Verse. 1095 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَاِذْ اَنْجَيْنٰكُمْ مِّنْ اٰلِ فِرْعَوْنَ يَسُوْمُوْنَكُمْ سُوْۗءَ الْعَذَابِ۝۰ۚ يُقَتِّلُوْنَ اَبْنَاۗءَكُمْ وَيَسْتَحْيُوْنَ نِسَاۗءَكُمْ۝۰ۭ وَفِيْ ذٰلِكُمْ بَلَاۗءٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ عَظِيْمٌ۝۱۴۱ۧ
Waith anjaynakum min ali firAAawna yasoomoonakum sooa alAAathabi yuqattiloona abnaakum wayastahyoona nisaakum wafee thalikum balaon min rabbikum AAatheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكروا «إذ أنجيناكم» وفي قراءة أنجاكم «من آل فرعون يسومونكم» يكلفونكم ويذيقونكم «سوء العذاب» أشده وهو «يقتلون أبناءكم ويستحيون» يستَبْقون «نساءكم وفي ذلكم» الإنجاء أو العذاب «بلاء» إنعام أو ابتلاء «من ربِّكم عظيم» أفلا تتعظون فتنتهوا عما قلتم.

141

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه، تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة، فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غير الله تعالى والله أعلم.

القرطبي

تفسير : ذكَّرهم مِنَّتَه. وقيل: هو خطاب ليهود عصر النبيّ صلى الله عليه وسلم. أي وٱذكروا إذا أنجينا أسلافكم؛ حسب ما تقدم بيانه في سورة «البقرة».

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مّنْ ءالِ فِرْعَونَ} واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت. وقرأ ابن عامر «أنجاكم». {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ} استئناف لبيان ما أنجاهم منه، أو حال من المخاطبين، أو من آل فرعون أو منهما. {يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} بدل منه مبين. {وَفِى ذٰلِكُمْ بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ} وفي الإِنجاء أو العذاب نعمة أو محنة عظيمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكروا {إِذْ أَنْجَيْنـَٰكُمْ } وفي قراءة «أنجاكم» {مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ } يكلفونكم ويذيقونكم {سُوءَ ٱلْعَذَابِ } أشَدَّه وهو {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ } يستبقون {نِسآءَكُمْ وَفِى ذٰلِكُمْ } الإِنجاء أوالعذاب {بَلآءٌ } إنعام أو ابتلاء {مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } أفلا تتعظون فتنتهوا عما قلتم؟.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَلآءٌ} في خلاصكم، أو فيما فعلوه بكم، والبلاء: الاختبار بالنعم، أو النقم.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم} هذه الآية تقدم تفسيرها في سورة البقرة، والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غيره حتى تقولوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قوله عز وجل: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة} يعني وواعدنا موسى عليه الصلاة والسلام لمناجاتنا ثلاثين ليلة وهي ذو القعدة {وأتممناها بعشر} يعني عشر ذي الحجة وهذا قول ابن عباس ومجاهد. قال المفسرون إن موسى عليه الصلاة والسلام وعد بني إسرائيل إذا أهلك الله تعالى عدوهم فرعون أن يأيتهم بكتاب من عند الله عز وجل فيه بيان ما يأتون وما يذرون فما أهلك الله تعالى فرعون سأل موسى ربه عز وجل أن ينزل عليه الكتاب الذي وعد به بني إسرائيل فأمره أن يصوم ثلاثين يوماً فصامها فلما تمت أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب وقيل بل أكل من ورق الشجر فقالت الملائكة كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك فأمره الله أن يصوم عشر ذي الحجة وقال له أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك فكانت فتنة بني إسرائيل في تلك العشر التي زادها الله عز وجل لموسى عليه الصلاة والسلام وقيل إن الله تعالى أمر موسى عليه الصلاة والسلام أن يصوم ثلاثين يوماً ويعمل فيها ما يتقرب به إلى الله ثم كلمه وأعطاه الألواح في العشر التي زادها فلهذا قال: وتممناها بعشر وهذا التفصيل الذي ذكره هنا هو تفصيل ما أجمله في سورة البقرة وهو قوله تعالى: {أية : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة}تفسير : [البقرة: 51] فذكره هناك على الإجمال وذكره هنا على التفصيل. وقوله تعالى: {فتم ميقات ربه أربعين ليلة} يعني فتم الوقت الذي قدره الله لصوم موسى عليه الصلاة والسلام وعبادته أربعين ليلة لأن الميقات هو الوقت الذي قدر أن يعمل فيه عمل من الأعمال ولهذا قيل مواقيت الحج {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي} يعني كن أنت خليفتي فيهم من بعدي حتى أرجع إليك {وأصلح} يعني وأصلح أمور بني إسرائيل واحملهم على عبادة الله تعالى. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد الرفق بهم والإحسان إليهم {ولا تتبع سبيل المفسدين} يعني ولا تسلك طريق المفسدين في الأرض ولا تطعهم والمقصود من هذا الأمر التأكيد لأن هارون عليه الصلاة والسلام لم يكن ممن يتبع سبيل المفسدين فهو كقوله ولكن ليطمئن قلبي وكقولك للقاعد اقعد بمعنى دُم على ما أنت عليه من القعود. قوله تعالى: {ولما جاء موسى لميقاتنا} يعني للوقت الذي وقتنا له أن يأتي فيه لمناجاتنا وهو قوله {وكلمه ربه} وفي هذه الآية دليل على أن الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام واختلف الناس في كلام الله تعالى فقال الزمخشري كلمه ربه عز وجل من غير واسطة كما يكلم الملك وتكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطاً في الألواح هذا كلامه وهذا مذهب المعتزلة ولا شك في بطلانه وفساده لأن الشجرة أو ذلك الجرم لا يقول {أية : إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري}تفسير : [طه: 14] فثبت بذلك بطلان ما قالوه وذهبت الحنابلة ومن وافقهم إلى أن كلام الله تعالى حروف وأصوات متقطعة وأنه قد تم وذهب جمهور المتكلمين إلى أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وتلك الصفة قديمة أزلية والقائلون بهذا القول قالوا إن موسى عليه الصلاة والسلام سمع تلك الصفة الأزلية الحقيقية وقالوا كما أنه لا يبعد رؤية ذاته وليس جمساً ولا عرضاً كذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه ليس بصوت ولا حرف ومذهب أهل السنة وجمهور العلماء من السلف والخلف إن الله تعالى متكلم بكلام قديم وسكتوا عن الخوض في تأويله وحقيقته. قال أهل التفسير والأخبار: لما جاء موسى عليه الصلاة والسلام لميقات ربه تطهر وطهر ثيابه وصام ثم أتى طور سيناء وفي القصة أن الله تعالى أنزل ظلة تغشت الجبل على أربع فراسخ من كل ناحية وطرد عنه الشيطان وهو أم الأرض ونحى عنه الملكين وكشط له السماء فرأى الملائكة قياماً في الهواء ورأى العرش بارزاً وأدنى ربه حتى سمع صريف الأقلام على الألواح وكلمه الله تبارك وتعالى وناجاه وأسمعه