Verse. 1096 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَوٰعَدْنَا مُوْسٰي ثَلٰثِيْنَ لَيْلَۃً وَّاَتْمَمْنٰہَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيْقَاتُ رَبِّہٖۗ اَرْبَعِيْنَ لَيْلَۃً۝۰ۚ وَقَالَ مُوْسٰي لِاَخِيْہِ ہٰرُوْنَ اخْلُفْنِيْ فِيْ قَوْمِيْ وَاَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيْلَ الْمُفْسِدِيْنَ۝۱۴۲
WawaAAadna moosa thalatheena laylatan waatmamnaha biAAashrin fatamma meeqatu rabbihi arbaAAeena laylatan waqala moosa liakheehi haroona okhlufnee fee qawmee waaslih wala tattabiAA sabeela almufsideena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وواعدنا» بألف ودونها «موسى ثلاثين ليلة» نكلمه عند انتهائها بأن يصومها، وهي ذو القعدة فصامها فلما تمَّت أنكر خلوف فمه فاستاك فأمره الله بعشرة أخرى ليكلمه بخلوف فمه كما قال تعالى: «وأتممناها بعشر» من ذي الحجة «فتم ميقات ربِّه» وقت وعده بكلامه إياه «أربعين» حال «ليلة» تتميز «وقال موسى لأخيه هارون» عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة «اخلفني» كن خليفتي «في قومي وأصلح» أمرهم «ولا تتبع سبيل المفسدين» بموافقتهم على المعاصي.

142

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو: {وَعَدْنَا } بغير ألف، والباقون {وٰعَدْنَا } بالألف على المفاعلة، وقد مر بيان هذه القراءة في سورة البقرة. المسألة الثانية: اعلم أنه روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر: أن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فهذه الآية في بيان كيفية نزول التوراة، واعلم أنه تعالى قال في سورة البقرة: {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } وذكر تفصيل تلك الأربعين في هذه الآية. فإن قيل: وما الحكمة ههنا في ذكر الثلاثين ثم إتمامها بعشر؟ وأيضاً فقوله: {فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } كلام عار عن الفائدة، لأن كل أحد يعلم أن الثلاثين مع العشر يكون أربعين. قلنا: أما الجواب عن السؤال الأول فهو من وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى أمر موسى عليه السلام بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فيه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأوحى الله تعالى إليه أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. والوجه الثاني: في فائدة هذا التفضيل أن الله أمره أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها ما يقربه إلى الله تعالى، ثم أنزلت التوراة عليه في العشر البواقي، وكلمه أيضاً فيه. فهذا هو الفائدة في تفصيل الأربعين إلى الثلاثين وإلى العشرة. والوجه الثالث: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني في سورة طه ما دل على أن موسى عليه السلام بادر إلى ميقات ربه قبل قومه، والدليل عليه قوله تعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ مُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُوْلاء عَلَىٰ أَثَرِى } فجائز أن يكون موسى أتى الطور عند تمام الثلاثين، فلما أعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامري، رجع إلى قومه قبل تمام ما وعده الله تعالى، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى، فتم أربعون ليلة. والوجه الرابع: قال بعضهم لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه السلام وحده، والوعد الثاني حضر المختارون معه ليسمعوا كلام الله تعالى، فصار الوعد مختلفاً لاختلاف حال الحاضرين والله أعلم. والجواب عن السؤال الثاني: أنه تعالى إنما قال: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } إزالة التوهم أن ذلك العشر من الثلاثين لأنه يحتمل أتممناها بعشر من الثلاثين، كأنه كان عشرين، ثم أتمه بعشر، فصار ثلاثين، فأزال هذا الإيهام. أما قوله تعالى: {فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } ففيه بحثان: البحث الأول: الفرق بين الميقات وبين الوقت، أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت للشيء قدرة مقدر أولاً. والبحث الثاني: قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } نصب على الحال أي تم بالغاً هذا العدد. وأما قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰلأَخِيهِ هَـٰرُونَ } فقوله: {هَـٰرُونَ } عطف بيان لأخيه وقرىء بالضم على النداء {ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى } كن خليفتي فيهم {وَأَصْلِحَ } وكن مصلحاً أو {وَأَصْلِحَ } ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تتبعه ولا تطعه. فإن قيل: إن هرون كان شريك موسى عليه السلام في النبوة، فكيف جعله خليفة لنفسه، فإن شريك الإنسان أعلى حالاً من خليفته ورد الإنسان من المنصب الأعلى إلى الأدون يكون إهانة. قلنا الأمر وإن كان كما ذكرتم، إلا أنه كان موسى عليه السلام هو الأصل في تلك النبوة. فإن قيل: لما كان هرون نبياً والنبي لا يفعل إلا الإصلاح، فكيف وصاه بالإصلاح. قلنا: المقصود من هذا الأمر التأكيد كقوله: {أية : وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } تفسير : [البقرة: 260] والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}. فيه ثلاث مسائل: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} ذكر أن مما كرّم (الله) به موسىٰ صلى الله عليه وسلم هذا. فكان وعده المناجاة إكراماً له. {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} قال آبن عباس ومجاهد ومسروق رضي الله عنهم: هي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. أمره أن يصوم الشهر وينفرد فيه بالعبادة؛ فلما صامه أنكر خُلُوف فَمِه فٱستاك. قيل: بعود خَرْنُوب؛ فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسِّواك. فزيد عليه عشرُ ليال من ذي الحجة. وقيل: إن الله تعالىٰ أَوْحىٰ إليه لما ٱستاك: «يا موسىٰ لا أكلمك حتى يعود فُوك إلى ما كان عليه قبلُ، أما علمت أن رائحة الصائم أحبّ إليّ من ريح المسك». وأمره بصيام عشرة أيام. وكان كلام الله تعالىٰ لموسىٰ صلى الله عليه وسلم غداة النحر حين فَدَىٰ إسماعيل من الذبح، وأكمل لمحمد صلى الله عليه وسلم الحج. وحذفت الهاء من عشر لأن المعدود مؤنث. والفائدة في قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وقد علم أن ثلاثين وعشرة أربعون، لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها؛ فبين أن العشر سوى الثلاثين. فإن قيل: فقد قال في البقرة أربعين وقال هنا ثلاثين؛ فيكون ذلك من البداء. قيل: ليس كذلك؛ فقد قال: «وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ» والأربعون، والثلاثون والعشرة قول واحد ليس بمختلف. وإنما قال القولين على تفصيل وتأليف؛ قال أربعين في قولٍ مؤلف، وقال ثلاثين، يعني شهراً متتابعاً وعشراً. وكل ذلك أربعون؛ كما قال الشاعر:شعر : عشـر وأربـع... تفسير : يعني أربع عشرة، ليلة البدر. وهذا جائز في كلام العرب. الثانية ـ قال علماؤنا: دلّت هذه الآية على أن ضَرْب الأجل للمواعَدة سُنَّة ماضية، ومعنىٰ قديم أسسه الله تعالىٰ في القضايا، وحكم به للأمم، وعرّفهم به مقادير التأنِّي في الأعمال. وأوّل أجل ضربه الله تعالىٰ الأيام الستة التي خلق فيها جميع المخلوقات {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ} تفسير : [قۤ: 38]. وقد بينا معناه فيما تقدّم في هذه السورة من قوله: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}تفسير : [الأعراف: 54]. قال ٱبن العربيّ: فإذا ضُرِب الأجلُ لمعنىً يحاول فيه تحصيلُ المؤجّل فجاء الأجل ولم يتيّسر زيد فيه تبصرةً ومعذرةً. وقد بيّن الله تعالىٰ ذلك لموسىٰ عليه السلام فضرب له أجلاً ثلاثين ثم زاده عشراً تتمة أربعين. وأبطأ موسىٰ عليه السلام في هذه العشر على قومه؛ فما عقلوا جواز التأنِّي والتأخر حتى قالوا: إن موسى ضَلَّ أو نَسيَ. ونكثوا عهده وبدّلوا بعده، وعبدوا إلهاً غير الله. قال ابن عباس: إن موسى قال لقومه: إنّ ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف فيكم هارون، فلما فَصَل موسىٰ إلى ربه زاده الله عشراً؛ فكانت فتنتهم في العشر الذي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل؛ على ما يأتي بيانه. ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدّرة؛ كما أن الأجل مقدر. ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر: من وقت وحال وعمل، فيكون مثل ثلث المدة السالفة؛ كما أجل الله لموسىٰ. فإن رأىٰ الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدّة واحدة جاز، ولكن لا بدّ من التربّص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر، قاله ٱبن العربيّ. روى البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعْذَر الله إلى ٱمرىء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة».تفسير : قلت: وهذا أيضاً أصلٌ لإعذار الحُكّام إلى المحكوم عليه مرة بعد أُخرىٰ. وكان هذا لُطْفاً بالخلق، ولينفذ القُيَّام عليهم بالحق. يقال: أعْذَر في الأمر أي بالغ فيه؛ أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم، {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15]. وقال: {أية : وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ}تفسير : [فاطر: 37] قيل: هم الرسل. ابن عباس: هو الشيب. فإنه يأتي في سنّ الاكتهال، فهو علامة لمفارقة سنّ الصِّبا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العبّاد، وهو سنّ الإنابة والخشوع والاستسلام لله، وترقب المنية ولقاء الله؛ ففيه إعذار بعد إعذار. الأوّل بالنبيّ عليه السلام، والثاني بالشيب؛ وذلك عند كمال الأربعين؛ قال الله تعالىٰ: {أية : وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ}تفسير : [الأحقاف: 15]. فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد آن له أن يعلم مقدار نِعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها. قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة؛ فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس. الثالثة ـ ودلت الآية أيضاً على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام؛ لقوله تعالىٰ: {ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} لأن الليالي أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن الأيام؛ حتى روي عنها أنها كانت تقول: صمنا خمساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. والعجم تخالف في ذلك، فتحسب بالأيام لأن معوّلها على الشمس. ابن العربيّ: وحساب الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك؛ ولهذا قال: «وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً». فيقال: أرّخت تاريخاً. وورّخت توريخاً؛ لغتان. قوله تعالىٰ: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} المعنىٰ: وقال موسى حين أراد المضِيّ للمناجاة والمغيب فيها لأخيه هارون: كن خليفتي؛ فدلّ على النيابة. وفي صحيح مسلم حديث : عن سعد بن أبي وقّاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعليّ حين خلّفه في بعض مغازيه: «أما تَرْضىٰ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسىٰ إلا أنه لا نبيّ بعدي»تفسير : . فاستدل بهذا الروافضُ والإمامية وسائر فِرَقِ الشَّيعة على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم استخلف علياً على جميع الأمّة؛ حتى كفر الصحابة الإمامية ـ قبحهم الله ـ لأنهم عندهم تركوا العمل الذي هو النص على استخلاف عليّ واستخلفوا غيره بالاجتهاد منهم. ومنهم من كفر عَلِيّاً إذ لم يقم بطلب حقه. وهؤلاء لا شك في كفرهم وكفر من تبعهم على مقالتهم، ولم يعلموا أن هذا ٱستخلاف في حياةٍ كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكَّل أو بموته، لا يقتضي أنه متمادٍ بعد وفاته؛ فينْحَلّ على هذا ما تعلق به الإمامية وغيرهم. وقد ٱستخلف النبيّ صلى الله عليه وسلم على المدينة ٱبن أمِّ مكتوم وغيره، ولم يلزم من ذلك استخلافه دائماً بالاتفاق. على أنه قد كان هارون شُرِّك مع موسىٰ في أصل الرسالة، فلا يكون لهم فيه على ما راموه دِلالة. والله الموفق للهداية. قوله تعالىٰ: {وَأَصْلِحْ} أمرٌ بالإصلاح. قال ٱبن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامريّ ويغيِّر عليه. وقيل: أي ٱرفق بهم، وأصلح أمرهم، وأصلح نفسك؛ أي كن مصلحاً. {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عوناً للظالمين.

البيضاوي

تفسير : {وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً} ذا القعدة، وقرأ أبو عمرو ويعقوب «ووعدنا». {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} من ذي الحجة. {فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} بالغاً أربعين. روي: أنه عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره الله بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشراً. وقيل أمره بأن يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها. {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى} كن خليفتي فيهم. {وَأَصْلَحَ} ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحاً. {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} ولا تتبع من سلك الإِفساد ولا تطع من دعاك إليه.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى ممتناً على بني إسرائيل؛ بما حصل لهم من الهداية بتكليمه موسى عليه السلام، وإعطائه التوراة، وفيها أحكامهم وتفاصيل شرعهم، فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة، قال المفسرون: فصامها موسى عليه السلام وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل بعشر أربعين. وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة، والعشر عشر ذي الحجة، قاله مجاهد ومسروق وابن جريج، وروي عن ابن عباس وغيره، فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى عليه السلام، وفيه أكمل الله الدين لمحمد صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأِسْلاَمَ دِيناً} تفسير : [المائدة: 3] فلما تم الميقات، وعزم موسى على الذهاب إلى الطور كما قال تعالى: {أية : يٰبَنِى إِسْرَٰءِيلَ قَدْ أَنجَيْنَـٰكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَـٰكُمْ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنَ} تفسير : [طه: 80] الآية فحينئذ استخلف موسى عليه السلام على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الإفساد، وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون عليه السلام نبي شريف كريم على الله، له وجاهة وجلالة، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَوٰعَدْنَا } بألف ودونها {مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيْلَةً } نكلمه عند انتهائها بأن يصومها، وهي (ذو القعدة) فصامها، فلما تمَّت أنكر خُلُوفَ فمه فاستاك، فأمره الله بعشرة أخرى ليكلِّمه بخلُوف فمه كما قال تعالى: {وَأَتْمَمْنـَٰهَا بِعَشْرٍ } من ذي الحجة {فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِ } وقت وعده بكلامه إياه {أَرْبَعِينَ } حال {لَيْلَةً } تمييز {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَٰرُونَ } عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة {ٱخْلُفْنِى } كن خليفتي {فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ } أمرهم {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } بموافقتهم على المعاصي.

الشوكاني

تفسير : هذا من جملة ما كرّم الله به موسى عليه السلام وشرفه. والثلاثين هي ذو القعدة، والعشر هي عشر ذي الحجة ضرب الله هذه المدّة موعداً لمناجاة موسى ومكالمته. قيل: وكان التكليم في يوم النحر. والفائدة في {فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } مع العلم بأن الثلاثين والعشر أربعون ليلاً يتوهم وأن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها، فبين أن العشر غير الثلاثين، و{أربعين ليلة} منصوب على الحال، أي فتمّ حال كونه بالغاً أربعين ليلة. قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأخِيهِ هَـٰرُونَ ٱخْلُفْنِى فِى قومي} أي: كن خليفتي فيهم. قال موسى هذا لما أراد المضيّ إلى المناجاة {وَأَصْلِح} أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم، والرفق بهم، وتفقد أحوالهم {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } أي: لا تسلك سبيل العاصين، ولا تكن عوناً للظالمين. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، من طرق، عن ابن عباس، في قوله: {وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ } الآية، قال: ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن مجاهد مثله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في الآية، قال: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه، وأخلف هارون فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه، زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري قد أبصر جبريل، فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب، ثم ذكر قصة السامريّ.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} فيها قولان: أحدهما: أن الثلاثين ليلة شهرٌ أمر بصيامه، والعشر بعدها أجل لمناجاة ربه. والثاني: أن الأربعين كلها أجل لمناجاة ربه، أجل في الأول ثلاثين ليلة ثم زيدت عشراً بعدها. وقد قيل إنه ذو القعدة وعشر من ذي الحجة، حكي ذلك عن مجاهد، وابن جريج، ومسروق. {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} يعني أن اجتماع الأجلين تمام أربعين ليلة، ليدل بذلك على أن العشر هي ليال وليست ساعات. فإن قيل: فمعلوم أن العشر مع الثلاثين مستكملة أربعين، فما معنى قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً}. فعن ذلك ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه تأكيد في الذرك فلم يمتنع. والثاني: كان وعده إلى الجبل الذي كلمه فيه. والثالث: لينفي تمام الثلاثين بالعشر أن يكون من جملة الثلاثين لأن تمام الشيء بعض منه. فإن قيل: فلم زاد في أجل وعده بعد الثلاثين عشراً جعلها أجلاً ثانياً فأخر بها موعده؟ قيل عن ذلك جوابان: أحدهما: أن قومه تأخروا عنه في الأجل الأول فزاده الله لتأخرهم عنه أجلاً ثانياً ليحضروا. والثاني: لأن قومه عبدوا العجل بعده فزاده الله أجلاً ثانياً عقوبة لهم. ويحتمل جواباً ثالثاً: أن الله فعل ذلك به اختباراً لقومه ليتميز به المؤمن من المنافق ويعرف به المتيقن من المرتاب. والفرق بين الميقات والوقت وإن كانا من جنس واحد أن الميقات ما قدر لعمل، والوقت قد لا يتقدر لعمل.

ابن عطية

تفسير : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي. قرأ أبو عمرو وأبيّ ابن كعب وأبو رجاء وأبو جعفر وشيبة "ووعدنا" وقد تقدم في البقرة، وأخبر الله تعالى موسى عليه السلام أن يتهيأ لمناجاته {ثلاثين ليلة} ثم زاده في الأجل بعد ذلك عشر ليال، فذكر أن "موسى" عليه السلام أعلم بني إسرائيل بمغيبه "ثلاثين ليلة" فلما زاده العشر في حال مغيبه دون أن تعلم بنو إسرائيل ذلك وجست نفوسهم للزيادة على ما أخبرهم به، فقال لهم السامري: إن "موسى" قد هلك وليس براجع وأضلهم بالعجل فاتبعوه، قاله كله ابن جريج، وقيل: بل أخبرهم بمغيبه {أربعين} وكذلك أعلمه الله تعالى وهو المراد بهذه الآية، قاله الحسن، وهو مثل قوله {أية : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} تفسير : [البقرة:196] وأنهم عدوا الأيام والليالي فلما تم "أربعون" من الدهر قالوا قد أخلف "موسى" فضلوا، قال مجاهد إن "الثلاثين" هي شهر ذي القعدة وإن "العشر" هي "عشر" ذي الحجة، وقاله ابن عباس ومسروق. وروي أن "الثلاثين" إنما وعد بأن يصومها ويتهيأ فيها للمناجاة ويستعد وأن مدة المناجاة هي "العشر"، وقيل بل مدة المناجاة "الأربعون"، وإقبال "موسى" على الأمر والتزامه يحسن لفظ المواعدة، وحيث ورد أن المواعدة أربعون ليلة فذلك إخبار بجملة الأمر هو في هذه الآية إخبار بتفصيله كيف وقع، و {أربعين} في هذه الآية وما بعدها في موضع الحال، ويصح أن تكون {أربعين} ظرفاً من حيث هي عدد أزمنة، وفي مصحف أبي بن كعب "وتممناها" بغير ألف وتشديد الميم، وذكر الزجاج عن بعضه قال: لما صام ثلاثين يوماً أنكر خلوف فماه فاستاك بعود خروب فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فزيدت عليه عشر ليال، و {ثلاثين} نصب على تقدير أجلناه "ثلاثين" وليست منتصبه على الظرف لأن المواعدة لم تقع في "الثلاثين"، ثم ردد الأمر بقوله {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} قيل ليبين أن "العشر" لم تكن ساعات وبالجملة فتأكيد وإيضاح. وقوله تعالى: {وقال موسى لأخيه}.... الآية، المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها، و {اخلفني} معناه كن خليفتي وهذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل أو موته لا يقتضي أنه متمادٍ بعد وفاة فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية في قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف علياً بقوله أنت مني كهارون من "موسى" وقال موسى {اخلفني} فيترتب على هذا أن علياً خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه يحل هذا القياس، وأمره في هذه الآية بالإصلاح ثم من الطرق الأخر في أن لا يتبع سبيل مفسد، قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه. ثم أخبر الله تعالى عن "موسى" عليه السلام أنه لما جاء إلى الموضع الذي حد له وفي الوقت الذي عين له وكلمه ربه قال تمنياً منه أي {رب أرني أنظر إليك} وقرأ الجمهور: {أرِني} بكسر الراء، وقرأ أبو عمرو وابن كثير {أرْني} بسكون الراء، والمعنى في قوله {كلمه} أي خلق له إدراكاً سمع به الكلام القائم بالذات القديم الذي هو صفة ذات، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أدنى الله تعالى "موسى" حتى سمع صريف الأقلام في اللوح، وكلام الله عز وجلّ لا يشبه شيئاً من الكلام الذي للمخلوقين ولا في جهة من الجهات وما هو موجود لا كالموجودات، ومعلوم لا كالمعلومات، كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه علامات الحدوث، والواو عاطفة {كلمه} على {جاء} ، ويحتمل أن تكون واو الحال والأول أبين، وقال وهب بن منبه كلم الله "موسى" في ألف مقام كان يرى نور على وجهه ثلاثة أيام إثر كل مقام، وما قرب "موسى" النساء منذ "كلمه" الله تعالى، وجواب {لما} في قوله {قال} ، والمعنى أنه لما "كلمه" وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشوق إلى ذلك، فسأل ربه أن يريه نفسه، قاله السدي وأبو بكر الهذلي، وقال الربيع: قربناه نجياً حتى سمع صريف الأقلام، ورؤية الله عز وجل عند الأشعرية وأهل السنة جائزة عقلاً، لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته، قالوا لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر من الوجود، إلا أن الشريعة قررت رؤية الله تعالى في الآخرة نصاً ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من الشرع، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالاً وإنما سأل جائزاً. وقوله تعالى: {لن تراني ولكن انظر إلى الجبل} الآية ليس بجواب من سأل محالاً، وقد قال تعالى لنوح {أية : فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين} تفسير : [هود:46] فلو سأل "موسى" محالاً لكان في الكلام زجر ما وتبيين، وقوله عز وجل: {لن تراني} نص من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا، و {لن} تنفي الفعل المستقبل ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه "موسى" أبداً ولا في الآخرة لكن ورد من جهة أخرى بالحديث المتواتر أن أهل الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرى برؤيته، وقال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال لموسى لن تراني ولكن سأتجلى للجبل الذي هو أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي فستمكنك أنت رؤيتي. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا إنما جعل الله له الجبل مثالاً وقالت فرقة: إنما المعنى سأتبدى لك على الجبل فإن استقر لعظمتي فسوف تراني، وروي في كيفية وقوف "موسى" وانتظاره الرؤية قصص طويل اختصرته لبعده وكثرة مواضع الاعتراض فيه. قوله عز وجل: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَى صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ يامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ الشَّاكِرِينَ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} قال المتأولون المتكلمون كالقاضي ابن الباقلاني وغيره: إن الله عز وجل خلق للجبل حياة وحساً وإدراكاً يرى به، ثم تجلى له أي ظهر وبدا سلطانه فاندك الجبل لشدة المطلع فلما رأى موسى ما بالجبل صعق، وهذا المعنى هو المروي عن ابن عباس، وأسند الطبري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنسحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال: فوضع الإبهام قريباً من خنصره قال فساخ الجبل، فقال حميد لثابت: تقول هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقوله أنس، وأكتمه أنا؟تفسير : وقالت فرقة: المعنى فلما تجلى الله للجبل بقدرته وسلطانه اندك الجبل. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يتمسك به المعتزلة تمسكاً شديداً لقولهم إن رؤية الله عز وجل غير جائزة، وقائله من أهل السنة إنما يقوله مع اعتقاده جواز الرؤية ولكنه يقول إنه أليق بألفاظ الآية من أن تحمل الآية أن الجبل خلق له إدراك وحياة، وقال الزّجاج: من قال إن التقدير فلما تجلى أمر ربه فقد أخطأ ولا يعرف أهل اللغة ذلك، ورد أبو علي في الإغفال عليه، والدك الانسحاق والتفتت، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع وعاصم وابن عامر "دكاً"، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم "دكاء" على وزن حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضاً دكاء تشبيهاً بالناقة، فروي أنه ذهب الجبل بجملته، وقيل ذهب أعلاه وبقي أكثره، وروي أن الجبل تفتت وانسحق حتى صار غباراً تذروه الرياح، وقال سفيان: روي أنه ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر الذي تحت الأرضين، قال ابن الكلبي فهو يهوي فيه إلى يوم القيامة، وروي أنه انكسر ست فرق فوقعت منه ثلاث بمكة ثبير وغار ثور وحراء، وثلاث بالمدينة أحد وورقان ورضوى، قاله النقاش، وقال أبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة، و {صعقاً} معناه مغشياً عليه كحال من تصيبه الصعقة وهي الصيحة المفرطة، قال الخليل: وهي الوقع الشديد من صوت الرعد قاله ابن زيد وجماعة من المفسرين، وقال قتادة: كان موتاً، قال الزجّاج: وهو ضعيف، ولفظة {أفاق} تقتضي غير هذا، وقوله {سبحانك} أي تنزيهاً لك كذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {تبت إليك} معناه من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول ما اطلع ولم يعن به التوبة من شيء معين ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام. قال القاضي أبو محمد: والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال المحال كما زعمت المعتزلة، وقرأ نافع {وأنا} بإثبات الألف في الإدراج، قال الزهراوي والأولى حذفها في الإدراج وإثباتها لغة شاذة خارجة عن القياس، وقوله {أول} إما أن يريد من قومه بني إسرائيل، وهو قول ابن عباس ومجاهد أو من أهل زمانه إن كان الكفر قد طبق الآفاق وإما أن يريد أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، قاله أبو العالية. ثم إن الله تعالى قرر موسى على آلائه عنده على جهة الإخبار وقنعه بها وأمره بالشكر عليها وكأنه قال ولا تتعدها إلى غيرها، و "اصطفى" أصله اصتفى وهو افتعل من صفا يصفو انقلبت التاء طاء لمكان الصاد، ومعناه تخيرتك وخصصتك، ولا تستعمل إلا في الخير والمتن، لا يقال اصطفاه لشر، وقوله {على الناس} عام والظاهر من الشريعة أن موسى مخصص بالكلام وإن كان قد روي في تكليم الله غيره أشياء بما يشاء من أعظمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن آدم فقال هو نبي مكلَّم. قال القاضي أبو محمد: إلا أن ذلك قد تأول أنه كان في الجنة فيتحفظ على هذا تخصيص موسى، ويصح أن يكون قوله {على الناس} عموماً مطلقاً في مجموع الدرجتين الرسالة والكلام. وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو وعاصم وابن عامر "برسالاتي" على الجمع إذ الذي أرسل به ضروب، وقرأ ابن كثير ونافع "برسالتي" على الإفراد الذي يراد به الجمع وتحل الرسالة هاهنا محل المصدر الذي هو الإرسال، وقرأ جمهور الناس و "بكلامي"، وقرأ أبو رجاء "برسالتي وبكلمتي"، وقرأ الأعمش "برسالاتي وبكلمي"، وحكى عنه المهدوي "وتكليمي" على وزن تفعيلي، وقوله {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} تأديب وتقنيع وحمل على جادة السلامة ومثال لكل أحد في حاله، فإن جميع النعم من عنده بمقدار وكل الأمور بمرأى من الله ومسمع. وقوله تعالى: {وكتبنا له في الألواح} الآية، الضمير في {له} عائد على موسى عليه السلام، والألف واللام في {الألواح} عوض من الضمير الذي يقدر وصله بين الألواح وموسى عليه السلام، تقديره في ألواحه، وهذا كقوله تعالى: {أية : فإن الجنة هي المأوى} تفسير : [النازعات:41] مأواه وقيل: كانت الألواح اثنين، وقيل أيضاً من برد، وقال الحسن من خشب، وقوله {من كل شيء} لفظه عموم والمراد به كل شيء ينفع في معنى الشرع ويحتاج إليه في المصلحة، وقوله {لكل شيء} مثله، قال ابن جبير: ما أمروا به ونهوا عنه، وقاله مجاهد: وقال السدي: الحلال والحرام. وقوله {بقوة} معناه بجد وصبر عليها واحتمال لمؤنها قاله ابن عباس والسدي، وقال الربيع بن أنس {بقوة} هنا بطاعة، وقال ابن عباس أمر موسى أن يأخذ بأشد مما أمر به قومه، و"خذ" أصله أؤخذ حذفت الهمزة التي هي فاء الفعل على غير قياس فاستغني عن الأول، وقوله {بأحسنها} يحتمل معنيين أحدهما التفضيل كأنه قال: إذا اعترض فيها مباحان فيأخذون الأحسن منهما كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار. قال القاضي أبو محمد: هذا على القول إن أفعل في التفضيل لا يقال إلا لما لهما اشتراك في المفضل فيه وأما على القول الآخر فقد يراد بالأحسن المأمور به بالإضافة للمنهي عنه لأنه أحسن منه، وكذلك الناسخ بالإضافة إلى المنسوخ ونحو هذا، وذهب إلى هذا المعنى الطبري. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل أنه تدخل فيه الفرائض وهي لا تدخل في التأويل الأول، وقد يمكن أن يتصور اشتراك في حسن من المأمور به والمنهي عنه ولو بحسب الملاذ وشهوات النفس الأمارة، والمعنى الآخر الذي يحتمله قوله: {بأحسنها} أن يريد بأحسن وصف الشريعة بجملتها، فكأنه قال: قد جعلنا لكم شريعة هي أحسن كما تقول: الله أكبر دون مقايسة ثم قال: فمرهم يأخذوا بأحسنها الذي شرعناه لهم، وفي هذا التأويل اعتراضات، وقرأ جمهور الناس {سأوريكم}، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "سأوريكم" قال أبو الفتح ظاهر هذه القراءة مردود وهو أبو سعيد المأثور فصاحته فوجهها أن المراد أريكم ثم أشبعت ضمة الهزة ومطلب حتى نشأت عنها واو، ويحسن احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد وإغلاظ فمكن الصوت فيه. وقرأ قسامة بن زهير "سأورثكم" قاله أبو حاتم، ونسبها المهدوي إلى ابن عباس، وثبتت الواو في خط المصحف فلذلك أشكل هذا الاختلاف مع أنا لا نتأول إلا أنها مرويات فأما من قرأها "سأوريكم" فالمعنى عنده سأعرض عليكم وأجعلكم تخشون لتعتبروا حال دار الفاسقين، والرؤية هنا رؤية العين إلا أن المعنى يتضمن الوعد للمؤمنين والوعيد للفاسقين ويدل على أنها ررية العين تعدى فعلها وقد عدي الهمزة إلى مفعولين فهو مقدر أي مدمرة أو خربة مسعرة على قول من قال: هي جهنم، قيل له: ولا يجوز حذف هذا المفعول والاقتصار دونه أنها داخلة على الابتداء والخبر ولو جوز لكان على قبح في اللسان لا يليق بكتاب الله عز وجل، وقال علي ابن أبي طالب رضي الله عنه ومقاتل وقتادة في كتاب النقاش {دار الفاسقين} مصر والمراد آل فرعون، وقال قتادة أيضاً: "دار الفاسقين" الشام والمراد العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، وقال مجاهد والحسن: "دار الفاسقين" جهنم والمراد الكفرة بموسى عامة، وقال النقاش عن الكلبي: {دار الفاسقين} دور ثمود وعاد والأمم الخالية: أي سنقصها عليكم فترونها.

