٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
175
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد رحمهم الله: نزلت هذه الآية في بلعم بن باعوراء، وذلك لأن موسى عليه السلام قصد بلده الذي هو فيه، وغزا أهله وكانوا كفاراً، فطلبوا منه أن يدعو على موسى عليه السلام وقومه، وكان مجاب الدعوة، وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه منه حتى دعا عليه فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه. فقال: بدعاء بلعم. فقال: كما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان، فسلخه الله مما كان عليه ونزع منه المعرفة. فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فهذه قصته. ويقال أيضاً: إنه كان نبياً من أنبياء الله، فلما دعا عليه موسى انتزع الله منه الإيمان وصار كافراً. وقال عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وأبو روق: نزلت هذه الآية في أمية بن أبي الصلت، وكان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمداً عليه الصلاة والسلام حسده، ثم مات كافراً، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : آمن شعره وكفر قلبه»تفسير : يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده من خلق السموات والأرض، وأحوال الآخرة، والجنة والنار. وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام وأمر المنافقين باتخاذ مسجد ضرار، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم، فمات هناك طريداً وحيداً، وهو قول سعيد بن المسيب. وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، عن الحسن والأصم وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض عنه، وهو قول قتادة، وعكرمة، وأبي مسلم. فإن قال قائل: فهل يصح أن يقال: إن المذكور في هذه الآية كان نبياً، ثم صار كافراً؟ قلنا: هذا بعيد، لأنه تعالى قال: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ }تفسير : [الأنعام: 124] وذلك يدل على أنه تعالى لا يشرف عبداً من عبيده بالرسالة، إلا إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد الشرف، والدرجات العالية، والمناقب العظيمة، فمن كان هذا حاله، فكيف يليق به الكفر؟ أما قوله تعالى: {ءَاتينٱهُ ءَايٱتنا فانسلخ منها} ففيه قولان: القول الأول: {آتيناه آياتنا} يعني: علمناه حجج التوحيد، وفهمناه أدلته، حتى صار عالماً بها {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } أي خرج من محبة الله إلى معصيته، ومن رحمة الله إلى سخطه، ومعنى انسلخ: خرج منها. يقال لكل من فارق شيئاً بالكلية انسلخ منه. والقول الثاني: ما ذكره أبو مسلم رحمه الله، فقال قوله: {ءَاتينٱهُ ءَايٱتنا } أي بيناها فلم يقبل وعرى منها، وسواء قولك: انسلخ، وعرى، وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر، ونظيره قوله تعالى: {أية : يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ آمنوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً } تفسير : [النساء: 47] وقال في حق فرعون: {أية : وَلَقَدْ أَرَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ }تفسير : [طه: 56] وجائز أن يكون هذا الموصوف فرعون، فإنه تعالى أرسل إليه موسى وهارون، فأعرض وأبى، وكان عادياً ضالاً متبعاً للشيطان. واعلم أن حاصل الفرق بين القولين: هو أن هذا الرجل في القول الأول، كان عالماً بدين الله وتوحيده، ثم خرج منه، وعلى القول الثاني لما آتاه الله الدلائل والبينات امتنع من قبولها، والقول الأول أولى، لأن قوله انسلخ منها يدل على أنه كان فيها ثم خرج منها، وأيضاً فقد ثبت بالأخبار أن هذه الآية إنما نزلت في إنسان كان عالماً بدين الله تعالى، ثم خرج منه إلى الكفر والضلال. أما قوله: {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } ففيه وجوه: الأول: أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم، أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له. والثاني: قال عبد الله بن مسلم {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } أي أدركه. يقال: أتبعت القوم. أي لحقتهم. قال أبو عبيدة: ويقال: أتبعت القوم، مثال: أفعلت إذا كانوا قد سبقوك فلحقتهم. ويقال: ما زلت أتبعهم حتى أتبعتهم. أي حتى أدركتهم. وقوله {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } أي أطاع الشيطان فكان من الظالمين. قال أهل المعاني: المقصود منه بيان أن من أوتي الهدى، فانسلخ منه إلى الضلال والهوى والعمى، ومال إلى الدنيا، حتى تلاعب به الشيطان كان منتهاه إلى البوار والردى، وخاب في الآخرة والأولى، فذكر الله قصته ليحذر الناس عن مثل حالته. وقوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا } قال أصحابنا معناه: ولو شئنا رفعناه للعمل بها، فكان يرفع بواسطة تلك الأعمال الصالحة منزلته، ولفظة (لَوْ) تدل على انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فهذا يدل على أنه تعالى قد لا يريد الإيمان، وقد يريد الكفر. وقالت المعتزلة: لفظ الآية يحتمل وجوهاً أخرى سوى هذا الوجه. فالأول: قال الجبائي معناه: ولو شئنا لرفعناه بأعماله، بأن نكرمه، ونزيل التكليف عنه، قبل ذلك الكفر حتى نسلم له الرفعة، لكنا رفعناه بزيادة التكليف بمنزلة زائدة، فأبى أن يستمر على الإيمان. الثاني: لو شئنا لرفعناه، بأن نحول بينه وبين الكفر، قهراً وجبراً، إلا أن ذلك ينافي التكليف. فلا جرم تركناه مع اختياره. والجواب عن الأول: أن حمل الرفعة على الإماتة بعيد، وعن الثاني: أنه تعالى إذا منعه منه قهراً، لم يكن ذلك موجباً للثواب والرفعة. ثم قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } قال أصحاب العربية: أصل الإخلاد اللزوم على الدوام، وكأنه قيل: لزم الميل إلى الأرض، ومنه يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا لزم الإقامة به. قال مالك بن سويد:شعر : بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا تفسير : قال ابن عباس: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلاْرْضِ } يريد مال إلى الدنيا، وقال مقاتل: بالدنيا، وقال الزجاج: سكن إلى الدنيا. قال الواحدي: فهؤلاء فسروا الأرض في هذه الآية بالدنيا، وذلك لأن الدنيا هي الأرض، لأن ما فيها من العقار والضياع وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان مستخرج من الأرض، وإنما يقوى ويكمل بها، فالدنيا كلها هي الأرض، فصح أن يعبر عن الدنيا بالأرض، ونقول: لو جاء الكلام على ظاهره لقيل لو شئنا لرفعناه، ولكنا لم نشأ، إلا أن قوله: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } لما دل على هذا المعنى لا جرم أقيم مقامه قوله: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } معناه: أنه أعرض عن التمسك بما آتاه الله من الآيات واتبع الهوى، فلا جرم وقع في هاوية الردى، وهذه الآية من أشد الآيات على أصحاب العلم، وذلك لأنه تعالى بعد أن خص هذا الرجل بآياته وبيناته، وعلمه الاسم الأعظم، وخصه بالدعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب، وذلك يدل على أن كل من كانت نعم الله في حقه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى وأقبل على متابعة الهوى، كان بعده عن الله أعظم، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من ازداد علماً، ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلا بعداً»تفسير : أو لفظ هذا معناه. ثم قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } قال الليث: اللهث هو أن الكلب إذا ناله الإعياء عند شدة العدو وعند شدة الحر، فإنه يدلع لسانه من العطش. واعلم أن هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلاب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وأخس الحيوانات هو الكلب، وأخس الكلاب هو الكلب اللاهث، فمن آتاه الله العلم والدين فمال إلى الدنيا، وأخلد إلى الأرض، كان مشبهاً بأخس الحيوانات، وهو الكلب اللاهث، وفي تقرير هذا التمثيل وجوه: الأول: أن كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب اللاهث فإنه يلهث في حال الإعياء، وفي حال الراحة، وفي حال العطش، وفي حال الري، فكان ذلك عادة منه وطبيعة، وهو مواظب عليه كعادته الأصلية، وطبيعته الخسيسة، لا لأجل حاجة وضرورة، فكذلك من آتاه الله العلم والدين أغناه عن التعرض لأوساخ أموال الناس، ثم إنه يميل إلى طلب الدنيا، ويلقى نفسه فيها، كانت حاله كحال ذلك اللاهث، حيث واظب على العمل الخسيس، والفعل القبيح، لمجرد نفسه الخبيثة. وطبيعته الخسيسة، لا لأجل الحاجة والضرورة. والثاني: أن الرجل العالم إذا توسل بعلمه إلى طلب الدنيا، فذاك إنما يكون لأجل أنه يورد عليهم أنواع علومه ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، ولا شك أنه عند ذكر تلك الكلمات، وتقرير تلك العبارات يدلع لسانه، ويخرجه لأجل ما تمكن في قلبه من حرارة الحرص وشدة العطش إلى الفوز بالدنيا، فكانت حالته شبيهة بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه أبداً من غير حاجة ولا ضرورة، بل بمجرد الطبيعة الخسيسة والثالث: أن الكلب اللاهث لا يزال لهثة البتة، فكذلك الأنسان الحريص لا يزال حرصه ألبتة. أما قوله تعالى: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ } فالمعنى أن هذا الكلب إن شد عليه وهيج لهث وإن ترك أيضاً لهث، لأجل أن ذلك الفعل القبيح طبيعة أصلية له، فكذلك هذا الحريص الضال إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال لأجل أن ذلك الضلال والخسارة عادة أصلية وطبيعية ذاتية له. فإن قيل: ما محل قوله: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث }. قلنا: النصب على الحال، كأنه قيل كمثل الكلب ذليلاً لاهثاً في الأحوال كلها. ثم قال تعالى: {ذٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَـٰتِنَا } فعم بهذا التمثيل جميع المكذبين بآيات الله قال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله، ثم جاءهم من لا يشكون في صدقه وديانته فكذبوه، فحصل التمثيل بينهم وبين الكلب الذي إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث لأنهم لم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما جاءهم الرسول فبقوا على الضلال في كل الأحوال مثل هذا الكلب الذي بقي على اللهث في كل الأحوال. ثم قال: {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ } يريد قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } يريد يتعظون.
القرطبي
تفسير : ذكر أهل الكتاب قصة عرفوها في التوراة. وٱختُلف في تعيين الذي أوتي الآيات. فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بَلْعَامُ بن باعُوراء، ويقال ناعم، من بني إسرائيل في زمن موسىٰ عليه السلام، وكان بحيث إذا نظر رأىٰ العرش. وهو المعني بقوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف مِحْبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه. ثم صار بحيث أنه كان أوّل من صنّف كتاباً في أن «ليس للعالم صانع». قال مالك بن دينار: بُعث بلعام بن باعوراء إلى مَلِك مَدْين ليدعوه إلى الإيمان؛ فأعطاه وأقطعه فٱتبع دينه وترك دين موسىٰ؛ ففيه نزلت هذه الآيات. روىٰ المُعْتَمِر بنُ سليمان عن أبيه قال: كان بلعام قد أوتي النّبوّة، وكان مجابَ الدعوة، فلما أقبل موسىٰ في بني إسرائيل يريد قتال الجبّارين، سأل الجبارون بلعام بن باعوراء أن يدعُوَ على موسىٰ فقام ليدعُوَ فتحوّل لسانه بالدعاء على أصحابه. فقيل له في ذلك؛ فقال: لا أقدر على أكثر مما تسمعون؛ وٱندلع لسانه على صدره. فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، وسأمكر لكم، فإني أرى أن تُخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنىٰ، فإن وقعوا فيه هلكوا؛ ففعلوا فوقع بنو إسرائيل في الزنىٰ، فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً، وقد ذكر هذا الخبر بكماله الثَّعْلبيّ وغيره. ورُوي أن بلعام بن باعوراء دعا ألا يدخل موسى مدينة الجبارين، فاستُجيب له وبقي في التِّيه. فقال موسىٰ: يا ربّ بأي ذنب بقينا في التِّيه. فقال: بدعاء بلعام. قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه. فدعا موسىٰ أن ينزع الله عنه الاسم الأعظم؛ فسلخه الله ما كان عليه، وقال أبو حامد في آخر كتاب منهاج العارفين له: وسمعت بعض العارفين يقول إن بعض الأنبياء سأل الله تعالىٰ عن أمر بلعام وطرده بعد تلك الآيات والكرامات، فقال الله تعالىٰ: لم يشكرني يوماً من الأيام على ما أعطيته، ولو شكرني على ذلك مَرّة لما سلبته. وقال عكرمة: كان بلعام نبياً وأوتي كتاباً. وقال مجاهد: إنه أوتي النبوّة؛ فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه. قال الماوردِيّ: وهذا غير صحيح؛ لأن الله تعالىٰ لا يصطفي لنبوّته إلا من علم أنه لا يخرج عن طاعته إلى معصيته. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص وزيد بن أسلم: نزلت في أميّة بن أبي الصَّلْت الثَّقفِيّ، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسِل رسولاً في ذلك الوقت، وتمنّىٰ أن يكون هو ذلك الرسول، فلما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به. وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : آمن شِعْره وَكَفر قلبه»تفسير : . وقال سعيد بن المُسَيِّب: نزلت في أبي عامر بن صَيْفي، وكان يلبس المُسُوح في الجاهلية؛ فكفر بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. وذلك أنه دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة فقال: يا محمد، ما هذا الذي جئت به؟ قال: «حديث : جئتُ بالحنيفيّة دينِ إبراهيم»تفسير : . قال: فإني عليها. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لستَ عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها»تفسير : . فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريداً وحيداً. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : نعم أمات الله الكاذب منا كذلك»تفسير : وإنما قال هذا يُعَرّض برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث خرج من مكة. فخرج أبو عامر إلى الشام ومَرّ إلى قَيْصر وكتب إلى المنافقين: ٱستعدُّوا فإني آتيكم من عند قَيْصر بجند لنُخرج محمداً من المدينة؛ فمات بالشام وحيداً. وفيه نزل: {أية : وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ} تفسير : [التوبة: 107] وسيأتي في براءة. وقال ابن عباس في رواية: نزلت في رجل كان له ثلاث دعوات يُستجاب له فيها، وكانت له امرأة يقال لها «البَسُوس» فكان له منها ولد؛ فقالت: ٱجعل لي منها دعوة واحدة. فقال: لك واحدة، فما تأمرين؟ قالت: ٱدع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه؛ فدعا الله عليها أن يجعلها كلبة نباحة. فذهب فيها دعوتان؛ فجاء بنوها وقالوا: لا صبر لنا عن هذا، وقد صارت أمنا كلبة يعيّرنا الناس بها، فٱدع الله أن يردها كما كانت؛ فدعا فعادت إلى ما كانت، وذهبت الدعوات فيها. والقول الأوّل أشهر وعليه الأكثر. قال عبادة ابن الصامت: نزلت في قريش، آتاهم الله آياته التي أنزلها الله تعالىٰ على محمّد صلى الله عليه وسلم فٱنسلخوا منها ولم يقبلوها. قال ٱبن عباس: كان بلعام من مدينة الجبارين. وقيل: كان من اليمن. {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي من معرفة الله تعالىٰ، أي نزع منه العلم الذي كان يعلمه. وفي الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : العلم علمان علم في القلب فذلك العلم النافع وعلم على اللسان فذلك حجة الله تعالىٰ على آبن آدم»تفسير : . فهذا مثل علم بَلْعَام وأشباهه، نعوذ بالله منه؛ ونسأله التوفيق والممات على التحقيق. والانسلاخ: الخروج؛ يقال: ٱنسلخت الحية من جلدها أي خرجت منه. وقيل: هذا من المقلوب، أي انسلخت الآيات منه. {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لحِق به؛ يقال: أتبعت القوم أي لحقتهم. وقيل: نزلت في اليهود والنصارىٰ، ٱنتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به.
