Verse. 1097 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلَمَّا جَاۗءَ مُوْسٰي لِمِيْقَاتِنَا وَكَلَّمَہٗ رَبُّہٗ۝۰ۙ قَالَ رَبِّ اَرِنِيْۗ اَنْظُرْ اِلَيْكَ۝۰ۭ قَالَ لَنْ تَرٰىنِيْ وَلٰكِنِ انْظُرْ اِلَى الْجَـبَلِ فَاِنِ اسْـتَــقَرَّ مَكَانَہٗ فَسَوْفَ تَرٰىنِيْ۝۰ۚ فَلَمَّا تَجَلّٰى رَبُّہٗ لِلْجَبَلِ جَعَلَہٗ دَكًّا وَّخَرَّ مُوْسٰي صَعِقًا۝۰ۚ فَلَمَّاۗ اَفَاقَ قَالَ سُبْحٰنَكَ تُبْتُ اِلَيْكَ وَاَنَا اَوَّلُ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۱۴۳
Walamma jaa moosa limeeqatina wakallamahu rabbuhu qala rabbi arinee anthur ilayka qala lan taranee walakini onthur ila aljabali faini istaqarra makanahu fasawfa taranee falamma tajalla rabbuhu liljabali jaAAalahu dakkan wakharra moosa saAAiqan falamma afaqa qala subhanaka tubtu ilayka waana awwalu almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولما جاء موسى لميقاتنا» أي للوقت الذي وعدناه بالكلام فيه «وكلَّمه ربُّه» بلا واسطة كلاما سمعه من كل جهة «قال رب أرني» نفسك «أنظر إليك قال لن تراني» أي لا تقدر على رؤيتي، والتعبير به دون لن أرى يفيد إمكان رؤيته تعالى «ولكن انظر إلى الجبل» الذي هو أقوى منك «فإن استقر» ثبت «مكانه فسوف تراني» أي تثبيت لرؤيتي وإلا فلا طاقة لك «فلما تجلَّى ربُّه» أي ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم «للجبل جعله دكا» بالقصر والمد، أي مدكوكا مستويا بالأرض «وخرَّ موسى صَعقا» مغشيا عليه لهول ما رأى «فلما أفاق قال سبحانك» تنزيها لك «تبت إليك» من سؤال ما لم أؤمر به «وأنا أوَّلُ المؤمنين» في زماني.

143

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه ربه، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية. المسألة الأولى: دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى فمنهم من قال: كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة، ومنهم من قال: كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات. أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون، انفقوا على أنه يجب كونه حادثاً كائناً بعد أن لم يكن. وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه، وذلك أني قلت يوماً إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي، والأول: باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كانت حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيداً ألبتة، والثاني: يوجب كونها حادثة، لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والثاني حادث، لأن كل ما كان وجود متأخراً عن وجوده غيره فهو حادث، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث. إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان: الأول: أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى، وهو قول الكرامية. الثاني: أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير، وهو قول المعتزلة. أما القول الثاني: وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة. وتلك الصفة قديمة أزلية. والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام. فقالت الأشعرية: إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا: وكما لا يتعذر رؤية ذاته، مع أن ذاته ليست جسماً ولا عرضاً، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفاً ولا صوتاً. وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام ألبتة، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى. المسألة الثانية: اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين وظاهر الآية يدل على الأول. لأن قوله تعالى: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يداً على نفي الحكم عما عداه، وقال القاضي: بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضاً كلام الله تعالى. قال: لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضاً فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام لا بد من ظهور هذا المعنى لغيره. المسألة الثالثة: قال أصحابنا هذه الآية تدل على أنه سبحانه يجوز أن يرى وتقريره من أربعة أوجه. الأول: أن الآية دالة على أن موسى عليه السلام سأل الرؤية، ولا شك أن موسى عليه السلام يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى، فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها، وحيث سألها؛ علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى. قال القاضي: الذي قاله المحصلون من العلماء في ذلك أقوال أربعة: أحدها: ما قاله الحسن وغيره: أن موسى عليه السلام ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى، قال ومع الجهل بهذا المعنى قد يكون المرء عارفاً بربه وبعدله وتوحيده، فلم يبعد أن يكون العلم بامتناع الرؤية وجوازها موقوفاً على السمع. وثانيها: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية على لسان قومه، فقد كانوا جاهلين بذلك يكررون المسألة عليه يقولون: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } تفسير : [البقرة: 55] فسأل موسى الرؤية لا لنفسه، فلما ورد المنع ظهر أن ذلك لا سبيل إليه، وهذه طريقة أبي علي وأبي هاشم. وثالثها: أن موسى عليه السلام سأل ربه من عنده معرفة باهرة باضطرار وأهل هذا التأويل مختلفون، فمنهم من يقول سأل ربه المعرفة الضرورية. ومنهم من يقول: بل سأله إظهار الآيات الباهرة التي عندها تزول الخواطر والوساوس عن معرفته، وإن كانت من فعله، كما نقوله في معرفة أهل الآخرة، وهو الذي اختاره أبو القاسم الكعبي. ورابعها: المقصود من هذا السؤال أن يذكر تعالى من الدلائل السمعية ما يدل على امتناع رؤيته حتى يتأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي. وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء، وهو الذي ذكره أو بكر الأصم فهذا مجموع أقوال المعتزلة في تأويل هذه الآية. قال أصحابنا أما الوجه الأول، فضعيف ويدل عليه وجوه: الأول: إجماع العقلاء على أن موسى عليه السلام ما كان في العلم بالله أقل منزلة ومرتبة من أراذل المعتزلة، فلما كان كلهم عالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى وفرضنا أن موسى عليه السلام لم يعرف ذلك، كانت معرفته بالله أقل درجة من معرفة كل واحد من أراذل المعتزلة، وذلك باطل بإجماع المسلمين. الثاني: أن المعتزلة يدعون العلم الضروري، بأن كل ما كان مرئياً، فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل. فإما أن يقال إن موسى عليه السلام حصل له هذا العلم أو لم يحصل له هذا العلم. فإن كان الأول كان تجويزه لكونه تعالى مرئياً، يوجب تجويز كونه تعالى حاصلاً في الحيز والجهة، وتجويز هذا المعنى على الله تعالى يوجب الكفر عند المعتزلة، فيلزمهم كون موسى عليه السلام كافراً، وذلك لا يقوله عاقل. وإن كان الثاني فنقول: لما كان العلم بأن كل مرئي يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل علماً بديهياً ضرورياً، ثم فرضنا أن هذا العلم ما كان حاصلاً لموسى عليه السلام، لزم أن يقال إن موسى عليه السلام لم يحصل فيه جميع العلوم الضرورية، ومن كان كذلك فهو مجنون، فيلزمهم الحكم بأنه عليه السلام، ما كان كامل العقل بل كان مجنوناً وذلك كفر بإجماع الأمة، فثبت أن القول بأن موسى عليه السلام، ما كان عالماً بامتناع الرؤية مع فرض أنه تعالى ممتنع الرؤية يوجب أحد هذين القسمين الباطلين، فكان القول به باطلاً والله أعلم. وأما التأويل الثاني: وهو أنه عليه السلام إنما سأل الرؤية لقومه لا لنفسه، فهو أيضاً فاسد ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان الأمر كذلك لقال موسى: أرهم ينظروا إليك، ولقال الله تعالى: لن يروني، فلما لم يكن كذلك، بطل هذا التأويل. والثاني: أنه لو كان هذا السؤال طلباً للمحال، لمنعهم عنه كما أنهم لما قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ }تفسير : [الأعراف: 138] منعهم عنه بقوله: {أية : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [الأعراف: 138] والثالث: أنه كان يجب على موسى إقامة الدلائل القاطعة على أنه تعالى لا تجوز رؤيته، وأن يمنع قومه بتلك الدلائل عن هذا السؤال، فأما أن لا يذكر شيئاً من تلك الدلائل ألبتة، مع أن ذكرها كان فرضاً مضيقاً، كان هذا نسبة لترك الواجب إلى موسى عليه السلام، وأنه لا يجوز. والرابع: أن أولئك الأقوام الذين طلبوا الرؤية، إما أن يكونوا قد آمنوا بنبوة موسى عليه السلام. أو ما آمنوا بها، فإن كان الأول كفاهم في الامتناع عن ذلك السؤال الباطل، مجرد قول موسى عليه السلام، فلا حاجة إلى هذا السؤال الذي ذكره موسى عليه السلام، وإن كان الثاني لم ينتفعوا بهذا الجواب لأنهم يقولون له لا نسلم أن الله منع من الرؤية، بل هذا قول افتريته على الله تعالى، فثبت أن على كلا التقديرين لا فائدة للقوم في قول موسى عليه السلام {أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ }. وأما التأويل الثالث: فبعيد أيضاً ويدل عليه وجوه: الأول: أن على هذا التقدير يكون معنى الآية أرني أمراً أنظر إلى أمرك، ثم حذف المفعول والمضاف، إلا أن سياق الآية يدل على بطلان هذا، وهو قوله: {أية : أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى } تفسير : [الأعراف: 143] فسوف تراني {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } ولا يجوز أن يحمل جميع هذا على حذف المضاف. الثاني: أنه تعالى أراه من الآية ما لا غاية بعدها كالعصا واليد البيضاء والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وإظلال الجبل، فكيف يمكن بعد هذه الأحوال طلب آية ظاهرة قاهرة. والثالث: أنه عليه السلام كان يتكلم مع الله بلا واسطة. ففي هذه الحالة كيف يليق به أن يقول: أظهر لي آية قاهرة ظاهرة تدل على أنك موجود؟ ومعلوم أن هذا الكلام في غاية الفساد. الرابع: أنه لو كان المطلوب آية تدل على وجوده، لأعطاه تلك الآية كما أعطاه سائر الآيات ولكان لا معنى لمنعه عن ذلك، فثبت أن هذا القول فاسد. وأما التأويل الرابع وهو أن يقال: المقصود منه إظهار آية سمعية تقوي ما دل العقل عليه، فهو أيضاً بعيد، لأنه لو كان المراد ذلك، لكان الواجب أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى امتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في العقل، وحيث لم يقل ذلك بل طلب الرؤية. علمنا أن هذه التأويلات بأسرها فاسدة. الحجة الثانية: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية الدالة على أنه تعالى جائز الرؤية وذلك لأنه تعالى لو كان مستحيل الرؤية لقال: لا أرى ألا ترى أنه لو كان في يد رجل حجر فقال له إنسان ناولني هذا لآكله، فإنه يقول له هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكل. ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة، لقال له: لا تأكلها أي هذا مما يؤكل، ولكنك لا تأكله. فلما قال تعالى: {لَن تَرَانِى } ولم يقل لا أرى، علمنا أن هذا يدل على أنه تعالى في ذاته جائز الرؤية. الحجة الثالثة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية، أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز، والمعلق على الجائز جائز، فيلزم كون الرؤية في نفسها جائزة. إنما قلنا: إنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز، لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل، بدليل قوله تعالى: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه. فثبت أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز الوجود في نفسه. إذا ثبت هذا وجب أن تكون رؤيته جائزة الوجود في نفسها، لأنه لما كان ذلك الشرط أمراً جائز الوجود، لم يلزم من فرض وقوعه محال، فبتقدير حصول ذلك الشرط، إما أن يترتب عليه الجزاء الذي هو حصول الرؤية أو لا يترتب، فإن ترتب عليه حصول الرؤية لزم القطع بكون الرؤية جائزة الحصول، وإن لم يترتب عليه حصول الرؤية قدح هذا في صحة قوله، إنه متى حصل ذلك الشرط حصلت الرؤية، وذلك باطل. فإن قيل: إنه تعالى علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته، واستقرار الجبل حال حركته محال. فثبت أن حصول الرؤية معلق على شرط ممتنع الحصول، لا على شرط جائز الحصول، فلم يلزم صحة ما قلتموه؟ والدليل على أن الشرط هو استقرار الجبل حال حركته أن الجبل إما أن يقال: إنه حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية كان ساكناً أو متحركاً، فإن كان الأول، لزم حصول الرؤية بمقتضى الاشتراط، وحيث لم تحصل علمنا أن الجبل في ذلك الوقت ما كان مستقراً، ولما لم يكن مستقراً كان متحركاً. فثبت أن الجبل حال ما جعل استقراره شرطاً لحصول الرؤية، كان متحركاً لا ساكناً. فثبت أن الشرط هو كون الجبل مستقراً حال كونه ساكناً فثبت أن الشرط الذي علق الله تعالى على حصوله حصول الرؤية، هو كون الجبل مستقراً حال كونه متحركاً، وأنه شرط محال. والجواب: هو أن اعتبار حال الجبل من حيث هو مغاير لاعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن، وكونه ممتنع الخلو عن الحركة والسكون لا يمنع اعتبار حاله من حيث أنه متحرك أو ساكن ألا ترى أن الشيء لو أخذته بشرط كونه موجوداً كان واجب الوجود، ولو أخذته بشرط كونه معدوماً كان واجب العدم، فلو أخذته من حيث هو هو مع قطع النظر عن كونه موجوداً أو كونه معدوماً كان ممكن الوجود فكذا ههنا الذي جعل شرطاً في اللفظ هو استقرار الجبل، وهذا القدر ممكن الوجود فثبت أن القدر الذي جعل شرطاً أمر ممكن الوجود جائز الحصول، وهذا القدر يكفي لبناء المطلوب عليه والله أعلم. الحجة الرابعة: من الوجوه المستنبطة من هذه الآية في إثبات جواز الرؤية قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } وهذا التجلي هو الرؤية، ويدل عليه وجهان: الأول: إن العلم بالشيء يجلي لذلك الشيء، وإبصار الشيء أيضاً يجلي لذلك الشيء. إلا أن الإبصار في كونه مجلياً أكمل من العلم به وحمل اللفظ على المفهوم الأكمل أولى. الثاني: أن المقصود من ذكر هذه الآية تقرير أن الإنسان لا يطيق رؤية الله تعالى بدليل أن الجبل مع عظمته لما رأى الله تعالى اندك وتفرقت أجزاؤه ولولا أن المراد من التجلي ما ذكرناه وإلا لم يحصل هذا المقصود. فثبت أن قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } هو أن الجبل لما رأى الله تعالى اندكت أجزاؤه، ومتى كان الأمر كذلك ثبت أنه تعالى جائز الرؤية أقصى ما في الباب أن يقال: الجبل جماد والجماد يمتنع أن يرى شيئاً، إلا أنا نقول: لا يمتنع أن يقال: إنه تعالى خلق في ذات الجبل الحياة والعقل والفهم، ثم خلق فيه رؤية متعلقة بذات الله تعالى، والدليل عليه أنه تعالى قال: {أية : يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } تفسير : [سبأ: 10] وكونه مخاطباً بهذا الخطاب مشروط بحصول الحياة والعقل فيه فكذا ههنا، فثبت بهذه الوجوه الأربعة دلالة هذه الآية على أنه تعالى جائز الرؤية. أمنا المعتزلة فقالوا: إنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية أنه تعالى تمتنع رؤيته فوجب صرف هذه الظواهر إلى التأويلات. أما دلائلهم العقلية فقد بينا في الكتب العقلية ضعفها وسقوطها، فلا حاجة هنا إلى ذكرها. وأما دلائلهم السمعية فأقوى ما لهم في هذا الباب التمسك بقوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ } تفسير : [الأنعام: 103] قد سبق في سورة الأنعام ما في هذه الآية من المباحث الدقيقة واللطائف العميقة. واعلم أن القوم تمسكوا بهذه الآية على عدم الرؤية من وجوه: الأول: التمسك بقوله تعالى: {لَن تَرَانِى } وتقرير الاستدلال أن يقال: إن هذه الآية تدل على أن موسى عليه السلام لا يرى الله ألبتة لا في الدنيا ولا في القيامة، ومتى ثبت هذا ثبت أن أحداً لا يراه ألبتة ومتى ثبت هذا ثبت أنه تعالى يمتنع أن يرى، فهذه مقدمات ثلاثة. أما المقدمة الأولى: فتقريرها من وجوه: الأول: ما نقل عن أهل اللغة أن كلمة «لن» للتأبيد. قال الواحدي رحمه الله: هذه دعوى باطلة على أهل اللغة، وليس يشهد بصحته كتاب معتبر، ولا نقل صحيح. وقال أصحابنا: الدليل على فساده قوله تعالى في صفة اليهود {أية : وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } تفسير : [البقرة: 95] مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة. والثاني: أن قوله: {لَن تَرَانِى } يتناول الأوقات كلها بدليل صحة استثناء أي وقت أريد من هذه الكلمة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ وهذا أيضاً ضعيف، لأن تأثير الاستثناء في صرف الصحة لا في صرف الوجوب على ما هو مقرر في أصول الفقه. الثالث: أن قوله لن أفعل كذا، يفيد تأكيد النفي، ومعناه أن فعله ينافي حالته كقوله تعالى: {أية : لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ }تفسير : [الحج: 73] وهذا يدل على أن الرؤية منافية للإلهية، والجواب: أن {لَنْ } لتأكيد نفي ما وقع السؤال عنه، والسؤال إنما وقع عن تحصيل الرؤية في الحال. فكان قوله: {لَن تَرَانِى } نفياً لذلك المطلوب، فأما أن يفيد النفي الدائم فلا. فهذه جملة الكلام في تقرير هذه المسألة. أما المقدمة الثانية: فقالوا: القائل اثنان: قائل يقول: إن المؤمنين يرون الله وموسى أيضاً يراه، وقائل ينفي الرؤية عن الكل، أما القول بإثباته لغير موسى ونفيه عن موسى فهو قول خارق للإجماع وهو باطل. وأما المقدمة الثالثة: فهي أن كل من نفى الوقوع نفى الصحة، فالقول بثبوت الصحة مع نفي الوقوع قول على خلاف الإجماع وهو باطل. واعلم أن بناء هذه الدلالة على صحة المقدمة الأولى، فلما ثبت ضعفها سقط هذا الاستدلال بالكلية. الحجة الثانية للقوم: أنه تعالى حكى عن موسى عليه السلام أنه خر صعقاً، ولو كانت الرؤية جائزة. فلم خر عند سؤالها صعقاً؟ والحجة الثالثة: أنه عليه السلام لما أفاق قال سبحانك، وهذه الكلمة للتنزيه، فوجب أن يكون المراد منه تنزيه الله تعالى عما تقدم ذكره، والذي تقدم ذكره هو رؤية الله تعالى، فكان قوله: {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيهاً له عن الرؤية فثبت بهذا أن نفي الرؤية تنزيه الله تعالى وتنزيه الله إنما يكون عن النقائص والآفات، فوجب كون الرؤية من النقائص والآفات، وذلك على الله محال. فثبت أن الرؤية على الله ممتنعة. والحجة الرابعة: قوله تعالى حكاية عن موسى لما أفاق أنه قال: {تُبْتُ إِلَيْكَ } ولولا أن طلب الرؤية ذنب لما تاب منه، ولولا أنه ذنب ينافي صحة الإسلام لما قال: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. واعلم أن أصحابنا قالوا: الرؤية كانت جائزة، إلا أنه عليه السلام سألها بغير الإذن وحسنات الأبرار سيئات المقربين، فكانت التوبة توبة عن هذا المعنى لا عما ذكروه، فهذا جملة الكلام في هذه الآية. والله أعلم بالصواب. المسألة الرابعة: في البحث عن هذه الآية. نقل عن ابن عباس أنه قال: جاء موسى عليه السلام ومعه السبعون وصعد موسى الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل، وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً، فلما سمع موسى صرير القلم عظم شوقه، فقال: {رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } قال صاحب «الكشاف»: ثاني مفعولي {أَرِنِى } محذوف، أي {أَرِنِى } نفسك {أَنظُرْ إِلَيْكَ } وفي لفظ الآية سؤالات: السؤال الأول: النظر: إما أن يكون عبارة عن الرؤية أو عن مقدمتها وهي تقليب الحدقة السليمة إلى جانب المرئي التماساً لرؤيته، وعلى التقدير الأول: يكون المعنى أرني حتى أراك، وهذا فاسد، وعلى التقدير الثاني: يكون المعنى أرني حتى أقلب الحدقة إلى جانبك وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أنه يقتضي إثبات الجهة لله تعالى. والثاني: أن تقليب الحدقة إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية فجعله كالنتيجة عن الرؤية وذلك فاسد. والجواب: أن قوله: {أَرِنِى } معناه اجعلني متمكناً من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك. السؤال الثاني: كيف قال: {لَن تَرَانِى } ولم يقل لن تنظر إلي، حتى يكون مطابقاً لقوله: {أَنظُرْ إِلَيْكَ }. والجواب: أن النظر لما كان مقدمة للرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه. والسؤال الثالث: كيف اتصل الاستدراك في قوله: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } بما قبله؟ والجواب: المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلا إذا قواه الله تعالى بمعونته وتأييده، ألا ترى أنه لما ظهر أثر التجلي والرؤية للجبل اندك وتفرق، فهذا من هذا الوجه يدل على تعظيم أمر الرؤية. أما قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } فقال الزجاج: {تَجَلَّىٰ } أي ظهر وبان، ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها، وجلوت المرآة والسيف إذا أزلت ما عليهما من الصدأ، وقوله: {جَعَلَهُ دَكّا } قال الزجاج: يجوز {دَكّاً } بالتنوين و {دَكَّاء } بغير تنوين أي جعله مدقوقاً مع الأرض يقال: دككت الشيء إذا دققته أدكه دكاً، والدكاء والدكاوات: الروابي التي تكون مع الأرض ناشزة. فعلى هذا، الدك مصدر، والدكاء اسم. ثم روى الواحدي بإسناده عن الأخفش في قوله: {جَعَلَهُ دَكّا } أنه قال: دكه دكاً مصدر مؤكد، ويجوز جعله ذا دك. قال ومن قرأ {دَكَّاء } ممدوداً أراد جعله دكاء أي أرضاً مرتفعة، وهو موافق لما روي عن ابن عباس أنه قال: جعله تراباً. وقوله: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } قال الليث: الصعق مثل الغشي يأخذ الإنسان، والصعقة الغشية. يقال: صعق الرجل وصعق، فمن قال صعق فهو صعق. ومن قال صعق فهو مصعوق. ويقال أيضاً: صعق إذا مات، ومنه قوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الزمر: 68] فسروه بالموت. ومنه قوله: {يَوْمَهُمُ ٱلَّذِى فِيهِ يُصْعَقُونَ } أي يموتون. قال صاحب «الكشاف»: صعق أصله من الصاعقة، ويقال لها: الصاقعة من صقعه إذا ضربه على رأسه. إذا عرفت هذا فنقول: فسر ابن عباس قوله تعالى: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } بالغشي، وفسره قتادة بالموت، والأول أقوى، لقوله تعالى: {فَلَمَّا أَفَاقَ } قال الزجاج: ولا يكاد يقال للميت: قد أفاق من موته، ولكن يقال للذي يغشى عليه: أنه أفاق من غشيه، لأن الله تعالى قال في الذين ماتوا: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ }تفسير : [البقرة: 56]. أما قوله: {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ } أي تنزيهاً لك عن أن يسألك غيرك شيئاً بغير إذنك، {تُبْتُ إِلَيْكَ } وفيه وجهان: الأول: {تُبْتُ إِلَيْكَ } من سؤال الرؤية في الدنيا. الثاني: {تُبْتُ إِلَيْكَ } من سؤال الرؤية بغير إذنك {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بأنك لا ترى في الدنيا، أو يقال: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} أي في الوقت الموعود. {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} أي أسمعه كلامه من غير واسطة. {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} سأل النظر إليه؛ واشتاق إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. فـ{قَالَ لَن تَرَانِي} أي في الدنيا. ولا يجوز الحَمْل على أنه أراد: أرني آية عظيمة لأنظر إلى قدرتك؛ لأنه قال «إلَيْكَ» و «قَالَ لَنْ تَرَانِي». ولو سأل آية لأعطاه الله ما سأل، كما أعطاه سائر الآيات. وقد كان لموسىٰ عليه السلام فيها مَقْنَع عن طلب آية أُخرىٰ؛ فبطل هذا التأويل. {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ضرب له مثالاً مما هو أقوىٰ من بِنْيته وأثبت. أي فإن ثبت الجبل وسكن فسوف تراني، وإن لم يسكن فإنك لا تطيق رؤيتي، كما أن الجبل لا يطيق رؤيتي. وذكر القاضي عِياض عن القاضي أبي بكر بن الطّيب ما معناه: أن موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خَرَّ صَعِقاً. وأن الجبل رأىٰ ربّه فصار دَكاًّ بإدراكٍ خلقه الله له. وٱستَنْبط ذلك من قوله: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}. ثم قال: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} وتجلّىٰ معناه ظهر؛ من قولك: جَلَوْت العروس أي أبرزتها. وجَلَوْت السيف أبرزته من الصّدإ؛ جِلاءً فيهما.وتجلّىٰ الشيء انكشف. وقيل: تجلّىٰ أمره وقدرته؛ قاله قُطْرُب وغيره. وقراءة أهل المدينة وأهل البصرة «دَكاًّ»؛ يدل على صحتها {أية : دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً}تفسير : [الفجر: 21] وأن الجبل مذكّر. وقرأ أهل الكوفة «دَكَّاءَ» أي جعله مثل أرض دكاء، وهي الناتئة لا تبلغ أن تكون جبلاً. والمذكّر أدَكّ، وجمع دَكَّاء دكّاوات ودُكٌّ؛ مثل حَمْراوات وحُمْرٌ. قال الكسائي: الدّكّ من الجبال: العِراض، واحدها أدَكّ. غيره: والدّكّاوات جمع دَكّاء: رَوَابٍ من طين ليست بالغِلاظ. والدَّكْداكُ كذلك من الرمل: ما التبد بالأرض فلم يرتفع. وناقة دَكّاء لا سَنام لها. وفي التفسير: فساخ الجبل في الأرض، فهو يذهب فيها حتى الآن. وقال ٱبن عباس: جعله تراباً. عَطِيّة العَوْفي: رملاً هائلاً. {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} أي مغشيَّاً عليه؛ عن ٱبن عباس والحسن وقتادة. وقيل: ميتاً؛ يقال صَعِق الرجل فهو صَعِق. وصُعق فهو مصعوق. وقال قتادة والكلبيّ: خَرّ موسىٰ صعِقاً يوم الخميس يوم عَرَفة، وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} قال مجاهد: من مسألة الرؤية في الدنيا. وقيل: سأل من غير ٱستئذان؛ فلذلك تاب. وقيل: قاله على جهة الإنابة إلى الله والخشوع له عند ظهور الآيات. وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية؛ فإن الأنبياء معصومون. وأيضاً عند أهل السنة والجماعة الرؤيةُ جائزةٌ. وعند المبتدعة سأل لأجل القوم ليبيّن لهم أنها غير جائزة. وهذا لا يقتضي التوبة. فقيل: أي تبت إليك من قتل القبطي؛ ذكره القُشَيْرِي. وقد مضىٰ في «الأنعام» بيان أن الرؤية جائزة. قال عليّ بن مهدِيّ الطبريّ: لو كان سؤال موسىٰ مستحيلاً ما أقدم عليه مع معرفته بالله؛ كما لم يجز أن يقول له يا رب ألك صاحبة وولد. وسيأتي في «القيامة» مذهب المعتزلة والرد عليهم، إن شاء الله تعالىٰ. قوله تعالىٰ: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قيل: مِن قومي. وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر. وقيل: بأنك لا تُرىٰ في الدنيا لوعدك السابق في ذلك. وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تُخَيِّروا بين الأنبياء فإن الناس يَصعَقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسىٰ آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حُوسب بصفته الأولىٰ»تفسير : . أو قال «حديث : كفته صعقته الأولىٰ»تفسير : . وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالىٰ قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلىٰ الله وسلم عليهما؛ فكلمه موسى مرتين، ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين.

البيضاوي

تفسير : {وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا} لوقتنا الذي وقتناه، واللام للاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا. {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير وسيط كما يكلم الملائكة، وفيما روي: أن موسى عليه الصلاة والسلام كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين. {قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك، أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك. وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصاً ما يقتضي الجهل بالله ولذلك رده بقوله تعالى: {لَن تَرَانِى} دون لن أرى أو لن أريك أو لن تنظر إليَّ، تنبيهاً على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي لم يوجد فيه بعد، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً }تفسير : [النساء: 153] خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا }تفسير : [الأعراف: 138] ولا يتبع سبيلهم كما قال لأخيه {أية : وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ }تفسير : [الأعراف: 142] والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإِخبار عن عدم رؤيته إياه على أن لا يراه أبداً وأن لا يراه غيره أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالتها ودعوى الضرورة فيه مكابرة أو جهالة بحقيقة الرؤية. {قَالَ لَن تَرَانِى وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيقه، وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضاً دليل على الجواز ضرورة أن المعلق على الممكن ممكن، والجبل قيل هو جبل زبير. {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } ظهر له عظمته وتصدى له اقتداره وأمره. وقيل أعطى له حياة ورؤية حتى رآه. {جَعَلَهُ دَكّا } مدكوكاً مفتتاً والدك والدق أخوان كالشك والشق، وقرأ حمزة والكسائي «دكاء» أي أرضاً مستوية ومنه ناقة دكاء التي لا سنام لها. وقرىء {دَكّاً } أي قطعاً جمع دكاء. {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } مغشياً عليه من هول ما رأى. {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ } تعظيماً لما رأى. {سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ } من الجراءة والإِقدام على السؤال من غير إذن. {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } مر تفسيره. وقيل معناه أنا أول من آمن بأنك لا ترى في الدنيا.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن موسى عليه السلام أنه لما جاء لميقات الله تعالى، وحصل له التكليم من الله تعالى، سأل الله تعالى أن ينظر إليه، فقال: {رَبِّ أَرِنِىۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِى} وقد أشكل حرف (لن) ههنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة، وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة؛ كما سنوردها عند قوله تعالى: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]. وقوله تعالى إخباراً عن الكفار: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } تفسير : [المطففين: 15] وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعاً بين هذه الآية وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة. وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام، كالكلام في قوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَـٰرَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الأنعام: 103] وقد تقدم ذلك في الأنعام. وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: «حديث : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده» تفسير : ولهذا قال تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سهيل الواسطي، حدثنا قرة بن عيسى، حدثنا الأعمش عن رجل عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما تجلى ربه للجبل، أشار بأصبعه، فجعله دكاً» تفسير : وأرانا أبو إسماعيل بأصبعه السبابة، هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال: حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد عن ليث عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} قال هكذا بأصبعه، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم أصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل. هكذا وقع في هذه الرواية: حماد بن سلمة عن ليث عن أنس. والمشهور: حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. كما قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} قال: "ووضع الإبهام قريباً من طرف خنصره"، قال: «حديث : فساخ الجبل» تفسير : قال حميد لثابت: يقول هكذا، فرفع ثابت يده، فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوله أنس، وأنا أكتمه؟ وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المثنى معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} قال: قال: «حديث : هكذا» تفسير : يعني: أنه أخرج طرف الخنصر. قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد، وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم فتقول أنت: ما تريد إليه؟. وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ، به، وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن سلمة، به، ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد. وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق عن حماد بن سلمة به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ورواه أبو محمد بن الحسن بن محمد بن علي الخلال، عن محمد بن علي بن سويد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره، وقال: هذا إسناد صحيح لا علة فيه، وقد رواه داود بن المحبر عن شعبة عن ثابت عن أنس مرفوعاً، وهذا ليس بشيء؛ لأن داود بن المحبر كذاب، ورواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر بن مردويه من طريقين عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أنس مرفوعاً بنحوه. وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر مرفوعاً، ولا يصح أيضاً، رواه الترمذي وصححه الحاكم، وقال: على شرط مسلم. وقال السدي عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر {جَعَلَهُ دَكًّا} قال: تراباً {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} قال: مغشياً عليه، رواه ابن جرير: وقال قتادة: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} قال: ميتاً. وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض حتى وقع في البحر فهو يذهب معه. وقال سنيد عن حجاج بن محمد الأعور عن أبي بكر الهذلي {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا} انقعر، فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة. وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، رواه ابن مردويه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شبة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب عن معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما تجلى الله للجبال، طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، وثلاثة بمكة، بالمدينة أحد وورقان ورضوى، ووقع بمكة حراء وثبير وثور» تفسير : وهذا حديث غريب، بل منكر. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حصين بن عَلاق، عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صماً ملساء، فلما تجلى الله لموسى على الطور، دك وتفطرت الجبال، فصارت الشقوق والكهوف. وقال الربيع بن أنس: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء، ورأى النور، صار مثل دك من الدكاك. وقال بعضهم: جعله دكاً، أي: فتته. وقال مجاهد في قوله: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى} فإنه أكبر منك. وأشد خلقاً، {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقاً. وقال عكرمة: جعله دكاء، قال: نظر الله إلى الجبل، فصار صحراء تراباً. وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع رواه ابن مردويه. والمعروف أن الصعق هو الغشي ها هنا؛ كما فسره ابن عباس وغيره، لا كما فسره قتادة بالموت، وإن كان صحيحاً في اللغة؛ كقوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68] فإن هناك قرينة تدل على الموت، كما أن هنا قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: {فَلَمَّآ أَفَاقَ} والإفاقة لا تكون إلا عن غشي {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ} تنزيهاً وتعظيماً وإجلالاً أن يراه أحد في الدنيا إلا مات. وقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ} قال مجاهد: أن أسألك الرؤية {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل، واختاره ابن جرير. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أنه لا يراك أحد. وكذا قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة، وهذا قول حسن له اتجاه. وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره ها هنا أثراً طويلاً فيه غرائب وعجائب عن محمد بن إسحاق بن يسار، وكأنه تلقاه من الإسرائيليات، والله أعلم، وقوله: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} فيه أبو سعيد وأبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما حديث أبي سعيد، فأسنده البخاري في صحيحه ههنا، فقال: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه، وقال: يا محمد إن رجلاً من أصحابك من الأنصار لطم وجهي، قال: «حديث : ادعوه» تفسير : فدعوه، قال: «حديث : لم لطمت وجهه؟» تفسير : قال: يا رسول الله إني مررت باليهودي، فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر قال: فقلت: وعلى محمد؟ قال: وعلى محمد، وأخذتني غضبة، فلطمته، فقال: «حديث : لا تخيروني من بين الأنبياء؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي، أم جوزي بصعقة الطور؟» تفسير : وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه، ومسلم في أحاديث الأنبياء، وأبو داود في كتاب السنة من سننه، من طرق عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري به. وأما حديث أبي هريرة، فقال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: استب رجلان، رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمداً على العالمين فقال اليهودي: والذين اصطفى موسى على العالمين فغضب المسلم على اليهودي، فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فأخبره، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترف بذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى ممسك بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله عز وجل؟» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري به. وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا رحمه الله: أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه، ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح، والله أعلم. والكلام في قوله عليه السلام: «حديث : لا تخيروني على موسى» تفسير : كالكلام على قوله: «حديث : لا تفضلوني على الأنبياء، ولا على يونس بن متى» تفسير : قيل: من باب التواضع، وقيل: قبل أن يعلم بذلك، وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب، وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم. وقوله: «حديث : فإن الناس يصعقون يوم القيامة» تفسير : الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، وتجلى للخلائق الملك الديان؛ كما صعق موسى من تجلي الرب تبارك وتعالى، ولهذا قال عليه السلام: «حديث : فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور» تفسير : وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه الشفاء بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق، حدثنا قتادة، حدثنا الحسن عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما تجلى الله لموسى عليه السلام، كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ» تفسير : ثم قال: ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى. انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر، ولا تخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا } أي للوقت الذي وعدناه للكلام فيه {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } بلا واسطة كلاماً سمعه من كل جهة {قَالَ رَبِّ أَرِنِى } نفسك {أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَٰنِى } أي لا تقدر على رؤيتي، والتعبير به دون «لن أُرَى» يفيد إمكان رؤيته تعالى {وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } الذي هو أقوى منك {فَإِنِ اسْتَقَرَّ } ثبت {مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَٰنِى } أي تثبت لرؤيتي، وإلا فلا طاقة لك {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ } أي ظهر من نوره قدر نصف أنملة الخنصر كما في حديث صححه الحاكم {لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً } بالقصر والمدّ، أي مدكوكاً مستوياً بالأرض {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } مغشياً عليه لهول ما رأى {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَٰنَكَ } تنزيهاً لك {تُبْتُ إِلَيْكَ } من سؤال ما لم أُومَر به {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } في زماني.