ابن عبد السلام

تفسير : {ثَلاثِينَ لَيْلَةً} أمر بصيامها، والعشر بعدها أجل المناجاة، أو الأربعون كلها أجل الميقات للمناجاة، قيل ذو القعدة وعشر من ذي الحجة. تأخر عنه قومه في الأجل الأول فزادهم الله ـ تعالى ـ العشر ليحضروه، أو لأنهم عبدوا العجل بعده فزاد الله ـ تعالى ـ العشر عقوبة لهم، {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} تأكيد، أو لبيان أن العشر ليالي وليست بساعات، أو لبيان أن العشر زائد على الثلاثين غير داخل فيها، لأن تمام الشيء يكون بعضه.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أرني أنظر} بسكون الراء وفتح الياء: ابن الفليح وزمعة والخزاعي عن البزي. الباقون: بكسر الراء وسكون الياء. {دكاء} بالمد: حمزة وعلي وخلف. {إني اصطفيتك} بفتح ياء المتكلم: ابن كثير وأبو عمرو {برسالتي} على التوحيد: أبو جعفر ونافع وابن كثير. الباقون: {برسالاتي} {آياتي الذين} مرسلة الياء: ابن عامر وحمزة. {الرشد} بفتحتين: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بضم الراء وسكون الشين. {من حليهم} بفتح الحاء وسكون اللام: يعقوب {حليهم} بالكسرات وتشديد الياء: حمزة وعلي. الباقون: مثله ولكن بضم الحاء. {ترحمنا ربنا وتغفر لنا} بالخطاب والنداء: حمزة وعلي وخلف والمفضل. الباقون: على الغيبة ورفع {ربنا} على الفاعلية {بعدي أعجلتم} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو. {قال ابن أم} بكسر الميم: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل. الباقون: بفتحها ومثله {أية : يا ابن أم} تفسير : [الآية: 94] في طه. الوقوف: {أربعين ليلة} ج للعطف مع اختلاف القائل {المفسدين} ه {ربه} لا لأن ما بعده جواب {إليك} ط {فسوف تراني} ج {صعقا} ط {المؤمنين} ه {الشاكرين} ه {الشاكرين} ه {لكل شيء} ج للعدول مع فاء التعقيب {بأحسنها} ج {الفاسقين} ه {بغير الحق} ج {بها} ج لابتداء شرط آخر ولبيان تعارض الأحوال مع العطف {سبيلاً} ج {ذلك سبيلاً} ه {غافلين} ه {أعمالهم} ط {يعملون} ه {خوار} ط {سبيلاً} ه لئلا تصير الجملة صفة السبيل فإن الهاء ضمير العجل {ظالمين} ه {ضلوا} ج لأن ما بعده جواب. {الخاسرين} ه {أسفاً} ج لما {بعدي} ج للابتداء بالاستفهام مع اتحاد القائل {أمر ربكم} ج لأن قوله {وألقى} معطوف على قوله {قال بئسما} وقد اعترض بينهما استفهام {إليه} ط {يقتلونني} ط ز صلى والوصل أولى لأن الفاء للجواب أي إذا هم هموا بقتلي فلا تشمتهم بضربي. {الظالمين} ه {في رحمتك} ز صلى الأولى أن يوصل لأن الواو للحال تحسيناً للدعاء بالثناء {الراحمين} ه {الدنيا} ط {المفترين} ه {وآمنوا} ج لظاهر إن والوجه الوصل لأن ما بعده خبر والعائد محذوف والتقدير: إن ربك من بعد توبتهم لغفور لهم. {رحيم} ه {الألواح} ج صلى لاحتمال ما بعده الحال {يرهبون} ه. التفسير: لما أهلك الله سبحانه أعداء بني إسرائيل سأل موسى ربه أن يؤتيه الكتاب الذي وعده فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، فلما أتم الثلاثين أنكر من نفسه خلوف الفم فتسوّك فقالت الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدتها بالسواك، فأوحى الله تعالى إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ فأمره الله أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة لهذا السبب. وقيل: فائدة التفصيل أنه تعالى أمره بصوم ثلاثين وأن يعمل فيها ما يقربه من الله، ثم أنزلت عليه التوراة في العشر وكلم فيها. وقال أبو مسلم الأصفهاني: من الجائز أن يكون موسى عند تمام الثلاثين بادر إلى ميقات ربه قبل قومه بدليل قوله في طه{أية : وما أعجلك عن قومك يا موسى}تفسير : [طه: 83] فلما أعلمه الله تعالى خبر قومه مع السامري رجع إلى قومه، ثم عاد إلى الميقات في عشرة أخرى فتم أربعون ليلة. وقيل: لا يمتنع أن يكون الوعد الأوّل لحضرة موسى وحده والوعد الثاني لحضرة المختارين معه ليسمعوا الكلام. ومن فوائد الفذلكة في قوله {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} إزالة وهم من يتوهم أن الميقات كان عشرين ثم أتمه بعشر فصار ثلاثين. والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدراً أم لا. وانتصب {أربعين} على الحال أي تم بالغاً هذا العدد. {وهارون} عطف بيان {لأخيه} وقرىء بالضم على النداء {أخلفني في قومي} كن خليفتي فيهم {وأصلح} كن مصلحاً أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائل ومن دعاك إلى الإفساد فلا تتبعه. وإنما جعله خليفة مع أنه شريكه في النبوّة بدليل{أية : وأشركه في أمري}تفسير : [طه: 32] والشريك أعلى حالاً من الخليفة لأن نبوّة موسى كانت بالأصالة ونبوّة هارون بتبعيته فكأنه خليفته ووزيره. وإنما وصاه بالإصلاح تأكيداً واطمئناناً وإلا فالنبي لا يفعل إلا الإصلاح. {ولما جاء موسى لميقاتنا} اللام بمعنى الاختصاص كأنه قيل: اختص مجيئه بوقتنا الذي حددنا له كما يقال: أتيته لعشر خلون من شهر كذا {وكلمه ربه} للناس في كلام الله مذاهب فقيل: هو عبارة عن هذه الحروف المؤلفة المنتظمة. وقيل: صفة حقيقية مخالفة للحروف والأصوات وعلى الأول فمحل تلك الحروف والأصوات هو ذات الله تعالى وهو قول الكرامية، أو جسم مغاير كالشجرة ونحوها وهو قول المعتزلة. وعلى التالي فالأشعرية قالوا إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الأزلية لأنه كما لا يتعذر رؤيته عندنا مع أنه ليس بجسم ولا عرض فكذا لا يمتنع سماع كلامه مع أنه ليس بحرف ولا صوت. وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة. واختلف العلماء أيضاً في أن الله تعالى كلم موسى وحده لظاهر الآية أو مع السبعين المختارين وهو قول القاضي لأن تكليم الله موسى معجز وقد تقدمت نبوّة موسى فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره {قال رب أرني أنظر إليك} أي أرني نفسك واجعلني متمكناً من رؤيتك فانظر إليك وأراك. عن ابن عباس: أن موسى عليه السلام جاء ومعه السبعون وصعد الجبل وبقي السبعون في أسفل الجبل وكلم الله موسى وكتب له في الألواح كتاباً وقربه نجياً. فلما سمع صرير القلم عظم شوقه فقال رب أرني انظر إليك. قالت الأشاعرة إن موسى سأل الرؤية وأنه عارف بما يجب ويجوز ويمتنع على الله تعالى. فلو كانت الرؤية ممتنعة لما سألها. قال القاضي: للمحصلين من العلماء في هذا المقام أقوال: أحدها قول الحسن وغيره أن موسى ما عرف أن الرؤية غير جائزة على الله تعالى وهذا لا يقدح سبحانك في معرفته لأن العلم بامتناع الرؤية وجوازها لا يبعد أن يكون موقوفاً على السمع، وزيف بأنه يلزم أن يكون موسى أدون حالاً من علماء المعتزلة العالمين بامتناع الرؤية على الله تعالى، وبأنهم يدعون العلم الضروري بأن كل ما كان مرئياً فإنه يجب أن يكون مقابلاً أو في حكم المقابل، فلو لم يكن هذا العلم حاصلاً لموسى كان ناقص العقل وهو محال، وإن كان حاصلاً وجوّز موسى عليه المقابلة كان كفراً وهو أيضاً محال. وثانيها طريقة أبي علي وأبي هاشم أن موسى عليه السلام سأل الرؤية عن لسان قومه فقد كانوا يكررون المسألة عليه بقولهم {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} تفسير : [البقرة: 55] وزيف بأنه لو كان كذلك لقال موسى أرهم ينظروا إليك، ولقال الله لن يروني، وبأنه لو كان محالاً لمنعهم كما منعهم لما قالوا اجعل لنا إلهاً، وبأن ذكر الدليل القاطع في هذا المقام فرض مضيق فلم يمكن تأخيره مع أنهم كانوا مقرين بنبوّة موسى كفاهم في الامتناع عن السؤال قول موسى وإلا فلا انتفاع لهم بهذا الجواب فإن لهم أن يقولوا لا نسلم أن هذا المنع من الله بل هذا مما افتريته على الله. وثالثها وهو اختيار أبي القاسم الكعبي أن موسى سأل ربه المعرفة الضرورية بحيث تزول عندها الخواطر والوساوس كما في معرفة أهل الآخرة. وردّ بأنه تعالى أراه من الآيات كالعصا واليد وغيرها ما لا غاية بعدها فكيف يليق به أن يقول أظهر لي آية تدل على أنك موجود؟ ولو فرض أنه لائق بحال موسى فلم منعه الله تعالى عن ذلك؟ ولقائل أن يقول: منعه في الدنيا لحكمة علمها الله تعالى ولا يلزم منه المنع في الآخرة. ورابعها وهو قول أبي بكر الأصم أن موسى أراد تأكد الدليل العقلي بالدليل السمعي، وتعاضد الدلائل أمر مطلوب للعقلاء. وضعف بأنه كان الواجب عليه حينئذ أن يقول: أريد يا إلهي أن يقوى أمتناع رؤيتك بوجوه زائدة على ما ظهر في عقلي. ولقائل أن يقول: هذا تعيين الطريق. وفي الآية سؤال وهو أنه تعالى لم قال {لن تراني} دون {لن تنظر إليّ} ليناسب قوله {انظر إليك} والجواب لأن موسى لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل {أرني} ومن حجج الأشاعرة أنه تعالى علق رؤيته على أمر جائز هو استقرار الجبل والمعلق على الجائز جائز. وردّ بأنه علق حصول الرؤية على استقرار الجبل حال حركته بدليل قوله {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه} أي وقت النظر وعقيبه واستقرار الجبل حال حركته محال. ومنها قوله {فلما تجلى ربه} أي ظهر وبان ومنه جلوت العروس إذا أبرزتها، أو ظهر للجبل اقتداره وتصدى له أمره وإرادته {جعله دكاً} أي مدكوكاً كالمصدر بمعنى "مفعول". والدك والدق أخوان. ومن قرأ بالمد أراد أرضاً دكاء مستوية ومنه ناقة دكاء متواضعة السنام. والدكاء أيضاً اسم للرابية الناشزة من الأرض كالدكة. والغرض من الجميع تعظيم شأن الرؤية وأن أحداً لا يقوى على ذلك إلا بتقوية الله وتأييده. وقالت المعتزلة: الرؤية أمر محال لقوله {لن تراني} وكلمة "لن" إن لم تفد التأبيد فلا أقل من التأكيد. وأيضاً الاستدراك في قوله {ولكن انظر} معناه أن النظر إليّ محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر إلى الجبل لتشاهد تدكك أجزائه وتفرق أبعاضه من عظمة التجلي، وإذا لم يطق الجماد ذلك فكيف الإنسان؟ قالت الأشاعرة ههنا: لم يبعد أن يخلق الله تعالى حينئذ في الجبل حياة وعقلاً وفهماً ورؤية. وأيضاً قوله {وخر موسى صعقاً} أي مغشياً عليه غشية كالموت دليل استحالة الرؤية على الأنبياء فضلاً عن غيرهم. روي أن الملائكة مرت عليه وهو مغشى عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم يقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزّة. وأيضاً قوله بعد الافاقة من الصعقة {سبحانك} أنزهك عما لا يليق بك من جواز الرؤية عليك {إني تبت إليك} من طلب الرؤية بغير إذن منك وإن كان لغرض صحيح هو تنبيه القوم على استحالة ذلك بنص من عندك {وأنا أوّل المؤمنين} بأنك لست بمرئي ولا مدرك بشيء من الحواس. وقالت الأشاعرة: وأنا أوّل المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا أو بأنه لا يجوز السؤال منك إلا بإذنك. ثم لما سأل الرؤية ومنعه الله إياها أخذ في تعداد سائر نعمه عليه وأمره أن يشتغل بشكرها {فقال يا موسى إني اصطفيتك} الآية. والمقصود تسلية موسى عن منع الرؤية. قيل: وفي هذا دليل على جواز الرؤية في نفسها وإلا لم يكن إلى هذا العذر حاجة. وإنما قال {اصطفيتك على الناس} ولم يقل "على الخلق" لأن الملائكة قد تسمع كلام الله تعالى من غير واسطة كما سمعه موسى. والغرض أنه تعالى خصه من دون الناس بمجموع أمرين الرسالة والكلام وسائر الرسل لهم الرسالة فقط. وإنما كان الكلام بلا وسط سبباً للشرف بناء على العرف الظاهر وقد جاء في الخبر أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة المعراج بعين الرأس. وفي ذلك دليل على أفضليته على موسى شتان بين من اتخذه الملك لنفسه حبيباً وقرّبه إليه بلطفه تقريباً وبين من قرب له الحجاب وحال بينه وبين المقصود بواب ونواب. والمزاد بالرسالات ههنا أسفار التوراة {فخذ ما أتيتك} من شرف الرسالة والكلام {وكن من الشاكرين} لله على ذلك بأن تشتغل بلوازمها علماً وعملاً. ثم فصل تلك الرسالة فقال {وكتبنا له في الألواح} قيل: خر موسى صعقاً يوم عرفة وأعطاه الله التوراة يوم النحر. وذكروا في عدد الألواح وفيو جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح، وقيل سبعة، وقيل لوحين، وأنها كانت من خشب نزلت من السماء. وعن وهب أنها كانت من صخرة صماء لينها الله تعالى لموسى قطعها بيده وشققها بأصابعه. وقيل: طولها كان عشرة أذرع. والتحقيق أن أمثال هذه يحتاج إلى النقل الصحيح وإلا وجب السكوت عنه إذ ليس في الآية ما يدل على ذلك. وأما كيفية تلك الكتابة فقال ابن جريج كتبها جبرائيل بالقلم الذي كتب به الذكر واستمد من نهر النور وحكم هذا النقل أيضاً كما قلنا {من كل شيء} مفعول {كتبنا} و "من" للتبعيض نحو أخذت من الدراهم {موعظة وتفصيلاً} بدل منه فيدخل في الموعظة كل ما يوجب الرغبة في الطاعة والنفرة عن المعصية وذلك بذكر الوعد والوعيد. وأراد بالتفصيل تبيين كل ما يحتاج إليه بنو إسرائيل من أقسام الأحكام، ويجوز أن يكون {موعظة وتفصيلاً} مفعولين لـ {كتبنا} والتقدير: وكتبنا له في الألواح موعظة من كل شيء وتفصيلاً لكل شيء. قيل: أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزء منها في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر: موسى ويوشع وعزير وعيسى. وعن مقاتل: كتب في الألواح أني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كذباً فإن من حلف باسمي كذباً فلا أزكيه، ولا تزنوا ولا تقتلوا ولا تعقوا الوالدين. {فخذها} على إرادة القول أي وكتبنا فقلنا له خذها أو بدل من قوله {فخذ ما أتيتك} والضمير للألواح أو لكل شيء لأنه في معنى الأشياء، أو للرسالات أو للتوراة {بقوّة} بجد وعزيمة فعل أولى بالعزم من الرسل {وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} سئل ههنا أنه لما تعبد بكل ما في التوراة وجب كون الكل مأموراً به، فظاهر قوله {يأخذوا بأحسنها} يقتضي أن فيه ما ليس بأحسن وأنه لا يجوز الأخذ به. وأجاب العلماء بوجوه منها، أن تلك التكاليف منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب فيكون كقوله{أية : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}تفسير : [الزمر: 55] وكقوله{أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}تفسير : [الزمر: 18] قال قطرب: الأحسن بمعنى الحسن وكلها حسن. وقيل: الحسن يشمل الواجب والمندوب والمباح والأحسن الواجب والمندوب. وقال في الكشاف: يجوز أن يراد يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه كقولهم الصيف أحر من الشتاء. ثم ختم الآية بالوعيد والتهديد فقال {سأريكم دار الفاسقين} قال ابن عباس والحسن ومجاهد يعني جهنم أي ليكن ذكر جهنم حاضراً في أذهانكم لتحذروا أن تكونوا منهم. وعن قتادة: يريد مواطن الجبابرة والفراعنة الخاوية بالشام ومصر ليعتبروا بذلك فلا يفسقوا مثل فسقهم فيصبيهم مثل ما أصابهم. وقال الكلبي: هي منازل عاد وثمود وأقرانهم يمرون عليها في أسفارهم. وقيل: المراد الوعد والبشارة بأن الله تعالى سيرزقهم أرض أعدائهم ويؤيده ما قرىء {سأورثكم}. وقوله{أية : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون}تفسير : [الأعراف: 137]. ثم ذكر ما به يعامل الفاسقين المتكبرين فقال {سأصرف عن آياتي} الآية. فاحتجت الأشاعرة بها على أنه تعالى قد يمنع عن الإيمان ويصرف عنه. وقال الجبائي: قوله {سأصرف} للاستقبال والمصروفون موصوفون بالتكبر والانحراف عن الطريق المستقيم في الزمان الماضي، فعلم أن المراد من هذا الصرف ليس هو الكفر. وأيضاً الصرف مذكور على وجه العقوبة على التكبر والاعتساف ولا تكون العقوبة عين المعاقب عليه فوجب تأويل الآية. وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني: إن هذا الكلام تمام لما وعد الله به موسى من النصرة والعصمة أي أصرفهم عن آياتي فلا يقدرون على منعك من تبليغها كما قال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم {بلغ ما أنزل إليك} إلى قوله{أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : [المائدة: 67] وقيل: سأصرف هؤلاء المتكبرين عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة المعدَّة للأنبياء والمؤمنين، فيكون ذلك الصرف المستلزم للإذلال والإهانة جارياً مجرى العقوبة على كفرهم وتكبرهم على الله تعالى. وقيل: إن من الآيات آيات لا يمكن الانتفاع بها إلا بعد سبق الإيمان فإذا كفروا فقد صيروا أنفسهم بحيث لا يمكنهم الانتفاع بما بعد ذلك فحينئذ يصرفم الله تعالى عنها. وبوجه آخر إن الله تعالى إذا علم من حال بعضهم أنه إذا شاهد تلك الآيات فإنه لا يستدل بها بل يستخف بها ولا يقوم بحقها، فإذا علم الله تعالى ذلك صح أن يصرفهم عنها، أو عن الحسن: إن من الكفار من يبالغ في كفره وينتهي إلى الحد الذي إذا وصل إليه مات قلبه وهي بالطبع والخذلان، فالمراد بالمصروفين هؤلاء. وعن رسول صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا عظمت أمتي الدنيا نزع عنها هيبة الإسلام وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي" تفسير : قوله {بغير الحق} أما أن يكون حالاً بمعنى يتكبرون غير محقين لأن التكبير بالحق لله وحده، إذ لا كمال فوق كماله فله إظهار العظمة والكبرياء على كل من سواه، وإما أن يكون صلة للفعل أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الذي لا أصل له، ومنه يعلم أن للمحق أن يتكبر على المبطل كما قيل: التكبر على المتكبر صدقة. والرشد طريق الهدى والحق والصواب كلاهما واحد قاله الكسائي، وفرق أبو عمرو فقال: الرشد بضم الراء الصلاح لقوله {فإن آنستم منهم رشد} [النساء: 6] وبفتحتين الاستقامة في الدين قوله تعالى{أية : مما علمت رشداً}تفسير : [الكهف: 66] وسبيل الغي ضد ما ذكرنا. ثم بين أن ذلك الصرف وتعكيس القضية إنما كان الأمرين: كونهم مكذبين بآيات الله، وكونهم غافلين عنها، ومحل ذلك الرفع على الابتداء أو النصب على معنى صرفهم الله ذلك الصرف بسبب أنهم كذا وكذا. ثم بيّن أن أولئك المتكبرين مجزيون شر الجزاء وإن صدر عنهم صورة الإحسان والخير فقال {والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة} أي جحدوا المعاد حبطت أعمالهم. ثم قال {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} احتجت الأشاعرة بها على فساد قول أبي هاشم إن تارك الواجب يستحق العقاب بمجرد ترك الواجب وإن لم يصدر عنه فعل ذلك. قالوا: لأنها دلت على أنه لا جزاء إلا على عمل وترك الواجب ليس بعمل. أجاب أبو هاشم بأني لا أسمي ذلك العقاب جزاء. ورد بأن الجزأ ما يجزىء، أي يكفي عن المنع عن النهي أو في الحث على المأمور، لكن العقاب على ترك الواجب كافٍ في الزجر عن ذلك فكان جزاء. قيل: إن بني إسرائيل كان له عيد يتزينون فيه يستعيرون من القبط الحلي فاستعاروها مرة فأغرق الله القبط فبقيت تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل، فلهذا أضيفت إليهم على أن مجرد ملابسة الاستعارة أيضاً تحقق الإضافة وتصححها. والحليّ جمع حلي كثدي وثديّ. ومن كسر الحاء فللإتباع. فجمع السامري تلك الحليّ وكان رجلاً مطاعاً فيهم ذا قدر وكانوا قد سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً بعبدونه فصاغ السامري لهم عجلاً. واختلف المفسرون بعد ذلك فقال قوم: كان قد أخذ تراب حافر فرس جبرائيل فألقاه في جوف ذلك العجل فانقلب لحماً ودماً وظهر منه الخوار مرة واحدة فقال السامري هذا إلهكم وإله موسى. قال أكثر المفسرين من المعتزلة: إنه كان قد جعل ذلك العجل مجوّفاً ووضع في جوفه أنابيب على وجه مخصوص، ثم وضع التمثال على مهب الرياح فظهر منه صوت شديد يشبه خوار العجل. وقال آخرون: إنه صير ذلك التمثال أجوف وخبأ تحته من ينفخ فيه من حيث لا يشعر به الناس. وإنما قال سبحانه {واتخذ قوم موسى} من أن المتخذ هو السامريّ وحده لأن القوم رضوا بذلك واجتمعوا عليه فكأنهم شاركوه، أو لأن المراد باتخاذ العجل هو عبادته كقوله{أية : ثم اتخذتم العجل من بعده}تفسير : [البقرة: 51] أي من بعد مضيه إلى الطور. قال الحسن: كلهم عبدوا العجل غير هارون لعموم الآية ولقول موسى في الدعاء {رب اغفر لي ولأخي} ولو كان غيرهما أهلاً للدعاء لأشركهم في ذلك. وقال آخرون: بل كان قد بقي في بني إسرائيل من ثبت على إيمانه لقوله سبحانه{أية : من قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}تفسير : [الأعراف: 181] وهل انقلب ذلك التمثال لحماً ودماً أو بقي ذهباً كما كان مال بعضهم إلى الأوّل لأنه تعالى قال {عجلاً جسداً له خوار} والجسد اسم للجسم ذي اللحم والدّم والخوار إنما يكون للبقرة لا للصورة. واستبعده بعضهم وناقش في أن الجسد مختص بذي الروح. ثم قال: إن ذلك الصوت لما أشبه الخوار لما يبعد إطلاق لفظ الخوار عليه. وقرأ علي كرم الله وجهه {جؤار} بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح و{جسداً} بدلاً من {عجلاً} ثم إنه سبحانه احتج على فساد كون ذلك العجل إلهاً بقوله {ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً} ومن حق الإله أن يكون متكلماً هادياً إلى سبيل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل من الكتب. قالت المعتزلة: ههنا سؤال فمن كان مضلاً عن الدين لا يصلح أن يكون إلهاً. قالت الأشاعرة: لو صح أن الإله يلزم أن يكون متكلماً هادياً لزم أن يكون كل متكلم هادٍ إلهاً. والحق أن الملازمة ممنوعة فإن الدعوى ليست إلا أن كل إله يجب أن يكون متكلماً هادياً والموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها على أنه يمكن أن يقال لا متكلم ولا هادي في الحقيقة إلا الله تعالى. ثم ختم الآية بقوله {اتخذوه وكانوا ظالمين} وهذا كما قال في البقرة {أية : ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} تفسير : [البقرة:51] ثم أخبر عن عقبى حالهم بقوله {ولما سقط في أيديهم} معناه ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل. واختلفوا في وجه هذه الاستعارة فقال الزجاج: أريد بالأيدي القلوب والأنفس كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان من المحال حصول المكروه في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويرى بالعين. وقال في الكشاف: إن من شأن من اشتد ندمه أن يعض يده فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه وقع فيها، فأصل الكلام سقط فوه في يده فحذف الفاعل وبني الفعل للمفعول فيه كما يحذف الفعل ويبنى للمفعول فيه في قولهم "مُرَّ بزيد" وهذا من باب الكناية لأن عض اليد من لوازم الحسرة والندم. وقيل: كل عمل يقدم المرء عليه فذلك لاعتقاد أن ذلك العمل خير وصواب وأنه يورثه رفعة ورتبة، فإذا بان أن ذلك العمل باطل فكأنه انحط وسقط من علو إلى أسفل ومنه قولهم للرجل إذا أخطأ "ذلك منه سقطة" ثم إن اليد آلة البطش والأخذ والنادم كأنه تدارك الحالة التي لأجلها حصل له الندم وكأنه قد سقط في يد نفسه من حيث أنه بعد حصول ذلك الندم يشتغل بالتدارك والتلافي. وحكى الواحدي أنه من السقط وهو ما يغشى الأرض بالغدوات شبه الثلج فمن وقع في يده السقط لم يحصل منه على شيء قط لأنه يذوب بأدنى حرارة، فهذا مثل من خسر في عاقبته ولم يحصل على طائل من سعة. وقال بعضهم: الآله الأصلية في أكثر الأعمال اليد والعاجز في حكم الساقط فسقاط اليد هو العجز التام كما يقال في العرف ضل يده ورجله لمن لا يهتدي إلى صلاحه. وقيل: إن "في" بمعنى "على" أي سقط على أيديهم فإن من عادة النادم أن يطأطىء رأسه ويضعه على يده تحت ذقنه. ثم قال الله تعالى {ورأوا أنهم قد ضلوا} أي قد تبينوا ضلالهم كأنهم أبصروه بعيونهم. قال القاضي: الكلام على التقديم والتأخير لأن الندم والتحسر بعد تعرف الحال وتبين الخطأ والترتيب الأصلي: ولما رأوا أنهم قد ضلوا سقط في أيديهم. ويمكن أن يقال: الواو لا تفيد الترتيب، أو يقال: الإقدام على ما لا يعلم كونه صواباً أو خطأً فاسد موجب للندم وقد يتكامل العلم فيظهر أنه خطأ جزماً. ثم إنهم اعترفوا بذنوبهم وانقطعوا إلى ربهم وذكروا مثل ما ذكر أبونا آدم وأمنا حواء {إن لم يرحمنا ربنا} الآية. {ولما رجع موسى إلى قومه} قال بعضهم إن موسى قد عرف خبر القوم بعد رجوعه إليهم. وقال الأكثرون وهو قول أبي مسلم: إنه كان عارفاً بذلك قبل رجوعه بدليل قوله {غضبان أسفاً} فإنه يدل على أن هاتين الحالتين حاصلتان له عند رجوعه إليهم ولما جاء في سورة طه{أية : قد فتنا قومك من بعدك}تفسير : [الآية: 85] وفي دليل ظاهر على أنه تعالى أخبره بوقوع الواقعة في الميقات. والأسف الشديد الغضب وهو قول أبي الدرداء والزجاج. وعن ابن عباس والحسن إنه الحزين. وقال الواحدي: هما متقاربان فإذا جاءك ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ممن هو فوقك حزنت، فكأن موسى غضبان على قومه أسفاً من فتنة ربه {بئسما خلفتموني} خاطب عبدة العجل أو وجوه القوم - هارون والمؤمنين - حيث لم يكفوا العبدة. وفاعل {بئس} مضمر يفسره {ما خلفتموني} والمخصوص محذوف التقدير: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم. ومعنى {من بعدي} مع قوله {خلفتموني} من بعد ما رأيتم مني من توحيد الله ونفي الأنداد أو من بعد ما كنت أحمل القوم عليه من التوحيد والكف من اتخاذ إله غير الله حيث قالوا جعل لنا إلهاً ومن حق الخلفاء أن يسيروا بسيرة مستخلفيهم من بعدهم ولا يخالفوهم ونظير الآية قوله{أية : فخلف من بعدهم خلف}تفسير : [مريم: 58] أي من بعد أولئك الموصوفين بالصفات الحميدة {أعجلتم أمر ربكم} قال الواحدي: العجلة التقدم بالشيء قبل وقته ولذلك صارت مذمومة في الأغلب بخلاف السرعة فإنها عمل الشيء في أوّل وقته. قال ابن عباس: يعني أعجلتم ميعاد ربكم فلم تصبروا له. وقال الحسن: أعجلتم وعد ربكم الذي وعدكم من الأربعين وذلك أنهم قدّروا أنه لما لم يأت على رأس الثلاثين ليلة فقد مات. وروي أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وإنه قد مات. وروي أنهم عدوا عشرين يوماً بلياليها فجعلوها أربعين ثم أحدثوا ما أحدثوا. وقال الكلبي، أعجلتم عبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم. وقال عطاء: أعجلتم سخط ربكم. وفي الكشاف: يقال عجل عن الأمر إذا تركه غير تام ونقيضه تم عليه وأعجله عنه غيره ويضمن معنى سبق فيعدى تعديته فيقال: عجلت الأمر ومعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده وما وصاكم به {وألقى الألواح} التي فيها التوراة لما لحقه من الدهش والضجر غضباً لله. عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال:"حديث : يرحم الله أخي موسى ما الخبر كالمعاينة"تفسير : لقد أخبره الله تعالى بفتنة قومه فعرف أن ما أخبره به حق وأنه مع ذلك متمسك بما في يده. وروي أن التوراة كانت سبعة أسباع فلما ألقى الألواح تكسرت فرفع منها ستة أسباعها وبقي سبع واحد، وكان فيما رفع تفصيل كل شيء وفيما بقي الهدى والرحمة. قال في التفسير الكبير: إلقاء الألواح ثابت بالقرآن، فأما إلقاؤها بحيث تكسرت فلا وإنه جراءة عظيمة ومثله لا يليق بالأنبياء. وأقول: الجراءة تحصل بنفس الإلقاء لا بالتكسر الذي لا يتعلق باختياره فكل ما يجعل عذراً عن نفس الإلقاء يصح أن يجعل عذراً عن التكسر {وأخذ برأس أخيه} أي بشعر رأسه يجره إليه بذؤابته. واعلم أن موسى عليه السلام كان في نفسه حديداً شديد الغضب وكان هارون ألين منه جانباً ولذلك كان أحبّ إلى بني إسرائيل من موسى. وقد استتبع غضبه أمرين: أحدهما إلقاء الألواح والآخر أخذ رأس أخيه جار إليه، فزعم مثبتو عصمة الأنبياء أنه جر برأس أخيه إلى نفسه ليسارّه ويستكشف منه كيفية الواقعة لا لأجل الإهانة والاستخفاف، ثم إن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى فعل ما فعل به إهانة {فقال يا ابن أم} من كسرها فعلى طرح ياء المتكلم، ومن فتحها فتشبيهاً بخمسة عشر لكثرة الاستعمال أو على الألف المبدلة من ياء الإضافة. وإنما أضافه إلى الأم إشارة إلى أن أمهما واحدة على ما روي أنه كان أخاه لأمه ليكون أدعى إلى العطف والرقة لأنها كانت مؤمنة فافتخر. بنسبها ولأنها هي التي تحملت فيه الشدائد فذكره حقها {إن القوم استضعفوني} استذلوني وقهروني ولم يبالوا بي لقلة أنصاري {وكادوا يقتلونني} حين منعتهم عبادة العجل ونهيتهم عنها {فلا تشمت بي الأعداء} العابدي العجل فإنهم يحملون هذا الذي تفعل بي على الإهانة لا على الإكرام {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} في اشتراك العقوبة والإذلال، ولا تعتقد أني واحد منهم. ولا يخفى ما في بعض هذا التفسير من التعسف والتكلف، والحق أن هذا القدر من الحدة الناشئة من عصبية الدين لا يقدح في العصمة وغايته أن يكون من قبيل ترك الأولى فلذلك {قال} موسى {رب اغفر لي} ما أقدمت عليه من الحدة قبل جلية الحال {ولأخي} أن عساه فرّط في شأن الخلافة ثم أخبر عن مجازاة القوم فقال {إن الذين اتخذوا العجل} إلهاً {سينالهم غضب من ربهم وذلة} كلاهما في الحياة الدنيا. فالغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم والذلة خروجهم من ديارهم وذل الغربة لا يخفى. واعترض بأن قوله {سينالهم} للاستقبال وفي وقت نزول الآية كان القتل واقعاً. وأجيب بأن هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى موسى به في الميقات من افتتان قومه وكان سابقاً على وقوعهم في الغضب والذلة. قلت: ويجوز أن يكون الآيتان من تتمة قول موسى إلا أن قوله {وكذلك نجزي المفترين} ينبو عن ذلك إلا أن يحمل على الاعتراض. ولما في هذا التفسير من التكلف ذهب به بعض المفسرين إلى أن المضاف في الآية محذوف والتقدير: إن الذين اتخذ آباؤهم العجل يعني الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم سينالهم غضب من ربهم في الآخرة وذلة في الحياة الدنيا بضرب الجزية، أو غضب وذلة كلاهما في الدنيا بالقتل والجلاء كما نال بني قريظة والنضير، أو التقدير: إن الذين اتخذا العجل سينال أولادهم {وكذلك نجزي المفترين} أي كل مفتر في دين الله فجزاؤه الغضب والذلة. قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وتجد فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية {والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا} ظاهر الآية يدل على أن التوبة شرط العفو وأنه لا بد مع التوبة من تجديد الإيمان فما أصعب شأن المذنبين، ولكن عموم لفظ السيئات يدل على أن من أتى بجميع المعاصي ثم تاب فإنه الله يغفرها له فما أحسن حال التائبين {لغفور} ستور عليهم محَّاء لما صدر منهم {رحيم} منعم عليهم بالجنة. وفيه أن الذنوب وإن جلت وعظمت فإن عفوه وكرمه أعظم وأجل. ولما بين ما كان من موسى مع الغضب بين ما كان منه بعد الغضب فقال {ولما سكت عن موسى الغضب} قال علماء البيان: إنه خرج على قانون الاستعارة فكأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول ألق الألواح وغير ذلك، فترك النطق بذلك وقطع الإغراء. وعن عكرمة أن المعنى سكت موسى عن الغضب فقلب كما يقال: أدخلت الخف في رجل وإنما أدخل الرجل في الخف. وقيل: السكوت بمعنى السكون وقد قرىء به. {أخذ الألواح} التي ألقاها منبهاً على زوال غضبه لأنه أوكد ما تقدم من إمارات الغضب {وفي نسختها} فعلة بمعنى مفعول كالخطبة من النسخ والكتب أي في مكتوبها من اللوح المحفوظ سواء قلنا إن الألواح لم تتكسر وأخذها موسى بأعيانها بعد ما ألقاها أو قلنا إنها تكسرت وأخذ ما بقي منها، وقيل: النسخ بمعنى الإزالة لما روي عن ابن عباس أنه لما ألقى الألواح تكسرت فصام أربعين يوماً فأعاد الله تعالى الألواح وفيها غير ما في الأولى {هدى} من الضلال {ورحمة} من العذاب {للذين هم لربهم يرهبون} أدخل اللام في المفعول لتقدمه فإن تأخير الفعل يكسبه ضعفاً ونظيره{أية : للرؤيا تعبرون}تفسير : [يوسف: 43] وقولك: لزيد ضربت ويجوز أن يكون المراد للذين هم لأجل ربهم يرهبون لا رياء وسمعة، وجوّز بعضهم أن تكون اللام صلة نحو ردف لكم. التأويل: {ثلاثين ليلة} لئلا تستكثر النفس الأربعين من ضعف البشرية {وأتممناها بعشر} الخصوصية الأربعين في ظهور ينابيع الحكمة من القلب على اللسان {وقال موسى} الروح {لأخيه هارون} القلب عند توجهه لمقام المكالمة والتجلي كن خليفتي في قومي من الأوصاف البشرية و{وأصلح} ذات بينهم على وفق الشريعة وقانون الطريقة {ولا تتبع سبيل المفسدين} من الهوى والطبيعة. وهذه الخلافة هي السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح {ولما جاء موسى} ولما حصل الروح على بساط القرب وتتابع عليه كاسات الشرب أثر فيه سماع الكلمات فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه فـ {قال رب أرني أنظر إليك} فقيل: هيهات أنت بعد في بعد الأثنينية وحجب جبل الأنانية فلن تراني لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر {ولكن انظر} إلى جبل الأنانية {فإن استقر مكانه} عند التجلي {فسوف تراني} ببصر أنانيتك {وخر موسى صعقاً} بالأنانية فكان ما كان بعد أن بان ما بان وأشرقت الأرض بنور ربها. شعر : قد كان ما كان سراً أبوح به فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر تفسير : فلو لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا أن القلب يحيا عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والروح إلى الوجود، ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي فافهم. {فما أفاق} من غشية الأنانية بسطوة تجلي الربوبية {قال} موسى بلا هويته {سبحانك} تنزيهاً لك من خلقك واتصال الخلق بك {وانا أوّل المؤمنين} بأنك لا ترى بالأنانية وإنما ترى بنور هويتك. {برسالاتي وبكلامي} دون رؤيتي {وكن من الشاكرين} فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية لأن الشكر يورث الزيادة والزيادة هي الرؤية{أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}تفسير : [يونس: 26] {فخذها بقوّة} أي بقوة الصدق والإخلاص أو بقوة وإعانة منا {سأريكم دار الفاسقين} الخارجين عن طلب الله إلى طلب الآخرة أو الدنيا {سأصرف عن آياتي} فبحجاب التكبر يحجب المتكبر عن رؤية الآيات {واتخذ قوم موسى} أي سامري الهوى من بعد توجه موسى الروح لميقات مكالمة الحق. اتخذ حلى زينة الدنيا ورعونات البشرية التي استعارها بنو إسرائيل صفات القلب من قبط صفات النفس {عجلاً} هو الدنيا {له خوار} يدعو الخلق به إلى نفسه {ولما سقط في أيديهم} عند رجوع موسى الروح إلى قومه وهم الأوصاف الإنسانية ندمت من فعلها وعادت إلى ما كانت فيه من عبودية الحق والإخلاص له قائلة {إن لم يرحمنا} بجذبات العناية {ربنا} الآية {غضبان} مما عبدت صفات القلب عجل الدنيا {أسفاً} على ما فاتها من عبودية الحق {أعجلتم أمر ربكم} بالرجوع إلى الدنيا وزينتها والتعلق بها قبل أوانه من غير أن يأمركم به ربكم. وفيه إشارة إلى أن أصحاب السلوك لا ينبغي أن يلتفتوا إلى شيء من الدنيا في أثناء الطلب اللهم إلا إذا قطعوا مفاوز النفس والهوى ووصلوا إلى كعبة وصال المولى فيأمرهم المولى أن يرجعوا إلى الدنيا لدعوة الخلق {وألقى الألواح} يعني ما لاح للروح من اللوائح الربانية عند استيلاء الغضب الطبيعي. {وأخذ برأس أخيه} القلب فإنه أخو الروح {يجره إليه} قسراً عند استيلاء طبيعة الروحانية {قال ابن أم} هما من أب وأم واحد أبوهما الأمر وأمهما الخلق، وإنما نسبه إلى الخلق لأن في عالم الخلق تواضعاً وتذللاً بالنسبة إلى عالم الأمر. {إن القوم استضعفوني} يعني أن أوصاف البشرية استذلوني بالغلبات عند غيبتك {وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء} وهم الشيطان والنفس والهوى {ولا تجعلني مع القوم الظلمين} فيه أن صفات القلب تتغير وتتلون بلون صفات النفس ورعونتها، ولكن القلب من حيث هو هو لا يتغير عما جبل عليه من محبة الله وطلبه وإنما يمرض بتغير صفاته كما أن النفس لا تتغير من حيث هي عما جبلت عليه من حب الدنيا وطلبها، وإنما تتغير صفاتها من الأمارية إلى اللوّامية والملهمية والمطمئنية والرجوع إلى الحق، ولو وكلت إلى نفسها طرفة عين لعادت إلى طبعها {رب اغفر لي ولأخي} إشارة إلى أن اللوح والقلب استعداد قبول الجذبة الإلهية التي يدخلها بالسير في عالم الصفات {وكذلك نجزى المفترين} الذين يدّعون أن الله أعطاهم قوّة لا يضرهم عبادة الهوى والدنيا وشهواتها.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ...} الآية: قال ابن عباس وغيره: الثلاثون ليلةً هي شَهْرُ ذي القَعْدَة، وأن العَشْرَة هي عَشْرُ ذي الحِجَّة، وروي أن الثلاثين إِنما وعد بأن يصومَهَا، وأَنَّ مدة المناجاة هِيَ العَشْر، وحيث ورد أنَّ المواعدة أربعُونَ ليلةً، فذلك إِخبار بجملة الأمْر، وهو في هذه الآية إِخبار بتفصيله، والمعنَىٰ في قوله: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}: أنه خلق لَهُ إِدراكاً سَمِعَ به الكلام القائِمَ بالذاتِ القديمِ الذي هو صفةُ ذاتٍ، وكلامُ اللَّه سبحانه لا يشبه كلامَ المخلوقين، وليسَ في جهة مِنَ الجهاتِ، وكما هو موجودٌ لا كالموجودات، ومعلومٌ لا كالمعلومات؛ كذلك كلامه لا يُشْبِهُ الكلامَ الذي فيه علاماتُ الحدوثِ، وجَوابُ «لَمَّا» في قوله: {قَالَ}، والمعنى أنَّه لمَّا كلَّمه اللَّه عزَّ وجلَّ، وخصَّه بهذه المرتبة، طَمَحَتْ همته إِلى رُتْبة الرؤْية، وتشوَّق إِلى ذلك، فسأل ربَّه الرؤية، ورؤيةُ اللَّه عز وجلَّ عند أهل السنة جائزةٌ عقْلاً؛ لأنه من حيثُ هو موجودٌ تصحُّ رؤيته؛ قالوا: لأن الرؤية للشَّيْءِ لا تتعلَّق بصفةٍ مِنْ صفاته أَكْثَرَ من الوُجُود، فموسى عليه السلام لم يسأَلْ ربَّه محالاً، وإِنما سأله جائزاً، وقوله سبحانه: {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ...} الآية: ليس بجواب مَنْ سأل محَالاً، و«لَنْ» تنفي الفَعْلَ المستقبَلَ، ولو بقينا مع هذا النفْي بمجرَّده، لقضينا أنه لا يَرَاهُ موسَىٰ أبداً، ولا في الآخرةِ، لكنْ ورد من جهة أخرَىٰ بالحديثِ المتواتر؛ أنَّ أهل الإِيمانَ يَرَوْنَ اللَّه يوم القيامة، فموسى عليه السلام أحرَى برؤيته، قُلْتُ: وأيضاً قال تعالى: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ }، تفسير : [القيامة:22،23] فهو نصٌّ في الرؤية بيَّنه صلى الله عليه وسلم؛ ففي «الترمذي» عن ابن عمر، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « حديث : إِنَّ أَدْنَىٰ أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إِلَىٰ جنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَىٰ اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلى وَجْهِهِ غُدْوَةً وعَشيَّةً » تفسير : ، ثم قرأ رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم: { أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } تفسير : [القيامة:22،23]، قال أبو عيسىٰ: وقد روي هذا الحديثُ مِنْ غير وجه مرفوعاً، وموقوفاً. انتهى. قال مجاهد وغيره: إن اللَّه عز وجل قال له: يا موسَىٰ، لن تراني، ولكنّ سأتجلَّى للجَبَل، وهو أقوَىٰ منك، وأَشَدُّ؛ فإِن ٱستقرَّ وأطاقَ الصبْرَ لهيبتي، فسَتُمْكِنُكَ أَنْتَ رؤيتي. قال * ع *: فعلى هذا إِنما جعل اللَّه الجَبَل مثالاً، قلتُ: وقول * ع *: ولو بَقِينَا مَعَ هذا النفْي بمجرَّده، لَقَضَيْنَا أنَّه لا يراه موسَى أبداً ولا في الآخرة، قولٌ مرجوحٌ لم يتفطَّن له رحمه اللَّه، والحقُّ الذي لا شَكَّ فيه أَنَّ «لن» لا تقتضي النفْيَ المؤبَّد. قال بدْرُ الدين أبو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مالِكٍ في شرح التَّسْهِيلِ: «وَلَنْ» كغيرها من حروفِ النفي في جواز كون ٱستقبال المنفيِّ بها منقَطعاً عنْدَ حَدٍّ وغَيْرَ منقطعٍ، وذكر الزمخشريُّ في أُنْمُوذجِهِ؛ أَنَّ «لَنْ» لتأبيدِ النفْي، وحاملُهُ علىٰ ذلك اعتقادُهُ أنَّ اللَّه تعالى لا يُرَى، وهو اعتقادٌ باطلٌ؛ لصحَّة ثبوتِ الرؤية عن رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؛ وٱستدلَّ عَلىٰ عدم اختصاصها بالتأبيد بمجيء ٱستقبالِ المنْفِيِّ بها مُغَيًّا إِلى غايةٍ ينتهي بٱنتهائها، كما في قوله تعالى: { أية : قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَـٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ } تفسير : [طه:91]، وهو واضح. انتهى، ونحوه لابْنِ هشامٍ، ولفظه: ولا تفيدُ «لَنْ» توكيدَ المنفيِّ؛ خلافاً للزمخشريِّ في «كشافه»، ولا تأْبِيدَهُ، خلافاً له في «أنموذجه»، وكلاهما دَعْوَىٰ بلا دليلٍ؛ قيل: ولو كانَتْ للتأبيدِ، لم يقيد منفيُّها بـــ «اليوْم» في { أية : فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيّاً } تفسير : [مريم:26] ولكان ذكْرُهُ «الأَبَدَ» في { أية : وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا } تفسير : [البقرة:95] تَكْراراً، والأصل عدمه. انتهى من «المغني». وقوله سبحانه: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}: التجلِّي: هو الظهورُ منْ غير تشبيهٍ ولا تكييفٍ، وقوله: {جَعَلَهُ دَكّاً}، المعنى: جعله أرضاً دكًّا، يقال: ناقةٌ دَكَّاء، أَيْ: لا سنامَ لها، {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}، أي: مغشيًّا عليه، قاله جماعة من المفسِّرين. قال * ص *: {وَخَرَّ} معناه سقَطَ، وقوله: {سُبْحَـٰنَكَ}، أي: تنزيهاً لك؛ كذا فسَّره النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ }، معناه: منْ أن أسألك الرُّؤْية في الدنيا، وأنْتَ لا تبيحها فيها. قال * ع *: ويحتمل عنْدي أنه لفظ قاله عليه السلام؛ لشدَّة هَوْل المَطْلَعَ، ولم يعن التَّوْبَة مِنْ شيء معيَّن، ولكنَّه لفظٌ لائقٌ بذلك المقامِ، والذي يتحرَّز منه أَهْلُ السنة أنْ تكون تَوْبَةً من سؤال المُحَال؛ كما زعَمَتِ المعتزلةُ، وقوله: {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ}، أي: مِنْ قومه؛ قاله ابن عباس وغيره، أَو مِنْ أَهْلِ زمانه؛ إِنْ كان الكُفْر قد طَبَّق الأرض، أو أولُ المؤمنين بأنك لا تُرَىٰ في الدنيا؛ قاله أبو العالية. وقوله سبحانه: {فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ} فيه تأديبٌ، وتقنيعٌ، وحملٌ على جادَّة السلامة، ومثالٌ لكلِّ أحدٍ في حاله، فإِن جميع النِّعم من عند اللَّه سبحانه بمْقدَارٍ، وكُلُّ الأمور بِمَرْأًى منه ومَسْمَعٍ، {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ}، أي: مِنْ كل شيءٍ يَنْفَعُ في معنى الشرْع، وقوله: {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} مثُلُه، وقوله: {بِقُوَّةٍ}، أي: بجدٍّ وصبرٍ عليها؛ قاله ابن عباس، وقوله: {بِأَحْسَنِهَا} يحتملُ معنيين. أحدهما: التفضيلُ؛ كما إِذا عرض مثلاً مباحانِ؛ كالعفو والقِصَاصِ، فيأخذون بالأحْسنِ منهما. والمعنى الثاني: يأخذون بَحَسن وَصْفِ الشريعة بجملتها؛ كما تقول: اللَّه أَكْبَرُ، دون مقايسة. وقوله سبحانه: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَـٰسِقِينَ}، الرؤية هنا: رؤيةُ عَيْن؛ هذا هو الأظهر إِلا أن المعنَىٰ يتضمَّن الوعد للمؤمنين، والوعِيدَ للفاسقين، ودارٌ الفاسقين: قيل: هي مِصْرُ، والمراد آل فرعون، وقيل: الشام، والمراد العَمَالِقَةُ وقيل: جَهَنَّم، والمرادُ الكَفَرَةُ بموسى، وقيل غير هذا ممَّا يفتقرُ إِلى صحة إِسناد.