كلامه وكان جبريل عليه السلام معه فلم يسمع ما كلم الله تعالى به موسى فاستحلى كلام ربه عز وجل واشتاق إلى رؤيته {قال رب أرني أنظر إليك} قال الزجاج: فيه اختصار تقديره أرني نفسك أنظر إليك وقال ابن عباس معناه أعطني أنظر إليك إنما سأل موسى عليه الصلاة والسلام الرؤية مع علمه بأن الله تعالى لا يرى في الدنيا لما هاج به من الشوق وفاض عليه من أنواع الجلال حتى استغرق في بحر المحبة فعند ذلك سأل الرؤية وقيل إنما سأل الرؤية ظناً منه بأنه تعالى يرى في الدنيا فتعالى الله عن ذلك {قال لن تراني} يعني ليس لبشر أن يراني في الدنيا ولا يطيق النظر اليّ في الدنيا من نظر إليّ في الدنيا مات فقال موسى عليه الصلاة والسلام: إلهي سمعت كلامك فاشتقت إلى النظر إليك ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك. وقال السدي: لما كلم الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام غاص عدو لله إبليس الخبيث في الأرض حتى خرج من بين قدمي موسى فوسوس إليه أن مكلمك شيطان عند ذلك سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه الرؤية فقال {ربي أرني أنظر إليك} قال الله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام {لن تراني}. (فصل) وقد تمسك من نفي الرؤية من أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية وهو قوله تعالى: {لن تراني} قالوا لن تكون للتأبيد والدوام ولا حجة لهم في ذلك ولا دليل ولا يشهد لهم في ذلك كتاب ولا سنة وما قالوه في أن لن تكون للتأبيد خطأ بين ودعوى على أهل اللغة إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل أهل اللغة والعربية ولم يقل به أحد منهم ويدل على صحة ذلك قوله تعالى في صفة اليهود {أية : ولن يتمنوه أبداً}تفسير : [البقرة: 95] مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة يدل عليه قوله تعالى: {أية : ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك}تفسير : [الزخرف: 77] وقوله {أية : يا ليتها كانت القاضية}تفسير : [الحاقة: 27] فإن قالوا إن لن معناها تأكيد النفي كلا التي تنفي المستقبل قلنا إن صح هذا التأويل فيكون معنى لن تراني محمولاً على الدنيا أي لن تراني في الدنيا جمعاً بين دلائل الكتاب والسنة فإنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن المؤمنين يرون ربهم عز وجل يوم القيامة في الدار الآخرة وأيضاً فإن موسى عليه الصلاة والسلام كان عارفاً بالله تعالى وبما يجب ويجوز ويمتنع على الله عز وجل وفي الآية دليل على أنه سأل الرؤية فلو كانت الرؤية ممتنعة على الله تعالى لما سألها موسى عليه الصلاة والسلام فحيث سألها علمنا أن الرؤية جائزة على الله تعالى وأيضاً فإن الله عز وجل علق رؤيته على أمر جائز والمعلق على الجائز جائز فيلزم من ذلك كون الرؤية في نفسها جائزة وإنما قلنا ذلك لأنه تعالى علق رؤيته على استقرار الجبل وهو قوله تعالى: {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني} وهو أمر جائز الوجود في نفسه وإذا كان كذلك ثبت أن رؤيته جائزة الوجود لأن استقرار الجبل غير مستحيل عند التجلي إذا جعل الله تعالى له قوة على ذلك والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالاً والله أعلم بمراده. قال وهب ومحمد بن إسحاق: لما سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه عز وجل الرؤية أرسل الله الضباب والرياح والصواعق والرعد والبرق والظلمة حتى أحاطت بالجبل الذي عليه موسى عليه الصلاة والسلام أربع فراسخ من كل جانب وأمر الله تعالى أهل السموات أن يعترضوا على موسى عليه الصلاة والسلام فمرت به ملائكة السماء الدنيا كثيران البقر تنبع أفواههم بالتسبيح والتقديس بأصوات عظيمة كصوت الرعد الشديد فقال موسى: رب إني كنت عن هذا غنياً ثم أمر الله تعالى ملائكة السماء الثانية أن اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه مثل الأسود لهم لجب بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف موسى بن عمران مما رأى وسمع واقشعرت كل شعرة في رأسه وبدنه ثم قال: لقد ندمت على مسألتي فهل ينجيني مما أنا فيه شيء فقال له خير الملائكة ورئيسهم: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الثالثة أن اهبطوا على موسى واعترضوا عليه فهبطوا عليه أمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تنبع بالتسبيح والتقديس لهم جلب كجلب الجيش العظيم ألوانهم كلهب النار ففزع موسى واشتد فزعه وأيس من الحياة فقال له خير الملائكة ورئيسهم: مكانك يا ابن عمران حتى ترى ما لا صبر لك عليه ثم أمر الله ملائكة السماء الرابعة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه لا يشبههم شيء من الذين مروا قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به قبلهم فاصطكت ركبتاه وأرعد قلبه واشتد بكاؤه فقال له خير الملائكة ورئيسهم: يا ابن عمران اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثم أمر الله ملائكة السماء الخامسة اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه لهم سبعة ألوان فلم يستطع موسى أن يتبعهم بصره ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفاً واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له خير الملائكة ورئيسهم: يا ابن عمران مكانك حتى ترى ما لا تصير عليه ثم أمر الله ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على موسى فاعترضوا عليه فهبطوا عليه وفي يد كل واحد منهم مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءاً من الشمس ولباسهم كلهب النار إذا سبحوا وقدسوا جاوبهم من كان قبلهم من الملائكة كلهم يقولون بشدة أصواتهم سبوح قدوس رب العزة أبداً لا يموت في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه فلما رآهم موسى عليه الصلاة والسلام رفع صوته يسبح معهم وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك فلا أدري أأنفلت مما أنا فيه أم لا إن خرجت احترقت وإن أقمت مت فقال له كبير الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يا ابن عمران أن يشتد خوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي سألت ثم أمر الله تعالى أن يحمل عرشه ملائكة السماء السابعة فلما بدأ نور العرش انصدع الجبل من عظمة الرب سبحانه وتعالى ورفعت الملائكة أصواتهم جميعاً يقولون سبحان الملك القدوس رب العزة أبداً لا يموت فارتج الجبل لشدة أصواتهم واندك واندكت كل شجرة كانت فيه وخر العبد الضعيف موسى صعقاً على وجهه ليس معه روحه فأرسل الله تعالى برحمته الروح فتغشته وقلب عليه الحجر الذي كان جلس عليه موسى فصار عيله كهيئة القبة لئلا يحترق موسى عليه الصلاة والسلام وأقامت الروح عليه مثل اللامة فلما أفاق موسى قام يسبح ويقول آمنت بك وصدقت أنه لا يراك أحد فيحيا ومن نظر