ابن كثير
تفسير : قال عبد الرزاق: عن سفيان الثوري عن الأعمش، ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} الآية قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعم بن باعوراء. وكذا رواه شعبة وغير واحد عن منصور به وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس: هو صيفي بن الراهب. قال قتادة: وقال كعب: كان رجلاً من أهل البلقاء، وكان يعلم الاسم الأكبر، وكان مقيماً ببيت المقدس مع الجبارين. وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه: هو رجل من أهل اليمن يقال له: بلعم، آتاه الله آياته فتركها، وقال مالك بن دينار: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه، فتبع دينه وترك دين موسى عليه السلام. وقال سفيان بن عيينة: عن حصين عن عمران بن الحارث عن ابن عباس: هو بلعم بن باعوراء، وكذا قال مجاهد وعكرمة. وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا إسرائيل عن مغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال: هو بلعام. وقالت ثقيف: هو أمية بن أبي الصلت. وقال شعبة: عن يعلى بن عطاء عن نافع بن عاصم عن عبد الله بن عمرو في قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا} الآية قال: هو صاحبكم أمية بن أبي الصلت، وقد روي من غير وجه عنه، وهو صحيح إليه، وكأنه إنما أراد أن أمية بن أبي الصلت يشبهه؛ فإنه كان قد اتصل إليه علم كثير من علم الشرائع المتقدمة، ولكنه لم ينتفع بعلمه، فإنه أدرك زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغته أعلامه وآياته ومعجزاته، وظهرت لكل من له بصيرة، ومع هذا اجتمع به ولم يتبعه، وصار إلى موالاة المشركين ومناصرتهم وامتداحهم، ورثى أهل بدر من المشركين بمرثاة بليغة، قبحه الله. وقد جاء في بعض الأحاديث أنه ممن آمن لسانه ولم يؤمن قلبه، فإن له أشعاراً ربانية وحكماً وفصاحة، ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي نمر، حدثنا سفيان عن أبي سعيد الأعور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} قال: هو رجل أعطي ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدة، قال: فلك واحدة، فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله، فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها، رغبت عنه، وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها، فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليها، فدعا الله فعادت كما كانت، وذهبت الدعوات الثلاث، وتسمى البسوس، غريب، وأما المشهور في سبب نزول هذه الآية الكريمة فإنما هو رجل من المتقدمين في زمن بني إسرائيل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعام، وكان يعلم اسم الله الأكبر، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره من علماء السلف: كان مجاب الدعوة، ولا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه، وأغرب بل أبعد بل أخطأ من قال: كان قد أوتي النبوة فانسلخ منها، حكاه ابن جرير عن بعضهم، ولا يصح، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لما نزل موسى بهم - يعني: بالجبارين - ومن معه أتاه - يعني: بلعم - أتاه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله ما كان عليه، فذلك قوله تعالى: {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} الآية. وقال السدي: إن الله لما انقضت الأربعون سنة التي قال الله: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً} بعث يوشع بن نون نبياً، فدعا بني إسرائيل، فأخبرهم أنه نبي، وأن الله أمره أن يقاتل الجبارين، فبايعوه وصدقوه، وانطلق رجل من بني إسرائيل يقال له: بلعام، فكان عالماً يعلم الاسم الأعظم المكتوم، فكفر - لعنه الله - وأتى الجبارين، وقال لهم: لا ترهبوا بني إسرائيل، فإني إذا خرجتم تقاتلونهم أدعو عليهم دعوة فيهلكون، وكان عندهم فيما شاء من الدنيا، غير أنه كان لا يستطيع أن يأتي النساء؛ لعظمهن، فكان ينكح أتاناً له، وهو الذي قال الله تعالى: {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} وقوله تعالى: {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي: استحوذ عليه وعلى أمره، فمهما أمره امتثل وأطاعه، ولهذا قال: {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} أي: من الهالكين الحائرين البائرين. وقد ورد في معنى هذه الآية حديث رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حيث قال: حدثنا محمد بن مرزوق، حدثنا محمد بن بكر عن الصلت بن بهرام، حدثنا الحسن، حدثنا جندب البجلي في هذا المسجد: أن حذيفة، يعني: ابن اليمان رضي الله عنه، حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن، حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان رداؤه الإسلام، اعتراه إلى ما شاء الله، انسلخ منه ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك» تفسير : قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك، المرمي أو الرامي؟ قال: «حديث : بل الرامي» تفسير : إسناد جيد، والصلت بن بهرام كان من ثقات الكوفيين، ولم يرم بشيء سوى الإرجاء، وقد وثقه الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما. وقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} يقول تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا} أي: لرفعناه من التدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي آتيناه إياها {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي: مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها، وأقبل على لذاتها ونعيمها، وغرته كما غرت غيره من غير أولي البصائر والنهى، وقال أبو الراهرية في قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} قال: تراءى له الشيطان على علوة من قنطرة بانياس، فسجدت الحمارة لله، وسجد بلعام للشيطان، وكذا قال عبد الرحمن بن جبير بن نفير وغير واحد، وقال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: وكان من قصة هذا الرجل ما حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر عن أبيه أنه سئل عن هذه الآية: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا} فحدث عن سيار: أنه كان رجلاً يقال له بلعام، وكان مجاب الدعوة، قال: وإن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام، أو قال: الشام، قال: فرعب الناس منه رعباً شديداً، فأتوا بلعام، فقالوا: ادع الله على هذا الرجل وجيشه، قال: حتى أوامر ربي، أو: حتى أؤامر، قال: فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم؛ فإنهم عبادي، وفيهم نبيهم، قال: فقال لقومه: إني قد آمرت ربي في الدعاء عليهم، وإني قد نهيت، فأهدوا له هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع عليهم، فقال: حتى أوامر ربي، فوامر فلم يحر إليه بشيء، فقال: قد وامرت فلم يحر إليّ بشيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك المرة الأولى، قال: فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا عليهم جرى على لسانه الدعاء على قومه، وإذا أراد أن يدعو أن يفتح لقومه دعا أن يفتح لموسى وجيشه، أو نحواً من ذا إن شاء الله، قال: فقالوا: ما نراك تدعو إلا علينا، قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليه أيضاً ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا، وإنهم إن وقعوا في الزنا هلكوا، ورجوت أن يهلكهم الله، فأخرجوا النساء تستقبلهم، فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، قال: ففعلوا فأخرجوا النساء تستقبلهم، قال: وكان للملك ابنة، فذكر من عظمها ما الله أعلم به، قال: فقال أبوها، أو بلعام: لا تمكني نفسك إلا من موسى، قال: ووقعوا في الزنا، قال: فأتاها رأس سبط من أسباط بني إسرائيل، فأرادها على نفسه، فقالت: ما أنا بممكنة نفسي إلا من موسى، فقال: إن منزلتي كذا وكذا، إن من حالي كذا وكذا، فأرسلت إلى أبيها تستأمره، قال: فقال لها مكنيه، قال: ويأتيهما رجل من بني هارون ومعه الرمح، فيطعنهما. قال: وأيده الله بقوة، فانتظمهما جميعاً، ورفعهما على رمحه، فرآهما الناس - أو كما حدث - قال: وسلط الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً. قال أبو المعتمر: فحدثني سيار: أن بلعاماً ركب حمارة له حتى إذا أتى المعلولي، أو قال: طريقاً من المعلولي، جعل يضربها ولا تتقدم، وقامت عليه فقالت: علام تضربني؟ أما ترى هذا الذي بين يديك؟ فإذا الشيطان بين يديه، قال: فنزل وسجد له، قال الله تعالى: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } قال: فحدثني بهذا سيار ولا أدري لعله قد دخل فيه شيء من حديث غيره (قلت): هو بلعام، ويقال: بلعم بن باعوراء، ويقال: ابن أبر، ويقال: ابن باعور بن شهتوم بن قوشتم بن ماب بن لوط بن هاران، ويقال: بن حران بن آزر، وكان يسكن قرية من قرى البلقاء، قال ابن عساكر: وهو الذي كان يعرف اسم الله الأعظم، فانسلخ من دينه، له ذكر في القرآن، ثم أورد من قصته نحواً مما ذكرناه ها هنا، أورده عن وهب وغيره، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عن سالم أبي النضر أنه حدث: أن موسى عليه السلام لما نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إليه، فقالوا له: هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وإنا قومك، وليس لنا منزل وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله عليهم، قال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليهم، وأنا أعلم من الله ما أعلم؟ قالوا له: ما لنا من منزل، فلم يزالوا به يرققونه ويتضرعون إليه حتى فتنوه، فافتتن، فركب حمارة له متوجهاً إلى الجبل الذي يطلعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل حسبان، فلما سار عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها، حتى إذا أزلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيراً حتى ربضت به، فضربها، حتى إذا أزلقها أذن لها فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ تذهب إلى نبي الله والمؤمنين لتدعو عليهم، فلم ينزع عنها يضربها، فخلى الله سبيلها حين فعل بها ذلك، فانطلقت به حتى إذا أشرفت به على رأس حسبان على عسكر موسى وبني إسرائيل، جعل يدعو عليهم، ولا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل، فقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع؟ إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا مالا أملك، هذا شيء قد غلب الله عليه، قال: واندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جملوا النساء وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى رجل منهم واحد كفيتموهم، ففعلوا، فلما دخلت النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين اسمها كسبتى - ابنة صور رأس أمته - برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام، فلما رآها أعجبته، فقام فأخذ بيدها، وأتى بها موسى، وقال: إني أظنك ستقول: هذا حرام عليك، قال: أجل هي حرام عليك، لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، فدخل بها قبته، فوقع عليها، وأرسل الله عز وجل الطاعون في بني إسرائيل، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان غائباً حين صنع زمري بن شلوم ما صنع، فجاء والطاعون يجوس فيهم، فأخبر الخبر، فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها، ثم دخل القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحييه، وكان بكر العيزار، وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك، ورفع الطاعون، فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص، فوجدوه قد هلك منهم سبعون ألفاً، والمقلل لهم يقول: عشرون ألفاً في ساعة من النهار، فمن هنالك تعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة والذراع واللحى؛ لا عتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحييه، والبكر من كل أموالهم وأنفسها؛ لأنه كان بكر أبيه العيزار، ففي بلعام بن باعوراء أنزل الله: { وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـثَايَـٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وقوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} اختلف المفسرون في معناه، فعلى سياق ابن إسحاق عن سالم عن أبي النضر: أن بلعاماً اندلع لسانه على صدره، فتشبيهه بالكلب في لهثه في كلتا حالتيه إن زجر وإن ترك ظاهر، وقيل: معناه: فصار مثله في ضلاله واستمراره فيه وعدم انتفاعه إلى الإيمان وعدم الدعاء كالكلب في لهثه في حالتيه، إن حملت عليه وإن تركته، هو يلهث في الحالين، فكذلك هذا لا ينتفع بالموعظة والدعوة إلى الإيمان ولا عدمه كما قال تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [البقرة: 6] {أية : ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ} تفسير : [التوبة: 80] ونحو ذلك، وقيل: معناه: أن قلب الكافر والمنافق والضال ضعيف فارغ من الهدى، فهو كثير الوجيب، فعبر عن هذا بهذا، نقل نحوه عن الحسن البصري وغيره، وقوله تعالى: {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ} يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ} أي: لعل بني إسرائيل العالمين بحال بلعام وما جرى له في إضلال الله إياه وإبعاده من رحمته؛ بسبب أنه استعمل نعمة الله عليه في تعليمه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب، في غير طاعة ربه، بل دعا به على حزب الرحمن وشعب الإيمان، أتباع عبده ورسوله في ذلك الزمان، كليم الله موسى بن عمران عليه السلام، ولهذا قال: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي: فيحذروا أن يكونوا مثله، فإن الله قد أعطاهم علماً، وميزهم على من عداهم من الأعراب، وجعل بأيديهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فهم أحق الناس وأولاهم باتباعه ومناصرته ومؤازرته؛ كما أخبرتهم أنبياؤهم بذلك وأمرتهم به، ولهذا من خالف منهم ما في كتابه وكتمه، فلم يعلم به العباد، أحل الله به ذلاً في الدنيا موصولاً بذل الآخرة. وقوله: {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} يقول تعالى: ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا، أي: ساء مثلهم أن شبهوا بالكلاب التي لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز العلم والهدى، وأقبل على شهوة نفسه واتبع هواه، صار شبيهاً بالكلب، وبئس المثل مثله، ولهذا ثبت في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه» تفسير : وقوله: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي: ما ظلمهم الله، ولكن هم ظلموا أنفسهم بإعراضهم عن اتباع الهدى، وطاعة المولى، إلى الركون إلى دار البلى، والإقبال على تحصيل اللذات وموافقة الهوى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتْلُ } يا محمد {عَلَيْهِمْ } أي اليهود {نَبَأَ } خبر {ٱلَّذِى ءَاتَيْنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَـٱنْسَلَخَ مِنْهَا} خرج بكفره كما تخرج الحية من جلدها وهو بلعم بن باعوراء من علماء بني إسرائيل، سئل أن يدعو على موسى وأُهدي إليه شيء، فدعا فانقلب عليه واندلع لسانه على صدره {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَٰنُ } فأدركه فصار قرينه {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ }.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَٱتْلُ } معطوف على الأفعال المقدّرة في القصص السابقة وإيراد هذه القصة منه سبحانه، وتذكير أهل الكتاب بها، لأنها كانت مذكورة عندهم في التوراة. وقد اختلف في هذا الذي أوتي الآيات {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } فقيل: هو بلعم بن باعوراء، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة. وقيل: كان قد أوتي النبوّة، وكان مجاب الدعوة، بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الإيمان، فأعطوه الأعطية الواسعة، فاتبع دينهم، وترك ما بعث به، فلما أقبل موسى في بني إسرائيل لقتال الجبارين، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى، فقام ليدعو عليه فتحوّل لسانه بالدعاء على أصحابه، فقيل له في ذلك فقال: لا أقدر على أكثر مما تسمعون. واندلع لسانه على صدره، فقال قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة، وسأمكر لكم، وإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم، فإن الله يبغض الزنا، فإن وقعوا فيه هلكوا، فوقع بنو إسرائيل في الزنا، فأرسل الله عليهم الطاعون، فمات منهم سبعون ألفاً. وقيل: إن هذا الرجل اسمه باعم، وهو من بني إسرائيل. وقيل المراد به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك، فلما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به. وقيل هو أبو عامر بن صيفي وكان يلبس المسوح في الجاهلية، فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: نزلت في قريش آتاهم الله آياته التي أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا بها. وقيل: نزلت في اليهودوالنصارى، انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به. قوله: {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } أي: من هذه الآيات التي أوتيها، كما تنسلخ الشاة عن جلدها، فلم يبق له بها اتصال {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ } عند انسلاخه عن الآيات، أي لحقه فأدركه، وصار قريناً له، أو فأتبعه خطواته، وقرىء «فاتبعه» بالتشديد بمعنى تبعه {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } المتمكنين في الغواية وهم الكفار. قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا } الضمير يعود إلى الذي أوتي الآيات، والمعنى: لو شئنا رفعه: بما آتيناه من الآيات لرفعناه بها، أي بسببها، ولكن لم نشأ ذلك لانسلاخه عنها، وتركه للعمل بها. وقيل المعنى: ولو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة بها، أي بالعمل بها {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ } أصل الإخلاد: اللزوم، يقال أخلد فلان بالمكان إذا قام به ولزمه، والمعنى هنا: أنه مال إلى الدنيا ورغب فيها، وآثرها على الآخرة {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } أي: اتبع ما يهواه، وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله، وهو حطام الدنيا. وقيل: كان هواه مع الكفار. وقيل: اتبع رضا زوجته، وكانت هي التي حملته على الانسلاخ من آيات الله. قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ } أي: فصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطاً إلى أسفل رتبة، مشابهاً لأخس الحيوانات في الدناءة مماثلاً له في أقبح أوصافه، وهو أنه يلهث في كلا حالتي قصد الإنسان له وتركه. فهو لاهث سواء زجر أو ترك، طرد أو لم يطرد، شدّ عليه أو لم يشد عليه، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شيء، وجملة {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } في محل نصب على الحال، أي مثله كمثل الكلب حال كونه متصفاً بهذه الصفة، والمعنى: أن هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوى عن المعصية في جميع أحواله، سواء وعظه الواعظ، وذكره المذكر، وزجره الزاجر، أو لم يقع شيء من ذلك. قال القتيبي: كل شيء يلهث، فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال، وحال الراحة، وحال المرض، وحال الصحة، وحال الري، وحال العطش. فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته؛ فقال: إن وعظته ضلّ، وإن تركته ضلّ، فهو كالكلب إن تركته لهث، وإن طردته لهث، كقوله تعالى: {أية : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ } تفسير : [الأعراف: 193] واللهث: إخراج اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك. قال الجوهري: لهث الكلب بالفتح يلهث لهثاً ولهاثاً بالضم إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش، وكذلك الرجل إذا أعيا. قيل معنى الآية: أنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هارباً، وإن تركته شدّ عليك ونبح، فيتعب نفسه مقبلاً عليك ومديراً عنك، فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. والإشارة بقوله {ذلك} إلى ما تقدّم من التمثيل بتلك الحالة الخسيسة. وهو مبتدأ وخبره {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } أي: ذلك المثل الخسيس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا من اليهود، بعد أن علموا بها وعرفوها، فحرفوا وبدّلوا، وكتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوا بها {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ } أي فاقصص عليهم هذا القصص الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن الآيات، فإن مثله المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود الذين تقص عليهم {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في ذلك ويعملون فيه أفهامهم، فينزجرون عن الضلال، ويقبلون على الصواب. قوله: {سَاء مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } هذه الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية، يقال ساء الشيء قبح، فهو لازم، وساءه يسوؤه مساءة: فهو متعد وهو من أفعال الذم: كبئس، وفاعله ضمير مستتر فيه، و{مثلاً} تمييز مفسر له، والمخصوص بالذم هو {الذين كذبوا بآياتنا}، ولا بدّ من تقدير مضاف محذوف لأجل المطابقة، أي: ساء مثلاً مثل القوم الذين كذبوا. وقال الأخفش: جعل المثل القوم مجازاً، والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ، التقدير: ساء المثل مثلاً هو مثل القوم، كذا قال. وقدره أبو علي الفارسي: ساء مثلاً مثل القوم كما قدّمنا. وقرأ الجحدري والأعمش "وَسَاء مَثَلُ ٱلْقَوْمِ". قوله: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } أي: ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها. والجملة معطوفة على التي قبلها على معنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى } لما أمر به وشرعه لعباده {وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } الكاملون في الخسران، من هداه فلا مضلّ له، ومن أضله فلا هادي له، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. وقد أخرج الفريابي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن مسعود، في قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِى ءاتَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا } قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن آبر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، من طرق عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعوراء. وفي لفظ: بلعام بن باعر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِى ءاتَيْنَـٰهُ ءايَـٰتِنَا } قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم، تعلم اسم الله الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يردّ عنا موسى ومن معه، قال: إني إن دعوت الله أن يردّ موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا الله فسلخ ما كان فيه. وفي قوله: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } قال: إن حمل الحكمة لم يحملها، وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن يطرد لهث. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عنه، في الآية قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها واحدة، قال: فلك واحدة فما الذي تريدين؟ قالت ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل؛ فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه، وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردّها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عبد الله بن عمرو، في الآية: قال: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وفي لفظ: نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وابن عساكر، عنه نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن الشعبي في هذه الآية قال: قال ابن عباس هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعام بن باعوراء، وكانت الأنصار تقول: هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق. وكانت ثقيف تقول: هو أمية بن أبي الصلت. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، قال: هو صيفي بن الراهب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عنه، في قوله: {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } قال: نزع منه العلم، وفي قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا } قال: رفعه الله بعلمه. وأخرج مسلم، والنسائي، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته يحمد الله ويثنى عليه بما هو أهله، ثم يقول: «حديث : من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل محدث بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» ثم يقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ اْلَّذِيّ ءاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانَسَلَخَ مِنْهَا} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه بلعام بن عوراء، واختلفوا فيه فقيل كان من اليمن، وقيل كان من الكنعانيين، وقيل من بني صال بن لوط، قاله ابن عباس، وابن مسعود. والثاني: أنه أمية بن أبي الصلت الثقفي، قاله عبد الله بن عمرو. والثالث: أنه من أسلم من اليهود والنصارى ونافق، قاله عكرمة. وفي الآيات التي أوتيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه اسم الله الأعظم الذي تجاب به الدعوات، قاله السدي وابن زيد. والثاني: أنها كتاب من كتب الله. قاله ابن عباس. والثالث: أنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وهو غير صحيح لأن الله لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أن لا يخرج عن طاعته إلى معصيته. وفي قوله: {فَانسَلَخَ مِنهَا} وجهان: أحدهما: فانسلخ من العلم بها لأنه سيسلب ما أوتي منها بالمعصية. والثاني: أنه انسلخ منها أي من الطاعة بالمعصية مع بقاء علمه بالآيات حتى حكي أن بلعام رُيثي على أن يدعو على قوم موسى بالهلاك فسها فدعا على قومه فهلكوا. {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشيطان صيره لنفسه تابعاً بإجابته له حين أغواه. والثاني: أن الشيطان متبع من الإنس على ضلالته من الكفر. والثالث: أن الشيطان لحقه فأغواه، يقال اتبعت القوم إذا لحقتهم، وتبعتهم إذا سرت خلفهم، قاله ابن قتيبة. {فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} فيه وجهان: أحدهما: من الهالكين. الثاني: من الضالين. قوله عز وجل: {وَلَو شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} فيه وجهان: أحدهما: يعني لأمتناه فلم يكفر. والثاني: لحلنا بينه وبين الكفر فيصير إلى المنزلة المرفوعة معصوماً، قاله مجاهد. {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أي ركن إليها. وفي ركونه إليها وجهان: أحدهما: أنه ركن إلى أهلها في استنزالهم له ومخادعتهم إياه. والثاني: أنه ركن إلى شهوات الأرض فشغلته عن طاعة الله، وقد بين ذلك قوله تعالى {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ}. ثم ضرب مثله بالكلب {... إِن تَحْمِْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} وفي تشبيهه بالكلب اللاهث وجهان: أحدهما: لدناءته ومهانته. الثاني: لأن لهث الكلب ليس بنافع له.