البقاعي

تفسير : ولما ذكرهم بنعمة إنجاء الأبدان، أتبعها التذكير بأكبر منها إذ كانت لحفظ الأديان وصيانة جوهرة الإيمان بما نصب لهم من الشرع في التوراة، فقال معجباً من حالهم إذ كان في الإنعام عليهم بنصب الشرع الهادي لهم من الضلال واختصاص نبيهم بمزيد القرب بالمناجاة، وهم في اتخاذ إله سواه، لا نفع فيه أصلاً، ولا يرضى قلب أو عقل أن يعبده، عاطفاً له على ما سبق تعجيبه به منهم في قوله: { أية : وجاوزنا ببني إسرائيل} تفسير : [الأعراف: 138] {وواعدنا} أي على ما لنا من باهر العظمة {موسى ثلاثين} أي مناجاة ثلاثين {ليلة} أي عقبها {وأتممناها} أي المواعدة {بعشر} أي ليال، وذلك لأنه لما مضت ثلاثون ليلة، وهو شهر ذي العقدة فيما قيل، وكان موسى عليه السلام قد صامها ليلها ونهارها، أدرك من فمه خلوفاً فاستاك، فأعلمه الله أنه قد أفسد ريح فمه، وأمره بصيام عشرة أيام أخرى و - هي عشر ذي الحجة ليرجع ما أزاله من ذلك، وذلك لأن موسى عليه السلام كان وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك سبحانه عدوهم، أتاهم بكتاب من عنده فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله عدوهم سأل موسى عليه السلام الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين يوماً ثم أمره بالعشر. ولما كان من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية، وتكون مفصلة إلى عشرين ثم عشر، أزال هذا الاحتمال - بقوله: {فتم ميقات ربه} أي الذي قدره في الأزل لأن يناجيه بعده - بالفاء {أربعين} ولما كانت العشر غير صريحة في الليالي، قال: {ليلة} فانتفى أن تكون ساعات مثلاً، وعبر بالميقات لأنه ما قدر فيه عمل من الأعمال، وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان مقدراً أم لا، وعبر بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه والرحمة له، والميقات هو الأربعون - قاله الفارسي في الحجة، وقدر انتصاب أربعين بـ "معدوداً هذا العدد" كما تقول: تم القوم عشرين، أي معدودين هذا العدد وأجمل سبحانه الأربعين في البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام والمتّ إليهم بالإحسان والإكرام، ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان وأمكن في نزوعهم عن الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله: { أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : [البقرة: 21] { أية : كيف تكفرون بالله}تفسير : [البقرة: 28] وما اكتنفها أولاً وآخراً من قوله: {أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}تفسير : [البقرة: 40] الآيتين المبدوء بها والمختوم بها، وفصل هنا الأربعين إلى ثلاثين وعشر، لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم على خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات، ولا أغنى عنهم شيئاً تواتر النعم والآيات، كما كان ذلك في قصص الأمم الخالية والقرون الماضية ممن ذكر في هذه الصورة استدلالاً - كما تقدم - على أن المفسد أكثر من المصلح - إلى غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى: {أية : وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها }تفسير : [الأعراف: 94] إلى آخره، وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيباً لقومه لما وقع لهم من العقاب الأليم، والفصل بين الساقين يدق إلا عن أولي البصائر - والله أعلم، فيكون المراد بتفصيل الأربعين هنا بيان أن إبطاء موسى عليه السلام عما علموه من المعياد إنما كان لعشرة أيام، فارتكبوا فيها هذه الجريمة التي هي أعظم الجرائم، وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم وعراقتهم في السفه بقوله عاطفاً على {واعدنا}: {وقال موسى} أي لما واعدناه {لأخيه} ثم بينه تصريحاً باسمه فقال: {هارون اخلفني} أي كن خليفتي فيهم تفعل ما كنت أفعل، وأكد الارتسام بما يجده له بقوله: {في قومي } وأشار إلى حثه على الاجتهاد بقوله: {وأصلح} أي كن على ما أنت عليه من إيقاع الإصلاح. ولما كان عالماً بأنه صلى الله عليه وسلم مبرأ من السوء غير أن عنده ليناً قال: {ولا تتبع} أي تكلف نفسك غير ما طبعت عليه بأن تتبع {سبيل المفسدين*} أي استصلاحاً لهم وخوفاً من تنفيرهم، فاختلفوا عن الطريق كما تفرس فيهم موسى عليه السلام ولم يذكروا عاقبة فلا هم خافوا بطش من بطش بمن كان يسومهم سوء العذاب، ولا هم سمعوا لأخيه في الصلاح، ولا هم انتظروا عشرة أيام، فلا أخف منهم أحلاماً ولا أشد على المعاصي إقداماً. ولما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه، شرح أمره حال المواعدة وحالهم بعد غيبته فقال: {ولما جاء موسى لميقاتنا} أي عند أول الوقت الذي قدرناه للمناجاة؛ ولما كان مقام الجلال مهولاً لا يستطاع وعي الكلام معه، التفت إلى مقام الإكرام فقال: {وكلمه} أي من غير واسطه {ربه} أي المحسن إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان، والذي سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية من غير صوت ولا حرف، ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست بجسم ولا عرض لا جوهر، وليس كمثله شيء، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سبحانه كلمه في جميع الميقات وكتب له الألواح، وقيل: إنما كلمه في أول الأربعين، والأول أولى. ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف، وكانت الرؤية جائزة، اشتاق إلى الرؤية شوقاً لم يتمالك معه لما استحلاه من لذاذة الخطاب فسألها لعمله أنها جائزة {قال} مسقطاً الأداة كعادة أهل القرب - {رب أرني} أي ذاتك الأقداس بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكناً من النظر، وهو معنى قول الحبر ابن عباس: أعطني وحقق أنها رؤية العين بقوله في جواب الأمر - {أنظر} أي أصوب تحديق العين وأشار إلى عظمته سبحانه وعلو شأنه علو العظمة لا المسافة - بالتعدية بحرف النهاية بعد أن أشار بحذف أداة النداء إلى غاية القرب بالإحسان - فقال: {إليك} أي فأراك. ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا {قال} نافياً المقصود، وهو الرؤية لا مقدمتها، وهو النظر الذي هو التحديق بالعين {لن تراني} ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث لو يقل: لن أرى، أو لن يراني أحد؛ ثم زاد ذلك بياناً بتعليقه بممكن فقال: {ولكن انظر إلى الجبل} إشارة جبل بعهده، وهو أعظم جبل هناك، وزاد في الإشارة إلى الرؤية بالتعبير بأداة الشك وإتباعها بأمر ممكن فقال -: {فإن استقر مكانه} أي وجد قراره وجوداً تاماً، وأشار إلى بعد الرؤية أيضاً وجلالة المطلوب منها بقوله: {فسوف تراني} أي بوعد لا خلف فيه {فلما تجلى ربه} أي المحسن إليه بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام أنه تجلى قربه وخصوصيته، ولو عبر بعلى مثلاً لكان أمر آخر فقال -: {للجبل} أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته {جعله دكاً} أي مدكوكاً، والدك والدق أخوان {وخر} أي وقع {موسى صعقاً} أي مغشياً عليه مع صوت هائل، فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن، ولكنك تعرفه بمثال أريكه وهو الجبل، فإن الفاني - كما نقل عن الإمام مالك - لا ينبغي له أن يرى الباقي - {فلما أفاق} أي من غشيته {قال سبحانك} أي تنزيهاً لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه {تبت إليك} أي من ذلك {وأنا أول المؤمنين*} أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ما تضمنته هذه الآيات، فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن شرط الإيمان أن يكون بالغيب، فقد ورد في نبينا صلى الله عليه وسلم آيتان: إحداهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله{أية : وأنا أول المسلمين} تفسير : [المائدة: 163] والثانية تومي إلى عدمها وهي {أية : آمن الرسول}تفسير : [البقرة: 285] إلى قوله: {أية : كل آمن بالله}تفسير : [البقرة: 285] - والله أعلم -، وكل هذا تبكيت على قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع لهم عن ذلك، وتنبيه لهم على أن الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جداً عن ذوي الأجسام لما يعلم سبحانه من أنهم سيكررون عبادة الأصنام، فأثبت للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم سبيل تعريضاً بالعجل، وإلى ذلك يرشد قوله تعالى: {ألم يروا أنه لا يكلمهم} الآية. ولما منعه الرؤية بعد طلبه إياها، وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال، تشوف السامع إلى ما قوبل به من الإكرام، فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه به تسلية له عما منعه وأمراً بشكره بقوله: {قال يا موسى} مذكراً له نعمه في سياق دال على عظيم قدرها وإيجاب شكرها مسقطاً عنه مظهر العظمة تأنيساً له ورفقاً به - {إني اصطفيتك} أي اخترتك اختياراً بالغاً كما يختار ما يصفى من الشيء عن كل دنس {على الناس} أي الذين في زمانك {رسالاتي} أي الآيات المستكثرة التي أظهرتها وأظهرها على يديك من أسفار التوارة وغيرها {وبكلامي} أي من غير واسطة وكأنه أعاد حرف الجر للتنبيه على ذلك،كما اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على الناس عامة في كل زمان برسالته العامة وبكلامه المعجز وبتكليمه من غير واسطة في السماء التي قدست دائماً ونزهت عن التدنيس بمعصية. ولما كان ذلك مقتضياً لغاية الإقبال والنشاط، سبب عنه قوله: {فخذ ما آتيتك} آي مخصصاً لك به {وكن من الشاكرين*} أي العريقين في صفة الشكر المجبولين عليها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طرق عن ابن عباس في قوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} قال: ذو القعده، وعشر من ذي الحجة . وأخرج ابن أبي حاتم عن سليمان التيمي قال: زعم حضرمي أن الثلاثين ليلة التي وعد موسى ذو القعدة، والعشر التي تمم الله بها الأربعين ليلة عشر ذي الحجة . وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال: ما من عمل في أيام من السنة أفضل منه في العشر من ذي الحجة، وهي العشر التي أتمها الله لموسى . وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} يعني ذا القعده وعشراً من ذي الحجة، خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هرون، فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليه التوراة في الألواح ، فقربه الرب نجياً وكلمه وسمع صريف القلم، وبلغنا أنه لم يحدث في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} قال: ذو القعدة {وأتممناها بعشر} قال: عشر ذي الحجة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} قال: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هرون فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشراً، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري أبصر جبريل ، فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب فقال حين مضى ثلاثون ليلة: يا بني إسرائيل إن معكم حلياً من حلى آل فرعون وهو حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقها، فأتوه بما عندهم من حليهم، فأوقد ناراً ثم ألقى الحلى في النار، فلما ذاب الحلى ألقى تلك القبضة من التراب في النار فصار عجلاً جسداً له خوار، فخار خورة واحدة لم يثن فقال السامري: إن موسى ذهب يطلب ربكم وهذا إله موسى، فذلك قوله {أية : هذا إلهكم وإله موسى فنسي}تفسير : [طه: 88] يقول: انطلق يطلب ربه فضل عنه وهو هذا، فقال الله تبارك وتعالى لموسى وهو يناجيه {أية : قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً}تفسير : [طه: 85 - 86] قال يعني حزيناً . وأخرج أحمد في الزهد عن وهب قال: قال الرب تبارك وتعالى لموسى عليه السلام " مرْ قومك أن ينيبوا إلي ويدعوني في العشر ــ يعني عشر ذي الحجة ــ فإذا كان اليوم العاشر فليخرجوا إليَّ أُغْفِرْ لهم " قال وهب: اليوم الذي طلبته اليهود فأخطأوه، وليس عدد أصوب من عدد العرب . وأخرج الديلمي عن ابن عباس رفعه " لما أتى موسى ربه وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين يوماً وقد صام ليلهن ونهارهن، فكره أن يكلم ربه وريح فمه ريح فم الصائم، فتناول من نبات الأرض فمضغه، فقال له ربه: لم أفطرت ــ وهو أعلم بالذي كان ــ قال: أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفي طيب الريح . قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك، ارجع فصم عشرة أيام ثم إيتني. ففعل موسى الذي أمره ربه ــ فلما كلم الله موسى قال له ما قال . أما قوله تعالى : {ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه} . وأخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لما كلم الله موسى يوم الطور كلمه بغير الكلام الذي كلمه يوم ناداه، فقال له موسى : يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال : يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك ، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا: يا موسى صف لنا كلام الرحمن. فقال: لا تستطيعونه، ألم تروا إلى أصوات الصواعق الذي يقبل في أحلى حلاوة سمعتموه، فذاك قريب منه وليس به " . تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عطاء بن السائب قال: كان لموسى عليه السلام قبة طولها ستمائة ذراع ، يناجي فيها ربه عز وجل . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن كعب قال: لما كلم الله موسى قال: يا رب أهكذا كلامك؟ قال: يا موسى إنما أكلمك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسنة كلها، ولو كلمتك بكنه كلامي لم تك شيئاً . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن كعب قال: لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل كلامه ــ يعني كلام موسى ــ فجعل يقول: يا رب لا أفهم حتى كلمه آخر الألسنة بلسانه بمثل صوته، فقال: يا رب هكذا كلامك؟ قال: لا، لو سمعت كلامي أي على وجهه لم تك شيئاً. قال يا رب هل في خلقك شيء شبه كلامك؟ قال: لا ، وأقرب خلقي شبهاً بكلامي أشد ما سمع الناس من الصواعق . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: قيل لموسى عليه السلام ما شبهت كلام ربك مما خلق؟ فقال موسى : الرعد الساكن . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية قال: إنما كلم الله موسى بقدر ما يطيق من كلامه، ولو تكلم بكلامه كله لم يطقه شيء، فمكث موسى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين . وأخرج الديلمي عن أبي هريرة رفعه ، لما خرج أخي موسى إلى مناجاة ربه كلمه ألف كلمة ومائتي كلمة، فأول ما كلمه بالبربرية أن قال: يا موسى ونفسي معبراً: أي أنا الله الأكبر. قال موسى: يا رب أعطيت الدنيا لأعدائك ومنعتها أولياءك فما الحكمة في ذلك ؟ فأوحى الله إليه: أعطيتها أعدائي ليتمرغوا ، ومنعتها أوليائي ليتضرعوا . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عجلان قال: كلم الله موسى بالألسنة كلها، وكان فيما كلمه لسان البربر فقال كلمنه بالبربرية: أنا الله الكبير . وأخرج سعيد بن منصور وابي المنذر والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يوم كلم الله موسى كان عليه جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، وكمه صوف، ونعلان من جلد حمار غير ذكي . تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عبد الرحمن بن معاوية قال: لما كلم موسى ربه عز وجل مكث أربعين يوماً لا يراه أحد إلا مات من نور رب العالمين . وأخرج أبو الشيخ عن عروة بن رويم قال: كان موسى لم يأت النساء منذ كلمه ربه، وكان قد ألبس على وجهه بوقع فكاق لا ينظر إليه أحد إلا مات فكشف لها عن وجهه، فأخذتها من غشيته مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية عن وهب بن منبه قال: كلم الله موسى من ألف مقام، فكان كلما كلمه رأى النور على وجهه ثلاثة أيام قال: وما قرب موسى امرأة مذ كلمه ربه . وأخرج ابن المنذر عن عروة بن رويم اللخمي قال: قالت امرأة موسى لموسى: إني أيم منك مذ أربعين سنة فأمتعني بنظرة. فرفع البرقع عن وجهه فغشى وجهه نور التمع بصرها، فقالت ادع الله أن يجعلني زوجتك في الجنة. قال: على أن لا تزوّجي بعدي وأن لا تأكلي إلا من عمل يديك . قال: فكانت تتبع الحصادين، فإذا رأوا ذلك تخاطوا لها، فإذا أحست بذلك تجاوزته . وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو خيثمة في كتاب العلم والبيهقي عن ابن عباس قال: قال موسى عليه السلام حين كلم ربه: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: أكثرهم لي ذكراً. قال: أي عبادك أحكم؟ قال: الذي يقضي على نفسه كما يقضي على الناس. قال رب أي عبادك أغنى؟ قال: الراضي بما أعطيته . وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن. أن موسى عليه السلام سأل ربه جماعاً من الخير فقال: أصحب الناس بما تحب أن تصحب به . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أن الله تبارك وتعالى ناجى موسى عليه السلام بمائة ألف وأربعين ألف كلمة في ثلاثة أيام، فلما سمع موسى كلام الآدميين مقتهم لما وقع في مسامعه من كلام الرب عز وجل، فكان فيما ناجاه إن قال: يا موسى إنه لم يتصنع المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب إليّ المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم، ولم يتعبد المتعبدون بمثل البكاء من خشيتي. فقال موسى: يا رب ويا إله البرية كلها، ويا مالك يوم الدين، ويا ذا الجلال والإِكرام ، ماذا أعددت لهم؟ وماذا جزيتهم؟ قال: أما الزاهدون في الدنيا فإني أبيحهم جنتي حتى يتبوَّأوا فيها حيث شاؤوا ، وأما الورعون عما حرمت عليهم فإذا كان يوم القيامة لم يبق عبد إلا ناقشته الحساب وفتشت عما في يديه إلا الورعون فأني أستحيهم، وأجلهم، وأكرمهم، وأدخلهم الجنة بغير حساب، وأما الباكون من خشيتي فأولئك لهم الرفيق الأعلى لا يشاركهم في أحد " . تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " حديث : قال موسى : يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به. قال: قل يا موسى لا إله إلا الله. قال: يا رب كل عبادك يقول هذا ...! قال: قل لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا أنت يا رب، إنما أريد شيئاً تخصني به. قال يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله " . تفسير : وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن عطاء بن يسار قال: قال موسى عليه السلام: يا رب من أهلك الذين هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟ قال: هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حزب . وأخرج أحمد عن عمر أن القصير قال: قال موسى بن عمران: أي رب أين أبغيك؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعاً ولولا ذلك انهدموا . وأخرج ابن المبارك وأحمد عن عمار بن ياسر. أن موسى عليه السلام قال: يا رب حدثني بأحب الناس إليك قال: ولم...؟ قال: لأحبه لحبك أياه. فقال: عبد في أقصى الأرض سمع به عبد آخر في أقصى الأرض لا يعرفه، فإن أصابته مصيبة فكأنما أصابته، وإن شاكته شوكة فكأنما شاكته ما ذاك إلا لي، فذلك أحب خلقي إلي. قال: يا رب خلقت خلقاً تدخلهم النار أو تعذبهم؟ فأوحى الله إليه: كلهم خلقي، ثم قال: ازرع زرعاً. فزرعه. فقال: اسقه فسقاه، ثم قال: قم عليه فقام عليه فحصده ورفعه ، فقال: ما فعل زرعك يا موسى؟ قال: فرغت منه ورفعته : قال: ما تركت منه شيئاً؟ قال: ما لا خير فيه. قال: كذلك أنا لا أعذب إلا من لا خير فيه . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم " حديث : أن موسى عليه السلام قال: يا رب أخبرني بأكرم خلقك عليك . قال: الذي يسرع إلى هواي إسراع النسر إلى هواه، والذي يكلف بعبادي الصالحين كما يكلف الصبي بالناس، والذي يغضب إذا انتهكت محارمي غضب النمر لنفسه، فإن النمر إذا غضب لم يبال أَقَلَّ الناس أم كثروا. وأخرجه ابن أبي شيبة عن عروه موقوفاً " . تفسير : وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: سأل موسى عليه السلام ربه عزَّ وجل فقال: أي عبادك أغنى؟ قال: الذي يقنع بما يؤتى . قال: فأي عبادك أحكم؟ قال: الذي يحكم للناس بما يحكم لنفسه قال: فأي عبادك أعلم؟ قال: أخشاهم. وأخرج أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : إن موسى عليه السلام كان يمشي ذات يوم في الطريق، فناداه الجبار عز وجل: يا موسى، فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً ...! ثم ناداه الثانية: يا موسى بن عمران فالتفت يميناً وشمالاً فلم ير أحداً وارتعدت فرائصه ثم نودي الثالثه يا موسى بن عمران إنني أنا الله لا إله إلا أنا فقال: لبيك لبيك، فخر لله تعالى ساجداً فقال: ارفع رأسك يا موسى بن عمران، فرفع رأسه فقال: يا موسى إن أحببت أن تسكن في ظل عرشي يوم لا ظل إلا ظلي كن لليتيم كالأب الرحيم، وكن للأرملة كالزوج العطوف، يا موسى بن عمران أرحم ترحم، يا موسى كما تدين تدان ، يا موسى نبي بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد صلى الله عليه وسلم أدخلته النار. فقال: ومن أحمد؟ فقال: يا موسى وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منه ، كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السموات والأرض والشمس والقمر بألفي سنة، وعزتي وجلالي إن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها محمد وأمته . قال موسى، ومن أمة أحمد؟ قال: أمته الْحَمَّادون يحمدون صعوداً وهبوطاً وعلى كل حال، يشدون أوساطهم ويطهرون أطرافهم ، صائمون بالنهار رهبان بالليل، أقبل منهم اليسير وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله . قال: إجعلني نبي تلك الأمة. قال: نبيها منها. قال: إجعلني من أمة ذلك النبي . قال: استقدمت واستأخر يا موسى ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال " . تفسير : وأخرج أبو نعيم عن وهب قال: قال موسى عليه السلام إلهي ما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ قال: يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفي. قال: يا رب أي عبادك أشقى؟ قال: من لا تنفعه موعظة، ولا يذكرني إذا خلا . وأخرج أبو نعيم عن كعب قال: قال موسى : يا رب ما جزاء من آوى يتيماً حتى يستغني أو كفل أرملة؟ قال: أسكنه جنتي وأظله يوم لا ظل إلا ظلي . وأخرج ابن شاهين في الترغيب عن أبي بكر الصدريق رضي الله عنه قال: قال موسى عليه السلام : يا رب ما لمن عزى الثكلى؟ قال: أظله بظلي يوم لا ظل إلا ظلي . وأخرج آدم بن أبي أياس في كتاب العلم عن عبد الله بن مسعود قال: لما قرب موسى نجياً أبصر في ظل العرش رجلاً فغبطه بمكانه ، فسأل عنه فلم يخبر باسمه وأخبر بعمله ، فقال له: هذا رجل كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، بر بالوالدين لا يمشي بالنميمة. فقال الله: يا موسى ما جئت تطلب؟ قال جئت أطلب الهدى يا رب . قال: قد وجدت يا موسى . قال: رب أغفر لي ما مضى من ذنوبي وما غبر وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني، وأعوذ بك من وسوسة نفسي وسوء عملي . فقيل له : قد كفيت يا موسى. قال: رب أي العمل أحب إليك أن أعمله؟ قال: اذكرني يا موسى. قال: رب أي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال رب أي عبادك أغنى؟ قال الذي يقنع بما يؤتى قال: رب أي عبادك أفضل؟ قال: الذي يقض بالحق ولا يتبع الهوى قال: رب أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يطلب علم الناس إلى علمه لعله يسمع كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى. قال: رب أي عبادك أحب إليك عملاً؟ قال: الذي لا يكذب لسانه، ولا يزني فرجه، ولا يفجر قلبه. قال : رب ثم أي على أثر هذا؟ قال: قلب مؤمن في خلق حسن قال: رب أي عبادك أبغض إليك؟ قال: قلب كافر في خلق سيِّىء . قال: رب ثم أي عمل أثر هذا؟ قال جيفة بالليل بطال بالنهار . وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد . أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: إذا ذكرتني فاذكرني وأنت تنتفض أعضاؤك، وكن عند ذكري خاشعاً مطمئناً ، وإذا ذكرتني فاجعل لسانك وراء قلبك، وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذمَّ نفسك فهي أولى بالذم ، وناجني حين تناجيني بقلب وجل ولسان صادق . وأخرج أحمد عن قسي رجل من أهل الكتاب قال: إن الله أوحى إلى موسى عليه السلام: يا موسى إن جاءك الموت وأنت على غير وضوء فلا تلومن إلا نفسك. قال: وأوحى إليه أن الله تبارك وتعالى يدفع بالصدقة سبعين باباً من السوء، مثل الغرق والحرق والسرق وذات الجنب. قال: وقال له: والنار؟ قال: والنار . وأخرج أحمد عن كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى موسى : أن عَلِّم الخير وتعلمه فأني منوّر لمعلم الخير ومتعلمه في قبورهم حتى لا يستوحشوا لمكانهم . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة قال: لما ارتقى موسى طور سينا رأى الجبار في أصبعه خاتماً قال: يا موسى ما هذا؟ ــ وهو أعلم به ــ قال: شيء من حلي الرجال يا رب. قال فهل عليه شيء من أسمائي مكتوب أو كلامي؟ قال: لا. قال: فاكتب عليه {أية : لكل أجل كتاب} تفسير : [الرعد: 38] . وأخرج الحكيم الترمذي عن عطاء قال: قال موسى عليه السلام : يا رب أيتمت الصبي من أبويه وتدعه هكذا؟ قال: يا موسى: أما ترضى بي كافلاً .! وأخرج ابن المبارك عن عطاء قال : قال موسى : يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: أعلمهم بي. وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن وهب قال: قال موسى : يا رب إنهم سيسألنني كيف كان بدؤك ؟ قال: فأخبرهم إني أنا الكائن قبل كل شيء، والمكوّن لكل شيء، والكائن بعد كل شيء. وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الجلد. أن موسى عليه السلام سأل ربه قال: أي رب أنزل عليَّ آية محكمة أسير بها في عبادك. فأوحى إليه: يا موسى أن أذهب فما أحببت أن يأتيه عبادي إليك فأته إليهم . وأخرج أحمد عن قتادة . أن موسى عليه السلام قال: أي رب أي شيء وضعت في الأرض أقل؟ قال: العدل أقل ما وضعت في الأرض . وأخرج أحمد عن عمرو بن قيس قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي الناس أتقى؟ قال: الذي يذكر ولا ينسى . قال: فأي الناس أعلم؟ قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه . وأخرج أحمد وأبو نعيم عن وهب بن منبه قال: قال موسى عليه السلام: يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: من أذكر برؤيته . قال: أي رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذين يعودون المرضى، ويعزون الثكلى، ويشيعون الهلكى . وأخرج ابن المنذر عن قتادة قال: لما قيل للجبال أنه يريد أن يتجلى تطاولت الجبال كلها وتواضع الجبل تجلى له . وأخرج البيهقي في الشعب من طريق أحمد بن أبي الحواري عن أبي سليمان قال: إن الله اطلع في قلوب الآدميين فلم يجد قلباً أشد تواضعاً من قلب موسى عليه السلام فخصه بالكلام لتواضعه. قال. وقال غير أبي سليمان: أوحى الله إلى الجبال: إني مكلم عليك عبداً من عبيدي . فتطاولت الجبال ليكلمه عليها وتواضع الطور. قال إن قدر شيء كان ، قال: فكلمه عليه لتواضعه . وأخرج ابن أبي حاتم عن العلاء بن كثيِّر قال: إن الله تعالى قال: يا موسى أتدري لم كلمتك ؟ قال: لا يا رب قال: لأني لم أخلق خلقاً تواضع لي تواضعك . وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن نوف البكالي قال: أوحى الله إلى الجبال إني نازل على جبل منكم، قال: فشمخت الجبال كلها إلا جبل الطور فإنه تواضع . قال: أرضى بما قسم لي فكان الأمر عليه. وفي لفظ إن قدر لي شيء فسيأتيني، فأوحى الله: إني سأنزل عليك بتواضعك لي ورضاك بقدرتي . وأخرج الخطيب في تاريخه عن أبي خالد الأحمق قال: لما كلم الله تعالى موسى عرض إبليس على الجبل، فإذا جبريل قد وافاه فقال: أخّر يا لعين ايش تعمل ههنا؟! قال: جئت أتوقع من موسى ما توقعت من أبيه. فقال له جبريل: أخر يا لعين . ثم قعد جبريل يبكي حيال موسى، فأنطق الله الجبة فقالت: يا جبريل ايش هذا البكاء؟ قال: إني في القرب من الله ، وإني لأشتهي أن اسمع كلام الله كما يسمعه موسى. قالت الجبة: يا جبريل أنا جبة موسى ، وأنا على جلد موسى، أنا أقرب إلى موسى أو أنت، يا جبريل أنا لا أسمع ما تسمعه أنت .