إلى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وملك الملوك والإله العظيم لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لك لا شريك لك ما أعظمك وما أجلّك يا رب العالمين فذلك قوله تعالى: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال ابن عباس: ظهر نور ربه للجبل فصار تراباً واسم الجبل زبير. وقال الضحاك أظهر الله عز وجل من نور الحجب مثل منخر الثور. وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ما تجلى للجبل من الله تعالى إلا مثل سم الخياط حتى صار دكاً. وقال السدي ما تجلى إلا قدر الخنصر يدل عليه ما روى ثابت عن أنس رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال هكذا ووضع الإبهام على الفصل الأعلى من الخنصر فساخ تفسير : الجبل ذكره البغوي هكذا بغير سند وأخرجه الترمذي أيضاً عن أنس حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً} قال حماد هكذا وأمسك بطرف إبهامه على أنملة أصبعه اليمنى فساخ الجبل وخرّ موسى عليه السلام صعقاًتفسير : . وقال الترمذي حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ويروى عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب نوراً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً يعني مستوياً بالأرض وقال ابن عباس: جعله تراباً وقال سفيان ساخ الجبل حتى وقع في البحر فهو يذهب فيه وقال عطية العوفي صار رملاً هائلاً وقال الكلبي جعله دكاً يعني كسراً جبالاً صغاراً وقيل إنه صار لعظمة الله تعالى ستة أجبل فوقع ثلاثة بالمدينة وهي: أحد وورقان ورضوى ووقع ثلاثة بمكة وهي: ثور وثبر وحراء وقوله تعالى: {وخر موسى صعقاً} قال ابن عباس والحسن يعني مغشياً عليه. وقال قتادة يعني ميتاً والأول أصح لقوله {فلما أفاق} والميت لا إفاقة له إنما يقال أفاق من غشيته قال الكلبي صعق موسى عليه الصلاة والسلام يوم الخميس وهو يوم عرفة وأعطي التوراة يوم الجمعة يوم النحر. وقال الواقدي: لما خر موسى صعقاً قالت ملائكة السموات: ما لابن عمران وسؤال الرؤية وفي بعض الكتب أن ملائكة السموات أتوا موسى وهو في غشيته فجعلوا يركلونه ويقولون يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية رب العزة فلما أفاق يعني من غشيته ورجع عقله إليه وعرف أنه سأل أمراً عظيماً لا ينبغي له {قال سبحانك} يعني تنزيهاً لك من النقائص كلها {تبت إليك} يعني من مسألتي الرؤية بغير إذنك وقيل من سؤال الرؤية في الدنيا وقيل لما كانت الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وسلم فمنعها قال سبحانك تبت إليك يعني من سؤال ما ليس لي وقيل لما سأل الرؤية ومنعها قال تبت إليك يعني من هذا السؤال وحسنات الأبرار سيئآت المقربين {وأنا أول المؤمنين} يعني بأنك لا ترى في الدنيا وقيل أنا أول المؤمنين يعني من بني إسرائيل بقي في الآية سؤالات: الأول أن الرؤية عين النظر فكيف قال أرني أنظر إليك وعلى هذا يكون التقدير أرني حتى أراك؟ والجواب عنه: أن معنى قوله أرني اجعلني متمكن من رؤيتك حتى أنظر إليك وأراك.السؤال الثاني كيف قال لن تراني ولم يقل لن تنظر إليّ حتى يكون مطابقاً لقوله {أنظر إليك}؟ والجواب: أن النظر لما كان مقدمة الرؤية كان المقصود هو الرؤية لا النظر الذي لا رؤية معه. السؤال الثالث: كيف استدرك وكيف اتصل الاستدراك من قوله: {ولكن انظر إلى الجبل} بما قبله؟ والجواب أن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية وأن أحداً لا يقوى على رؤيته تعالى إلا من قواه الله تعالى بمعونته وتأييده ألا ترى أنه لما ظهر أصل التجلي للجبل اندك وتقطع فهذا هو المراد من هذا الاستدراك لأنه يدل على تعظيم أمر الرؤية والله أعلم بمراده.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم}. قرأ العامة مسنداً إلى المُعَظِّم، وابْنُ عامر أنْجَاكُمْ مسنداً. إلى ضمير اللَّهِ تعالى جرياً على قوله: "وَهُوَ فَضَّلَكُمْ"، وقرىء: "نَجَّيْنَاكُمْ" مُشَدّداً، و [قد] تقدَّم الخلافُ في تشديد "يقتلون" وتخفيفها قبل هذه الآية، وتقدَّم في البقرةِ إعراب هذه الآية وتفسيرها. فصل والفائدةُ في ذكرها ههنا: أنَّهُ تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة، فكيف يليقُ الاشتغالُ بعبادة غير اللَّهِ تعالى. قوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ} تقدَّم الخلافُ في "وَعَدْنَا" و "وَاعَدْنَا" وأنَّ الظَّرْفَ بعد مفعول ثاني على حذفِ مضافٍ، ولا يجوزُ أن يكون ظرفاً لِفسادِ المعنى في البقرة فكذا هنا، أي: وَعَدْنَاهُ تمامَ ثلاثين، أو إتيانها، أو مناجاتها. قوله: {وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنَّهُ يعود على المُواعدةِ المفهومةِ من وَاعَدْنَا أي: وأتممنا مواعدته بعشر. الثاني: أنَّهُ يعود على ثلاثين قاله الحوفي. قال أبُو حيَّان: ولا يظهر؛ لأنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمَّ بعشر، وحُذِف تمييز عشر لدلالة الكلام عليه أي: وأتْمَمْنَاهَا بعَشْرٍ ليالٍ، وفي مصحف أبي وَتَمَّمْنَاهَا بالتَّضعيف، عَدَّاهُ بالتَّضْعِيفِ. قوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ} الفَرْقُ بين الميقاتِ، والوَقْتِ، أن الميقاتَ: ما قُدِّرَ فيه عملٌ من الأعمال، والوقت: وقت الشَّيءِ من غير تقدير عملٍ، أو تقريره. وفي نصب "أرْبَعِينَ" أربعةُ أوجُهٍ: أحدها: أنَّهُ حال. قال الزَّمخشريُّ: "وأربَعِينَ" نصب على الحَالِ: أي تَمَّ بالغاً هذا العدد. قال أبو حيان فعلى هذا لا يكون الحال "أربعين"، بل الحالُ هذا المحذوف فينافي قوله. قال شهابُ الدِّين: لا تنافي فيه، لأنَّ النُّحاةَ لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حذفِ عامله المنوب عنه، وله شواهد منها: زيد في الدَّارِ، أو عندك. فيقولون: الجارُّ والظَّرْفُ خبر، والخبرُ في الحقيقة: إنَّمَا هو المحذوفُ المقدَّرُ العاملُ فيهما، وكذا يقولون: جاء زيدٌ بثيابه، فـ "بثيابه" حال، والحال إنَّمَا هو العاملُ فيه إلى غير ذلك وقدَّرَهُ الفارسي بـ: معدوداً. قال: كقولك: تَمَّ القوم عشرين رجلاً، أي: معدودين هذا العدد وهو تقديرٌ حسنٌ. الثاني: أنَّهُ ينتصبُ أرْبَعِينَ على المفعولِ به. قال أبُو البقاءِ: "لأنَّ معناه بلغ، فهو كقولهم: بَلَغَتْ أرْضُكَ جريبين" أي: بتضمين "تَمَّ"معنى "بَلَغَ". الثالث: أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرف. قال ابْنُ عطيَّة: "ويصحُّ أن يكون أربعين ظرفاً من حيث هي عددُ أزمنة"، وفي هذا نظرٌ، كيف يكون ظرفاً للتَّمام، والتَّمامُ إنما هو بآخر جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوَّزٍ بعيد، وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التَّمامُ. الرابع: أن يَنْتَصِبَ على التَّمييز قال أبُو حيَّان: والأصل: فَتَمَّ أربعون ميقاتُ ربّه، ثمَّ أسند التَّمامَ إلى ميقات وانتصب أربعون على التَّمييز. فهو منقولٌ من الفاعليَّة، يعني فيكون كقوله: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً}تفسير : [مريم: 4] وهذا الذي قاله وجعلهُ هو الذي يظهر يشكل بما ذكره هو في الرَّدِّ على الحُوفيِّ؛ حيثُ قال هناك "إنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةً، فَتتمَّ" لذلك ينبغي أن يقال هنا: إن الأربعين لم تكن ناقصة فتتم فكيف يُقدِّر: فتَمَّ أرْبَعُون ميقاتُ ربِّهِ؟ فإن أجاب هنا بجوابٍ، فَهُوَ جوابٌ هناك لِمَنِ اعترضَ عليه. وقوله: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} في هذه الجملة قولان: أظهرهما: أنَّهَا للتأكيد، لأنَّ قوله قبل ذلك: "وأتْمَمْنَاهَا بعشْرٍ" فُهِمَ أنَّها أربعون ليلةً. وقيل: بل هي للتَّأسيس، لاحتمالِ أن يتوهَّم مُتوهِّمٌ بعشر ساعات، أو غير ذلك، وهو بعيدٌ. وقوله رَبِّهِ ولم يقل: مِيَقاتُنَا جَرْياً على "واعَدْنَا" لِمَا في إظهار هذا الاسمِ الشَّريف من الاعترافِ بربوبية اللَّه له وإصلاحه له. فصل روي أنَّ موسى - عليه الصَّلاةُ والسَّلام - وعد بني إسرائيل وهو بمصر: إن أهلك اللَّه عدوَّهم؛ أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلمَّا هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فهذه الآيةُ في بيان كيفية نزول التَّوراةِ. فصل فإن قيل: "الأربعون" المذكورة في البقرة: هي هذه الأربعُونَ المفصَّلةُ ههنا، فما فائدة التَّفصيلِ؟ فالجوابُ من وجوه: الأول: أنَّهُ تعالى أمر موسى بصوم ثلاثين يوماً، وهو شهرُ ذي القعدة فلمَّا تَمَّ الثَّلاثين أنكر خلوف فِيهِ فتسَوَّكَ فقالت الملائكةُ: كنا نشم من فيكَ رائحةَ المِسْكِ؛ فأفسدتهُ بالسِّواك، فأوْحَى الله إليه أما عَلِمتَ أنَّ خلُوفَ فَم الصَّائِمِ أطْيَبُ عندي من ريح المِسْكِ؟ فأمره اللَّهُ تعالى أن يزيد عليها عشرة أيام من ذي الحِجَّةِ لهذا السَّبَبِ. الثاني: أنَّ الله تعالى أمرهُ بصوم ثلاثين يوماً، وأن يعمل فيها ما يُقرِّبُه إلى اللَّهِ تعالى، ثم أنزلَ التَّوْراةَ العشر من ذي الحِجَّةِ، وكلَّمَهُ أيضاً فيه فهذه فائدة تفصيل الأربعين إلى الثَّلاثينَ، وإلى العشرةِ. قال ابنُ عبَّاسٍ ومسروق ومجاهد: الثَّلاثين ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله، وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحِجَّةِ، فعلى هذا يكون كلام ربه له يوم عيدِ النَّحْرِ. وفي مثله أكمل اللَّهُ عزَّ وجلَّ دين محمد صلى الله عليه وسلم. الثالث: قال أبُو مسلمٍ في سورة طه: إنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - بادر إلى ميقات ربه قبل قومه، لقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَٰمُوسَىٰ قَالَ هُمْ أُوْلاۤءِ عَلَىٰ أَثَرِي}تفسير : [طه: 83،84]. فجائز أن يكون موسى أتى الطُّور عند تمام الثلاثين، فلمَّا أعلمه اللَّهُ خبر قومه مع السَّامرين، رجع إلى قومه قبل تمامِ ما وعده، ثمَّ عاد إلى الميقاتِ في عشر أخر، فتم ميقات ربه أربعين ليلةً. الرابع: قيل لا يمتنع أن يكون الوعد الأول حضره موسى عليه الصلاة والسلام وحده، والوعد الثاني حضره المختارون معه لِيسمَعُوا كلامَ اللَّهِ، فصار الوعدُ مختلفاً لاختلاف الحاضرين. قوله: {وَقَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي}. الجمهور على فتح نون هَارُونَ وفيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه مجرورٌ بدلاً من أخيهِ. الثاني: أنَّه عطفُ بيان له. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار: أعني، وقُرِىء شاذاً بالضَّمِّ، وفيه وجهان: أحدهما: أنَّهُ مُنَادَى حُذِفَ منه حرفُ النِّداءِ، أي: يا هارونُ كقوله: {أية : يُوسُفُ}تفسير : [يوسف: 29]. والثاني: أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف، أي: هُو هارونُ. وهذا في المعنى كالوجهِ الذي تقدَّم من أنه منصوبٌ بإضمار: أعني، فإنَّ كليهما قطع. وقال أبُو البقاء: "ولو قُرِىءَ بالرَّفْعِ" وذكرهما، وكأنَّهُ لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة. قال: "ومن دعاك منهم إلى الفَسَادِ؛ فلا تتبعه، ولا تطعه" وقال اخْلُفْني أي: كن خليفتي في قومي وأصْلِحْ وكُنْ مصلحاً، أو وَأصْلِحْ ما يجبُ أن يُصْلَحَ من أمور بني إسرائيل. {وَقَالَ مُوسَىٰ} عند انطلاقه إلى المناجاة لأخِيهِ هارُونَ. فإن قيل: إن هارون كان شريك موسى - عليهما الصَّلاة والسَّلام - في النبوَّةِ، فكيف جعله خليفة لنفسه؛ فإن شريك الإنسانِ أعلى حالاً من خليفته وَرد الإنسان من منصبه الأعلى إلى الأدْنَى يكون إهانة له. فالجوابُ: أن الأمْرَ، وإن كان كما ذكرتم، إلاَّ أنَّ مُوسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان هو الأصل في تلك النبوَّةِ. فإن قيل: لما كان هارُون نبيّاً، والنَّبيُّ لا يفعلُ إلاَّ الأصلح فكيف وصَّاهُ بالإصلاح؟ فالجوابُ: أنَّ المقصودَ من هذا الأمْرِ: التَّأكيدُ كقوله تعالى: {أية : وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}تفسير : [البقرة: 260]. قوله: {وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا} اللام في لِمِقَاتِنَا للاختصاص، وكذا في قوله تعالى {أية : لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإسراء: 78]، وليست بمعنى عند. قوله: {وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ}، هذه الفائدة التي لأجلها حضر موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - الميقات واختلفُوا في أنَّهُ تعالى كلَّمَ مُوسَى وحدَه، أو مع أقوام آخرين. وظاهر الآيةِ أنَّهُ تعالى كَلَّمَهُ وحده؛ لأنَّهُ يدلُّ على تخصيص موسى بهذا التَّشريف. وقال القَاضِي: "بل السَّبْعُونَ المختارُونَ سمعوا كلام الله؛ لأن الغرضَ بإحضارهم أن يخبرُوا قومَ موسى عمَّا يَجْرِي هَنَاكَ". فصل دَلَّت الآيةُ على أنَّهُ تعالى يجوز أن يُرَى؛ لأنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - سأل الرُّؤية، ولا شَكَّ أنَّه كان عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على اللَّهِ، فلو كانت الرُّؤية ممتنعة على اللَّه تعالى لما سألها، وأنكرت المعتزلةُ ذلك، والبحثُ في هذه المسألة مذكورة في كتب أصُولِ الدِّينِ. فصل نقل عن ابن عبَّاس أنه قال: جاء موسى ومعه السَّبْعُون، وصعد موسى الجبلَ وبقي السَّبعون في أسفل الجبل، وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، وكتب له في الألواح كتاباً وقرَّبُه نَجِيًّا، فلمَّا سمع موسى صرير القلم عظم شوْقُهُ. فقال: {رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ}. قوله: "أرنِي" مفعولُه الثَّانِي محذوفٌ، تقديره: أرني نَفسكَ، أو ذاتكَ المقدَّسةَ، وإنَّما حذفهُ مبالغةً في الأدب، حيثُ لم يواجِهْهُ بالتَّصريح بالمفعول، وأصل "أرِنِي" "أرْإنِي" فنُقِلَتْ حركةُ الهمزة، وقد تقدَّم تَحْريرُه. فصل فإن قيل: النَّظَرُ إمَّا أن يكون عبارة عن الرُّؤية، أو عن مقدِّمتها، وهي تقليب الحدقة إلى جانب المرئي التِمَاساً لرؤيته، وعلى التَّقديرِ الأولِ: يكون المعنى: أرِنِي حَتَّى أراك، وهذا فاسدٌ، وعلى التقديرِ الثانِي: يكون المعنى: أرِنِي حتى أقلِّبَ الحدقة إلى جانبك وهذا فاسدٌ لوجهين: أحدهما: أنَّهُ يقتضي إثبات الجهة. والثاني: أنَّ تَقْلِيبَ الحدقةِ إلى جهة المرئي مقدمة للرؤية؛ فجعله كالنَّتِيجَةِ عن الرُّؤيةِ وذلك فاسد. فالجوابُ: أن معنى أرِنِي: اجعلني متمكناً من رؤيتك حتَّى أنظر إليك وأرَاكَ. فإن قيل: كيف سأل الرُّؤية وقد علم أنَّهُ لا يرى؟ قال الحسنُ: هاج به الشَّوق؛ فسأل الرؤية. وقيل: سأل الرُّؤية ظَنّاً منه أنَّهُ يجوز أن يرى في الدُّنيا. قوله: "لَن تَرَانِي" قد تقدَّم أنَّ "لَنْ" لا يلزم مِنْ نَفْيِهَا التَّأبِيدُ، وإن كان بعضُهم فهم ذلك، حتى إنَّ ابن عطيَّة قال "فلو بَقينَا على هذا النَّفي المجرَّد لتضمن أنَّ موسى لا يراه أبَداً، ولا في الآخرة لكن ورد من جهةٍ أخرى في الحدث المتواتر أنَّ أهلَ الجنَّةِ يَرَوْنَهُ". قال شهابُ الدِّينِ: "وعلى تقدير أنّ "لَنْ" ليست مقتضيةً للتَّأبيد، فكلامُ ابْنِ عطيَّة وغيره مِمَّنْ يقولُ: إنَّ نفيِ المستقبل بعدها يَعُمُّ جميع الأزمنة المستقبلة - صحيح، لكن لِمَدْرَكٍ آخَرَ، وهو أنَّ الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النَّفي تَعُمُّ، وللبحث فيه مجال". والدليل على أنَّ "لَنْ" لا تقتضي التَّأبيد قوله تعالى: {أية : وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً}تفسير : [البقرة: 95] أخبر عن اليهود، ثم أخبر عنهم أنهم يتمنون الموت في الآخرةِ يقولون: {أية : يَٰمَٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}تفسير : [الزخرف: 77] {أية : يَٰلَيْتَهَا كَانَتِ ٱلْقَاضِيَةَ}تفسير : [الحاقة: 27]. فإن قيل: كيف قال: "لَن تَرَانِي" ولم يقل: لن تنظر إليَّ، حتَّى يُطابق قوله أنظرْ إليكَ؟ فالجوابُ أنَّ النَّظَرَ لمَّا كان مقدمة للرُّؤية كان المقصودُ هو الرُّؤيةُ لا النَّظرُ الذي لا رؤية معه. والاستدراكُ في قوله:{وَلَـٰكِنِ ٱنْظُرْ إِلَى ٱلْجَبَلِ} واضح، فإن قلت: كيف اتصل الاستدراك في قوله: {ولكن انظر إلى الجبل} فالجوابُ: المقصودُ من تعظيمُ أمر الرُّؤيةِ، وأنَّ أحَداً لا يقوى على رؤية الله تعالى إلاَّ إذَا قواه الله بمعونته وتأييده؛ ألا ترى أنَّهُ لما ظهر أثر التَّجلي والرُّؤية للجبل اندكّ؛ فدل ذلك على تعظيم أمر الرُّؤيةِ. فصل وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: كيف اتَّصل الاستدراكُ في قوله: ولكِن انظرْ. قلت: اتَّصَلَ به على معنى أنَّ النَّظر إليَّ محالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر، وهو أن تنظر إلى الجبل. وهذا على رأيه من أنَّ الرُّؤية محالٌ مطلقاً في الدُّنيا، والآخرة. قوله: {فَإِنِ ٱسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي}: عَلَّقَ الرُّؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل على التَّجلي غير مستحيل إذا جعل الله له تلك القوة، والمعلق بما لا يستحيل لا يكون محالاً. قوله {فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ}: قال الزَّجَّاجُ: "تَجَلَّى" أي: "ظهر وبان". ومنه يقالُ: جلوتُ العروس إذا أبْرَزْتهَا، وجلوتُ السَّيف والمرآة: إذا أزلت ما عليهما من الصَّدَأ. وهذا الجبل أعظم جبل بمدين يقال له: زبير. قال ابن عباس: ظهر نُور ربِّهِ للجبل. قوله: "جَعَلهُ دَكّاً" قرأ الأخوان "دَكَّاءَ" بالمدِّ، غير منوَّن، على وزن "حمراء" والباقون بالقصر والتَّنوين، فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين: أحدهما: أنَّها مأخوذةٌ من قولهم: "ناقةٌ دَكَّاء" أي: منبسطة السَّنَام، غير مرتفعة، والمعنى جعله مستوياً. وإما من قولهم: أرض دكاء للناشزة روي أنَّهُ لم يذهب كله، بل ذهب أعلاه. وأمَّا قراءةُ الجماعة فـ "الدَّكُّ" مصدر واقع موقع المفعول به بمعنى المدكوك، أي: مَدْكوكاً، أو من دكَّ، أو على حذف مضاف أي ذا دَكّ، والمعنى: جلعه مدقوقاً والدَّك والدَّقّ واحد، وهو تفتيت الشيء وَسَحْقُهُ. وقيل: تسويته بالأرض. في انتصابه على القراءتين وجهان، أشهرهما: أنَّهُ مفعولٌ ثان لـ "جَعَلَ" بمعنى: صَيَّرَ. والثاني - وهو رأي الأخفش -: أنَّهُ مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير: دَكَّهُ دَكًّا، وأما على القراءة الأولى فهو مفعول فقط أي صيره مثل ناقة دكاء أو الأرض دكاً. وقرأ ابنُ وثَّاب دُكّاً بضم الدَّالِ والقصر، وهو جمع دَكَّاء بالمد، كـ: حُمْر في حمراء، وغُرّ في غَرَّاء أي: جعله قِطَعاً. قال الكلبي: كسراً جبالاً صغاراً. ووقع في بعض التَّفاسير أنَّه تكسر سِتَّة أجْبُلِ، ووقعت ثلاثة بالمدينة: أحد، وودقان، ورضوى، ووقعت ثلاثة بمكة: ثور، وثبير، وحِرَاء. قوله: {وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}. الخُرُورُ: السُّقُوطُ كذا أطلقه أبو حيَّان وقيَّدَهُ الرَّاغب بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوت الماءِ والريحِ. ويقال كذلك لما يَسْقُطُ من علوٍّ وصَعِقاً حالٌ مقارنةٌ. قال اللَّيْثُ: الصَّعْقُ مثل الغَشْي يأخذُ الإنسانَ والصَّعْقَةُ الغشي. يقال: صُعِقَ الرَّجُلُ يُصْعَقُ، فهو مصعوق. قال ابنُ عبَّاس: مَغْشياً عليه. وقال قتادةُ: ميتاً. يقال: صَعِقَ إذا مات. قال تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الزمر: 68] فسَّرُوه بالموتِ. وقال: {أية : يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ}تفسير : [الطور: 45] أي: يموتون. قال الزمخشريُّ: "صعق أصله من الصَّاعقة". والقولُ الأوَّلُ أولى؛ لقوله تعالى {فَلَمَّآ أَفَاقَ}. قال الزَّجَّاجُ: ولا يقال للميتِ: قد أفاق من موته، وقال تعالى في الذين ماتوا ثم أحيوا: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ}تفسير : [البقرة: 56]. قوله: {فَلَمَّآ أَفَاقَ} الإفاقة: رجوعُ الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنونٍ أو سُكرٍ ومنه إفاقة المريض، وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحلب، وهي رجوع الدِّرِّ إلى الضَّرع. يُقال: اسْتَفِقْ ناقَتَكَ أي: اتركها حتَّى يعود لَبَنُها، والفُواق: ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه [ص15] إن شاء الله تعالى. قوله سُبْحَانَكَ أي: تنزيهاً لك من أن أسألك شيئاً بغير إذنك تُبْتُ إليكَ من سؤال الرُّؤية في الدُّنيا، أو من سؤال الرُّؤية بغير إذنك. {وَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بأنك لا تُرَى في الدنيا، أو بأنَّه لا يجوز السُّؤال منك إلاَّ بإذنك. وقيل: أوَّلُ المؤمنين من قومي. وقيل: من بني إسرائيل في هذا العصر.