ابن عبد السلام
تفسير : {الَّذِى ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} بلعم بن باعورا من أهل اليمن، أو من الكنعانيين، أو من بني صاب بن لوط، أو أمية بن أبي الصلت الثقفي، أو من أسلم من اليهود والنصارى ونافق. {ءَايَاتِنَا} الاسم الأعظم الذي تُجاب به الدعوات، أو كتاب من كتب الله ـ تعالى ـ قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ أو أُتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت عنهم ففعل ولا يصح هذا. {فَانسَلَخَ} سُلب المعرفة بها لأجل عصيانه، أو انسلخ من الطاعة مع بقاء علمه بالآيات، حُكي أن بلعم رُشي على أن يدعو على قوم موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالهلاك فسها فدعا على قوم نفسه فهُلكُوا. {فأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} صيَّره لنفسه تابعاً لما دعاه فأجابه، أو الشيطان متبعه من الإنس على كفره، أو لحقه الشيطان فأغواه، اتبعت القوم: لحقتهم وتبعتهم: سرت خلفهم. {الْغَاوِينَ} الهالكين، أو الضالَّين.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي آتَيْنَـٰهُ آيَـٰتِنَا}. قال ابن عباس: هو رجُلٌ من الكَنْعَانِيِّينَ الجَبَّارِين، ٱسْمُهُ بَلْعَمُ بْنُ باعُوراء، وقيل: بَلْعَامُ بْنُ باعِر. وقيل: غير هذا، وكان في جملة الجَبَّارِين الذي غَزَاهُمْ مُوسَىٰ عليه السلام، فَلَما قَرُبَ منهم موسَىٰ، لجؤوا إِلى بَلْعَام، وكانَ صالِحاً مستجابَ الدَّعْوة، وقيل: كان عنْدَهُ علْم مِنْ صُحُف إِبراهيم ونحوها. وقيل: كان يعلم ٱسْمَ اللَّه الأَعظمَ، قاله ابنُ عبَّاس أيضاً، وهذا الخلافُ هو في المراد بقوله: {آتَيْنَـٰهُ آيَـٰتِنَا}، فقال له قومُه: ٱدّعُ اللَّه علَىٰ موسَىٰ وعَسْكَره، فقالَ لَهُمْ: وَكَيْفَ أدعو عَلَى نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، فما زالوا به حتى فَتَنُوهُ، فخَرَجَ حتىٰ أشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ يَرَىٰ منه عَسْكَرَ موسَىٰ، وكان قد قال لِقَوْمِهِ: لا أفعَلُ حتى أستأْمِرَ رَبِّي، فَفَعَلَ، فنُهِيَ عن ذلك، فقال لهم: قد نُهِيتُ، فما زالوا به حتَّى قال: سأَسْتَأْمِرُ ثانيةً، ففعل، فسكَتَ عنه، فأخبرهم، فقالوا له: إِن اللَّه لَمْ يَدَعْ نَهْيَكَ إِلا وقدْ أَراد ذلك، فخَرَجَ، فلما أشْرَفَ على العَسْكَر، جَعَلَ يدْعُو علَىٰ موسَى، فتحوَّل لسانُهُ بالدعاءِ لموسَىٰ، والدعاءِ علَىٰ قومه، فقالوا له: ما تقولُ؟ فقال: إِني لا أمْلِكُ هذا، وعَلِمَ أنه قد أخطأ، فَرُوِيَ أنه قد خرج لِسَانُه عَلَىٰ صدره، فقال لقومه: إِني قَدْ هَلَكْتُ، ولكِنْ لَمْ يَبْقَ لكم إِلا الحِيلَة، فأخرجوا النِّسَاء إِلى عَسْكَرِ مُوسَىٰ عَلَى جهة التَّجْرِ وغيره، ومُرُوهُنَّ أَلا تَمْتَنِع ٱمرأة مِنْ رجل، فإِنهم إِذا زَنَوْا هلَكُوا، ففعلُوا، فخرج النِّسَاء، فَزَنَىٰ بهِنَّ رجالٌ [مَنْ] بني إِسرائيل، وجاء فِنْحَاصُ بْنُ العِيزَارِ بْنِ هَارُونَ، فٱنتَظَمَ بُرمْحه ٱمرأةً ورجُلاً من بني إِسرائيل، ورفعهما عَلَىٰ الرَمْحِ، فوقع في بني إِسرائيل الطاعونُ، فمات منهم في ساعةٍ [واحدةٍ] سبْعُونَ ألْفاً، ثم ذَكَرَ المعتمِرُ عن أبيه: أنَّ موسَىٰ عليه السلام قَتَلَ بعد ذلك الرَّجُلَ المُنْسَلِخَ مِنْ آيات اللَّه. قال المَهْدَوِيُّ: رُوِيَ أنه دعا عَلَىٰ مُوَسَى أَلاَّ يَدْخُلَ مدينةَ الجَبَّارين؛ فأجيب، ودعا عليه موسَىٰ أَنْ يَنْسَىٰ ٱسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ؛ فأجيبَ، وفي هذه القصَّة رواياتٌ كثيرةٌ تحتاجُ إِلى صحَّة إِسناد، و{ٱنسَلَخَ }: عبارةٌ عن البراءةِ منها، والانْفِصال والْبُعْدِ، كالمُنْسَلِخ من الثياب والجِلْد، و«أَتْبَعَهُ الشيطـانُ»، أيْ: صيَّره تابِعاً؛ كذا قال الطبريُّ: أَما لضلالةٍ رَسَمَها له، وإِما لنفسه، و{مِنَ ٱلْغَاوِينَ}، أي: {مِنَ ٱلضَّالِّينَ}، {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}، قال ابن عباس وجماعة: معنَىٰ «لرفعناه» لشرَّفنا ذكْرَه، ورفَعْنَا منزلته لدينا؛ بهذه الآيات الَّتي آتيناه، ولكنه أخلد إِلى الأرْضِ، أي: تقاعَسَ إلى الحضيض الأسفَلِ الأخسِّ من شهوات الدنيا ولذَّاتها؛ وذلك أنَّ الأرض وما ٱرتَكَنَ فيها: هي الدنيا وكلُّ ما عليها فانٍ، ومَنْ أخلد إِلى الفاني، فقد حرم حظَّ الآخرة الباقية. * ت *: قال الهَرَوِيُّ: قوله: {أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ}: معناه: سكَنَ إِلى لَذَّاتها، وٱتَّبَعَ هواه، يقال: أخلد إِلى كَذَا، أي: رَكَنَ إِليه واطمأَنَّ به. انتهى. قال عَبْدُ الحَقِّ الإِشْبِيليُّ رحمه اللَّه في «العاقبة»: واعلم رحمك اللَّه؛ أَنَّ لسوء الخاتمة أعاذنا اللَّه منْها أسباباً، ولها طرقٌ وأبوابٌ، أعظمها: الإِكبابُ على الدنيا، والإِعراضُ عن الآخرة، وقد سَمِعْتَ بقصَّة بَلْعَام بْنِ بَاعُورَاءَ، وما كان آتاه اللَّه تعالىٰ من آياته؛ وأطلعه عليه من بيِّناته؛ وما أراه من عجائب مَلَكُوته، أخْلَدَ إِلى الأرض، وٱتَّبَعَ هواه؛ فسَلَبَه اللَّه سبحانه جَمِيعَ ما كان أَعطاه؛ وتَرَكَه مع مَنِ ٱستماله وأغواه. انتهى. وقوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ}، شُبِّه به في أنه كان ضالاًّ قبل أن يُؤتى الآياتِ، ثم أُوتِيَها، فكان أيضاً ضالاًّ لَم تنفَعْه، فهو كالكَلْب في أنَّه لا يفارِقُ اللَّهَثَ في كلِّ حال؛ هذا قول الجمهور. وقال السدِّيُّ وغيره: إِنَّ هذا الرجل عُوقِبَ في الدنيا، فإِنه كان يَلْهَثُ كما يَلْهَثُ الكَلْبُ، فشُبِّه به صورةً وهيئةً، وذكر الطبريُّ، عن ابن عباس؛ أنَّ معنى: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ }: إنْ تَطْرَدهُ. وقوله: {ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا }، أي: هذا المَثَلُ، يا محمد، مثَلُ هؤلاء الذين كانوا ضالِّين قَبْلَ أن تأتيهم بالهدَىٰ والرِّسالة، ثم جئتهم بها، فَبَقُوا على ضلالتهم، ولم ينتفِعُوا بذلك، فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الكَلْبِ. وقوله: {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ }، أي: ٱسْرد عليهم ما يعلمون أنَّه من الغيوب الَّتي لا يعلمها إِلا أهْل الكتب الماضية ولَسْتَ منهم؛ {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في ذلك؛ فيؤمنوا.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} الآية. قال ابنُ عبَّاسٍ وابن مسعود: نزلت هذه الآيةُ في "بلعم بن باعوراء". وقال مجاهدٌ: بَلعَامُ ابن باعر. وقال عطيَّةُ عن ابن عبَّاسٍ: كان من بني إسرائيل. وروي عن ابن أبي طلحة: أنَّه كان من الكنعانيين من مدينة الجبَّارين. وقال مقاتل: هو من مدينة البَلْقَاءِ، وذلك أنَّ موسى - عليه الصَّلاة والسَّلام - وقومه، قصد بلده، وغزا أهله وكانوا كفاراً، فطلبوا منه أن يدعو على موسى وقومه وكان مجاب الدعوة وعنده اسم الله الأعظم فامتنع منه، فما زالوا يطلبونه حتى دعا عليه، فاستجيب له ووقع موسى وبنوا إسرائيل في التّيهِ بدعائه، فقال موسى: يا رب بأيِّ ذنبٍ وقعنا في التيهِ؟ فقال: بدعاء بلعم، فقال: كما سمعت دُعاءَهُ عليَّ، فاسمع دعائي عليه، ثم دعا موسى عليه الصلاة والسلام أن ينزع منه اسم الله الأعظم والإيمان، فسلخه اللَّهُ مِمَّا كان عليه، ونزع منه المعرفة، فخرجت من صدره حمامة بيضاء. وقيل: إنَّه كان نبيّاً من أنبياء الله، دعا عليه موسى، فنزع اللَّهُ تعالى منه الإيمان، فصار كافراً وهذا بعيدٌ؛ لقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ}تفسير : [الأنعام: 124] فدلَّ على أنَّهُ تعالى لا يخصُّ عبداً بالرِّسالة إلاَّ إذا علم امتيازه عن سائر العبيد بمزيد المناقب العظيمة، ومن كانت هذه حالهُ، كيف يليق به الكفر؟ وقال عبد الله بن عمرو وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم: نزلت في أميَّة بن أبي الصلت وكان قد قرأ الكتب، وعلم أنَّ الله تعالى مرسل رسولاً في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو، فلمَّا أرسل الله تعالى، محمداً عليه - الصَّلاة والسَّلام -، حسدهُ، ثم مات كافراً، وكان قد قصد بعض الملوك، فلمَّا رجع مرَّ على قتلى بدر، فسأل عنهم، فقيل له: قتلهم محمد. فقال: لو كان نبيّاً ما قتل أقرباءه، فلما مات أمية، أتت أخته فازعةً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقدٌ، أتاه اثنانِ، فكشفا سقف البيت ونزلا، فقعد أحدهما عند رجليه، والآخر عند رأسه. فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه أوعى؟ قال: وعى. قال: أزكى؟ قال: أبَى، فسألته عن ذلك فقال: خيرٌ أريد بي؛ فصرف عني ثم غشي عليه، فلما أفاق قال: [الخفيف] شعر : 2621 - كُلُّ عَيْشٍ وإنْ تَطاوَلَ دَهْراً صَائِرٌ مَرَّةً إلى أنْ يَزُولا لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ ما قَدْ بَدَا لِي فِي قلالِ الجِبالِ أرْعَى الوُعُولاَ إنَّ يَوْمَ الحسابِ يَوْمٌ عظيمٌ شَابَ فِيهِ الصَّغيرُ يَوْماً ثَقِيْلاَ تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني شعر أخيك، فأنشدته بعض قصائده. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: آمن شعره وكفر قلبه وأنزل اللَّه فيه هذه الآية. وروي عن ابن عباس نزلت في البسوس رجل من بني إسرائيل، وكان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة واحدة، فقال لها: لَكِ منها واحدةٌ، فما تريدين؟ قالت: ادْعُ اللَّهَ أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا لها؛ فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل؛ فلمَّا علمت أنه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الزَّوْجُ فدعا عليها فصارت كلبة نباحة [فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها وقالوا: ليس لنا على هذا إقرار قد صارت أمنا كلبة نباحة]، فصار النَّاس يعيروننا بها، فادع الله أن يردَّهَا إلى حالها الأول، فدعا الله فعادت كما كانت فذهبت فيها الدَّعوات كلها. وقيل: نزلت في أبي عامر الرَّاهبِ الذي سمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالفاسق كان يتزهد في الجاهليَّة فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام، وأمر المنافقين باتِّخاذهم مسجد الضِّرار وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم فمات هناك طريداً وحيداً. وقال الحسنُ، وابن كيسان، والأصم نزلت في منافقي أهل الكتاب، كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم. وقال عكرمةُ، وقتادةُ، وأبو مسلم: هذا عام فيمن عرض عليه الحق فأعرض عنه. وقوله: "فانسَلَخَ مِنْهَا". قال ابن عباس: "آتيْنَاهُ آياتِنَا" أوتي كتاباً من كُتبِ اللَّهِ "فانسَلَخَ مِنْهَا" أي: خرج منها كما تنسلخ الحية من جلدها. قوله: {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} الجمهور على أتبعَهُ رباعياً، وفيه وجهان: أحدهما: أنه متعدٍّ لواحد بمعنى أدركه ولحقه، وهو بمالغةٌ في حقه حيث جُعل إماماً للشيطان. ويحتمل أن يكون متعدِّياً لاثنين؛ لأنَّهُ منقولٌ بالهمزة من "تَبع"، والمفعولُ الثَّاني محذوفٌ تقديره: أتبعه الشيطان خطواتِهِ، أي: جعله تابعاً لها، ومِنْ تعدِّيه لاثنين قوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ}تفسير : [الطور: 21]. وقرأ الحسنُ وطلحةُ بخلاف عنه: فاتَّبَعَهُ بتشديد التاء، فهل "تبعه" واتبعَهُ بمعنى أو بينهما فرق؟ قيل بكل منهما، وأبدى بعضهم الفرق بأن "تَبِعه" مشى في أثره، و "اتَّبعَهُ" إذا وازَاهُ في المشي. وقيل: "اتَّبعه" بمعنى: استتبعه. ومعنى الآية: أتبعه الشيطان كفار الإنس وغواتهم أي الشيطان جعل كفار الإنس أتباعاً له. وقال عبد الله بن مسلم: "فأتبعه الشيطان". أي: أدركه. ويقال: تبعت القوم، إذا لحقتهم. قال أبو عبيد: يقال: أتبعت القوم مثل: أفعلتُ إذا كانوا قد سبقُوكَ فلحقْتُهُم وقوله {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} أي: أطاع الشيطان فكان من الضالين. قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} الضمير في: رَفَعْنَاهُ الظَّاهر عودُه على الذي أوتي الآيات، والمجرور عائد على الآيات والتقديرُ: ولو شئنا رفعناه للعمل بها، أي: رفعناه درجة بتلك الآيات. قال ابن عباس: لرفعناه بعمله. وقيل: المنصوب يعودُ على الكفر المفهوم ممَّا سبق، والمجرور على الآيات، أي: لرفعنا الكفر بما ترى من الآيات. قاله مجاهد وعطاء. وقيل: الضمير المجرور يعود على المعصية والمنصوب على "الذي" والمراد بالرفع: الأخذُ، كما تقول: رُفِعَ الظَّالمُ، أي قُلِعَ وأهْلِكَ أي: لأهلكناه بسبب المعصية. وهذه أقوال بعيدة، ولا يظهر الاستدراك إلاَّ على الوجه الأوَّلِ. قوله {وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} "أخْلَدَ" أي: ترامى بنفسه. أي: ركن إلى الدنيا ومال إليها. قال أهل العربيَّةِ: أصله من الإخلاد، وهو الدوامُ واللُّزوم، فالمعنى: لَزِمَ المَيْلَ إلى الأرْضِ قال مالك بنُ نُويرةَ: [الطويل] شعر : 2622 - بِأبْنَاءِ حَيٍّ مِنْ قبائِلِ مالكٍ وعمْرو بنِ يَرْبُوعٍ أقامُوا فأخْلَدُوا تفسير : ومنه يقال: أخلد فلان بالمكان، إذا لزم الإقامة به. قال ابنُ عبَّاس: يريد مال إلى الدُّنيا. وقال مقاتل: رَضِيَ بالدُّنيا. وقال الزجاج: ركن إلى الدُّنيا. قال الواحديُّ فهؤلاء فَسَّروا "الأرض" في هذه الآية بالدنيا؛ وذلك لأنَّ الدنيا هي الأرض؛ لأن ما فيها من القفار والضياع كلها أرض، وسائر أمتعتها من المعادن والنبات والحيوان يستخرج من الأرض وإنَّما يقوى ويكمل بها، فالدنيا كلُّها هي الأرض فصلح أن يعبر عن الدُّنْيا بالأرض. وقوله: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} أي: أعرض عن التَّمسك بما آتاه اللَّهُ من الآيات واتَّبع الهَوَى، فلام جرم وقع في هاوية الرَّدَى، وهذه أشد آية على العلماء؛ لأنه تعالى بعد أن خصَّ هذا الرَّجل بآياته وبيناته وعلمه الاسم الأعظم، وخصه بالدَّعوات المستجابة، لما اتبع الهوى انسلخ من الدين وصار في درجة الكلب، وذلك يدلُّ على أن من كانت نعم الله عليه أكثر، فإذا أعرض عن متابعة الهدى، واتَّبع الهوى، كان بعدهُ عن الله أعظمَ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصَّلاة والسَّلام "حديث : من ازدادَ من اللَّهِ عِلْماً ولمْ يزددْ هُدًى لم يَزْددْ مِنَ اللَّهِ إلاَّ بُعْداً ". تفسير : وقال عليه الصَّلاة والسَّلام "حديث : مَا ذِئبَانِ جَائِعَانِ أرْسِلاَ فِي غنمٍ بأفسَد لَهَا مِنْ حرصِ المرءِ على المالِ والسَّرفِ لدينهِ ". تفسير : قوله: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}، الجملة الشَّرطيَّةُ في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: لاهثاً في الحالتين. قال بعضهم: وأمَّا الجملةُ الشَّرطيَّةُ فلا تكادُ تقع بتمامها موضع الحال. فلا يقال: جاء زيدٌ إن يسأل يُعْط. على الحالِ، بل لو أريد ذلك لجُعِلت الجملة خبراً عن ضمير ما أريد جعل الحال عنه. فيقال: جاء زيدٌ إن يسأل يُعط فتكون الجملة الاسمية هي الحال. نعم قد أوقعوا الشَّرطيَّة موقع الحال، ولكن بعد أن أخرجُوها عن حقيقة الشرطِ وتلك الجملة لا تخلُو من أن يُعطفَ عليها ما يناقضها، أو لم يُعْطف، فالأوَّلُ: يستمرُّ فيه تركُ الواو، نحو: أتيتك إن أتيتني وإن لم تأتني، إذ لا يَخْفَى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع لا يبقيان على معنى الشرط، بل يتحوَّلان إلى معنى التسوية، كالاستفهامين المتناقضين في قوله: {أية : أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ}تفسير : [البقرة: 6 - يس: 10]. والثاني: لا بدَّ فيه من الواو نحو: أتَيْتُكَ، وإن لم تأتني؛ لأنَّهُ لو تركت الواو فقيل: أتيتُكَ إن لم تأتني لالتبس، إذا عُرِفَ هذا فقوله: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} من قبيل النوع الأول؛ لأنَّ الحمل عليه، والتَّرك نقيضان. والكلبُ يُجْمَعُ في القلَّةِ "أكْلُبٍ"، وفي الكثرةِ على "كلابٍ"، وشذُّوا فجمعوا "أكْلُباً" على "أكَالِب"، و "كِلاباً" على "كِلابَاتٍ"، وأمَّا "كَلِيبٌ" فاسم جمعٍ؛ كـ "فريق"، لا جمع، قال طرفة: [الطويل] شعر : 2623 - تَعَفَّقَ بالأرْطَى لَهَا وأرَادَهَا رِجَالٌ فبذَّتْ نَبْلَهُمْ وكَلِيبُ تفسير : وتقدَّمَتْ هذه المادة في المائدة. ويقال: لَهَثَ يَلْهَثُ بفتح العينِ في الماضي والمُضارع "لَهَثاً"، و "لُهْثاً" بفتح اللام وضمها، وهو خروج لسانه في حالة راحته وإعيائه، وأمَّا غيره من الحيوان، فلا يَلْهَثُ إلاَّ إذا أعيا، أو عطش، والذي يظهر أن هذه الجملة الشرطية لا محلَّ لها من الإعراب، لأنَّها مفسِّرة للمثل المذكور، وهذا معنى واضحٌ لقولهم في قوله تعالى: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ}تفسير : [آل عمران: 59] أنَّ الجملة من قوله من تُرابٍ مفسِّرة لقوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ}تفسير : [آل عمران: 59]. واعلم أنَّ هذا التمثيل ما وقع بجميع الكلابِ، وإنَّما وقع بالكلبِ اللاَّهِثِ، وذلك من وجهين: الأول: أنَّهُ شبهه بأخس الحيوانات، وأخس الحيوانات الكلب، وأخسّ الكلاب الكلبُ اللاَّهث، فمن آتاه اللَّهُ العِلْمَ والدِّين فمالَ إلى الدُّنْيا، وأخْلَدَ في الأرض، كان مشبهاً بأخس الحيوانات وهُو الكلبُ اللاَّهثُ، فإنَّهُ يلهثُ في حال الإعياء، وفي حالِ الرَّاحةِ، وفي حال العطش، وفي حال الرّي، وذلك عادته الأصليَّة وطبيعته الخسيسة لا لضرورة وحاجة تَدْعُو إلى ذلك فكذلك من آتاه اللَّهُ العلم والدين، وأغناه عن التَّعرُّض لأوساخ النَّاسِ، ثم إنَّه يميل في طلب الدُّنْيَا، ويلقي نفسه فيها، فحالُهُ كحالِ ذلك اللاَّهث، حيثُ واظب على الفعل الخسيس القبيح، بمجرَّد نفسه الخبيثة وطبيعته الخسيسة لا لحاجة وضرورة. الثاني: أنَّ العالم إذا توسَّل بعلمه إلى طلب الدَّنيا، فذلك إنَّمَا يكون لأجل أن يورد عليهم أنواع علومه، ويظهر عندهم فضائل نفسه ومناقبها، فهُو عند ذكر تلك العلوم يدلع لسانه ويخرجه لأجل ما تمكَّن في قلبه من حرارة الحرصِ وشدَّة العطشِ إلى الفوز بالدُّنْيَا، فكانت حاله شبيهةً بحالة ذلك الكلب الذي أخرج لسانه دائماً من غير حاجة، ولا ضرورة، بل لمجرَّدِ الطبيعة الخسيسة. والثالث: أنَّ الكلبَ اللاَّهث لا يزولُ لهثه ألْبتةَ، فكذلك الإنسان الحريص لا يزول حرصه ألبتة. قوله: {ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} يجوز أن يُشارَ بـ: ذَلِكَ إلى صفة "الكَلْبِ"، ويجوز أن يشار به إلى المنسلخ من الآيات، أو إلى الكلب، وأداةُ التَّشبيه محذوفةٌ من ذلك أي: صفة المنسلخ، أو صفة الكلبِ مثل الَّذين كَذَّبُوا، ويجوزُ أن يكون المحذوفُ من: "مثلُ القومِ" أي: ذلك الوصف، وهو وصف المنسلخ، أو وصف الكلب كمثل القوم. فصل واعلمْ أنَّهُ تعالى عمَّ بهذا التَّمثيل جميع المكذبين بآيات الله. قال ابنُ عبَّاسٍ: يريد أهل مكَّة لأنهم كانوا يتمنون هادياً يهديهم، ويدعوهم إلى طاعة الله، فلمَّا جاءهم نبيٌّ لا يشكُّونَ في صدقه كذَّبوه، فلم يهتدوا، وبقُوا على الضَّلالِ في كل الأحوالِ، إن وعظته فهو ضالٌّ، وإن تركتهُ فهو ضالٌّ، مثل الكلب، إن تحمل عليه يلهث، وإن تركته على حاله يلهث فهو لاهث في كل الأحوال. ثم قال: "فاقْصُصِ القَصَصَ" أي: قصص الذين كَفَرُوا، وكذَّبُوا بآياتنا: "لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" أي: يتَّعِظُون. قوله: "سَاءَ مثلاً" "سَاءَ" بمعنى: "بِئْسَ"، وفاعلها مضمرٌ فيها، ومثلاً تمييزٌ مفسِّر له، وقد تقدم [النساء 38] أنَّ فاعل هذا الباب إذا كان ضميراً يُفَسَّر بما بعده ويُسْتَغْنَى عن تثنيته وجمعه وتأنيثه بتثنية التمييز وجمعه وتأنيثه عند البصريين، وتقدَّم أنَّ "سَاءَ" أصلها التَّعدِّي لمفعولٍ، والمخصوصُ بالذم لا يكون إلا من جنسِ التمييز، والتمييز مُفَسِّر للفاعل فهو هو، فلزم أن يصدق الفاعلُ والتمييزُ والمخصوصُ على شيءٍ واحدٍ، إذا عُرِف هذا فقوله: "القَوْمُ" غيرُ صادقٍ على التمييز والفاعل فلا جرم أنَّه لا بدَّ من تقدير محذوف إمَّا من التَّمييز، وإمَّا من المخصوص. فالأوَّلُ يقدَّر: ساء أصحابُ مثل أو أهلُ مثل القوم، والثاني يقدر: ساء مثلاً مثل القومِ، ثم حذف المضاف في التقديرين، وأقيم المضافُ إليه مُقامه، وهذه الجملةُ تأكيدٌ للَّتي قبلها. وقرأ الحسنُ والأعمشُ وعيسى بن عمر: {سَاءَ مثلُ القَوْمِ} برفع "مثل" مضافاً للقوم. وروي عن الجحدري كذلك، وروي عنه كسر الميم وسكون الثاء ورفع اللاَّم وجرُّ "القوم" وهذه القراءةُ المنسوبةُ لهؤلاء الجماعة تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون "سَاءَ " للتَّعَجُّب، مبنيَّةٌ تقديراً على "فَعُلَ" بضمِّ العين كقولهم: لَقَضُوَ الرجلُ، و "مَثَل القوْمِ" فاعل بها، والتقدير: ما أسوأ مثل القومِ، والموصولُ على هذا في محل جر، نعتاً لـ "قوم". والثاني: أنَّها بمعنى "بِئْسَ" و "مثلُ القوم" فاعل، والموصولُ على هذا في محلِّ رفعٍ؛ لأنه المخصوصُ بالذَّمِّ، وعلى هذا لا بد مِنْ حذف مضاف، ليتصادقَ الفاعلُ والمخصوصُ على شيءٍ واحدٍ، والتقدير: ساءَ مثلُ القومِ مثل الذين، وقدَّر أبو حيان تمييزاً في هذه القراءة وفيه نظر؛ إذْ لا يحتاج إلى تمييز، إذا كان الفاعلُ ظاهراً، حتَّى جعلُوا الجمع بينهما ضرورةً، كقول الشَّاعر: [الوافر] شعر : 2624 - تَزَوَّدْ مِثْلَ زَادِ أبيكَ فِينَا فَنِعْمَ الزَّادُ زَادُ أبيكَ زَادَا تفسير : وفي المسألة ثلاثة مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمَنْعُ مطلقاً، والتَّفصيلُ، فإن كان مغايراً في اللَّفظ ومفيداً فائدة جديدة جاز نحو: نعم الرَّجُلُ شجاعاً زيدٌ؛ وعليه قوله: [الوافر] شعر : 2625 - تَخَيَّرَهُ ولَمْ يَعْدِلْ سِوَاهُ فَنِعْمَ المَرْءُ مِن رَجُلٍ تِهَامِي تفسير : فصل قال اللَّيْثُ: سَاءَ يَسُوءُ: فعلٌ لازمٌ ومتعد، يقال: ساء الشَّيءُ يَسُوء فهو سيّىءٌ وسَاءَه يَسُوءُهُ مَسَاءَةً، إذا قبح. فإن قيل: ظاهر قوله: "سَاءَ مَثَلاً" يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسُّوء، وذلك غير جائز؛ لأن هذا المثل ذكره الله تعالى، فكيف يكون موصوفاً بالسُّوء؟ وأيضاً فهو يفيد الزجر عن الكُفرِ والدَّعوة إلى الإيمان، فكيف يكون موصوفاً بالسُّوءِ؟ فالجوابُ: أنَّ الموصوف بالسُّوءِ ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله وإعراضهم عنها، حتَّى صارُوا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلبِ اللاَّهِث. قوله: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} "أنْفُسَهُمْ" مفعول لـ "يَظْلِمُونَ" وفيه دليلٌ على تقديم خبر "كان" عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يؤذنُ بتقديم العامل غالباً، لأنَّ ثمَّ مواضع يمتنع فيها ذلك نحو: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ}تفسير : [الضحى: 9] فـ "اليتيمَ" مفعول بـ "تقهر" ولا يجوزُ تقديم "تَقْهَرْ" على جازمه، وهو محتملٌ للبحث. وهذه الجملةُ الكونيةُ تحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون نسقاً على الصلة وهي "كذَّبُوا بآيَاتِنَا" والمعنى: الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله، وظلم أنفسهم. والثاني: أن تكون مستأنفة، أي: وما ظلموا إلا أنفسهم بالتَّكذيب، وعلى كلا القولين فلا محلَّ لها، وقُدِّم المفعولُ، ليفيدَ الاختصاص وهذا على طريق الزمخشريِّ وأنظاره كأنَّهُ قيل: وخصوا أنفسهم بالظُّلْمِ، وما تعدى أثر ذلك الظُّلم عنهم إلى غيرهم. قوله: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي} راعى لفظ "مَنْ" فأفرد، وراعى معناها في قوله {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} فجمع، وياء "المُهْتَدِي" ثابتةٌ عند جميع القُرَّاءِ، لثبوتها في الرسم، وسيأتي الخلاف في التي في الإسراء. وقال الواحديُّ: فهُو المُهْتَدِي يجوز إثبات الياء فيه على الأصلِ، ويجوزُ حذفها استخفافاً؛ كما قيل في بيت الكتاب: [الوافر] شعر : 2626 - فَطِرْتُ بِمُنْصُلِي فِي يَعْمَلاتٍ دَوَامِي الأيْدِ يَخْبِطْنَ السَّرِيحَا تفسير : وعنه: [الكامل] شعر : 2627 - كَنَوَاحِ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْديَّةٍ ومَسَحْتِ باللِّثَتَيْنِ عَصْفَ الإثْمِدِ تفسير : قال ابن جني: شبَّه المضاف إليه بالتنوين فحذف له الياء. فصل لمَّا وصف الظَّالمين