السلمي

تفسير : قوله عز اسمه: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الآية: 142]. قيل لأبى بكر بن طاهر: ما بال موسى لم يَجع أربعين يومًا حين أراد أن يكلم ربه، وجاع فى نصف يوم حين أراد أن يلقى الخضر فقال: {أية : آتِنَا غَدَآءَنَا} تفسير : [الكهف: 62] الآية قال: لأنه فى الأول أنساه هيبة الوقوف الذى ينتظره الشراب والطعام، والثانى كان سفر التأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع فى أقل من نصف يوم، والأول كان أوقات الكرامة. قال جعفر: كان وعده ثلاثين ليلة فالتزم على ميعاد ربه وانتهى الأجل لقدومه فأخرجه عن حده ورسمه، وأكرم موسى بكلامه وبان عليه شرفه خارجًا عن رسوم البشرية حتى سمع ما سمع من ربه من غير نفسه وعلمه وغير وقته الذى وقته لقومه، دليلاً بذلك أن منار الربوبية خارج عن رسوم البشرية. وسمعنا بعض المتأخرين يقول فى هذه الآية: مواعيد الأحبة وإن أخلفت بها فإنها يُؤنس بها. وأنشد على أثره: شعر : أمطِليـنـــى وَسوّفــــى وعِدينـــى ولا تَفِـــــى تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} [الآية: 142]. قال محمد بن حامد فى قوله: {ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} قال: لم يزل الأنبياء والأولياء خلف يخلفهم فيمن بعدهم من أمتهم وأصحابهم، يكون هديهم على هديه، يحفظون على أمتهم ما يضعونه من سنتهم وأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان هو القائم بهذا المقام بعد النبى صلى الله عليه وسلم ولو لم يقم هو؛ لذهبت سنن منها محاربة أهل الردة وغير ذلك.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}. عِدَةُ الأحباب عزيزة، فإذا حصلت المواعدة بين الأحباب، فهي عذبة حلوة كيفما كانت، وفي هذا المعنى أنشدوا: شعر : أمطلينا وسَوِّفي وعِدِينا ولا تَفِي تفسير : ويقال عَلَّلَ الحقُّ - سبحانه - موسى بالوعد الذي وعده بأن يُسْمِعَه مرةً أخرى كلامَه، وذلك أنه في المرة الأولى ابتلاه بالإسماع من غير وعد، فلا انتظار ولا توقع ولا أمل، فأخذ سماعُ الخطاب بمجامع قلب موسى - عليه السلام - فعلَّق قلبه بالميقات المعلوم ليكون تأميله تعليلاً له، ثم إن وعد الحقِّ لا يكون إلا صدقاً، فاطمأن قلبُ موسى - عليه السلام - للميعاد، ثم لمَّا مضت ثلاثون ليلة أتى كما سَلَفَ الوعد فزاد له عشراً في الموعد. والمطل في الإنجاز غير محبوب إلا في سُنَّةُ الأحباب، فإن المطل عندهم أشهى من الإنجاز، وفي قريب من هذا المعنى أنشدوا: شعر : أقيمي لعمرك لا تهجرينا ومَنِّينا المنى، ثم امطلينا عِدينا موعداً ما شِئْتِ إنَّا نحبُّ وإنْ مطلت تواعدينا فإِما تنجزي وعدَكِ أو فإنا نعيش نؤمل فيك حينا تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. كان هارون - عليه السلام - حمولاً بحسن الخُلُق؛ لمَّا كان المرورُ إلى فرعونَ استصحب موسى - عليه السلام - هارونَ، فقال الله - سبحانه -: {أية : وَأَشْرِكْهُ فِيۤ أَمْرِي}تفسير : [طه: 32] بعد ما قال: {أية : وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً}تفسير : [القصص: 34]. ولمَّا كان المرور إلى سماع الخطاب أفرده عن نفسه، فقال: و {ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} وهذا غاية لحَمْلِ من هارون ونهاية التصبر والرضاء، فلم يَقُلْ: لا أقيم في قومك. ولم يقل: هلاَّ تحملني مع نفسك كما استصحبتني حال المرور إلى فرعون؟ بل صبر ورضي بما لزم، وهذه من شديدات بلاء الأحباب، وفي قريب منه أنشدوا: شعر : قال لي من أحب والبين قد حلَّ وفاقاً لزفرتي وشهيقي ما تُرى في الطريق تصنع بعدي قلت: أبكي عليك طول الطريق تفسير : ثم إن موسى لما رجع من سماع الخطاب، فرأى من قومه ما رأى من عبادة العِجْل أخذ برأس أخيه يجره إليه حتى استلطفه هارون - عليه السلام - في الخطاب، فقال: {أية : يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي}تفسير : [طه: 94]. ويقال لو قال هارون - عليه السلام: إن لم تعوضني عما فاتني من الصحبة فلا تعاتبني فيما لم أذنب فيه بحال ذرةً ولا حبَّةً.. لكان موضع هذه القالة. ويقال الذنبُ كان من بني إسرائيل، والعتاب جرى مع هارون، وكذا الحديث والقصة، فما كلُّ مَنْ عصى وجنى استوجب العتابَ، فالعتابُ ممنوعُ عن الأجانب.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} اى من سنة الله سبحانه اذا اراد ان يشرف عبد امن عباده بمقام لم يكن له ذلك وقربه منه وناجاه واظهر عليه عجائب ملكه وملكوته يصفيه عن كل كدورة ويخلصه عن كل همة ويروضه بانواع مجاهدة ويخلى بطنه عن الطعام والشراب الا ما يقوى به صلبه ليحرق بنيران الجوع غواشى قلبه وتقدس من قلبه مكان نظره ويغسل بمياه المجاهدة جوارحه ويزويه فى الخطوات ويشوقه بلطائف المناجاة الى المشاهدة وله اوقات وسعات لفتح اذان قلوب اوليائه وابصار ارواح صفيائه ليسمعها كلامه ويبصرها جماله وجلاله وتلك اوقات تضوع نسائكم بمطر مشاهدته خولاته ومناجاته لا يستنشق تلك الروائح الا المعترضون لها فى المراقبات والرعايات واخبر من تلك الاسرار سيد اهل الانوار صلى الله عليه وسلم بقوله ان لربك فى ايام دهركم نفحات الا فتعرضوا النفخات الله ومن تلك الاربعين صارت الاربعين سنة لاولياء الله فى بداية امرهم فى الحلوة والرياضاة يخولص نياتهم مع الله سبحانه لوجدان حكمته الازلية وانبائه العجيبة ومكاشفته البدعية لانها عرائس الله لاتنكشف الا المتفرد عن غير الله واخبر بشرائف ذلك النبى صلى الله عليه و سلم بقوله من اخلص لله رب رابعين صباحا ظهرت يتابع الحكمة من قبله على لسانه ما طاب زمان الوصال ومواعيد كشف الجمال لما طاب وقت كليم الله فى مناجاته حبيبه بعد تمام ثلثين ليلة لم يستوف وطره من لذيذ خطابه وطلف جماله فعلل بالسوال ليستزيد المقام فى شهود العين فعلم تعالى حرق شوقه ولهيب حزنه وزيادة عشقه محبته فزاد على اوقات الوصال بقوهل واتممناها بعشر وقال فتم ميقات ربه اربعين ليلة ومراده بالاربعين تواتر الحالات والاستقامة فى الورادات ليحتمل بعد ذلك بها وقات بديهات الكشوف وبروز انوار القدم ذكر القدم ذكر الليالى لخلو الاسرار عن الاغيار وصفاء المواصلة عن غبرا المخالفة فيالها من سماع ما اطيبه ومن خطاب ما الذه ومن جمال ما اشهاه ومن قرب ما لطفه شعر : فكانت بالعراق لنا لبال سلبنا هى من ريب الزمان جعلناهن تاريخ الليالى وعنوان المسرة والامان تفسير : وعده وجعل الايام الخطاب ميقاتا لمزيد شوقه وزيادة خمفه وهيجانه قيل لابى بكر بن طاهر ما بال موسى لم يجعل حين اراد ان يكلم ربه وجاع فى نصف يوم حين ارارد ان يلقى الخضر فقال أنا غداءنا الأية فقال لانه فى الاول انساه هيبة الموقف لاذى ينتظره لطعام والشراب والثانى كان سفر التايدب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع فى اقل من نصف يوم الاول كان اوقات الكرامة ولما اراد المسير الى الله والذهاب الى مواعد قربه ومناجاته جعل اتيته هارون خليفته فى قومه غيره على وقته وعلى محبوبه لئلا يكون مع غيره فى سماع اسرار الازل والابد بقله {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} استخلف هارون بالشريعة وانفرد عن مقام الحقيقة لان الحقيقة لا تقبل الغير فى البين ولا يكون العشق بالشريعة لان العشق يغير عن العاشق دون معشوقه وكان هارون علم غيره اخيه فاستقبل الخلافة ولم يعارضه ان كان ميل قلبه بصاحبته فى الحضرة ولكن تحمل من حلمه اثقال الفراق لصحة المواخاة وصدق الارادة قال الاستاد اكن المرور الى فرعون استصحب موسى هارون فقال الله سبحانه اشركه فى امرى ولما كان المرو الى سماع الخطاب افرده عن نفسه فقال اخلفنى فى قومى وهذا غاية الحلم من هارون ونهاية الرضا وهذه من شديدات بلاء الاحباب وفى قريب منه انشد وقال لى مراحب شعر : والبين فوجدوا دمعى موافق الشهيقى ما ترى فى الطريق تصنع بعدى تفسير : قلت ابكى عليك طول الطريق وفى الأية دليل ان للاولياء خلفاء ونجباء ونقباء يستنون بسنتهم ويقتدون ويقتدون باسوتهم ويبلغون الى درجاتهم بصدق ارادتهم قال محمد بن حامد لم يزل الانبياء والاولياء خلفاء يخلفهم فيمن بعدهم من امتهم واصحابهم ويكون هداهم على هداهم يحفظون على امتهم ما يضيعونه من سنتهم وان اباب كبر كان هو القائم بهذا المقام بعد النبى صلى الله عليه وسلم ولو لم يقم هؤلاء يثبت سنين منها محاربة اهل الردة وغير ذلك ولما خجر من اوطان البشرية وترك علتها ترفق واستقام فى الشوق الى المشاهدة وهرب الى الخالق من الخليقة اخبر الله سبحانه عن ذهاب كليمه اليه والى ميقات قربه وصاله بوعده بقوله {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} كيف له ميقات وليس عنده مساءء ولا صباح ازله ابده وابده ازلة اراد انفراده عن كل مراده وبلوغه الى كمال تربيته ليقوى ان يقف على مسيل فلزم القدم وعلى مصب طوفان الازل وعلى مهب صرصر العظمة ولو انه تعالى كساه انوار قربه ولذاب فى يمقات ربه وقت وقتاله ميعينا لنيل مراده وذلك علة لبقاء البشرية والا لكل نفسه له فيه وقت وكشف وخكاب جاء لميقاتنا واحتجب عنا بالميقات ولو جاء لنا صرفا ما احتجب عنا اسرى حبيبه الى الملكوت بالبديهة الا بالميقات وسرى به اليه ولم يبق فى همته ذكر الزمان والمكان من استغراقه فى بحر هموم طلبه رؤية القدم بلا سوال والا حركة والا اشارة ولا عبارة ولا جرم لم يبق بينه وبين الله وقت ولا زمان ولا مكان واراده بعين وهيها له منه واسمع كلامه يسمع اعطاه اياه منه خص فى الازل الكليمه بسماع كلامه قال تعالى {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} لما لم يجد فى مسامع اسراره مساع حديث النفس والوسواس البس سمعة لباسا من سمعه فاسمع كلامه بسمعه ولولا ذلك كيف يسمع كلام القديم بسمع المحدث وفى قوله تعالى وكلمه ربه اشارة الى تفضله لموسى لما جاء بنعت الشوق والهيمان والعشق والهيجان بخطرات الوالهين الى موعد رب العالمين وصار موسى فاينا عن موسى ولم يبق فى موسى ارادة موسى بنعت التحير فى موقف الفناء على جناب القدم والبقاء ولم يعلم من تحيره اين هو وايش يطلب وابن يفر حيث لا حيث علم سبحانه انه فى ذهاب الذهاب فكلمه بالبديهة فطار سر موسى فى هواء وطار روح موسى فى سماء الديمومية وطار عقل موسى فى فقار الاحذية وطار قلبه فى انوار الوحداينة وكان كلاشى الاول كلام التعظيم والهيبة والاخرة كلام اللطف والبسط ففنى فى الاول وبقى فى الثانى ولولا لطفه وكرمه بكليمه كان يتلاشى فى اول خطاب ولكن من عطفه ورحمته اسمع عجائب كلامه كليمه ليعرفه بكلامه لان كلامه مفاتيح لكنوز الصفات والذات ولولا اصطفائيته الازلية لموسى واختياره بالتكليم معه وانه لم يخل فى طول عمره عن كلامه ووحيه والهامة فى كل نفس لم يبق فى الميقات عند بجهة خطابه اثره وبصفة لذى كلامه وحلاوة خطابه يا ليتنى لو ان لى لسانا -----من السنة القدم لاصف به تلك الحلاوة لكن لا يفهم من لم يذق طعمه ولما طلب وقته من لذيذ خطابه سكر من شراب بحر وصاله هاج شوقه الى طلب مزيد القرية وكشف المشاهدة فاطلق لسان البسط وخطا خطوات الانبساط وهنك سرت الحياء عن وجه المحبة وغاص فى بحر الجرأة حتى كان خاله ما اخبر الله سبحانه عند بقوله {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} غلب عليه مواجيد الوصالية فخرج من مشيمة الامر واسقط فى مقام العشق والسكر رسوم الادب فسكره استنطقه بطلب دنوا الدنو وشهوده عين لان نسيم برد المشاهدة يحويه بلطائف الوصلة فلم يبق له قرار لوم يجد من سكان السكر مفرا وكيف يكون للعاشق عن طلب مشاهدة المعشوق فى فنائه حيث دنا الشائق من المشوق واشند فى معناه شعر : وابرح ما يكون الشوق يوما اذ ادنت الخيام من الخيام تفسير : والله لولا موسى راى جمال الحق فى كشوفات الغيبة بفنون الوان قمص الصفاتية وبروز سبحات الذاتية ولولا ان رأه فى مقام الالباس فى رؤية ولولا ان الرؤية حق الابصار نظر المرعفة ما سال كليم الله ما خفى عن الخليقة فلولا رجاء الوصل ما عشت ساعة ولولا مكان الطيف لم اتهجع لم يذق الله طعم وصاله من له منية غير لقائه شعر : منائى من الدينا لقاؤك مرة فان نلتها استوميت كل منائنا سلبت فوادى كى تكون مكانه فكونى او فاردد على فواديا تفسير : قال جعفر الصادق اسمع الحق عبده موسى كلامه بلسان الرحمة ولاعطف اولا لانه مردود بنفسه الى الله ثم اسمعه بلسان جوده وكرمه ثانيا وهو ايضا مردود الى نفسه قال ابو سعيد الخراز من غيرة الله تعالى انه لم يلكم موسى الاجوف الليل وغيبة عن كل ذى حس حتى لم يحضر كلامه معه احد سواه وكذلك محادثته مع الانبياء وقال القرشى انما كلم الله موسى باياه ولو كلم على حد العظيمة لذاب وصار لا شئ قال جعفر سمع كلامه خارجا عن بشريته واضاف الكلام اليه وكلمه من نفسية موسى وعبدوتيه فغاب موسى عن نفسه وفنى عن صافته وكلمه ربه من حقائق معانيه فسمع موسى صفة مسوى من ربه ومحمد سمع من ربه صفة ربه فكان احمد المحمودين عند ربه ومن هذا كان مقام محمد المنتهى ومقام موسى الطور ومذ كلم الله موسى على الطور افنى صفتها فلم يظهر فيها الثبات ولا تمكين لاحد عيها قال الحسين فى هذه الأية قال ازل عنه التوقيف والترتيب وجاء الى الله لله على ما دعاه اليه واراده له واجده عليه واوجده منه واظهره عليه ببذل الجهد والطاقات وركوب الصعب والمشقات فلما لم يبق عليه باقية بها يمتنع ايقم مقام المواجهة والمخاطبة واطلق مصطغة لسان المراجعة والمطالبة اما سمعت قوله قبل هذا الحال طالبا منه لما طولع بحال الربوبية وكوشف بمقام الالوهية سائلا حل عقده من لسان ليكون اذا كان ذلك مالكا لنطقه وبيانه وقيل لما سال ملكيه شرح صدره ثم نظر الى ليق الاحوال به فاذا هو بتيسر امره فسال ذلك على التمام ليستر فى به حاله الى رفع المقام وهى المجئ الى الله لما علم ان من وصل اليه لم يعرض عليه عارضة حينئذ صلح المجئ الى الله وحده بلا شريك ولا نظير وكان من وفى المواقيت حقها غابت عنه الاحال فلم يرها ودهبت عن غيبة وظهوره وما عداها الا ما كان للخلق منه ومعه حتى تحقق بقوله قد اوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة اخرى فهذا حال المجئ وهذا معنى قوله ولما جاء موسى لميقاتنا وقوله كلمه ربه ان انفرد بكلامه لانه كان قبل ذلك مكاما بالسر والسفراء والوسائط فلما اتى الله تعالى به الى المقام الاجل وحققه بالحال الاعظم الا رفع خاطبه مكلما على الكشف وغيبته عن كل عين رائية ومرئية وكل صورة مكونة ومنشاه الا ما كان من المكلم وافرد الله عنده بالشرف الاعظم فسمع خطابا الا كالمخطبات فاهتاج منه وله عند ذلك طلبا لا كالمطالبات واقتضى من اله لم يكن قيل يقتضيه فلذلك لك سال النظر اليه اذا رجع الى حقيقة فراى الله فى كل منظور له ومنصور قلما تحققت له هذه الاحوال قال رب ارنى انظر اليك فان فى كل مرئى راجع اليك اى ارنى ما شئت فلست ارى غيرك مابلى اذ تحققت بما حققتنى به انك غير مزائلى الم يدلك على ذلك خطابه ورجعته اليه اذذاك جوابه ارنى فاليك انظروا حضراتى ماشئت فلست غيرك احضر بعد ان تحققت منك بحال يوجبنى منك ذاك وحق لمن تحقق بهذا او تمكن فيه ان ينفرد بسؤال لا يشارك فيه بالحقيقة ويقال صار موسى عند سماع الخطاب عبين السكر فنطق بما نطق والسكران لا يوخذ بوقله الا ترى انه ليس فى نص الكتاب معه عتبا بحرف ويقال اخذته عزة السماع بخرج لسانه عن طاعته جريا على مقتضى ما صحبه ولكن حاجة الى الله فانى اريد ان امضى الى مناجاته ثم انه لما جاء سمع الخطاب لم يذكر ما دبره فى نفسه وتحلمه من قومه وجمعه فى قلبه سينا ولا حرفا بل نطق بما صار فى الوقت غالب قلبه فقال ارنى انظر اليك وفى معناه انشدوا شعر : فباليلكم من حاجة لى مهمة اذا جئتكم لم ارد يا ليل ماهيا تفسير : ويقال اشد الخلق شوقا الى الحبيب قربهم من الحبيب هذا موسى كل غريق الوصلة واقفا لى محل المناجاة محدقابه سجرف التولى غالبا له بذهاب الوجد فى عين ذلك كان يقول ارنى انظر اليك كانه غائب عن الحقيقة لا ولكن ما اداد القوم شربا الا ازداد واعشا ولا اداد واقربا الا اداد واشوقا لانه لا سبيل الى الوصال بالكمال الحق سبحانه لقبول اسرار اصفياه عن مداخل الملال ويقال فمال موسى بلسان الافتقار رب ارنى انظر اليك فلا اقل من نظرة العبد قتيل هذه القصة هو بل بالرد وقيل لن ترانى فكذا قهر الاحباب ولذلك قائلهم شعر : جور الهوى احسن من عدله ونجله اظرف من بذله تفسير : ويقال لما سمعت همته اذا اسنى الطلبات وهى الرؤية قوبل بان فلما رجع الخلق قال للخضر هل اتبعك على ان تعلمن مما علمت رشد قال الخضر له لن تستطيع معى صبر ---- فصار الرد موقوفا على موسى منا لحق وم الخلق ليكون بلا موسى صافيا عذوبا عن كل نصيب ---- وفى قريب منه انشدوا شعر : اننى اتينا نحن اهل منازل ابدا غربا البين فينا ينعق تفسير : ويقال طلب موسى الرؤية وهو بوصف التفرق فقال ارنى انظر اليك فاجيب بلن عين الجمع اتم من معين التفرق فدع موسى حتى --صعقا والجبل يصير مكاثم الروح بعد وقوع الصعقة على القالب بكاشف بما هو حقائق الاحدية وكون الحق لموسى بعد امحاء معالم مسوى خير لموسى من بقاء موسى لموسى وان على التحقيق شهود الحق بالحق ام من بقاء الخلق بالخلق لذا قال قائله لو جوهها من وجهها قمر ولعينها من عينها كحل ولى ههنا لطيفة فى قوله ارنى انظر اليك اضاف رويته الى الله لا الى نفسه حيث قال ارنى اذا تربنى جمالك اطيق ان انظر اليك والا فلا فانه كان لى عالما عين حديثه لا نحصل رؤية القدم سفاله منه تعالى عينا يراه بها وبها يرى عين العين وكنه الكنة وقدم القدم وسر الذات وحقيقة الحقيقة لا انه لم يره لان جميع ذرات موسى يرى الله فلما غلب سكره وزاد شوقه سقط عنه رسوم العلم وبقى معه صرف العشق فتحرك لسان البسط بطلب الاطلاع على الحقيقة فاجابه الحق سبحانه فقال لن ترانى لن تدركنى كم انا فان معك فى الين واسطة الحدث وان كان معك منى عيون الازلية وابصار الابدية فاحاله الى واسطة بقوله انظر الى الى الجبل وايضا ليس قوله لن ترانى نفى الرؤية عن موسى وغيره من المؤمنين لان قوله لن ترانى اى لن ترانى باياك ولكن ترانى باياى وصدق الله بهذا الخطاب وكيف يراه بين محجوبه بعوارض البشرية رأه به بالغير فاذا رأه به ارى الحق الحق لموسى ورؤية الله مشاهدته وجلاله لموسى اعظم من رؤية موسة لموسى وايضا لن ترانى من حيث انت اذا انت لن ترانى بوصف اقدم والبقاء وسطوات العظمة والكبرياء ما دامت انت انت انظر الى مثلك فى الحدوثية وهو الجبل انظر الى الجل فان فيك علة الحدث ولا ترينى الا بواسطة الحدث فجعل الجبل مراة من فعله فتلجى من صفته لفعله الخاص ثم للجبل فرانى مسوى جمال القدم فى مراة الجبل فخر انه وصل الى مقصوده على قدر حاله ولو تجلى لموسى صرفا لصار مسوى هباء ولو تجلى للجبل صرفا الاحتراق الجبل الى الارض السبعة لانه تعالى تجلى للجبل من عين العظمة وسبحات الازلية ولذلك قال عليه الصلاة والسلام حجابه بنور لو كشفه لاحرقت سحبات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه وقال عليه الصلاة ولاسلام اذا تجلى الحق بشئ خضع له قال تعالى جعله دكا وخر موسى صعقا قال وهب امر الله ان يحمل عرشة ملائكة السماء السابقة قال اروه فلما بدا نور العرش انفرح الجبل من عظمة لارب ورفعت ملائكة السموات اصواتهم جميعا فارتج الجبل واندك وكل شجرة كانت فيه وحر العبد الضعيف موسى صعقا على وجهه ليس معه روحه فقلب الله الحجر الذى كان عليه موسى وجعله كهيئة القبة لئى يحترق موسى ولذلك قال له سبحانه فى تعريفه عظمته وجلاله وغلبة قهر ان كبريائه على كل شئ قال{فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} اى انا اتجلى من نور عظمتى للجبل لك ولا تستقر الجبل التجلى مع عظيم اجزائه وصلابة وجوده فكيف تحمل صورتك الضعيفة اثقال عزتى لو تريد ان ترانى انظر الى بعين روحك وقلبك فانى تجلى لهما بحسن جمالى ولطف جلالى وقلبك وتسع ذلك التجلى لانه خلق من نور ملكوتى ورقمته بنور جبروتى وفى ذلك نطق على لسان نبيه عليه السلام حيث حكى عنه تعالى بقوله لم بقوله لم يسعنى السموات والارض ويسعنى قلب عبدى المؤمن وايضا طلب موسى رؤية الحق بعين الظاهر وهناك عينه محجوبة عن فواده فاحتجبت عن رؤية وكان فواد محمد صلى الله عليه وسلم فى عينه حين شاهد جمال الحق سبحانه فرأه بالفواد وبالعين قالع تعالى فى وصفه ما كذب الوفاد ما راى قبل ما كذب فواده المكوتى فى عينه وقت تجلى الجلال وكشف الجمال يراه كفاحا بلا حجاب فان لله عبادا كى نور جماله افئدتهم وكحل ابصار اسرارهم بكحل الملكوت والجبروت فتدخل القلوب بنور الغيوب فى عيونهم فلا يرون شييئا من العرش الى الثرى الا ويرون جلال الله تعالى فيها كما قال بعض العاشقين ما نظرت الى شئ الا ورايت الله فيه كان موسى غائبا فى بحر صفات الحق ومستغرقا فيها ولم يعلم ابن هو ظن انه غائب من دوام شهوده مشاهدته عنه فسال الروية فقيل له لن ترانى كانه استفهم اين انت حيث انا انت وانت انا وانشد فى معناه بعض الشعراء شعر : كثر العيان على حتى انه صار اليقين من توهما تفسير : فلما رأه غايا اراد ان عرف مكانه فاحال الى الواسطة ليعرف قدر الوصل فى البين وتعرف مكانه من المشاهدة {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} عرف الجبل ان التجلى له عارية بينه وبين التجلى حجاب امتناع الاحدية عن مباشرة الخليقة اندك من حسرة فوت التجلى فلما راى مسوى تجلى الحق بالواسطة عرف انه سقط من مقام الاتحاد وغيبوبته فى الصفات وارتهن بعلمه سواله بالواسطة فخر صعقا من حسرة فوت المقام انشد الحسين فى هذا المعنى شعر : مالى جفيت وكنت لا اجفى ودلايل الهجران لا تخفى واراك تسقينى فتمزج لى ولقد عهدتك شاربى صرفا تفسير : هذا معنى قوله تعالى {جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} فادركه لطف البارى سبحانه واحياه بروح المشاهدة {فَلَمَّآ أَفَاقَ} علم انه مقصر من معرفة المقام وما كن فيه فاعتذر {قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وايضا كان فى بحر الصفات على محل شهود نعوت الازلية فتقاضى سره ادراك حقائق الذات بعد فنائه فى الصفات فاسقط عن مقامه غير ذات الازلى حتى صيرته بنعت البشرية وردته الى مقام االبداية فعلم فى الصحو ما اخطافى