القشيري

تفسير : ما ازداد موسى - عليه السلام - في تعديد إنعام الله عليهم، وتنبيهم على عظيم آلائه إلا ازدادوا جحداً، وبُعداً بالقلوب - عن محل العرفان - على بُعْد، وهذه أمارة من بلاه - سبحانه - في السابق بالقطع والرد.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن عامر {نجيناكم} على لفظ الماضي. الباقون "أنجيناكم" وقرأ نافع وحده {يَقتلون} بالتخفيف. الباقون بالتشديد. من شدد أراد التكثير. ومن خفف، فلأنه يحتمل القلة والكثرة. وقد مضى تفسير مثل هذه الآية في سورة البقرة فلا وجه للتطويل بتفسيرها، وإِنما نذكر جملها، فنقول: هذا خطاب لبقية بني اسرائيل الذين كانوا في زمن النبى (صلى الله عليه وسلم) فقال لهم على وجه الامتنان عليهم بما أنعم على آبائهم وأسلافهم واذكروا {إِذ أنجيناكم} من آل فرعون بمعنى خلصناكم لأن النجاة الخلاص مما يخاف الى رفعة من الحال، وأصله الارتفاع، فمنه النجا أي الارتفاع في السير، ومنه قوله {أية : ننجيك ببدنك}تفسير : أي نلقيك على نجوة من الأرض، والنجو كناية عن الحدث، لأنه كان يلقى بارتفاع من الارض للابعاد به، وقد كان أيضاً يطلب به الانخفاض للابعاد به. والفرق بين (أنجيناكم) وبين (نجيناكم) أن ألف (أنجيناكم) للتعدية وتشديد (نجيناكم) يحتمل التعدية، ويحتمل التكثير. وقوله تعالى {يسومونكم} معناه يولونكم اكراها ويحملونكم اذلالا {سوء العذاب} وأصل السوم مجاوزة الحدِّ فمنه السوم في البيع، وهو تجاوز الحد في السعر الى الزيادة، والسائمة من الابل الراعية، لأنها تجاوزت حد الانبات للرعي، ومنه فلان سيم الخسف أي ألزمه إِكراهاً، و (السوء) مأخوذ من أنه يسوء النفس لنافرية لها. {يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم} معناه إِن فرعون كان يقتل من تولد من بني اسرائيل ذكراً ويستبقي الإِناث للاستخدام. وقوله تعالى {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} فالمراد بالبلاء ها هنا النعمة وقد يكون بمعنى النقمة، وأصله المحنة، فتارة تكون المحنة بالنعمة، وأخرى بالنقمة، وبالخير تارة وبالشر أخرى.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ} عطف على قوله {أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً} بتقدير اذكروا اى قال موسى (ع) اذكروا اذا انجنياكم، ونسبة الانجاء الى نفسه مع الله لكونه سبباً او عطف على اورثنا بتقدير قلنا اذكروا اذا انجيناكم فيكون خطاباً من الله معكم وتذكيراً لهم بالنّعمة العظيمة الّتى هى الخلاص من شدّة عذاب آل فرعون {يَسُومُونَكُمْ} يكلّفونكم {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} والجملة مستأنفة جواب لسؤال مقدّرٍ او حال {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} بدل من الاولى بدل التّفصيل من الاجمال او مسأنفة او حال مترادفة، او متداخلة {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يستبقون بناتكم للاسترقاق او يفتّشون حياء نساءكم اى فروجهنّ لتجسّس العيب كالاماء، او تجسّس الحمل وقد سبق فى اوّل سورة البقرة تفصيله {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ} ابتلاء ومحنة {مِّن رَّبِّكُمْ} على ايدى اعدائه {عَظِيمٌ} وتفسير البلاء بالنّعمة وجعل الانجاء مشاراً اليه بعيد.

اطفيش

تفسير : {وإذْ أنْجينَاكُم} أى قال الله لهم: واذكروا إذ أنجيناكم، ويجوز أن يكون هذا من جملة كلام موسى، فيكون ضمير المتكلم له، وإنما أسند الإنجاء إلى نفسه لوقوعه على يده وبسببه، وهذا أولى من الوجه الأول، فليس قوله: {من ربكم} التفاتا بخلافه على الوجه الأول، ففيه التفات من تكلم لغيبة، ويقوى هذا الوجه الأخير قراءة ابن عامر: وإذ أنجاكم، أى الله، ولو كانت تحتمل الأول بأن يكون المعنى قال الله: واذكروا إذ أنجاكم الله، والذى فى صحف الشام قراءة ابن عامر، وقرئ وإذ نجيناكم بالتشديد. {مِنْ آلِ} قوم {فِرْعَونَ} وجملة {يسُومُونكم} حال من الكاف، أو من آل، أو منها أو مستأنفة لبيان ما منهم منه الانجاء، أو المصدر منها بدل اشتمال من آل، فتكون إن محذوفة رفع الفعل بعد حذفها وما مر أولى، والسوم الطلب، سام السلعة طلبها، والكاف على تقدير اللام فقوله: {سُوءَ العَذابِ} مفعول به، أى يطلبون لكم سوء العذاب، أو يسومونكم بمعنى يذوقونكم أو يكلفونكم، فسوء مفعول ثان، ومنه سوم السلعة أيضا، فإن مساومها يكلف صاحبها وقوع البيع وإرادته أو بمعنى يعذبونكم، فسوء مفعول مطلق، وسوء العذاب هو ما لا يحتمل، وجملة {يُقتِّلونَ} بالتخفيف عند نافع {أبْناءَكُم} بدل مطابق بالنظر إلى الجملة المعطوفة عليها، وهى قوله: {ويسْتَحيُونَ نِساءَكُم} يتركونهم أحياء، وفيه بيان لذلك السوم، وتشديد يقتِّلون فى قراءة ابن عامر وغيره للمبالغة. {وفى ذَلكُم} الإشارة إلى سوء العذاب {بلاءٌ} امتحان {مِنْ ربِّكم عَظيمٌ} أو إلى الإنجاء، أى وفى إنجائكم امتحان عظيم لكم، هل تشكرون الله عليه؟ وقيل: إذا جعلنا الإشارة إلى الإنجاء فالبلاء بمعنى النعمة، وما ذكرته أولى، وقال الطبرى قوله: {وإذ أنجيناكم} إلى {عظيم} خوطب به من كان من بنى إسرائيل على عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تقريعا لهم بما فعل بأوائلهم، وما ذكرته بوجهيه أولى.