذ ما آتيتك} يعني ما فضلتك وأكرمتك به {وكن من الشاكرين} يعني على إنعامي عليك وفي القصة أن موسى عليه الصلاة والسلام كان بعد ما كلمه ربه لا يستطيع أحد أن ينظر إليه لما غشي وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات وقالت له زوجته أنا لم أرك منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فأخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها وخرت ساجدة وقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة قال ذلك لك إن لم تتزوجي بعدي فإن المرأة لآخر أزواجها.

ابن عادل

تفسير : قوله: {يَٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ}. الاصطفاء: استخلاص الصَّفْوَةِ أي: اخترتك واتَّخذتك صفوة على النَّاس. قال ابنُ عبَّاسٍ: "فَضَّلْتُكَ على النَّاسِ". قرأ ابن كثير، وأبو عمرو إنِّيَ بفتح الياء، وكذلك {أية : أَخِي ٱشْدُدْ}تفسير : [طه: 31،30]. قوله برسالاتي أي: بسبب. وقرأ الحرميَّان: برِسالتِي بالإفراد، والمُرادُ به المصدر، أي: بإرْسَالي إيَّاك، ويجوزُ أن يكون على حذفِ مضاف، أي: بتبليغ رسالتي. والرِّسالةُ: نَفْسُ الشَّيء المرسل به إلى الغير. وقرأ الباقون بالجمع اعتباراً بالأنواعِ، وقد تقدَّم ذلك في المائدةِ والأنعام. قال القرطبيُّ: ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالةِ فاختلف أنواعها، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه؛ كقوله: {أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ}تفسير : [لقمان: 19] واختلاف المصوتين، ووحَّدَ في قوله: لصوتُ لما أراد به جنساً واحداً من الأصوات. قوله: "وَبِكلامِي" هي قراءة العامَّةِ، فيحتملُ أن يُرادَ به المصدرُ، أي: بتكليمي إيَّاكَ، كقوله: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}تفسير : [النساء: 164] وقوله: [الطويل] شعر : 2569 -........................ تُكَلِّمنِي فيها شِفَاءٌ لِمَا بِيَا تفسير : أي: بتكليمي إيَّاهَا، ويحتملُ أن يراد به التَّوراة، وما أوحاه إليه من قولهم للقرآن "كلامُ الله" تسميةً للشيء بالمصدر. وقدَّم الرِّسالةَ على الكلام؛ لأنَّها أسبق، أو ليترقَّى إلى الأشرفِ، وكرَّر حرف الجرِّ، تنبيهاً على مغايرة الاصطفاء. وقرأ الأعمش: "بِرِسَالاتِي وبِكلمِي" جمع "كلمة" وروى عنه المهدويُّ أيضاً "وتكليمي" على وزن التَّفعيل، وهي تؤيِّدُ أنَّ الكلامَ مصدرٌ. وقرأ أبو رجاء "بِرِسالتِي" بالإفراد و"بِكَلِمي" بالجمع، أي: وبسمَاع كلمي. فصل لما طلب موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الرؤية ومنعه الله تعالى، عدد عليه وجوه نعمه العظيمة، وأمره بشكرها. كأنَّهُ قال له: إن كنت قد منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النِّعَمِ العظيمة كذا وكذا، فلا يضيقُ صدرُكَ بسبب منع الرُّؤيةِ، وانظر إلى أنواع النِّعمِ التي خَصَصْتُك بها واشتغل بشكرها، والمراد: تسليةُ موسى - عليه الصلاة والسلام - عن منع الرؤية. فإن قيل: كيف اصطفاهُ على النَّاسِ برسالاته مع أنَّ كثيراً من النَّاسِ قد سَاوَاهُ في الرسالةِ؟ فالجوابُ: أنَّهُ تعالى بيَّن أنَّهُ خصَّهُ من دون النَّاسِ بمجموع الأمرين: وهو الرسالة مع الكلام بغير واسطة، وهذا المجموعُ لم يحصل لغيره، وإنَّما قال: "عَلَى النَّاسِ" ولم يقل: على الخلق؛ لأنَّ الملائكة تسمع كلام اللَّهِ من غير واسطة كما سمعه موسى. قال القرطبيُّ: "وَدَلَّ هذا على أنَّ قومه لم يشاركه أحدٌ منهم في التَّكليم ولا أحد من السَّبعين". قوله: {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} أي: اقْنَعْ بما أعطيتك. {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ}، أي: المظهرين لإحسانِي إليك، وفضلي عليك. يقال: دَابَّةٌ شكورٌ، إذا ظهر عليها من السِّمن فوق ما تُعْطَى من العَلَف، والشَّاكِرُ متعرض للمزيد؛ كما قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7]. قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً}. قوله: في الألْوَاحِ يجوز أن تكون لتعريف الماهيَّةِ، وأن تكون للعهد؛ لأنَّهُ يروى في القصَّة أنَّهُ هو الذي قطَّعَهَا وشقَّقَهَا. وقال ابنُ عطيَّة أل عوض من الضمير، تقديره: في ألواحه، وهذا كقوله: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ}تفسير : [النازعات: 41] أي: مأواه. أمَّا كون أل عوضاً من الضَّمير فلا يعرفه البصريون. وأمَّا قوله: {فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} فإنَّا نحتاجُ فيه إلى رابطٍ يَرْبِطُ بين الاسم والخبر، والكوفيون: يجعلون أل عوضاً من الضمير. والبصريون: يُقَدِّرُونَهُ، أي: هي المأوى له، وأما في هذه الآية فلا ضرورة تدعو إلى ذلك. وفي مفعول "كتبنا" ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّهُ "موعِظَةً"، أي: كتبنا له مَوْعِظَةً وتفْصِيلاً. و {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} على هذا فيه وجهان، أحدهما: متعلِّقٌ بـ "كَتَبْنَا" والثاني: أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوف؛ لأنَّهُ في الأصلِ صفةٌ لـ "مَوْعِظَةً" فلمَّا قُدِّم عليها نُصِبَ حالاً، و "لِكُلِّ شيءٍ" صفة لـ "تفصيلاً". والثاني: أنَّهُ {مِنْ كُلِّ شَيْءً}. قال الزمخشريُّ {مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} في محل نصب مفعول "كَتَبْنَا"، و "مَوعِظَةً وتفْصِيلاً" بدل منه، والمعنى: كَتَبْنَا له كُلَّ شيءٍ كان بنو إسرائيل يَحْتَاجُونَ إليه في دينهم من المواعظِ، وتفصيل الأحكامِ وتفصيل الحلالِ والحرامِ. الثالث: أنَّ المفعول محل المجرور. وقال أبُو حيَّان - بعد ما حكى الوجه الأول عن الحوفي والثَّاني عن الزمخشري -: ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ ثالثٌ، وهو أن يكونَ مفعولُ "كَتَبْنَا" موضع المجرور، كما تقولُ: "أكلت من الرغيف" و "مِنْ" للتبعيض، أي: كتبنا له أشياء من كُلِّ شيء، وانتصب "مَوْعظَةً وتَفْصِيلاً" على المفعول من أجله، أي: كتبنا له تلك الأشياءَ للاتِّعاظِ وللتفصيل. قال شهابُ الدِّينِ: "والظَّاهِرُ أنَّ هذا الوجه هو الذي أراده الزَّمخشري، فليس وجهاً ثالثاً". قوله: "بِقُوَّةٍ" حالٌ: إمَّا من الفاعل، أي: ملتبساً بقوة، وإمَّا من المفعول، أي: ملتبسه بقوة، أَي: بقوَّةِ دلائلها وبراهينها، والأول أوضح. والجملةُ من قوله: "فَخُذْهَا" يُحتمل أن تكون بدلاً من قوله {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} وعاد الضَّميرُ على معنى "ما" لا على لفظها. ويحتمل أن تكونَ منصوبة بقول مضمر، ذلك القولُ منسوقٌ على جملة "كَتَبْنَا" والتقديرُ: وكتبنا فقلنا: خُذْهَا، والضَّميرُ على هذا عائدٌ على الألواحِ أو على التَّوراةِ، أو على الرِّسالاتِ، أو على كُلِّ شيءٍ؛ لأنَّهُ في معنى الأشياء. قال القرطبيُّ: "فكأنَّ اللَّوحَ تلوح فيه المعاني. ويقال: رجل عظيم الألواح إذا كان كبيرَ عظم اليدين، والرِّجليْنِ". فصل قال الكلبيُّ: خَرَّ مُوسَى صَعِقاً يوم الخميس يوم عرفة، وأعطي التَّوراة يوم الجمعةِ يوم النَّحر، واختلفوا في عدد الألواح وجوهرها فقيل: كانت عشرة، وقيل سبعة. وقيل: إنَّها لوحان. وقال الواحديُّ: كانت من زُمُردَة. وقيل: من زبرجدة خضراء، وقيل: ياقوتة، وقيل: من خشب سور الجنَّةِ طول كل لوح اثني عشرة ذراعاً. وقال وهْبٌ: من صخرة صَمَّاء لَيَّنَهَا اللَّهُ لِمُوسَى. قيل: رفع سبعها وبقيت ستة أسباعها، وكان في الذي رفع تفصيل كلِّ شيء وفي الذي بقي الهدى والرحمة، وليس في الآية ما يدلُّ على شيء من ذلك، ولا على كيفية الكتابة فإن ثبت في ذلك شيء بدليل منفصل قويٍّ وجب القولُ به، وإلاّ وجب السُّكوت عنه. وأمَّا قوله مِن كُلِّ شيءٍ فليس على العموم، بل المراد من كلِّ شيء يحتاجُ موسى وقومه إليه في دينهم. وقوله: {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} فهو كالبيانِ للجملة التي قدمها بقوله: {مِن كُلِّ شَيْءٍ} ثم قال: "فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ" أي: بعزيمةٍ قويةٍ ونيَّةٍ صادقةٍ. قوله: {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا}. الظَّاهِرُ أنَّ يأخُذُوا مَجْزُومٌ جواباً للأمرِ في قوله وأمْرُ ولا بدَّ من تأويله، لأنَّه لا يلزمُ مِنْ أمره إيَّاهم بذلك أن يأخُذُوا، بدليل عصيانِ بعضهم له في ذلك، فإنَّ شَرْطَ ذلك انحلال الجملتين إلى شرطٍ وجزاءٍ. وقيل: الجزمُ على إضمار اللاَّمِ تقديره: ليأخُذُوا؛ كقوله: [الوافر] شعر : 2570 - مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذَا مَا خِفْتَ مِنْ أمْر تبالاَ تفسير : وهو مذهبُ الكسائي. وابن مالك يرى جوازه إذا كان في جواب "قُلْ"، وهنا لم يُذْكَرْ "قُلْ"، ولكن ذُكر شيءٌ بمعناه؛ لأنَّ معنى "وأمُرْ" و "قُلْ" واحد. قوله: "بِأحْسَنِهَا" يجوزُ أن يكونَ حالاً كما تقدَّم في: "بِقُوَّةٍ"، وعلى هذا فمفعولُ "يَأخُذُوا" محذوفٌ تقديرُه: يَأخُذُوا أنفسهم، ويجُوزُ أن تكون الباء زائدة، وأحسنها مفعول به، والتقديرُ: يأخُذُوا أحسنها كقوله: [البسيط] شعر : 2571 -........................... سُودُ المَحَاجِرِ لا يَقْرَأنَ بالسُّوَرِ تفسير : وقد تقدَّم تحقيقه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ}تفسير : [البقرة: 195]. و "أحسن" يجوز أن تكون للتَّفضيل على بابها، وأن لا تكون بل بمعنى "حَسَنَة". كقول الفرزدق: [الكامل] شعر : 2572 - إنَّ الذي سَمَكَ السَّماءَ بَنَى لَنَا بَيْتاً دَعَائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ تفسير : أي: عزيزةٌ طويلةٌ. فإن قيل: إنَّه تعالى لمَّا تعهد بكلِّ ما في التَّوراة، وجب أن يكون الكلُّ حسناً. وقوله: {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } يقتضي أن يكون فيه ما ليس بأحسن، وأنَّهُ لا يجوزُ لهم الأخذ به وهو متناقض. وأجابُوا بوجوه: منها: أنَّ تلك التَّكاليفَ منها ما هو حسن، ومنها ما هو أحسن كالقصاص والعفو، والانتصار، والصبر، أي: فمرهم أن يأخُذُوا بالأفضل فإنَّه أكثر ثواباً، لقوله: {أية : وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـم}تفسير : [الزمر: 55] وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}تفسير : [الزمر: 18]. قالوا: فيحمل الأخذ بالأحسن على النَّدب. ومنها: قال قُطْرُبٌ: {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي: بحسنها، وكلها حسن؛ كقوله تعالى: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ}تفسير : [العنكبوت: 45] وأنشد بيت الفرزدق المتقدم. ومنها: أن الحسن يدخلُ تحته الواجب، والمندوب، والمباح وأحسن هذه الثلاثة: الواجبُ، والمندوبُ. قوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} جَوَّزُوا في الرُّؤية هنا أن تكون بصريَّةً، وهو الظَّاهِرُ فتتعدَّى لاثنين، أحدهما: ضمير المخاطبين، والثاني: دَارَ. والثاني: أنَّها قلبية، وهو منقولٌ عن ابن زيد وغيره، والمعنى: سأعْلِمُكُمْ سَيْرَ الأولين وما حَلَّ بهم من النَّكَالِ: وقيل: "دَارَ الفاسِقِينَ" ما دَارَ إليه أمرهم، وذلك لا يُعْلم إلا بالإخبار والإعلام. قال ابْنُ عطيَّة - معترضاً على هذا الوجه -: ولَوْ كَانَ من رؤية القلب، لتعدَّى بالهمزة إلى ثلاثةِ مفاعيل. ولو قال قائل: المفعولُ الثالثُ يتضمنه المعنى، فهو مُقَدَّرٌ أي: مذمومة أو خربة أو مُسَعَّرة - على قول من قال: إنَّهَا جهنم - قيل له: لا يَجُوزُ حذفُ هذا المفعولِ، ولا الاقتصارُ دُونَهُ، لأنَّهَا داخلةٌ على الابتداءِ والخبرِ، ولو جُوِّزَ لكان على قبح في اللِّسان، لا يليق بكتاب الله تعالى. قال أبُو حيان: "وحَذْفُ المفعُول الثَّالث في باب "أعْلَمَ" لدلالة المعنى عليه جائزٌ، فيجوزُ في جواب: هل أعلمتَ زَيْداً عمراً منطلقاً؟ أعلمتُ زيداً عمراً، وتحذف "منطلقاً" لدلالة الكلام السَّابق عليه". فصل قال شهابُ الدِّين: هذا مُسَلَّمٌ، لكن أيْنَ الدَّليل عليه في الكلام، كما في المثال الذي أبرزه الشَّيْخُ؟ ثم قال: "وأمَّا تَعْليلُهُ بأنَّهَا داخلةٌ على الخَبَرِ لا يدلُّ على المنع، لأنَّ خبر المبتدأ يجوزُ حَذْفُهُ اختصاراً، والثانِي، والثَّالِثُ في باب "أعْلَمَ" يَجُوزُ حذفُ كُلٍّ منهما اختصاراً". قال شهابُ الدِّين: "حذفُ الاختصار لدليلٍ، ولا دليلَ هُنَا". ثم قال: "وفي قوله لأنَّهَا - أي: "سَأريكُمْ" - داخلةٌ على المبتدأ، والخبر تجوُّزٌ" ويعني أنَّها قبل النَّقْل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر. وقرأ الحسن: "سَأوريكُمْ" بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان: أحدهما قاله الزمخشريُّ -: "وهي لغةٌ فاشية بالحجاز يُقَالُ: أوْرَنِي كَذَا وأوْرَيْتُهُ، فوجهه أن يكون من أوْرَيْتُ الزَّنْدَ، فإن المعنى: بَيِّنْهُ لي وأنِزْهُ لأستبينَه". والثاني: - ذكره ابنُ جنيٍّ - وهو أنَّهُ على الإشباع، فيتولَّد منها الواو، قال "وناسَبَ هذا كونُهُ موضعَ تهديدٍ ووعيدٍ فاحتمل الإتيان بالواو". قال شهابُ الدِّين: وهذا كقول الشاعر: [البسيط] شعر : 2573 - اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّا فِي تَلَفُّتِنَا يَوْمَ اللِّقاءِ إلى أحْبَابِنَا صُورُ وأنَّنِي حَيْثُمَا يُثْني الهَوَى بَصَرِي مِنْ حَيْثُمَا سَلَكُوا أدْنُو فأنْظُورُ تفسير : لكن الإشباعَ بابُهُ الضَّرُورَةُ عند بعضهم. وقرأ ابنُ عبَّاسٍ، وقسامة بن زيد "سَأورثُكُمْ" قال الزمخشريُّ: وهي قراء حسنةٌ، يصحِّحُهَا قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ}تفسير : [الأعراف: 137]. فصل في قوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} وجهان: الأول: أنَّ المُرادَ به التهديدَ والوعيد وعلى هذا ففيه وجهان: أحدهما: قال ابن عباس والحسنُ ومجاهدٌ: هي: جهنم وهي مصيرهم في الآخرة، فاحْذَرُوا أن تكونوا منهم. وثانيهما: قال قتادةُ وغيره: سأدخلكم الشَّام؛ فأريكم منازل القُرُون الماضيةِ مثل الجبابرةِ، والعمالقةِ، ومنازل عادٍ وثَمُودَ الذين خالفُوا أمْرَ اللَّهِ لتعتبروا بها. الوجه الثاني: المُرَادُ به الوعد والبشارة بأنَّ الله تعالى سيوِّرثُهم أرض أعدائهم وديارهم وهي أرض مصر، قالهُ عطيةُ العوفيُّ؛ ويدلُّ عليه قراءة قسامة. وقال السُّدِّيُّ: هي مصارع الكفار.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو الشيخ عن ابن شودب قال: أوحى الله إلى موسى أتدري لم اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي؟ قال: لا يا رب. قال إنه لم يتواضع لي تواضعك أحد . وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: قال موسى : يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكراً لك فيما اصطنعت إلى قال: يا موسى قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قال: فكان موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به ، فقال له : يا موسى لو أن السموات السبع والأرضين السبع وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لرجحت بهن . قوله تعالى {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} . أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كتبت التوراة بأقلام من ذهب . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في الألواح . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح إثني عشر ذراعاً " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: أخبرت أن الألواح من زبرجد ومن زمرد الجنة، أمر الرب تعالى جبريل فجاء بها من عدن ، وكتبها بيده بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد الرب من نهر النور وكتب به الألواح . وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون : كانت الألواح من ياقوتة، وانا أقول: إنما كانت من زبرجد وكتابها الذهب، كتبها الله بيده فسمع أهل السموات صريف القلم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: كانت ألواح موسى من برد . وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: كانت الألواح من زمرد أخضر، أمر الرب تعالى جبريل فجاء بها من عدن، فكتب الرب بيده بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد الرب من نهر النور وكتب به الألواح . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء قال: كتب الله التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة يسمع صريف القلم، في ألواح من زمرد ليس بينه وبينه إلا الحجاب . وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: إن الله لم يمس شيئاً إلا ثلاثة: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن حكيم بن جابر قال: أخبرت أن الله تبارك وتعالى لم يمس من خلقه بيده شيئاً إلا ثلاثة : غرس الجنة بيده وجعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك، وخلق آدم بيده ، وكتب التوراة لموسى بيده . وأخرج عبد بن حميد عن وردان بن خالد قال خلق الله آدم بيده، وخلق جبريل بيده، وخلق القلم بيده، وخلق عرشه بيده، وكتب الكتاب الذي عنده لا يطلع عليه غيره بيده، وكتب التوراة بيده . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أعطيَ موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد، فيها تبيان لكل شيء وموعظة، فلما جاء بها فرأى بن إسرائيل عكوفاً على عبادة العجل، رمى بالتوراة من يده فتحطمت ، فرفع الله منها ستة أسباع وبقي سبع . وأخرج عبد بن حميد عن مغيث الشامي قال: بلغني أن الله تعالى لم يخلق بيده إلا ثلاثة أشياء: الجنة غرسها بيده، وآدم خلقه بيده، والتوراة كتبها بيده. وأخرج الطبراني في السنة عن ابن عمر قال: خلق الله آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، ثم قال لسائر الأشياء: كن فكان . وأخرج أبو الشيخ عن السدي {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} أمروا به ونهوا عنه . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} قال: مما أمروا به ونهوا عنه . وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه وضعفه الذهبي عن ابن عباس قال: إن الله يقول في كتابه لموسى {إني اصطفيتك على الناس} [الأعراف: 144]. {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} قال: فكان يرى أن جميع الأشياء قد أثبتت له كما ترون أنتم علماءكم ، فلما انتهى إلى ساحل البحر لقي العالم فاستنطقه، فأقر له بفضل علمه ولم يحسده الحديث . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس . أن موسى لما كربه الموت قال: هذا من أجل آدم قد كان الله جعلنا في دار مثوى لا نموت فخطا آدم انزلنا هنا. فقال الله لموسى: ابعث إليك آدم فتخاصمه ؟ قال: نعم. فلما بعث الله آدم سأله موسى فقال: لولا أنت لم نكن ههنا. فقال له آدم: قد أتاك الله من كل شيء موعظة وتفصيلاً أفلست تعلم أنه { أية : ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} تفسير : [الحديد: 22] قال: موسى بلى فخصمه آدم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان الله عز وجل كتب في الألواح ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر أمته وما ذخر لهم عنده، وما يسر عليهم في دينهم وما وسع عليهم فيما أحل لهم . وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران قال: فيما كتب الله لموسى في الألواح : يا موسى لا تحلف بي كاذباً فإني لا أزكي عمل من حلف بي كاذباً . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في قوله {وكتبنا له في الألواح من كل شيء} قال: كتب له اعبدني ولا تشرك بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإن كل ذلك خلقي، فإذا أشرك بي غضبت، وإذا غضبت لعنت، وإن لعنتي تدرك الرابع من الولد ، وإني إذا أطعت رضيت، وإذا رضيت باركت والبركة مني تدرك الأمة بعد الأمة، ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أزكي من حلف باسمي كاذباً، ووقر والديك فإنه من وقر والديه مددت له عمره ووهبت له ولداً يبره، ومن عق والديه قصرت له في عمره ووهب له ولداً يعقه، واحفظ السبت فإنه آخر يوم فرغت فيه من خلقي، ولا تزن ، ولا تسرق، ولا تولّ وجهك عن عدوي، ولا تزن بامرأة جارك الذي يأمنك، ولا تغلب جارك على ماله، ولا تخلفه على امرأته. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي حرزة القاص، ان العشر الآيات التي كتب الله تعالى لموسى في الألواح : أن اعبدني ولا تشرك بي شيئاً ، ولا تحلف باسمي كاذباً فإني لا أزكي ولا أطهر من حلف باسمي كاذباً، واشكر لي ولوالديك أنسألك في أجلك وأقيك المتالف، ولا تسرق ولا تزن فأحجب عنك نور وجهي، وتغلق عن دعائك أبواب سماواتي، ولا تغدر بحليل جارك ، واحب للناس ما تحب لنفسك، ولا تشهد بما لم يعِ سمعك ويفقه قلبك، فإني واقف أهل الشهادات على شهادتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها ، ولا تذبح لغيري لا يَصعد إلى من قربان أهل الأرض إلا ما ذكر عليه اسمي . وأخرج البيهقي عن عطاء قال: بلغني أن فيما أنزل الله على موسى عليه السلام: لا تجالسوا أهل الاهواء فيحدثوا في قلبك ما لم يكن . وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الحلية وابن لال في مكارم الأخلاق عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " حديث : كان فيما أعطى الله موسى في الألواح الأول في أول ما كتب عشرة أبواب: يا موسى لا تشرك بي شيئاً فقد حق القول مني لتلفحن وجوه المشركين النار، واشكر لي ولوالديك أقك المتالف وانسأ في عمرك وأحييك حياة طيبة وأقلبك إلى خير منها، ولا تقتل النفس التي حرمت إلا بالحق فتضيق عليك الأرض برحبها والسماء باقطارها وتبوء بسخطي والنار، ولا تحلف باسمي كذباً ولا آثماً فإني لا أطهر ولا أزكى من لم ينزهني ويعظم أسمائي، ولا تحسد الناس على ما أعطيتهم من فضيلي، ولا تنفس عليهم نعمتي ورزقي فإن الحاسد عدو نعمتي راد لقضائي ساخط لقسمتي التي أقسم بين عبادي، ومن لم يكن كذلك فلست منه وليس مني، ولا تشهد بما لم يع سمعك ويحفظ عقلك وتعقد عليه قلبك، فإني واقف أهل الشهادات على شهادتهم يوم القيامة ثم سائلهم عنها سؤلاً حثيثاً ، ولا تزن ، ولا تسرق، ولا تزن بحليلة جارك فأحجب عنك وجهي، وتغلق عنك أبواب السماء، وأحبب للناس ما تحب لنفسك ، ولا تذبحن لغيري فإني لا أقبل من القربان إلا ما ذكر عليه اسمي وكان لخالصاً لوجهي، وتفرغ لي يوم السبت وفرغ لي نفسك وجميع أهل بيتك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله جعل السبت لموسى عيداً، واختار لنا الجمعة فجعلها لنا عيداً ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ميمون بن مهران قال: مما كتب الله لموسى في الألواح لا تتمن مال أخيك ولا أمراة أخيك . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: شوّقناكم فلم تشتافوا، ونُحْنَا لكم فلم تبكوا، ألا وان لله ملكاً ينادي في السماء كل ليلة: بشر القتَّالين بأن لهم عند الله سيفاً لا ينام وهو نار جهنم، أبناء الأربعين رزع قددنا حصاده ، أبناء الخمسين هلموا إلى الحساب لا عذر لكم، أبناء الستين ماذا قدمتم وماذا أخرتم ، أبناء السبعين ما تنتظرون ألا ليت الخلق لم يخلقوا فإذا خلقوا علموا لما خلقوا، ألا أتتكم الساعة فخذوا حذركم . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: قال موسى: رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون يوم القيامة، الآخرون في الخلق والسابقون في دخول الجنة فاجعلهم أمتي: قال: تلك أمة أحمد . قال: رب أني أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة يؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر ويقاتلون فضول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور والكذاب فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في قلوبهم يقرأونها ـ قال قتادة: وكان من قبلكم إنما يقرأون كتابهم نظراً، فإذا رفعوها لم يحفظوا منها شيئاً ولم يعوه، وإن الله اعطاكم ايتها الأمة من الحفظ شيئاً لم يعطه أحداً من الأمم قبلكم ، فالله خصكم بها وكرامة أكرمكم بها ــ قال: فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها ــ قال قتادة: وكان من قبلكم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها ناراً فأكلتها وإن ردت تركت فأكلتها السباع والطير، وإن الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم رحمة رحمكم بها وتخفيفاً خفف به عنكم ــ فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب أني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي. قالت تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة إذا همَّ أحدهم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلهم أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال قتادة: فذكر لنا أن نبي الله موسى نبذ الألواح وقال: اللهم إذاً فاجعلني من أمة أحمد. قال فاعطى اثنتين لم يعطهما {قال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] قال: فرضي نبي الله ، ثم أعطى الثانية {أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : [الأعراف: 159] قال: فرضي نبي الله موسى كل الرضا . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال موسى : يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فاجعلهم أمتي . قال تلك أمة أحمد. قال: رب أجد في الألواح أمة إذا همَّ بالحسنة كتبت له حسنة وإذا عملها كتبت له عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بالسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإذا عملها كتبت سيئة واحدة فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: رب أجد في الألواح أمة هم المشفعون والمشفع لهم فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال رب أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم يوم القيامة فاجعلهم أمتي. قالت تلك أمة أحمد. قال: رب أجد في الألواح أمة ينصرون على من ناوأهم حتى يقاتلوا الأعور الدجال فاجعلهم أمتي. قال: تلك أمة أحمد. قال: فانتبذ الألواح من يده وقال: رب فاجعلني من أمة أحمد. فأنزل الله {أية : ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : [الأعراف: 159] فرضي نبي الله موسى عليه السلام . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: فيما ناجى موسى ربه فيما وهب الله لمحمد وأمته حيث قرأ التوراة وأصاب فيها نعت النبي وأمته قال: يا رب من هذا النبي الذي جعلته وأمته أولاً وآخراً؟ قال: هذا محمد النبي الأمي العربي الحرمي التهامي من ولد قاذر بن اسمعيل ، جعلته أوّلاً في المحشر، وجعلته آخراً ختمت به الرسل، يا موسى ختمت بشريعته الشرائع ، وبكتابه الكتب، وبسنته السنن، وبدينه الأديان. قال: يا رب إنك اصطفيتني وكلمتني؟ قال: يا موسى إنك صفيّ وهو حبيبي أبعثه يوم القيامة على كوم أجعل حوضه أعرض الحياض وأكثرهم وارداً وأكثرهم تبعاً قال: رب لقد كرمته وشرفته . قال: يا موسى حق لي أن أكرمه وأفضله وأفضل أمته، لأنهم يؤمنون بي وبرسلي كلهم وكلمتي كلها وبغيبي كله ما كان فيهم شاهداً ــ يعني النبي صلى لله عليه وسلم ــ ومن بعد موته إلى يوم القيامة. قال: يا رب هذا نعتهم؟ قال: نعم. قال: يا رب وهبت لهم الجمعة أو لأمتي؟ قال: بل لهم الجمعة دون أمتك. قال: يا رب إني نظرت في التوراة إلى نعت قوم غير محجلين فمن هم، أمن بني إسرائيل هم أمن من غيرهم؟ قال: تلك أمة أحمد الغر المحجلون من آثار الوضوء. قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يمرون على الصراط كالبرق والريح فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد . قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يصلون الصلوات الخمس فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً يتزرون إلى أنصافهم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت قوماً يراعون الشمس مناديهم في جوّ السماء فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: رب إني وجدت في التوراة قوماً الحسنة منهم بعشرة والسيئة بواحدة فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم شاهرين سيوفهم لا ترد لهم حاجة؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً إذا أرادوا أمراً استخاروك ثم ركبوه فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في التوراة نعت قوم يشفع محسنهم في مسيئهم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يحجون البيت الحرام لا ينأون عنه أبداً لا يقضون منه وطراً ابداً فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد . قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم قربانهم دماؤهم فمن هم؟ قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يقاتلون في سبيلك صفوفاً زحوفاً يفرغ عليهم الصبر افراغاً فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يذنب أحدهم الذنب فيتوضأ فيغفر له، ويصلي فتجعل الصلاة له نافلة بلا ذنب فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يشهدون لرسلك بما بلغوا فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يجعلون الصدقة في بطونهم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم الغنائم لهم حلال وهي محرمة على الأمم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم جعلت الأرض لهم طهوراً ومسجداً فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت نعت قوم الرجل منهم خير من ثلاثين ممن كان قبلهم فمن هم؟ تلك أمة أحمد يا موسى الرجل من الأمم السالفة أعبد من الرجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بثلاثين ضعفاً، وهم خير منه بثلاثين ضعفاً بايمانه بالكتب كلها. قال: يا رب إني وجدت نعت قوم يأوون إلى ذكرك ويتحابون عليه كما تأوي النسور إلى وكورها فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم إذا غضبوا هللوك وإذا تنازعوا سبحوك فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يغضبون لك كما يغضب النمر الحرب لنفسه فمن هم؟ قال: تلك أحمد. قال يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم وتباشر بهم الملائكة فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تتباشر بهم الأشجار والجبال بممرهم عليها لتسبيحهم لك وتقديسهم لك فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم وهبت لهم الاسترجاع عند المصيبة، ووهب لهم عند المصيبة الصلاة والرحمة والهدى فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تصلي عليهم أنت وملائكتك فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يدخل محسنهم الجنة بغير حساب، ومقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً، وظالمهم يغفر له فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب فاجعلني منهم. قال: يا موسى أنت منهم وهم منك لأنك على ديني وهم على ديني، ولكن قد فضلتك برسالاتي وبكلامي فكن من الشاكرين . قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يبعثون يوم القيامة قد ملأت صفوفهم ما بين المشرق والمغرب صفوفاً يهوّن عليهم الموقف لا يدرك فضلهم أحد من الأمم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم تقبضهم على فرشهم وهم شهداء عندك فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم لا يخافون فيك لومة لائم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم أذلة على المؤمنين أعزة على الكفارين فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم صديقهم أفضل الصديقين فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب لقد كرمته وفضلتهُ. قال: يا موسى هو كذلك نبي وصفي وحبيبي وأمته خير أمة . قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم محرمة على الأمم الجنة إن يدخلوها حتى يدخلها نبيهم وأمته فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب لبني إسرائيل ما بالهم؟ قال: يا موسى إن قومك من بني إسرائيل يبدلون دينك من بعدك، ويغيرون كتابك الذي أنزلت عليك، وأن أمة محمد لا يغيرون سنته ولا يبطلون الكتاب الذي أنزلت عليه إلى أن تقوم الساعة، فلذلك بلغتهم سنام كرامتي، وفضلتهم على الأمم، وجعلت نبيهم أفضل الأنبياء. أولهم في الحشر، وأوّلهم في انشقاق الأرض، وأولهم شافعاً، وأوّلهم مشفعاً. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم حلماء علماء كادوا أن يبلغوا بفقههم حتى يكونوا أنبياء فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا موسى أعطوا العلم الأول والآخر. قال: يا رب إني وجدت في التوراة قوماً توضع المائدة بين أيديهم فما يرفعونها حتى يغفر لهم فمن هم؟ قال: أولئك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم يلبس أحدهم الثوب فما ينفضه حتى يغفر لهم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني وجدت في التوراة نعت قوم إذا استووا على ظهور دوابهم حمدوك فيغفر لهم فمن هم؟ قال: تلك أمة أحمد، أوليائي يا موسى الذي انتقم بهم من عبدة النيران والأوثان . وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون والمستجاب لهم فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونه ظاهراً فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يأكلون الفيء فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذاً هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، وإن عملها كتبت له عشر حسنات فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون قرون الضلالة والمسيح الدجال فاجعلها أمتي. قال تلك أمة أحمد. قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فاعطي عند ذلك خصلتين {فقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} قال: قد رضيت يا رب " . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عبد الرحمن المغافري أن كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي فقال له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت بعض الأمور فقال له كعب: أنشدك بالله لئن أخبرتك ما أبكاك لتصدقني؟ قال: نعم. قال: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة في التوراة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال: موسى رب أجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد؟ قال الحبر: نعم. قال كعب: فأنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة هم الحمادون رعاة الشمس المحكمون، إذا أرادوا أمراً قال افعله إن شاء الله فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد؟ قال الحبر: نعم. قال كعب: فأنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: يا رب إني أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله، وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهور، والأرض لهم مسجداً حيثما كانوا يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غر محجلون من آثار الوضوء فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد؟ قال الحبر نعم. قال كعب: انشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد أمة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب، واصطفيتهم { أية : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} تفسير : [فاطر: 32] ولا أجد أحداً منه إلا مرحوماً فاجعلهم أمتي. قال: هم أمة أحمد؟ قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك بالله هل تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة، فقال: رب إني أجد في التوراة أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون الوان ثياب أهل الجنة، يصفّون في صلاتهم كصفوف الملائكة أصواتهم في مساجدهم كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحد إلا من بري من الحسنات مثل ما بري الحجر من ورق الشجر فاجعلهم أمتي. قال هم أمة أحمد؟ قال الحبر: نعم. فلما عجب موسى من الخير الذي أعطاه الله محمداً وأمته قال: يا ليتني من أمة أحمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بهن {يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي} [الأعراف: 144] الآية فرضي موسى كل الرضا . وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن أبي هلال أن عبد الله بن عمرو قال لكعب: أخبرني عن صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته؟ قال: أجدهم في كتاب الله: أن أحمد وأمته حمَّادون يحمدون الله على كل خير وشر، يكبرون الله على كل شرف يسبحون الله في كل منزل، نداؤهم في جو السماء، لهم دوي في صلاتهم كدوي النحل على الصخر، يصفون في الصلاة كصفوف الملائكة، ويصفَّون في القتال كصفوفهم في الصلاة، وإذا غزوا في سبيل الله كانت الملائكة بين أيديهم ومن خلفهم برماح شداد، إذا حضروا الصفّ في سبيل الله كان الله عليهم مظلاً كما تظل النسور على وكورها، لا يتأخرون زحفاً أبداً حتى يحضرهم جبريل عليه السلام. وأخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل عن محمد بن يزيد الثقفي قال: اصطحب قيس بن خرشة وكعب الأحبار، حتى إذا بلغا صفين وقف كعب ثم نظر ساعة ، ثم قال: ليهراقن بهذه البقعة من دماء المسلمين شيء لا يهراق ببقعة من الأرض مثله؟ فقال قيس: ما يدريك فإن هذا من الغيب الذي استأثر الله به؟! فقال كعب: ما من الأرض شبر إلا مكتوب في التوراة الذي أنزل الله على موسى ما يكون عليه وما يخرج منه إلى يوم القيامة . وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن خالد الربعي قال: قرأت في كتاب الله المنزل أن عثمان بن عفان رافع يديه إلى الله يقول: يا رب قتلني عبادك المؤمنون . وأخرج أحمد في الزهد عن خالد الربعي قال: قرأت في التوراة إتق الله يا ابن آدم، وإذا شبعت فاذكر الجائع . وأخرج أحمد عن قتادة قال: بلغنا أنه مكتوب في التوراة ابن آدم ارحم ترحم إنه من لا يَرحم لا يُرحم، كيف ترجو أن ارحمك وأنت لا ترحم عبادي؟ وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة يا ابن آدم لا تعجز أن تقوم بين يدي في صلاتك باكياً فإني أنا الله الذي اقترتب لقلبك وبالغيب رأيت نوري. قال مالك: يعني الحلاوة والسرور الذي يجد المؤمن . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: أربعة أحرف في التوراة مكتوب من لم يشاور يندم، ومن استغنى استأثر، والفقر الموت الأحمر وكما تدين تدان . وأخرج أحمد وأبو نعيم عن خيثمة قال: مكتوب في التوراة ابن آدم تفرغ لعبادتي املأ قلبك غنى وأسدّ فقرك، وإن لا تفعل املأ قلبك شغلاً ولا أسد فقرك . وأخرج أحمد في الزهد عن بيان قال: بلغني أن في التوراة مكتوب ابن آدم كسيرة تكفيك، وخرقة تواريك، وحجر يأويك " . وأخرج أحمد عن وهيب المكي قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة يا ابن آدم اذكرني إذا غضبت اذكرك إذا غضبت فلا أمحقك مع من أمحق، وإذا ظلمت فارض بنصرتي لك فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك . وأخرج أحمد عن الحسن بن أبي الحسن قال: انتهت بنو اسرائيل إلى موسى عليه السلام فقالوا: إن التوراة تكبر علينا فأنبئنا بجماع من الأمر فيه تخفيف. فاوحى الله إليه: ما سألك قومك؟ قال: يا رب أنت أعلم. قال: إنما بعثتك لتبلغني عنهم وتبلغهم عني. قال: فإنهم سألوني جماعاً من الأمر فيه تخفيف، ويزعمون أن التوراة تكبر عليهم فقال الله عز وجل: قل لهم لا تظالموا في المواريث، ولا يدخلن عليكم عبد بيتاً حتى يستأذن، وليتوضأ من الطعام ما يتوضأ للصلاة، فاستخفوها يسيراً ثم إنهم لم يقوموا بها. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك " حديث : تقبلوا إلي بستٍ أتقبل لكم بالجنة، من حدث فلا يكذب، ومن وعد فلا يخلف، ومن ائتمن فلا يخون، احفظوا أيديكم وأبصاركم وفروجكم " . تفسير : وأخرج أحمد عن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة من يزدد علماً يزدد وجفاً. وقال: مكتوب في التوراة من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه . وأخرج أحمد عن قتادة قال: إن التوراة مكتوباً يا ابن آدم تذكرني وتنساني، وتدعو إلي وتفر مني، وأرزقك وتعبد غيري . وأخرج عبد الله وابنه عن الوليد بن عمر قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة ابن آدم حرك يديك افتح لك باباً من الرزق، وأطعني فيما آمرك فما أعلمني بما يصلحك . وأخرج عبد الله عن عقبة بن زينب قال: في التوراة مكتوب لا تتوكل على ابن آدم فإن ابن آدم لليس ولكن توكل على الحي الذي لا يموت ، وفي التوراة مكتوب مات موسى كليم الله فمن ذا الذي لا يموت؟ وأخرج أحمد عن وهب بن منبه قال: وجدت فيما أنزل الله على موسى أن من أحب الدنيا أبغضه الله، ومن أبغض الدنيا أحبه الله، ومن أكرم الدنيا أهانه الله، ومن أهان الدنيا أكرمه الله . وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: مكتوب في التوراة ليكن وجهك بسطاً وكلمتك طيبة تكن أحب إلى الناس من الذين يعطونهم العطاء . وأخرج ابن أبي شيبة عن عروة قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة كما تَرحمون تُرحمون . وأخرج ابن أبي شيبة عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل في التوراة مكتوب: يا ابن آدم اتق ربك، وابرر والديك ، وصل رحمك، أمدَّ لك في عمرك، وأيسر لك يسرك، واصرف عنك عسرك. وأخرج ابن أبي شيبة عن كردوس الثعلبي قال: مكتوب في التوراة اتق توقه إنما التوقي في التقوى، ارحموا ترحموا توبوا يتاب عليكم. وأخرج الحكيم في نوادر الأصول عن أبي الجوزاء قال: قرأت في التوراة أن سرَّك أن تحيا وتبلغ علم اليقين فاحتمل في كل حين أن تغلب شهوات الدنيا، فإن من يغلب شهوات الدنيا يفرق الشيطان من ظله . وأخرج الطبراني في السنة وأبو الشيخ عن كعب قال: لما أراد الله أن يكتب لموسى التوراة قال: يا جبريل ادخل الجنة فائتني بلوحين من شجرة الجنة، فدخل جبريل فاستقبلته شجرة من شجر الجنة من ياقوت الجنة، فقطع منها لوحين فتابعته على ما أمره الرحمن تبارك وتعالى ، فأتى بهما الرحمن فأخذهما بيده، فعاد اللوحان نوراً لما مسّهما الرحمن تبارك وتعالى، وتحت العرش نهر يجري من نور لا يدري حملة العرش أين يجيء ولا أين يذهب منذ خلق الله الخلق، فلما استمد منه الرحمن جف فلم يجر، فلما كتب لموسى التوراة بيده ناول اللوحين موسى، فلما أخذهما موسى عاداً حجارة، فلما رجع إلى بني إسرائيل والى هرون وهو مغضب أخذ بلحيته ورأسه يجره إليه فقال له هرون: يا ابن آدم {أية : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني} تفسير : [الأعراف: 150] ومع ذلك إني خفت أن آتيك فتقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم تنتظر قولي، فاستغفر موسى ربه تبارك وتعالى، واستغفر لأخيه وقد تكسرت الألواح لما ألقاها من يده. وأخرج أحمد في الزهد عن كعب الأحبار. أن موسى عليه السلام كان يقول في دعائه: اللهم ليّن قلبي بالتوراة ولا تجعل قلبي قاسياً كالحجر . وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: سأل موسى جماعاً من العمل؟ فقيل له: انظر ما تريد أن يصاحبك به الناس فصاحب الناس به . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {فخذها بقوّة} قال: بجد وحزم {سأوريكم دار الفاسقين} قال: دار الكفار . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس {فخذها بقوّة} قال: بجد {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} قال: أمر موسى أن يأخذوها بأشد مما أمر به قومه . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {فخذها بقوة} قال: إن الله تعالى يحب أن يؤخذ أمره بقوة وجد . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {فخذها بقوة} قال: بطاعة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله {فخذها بقوة} يعني بجد واجتهاد {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} قال: بأحسن ما يجدون منها . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {سأوريكم دار الفاسقين} قال مصيرهم في الآخرة . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {دار الفاسقين} قال: منازلهم في الدنيا . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله {سأوريكم دار الفاسقين} قال: جهنم . وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {سأوريكم دار الفاسقين} قال: رفعت لموسى حتى نظر إليها . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله {سأوريكم دار الفاسقين} قال: مصر .