السكر من طلب الاطلاع على كنه القدم فقال سبحانك من ادراك الحدث قدمك وجلال ازليتك تبت اليك مما طلبت فانا اول المقربين بان لا ثبت اقدام الحدثان على صفوان الازل ولا تستقر حثالة الخليقة عند هبوب عواصف القدمية عنها لما رجع صار فى مقام لا احصى ثناء علك علم السيد عليه السلام هذا المقام فى اول هشوده عين لكل فقال لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك قبل علة الفناء والامتحان وعلم موسى هذا المقام بعد الامتحان والفناء ولم علم فى الاول ادرك ما ادرك النبى صلى الله عليه وسلم تاب موسى مرة من ها المقام وتاب الحبيب عليه السلام من هذا المقام فى كل يوم سبعين مرة قال انه ليغان على قلبى وانى لا ستغفر الله فى كل يوم سبعين مرة كان عينه نكرة القدم فتاب من تقصير عن معرفة حقائقه فرعاه الحق برعاية الكرم وعفاه عن ادراكه كنه القدم بقوله غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تاخر اى من تقصير ادراكك كن القدم حيثا حاله بعد سواله كشف جماله الى رؤية الوسائط بقلوه انظر الى الجبل اى تبت من دعوى عشقك والشوق الى جمالك بالحقيقة فلو كنت متحققا فى جبل لم التفت الى غيرك سواله فى مقام السكر لذلك نطق بلسان السكارى فقال رب ارنى انظر اليك فلما سمع لن ترانى صار صاحبا لم ينطق بلسان البسط عبد ذلك فصرفه بالنظر الى الجبل فتابع امر قوله انظر فامتثل الامر وما كان فى محل السكر ما نظر الى الغير ولم يكن ماخوذ بجارته وانباسطه فلما رجع من السكر الى الصحو ورجع من الحيقة الى الشريعة احتمل الجنايت واعترف بتقصيره بنظره الى غيره قال تبت اليك وايضا اى سبحانك من ان كيون لك فى مواهبك له علة الاكتساب تبت اليك من قولى انظر اليك بعد قولى ارنى ولو اكتفيت بارنى ما احتجب الى التوبة ولكن لما ذكرت فعل عينى بقولى انظر تبت اليك فاين الحدث من استجلال القدم اليه وادق الاشارة اى تبت اليك من اشارتى الى نفسى فى سوالى بقولى ارنى ومن انا حتى انظر اليك الأن تبت لا راك بك لابى عبد ان فنيت فيك شعر : فترى عينك جمالك لى لابى بينى وبينك انى ينازعنى تفسير : فارفع بانك اننى من البين ولذلك غار عليه ملائكة الملكوت حين صعق روى فى بعض الكتب ان ملاكئة السموات واتو موسى وهو مغشى فجعلوا يركلونه بارجلهم ويقولن ي ابن النساء لاحيض اطمعت فى رؤية رب العزة كان الملائكة معذورين فانه ممنوعون من قوام القرب مقرعة حوف العظمة ولم يعلموا ان هذه القصة وقعت على العاشقين الذين اصطفاهم الله فى الازل بمحبته وعشقهم فى ازلة بعشقه وشوقه عشقهم به وشوقهم الى جماله وبانبساطه معهم جعلهم منبسطين اليه حتى سالوا ما لم يطمع فيه الكروييون والروحنيون ولم يلعموا ان موسى راه مناه كما اراد ازل والاباد وانكشف له سر الاسارار فالملائكة عدوا من وراء حجاب الفعل فى مقام الشريعة وكان موسى فى حجر الوصلة غائبا عن الخيلقة ولو شاهدت الملائكة ذرة من حاله لصعقوا واحترقوا جميعا والحمد لله الذى خص بديع فطرته وذريته بهذه المثابة دون غيرهم وايضا الى نكته عجيبة لما وجد حلاوة خطاب الازل واستحلاه طمع الرؤية لزيادة حلاوته وودان لذته فلصعقه غيره الازل من سكوته عنه به وعما وجد من برد نسيم وصلته فلما افاق بعد انقطاعه من حلاوته واحتراقه بينران غيرة توحيده ووحدانيته قال سبحانك من ان يطلبك احد بحظه ولحظه وثبت اليك ان لا اسالك فردا بفرد فان حلاوة المشاهدة حجاب المشاهدة الا ترى الى قول بعض الموحدين فى وصف موحدة حيث وصفته فقال سبحانه من حسنة حجاب حسنة قال بعضهم فى قوله لن ترانى ولكن انظر الى الجبل فهواشد منك جسدا واعظم منك خلقا واهيب منك منظر فان ثبت لرؤيتى تثبت ولا يحلمنى ولا يصبر على مشاهدتى شئ الا قلوب العارفين التى زينتها معرفتى وايدتها بانواع كراماتى وقدستها بنطرى ونورتها بنورى فان حملنى شئ وصير لمشاهدتى فتلك القلوب دون غيرها لذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجه كل شئ ادركه بصره ثم اذا حملنى فتلك القلوب وصبرت لمشاهدتى وانا حامى لا غير ادبى حملنى وباياى صبر لمشاهدتى فلا مشاهد للقح سواه جل ربنا وتعالى وقال ابن عطا شغله بالجبل ثم تجلى ولو لم يشغلع بالجبل لمات وقت التجلى وقال الحسين فى قوله لن ترانى لو ترك على لك ليقطع شوقا ولكن سكنه بقوله ولكن وقال ابن عطا انبسط الى ربه فى معانى الرؤية لما ظهر عليه عن الكلام ولم ينظر باياه الا تراه انه لما رجع الى وصفه رجع الى وائل لمقامات فقال تبت اليك قال النصر ابادى ما قطع موسى عن الرؤية الى نظره الى الجبل والو تحقق بسوال الرؤية لما كان يرجع منه الى شئ سواه قال الواسطى لن الى قوت ولا على الابد قال جعفر شغله بالجبل ثم تجلى ولولا ما كان من اشتغاله بالجبل لمات موسى صعقا وقال الواسطى فى قوله جعله دكا صار الجبل كان لم يكن قط ولا عجب لهيبة ما ورد عليه قال ابو سعيد القرشى الجمال صعقا وكان اخره عده بالنساء ولم يتهيا لاحد ان ينظر فى وجهه قال الواسطى وصل الى الخلق من صفاته ونعوته على مقاديرهم لا بكلية الصفات كما ان التجلى لم يكن بكلية الذات وقال ايضا قالوا الى نقيت التجلى والله يقول فلما تجلى ربه للجبل وقال النبى صلى الله عليه وسلم ان الله اذا تجلى لشئ خشع له قلت ذلك على التعارف ومقادير الطاقات اليسن بمستحيل ان يقال تجلى الهواء لذرة واحدة ولو احتجب لساوها ولو تجلى القاء ربها وهو اجل من ان يخفى ويستروا عز من ان يرى ويتلجى الى وقت الميعاد تنزيه عن ان يقع عليه الا بلفظ بمانيها او تقع تحت الا لنسة باماليها قال وقرئ بين يدى الجنيد فلما تجلى ربه للجبل جعله دكما فصاح وقال بالجهل صار دكما بالتجلى اذ لو وقع عليه اثار التجلى افناه بكيف التجلى وقال شيخنا وسيدنا محمد بن خيفف قدس الله روحه فى قوله سبحانه تبت اليك وانا اول المؤمنين لما قال فان استقر مكانه فسوف ترانى قال تبت اليك من ان لا اصدقك بكل ما ورد منك طالبك بالعلامات وذلك لما اقل ارنى انطر اليك قال لمن تراه لم يكفه حتى نظر الى الجبل فلما لم يقل موسى كفانى قولك لن ترانى حتى تنظر الى الجبل فالتوبة من هذا وقال بعضهم سبحانك تبت اليك ان اسالك خطابى اذ لا يحيط بك احد ولا يشهد غيرك وقال الواسطى لم يزل المقصود ممتنعا من الاستغراق الى الا تلى الى قول موسى سبحانك تبت اليك قيل معناه لن ترانى بالسوال الدعاء وانما ترانى بالنوال والعطاء لانه لو اعطاه اياه لسواله لكانت الرؤية مكافة السوال ويحوزان ان يكون فعله مكافة فعل عبده ولا يجوز ان يكون ومكافاة فعل عبدة قال بعضهم برق برقة من النور فصاحت الجبال وانقطعت وغارت البحار واتحمدت النيران وانكشف الشمس وصعق موسى فكيف كان يطيق موسى ويثبت لما لم يثبت لها الجبال الرواسى وانما كانت برقة روى انس عن النبى صلى الله عليه وسلم انه قرأ هذه الأية فقال هكذا ووضع الابهام على مفصل الا على من الخضر وخر موسى صعقا فانما نظر الى اوليائه بالخصوصية من وراء الحجاب اذا اقبل عليهم بالرحمة والمحبة فهناك يصل اليهم العلم الكثير والفوائد قال على عن ابيه عن جعفر قال لما سمع الكليم الكلام واستولى على لك المقام سمع كلام الملك العلام قال بلسان الذلال على بساط الوصال تحت ظلال الجلال ارنى انظر اليك فانى بين يديك فاجابه ربه لن ترانى الان فى غير الوقت بل تارنى ببرهانى وشواهدى فانك الأن لا تحتمل نور جلالى وسلطانى ولكن انظر الى الجبل لترى عجائب قدرتى فلما تجلى ربه للجبل جعله دكما فصار باربع قطع وتبددت فى اربع مواطن فتقطع قلب موسى باربع قطع قطعة سقطت فى بحر الهيبة وقطعه سقطت فى روضة المبحة وقطعة سقطت فى بساتين روية المنة وقطعة سقطت فى اودية القدرة فلما افاق خرج عن الشدة وصاح اليه بالتعظيم بلسان الحياء تبت ان اسالك سوال المحال فى غير الوقت وقال ابن عطا علم الله تعالى منه عجزه عن اقامة حق ارادته وما طلبه فقال لن ترانى ولكن انظر الى الجبل فلما راى الجبل قد صارد دكا صعق ولو صحت منه تلك ارادة وذنك السوال لما كان نردعه عن ذلك الف صعقة بل كان يقول على مراده وسواله وطلبته سئسل الحسين بن منصور لم طبع موسى فى الرؤية وسألها قال لانه الفرد للحق فانفرد الحق به فى جميع معانيه وصار الحق مواجهة فى كل منظور اليه ومقابله دون كل محظور لديه على الكشف الظاهر اليه لا على التغيب فذلك الذى حلمه على سوال الرؤية لا غير قال ابو عثمان المغربى لما قال موسى رب ارنى انظر اليك قال الهل ياه وأمنى اضرب بعصاك الجبل فضرب عصاه الجبل فظهر سبعون الف بحر فى كل بحر سبعون الف جبل على كل جبل الف موسى عليهم الكساء وبايديهم العصاء يقولون كلهم ارنى انظر اليك فلما راى ذلك خر موسى صعقا افاق قال سحانك تبت اليك وانا اول المؤمنين ايطمع فى ليلى وتعلم انها تقطع اعناق الرجال المطامع ثم ان الله سبحانه لما ابقى موسى فى درك حيرة رؤية الازل واستغراقه فى بحار الشوق الى وجهه تلطف عليه وتسلى قلبه بتعريف منه الشاملة عليه ليكون شاكر الانعامه ومتسليا بتدارك قلبه باكرامه فقال {إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} اى سبقت لك فى الازل اصطفايتك المقدسة عن علة الحدث برسالتك منى الى احبائى وتلك الراسلة شاملة لجميع ما يتوقع فيه الاولين والأخرون من الدنو ودنو الدنو والقرب وقرب القرب والوصال وكشف الجمال لانها محل الاستقامة ووجدان جميع المنية وايضا سبقن لك الاصطفائية بان تسمع منى كلامى بلا واسطة وتعلم منه اسرار ملكى ومكلوتى البستك من فعلى الباس الرسالة ومن انوار كلامى وصفتى لباس الربوبية فصرت موصوفا بصفتى حين اصطفيك فوقعت فى نور فعلى ثم وقعت فى نور صفتى حتى صرت فى معنى الانصاف مشاهد الذاتى ولا تخلوا شعره من جسدك الا ولها عين من عيونى فتارنى بتك العيون فايش تطلب منى بقولك اوفى كن فى الشاكرين فيما اعطيناك من هذه المنازل السنية والمراتب الرفيعة ولا تكن مهتما من قلة ادراك غوامض بطون قدمى وازلى وقال بعضهم الاصطفائية اورثت التكليم والكلام لا التكليم اورث الاصطفائية وقيل فى قوله خذا ما أتيتك من عطائى وكن من الشاكرين لامن المدعين المختارين فما سبق منى اليك اكثر مما اخترته لنفسك وقال بعضهم لما قال الصطنعتك لنفسى اورث الاصطناع والاصطفائية وكنت مصطفا وعلى الخلق لا بسابقة سبقت لك الى بل بسابقة منى اليك وايضا كن من العارفين بمشكورك فان المعرفة بالمشكور هو الشكر لا غير وقال الاستاد فى قوله وكن من الشاكرين اشارة لطيفة قال لا تكن من الشاكين ولا ممن يشكو يعنى ان منعنك عن سوالك ولم اعطك مطلوبك لا يشتكى اذا انصرفت وانشد فى معناه ان اعرضوا فهم الذين تعطفوا كم قد وقوا فاصبر لهم ان خلفوا ثم ان الله ذكر زيادة نعمة عليه بان عرفه مواضع حقائق علومه الغيبية واسراره العجيبة وابنائه الغربية الازلية بقوله {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} وفى قوله كتبنا له اشارة عجيبة اى كتبنا اسرارنا لانه اهلها عارف بها وغير مقلدة لان اسرار الخطاب اشارت الازلية الى حكم الابدية ولا يعرفها الا من كان مصطفى ومصطنعا لها ولذلك قال اصطنعتك لنفسى اصطفيتك على الناس برسالتى وبكلامى ومعنى قوله كتبنا له فى الالواح من كل شئ اشارة الى الواح الصفات والذات كقوله {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : الى خصصناه بما فى علومنا الازلية فى الازل وايضا اى كتبنا فى الواح انوار قلبه من نقوش حروف اسرار الوحدانية ومن كل شئ اشارة الى علوم الذات والصفات والافعال لانه تعالى شئ الاشياء اى علماه علم ما كان وما سيكون من العرش الى الثرى موعضة بلسانه للعارفين والعاشقين والمشتاقين الذين يتعرفون طرق وصالنا وتفصيى لكل شئ اى مبين غوامض بطون الاشياء ومفسر اشارات السرمدية الازلية فلما اقدار كلامه فى قلبه وعينه وعرفهما مكان شكره امرة ان يقبل اليه به الا بنفسه ليعرف به لا بنفسه ويعمل به لا بنفسه بقوله {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} اى هذا اثقال الربوبية ومرحاء امر الازلية فخذها بقوة فواى حين تفر من نفسك ومن غيرى الى بالاستعانة بى واقتباسك قوة ونصرة منى فخذها بتلك القوة الاليهة لا بقوة نفسك فان قوة نفسك حدثية ولا تحمل اثقال الربوبية الا بقوة الالهية فاذا صرت مطيتها وحملت تلك الامانة من ومك ياخذوا باحسنها اى باسهلها عليهم من الاوامر والنواحى حقائقها لا يليق الا بك وبمثلك وايضا ياخذوا باينها هلم وهى المحكمات التى يوجب العبودية وياخذون متشابها التى هى وصف الصفات بحسن الاعتقاد والتسليم فيها لان علومها وحقائقها لا تنكشف الا للربانيين قال الله تعالى لا يعلم تاوليه الا الله والراسخون فى العلم قال بعضهم فى قوله كتبنا له فى الالواح من كل شئ سر الله عند عباده ولاهل خصوصيته لا بجمله منهم الا الاقوياء بايدانهم وقلوبهم الا ترى الله يقول لكليمه عليه السلام فخذها بقوة والقوة هو الثقة بالله والاعتماد على الله ولذلك قال بعضهم عطاياه لا يحمل الا مطاياه وقيل فى قوله فخذها بقوة اى خذها بى ولا ياخذها بنفسك فالقوى من لا حول له ولا قوة ويكون حوله وقته بالقوى قال الاستاد وامر قومك ياخذوا باحسنها فرق بين ما امر به موسى من الاخذ وبين ما امر ان يامره به قومه من الاخذ اخذ موسى خذ من الحق على وجه تحقيق الزلفة وتاكيد الوصلة واخذهم اخذ قبول من حيث التزام الطاعة وشان ما بينما ثم ان الله سحبانه ذكر ان عرائس خطابه ولطائف كلامه ولا تنكشف لمن راى قيمة نفسه فى جنات الازلية وميادين الربوبية بقوله {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ} اى ما منع المدعين املحبين بشانهم ومزخرفاتهم بمجاراتهم كلام الدعاوى الباطلة {بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} عن ادراك حقائق خطابى وفهم لطائف معانى كلامهم لانهم مكر واكرمات اوليائى وأيات اصفيائى بصوفه حالهم فى تضاعيف الأيات بقوله {وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا} ثم زاد مباعدتهم من باب التوفيق ووجدان رشد الطريق بقوله {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} لو تبين الف طريق من طرق الاولياء الى الله لا يتبعوها لحرمانهم عن مصادقة الحق وان ظهر لهم طريق الدعاوى فى متباعة الشهوات اتبعوه وجعلوه سبيل الحق لان سجيتهم وسجية الضلال والمتكبر لو عرف التكبر الذى هو كبرياء القدم ما تكبر فان جميع تكبر الحدثان من جهلهم بكبرياء الحق وفى كل موضع يبدوا سطوات كبريائه يتلاشى فيها كل شئ ولك تكبر غير تكبر الله تعالى باطل الامن تكبر بكبريائه حين اتصف بكبريائه وذلك من الباس اياه نور عظمته وهيبته وكبريائه فينطق بالحق ويفعل بالحق ويظهر منه بوصف الكبرياء علامته ان يخضع له كل شئ سوى الله وهذا معنى قوله عليه السلام من خاضع لله خضع له كل شئ قال بضعهم التكبر تكبران كبر بحق وتكبر غير حق فالتكبر بالحق تكبر الفقراء على الاغنياء استغانه بالله مما فى ايديهم والتكبر بغير حق تكبر الاغنياء على الفقراء ازدراء لما هم فيه من فقرهم قال الواسطى التكبر بالحق هو التكبر على الاغنياء والفسقة وعلى الكفار واهل البدع لانه روى فى الاثر القوا اهل المعاصى بوجود مكفهرة وقال سهل فى قوله ساصرف عن أياته الذين يتكبرون واى هو ان يحرمهم فهم القرأن والاقتداء بالرسول عليه السلام قال ابن عطا سامنع قلوبهم واسرارهم وارواحهم عن الجولان فى ملكوت القدس وقال ذو النون ابى الله ان يكرم قلوب البطالين بمكنون حكمته القران.

اسماعيل حقي

تفسير : {وواعدنا} الوعد عبارة عن الاخبار بايصال المنفعة قبل وقوعها {موسى} اسم اعجمى لا اشتقاق فيه واما موسى الحديد فهو مفعل من اوسيت رأسه اذا حلقته او فعلى من ماس يميس اذا تبختر فى مشيه فسميت موسى لكثرة اضطرابها وتحركها وقت الخلق {ثلاثين ليلة} [سى شبانه روز جون مدار حساب شهور عرب برؤية هلالست وآن بشب مرئى ميشود تاريخ را بشب مقيد كرد] وثلاثين مفعول ثان لواعدنا على حذف المضاف اى تمام او مكث ثلاثين. قال ابن الشيخ الموعود يجب ان يكون من فعل الواعد ونفس الثلاثين ليس كذلك فكأنه قيل وواعدنا موسى ما يتعلق بثلاثين ليلة وهو منا انزال عند اتمام صوم الثلاثين ومن موسى صوم تلك المدة واتيان الطور انتهى بتغيير عبارته فواعدنا ليس بمعنى وعدنا بل على بابه بناء على تنزيل قبول موسى عليه السلام منزلة الوعد {وأتممناها بعشر} اى زدنا على تلك الثلاثين عشر ليال {فتم ميقات ربه} ما وقت له فى الوقت الذى ضرب له والفرق بين الميقات والوقت ان الميقات وقت تقدر لان يقع فيه عمل من الاعمال وان الوقت ما يقع فيه شيء سواه قدره مقدر لان يقع فيه ذلك الشيء ام لا {اربعين ليلة} حال من قوله ميقات ربه اى تم بالغا هذا العدد وقيل هو مفعول تم لانه بمعنى بلغ -روى- ان موسى عليه السلام وعد بنى اسرائيل وهم بمصر ان اهلك الله عدوهم اتاهم بكتاب فيه بيان ما ياتون وما يذرن فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة بتمامه ليكلمه ويوحى اليه ويكرمه بما يتم به امر نبوته فصامهن موسى عليه السلام على طريق المواصلة بين ليلهن ونهارهن وانما لم يجع فى تلك المدة وصبر ولم يصبر نصف يوم فى سفر الخضر حيث قال آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قيل لان سفر الحضر سفر التأديب والامتحان والابتلاء فزاد البلاء على الابتلاء حتى جاع فى نصف يوم فى صحبة المخلوق وحضوره الجبل وسفره اليه سفر اللقاء وصحبة الحق فانساه هيبة الموقف الطعام والشراب واغناه من غيره ثم لما اتم الثلاثين وانسلخ الشهر انكر خلوف فيه اى كره ان يكلم ربه وريح فمه ريح الصائم فتسوك بعود خرنوب وتناول شيأ من نبات الارض فمضغه فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فافسدته بالسواك. وقيل اوحى الله تعالى اليه اما علمت ان ريح فم الصائم اطيب عندى من ريح المسك ولذاكره التسوك عند الشافعى فى آخر نهار الصوم بناء على ان السواك يزيل الخلوف فامر الله تعالى بان يزيد عليها عشرة ايام من ذى الحجة ليعود فوه الى ما كان عليه فصام فتشرف بالوحى والكليم يوم النحر كذا قال اهل التفسير. وفيه ان الوحى والتكليم اذا كان يوم النحر يلزم ان لا يكون ايام الصوم اربعين كملا وهو مخالف للنص اللهم الا ان تعتبر الليالى او كان صوم يوم النحر مشروعا فى شريعته هكذا لاح بالبال. ثم ان موسى عليه السلام لما اراد الانطلاق الى الجبل للمناجاة امره الله تعالى ان يختار سبعين رجلا من قومه من ذوى الحجى والعقل ليشهدوا له على ما يشاهدونه من كرامة الله تعالى اياه ففعل واستخلف هارون اخاه فى قومه كا قال تعالى {وقال موسى لاخيه هرون} قبل انطلاقه الى الجبل الذى امر بالعبادة فيه كما فى تفسير الحدادى وهارون وعطف بيان {اخلفنى} كن خليفتى وقم مقامى {فى قومى} وراقبهم فيما يأتون ويذرون {واصلح} ما يحتاج الى الاصلاح من امورهم وسرفيهم السيرة الصالحة التى لا فساد فيها وثبتهم على ما اخلفهم عليه من الايمان واخلاص العبادة {ولا تتبع سبيل المفسدين} اى ولا تتبع من سألك الافساد ولا تطع من دعاك اليه وذلك ان موسى عليه السلام كان يشاهد كثرة خلافهم حالا بعد حال فأوصاه فى امرهم. فان قيل ان هارون كان شريك موسى فى النبوة قال تعالى خبرا عن موسى {أية : وأشركه فى أمرى} تفسير : [طه: 32]. فكيف استخلفه. قلنا المأموران بشيء لا ينفرد احدهما بفعله الا بأمر صاحبه فلذلك قال اخلفنى ولأن موسى كان اصلا فيها وهارون معينا له قال موسى {أية : فارسله معى ردءاً يصدقنى} تفسير : [القصص: 34]. ولهذا كان هو المناجى على الخصوص والمعطى للالواح ولما امر بالذهاب الى فرعون سأل الله ان يشرك معه هارون ولما ذهب الى الطور للمناجاة خلفه فى قومه واستخلفه وهو موضع الاعتراض فى الظاهر ولكن لا اعتراض على الاكابر لان حركاتهم الظاهرة انما تنبعث من دواعى قلوبهم وتلك الدواعى الهامات واردة من الله تعالى لاصنع لهم فيها فمن عرف دورانهم بامر الهى هان عليه التطبيق والتوفيق وسقط عنه الاعتراض على اصحاب التحقيق مع ان درجات الانبياء متفاضلة كما قال تعالى {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} تفسير : [البقرة: 253]. فمن منع الرؤية عن موسى منع المناجاة عن هارون وكون هارون شريكه فى الامر الظاهر لا يقتضى ان يكون رديفه فى الامر الباطن فان لكل مقام رجالا شعر : رموز مصلحت ملك خسروان دانند كداى كوشه نشينى توحافظا مخروش تفسير : انظر ان موسى عليه السلام استخلف هارون واعتمد عليه فى حفظ قومه فعبدوا العجل فى العشر الذى زيد على الثلاثين ورسولنا صلى الله عليه وسلم قال الله خليفتى على امتى فثبتهم الله على الحق. واعلم ان ذا القعدة وذا الحجة من الاشهر الحرم ويكفى شرفا لهما ان الله تعالى امر موسى بصومهما وجعلهما محل قبول الحاجات وميقات المناجات وفى الحديث "حديث : صيام يوم من الاشهر الحرم يعدل شهرا وصيام يوم من غير الاشهر الحرم يعدل عشرا " . تفسير : وفى الحديث "حديث : من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت كتب الله له عبادة تسعمائة سنة " . تفسير : وقال كعب الاحبار اختار الله الزمان فأحبه اليه الاشهر الحرم وذو القعدة من الاشهر الحرم بغير خلاف وسمى ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال احتراما له. فعلى السالك ان يتهيأ فيه لمناجاته ربه بالصوم الظاهرى والامساك الباطنى فان موسى روحه متشوف لنوال الوصال ومتطلب لرؤية الجمال. والاشارة فى الآية ان الميعاد فى الحقيقة كان اربعين ليلة وانما اظهر الوعد ثلاثين ليلة لضعف البشرية ولئلا تستكثر النفس الاربعين وتسوّل له ان لا يقوى على ذلك فيداخله خوف البشرية فواعده ثلاثين ليلة ثم اتمها بالعشر وفيه ان للاربعين خصوصية فى استحقاق استماع الكلام للانبياء كما ان لها اختصاصا فى ظهور ينابيع الحكمة من قلوب الاولياء كقوله عليه السلام "حديث : من اخلص لله اربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ". تفسير : قال اهل العرفان ان سر التربيع جار فى الحقائق الكلية كتربيع العرش الاعظم والعناصر الأربعة والاركان الاربعة والاربعين الموسوية وكان بين خلق آدم ونفخ روحه اربع جمع من جمع الآخرة فاكمل الاشكال تأثيرا صورة التربيع فى الآحاد والاعشار والمآت والالوف كما اشار صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : خير الاصحاب اربعة وخير السرايا اربعمائة ".