وعرَّف حالهم بالمثل المذكور بيَّن في هذه الآية أنَّ الهداية من اللَّهِ، وأنَّ الضَّلال من اللَّهِ، وذكر المعتزلةُ ههنا وجوهاً من التأويل: أحدها: قال الجُبائيُّ والقاضي: المرادُ من يهده اللَّهُ إلى الجنَّةِ والثَّواب في الآخرة، فهو المهتدي في الدُّنْيَا السالك طريقة الرشد فيما كلف، فبيَّن تعالى أنَّهُ لا يهدي إلى الثَّوابِ في الآخرة إلا مَنْ هذه صِفَتُهُ، ومن يضلله عن طريق الجنَّةِ: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. وثانيها: قال بعضهم: إنَّ في الآية حذفاً، والتَّقديرُ: من يهده اللَّهُ فيقبل، ويهتدي بهداه؛ فهو المهتدي، ومن يُضللْ فلم يقبل فهو الخَاسِرُ. وثالثها: أنَّ المراد من يهده اللَّهُ أي: وصفه بكونه مُهتدياً فهو المهتدي؛ لأنَّ ذلك كالمدح ومدح الله لا يجعل إلاَّ لمن اتَّصَفَ بذلك الوصف المَمْدُوحِ، ومن يضلل أي: وصفه اللَّهُ بكونه ضالاً: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. ورابعها: من يهده اللَّهُ بالإلطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي، ومن يضلل عن تلك الألطاف بسوء اختياره، ولم يُؤثِّر فيه فهو الخَاسِرُ. والجواب من وجوه: الأولُ: أن الفعل يتوقَّفُ على حصول الدَّاعي وحصول الدَّاعي ليس إلاَّ من اللَّهِ فالفعلُ ليس إلاَّ من اللَّهِ تعالى. الثاني: أنَّ خلاف معلوم الله تعالى ممتنع الوقوع، فمن علم الله منه الإيمان لم يقدر على الكفر وبالضّد. الثالث: أنَّ كل أحد يقصد حصول الإيمان والمعرفة فإذا حصل الكفر عقيبه عَلِمْنَا أنَّهُ ليس منه بل من غيره. وأما التأويل الأول: فضعيف لأنه حمل قوله {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} على الهداية في الآخرة إلى الجنة وقوله "فَهُوَ المُهْتَدِي" على الاهتداء إلى الحق في الدنيا، وذلك يوجب ركاكة النظم، بل يجب أن تكون الهداية والاهتداء راجعين إلى شيء واحد حتى يحسن النظم. وأما الثاني: فإنه التزام لإضمار زائد، وهو خلاف اللَّفظ، ولو جاز فتح باب أمثال هذه الإضمارات لانقلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً، ويخرج كلام الله عن أن يكون حجة، فإنَّ لكل أحد أن يضمر في الآية ما شاء، وحينئذ يخرج الكلام عن الإفادة. وأما الثالث: فضعيف؛ لأن قول القائل: فلان هدى فلاناً لا يفيدُ في اللغة ألبتَّة أنَّهُ وصفه بكونه مهتدياً، وقياس هذا على قوله: فلان ضلل فلان وكفره، قياس في اللغةِ، وهو في نهاية الفسادِ. والرابع: باطل؛ لأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف، فقد فعله عند المعتزلةِ في حق جميع الكُفَّارِ؛ فحمل الآية على هذا التَّأويل بعيد.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن مسعود {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن أبر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق عن ابن عباس قال: هو بلعم بن باعوراء. وفي لفظ: بلعام بن عامر الذي أوتي الاسم كان في بني إسرائيل. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا...} الآية. قال: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم، تعلم اسم الله الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد عنا موسى ومن معه. قال: إني إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه مضت دنياي وآخرتي، فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخ مما كان فيه. وفي قوله {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} قال: إن حمل الحكمة لم يحملها وإن ترك لم يهتد لخير، كالكلب إن كان رابضاً لهث وإن طرد لهث. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه...} الآية. قال: هو رجل أعطى ثلاث دعوات يستجاب له فيهن، وكان له امرأة له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة. قال: فلك واحدة، فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل. فدعا الله فجعلها أجمل امرأة في بني إسرائيل، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر، فدعا الله أن يجعلها كلبة، فصارت كلبة، فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار، قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها، فادع الله أن يردها إلى الحال التي كانت عليه، فدعا الله فعادت كما كانت، فذهبت الدعوات الثلاث وسميت البسوس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو رجل يدعى بلعم من أهل اليمن، آتاه الله آياته فتركها. وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن عبد الله بن عمر {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي. وفي لفظ: نزلت في صاحبكم أمية بن أبي الصلت. وأخرج ابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: حديث : قدمت الفارعة أخت أمية بن أبي الصلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، فقال لها "هل تحفظين من شعر أخيك شيئاً؟ قالت: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا فارعة إن مثل أخيك كمثل الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها" . تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب قال: قال أمية بن أبي الصلت: شعر : ألا رسول لنا منا يخبرنا ما بعد غايتنا من رأس نجرانا تفسير : قال: ثم خرج أمية إلى البحرين، وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام أمية بالبحرين ثماني سنين، ثم قدم فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإِسلام، وقرأ عليه بسم الله الرحمن الرحيم {أية : يس والقرآن الحكيم} تفسير : [يس: 1-2] حتى فرغ منها وثب أمية يجر رجليه، فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟ قال: أشهد أنه على الحق. قالوا: فهل تتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره. ثم خرج أمية إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم، فلما أخبر بقتلى بدر ترك الإِسلام ورجع إلى الطائف. فمات بها، قال: ففيه أنزل الله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} . وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن نافع بن عاصم بن عروة ابن مسعود قال: إني لفي حلقة فيها عبد الله بن عمر، فقرأ رجل من القوم الآية التي في الأعراف {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} فقال: أتدرون من هو؟ فقال بعضهم: هو صيفي بن الراهب. وقال بعضهم: هو بلعم رجل من بني إسرائيل. فقال: لا. فقالوا: من هو؟ قال: أمية بن أبي الصلت. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الشعبي في هذه الآية {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: قال ابن عباس: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعورا، وكانت الأنصار تقول: هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق، وكانت ثقيف تقول: هو أمية بن أبي الصلت. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: هو صيفي بن الراهب. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: هو نبي في بني إسرائيل يعني بلعم، أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت، ففعل وتركهم على ما هم عليه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {فانسلخ منها} قال: نزع منه العلم. وفي قوله {ولو شئنا لرفعناه بها} قال: لرفعه الله بعلمه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مالك بن دينار قال: بعث نبي الله موسى بلعام بن باعورا إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله، وكان مجاب الدعوة وكان من علماء بني إسرائيل، فكان موسى يقدمه في الشدائد فاقطعه وأرضاه فترك دين موسى وتبع دينه، فأنزل الله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} . وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب في قوله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} قال: كان يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعى به أجاب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فأبى أن يقبله وتركه {ولو شئنا لرفعناه بها} قال: لو شئنا لرفعناه بإيتائه الهدى فلم يكن للشيطان عليه سبيل، ولكن الله يبتلي من يشاء من عباده {ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} قال: أبى أن يصحب الهدى {فمثله كمثل الكلب...} الآية. قال: هذا مثل الكافر ميت الفؤاد كما أميت فؤاد الكلب. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: أناس من اليهود والنصارى والحنفاء ممن أعطاهم الله من آياته وكتابه {فانسلخ منها} فجعله مثل الكلب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولو شئنا لرفعناه بها} قال: لدفعنا عنه بها {ولكنه أخلد إلى الأرض} قال: سكن {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} إن تطرده بدابتك ورجليك وهو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {ولكنه أخلد إلى الأرض} قال: ركن نزع. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {إن تحمل عليه} قال: أن تسع عليه. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله {إن تحمل عليه يلهث} قال: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له، إنما فؤاده منقطع كان ضالاً قبل وبعد. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن المعتمر قال: سئل أبو المعتمر عن هذه الآية {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} فحدث عن سيار أنه كان رجلا يقال له بلعام، وكان قد أوتي النبوّة، وكان مجاب الدعوة، ثم أن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الأرض التي فيها بلعام فرعب الناس منه رعباً شديداً، فأتوا بلعام فقالوا: ادع الله على هذا الرجل قال: حتى أؤامر ربي؟ فوامر في الدعاء عليهم، فقيل له: لا تدع عليهم فإن فيهم عبادي وفيهم نبيهم، فقال لقومه: قد وأمرت في الدعاء عليهم وإني قد نهيت. قال: فاهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقالوا: ادع الله عليهم. فقال: حتى أوامر، فوامر فلم يحار إليه شيء. فقال: قد وأمرت فلم يحار إلى شيء. فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك الأولى، فأخذ يدعو عليهم، فإذا دعا جرى على لسانه الدعاء على قومه، فإذا أرسل أن يفتح على قومه جرى على لسانه أن يفتح على موسى وجيشه، فقالوا: ما نراك إلا تدعو علينا...! قال: ما يجري على لساني إلا هكذا، ولو دعوت عليهم ما استجيب لي، ولكن سأدلكم على أمر عسى أن يكون فيه هلاكهم، إن الله يبغض الزنا وإن هم وقعوا بالزنا هلكوا فاخرِجُوا النساء فإنهم قوم مسافرون، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فأخْرَجُوا النساء تستقبلهم فوقعوا بالزنا، فسلط الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً. وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} قال: كان اسمه بلعم، وكان يحسن اسماً من أسماء الله، فغزاهم موسى في سبعين ألفاً، فجاءه قومه فقالوا: ادع الله عليهم - وكانوا إذا غزاهم أحد أتوه فدعا عليهم فهلكوا - وكان لا يدعو حتى ينام فينظر ما يؤمر به في منامه، فنام فقيل له: ادع الله لهم ولا تدع عليهم، فاستقيظ فأبى أن يدعو عليهم فقال لهم: زينوا لهم النساء فإنهم إذا رأوهن لم يصبروا حتى يصيبوا من الذنوب فتدالوا عليهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} [الآية: 175]. قال ابن عطاء: سوابق الأزل تؤثر على انتهاء الأبد، قال الله تعالى: {آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}.
القشيري
تفسير : الحقُّ - سبحانه - يظهر الأعداء في دار الخُلَّة ثم يردُّهم إلى سابق القسمة، ويُبْرِزُ الأولياء بنعتِ الخلاف والزَّلَّة، ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة. ويقال أقامه في محل القربة، ثم أبرز له من مكامن المكر ما أعدَّ له من سابق التقدير؛ فأصبح والكلُّ دونه رتبة، وأمسى والكلب فوقه - مع خساسته.. وفي معناه أنشدوا: شعر : فبينا بخيرٍ والدُّنى مطمئنة وأصبح يوماً - والزمان تَقَلَّبَا تفسير : ويقال ليست العِبْرَةُ بما يلوح في الحال، إنما العبرة بما يؤول إليه في المآل.