ابو السعود

تفسير : {قَالَ يَـا مُوسَىٰ} استئنافٌ مَسوقٌ لتسليته عليه الصلاة والسلام من عدم الإجابةِ إلى سؤال الرؤيةِ كأنه قيل: إن منعتُك الرؤيةَ فقد أعطيتك من النعم العظامِ ما لم أعْطِ أحداً من العالمين فاغتنِمْها وثابرْ على شكرها {إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ} أي اخترتُك واتخذتُك صفوةً وآثرتُك {عَلَى ٱلنَّاسِ} أي المعاصِرين لك. وهارونُ وإن كان نبـياً كان مأموراً باتباعه وما كان كَليماً ولا صاحبَ شرعٍ {بِرِسَـٰلَـٰتِي} أي بأسفار التوراةِ وقرىء برسالتي {وَبِكَلَـٰمِي} وبتكليمي إياك بغير واسطة {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ} من شرف النبوةِ والحكمة {وَكُنْ مّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} على ما أُعطيت من جلائل النعمِ، قيل: كان سؤالُ الرؤيةِ يوم عرفةَ وإعطاءُ التوراةِ يومَ النحر {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلّ شَىْء} أي مما يحتاجون إليه من أمور دينِهم {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء} بدلٌ من الجارّ والمجرور أي كتبنا له كلَّ شيءٍ من المواعظ وتفصيلِ الأحكام، واختُلف في عدد الألواحِ وفي جوهرها ومقدارِها فقيل: إنها كانت عشَرةَ ألواحٍ وقيل: سبعةً وقيل: لوحين وأنها كانت من زُمُرُّذَةٍ جاء بها جبريلُ عليه السلام وقيل: من زَبَرْجَدةٍ خضراءَ أو ياقوتةٍ حمراءَ. وقيل: أمر الله تعالى موسى بقطعها من صخرة صمّاءَ ليَّنها له فقطعها بـيده وشققها بأصابعه. وعن الحسن رضي الله عنه كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراةُ وأن طولَها كان عشَرةَ أذرُع. وقيل: أُنزلت التوراةُ وهي سبعون وِقْرَ بعيرٍ يقرأ الجزءُ منه في سنة لم يقرأها إلا أربعةُ نفرٍ: موسى ويوشعُ وعُزيرٌ وعيسى عليهم السلام. وعن مقاتل رضي الله عنه كُتب في الألواح إني أنا الله الرحمٰنُ الرحيم لا تشرِكوا بـي شيئاً ولا تقطعوا السبـيلَ ولا تزْنوا ولا تعقُّوا الوالدين {فَخُذْهَا} على إضمار قولٍ معطوف على كتبنا أي فقلنا خذها {بِقُوَّةٍ} بجدٍّ وعزيمة وقيل: هو بدلٌ من قوله تعالى: {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ} والضميرُ للألواح أو لكل شيءٍ لأنه بمعنى الأشياء أو للرسالة أو للتوراة. {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي بأحسنِ ما فيها كالعفو والصبر لالإضافة إلى الاقتصاص والانتصارِ على طريقة الندبِ والحثِّ على اختيار الأفضل كما في قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبِعُـواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ } تفسير : [الزمر: 55] أو بواجباتها فإنها أحسنُ من المباح، وقيل: المعنى يأخذوا بها، و(أحسن) صلةٌ. قال قُطرُب: أي بحسَنها وكلُّها حسنٌ كقوله تعالى: {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ }تفسير : [العنكبوت: 45] وقيل: هو أن تُحمل الكلمةُ المحتملةُ لمعنيـين أو لمعان على أشبه محتمَلاتِها بالحق وأقربِها إلى الصواب {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى قومه عليه الصلاة والسلام بطريق الالتفاتِ حملاً لهم على الجد في الامتثال بنا أُمروا به، إما على نهج الوعيدِ والترهيب ـ على أن المرادَ بدار الفاسقين أرضَ مصرَ وديارُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم فإن رؤيتها وهي خاليةٌ عن أهلها خاويةٌ على عروشها موجبةٌ للاعتبار والانزجارِ عن مثل أعمالِ أهلِها كيلا يحِلَّ بهم ما حل بأولئك ـ وإما على نهج الوعدِ والترغيبِ على أن المرادَ بدار الفاسقين إما أرضُ مصرَ خاصةً أو مع أرض الجبابرةِ والعمالقةِ بالشام فإنها أيضاً مما أتيح لبني إسرائيلَ وكُتب لهم حسبما ينطِق به قولُه عز وجل: {أية : &#1649يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21] ومعنى الإراءةِ الإدخالُ بطريق الإيراثِ، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ سأوُرثكم بالثاء المثلثة كما في قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا }تفسير : [الأعراف: 137] وقرىء سأُوريكم ولعله من أورَيْتُ الزندَ أي سأبـيِّنُها بكم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} [الآية: 144]. قال بعضهم: الاصطفائية أورثت التكلم ولا التكلم، والكلام أورثا الاصطفائية. وقيل فى قوله تعالى: {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} من عطائى، وكن من الشاكرين لا من المدعين المختارين، فما سبق منى إليك أكثر مما اخترته لنفسك. قال بعضهم: لما قال اصطفيتك لنفسى أورث الاصطناع والاصطفائية، فكنت مصطفى على الناس، لا بسابقة سبقت لك إلىَّ بل بسابقة سبقت منى إليك.

القشيري

تفسير : هذا الخطاب لِتَدَارُكِ قلب موسى - عليه السلام - بكل هذا الرِّفق، كأنه قال: يا موسى، إني منعتُكَ عن شيء واحد وهو الرؤية، ولكني خصصتُك بكثيرٍ من الفضائل؛ اصطفيتُك بالرسالة، وأكرمتُك بشرف الحالة، فاشكرْ هذه الجملة، واعرفْ هذه النعمة، وكنْ من الشاكرين، ولا تتعرضْ لمقام الشكوى، وفي معناه أنشدوا: شعر : إنْ أعرضوا فهم الذين تَعَطَّفُوا وإنْ جَنَوْا فاصبرْ لهم إن أخلفوا تفسير : وفي قوله سبحانه: {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} إشارة لطيفة كأنه قال: لا تكن من الشاكين، أي إِنْ منعتُكَ عن سُؤْلِك، ولم أعْطِك مطلوبَك فلا تَشْكُنِى إذا انصرفتَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {قال} الله تعالى لموسى حين قال تبت اليك وانا اول المؤمنين {يا موسى} ان منعتك الرؤية لصلاح حالك وبقاء ذاتك فلا تكن مغمورا محزونا لذلك {انى اصطفيتك} اى اخترتك واتخذتك قوة وآثرتك {على الناس} اى الموجودين فى زمانك وهارون وان كان نبيا واكبر منه سنا كان مأمورا باتباعه وما كان كليما ولاصاحب شرع او على الناس جميعا لان الرسالة مع الكلام ولم يحصل هذا المجموع لغيره وانما قال على الناس ولم يقل على الخلق لان الملائكة قد سمعوا كلامه تعالى من غير واسطة كما سمعه موسى عليه السلام {برسالاتى} جمع الرسالة وفى الاصل مصدر بمعنى الارسال والمراد به هنا الشيء المرسل به الى الغير وهو اسفار التوراة جمع سفر بمعنمى الكتاب يقال سفره اذا كتبه والواح التوراة اسفار من حيث انها كتبت فيها التوراة {وبكلامى} اى وبتكلمى اياك بلا واسطة وقيل المضاف محذوف اى وسماع كلامى وهذا يرد قول من يقول ان السبعين الذين اختارهم موسى سمعوا كلام الله تعالى لان فى الآية بيان الاصطفاء وهو تنصيص على التخصيص. واعلم ان كل نبى قد اصطفاه الله على الخلق بنوع او نوعين او انواع من الكمال عند خلقته وركب فى ذرة طينته استعداده لظهور ذلك النوع من الكمال حين خمر طينة آدم بيده فاصطفى موسى بالرسالة والمكالمة دون نوح وكمال الرؤية مخصوص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وامته حتى استدعى موسى لنيل مقام رؤية ربه فقال اللهم اجعلنى من اصحابه - روى - انه لما كان كلم الله تعالى موسى عليه السلام يوم الطور كان على موسى جبة من صوف مخللة بالعيدان محزوم وسطه بشريط ليف وهو قائم على الجبل وقد اسند ظهره الى صخرة من الجبل فقال الله يا موسى انى قد اقمتك مقاما لم يقمه احد قبلك ولا يقومه احد بعدك وقربتك نجيا فقال موسى عليه السلام يا رب فلم اقمتنى هذا المقام قال لتواضعك يا موسى فلما سمع موسى لذاذة الكلام من ربه نادى الهى أقريب فاناجيك ام بعيد فاناديك قال يا موسى انا جليس من ذكرنى وكان موسى عليه السلام بعدما كلمه الله تعالى لا يستطيع احد ان ينظر اليه لما غشى وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات - ويروى - ان امرأته قالت له انا ايم منك اى كأنى بلا زوج منذ كلمك ربك فكشف لها عن وجهه فاخذها مثل شعاع الشمس فوضعت يدها على وجهها ساعة وقالت ادع الله ان يجعلنى زوجتك فى الجنة قال ذاك ان لم تتزوجى بعدى فان المرأة لآخر ازواجها. وقيل ان الرجل اذا تبكر بالمرأة تزوجها فى الجنة. وقيل انها تكون لاحسن ازواجها خلقا ومن خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم تحريم ازواجه اللاتى توفى عنهن على غيره ابدا {فخذ ما آتيتك} اى اعطيتك من شرف النبوة والحكمة {وكن من الشاكرين} على النعمة. وفى التأويلات النجمية {فخذ ما آتيتك} يعنى ما ركبت فيك استعداده واصطفيتك به من الرسالة والمكالمة {وكن من الشاكرين} فان الشكر يبلغك الى ما سألت من الرؤية لان الشكر يستدعى الزيادة لقوله تعالى {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم} تفسير : [إبراهيم: 7]. والزيادة هى الرؤية لقوله تعالى {أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} تفسير : [يونس: 26]. وقال عليه السلام "حديث : الزيادة هى الرؤية والحسنى هى الجنة ".