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وواعدنا موسى}؛ لإنزال الكتاب {ثلاثين ليلة} من ذي القعدة، {وأتممناها بعشر} من ذي الحجة، {فتمَّ ميقاتُ ربه} بالغًا {أربعين ليلة}، رُوِي أنه عليه السلام وعد بني إسرائيل، بمصر، أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب الله تعالى، فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره بصوم ثلاثين، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك، فقالت الملائكة: كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدتَه بالسواك، فأمره الله تعالى أن يزيد عليه عشرًا، ثم أنزل عليه التوراة. {وقال موسى لأخيه هارون}، عند ذهابه إلى الطور للمناجاة: {أخلُفني في قومي} أي: كن خليفتي فيهم {وأصلح} ما يجب أن يصلح من أمورهم، أو كن مصلحًا، {ولا تتبع سبيلَ المفسدين} أي: لا تتبع سبيل من يسلك الإفساد، ولا تطع من دعاك إليه. الإشارة: كل من انقطع إلى الله تعالى بكليته واعتزل عن الخلق، وأخلى قلبه عما سوى الحق، حصلت له المناجاة والمكالمة، كما وقعت للكليم عليه السلام، وكل ما منحه الله للأنبياء يكون منه نصيب للأولياء من هذه الأمة، والله تعالى أعلم. وفي الحديث: "حديث : مَن أخلَصَ أربَعِينَ صبَاحًا ظَهَرَت يَنابِيعُ الحِكمَةِ مِن قَلبِهِ عَلَى لِسَانِه ". تفسير : قال بعض الحكماء: والسر في ذلك أن الله تعالى أمر بطينة آدم فخمرت في الماء أربعين يومًا، فتربى فيها أربعون حجابًا، فلولا تلك الحجب ما استطاع المقام في الأرض، فمن أيده الله على زوالها تشبه بالملأ الأعلى، وخرقت له العوائد، وأشرق النور من قلبه. ولهذا المعنى بقي داود عليه السلام ساجدًا أربعين يومًا، فقبلت توبته، ومكث إبراهيم عليه السلام في نار النمرود أربعين يومًا، فاتخذه الله خليلاً، وكان بعد ذلك يقول: ما رأيت أحلى من تلك الأيام، فمن أخلص في عبادته وأزال تلك الحجب عن قلبه كان ربانيًا. قال تعالى: {أية : وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّنَ } تفسير : [آل عِمرَان:79]. انظر الشطيبي. ويؤخذ من الآية أن الشيخ إذ أراد أن يسافر من زاويته ينبغي له أن يخلف خليفة عنه ليقوم له بنظام الزاوية، إذ لا خير في قوم ليس فيهم من يعظهم في الله. وبالله التوفيق. ولما سمع سيدنا موسى عليه السلام كلامَ الحق بلا واسطة، طمع في الرؤية بلا واسطة، كما قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا}.

الطوسي

تفسير : قيل في فائدة قوله {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} ولم يقل أربعين ليلة أقوال: أحدها - أنه أراد شهراً وعشرة أيام متوالية. وقيل: إِنه ذو العقدة وعشر من ذي الحجة. ولو قال أربعين ليلة لم يعلم أنه كان الابتداء أول الشهر، ولا أن الأيام كانت متوالية، ولا أن الشهر شهر بعينه، هذا قول الفراء، وهو معنى قول مجاهد وابن جريج ومسروق وابن عباس، وأكثر المفسرين. الثاني - أن المعنى وعدناه ثلاثين ليلة يصوم فيها ويتفرد للعبادة بها. ثم أتمت بعشر الى وقت المناجاة. وقيل في العشر نزلت التوراة فلذلك أفردت بالذكر. الثالث - قال أبو جعفر (ع) كان أول ما قال لهم: إِني أتأخر عنكم ثلاثين يوماً، ليسهل عليهم، ثم زاد عليهم عشرا، وليس في ذلك كذب، لأنه إِذا تأخر عنهم أربعين ليلة، فقد تأخر ثلاثين قبلها. وقال الحسن كان الموعد أربعين ليلة في أصل الوعد، فقال في البقرة {أية : واعدنا موسى أربعين ليلة}تفسير : وفصله - ها هنا - على وجه التأكيد فقال ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر. وقوله تعالى {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} ومعناه فتم الميقات أربعين ليلة، وإِنما قال ذلك مع أن ما تقدم دل على هذا العدد، لأنه لو لم يورد الجملة بعد التفصيل وهو الذي يسميه الكتاب الفذلكة، لظن قوله {وأتممناها بعشر} أي كملنا الثلاثين بعشر حتى كملت ثلاثين، كما يقال: تممت العشرة بدرهمين وسلمتها اليه. وقيل في معنى قوله تعالى {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} ينفرد فيها للعبادة في المكان الذي وقت له ثم أتم الأربعين. والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر ليعمل فيه عمل من الاعمال والوقت وقت الشيء قدره مقدر أولم يقدره، ولذلك قيل: مواقيت الحج وهي المواضع التي قدرت للاحرام بها. وقوله تعالى {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} الذين يفسدون في الأرض، وانما أمره بذلك مع أنه نبي مرسل، لأن الرياسة كانت لموسى (ع) على هارون وجميع أمته، ولم يكن يجوز أن يقول هارون لموسى مثل ذلك. وقال أبو علي: السبعون الذين اختارهم موسى للميقات كانوا معه في هذا الخروج، وسمعوا كلام الله لموسى (ع) وكانوا شهدوا له بذلك. وقوله {هارون} في موضع جرٍّ، لأنه بدل من قوله (لأخيه) وإِنما فتح لأنه لا ينصرف، ولو رفع على النداء كان جائزاً ولم يقرأ به أحد.

الجنابذي

تفسير : {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} وهى شهر ذى القعدة كما نقل لاعطاء كتاب فيه بيان كلّ شيء {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} من ذى الحجّة لسواك استاك آخر الثّلاثين قبل الافطار {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ} لاعطاء الكتاب {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ} حين خرج من بين قومه للميقات {لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} التفات من التّكلّم الى الغيبة اشارة الى انّ التّكلّم صدر من مقام ظهوره الّذى هو الولاية المطلقة المتحقّق بها علىّ (ع) كما انّ المتكلّم مع محمّد (ص) ليلة المعراج كان عليّاً (ع)، ولمّا سمع موسى (ع) كلامه تعالى اشتدّ شوقه والتهب حرارة طلبه ولم يتمالك، فطلب وسأل ما ليس له من الشّهود والرّؤية مع انّه كان بعد فى الحدّ والغيبة وباقياً عليه الانانيّة وليس شأن المحدود ادراك المطلق ورؤيته، فانّ من شرائط الرّؤية والادراك صيرورة الرّائى سنخاً للمرئىّ او المرئىّ سنخاً للرّائى والاّ فلا يقع الرّؤية ولا يحصل المشاهدة؛ الا ترى انّ النّفس فى مشاهدة الاجسام محتاجة الى آلة جسمانيّة وقوّة جرمانيّة وتلك القوّة الجسمانيّة محتاجة الى تدريد الصّورة من المادّة لتجرّدها نحواً من التّجرّد، فلمّا لم يتمالك {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي} فانّك غير خارجٍ من حدودك ولو شاهدتنى بحودك لفنيت فليس لك شأن رؤية المطلق {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} جبل الحجر او جبل انانيّتك {فَإِنِ اسْتَقَرَّ} الجبل لتجلّى نورٍ من انوار المطلق {مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} مع جبل حدّك وانّيّتك {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ} الّذى هو المطلق المضاف لا المطلق المطلق {لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ} الله او الرّبّ او التّجلّى {دَكّاً} متفتّتاً متلاشياً {وَخَرَّ موسَىٰ} لاندكاك انّيّته {صَعِقاً فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ} عن سؤالى عن مثلك ما ليس لى {تُبْتُ إِلَيْكَ} من سؤالى {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بأنّك لا ترى لمثلى. اعلم، انّ الادراك حقيقةً مشكّكة ذات مراتب متفاوتة فى الشّدّة والضّعف، ولكلّ مرتبة من مراتبه اسم خاصّ وشرائط خاصّة لحصولها مثلاً ادراك زيد تصوّراً جزئياً مرتبة منه ادراكه بالبصر ويسمّى رؤية، ومرتبة منه ادراكه بالخيال ويسمّى تخيّلاً، ومرتبة منه ادراكه بالعين المثاليّة فى المنام ويسمّى رؤيا، ومرتبة ادراكه بالعين المثاليّة بالكشف الصّورىّ فى عالم المثال ويسمّى كشفاً صوريّاً وشهوداً؛ والكلّ ادراك النّفس الانسانيّة لشخص زيد بحيث لا يمكن لاحدٍ ان يقول: انّ زيداً بشخصه غير مدرك فى مرتبة من تلك المراتب والتّفاضل بين تلك الادراكات بديهىّ وجدانىّ، فانّ ادراك الخيال اضعف انواع الادراك واقواها الادراك بالرّؤية والادراك شهوداً بالعين المثالىّ، وكما يسمّى الادراك البصرىّ رؤية يسمّى الادراك الكشفىّ رؤية كما لا يخفى، هذا فى التّصوّرات والادراكات الجزئيّة وهكذا الحال فى التّصديقات والادراكات الكلّيّة، فانّ الحكم بكون الامير فى البلد قد يدرك توهّماً، وقد يدرك شكّاً وظنّاً، وقد يدرك علماً عادّياً وتقليديّاً ويقينيّاً برهانيّاً ويقينيّاً شهوديّاً والتّفاضل بينها غير مخفىّ واقواها واتمّها واشدّها هو العلم الشّهودىّ ويسمّى هذا العلم الشّهودىّ فى ذلك التّصديق الشّخصىّ رؤية باعتبار، كما يسمّى علماً وشهوداً وعياناً وتصديقاً باعتباراتٍ اُخر، وعلم من ذلك انّ الرّؤية غير مختصّة بالرّؤية البصريّة المشروطة بمقابلة المرئىّ للرّائى او بحكم المقابلة كالرّؤية فى المرآة والماء وبتوسّط جسمٍ مشفّ وعدم القرب المفرط والبعد المفرط وعدم آفةٍ فى العين وعمدتها التفات النّفس الى الالة وفعلها، فانّ الادراك البصرىّ صفة النّفس لكن فى مقامها النّازل ومرتبة الباصرة بل مقولة على ادراك عين الخيال فى عالم المثال كرؤية المكاشفين والنّائمين الرّائين الرّؤيا الصّادقة، وعلى ادراك عين الخيال فى عالم الخيال كرؤية المسرسمين والمبرسمين والنّائمين الرّائين الرّؤيا الكاذبة، فانّه لا يشكّ احد من هؤلاء ولا ممّن اطّلع على عالمهم وكيفيّة ادراكهم انّ مدركاتهم مرئيّات حقيقة وانّه لا يصحّ سلب الرّؤية عنها. فالرّؤية فى المدركات المتقدّرة الجزئيّة عبارة عن قوّه الادراك وشدّته بحيث لا يتصوّر ادراك اتمّ واقوى منه سواء كان بالآلة المخصوصة ام بغيرها، وسواء كان المدرك مصاحباً للمادّة ام غير مصاحب، فصحّ اطلاق الرّؤية على المتقدّر المجرّد عن المادّة كما يصحّ اطلاقها على المتقدّر المادّىّ ولا اختصاص له بالمادّىّ، وهذا التّفاضل يجرى فى المدركات العقليّة المجرّدة عن المادّة والتّقدّر، فانّ العقول الكلّيّة والملائكة المقرّبين قد يتوهّم وجودها ثمّ يشتدّ هذا التّوهّم فيصير شكّاً ثمّ ظنّاً ثمّ علماً عاديّاً وتقليديّاً ثمّ علماً يقينيّاً برهانيّاً، فاذا اشتدّ هذا العلم بحيث يخلّص العالم من المادّة وغواشيها ويرفعه عن العالمين ويوصله الى المجرّدات حتّى يشاهدها ويلحق بها صار ادراكه اشدّ ما يتصوّر وعلمه عياناً، فان شئت فسمّ هذا العلم العيانىّ رؤيةً فانّه لا مانع من اطلاق الرّؤية بهذا المعنى عليه بل حقيقة الرّؤية وهى الانكشاف التّامّ الّذى لا يتصوّر فوقه انكشاف، وادراك هنا اتمّ واقوى من الانكشاف بآلة البصر وقد عرفت ان لا مدخليّة لخصوص آلة البصر فى الرّؤية؛ وهكذا الحال فى الحقّ الاوّل تعالى شأنه وصفاته. ثمّ اعلم انّ المعلوم المدرك فى اىّ عالمٍ كان لا بدّ وان يكون المدرك لذلك المعلوم بذاته او بآلاته، ووسائط دركه من سنخ ذلك العالم للزوم نحو من الاتّصال او نحو من الاتّحاد بين المدرك والمدرك كما قرّر فى الحكميّات والفلسفة الاولى؛ الا ترى انّ المدركات المادّيّة الّتى هى من عالم المادّة لا تدرك الاّ بآلات مادّيّة كالحواسّ الخمس الظّاهرة، والمدركات الخياليّة والمثاليّة الّتى هى من سنخ عالم المثال لا ترك الاّ بالحواسّ الباطنة الّتى هى ارفع من عالم المادّة، والمعقولات الّتى هى ارفع من العالمين لا تدرك الاّ بقوّةٍ ليست من سنخ عالم المادّة ولا من سنخ عالم المثال فاذا اريد ادراك العقول لا بدّ وان يرتفع المدرك عن العالمين ويصير عقلاً مجرّداً عن المادّة والتقدّر او يتنزّل العقول عن عالمها العقلّى وتتمثّل بصورٍ متقدّرةٍ حتّى تدرك بالمدارك المثاليّة ما فى نزول الملائكة على الانبياء، فما لم يرتفع الدّانى او لم يتنزّل العالى لا يمكن ادارك الدّانى للعالى، فاذا سأل الدّانى فى دنوّه بلسان حاله او قاله رؤية العالى فى علوّه فجوابه العتاب على هذا السّؤال والمنع من مسؤله والزّجر على مأموله لسؤاله ما ليس له ان يسأل. ثمّ اعلم انّ الانسان من اوّل استقراره فى الرّحم جماد بالفعل وله قوّة الانسانيّة ولمّا كان ضعيفاً غير قابلٍ لقبول اثر العقل جعل البارى تعالى نفس الامّ واسطة فى فيضان نور العقل عليه حتّى اذا استكمل بحيث يستعدّ لقبول فيض العقل بلا واسطةٍ يتولّد وليس له حينئذٍ من اثر العقل الاّ فعليّة المدارك الحيوانيّة الظّاهرة فيتدرّج فى الاستكمال بفيض العقل حتّى يتحقّق فيه طليعة ضعيفة من اشراق العقل، فيدرك البديهيّات الاوّليّة الكلّيّة الّتى من شأنها ان يكون مدركها العقل فيتدرّج فى الاستكمال ويتقوّى تلك الطّليعة حتّى يمكنه اكتساب الكلّيّات فيتدرّج فى ذلك حتّى يعاين مكتسباته فيتدرّج حتّى يتحقّق بها وصار عالماً علميّاً مضاهياً للعالم العينىّ بل عالماً غيبيّاً محيطاً بالعالم العينىّ، وحينئذٍ يصير مطلقاً عن قيوده خارجاً من حجبه وحدوده وله استعداد شهود الحقّ الاوّل تعالى لكن اشتداده وترقيّه الى زمان البلوغ وهو زمان الاستبداد بالرّأى والاستقلال فى الاختيار، وبعبارةٍ اخرى الى زمان يمكنه ادراك خيره وشرّه الاخرويّين كان على الصّراط المستقيم بأسبابٍ آلهيّة لا مدخل للعبد فيها ولا اختيار له ولذا: قيل كن مع الله كما كنت حتّى كان معك كما كان، واذا وصل الى مقام البلوغ وكله الله الى اختياره ونبّهه على خيره وشرّه على ألسنة خلفائه الظّاهرة والباطنة واعانه على اختياره الخير وخذله فى اختياره الشّرّ، فان ساعده التّوفيق وتداركه جذبة من جذبات الرّحمن وهى خير من عبادة الثّقلين استراح من تعب السّلوك ورفع القلم عنه وصار من الشّيعة الّذين رفع القلم عنهم، وان وكله الله الى نفسه وخذله باختياره الشّقاء التحق بالشّياطين، وان وفّقه الله للسّلوك اليه باختياره الخير والتّقوى من الشّرّ، فامّا ان يسلك بقدم نفسه ويتعب نفسه فى السّلوك اليه، وبعبارةٍ اخرى امّا ان يعبد الله مع بقاء حكم النّفس عليه وفى قيود انانيّته ويسمّى تقرّبه حينئذٍ بقرب النّوافل وهذا وان اتعب نفسه فى السّلوك والعبادة وجاهد غاية المجاهدة لم يكن له شأنيّة المشاهدة والمواصلة وليس له الاّ الفرقة والمباعدة، او يسلك الى الله ويعبد الله من غير بقاء حكم النّفس واثرها عليه ويسمّى تقرّبه بقرب الفرائض وهذا لخروجه من حدود نفسه وقيودها وارتفاعه عن حجاب انّيّته له شأنيّة المواصلة والمشاهد بل يصير هو الشّاهد والمشهود فى كلّ شاهدٍ ومشهودٍ، والبصير والمبصر والسّميع والمسموع، والاوّل وان كان مستريحاً من تعب السّلوك ملتذّاً بلذّة الشّهود والهاً فى المحبوب ليس له كمال مقام الجمع والتّجمّل بالاعوان والجنود، والثّانى وان كان له جمعيّة وسعة وتجمّل ليست له لذّة المشاهدة والسّرور الاتمّ فهما ناقصان كلّ بوجهٍ، والثّالث له الكمال الاتمّ والسّرور الابهى والجمال الاجمل لجمعه بين كمال الشّهود والتجمّل بالاعوان والجنود، وله الخلافة الكبرى والرّياسة العظمى؛ اذا عرفت ذلك فقس قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي}؛ الى قوله {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء:1] حتّى تعرف مقام محمّد (ص) فى العبادة والسّلوك ومقام موسى (ع) وتعرف انّ موسى (ع) سلك بقدم نفسه لا بربّه ولذلك كان مستحقّاً لجواب لن ترانى، وانّ محمّداً (ص) سار باسراء ربّه لا بسير نفسه، وانّ محمّداً (ص) هو السّميع لكلّ مسموع فى مرتبته والبصير لكلّ مبصر فضلاً عن نعمة مشاهدة ربّه ورؤية آياته الكبرى كما هو الظّاهر من آخر الآية فانّ الظّاهر عدم الالتفات فى آخر الآية وتطابق ضمير انّه هو السّميع مع ضمير لنريه. ولمّا كان المتبارد الى فهم العامة من الرّؤية رؤية البصر وهى ممتنعة فى حقّه تعالى وكان حقيقة الرّؤية فى حقّه تعالى غير ممنوعة اختلفت الاخبار فى نفى الرؤية عنه تعالى واثباتها له وبما ذكرنا من التّحقيق يجمع بين متخالفات الاخبار فى باب رؤية الحقّ تعالى وعدمها وفى تفسير هذه الآية ومن اراد الاطّلاع عليها فليرجع الى الكافى والصّافى.

فرات الكوفي

تفسير : {وقال موسى لأخيهِ هارونَ: اخْلُقْني في قَوْمي وَأصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبيلَ المُفْسِدينَ142} فرات قال: حدثني الحسن بن العباس معنعناً: عن محمد بن أبي بكر الأرحبي [ظ] قال: سمعت عمي يقول: كنت جالساً عند زيد بن علي بن [الحسين بن علي بن] أبي طالب عليه السلام وكثير النوا عنده فتكلم كثير فدخل رجلان [ر، ب: رجلين!] فأطراهما فقال زيد بن علي: يا كثير {قال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين فخلف والله أبونا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصلح ولا والله ما سلم ولا رضي ولا اتبع سبيل المفسدين.

اطفيش

تفسير : {وَوَاعَدْنا} المفاعلة لأن موسى لما وعده ربه أقبل على الوعد والتزمه، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب، وأبىّ بن كعب، وأبو رجاء، وأبو جعفر: ووعدنا بإسقاط الألف بين الواو والعين {مُوسَى ثَلاثِينَ لَيلةً} ذا العقدة يصومه ويعتزل فيه، ويجتهد فى العبادة، فلننزل عليه الكتاب فيه، ما يؤتون وما يتقون، ولا علم له بذلك. وروى أنه وعد قومه بذلك الكتاب بعد هلاك فرعون، فسأل ربه فأمره بصوم ذلك، ففعل، فلما تم أنكر خلوف فمه، فتسوَّك بعود خرنوب، وروى بعود خروب، وقيل: أكل من ورق الشجر، وقيل: مص من لحى الشجرة، فقالت الملائكة: كنا نشتم من فيك أطيب من ريح المسك، فأفسدته بالسواك، وأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندى من ريح المسك، فأمره الله أن يزيد عليها عشرة ليختم بالخلوف كما قال: {وأتْممْناها} وقرأ أبى وتممناها بالتشديد {بعَشْرٍ} من ذى الحجة، وأنزل عليه التوراة بعدها، وقيل: أنزلها وكلمه فيها، ونصب ثلاثين على المفعولية لواعدنا، لأنه بمعنى أجلناه ثلاثين، أو يقدر مضاف، أى وواعدنا موسى مناجاة ثلاثين ليلة لا على الظرفية، لأن المواعدة ليست فى الثلاثين، وقيل: واعده فى أول مرة أربعين ليلة للمناجاة، وقيل ثلاثين للخلى للعبادة باجتهاد، وبعشر للمناجاة، وعليهما يكون قوله: {فتمَّ مِيقاتُ ربِّه أرْبعِينَ لَيلةً} مثل قوله: {أية : فتلك عشرة كاملة} تفسير : بعد قوله: {أية : وسبعة إذا رجعتم} تفسير : والميقات ما قدر وحدد، وأربعين حال من ميقات، وأجاز بعضهم أن يكون ظرفا، لأنه واقع على الزمان، ويرده أن التمام بالأربعين لا فيها، ويجوز كونه مفعولا لحال محذوف من الميقات، أى بالغا أربعين لا من الهاء على الصحيح لعدم شرط مجئ الحال من المضاف إليه، وليلة تمييز مؤكد لأنه معلوم من السياق أن المعدود ليال، وليس مؤكدا لعامله الذى هو أربعين، فإن مجرد أربعين ليس نصا فى الليالى، والتمييز لا يؤكد عامله كما قال ابن هشام. {وقالَ مُوسَى لأخِيهِ هارُونَ} بدل أو بيان، وقرىء بالضم على النداء {اخْلُفنِى فى قَوْمى} كن خليفتى فى قومى، أى حتى أرجع، ومعلوم أن استخلاف الحى فى حياته منته بوقت لا متصل بعد موته، والدليل على ذلك الوقت قرائن الأحوال، فإذا قال مريد السفر: أنت خليفتى، فوقت انتهاء الخلافة رجوعه من السفر، وإن مات فيه انقطعت بموته، وهذا متقرر عقلا من العادة، فبطل ما تعلق به بعض الفرق من أن قوله صلى الله عليه وسلم لعلى: "حديث : أنت منى بمنزلة هارون من موسى" تفسير : دليل على أن عليا أولى بالإمامة بعده، وأن الأمة أخطأت فى استخلاف الثلاثة قبله، ولقد أخطأت تلك الفرقة، وأصابت الأمة، فإن خلافة هارون مؤقتة برجوع موسى من المناجاة. {وأصْلحْ} ما فسد من أمرهم، أو كن عاملا بالمصالحات مطلقا. قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامرى ويغير عليه ا هـ، وقد زجر وغير ولم يسمع له، وإن لم يفعل فلعدم قدرته، ونهى قوم السامرى باتفاق كما فى سورة طه. {ولا تتَّبعْ سَبيلَ المفْسِدينَ} أى لا تتحول عما أنت عليه من عدم اتباعهم، قال فى عرائس القرآن: قالت بنو إسرائيل بعد خروجهم من البحر: ائتنا بالكتاب الذى وعدتنا، فسأل ربه فأمره بصوم ثلاثين يوما ثم يتطهر ويطهر ثيابه ويأتى طور سيناء ليكلمه ويطيه الكتاب ففعل، فلما صعد الجبل أنكر خلوف فيه فتسوك، فذهب خلوف فمه، فأوحى الله إليه أن صم عشرة أيام فصامها، فتطهر وطهر ثيابه، فصعد الجبل فكلمه ربه. ثم بعث الله جبريل إلى جنة عدن فقطع منها شجرة، واتخذ منها سبعة ألواح، طول كل لوح عشرة أذرع بذراع موسى، وكذا عرضه، وكانت الشجرة التى اتخذ منها الألواح من زمرد أخضر، ثم أمر جبريل أن يأتيه بسبعة أغصان من سدرة المنتهى، فجاء بها فصارت نورا بين السماء والأرض، فكتبت الملائكة أو القلم وحده بأمر الله التوراة فى الألواح، وموسى يسمع صرير القلم، وذلك يوم الجمعة، فأشرقت الأرض بالنور، ولم تطق السماء حمل الألواح لثقلها بالعهود المكتوبة فيها، وأمر جبريل بحملها لموسى، فلم يستطع وقال: يا رب من يقدر على حملها، وهل خلقت خلقا يطيق حملها؟ فأرسل الله ملائكة بعدد كل حرف فحملوها لموسى، فوضعوها على الجبل فانصدع الجبل، وانخشع وقال: يا رب من يطيقها بما فيها، كما قال الله فى شأن القرآن: {أية : لو أنزلنا هذا القرآن} تفسير : الخ وذلك عند صلاة العصر، فقبض موسى على الألواح فلم يطق حملها، ومازال يدعو حتى حملها.

اطفيش

تفسير : {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةَ} ثلاثين مفعول ثان لواعدنا، وهو نفس الموعود، والمراد وعد عبادة عظيمة أَى واعدناه إِياها بالعبادة فيها، وليس ظرفا، وكأَنه قيل: واعدناه عبادتها أَو تمامها، أَو مكثها منه وإِنزال الكتاب منا. وذلك أَن المواعدة من الله ومنه، والثلاثون هى ليالى ذى القعدة، صارت ثلاثين لا تسعة وعشرين، أَمره بصومها فصام لياليها وأَيامها، لا لياليها فقط بأَمر الله، على أَن يعطيه التوراة ويكمله على تمامها، ولما تمت كره أَن يلقى الله بريح فم الصوم فمضغ شيئا من نبات الأَرض أَو تسوك بعود خرنوب، أَو أَكل من ورق الشجر، فقال الملائكة: كنا نشم من فيك رائحة المسك فأَفسدته بالسواك، وفى قولهم كنا نشم تفسير لما روى أَنه أَوحى الله إِليه: لا أَكلمك حتى يعود فوك إِلى ما كان عليه، أَما علمت أَن ريح فم الصائم أَحب إِلىَّ - أَى إِلى ملائكتى - من ريح المسك، وأَمره بصوم عشرة من ذى الحجة آخرها يوم العيد، كما قال {وَأَتْمَمْنَاهَا} أَى الثلاثين زدنا عليها ما يتم به شأنها، فلا يقال هى تامة فى نفسها بعددها فكيف يتم عددها، أَو أَتممنا المواعدة المعلومة من واعدنا {بِعَشْرٍ} بليال عشر صامها ليلا ونهاراً، أَقدره على ذلك فى أربعين يوما، أَو كان يفطر عند الغروب فقط، والوصال مباح للأَنبياءِ خاصة، أَو مع أممهم السابقة، وشاركتهم الصحابة أَول الأَمر ثم نسخ جوازه لغير النبى صلى الله عليه وسلم {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ} الميقات ما قدر فيه عمل الوقت، وما وقت لشئٍ قدر أَم لم يقدر {أَرْبَعِينَ لَيْلَةَ} أَى بالغا أَربعين ليلة، أَو حال كون ميقاته أَربعين، أَو ظرف على تأويل أَن كل جزءٍ من الأَربعين به التمام، إِذ لو لم يكن لم يحصل التمام، وزعم بعض أَن أَربعين حال، إِذ ناب عن الحال وهو بالغا، ورده أَبو حيان بأَن مفعول الحال لا يسمى حالا، وردوا عليه تعصباً بأَن النحاة يسمون معمول العامل باسم العامل كما يسمون الظرف خبراً، وهذا خطأ، والصواب مع أَبى حيان لأَن الظرف يسمى خبراً لتضمنه معنى الخبر الاستقرارى، وإِذا حذف المنعوت المخبر به فإِنما يطلق على النعت أَنه خبر لأَنه جئَ به على معنى الإِخبار به، وهكذا ولا يتوهم أَن أَربعين بمعنى إِلا من لم يبلغ العقد، وآخرها يوم العيد، أَو ثلاثين ذى الحجة تمت بعشرة من المحرم آخرها يوم عاشوراءَ فكلمه الله آخر يوم عيد الأَضحى أَو آخر يوم عاشوراءَ، وعده الله أَن يهلك فرعون ثم ينزل عليه كتابا فيه ما تفعل بنو إِسرائيل وما تذر، فأَمره الله عز وجل أَن يصوم الأَربعين كما أَجمل فى سورة البقرة، وفصل هنا بثلاثين وعشرة، وقيل الثلاثون للتقرب، والعشرة لإِنزال التوراة، وللكلام فى الجزء الأخير منها أَو بعد تمامها، وفيها وقعت قصة العجل، وما نزل فى العشرة أَو آخرها أَو بعد تمامها صح أَنه نزل فى الأَربعين أَو بعد تمامها، ولكن خصت العشرة بالإِنزال لأنها أَعدت له {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ} حين ذهب إِلى الطور للمناجاة {اخْلُفْنِى فِى قَوْمِى} قم فيهم مقامى بالأَمر والنهى والتعلم، وهذا يدل أَن موسى أَصل فى النبوة لهارون قوة وسبقاً لأَنه أَضاف القوم لنفسه، وجعل هارون عليه الصلاة والسلام تبعاً له. وهارون رسول من الله عز وجل استقلالا، ورسول من موسى تبعاً وخلافة {وَأَصْلِحْ} أُمورهم ولا تترك فيهم فسادا، أَو احملهم على عبادة الله عز وجل، أَو مفعول له، أَى كن ذا إِصلاح فيهم، وإِما مواظبة {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} دم على عدم اتباع سبيلهم فى الإِفساد والدعاء إِليه.

الالوسي

تفسير : {وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً} روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب فيه بيان ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعون سأل موسى عليه السلام ربه الكتاب فأمره أن يصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة فلما أتم الثلاثين أنكر خلوف فمه فتسوك فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحجة. وأخرج الديلمي عن ابن عباس يرفعه لما أتى موسى عليه السلام ربه عز وجل وأراد أن يكلمه بعد الثلاثين وقد صام ليلهن ونهارهن كره أن يكلم ربه سبحانه وريح فمه ريح فم الصائم فتناول من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه: لم أفطرت؟ وهو أعلم بالذي كان قال: أي رب كرهت أن أكلمك إلا وفمي طيب الريح، قال: أو ما علمت يا موسى أن ريح فم الصائم عندي أطيب من ريح المسك؟ ارجع فصم عشرة أيام ثم ائتني ففعل موسى عليه السلام الذي أمره ربه وذلك قوله سبحانه: {وَأَتْمَمْنَٰهَا بِعَشْرٍ} والتعبير عنها بالليالي كما قيل لأنها غرر الشهور. وقيل: إنه عليه السلام أمره الله تعالى أن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها بما يقربه من الله تعالى ثم أنزلت عليه التوراة وكلم فيها، وقد أجمل ذكر الأربعين في البقرة وفصل هنا، {وَوٰعَدْنَا} بمعنى وعدنا، وبذلك قرأ أبو عمرو ويعقوب، ويجوز أن تكون الصيغة على بابها بناء على تنزيل قبول موسى عليه السلام منزلة الوعد، وقد تقدم تحقيقة. و {ثَلَـٰثِينَ} كما قال أبو البقاء مفعول ثان لواعدنا بحذف المضاف أي إتمام ثلاثين ليلة أو إتيانها. {فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} من قبيل الفذلكة لما تقدم، وكأن النكتة في ذلك أن إتمام الثلاثين بعشر يحتمل المعنى المتبادر وهو ضم عشرة إلى ثلاثين لتصير بذلك أربعين، ويحتمل أنها كانت عشرين فتمت بعشرة ثلاثين كما يقال أتممت العشرة بدرهمين على معنى أنها لولا الدرهمان لم تصر عشرة فلدفع توهم الاحتمال الثاني جيء بذلك، وقيل: إن الإتمام بعشر مطلق يحتمل أن يكون تعيينها بتعيين الله تعالى أو بإرادة موسى عليه السلام فجيء بما ذكر ليفيد أن المراد الأول، وقيل: جيء به رمزاً إلى أنه لم يقع في تلك العشر ما يوجب الجبر، والميقات بمعنى الوقت، وفرق جمع بينهما بأن الوقت مطلق والميقات وقت قدر فيه عمل من الأعمال ومنه مواقيت الحج، ونصب {أَرْبَعِينَ} قيل: على الحالية أي بالغاً أربعين، ورده أبو حيان بأنه على هذا يكون معمولاً للحال المحذوف لا حالاً، وأجيب بأن النحويين يطلقون الحكم الذي للعامل لمعموله القائم مقامه فيقولون في زيد في الدار إن الجار والمجرور خبر مع أن الخبر إنما هو متعلقة. وتعقب بأن الذي ذكره النحاة في الظرف دون غيره فالأحسن أنه حال بتقدير معدوداً، وفيه أن دعوى تخصيص الذكر في الظرف خلاف الواقع كما لا يخفى على المتتبع، وأن ما زعمه أحسن مما تقدم يرد عليه ما يرد عليه، وقيل: إنه تمييز، وقيل: إنه مفعول به بتضمين / {تَمَّ} معنى بلغ، وقيل: إن تم من الأفعال الناقصة وهذا خبره وهو خبر غريب، وقيل: إنه منصوب على الظرفية. وأورد عليه أنه كيف تكون الأربعين ظرفاً للتمام والتمام إنما هو بآخرها إلا أن يتجوز فيه. {وَقَالَ مُوسَى} حين توجه إلى المناجاة حسبما أمر به {لاِخِيهِ هَـٰرُونَ} اسم أعجمي عبراني لم يقع في كلام العرب بطريق الأصالة، ويكتب بدون الف، وهو هنا بفتح النون على أنه مجرور بدلاً من أخيه أو بياناً له، أو منصوب مفعولاً به لمقدر أعني أعني وقرىء شاذا بالضم على أنه خبر مبتدأ محذوف هو هو أو منادى حذف منه حرف النداء أي يا هارون {ٱخْلُفْنِى} أي كن خليفتي {فِي قَوْمِي} وراقبهم فيما يأتون وما يذرون، واستخلافه عليه السلام لأخيه مع أنه عليه السلام كان نبياً مرسلاً مثله قيل: لأن الرياسة كانت له دونه، واجتماع الرياسة مع الرسالة والنبوة ليس أمراً لازماً كما يرشد إلى ذلك سبر قصص أنبياء بني اسرائيل، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره في «فتوحاته» أن هارون ذكر له أن نبـي بحكم الأصالة ورسول بحكم التبعية فلعل هذا الاستخلاف من آثار تلك التبعية، وقيل: إن هذا كما يقول أحد المأمورين بمصلحة للآخر إذا أراد الذهاب لأمر: كن عوضا عني على معنى ابذل غاية وسعك ونهاية جهدك بحيث يكون فعلك فعل شخصين {وَأَصْلِحْ} ما يحتاج إلى الإصلاح من أمور دينهم، أو كن مصلحا على أنه منزل منزلة اللازم من غير تقدير مفعول. وعن ابن عباس أنه يريد الرفق بهم والإحسان إليهم، وقيل: المراد احملهم على الطاعة والصلاح {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} أي ولا تتبع سبيل من سلك الافساد بدعوة وبدونها، وهذا من باب التوكيد كما لا يخفى.