الشوكاني

.تفسير : اللام في {لّمِيقَـٰتِنَا } للاختصاص، أي كان مجيئه مختصاً بالميقات المذكور، بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } أي أسمعه كلامه من غير واسطة. قوله: {أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } أي، أرني نفسك أنظر إليك: أي سأله النظر إليه اشتياقاً إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. وسؤال موسى للرؤية يدلّ على أنها جائزة عنده في الجملة. ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها. والجواب بقوله: {لَن تَرَانِى } يفيد أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه، أو أنه لا يرى ما دام الرائي حياً في دار الدنيا. وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبتت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة، ومنهج الحق واضح. ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه آباءه وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق، وهو يظنّ أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقى ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. وما أقلّ المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع فإنه صار بها باب الحقّ مرتجاً، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه، والهداية منه:شعر : يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق لـه واضح تفسير : وجملة: {قَالَ لَن تَرَانِى } مستأنفة، لكونها جواباً لسؤال مقدّر، كأنه قيل: فما قال الله له؟ والاستدراك بقوله: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } معناه أنك لا تثبت لرؤيتي، ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرماً وصلابة وقوّة، وهو الجبل، فانظر إليه {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } ولم يتزلزل عند رؤيتي له {فَسَوْفَ تَرَانِى } وإن ضعف عن ذلك، فأنت منه أضعف. فهذا الكلام بمنزلة ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل. وقيل: هو من باب التعليق بالمحال. وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدّمنا. وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتين المعتزلة والأشعرية. فالمعتزلة استدلوا بقوله: {لَن تَرَانِى }، وبأمره بأن ينظر إلى الجبل. والأشعرية قالوا: إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدلّ على أنها جائزة غير ممتنعة. ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله. والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في الدنيا، فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة، وكلامهم فيها معروف. قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } تجلى معناه: ظهر، من قولك جلوت العروس، أي أيرزتها. وجلوت السيف: أخلصته من الصدأ، وتجلى الشيء: انكشف. والمعنى: فلما ظهر ربه للجبل جعله دكاً. وقيل المتجلي: هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره. والدك مصدر بمعنى المفعول، أي جعله مدكوكاً مدقوقاً فصار تراباً، هذا على قراءة من قرأ {دكاً} بالمصدر. وهم أهل المدينة وأهل البصرة. وأما على قراءة أهل الكوفة "جَعَلَهُ دَكَّاء" على التأنيث، والجمع دكاوات، كحمراء وحمراوات، وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض، أو للأرض المستوية. فالمعنى: أن الجبل صار صغيراً كالرابية، أو أرضاً مستوية. قال الكسائي الدك: الجبال العراض واحدها أدك. والدكاوات جمع دكاء، وهي رواب من طين ليست بالغلاظ، والدكادك: ما التبد من الأرض فلم يرتفع، وناقة دكاء: لا سنام لها. {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } أي مغشياً عليه مأخوذاً من الصاعقة. والمعنى: أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له. يقال صعق الرجل، فهو صعق ومصعوق، إذا أصابته الصاعقة {فَلَمَّا أَفَاقَ } من غشيته {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ } أي أنزهك تنزيهاً من أن أسأل شيئاً لم تأذن لي به {تُبْتُ إِلَيْكَ } عن العود إلى مثل هذا السؤال. قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية، فإن الأنبياء معصومون. وقيل: هي توبة من قتله للقبطي، ذكره القشيري. ولا وجه له في مثل هذا المقام {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك. وجملة {قَالَ يَـا مُوسَىٰ} مستأنفة كالتي قبلها، متضمنة لإكرام موسى واختصاصه بما اختصه الله به. والاصطفاء: الاجتباء والاختيار، أي اخترتك على الناس المعاصرين لك برسالتي، كذا قرأ نافع، وابن كثير، بالافراد، وقرأ الباقون بالجمع. والرسالة مصدر، والأصل فيه الإفراد. ومن جمع فكأنه نظر إلى أن الرسالة هي على ضروب، فجمع لاختلاف الأنواع. والمراد بالكلام هنا: التكليم. امتنّ الله سبحانه عليه بهذين النوعين العظيمين من أنواع الإكرام، وهما الرسالة والتكليم من غير واسطة، ثم أمره بأن يأخذ ما آتاه، أي أعطاه من هذا الشرف الكريم، وأمره بأن يكون من الشاكرين على هذا العطاء العظيم، والإكرام الجليل. قوله: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلألْوَاحِ مِن كُلّ شَىْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء} من كل شيء أي من كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم. وهذه الألواح: هي التوراة. قيل: كانت من زمردة خضراء. وقيل: من ياقوتة حمراء، وقيل: من زبرجد، وقيل: من صخرة صماء. وقد اختلف في عدد الألواح، وفي مقدار طولها وعرضها. والألواح: جمع لوح، وسمي لوحاً لكونه تلوح فيه المعاني. وأسند الله سبحانه الكتابة إلى نفسه تشريفاً للمكتوب في الألواح، وهي مكتوبة بأمره سبحانه. وقيل: هي كتابة خلقها الله في الألواح. و {مِن كُلّ شَىْء } في محل نصب على أنه مفعول {كَتَبْنَا } و {مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً } بدل من محل كل شيء، أي موعظة لمن يتعظ بها من بني إسرائيل وغيرهم، وتفصيلاً للأحكام المحتاجة إلى التفصيل {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } أي: خذ الألواح بقوّة، أي بجدّ ونشاط. وقيل الضمير عائد إلى الرسالات، أو إلى كل شيء، أو إلى التوراة. قيل: وهذا الأمر على إضمار القول، أي فقلنا له خذها. وقيل: إن {فَخُذْهَا } بدل من قوله: {فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي بأحسن ما فيها بما أجره أكثر من غيره، وهو مثل قوله تعالى: {أية : ٱتَّبَعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُـمْ }تفسير : [الزمر: 55]، وقوله: {أية : فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } تفسير : [الزمر: 18]، ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه، والعمل بالعزيمة دون الرخصة، وبالفريضة دون النافلة، وفعل المأمور به، وترك المنهيّ عنه. قوله: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قيل: هي أرض مصر التي كانت لفرعون وقومه. وقيل منازل عاد وثمود. وقيل هي جهنم. وقيل منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها. وقيل الدار: الهلاك. والمعنى: سأريكم هلاك الفاسقين. وقد تقدّم تحقيق معنى الفسق. قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } قيل: معنى {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ } سأمنعهم فهم كتابي. وقيل: سأصرفهم عن الإيمان بها. وقيل: سأصرفهم عن نفعها مجازاة على تكبرهم كما في قوله: {أية : فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمْ } تفسير : [الصف: 5]. وقيل: سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها ولا يعتبروا بها. واختلف في تفسير الآيات، فقيل هي المعجزات. وقيل: الكتب المنزلة. وقيل: هي خلق السموات والأرض، وصرفهم عنها أن لا يعتبروا بها. ولا مانع من حمل الآيات على جميع ذلك حمل الصرف على جميع المعاني المذكورة. و {بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } إما متعلق بقوله: {يَتَكَبَّرُونَ } أي يتكبرون بما ليس بحق، أو بمحذوف وقع حالاً، أي يتكبرون متلبسين بغير الحق. قوله: {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} معطوف على {يتكبرون} منتظم معه في حكم الصفة. والمعنى: سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات. ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة، والآيات التكوينية، والمعجزات، أي لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت. وقرأ مالك بن دينار «يروا» بضم الياء في الموضعين. وجملة: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } معطوفة على ما قبلها داخلة في حكمها. وكذلك جملة: {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَىّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} والمعنى: أنهم إذا وجدوا سبيلاً من سبل الرشد تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلاً من سبل الغيّ سلكوه واختاروه لأنفسهم. قرأ أهل المدينة وأهل البصرة {الرشد} بضم الراء وإسكان الشين. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصماً بفتح الراء والشين. قال أبو عبيدة: فرق أبو عمرو بين الرشد والرشد فقال: الرُّشد الصلاح والرُّشد في الدين. قال النحاس: سيبويه يذهب إلى أن الرشد والرشد، كالسخط والسخط. قال الكسائي: والصحيح عن أبي عمرو، وغيره، ما قال أبو عبيدة. وأصل الرشد في اللغة: أن يظفر الإنسان بما يريد، وهو ضدّ الخيبة، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى الصرف، أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم، أو الإشارة إلى التكبر وعدم الإيمان بالآيات، وتجنب سبيل الرشد، وسلوك سبيل الغيّ، واسم الإشارة مبتدأ، وخبره جملة: {بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها. والموصول في {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا وَلِقَاء ٱلآخِرَةِ } مبتدأ. وخبره {حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ }، والمراد بلقاء الآخرة لقاء الدار الآخرة: أي لقائهم لها، أو لقائهم ما وعدوا به فيها على أن الإضافة إلى الظرف، وحباط الأعمال بطلانها، أي بطلان ما عملوه مما صورته صورة الطاعة، كالصدقة والصلة، وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم. ويحتمل أن يراد أنها تبطل بعدما كانت مرجوّة النفع على تقدير إسلامهم، لما في الحديث الصحيح: «حديث : أسلمت على ما أسفلت من خير»تفسير : . {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الكفر بالله، والتكذيب بآياته، وتنكب سبيل الحق، وسلوك سبيل الغيّ. وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال: لما كلم الله موسى قال: يا ربّ أهكذا كلامك؟ قال: يا موسى إنما أكلمك بقوّة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئاً. وأخرج البزار، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الأسماء والصفات، من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما كلم الله موسى يوم الطور، كلمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه، فقال له موسى: يا ربّ، أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال: يا موسى إنما كلمتك بقوّة عشرة آلاف لسان، ولي قوّة الألسن كلها، وأقوى من ذلك. فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقتل، في أحلا حلاوة سمعتموه، فذاك قريب منه وليس به»تفسير : . وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، قال: إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء، فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد، إلا مات من نور ربّ العالمين. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } يقول: أعطني أنظر إليك. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية، قال: لما سمع الكلام طمع في الرؤية. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: حين قال موسى لربه تبارك وتعالى {رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } قال الله: يا موسى إنك لن تراني، قال يقول: ليس تراني ولا يكون ذلك أبداً، يا موسى إنه لن يراني أحد فيحيا، قال موسى ربّ إني أراك ثم أموت، أحبّ إليّ من أن لا أراك ثم أحيا، فقال الله لموسى: يا موسى انظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } يقول: فإن ثبت مكانه لم يتضعضع، ولم ينهد لبعض ما يرى من عظمتي {فَسَوْفَ تَرَانِى } أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل انهدّ بقوّته وشدته وعظمته، فأنت أضعف وأذلّ. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عدي في الكامل، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق، عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا } قال هكذا، وأشار بأصبعيه ووضع إبهامه على أنملة الخنصر. وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر. فساخ الجبل {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } وفي لفظ، فساخ الجبل في الأرض، فهو يهوى فيها إلى يوم القيامة، وهذا الحديث حديث صحيح على شرط مسلم. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن عباس، قال: الجبل الذي أمره الله أن ينظر إليه الطور. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والبيهقي في كتاب الرؤية، عن ابن عباس {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر {جَعَلَهُ دَكّا } قال: تراباً {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } قال: مغشياً عليه. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والديلمي، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، وبمكة: حراء وثبير وثور»تفسير : . وأخرج الطبراني في الأوسط، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «حديث : لما تجلى الله لموسى، تطايرت سبعة أجبل، ففي الحجاز خمسة منها، وفي اليمن اثنان، في الحجاز: أحد وثبير وحراء وورقان، وفي اليمن: حضور وصبر»تفسير : . وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس، أن موسى لما كلمه ربه أحبّ أن ينظر إليه فسأله فقال: {لَن تَرَانِى وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ } قال: فحفّ حول الجبل الملائكة، وحفّ حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحفّ حولهم بنار، ثم تجلى ربه للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكاً وخرّ موسى صعقاً، فلم يزل صعقاً ما شاء الله، ثم أفاق فقال: سبحانك تبت إليك وأنا أوّل المؤمنين من بني إسرائيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ عن عليّ ابن أبي طالب، قال: كتب الله الألواح لموسى، وهو يسمع صريف الأقلام في لوح. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة، كان طول اللوح اثنى عشر ذراعاً»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد ابن جبير، قال كانوا يقولون كانت الألواح من ياقوتة. وأنا أقول: إنما كانت من زمرّد وكتابها الذهب، كتبها الله بيده، فسمع أهل السموات صريف الأقلام. أقول: رحم الله سعيداً، ما كان أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه، فمثله لا يقال بالرأي ولا بالحدس، والذي يغلب به الظن أن كثيراً من السلف رحمهم الله كانوا يسألون اليهود عن هذه الأمور. فلهذا اختلفت واضطربت، فهذا يقول من خشب، وهذا يقول من ياقوت. وهذا يقول من زمرّد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا يقول من برد، وهذا يقول من حجر. وأخرج أبو الشيخ، عن السدي {وَكَتَبْنَا لَهُ فِى ٱلألْوَاحِ مِن كُلّ شَىْء } كل شيء أمروا به ونهوا عنه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، مثله. وقد اختلف السلف في المكتوب في الألواح اختلافاً كثيراً. ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ذلك لعدم التنافي. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } قال بجدّ وحزم {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال: دار الكفار. وأخرج ابن جرير عنه {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } قال: أمر موسى أن يأخذها بأشدّ مما أمر به قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } قال: بطاعة. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن السدي في قوله: {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ } يعني: بجدّ واجتهاد {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } قال: بأحسن ما يجدون منها. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال: مصيرهم في الآخرة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن قتادة، قال: منازلهم في الدنيا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الحسن، قال: جهنم. وأخرج أبو الشيخ، عن قتادة، قال: مصر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السدي، في قوله: {سَأَصْرِفُ عَنْ ءايَـٰتِي } قال: عن أن يتفكروا في آياتي. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج {عَنْ ءايَـٰتِي } قال: عن خلق السموات والأرض، والآيات التي فيها، سأصرفهم عن أن يتفكروا فيها أو يعتبروا. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سفيان بن عيينة في الآية قال: أنزع عنهم فهم القرآن.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {...قَالَ رَبِّ أَرِني أَنظُرُ إِلَيْكَ} الآية، في سؤال موسى ذلك لربه ثلاثة أقاويل: أحدها: ليرد عليه من جواب الله ما يحتج به على قومه حين قالوا: {أية : لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة: 55] مع علم موسى بأنه لا يجوز أن يراه في الدنيا. والثاني: أنه كان يعلم ذلك باستدلال فأجب أن يعلمه ضرورة. والثالث: أنه جوّز ذلك وظنه وأن رؤيته في الدنيا ممكنة، قاله الحسن، والربيع، والسدي. فأجابه الله بأن {قَالَ لَن تَرَانِي}. ثم أظهر في الجواب ما يعلم به استحالة مسألته فقال: {وَلَكِن انظُرْ إلىَ الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} لأن الجبل إذا لم يستقر لرؤيته فالإنسان بذلك أولى. {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ للِجَبَلِ} معنى تجلى ظهر مأخوذ من جلاء العروس إذا ظهرت، ومن جلاء المرآة إذا أضاءت. وفي تجليه أربعة أقاويل: أحدها: أنه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل. والثاني: أنه أظهر للجبل من ملكوته ما تدكدك به، لأن الدنيا لا تقوم لما يبرز من ملكوت السماء. والثالث: أنه أبرز قدر الخنصر من العرش. والرابع: ظهر أمره للجبل. {جَعَلَهُ دَكّاً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: يعني مستوياً بالأرض، مأخوذ من قولهم ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام، قاله ابن قتيبة وابن عيسى. والثاني: أنه ساخ في الأرض، قاله الحسن وسفيان. والثالث: أنه صار تراباً، قاله ابن عباس. والرابع: أنه صار قطعاً. قال مقاتل: وكان أعظم جبل بمدين تقطع ست قطع تفرقت في الأرض، صار منها بمكة ثلاثة أجبل: ثبير وغار ثور وحراء. وبالمدينة ثلاثة أجبل: رضوى وأحد وورقان. والله أعلم. {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} فيه قولان: أحدهما: ميتاً، قاله قتادة. والثاني: مغشياً عليه، قاله ابن عباس، والحسن، ابن زيد. قال ابن عباس: أخذته الغشية الخميس من يوم عرفة وأفاق عشية الجمعة وفيه نزلت عليه التوراة وهو يوم النحر العاشر من ذي الحجة، وفيها عشر آيات أنزلها الله في القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم في ثماني عشرة من سورة بني إسرائيل. {فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيكَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه تاب من الإقدام على المسألة قبل الإذن فيها. والثاني: أنه تاب من اعتقاده جواز رؤيته في الدنيا. والثالث: أنه قال ذلك على جهة التسبيح وعادة المؤمنين عند ظهور الآيات. الدالة على عظيم قدرته. {وَأَنَّاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} فيه قولان: أحدهما: أول المؤمنين بأنه لا يراك شيء من خلقك، قاله ابن عباس، والحسن: والثاني: وأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَرِنِى} سأل الرؤية ليجاب بما يحتج به على قومه إذ قالوا {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] مع علمه أنه لا يجوز أن يراه في الدنيا، أو كان يعلمه باستدلال فأحبَّ أن يعلمه ضرورة، أو كان يظن ذلك حتى ظهر له ما ينفيه. {تَجَلَّى} ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل، أو ظهر من ملكوته للجبل ما تدكدك به، لأن الدنيا لا تقوم لما يظهر من ملكوت السماء، أو ظهر قدر الخنصر من العرش، أو أظهر أمره للجبل، والتجلَّي: الظهور، ومنه جلاء المرآة وجلاء العروس. {دَكّاً} مستوياً بالأرض، ناقة دكاء لا سنام لها، أو ساخ في الأرض أو صار تراباً، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ أو صار قطعاً. {صَعِقاً} ميتاً، أو مغشياً عليه، قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهماـ أخذته العشية عشية الخميس يوم عرفة فأفاق عشية الجمعة يوم النحر وفيه نزلت عليه التوراة، فيها عشرة آيات نزلت في القرآن في ثماني عشرة آية من بني إسرائيل. {تُبْتُ} من السؤال قبل الإذن، أو من تجويز الرؤية في الدنيا، أو ذكر ذلك على جهة التسبيح، لأن المؤمن يسبِّح عند ظهور الآيات. {أَوَّلُ الْمؤْمِنِينَ} أنه لا يراك شيء من خلقك في الدنيا، أو باستعظام سؤال الرؤية.

السيوطي

تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {قال رب أرني} يقول: أعطني أنظر إليك . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة {قال رب أرني أنظر إليك} قال: لما سمع الكلام طمع في الرؤية . وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: حين قال موسى لربه تبارك وتعالى {رب أرني أنظر إليك} قال الله له : يا موسى إنك لن تراني. قال: يقول ليس تراني. قال: لا يكون ذلك أبداً يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا. فقال موسى: رب أن أراك ثم أموت أحبُ إليَّ من أن لا أراك ثم أحيا. فقال الله لموسى: يا موسى أنظر إلى الجبل العظيم الطويل الشديد {فإن استقر مكانه} يقول: فإن ثبت مكانه لم يتضعضع ولم ينهد لبعض ما يرى عظمى {فسوف تراني} أنت لضعفك وذلتك، وإن الجبل تضعضع وأنهد بقوّته وشدته وعظمه فأنت أضعف وأذل . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {رب أرني أنظر إليك} قال " حديث : قال الله عز وجل : يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده، ولا رطب إلا تفرق، وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم " . تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإنه أكبر منك وأشد خلقاً. قال {فلما تجلى ربه للجبل} فنظر إلى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل يندك على أوّله ، فلما رأى موسى ما يصنع الجبل خرَّ موسى صعقاً . وأخرج أبو مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما أوحى الله إلى موسى بن عمران: إني مكلمك على جبل طور سيناء، صار من مقام موسى إلى جبل طور سيناء أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، رعد وبرق وصواعق فكانت ليلة قر، فجاء موسى حتى وقف بين يدي صخرة جبل صور سيناء، فإذا هو بشجرة خضراء، الماء يقطر منها وتكاد النار تلفح من جوفها، فوقف متعجباً فنودي من جوف الشجرة: يا ميشا. فوقف موسى مستمعاً للصوت...؟! فقال موسى: من هذا الصوت العبراني يكلمني؟! فقال الله له: يا موسى إني لست بعبراني، إني أنا الله رب العالمين. فكلم الله موسى في ذلك المقام بسبعين لغة، ليس منها لغة إلا وهي مخالفة للغة الأخرى، وكتب له التوراة في ذلك المقام، فقال موسى: إلهي أرني أنظر إليك. قال: يا موسى إنه لا يراني أحد إلا مات. فقال موسى: إلهي أرني إليك وأموت فأجاب موسى جبل طور سيناء: يا موسى بن عمران لقد سألت أمراً عظيماً، لقد ارتعدت السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن، وزالت الجبال واضطربت البحار لعظم ما سألت يا ابن عمران. فقال موسى وأعاد الكلام: رب أرني أنظر إليك . فقال: يا موسى أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فإنك تراني {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً} مقدار جمعة ، فلما أفاق موسى مسح التراب عن وجهه وهو يقول {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} فكان موسى بعد مقامه لا يراه أحد إلا مات ، واتخذ موسى على وجهه البرقع فجعل يكلم الناس بقفاه ، فبينا موسى ذات يوم في الصحراء فإذا هو بثلاثة نفر يحفرون قبراً حتى انتهوا إلى الضريح، فجاء موسى حتى أشرف عليهم فقال لهم: لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا له: الرجل كأنه أنت أو مثلك أو في طولك أو نحوك. فلو نزلت فقدرنا عليك هذا الضريح. فنزل موسى فتمدد في الضريح ، فأمر الله الأرض فانطبقت عليه . تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي في الكامل وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في كتاب الرؤية من طرق عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وسلم حديث : قرأ هذه الآية {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال "هكذا، وأشار بأصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر. وفي لفظ: على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل {وخرّ موسى صعقاً} وفي لفظ: فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة" . تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه من طريق ثابت عن أنس حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {فلما تجلى ربه للجبل} قال "أظهر مقدار هذا، ووضع الإِبهام على خنصر الأصبع الصغرى، فقال حميد : يا أبا محمد ما تريد إلى هذا؟ فضرب في صدره وقال: من أنت يا حميد ، وما أنت يا حميد؟! يحدثني أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول أنت؟ ما تريد إلى هذا؟ " . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: الجبل الذي أمر الله ينظر إليه : الطور . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الرؤية عن ابن عباس {فلما تجلى ربه للجبل} قال: ما تجلى إلا قدر الخنصر {جعله دكاً} قال: تراباً {وخرّ موسى صعقاً} قال: مغشياً عليه . وأخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:حديث : لما تجلى الله لموسى كان يبصر دبيب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أنس بن مالك. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : لما تجلى الله للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة، أحد، وورقان، ورضوى. وبمكة حراء، وثبير، وثور " . تفسير : وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : لما تجلى الله لموسى تطايرت سبعة جبال. ففي الحجاز منها خمسة وفي اليمن إثنان، وفي الحجاز أحد، وثبير وحراء، وثور، وورقان، وفي اليمن حصور، وصير " . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال: اسمع موسى قال له: إني أنا الله قال: وذاك عشية عرفة، وكان الجبل بالموقف فانقطع على سبع قطع: قطعة سقطت بين يديه وهو الذي يقوم الإِمام عنده في الموقف يوم عرفة، وبالمدينة ثلاثة طيبة، وأحد ، ورضوى، وطور سيناء بالشام. وإنما سمي الطور: لأنه طار في الهواء إلى الشام . وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله حديث : {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال "أخرج خنصره" . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاء} مثقلة ممدودة" . وأخرج ابن مردويه والحاكم وصححه عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {دكاً} منوّنة ولم يمده" . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : فلما تجلى ربه للجبل طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعن بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى، ووقع بمكة ثور، وثبير، وحراء " . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه والحاكم وصححه عن ابن عباس. أن موسى لما كلمه ربه أحب أن ينظر إليه، فسأله فقال {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} قال: فحف حول الجبل بالملائكة، وحف حول الملائكة بنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حولهم بنار، ثم تجلى ربك للجبل تجلى منه مثل الخنصر، فجعل الجبل دكاً وخر موسى صعقاً ، فلم يزل صعقاً ما شاء الله، ثم إنه أفاق فقال {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} يعني أوّل المؤمنين من بني إسرائيل . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {فلما تجلى ربه للجبل} قال: كشف بعض الحجب . وأخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه كان يقرأ هذا الحرف {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال: كان حجراً أصم، فلما تجلى له صار تلاً تراباً دكاً من الدكوات . وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وأبو الشيخ عن سفيان في قوله {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال: ساخ الجبل إلى الأرض حتى وقع البحر فهو يذهب بعد . وأخرج أبو الشيخ عن أبي معشر قال: مكث موسى أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من نور رب العالمين، ومصداق ذلك في كتاب الله {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال: تراباً . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عروة بن رويم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صماً ملساً ليس فيها كهوف ولا شقوق، فلما تجلى الله لموسى على الطور صار الطور دكاً ، وتفطرت الجبال فصارت فيها هذه الكهوف والشقوق . وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله {دكاً} قال: الأرض المستوية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة {جعله دكاً} قال: دك بعضه بعضاً . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس {وخر موسى صعقاً} قال: غشي عليه إلا أن روحه في جسده {فلما أفاق قال} لعظم ما رأى {سبحانك} تنزيهاً لله من أن يراه {تبت إليك} رجعت عن الأمر الذي كنت عليه {وأنا أول المؤمنين} يقول: أول المصدقين الآن لا يراك أحد . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وأنا أوّل المؤمنين} يقول: أنا أول من يؤمن أنه لا يراك شيء من خلقك . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {وخر موسى صعقاً} أي ميتاً {فلما أفاق} قال: ردَّ الله عليه روحه ونفسه {قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المومنين} أنه لن تراك نفس فتحيا وإليها يفزع كل عالم . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {تبت إليك} قال: من سؤالي إياك الرؤية {وأنا أول المؤمنين} قال: أول قومي إيماناً . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية في قوله {وأنا أوّل المؤمنين} قال: قد كان إذن قبله مؤمنون ولكن يقول: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة . وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوِزيَ بصعقة الطور " .