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الرُّشد والرَّشَد: لغتان، قُرىء بهما. يقول الحقّ جلّ جلاله: {قال يا موسى إني اصطفيتُك} اخترتك {على الناس} الموجودين في زمانك، وهارون، وإن كان نبيًا، كان مأمورًا باتباعه، ولم يكن كليما ولا صاحب شرع. فقد اصطفيتك على أهل زمانك {برسالتي} لك إليهم، ومن قرأ بالجمع فالمراد: أوقات التبليغ بأنواع الأحكام أو أسفار التوراة، {و} خصصتك {بكلامي}، وقد شاركه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع زيادة الرؤية، {فخُذ ما آتيتك} أي: أعطيتك من الرسالة والتكليم، وأقنع بهما ولا تطلب غير ذلك، {وكن من الشاكرين} على هذه النعمة، وفيه نوع تأديب له. رُوِي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وأعطاه التوراة يوم النحر. قال تعالى: {وكتبنا له في الألواح من كل شيءٍ} يحتاجون إليه {موعظةً} أي: تذكيرًا {وتفصيلاً لكل شيءٍ} يتوقفون عليه في الأحكام والوعظ. واختلف في الألواح: هل كانت سبعة أو عشرة أو اثنين، وهل كانت من زمرد أو زبرجد أو ياقوت أحمر، أو خشب، أو صخرة صماء، شقها الله تعالى لموسى عليه السلام فقطعها بيده، وكان فيها التوراة. قال تعالى لموسى عليه السلام: {فخُذهَا} أي: الألواح أو الرسالة {بقوة} أي: بجد واجتهاد، {وأْمُرْ قومكَ يأخذوا بأحسنها} بأحسن ما فيها، فإن فيها ما هو حسن وأحسن منه؛ كالقصاص مع العفو، أو بواجباتها، فإن الواجب أفضل من المندوب، وهذا كقوله في كتابنا: {أية : وَاتَّبِعُوَاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِكُم }تفسير : [الزُّمَر:55]، ويجوز أن يراد بالأحسن: البالغ في الحسن مطلقًا، لا بالإضافة إلى غيره، كقولهم: الصيف أحر من الشتاء، فيكون الأمر بأخذ كل ما فيها لأنه بالغ الحسن، ثم بشرهم بخراب ملك عدوهم، فقال: {سأُريكُم دارَ الفاسقين} أي: دار فرعون وقومه خاوية على عروشها، أي: أريكم كيف أقفَرَت منهم لمّا هلكوا، وقيل: منازل عاد وثمود ومن هلك من الأمم، لتعتبروا بها، وقيل: جهنم. وقرأ ابن عباس: "سأورثكم" بالثاء المثلثة، كقوله: {أية : وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِى إِسْرَآءِيلَ }تفسير : [الشُّعَرَاء:59]. {سَأصرِفُ عن آياتي} المنصوبة في الآفاق والأنفس الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا من عجائب المصنوعات فلا يتفكرون فيها، أو القرآن وغيره من الكتب، أصرفُ عنها {الذين يتكبّرون في الأرض} بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون، ولا يؤمنون بها، عقوبة لهم على تكبرهم، وقيل: الصرف: منعهم من إبطالها وإطفاء نورها، وإن اجتهدوا، كما فعل فرعون وغيره، فعاد عليهم بإعلائها وإظهار نورها، وذلك التكبر صدر منهم {بغير الحق} أي: تكبروا بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل. {وإن يروا كل آية} مُنزلةٍ أو معجزة {لا يُؤمنوا بها} لعنادهم، واختلال نظرهم، بسبب انهماكهم في الهوى وحب الجاه، {وإن يَرَوا سبيل الرُّشد} أي: طريق الصواب والحق {لا يتخذوه سبيلاً} لاستيلاء الشيطان عليهم، {وإن يَرَوا سبيلَ الغيِّ} أي: الظلال {يتخذوه سبيلاً} أي: يسلكونه ويتبعونه، لأن سجيتهم الضلال، {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم الآيات. {والذين كذَّبوا بآياتنا ولقاءِ الآخرة} أي: وبلقائهم الدار الآخرة، أو: ما وعد الله في الآخرة، {حَبِطَت أعمالُهم} لا ينتفعون بها، {هل يُجزَون إلا ما كانوا يعملون} أي: لا يجزون إلا مقدار أعمالهم {أية : وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } تفسير : [الكهف:49]. الإشارة: كل من أقامه الله في مقام من المقامات، أو حال من الأحوال، كيفما كان، يقال له: خذ ما آتيتك، واقنع بما أوليتك، وكن من الشاكرين عليه، وإلا سلبناك ما أعطيناك، فالرضا بالقسمة واجب، وطلب باب الفضل والكرم لازب، والأمر مُبهم، والعواقب مُغيبة، ومنتهى المقام على التعيين لا يعلم إلا بعد الموت. وقوله تعالى: {فخذها بقوة} أي: بجد واجتهاد. قال في الإحياء: الأخذ بالجد أن يكون القارىء متجردًا لله عند قراءته، منصرف الهمّة إليه عن غيره، وهو يشير للحضور. وقول تعالى: {يأخذوا بأحسنها} قال الورتجبي: يأخذون بأبينها لهم، وهي المحكمات التي توجب العبودية، ويأخذون بمتشابهها التي هي وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها، لأن علومها وحقائقها لا تكشف إلا للربانيين. قال تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالْرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ...}تفسير : [آل عِمرَان:7] الآية. هـ. وقوله تعالى: {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض}. قال القشيري: سأحرِمُ المتكبرين بركة الاتباع، حتى لا يتلقوا الآيات التي يُكاشَفَون بها بالقبول، ولا يسمعوا ما يُخَاطَبُون به بسمع الإيمان. هـ. ثم شرع في ذكر مساوئ بني إسرائيل فبدأ بعبادتهم العجل، فقال: {وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الحجاز، وروح "برسالتي" على التوحيد. الباقون {برسالاتي} على الجمع. والرسالة تجري مجرى المصدر فتفرد في موضع الجمع، وإِن لم يكن المصدر من (أرسل) يدلك على أنه جار مجراه قول الأعشى: شعر : ففادك بالخيل أرض العدو وجذعانها كلقيطة العجم تفسير : فاعماله إِياها إِعمال المصدر بذلك على أنه يجري مجراه، والمصدر قد يقع لفظ الواحد فيه والمراد به الكثرة، وكان المعنى على الجمع لأنه مرسل لضروب من الرسالة، والمصادر قد تجمع مثل الحلوم والألباب. وقال تعالى {أية : إِن أنكر الأصوات لصوت الحمير}تفسير : فجمع الأصوات لما أريد بها أجناس مختلفة صوت الحمار بعضها، فأفرد صوت الحمار، وإِن كان المراد به الكثرة، لأنه صوت واحد. أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه نادى موسى (ع) وقال له {يا موسى إِني اصطفيتك} ومعنى الاصطفاء استخلاص الصفوة لما لها من الفضيلة. والفضائل على وجوه كثيرة: أجلها قبول الاخلاق الكريمة والأفعال الجميلة، ولهذا المعنى اصطفي موسى (ع) حتى استحق الرسالة، وأن يكلم بتلقين الحكمة. وقوله تعالى {برسالاتي وبكلامي} فيه بيان ما به اصطفاه وهو أن جعله نبياً وخصه بكلامه بلا واسطة، وهما نعمتان عظيمتان منه تعالى عليه، فلذلك امتن بهما عليه، وإِنما صار في كلام الجليل نعمة على المكلم، لأنه كلمه بتعليم الحكمة من غير واسطة بينه وبين موسى، ومن أخذ العلم عن العالم المعظم كان أجل رتبة، ولو كلم إِنساناً بالانتهار والاستخفاف، لكان نقمة عليه بالضد من تلك الحال. وقوله تعالى {فخذ ما آتيتك} معناه تناول ما أعطيتك {وكن من الشاكرين} يعني من المعترفين بنعمتي، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع القيام بحقها على حسب مرتبتها، فاذا كانت من أعظم النعم، وجب أن تقابل بأعظم الشكر، وهو شكر العباد لله وحده على وجه الاخلاص له.

الجنابذي

تفسير : {قَالَ} الله تعالى بعد ما اندكّ جبل انّيّته ومات عن انانيّته ثمّ احياه الله بحيوةٍ اخرى غير الحيوة الاولى واستحقّ اعطاء كتاب النّبوّة {يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي} يعنى بما به الرّسالة ولذا جمعه وهو اسفار التّوارة او احكام التّوارة {وَبِكَلاَمِي} اى بشرافة كونك كليماً لي {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} من التّوارة او احكام الرّسالة اطلق الاخذ هنا وقيّده فيما بعد وفى قصّة يحيى وفى قصّة رفع الجبل فوق بنى اسرائيل بقوله بقوّة للاشارة الى عدم الحاجة اليها هنا لقوّة الآخذ وعدم حاجة المأخوذ الى قوّةٍ وللاشارة الى قوّةٍ المأخوذ وضعف الآخذ فى قصّة يحيى وقصّة بنى اسرائيل {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} بصرفه لاهله ومنعه من غير اهله، وروى انّ سؤال الرّؤية كان يوم عرفة واعطاء التّوارة يوم النّحر.

الهواري

تفسير : قوله: {قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ} أي اخترتك {عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا ءَاتَيْتُكَ} أي ما أعطيتك {وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ} أي لأَنْعُمِي عليك. قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} قال الحسن: تفصيلاً من الحلال والحرام والأحكام والهدى والضلالة. وقال مجاهد: ما أمروا به وما نهو عنه، وهو واحد. قال: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي بجد. قال بعض العلماء: إن الله يحب أن يؤخذ أمره بقوة، والقوة: الجد. {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} وأحسنها أن يأخذوا بما أمرهم الله به وأن ينتهوا عما نهاهم الله عنه. {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ}، يعني دار فرعون وقومه، يريد مصر، يعني منازلهم في الدنيا في تفسير بعضهم. قال: فأراهم الله إياها. كقوله: (أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) تفسير : [الشعراء:59]. وقال مجاهد: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفَاسِقِينَ} أي مصيرهم في الآخرة.

اطفيش

تفسير : {قالَ يا مُوسَى إنِّى} وفتح الياء ابن كثير وأبو عمرو {اصْطفيتُكَ} اخترتك، وإنما يستعمل فى الخير، لا يقال اصطفاه لشر، وطاؤه عن تاء للصاد قبلها {عَلَى النَّاسِ} الذين ليسوا رسلا {بِرِسَالاتى وبكلامى} بلا واسطة ناطق به، بل مخلوقا فى الهواء، أو فى جرم، وأما الرسل فمصطفى عليهم بالكلام المذكور فقط، وأما آدم فإنه، ولو كلم له، ففى الجنة أو كلامه له بمواسطة ملك، وأما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنه ولو كلمه لكن ليلة الإسراء، فإما فى سماء وإما فى منام، وقيل: بواسطة ملك وليس ذلك تفضيلا لموسى على محمد صلى الله على سيدنا محمد وموسى وسلم، وكم من مفضول خص بما ليس لفاضل، وكثيرا ما تجد عند أحد من الرعية ما ليس للملك، فمعنى اختيار موسى بذلك اختصاصه به، بل كما تعطى عبدك العظيم شيئا عظيما فى بعض الأوقات، لم تعطه لعبدك الأعظم، بل يقال: الكلام ليلة الإسراء فى سماء بلا واسطة أفضل. وعلى هذا، فالمراد بالناس من فى زمانه كما فضل قومه على عالمى زمانه، وهارون ولو كان نبيا رسولا لكن مأمور باتباع موسى، وليس أصيلا فى حمل الرسالة، ولا كليما، وقد يقال: الاصطفاء بمجموع الرسالة والكلام، لكن هذا لا يكفى فإن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول مكلم، إلا إن قيل: كلم بواسطة أو فى يوم أو البحث فى الكلام فى الأرض، والذى اختاره بعض أن المراد بالناس من فى زمانه. {فخُذْ ما آتيتُكَ} أخذ من يأخذ شيئا متبحبحا ومغتبطا، والمراد الرسالة والكلام والمعجزات {وكُنْ مِنَ الشَّاكِرينَ} الله على الإنعام وقرأ غير نافع وابن كثير برسالاتى بالجمع، لأنه أرسل بضروب وأرسل إليه فى أوقات، ووجه الإفراد أن المصدر صالح للكثير، وقرأ أبو رجاء برسالتى بالإفراد، وبكلمى بالجمع، وقرأ الأعمش برسالاتى وبكلمى بجمعهما. وحى عنه المهدوى وبتكليمى وهو المراد بكلامى، وذلك مجرد تعديد للنعم، وقيل تسلية له عما فاته من الرؤية وهو باطل، فإنه منكر لها، وإنما سألها ليزجر قومه بمنعها بأن يسمعوا المنع بالوحى. وقال كعب: نظر موسى فى التوراة فقال: يا رب إنى أجد أمة خير الأمم أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويؤمنون بالكتاب الأول والآخر، ويسارعون فى الطاعة، ويقاتلون أهل الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الدجال؟ رب اجعلهم أمتى قال: هى أمة محمد، وفى رواية جعل مسألة القتال والإيمان بالكتاب الأول والآخر مسألة على حدة مجابا عنها بما ذكر من أنهم أمة محمد. وقال يا رب: إنى أجد فى الألواح أمة هم الأولون، أى دخولا الجنة، والآخرون أى زمانا؟ قال: هم أمة محمد، فقال: يا رب إنى لأجد أمة هم الحامدون رعاة الشمس المحكمون إذا أرادوا أمرا قالوا: نفعل إن شاء الله، فاجعلهم أمتى؟ قال: هى أمة محمد، قال: يا رب إنى أجد أمة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم ومال المشركين، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم وغنائمهم بالنار، أو تنزل من السماء نار أو مثلها فتحرق غير أن موسى كان يجمع صدقات بنى إسرائيل والغنائم، ولا يجد إنسانا مملوكا إلا اشتراه ثم أعتقه، وما فضل منها يحفر له حفرة عميقة، ويلقيه فيها كى لا يرجعوا فيها وهم المستجيبون، والمستجاب لهم وهم الشافعون والمشفعون، يا رب اجعلهم أمتى؟ قال هم أمة محمد. قال: يا رب إنى أجد أمة إذا أشرف أحدهم على شرف كبر الله، وإذا هبط حمده، الصعيد لهم طهور، والأرض مسجد غر محجلون من أثر الوضوء فاجعلهم أمتى؟ قال: هم أمة محمد، قال: يا رب إنى أجد أمة إذا هَمَّ أحدهم بحسنة ولم يعملها كتب له حسنة، وإن عملها ضوعفت له عشراً إلى سبعمائة، وإذا هَمَّ بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت له واحدة، فاجعلهم أمتى؟ قال: هم أمة محمد. قال: يا رب إنى أجد أمة مرحومة ضعفاء، يؤتون الزكاة ويرثون الكتاب، واصطفاهم الله، ومنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات، وكل أولئك يدخلون الجنة فاجعلهم أمتى؟ قال هم أمة محمد، قال: يا رب إنى أجد أمة مصاحفهم فى صدورهم، يلبسون ألوان ثياب أهل الجنة، ويصطفُّون فى صلاتهم كصفوف الملائكة، أصواتهم فى مساجدهم كدوى النحل، لا يدخل أحد منهم النار إلا مثل ما يرى الحجر من وراء البحر. ويأتى تفسير هذا إن شاء الله - فاجعلهم أمتى؟ قال: هم أمة محمد، فقال: يا ليتنى من أمة محمد، وقيل: قال: اللهم اجعلنى منهم، فأوحى الله إليه يرضيه: يا موسى إنى اصطفيك إلى دار الفاسقين، وأوحى إليه: {ومن قوم موسى أمة} إلى {يعدلون} فرضى كل الرضا. ولم يعط الله لأمة ما أعطى هذه من الحفظ، وروى أن كعبا رضى الله عنه رأى حبرا يبكى فقال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت بعض الأمر، فقال كعب: أنشدتك الله إن أخبرتك بما أبكاك تصدقنى؟ قال: نعم، فذكر له ما مر عن التوراة وكلام موسى فى الأمة أنشدك الله، هل تجد فى كتاب الله المنزل كذا؟ أنشدك الله هل تجد كذا إلى آخر ما مر قطعة قطعة كما مر.