ابن عاشور

تفسير : {وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}. عَوْد إلى بقية حوادث بني إسرائيل، بعد مجاوزتهم البَحر، فالجملة عطف على جملة: {أية : وجاوزنا ببني إسرائيل البحر}تفسير : [الأعراف: 138]. وقد تقدم الكلام على معنى المواعدة في نظير هذه الآية في سورة البقرة، وقرأ أبو عمرو: وَوَعَدْنَا. وحذف الموعود به اعتماداً على القرينة في قوله: {ثلاثين ليلة} الخ، و{ثلاثين} منصوب على النيابة عن الظرف، لأن تمييزه ظرف للمواعد به وهو الحضور لتلقي الشريعة، ودل عليه {واعدنا} لأن المواعدة للقاء فالعامل {واعدنا} باعتبار المقدر، أي حضوراً مدة ثلاثين ليلة. وقد جعل الله مدة المناجاة ثلاثين ليلة تيسيراً عليه، فلما قضاها وزادت نفسه الزكية تعلقاً ورغبة في مناجاة الله وعبادته، زاده الله من هذا الفضل عشر ليال، فصارت مدة المناجاة أربعين ليلة، وقد ذكر بعض المفسرين قصة في سبب زيادة عشر ليال، لم تصح، ولم يزده على أربعين ليلة: إما لأنه قد بلغ أقصى ما تحتمله قوته البشرية فباعَدهُ الله من أن تعرض له السّآمة في عبادة ربه، وذلك يُجنّب عنه المتقون بَله الأنبياء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : عليكم من الأعمال بما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا»تفسير : ، وإما لأن زيادة مغيبه عن قومه تفضي إلى أضرار، كما قيل: إنهم عبدوا العجل في العشر الليالي الأخيرة من الأربعين ليلة، وسميت زيادةُ الليالي العشر إتماماً إشارة إلى أن الله تعالى أراد أن تكون مناجاة موسى أربعين ليلة، ولكنه لما أمره بها أمره بها مفرقة، إما لحكمة الاستيناس، وإما لتكون تلك العشر عبادة أخرى فيتكرر الثواب، والمراد الليالي بأيامها فاقتصر على الليالي؛ لأن المواعدة كانت لأجل الانقطاع للعبادة وتلقي المناجاة. والنفس في الليل أكثر تجرداً للكمالات النفسانية، والأحوال المَلَكية، منها في النهار، إذ قد اعتادت النفوس بحسب أصل التكوين الاستيناسُ بنور الشمس والنشاط به للشغل، فلا يفارقها في النهار الاشتغال بالدنيا ولو بالتفكر وبمشاهدة الموجودات، وذلك ينحّط في الليل والظلمة، وتنعكس تفكرات النفس إلى دَاخلها، ولذلك لم تزل الشريعة تحرض على قيام الليل وعلى الابتهال فيه إلى الله تعالى، قال: {أية : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً}تفسير : [السجدة: 16] الآية، وقال: {وبالأسحار هم يستغفرون}، وفي الحديث:«حديث : ينزل ربّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الأخير فيقول هل من مستغفر فأغفر له، هل من داع فأستجيب له» تفسير : ولم يزل الشغل في السهر من شعار الحكماء والمرتاضين لأن السهر يلطف سلطان القوة الحيوانية كما يلطفها الصوم قال في «هياكل النور» «النّفوسُ الناطقة من عالم الملكوت، وإنما شغَلها عن عالَمها القوى البدنية ومشاغَلتُها فإذا قويتْ النفس بالفضائل الرُوحانية وضعُف سلطان القُوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحياناً إلى عالم القُدس وتتصل بربها وتتلقى منه المعارف». على أن الغالب في الكلام العربي التوقيتُ بالليالي، ويُريدون أنها بأيامها، لأن الأشهر العربية تُبتدأ بالليالي إذ هي منوطة بظهور الأهلة. وقوله {فَتَم ميقاتُ ربه أربعينَ ليلة} فذلكةُ الحساب كما في قوله: {أية : فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلكَ عشرة كاملة}تفسير : [البقرة: 196]، فالفاء للتفريع. والتمام الذي في قوله: {فتم ميقات ربه} مستعمل في معنى النماء والتفوق فكان ميقاتاً أكمل وأفضل كقوله تعالى: {أية : تماماً على الذي أحسنَ} تفسير : [الأنعام: 154] إلى قوله: {أية : وأتممت عليكم نعمتي} تفسير : [المائدة: 3] إشارة إلى أن زيادة العشر كانت لحكمة عظيمة تكون مدة الثلاثين بدونها غير بالغة أقصى الكمال، وأن الله قدر المناجاة أربعين ليلة، ولكنه أبرز الأمر لموسى مفرقاً وتيسيراً عليه، ليكون إقبالُه على إتمام الأربعين باشتياق وقوة. وانتصب {أربعين} على الحال بتأويل: بالغاً أربعين. والميقات قيل: مرادف للوقت، وقيل هو وقت قدّر فيه عمل مّا، وقد تقدم في قوله تعالى: {أية : قل هي مواقيت للناس والحج}تفسير : في سورة البقرة (189). وإضافته إلى {ربه} للتشريف، وللتعريض بتحميق بعض قومه حين تأخر مغيب موسى عنهم في المناجاة بعد الثلاثين، فزعموا أن موسى هلَك في الجبَل كما رواه ابن جُريج، ويشهد لبعضه كلام التوراة في الإصحاح الثاني والثلاثين من سفر الخروج. {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. أي: قال موسى لأخيه عند العزم على الصعود إلى الجبل للمناجاة فإنه صعد وحدَه ومعه غلامُهْ يُوشعُ بنُ نَون. ومعنى {اخلْفني} كُنْ خلَفاً عني وخليفة، وهو الذي يتولى عمل غيره عند فقده فتنتهي تلك الخلافة عند حضور المستخلَف، فالخلافة وكالة، وفعْلُ خَلَف مشتق من الخَلْف ــــ بسكون اللام ــــ وهو ضد الإمام، لأن الخليفة يقوم بعمل مَن خَلَفَه عند مغيبه، والغائِب يَجعل مكانَه وراءَه. وقد جمع له في وصيته ملاك السياسة بقوله: {وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} فإن سياسة الأمة تدور حول مِحور الإصلاح، وهو جعل الشيء صالحاً، فجميعُ تصرفات الأمة وأحوالها يجب أن تكون صالحة، وذلك بأن تكون الأعمال عائدة بالخير والصلاح لفاعلها ولغيره، فإن عادت بالصلاح عليه وبضده على غيره لم تعتبر صلاحاً، ولا تلبث أن تؤول فساداً على مَن لاحت عنده صلاحاً، ثم إذا تردد فعلٌ بين كونه خيراً من جهة وشراً من جهة أخرى وجب اعتبار أقوى حالتيه فاعتُبر بها إن تعذر العدول عنه إلى غيره مما هو أوفرُ صلاحاً، وإن استوى جهتاه ألغي إن أمكَنَ إلغاؤُه وإلاّ تخيّر، وهذا أمر لهارون جامع لما يتعين عليه عمله من أعماله في سياسة الأمة. وقوله: {ولا تتبع سبيل المفسدين} تحذير من الفساد بأبلغ صيغة لأنها جامعة بين نَهي ــــ والنهي عن فعل تنصرف صيغته أول وهلة إلى فساد المنهي عنه ــــ وبينَ تعليق النهي باتباع سبيل المفسدين. والإتباع أصله المشي على حلف ماش، وهو هنا مستعار للمشاركة في عمل المفسد، فإن الطريق مستعار للعمل المؤدي إلى الفساد والمفسِد من كان الفساد صفتَه، فلما تعلق النهي بسلوك طريق المفسدين كان تحذيراً من كل ما يستروح منه مآل إلى فساد، لأن المفسدين قد يعملون عملاً لا فساد فيه، فنُهي عن المشاركة في عمل من عُرف بالفساد، لأن صدوره عن المعروف بالفساد، كاففٍ في توقع إفضائه إلى فساد. ففي هذا النهي سد ذريعة الفساد، وسَد ذرائع الفساد من أصول الإسلام، وقد عني بها مالك بن أنس وكررها في كتابه واشتهرت هذه القاعدة في أصول مذهبه. فلا جرم أن كان قوله تعالى: {ولا تتبع سبيل المفسدين} جامعاً للنهي عن ثلاث مراتب من مراتب الإفضاء إلى الفساد وهو العمل المعروف بالانتساب إلى المفسد، وعمل المفسد وإن لم يكن مما اعتاده، وتجنبُ الاقتراب من المفسد ومخالطته. وقد أجرى الله على لسان رسوله موسى، أو أعلمه، ما يقتضي أن في رعية هارون مفسدين، وإنه يوشك إن سلكوا سبيل الفساد أن يسايرهم عليه لما يعلم في نفس هارون من اللين في سياسته، والاحتياط من حدوث العصيان في قومه، كما حكى الله عنه في قوله: {أية : إن القوم استضعفوني وكادوا يقتُلونني}تفسير : [الأعراف: 150] وقوله: {أية : إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل} تفسير : [طه: 94]. فليست جملة: {ولا تتبع سبيل المفسدين} مجرد تأكيد لمضمون جملة {وأصلح} تأكيداً للشيء بنفي ضده مثل قوله: {أية : أموات غير أحياء}تفسير : [النحل: 21] لأنها لو كان ذلك هو المقصَد منها لجُرّدت من حرف العطف، ولاقتصر على النهي عن الإفساد فقيل: وأصلح لا تفسد، نعم يحصل من معانيها ما فيه تأكيد لمضمون جملة: {وأصلح}.

الواحدي

تفسير : {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} يترقَّب انقضاءها للمناجاة، وهي ذو القعدة. أمره الله تعالى أن يصوم فيها، فلمَّا انسلخ الشَّهر استاك لمناجاة ربِّه يريد إزالة الخلوف، فأُمر بصيام عشرةٍ من ذي الحجَّة؛ ليكلِّمه بخُلوفِ فيه، فذلك قوله: {وأتممناها بعشر فتمَّ ميقات ربِّه} أَيْ: الوقت الذي قدَّره الله لصوم موسى {أربعين ليلة} فلمَّا أراد الانطلاق إلى الجبل استخلف أخاه هارون على قومه، وهو معنى قوله: {وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح} أَيْ: وارفق بهم {ولا تتبع سبيل المفسدين} لا تطع مَنْ عصى الله، ولا توافقه على أمره. {ولما جاء موسى لميقاتنا} أَيْ: في الوقت الذي وقَّتنا له {وكلمه ربُّه} فلمَّا سمع كلام الله {قال ربِّ أرني} نفسك {أنظر إليك} والمعنى: إنَّي قد سمعتُ كلامك فأنا أحبُّ أن أراك {قال لن تراني} في الدُّنيا {ولكن} اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك، وهو الجبل {فإن استقر مكانه} أَيْ: سكن وثبت {فسوف تراني} وإن لم يستقرَّ مكانه فإنَّك لا تطيق رؤيتي، كما أنَّ الجبل لا يطيق رؤيتي {فلما تجلى ربه} أَيْ: ظهر وبان {جعله دكاً} أَيْ: مدقوقاً مع الأرض كِسَراً تراباً {وخرَّ} وسقط {موسى صعقاً} مغشياً عليه {فلما أفاق قال سبحانك} تنزيهاً لك من السُّوء {تبتُ إليك} من مسألتي الرُّؤية في الدُّنيا {وأنا أول المؤمنين} أوَّل قومي إيماناً. {قال يا موسى إني اصطفيتك} اتَّخذتك صفوةً {على الناس برسالاتي} أَيْ: بوحيي إليك {وبكلامي} كلَّمتك من غير واسطة {فخذ ما آتيتك} من الشَّرف والفضيلة {وكن من الشاكرين} لأنعمي في الدنيا والآخرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ميقات: الميقات: الوقت المعين. أخلفني في قومي: أي كن خليفتي فيهم. المفسدين: الذين يعملون بالمعاصي. استقر مكانه: ثبت ولم يتحول. خرّ: سقط على الأرض. أفاق: ذهب عنه الإِغماء وعاد إليه وعيه. اصطفيتك: أخترتك. معنى الآيات: ما زال السياق في ذكر أحداث موسى مع بني إسرائيل إنه لما نجى الله تعالى بني إسرائيل من فرعون وملئه، وحدثت حادثة طلب بني إسرائيل من موسى أن يجعل لهم إلهاً كما للمشركين إلهاً وقد أنبأهم موسى وأدبهم عن قولهم الباطل واعد الله تعالى موسى أن يناجيه بجبل الطور وجعل له الموعد الذي يلقاه فيه شهراً ثلاثين يوماً وكانت شهر القعدة وزادها عشراً من أول الحجة فتم الميقات أربعين ليلة. وعند خروجه عليه السلام استخلف في بني إسرائيل أخاه هارون وأوصاه بالإِصلاح، ونهاه عن اتباع آراء المفسدين هذا معنى قوله تعالى {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} وكان ذلك من أجل أن يأتي بني إسرائيل بكتاب من ربهم يتضمن شريعة كاملة يساسون بها وتحكمهم ليكملوا ويسعدوا عليها. وقوله تعالى {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} أي في الموعد الذي واعدنا والوقت الذي حددنا وكلمه ربه بلا واسطة بينهما بل كان يسمع كلامه ولا يرى ذاته، تاقت نفس موسى لرؤية ربه تعالى، فطلب ذلك فقال {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} فأجابه ربه تعالى بقوله إنك لن تراني أي رؤيتك لي غير ممكنة لك، ولكن إذا أردت أن تتأكد من أن رؤيتك لي في هذه الحياة غير ممكنة فانظر إلى الجبل "جبل الطور" فإن استقر مكانه بعد أن أتجلى له، فسوف تراني {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ} عند رؤية الجبل {صَعِقاً} أي مغشياً عليه {فَلَمَّآ أَفَاقَ} مما اعتراه من الصعق {قَالَ سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك وتقديساً {تُبْتُ إِلَيْكَ} فلم أسألك بعد مثل هذا السؤال {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بك وبجلالك وعظيم سلطانك وأنا عبدك عاجز عن رؤيتك في هذه الدار دار التكليف والعمل. وهنا أجابه ربه تعالى قائلا {يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} من هذا الكمال والخير العظيم {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لي على إنعامي لأزيدك وذلك بطاعتي والتقرب إلي بفعل محابي وترك مكارهي. وقوله تعالى {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} أي كتبنا له في ألواحه من كل شيء من أمور الدين والدنيا موعظة لقومه من أمر ونهي وترغيب وترهيب، وتفصيلا لكل شيء يحتاجون إلى بيانه وتفصيله. وقوله {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} أي وقلنا له خذها بقوة أي بعزم وجد وذلك بالعمل بحلالها وحرامها فعلاً وتركاً، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ} أيضاً {يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} أي بما هو عزائم فيها وليس برخص تربية لهم وتعويداً لهم على تحمل العظائم لما لازمهم من الضعف والخور دهراً طويلاً. وقوله تعالى {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} يتضمن النهي لبني إسرائيل عن ترك ما جاء في الألواح من الشرائع والأحكام فإنهم متى تركوا ذلك أو شيئاً منه يعتبرون فاسقين، وللفاسقين نار جهنم هي جزاؤهم يوم يلقون ربهم، وسيريهم إياها، فهذه الجملة تحمل غاية الوعيد والتهديد للذين يفسقون عن شرائع الله تعالى بإهمالها وعدم العمل بها، فليحذر المؤمنون هذا فإنه أمر عظيم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- المحافظة على المواعيد أمر محبوب للشارع مرغب فيه وهو من سمات الصادقين. 2- جواز الاستخلاف في الأرض في مهام الأمور فضلاً عما هو دون ذلك. 3- مشروعية الوصية للخلفاء بما هو خير. 4- إمكان رؤية الله تعالى وهي ثابتة في الآخرة لأهل الجنة. 5- استحالة رؤية الله تعالى في الدنيا لضعف الإِنسان على ذلك. 6- وجود الأمة القابلة لأحكام الله قبل وجود الشرع الذي يحكمها.

القطان

تفسير : الميقات: الوقت المحدد. اخلفني: كن خليفتي. تجلي: ظهر نوره وعم الجبل. جعله دكا: مفتتا منهارا. خر موسى: وقع. صعقا: مغشيا عليه من هول ما رأى. اصطفيتك: اخترتك. فخذها بقوة: بجد وحزم وعزيمة. بعد أن بيّن الله تعالى ما أنعم به على بني اسرائيل من نجاة لهم من عدوهم وتحريرهم من العبودية - ذكر هنا بدء التشريع المنزل على موسى عليه السلام، وكيف انه واعد موسى ثم أنزل عليه التوراة. لقد ضرب الله تعالى موعدا لموسى لمناجاته وإعطائه الألواح فيها أصولُ الشريعة في مدة ثلاثين ليلة، ثم اتم مدة الوعد بعشر ليال يستكمل فيها موسى عبادته، ويتلقى أوامر ربه فصارت المدة أربعين ليلة. وعندما توجّه موسى للمناجاة قال لأخيه هارون: كن خليفتي في قومي، أصلحْ ما يحتاجون اليه من امروهم، وراقبهم فيما يأتون وفيما يذرون، واحذر ان تتبع سبيل المفسِدين. ولما جاء موسى في الموعد الّذي وقّته له ربه لمناجاته كلّمة ربه، لكن موسى قال: رب أرني ذاتك لأتمتع بها وأحصل على فضيلتَي الكلام والرؤية، وأزداد شرفا. فقال له ربّه: لن تطيق رؤيتي يا موسى. ثم اراد الله سبحانه ان يُقنع موسى بانه لا يطيق رؤية ما يطلب فقال: انظر الى الجبل الذي هو أقوى منك، فإن ثبت في مكانه عند التجلّي فسوف تراني اذا تجلّيت لك. فلما تجلى الله للجبل انهدّ الجبل وبات أرضا مستوية. عند ذاك سقط موسى مغشياً عليه لهول ما رأى، فلما افاق من غشيته قال: سبحانك، إنني أُنزّهك يارب تنزيهاً عظيما عما لا ينبغي في شأنك مما سألت، إن تُبْت إليك من الإقدام على السؤال بغير إذن، وأنا أول المؤمنين من قومي بجلالك وعظمتك. ولما منع الله موسى من رؤيته عدَّد عليه نعمه ليتسلى بها فقال: يا موسى، لقد اخترتك مفضّلاً إياك على اهل زمانك، بتبليغ التوراة، وبتكليمي إياك من غير واسطة، فخذ ما فضّلتك به، واشكرني كما يجب. وقد وردت أحاديث كثيرة فيها إمكان رؤية الله عن اكثر من عشرين صحابياً، لكنه ورد عن السيدة عائشة خلافُ ذلك. فقد رُوي عن مسروق قال: حديث : قلت لعائشة، يا أمّاه، هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربَّه ليلة المعراج؟ فقالت: لقد قفّ شعري مما قلتَ، ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك ان محمداً رأى ربه فقد كذب، ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ومن حدثك انه كتم شيئا من الدين فقد كذب. قال مسروق: وكنت متكئا فجلست وقلت: الم يقل الله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} فقالت: أنا أول من سأل رسول الله عن ذلك فقال "إنما هو جبريل" . تفسير : وهذه الرؤية هي في الدنيا، أما الآخرة فانها تختلف عن هذه الدنيا، وكل ما في الحياة الآخرة يختلف اختلافا كليا عن حياتنا الدنيا. وترى جمهرة المسلمين ان رؤية العباد لربهم في الآخرة حق. بعد ان اخبر سبحانه في الآيات السالفة انه منع موسى من رؤيته في الدنيا، اخبرنا هنا بما آتاه يؤمئذ فقال: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ...} الآية. أي أعطيناه ألواحاً بيّنا له فيها كل شيء من المواعظ والاحكام المفصلة التي يحتاج الناس اليها وقلنا له: خذ الالواح بجدٍّ وحزم، وامُر قومك ان يأخذوا بأفضل ما فيها وأيسره وان لا يشدّدوا على انفهسم. وسأجعلهم يرون دار الخارجين على أوامر الله، وما صارت اليه من الخراب، كما سترون عاقبة من خالف أمري وخرج عن طاعتي، فلا تخالفوا حتى لا يصيبكم ما أصابهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَوَاعَدْنَا} {ثَلاَثِينَ} {وَأَتْمَمْنَاهَا} {مِيقَاتُ} {هَارُونَ} (142) - يَمْتَنُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا هَدَاهُمْ إِلَيْهِ، إِذْ كَلَّمَ مُوسَى، وَنَزَّلَ عَليهِ التَّوْرَاةَ، وَفِيهَا أَحْكَامُهُمْ، وَتَفَاصِيلُ شَرْعِهِمْ، فَذَكَرَ أَنَّهُ وَاعدَ مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً فَصَامَهَا وَطَوَاهَا، فَلَمَّا تَمَّ المِيقَاتُ، أَمَرَهُ اللهُ بِأَنْ يُكْمِلَ الصِّيَامَ بِزِيَادَةِ عَشْرِ لَيَالٍ أُخَرَ فَصَامَهَا. وَلَمَّا أَرَادَ مُوسَى الذَّهَابَ إِلَى مِيقَاتِ رَبِّهِ، اسْتَخْلَفَ أَخَاهُ هَارُونَ مَكَانَهُ لِيَتَوَلَّى رِئَاسَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالإِصْلاحِ وَعَملِ الخَيْرِ، وَبِعَدَمِ اتِّبَاعِ طَريقِ المُفْسِدِينَ.