ابو السعود

تفسير : {وَلَمَّا جَاء مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا} لوقتنا الذي وقتناه، واللامُ للاختصاص، أي اختَصَّ مجيئُه بميقاتنا {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير واسطةٍ كما يكلم الملائكة عليهم السلام، وفيما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يسمع ذلك من كل جهةٍ تنبـيهٌ على أن سماعَ كلامِه عز وجل ليس من جنس سماعِ كلام المحدّثين {قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ} أي أرني ذاتَك بأن تمكِّنَني من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظرَ إليك وأراك. هو دليلٌ على أن رؤيتَه تعالى جائزةٌ في الجملة لما أن طلبَ المستحيلِ مستحيلٌ من الأنبـياء لا سيما ما يقتضي الجهلَ بشؤون الله تعالى ولذلك رده بقوله: لن تراني دون لن أُرىٰ ولن أُرِيَك ولن تنظُرَ إليّ تنبـيهاً على أنه قاصرٌ عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه ذلك بعدُ، وجعلُ السؤالِ لتبكيت قومِه الذين قالوا: أرنا الله جهرةً خطأٌ إذ لو كانت الرؤيةُ ممتنعةً لوجب أن يُجهِّلَهم ويُزيحَ شبهتَهم كما فعل ذلك حين قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا} تفسير : وأن لا يتبعَ سبـيلَهم كما قال لأخيه: ولا تتبعْ سبـيلَ المفسدين، والاستدلالُ بالجواب على استحالتها أشدُّ خطأً إذ لا يدل الإخبارُ بعدم رؤيتِه إياه على أنه لا يراه أبداً وأنه لا يراه غيرُه أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالتها دعوى الضرورةِ مكابرة أو جهل لحقيقة الرؤية. {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل: فماذا قال ربُّ العزة حين قال موسى عليه السلام ما قال؟ فقيل: قال: {لَن تَرَانِى وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى} استدراكٌ لبـيان أنه لا يُطيق بها، وفي تعليقها باستقرار الجبلِ أيضاً دليلٌ على الجواز ضرورةَ أن المعلَّق بالممكن ممكنٌ, والجبلُ قيل: هو جبل أردن {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} أي ظهرت له عظمتُه وتصدّى له اقتدارُه وأمرُه وقيل: أُعطي الجبلُ حياةً ورؤيةً حتى رآه {جَعَلَهُ دَكّا} مدكوكاً مُفتّتاً، والدكُّ والدقُّ أخَوَان كالشك والشق وقرىء دكاً أي أرضاً مستويةً ومنه ناقةٌ دكاءُ للتي لا سنامَ لها، وقرىء دُكاً جمعُ دكّاءَ أي قطعاً {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا} مغشياً عليه من هول ما رآه {فَلَمَّا أَفَاقَ} الإفاقةُ رجوعُ العقلِ والفهم إلى الإنسان بعد ذهابِهما بسبب من الأسباب {قَالَ} تعظيماً لما شاهده {سُبْحَـٰنَكَ} أي تنزيهاً لك من أن أسألك شيئاً بغير إذنٍ منك {تُبْتُ إِلَيْكَ} أي من الجراءة والإقدامِ على السؤال بغير إذن {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي بعظمتك وجلالِك وقيل: أولُ من آمن بأنك لا تُرى في الدنيا وقيل: بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الآية: 143]. قال أبو سعيد: من غَيرَةِ الله تعالى أنه لم يكلم موسى إلا فى جوف الليل، وغيَّبه عن كل ذى حسب حتى لم يحضر كلامه معه أحد سواه، وكذلك محادثته مع الأنبياء. قال القرشى: إنما كلم الله موسى بإيَّاه، ولو كلمه على حد العظمة لذاب وصار لا شىء. قال الواسطى رحمة الله عليه: لما غاب موسى عن أنفاسه وحركاته وقام مقام الانفراد مع الله ناداه { أية : إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ } تفسير : [القصص: 30]. قال جعفر فى قوله: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} قال: الميقات طلب الرؤية. وقال جعفر: سمع كلامه خارجًا عن بشريته وأضاف الكلام إليه، وكلَّمه من نفسه موسى وعبوديته فغاب موسى عن نفسه وفنى عن صفاته، وكلَّمه ربه من حقائق معانيه، فسمع موسى صلى الله عليه وسلم من ربه ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع من ربه صفة ربه، وكان أحمد المحمودين عند ربه، ومن هذا كان مقام محمد صلى الله عليه وسلم المنتهى، ومقام موسى عليه السلام الطور، ومنذ كلم الله موسى على الطور أفنى صفته، فلم يظهر فيه النبات ولا تمكين لأحدٍ عليه. وقال الحسين فى قوله: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} قال: أزال عنه التوقيف والترتيب، وجاء إلى الله على ما دعاه إليه وأراده له وأخذه عليه وأوجده منه وأظهره عليه، ببذل الجهد والطاقات وركوب الصعب والمشقات، فلما لم تبق عليه باقية بها يمتنع، أقيم مقام المواجهة والمخاطبة وأطلق مصطنعة لسانه بالمراجعة والمطالبة، أما سمعت قوله قبل هذه الحال طالبًا منه لما طولع بحال الربوبية وكوشف بمقام الإلهية سائلاً حل عقدةٍ من لسانه ليكون - إذا كان ذلك - مالكًا لنطقه وبيانه. وقيل: فسأل ربه شرح صدره ثم نظر إلى أليق الأحوال، وإذا هو تيسير أمره فسأل ذلك على التمام لتترقى به حاله إلى أرفع المقام وهو المجئ إلى الله بالله، لما علم أن من وصل إليه لم تعترض عليه عارضة، حينئذٍ صلح للمجئ إلى الله وحده بلا شريك ولا نظير وكان ممن وَفَّى المواقيت حقها، غابت عنه الأحوال فلم يرها وذهبت عن عينه وحضوره، وما عداها إلا ما كان للحق منه ومعه حتى تحقق بقوله { أية : قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ } تفسير : [طه: 36] فهذا حال المجئ وهذا معنى قوله {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} تفرد بكلامه لأنه كان قبل ذلك مكلمًا بالسر والسفرة والوسائط، فلما رقى الله به إلى المقام للأجل وحققه بالحال الأعظم الأرفع، خاطبه مكلمًا على الكشف، وغيَّبه عن كل عين رائية ومرئية وكل صورة مكونة ومنشئة إلا ما كان من المُكَلِّم والمُكَلَّم، وأفرد الله عبده بالشرف الأعظم فسمع خطابًا لا كالمخاطبات ومناج منه وله عند ذلك طلب لا كالمطالبات، واقتضى من الله ما لم تكن قبل يقتضيه، فلذلك سأل النظر إليه إذ رجع إلى حقيقته فرأى الله فى كل منظور ومبصر، فلما تحققت له هذه الأحوال {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} فإنى فى كل مرادى راجع إليك، أى أرنى ما شئت فلست أرى غيرك مقابلى، إذ تحققت بما حققتنى به إنك غير مزايلى ألم يدلك على ذلك خطابه ورجوعه إليك إذ ذاك جوابه أرنى فإليك أنظر وأحضر ما شئت فلست غيرك أحضر بعد أن تحققت منك بحالٍ توجب لى منك ذاك، وحق لمن تحقق بهذا وتمكن فيه أن ينفرد بسؤال لا تشاركه فيه الخليقة. قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الآية: 143]. فهو أشد منك جسدًا وأعظم منك خلقًا وأهيب منك منظرًا، فإن ثبت لرؤيتى ثبت ولا يحملنى ولا يصبر لمشاهدتى شىء إلا قلوب العارفين التى زينتها بمعرفتى وأيدتها بأنوار كرامتى وقدستها بنظرى ونورتها بنورى، فإن حملنى شىء وصبر لمشاهدتى فتلك القلوب دون غيرها، لذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: " حديث : حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شىء أدركه بصره ". تفسير : ثم إذا حملتنى تلك القلوب وصبت لمشاهدتى فأنا حاملى لا غير، إذ بى حملنى وبإياى صبر لمشاهدتى، فلا مشاهدة للحق سواه جَلَّ ربنا وتعالى. قال ابن عطاء فى قوله: {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}: شغله بالجبل ثم تجلى، ولو لم يشغله بالجبل لمات وقت التجلى. وقال الحسين قوله لموسى {لَن تَرَانِي}: لو تركه على ذلك لتقطع شوقًا إليه، ولكنه سكَّنهُ بقوله: {وَلَـٰكِنِ}. وقال أيضًا فى هذه الآية: انبسط على ربه فى معانى الرؤية لما كان يرجع منه إلى شىء سواه. قال الواسطى رحمة الله عليه: {لَن تَرَانِي}: إلى وقت ولا على الأبد. وقال: كان موسى غائبًا عن طبع البشرية، حتى استطاع المقام فى وقت الكلام والمفاجأة، فلما وجد حلاوة كلامه طلب الكشف فى الحال غائبًا عن الحال كذلك. قال يحيى بن معاذ: وعد نعمك يشير إلى وفاء كرمك. وقال جعفر: انبسط إلى ربه فى معنى رؤيته لأنه رأى جمال كلامه على قلبه فيه، فانبسط إليه فقال له {لَن تَرَانِي} أى لا تقدر أن ترانى، لأنك أنت الفانى فكيف السبيل لفانٍ إلى باق؟ ولكن انظر إلى الجبل أوقع على الجبل علم الاطلاع فصار دكًا متفرقًا، زال الجبل من ذكر اطلاع ربه، وصعق موسى من رؤية تدكدك الجبل فكيف له برؤية ربه عيانًا، معاينة رؤية الله لعبده والعبد فانٍ، ورؤية العبد لربه والعبد بربه باقٍ ثم قال ثلاث من يلتمس العبيد إلى ربهم محال: التجلى والوصلة والمعرفة، فلا عين تراه فى الدنيا، ولا قلب يصل إليه، ولا عقل يعرفه لأن أصل المعرفة من الفطرة، وأصل المواصلة من المسافة، وأصل المشاهدة من المباينة. وقال جعفر فى قوله: {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}: شغله بالجبل ثم تجلى ولولا ما كان من اشتغاله بالجبل؛ لمات موسى صعقًا بلا إفاقة. قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} [الآية: 143]. قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله {جَعَلَهُ دَكّاً} قال: امَّاع كأن لم يكن قط، ولا عجب لهيبة ما ورد عليه. قال أبو سعيد القرشى: الكرم والجمال يبقيان والإجلال والهيبة يفنيان، كما أن الله كلَّم موسى بصفة الهيبة، تجلى للجبل فصار الجبل دكًا وخرَّ موسى صعقًا، وكان آخر عهده بالنسيان ولم يتهيأ لأحدٍ أن ينظر إلى وجهه. قال الواسطى رحمة الله عليه: وصل إلى الخلق من صفاته ونعوته على مقاديرهم لا كليَّة الصفات، كما أن التجلى لم يكن بكلية الذات. وقال بعضهم: ينال الكون من صفاته ونعوته على قدر احتمالهم. قال الواسطى رحمة الله عليه: قالوا لن يغيب التجلى والله يقول: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}. وقال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن الله إذا تجلى لشىء خشع له ". تفسير : قلت: ذلك على التعارف ومقادير الطاقات أليس يستحيل أن يقال: تجلى الهواء لذرة واحدة، لو احتجب لساواها ولو تجلى لقاريها وهو أجلَّ من أن يخفى ويستتر وأعز من أن يرى، ويتجلى إلى وقت الميعاد تنزه عن أن تقع عليه للإلحاظ بمعانيها، أو يقع تحت الألسنة بأمانيها. قال: وجرى بين الجنيد رحمة الله عليه ذكر قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ} الآية فصاح وقال: بالجعل صار دكًا لا بالتجلى، ولو وقع عليه آثار التجلى لأفناه، فكيف التجلى. وقال بعضهم: انفرد موسى بالتجلى لما صعق كأنه لما سأل الرؤية قيل له: أنت لا ترانا ببشريتك فقال: أفننى عنى وعن بشريتى فأفناه، وانفرد الحق بذاته فتجلى لموسى فى حال صعقته، لأنه كان معه قائمًا بالمحبة. قال الله تعالى: { أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } تفسير : [طه: 39]. فأفناه حتى رآه ثم رده إلى صفاته. قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ}. قال بعضهم: تبت أن أسألك حظًا لى، إذ لا يحيط بك أحد ولا يشهدك غيرك. {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} الآية. قال ابن خفيف: لما قال: إن استقر مكانه فسوف ترانى. قال: تبت إليك من أن لا أصدقك بكل ما ورد منك ولا أطالب بالعلاقات، وذلك كما قال: {أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} لم يكفه هذا حتى قال: {انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} فالتوبة من هذا. قال الواسطى رحمة الله عليه: لم يزل المقصود ممتنعًا من الاستغراق، ألا ترى إلى قول موسى {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ}. قال جعفر فى قوله: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} قال: نزه ربه واعترف إليه، بالعجز وتبرأ من عقله، {تُبْتُ إِلَيْكَ} رجعت إليك من نفسى، فلا أميل إلى علمى، فالعلم ما علمتنى والعقل ما أكرمتنى {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إنك لا ترى فى الدنيا وإنما جوز الكلام ولم تجوز الرؤية، لأن الرؤية الإشراف على الذات والكلام صفة من الصفات، والصفات سمات إلى عباده ولهم إلى ذلك سبيل، ولا سبيل لأحدٍ من خلقه إلى ذاته قال الله تعالى: { أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } تفسير : [طه: 110].

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}. جاء موسى مجيء المشتاقين مجيء المهيَّمين، جاء موسى بلا موسى، جاء موسى ولم يَبْقَ من موسى شيءٌ لموسى. آلافُ الرجال قطعوا مسافاتٍ طويلة فلم يذكرهم أحد، وهذا موسى خطا خطواتٍ فإلى القيامة يقرأ الصبيان: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ}. ويقال لمَّا جاء موسى لميقات باسطِ الحقِّ - سبحانه - سقط بسماع الخطاب، فلم يتمالك حتى قال: {أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}، فإنَّ غَلَبَاتِ الوجد عليه استنطقته بطلب كمال الوصلة من الشهود، وكذا قالوا: شعر : وأبرحُ ما يكونُ الشوقُ يوماً إذا دَنَتْ الخيامُ من الخيام تفسير : ويقال صار موسى - عليه السلام - عند سماع الخطاب بعين السُّكْر فنطق ما نطق، والسكران لا يُؤخذ بقوله، ألا ترى أنه ليس في نص الكتاب معه عتاب بحرف؟ ويقال أخذته عِزَّةُ السَّمَاعِ فخرج لسانه عن طاعته جرياً على مقتضى ما صحبه مِنَ الأَرْيَحَيَّةِ وبَسْطِ الوصلة. ويقال جمع موسى - عليه السلام - كلماتٍ كثيرةً يتكلم بها في تلك الحالة؛ فإن في القصص أنه كان يتحمل في أيام الوعد كلمات الحق، ويقول لمعارفه: ألكم حاجة إلى الله؟ ألكم كلام معه؟ فإني أريد أن أمضي إلى مناجاته. ثم إنه لما جاء وسمع الخطاب لم يذكر - مما دبَّره في نفسه، وتحمله من قومه، وجمعه في قلبه - شيئاً لا حرفاً، بل نطق بما صار في الوقت غالباً على قلبه، فقال: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} وفي معناه أنشدوا: شعر : فيا ليلَ كم من حاجةٍ لي مهمة إذا جئتُكم ليلى فلم أدرِ ماهِيَا تفسير : ويقال أشدُّ الخَلْقِ شوقاً إلى الحبيب أقربُهم من الحبيب؛ هذا موسى عليه السلام، وكان عريق الوصلة، واقفاً في محل المناجاة، محدقة به سجوفُ التولي، غالبة عليه بوادِهُ الوجود، ثم في عين ذلك كان يقول: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} كأنه غائبٌ عن الحقيقة. ولكن ما ازداد القومُ شَرْباً إلا ازدادوا عطشاً، ولا ازدادوا تيماً إلا ازدادوا شوقاً، لأنه لا سبيل إلى الوصلة إلا بالكمال، والحقُّ - سبحانه - يصونُ أسرار أصفيائه عن مداخلة الملال. ويقال نطق موسى عليه السلام بلسان الافتقار فقال {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} ولا أقلَّ من نظرة - والعبد قتيل هذه القصة - فقوبل بالردِّ، وقيل له: {لَن تَرَانِي} وكذا قهر الأحباب ولذا قال قائلهم: شعر : جَوْرُ الهوى أحسن من عَدْلِه وبخله أظرف من بذله تفسير : ويقال لمَّا صرَّح بسؤال الرؤية، وجهر صريحاً رُدَّ صريحاً فقيل له: {لَن تَرَانِي}، ولما قال نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بِسِرِّه في هذا الباب، وأشار إلى السماء منتظراً الرد والجواب من حيث الرمز نزل قوله تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}تفسير : [البقرة: 144] فردَّه إلى شهود الجهات والأطلال إشارة إلى أنه أعزُّ من أن يطمح إلى شهوده - اليوم - طَرْفٌ، بل الألحاظ مصروفة موقوفة - اليومَ - على الأغيار. ويقال لما سَمَتْ همَّتُه إلى أسنى المطالب - وهي الرؤية - قوبل "بِلَنْ، ولمَّا رجِعَ إلى الخلْق وقال للخضر {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}تفسير : [الكهف: 66]، قال الخضر: {أية : قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} تفسير : [الكهف: 67] فقابله بلن، فصار الردُّ موقوفاً على موسى - عليه السلام من الحق ومن الخلْق، ليكون موسى بلا موسى، ويكون موسى صافياً عن كل نصيب لموسى من موسى، وفي قريب منه أنشدوا: شعر : (......) نحنُ أهلُ منازلٍ أبداً غرابُ البيْن فينا ينعق تفسير : ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرقة فقال: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} فأجيب بلن لأن عين الجمع أتم من عين الفَرْق. فزع موسى حتى خَرَّ صعقاً، والجبل صار دَكَّاً. ثم الروْح بعد وقوع الصعقة على القالب مكاشفته بما هو حقائق الأحدية، ويكون الحقُّ - بعد امتحاء معالم موسى - خيراً لموسى من بقاء موسى لموسى، فعلى الحقيقة: شهود الحقائق بالحقِّ أتمُ من بقاء الخلق بالخلق، كذا قال قائلهم: شعر : ولوجهها من وجهها قمرٌ ولعينها من عينها كحل تفسير : ويقال البلاء الذي ورد على موسى بقوله: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} أتمُّ وأعظم منه قولُه: {لَن تَرَانِي} لأن ذلك صريحٌ في الرد، وفي اليأس راحة. لكنَّه لما قال فسوف أطْمِعُه فيما مُنعِه فلما اشتد موقُفه جعل الجبل دكاً، وكان قادراً على إمساك الجَبَل، لكنه قهر الأحباب الذي به جَرَتْ سُنَّتُهم. ويقال في قوله: {انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} بلاءٌ شديد لموسى لأنه نُفِيَ عن رؤية مقصوده ومُنِيَ برؤية الجبل، ولو أذِنَ أَنْ يُغْمِضَ جفنَه فلا ينظر إلى شيء بعدما بقي عن مراده من رؤيته لكان الأمرُ أسهلَ عليه، ولكنه قال له: {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ}. ثم أشدُّ من ذلك أنه أعطى الجبل التَّجليَ؛ فالجبل رآه وموسى لم يَرَه، ثم أَمَرَ موسى بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال، وهذا - واللهِ - لصعبٌ شديد!! ولكن موسى لم ينازع، ولم يقل أنا أريد النظر إليك فإذا لم أرَكَ لا أنظر إلى غيرك بل قال: لا أرفع بصري عما أمرتني بأن أنظر إليه، وفي معناه أنشدوا: شعر : أريدُ وصالَه ويريد هجري فأترك ما أريد لما يريد تفسير : ويقال بل الحق سبحانه أراد بقوله: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} تداركَه قلبَ موسى - عليه السلام - حيث لم يترك على صريح الرد بل علله برفق كما قيل: شعر : فذريني أفني قليلاً قليلاً تفسير : ويقال لما رُدَّ موسى إلى حال الصحو وأفاق رجع إلى رأس الأمر فقال: {تُبْتُ إِلَيْكَ} يعني إن لم تكن الرؤية هي غاية المرتبة فلا أقل من التوبة، فَقَبِلَه - تعالى - لسمو همته إلى الرتبة العلية. قوله جلّ ذكره: {تُبْتُ إِلَيْكَ}. هذه إناخة بعقوة العبودية، وشرط الإنصاف ألا تبرحَ محلّ الخدمة وإِنْ حيل بينك وبين وجود القربة؛ لأن القربةَ حظُّ نفسك، والخدمةَ حقُّ ربك وهي تتم بألا تكون بحظ نفسك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولما جاء موسى لميقاتنا} اى لوقتنا الذى وقتناه وعيناه وحددناه له وهو تمام الاربعين اى اختص مجيئه بميقاتنا كما فى قولك اتيته لعشر خلون من الشهر فاللام للاختصاص وليست بمعنى عند والميقات بمعنى الوقت وقد سبق الفرق بينهما فى المجلس المتقدم. ان قيل لم وعده الله بالكلام فى الجبل وفوق العلى وتحت الثرى واحد عند حضرته وهو منزه عن الجهات. قيل ان فى الجبل وصف الثبات والعلو والتفرد لان الارض ما استقرت بغير الجبال فاثبتها الحق بها واوتدها حكمة منه وعرض الامانة عليها لاتصافها بصفة التثبت والتمكن والتفرد والتعلى ولذلك فضل الجبال فى الامكنة وشرفها بمشهد الكلام وتعلق تجلى الجمال وعرض الامانة عليها وشرح الصدر المحمدى فيها ومناجاة موسى عليها فبدا من ذلك ان فى المقامات فاضلا ومفضولا. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى البروسوى خير الجماعة جماعة الارواح وجماعتهم فى الجبال والمواضع الخالية وعلامة مجمعهم انه لا يذهب خضرة ذلك الموضع ونظارته فى الصيف والشتاء قال انما جئنا الى هذا المكان فى هذا الجبل بناء على مجيئتهم. يقول الفقير عنى به موضع زاويته المنيفة فى مدينة بروسة فى سفح الجبل المعروف هناك وقد زرته وزرت مرقده العالى فى داخل القلعة قدس الله سره. وقال وهب جاء الى طور سيناء ومعه جبريل فتطهر وطهر ثوبه وانزل الله الظلمة على سبعة فراسخ وطرد عنه الشيطان وطرد عنه هوام الارض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فرأى الملائكة قياما فى الهواء وراى العرش بارزا وسمع صرير القلم {وكلمه ربه} من غير واسطة وكيفية كما يكلم الملائكة وكان جبريل معه فلم يسمع ما كلمه ربه ولذا خص باسم الكليم لاختصاصه بذلك من بين البشر فان سائر الانبياء عليهم السلام انما يكلمهم الله بواسطة الكتاب والملك. فان قيل بأى شيء علم موسى انه كلام الله. قيل لم ينقطع كلامه بالنفس مع الحق كما ينقطع مع المخلوق بل كلمه بمدد وحدانى غير منقطع شاهد نفسه بمنزلة الآلة عند الصانع والآلة يحركها الاستاذ كيف يشاء لانه ليس للآلة تصنع وتعمل. وقيل علم انه كلام الحق وميزه عن غيره بانه سمع الكلام من الجوانب الستة فصارت جميع جوارحه كسمعه فصار الوجود كله سمعا فوجد لذة الكلام بوجوده كما وجدها بسمعه. قال ابن الشيخ فى حواشيه كلامه تعالى صفة ازلية قائمة بذاته ليست من جنس هذه الحروف والاصوات وكما لا تبعد رؤيته تعالى مع ان ذاته ليست جسما ولا عرضا فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع كونه ليس من جنس الحرف والصوت انتهى. وفى حل الرموز المؤمن فى الآخرة وجه محض وعين محض وسمع محض ينظر من كل جهة وبكل جهة وعلى كل جهة وكذا يسمع بكل عضو من كل جهة بغير جهة خاصة واذا شاهد الحق يشهده بكل وجه ليس فيه من الجهات ولا يحتجب سمعه وبصره بالجهات كما اشار سبحانه بقوله: "حديث : كنت سمعه وبصره " . تفسير : والكامل الواصل له حكم الآخرة فى الدنيا كما قال سيد الواصلين "حديث : موتوا قبل ان تموتوا وحاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا" تفسير : انتهى. يقول الفقير هذا ليس بمحل الجرح والانكار لان الله تعالى وان خلق حاسة السمع لادراك الاصوات لكن يجوز ان يدرك بحاسة ما يدرك بحاسة اخرى كما ذهب اليه علماء الكلام لان ذلك الادراك يمحض خلق الله تعالى من غير تأثير للحواس فلا يمتنع ان يخلق عقيب صرف الباصرة ادراك الاصوات. مثلا فثبت ان كل عضو من الاعضاء الانسانية يجوز ان يخلق الله تعالى فيه ما خلق فى السمع من ادراك الاصوات. ان قيل لم لم يكلم الله سائر الانبياء مشافهة الا موسى. قيل لانه لم يكن لهم من الاعداء ما لموسى كفرعون وهامان وقارون واليهود ولم يكن قوم اسوأ ادباً واقسى قلباً من قومه فخصه الله بكلامه ألا ترى سحرة القبط آمنوا فى اول دعوته وكفر قوم من اليهود بعد مشاهدتهم معجزات كثيرة فايده الله بكلامه ليتحمل به ما امتحن به من البلايا فى قومه. يقول الفقير كون عدو موسى اقوى واشد انما هو بالنسبة الى اعداء الانبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم فانه قد ثبت ان فرعون آمن عند الغرق واما ابو جهل فلا بل اظهر العداوة عند النزع فاعتبر منه قوة حاله وعلو مقامه صلى الله عليه وسلم فى المكالمة والرؤية ليلة المعراج وفى الحديث "حديث : ناجى موسى ربه بمائة الف واربعين الف كلمة فى ثلاثة ايام وصايا كلها " .تفسير : كذا فى الوسيط. وقال بعضهم كلم الله موسى اربعين يوما وليلة وهذا والله اعلم غير الاربعين المتقدمة على الوحى والتعليم. وعن فضيل بن عياض قال حدثنى بعض اشياخى ان ابليس جاء الى موسى وهو يناجى ربه فقال الملك ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحال يناجى ربه قال ارجو منه ما رجوت من ابيه آدم وهو فى الجنة. وكذا قال السدى لما كلم الله موسى غاص الخبيث ابليس فى الارض حتى خرج من بين يدى موسى فوسوس اليه ان مكلمك شيطان. يقول الفقير يرده ما سبق من ان الشيطان طرد عنه وقتئذ وهو الصحيح لان المقام لا يسع الشيطان وانما سلطانه على اهل الملك دون ارباب الملكوت وفرق بينه وهو مناج فى الطور وبين آدم وهو معاشر فى الجنة فان قلت قوله تعالى فى سورة الحج {أية : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته} تفسير : [الحج: 52]. يدل على ان كل نبى مبتلى بذلك خصوصا وقت التلاوة وهى من انواع المناجاة. قلت فرق بين التلاوة الظاهرة والمناجاة الباطنة الا ترى الى قوله عليه السلام "حديث : لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل " . تفسير : فما ظنك بالشيطان المردود الى اسفل سافلين البعد كما لاح ببالى والله اعلم ولما سمع موسى كلام ربه غلب عليه الشوق الى رؤيته وقال هذه لذة الخبر فكيف لذة النظر مع ان الكل يعمل على شاكلته وشاكلة البشر وفطرته على طلب العلو والترقى اذا ظفر بشيء طلب ما هو اعلى منه ولا اعلى من تجلى الجمال وفيض الوصال فسأل الرؤية. وفى التفسير الفارسى [جون موسى كلام حق شنيد وازجام كلام ربانى جرعه ذوق محبت جشيد فراموش كردكه او در دنياست خيال بستكه درفردوس اعلاست وجون جنت جاى مشاهده لقاست] {قال رب ارنى} ذاتك اى مكننى من رؤيتك {انظر اليك} ارك فالنظر بمعنى الرؤية الا ان المطلوب بقوله ارنى ليس ان يخلق الله تعالى رؤية ذاته المقدسة فى موسى حتى يلزم كون الشيء غاية ذاته المقدسة وتمكينه تعالى اياه من الرؤية سبب لرؤية موسى اياه تعالى فاطلق عليه اسم الرؤية المسببة عنه مجازا -روى- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال لما قال موسى عليه السلام {ارنى انظر اليك} كشف الحجاب وابرز له الجبل (وقال انظر) فنظر فاذا امامه مائة الف نبى واربعة وعشرون الف نبى محرمين ملبين كلهم يقول ارنى ارنى. واعلم ان الاجساد تنمو بنماء الاقوات كذلك الاحوال تصفو بصفاء الاوقات فقوت جسدك ما غذيته من الطيبات وقوت روحك ما ربيت به من اقوات الطاعات فى اوقات الخلوات كلما صفت الاوانى جلت ما فيها من جواهر المعانى فاذا كان عين بصيرتك منطمسة وخيول همتك منحبسة فمالك والتطاول الى منازل قوم عيون قلوبهم منبجسة وسرائرهم لانوار معارفهم من جذوة الغيب مقتبسة فلا تدع بما ليس فيك وحسبك ما يعلم الله منك ويكفيك فينبغى لك ان تقف وقوف الاصاغر وتتأدب بآداب الاكابر هذا كليم الله موسى لما كان طفلا فى حجر تربية الحق سبحانه ما تجاوز حده بل قال {أية : رب إنى لما أنزلت إلىَّ من خير فقير} تفسير : [القصص: 24]. فلما بلغ مبلغ الرجال ما رضى بطعام الاطفال بل قال {رب ارنى انظر اليك} وهو حجة اهل السنة والجماعة على جواز رؤية الله تعالى فإن موسى اعتقد جوازها حين سألها واعتقاد جواز ما لا يجوز على الله تعالى كفر ومن جوز ذلك على موسى او على احد من الانبياء فهو كافر كما فى التيسير. قال حضرة الشيخ الكبير صدر الدين القنوى فى فك ختم الفص الداودى من شأن الكمل ان كل ما هو متعذر الحصول لاحد من الخلق وهو عندهم وبالنسبة الى كمال قابليتهم غير متعذر ولا يستحيل الا ان يخبرهم الحق باخبار مخصوص خارج من خواص المواد والوسائط فحينئذ يصدقون ربهم ويحكمون باستحالته وحصول ذلك كحال موسى فى طلب الرؤية على وجه مخصوص فلما اخبر بتعذر ذلك تاب وآمن انتهى {قال} الله تعالى وهو استئناف بيانى {لن ترينى} لم يقل لن تنظر الى كقوله انظر اليك لان المطلوب هى الرؤية التى معها ادراك لا النظر الى هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئى لانه قد يتخلف عنه الادراك فى بعض الصور. قال فى التفسير {لن ترينى} [نتوانى ديد مرا در دنيا جه حكم ازلى برآن وجه واقع شده كه هر بشرى كه در دنيا بمن نظر كندبميرد] وفى المدارك {لن ترينى} بالسؤال بعين فانية بل بالعطاء والنوال بعين باقية [صاحب كشف الاسرار كويدكه مقام موسى دران ساعت كه خطاب لن ترانى شنيد عالى بود ازان وقتكه كفت ارنى زيرا اين ساعت درعين مراد حق بود وآن وقت درعين مراد خود قائم بمراد حق بود كاملترست ارقيام بمراد خود] شعر : لن ترانى ميرسد از طور موسى را جواب هرجه آن ازدوست آيدسربنه كردن متاب تفسير : وهو دليل لنا ايضا لانه لم يقل لن ارى ليكون نفيا للجواز ولو لم يكن مرئيا لا خبر بانه ليس بمرئى اذ الحالة حالة الحاجة الى البيان فهو لا يدل على امتناع رؤيته فى نفس الامر بل يدل على قصور الطالب عن رؤيته لتوقف الرؤية على حصول ما يستعد به الطالب لرؤيته وعدم حصول ذلك المعد فيه بعد فانه يجوز ان يبقى فيه حينئذ شيء من الخجاب المانع لرؤيته اياه لم يرتفع ذلك الحجاب بعد. يقول الفقير هذا ما عليه اكثر اهل التفسير وهو ليس بمرضى عندى لأن اتيان الطور لم يكن فى اوائل حاله عليه السلام بل كان نظير المعراج الحمدى بالنسبة الى مرتبه والتحقيق بعيد عن درك اهل التقليد. وقد سألت حضرة شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة عن قولهم فى قوله تعالى {لن ترانى} اى ببشريتك ووجودك فقال ان البشرية تنافى الرؤية وموسى عليه السلام انما سأل الرؤية بالنسبة الى ظاهر البشرية والوجود الكونى وهى لا تمكن ابدا بل لو تعلقت الرؤية بذات الله تعالى لتعلقت حالة الفناء فى الله واضمحلال حالة البشرية فقلت يرد عليه ما وقع ليلة المعراج من الرؤية بعين الرأس فقال انه حبيب الله رأى ربه فى تلك الليلة بالسر والروح فى صورة الجسم ولا جسم هناك لانه تجاوز فى سيره عن عالم الاجسام كلها بل عن عالم الارواح حتى وصل الى عالم الامر. فقلت يرد عليه ان الانبياء والاولياء مشتركون فى الرؤية بالبصيرة حالة الفناء الكلى فلا فرق بين موسى ومحمد عليهما السلام فأى فائدة فى قوله {لن ترينى} وايضا فى عروجه عليه السلام الى ما فوق العرش فان تلك الرؤية انما تحصل فى مقام العينية الجمعية القلبية لان فى مقام الغيرية الفرقية فقال ان امر الرؤية وان كان محتاجا الى الانسلاخ التام عن الاكوان مطلقا الا ان الانسلاخ بالقلب والقالب مختص بنبينا عليه السلام فان موسى وكذا غيره من الانبياء عليهم السلام انما يرون بالانسلاخ حين كون قوالبهم فى عالم العناصر. واما محمد صلى الله عليه وسلم فقد تجاوز عن عالم العناصر ثم عن عالم الطبيعة وذلك بالقلب والقالب جميعا فانى يكون هذا لغيره فافهم جدا انتهى ما جرى بينى وبين حضرة الشيخ من السؤال والجواب وما تحاورناه فى المجلس الخاص المفتوح بابه للاحباب لا للاغيار واهل الانكار والارتياب وقد كان ذلك كالقطرة من البحر الزاخر بالنسبة الى ما يحويه قلبه الحاضر قدس الله سره ورزقنى وجميع الاحباب شفاعته. قال مرجع طريقتنا الجلوتية بالجيم حضرة الشيخ الشهير بافتاده البروسوى كما ان للانسان عينين فى الظاهر كذلك له عينان فى قلبه فاذا انفتحتا يشاهد بهما تجلى الصفات ولهما ايضا حدقتان لكنهما فى غاية اللطافة وانما قلنا يشاهد بهما تجلى الصفات لان تجلى الذات لا يشاهد الا بعين معنوية وراء عين القلب لا حدقة لها لا كما زعمت الملاحدة والعياذ بالله تعالى فان الممكن الحقيقى غير الواجب الحقيقى كيف والسالك الواصل اذا افنى وجوده يصير معدوما والمعدوم لا يحكم عليه بشيء فضلا عن الحلول والاتحاد بل اذا عبر بالاتحاد يراد به التقرب التام على وفق رضاه تعالى كما يراد ذلك فى قولهم فلان متحد مع فلان اذ لا شك انهما شخصان مستقلان حقيقة ومعنى كونه معدوما اذ ذاك انه يتلاشى ويغيب فى بحر الاستغراق وانوار التجلى بحيث يغيب عن نظره ما سوى الله تعالى حتى ينظر ولا يجد نفسه للتوجه التام الى جنابه والاعراض الكلى عما سوى الله تعالى كمن جعل نظره الى جانب السماء لا ترى له الارض ومن نظر الى المشرق لايرى له المغرب لا انه يعدم وجوده الخارجى ويضمحل والانبياء عليهم السلام وان تجلى لهم الذات الا ان تعين نبينا فوق الكل حتى ان موسى لما سأل ربه التجلى عن تعين نبينا قال تعالى {لن ترانى} كذا اوله بعضهم وليس بشيء لانه عالم بمرتبة المصطفى صلى الله عليه وسلم فكيف يطلبها فخاطب موسى {لن ترانى} لقطع طمع قومه حيث {أية : فقالوا أرنا الله جهرة} تفسير : [النساء: 153]. لانه اذا خوطب بذلك فهم اولى به فهذا فى الحقيقة ليس بالنسبة الى موسى عليه السلام فانه قد نال سعادة التجلى مرارا واصطفاه برسالته وبكلامه الى هنا كلام افتاده افندى كما فى الواقعات المحمودية. وقال الشيخ على دده فى اسئلة الحكم. فان قلت ما الحكمة الربانية فى منعة الرؤية فى الموطن الدنيوى. قيل لان الرؤية غاية الكرامة فى الدنيا وغاية الكرامة فيها لا كرم الخلق وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صاحب المقام المحمود الذى شاهد ربه ليلة المعراج بعينى رأسه على هذا فابحث وقيل لو اعطاه الرؤية بالسؤال لكانت الرؤية مكافأة لسؤاله والرؤية فضل لا مكافأة وهى ربانية لا مدخل للسؤال والتعمل فيها فهى امتنان محض من الله تعالى. قال الامام الواحدى كون كلمة لن مفيدة لتأبيد النفى دعوى باطلة علىاهل اللغة لا يشهد لصحتها كتاب معتبر ولا نقل صحيح ويدل على فساده قوله تعالى فى صفة اليهود {أية : ولن يتمنوه أبدا} تفسير : [البقرة: 95]. مع انهم يتمنون الموت يوم القيامة ويقولون فيه {أية : يا مالك ليقض ربك} تفسير : [الزخرف: 77] و {أية : يا ليتها كانت القاضية} تفسير : [الحاقة: 27]. اى الموت فالاخبار بان موسى لا يرى الله لا يدل على انه لا يراه ابدا كما ذهبت اليه المعتزلة: قال المولى الجامى شعر : جهان مرآت حسن شاهدماست فشاهد وجهه فى كل ذرات تفسير : قال الحافظ شعر : جو مستعد نظر نيستى وصال مجوى كه جام جم نكندسود وقت بى بصرى تفسير : {ولكن انظر الى الجبل} اى لا تطلب النظر الىّ فانك لا تطيقه ولكن اجعل بينى وبينك ما هو اقوى منك وهو الجبل الذى بحضرتك. قال الكلبى هو اعظم جبل بمدين يقال له زبير وفى القاموس زبير كامير الجبل الذى كلم الله عليه موسى. وقال ابن الجوزى فى مرآة الزمان والاصح انما خوطب موسى على جبل الطور الذى بقرب بحر القلزم فلما سمعت الجبال تعاظمت رجاء ان يتجلى لها وجعل زبير او الطور يتواضع فلما رأى الله تواضعه رفعه من بينها وخصه بالتجلى كذا فى عقد الدرر واللآلئ: وفى المثنوى شعر : اى خنك آنراكه ذلت نفسه واى آن كزسر كشى شد جون كه او تفسير : وقال اهل الاشارة ان موسى عليه السلام لما اراد الخروج الى الميقات جعل بين قومه وبين ربه واسطة وهى الجبل فقال {لن ترانى ولكن انظر الى الجبل} فقال ان لم اصلح لخلافتك دون اخيك فانك لا تصلح لرؤيتى دون الجبل {فان استقر مكانه} اى سكن وثبت {فسوف ترينى} فسوف تطيق ان تنظر الىّ فان الجبل مع صلابته لما تأثر من التجلى ولم يطق ذلك بل اندك وتفتت وتلاشى فكيف يطيق الانسان الذى يدهش عند مشاهدة الامور الهائلة فكيف عند مشاهدة ذى العظمة والجلال المطلق الذى لا يوصف جلاله وكبرياؤه وهو دليل لنا ايضا لانه علق الرؤية باستقرار الجبل وهو ممكن وتعليق الشيء بما هو ممكن يدل على امكانه كالتعليق بالممتنع يدل على امتناعه ألا ترى ان دخول الكفار الجنة لما استحال علقه بمستحيل قال {أية : حتى يلج الجمل فى سم الخياط} تفسير : [الأعراف: 40]. والدليل على انه ممكن قوله {جعله دكا} ولم يقل اندك وما اوجده تعالى كان جائزا ان لا يوجد لانه مختار فى فعله ولانه تعالى ما ايأسه من ذلك ولا عاتبه عليه ولو كان ذلك محالا لعاتبه كما عاتب نوحا عليه السلام بقوله {أية : إنى أعظك أن تكون من الجاهلين} تفسير : [هود: 46]. حين سال انجاه ابنه من الغرق {فلما تجلى ربه للجبل} ظهر له عظمته وتصدى له اقتداره وامره ومعنى ظهور عظمته واقتداره للجبل تعلقها به وظهور أثرها فيه وانما حمل على هذا المعنى لأن ظهور ذاته للجماد غير معقول. قال فى تفسير العيون كشف نوره من حجبه قدر ما بين الخنصر والابهام اذا جمعتهما اى اذا وضعت الابهام على المفصل الاعلى من الخنصر. وعن سهل بن سعد الساعدى ان الله اظهر من سبعين الف حجاب نورا قدر الدرهم. وفى التفسير الفارسى: يعنى [ظاهر كردانيد ازنور خود يا ازنور عرش بمقدار سوفار سوزنى]. وقال الشيخ ابو منصور معنى التجلى للجبل ما قال الاشعرى انه تعالى خلق فى الجبل حياة وعلما ورؤية حتى راى ربه وهذا ايضا فيه اثبات كونه مرئيا {جعله دكا} مصدر بمعنى المفعول اى صيره مدكوكا مفتتا واذا حل بالجبل ما حل مع عظم خلقه فما ظنك بابن آدم الضعيف كما فى تفسير الكواشى. قال بعض الكبار جعل الله الجبل فداء لموسى ولولا ان موسى كان مدهوشا لذاب كما ذاب الجبل قالوا عذب اذ ذاك كل ماء وافاق كل مجنون وبرئ كل مريض وزال الشوك عن الاشجار واخضرت الارض وازهرت وخمدت نيران المجوس وخرت الاصنام لوجوههن وانقطعت اصوات الملائكة وجعل الجبل ينهدم وينهال ويضطرب من تحت موسى حتى اندق كله فصار ذرات فى الهواء والذر هو الذى يرى اذا دخل الشعاع فى الكوى بتلك الكوة. وفى بعض التفاسير صار لعظمته ستة اجبل وقعت ثلاثة بالمدينة احد ورقان ورضوى وثلاثة بمكة ثور وثبير وحراء. وفى تفسير الحدادى فصار ثمانى فرق اربع قطع منه وقعن بمكة ثور وثبير وحراء وغار ثور واربع قطع وقعن بالمدينة احد ورقان ورضوى والمهراس. وقال الحسن صار الجبل ثلاث فرق ساخت فرقة منه فى الارض وطارت فرقة فى البحر وطارت فرقة فوقعت بعرفات فهو شاحب مقشعر من مخافة الله تعالى. وفى التفسير الفارسى [عجبت سريست كه كوه بآن عظمت تحمل ديدار نداشت ودل انسانرا بحكم "ولكن ينظر الى قلوبكم" طاقت آن نظر هست نكته درين آنست كه تجلى بركوه ينظر وهيبت بود وتجلى بردل بنظر رحمت آن نظر كوهرا ويران ساخت واين نظر دلرا معمور سازد]. والاشارة ان الجبل صورة الجسم الحجابى والجسم غير مستعد للتجلى ما لم يندك وينحل بالرياضة والفناء وانما التجلى للروح فى مقام القلب والجبل صورة التحيز الكونى والحصر الجمسانى ومشهد التجلى غير متحيز والسر فافهم وعليه فابحث كذا فى اسئلة الحكم {وخر موسى صعقا} اى سقط مغشيا عليه من هول ما رأى من عشية الخميس وهو يوم عرفة الى عشية يوم الجمعة وهو قول ابن عباس رضى الله عنهما. وقال قتادة ميتا وقول ابن عباس اظهر لان الله تعالى قال {فلما افاق} ولا يقال للميت افاق من موته ولكن يقال بعث من موته كما قال فى حديث السبعين {فلما افاق} ولا يقال للميت افاق من موته ولكن يقال بعث من موته كما قال فى حديث السبعين {أية : ثم بعثناكم من بعد موتكم} تفسير : [البقرة: 56] وفى المثنوى شعر : جسم خاك از عشق بر افلاك شد كوه در رقص آمد وجالاك شد عشق جان طور آمد عاشقا طور مست وخرّ موسى صعقا تفسير : قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره الجبل المذكور وان احترق ظاهره ولكن له وجود معنوى كان ذلك لعلا خالصا بانعكاس التجلى من موسى ولذلك رآه كالعلل وكالمه وذلك الجبل يدخل الجنة وان كان من الدنيا بسبب كونه مظهرا للتجلى كما ان الكعبة ومسجد المدينة وبيت المقدس تدخل الجنة {فلما افاق} من صعقته. قال المولى ابو السعود رحمه الله الافاقة رجوع العقل والفهم الى الانسان بعد ذهابهما بسبب من الاسباب {قال} تعظيما لما شاهده {سبحانك} اى تنزيها لك من ان اسألك بغير اذن منك {تبت اليك} اى من الجراءة والاقدام على السؤال بغير ازن او من السؤال فى الدنيا فانك انما وعدتها فى الآخرة {وانا اول المؤمنين} اى بعظمتك وجلالك واول من آمن بانك لا ترى فى الدنيا [اى كه زيك لمعه ات كوه بصدد باره شد جه عجب ازمشت كل عاجز وبيجاره شد]. قال وهب بن اسحق لما سأل موسى ربه الرؤية ارسل اليه الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق واحاطت بالجبل الذى عليه موسى اربعة فراسخ من كل جانب وامر الله عز وجل ملائكة السموات ان يعرضوا على موسى فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع افواههم بالتسبيح والتقديس باصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد ثم امر الله ملائكة السماء الثانية ان اهبطوا على موسى فهبطوا عليه امثال الاسود ولهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع موسى مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة فى رأسه وجسده ثم قال لقد ندمت على مسالتى فهل ينجينى من مكانى الذى انا فيه شيء فقال له خير الملائكة ورأسهم يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم امر الله ملائكة السماء الثالثة ان اهبطوا على موسى فهبطوا عليه امثال النسور لهم لجب شديد وافواههم تنبع بالتسبيح والتقديس كجلبة الجيش العظيم الوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد نفسه وايس من الحياة وقال له خير الملائكة مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملائكة السماء الرابعة فهبطوا الوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الابيض اصواتهم عالية مرتفعة بالتسبيح والتقديس لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلخك فاصطكت ركبتاه وارتعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له رئيس الملائكة اصبر يا ابن عمران لما سألت فقليل من كثير ما أريت ثم امر الله ملائكة السماء الخامسة فهبطوا ولهم سبعة الوان فلم يستطع موسى ان يتبعهم بصره ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل اصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملائكة يا ابن عمران مكانك حتى ترى بعض ما لا تصبر عليه ثم امر الله ملائكة السماء السادسة فهبطوا وفى يد كل ملك منهم نار مثل النخلة الطويلة اشد ضوأ من الشمس ولباسهم كلهب النار كلهم يقولون بشدة اصواتهم سبوح قدوس رب العزة ابدا لا يموت فى رأس كل ملك منهم اربعة اوجه فجعل يسبح موسى معهم وهو يبكى ويقول رب اذكرنى ولا تنس عبدك فقال كبير الملائكة يا ابن عمران اصبر لما سالت ثم امر الله ان يحمل عرشه فى السماء السابعة وقال اروه اياه فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ورفعت ملائكة السموات جميعا اصواتهم يقولون سبحان الله القدوس رب العزة ابدا لا يموت فاندك الجبل وكل شجرة كانت فيه وخر موسى على وجهه ليس معه روح فأرسل الله برحمته الروح فتغشاه وقلب الحجر الذى عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى ثم اقامه كما تقيم الام جنينها اذا وضعته فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول آمنت بك رب وصدقت انه لا يراك احد فى الدنيا فيحيى من نظر الى ملائكتك انخلع قلبه فما اعظمك واعظم ملائكتك انت رب الارباب وملك الملوك لا يعد لك شيء ولا يقوم لك شيء تبت اليك الحمد لك لا شريك لك. قال فى التيسير قدروى فى هذا احاديث فيها ذكر فيها ذكر نزول الملائكة والتعنيف على موسى بما سأل ولكن ليس ورودها على وجه يصح ولا يجوز قبولها لانها لا تليق بحال الانبياء انتهى. قال بعض المحققين من ارباب المكاشفة ان موسى عليه السلام طلب رؤية ذاته تعالى مع هوية نفسه حيث قال{رب ارنى انظر اليك} مشيرا الى هويته بصيغة المتكلم فرد الله تعالى بقوله {لن ترينى اى مع بقاء هويتك التى تخاطب بها {ولكن انظر الى الجبل} اى بذاتك وهويتك {فان استقر مكانه} ولم يكن فانيا {فسوف ترينى} بهويتك {فلما تجلى ربه للجبل} اى القى عليه من نوره فاضطرب بدنه من رهبته {جعله دكا وخر موسى صعقا} وفنى عن هويته فراى الحق بعين الحق {فلما أفاق قال سبحانك تبت} الان من مسألة الرؤية مع بقاء الهوية. وقال فى التأويلات النجمية {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} يعنى ولما حصل على بساط القرب تتابع عليه كاسات الشراب من صفو الصفات ودارت اقداح المكالمات واثر فيه لذا ذات الكلمات فطرب واضطرب اذ سكر من شراب الواردات وتساكر من سماع الملاطفات فى المخاطبات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه وعند استيلاء سلطان الشوق وغلبات دواعى المحبة فى الذوق {قال رب ارنى انظر اليك} قيل هيهات انت فى بعد الاثنينية منكوب وبحجب جبل الانانية محجوب وانك اذا نظرت بك الى {لن ترينى} لانه لا يرانى الا من كنت له بصرافبى يبصر {ولكن انظر} الى الجبل جبل الانانية {فان استقر مكانه} عند التجلى {فسوف ترينى} ببصرانانيتك {فلما تجلى ربه للجبل} جبل انانيته {جعله دكا} فانيا كان لم يكن {وخر موسى صعقاْ بلا انانية وكان ما كان بعد ان بان ما بان فاشرقت الارض بنور ربها وجاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا شعر : قد كان ما كان سرا لا ابوح به فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر تفسير : ولو لم يكن جبل انانية النفس بين موسى الروح وتجلى الرب لطاش فى الحال وما عاش ولولا القلب كان خليفته عند الفناء بالتجلى لما امكنه الافاقة والرجوع الى الوجود فافهم جدا ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلى تفهم ان شاء الله تعالى {فلما افاق} من غشية الانانية بسطوة تجلى الربوبية {قال} موسى بلا هويته {سبحانك} تنزيها لك من خلقك واتصال الخلق بك {تبت} من انانيتى {اليك} الى هويتك بك {وانا اول المؤمنين} بانك لا ترى بالانانية ولا ترى الا بنور هويتك بك انتهى. وقال القشيرى {ولما جاء موسى} مجيئ المشتاقين ومجيئ المغلوبين جاء موسى بلا موسى ولم يبق من موسى لموسى وآلاف آلاف رجال قطعوا مسافات وتحملوا مخافات فلم يذكرهم احد وهذا موسى خطى خطوات والى يوم القيامة يقرأ الصبيان ولما جاء موسى لميقاتنا باسطه الحق بالكلام فلم يتمالك ان {قال رب ارنى انظر اليك} فان غلبات الوجد استنطقته بكمال الوصلة من الشهود وقالوا لا يؤاخذ المغلوب بما يقول وقالوا انه لا يشكر ثم ينكر قال واشد الخلق شوقا الى الحبيب اقربهم من الحبيب هذا موسى وقف فى محل المناجاة وحفت به الكرامات وكلمه بلا واسطة ولا جهات {قال رب ارنى انظر اليك} كأنه غائب هو شاهد لكن ما ازداد القوم شربا الا ازدادوا عطشا ولا ازدادوا قربا الا ازدادوا شوقا وقال سأل موسى الرؤية بالكلام فاجيب {لن ترينى} بالكلام واسر المصطفى فى قلبه ما كان يرجوه من تحويل القبلة من ربه فقيل له {أية : قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها} تفسير : [البقرة: 144]. وقال انه سأل الله الرؤية فقال {لن ترينى} وقال للخضر {أية : هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشدا قال انك لن تستطيع معى صبرا} تفسير : [الكهف: 66-67]. فصار جوابه لن من الحق ومن الخلق ليبقى موسى بلا موسى ويصفو موسى عن كل نصيب لموسى بموسى وانشد فى معناه فقيل شعر : ابنى ابينا نحن اهل منازل ابدا غراب البين فينا يزعق تفسير : والبلاء الذى ورد عليه بقوله تعالى {فان استقر مكانه فسوف ترينى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا} اشد من قوله {لن ترينى} لانه صريح فى الرؤية وفى اليأس راحة وقوله {فان استقر مكانه فسوف ترينى} هذا اطماع فيما يمنعه فلما اشتد توقعه جعل الجبل دكا وكان قادرا على امساك الجبل لكنه قهر الاحباب وبه سبق الكتاب وفى قوله {انظر الى الجبل} بلاء شديد لموسى لانه منع عن رؤية مقصوده وامر برؤية غيره ولو امر بان يغمض عينيه لا ينظر الى شيء بعده لكان الامر اسهل عليه ولكنه قيل له {لن ترينى ولكن انظر الى الجبل} ثم اشد من ذلك ان الجبل اعطى التجلى ثم امر موسى عليه السلام بالنظر الى الجبل الذى قدم عليه فى هذا السؤال وهذا صعب شديد ولكن موسى رضى به وانقاد لحكمه وفى معناه انشدوا شعر : اريد وصاله ويريد هجرى فاترك ما اريد لما يريد تفسير : وقيل بل هو لطف به حيث لم يصرح برده بل علله عونا له على صبره. وقيل قددنا اصبر قليلا قليلا ولما منع النظر رجع الى رأس الامر فقالت تبت اليك ان لم تكن الرؤية التى هى غاية الرتبة من رأس الامر وهو التوبة ثم هذا اناخه لعقوق العبودية وشرطها ان لا تبرح عن محل الخدمة ان حال بينك وبينى وجود القربة لان القربة حظ نفسك والخدمة حق ربك ولأن تكون بحق ربك اتم من ان تكون بحظ نفسك كذا فى تفسير التيسير نقد عن االقشيرى. ذكر بعضهم ان رؤية الله تعالى ممكنة فى الدنيا. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى الرؤية فى الآخرة موعودة واما فى الدنيا وان كانت فى حيز الامكان لكنها غير موعودة ولم تجر عادة الله عليها انتهى. وقد ذكرنا موانع الرؤية فى سورة البقرة وانواع الرؤية فى سورة الانعام. وفى الواقعات المحمودية سال بعض الكبار من العلماء وقال الذى لا زمان له ولا مكان فى أى مكان والادب فى السؤال ان يقال المنزه ذاته عن الزمان والمكان بأى وجه يطلب وبأى طريق يوجد ويوصل اليه وكذا الادب فى الجواب ان يقال من اراد رؤية جماله فلينظر فى قلوب اوليائه فان قلوبهم مظاهر ومرايا لجماله. واعلم ان المعتزلة انكروا رؤية الله تعالى حتى قال صاحب الكشاف تشنيعا وتقبيحا وتضليلا لاهل السنة والجماعة ثم تعجب من المتسمين بالاسلام المتسمين باهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهبا ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فانه من مصوبات اشياخهم والقول ما قال بعض العدلية فيهم شعر : لجماعة سموا هواهم سنة لكنهم حمر لعمرى مؤكفه قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفة تفسير : وقال بعضهم جوابا عنهم شعر : عجبا لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمرى معرفه قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفى الصفة تفسير : قال المولى ابراهيم الاروسقى شعر : رضينا كتاب الله للفصل بيننا وقول رسول الله اوضح فاصل وتحريف آيات الكتاب ضلالة وليس بعدل رد نص الدلائل وتضليل اصحاب الرسول وذمهم وتصويب آراء النظام وواصل ولولا تكذيب الرسول عدالة فاعدل خلق الله عاص بن وائل فلولاك جار الله من فرقة الهوى لكنت جديرا باجتماع الفضائل