البقلي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} خوف الله اهل ولايته من ضربه مقرعة قهر الازل بنعت الغيرة على اعناق من راى قيمة نفسه فى جلال عظمة القدم من حيث صنيعة ببلعام لتمتنع المسرورين بما وجدوا من سنى الكرامات ورفيع الايات من النظر الى مقاماتهم ومعاملاتهم فان تعالى شغل عنه من نظر الى غيره بغيره ونفسه فان مركه قديم ولايامن مكر الله الا القوم الخاسرون ذكرانه تعالى اتاه أياته ولو اعطاه قرب مشاهداته ما سلخ منه لان من راه اخيه ومن اخيه اشتاق اليه ومن اشتقا اليه عشقه ومن عشقه استانس به واشتوحش مما سواه فمن ذلك تبين انه كان مستدرجا بوجدان أياته وتصديق ذلك ما اخبر سبحانه من ارنداده عن ذينه واشتغاله بهواه وعداوة كليمة بقوله {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت الى غيره مكربه فى الازل فكان مكره مستند اما الى الابد فالكرامات الظاهرة له عراضة الامتحان بين الازل والابد عند الاصل القديم لا يعتبر بالعارض الطارى قال ابن عطا سوابق الازل توثر على انتهاء الابد قال الله أتيناه قال الاستاد يظهر الاعداء فى صدا الخلة ثم يردهم الى سوابق القسمة ويبرز الاولياء بنعت الخلاف والزلة ثم يغلب عليهم مقسومات الوصلة ويقال اقامة فى حجال ثم ابرز له من مكامن المكر ما اعذله من سابق التقدير فاصحب والكل دون ربته وامسى واتكلب فوقه مع حاسبته وفى معناه انشدوا شعر : فبتنا بخير والدنا مطمئنة واصحبت يوما والزمان تقلبا تفسير : ثم ان الله سبحانه علق ضلالته بالقسمة السابقة والمشية الازلية الا لا تتأثر بتأثير الاكتساب بقوله {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} اى ولو شئنا فى الازل اصطفائيته لولا يتنا لم يوثر فيها مخالفة الظاهر لان قسمة الازل تقصم تواريرات الطبيعة وتتصل بالكناية الابدية والرعاية السرمدية وليس تقاعده عن طاعة مولاه علة المشية بل المشية علة عصاينه قال ابن عطا ولو جرى له فى حكم الازل السعادة لاثر لك عليه فى عواقب سعيه وكدحه فى اواخر حواله وقال الاستاد لو ساعدته المشية بالسعادة الازلية لم يلحقه الشقاوة والابدية ولكن من قصمة السوابق لم شعشه اللواحق وصدق سبحانه بأية اخرى ما ذكرنا فى الأية بقوله {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} اى من اجتباه الله بقربه ومعرفته فى الازل فجميع امره على نظام تلك الاجتبائية قال بعضهم ليس الناجى من سعى واحسن السعى انما الناجى من سبقت له الهداية من الهادى قال الله من يهد الله فهو المهتدى ثم وصف الخاسرين بانهم محجوبون عن ساحة كبريائه ورؤية جلاله بقوله {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} اى قلوبهم محجوبة عن مشاهدة الغيوب ولو ادركت تلك المشاهد لذاقت طعم الوصال وفهمت حقائق معالى النوال وعيونهم فى غواشى الشهوات ولو خرجتهم لابصرت انوار الصفات وما التفتت منها الى جميع المرادات واذ انهم فى اثقال الغفلات ولو خرجت من تحتها لسمعت اصوات الوصلة والحان هواتف بلابل القربة وطابت بسماعها وصاعت من جميع الملاهى قيل لهم قلوب لا يفقهون بها شواهد الحق ولهم اعين لا يبصرون بها دلائل الحقائق ولهم اذان لا يسمعون بها دعوة الحق ثم وصفهم بانهم اغفل من البهائم فى الضلالة لان للبهائم استعداد قبول التاديب فيقبلون التاديب ولهم ايضا استعداد قبول التاديب ولا يقبلون التاديب قيل الانعام والبهائم لا يحسون بالاستتار والتجلى والارواح نعيمها فى التجلى وعذابها فى الاستتار قال الله ان هم الا كانعام قال ابن عطا لهم قلوب لا يفقهون بها معانى الخطاب ولهم اذان لا يسمعون بها حلاوة الخطاب ولهم اعين لا يبصرون بها شواهد الحق وقال الاستاد لا يفقهون معانى الخطاب كما يفهمه المحدثون وليس تميز بين خواطر القلوب هو اجس النفس ووساوس الشياطن ولهم اعين لا يبصرون بها شواهد التوحيد وعلامات اليقين ولا ينظرون الا من حيث العقل ولا يمعون الا دواعى الفتنة ولا ينخرطون الا من سلك ركوب الشهوة ثم وصف نفسه تعالى بان له الاسماء الذاتية والاسماء الصفاتية والاسماء الفعلية والاسماء الخاصة المنبئة لقلوب العارفين عن عجائب صفاته الازلية التى مصدرها ذاته القديم تعالى بقوله {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} خبر الخلق فى طلب تلك الاسماء العظام ولا ينالونها الا بكشوفها ولا ينكشف لهم تلك الاسماء الا بكشوف صفات الخاصة التى تلك الاسماء مفاتيح خزانتها ولا ينكشف تلك الصفات الا بكشف الذات فمن خص بهذه المكاشفات يهتدى الى اسمه الاعظم ويهتدى بنوره الى معانى الصفات وانوار الذات اذا دعا به اجيب ويكون قوله فى مراده كن فيكون فكل اسم مخبر عن صفة والصفة مخبرة عن الذات ولكل اسم للعارفين فيه مقام وهم فى الاسماء على مراتبها فى معرفة الصفات ومشاهدة الذات قال بعضهم كل اسم من اسمائه مرتبة من المراتب واسمه الله سلمك الى الوله فى حبه والرحكن يبلغانك الى رحمته كذلك جميع اسمائه اذا دعونه عن خلوص ضمير وصفاء عقيدة قال بعضهم وراء الاسماء والصفات صفات لا تخرقها الافهام لان الحق نار يتضرم لا سبيل اليه ولا بد من الاقتحانم فيه وقال بعضهم ابدا اسماءه للدعاء لا يطلب الموقوف عليها وانى يقف على صفاته احد وقيل فادعوه بها اى قفوا معها عن ادراك حقيقتها ما حكى الاستاد عن بعضهم ان الله سبحانه وقف الخلق باسمائه فهم يذكرونها قاله وتعزز بذاته فالعقول وان صفت لا تهجم على حقائق الاشراف اذا لادراك لا يجوز على لاحق فالعقول عند بواده الحقائق منفعة بنقاب الحيرة عن التعرض للاحاطة والمعارف تائهة عند قصد الاشراف على حقيقة الذات والابصار حيرة عند طلب الادراك فى احوال الرؤية والحق سبحانه عزيز باستحقاق نعنوت التعالى منفرد ومثل ذكره الاستاد.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتل} اقرأ يا محمد {عليهم} اى على اليهود {نبأ الذى آتيناه آياتنا} اى خبره الذى له شأن وخطر فان النبأ خبر عن امر عظيم ومعنى آتيناه آياتنا اى علمناه دلائل الوهيتنا ووحدانيتنا وفهمناه تلك الدلائل وفيه اقوال والانسب بمقام توبيخ اليهود ببهتانهم انه احد علماء بنى اسرائيل كما فى الارشاد اوهو بلعم بن باعورا كما فى منهاج العابدين للامام الغزالى وقولهم انه من الكنعانيين الجبارين انما هو لكونه ساكنا فى دارهم والمرء ينسب الى منشأه ومولده كما هو اللائح فافهم. والاسلم فى تقرير القصة ما ذكره الحدادى فى تفسيره نقلا عن ابن عباس وابن مسعود حيث قال كان عابدا من عباد بنى اسرائيل وكان فى المدينة التى قصدها موسى عليه السلام وكان اهل تلك المدينة كفارا وكان عنده اسم الله الاعظم فساله ملكهم ان يدعو على موسى بالاسم الاعظم ليدفعه عن تلك المدينة فقال لهم دينه ودينى واحد وهذا شيء لا يكون وكيف ادعو عليه وهو نبى الله ومعه الملائكة والمؤمنون وانا اعلم من الله ما اعلم وانى ان فعلت ذلك اذهبت دنياى وآخرتى فلم يزالوا به يفتنونه بالمال والهدايا حتى فتنوه فافتتن قيل كان لبلعم امرأة يحبها ويطيعها فجمع قومه هدايا عظيمة فأتوا بها اليها وقبلتها فقالوا لها قد نزل بناماترين فكلمى بلعم فى هذا فقالت لبلعم ان لهؤلاء القوم حقا وجوارا عليك وليس مثلك يخذل جيرانه عند الشدائد وقد كانوا محسنين اليك وانت جدير ان تكافئهم وتهتم بامرهم فقال لها لولا انى اعلم ان هذا الامر من عند الله لاجبتهم فلم تزل به حتى صرفته عن رأيه فركب اتانا له متوجها الى الجبل ليدعو على موسى فما سار على الاتان الا قليلا فربضت فنزل عنها فضربها حتى كاد يهلكها فقامت فركبها فربضت فضربها فانطقها الله تعالى فقالت يا بلعم ويحك اين تذهب الا ترى الى هؤلاء الملائكة امامى يردوننى عن وجهى فكيف اريد ان تذهب لتدعو على نبى الله وعلى المؤمنين فخلى سبيلها وانطلق حتى وصل الى الجبل وجعل يدعو فكان لا يدعو بسوء الا صرف الله به لسانه على قومه ولا يدعو بخير الا صرف الله به لسانه الى موسى فقال له قومه يا بلعم انما انت تدعو علينا وتدعو له فقال هذا والله الذى املكه وانطق الله به لسانى ثم امتد لسانه حتى بلغ صدره فقال لهم قد ذهبت والله منى الآن الدنيا والآخرة فلم يبق الا المكر والحيلة فسأمكر لكم واحتال حلوا النساء وزينوهن واعطوهن الطبيب وارسلوهن الى العسكر وائمروهن لا تمنع امرأة نفسها من رجل ارادها فانهم ان زنى منهم رجل واحد كفيتموهم ففعلوا فلما دخلت النساء المعسكر مرت امرأة منهم برجل من عظماء بنى اسرائيل فقام اليها واخذ بيدها حين اعجبته بحسنها ثم اقبل بها الى موسى وقال له انى لأظنك ان تقول هذه حرام قال نعم هى حرام عليك لا تقربها قال فوالله لا نطيعك فى هذا ثم دخل بها قبة فوقع عليها فارسل الله على بنى اسرائيل الطاعون فى الوقت وكان فخاض بن العيزار صاحب امر موسى رجلا له بسطة فى الخلق وقوة فى البطش وكان غائبا حين صنع ذلك الرجل بالمرأة ما صنع فجاء والطاعون يجوس فى بنى اسرائيل فاخبر الخبر فاخذ حربته وكانت من حديد كلها ثم دخل على القبة فوجدهما كتضاجعين فدفهما بحربته حتى انتظمهما بها جميعا فخرج بهما يحملهما بالحربة رافعا بهما الى السماء والحربة قد اخذها بذراعه واعتمد بمرفقه واسند الحربة الى لحيته وجعل يقول اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك فرفع الطاعون من حينئذ عنهم فحسب من هلك من بنى اسرائيل فى ذلك الطاعون فوجدهم سبعين الفا فى ساعة من نهار وهو ما بين ان زنى ذلك الرجل بها الى ان قتل ثم ان موسى عليه السلام افتاه يوشع بن نون حاربوا أهل تلك البلدة وغلبوهم وقتلوا منهم واسروا وأتو ببلعم اسيرا فقتل فجاؤا بما قبل من العطايا الكثيرة وغنموها {فانسلخ منها} اى من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة والحية ولم يخطرها بباله اصلا {فاتبعه الشيطان} اتبع وتبع بمعنى واحد كاردف وردف. والمعنى ان الشيطان كان وراءه طالبا لاضلاله وهو يسبقه بالايمان والطاعة لا يدركه الشيطان ثم لما انسلخ من الآيات لحقه وادركه {فكان} [بس كشت آن داننده آيات] اى فصار {من الغاوين} من زمرة الضالين الراسخين فى الغواية بعد ان كان من المهتدين. والغى يذكر بمعنى الهلاك ويذكر بمعنى الخيبة وفى القاموس غوى ضل. قال الامام الغزالى كان بلعم بن باعورا بحيث اذا نظر رأى العرش ولم يكن له الا زلة واحدة مال الى الدنيا واهلها ميلة واحدة ولم يترك لولى من اوليائه حرمة واحدة فسلبه معرفته وكان فى اول امره بحيث يكون فى مجلسه اثنا عشر الف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه ثم صار بحيث كان اول من صنف كتابا ان ليس للعالم صانع نعوذ بالله من سخطه انتهى فلا يأمن السالك المحق مكر الله ولو بلغ اقصى مقامات الانبياء والمرسلين فلا يغلق على نفسه ابواب المجاهدات والرياضات ومخالفات النفس وهواها فى كل حال كما كان حال النبى عليه السلام والائمة الراشدين والصحابة التابعين وائمة السلف والمشايخ المتقدمين ولا يفتح على نفسه التنعم والتمتع الدنيوى فى المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمسكن لانه كما ان لله تعالى فى مكامن الغيب للسعداء الطافا خفية مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كذلك له فيها بلايا لهم فليحترز السالك الصادق بل البالغ الواصل والكامل الحاذق من ان يتعرض لتلك البلايا بالتوسع فى الدنيا والتبسط فى الاحوال وتتبع الهوى كما فى التأويلات النجمية. قال الكاشفى [شيخ الاسلام فرمود تاباد تقدير از كجا برآيد وجه بوالعجبى نمايدا اكراز جانب فضل وزد زنار بهرام كبررا كمر عشقبازى راه دين كرداند واكراز طرف عدل وزد توحيد بلعم را برانداخته باسك خسيس برابرى دهدى] شعر : انرا برى از صومعه بردير كبران افكنى وين راكشى از بتكده سر خلقه مردان كنى جون وجرا دركار تو عقل زبونرا كى رسد فرمان ده مطلق تويى حكمى كه خواهى آن كنى