اطفيش

تفسير : {قَالَ يَا مُوسَى} تسل عما أَصابك من الصعق وغيره مما تكره بإِرسالى إِياك، وبكلامى كما قال {إِنِّى اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ} ناس زمانك المؤمنين المخلصين، كما أَن قوله {أية : وأَنى فضلتكم على العالمين} تفسير : [البقرة: 47] مراد به ناس زمانهم لا كل من يجئ ولا الملائكة، إِلا ما فيه تفضيل، وأَما الملائكة فلهم كلام الله بلا واسطة تارة وبها أخرى، وبعض بها وبعض بدونها، وقيل: سمعه السبعون معه، لأَنهم أحضروا ليخبروا، ولما سمعوه طلبوا أَن يرى الله سبحانه فيروه معه. وعن ابن عباس: قعدوا أَسفل الجبل وصعد ولم يسمعوا {بِرِسَالاَتِى وَبِكَلاَمِى} لك بلا واسطة ملك، أَما هارون عليه الصلاة والسلام فتبع له لا مختص بكتاب، ولا متكلم له، وشرعه شرع موسى، والرسل كلهم شاركوه فى الرسالة، لكن زاد عليهم بكلام الله عز وجل بلا واسطة، كلم الله عز وجل وسبحانه وتعالى سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، والقرآن ناطق بأَن هذه الأُمة خير أمة فما نبيها إِلا خير الأَنبياء، وليس موسى أَعظم من إِبراهيم، ولكن قد يؤتى المفضول ما لم يؤت الفاضل، قال سبحانه: يا موسى إِنما كلمتك لأَنى لم أَخلق خلقاً تواضع إِلى تواضعك، والرسالة الإِرسال، ونفس ما أرسل به، أَو المراد تبليغ رسالتى، والكلام التكليم، "أية : وكلم الله موسى تكليماً" تفسير : [النساء: 164] أَو التوراة، كما يسمى القرآن كلام الله تسمية بالمصدر، ومعلوم أَنه لم يؤت رسول كتاباً مثل التوراة إِلا القرآن، فإِنه أَفضل بإِذن الله، وحاكم عليها، وقدم الرسالة على الكلام لأَنها أَسبق، أَو ليترقى الكلام إِلى الأَشرف، فإِن التوراة والتكليم أَعلى من باقى الوحى إِليه، وأَعاد الباءَ تنبيهاً على مغايرة الكلام للرسالة، قال ابن عباس: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: "حديث : ناجى موسى ربه بمائة أَلف وأَربعين أَلف كلمة فى ثلاثة أَيام كلها وصايا، فكان فيما ناجاه: يا موسى، لم يتصف المتصفون بمثل الزهد فى الدنيا، ولم يتقرب المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم، ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خيفتى، أَما الزاهدون فى الدنيا فأَبيحهم جنتى حتى يتبوأوا فيها على أَطيب عيش وأَرغده، وأَما الورعون عما حرمت عليهم فإِذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إِلا ناقشته الحساب إِلا الورعين فإِنى أَجلهم وأَكرمهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأَما الباكون من خشيتى فأُولئك لهم الرفيق الأَعلى لا يشاركون فيه، وأَحب الأَعمال إِلَىَّ ذكرى، والأَتقى الذى يذكرنى ولا ينسانى، والأَغنى الذى يقنع بما يؤتى، والأَفضل الذى يحكم بالحق ولا يتبع الهوى، والأَعلم الذى يطلب علم الناس إِلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى أَو ترده عن ردى، والأَحب إِلىّ عملا الذى لا يكذب لسانه، ولا يزنى فرجه، ولا يفجر قلبه. ويليه قلب مؤمن فى خلق حسن، والأَبغض قلب كافر فى خلق سئ، ويليه جيفة بالليل بطال بالنهار. اذكرنى يا موسى بلا إِله إِلا الله، اذكرنى بلا إِله إِلا الله، لو أَن السماوات والأَرضين وما فيهن فى كفة ولا إِله إِلا الله فى كفة مال بهن لا إِله إِلا الله"تفسير : ، {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ} من الفضل المطلق، والرسالة والتوراة والكلام، {وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} لنعمتى، قال موسى: يا رب دلنى على عمل أَشكرك به، فقال تعالى: حديث : "قل لا إِله إِلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير" تفسير : لو أَن السماوات السبع والأَرضين السبع فى كفة وهذا الذكر فى كفة لمال بهن.

الالوسي

تفسير : {قَالَ يَـا مُوسَىٰ} استئناف مسوق لتسليته عليه السلام من عدم الإجابة إلى سؤاله على ما اقتضته الحكمة كأنه قيل: إن منعتك الرؤية فقد أعطيتك من النعم العظام ما أعطيتك فاغتنمه وثابر على شكره {إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ} أي اخترتك وهو افتعال من الصفوة بمعنى الخيار والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر {عَلَى ٱلنَّاسِ} الموجودين في زمانك وهذا كما فضل قومه على عالمي زمانهم في قوله سبحانه: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] {بِرِسَـٰلَـٰتِي} أي بأسفار التوراة. وقرأ أهل الحجاز. وروح (برسالتي) {وَبِكَلَـٰمِي} أي بتكليمي إياك بغير واسطة أو الكلام على حذف مضاف أي بإسماع كلامي والمراد فضلتك بمجموع هذين الأمرين فلا يرد هارون عليه السلام لأنه لم يكن كليماً على أن رسالته كانت تبعية أيضاً وكان مأموراً باتباع موسى عليه السلام وكذلك لا يرد السبعون الذين كانوا معه عليه السلام في هذا الميقات في قول لأنهم وإن سمعوا الخطاب إلا أنهم ليس لهم من الرسالة شيء على أن المقصود بالتكليم الموجه إليه الخطاب هو موسى عليه السلام دونهم وبتخصيص الناس بما علمت خرج النبـي صلى الله عليه وسلم فلا يرد أن مجموع الرسالة والتكليم بغير واسطة وجد له عليه الصلاة والسلام أيضاً على الصحيح، على إنا لو قلنا بأن التكليم بغير واسطة مخصوص به عليه السلام من بين الأنبياء صلى الله عليه وسلم لا يلزم منه تفضيله من كل الوجوه على غيره كنبينا عليه الصلاة والسلام فقد يوجد في الفاضل ما لا يوجد في الأفضل وإنما كان الكلام بلا واسطة سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد قالوا شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقربه إليه بلطفه تقريباً وبين من ضرب له الحجاب والحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب، على أن من ذاق طعم المحبة ولو بطرف اللسان يعلم ما في تكليم المحبوب بغير واسطة من اللطف العظيم والبر الجسيم، وكلامه جل شأنه لموسى عليه السلام في ذلك الميقات كثير على ما دلت عليه الآثار، وقد سبق لك ما يدل على كميته من حديث أبـي هريرة. وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»، والبيهقي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله تعالى شأنه ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام فلما سمع كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل فكان فيما ناجاه أن قال: يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا ولم يتقرب إلى المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي فقال موسى: يا رب وإله البرية كلها ويا مالك يوم الدين ويا ذا الجلال والإكرام ماذا أعددت لهم وماذا جزيتهم؟ / قال: أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوأوا فيها حيث شاءوا وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فإنى أجلهم وأكرمهم وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم فيه أحد».تفسير : وأخرج آدم بن أبـي إياس في «كتاب العلم» عن ابن مسعود قال: لما قرب الله تعالى موسى نجياً أبصر في ظل العرش رجلاً فغبطه بمكانه فسأله عنه فلم يخبره باسمه وأخبره بعلمه فقال له: هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما أتاهم الله تعالى من فضله براً بالوالدين، لا يمشي بالنميمة ثم قال الله تعالى: يا موسى ما جئت تطلب؟ قال: جئت أطلب الهدى يا رب. قال: قد وجدت يا موسى. فقال: رب اغفر لي ما مضى من ذنوبـي وما غبر وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني وأعوذ بك من وسوسة نفسي وسوء عملي فقيل له: قد كفيت يا موسى. قال: يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمله؟ قال: اذكرني يا موسى. قال رب: أي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال رب: أي عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنع بما يؤتى. قال رب: أي عبادك أفضل؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى. قال: رب أي عبادك أحب إليك عملاً؟ قال: الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه. قال: رب ثم أي على أثر هذا؟ قال: قلب مؤمن في خلق حسن. قال رب: أي عبادك أبغض إليك؟ قال: قلب كافر في خلق سيء. قال: رب ثم أي على أثر هذا؟ قال: جيفة بالليل بطال بالنهار، وأخرج البيهقي في «الأسماء والصفات» وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه عن أبـي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قال موسى: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به؟ قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقول هذا. قال: قل لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا أنت يا رب. إنما أريد شيئاً تخصني به. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا اللهتفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن أبـي هريرة قال: لما ارتقى موسى طور سيناء رأى الجبار في أصبعه خاتماً فقال له: هل مكتوب عليه شيء من أسمائي أو كلامي؟ قال: لا. قال فاكتب عليه {أية : لكل أجل كتاب} تفسير : [الرعد: 38] وأخرج ابن أبـي حاتم عن العلاء بن كثير قال: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم كلمتك؟ قال: لا يا رب قال: لأني لم أخلق خلقاً تواضع لي تواضعك. وللقصاص أخبار كثيرة موضوعة في أسئلة موسى عليه السلام ربه وأجوبته جل شأنه له لا ينبغي لمسلم التصديق بها. {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ} أي أعطيتك من شرف الاصطفاء {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} أي معدوداً في عدادهم بأن يكون لك مساهمة كاملة فيهم، وحاصله كن بليغ الشكر فإن ما أنعمت به عليك من أجل النعم. أخرج ابن أبـي شيبة عن كعب أنه قال قال موسى عليه السلام: يا رب دلني على عمل إذا عملته كان شكراً لك فيما اصطنعت إلي، قال: يا موسى قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. قال: فكأن موسى أراد من العمل ما هو أنهك لجسمه مما أمر به فقال له: يا موسى لو أن السماوات السبع الخبر وهو في معنى ما في خبر أبـي سعيد.