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولما جاء موسى لميقاتنا} الذي وقتنا له {وكلَّمه ربه} من غير واسطة كما يكلم الملائكة. وفيما رُوِي: أنه كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة، وفيه تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين. قاله البيضاوي. وقال الورتجبي: أي أسمع عجائب كلامه كليمه ليعرفه بكلامه؛ لأن كلامه مفاتيح كنوز الصفات والذات. هـ. وقال ابن جزي: لما سمع موسى كلام الله طمع في رؤيته، فسألها، كما قال الشاعر: شعر : وأبرحُ ما يَكُونُ الشَّوقُ يَومًا إذا دَنَت الديارُ من الدَّيَارِ تفسير : {قال ربِّ أرني أنظر إليك} أي: أرني نفسك أنظر إليك، بأن تكشف الحجب عني، حتى أنظر إلى ذاتك المقدسة من غير واسطة، كما أسمعتني كلامك من غير واسطة. قال البيضاوي: وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة؛ لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال، وخصوصًا ما يقتضي الجهل بالله، ولذلك رده بقوله تعالى: {لن تراني} دون لن أُرِى ولن أريك، ولن تنظر إليّ، تنبيهًا على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على حال في الرائي، لم توجد فيه بعدُ، وجعلُ السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا: {أية : أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً}تفسير : [النَّساء:153] خطأ، إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبههم، كما فعل بهم حين قالوا: {أية : أجْعَل لَّنَآ إِلَهًا} تفسير : [الأعرَاف:138]، والاستدلال بالواجب على استحالتها أشد خطأ، إذ لا يدل الإخبار عن عدم رؤيته أياه على أنه لا يراه أبدًا، وألا يراه غيره أصلاً، فضلاً عن أن يدل على استحالتها. ودعوى الضرورة فيه مكابرة وجهالة بحقيقة الرؤية. هـ. وهو تعريض بالزمخشري وردُّ عليه، فإنه أطلق لسانه في أهل السنة ـ عفا الله عنه ـ. والتحقيق: أن رؤيته تعالى برداء الكبرياء ـ وهي أنوار الصفات ـ جائرة واقعة ـ، وأما رؤية أسرار الذات ـ وهي المعاني الأزلية، التي هي كنه الربوبية ـ فغير جائزة؛ إذ لو ظهرت تلك الأسرار لتلاشت الأكوان واضمحلت، ولعل هذا المعنى هو الذي طلب سيدنا موسى عليه السلام، فلذلك قال له: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه} عند تجلي هذه الأسرار له، { فسوف تراني فلما تجلى ربُّه للجبل} أي: أظهر له شيئًا من أنوار الربوبية التي هي أسرار المعاني الأزلية، {جعله دكًا} أي: مدكوكًا مفتتًا، والدك والدق واحد، وقرأ حمزة: "دكاء" بالمد، أي: أرضًا مستوية، ومنه: ناقة دكاء لا سنم لها. {وخرَّ موسى صَعِقًا} مغشيًا عليه من هول ما رأى، {فلما أفاق قال} تعظيمًا لما رأى: {سبحانك تُبت إليك} من الجرأة والإقدام على السؤال بغير إذن، وقال بعضهم: تُبتُ إليك من عدم الاكتفاء بقوله: {لن تراني} حتى نظر إلى الجبل، {وأنا أولُ المؤمنين} أنك لا تُرى بلا واسطة نور الصفات، أو أول أهل زماني إيمانًا. الإشارة: رؤية الحق جائزة واقعة عند الصوفية في الدارين، ولكن لا ينالها في هذه الدار إلا خواص الخواص، ويُعبّرون عنها بالشهود والعيان، ولا يكون ذلك إلا بعد الفناء، وفناء الفناء بعد موت النفس وقتلها، ثم الغيبة عن حسها ورسمها، تكون بعد التهذيب والتدريب والتربية على يد شيخ كامل، لا يزال يسير به ويقطع به في المقامات، ويغيبه عن نفسه ورؤية وجوده، حتى يقول له: ها أنت وربك، وذلك أن الحق جل جلاله تجلى لعباده بأسرار المعاني خلف رداء الأواني، وهو حس الأكوان، فأسرار المعاني لا يمكن ظهورها إلا بواسطة الأواني، أو تقول: أسرار الذات لا تظهر إلا في أنوار الصفات، فلو ظهرت أسرار الذات بلا واسطة لاضمحلت الأشياء واحترقت، كما في الحديث: " حديث : حِجَابُهُ النُّورُ، لَو كشَفَهُ لأحرقَت سُبُحَاتُ وَجههِ ما أنتَهَى إلَيه بَصَرُهُ من خلَقِهِ ". تفسير : فالمراد بالنور نور الصفات، وهو الأواني الحاملة للمعاني، لو كشف ذلك النور حتى تظهر أسرار الذات لأحرقت كل شيء أدركه بصره. والواسطة عند المحققين هي عين عين الموسوط، فلا يزال المريد يفنى عن عين الواسطة في شهود الموسوط حتى يغيب عن الواسطة بالكلية، أو تقول: لا يزال يغيب عن الأواني بشهود المعاني حتى تشرق شمس العرفان، فتغيب الأواني في ظهور المعاني، فيقع العيان على فقد الأعيان، "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"، "ما حجبك عن الحق وجود موجود معه، إذ لا شيء معه، وإنما حجبك توهم موجود معه". والحاصل: أن الحق تعالى تكون رؤيته أولاً بالبصيرة دون البصر، لأن البصيرة تدرك المعاني، والبصر يدرك الحسيات، فإذا انفتحت البصيرة استولى نورها على نور البصر، فلا يرى البصر حينئذٍ إلا ما تراه البصيرة. قال بعض العارفين: هذه المزية العظمى ـ وهي رؤية الحق تعالى ـ في الدنيا على هذا الوجه: خاص بخواص الأمة المحمدية ـ دون سائر الأمم ـ وراثة عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فإنه خص بالرؤية دون غيره من الأنبياء. وإلى ذلك أشار ابن الفارص في تائيته، مترجمًا بلسان الحقيقة المحمدية، حيث قال: شعر : ودونَكَ بحرًا خُضتُهُ، وقَف الألي بساحِلِه، صَونًا لمَوضِع حُرمتي ولا تقرَبُوا مالَ اليتيمِ إشارةٌ لكَفَّ يدٍ صُدَّت له، إذ تَصَّدِت وما نالَ شيئًا منُه غيري سوى فتىً على قَدَمي في القبض والبسطِ ما فتى تفسير : قال شارحه القاشاني: أراد بهذا البحر: الرؤية التي مُنع منها موسى عليه السلام، وخص بها محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأفراد من أتباعه. ثم قال: ورد في الخبر: أنه لما أفاق موسى عليه السلام من صعقته قيل له: ليس ذلك لك، ذلك ليتيم يأتي من بعدك، ثم قال: سبحانك تبتُ إليك عما تعديتُ لما ليس لي، وأنا أول المؤمنين بتخصيص محمد صلى الله عليه وسلم بهذا المقام. هـ. وقيل في قوله: {فلما تجلى ربُّه للجبل} أي: جبل العقل، بحيث طمس نوره بنور شمس العرفان، وخر موسى صعقًا، أي: ذهب وجوده في وجود محبوبه، وحصل له الزوال في مكان الفناء والسكر، فلما أفاق ورجع إلى البقاء تمسك بمقام العبودية والأدب مع الربوبية فقال: {سبحانك تبتُ إليك} من رؤية جبل الحس قبل شهود نور المعنى، وأنا أول المؤمنين بأن نور المعاني خلف رداء الأواني، لا يدرك إلا بعد الصعقة، والله تعالى أعلم. ثم ذكر نزول التوراة، فقال: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل الحجاز إِلا عاصماً "دكاء" بالمد والهمزة من غير تنوين - ها هنا وفى الكهف - وافقهم عاصم في الكهف. الباقون {دكاً} منونة مقصورة في الموضعين، قال أبو زيد: يقال: دككت على الميت التراب أدكه دكاً: اذا دفنته وأهلت عليه، وهما بمعنى واحد، ودككت الركية دكاً اذا دفنته، ودك الرجل فهو مدكوك اذا مرض، وقال أبو عبيدة {جعله دكاً} أي مندكاً، والدَّك والدَّكة مصدره، وناقة دكاء ذاهبة السنام والدك المستوي، وانشد للأغلب: شعر : هل غير عاد دكَّ عاداً فانهدم تفسير : وقال أبو الحسن: لما قال {جعله دكاً} فكأنه قال: دكه أي أراد جعله ذا دك، ويقال: دكاء جعلوها مثل الناقة الدكاء التي لا سنام لها. قال أبو علي الفارسي: المضاف محذوف - على تقدير في قول أبي الحسن، وفي التنزيل {أية : وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة}تفسير : وقال {أية : كلا إِذا دكت الأرض دكاً دكاً}تفسير : وقال الرماني: معنى دكاً مستويا بالأرض، يقال: دكه يدكه دكاً إِذا سحقه سحقاً، ومنه الدكة. واندك السنام اذا لصق بالظهر. وقال الزجاج: دكاً يعني مدقوقاً مع الأرض، والدكاء والدكاوات الروابي التي مع الأرض ناشزة عنها لا تبلغ أن تكون جبلاً. وقيل: إِيه سباخ في الأرض - في قول الحسن وسفيان وأبي بكر الهذلي. وقال ابن عباس: صار تراباً، وقال حميد: شعر : يدك أركان الجبال هزمه يخطر بالبيض الرقال بهمه تفسير : وقيل في معنى قراءة من قرأها ممدودة قولان: احدهما - انه شبَّه الجبل بالناقة التي لا سنام لها، فيقال لها: دكاء فكأنه قال فجعله مثل دكاء. الثاني - فجعله أرضاً دكاء. أخبر الله تعالى في هذه الآية أن موسى (ع) لما جاء الى مقات ربه وهو الموضع الذي وقته له، وكلمه الله تعالى فيه سأل الله تعالى أن يريه لينظر اليه. واختلف المفسرون في وجه مسألة موسى (ع) ذلك مع أن الرؤية بالحاسة لا تجوز عليه تعالى على ثلاثة أقوال: أحدها - أنه سأل الرؤية لقومه حين، قالوا له {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : بدلالة قوله {أية : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا}. تفسير : فإِن قيل على هذا ينبغي أن يجوزوا أن يسأل الله تعالى هل هو جسم أم لا أو يسأله الصعود والنزول، وغير ذلك مما لا يجوز عليه؟! قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه يجوز ذلك إِذا علم أن في ورود الجواب من جهة الله مصلحة، وأنه أقرب الى زوال الشبهة عن القوم بأن ذلك لا يجوز عليه تعالى، كما جاز ذلك في مسألة الرؤية. وقال الجبائي: إِنهم سألوا الله تعالى قبل ذلك هل يجوز عليه تعالى النوم أم لا؟ وقالوا له: سل الله أن يبين لنا ذلك، فسأل الله تعالى ذلك، فأمره بأن يأخذ قدحين يملأ أحدهما ماء، والآخر دهناً، ففعل وألقى عليه النعاس، فضرب أحدهما على الآخر فانكسرا، فأوحى الله تعالى اليه أن لو جاز عليه تعالى النوم لاضطراب أمر العالم، كما اضطرب القدحان في مدة حتى تكسرا. الثاني - عن هذا السؤال أنه إِنما يجوز أن يسأل الله ما يمكن أن يعلم صحته بالسمع، وما يكون الشك فيه لا يمنع من العلم بصحة السمع، وإِنما يمنع من ذلك سؤال الرؤية التي تقتضي الجسمية والتشبيه، لأن الشك في الرؤية التي لا تقتصي التشبيه مثل الشك في رؤية الضمائر والاعتقادات، وما لا يجوز عليه الرؤية، وليس كذلك الشك في كونه جسماً أو ما يتبع كونه جسماً من الصعود والنزول، لأن مع الشك في كونه جسماً، لا يصح العلم بصحة السمع من حيث أن الجسم لا يجوز أن يكون غنياً ولا عالماً بجميع المعلومات، وكلاهما لا بد فيه من العلم بصحة السمع، فلذلك جاز أن يسأل الرؤية التي لا توجب التشبيه ولم يجز أن يسأل كونه جسماً، وما أشبهه. والجواب الثاني - في أصل المسألة: أنه سأل العلم الضروري الذي يحصل في الآخرة، ولا يكون في الدنيا ليزول عنه الخواطر والشبهات، والرؤية تكون بمعنى العلم، كما تكون الادراك بالبصر، كما قال {أية : ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل}تفسير : وأمثاله. وللانبياء أن يسألوا ما يزول عنهم الوساوس والخواطر، كما سأل ابراهيم ربه {أية : قال رب أرني كيف تحيي الموتى} تفسير : غير أنه سأل ما يطمئن قلبه الى ذلك وتزول عنه الخواطر والوساوس، فبين الله تعالى له أن ذلك لا يكون في الدنيا. الثالث - أنه سأل آية من آيات الساعة التي يعلم معها العلم الذي لا يختلج فيه الشك كما يعلم في الآخرة وهذا قريب من الثاني. وقال الحسن والربيع والسدي: إِنه سأل الرؤية بالبصر على غير وجه التشبيه. وقوله {لن تراني} جواب من الله تعالى لموسى أنه لا يراه على الوجه الذي سأله، وذلك دليل على أنه لا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، لأن (لن) تنفي على وجه التأبيد، كما قال {أية : ولن يتمنوه أبداً}تفسير : وهذا إِنما يمكن أن يعتمده من قال بالجواب الأول، فأما من قال: انه سأل العلم الضروري أو علماً من أعلام الساعة لا يمكنه أن يعتمده، لأن ذلك يحصل في الآخرة، فيجري ذلك مجرى اختصاص الرؤية بالبصر على مذهب المخالف بحال الدنيا. وقوله تعالى {فإِن استقر مكانه فسوف تراني} معناه إِن استقر الجبل في حال ما جعله دكاً متقطعاً فسوف تراني، فلما كان ذلك محالاً لأن الشىء لا يكون متحركاً ساكناً في حال واحدة، كانت الرؤية المتعلقة بذلك محالة، لأنه لا يعلق بالمحال إِلا المحال. وقوله {فلما تجلى ربُّه للجبل} معناه ظهر بآياته التي أحدثها في الجبل لحاضري الجبل بأن {جعله دكاً}. وقيل: إِن الله تعالى أبرز من ملكوته ما تدكدك به إِذ في حكمه أن الدنيا لا تقوم لما يبرز من الملكوت الذي في السموات، كما قيل: إِنه ابرز ألخنصر من العرش، ويجوز أن يكون المراد {فلما تجلى ربه} لأهل الجبل، كما قال {أية : واسأل القرية}تفسير : والتجلي هو الظهور، ويكون ذلك تارة بالرؤية، وأخرى بالدلالة، قال الشاعر: شعر : تجلى لنا بالمشرفية والقنا وقد كان عن وقع الأسنة نائيا تفسير : وإِنما أراد الشاعر أن تدبيره دل عليه حتى علم أنه المدبر لذلك وأن تدبيره صواب، فقال تجلى أي علم، ولم ير بالابصار، ولا أدرك بالحواس، لأنه كان عن وقع الأسنة نائياً، ولكن استدل عليه بحسن تدبيره. وقال قوم: معناه فلما تجلى بالجبل لموسى قالوا: وحروف الصفات تتعاقب فيكون (اللام) بمعنى (الباء). وقال قوم: لو أراد موسى الرؤية بالبصر لقال أرينك أو أرني نفسك، ولا يجوز غير ذلك في اللغة. وقوله {وخرَّ موسى صعقاً} قيل في معنى ذلك قولان: أحدهما - قال ابن عباس والحسن وابن زيد وأبو علي الجبائي: إِنه وقع مغشياً عليه من غير أن يكون قد مات بدلالة قوله {فلما أفاق} ولا يقال للميت اذا عاش أفاق، وإِنما يقال: عاش أو حيي، وقال قتادة: معناه مات. وقوله {قال سبحانك تبت إِليك} قيل في معنى توبته ثلاثة أقوال: أحدها - أنه تاب، لأنه سأل قبل أن يؤذن له في المسألة، وليس للأنبياء ذلك. الثاني - أنه تاب من صغيرة ذكرها. الثالث - أنه قال ذلك على وجه الانقطاع اليه والرجوع الى طاعته، وإِن كان لم يعص، وهذا هو المعتمد عندنا دون الأولين، على أنه يقال لمن جوز الرؤية على الله تعالى اذا كان موسى (ع) إِنما سأل ما يجوز عليه فمن أي شىء تاب؟ فلا بد لهم من مثل ما قلناه من الأجوبة. فإِن قيل: كيف يجوز أن يكون تجويز الرؤية صغيراً مع أنه جهل بالله على مذهب من قال إِنه كان ذلك صغيرة؟! قيل: لأنه إِذا لم تكن الرؤية المطلوبة على وجه التشبيه جرى مجرى تجويزه أن تكون هذه الحركة من مقدورات الله في أنه لا يخرجه من أن يكون عارفاً به تعالى، وإِنما شك في الرؤية والحركة. وقوله {وأنا أول المؤمنين} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال الجبائي: أنا أول المؤمنين بأنه لا يراك شىء من خلقك فأنا أول المؤمنين من قومي باستعظام سؤال الرؤية. الثاني - قال مجاهد: وأنا أول المؤمنين من بني اسرائيل.