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ} واذكروا يا بنى إِسرائيل وقت أَنجيناكم، أَو اذكروا إِنعامه عليكم إِذ، أَو الواقع إِذ، وهذا تذكير بالنعمة ليشكروها، ويتركوا الكفر، وهو من كلام موسى عليه السلام، وإِسناد الإِنجاءِ إِليه مجاز لعلاقة السببية، والمنجى حقيقة هو الله، ويجوز أَن يكون من كلام الله أَوحاه فى ذلك الزمان إِليهم {مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} من استعبادهم لكم، واستخدامكم وقتلكم، إِنجاء دائما بإِغراقهم وذلك نعمة لا تنقص بخلاف ما لو أَنجاهم منهم مع بقاءِ حياتهم متمكنين قادرين أَو غير متمكنين {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} مستأَنف لبيان ما منه الإِنجاء، أَو حال من أَل، أَو من الكاف، أَو بدل من الجملة، أَى يعذبونكم العذاب السوءَ، أَو بسوءِ العذاب، أَو ضمن معنى التعدى لاثنين، أَى يكلفونكم، أَو يذيقونكم سوءَ العَذاب، وهو أَشده. {يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} استئناف لبيان قوله عز وجل يسومونكم سوءَ العذابِ، أَو بدل منه، واستحياء النساء إِبقاؤهن بلا قتل سواء الولودات الصغار والكبار، أَو طب المكرهات على السقط {وَفِى ذَلِكُمْ} الإِنجاء من آل فرعون، أَو فى ذلكم العذاب {بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} أَى ابتلاء وامتحان، أَو البلاء النعمة لأَن البلاءَ مشترك بين النعمة والمحنة، فالله يختبر شكر عباده بالنعمة وصبرهم بالمحنة "أية : فأَما الإنسان إِذا ما ابتلاه ربه فأَكرمه ونعمه" تفسير : [الفجر: 15] "أية : وبلوناهم بالحسنات والسيئات" تفسير : [الأَعراف: 168]"أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة"تفسير : [الأَنبياء: 35] ويجوز أَن يراد الامتحان والنعمة استعمالا للكلمة فى معانيها.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَونَ} بإهلاكهم وتخليصكم منهم، و {إِذْ} إما مفعول به لاذكروا محذوفاً بناءً على القول بأنها تخرج عن الظرفية أي اذكروا ذلك الوقت ويكون ذلك كناية عن ذكر ما فيه وإما ظرف لمفعول اذكروا المحذوف أي اذكروا صنيعنا معكم في ذلك الوقت، وهو تذكير من جهته تعالى بنعمته العظيمة وقرىء {نَجَّيْنَـٰكُم} من التنجية، وقرأ ابن عامر {أَنجَاكُمْ} فيكون من مقول موسى عليه السلام، وقال بعضهم: إنه على قراءة الجمهور أيضاً كذلك على أن ضمير أنجينا لموسى وأخيه عليهما السلام أولهما ولمن معهما أو له وحده عليه السلام مشيراً بالتعظيم إلى تعظيم أمر الإنجاء وهو خلاف الظاهر، وقيل: إنه من كلام الله تعالى تتميماً لكلام موسى عليه السلام كما في قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً } تفسير : [طه: 53] بعد قوله سبحانه: {أية : ٱلَّذِى جَعَل لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً } تفسير : [طه: 53] وهو كالتفسير لقوله سبحانه: {أية : وَهُوَ فَضَّلَكُمْ } تفسير : [الأعراف: 140]. وقوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سوءَ ٱلْعَذَابَ} أي يولونكم ذلك ويكلفونكم إياه إما استئناف بياني، كأنه قيل: ما فعل بهم أو مم أنجوا؟ فأجيب بما ذكر، وإما حال من ضمير المخاطبين أو من {ءَالِ فِرْعَونَ} أو منهما معاً لاشتماله على ضميرهما. وقوله عز اسمه: {يُقَتّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} بدل من {يَسُومُونَكُمْ} مبين له، ويحتمل الاستئناف أيضاً {وَفِى ذٰلِكُمْ} الإنجاء أو سوء العذاب {بَلاۤءٌ} نعمة أو محنة، وقيل: المراد به ما يشملهما {مِّن رَّبِّكُمْ} أي مالك أموركم {عَظِيمٌ} لا يقادر قدره. وفي الآية التفات على بعض ما تقدم، ثم إن هذا الطلب لم يكن كما قال محيـي السنة البغوي عن شك منهم بوحدانية الله تعالى وإنما كان غرضهم إلهاً يعظمونه ويتقربون بتعظيمه إلى الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر بالديانة وكان ذلك لشدة جهلهم كما أذنت به الآيات، وقيل: إن غرضهم عبادة الصنم حقيقة فيكون ذلك ردة منهم، وأياً ما كان فالقائل بعضهم لا كلهم، وقد اتفق في هذه الأمة نحو ذلك فقد أخرج الترمذي وغيره عن أبـي واقد الليثي«حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة حنين فمر بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم ويعكفون حولها يقال لها ذات أنواط فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «سبحان الله» وفي رواية «الله أكبر» هذا كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم» تفسير : وأخرج الطبراني وغيره من طريق كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده «حديث : قال غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح ونحن ألف ونيف ففتح الله تعالى مكة وحنيناً حتى إذا كنا بين حنين والطائف في أرض فيها سدرة عظيمة كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط فكانت تعبد من دون الله فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم صرف / عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها فقال له رجل: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها السنن قلتم ـ والذي نفس محمد بيده ـ كما قالت بنو إسرائيل {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] » تفسير : وفي هذا الخبر تصريح بأن القائل رجل واحد، ولعل ذلك كان عن جهل يعذر به ولا يكون به كافراً وإلا لأمره صلى الله عليه وسلم بتجديد الإسلام ولم ينقل ذلك فيما وقفت عليه، والناس اليوم قد اتخذوا من قبيل ذات الأنواط شيئاً كثيراً لا يحيط به نطاق الحصر، والآمر بالمعروف أعز من بيض الأنوق والامتثال بفرض الأمر منوط بالعيوق والأمر لله الواحد القهار.