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰمُوسَىٰ} {بِرِسَالاَتِي} {وَبِكَلاَمِي} {آتَيْتُكَ} {ٱلشَّاكِرِينَ} (144) - فَخَاطَبَ اللهُ تَعَالَى مُوسَى، عَلَيهِ السَّلام، وَقَالَ لَهُ: إِنّي اخْتَرْتُكَ وَاصْطَفَيْتُكَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ زَمَانِكَ بِأَنْ كَلَّمْتُكَ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَلَمْ أُوحِ إِليكَ وَحْياً بِواسِطَةِ مَلَكٍ، وَبِأَنْ جَعَلْتُكَ مُرْسَلاً، فَتَمَسَّكْ بِالتَّوراةِ التِي آتَيْتُكَ إِيّاهَا، وَاعْمَلَ بِمَا جَاءَ فِيها مِنَ الأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ، وَاشْكُرْ نِعْمَتي، عَلَيكَ وَعَلَى قَوْمِكَ، بِإِقَامَةِ التَّوراةِ وَالأَحْكَامِ، بِقُوّةٍ وَعَزْمٍ، وَبِالعَمَلِ بِهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والاصطفاء هو استخلاص الصفوة، وقوله: {ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} تعبير فيه دقة الأداء لأنه لو قال اصطفيتك فقط، ولم يقل على الناس، فقد يُفهم الاصطفاء على الملائكة أيضاً. ولكن الاصطفاء هنا محدد في دائرة الاصطفاء البشري: {إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}. ولقائل أن يقول: إن الحق اصطفى غيره أيضاً من الرسل، والحق هو القائل: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً...} تفسير : [آل عمران: 33] ونقول: هناك فرق بين اصطفاء رسالة منفردة، وبين اصطفاء في رسالة ومعها شيء زائد، وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - فإذا جئت كمدرس لتلاميذ وأعطيت واحداً منهم هدية عبارة عن قلم كمكافأة، ثم أعطيت الثاني قلماً وزجاجة حبر، أنت بذلك اصطفيت التلميذ الأول بهدية القلم، واصطفيت الآخر باجتماع قلم وزجاجة حبر في هدية واحدة. والاصطفاء هنا لموسى بالرسالة كما اصطفى غيره من الرسل بالإضافة إلى شرف الكلام: {ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي}. وعرفنا من قبل أن "رسالاتي" هي في مجموعها رسالة واحدة، ولكن الرسالة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرت جزئياتها ثلاثاً وعشرين سنة في النزول، فكأن كل نجم رسالة، أو كل باب من أبواب الخير رسالة، فهي رسالات متعددة، أو أن رسالته جمعت رسالات السابقين: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] أي لا تنظر إلى ما منعتك، بل اذكر أني اصطفيتك وكلمتك وعليك أن تشكر لي هذا. ولذلك يجب على الإِنسان المؤمن حين يتلقى قضاء الله فيه أن ينظر دائماً إلى ما بقي له من النعم. لا إلى ما سلب عنه من النعم. ولذلك نجد المؤمن المتفاءل ينظر إلى الكوب الذي نصفه مملوء بالماء فيقول: الحمد لله نصف الكوب ملآن. أما المتشائم فيقول: إن نصف الكوب فارغ، وبرغم أن كُلاًّ منهما يقرر الحقيقة إلا أن المؤمن المتفائل نظر إلى ما بقي من نعم الله. إننا نجد ابن جعفر حين ذهب للخليفة الأموي في دمشق وجرحت رجله في أثناء السير من المدينة إلى دمشق، ولم تكن هناك عناية طبية فتقيحت، وحين أحضروا له الأطباء وقرروا قطع رجله، قال بعض الحاضرين: التمسوا له مرقداً أي دواء تخدير يجعله لا يحس بالألم، فقال: لا، فإني لا أريد أن أغفل عن ربي لحظة عين، فلما قطعوها أخذوها ليدفنوها، فقال هاتوها. فأحضروها له وأمسك بها وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء. هذه نظرة المؤمن الذي لا ينظر إلى ما أُخذ منه بل ينظر إلى ما بقي له. وكذلك كان توجيه الحق لموسى عليه السلام، فقد أوضح له: لا تنظر إلى أني منعتك الرؤية، لا، بل انظر الاصطفاء وشرف الكلمة إلى الخالق واشكر ذلك. ويقول الحق بعد ذلك: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ...}

الأندلسي

تفسير : {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ} لما طلب موسى عليه السلام الرؤية ومنعها عدد تعالى وجود نعمه العظيمة عليه وأمره أن يشتغل بشكرها وهذه تسلية منه تعالى له. و{عَلَى ٱلنَّاسِ} لفظ عام ومعناه الخصوص أي على أهل زمانك، وقدم {بِرِسَالاَتِي} على و{بِكَلاَمِي} لأن الرسالة أسبق في الزمان، أو لأنه انتقل من شريف إلى أشرف وأمره تعالى بأن يأخذ ما آتاه من النبوة لأن في الأمر بالأخذ مزيد تأكيد وحصول أجر بالامتثال، والمعنى خذ ما آتيتك باجتهاد في تبليغه وجد في النفع به. {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} على ما آتيناك وفي ذلك إشارة إلى القنع والرضى بما أعطاه الله تعالى والشكر عليه. {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ} أي أمرنا له بالكتابة، فأضاف الكتابة إلى نفسه تعالى لما كان آمراً بالكتابة، والضمير في له عائد على موسى والألواح جمع قلة والألف واللام فيها للعهد إذ عني بها ألواح موسى عليه السلام. قيل: والضمير نابت عنه الألف واللام أي في ألواحه. {مِن كُلِّ شَيْءٍ} محتاج إليه في شريعتهم. {مَّوْعِظَةً} للازدجار والاعتبار. {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} من التكاليف الحلال والحرام والأمر والنهي والقصص والعقائد والاخبار بالمغيبات. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} الظاهر أن الضمير في خذها عائد على الألواح. ومعنى بقوة قال ابن عباس: بجد واجتهاد فعل أولي العزم. وقال أيضاً: أمر أن يأخذ بأشد مما أمر به قومه. وقوله: {بِأَحْسَنِهَا} ظاهره أنه أفعل التفضيل وفيها الحسن والأحسن كالقصاص والعفو والانتصار والصبر. {سَأُوْرِيكُمْ} الإراءة هنا من رؤية العين، ولذلك تعدت إلى اثنين. و{دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} هي مصر وثم حال محذوفة تقديره مُدمرة. ألا ترى إلى قوله: {أية : وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} تفسير : [الأعراف: 137]. قال الزمخشري: كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم. "انتهى". وقرأ الحسن سأوْريكم بواو ساكنة بعد الهمزة على ما يقتضيه رسم المصحف ووجهت همزة القراءة بوجهين: أحدهما، ما ذكره أبو الفتح وهو أنه أشبع الضمة ومطها فنشأ عنها الواو. وقال ويحسّن احتمال الواو، وقال: ويحسّن احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه. "انتهى". فيكون كقوله: أدنو فانظور، أي فانظر، وهذا التوجيه ضعيف لأن الاشباع بابه ضرورة الشعر. والثاني، ما ذكره الزمخشري قال: وقرأ الحسن سأوريكم وهي لغة فاشية بالحجاز. يقال: أوْرني كذا وأوريته فوجهه أن يكون من أوريته الزَنْد كان المعنى بيّنه لي وأنِرْهُ لأستبينه. "انتهى". وهي أيضاً في لغة أهل الأندلس كأنهم تلقفوها من لغة الحجاز وبقيت في لسانهم إلى الآن وينبغي أن ينظر في تحقيق هذه اللغة أهي في لغة الحجاز أم لا. وقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير سأورْتَكم. قال الزمخشري: وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ}تفسير : [الأعراف: 137]. {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي} لما ذكر سأوريكم دار الفاسقين ذكر ما يفعل بهم من صرفه إياهم عن آياته لفسقهم وخروجهم عن طورهم إلى وصف ليس لهم. ثم ذكر تعالى من أحوالهم ما استحقوا به اسم الفسق. {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} صرفهم هذا الوصف الذميم وهو التكبر عن الإِيمان حتى لو عرضت عليهم كل آية لم يروها آية فيؤمنوا بها وهذا حتم منه تعالى على الطائفة التي قدر أن لا يؤمنوا. {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ} الآية أراهم الله تعالى السبيلين فرأوهما فآثروا الغي على الرشد، كقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ}تفسير : [فصلت: 17]. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي ذلك الصرف عن الآيات هو بسبب تكذيبهم بها وغفلتهم عن النظر فيها والتفكر في دلالتها، والمعنى أنهم استمر تكذيبهم وصار لهم ذلك دَيْدَنا حتى صارت تلك الآيات لا تَخطُر لهم ببال فحصلت الغفلة عنها والنسيان لها حتى كانوا لا يذكرونها ولا شيئاً منها. والظاهر أن الصرف سببه التكذيب والغفلة من جميعهم، ويحتمل أن الصرف سببه التكذيب. ويكون قوله: {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} إستئناف أخبار منه تعالى عنهم أي من شأنهم أنهم كانوا غافلين عن الآيات وتدبرها فأورثتهم الغفلة التكذيب بها. والظاهر أن ذلك مبتدأ وخبره بأنهم أي ذلك الصرف كائن بأنهم كذبوا. وجوزوا أن يكون منصوباً فقدره ابن عطية فعلنا ذلك، وقدره الزمخشري صرفهم الله تعالى ذلك الصرف بعينه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [144] 206- أنا حميد بن مسعدة، نا بشر، نا داود، عن عامر، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لقي موسى آدم عليهما السلام، فقال: أنت آدم أبو البشر الذي أَشقيت الناس، وأخرجتهم؟ قال: نعم، قال: ألست موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه؟ قال: بلى، قال: أفليس تجد في ما أنزل الله عليك أنه سيُخرجني منها قبل أن يُدخلينها؟ قال: بلى، فَخَصم آدم موسى ".

همام الصنعاني

تفسير : 940- حدثنا عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: وكان من قبلها يُقَرِّبونَ صدقاتهم؛ فإن تقبلت منهم جاءت النَّارُ فأكَلَتْهَا، وإن لم تقبل منهم تُرِكَت حتى جاءت السباعُ فأكَلَتْها فقال: أي رَبِّي، إني أَجدُ في الألواح أُمة هم الشَّافِعونَ المَشفوع لهم، فاجعلهم أُمَّتي، قال: تلك أمة أحْمَد. قال: يا ربي، إني أجد في الألواحِ أُمة هم الْمسْتَجِيبُون المستجاب لهم، فاجعلهم أُمتي. قال: تلك أمةُ أَحْمَد. قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يقاتِلُونَ أَهْلَ الضَّلالةِ حتى يقاتلوا المسيح الدجال، فاجْعَلْهُم أُمَّتي، قَالَ: تلْكَ أمةُ أحْمَد. قَالَ: فألقى موسَى الألواحَ، قال: يا ربي اجعلني مِنْهم. قال: إنك لم تُدْرِكَهُمْ. قال الله تعالى: {يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ}: [الآية: 144]، قَالَ: فرضي نبيّ الله. قا ل: وَزِيدَ: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : : [الآية: 159].