الأعقم

تفسير : {ولما جاء موسى لميقاتنا} يعني الموضع الذي وقّتنا له {وكلمه ربه} من غير واسطة كما يكلم الملك وتكلمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الاجرام كما خلقه مخطوطاً في اللوح، وروي أن موسى (عليه السلام) كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة، وعن ابن عباس: كلمه أربعين يوماً أو أربعين ليلة وكتب له الألواح، وقيل: إنما كله في أول الاربعين {قال رب أرني أنظر اليك} يعني اجعلني متمكناً من رؤيتك، فإن قيل: كيف طلب موسى (عليه السلام) ذلك وهو من أعلم الناس بالله تعالى وصفاته وما يجوز عليه وما لا يجوز؟ فقد قيل: أن قومه طلبوا ذلك، وقيل: إنهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم فقالوا: لا بد ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأراد أن يسمعوا النص من الله تعالى وهو قوله: {لن تراني} ليتيقنوا وينزاح عنهم ما داخلهم من الشبهة، فلذلك {قال رب أرني أنظر إليك} {فإن استقر مكانه فسوف تراني} تعليق لوجود الرؤية بوجود ما لا يكون من استقرار الجبل مكانه حين تركه دكا {فلما تجلى ربه للجبل} ظهر أمره وقدرته {جعله دكاً} قيل: تراباً، وقيل: مستوياً من الأرض، وقيل: ساح في الأرض، وقيل: تقطع أربع قطع قطعة ذهبت نحو المشرق وقطعة نحو المغرب وقطعة سقطت في البحر وقطعة طارت رملاً {وخرَّ موسى} أي سقط {صعِقاً} مغشياً عليه استعظاماً لما رأى من الآيات الباهرة، وقيل: مبالغة في الزجر واستعظاماً لما سألوا موسى، وروي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون يابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة قاله جار الله، قوله تعالى: {وكتبنا له في الألواح} قيل: كان كنقش الخاتم عن وهب، وقيل: كتبنا أي فرضنا فيه الفرائض، وروي أن الألواح صحائف فيها التوراة، قيل: كانت عشرة ألواح، وقيل: سبعة، وقيل: لوحين، وقيل: كانت من زمرد جاء بها جبريل، وقيل: من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء، وقيل: أمر الله تعالى موسى يقطعها من صخرة، وقيل: كانت من خشب نزلت من السماء طولها كان عشرة أذرع {وتفصيلاً لكل شيء} وقيل: يريد التوراة، وقيل: من كل شيء كان بني اسرائيل محتاجون اليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام، وقيل: أنزلت التوراة وهي وقر سبعين بعيراً، يُقرأ الجزء منها سنة، لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى، قيل: كتب في الألواح أني أنا الله لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً، ولا تقطعوا السبيل، ولا تحلفوا باسمي كاذباً، ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين {فخذها بقوة}، قيل: بجدّ واجتهاد تبليغاً وعلماً وعملاً {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} أي يحملوا على أنفسهم بالأخذ بما هو أدخل في الحُسن وأكثر للثواب كقوله: اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم، وقيل: يأخذوا بما هو واجبٌ أو ندبٌ لأنه أحسن من المباح، وقيل: بالناسخ دون المنسوخ، وقيل: تأخذوا بحسنها وكلها حسن {سأوريكم دار الفاسقين} يريد دار فرعون وقومه وهو بمصر كيف دمروا لفسقهم، وقيل: منازل عاد وثمود والقرون التي أهلكهم الله بفسقهم، وقيل: أراد بدار الفاسقين نار جهنم {سأصرف عن آياتي} بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم ولا يتفكرون فيها، وقيل: سأصرف عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون أن يبطل آية موسى بأن جمع لها السحرة {وأن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} يعني هؤلاء المتكبرين {وإن يروا سبيل الرشد} طريق الهدى والرشاد {لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا كل سبيل الغي} يعني الضلال والهلاك {ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا} بحجتنا {وكانوا عنها غافلين}.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}. قال الحسن: لما كلّمه ربه دخل قلبَ موسى من السرور من كلام الله ما لم يصل إلى قلبه مثلُه قطّ. فدعت موسى نفسُه إلى أن يسأل ربّه أن يريَه نفسَه. ولو كان فيما عهد إليه قبل ذلك أنه لا يُرى لم يسأل ربه ما يعلم أنه لا يعطيه إياه. {قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي ولَكِنِ انظُرْ إِلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} أي إن الجبل لا يستقرّ مكانه، وكذلك لا تراني لأني لا تدركني الأبصار وأنا أدرك الأبصار. {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} يعني أنه أبدى بعض آياته للجبل فجعله دكاً، وخرّ موسى صعقاً. قوله: جَعَلَهُ دَكّاً. قال بعضهم: جعل بعضه على بعض. وبعضهم يقرأها: دكاء، ممدودة. وسمعت بعضهم يقول: إن الدكاء الأرض المستوية. قال: {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً}. غشيته الصاعقة. {فَلَمَّا أَفَاقَ} قال بعضهم: فلما ردّ الله إليه نفسَه. وقال بعضهم: فلما أفاق من غشيته، أي أنه غشى عليه. وكانت صعقة موسى أن غشى عليه، ولم تكن صعقةَ موت، ألا تراه يقول: فلما أفاق، أي من غشيته، والإِفاقة لا تكون من الموت. وكان دل على صعقةٍ أنها صعقة موت؛ دل على ذلك قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} قال:{فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} قال: (أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) تفسير : [البقرة:55،56]. قال: فلما أفاق {قال سُبْحَانَكَ} ينزه الله {تُبْتُ إِلَيْكَ} أي مما تقدمت بين يديك من المسألة. {وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنِينَ}. قال مجاهد: وأنا أول قومي إيماناً. وقال بعضهم: وأنا أول المؤمنين بأنك لا ترى، وهو أيضاً أول قومه إيماناً بهذا، وقد آمن الناس قبله.

اطفيش

تفسير : {ولمَّا جاء مُوسَى لميقَاتِنا} للوقت الذى وقتنا له، وهذه لام التوقيت كقولك: جاء لصلاة الظهر إذا أردت أنه جاء عندها، وقولك: كتبته لسبع مضين من المحرم، وسماها جار الله لام الاختصاص، أى خص مجيئه ميقاتنا، وابن حكام يفسرها بمعنى عند، والميقات اسم زمان على غير قياس، وياؤه عن واو. {وكلَّمه ربُّه} خلق له الكلام فى بعض الأجرام، أو فى الهواء، والله على كل شىء قدير كما خلقه مخطوطا فى اللوح المحفوظ، وكتبه القلم فيه بلا كتاب، وعن ابن عباس: كلمه أربعين يوما وأربعين ليلة، وكتب له الألواح، وقيل: كلمه أول الأربعين، وإن قلت: إذا كان كلامه مخلوقا فى بعض الأجرام فكيف يتم لذلك الجرم أن يقول: {أية : إنى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى} تفسير : وغير ذلك مما يشرك قائله؟ قلت: يتم له حكاية عن الله كما يقول جبريل ذلك عن الله، هذا مذهبنا ومذهب المعتزلة، وهذا الكلام الذى تكلمت به الشجرة، أو خلق فى الهواء حروفا وأصواتا مقطعة سمعها موسى من كل جهة. وزعم الحنابلة أن كلام الله مطلقا حروف وأصوات مقطعة قديم، ويرده أنه إن كانت إلى الآن يصوت بها متكررة أو غير متكررة، فهذا عين الحدوث، وإن انقطع التصويت بها فقد فنيت، وما فنى فحادث وهذا المصوت إن كان الله حاشاه فقد جعلوه محلا يخرج منه الصوت، وإن كان غيره فالكلام لغيره لا له. وقال جمهور المتكلمين: كلام الله صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات، وتلك الصفة قديمة أزلية، فقالوا: إن الله قدير أن يسمع موسى تلك الصفة، مع أنها غير حرف وغير صوت، كما قدر أن يخلق فى الجارحة ما ليس من طبعها، مثل أن يجعل الأذن مبصرة، والعين سامعة، وقلنا معشر الأباضية: إن كلام الله قسمان: الأول: خلق الأصوات فى جسم أو عرض. والثانى: نفى الخرس، يقول: الله مكلِّم تريد أنه لا يجوز وصفه بالخرس. وزعم أهل السنة وجمهور السلف والخلف من غيرنا: أن كلامه قديم أزلى، وسكتوا عن الخوض فى حقيقته، قال وهب بن منبه: كلم الله موسى فى ألف مقام كان يرى كلامه نورا على وجهه ثلاثة أيام أثر كل مقام، وما أظنه صحيحا، وما قرب موسى النساء منذ كلمه الله فيما قيل، والواو فى كلمه عاطفة على جاء موسى أو واو الحال بلا تقدير قد عند مجيز مجىء الحال جملة ماضوية مجردة، من قد مقرونة بالواو مثبتة، وبتقديرها عند مانع ذلك والعطف أولى. {قالَ ربِّ أرنى أنْظُر إليْكَ} الرؤية بصرية متعدية إلى اثنين بالهمزة، والثانى محذوف أى أرنى نفسك، وقرأ عمرو وابن كثير فى رواية عنهما: أرنى بإسكان الراء تخفيفا أو إلغاء للمحذوف الذى بنيت الكلمة على حذفه، ونظيره إعراب بعض الكلمات على عين مثل: {أية : وله الجوار} تفسير : بضم الراء فى بعض القراءات، ومعنى أرنى على القراءتين اجعلنى متمكنا من رؤيتك بأن تكشف عن بصرى، أو بأن تتجلى لى كما يتجلى مخلوق لمخلوق. {قالَ لَنْ تَرانى} أى لن يتصل بى بصر عينيك، ولن تدركنى، ولكون المعنى هكذا لم يقل لن تنظر إلىَّ مع أنه أنسب لقوله: {أنظر إليك} وذلك أن النظر توجيه البصر إلى شىء يدرك به، سواء أدركه أم لا، وليس مطلوبه به مجرد التوجيه، بل التوجيه لأجل الإدراك، فنفى الله سبحانه الإدراك، لأنه محال من حيث إن ما تراه العين لون، والله منزه عن اللون ومحدود بالجهات، وحال فى مكان أو فى الهواء، والله منزه عن ذلك، فإنه يلزم من رؤية الله حاشاه أن يكون على لون من الألوان، وأن يكون فى جهة، وأن يكون له الجهات والحدود، وأن يحل فى مكان، أو فى هواء، وأن يكون جسما أو عرضا، وأن تخلو عنه الأمكان التى ليس فيها عند رؤية الرائى، وذلك تشبيه بالخلق، ومستلزم للحدوث، فإنه يكون بين الحادثين، وعلى الحادث من هو حادث ومستلزم للتركيب، والتركيب مستلزم للحدوث وللجهل، يحل الأشياء، وإن قيل: يدرك بغير اتصال شعاع العين به؟ قلنا: هذا نفى لرؤيته بالعين كما قلنا، وإثبات للعلم بحقيقته كما قال الغزالى والفخر وغيرهما من المحققين: إن رؤيته أن يحصل للبشر إدراك بالنسبة إلى ذات الله تعالى، كنسبة الإبصار إلى المبصرات فى قوص الظهور، وللمنقول محلها العين ولا غير العين. قال الغزالى: إنما أنكر الخصم الرؤية لأنه لم يفهم ما نريد بها، وظن أنا نريد بها حالة تساوى الحالة التى يدركها الرائى عند النظر إلى الأجسام، والألوان، هيهات نحن نعترف باستحالة ذلك فى حق الله تعالى ا هـ. وهذا أيضا لا نقبله عنه، فإن ذات الله أعظم من أن تدركها عقول البشر ولا غيرها، أو تحيط به، وليس عند البشر معرفة كنه الله، وما عرفنا بالأدلة إلا أنه موجود عالم، قادر حى، مريد قديم، باق لا جسم ولا عرض، وغير ذلك من الصفات، ولو جازت عليه الرؤية بالعين لجاز عليه اللمس والذوق والشم والسمع، تعالى الله عن ذلك. وأجاز عليه بعض السنية ذلك كله، لأن علته الوجود فلزمه ما لزم على الرؤية من التحييز والحلول والحدوث، فإن الجسم والعرض مخلوقان، وليست العلة الحدوث، فإنه الوجود بعد العدم، والقيد العدمى لا يصلح علة للموجود، وإن قيل: إنما لزم ما كرهتم على رؤيته بقياس الله على ما شاهدتم من خلقه، ولا يقاس غير المشاهد على المشاهد، قلت ذلك الذى هو محذور ومكروه ومحرم، من نحو الحدوث والتخيير، لازم على مجرد إثبات الرؤية ولو مع قطع النظر عن القياس المذكور، وإن التزمنا أن ذلك بالقياس، وأن ذلك القياس غير جائز، فما أثبتم من رؤيته قياس على الخلق وهو باطل، وإلا كان جوهرا أو عرضا، وكان محلا للحوادث حاشاه. وإن قيل: أثبتنا رؤيته للأحاديث والقرآن. قلنا: الأحاديث موضوعة مفتراة لمنافاتها القرآن، وقابلة للتأويل، والقرآن يصدق بعضه بعضا، والمصير إلى المتبادر أولى، ولا دليل أشد مبادرة فى نفى الرؤية من قوله سبحانه: {أية : لا تدركه الأبصار} تفسير : على ما مر من البحث فيه، فيحال عليه قوله: {أية : إلى ربها ناظرة} تفسير : كما يأتى إن شاء الله. إن قيل: الرؤية تتعلق بكل موجود. قلنا: الموجود المشاهد جسم، ومنه ما لا يرى كالجن والملائكة، وعرض وأنت خبير بأن الشم والذوق، واللمس والسمع، والرؤية والصوت والرائحة أعراض لا ترى، ولو جازت رؤيتها لجاز تعلق السمع باللون، وما ذكروا بها، والذوق واللمس فلا يكون فى الاختصاص فائدة ولا حكمة، فيكون فعله عبثا، ولجاز ذلك فى المعدوم، والله سبحانه غير جسم وغير عرض، فلا يصح لكم قياسه على ما يرى من الأجسام والأعراض، وإن جعلتموه منها فمن أين لكم أنه من الأجسام أو الأعراض التى ترى؟ ولو جازت عليه الرؤية واللمس والشم وغير ذلك من غير اتصال لجاز أن يكون جسما من غير تركيب، كما زعم كثير حاشاه. ولو كانت الرؤية لازمة لكل موجود لزم أن ترى إرادته وقدرته وعلمه وغير ذلك، وتلمس وتذاق وتشم وتسمع، ولجاز أن تركه البهائم، وتدرك ما ذكر بحواسها الخمسة، وتدرك ذلك منا أيضا، ومن بعضها لبعض، لأن العلة واحدة، ولو جازت عليه الرؤية فى الآخرة لجازت فى الدنيا. وإنما طلب موسى الرؤية لظنه أنه تجوز عليه فيما قال الشيخ هود وبعض المخالفين، وهو باطل، لأنه أعرف بصفات الله من ذلك، ولأنه قال لما طلبوها: {أية : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا} تفسير : فسماهم سفهاء، فهذا تجهيل لهم يلزم منه أنه قد نهاهم فبطل قول القاضى أنه لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجعلهم ويزيح شبهتهم، وقد أزاحها كما يأتى الآن، أو طلبها ليجاب بنفيها ردعا لقوله، وإزاحة لشبهتهم إذ قالوا: لا نؤمن إلا إن رأينا الله، وألحوا على الرؤية بعد ما أنكر عليهم وقال: {أرنى أنظر إليك} دون: أرهم ينظرون إليك، مع أنهم الطالبون لها، لأنها إذا منعت منه فهم أولى بمنعها، ولأن ما خوطب به رسول الله خطاب لأمته، فلن ترانى بمنزلة لن ترونى، ولن لتأكيد النفى وتأبيده فى المستقبل كما قال الربيع بن حبيب، وكما قال جار الله وبعض المرجئة فنفى رؤيته موبد دنيا وأخرى، أو تأبيده فى الدنيا بلن، وفى الآخرة بدلائل أخرى قد مرت وهى دلائل على نفيها فى الدنيا كما علمت. وإن قلت: لو كانت للتأبيد لما قال الله فى اليهود: {ولن يتمنوه} أى الموت {أبدا} لأنهم قد تمنوه، إذ قالوا كغيرهم فى الآخرة: {أية : يا مالك ليقض علينا ربك} تفسير : و {أية : يا ليتها كانت القاضية}. تفسير : قلت: التأبيد فى كل شىء بحسبه، فتأبيد لن فى شأن اليهود فى نفى تمنى الموت فى الدنيا، لأن الكلام فيه، ولأنه فى عدة تمليهم معجزة، ولئن سلمنا ما قلت فلتكن لفظة أبدا لا تفيد التأبيد، لأنها مذكورة فى الآية، ولأنا نقول بتأبيد النفى بلن عند عدم القرينة، وتمنى الموت فى الآخرة موجود نصا، فلا يرد علينا {أية : فلن أكلم اليوم إنسيا} تفسير : لوجود قرينة هى اليوم فبطل قول ابن هشام لو كانت للنفى التأبيدى لم يقيد منفيها باليوم، قال: لو كانت للتأبيد لكان ذكر الأبد فى {أية : ولن يتمنوه أبدا} تفسير : تكرارا، والأصل عدمه. قلنا: إن أراد بالتكرار التأكيد فالقرآن مشحون به، وهو المطلوب فى مثل هذه الآية، فهو أول مما هو أصل، وكم موضع التأكيد فيه أبلغ مع أن أبدا إن كان تأكيدا فتأكيده لبعض معنى لن، وهو التأبيد لجملة، وإن أراد بالتكرار الإعادة فليس تكرارا باللفظ لمخالفة لفظ أبدا للفظ لن، ولا بالمرادف لأن الاسم لا يرادف الحرف، ولأن التأبيد معنى مطابق الابد، ومعنى تضمنى للن لأن معناها المطابق مجموع التأبيد والنفى المؤكد والاستقبال. قال السعد: العقل إذا خلى ونفسه لم يحكم بامتناع رؤيته ما لم يقم له برهان على ذلك، مع أن الأصل عدمه، ومن ادعى الامتناع فعليه البيان، قلنا: لا يحكم العقل بجواز الرؤية فإنها مشروطة بكون المرئى فى مكان وجهة ومقابلة من الرأى، وثبوت مسافة بينهما بحيث لا يكون فى غاية من القرب، ولا فى غاية البعد، واتصال شعاع من الباصرة بالمرئى، وكل ذلك مع ما يلزم عليه مما مر حال فى حق الله، وإن قيل: يرى لا فى مكان ولا وجهة من مقابلة واتصال شعاع أو ثبوت مسافة بين الرائى والله تعالى. قلنا: هذا إما مناقض لإثبات الرؤية، وإما تحول إلى الرؤية العلمية، أما العلم بحقيقته فليس فى طاقة الخلق، وأما بوجوده وسائر صفاته فمسلم صحيح، وإن قالوا: إنا قاطعون برؤية الأعيان والأعراض ضرورة أنا نفرق بالبصر بين جسم وجسم، وعرض وعرض، ولا بد للحكم المشترك من علة مشتركة وهى إما الوجود أو الحدوث أو الإمكان، إذ لا رابع مشترك بينهما، والحدوث عبارة عن الوجود بعد العدم والإمكان عن عدم ضرورة الوجود والعدم، ولا مدخل للعدم فى العلية، فتعين الوجود وهو مشترك بين الصانع وغيره، فيصح أن يرى من حيث تحقق علة الصحة وهى الوجود. قلنا: إن أريد الفرق برؤية البصر فمصادرة، أو باستعمال البصر فلا يفيد، لأنا نفرق مثلا بين الأعمى والأقطع بالبصر، والفرق بمدخل من البصر لا يقتضى كون المغروق مبصرا، ولا نسلم أيضا أنه لا رابع مشترك بينهما، فإن وجوب الوجود بالغير والمقابلة، بل الأمور العامة كالماهية والمعلومية والمذكورية أمور مشتركة بينهما، ولا يقال: الأمور العامة تستلزم صحة رؤية الواجب، ولا ضرر فى النقص بها على أنها تقتضى صحة رؤية المعدوم، لأنا نقول: يجوز أن تشترط بشىء من خواص الموجود الممكن، ولا نسلم أن الوجود علة الرؤية كما مرّ سلمناه، لكن فيما نشاهد من جسم وعرض، ولا نقيس عليهما ما ليس جسما ولا عرضا، ويلزم رؤية كل موجود كالكلام والشم كما مر. وإن قيل: إنما لم ير الكلام والشم ونحوهما، لأن الله سبحانه لم يخلق فى العبد رؤيتها، لا لامتناع رؤيتها قلنا: هى أعراض خلقها الله على كيفية لا ترى لا على كيفية ترى، ومنعها عن أن ترى أو منع الأبصار عن أن تراها، وعلى كل حال فليست رؤيته ممكنة لآرائها إلى محال وهو تحيزه، وما يؤدى إلى محال، فالتحيز استحالته عن واجب الوجود، مانعة عن رؤيته، وأيضا الصحة عدمية فلا تستدعى علة، ولو سلم فالواحد النوعى قد يعلل بالمختلفات، وكالحرارة بالشمس والنار، فلا يستدعى علة مشتركة ولو سلم، فالعدمى يصلح علة للعدمى ولو سلم، فلا نسلم اشتراك الوجود. وإن قيل: المراد بالعلة متعلق الرؤية، والقابل لها، وهو وجودى تعالى. قلنا: ليس يقابل لها لأدائها إلى التحيز المستحيل، وإلى الجسمية والعرضية، وإن قيل لا تلزمان لأنا أول ما نرى شبحا من بعيد، إنما ندرك منه هوية ما دون خصوصية جسمية أو عرضية أو إنسان أو فرسية ونحو ذلك، وبعد رؤيته برؤية واحدة متعلقة بهويته، قد تقدر على تفصيله إلى ما فيه من جواهر وأعراض، وقد لا نقدر، فمتعلق الرؤية هو كون الشىء له هوية ما، وهو المعنى بالوجود، واشتراكه ضرورى. قلنا: حاصل هذا الكلام هو أن متعلق الرؤية أمر مشترك فى الواقع، وهو لا يدفع الاعتراض، ويستلزم استدراك التعرض لأجل رؤية الجسم والعرض، ولاشتراك الصحة بينهما، والاشتراك فى المعلوم لا يستلزم الاشتراك فى العلة، وأيضا إذا رأيت شبحا من بعيد أيقنت أنه إما جسم أو عرض، ونفى هذا مكابرة، وأيضا مفهوم الهوية المطلقة أمر اعتبارى، كيف تتعلق بها الرؤية، بل المرئى خصوصية الموجود، فلعل تلك الخصوصية لا مدخل لها فى تعلق الرؤية، وأيضا ذلك الدليل منقوض بصحة الملموس، وأيضا يجوز أن يكون متعلق هو الجسمية وما يتبعها من الأعراض من غير اعتبار خصوصية، تعالى الله عن الجسمية والعرضية، وقد علق الله رؤيته باستقرار الجبل، واستقراره ولو كان ممكنا فى الجملة ويطمع فيه إنسان لكن بعد إخبار الله أنه جُعِل دكا كان محالا، وما علق بالحال محال، وذلك كحياة زيد غدا فإنها ممكنة، وإن جاء الوحى بأنه يموت قبل الغد علمناها محالا، ولسنا نحتاج إلى أن نقول المعلق عليه استقرار الجبل حال تحركه وهو محال، فضلا عن أن يرد علينا أن ذلك خلاف الظاهر. وكون قوم موسى مذبذبين لم يكتفوا بمنع موسى الرؤية، فاحتاج إلى أن سألها ليجاب بالمنع، فاتضح بطلان قول السعد إنهم إن كانوا مؤمنين كفاهم منع موسى، أو مشركين لم يكونوا مصدقين فى حكم الله بالامتناع، وذلك أنهم كانوا مذبذبين كما مر، أو مثبتين لله منازعين فى رسالة موسى. وقول القاضى إنه قال: {لن ترانى} دون لن أرى، ودون لن تنظر إلىَّ تنبيها على أنه قاصر عن رؤية لتوقفها على المعنى معد فى الرائى لم يوجد فيه بعد هو ادعاء محض، لا دليل عليه مسلم، وكما يفيد قولك لن أرى عدم الرؤية على الإطلاق يفيدها: {لن ترانى} من حيث إنه إذا كان لا يراه موسى فغيره أولى بأن لا يراه، سلمنا أن هذا دون ذلك فى حد ذاته، لكن باعتبار ما يلزم على الرؤية، مما مر يتبين أن المراد بهما سواء، لكن عبر بهذا ليعقبه بقوله: {ولكن انظر} الخ. وأما لن تنظر إلىَّ فلا يصح، لأن النظر توجيه البصر نحو الشىء، سواه أبصره أم لم يبصره، والإخبار عن عدم رؤيته دليل على أن لا يراه موسى أبدا، لأن النفى بلن وهى للتأبيد على البحث السابق، وأما أن لا يراه غيره فالدليل عليه أنه إذا لم يره موسى لم يره غيره، ولتعليقها بالمحال، وذلك المحال بالنظر إلى موسى محال بالنظر إلى غيره، وما تعلق بمحال حال، وذلك كله فى الآية بمعونة أن رؤيته تؤدى إلى التحيز وغيره مما لايجوز على الله، فبطل قول القاضى أن الاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ الخ. وقد مرَّ ردّ ما بقى من كلامه، وأشار بقوله: لم يوجد فيه بعد إلى أنه سيوجد فى الآخرة معنى معد فى الرأى فيراه، وهذه الرؤية بالمعنى المعد إما بالعين وإما بالعلم، وكلتاهما باطلة لما مر، وأيضا هذا المعنى إما تغير الله إلى ما طبع العين على إدراكه، أو الله سبحانه لا يتغير، وإنما نقل العين إلى الإدراك بالدليل، فذلك علم لا رؤية، وتقرر ضرورة أن ما امتنع لذاته لا يدرك إلا بتحويل المدرِك أو المدرَك، وقد قال أبو حنيفة: يرى بحاسة سادسة وهى العقل، وهذا رجوع إلى رؤية العلم، ومر ما فيها، وذكر السعد أن الأمة مجمعون قبل ظهور البدع على أنه يرى فى الآخرة وهو خطأ، وقد قال ابن عباس وغيره: لا يرى فى الدنيا ولا فى الآخرة، فانظر ما يأتى فى سورة القيامة، فبطل زعمه أنهم مجمعون قبل البدع على أن الآيات الواردة فى ذلك على ظاهرها، وأيضا فليحمل لا تدركه الأبصار على ظاهره. {ولكنِ انْظُر إلى الجَبَل} الذى هو أقوى منك، إنما صح استدراكا لما قبله على أن معنى النظر إلىَّ لا يمكن لأنى لست فى جهة دون أخرى فلا تطلبه، ولكن {فإنِ استقرَّ مكانَه فَسوفَ تَرانى} وليس بمستقر، فلست ترانى، وذلك الجبل الطور، وقيل زبير بفتح الزاى، وقيل زبير والطور اسمان لجبل واحد. {فلمَّا تجلَّى ربُّهُ} أى آية ربه، وقدرته وعظم شأنه {للجبل جعله دكًّا} مصدر بمعنى اسم مفعول أى مدكوكاً أى مدقوقا، والدكّ والدق أخوان كالشك والشق، وقرأ حمزة، والكسائى، وابن عباس، والربيع بن خيثم: دكاء بالمد والتشديد، أى رأيته مرتفعة كرابية التراب، أو أرضا مستوية، يقال: ناقة دكاء أى متواضعة السنام، وقرأ يحيى ابن وثاب: دُكا بضم الدال وتنوين الكاف جمع دكاء بالفتح والمد أى قطعا. {وخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} وقع بسرعة مغشيا عليه غشية كالموت من هول ما رأى، كما كان الجبل دكا لذلك، ولطلب الرؤية، وقد خلق له تمييزا فيما قال بعض، والصعق صفة مشبهة من الثلاثى المكسور اللازم المطاع للثلاثى المفتوح المتعدى، يقال: صعقه فصعق، وذلك مأخوذ من الصاعقة، ويقال أيضا الصاعقة من صفة إذا ضربه على رأسه. وقال قتادة: الصعق الميت ولا يناسبه لفظ الإفاقة. {فَلمَّا أفاقَ} من غشيته {قالَ سُبْحانك} عن الرؤية وغيرها مما لا يليق {تُبتُ إليكَ} من جريان طلب الرؤية على لسانى من غير أن تأذن لى فيه، وقد كان الأولى إذا طلبها قومه وهى أمر لا يجترأ عليه أن يقول: اللهم إن قومى طلبوا الرؤية وأنت أعلم، فمرنى بأمرك. ويجوز أن يكون معنى أرنى أنظر إليك عرفنى نفسك تعريفا واضحا جليا، كمن شاهد شيئا، ومعنى {لن ترانى} لن تطيق ذلك، فانظر إلى الجبل فى قوته فإنى أخلق له تمييزا، فإن أطاقها أطقتها، وليس بمطيق {وأنَا أوَّلُ المؤمنينَ} من بنى إسرائيل عند ابن عباس ومجاهد، أو من أهل زمانه إن كان الكفر قد طبق الآفاق، أو أول المصدقين بأنك لا ترى فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولا تدرك بحاسة من الحواس، ففيه إيماء بأن مثبت رؤيته غير مؤمن بل منافق إن أثبتها فى الآخرة، ومشرك إن أثبتها فى الدنيا كما نص عليه أصحابنا، ونص الشيخ هود أنه قد آمن الناس قبله، فالأولية بالنظر إلى أمر الرؤية أو إلى قوم مخصوصين. قال صاحب عرائس القرآن وغيره: لما مضت أربعون يوما تطهر وطهر ثيابه، وأتى طور سينين، وكلمه ربه وقربه، قال وهب: كان بين الله وموسى سبعون حجابا، فرفعها كلها إلا حجابا واحدا، وهذا خطأ فاحش، فإن الحجاب مؤد إلى التحيز والجهات، وإثبات لإدراكه فى الدنيا، فإن الحجاب لو ثبت كان مقابلا له، ولا فرق بينك يا أيها الإنسان وبين الحجاب، كلاكما مخلوق. وقال سهل بن سعد الساعدى: بينهما سبعون ألف حجاب، وفيه ما فى قول وهب، وذلك إثبات رؤيته، وإن قالوا ذلك الحجاب لم تخلق فيه رؤية بقى عليهم التحيز وإثبات إمكان الرؤية، فإن من لولا الحجاب لكان مرئيا معدودا فى جملة من يرى. وقد زعمت جماعة أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء، وأن موسى قال: سبحانك تبت إليك لعلمه أن الرؤية فى الدنيا مختصة بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد قالت عائشة: من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية. وكان أحمد بن حنبل يقول: رآه بعين رأسه، وكرر ذلك يوما حتى انقطع نفسه توكيدا للرؤية، وزعم القاضى أبو بكر أن موسى رآه ولذا صعق، وأن الجبل رآه ولذا اندك، ولما كلم موسى عليه السلام استحلى كلامه واشتاق قيل إلى الرؤية وطمع فيها وقال: "يا رب أرنى أنظر إليك". قال السدى: لما كلم الله تعالى موسى غاص إبليس حتى خرج من بين قدمى موسى، فوسوس إليه فى قلبه أن مكلمك شيطان، فسأل الرؤية، وقد روى أن الله سبحانه أنزل ظلمة تغشت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية، وطرد عنه الشياطين وهوام الأرض، وكشط له السماء، ورأى الملائكة قياما فى الهواء، وبرز له العرش، وقربه حتى سمع صرير الأقلام على الألواح. قال السدى: فقال له: لن ترانى، وليس يطيق البشر النظر إلىَّ فى الدنيا، من ينظر إلىَّ مات، قال: إلهى سمعت كلامك فاشتقت إلى رؤيتك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحبّ إلىَّ من أن أعيش ولا أراك، فقال له: انظر إلى الجبل وهو أعظم جبل بمدين يقال له زبير، وذلك أن الجبال لما أعلمت أن الله يريد أن يتجلى لجبل منها ترافعت رجاء أن يتجلى عليها، وجعل زبير يتواضع، فتجلى عليه قال ابن عباس: بنور ظهر للجبل فصار ترابا. قال الضحاك: أظهر الله من النور مثل منخر الثور، وعبد الله بن سلام وكعب: مثل سم الخياط، والسدى: قدر الخنصر. وروى أنس أنه صلى الله عليه وسلم قرأ الآية وقال: "هكذا" فوضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل أى غار، وفى رواية بطرف إبهامه على أنملة الخنصر من اليد اليمنى، وقال سهل ابن سعد: قدر الدرهم، فجعل الجبل دكا أى متسويا بالأرض، وعن السدى: قدر جناح البعوضة، وعن الحسن: أوحى الله إلى الجبل هل تطيق رؤيتى؟ فغار وساخ فى الأرض وموسى ينظر حتى ذهب أجمع، فذلك التجلى، وعن بعض: تجلى الله للجبل وأشغل موسى بالنظر إلى الجبل، ولولا ذلك لمات. قال أبو بكر محمد بن عمرو الوراق: عذُبَ إذ ذاك كل ماء، وآفاق كل مجنون، وبرؤكل مريض، وأزال الشوك عن الأشجار، واخضرت الأرض، وأزهر النبات، وأخمدت نيران المجوس، وخرت الأصنام على وجهها. قال سفيان: ساخ الجبل حتى وقع فى البحر وهو يظهر فيه، وقال عطية العوفى: صار رملا هائلا، وقال الكلبى: كسر جبالا صغارا، وفى الحديث عن أنس: "حديث : أنه صار ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ورضوى، وثلاثة بمكة: ثور وثبير وحراء" تفسير : وقيل: فنى بجملته، قيل: ذهب أعلاه وبقى أكثره، وقيل تفتت وصار غبارا تذروه الرياح. وعن سفيان: ساخ وأفضى إلى البحر الذى تحت الأرضين، قال ابن الكلبى: فهو يهودى إلى يوم القيامة، وقال أبو بكر الهذلى: ساخ فى الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، قال الكلبى: صعق موسى يوم الخميس يوم عرفة، وأعطى التوراة يوم الجمعة يوم النحر. قال الواقدى: لما خر موسى صعقا قالت الملائكة: ما لابن عمران وسؤال الرؤية؟ قال جار الله: وروى أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه، فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت فى رؤية رب العزة. قال وهب: لما سأل موسى الرؤية أرسل الله سبحانه الضباب والصواعق والظلمة، والرعد والبرق، فأحاطت بالجبل الذى عليه موسى، وأمر الله ملائكة السماوات يتعرضوا على موسى أربع فراسخ من كل ناحية. قال السدى: حف حول الجبل بالملائكة، وحف حول الملائكة بالنار، وحف حول النار بملائكة، وحف حول الملائكة بالنار، ثم تجلى للجبل. وعن وهب: مرت به ملائكة السماء الدنيا بتسبيح وتقديس كثيرين كصوت الرعد الشديد، فقال: يا رب إنى كنت عن هذا غنيا. ثم ملائكة الثانية كالأسود بتسبيح وتقديس بصوت أشد من الأول، واقشعرت كل شعرة فى رأسه وبدنه وقال: لقد ندمت على مسألتى فهل ينجينى من مكانى الذى أنا فيه شىء؟ فقال له جبريل: اصبر لما رأيت، فقليلا من كثير رأيت. ثم ملائكة الثالثة كالنسور، وألوانهم كالنار بتسبيح وتقديس أعظم مما قبل، فاشتد فزعه وأيس من الحياة، فقال له: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه. ثم ملائكة الرابعة كالثلج بصوت تسبيح وتقديس أشد مما قيل، فاصطكت ركبتاه، وأرعد قلبه، واشتد بكاؤه فقال له: اصبر فقليل من كثير ما رأيت. ثم ملائكة الخامسة فى سبعة ألوان، ولم يستطع نظرهم ولا سماع صوتهم، وامتلأ رعبا وحزنا، وكثر بكاؤه فقال: يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصبر عليه. ثم ملائكة السادسة فى يد كل واحد حربة كالنخلة العظيمة أشد ضوءًا من الشمس، لباسهم كلهب النار إذا سبحوا سبح من كان قبلهم يقولون بشديد صوت: سبوح قدوس رب العزة أبدا لا يموت، فى رأس كل واحد أربعة أوجه، ولما رآهم رفع صوته فسبح باكيا ويقول: رب اذكرنى ولا تنس عبدك، لا أدرى هل أتخلص مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت احترقت، وإن مكثت مت فقال له: قد أوشك يا ابن عمران أن يشتد خوفك، وينخلع قلبك. وأمر الله ملائكة السابعة أن يحملوا العرش، ولما بدا شىء من نور العرش اندك الجبل، وكل شجرة فيه، ورفعت الملائكة كلهم أصواتهم بالتسبيح فخر صعقا على وجهه بلا روح، ثم ردها الله إليه فقلبت عليه الحجر الذى كان عليه، فصار كالقبة عليه لئلا يحترق، ثم أفاق فقال: {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} وقال: آمنت أنك ربى، وصدقت أنك لا يراك أحد فيحيا، ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه، فما أعظمك وأعظم ملائكتك، أنت رب الأرباب، وإله الآلهة، وملك الملوك، والإله العظيم الذى لا يقوم لبطشته شىء، ولا يعدله شىء، ربِّ تبت إليك، والحمد لك، لا شريك لك، ما أعظمك وما أجلك يا رب العالمين. هذا ما رواه المخالفون، ونص أصحابنا أنه لا يقال: ما أعظم الله، ولا أعلمه ولا ما أكرمه ونحو ذلك، وأجازه بعضهم فى الأفعال لا فى الصفات، نحو: ما أحسن صنع الله لا ما أعلمه وأبصره وأقدره ونحو ذلك، قيل: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله صما ملسا وصارت الجبال بعد ذلك شقوقا وغبراناً.