ابن عاشور

تفسير : من تتمة كلام موسى عليه السلام كما يقتضيه السياق، ويعضده قراءة ابن عامر: {واذ أنجاكم} والمعنى: أأبتغي لكم إلاهاً غير الله في حال أنه فضلكم على العالمين، وفي زمان أنجاكم فيه من آل فرعون بواسطتي، فابتغاء إلاه غيره كفران لنعمته، فضمير المتكلم المشارَك يعود إلى الله وموسى، ومعاده يدل عليه قوله: {أية : أغير الله أبغيكم إلٰهاً} تفسير : [الأعراف: 140]. ويجوز أن يكون هذا امْتناناً من الله اعترضه بين القصة وعدَةِ موسى عليه السلام انتقالاً من الخبر والعبرة إلى النعمة والمنة، فيكون الضمير ضَمير تعظيم، وقرأ الجمهور: {أنجيناكم} بنون المتكلم المشارك، وقرأه ابن عامر: {وإذ أنجاكم} على إعادة الضمير إلى الله في قوله: {أية : أغير الله أبغيكم إلٰهاً} تفسير : [الأعراف: 140]، وكذلك هو مرسوم في مصحف الشام فيكون من كلام موسى وبمجموع القراءتين يحصُل المعنيان. و{إذ} اسم زمان، وهو مفعول به لفعل محذوف تقديره: واذكروا. واختار الطبري وجماعة أن يكون قوله: {وإذ أنجيناكم} خطاباً لليهود الموجودين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم فيكون ابتداء خطاب افتتح بكلمة (إذ)، والتعريض بتذكير المشركين من العرب قد انتهى عند قوله: {أية : وهو فضلكم على العالمين} تفسير : [الأعراف: 140] وسورة الأعراف مكية ولم يكن في المكي من القرآن هو مجادلة مع اليهود. وقوله: {يسومونكم سوء العذاب} إلى آخر الآية تقدم تفسير مشابهتها في سورة البقرة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 141- واذكروا إذ أنجاكم اللَّه تعالى بعنايته من آل فرعون الذين كانوا يذيقونكم أشد العذاب، ويسخرونكم لخدمتهم فى مشاق الأعمال، ولا يرون لكم حرمة كالبهائم، فيقتلون ما يولد لكم من الذكور، ويستبقون الإناث لكم لتزدادوا ضعفا بكثرتهن، وفيما نزل بكم من تعذيب فرعون لكم وإنجائكم منه، اختبار عظيم من ربكم ليس وراءه بلاء واختبار. 142- وواعدنا موسى بالمناجاة وإعطاء التوراة عند تمام ثلاثين ليلة يتعبد فيها، وأتممنا مدة الوعد بعشر ليال يستكمل فيها عبادته، فصارت المدة أربعين ليلة، وقال موسى لأخيه هارون حين توجه للمناجاة: كن خليفتى فى قومى، وأصلح ما يحتاج إلى الإصلاح من أمورهم، واحذر أن تتبع طريق المفسدين. 143- ولما جاء لمناجاتنا، وكلَّمه ربه تكليما ليس كتكليمنا، قال رب أرنى ذاتك، وتجلَّ لى أنظر إليك فأزداد شرفا، قال: لن تطيق رؤيتى. ثم أراد سبحانه أن يقنعه بأنه لا يطيقها فقال: لكن انظر إلى الجبل الذى هو أقوى منك، فإن ثبت مكانه عند التجلى فسوف ترانى إذا تجليت لك. فلما ظهر ربه للجبل على الوجه اللائق به تعالى، جعله مفتتا مستويا بالأرض، وسقط موسى مغشياً عليه لهول ما رأى، فلما أفاق من صعقته قال: أنزهك يا رب تنزيها عظيما عن أن تُرى فى الدنيا، إنى تبت إليك من الإقدام على السؤال بغير إذن، وأنا أول المؤمنين فى زمانى بجلالك وعظمتك. 144- لما منع اللَّه موسى من رؤيته، عدد عليه نعمه ليتسلى بها عن المنع فقال: يا موسى إنى فضلتك واخترتك على أهل زمانك، بتبليغ أسفار التوراة وبتكليمى إياك من غير واسطة، فخذ ما فضلتك به، واشكرنى كما يفعل الشاكرون المقدرون للنعم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنْجَيْنَاكُمْ} {آلِ} (141) - وَاذْكُرُوا، يَا بَنِي إِسْرائيلَ، إِذْ أَنْجَاكُمُ اللهُ تَعَالَى، - بِإِرْسَالِ مُوسَى إِلَيْكُمْ، وَبِمَا أَيَّدَهُ رَبُّهُ بِهِ مِنَ الآيَاتِ - مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ الذِينَ كَانُوا يُرْهِقُونَكُمْ بِالعَذَابِ، وَسُوءِ المُعَامَلَةِ، فَيَقْتُلُونَ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَائِكُمْ، وَيَسْتَبْقُونَ الإِنَاثَ زِيَادَةً فِي التَّنْكِيلِ وَالإِذْلاَلِ، وَذلِكَ بلاءٌ عَظِيمٌ، ابتَلاَكُمْ بِهِ اللهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وإذا سمعت "إذ" فافهم ان معناها ظرف زمان يريد الحق أن نتذكر ما حدث فيه، و"إذ" يعني جيداً ولا يغيب عن بالكم حين أنجاكم الله من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب وأفظعه وأشده. ويقول بعدها مبيناً ومفسراً ذلك العذاب: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}. ونلحظ أنه لم يأت بالعطف هنا، فلم يقل: يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم. مما يدل على أنه جاء بقمة سوء العذاب؛ لأن الاحتقار، والتسخير هما جزء من العذاب. لكن قمة العذاب هي تقتيل الأبناء، واستحياء النساء. وفي آية ثانية يقول سبحانه: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ...} تفسير : [البقرة: 49] أي أنهم تعرضوا للتقتيل، وتعرضوا للتذبيح، وفي آية ثالثة يقول: {أية : إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ...} تفسير : [إبراهيم: 6] لقد جاء بـ"الواو" هنا للعطف. لأن المتكلم هنا مختلف، فقد يكون المتكلم الله، وسبحانه يمتن بقمة النعم. لكن: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ}، فموسى يمتن بكل النعم التي ساقها الله إلى بني إسرائيل صغيرة وكبيرة. ويذيل الحق الآية الكريمة: {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}. هو بلاء شديد الإِيلام والوقع لفراق من يقتل أو يذبح، وبلاء آخر في الهم والحزن على من يستبقي من النساء لاستباحة أعراضهن وامتهانهن في الخدمة. ويقول الحق بعد ذلك: {وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ...}

الجيلاني

تفسير : {وَ} اذكروا {إِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ} حين {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي: يعلمونكم به، وذلك إنهم {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} حتى لا تستكثروا وتستظهروا بهم {وَ} أقبح منه أنهم {يَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} ليلحق العار عليكم بتزوجهن بلا نكاح {وَ} لكم {فِي ذٰلِكُمْ} المذكور من العذاب {بَلاۤءٌ} اختبار وابتلاْ {مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [الأعراف: 141] فأنجيناكم منه؛ لتقيموا بذكرنا وتواظبوا بشكر نعمنا وتتفطنوا بتوحيدنا واستلائنا، ومع ذلك لم تنتبهوا. {وَ} اذكروا؛ إذ {وَاعَدْنَا مُوسَىٰ} قبل إهلاكنا فرعون بأن أخلص لنا {ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} من ذي القعدة بأن صام فيها وصلى بعد هلاك عدوه، ننزل عليه من عندنا كتاباً نبيِّن له فيه التدابير المتعلقة لأمور معاش بني إسرائيل ومعادهم، ثم لما أهلكنا العدو فذهب موسى إلى ميقاتنا إنجازاً لوعدنا {وَ} قبل ما تم المدة المذكورة أنكر خلوف فمه فتسوك قالت الملائكة: كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك لذلك {أَتْمَمْنَاهَا} أي: مدة ميقاتها بأن أمر موسى كفارة لما فوت بالسواك {بِعَشْرٍ} أي: بعشرة أيام من ذي الحجة {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وبعدما أتمها فأنزلنا إنجازاً لوعدنا التوراة المبين لهم الأحكام الدنيوية والأخروية، وذلك من أعظم النعم. {وَ} اذكر أيضاً؛ إذ {قَالَ مُوسَىٰ لأَخِيهِ هَارُونَ ٱخْلُفْنِي} عني {فِي قَوْمِي} واذكر لهم مما يتعلق بأمور معاشهم ومعادهم نيابة عني {وَأَصْلِحْ} بينهم، واحفظ عن زيغ أهل الضلال {وَلاَ تَتَّبِعْ} أنت ومن معك {سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ} [الأعراف: 142] الذين يفسدون عقائد ضعفاء الأنام بالتمويهات الباطلة، ومع ذلك اتبعتم السامري من خبث طينتكم.