الثعلبي

تفسير : {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} ذا القعدة {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} من ذي الحجّة {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وقال عند انطلاقه لأخيه هارون {ٱخْلُفْنِي} كن خليفتي {فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ} وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} ولا تسلك طريق العاصين ولا تكن مرناً للظالمين، وذلك أن موسى وعد بني إسرائيل وهم بمصر إذا أهلك الله عدوّهم واستنقذهم من أيديهم أتاهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون، فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب فأمره الله عز وجل صوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة فلما تمت ثلاثون ليلة أنكر خلوق فمه فتسوك بعود [ضرنوب] فقالت له الملائكة: كنّا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك. وقال أبو العالية: إنّه أكل من لحاء الشجرة فأمره الله عزّ وجلّ بصوم عشرة أيام من ذي الحجّة. وقال: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكان فتنتهم في العشر التي زادها الله عز وجل {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} أي الوقت سأله أن يكلمه فيه والميقات مفعال من الوقت كالميعاد والبلاد انقلبت الواو ياءً لسكونها وانكسار ما قبلها. قال المفسّرون: إنّ موسى (عليه السلام) تطهّر وطهّر ثيابه لميعاد ربه فلما أتى بطور سيناء {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} وناجاه وأدناه حتّى سمع حروف القلم فاستجلى كلامه واشتاق [إلى رؤيته] وطمع فيها {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} قال ابن عباس: أعطني أنظر إليك {قَالَ} الله تعالى {لَن تَرَانِي} وليس بشراً [لا] يطيق النظر إليّ في الدنيا، من نظر إليّ مات، فقال له: سمعت كلامك واشتقت إلى النظر إليك [فلئن] أنظر إليك وأموت أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك فقال الله تعالى {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} فهو أعظم جبل بمدين يُقال له: زبير فلمّا سمعت الجبال ذلك تعاظمت رجاء أن يتجلّى منها الله لها وجعل زبير يتواضع من تبيان فلمّا رأى الله تعالى تواضعه رفعه من بينهما وخصّه بالتجلّي. قال السدي: لمّا كلّم الله موسى خاض الخبيث إبليس في الأرض حتّى خرج بين قدمي موسى فوسوس إليه وقال: إن مكلمك الشيطان فعند ذلك سأل الرؤية فقال الله تعالى: لن تراني [......] تعلّقت [......] الرؤية بهذه الآية، ولا دليل لهم فيها لأنّ (لن) ههنا لا توجب التأبيد وإنما هي للتوقيت لقوله تعالى حكاية عن اليهود {أية : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ} تفسير : [البقرة: 95] يعني الموت ثمّ حكى عنهم أنهم يقولون لمالك {أية : يٰمَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} تفسير : [الزخرف: 77]. و {أية : يٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ} تفسير : [الحاقة: 27] يعني الموت، وقال سبحانه {أية : لَن تَنَالُواْ ٱلْبِرَّ} تفسير : [آل عمران: 92] يعني الجنّة {أية : حَتَّىٰ تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} تفسير : [آل عمران: 92] وقد يدخل الجنّة مَنْ لا يُنفق ممّا [علمت] فمعنى الآية لن تراني في الدنيا وإنما تراني في العقبى. قال عبد العزيز بن يحيى: قوله {لَن تَرَانِي} جواب قول موسى (أرني أنظر إليك) ولا تقع على الآخرة، لأن موسى لم يقل أرني أنظر إليك في الآخرة إنما سأله الرؤية في الدنيا فأُجيب عما سأل ولا حجّة فيه لمَنْ أنكر الرؤية. وقيل: معنى {لَن تَرَانِي} أي لا تقدر أن تراني، وقيل: معناه لن تراني بعين فانية وإنما تراني بعين باقية، وقيل: لن تراني قبل محمد وأُمته وإنما تراني بعد محمد وأُمته، وقيل: معناه لن تراني بالسؤال والدعاء وإنما تراني بالنوال والعطاء إنّه لو أعطاه إياه بسؤاله لكانت الرؤية مكافأة السؤال، ويجوز أن يكون فعله مكافأة فعل عبده ولا يجوز أن يكون هو مكافأة فعل عبده. وقيل: معناه لن تراني بالعين التي رأيت بها عدوي وذلك أنّ الشيطان تراءى له فوسوس إليه، فقال الله تعالى: ياموسى أما تعلم أنّ رؤية الخبيث والله لا يجتمعان في حال واحد ومكان واحد وزمان واحد. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري يقول: لو كان سؤال موسى مستحيلاً لما أقدم عليه نبي الله موسى (عليه السلام) مع علمه ومعرفته بالله عن اسمه كما لم تجز أن يسأله لنفسه صاحبة ولا ولداً. وقال الله عزّ وجلّ: {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} واستقراره بكونه وثباته. قال المتكلّمون من أهل الشام: لما علق الله [الرؤية باستقراره] دلّ على جواز الرؤية لأن استقراره غير محال فدلّ على أن ما [علق] عليه من كون الرؤية غير محال أيضاً ألا ترى أن دخول الكفار الجنّة لما كان مستحيلاً علقه بشيء مستحيل. وهو قوله {وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ} [الأعراف: 40]. وقال أهل الحكمة والاشارة: إن الكليم لما أراد الخروج إلى الميقات جعل بين قومه وبين ربه واسطة يقول لأخيه هارون: {ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي} فلما سأل الرؤية جعل الله تعالى بينه وبينها واسطة وهو الجبل لقوله تعالى {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} فقال: وكأنّه يقول إن لم أصلح لخلافتك دون أخيك فأنت أيضاً لأنه لم ترونني دون استقرار الجبل {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}. قال وهب: لما سأل موسى الرؤية أرسل إليه الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى فأمر الله ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى أربعة فراسخ من كل ناحية فمرت به ملائكة سماء الدنيا كثير، إن البقر تتبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كأصوات الرعد الشديد، ثمّ أمر الله ملائكة سماء الثانية أن اهبطوا على موسى فهبطوا عليه مثل الأسد لهم لجبّ بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعر كل شعرة في رأسه وجسده. ثمّ قال: ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟ فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثمّ هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح بالتقديس كجلب الجيش العظيم ولهب النار. ثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم. ثمّ هبطت عليهم ملائكة السماء الخامسة سبعة ألوان فلم يستطيع أن يتبعهم طرفه ولم يرَ مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا بن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي أراد أن يراني فاعترفوا عليه فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءاً من الشمس ولباسهم كلهيب النار، إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس رب العزّة أبداً لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنسَ عبدك لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أُحرقت وإن مكثت متّ، فقال له رأس الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت ياابن عمران أن يمتلىء جوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي جلست. ثمّ أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة وقال: أروه، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعاً فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه {وَخَرَّ} العبد الضعيف {موسَىٰ صَعِقاً} على وجهه ليس معه روحه فقلب الله الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كالمعدة كهيئة القبّة لئلاّ يحترق موسى، فأرسل الله تعالى إليه روح الحياة فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول: آمنت بأنك ربّي وصدقت بأنه لا يراك أحد فيحيا. ومن نظر الى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لله لا شريك لك رب العالمين. وقال السدي: حفّت حول الجبل بالملائكة وحفّت حول الملائكة بنار وحفّ حول النار بالملائكة وحفّ حول الملائكة بنار ثمّ تجلّى ربّك للجبل. وقال ابن عباس: ظهر نور ربّه للجبل جبل زبير، وقال الضحاك [أخرج] الله تعالى له من نور الحجب مثل منخر الثور. وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار: ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلاّ مثل سمّ الخياط، يعني صار دكّاً. وقال السدي: ما تجلّى منه إلاّ قدر الخنصر. يدلّ عليه ما روى عن ثابت عن أنس حديث : عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قرأ هذه الآية فقال: هكذا، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل . تفسير : وقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتّى وقع في البحر فهو يذهب معه. وقال أبو بكر الهذلي: انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة. وقال عطيّة العوفي: جعله دكّاً أي رملاً هائلاً، وقال الكلبي: جعله دكاً أي كسراً جبالاً صغيراً. قال الحسن: جعله دكّاً أي ذاهباً أصلاً. وقال مسروق: صار صغيراً [كالرابية]. الحسن: أوحى الله تعالى إلى الجبل هل تطيق رؤيتي فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر حتّى ذهب أجمع. وقال قطرب: فلمّا تجلّى ربّه أي: أمر ربّه للجبل كقوله. {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا} تفسير : [يوسف: 82]. وقال المبرد: معناه فلمّا تجلّى ربّه آية للجبل جعله فعلاً متعدّياً [كالتخلّص والتبدّل والتوعد]. وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: حكي لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من [وراء] سبعين ألف حجاب ضوءاً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً. وقال أبو بكر: فَعَذُب إذ ذاك كل ماء وأفاق كل مجنون وبرأ كل مريض. وزالت الأشواك عن الأشجار وخصبت الأرض وأزهرت وخمدت نيران المجوس. وخرت الأصنام لوجهها {جَعَلَهُ دَكّاً} مستوياً بالأرض. وقال ابن عباس: جعله تراباً. عن معونة بن قرّة عن أنس بن مالك قال: "حديث : قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً}: طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان، ورضوى. ووقع ثلاثة بمكّة ثور وثبيرة وحراء ". تفسير : واختلفت القراءة في هذا الحرف، وقرأ عاصم {دَكّاً} بالقصر والتنوين. والتي في الكهف بالمد، وقرأ غيره من أهل الكوفة وحمير (دكاء) ممدودة غير مجراه في التنوين. وقرأ الباقون مقصورة الرفع منونة. وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، فمن قصره فمعناه جعله مدكوكاً. والدك والدق بمعنى واحد لأن الكاف والقاف يتعاقبات، لقولهم: كلام رقيق وركيك، ويجوز أن يكون معناه: دكه الله دكاً أي فتّه الله أغباراً لقوله {أية : إِذَا دُكَّتِ ٱلأَرْضُ دَكّاً} تفسير : [الفجر: 21] وقوله {أية : وَحُمِلَتِ ٱلأَرْضُ وَٱلْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} تفسير : [الحاقة: 14]. قال حميد: شعر : يدك أركان الجبال هزمه تخطر بالبيض الرقاق بهمه تفسير : ومن مده فهو من قول العرب ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام. وحينئذ يكون معناه: جعله أيضاً دكاء، أي مستوية لا شيء فيها، لأن الجبل مذكر، هذا قول أهل الكوفة. وقال نحاة البصرة: معناه فجعله مثل دكّاً وحذف مثل فأجرى مجرى {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] قال الأخفش: من مدّ قال في الجمع: دكاوات، وذلك مثل حمراوات وحمرة، ومن قال: أرض دك، قال في الجمع: دكوك، {وَخَرَّ} أي وقع {موسَىٰ صَعِقاً} قال ابن عباس: فغشي عليه، وقال قتادة: ميّتاً. وقال الكلبي: خرّ موسى صعقاً يوم الخميس يوم عرفة وأعطى التوراة يوم الجمعة [يوم النحر]. وقال الواقدي: لما خرَّ موسى صعقاً قالت ملائكة السماوات: ما لابن عمران وسؤاله الرؤية؟! وفي بعض الكتب أنّ ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يابن النساء الحيض أطمعت في رؤية ربّ العزّة. {فَلَمَّآ أَفَاقَ} من صعقته وعقله عرف أنّه قد فعل أمراً لا [ينبغي فعله] {قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} من سؤالي الرؤية {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بأنك لا تُرى في الدنيا [قال السدي] ومجاهد: وأنا أوّل مَنْ آمن بك من بني إسرائيل. وسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا القاسم النصر آبادي يحكي عن الجنيد [أنه قال: ] جئت إليك من الأسباط في شيء لا تعقله نيتي، فأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا تُرى في الدنيا لأن أول من سألك الرؤية [......]. قال ابن عباس: لمّا سار موسى إلى طور سيناء للميقات قال له ربه: ما تبتغي؟ قال: جئت أبتغي الهدي. قال قد وجدته يا موسى، فقال موسى: يارب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: أي عبادك أقصى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: أي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه فيسمع الكلمة تهديه إلى الهُدى ويرد سنن ردىء. وقال عبد الله بن مسعود: لمّا قرب الله موسى بطور سيناء رأى عبداً في ظلّ العرش جالساً فقال: [ما هذا]، قال: هذا عبد لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله وبرّ بوالديه ولا يمشي بالنميمة. فقال موسى: يارب اغفر لي ما مضى من ذنبي وما مضى وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني، أعوذ بك من وسوسة نفسي وأعوذ بك من شر عملي. فقال: قد كفيت ذلك يا موسى، قال: يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني ولا تنساني، قال: أي عبادك خير عملاً؟ قال: مَنْ لا يُكذّب لسانه ولا يفجر قلبه ولا يزني فرجه [وهو ذو خلق حسن]، قال: فأي عبادك شر عملاً؟ قال: فاجر في خلق سيء [جيفة ليل] بطال النهار. {إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} أعطيتك {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} لله سبحانه على نعمه. أخبرنا أبو عمرو أحمد بن أحمد بن حمدون الفراتي. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن بكير الرازي، حدثنا الحسن بن عليّ بن يحيى بن سلام الإمام، حدثنا أحمد بن حسان بن موسى البلخي. حدثنا أبو عاصم إسماعيل بن عطاء بن قيس [الأموي] عن أبي حازم المدني عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أعطى الله تعالى موسى الألواح فنظر فيه قال: يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرمها أحداً قبلي قال: يا موسى إنّي اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين، بجد ومحافظة وموت على حب محمد صلى الله عليه وسلم. قال موسى: يا رب ومن محمد؟ قال: أحمد النبي الذي أُثبت اسمه على عرشي من قبل أن أخلق السماوات بألفي عام، إنّه نبيي وصفيي وحبيبي وخيرتي من خلقي وهو أحب إلي من جميع خلقي وجميع ملائكتي. قال موسى: يا رب إن كان محمد أحب إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمته أكرم عليك من أمتي؟ قال: يا موسى إنّ فضل أُمة محمد على سائر الخلق كفضلي على جميع خلقي. قال: يا رب ليتني رأيتهم، قال: يا موسى إنّك لن تراهم، لو أردت أن تسمع كلامهم أسمعتك، قال: يا رب فإني أُريد أن أسمع كلامهم، قال الله تعالى: يا أُمة أحمد، فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا وأرحام أُمهاتنا لبيك اللهم لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك. قال الله تعالى: يا أُمة أحمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق حسابي قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم قبل أن تعصوني. من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً عبدي ورسولي دخل الجنّة ولو كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. وهذا قوله عزّ وجلّ ". {أية : وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ}تفسير : إلى قوله {أية : ٱلشَّاهِدِينَ} تفسير : [القصص: 44] {أية : وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا}تفسير : [القصص: 46]. قال الثعلبي: وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عليّ بن نصير المزكى، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا رشد بن سعيد عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري عن أبيه أن كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي قال: ما يبكيك؟ قال: ذكرت بعض الأُمور. فقال له كعب: أنشدك الله لئن أخبرتك ما أبكاك تصدقني؟ قال: نعم. قال: أنشدك الله تجد في [الكتاب] المنزل أنّ موسى (عليه السلام) نظر في التوراة فقال: إني أجد أُمة خير أُمم أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله والرسول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتّى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال موسى: ربّ اجعلهم أُمّتي، قال: هم أُمّة محمد يا موسى، قال الحبر: نعم. قال: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة فقال: رب إني أجد أُمةً يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار غير أن موسى كان يجمع صدقات بني إسرائيل فلا يجد عبداً مملوكاً ولا أمةً إلاّ اشتراه ثمّ أعتقه من تلك الصدقات فما فضل حفر له بئر عميقة القعر فألقاه فيها ثمّ دفنه كيلا يرجعوا فيه، وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون والمشفوع لهم. قال موسى: اجعلهم أُمّتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى (عليه السلام) نظر في التوراة، فقال: إني أجد أُمة إذا أشرف أحدهم على نشر كبر الله وإذا هبط وادياً حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غير محجلون من آثار الوضوء، فاجعلهم أُمتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: ربِ إني أجد أُمةً إذا همَّ أحدهم بحسنة لم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإن عملها ضعف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فإذا هَمّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه وإن عملها كتبت سيئة مثلها. قال: اجعلهم أُمتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة وقال: ربِ إنّي أجد أُمّة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيناهم، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات فلا أجد منهم أحداً إلاّ مرحوماً. اجعلهم أُمّتي؟ قال: هي أُمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم. قال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة قال: ربِ إنّي أجد في التوراة أُمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنّة، يصفون في صلواتهم صفوف الملائكة أصواتهم [في مساجدهم] كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحدٌ أبداً إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشجر، قال موسى: فاجعلهم أُمتي؟ قال: هي أمة أحمد ياموسى. قال الحبر: نعم. فلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله تبارك وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم قال: يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله عزّ وجلّ ثلاث آيات يرضيه بها هي {يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} الى قوله {دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال: فرضي موسى كل الرضا. قوله تعالى {وَكَتَبْنَا لَهُ} يعني لموسى {فِي ٱلأَلْوَاحِ}. قال الربيع بن أنس: كانت ألواح موسى (عليه السلام) من برد، وقال ابن جريج: كانت من زمرّد أمر الله تعالى جبرئيل حتّى جاء بها من عدن يكتبها بالقلم الذي كتب به [الذكر فاستمد] من بحر النور فكتب له الألواح. وقال الكلبي: كانت الألواح زبرجداً خضراء وياقوتة حمراء كتب الله فيها ثماني عشرة آية من بني إسرائيل وهي عشر آيات في التوراة. قال وهب: أمره الله تعالى بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثمّ شقها بإصابعه وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك أول يوم من ذي القعدة وكانت الألواح عشرة على طول موسى (عليه السلام). وقال مقاتل وكعب {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ} كنقش الخاتم وكتب فيها: إني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئاً من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإنّ كل ذلك خلقي ولا تقطعوا السبل ولا تحلفوا باسمي كاذباً فإن مَنْ حلف باسمي كاذباً فلا أُزكّيه ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقّوا الوالدين. وقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة لم يقرأها إلاّ أربعة نفر: موسى يوشع وعزير وعيسى (عليهم السلام)، وقال: هذه الآية ألف آية يعني قوله {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً} وتبياناً {لِّكُلِّ شَيْءٍ} من الأمر والنهي الحلال والحرام والحدود والأحكام. {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} قال مقاتل: بجد ومواظبة. قال الضحاك: بطاعة {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} قال ابن عباس في رواية الكلبي: بأحسن ما أُمروا [في] الأرض فيحلوا حلالها ويحرموا حرامها، وكان موسى أشد عداوة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به. وقال ابن كيسان وابن جرير: أحسنها الفرائض لأنه قد كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله تعالى أن يعملوا بما أمرهم به ويتركوا ما نهاهم عنه فالعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه. وقيل: معناه أخذوا بها وأحسن عمله. وقال قطرب: يأخذوا بأحسنها أي بحسنها و [كلّها حسن] كقوله {أية : وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ} تفسير : [العنكبوت: 45] وقال الحسين بن الفضل: معنى قوله (أحسنها) أن يتخيل للكلمة معنيين أو ثلاثة فيصرفوا إلى الشبهة بالحق. وقيل: كان فيها فرائض لا مبرّك لها وفضائل مندوباً إليها والأفضل أن يجمع بين الفرائض و [الفضائل]. {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} قال أهل المعاني: هذا كقول القائل لمن يخاطبه سأُريك غداً إلى بصير [فيه قال] مَنْ يخالف أمري على وجه الوعيد والتهديد. وقال مجاهد: {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} قال: مصيرهم في الآخرة. قال الحسن: جهنم، وقال قتادة وغيره: سأُدخلكم النار فأُريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة. وقال عطيّة العوفي: معناه سأُريكم دار فرعون وقومه وهي مصر يدلّ عليه. قرأ ابن عباس وقسامة بن زهير: سأُورّثكم دار الفاسقين. وقال الكلبي: دار الفاسقين ما مرّوا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا. وقال ابن كيسان: ساريكم دار الفاسقين ما يصير قرارهم في [الأرض]. وقال ابن زيد: يعني سنن الأوّلين، وقيل: الدار الهلاك وجمعه أدوار. وذلك أن الله تعالى لمّا أغرق فرعون أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم إلى الساحل ففعل فنظر إليهم بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين. وقال يمان: يعني مسكن فرعون. {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} قال قوم: حكم الآية لأهل مصر خاصة يعني بقوله {آيَاتِي} يعني الآيات التسع التي أعطاها الله سبحانه موسى (عليه السلام). وقال آخرون: هي عامة، وقال ابن جريج وابن زيد: يعني عن خلق السماوات والأرض وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والبحور والشجر والنبات وغيرها أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها، وقال الفراء أي الغرباني: إنّي أمنع قلوبهم عن التفكر في أمري. وسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا سعيد محمد بن نافع السجزي بهراة يقول: سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي قال: سمعتُ عبد الجبار بن العلاء العطار قال: سمعت سفيان بن عيينة وسئل عن هذه الآية: أُحرمهم فَهْم القرآن. سمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال: سمعت العباس بن حمزة قال: سمعت ذا النون المصري يقول: أبى الله أن يكرّم قلوب الظالمين مكتوب حكمة القرآن {وَإِن يَرَوْاْ} يعني هؤلاء المتكبّرين. قرأ مالك بن دينار فإن يروا بضم الياء أي يفعل بهم {سَبِيلَ ٱلرُّشْدِ} طريق الهدي والسداد {لاَ يَتَّخِذُوهُ} لأنفسهم {وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ ٱلْغَيِّ} يعني الضلال والهلاك {يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً} وقرأ مجاهد وحميد وطلحة والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي: الرشد، بفتح الراء والشين وهما لغتان كالسَقَم والسُقم والحَزَن والحُزن والبَخَل البُخل، وكان أبو عمرو يفرق بينهما فيقول: الرشد بالضم والصلاح في الأمر كقوله: {أية : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً} تفسير : [النساء: 6] والرشد بفتح بفتحتين الاستقامة في الدين، وقرأ أبو عبد الرحمن الرشاد بالألف وهو مصدر كالعفاف والصلاح. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} لاهين ساهين لا يتفكرون فيها ولا يتعظون بها {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ} ورؤية القيامة، وقيل: العالية في الآخرة {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ} في العقبى {إِلاَّ مَا كَانُواْ} أي جزاء ما كانوا {يَعْمَلُونَ} في الدنيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وعلمنا من قبل في مسألة الأعداد أن هناك أسلوبين: الأسلوب الأول إجمالي، والثاني تفصيلي؛ فمرة يتفق التفصيل مع الإِجمال، وبذلك لا توجد شبهة أو إشكال، وسبحانه في سورة البقرة يقول: {أية : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً...} تفسير : [البقرة: 51] جاء بها هناك بالإِجمال. لكنه شاء هنا في سورة الأعراف ألا يأتي بها مرة واحدة مجملة. بل فصلها بثلاثين ليلة ثم أتمّها الحق بعشر أخر لمهمة سنعرفها فيما بعد، ليكون الميقات قد تم أربعين ليلة، وإذا جاء العدد مجملاً مرة، ومفصلاً مرة، واتفق الإِجمال مع التفصيل فلا إشكال. لكن إذا اختلف الإِجمال عن التفصيل فعادة يُحْمَل التفصيل على الإِجمال، لأن المفصَّل يمكن أن يتداخل ليصير إلى الإِجمال. وضربنا من قبل المثل في خلق السماء والأرض في ستة أيام، وكل آيات الخلق تأتي بخبر الستة أيام وهي مجملة. لكنه شاء سبحانه في موضع آخر بالقرآن أن يقول: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : [فصلت: 9-10] وظاهر الأمر هنا أن المهمة قد اكتمل أمرها وخلقها في ستة أيام، لكنه قال جل وعلا بعدها: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ..} تفسير : [فصلت: 11-12] وهنا في موقف أيام خلق الدنيا نجد إجمالاً وتفصيلاً، والتفصيل يصل في ظاهر الأمر بأيام الخلق إلى ثمانية، والإِجمال يحكي أنها ستة أيام فقط. فهل هي ستة أيام أم ثمانية أيام؟ نقول: إنها ستة أيام لأننا نستطيع أن ندخل المفصل بعضه في بعضه، فإذا قلت: سافرت من مصر إلى طنطا في ساعتين، وإلى الإِسكندرية في ثلاث ساعات، فمعنى هذا القول أن الساعتين دخلتا في الثلاث الساعات: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ}. والوعد هو أن الله وعد موسى بعد أن تحدث عملية إنجاء بني إسرائيل أنه - سبحانه - سينزل عليه كتاباً يجمع فيه كل المنهج المراد من خلق الله لتسير حركة حياتهم عليه، لكن ما إن ذهب موسى لميقات ربه حتى عبدوا العجل، في مدة الثلاثين يوماً ولم يشأ الله أن يرسل موسى بعد الثلاثين يوماً بل أتمها بعشر آخر حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه؛ لأنه بعد أن عاد أمسك برأس أخيه يعنفه ويشتد عليه ويأخذ بلحيته يجره إليه إذ كيف سمح لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل. وفي ذلك يقول الحق على لسان هارون: {أية : قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 94] فكأن العشرة أيام زادوا عن الثلاثين يوماً ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة. وهنا يقول الحق في سورة الأعراف: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] و"اخلفني" أي كن خليفة لي فيهم إلى أن أرجع وذلك فيما هو مختص بموسى من الرسالة فاستخلاف موسى لهارون ليس تكليفاً لهارون بامتداد إرسال الله لموسى وهارون، فأسلوب تقديم موسى وهارون أنفسهما لفرعون جاء بضمير التثنية التي تجمع بين موسى وهارون: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ...} تفسير : [طه: 47] لأن كلاًّ منهما رسول، وقول الحق: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ} فيه التحنن، أي أنني لي بك صلة قبل أن تكون شريكاً لي في الرسالة فأنا أخ لك وأنت أخ لي، ومن حقي عليك أن تسمع كلامي وتخلفني. فالأخوة مقرونة بأنك شريك معي في الرسالة إذن نجد أن موسى قد قدم حيثية الأخوة والمشاركة في الرسالة. وأكد موسى عليه السلام بكلمة "قومي" أنهم أعزاء عليه، ولا يريد بهم إلا الخير الذي يريده لنفسه، فإذا جاءكم بأمر فاعلموا أنه لصالحكم، وإذا نهاكم نهيّا فاعلموا أن موسى هو أول من يطبقه على نفسه. وقيل كان موسى عليه السلام قد قام بإعداد نفسه للقاء ربه، ولابد أن يكون الإِعداد بطهر وبتطهير وبتزكية النفس بصيام، فصام ثلاثين يوماً، وبعد ذلك أنكر رائحة فمه، فأخذ سواكاً وتسوك به ليذهب رائحة فمه، فأوضح الحق سبحانه له: أما علمت يا موسى أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. وما دمت قد أزلت الخلوف وأنا أريد أن تقبل عليّ بريح المسك فزد عشرة أيام؛ حتى تأتي كذلك. وقال بعض العلماء: إن تفصيل الأربعين إلى ثلاثين وإلى عشرة، لأن الثلاثين يوماً هي الأيام التي عبد فيها القوم بعد موسى العجل، فكان ولابد أن تكون هناك فترة من الفترات؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب. {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] وهنا أمر ونهى "أصلح" هي أمر، و"لا تتبع" هي نهي، ونعرف أن كل تكاليف الحق سبحانه وتعالى محصورة في "افعل كذا"، و"لا تفعل كذا"، ولا يقول الحق للمكلَّفين: "افعلوا كذا" إلا إذا كانوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، وإن قال لهم: "لا تفعلوا" فلابد أن يكونوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، ولذلك أوضحنا من قبل ان الله ركز كل التكاليف في مسألة آدم وحواء في الجنة فقال: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا}، وكان هذا هو الأمر. وقال: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}، وهذا نهي: {وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ}. وكلمة "أصلح" تستلزم أن يبقى الصالح على صلاحه فلا يفسده، وإن شاء الله يزيد فيه صلاحاً فليفعل. وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} لأنه قول موجه لنبي وهو هارون، لا يتأتى منه الإِفساد، ولكنَّ موسى أعلمه أنه ستقوم فتنة بعد قليل، فكأن موسى قد ألهم أنه سيحدث إفساد، فقصارى ما يطلبه من أخيه هارون ألاَّ يتبع سبيل المفسدين، ولذلك سيقول هارون بعد ذلك مبرراً تركه بني إسرائيل على عبادة العجل بعد أن بذل غاية جهده في منعهم وإنذارهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه. {أية : ...إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 94] ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ...}

الأندلسي

تفسير : {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهو بمصر ان أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه تعالى الكتاب فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهر ذي القعدة. وانتصب ثلاثين على أنه مفعول ثان على حذف مضاف فقدره أبو البقاء إتيان ثلاثين أو تمام ثلاثين. وقال ابن عطية: وثلاثين نصب على تقدير أجّلناه أو مناجاة ثلاثين وليست منتصبة على الظرف لأن المواعدة لم تقع في الثلاثين، والضمير في وأتممناها عائد على المواعدة المفهومة من واعدنا. وقال الحوفي: الهاء والألف نصب بأتممناها وهما راجعتان إلى ثلاثين. "انتهى". ولا يظهر لأن الثلاثين لم تكن ناقصة فتممت بعشر وحذف مميز عشر، أي بعشر ليال لدلالة ما قبله عليه وفي مصحف أبي وتممناها حشدوا والميقات ما وقت له من الوقت وضربه له وجاء بلفظ ربه ولم يأت على واعدنا فكان يكون التركيب فتم ميقاتنا لأن لفظ ربه دال على أنه مصلحة وناظر في أمره ومالكه والمتصرف فيه. والفرق بين الميقات والوقت أن الميقات ما قدر فيه عمل من الأعمال، والوقت وقت الشىء. وانتصب أربعين على الحال، قاله الزمخشري وابن عطية. وقدر الزمخشري الحال فيه فقال: أي تم بالغاً هذا العدد، فعلى هذا لا يكون الحال أربعين بل الحال هذا المحذوف فينا في قوله: وأربعين ليلة نصب على الحال. وقال ابن عطية أيضاً: ويصح أن يكون أربعين ظرفاً من حيث هي عدد أزمنة، وقيل: أربعين مفعول به بتم لأن معناه بلغ والذي يظهر أنه تمييز منقول من الفاعل وأصله ختم أربعون ميقات ربه أي كملت. ثم أسند التمام لميقات وانتصب أربعون على التمييز. {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ} الآية قرىء. شاذا هارون بالضم على النداء أي يا هارون أمره حين أراد المضي للمناجاة والمغيب فيها أن يكون خليفته في قومه وأن يصلح في نفسه أو ما يجب أن يصلح من أمر قومه ونهاه أن يتبع سبيل من أفسده. وفي النهي دليل على وجود المفسدين، ولذلك نهاه عن اتباع سبيلهم وأمره إياه بالإِصلاح ونهيه عن اتباع سبيل المفسدين هو على سبيل التأكيد لا لتوهم أنه يقع منه خلاف الإِصلاح، واتباع تلك السبيل لأن منصب النبوة منزه عن ذلك. ومعنى أخلفني استبدّ بالأمر وذلك في حياته إذ راح إلى مناجاة ربه، وليس المعنى أنك تكون خليفتي بعد موتي ألا ترى أن هارون مات قبل موسى. {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} الآية أي للوقت الذي ضربه له أي لتمام الأربعين كما تقول: أتيته لعشر خلون من الشهر. ومعنى اللام الاختصاص. والجمهور على أنه وحده خص بالتكليم إذ جاء للميقات. قال القاضي: سمع هو والسبعون كلام الله تعالى. قال ابن عطية: خلق له إدراكاً سمع به الكلام القائم بالذات القديم الذي هو صفة ذات. وقال ابن عباس وابن جبير: أدنى الله تعالى موسى عليه السلام حتى سمع صريف الأقلام في اللوح. وقال الزمخشري: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير واسطة كما يكلم الملك. وتكليمه تعالى أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الاجرام كما خلقه مخطوطاً في اللوح وروي أن موسى عليه السلام كان يسمع الكلام من كل جهة. وعن ابن عباس كلمه أربعين يوماً وأربعين ليلة وكتب له الألواح. وقيل: إنما كلمه في أول الأربعين. "انتهى". وقال وهب: كلمه في ألف مقام وعلى أثر المقام يرى نور على وجهه ثلاثة أيام ولم يقرب من كلمة الله تعالى. "انتهى". وقد أوردوا هنا الخلاف الذي في كلام الله تعالى وهو مذكور ودلائل المختلفين في كتب أصول الدين وكلمه ربه معطوف على جاء. وقيل: حال وعدل عن قوله وكلمناه إلى قوله: وكلمه ربه، للمعنى الذي عدل إلى قوله: ختم ميقات ربه. {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} أرني هي بصرية والمفعول الثاني محذوف تقديره أرنيك أو أرني إياك. قال السدي وأبو بكر الهذلي: بما كلمه وخصه بهذه المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشوق إلى ذلك فسأل ربه أن يريه نفسه. قال ابن عطية: ورؤية الله تعالى عند الأشعرية وأهل السنة جائزة عقلاً لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته. وقررت الشريعة رؤية الله تعالى في الآخرة ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر الشرع فموسى عليه السلام لم يسأل محالاً وإنما سأل جائزاً. وقوله: {لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} ليس بجواب من سأل محالاً. وقد قال تعالى لنوح عليه السلام: {أية : فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود: 46]. فلو سأل موسى محالاً فكان في الجواب زجر ما وتبين وللزمخشري كلام كثير في الرؤية ذكرنا ذلك في البحر، ولكن أنظر إلى الجبل الآية تعليق الرؤية على تقرير الاستقرار مؤذن بعدمها إذ لم يستقر، ونبه بذلك على أن الجبل مع شدته وصلابته إذا لم يستقر فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر وهذا تسكين لقلب موسى عليه السلام وتخفيف عنه من ثقل أعباء المنع والتجلي الظهور والدك مصدر دككت الشىء فتته وسحقته مصدر في معنى المفعول والدك والدق بمعنى واحد. وقال ابن عزيز: دكاً مستوياً مع الأرض. والخرور السقوط أفاق ثاب إليه حسّه وعقله. {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} ترتب على التجلي أمران: أحدهما، تفتت الجبل وتفرق أجزائه، والثاني، خرور موسى عليه السلام مغشياً عليه. والتجلي بمعنى الظهور الجسماني مستحيل على الله تعالى. {قَالَ سُبْحَانَكَ} نزه الله تعالى عن سمات النقص والحدوث.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن صفات وأهل القربات بقوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] إلى قوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} إشارة إلى المعياد في الحقيقة كان أربعين ليلة وإن كان في الظاهر ثلاثين ليلة لقوله تعالى: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} فالتمام هو: الأربعون، والثلاثون ناقص، ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}تفسير : [البقرة: 51] وإنما أظهر الوعد ثلاثين ليلة؛ لضعف البشرية قواعد ثلاثين ليلة ثم أتمها بالعشر، وفيه أن الأربعين خصوصية في استحقاق استماع الكلام للأنبياء، كما أن اختصاصاً في ظهور ينابيع الحكمة من قلوب الأولياء بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"تفسير : والحكمة في تعيين عدد الأربعين: إن فيها كمال الكمال ذكرنا في البقرة. وفي قوله تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] أيضاً دليل على أن ميعاد ربه في الحقيقة كان أربعين ليلة، وفي قوله تعالى: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي} [الأعراف: 142] الإشارة فيها: إلى أن موسى عليه السلام الروح يقول لأخيه هارون القلب عند توجهه لميقات الحق ومقام المكالمة والتصدي لتجلي ربه: كن خليفتي {فِي قَوْمِي} من أوصاف البشرية ونعوت الإنسانية {وَأَصْلِحْ} [الأعراف: 142] ذات بينهم على فوق الشريعة وقانون الطريقة، {وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142]؛ يعني: سبيل الهوى والطبيعة الحيوانية النفسانية؛ وهذا هو السر الأعظم في بعثة الروح من ذروة عالم الأرواح إلى حضيض عالم الأشباح؛ ليحصل منه خليفة من القلب الروحاني القابل للنور الرباني يكون خليفة، وخليفة رب العالمين بخلافته عند مجيء الروح لميقات ربه كما قال تعالى: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} [الأعراف: 143]؛ يعني: ولمَّا حصل على بساط القرب تتابع عليه كاسات الشرب من صفو الصفات، ودارت أقداح المكالمات، واثر فيه لذا ذات أسماع الكلمات فطرب واضطراب، إذ سكر من شرب الواردات وتساكر من سماع الملاطفات في المخاطبات، فطال لسان انبساطه عند التمكن على بساطه، وعند استيلاء سلاطين الشوق وغلبات دواعي المحبة في الذوق {قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] قال: ههيات أنت للإثنينية منكوب ويحجب جبل الأنانية محجوب، وإنك إذا نظرت بك إلي {قَالَ لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143]؛ لأنه لا يراني إلا من كنت له بصراً فبي يبصر، {وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} [الأعراف: 143] جبل الأنانية، {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} [الأعراف: 143] عند التجلي {فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف: 143] ببصر أنانيتك، {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} [الأعراف: 143] أنانيته {جَعَلَهُ دَكّاً} [الأعراف: 143] فانياً كأن لم يكن، {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} [الأعراف: 143] بالأنانية، فكان ما كان بعد أن بان، {أية : وَأَشْرَقَتِ ٱلأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا}تفسير : [الزمر: 69]، {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً}تفسير : [الإسراء: 81]. شعر : قد كان ما كان سراً أبوح به فظن خيراً ولا تسأل عن الخير تفسير : ولم لم يكن جبل أنانية النفس بين موسى الروح وتجلي الرب لطاش في الحال وما عاش، ولولا القالب خليفته عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والرجع إلى الوجود، فافهم جدّاً. ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتجلي تفهم - إن شاء الله تعالى - {فَلَمَّآ أَفَاقَ} [الأعراف: 143] من غشية الأنانية بسطو تجلي الربوبية، {قَالَ} [الأعراف: 143] موسى؛ أي: هويته {سُبْحَانَكَ} [الأعراف: 143] تنزيهاً لك من خلقك واتصل الخلق بك {تُبْتُ} [الأعراف: 143] من أنانيتي، {إِلَيْكَ} [الأعراف: 143] إلى هويتك بك، {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 143] بأن لا ترى ولا ترى إلا بنور هويتك بك. ثم أخبر عن اصطفائه لأوليائه بقوله تعالى: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ} [الأعراف: 144] الآيتين الإشارة فيهما: أن الله تعالى اصطفى كل نبي على الخلق بنوع أو نوعين أو أنواع من الكمالات عند خليقته، وركب في ذروة طينته استعداد ظهور ذلك النوع من الكمال حين خمر طينة آدم بيده؛ ولهذا قال: {قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} [الأعراف: 144]؛ يعني: اصطفيتك عند تركيب هذين النوعين من الكمال في طينتك وهما: الرسالة والمكالمة، وفيه إشارة إلى أن نوع كما الرؤية التي سألتنيها وما اصطفيتك به وما ركبت استعداده في طينتك، وإنما اصطفى به نبينا صلى الله عليه وسلم وخصَّه بذلك من بين الأنبياء - عليهم السلام كلهم - واصطفيه بجميع ما اصطفاهم به، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ}تفسير : [الأنعام: 90]، ثم قال لموسى عليه السلام: {فَخُذْ مَآ آتَيْتُكَ} [الأعراف: 144]؛ يعني: وما ركبت فيك استعداده واصطفيتك به من الرسالة والمكالمة، {وَكُنْ مِّنَ ٱلشَّاكِرِينَ} [الأعراف: 144] فإن الشكر يبلغك إلى ما سألت من الرؤية؛ لأن الشكر يستدعي الزيادة لقوله تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 7]، والزيادة هي: الرؤية لقوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26]، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الزيادة هي الرؤية، والحسنى الجنة ". تفسير : {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي ٱلأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً} [الأعراف: 145]؛ يعني: ثبتنا في الألواح كل المواعظ التي بها حاجة مجملاً، {وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف: 145]؛ يعني: فصلناه بتبيين كل نوع من أنواع الكمال وما يبلغ إلى ذلك الكمال، ومن جملته أن بيَّن في الألواح أن الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته حتى استدعى موسى عليه السلام لنيل مقام رؤية ربه، فقال موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أصحابه، {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ} [الأعراف: 145]؛ يعني: خذ هذه المواعظ وما بيَّنا لك بقوة الصدق والإخلاص والجد والاجتهاد، وأيضاً بقوة منا وصدق الالتجاء إلينا؛ لنعينك ونقويك على العمل بها، {وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف: 145]؛ يعني: هذه المواعظ تدلهم على ترك الدنيا وطلب الآخرة، ودرجات بعضها فوق بعض، وأعلاها وأحسنها فيأخذوا بأحسنها بأعلاها درجة وأكملها فضيلة، وأيضاً كما طلب الآخرة أحسن من طلب الدنيا كذلك طلب الله أحسن من طلب الآخرة فيأخذوا بأحسنها، {سَأُوْرِيكُمْ دَارَ ٱلْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145]؛ يعني: الخارجين عن طلب الآخرة إلى طلب الدنيا فدارهم أسفل السافلين؛ لقوله تعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ}تفسير : [التين: 5] ودار الخارجين من طلب الله إلى طلب الآخرة فدارهم الجنة، ودار الخارجين من طلب الآخرة إلى طلب الله هي {أية : مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ}تفسير : [القمر: 55]، فافهم جدّاً.

همام الصنعاني

تفسير : 934- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد، في قوله تعالى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً}: [الآية: 142]، قال: ذو القعدة. {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الآية: 142] قال : بعَشْرِ ذي الحجة.