اطفيش

تفسير : {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا} يوم الخميس يوم عرفة كلمه الله فيه وأَعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر، أَو ذلك يوم عاشوراء {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} صير الله الأَرض مظلمة مع الطور سبعة فراسخ أَو أَربعة من كل جهة حين جاءَ للمناجاة، وطرد شيطان موسى وهوام الأَرض، ونحى ملكيه وكشط السماءَ ورأَى العرش والملائكة عابدين لله فى الهواء، وسمع صرير أَقلام الملائكة وكلمة الله، ولم يسمع جبريل مع أَنه معه، أَنشأَ الله له كلاما وسمعه من كل جهة وفى جميع جسده، خلقه الله فى ذلك أَو حيث شاءَ من الهواء أَو من الشجر أَو من الأَرض أَو من الجبل فسمعه حروفاً وأَصواتاً، وروى أَنه كلمه باثنى عشر مائة لغة ولم يفهم حتى كلمه بلغته، وأَول ما كلمه بلغة البربر وذاك أَلف ومائتا لغة، ويروى كلمه بأَلف لغة وكان يصف كلامه تعالى بالرعد القاصف مع حلاوته له عليه السلام، وعدم صعوبته، وقد قال أَبو منصور الماتريدي أَنه خلق له الكلام فى الشجرة، وروى: سمع صرير الأَقلام بالكلمات العشرة، وأَن ذلك كله أَول يوم من ذى الحجة، ولا تقل سمع كلامه القديم، وهو صفة أَزلية بلا صوت، لأَن القديم لا ينتقل ونحن لا نثبت الكلام القديم النفسى، بل كلامه تعالى خلق الكلام أَو نفى الخرس، أَو إِحاؤه، ولم يختص بإِذنه ليعلم أَنه من الله عز وجل لا من شيطان، كما روى أَن إِبليس غاص من بعيد حتى خرج من بين رجليه فقال له: إِن مكلمك شيطان، وعلم موسى أَنه من الله لسمعه من كل جهة وبجسده كله، ومن ذلك كان على وجهه مثل شعاع الشمس فغطاه ببرقع إِذ لا يقدر أَحد أَن ينظر إِليه، وقالت زوجه: لم أَر وجهك منذ كلمك ربك، فكشفه لها، فأَخذها مثل الشمس شعاع، فوضعت يدها على وجهها وخرت ساجدة، وقالت: ادع الله أَن أَكون زوجك فى الجنة، قال: ذلك إِن لم تتزوجى بعدى، فإِن المرأَة لآخر أَزواجها، {قَالَ} على لسان الذاهبين معه، وقال قومنا: هو من قول موسى على ظاهره {رَبِّ} يا رب {أَرِنِى} نفسك {أَنْظُرْ إِلَيْكَ} أَى أَرك، أَى أَظهر لى أَرك، أَو قونى على أَن أَراك ولو لم تظهر لى، أَو أَزل مانع الرؤية أَنظر إِليك، ويقال: لما استحلى ما سمع من الكلام هاج به الشوق إِلى طلب الرؤية، مع علمه بأَنها لا تكون فى الدنيا ولا فى الآخرة، لأَن ما نفيه مدح لا يختص انتفاؤه بزمان، ولأَن المرئى جسم فى جهة مركب متلون، والله منزه عن ذلك، فإِذا ادعى أَن يرى بلا كيف فذلك تناقض، ونفى الإِدراك ممنوع، فإِذا رؤى فقد أَدرك، ولو كان ذلك لا يطاق ولا يقدر على وصف، وانتفاء الرؤية ذاتى كما أَن انتفاءَ الشبه ذاتى وما هو ذاتى لا يتخلف بالدنيا والآخرة ولا يخفى أَن قدمه تعالى ينافى مباشرة الحادث، وإِلا كان حادثاً أَو الحادث قديماً، وكلا الأَمرين باطل، ومعلوم أَن القديم لا تحل به صفات الحادث والمخالف للحوادث لا تدركه الحوادث {قَالَ لَنْ تَرَانِى} لم يقل لن تنظر إِلىَّ، إِما لأَن النظر هنا إِما نفس الإِدراك بالعين فذاك وإِما توجيه الحدقة إِلى جانب المرئى وغايتها حصول الرؤية، فذكر الرؤية. وموسى منزه عن ذلك بل قال أَصحابه، ونفى الرؤية مدح فلا يختص موسى بانتفائها، وإِنما خص بالذكر لأَنه طلبها بإِفراد نفسه فأَجابه على الإِفراد فقال: لن ترانى، ولم يقل: لم أَر بالبناء للمفعول على صيغة العموم، ولا يقال لو كان الطلب منهم لبين لهم أَنهم أَخطأوا، لأَنَّا نقول أَنكر عليهم كما أَنكر عليهم إِذ قالوا: اجعل لنا إِلها، ولما تمادوا على طلب الرؤية أَراد النص من الله لهم جمعاً بين ما عنده من الدليل العقلى، وما يطلبه من الدليل السمعى، بل لو طلبها لعدم علمه بانتفائها لم يلزم شئ لأَنه يطلب العلم من الله سبحانه، والنبوة لا تتوقف على العلم بجميع الأَصول مرة قاله الحسن البصرى، ولا يقال: لو كان السؤال لهم لقال: أَرهم ينظروا إِليك، وقال الزيرونى: لأَنَّا نقول: تكلم بصيغة نفسه عنهم لأَنه إِذا منع الرؤية فأَولى أَن يمنعوها، ومنع موسى منع لهم لاستحالتها، كأَنه قيل: لست ممن يرى. كيف يحس الحادث القديم؟ {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} هو جبل زبير وهو أَعظم جبل بمدين وهو طور سيناءَ {فِإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} مع ظهور آية له {فَسَوْفَ تَرَانِى} هو لا يستقر له ولا يطيق وهو أَقوى منك، فكيف تطيق مع ضعفك، فأَحيا الله الجبل وجعل له العقل، وأَظهر له آية فلم يستقر كما قال {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} ظهر بظهور آية، وظهوره ظهور آية له، قيل أَظهر له من نور عرشه قدر نصف أَنملة الخنصر، رواه الحاكم حديثاً، وقال الضحاك: مثل منخر الثور من نور الحجاب، والحجاب جسم مخصوص ليس الله حالا فيه كالعرش والكرسى ليس فيهما، وعن عبد الله بن سلام وكعب الأَحبار، مثل سم الخياط، وعن سهل بن سعد قدر الدرهم {جَعَلَهُ دَكًّا} مدكوكاً أَو نفس الدك مبالغة، دقيق الأَجزاء كالتراب، أَو سوى بالأَرض أَو جعله كسراً، وقد قيل جعله جبالا صغاراً ستة: أَحداً وورقاءَ ورضوى بالمدينة. وثورا وثبيرا وحراءَ بمكة، وذلك كله لنور خلقه الله فكيف لو بدا الله جل عن صفة الخلق {وَخرَّ} سقط، يطلق ولو بلا صوت، وخصه بعض بماله صوت لجريه فى الهواء كالحجر الساقط من عالٍ، وعليه فإِطلاقه استعارة أَو مجاز الإِطلاق والتقييد، وذلك يوم عرفة، وإِعطاء الكتاب يوم النحر {مُوسَى صَعِقًا} مغشياً عليه سكران لهول ما رأَى من حال الجبل، وما نزل على الجبل من النور، وما يروى أَنه حين صعق لكزته الملائكة بأَرجلها وقالوا: أَتطمع فى رؤيته يابن النساء الحيض أَظنه كلاماً وضعته اليهود كذباً {فَلَمَّا أَفاقَ} من صعقه {قَالَ سُبْحَانَكَ} أَسبحك عن أَن ترى، وعن صفات الخلق دائماً بلا انقطاع تسبيحاً {تُبْتُ إِلَيْكَ} من سؤال الرؤية عن قومى بلا إِذن {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} من بنى إِسرائيل بما أَوحيت بأَنك لا ترى، وأَن صفات الخلق لا تليق بك ومنها رؤيتك فى الدنيا أَو الآخرة، وكل ما أوحى إِلى نبى من الأَنبياءَ فذلك النبى هو أَول من يؤمن به ممن معه أَو بعده، وذلك من حيث أَنه موحى إِليه به ولو علم قبله أَو علم بعده بدونه ودون وسائطه.

الالوسي

تفسير : {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَـٰتِنَا} أي لوقتنا الذي وقتناه أي لتمام الأربعين، واللام للاختصاص كما في قوله سبحانه: {أية : لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] وهي بمعنى عند عند بعض النحويين {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير واسطة بحرف وصوت ومع هذا لا يشبه كلام المخلوقين ولا محذور في ذلك كما أوضحناه في الفائدة الرابعة، وإلى ما ذكر ذهب السلف الصالح، وقد أخرج البزار وابن أبـي حاتم وأبو نعيم في «الحلية». والبيهقي في «الأسماء والصفات» عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لما كلم الله تعالى موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال يا موسى: أنا كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن، فقال: لا تستطيعونه ألم تروا إلى صوت الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتوه فذاك قريب منه وليس به».تفسير : وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم والحاكم وصححه عن أبـي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: «إنما كلم الله تعالى موسى بقدر ما يطيق من كلامه ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء» وأخرج جماعة عن كعب قال: «لما كلم الله تعالى موسى كلمه بالألسنة كلها فجعل يقول: يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسان بمثل صوته» الخبر، وأخرجوا عن ابن كعب القرظي أنه قال: قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق؟ فقال عليه السلام: بالرعد الساكن، وأخرج الديلمي عن أبـي هريرة مرفوعاً لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة فأول ما كلمه بالبربرية، ونقل عن الأشعري أن موسى / عليه السلام إنما سمع الكلام النفسي القائم بذات الله تعالى ولم يكن ما سمعه مختصاً بجهة من الجهات، وحمله على السماع بالفعل مشكل مع الأخبار الدالة على خلافه؛ والظاهر أن ذلك إن صح نقله فهو قول رجع عنه إلى مذهب السلف الذي أبان عن اعتقاده له في «الإبانة». {قَالَ رَبِّ أَرِنِي} أي ذاتك أو نفسك فالمفعول الثاني محذوف لأنه معلوم، ولم يصرح به تأدبا {أَنظُرْ إِلَيْكَ} مجزوم في جواب الدعاء، واستشكل بأن الرؤية مسببة عن النظر متأخرة عنه كما يريك ذلك النظر إلى قولهم: نظرت إليه فرأيته، ووجهه أن النظر تقليب الحدقة نحو الشيء التماساً لرؤيته والرؤية الإدراك بالباصرة بعد التلقيب وحينئذ كيف يجعل النظر جواباً لطلب الرؤية مسبباً عنه وهو عكس القضية. وأجيب بأن المراد بالاراءة ليس إيجاد الرؤية بل التمكن منها مطلقاً أو بالتجلي والظهور وهو مقدم على النظر وسبب له، ففي الكلام ذكر الملزوم وإرادة اللازم أي مكنى من رؤيتك أو تجل لي فانظر إليك وأراك. {قَالَ} استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال رب العزة حين قال موسى عليه السلام ذلك، فقيل: قال: {لَن تَرَانِي} أي لا قابلية لك لرؤيتي وأنت على ما أنت عليه، وهو نفي للإراءة المطلوبة على أتم وجه {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} إستدراك لبيان أنه عليه السلام لا يطيق الرؤية، والمراد من الجبل طور سيناء كما ورد في غير ما خبر، وفي «تفسير الخازن» وغيره أن اسمه زبير بزاي مفتوحة وباء موحدة مكسورة وراء مهملة بوزن أمير {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} ولم يفتته التجلي {فَسَوْفَ تَرَانِي} إذا تجليت لك. {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} أي ظهر له على الوجه اللائق بجنابه تعالى بعد جعله مدركاً لذلك {جَعَلَهُ دَكّا} أي مدكوكاً متفتتاً، والدك والدق أخوان كالشك والشق. وقال شيخنا الكوراني: إن الجبل مندرج في الأشياء التي تسبح بحمد الله بنص {أية : وَإِن مّن شَىْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ } تفسير : [الإسراء: 44] المحمول على ظاهره عند التحقيق المستلزم لكونه حياً مدركاً حياة وإدراكاً لائقين بعالمه ونشأته، وقيل: هذا مثل لظهور اقتداره سبحانه وتعلق إرادته بما فعل بالجبل لا أن ثم تجلياً وهو نظير ما قرر في قوله تعالى: {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يسٰ: 82] من أن المراد أن ما قضاه سبحانه وأراد كونه يدخل تحت الوجود من غير توقف لا أن ثمة قولاً. وتعقبه صاحب «الفوائد» بأن هذا المعنى غير مفهوم من الآية لأن تجلى مطاوع جليته أي أظهرته يقال: جليته فتجلى أي أظهرته فظهر ولا يقدر تجلى اقتداره لأنه خلاف الأصل، على أن هذا الحمل بعيد عن المقصود بمراحل. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي وغيرهم من طرق عن أنس بن مالك «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ } الخ قال هكذا وأشار بأصبعيه ووضع طرف إبهامه على أنملة الخنصر ـ وفي لفظ ـ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل» تفسير : وعن ابن عباس أنه قال ما تجلى منه سبحانه للجبل إلا قدر الخنصر فجعله تراباً، وهذا كما لا يخفى من المتشابهات التي يسلك فيها طريق التسليم وهو أسلم وأحكم أو التأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى. وقرأ حمزة والكسائي {دَكَّاء} بالمد أي أرضاً مستوية، ومنه قولهم ناقة دكاء للتي لم يرتفع سنامها. وقرأ يحيى بن وثاب {دُكّاً} بضم الدال والتنوين جمع دكاء كحمر وحمراء أي قطعاً دكاً فهو صفة جمع، وفي «شرح التسهيل» لأبـي حيان أنه أُجري مجرى الأسماء فأجري على المذكر. {وَخَرَّ موسَىٰ} أي سقط من / هول ما رأى، وفرق بعضهم بين السقوط والخرور بأن الأول مطلق والثاني سقوط له صوت كالخرير {صَعِقًا} أي صاعقا وصائحاً من الصعقة، والمراد أنه سقط مغشياً عليه عند ابن عباس. والحسن رضي الله تعالى عنهم وميتاً عند قتادة روي أنه بقي كذلك مقدار جمعة، وعن ابن عباس أنه عليه السلام أخذته الغشية عشية يوم الخميس يوم عرفة إلى عشية يوم الجمعة، ونقل بعض القصاصين أن الملائكة كانت تمر عليه حينئذ فيلكزونه بأرجلهم ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة وهو كلام ساقط لا يعول عليه بوجه، فإن الملائكة عليهم السلام مما يجب تبرئتهم من إهانة الكليم بالوكز بالرجل والغض في الخطاب {فَلَمَّآ أَفَاقَ} بأن عاد إلى ما كان عليه قبل وذلك بعود الروح إليه على ما قال قتادة أو بعود الفهم والحس على ما قال غيره، والمشهور أن الإفاقة رجوع العقل والفهم إلى الإنسان بعد ذهابهما عنه بسبب من الأسباب، ولا يقال للميت إذا عادت إليه روحه أفاق وإنما يقال ذلك للمغشي عليه ولهذا اختار الأكثرون ما قاله الحبر {قَالَ} تعظيماً لأمر الله سبحانه {سُبْحَـٰنَكَ} أي تنزيهاً لك من مشابهة خلقك في شيء، أو من أن يثبت أحد لرؤيتك على ما كان عليه قبلها، أو من أن أسألك شيئاً بغير اذن منك {تُبْتُ إِلَيْكَ} من الإقدام على السؤال بغير أذن، وقيل: من رؤية وجودي والميل مع إرادتي {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بعظمتك وجلالك أو بأنه لا يراك أحد في هذه النشأة فيثبت على ما قيل، وأراد كما قال الكوراني أنه أول المؤمنين بذلك عن ذوق مسبوق بعين اليقين في نظره، وقيل: أراد أول المؤمنين بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك. واستدل أهل السنة المجوزون لرؤيته سبحانه بهذه الآية على جوازها في الجملة، واستدل بها المعتزلة النفاة على خلاف ذلك وقامت الحرب بينهما على ساق، وخلاصة الكلام في ذلك أن أهل السنة قالوا: إن الآية تدل على إمكان الرؤية من وجهين. الأول أن موسى عليه السلام سألها بقوله: {رَبِّ أَرِنِي} الخ، ولو كانت مستحيلة فإن كان موسى عليه السلام عالماً بالاستحالة فالعاقل فضلاً عن النبـي مطلقاً فضلاً عمن هو من أولي العزم لا يسأل المحال ولا يطلبه، وإن لم يكن عالماً بذلك لزم أن يكون آحاد المعتزلة ومن حصل طرفاً من علومهم أعلم بالله تعالى وما يجوز عليه وما لا يجوز من النبـي الصفي، والقول بذلك غاية الجهل والرعونة، وحيث بطل القول بالاستحالة تعين القول بالجواز، والثاني أن فيها تعليق الرؤية على استقرار الجبل وهو ممكن في نفسه وما علق على الممكن ممكن. واعترض الخصوم الوجه الأول بوجوه. الأول أنا لا نسلم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية وإنما سأل العلم الضروري به تعالى إلا أنه عبر عنه بالرؤسة مجازاً لما بينهما من التلازم، والتعبير بأحد المتلازمين عن الآخر شائع في كلامهم، وإلى هذا ذهب أبو الهذيل بن العلاف وتابعه عليه الجبائي وأكثر البصريين. الثاني أنا سلمنا أنه لم يسأل العلم بل سأل الرؤية حقيقة لكنا نقول: إنه سأل رؤية علم من أعلام الساعة بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه فمعنى {أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} أرني أنظر إلى علم من أعلامك الدالة على الساعة، وإلى هذا ذهب الكعبـي والبغداديون، الثالث أنا سلمنا أنه سأل رؤية الله تعالى نفسه حقيقة ولكن لم يكن ذلك لنفسه عليه السلام بل لدفع قومه القائلين {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً }تفسير : [النساء: 153] وإنما أضاف / الرؤية إليه دونهم ليكون منعه أبلغ في دفعهم وردعهم عما سألوه تنبيهاً بالأعلى على الأدنى، وإلى هذا ذهب الجاحظ ومتبعوه، الرابع أنا سلمنا أنه سأل لنفسه لكن لا نسلم أن ذلك ينافي العلم بالإحالة إذ المقصود من سؤالها إنما هو أن يعلم الإحالة بطريق سمعي مضاف إلى ما عنده من الدليل العقلي لقصد التأكيد، وذلك جائز كما يدل عليه طلب إبراهيم عليه السلام إراءة كيفية إحياء الموتى، وقوله: {أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } تفسير : [البقرة: 260] وإلى ذلك ذهب أبو بكر الأصم، الخامس أنا سلمنا أن سؤال الرؤية ينافي العلم بالإحالة لكنا نلتزم القول بعدم العلم وهو غير قادح في نبوته عليه السلام فإن النبوة لا تتوقف على العلم بجميع العقائد الحقة أو جميع ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز بل ما يتوقف عليه الغرض من البعثة والدعوة إلى الله تعالى وهو وحدانيته وتكليف عباده بالأوامر والنواهي تحريضاً لهم على النعم المقيم، وليس امتناع الرؤية من هذا القبيل، ويؤيد ذلك أنه سأل وقوع الرؤية في الدنيا وهي غير واقعة عندنا وعندكم، ونسب هذا القول إلى الحسن منا وهو غريب منه. السادس أنا سلمنا العلم بالإحالة لكن لا نسلم امتناع السؤال وإنما يمتنع أن لو كان محرماً في شرعه لم لا يجوز أن لا يكون محرماً؟، السابع أنا سلمنا الحرمة لكن لا نسلم أن ذلك كبيرة لم لا يجوز أن يكون صغيرة وهي غير ممتنعة على الأنبياء عليهم السلام؟. وتكلموا على الوجه الثاني من وجهين: الأول أنا لا نسلم أنه علق الرؤية على أمر ممكن لأن التعليق لم يكن على استقرار الجبل حال سكونه وإلا لوجدت الرؤية ضرورة وجود الشرط لأن الجبل حال سكونه كان مستقراً بل على استقراره حال حركته وهو محال لذاته، والثاني أنا وإن سلمنا أن استقرار الجبل ممكن لكن لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن فإنه يصح أن يقال: إن انعدم المعلوم انعدم العلة، والعلة قد تكون ممتنعة العدم مع إمكان المعلول في نفسه كالصفات بالنسبة إلى الذات عند المتكلمين، والعقل الأول بالنسبة إليه تعالى عند الحكماء، فيجوز أن تكون الرؤية الممتنعة متعلقة بالاستقرار الممكن، والسر في جواز ذلك أن الارتباط بين المعلق والمعلق عليه إنما هو بحسب الوقوع بمعنى أنه إن وقع عدم المعلول وقع عدم العلة، والممكن الذاتي قد يكون ممتنع الوقوع كالممتنع الذاتي فيجوز التعليق بينهما وليس الارتباط بينهما بحسب الإمكان حتى يلزم من إمكان المعلق عليه إمكان المعلق، ثم إنا وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه من الوجهين على جواز الرؤية فهو معارض بما يدل على عدم الجواز فإن {لَنْ} في الآية لتأبيد النفي وتأكيده وأيضاً قول موسى عليه السلام: {تُبْتُ إِلَيْكَ} دليل كونه مخطئاً في سؤاله ولو كانت الرؤية جائزة لما كان مخطئاً، والزمخشري عامله الله تعالى بعدله زعم أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية، وذكر في «كشافه» ما ذكر وقال: ((ثم أعجب من المتسمين بالإسلام المسمين بأهل السنة والجماعة كيف اتخذوا هذه العظيمة مذهباً ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:شعر : وجماعة سموا هواهم سنة لجماعة حمر لعمري مؤكفه قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفه)) تفسير : وأجيب عن قولهم: إنه عليه السلام إنما سأل العلم الضروري بأنه لو كانت الرؤية بمعنى العلم الضروري لكان النظر المذكور بعد أيضاً بمعناه وليس كذلك، فإن النظر الموصول بإلى نص في الرؤية لا يحتمل سواه فلا يترك للاحتمال. وفي «شرح المواقف» أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول، وأورد عليه / أن المراد هو العلم بهويته الخاصة، والخطاب لا يقتضي إلا العلم بوجه كمن يخاطبنا من وراء الجدار، والمراد بالعلم بالهوية الخاصة انكشاف هويته تعالى على وجه جزئي بحيث لا يمكن عند العقل صدقه على كثيرين كما في المرئي بحاسة البصر، ولا شك في كونه ممكناً في حقه تعالى لأنه قادر على أن يخلق في البعد علماً ضرورياً بهويته الخاصة على الوجه الجزئي بدون استعمال الباصرة كما يخلق بعده، وفي عدم لزومه الخطاب فإنه إنما يقتضي العلم بالمخاطب بأمور كلية يمكن صدقها على كثيرين عند العقل وإن كانت في الخارج منحصرة في شخص واحد فهو من قبيل التعقل، وبهذا التحرير يعلم رصانة الإيراد ودفع ما أورد عليه، ويظهر منه ركاكة ما قاله الآمدي من أن حمل الرؤية على العلم يلزم منه أن يكون موسى عليه السلام غير عالم بربه لئلا يلزم تحصيل الحاصل، ونسبة ذلك إلى الكليم من أعظم الجهالات لأنا نقول العلم بالهوية الخاصة على ما ذكرنا ليس من ضروريات النبوّة ولا المكالمة كما لا يخفى. نعم يأبـى هذا الحمل التعدية كما علمت ويبعده الجواب ب {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ} الخ كما هو ظاهر وإن تكلف له الزمخشري بما تمجه الاسماع. وقيل: إنه لو ساغ هذا التأويل لساغ مثله في {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً } تفسير : [النساء: 153] لتساوي الدلالة وهو ممتنع بالإجماع وجهرة لا يزيد على كون النظر موصولاً بإلى. وأجيب عن قولهم: إنما سأله أن يريه علماً من أعلام الساعة بأنه لا يستقيم لثلاثة أوجه. أحدها: أنه خلاف الظاهر من غير دليل. ثانيها: أنه أجيب بـ {لَن تَرَانِي} وهو إن كان محمولاً على نفي ما وقع السؤال عنه من رؤية بعض الآيات فهو خلف فإنه قد أراه سبحانه أعظم الآيات وهو تدكدك الجبل، وإن كان محمولاً على نفي الرؤية لزم أن لا يكون الجواب مطابقاً للسؤال. ثالثها: أن قوله سبحانه: {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى} إن كان محمولاً على رؤية الآية فهو محال لأن الآية ليست في استقرار الجبل بل في تدكدكه، وإن كان محمولاً على الرؤية لا يكون مرتبطاً بالسؤال، فإذن لا ينبغي حمل ما في الآية على رؤية الآية، وعن قولهم: إن الرؤية وقعت لدفع قومه بأن ذلك خلاف الظاهر من غير دليل، وكون الدليل أخذ الصعقة ليس بشيء. وأيضاً كان يجب عليه عليه السلام أن يبادر إلى ردعهم وزجرهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى كما قال: {أية : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفسير : [الأعراف: 138] عند قولهم: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138]. وقولهم: إن المقصود ضم الدليل السمعي إلى العقلي ليس بشيء إذ ذلك كان يمكن بطلب إظهار الدليل السمعي له من غير أن يطلب الرؤية مع إحالتها، وقصته تقدم الكلام فيها، وما ذكروه في الوجه الخامس ظاهر رده من تقرير الوجه الأول من الوجهين اللذين ذكرهما أهل السنة، وحاصله أنه يلزمهم أن يكون الكليم عليه السلام دون آحاد المعتزلة علماً ودون من حصل طرفاً من الكلام في معرفة ما يجوز عليه تعالى وما لا يجوز، وهذه كلمة حمقاء وطريقة عوجاء لا يسلكها أحد من العقلاء، فإن كون الأنبياء عليهم السلام أعلم ممن عداهم بذاته تعالى وصفاته العلا مما لا ينبغي أن ينتطح فيه كبشان، وكون الرؤية في الدنيا غير واقعة عند الفريقين إن أريد به أنها غير ممكنة الوقوع فهو أول المسألة وإن أريد أنها ممكنة لكنها لا تقع لأحد فلا نسلم أنه أجمع على ذلك الفريقان، أما المعتزلة فلأنهم لا يقولون بإمكانها، وأما أهل السنة فلأن كثيراً منهم ذهب إلى أنها وقعت لنبينا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وهو قول ابن عباس وأنس وغيرهما، وقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله سبحانه الفرية» مدفوع أو مؤول بأن المراد من زعم أن / محمداً صلى الله عليه وسلم في نوره الذي هو نوره أعني النور الشعشعاني الذي يذهب بالأبصار، وهو المشار إليه في حديث «حديث : لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره» تفسير : فقد أعظم الفرية، ومن هذا يعلم ما في احتمال إرادة عدم الوقوع مع قطع النظر عن الإمكان وعدمه. وقولهم: إنه يجوز أن لا يكون ذلك الطلب محرماً في شرعه فلا يمتنع يرد عليه أن دليل الحرمة ظاهر، فإن طلب المحال لو لم يكن حراماً في شرعه عليه السلام لما بلغ في التشنيع على قومه حين طلبوا ما طلبوا على أنا لو سلمنا أنه ليس بحرام يقال: إنه لا فائدة فيه وما كان كذلك فمنصب النبوة منزه عنه، ومن هذا يعلم ما في قولهم الأخير. وأجيب عن قولهم: إن المعلق عليه هو استقرار الجبل حال حركته بأنهم إن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار حال وجود الحركة مع الحركة فهو زيادة اضمار وترك لظاهر اللفظ من غير دليل فلا يصح، وإن أرادوا أن الشرط هو الاستقرار في الحالة التي وجدت فيها الحركة بدلاً عن الحركة فلا يخفى جوازه، فكيف يدعى أنه محال لذاته؟، وبعضهم قال في الرد: إن المعلق عليه استقرار الجبل بعد النظر بدليل الفاء، وحين تعلقت إرادة الله تعالى بعدم استقراه عقيب النظر استحال استقراره وإن كان بالغير فعدل عن القول بالمحال بالذات إلى القول بالمحال بالغير لأن الغرض يتم به أيضاً، وتعقبه السيالكوتي وغيره بأنه ليس بشيء لأن استقرار الجبل حين تعلق إرادته تعالى بعدم استقراره أيضاً ممكن بأن يقع بدله الاستقرار إنما المحال استقراره مع تعلق إرادته سبحانه بعدم الاستقرار، ولبعض فضلاء الروم هٰهنا كلام نقله الشهاب لا تغرنك قعقعته فإن الظواهر لا تترك لمجرد الاحتمال المرجوح. وأجيب عن قولهم لا نسلم أن المعلق بالممكن ممكن الخ بأن المراد بالممكن المعلق عليه الممكن الصرف والخالي عن الامتناع مطلقاً، ولا شك أن إمكان المعلول فيما امتنع عدم علته ليس كذلك بل التعليق بينهما إنما هو بحسب الامتناع بالغير فإن استلزام عدم الصفات وعدم العقل الأول عدم الواجب من حيث إن وجود كل منهما واجب وعدمه ممتنع بوجود الواجب، وأما بالنظر إلى ذاته مع قطع النظر عن الأمور الخارجة فلا استلزام بخلاف استقرار الجبل فإنه ممكن صرف غير ممتنع لا بالذات ولا بالعرض كما لا يخفى، على أن بعضهم نظر في صحة المثال لغة وإن كان فيه ما فيه، وما قيل: إنه ليس المقصود في الآية بيان جواز الرؤية وعدم جوازها إذ هو غير مسؤول عنه بل المقصود إنما هو بيان عدم وقوعها وعدم الشرط مكتفل بذلك كلام لا طائل تحته، إذ الجواز وعدم الجواز من مستتبعات التعليق بإجماع جهابذة الفريقين، وما ذكروه في المعارضة من أن {لََنْ} تفيد تأبيد النفي غير مسلم، ولو سلم فيحتمل أن ذلك بالنسبة إلى الدنيا كما في قوله تعالى: {أية : وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } تفسير : [البقرة: 95] فإن إفادة التأبيد فيه أظهر، وقد حملوه على ذلك أيضا لأنهم يتمنونه في الآخرة للتخلص من العقوبة، ومما يهدي إلى هذا أن الرؤية المطلوبة إنما هي الرؤية في الدنيا وحق الجواب أن يطابق السؤال، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن أن نفي الرؤية مقيد لا مطلق فليتبع بيانه عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» وأبو نعيم في «الحلية» عن ابن عباس قال: «حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {رَبِّ أَرِنِي} الخ فقال: قال الله تعالى يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده ولا رطب إلا تفرق وإنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم» تفسير : وهذا ظاهر في أن مطلوب موسى عليه السلام كان الرؤية في الدنيا مع بقائه على حالته / التي هو عليها حين السؤال من غير أن يعقبها صعق لأن قوله عز وجل: إنه لن يراني حي الخ لا ينفي إلا الرؤية في الدنيا مع الحياة لا الرؤية مطلقاً، فمعنى {لَن تَرَانِي} في الآية لن تراني وأنت باق على هذه الحالة لا لن تراني في الدنيا مطلقاً فضلاً عن أن يكون المعنى لن تراني مطلقاً لا في الدنيا ولا في الآخرة. نعم إن هذا الحديث مخصص بما صح مرفوعاً وموقوفاً أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء مع عدم الصعق، ولعل الحكمة في اختصاصه صلى الله عليه وسلم بذلك أن نشأته عليه الصلاة والسلام أكمل نشأة وأعدلها صورة ومعنى لجامعيته صلى الله عليه وسلم للحقائق على وجه الاعتدال وهي فيه متجاذبة ومقتضى ذلك الثبات بإذن الله تعالى ومع ذلك فلم يقع له التجلي إلا في دار البقاء فاجتمع مقتضى الموطن مع مقتضى كمال اعتدال النشأة، وقد يقال أيضاً على سبيل التنزل: لو سلمنا دلالة لن على التأبيد مطلقاً لكان غاية ذلك انتفاء وقوع الرؤية ولا يلزم منه انتفاء الجواز، والمعتزلة يزعمون ذلك. وقولهم: قوله عليه السلام {تُبْتُ إِلَيْكَ} يدل على كونه مخطئاً ليس بشيء لأن التوبة قد تطلق بمعنى الرجوع وأن لم يتقدمها ذنب، وعلى هذا فلا يبعد أن يكون المراد من {تُبْتُ إِلَيْكَ} أي رجعت إليك عن طلب الرؤية. وذكر ابن المنير ((أن تسبيح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وأما التوبة في حق الأنبياء عليهم السلام فلا يلزم أن تكون عن ذنب لأن منزلتهم العلية تصان عن كل ما يحط عن مرتبة الكمال، وكان عليه عليه السلام نظراً إلى علو شأنه أن يتوقف في سؤال الرؤية على الإذن فحيث سأل من غير إذن كان تاركاً الأولى بالنسبة إليه، وقد ورد «حديث : حسنات الأبرار سيئات المقربين» تفسير : ، وذكر الإمام الرازي نحو ذلك. وقال الآمدي: إن التوبة وان كانت تستدعي سابقية الذنب إلا أنه ليس هناك ما يدل قطعاً على أن الذنب في سؤاله بل جاز أن تكون التوبة عما تقدم قبل السؤال مما يعده هو عليه السلام ذنباً والداعي لذلك ما رأى من الأهوال العظيمة من تدكدك الجبل على ما هو عادة المؤمنين الصلحاء من تجديد التوبة عما سلف إذا رأوا آية وأمراً مهولا، وذكر أن قوله عليه السلام: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ليس المراد منه ابتداء الإيمان في تلك الحالة بل المراد به إضافة الأولية إليه لا إلى الإيمان، ولعل المراد من ذلك الإخبار الاستعطاف لقبول توبته عليه السلام عما هو ذنب عنده، وأراد بالمؤمنين قومه على ما روي عن مجاهد، وما يشير إليه كلام الزمخشري من أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية لا يخفى ما فيه على من أحاط خبرا بما ذكرناه. ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضاً، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له: {لَن تَرَانِي} ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب لست بمرئي، ألا ترى لو قال: أرني أنظر إلى صورتك ومكانك لم يحسن في الجواب أن يقال لن ترى صورتي ولا مكاني بل الحسن لست بذي صورة ولا مكان. وقال بعضهم بعد أن بين كون الآية دليلاً على أن الرؤية جائزة في الجملة ببعض ما تقدم ولذلك رده سبحانه بقوله: {لَن تَرَانِي} دون لن أرى ولن أريك ولن تنظر إليَّ تنبيهاً على أنه عليه السلام قاصر عن رؤيته تعالى لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه بعد، وذلك لأن لن أرى يدل على امتناع الرؤية مطلقاً ولن أريك يقتضي أن المانع من جهته تعالى، وليس في لن تنظر تنبيه على المقصود لأن النظر / لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية والإدراك، وعلل النيسابوري عدم كون الجواب لن تنظر إلي المناسب لأنظر إليك بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل {أَرِنِي}. وانتصر بعضهم للمعتزلة بأن لهم أن يقولوا: إن طلب الإراءة متضمن لطلب رفع الموانع من الرؤية وإيجاد ما تتوقف هي عليه لأن معنى ذلك مكني من الرؤية والتمكين إنما يتم بما ذكر من الرفع والإيجاد، وكان الظاهر في رد هذا الطلب لن أمكنك من رؤيتي لكن عدل عنه إلى {لَن تَرَانِي} إشارة إلى استحالة الرؤية وعدم وقوعها بوجه من الوجوه، كأنه قيل: إن رؤيتك لي أمر محال في نفسه وتمكيني إنما يكون من الممكن، ولو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد أنك لا قابلية لك لرؤيتي لكان لموسى عليه السلام أن يقول يا رب أنا أعلم عدم القابلية لكني سألتك التمكين وهو متضمن لسؤال إيجادها لأنها مما تتوقف الرؤية عليه، فعلى هذا لا يكون الجواب مفيداً لموسى عليه السلام ولا مقنعاً له بخلافه على الأول، فيكون حينئذ هو المتعين. فإن قيل: القابلية وعدم القابلية من توابع الاستعداد وعدم الاستعداد وهما غير مجعولين، قلنا: هذا على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل مستلزم لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على من له أدنى استعداد لفهم الحقائق. وأجيب بأن طلب التمكين من شيء إنما يتضمن طلب رفع الموانع التي في جانب المطلوب منه فقط على ما هو الظاهر لا مطلقاً بحيث يشمل ما كان في جانب المطلوب منه وما كان في جانب الطالب، ويرشد إلى ذلك أن قولك: لم يمكني زيد من قتل عمرو مثلاً ظاهر في أنه حال بينك وبين قتله مع تهيئك له وارتفاع الموانع التي من قبلك عنه، فكأن موسى عليه السلام لما كلمه ربه هاج به الشوق إلى الرؤية كما قال الحسن لأن عدو الله إبليس غاص في الأرض حتى خرج من بين قدميه فوسوس إليه إن مكلمك شيطان فعند ذلك سألها كما قال السدي وأعوذ بالله من اعتقاده فذهل عن نفسه وما فيها من الموانع فلم يخطر بباله إلا طلب رفع الموانع عنها من قبل الرب سبحانه فنبهه جل شأنه بقوله: {لَن تَرَانِي} على وجود المانع فيه عن الرؤية وهو الضعف عن تحملها وأراه ضعف من هو أقوى منه عن ذلك بدك الجبل عند تجليه له، ففائدة الاستدراك على هذا أن يتحقق عنده عليه السلام أنه أضعف من أن يقوم لتجلي الرؤية، وهو على ما هو عليه، ويمكن أن تكون التوبة منه عليه السلام بعد أن أفاق من هذه الغفلة، وحينئذ لا شك أن الجواب بـ {لَن تَرَانِي} الخ مفيد مقنع. هذا وذكر بعض المحققين أن حاصل الكلام في هذا المقام أن موسى عليه السلام كان عالماً بإمكان الرؤية ووقوعها في الدنيا لمن شاء الله تعالى من عباده عقلاً؛ والشروط التي تذكر لها ليست شروطاً عقلية وإنما هي شروط عادية ولم يكن عالماً بعدم الوقوع مع عدم تغير الحال حتى سمع ذلك من الرب المتعال، وليس في عدم العلم بما ذكر نقص في مرتبته عليه السلام لأنه من الأمور الموقوفة على السمع، والجهل بالأمور السمعية لا يعد نقصاً، فقد صح أن أعلم الخلق على الإطلاق نبينا صلى الله عليه وسلم سئل عن أشياء فقال: سأسأل جبريل عليه السلام، وأن جبريل عليه السلام سئل فقال: سأسأل رب العزة، وقد قالت الملائكة: {أية : سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } تفسير : [البقرة: 32] وأن الآية لا تصلح دليلاً على امتناع الرؤية على ما يقوله المعتزلة بل دلالتها على إمكانها في الجملة أظهر وأظهر، بل هي ظاهرة في ذلك دون ما يقوله الخصوم، وما رواه / أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في تفسير {لَن تَرَانِى}: إنه لا يكون ذلك أبداً لا حجة لهم فيه لأنه غير واف بمطلوبهم، مع أن التأبيد فيه بالنسبة إلى عدم تغير الحال كما يدل عليه الخبر المروي عنه سابقاً، وكذا ما رواه عنه أبو الشيخ إذ فيه: يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا قال موسى: رب أن أراك ثم أموت أحب إليَّ من أن لا أراك ثم أحيا، وما ذكره الزمخشري عن الأشياخ أنهم قالوا: إنه تعالى يرى بلا كيف هو المشهور. ونقل المناوي أن الكمال بن الهمام سئل عما رواه الدارقطني وغيره عن أنس من قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ربـي في أحسن صورة» تفسير : بناء على حمل الرؤية على الرؤية في اليقظة فأجاب بأن هذا حجاب الصورة انتهى، وهو التجلي الصوري الشائع عند الصوفية، ومنه عندهم تجلي الله تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام، وتجليه جل وعلا للخلق يوم يكشف عن ساق، وهو سبحانه وإن تجلى بالصورة لكنه غير متقيد بها والله من ورائهم محيط، والرؤية التي طلبها موسى عليه السلام غير هذه الرؤية، وذكر بعضهم أن موسى كان يرى الله تعالى إلا أنه لم يعلم أن ما رآه هو ـ هو ـ وعلى هذا الطرز يحمل ما جاء في بعض الروايات المطعون بها "رأيت ربـي في صورة شاب"، وفي بعضها زيادة "له نعلان من ذهب"، ومن الناس من حمل الرؤية في رواية الدارقطني على الرؤية المنامية، وظاهر كلام السيوطي أن الكيفية فيها لا تضر وهو الذي سمعته من المشايخ قدس الله تعالى أسرارهم، والمسألة خلافية، وإذا صح ما قاله المشايخ وأفهمه كلام السيوطي فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربـي مناماً ثلاث مرات وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة، رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجهاً جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه فأمر سبحانه أن يذهب بـي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بـي إليهما فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنة. ومنهم من حمل الصورة على ما به التميز والمراد بها ذاته تعالى المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال، وما ذكره من البيتين لبعض العدلية فهو في ذلك عثيثة تقرم جلداً أملساً والقول ما قاله تاج الدين السبكي فيهم:شعر : عجباً لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفه قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفه وتلقبوا عدلية قلنا نعم عدلوا بربهم فحسبهم سفه تفسير : وقال ابن المنير:شعر : وجماعة كفروا برؤية ربهم هذا ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربهم فحسبوهم سفه وتنعتوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه تفسير : وبعد هذا كله نقول: إن الناس قد اختلفوا في أن موسى عليه السلام هل رأى ربه بعد هذا الطلب أم لا؟، فذهب أكثر الجماعة إلى أنه عليه السلام لم يره لا قبل الصعق ولا بعد. وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إنه رآه بعد الصعق وكان الصعق موتاً، وذكر قدس سره أنه سأل موسى عن ذلك فأجابه بما ذكر، والآية عندي / غير ظاهرة في ذلك، وإلى الرؤية بعد الصعق ذهب القطب الرازي في تقرير كلام للزمخشري، إلا أن ذلك على احتمال أن تفسر بالانكشاف التام الذي لا يحصل إلا إلا إذا كانت النفس فانية مقطوعة النظر عن وجودها فضلاً عن وجود الغير فإنه قال: إن موسى عليه السلام لما طلب هذه المرتبة من الانكشاف وعبر عن نفسه (بأنا) دل على أن نظره كان باقياً على نفسه وهي لا تكون كذلك إلا متعلقة بالعلائق الجسمانية مشوبة بالشوائب المادية لا جرم منع عنه هذه المرتبة وأشير إلى أن منعها إنما كان لأجل بقاء أنا وأنت في قوله: {أَرِنِي} و {لَنْ تَرَانِي}، ثم لما لم يرد حرمانه عن حصول هذه المرتبة مع استعداده وتأهله لها علم طريق المعرفة بقوله سبحانه: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} فإن الجبل مع عدم تعلقه لما لم يطق نظرة من نظرات التجلي فموسى عليه السلام مع تعلقه كيف يطيق ذلك فلما أدرك الرمز خر صعقاً مغشياً عليه متجرداً عن العلائق فانياً عن نفسه فحصل له المطلوب فلما أفاق علم أن طلبه الرؤية في تلك الحالة التي كان عليها كان سوء أدب فتاب عنه. وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني إلى أنه عليه السلام رأى ربه سبحانه حقيقة قبل الصعق فصعق لذلك كما دك الجبل للتجلي، وأيده بما أخرج أبو الشيخ عن أبـي هريرة عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما تجلى الله تعالى لموسى عليه السلام كان يبصر دبيب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ، وبما أخرجه عن أبـي معشر أنه قال: مكث موسى عليه السلام أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من نور رب العالمين»تفسير : وجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله تعالى أعطى موسى الكلام وأعطاني الرؤية وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود» تفسير : بأن الرؤية التي أعطاها لنبينا صلى الله عليه وسلم هي الرؤية مع الثبات والبقاء من غير صعق كما أن الكلام الذي أعطاه موسى كذلك بخلاف رؤية موسى عليه السلام فإنها لم تجمع له مع البقاء. وعلى هذا فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الدجال «إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت هو أن أحداً لا يراه في الدنيا مع البقاء ولا يجمع له في الدنيا بينهما، وفسر الآية بما لا يخلو عن خفاء. والذاهبون إلى عدم الرؤية مطلقاً يجيبون عما ذكره من حديث أبـي هريرة وخبر أبـي معشر بأن الثاني ليس فيه أكثر من إثبات سطوع نور الله تعالى على وجه موسى عليه السلام وليس في ذلك إثبات الرؤية لجواز أن يشرق نور منه تعالى على وجهه عليه السلام من غير رؤية فإنه لا تلازم بني الرؤية وإشراق النور وبأن الأول ليس نصاً في ثبوت الرؤية المطلوبة له عليه السلام لأنها كما قال غير واحد عبارة عن التجلي الذاتي ولله تعالى تجليات شتى غير ذلك فلعل التجلي الذي أشار إليه الحديث على تقدير صحة واحد منها، وقد يقطع بذلك فإنه سبحانه تجلى عليه عليه السلام بكلامه واصطفائه وقربه منه على الوجه الخاص اللائق به تعالى، ولا يبعد أن يكون هذا سبباً لذلك الإبصار، وهذا أولى مما قيل: إن اللام في لموسى للتعليل ومتعلق تجلي محذوف أي لما تجلى الله تعالى للجبل لأجل إرشاد موسى كان عليه السلام يبصر بسبب إشراق بعض أنواره تعالى عليه حين التجلي للجبل ما يبصر:شعر : تضوع مسكاً بطن نعمان إذ مشت به زينب في نسوة خفرات تفسير : فالحق الذي لا ينبغي المحيص عنه أن موسى عليه السلام لم يحصل له ما سأل في هذا الميقات، والذي أقطع به أنه نال مقام قرب النوافل والفرائض الذي يذكره الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم بالمعنى الذي يذكرونه كيفما / كان، وحاشا لله من أن أفضل أحداً من أولياء هذه الأمة وإن كانوا هم ـ هم ـ على أحد من أنبياء بني إسرائيل فضلاً عن رسلهم مطلقاً فضلاً عن أولي العزم منهم. وقد ذكر بعض العارفين من باب الإشارة في هذه الآيات: أن الله تعالى واعد موسى عليه السلام ثلاثين ليلة للتخلص من حجاب الأفعال والصفات والذات كل عشرة للتخلص من حجاب، واختيرت العشرة لأنها عدد كامل كما تقدم الكلام عليه عند قوله سبحانه: {أية : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } تفسير : [البقرة: 196]، لكن بقيت منه بقية ما خلص عنها، واستعمال السواك في الثلاثين الذي نطقت به بعض الآثار إشارة إلى ذلك فضم إلى الثلاثين عشرة أخرى للتخلص من تلك البقية، وجاء أنه عليه السلام أمر بأن يتقرب إليه سبحانه بما يتقرب به في ثلاثين، وأنزلت عليه التوراة في العشرة التي ضمت إليها لتكمل أربعين، وهو إشارة إلى أنه بلغ الشهود الذاتي التام في الثلاثين بالسلوك إلى الله تعالى ولم يبق منه شيء بل فنى بالكلية وفي العشرة الرابعة كان سلوكه في الله تعالى حتى رزق البقاء بعد الفناء بالإفاقة، قالوا: وعلى هذا ينبغي أن يكون سؤال الرؤية في الثلاثين والإفاقة بعدها، وكان التكليم في مقام تجلي الصفات وكان السؤال عن إفراط شوق منه عليه السلام إلى شهود الذات في مقام فناء الصفات مع وجود البقية، و {لَن تَرَانِى} إشارة إلى استحالة الإثنينية وبقاء الأنية في مقام المشاهدة، وهذا معنى قول من قال: رأيت ربـي بعين ربـي، وقوله سبحانه: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} إشارة إلى جبل الوجود، أي انظر إلى جبل وجودك {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى} وهو من باب التعليق بالمحال عنده {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّاً} أي متلاشياً لا وجود له {وَخَرَّ موسَىٰ} عن درجة الوجود {صَعِقًا} أي فانياً {فَلَمَّا أَفَاقَ} بالوجود الموهوب الحقاني {قَالَ سُبْحَـٰنَكَ} أن تكون مرئياً لغيرك {تُبْتُ إِلَيْكَ} عن ذنب البقية، أو رجعت إليك بحسب العلم والمشاهدة إذ ليس في الوجود سواك {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بحسب الرتبة، أي أنا في الصف الأول من صفوف مراتب الأرواح الذي هو مقام أهل الوحدة، وقد يقال: إن موسى إشارة إلى موسى الروح ارتاض أربعين ليلة لتظهر منه ينابيع الحكمة وقال لأخيه هارون القلب {ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى} من الأوصاف البشرية {وَأَصْلَحَ} ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة {أية : وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 142] من القوى الطبيعية، ولما حصل الروح على بساط القرب بعد هاتيك الرياضة وتتابعت عليه في روضات الأنس كاسات المحبة غرد بلبل لسانه في قفص فم وجوده فقال: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ} فقال له: هيهات ذاك وأين الثريا من يد المتناول؟ أنت بعد في بعد الإثنينية وحجاب جبل الأنانية فإن أردت ذلك فخل نفسك وائتني:شعر : وجانب جناب الوصل هيهات لم يكن وها أنت حي أن تكن صادقاً مت هو الحب إن لم تقض لم تقض مأربا من الحب فاختر ذاك أو خل خلتي تفسير : فهان عليه الفناء في جانب رؤية المحبوب ولم يعز لديه كل شيء إذ رأى عزة المطلوب ونادى:شعر : فقلت لها: روحي لديك وقبضها إليك ومن لي أن تكون بقبضتي وما أنا بالشاني الوفاة على الهوى وشأني الوفا تابـى سواه سجيتي تفسير : فبذل وجوده وأعطى موجوده فتجلى ربه لجبل أنانيته ثم من عليه برؤيته وكان ما كان وأشرقت الأرض / بنور ربها وطفىء المصباح إذ طلع الصباح وصدح هزار الأنس في رياض القدس بنغم:شعر : ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرق من النسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أملتها فغدوت معروفاً وكنت منكراً فدهشت بين جماله وجلاله وغدا لسان الحال عني مخبرا تفسير : هذا والكلام في الرؤية طويل، وقد تكفل علم الكلام بتحقيق ذلك على الوجه الأكمل، والذي علينا إنما هو كشف القناع عما يتعلق بالآية، والذي نظنه أنا قد أدينا الواجب، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.

ابن عاشور

تفسير : جُعل مجيءُ موسى في الوقت المعين أمراً حاصلاً غير محتاج للإخبار عنه، للعلم بأن موسى لا يتأخر ولا يترك ذلك، وجُعل تكليمُ الله إياه في خلال ذلك الميقات أيضاً حاصلاً غير محتاج للإخبار عن حلوله، لظهور أن المواعدة المتضمنة للملاقاة تتضمن الكلام، لأن ملاقاة الله بالمعنى الحقيقي غير مُمكنة، فليس يحصل من شؤون المواعدة إلاّ الكلام الصادر عن إرادة الله وقدرته، فلذلك كله جُعل مجيء موسى للميقات وتكليم الله إياه شرطاً لحرف (لمّا) لأنه كالمعلوم، وجعل الإخبار متعلقاً بما بعد ذلك، وهو اعتبار بعظمة الله وجلاله، فكان الكلام ضرباً من الإيجاز بحذف الخبر عن جملتين اسغناء عنهما بأنهما جعلتا شرطاً للمّا. ويجوز أن تجعل الواو في قوله: {وَكلّمه ربه} زائدة في جواب {لمّا} كما قاله الأكثر في قول امرىء القيس:شعر : فلمّا أجَزْنَا ساحةَ الحي وانتحى بنا بطْنُ خبت ذي حقاف عقنقل تفسير : أن جواب {لَما} هو قوله وانتحى، وجوزوه في قوله تعالى: {أية : فلمّا أسلما وتَلْه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم} تفسير : [الصافات: 103، 104] الآية، أن يكون {وناديناه} هو جواب (لَما) فيصير التقدير: لما جاء موسى لميقاتنا كَلّمه ربه، فيكون إيجازاً بحذف جملة واحدة، ولا يستفاد من معنى إنشاء التكليم الطمع في الرؤية إلاّ من لازم المواعدة. واللام في قوله: {لميقاتنا} صنفٌ من لام الاختصاص، كما سماها في «الكشاف» ومثلها بقولهم: أتيته لعشر خلَون من الشهر، يعني أنه اختصاص مّا، وجعلها ابن هشام بمعنى عند، وجعل ذلك من معاني اللام وهو أظهر، والمعنى: فلما جاء موسى مجيئاً خاصاً بالميقات أي: حاصلاً عنده لا تأخير فيه، كقوله تعالى: {أية : أقم الصلاة لدلوك الشمس}تفسير : [الإسراء: 78] وفي الحديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل فقال: «حديث : الصلاة لوقتها» تفسير : أي عند وقتها ومنه {أية : فطلقوهن لعدتهن} تفسير : [الطلاق: 1]. ويجوز جعل اللام للأجل والعلة، أي جاء لأجل ميقاتنا، وذلك لما قدمناه من تضمن الميقات معنى الملاقاة والمناجاة، أي جاء لأجل مناجاتنا. والمجيء: انتقاله من بين قومه إلى جبل سينا المعيّن فيه مكانُ المناجاة. والتكليم حقيقته النطق بالألفاظ المفيدة معانيَ بحسب وضع مصطلح عليه، وهذه الحقيقة مستحيلة على الله تعالى لأنها من أعراض الحوادث، فتعين أن يكون إسناد التكليم إلى الله مجازاً مستعملاً في الدلالة على مُراد الله تعالى بألفاظ من لغة المخاطَب به بكيفية يوقن المخاطَب به أن ذلك الكلام من أثر قدرة الله على وَفْق الإرادة ووَفْققِ العلم، وهو تعلق تنجيزي بطريق غير معتاد، فيجوز أن يخلق الله الكلام في شيء حادث سمعه موسى كما رُوي أن الله خلق الكلام في الشجرة التي كان موسى حذوها، وذلك أولُ كلام كلّمه الله موسى في أرض مَدين في جبل (حوريب)، ويجوز أن يخلق الله الكلام من خِلال السحاب وذلك الكلام الواقع في طُور سينا، وهو المراد هنا، وهو المذكور في الإصحاح 19 من سفر الخروج. والكلام بهذه الكيفية كان يسمعه موسى حين يكون بعيداً عن الناس في المناجاة أو نحوها، وهو أحد الأحوال الثلاثة التي يكلم الله بها أنبياءه كما في قوله تعالى: {أية : وما كان لِبَشَرٍ أن يكلمه الله إلاّ وحيا} تفسير : الآية في سورة الشورى (51)، وهو حادث لا محالة ونسبته إلى الله أنه صادر بكيفية غير معتادة لا تكون إلاّ بإرادة الله أن يخالف به المعتاد تشريفاً له، وهو المعبر عنه بقوله: {أية : أوْ منْ وراء حجاب}تفسير : [الشورى: 51]، وقد كلم الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وأحسب الأحاديث القدسية كلها أو معظمها مما كلم الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأما إرسال الله جبريل بكلام إلى أحد أنبيائه، فهي كيفية أخرى، وذلك بإلقاء الكلام في نفس المَلَك الذي يبلغه إلى النبي، والقرآنُ كله من هذا النوع، وقد كان الوحي إلى موسى بواسطة الملَك في أحوال كثيرة وهو الذي يعبر عنه في التوراة بقولها: قال الله لموسى. وقوله: {قال رب أرني} هو جواب {لَمّا} على الأظهر، فإنْ قدرنا الواو في قوله: {وكلمهُ} زائدة في جواب لما كان قوله: {قال} واقعاً في طريق المحاورة فلذلك فُصل. وسؤالُ موسى رؤية الله تعالى تطلّع إلى زيادة المعرفة بالجلال الإلٰهي، لأنه لما كانت المواعدة تتضمن الملاقاة. وكانت الملاقاة تعتمد رؤية الذات وسماع الحديث، وحصل لموسىٰ أحد ركني الملاقاة وهو التكليم، أطمعه ذلك في الركن الثاني وهو المشاهدة، وممّا يؤذن بأن التكليم هو الذي أطمع موسى في حصول الرؤية جعْلُ جملة {وكلمه ربه} شرطاً لحرف (لمّا) لأن (لمّا) تدل على شدة الارتباط بين شرطها وجوابها، فلذلك يكثر أن يكون علة في حصول جوابها كما تقدم في قوله تعالى: {أية : فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما} تفسير : في هذه السورة (22)، هذا على جعل {وكَلمه} عطفاً على شرط لمّا، وليسَ جوابَ لما، ولا نشك في أنه سأل رؤية تليق بذات الله تعالى، وهي مثل الرؤية الموعود بها في الآخرة، فكان موسى يحسب أن مثلِها ممكن في الدنيا حتى أعلمه الله بأن ذلك غير واقع في الدنيا، ولا يمتنع على نبي عدمُ العلم بتفاصيل الشؤون الإلٰهية قبل أن يُعلمها الله إياه، وقد قال الله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {أية : وقُل رب زدني علماً} تفسير : [طه: 114]، ولذلك كان أيمة أهل السنة محقين في الاستدلال بسؤال موسى رؤية الله على إمكانها بكيفية تليق بصفات الإلاهية لا نعلم كنهها وهو معنى قولهم: «بلا كيف». وكانَ المعتزلةُ غير محقين في استدلالهم بذلك على استحالتها بكل صفة. وقد يؤول الخلاف بين الفريقين إلى اللفظ، فإن الفريقين متفقان على استحالة إحاطة الإدراك بذات الله واستحالة التحَيز، وأهل السنة قاطعون بأنها رؤية لا تنافي صفات الله تعالى، وأما ما تبجح به الزمخشري في «الكشاف» فذلك من عُدوان تعصبه على مخالفيه على عادته، وما كان ينبغي لعلماء طريقتنا التنازلُ لمهاجاته بمثل ما هاجاهم به، ولكنه قال فأوْجَب. وأعلم أن سؤال موسى رؤية الله تعالى طلبٌ على حقيقته كما يؤذن به سياق الآية وليس هو السؤالَ الذي سأله بنوا اسرائيل المحكي في سورة البقرة (55) بقوله: {أية : وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : وما تمحل به في «الكشاف» من أنه هو ذلك السؤال تكلفٌ لا داعي له. ومفعول {أرني} محذوف لدلالة الضمير المجرور عليه في قوله: {إليك}. وفصل قوله: {قالَ لنْ تراني} لأنه واقع في طريق المحاورة. و{لَن} يستعمل لتأبيد النفي ولتأكيد النفي في المستقبل، وهما متقاربان، وإنما يتعلق ذلك كله بهذه الحياة المعبر عنها بالأبد، فنفت (لن) رؤية موسى ربّه نفياً لا طمع بعده للسائِل في الإلحاح والمراجعة بحيث يَعلم أن طلبته متعذرة الحصول، فلا دلالة في هذا النفي على استمراره في الدار الآخرة. والاستدراك المستفاد من {لكن} لرفع توهم المخاطَب الاقتصارَ على نفي الرؤية بدون تعليل ولا إقناع، أو أن يتوهم أن هذا المنع لغضب على السائِل ومنقصة فيه، فلذلك يعلم من حرف الاستدراك أن بعض ما يتوهمه سيُرفع، وذلك أنه أمره بالنظر إلى الجبل الذي هو فيه هل يثبت في مكانه، وهذا يعلم منه أن الجبل سيتوجه إليه شيءٌ من شأن الجلال الإلٰهي، وأن قوة الجبل لا تستقر عند ذلك التوجه العظيم، فيعلم موسى أنه أحرى بتضاؤل قواه الفانية لو تجلى له شيء من سُبُحات الله تعالى. وعلق الشرط بحرف (إنْ) لأن الغالب استعمالها في مقام ندرة وقوع الشرط أو التعريض بتعَذره، ولما كان استقرار الجبل في مكانه معلوماً لله انتفاؤه، صح تعليق الأمر المرادِ تعذُر وقوعُه عليه بقطع النظر عن دليل الانتفاء، فلذلك لم يكن في هذا التعليق حجَة لأهل السنة على المعتزلة تقتضي أن رؤية الله تعالى جائزة عليه تعالى، خلافاً لما اعتاد كثيرٌ من علمائنا من الاحتجاج بذلك. وقوله: {فسوف تراني} ليس بوعد بالرؤية على الفرض لأن سُبق قوله: {لن تراني} أزال طماعية السائل الرؤية، ولكنه إيذان بأن المقصود من نظرِه إلى الجبل أن يرى رأي اليقين عجزَ القوة البشرية عن رؤية الله تعالى بالأحرى، من عدم ثبات قوة الجبل، فصارت قوة الكلام: أن الجبل لا يستقر مكانه من التجلي الذي يحصل عليه فلست أنت بالذي تراني، لأنك لا تستطيع ذلك، فمنزلة الشرط هنا منزلة الشرط الامتناعي الحاصل بحرف (لو) بدلالة قرينة السابِق. والتجلي حقيقة الظهور وإزالة الحجاب، وهو هنا مجاز، ولعله أريد به إزالة الحوائِل المعتادة التي جعلها الله حجاباً بين الموجودات الأرضية وبين قوى الجبروت التي استأثر الله تعالى بتصريفها على مقاديرَ مضبوطة ومتدرجة في عوالم مترتبة ترتيباً يعلمه الله. وتقريبُه للإفهام شبيه بما اصطلح عليه الحكماء في ترتيب العقول العشرة، وتلك القوى تنسب إلى الله تعالى لكونها آثاراً لقدرته بدون واسطة، فإذا أزال الله الحجاب المعتاد بين شيء من الأجسام الأرضية وبين شيء من تلك القوى المؤثرة تأثيراً خارقاً للعادة اتصلت القوة بالجسم اتصالاً تظهرُ له آثار مناسبة لنوع تلك القوة، فتلك الإزالة هي التي استعير لها التجلي المسندُ إلى الله تعالى تقريباً للإفهام، فلما اتصلت قوة ربانية بالجبل تُماثل اتصال الرؤية اندّك الجبل، ومما يقرب هذا المعنى، ما رواه الترمذي وغيره، من طرق عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى: {فلما تجلى ربه} فوضع إبهامه قريباً من طرف خنصره يُقلل مقدار التجلي. وصَعِق موسى من اندكاك الجبل فعلم موسى أنه لو توجه ذلك التجلي إليه لانتثر جسمه فُضاضاً. وقرأ الجمهور {دكّاً} ــــ بالتنوين ــــ والدك مصدر وهو والدق مترادفان، وهو الهدّ وتفرق الأجزاء كقوله {أية : وتَخِر الجبال هدّاً}تفسير : [مريم: 90]، وقد أخبر عن الجبل بأنه جعل دَكاً للمبالغة، والمراد أنه مدكوك أي: مدقوق مهدوم. وقرأ الكسائي، وحمزة، وخلف {دَكّاء} ــــ بمد بعد الكاف وتشديد الكاف ــــ والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فهو تشبيه بليغ أي كالدكاء أي ذهبت قُنته، والظاهر أن ذلك الذي اندك منه لم يرجع ولعل آثار ذلك الدك ظاهرة فيه إلى الآن. والخرور السقوط على الأرض. والصعق: وصف بمعنى المصعوق، ومعناه المغشي عليه من صيحة ونحوها، مشتق من اسم الصاعقة وهي القطعة النارية التي تبلغ إلى الأرض من كهرباء البرق، فإذا أصابت جسماً أحرقته، وإذا أصابت الحيوان من قريب أماتته، أو من بعيد غُشي عليه من رائحتها، وسُمي خويلدُ بن نُفيْل الصِعقَ عَلماً عليه بالغلبة، وإنما رجحنا أن الوصف والمصدر مشتقان من اسم الصاعقة دون أن نجعل الصاعقة مشتقاً من الصعق؛ لأن أيمة اللغة قالوا: إن الصعْق الغشيُ من صيحة ونحوها، ولكن توسعوا في إطلاق هذا الوصف على من غشي عليه بسبب هدة أو رجَة، وإن لم يكن ذلك من الصاعقة. والإفاقة: رجوع الإدراك بعد زواله بغشْي، أو نوم، أو سُكر، أو تخبط جنون. و{سبحانك} مصدر جاء عوضاً عن فعله أي أسبحك، وهو هنا إنشاء ثناء على الله وتنزيه عما لا يليق به، لمناسبة سؤاله منه مَا تبين له أنه لا يليق به سؤالهُ دون استيذانه وتحقققِ إمكانه كما قال تعالى لنوح: {أية : فلا تسألنِ ما ليس لك به علم} تفسير : في سورة هود (46). وقوله: {تبت إليك} إنشاء لتوبة من العود إلى مثل ذلك دون إذن من الله، وهذا كقول نوح عليه السلام: {أية : رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم}تفسير : [هود: 47] وصيغة ــــ الماضي من قوله: {تُبت} مستعملة في الإنشاء فهي مستعملة في زمن الحال مثل صيغ العقود في قولهم بعْتُ وزَوّجْتُ. مبالغة في تحقق العقد. وقوله: {وأنا أول المؤمنين} أطلق {الأول} على المُبادر إلى الإيمان، وإطلاق الأول على المبادر مجاز شائع مساو للحقيقة، والمرادُ به هنا وفي نظائره ــــ الكناية عن قوة إيمانه، حتى أنه يبادر إليه حين تردد غيره فيه، فهو للمبالغة، وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : ولا تكونوا أولَ كافر به} تفسير : في سورة البقرة (41)، وقوله: {أية : وأنا أول المسلمين} تفسير : في سورة الأنعام (163). والمراد بالمؤمنين من كان الإيمان وصفهم ولقبَهم، أي الإيمان بالله وصفاته كما يليق به فالإيمان مستعمل في معناه اللقبي، ولذلك شُبه الوصف بأفعال السجايا فلم يذكر له متعلّق، ومن ذهب من المفسرين يقدر له متعلّقاً فقد خرج عن نهج المعنى. وفُصلت جملة: {قال يا موسى} لوقوع القول في طريق المحاورة والمجاوبة، والنداءُ للتأنيس وإزالة الرّوع. وتأكيد الخبر في قوله: {إني اصطفيك} للاهتمام به إذ ليس محلاً للإنكار. والاصطفاء افتعال مبالغة في الاصفاء وهو مشتق من الصّفْو، وهو الخلوص مما يكدر، وتقدم عند قوله تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً} تفسير : في سورة آل عمران (33) وضمن اصطفيتك معنى الإيثار والتفضيل فعُدي بعَلَى. والمراد بالناس: جميع الناس، أي الموجودين في زمنه، فالاستغراق في {الناس} عرفي أي هو مفضل على الناس يومئذٍ لأنه رسول، ولتفضيله بمزية الكلام، وقد يقال إن موسى أفضل جميع الناس الذين مضَوا يومئذٍ، وعلى الاحتمالين: فهو أفضل من أخيه هارون، لأن موسى أرسل بشريعة عظيمة، وكلمه الله، وهارون أرسله الله معاوناً لموسى ولم يكلمه الله، ولذلك قال: {برسالاتي وبكلامي} وما ورد في الحديث من النهي عن التفضيل بين الأنبياء محمول على التفضيل الذي لا يستند لدليل صريح، أو على جعل التفضيل بين الأنبياء شُغلاً للناس في نواديهم بدون مقتض معتبر للخوض في ذلك. وهذا امتنان من الله وتعريف. ثم فرع على ذلك قوله: {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} والأول تفريع على الإرسال وَالتكليم. والثاني تفريع على الامتنان، وما صْدقُ {ما آتيتك} قيل هو الشريعة والرسالة، فالإيتاء مجاز أطلق على التعليم والإرشاد، والأخذ مجاز في التلقي والحفظ، والأظهر أن يكون {ما آتيتك} إعطاءَ الألواح بقرينة قوله: {أية : وكتبنا له في الألواح} تفسير : [الأعراف: 145] وقد فُسر بذلك، فالإيتاء حقيقة، والأخذ كذلك، وهذا أليق بنظم الكلام مع قوله: {أية : فخذها بقوة}تفسير : [الأعراف: 145] وَيحصل به أخذ الرسالة والكلام وزيادة. والإخبار عن {كُن} بقوله: {من الشاكرين} أبلغُ من أن يقالُ كن شاكراً كما تقدم في قوله: {أية : قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين} تفسير : في سورة الأنعام (56). وقرأ نافع: وابن كثير، وأبو جعفر، وروْح عن يعقوب: {برسالتي}، بصيغة الإفراد وقرأ البقية {برسالاتي} بصيغة الجمع، وهو على تأويله بتعدد التكاليف والإرشاد التي أرسل بها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} الآية. استدل المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل، وقد جاءت آيات تدل على أن نفي الرؤية المذكور، إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم. كما صرح به تعالى في قوله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]، وقوله في الكفار: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} تفسير : [المطففين: 15] فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا. وقد ثبت حديث : عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] "الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريمتفسير : ، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} تفسير : [ق: 35]، وقد تواترت الأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، وتحقيق المقام في المسألة: أن رؤية الله جل وعلا بالأبصار: جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلا في دار الدنيا: قول موسى {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما في الدنيا فممنوعة شرعاً كما تدل عليه آية "الأعراف" هذه، وحديث "حديث : إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" تفسير : كما أوضحناه في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).

د. أسعد حومد

تفسير : {لِمِيقَاتِنَا} {تَرَانِي} {سُبْحَانَكَ} (143) - فَلَمّا جَاءَ مُوسَى لِلْمَوعِدِ (المِيقَاتِ) الذِي وَقَّتَهُ اللهُ لَهُ لِلْكَلاَمِ مَعَهُ، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُ مُوسَى أَنْ يَجْتَمِعَ لَهُ فَضِيلَتَا الكَلامِ، وَرُؤْيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَالَ رَبِّ مَكِنِّي مِنْ رُؤْيَتِكَ. فَقَالَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ: إِنَّ ذلِكَ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ، وَانْظُرْ إِلى الجَبَلِ، فَسَأَتَجَلَّى لَهُ وَأَظْهَرُ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ، وَلَمْ يَنْدَكَّ وَيَتَهَدَّمْ، فَيُمْكِنُكَ أَنْ تَرانِي. فَلَمَّا تَجَلَّى اللهُ تَعَالَى لِلْجَبَلِ سَوّاهُ بِالأرضِ وَأَصْبَحَ تُرَاباً _جَعَلَهُ دَكّاً)، وَوَقَعَ مُوسَى صَعِقاً مَغْشِياً عَليهِ مِنْ هَوْل مَا رأى، فَلَمّا أَفَاقَ اسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، وَأَعْلَنَ تَوْبَتَهُ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ سُؤالٍ، وَسَبّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ وَنَزَّهَهُ عَمَّا لاَ يَلِيقُ بِجَلاَلِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَوّلُ المُؤْمِنينَ، فِي زَمَانِهِ، بِاللهِ وَجَلاَلِهِ وَعَظَمَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والميقات هو الوقت الذي يعد لعمل من الأعمال. ونسميه وقت العمل. وغلب على أشياء في الإِسلام، كمواقيت الحج. ونحن نعلم أن كل عمل وحدث يتطلب أمرين يُظْرَف فيهما، أي يكونان ظرفاً له؛ فلابد له من مكان يحدث فيه، ومن زمان يحدث فيه كذلك، واسمهما ظرف الزمان، وظرف المكان. إلا أن ظرف الزمان غير قار أي غير ثابت؛ فقد يأتي الصبح ويذهب ويأتي بعده، الظهر، والعصر والمغرب والعشاء. لكن ظرف المكان قار وثابت. والمواقيت - إذن - إما أن يتحكم فيها الزمان، وإما أن يتحكم فيها المكان، وإما أن يتحكم فيها المكان والزمان معاً. فإذا أخذنا المواقيت على أنها زمن كل فعل نجد فريضة "الصوم" لها زمن محدد وهو رمضان. فالذي يتحكم في الصوم هو الزمن، فيكون ويحدث في أي مكان. وكذلك صيام عرفة يتحكم فيه أيضاً الزمان لأنه صيام يوم عرفة، ومن يجلس في أي مكان يصوم يوم عرفة ولكنه غير مطلوب من الحاج. ولكن الوقوف بعرفة يتحكم فيه المكان والزمان معاً. والإِحرام بالحج أو العمرة يتحكم فيه المكان وهو ما يسمى بالميقات المكاني ولكل أهل جهة ميقاتهم المكاني الذي يطلب منهم ألاَّ يمروا عليه إلاَّ وهم محرمون. فمرة يتحكم الزمان، ومرة يتحكم المكان، وثالثة يتحكمان معاً. وجاء موسى لميقاتنا المضروب له بعد أربعين ليلة. وهل جاء موسى للميقات أو جاء في الميقات؟ لقد جاء في الميقات، واللام تأتي بمعنى "عند". ونعلم أن "اللام" تأتي بمعنى "عند" كثيراً في القرآن، مثل قوله: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ...} تفسير : [الإِسراء: 78] أي أقم الصلاة عند دلوك الشمس أي عند زوالها عن وسط وكبد السماء إلى غسق الليل. ومن الدلوك إلى الغسق نجد صلاة الفجر ثم الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء، وهذه أربعة فروض، وبقي الفرض الخامس وهو الفجر، وقال فيه الحق: {أية : ...وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} تفسير : [الإِسراء: 78] ولماذا بدأ بدلوك الشمس؟ وهل النهار يبدأ بالظهر أو يبدأ بالصبح؟. إن الإسراء والمعراج كانا ليلاً، ورسول الله جاء صباحاً إلى مكة، وقد فرضت الصلاة في المعراج، فكانت أول فريضة هي الظهر، وكأن الحق يعني خذ الغاية وخذ البداية، وكانت البداية هي صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء وبقي الفجر، وجاء فيه: {وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً}. ثم يخص الله رسوله بالتهجد وهو قيام الليل إنه فرض على رسول الله دون غيره، فإنه بالنسبة لسائر الأمة تطوع. {أية : وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإِسراء: 79] ومن يتشبه برسول الله فله الثواب الجزيل والأجر العظيم ولكن هذا الأمر مرجعه إلى اختيار المسلم: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}. وهذه المسألة تحتاج إلى بحث، وقوله سبحانه: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} هو قول يدل على أن كلاماً حصل من الله لموسى فكيف يحدث ذلك وسبحانه قد قال في مسألة الكلام بالنسبة للبشر كلاماً عاماً: {أية : وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ...} تفسير : [الشورى: 51] وفي هذا نفي أن يكلم الله البشر. إلا بالوسائل الثلاث: الوحي أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً، والوحي بالنسبة للأنبياء يكون بإلقاء المعنى في قلب النبي دفعة، مع العلم اليقيني بأن ذلك من الله عز وجل، وقد يراد بالوحي الإِلهامات؛ مثل الوحي إلى أم موسى، والوحي إلى الحواريين، وكذلك إلى الملائكة، وقد يراد بالوحي: التسخير؛ كالوحي للأرض، والنحل. وبعد ذلك.. {أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ} أي أن يسمع كلاماً ولا يرى متكلماً، {أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً} هو جبريل عليه السلام. والقرآن لم ينزل إلا بطريقة واحدة، بواسطة نزول جبريل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فما نزل القرآن بالإِلهام، وما نزل القرآن من وراء حجاب بل نزل بواسطة رسول من الله وهو جبريل وله علامات. وهنا في كلام موسى نقول إن الكلام وقع فيه من وراء حجاب وهنا نمسك عن الخوض فيما وراء ذلك لأنه غيب لم يكشف لنا عنه ونترك الأمر فيه الله. وقد سبق أن قلنا: إن صفات الله لا يوجد مثلها في البشر. فليس وجود الإِنسان كوجود الله، وليس غنى الإِنسان كغنى الله، وكذلك لن يكون أبداً كلامك ككلام الله، لأن كل شيء يخص الله إنما نأخذه في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. وقد بين الحق سبحانه وتعالى أن كلامه لموسى تميز لموسى، ولذلك يقول الحق: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي...} تفسير : [الأعراف: 144] ويجب أن نأخذ كل وصف يوجد في البشر، ويوجد مثله. في وصف الله مثل "استوى"، و"جلس" و"وجه"، و"يد" نأخذ كل ذلك في إطار {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ...} [الأعراف: 143] وحينما خص الله موسى بميزة أن تكلم إليه، حصل من موسى استشراق اصطفائي، وكأنه قال لنفسه: مادام قد كلمني فقد أقدر أن أراه؛ لأن استطابة الأنس تمد للنفس سبل الأمل في الامتداد في الأشياء مثلما قال موسى من قبل رداً على سؤال الله: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 17] كان الجواب يكفي أن يقول: "عصا" لكنه قال: {أية : قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي...} تفسير : [طه: 18] قال ذلك على الرغم من أن الحق لم يسأله: ما تفعل بها؟ وأراد بالكلام أن يطيل الأنس بربه، وكأنه عرف أنه من غير اللائق أن يكون الجواب مجرد كلمة رداً على سؤال. ولله المثل الأعلى - نجد الإِنسان منا حين يرى طفلاً صغيراً فهو يداعبه ويطيل الكلام معه إيناساً له. وحين وجد موسى أن الله يكلمه استشرفت نفسه أن يراه: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}. لم يقل موسى: أرني ذاتك. بل قال: {أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} كأنه يعلم أنه بطبيعة تكوينه يعرف أنه لا يمكن أن يرى الله، لكن إن أراه الله، فهذا أمر بمشيئة الحق, وقدم موسى الطلب معلقاً بمشيئة الله وإرادته؛ لأنه يعلم أنه غير معد لاستقبال رؤية الله؛ لأن تكوينه لا يقوى على ذلك، وحتى في الوحي والكلام لم يكلم ربنا الناس مباشرة، بل لابد أن يصطفى من الملائكة رسلاً، ثم تكون مرحلة ثانية أن يصطفى من البشر رسلاً، ويبلغ الرسل الناس كلام الله؛ لأن الصفات الكمالية العليا الخالقة لا يمكن أن يستوعبها المخلوق. ضربنا المثل من قبل - ولله المثل الأعلى - بصناعات البشر، وأن الإِنسان حين ينام ليلاً، قد يستيقظ لأي شيء، فإذا كانت الدنيا ظلاماً قد يحطم الأشياء التي هي أقل منه أو تحطمه الأشياء التي هي أكثر صلابه منه؛ وإن اصطدم بشيء صغير فقد يكسره، وإن اصطدم بدولاب أو حائط فقد ينكسر الإِنسان. ولذلك ترك الإِنسان في البيت شيئاً من النور الضئيل؛ ليستفيد من سكون الليل وظلمته، فيضع ما نسميه "الوناسة" قوة شمعتين أو خمس شمعات، ولا يقدر أن يركبها على قوة التيار الموجود في المنزل؛ لأنها تفسد فوراً، لذلك يأتي لها بمحول يأخذ من القوي ويعطي الضعيف. إذن إذا كانت صناعة البشر نجد فيها الضعيف الذي لا يأخذ من القوي إلا بواسطة، فمن باب أولى أنه لا يمكن أن يتلقى خلق الله عن الله إلا بواسطة. وكانت الواسطة من البشر اصطفاء ومن الملائكة اصطفاء، فليس كل ذلك صالحاً لهذه المسألة، فمصطفى من الملائكة يعطي مصطفى من البشر. وبعد ذلك يعطي المصطفى من البشر للبشر. كذلك الرؤية وسيظهر ذلك لنا حينما يعطي الله الدليل على أنه خلقكم لا على هيئة أن تروه الآن، ولكن حين تبرزون في الآخرة وتعدون إعداداً آخر، فمن الممكن أن تنالوا شرف رؤيته: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}. ولا يستوي الناس في ذلك؛ لأن المؤمن هو من ينال شرف النظر إلى الله، أما الكافر فهو محجوب عن رؤية الحق. يقول تعالى في شأن الكفار: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} فلا يستوي المؤمن والكافر في هذه الحالة، فمادام الكافر محجوبا فالمؤمن غير محجوب ويرى ربَّه. وقال موسى: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}. قال الحق: {قَالَ لَن تَرَانِي}. وفي اللغة نجد أن "لن" تأتي تأبيدية، أي تؤبد المستقبل أي لا يحدث ولا يتحقق ما بعدها. فهل معنى ذلك أن قول الحق: {لَن تَرَانِي} أن موسى لن يرى الله في الدنيا ولا في الآخرة؟. ونقول: ومن قال إن زمن الآخرة هو زمن الدنيا؟ إن هذه لها زمن وتلك لها زمن آخر: {أية : يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} تفسير : [إبراهيم: 48] إذن فزمن الآخرة وإعادة الخلق فيها سيكون أمراً آخر، يكفي أن أهل الجنة سيأكلون ولن تكون لهم فضلات، إنه خلق جديد. إن مجيء "لن" في قوله الحق: {لَن تَرَانِي} تأبيدها إضافي، أي بالنسبة للدنيا، وفيها تعليل لعدم قدرة موسى على الرؤية، وأضاف سبحانه: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً...} [الأعراف: 143] وسبحانه هنا يعلل لموسى بعملية واقعية فأوضح: لن تراني ولكن حتى أطمئنك أنك مخلوق بصورة لا تمكنك من رؤيتي انظر إلى الجبل، والجبل مفروض فيه الصلابة، والقوة، والثبات، والتماسك؛ فإن استقر مكانه، يمكنك أن تراني. إن الجبل بحكم الواقع، وبحكم العقل، وبحكم المنطق أقوى من الإِنسان، وأصلب منه وأشد، ولما تجلّى ربه للجبل اندك. والدكُّ هو الضغط على شيء من أعلى ليسوَّي بشيء أسفل منه. والحق هو القائل: {أية : كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً دَكّاً} تفسير : [الفجر: 21] وهنا في موقف موسى وحواره مع الله يتأكد لنا أن الله تجلى على خلق من خلقه، ولكن أيقدر المتجلَِّي عليه على هذا التجلي أم لا يقدر؟. إن أقدره الله فهو يقدر، أما إن لم يقدره الله فلن يقدر. والجبل هو الأصلب، فلما تجلى له ربه اندك، إذن فمن الممكن أن يتجلى الله على بعض خلقه، ولكن المهم أيقوى المستقبل للتجلي أو لا يقوى؟ ولم تقو طبيعة موسى على التجلي لله بدليل أن الأقوى منه لم يقو. وبعد ذلك أراد الله أن يلفتنا لفتة تصاعدية. ويبين لنا أن موسى قد صعق لرؤية المتجلَّى عليه فكيف لو رأى المتجلِّي؟!! {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}. ويقال: خر الشيء إذا سقط من أعلى إلى أسفل، ويقول الحق في آية قرآنية: {أية : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً...} تفسير : [ص: 24] والحق يخبرنا هنا: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}، وصعقه تُطلق ويراد بها الوفاة، ولكن هنا صعقة أخرى تعبر عن الإِغماءة الطويلة. وصعقة الوفاة يقول فيها الحق سبحانه: {أية : ...فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر: 68] إذن النفخة الأولى لصعق وموت الجميع، ثم تأتي النفخة الثانية للبعث. وهنا يقول الحق: {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ}. وهذا يدل على أن الصعقة ليست هي الصعقة المميتة، وأفاق سيدنا موسى من الصعقة، وانتبه إلى أنه لم يكن من اللائق أن يطلب الرؤية المباشرة لله. وكما نقول: "فلان فاق لنفسه" وهنا "أفاق" موسى على حاجتبن اثنتين، أفاق من الغشية التي حصلت له من الصعقة، وكأنَّه تساءل: لماذا انصعقت؟ لقد انصعق لأنه سأل ربنا ما ليس له به علم: {فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ}، وساعة تسمع كلمة "سبحانك" اعرف أنَّه يراد بها التنزيه لله من الحدث الذي نحن بصدده وهو رؤيته - تعالى - أي تنزيها لك يا رب أن يراك مخلوقك؛ لأن الرؤية قدرة بصر على مرئي، ومعنى: "رأيت الشيء" أي أن عين البشر قد قدرت على الشيء، ولو أننا نحن المخلوقين رأينا الله بقانون الضوء، فهذا يعني أن أبصارنا تقدر على ربنا وهذا لا يمكن أبداً؛ لأن المقدور لا ينقلب قادراً، والقادر لا ينقلب مقدوراً. {... فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] وتوبة موسى هنا من أنه سأل الله ما ليس له به علم، ولأنه لم يقف عند التجليات المخالفة لنواميس الكون، وأنَّ ربنا فقد أعطاه بدون أن يسأل، لقد كلمه الله، فلماذا يُصعد المسألة ويطلب الرؤية؟ ولماذا لم يترك الأمور للفيوضات التي يعطيها الله له ويتنعم بفيض جود لا ببذل مجهود؟. ويقرر موسى ويقول: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي بأنّ ذاتك - سبحانك - لا يقدر مخلوق أن يراها ويدركها. لقد شعر موسى ببعض من انكسار الخاطر لأنه طمح إلى ما يفوق استطاعته وقال: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وكأنه قد فهم ما أوضحه الحق له: لا تلتفت إلى ما منعتك، ولكن انظر إلى ما أعطيتك: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {جَعَلَهُ دَكّاً} معناهُ مُستوٍ مع وَجهِ الأَرضِ.

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكروا {لَمَّا} أي: حين {جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} المبعوث إليكم لإصلاح حالكم ليناجي معنا {وَ} من غاية اللطف والجود {كَلَّمَهُ رَبُّهُ} أي: كلم معه مرتبته التي حصل له وانكشف بها من الله؛ إذ لكل أحد بل لكل ذرة من ذرائر المظاهر مرتبة خاصة وظن مخصوص بالنسبة إلى الله؛ لذلك قال سبحانه: "حديث : أنا عند ظن عبدي بي ". تفسير : وأعلى المراتب وأسناها مرتبة النبوة والرسالة على تفاوت طبقاتها، ثم الأمثل فالأمثل، كما انبسط موسى وانكشف من ربه بما اكشف، حيث سمع كلامه من جميع الجوانب بلا واسطة ووسيلة من مَلَك وغيرها، بلا تلفظ وتقطيع حروف، اضطرب ووله ومن غاية ولهه وسكره تسارعه إلى انكشاف أجلى منه {قَالَ} بعد سماع كلامه سبحانه: {رَبِّ أَرِنِيۤ} يا ربي، فإنك تنزهت عن المقابلة والمحاذاة والمماثلة والمحاكاة، كما أسمعتني كلامك المنزه عن الحروف والأصوات وتقطيع الكلمات {أَنظُرْ إِلَيْكَ} ببصري كما سمعت كلامك بسمعي. {قَالَ} سبحانه: {لَن تَرَانِي} يا موسى ما دمت في جلباب تعينك وغشاوة هويتك {وَلَـٰكِنِ} إن أردت أن تعرف استعدادك لرؤيتي {انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} حي تجليت عليه بهويتي المسقطة لهوياتها مطلقاً {فَإِنِ اسْتَقَرَّ} وثبت عندك {مَكَانَهُ} بعدما أتجلى عليه بذاتي، وإن بقي على هويته التي هويته هو فيها قبل التجلي {فَسَوْفَ تَرَانِي} أي: فيمكنك أن تراني لهويتك {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} مدكوكاً مفتتاً متلاشياً كأن لم يكن أصلاً حيث اضمحلت جميع تعيناته الباطلة {وَ} بعدما رأى الكليم ما رأى {خَرَّ} أي: سقط {موسَىٰ} بعدما نظر نحوه فلم يره {صَعِقاً} جائزا هائماً قلقاً مغشياً، كأنه انفصل عن لوازم هويته {فَلَمَّآ أَفَاقَ} موسى عن ولهه وسكره وانكشف من ربه بما انكشف أنه لا يرى الله إلا الله {قَالَ} مستحيياً منيباً خائفاً مستنزهاً: {سُبْحَانَكَ} أن يحيط بك أحد من مصنوعاتك {تُبْتُ} ورجعت {إِلَيْكَ} يا ربي بما اجترأت من سؤل ما ليس في وسعي وطاقتي {وَ} بعدما عرفتك الآن عرفاناً أكمل وانكشفت منك يا ربي ما لم انكشف لو من قبل {أَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِين} [الأعراف: 143] الموقنين بعظمتك وجلالك؛ إذ لا اعتداد لإيماني من قبل. ثم لما استحى موسى من الله وندم عن سؤله بلا استئذان منه سبحانه، تغمم ونحزن من اجترائه بما ليس في وسعه، أزال الله سبحانه ما عرض عليه من الندم والخجل حيث {قَالَ} سبحانه منادياً: {يٰمُوسَىٰ} المستخلَف من عندي {إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ} اخترتك {عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي} أي: بتحميل أحكامي وأمرامري وتذكيري حتى توصلها إلى عبادي نيابة عني {وَ} خصصتك من بين الرسل {بِكَلاَمِي} أي: سماعة بلا كيف ولا حرف، وبلا واسطة مَلَك وسفير {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} تفضلاً عليك بقدر وسعك واستعدادك، ولا تبادر إلى سؤل ما لا طاقة لك {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] لنعمه، واصرفها على الوجه الذي أمرناك به من المصارف ووفقناك عليه ولا تكن من الكفارين لنعمنا، المنصرفين عن أوامرنا وأحكامنا؛ لتفوز منا بالرضا الذي هو أحسن أحوال أرباب الكشف والشهود. {وَكَتَبْنَا} من جملة اصطفائنا وإنعامنا إياه إنا كتبنا { لَهُ} أي: أثبتنا لأجل تربيته وإرشاده {فِي ٱلأَلْوَاحِ} أي: ألواح التوراة {مِن كُلِّ شَيْءٍ} يتعلق بتهذيب الظهر والباطن {مَّوْعِظَةً} تذكره وتبياناً يتعظ بها هو ومن تبعة {وَتَفْصِيلاً} توضيحاً وتبييناً متعلقاً {لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي: لكل حكم من الأحكام المتعلقة بأمور معاشهم {فَخُذْهَا} أي: فقلنا له: خذها أيها الداعي للخلق إلى الحق {بِقُوَّةٍ} عزيمة صادقة وجزم خالص {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} أيضاً {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} يعني: بعزائمها دون رخصها حتى تستعد نفوسهم لأن يفيض عليها من المعارف والحقائق والمكاشفات والمشاهدات التي هي عبارة ع الجنة المأوى والمرتبة العليا عند العارف، ولا تميلوا عنها وعن أحكامها حتى لا يلحقوا بزمرة الفساق المنحطين عن مرتبة الإنسانية {سَأُوْرِيكُمْ} في النشأة الأخرى أيها المائلون عن مقتضى الأحكام الإلهية التي هي صراط الله الأقوم {دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] التي هي جهنم الحرمان وجحيم الخذلان.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 290 : 12 : 14 - سفين في قوله {جَعَلَهُ دَكّاً} قال، بعضه ذهب في البحور، وبعضه هصر، يعني الجبل، لما تجلى ربه. [الآية 143]. 291 : 13 : 3 - سفين عن عيسى عن مجاهد {تُبْتُ إِلَيْكَ} قال، قال موسى: أي رب، تبت اليك أن أسألك الرؤية بعد الذي رأيت. [الآية 143]. 292 : 14 : 17 - سفين في قوله {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال، أول قومي إيمانا. [الآية 143].

همام الصنعاني

تفسير : 935- حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {جَعَلَهُ دَكّاً} [الآية: 143]، قال: دكَّ بعضه بعضاً. 942- حدثنا عبد الرزاق، عن ابن عُيَيْنة، عن عيسى بن ميمون، عن مجاهد، في قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِين}: [الآية: 143]، قال: تبت إليك من أن أسألك الرؤية. 943- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: أخبرني [جزء بن جابر الخثعمي]، أنه سمع كعب الأحبار يقول: لما كلم الله موسى، كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: والله يا ربي ما أفقه هَذَا حَتَّى كلمهُ آخر ذلك بلسانه بمثل صوته، فقال مُوسى: هذا يا رب كلامك. قال الله تعالى: لو كلمتُك كلامِي لم تك شيئاً أوْ قَالَ: لم تستقم له. قال: أي رب، هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأقرب شبهاً بكلامي أشد ما يسمع الناسُ مِنَ الصّواعق.