ابن عجيبة
تفسير : قلت: أتبعه الشيطانُ: أدركه، يقال: أتبع القوم: لحقهم، ومنه: {أية : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } تفسير : [يُونس:90]، أي: لحق بني إسرائيل. قاله في الأساس. يقول الحقّ جلّ جلاله: {واتلُ عليهم}؛ على اليهود {نبأَ} أي: خبر {الذي آتيناه آيايِنا}؛ علمًا بكتابنا، {فانسَلَخ منها}؛ بأن كفر بها، وأعرض، {فأَتبعه الشيطانُ} فأدركه {فكان من الغاوين}. قال عبد الله بن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين، داعيًا إلى الله، فرشاه الملكُ، وأعطاه المُلك على أن يترك دين موسى، ويُتابع الملكَ على دينه، ففعل وأضل الناس على ذلك. وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين، اسمه: "بلعم"، كان عنده الاسم الأعظم، فلما أراد موسى قتل الكنعانيين، وهم الجبارون، سألوه أن يدعو على موسى باسم الله الأعظم، فأبى، فألحوا عليه حتى دعا ألا يدخل المدينة، ودعا موسى عليه. فالآيات التي أعطيها، على هذا: اسم الله الأعظم، وعلى قول ابن مسعود: هو ما علمه موسى من الشريعة. قيل: كان عنده من صحف إبراهيم. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هو أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد أُوتي علمًا وحكمة، وأراد أن يُسلم قبل غزوة بدر، ثم رجع عن ذلك ومات كافرًا، وكان قد قرأ الكتب، وخالط الرهبان، وسمع منهم أن الله تعالى مرسِلٌ رسولاً في ذلك الزمان، فَرَجَا أن يكون هو، فلما بَعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم حسده، وقال: ما كنت لأؤمن لرسول من ثقيف. قال تعالى: {ولو شئنا لرفعناه} إلى منازل الأبرار {بها} أي: بسبب تلك الآيات وملازمتها، {ولكنه أخلد إلى الأرض} أي: مال إلى الدنيا وحطامها، أي: أخلد إلى أرض الشهوات، {واتبع هواه} في إيثار الدنيا واسترضاء قومه، أو صيانة رئاسته وجاهه. قال البيضاوي: وكان من حقه أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه: {أخلد إلى الأرض واتبع هواه} مبالغةً وتنبيهًا على ما حمله عليه، وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. هـ. {فمثله} أي: فصفته التي هي مثلٌ في الخسة، {كمَثَل الكلب} أي: كصفته في أخس أحواله، وهو {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} أي: يلهث دائمًا، سواء حمل عليه بالزجر والطرد، أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات؛ لضعف فؤاده، واللهث: إدلاع اللسان من التنفس الشدد، والمراد: لازم اللهث، وهو نفي الرفع ووضع المنزلة. قال ابن جزي: اللهث: هو تنفس بسرعة، وتحريك أعضاء الفم، وخروج اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك الحيوانات عند الحر والتعب، وهي حالة دائمة للكلب، ومعنى "إن تحمل عليه": أن تفعل معه ما يشق عليه، من طرد أو غيره، أو تتركه دون أن تحمل عليه، فهو يلهث على كل حال. ووجه تشبيه ذلك الرجل به أنه إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ضال، فضلالته على كل حال. هـ. وقال الواحدي: وذلك أنه زجر في المنام عن الدعاء على موسى، فلم ينزجر، وترك عن الزجر، فلم يهتد. هـ. وقيل. هـ. أن ذلك الرجل خرج لسانه على صدره، فصار مثل الكلب، وصورته ولهثه حقيقة. هـ. وفعل به ذلك حين دعا على موسى عليه السلام. وفي ابن عطية: ذكر "المعتمد" أن موسى قتله. قال تعالى: {ذلك مَثَل القوم الذين كذَّبوا بآياتنا}؛ صفتهم كصفة الكلب في لهثه وخسته، أو كصفة الرجل المشبه به، لأنهم إن أنذروا لم يهتدوا، وإن تركوا لم يهتدوا. أو شبههم بالرجل في أنهم رأوا الآيات فلم تنفعهم، كما أن الرجل لم ينفعه ما عنده من الآيات. وقال الواحدي: يعني: أهل مكة كانوا متمنين هادياً يهديهم، فلما جاءهم من لا يشكُّون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لمَّا تُركوا، ولم يهتدوا أيضًا لما دعوا بالرسول، فكانوا ضالين عن الرسول في الحالتين. هـ. {فاقصص القصَصَ} المذكور على اليهود، فإنها نحو قصصهم، {لعلهم يتفكرون} تفكرًا يُؤدي إلى الاتعاظ، فيؤمنوا به، فإنَّ هذه القصص لا توجد عند من لم يقرأ إلا بوحي، فيتيقنوا نبوتك. {ساءَ} أي: قبح {مثلاً} مثل {القومُ الذين كذَّبوا بآياتنا}؛ حيث شُبهوا بالكلاب اللاهثة، {وأنفسَهم كانوا يظلمون} بتعريضها للهلاك. قال البيضاوي: إما أن يكون داخلاً في الصلة، معطوفًا على {الذين كذبوا}، بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعًا عنها، بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وباله لا يتخطاها ولذلك قدّم المفعول. هـ. {مَن يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون}، هو تصريح بأن الهدى والضلال بيد الله تعالى، وأنَّ هداية الله يخص بها بعضًا دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء، والإفراد في الأول والجمع في الثاني؛ لاعتبار اللفظ والمعنى، تنبيهًا على أن المهتدين كواحد؛ لاتحاد طريقهم، بخلاف الضالين. والاقتصار في الإخبار عمّن هداه الله بالمهتدي: تعظيمٌ لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه، في نفسه، كمال جسيم، ونفع عظيم، لو لم يحصلُ له غيره لكفاه، وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها. قاله البيضاوي. الإشارة: في الحديث: "حديث : أشَدُّ النَّاس عَذَابًا يَومَ القِيَامَةِ عَالِمٌ لَم يَنفَعهُ عِلمُه"تفسير : . والعلم النافع هو الذي تصحبه الخشية والمراقبة والتعظيم والإجلال، ويوجب لصاحبه الزهد والسخاء والتواضع والأنكسار، وهو علم التوحيد الخاص، الذي هو مشاهدة الحق. وقال الورتجبي في قوله: {آتيناه آياتنا فانسلخ منها}: ذكر أنه تعالى أعطاه أياته، ولو أعطاه قرب مشاهدته ما انسلخ منه، لأن من رآه أحبه، ومن أحب استأنس به واستوحش مما سواه، فمن ذلك تبين أنه كان مستدرجًا بوجدان آياته، وتصديق ذلك ما أخبر سبحانه من ارتداده عن دينه، واشتغاله بهواه وعداوة كليمه بقوله: {فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين}، ولو ذاق طعم حبه لم يلتفت إلى غيره، مُكِرَ به في الأزل، فكان مكره مستدامًا إلى الأبد، فالكرامات الظاهرة عارضه للامتحان بين الأزل والأبد، وعند الأصل القديم لا يعتبر العرض الطارىء. هـ. وقال في الإحياء: إن بلعم أوتي كتاب الله تعالى فأخلد إلى الشهوات، فشُبه بالكلب، أي: سواء أوتي الحكمة أو لم يؤتها فهو يلهث إلى الشهوات. هـ. وفي ذكر قصته تحذير لعلماء هذه الأمة وصلحائها. وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: من أخلدت نفسه إلى أرض الشهوات، وغلبته عن النهوض إلى الطاعات، فدواؤه في حرفين، أحدهما: أن يذكر منّة الله عليه بنعمة الإيمان والإسلام، ويقيد هذه النعمة بالشكر، لئلا تفلت من يده، والثاني: أن يتوجه إلى الله بالتضرع والاضطرار، آناء الليل والنهار، وفي رمضان راجيًا الإجابة، قائلاً: اللهم سَلِّم سَلِّم. فإن أهمل هاتين الخصلتين فالشقاوة لازمة له. هـ. بالمعنى لطول العهد به. وبالله التوفيق. ثم ذكر علامة أهل الضلالة والخسران، فقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}.
الطوسي
تفسير : هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله يأمره بأن يقرأ على بني اسرائيل وغيرهم من أمته خبر الذي اتاه الله حججه وبيناته فانسلخ منها فأتبعه الشيطان وكان من جملة الغاوين الخائبين الخاسرين. وقيل معناه الضالين الهالكين. واختلفوا في المعني بقوله {آتيناه آياتنا}: فقال ابن عباس ومجاهد: هو بلعام بن باعورا من بني اسرائيل. وقال: معنى {فانسلخ منها} ما نزع منه من العلم. وروي عن عبد الله بن عمر انها نزلت في أمية بن ابى الصلت. وقال مسروق وعبد الله: هي في رجل من بني اسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء. وقال قوم: هو رجل من الكنعانيين. وقال الحسن: هذا مثل ضربه الله للكافر آتاه الله آيات دينه {فانسلخ منها} يقول اعرض عنها وتركها {فأتبعه الشيطان} خذله الله وخلى عنه وعن الشيطان، وهو مثل قوله تعالى {أية : كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله} تفسير : اى كتب على الشيطان انه من تولى الشيطان فان الشيطان يضله. وقال الجبائي اراد به المرتد الذي كان الله آتاه العلم به وبآياته فكفر به وبآياته وبدينه من بعد ان كان به عارفاً فانسلخ من العلم بذلك ومن الايمان. وقوله {فأتبعه الشيطان} معناه ان الشيطان اتبعه كفار الانس وغواتهم حتى اتبعوه على ما صار اليه من الكفر بالله وبآياته. وقيل اتبعه الشيطان بالتزيين والأغواء حتى تمسك بحبله وكان من الغاوين الخائبين من رحمة الله، قال وهو رجل من المتقدمين يقال له: بلعام بن باعورا. اتبعه الشيطان، واتبعه لغتان وبالتخفيف معناه قفاه، وبالتشديد حذا حذوه وإذا اردت اقتدا به فبالتشديد لا غير. فأما ما روي أن الآية كانت النبوة فانه باطل، فان الله تعالى لا يؤتي نبوته من يجوز عليه مثل ذلك، وقد دل دليل العقل والسمع على ذلك قال الله تعالى {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين} تفسير : وقال {أية : المصطفين الأخيار} تفسير : فكيف يختار من ينسلخ عن النبوة. وقيل: إن الآية كانت الاسم الاعظم وهذا ايضاً نظير الاول لا يجوز ان يكون مراداً، والقول هو ما تقدم من اكثر المفسرين: ان المعني به بلعم بن باعورا ومن قال امية بن ابي الصلت قال كان اوتي علم الكتاب فلم يعمل به. والوجه الذي قاله الحسن يليق بمذهبنا دون الذي قاله الجبائي، لان عندنا لا يجوز ان يرتد المؤمن الذي عرف الله على وجه يستحق به الثواب. والنبأ الخبر عن الامر العظيم ومنه اشتقاق النبوة: نباه الله جعله نبياً وإنما آتاه الله الايات باللطف حتى تعلمها وفهم معانيها وقال ابو مسلم: الاية في كل كافر بين الله له الحق فلم يتمسك به. وقال ابو جعفر عليه السلام في الاصل بلعم ثم ضرب مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله تعالى من اهل القبلة.
الجنابذي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} النبويّة على لسان نبيّنا (ص)، او آياتنا الولويّة على لسان خليفته، او آياتنا الآفاقيّة الغير النّبويّة والغير الولويّة، او آياتنا الانفسيّة الّتى شاهدها وادراك حيثيّة كونها آيات من الآيات المنذرة والمبشّرة الجارية على السنة خلفائنا والواردة عليه ممّا ليس بقدرته واختياره والواقعة فى المنامات والواقعات والمنبّهة من اختلاف الحالات، والغرض من التّلاوة عليهم تذكيرهم بسوء عاقبة المنسلخ حتّى يتذكّروا ويكونوا على حذر فلا ينسخلوا عن الآيات النّبويّة والاحكام الشّرعيّة ولا يعرضوا عن خليفته محمّد (ص) والمنصوب بعده لهدايتهم، ونزول الآية فى بلعم بن باعورا كما فى اخبارنا او احد علماء بنى اسرائيل او امّيّة بن ابى الصّلت رجا لكثرة علمه واطّلاعه على الكتب السّماويّة ان يكون هو النّبىّ الموعود فلمّا بعث محمّد (ص) حسده وكفر به كما قيل {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} بترك العمل بمقتضاها والغفلة عنها {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} جعله تابعاً لنفسه بعد انسلاخه من الآيات الّتى هى الشّهب المتبعة للشّيطان والتّفسير بلحقه وادركه ايضاً مناسب لهذا المقام، مثله فى قوله تعالى فاتبعه شهاب ثاقب بمعنى لحقه وادركه وقد جاء فى اللّغة بمعنى جعله تابعاً {فَكَانَ} اى صار والتّعبير بكان للاشارة الى تمكّنه فى الغواية كما انّ لفظة {مِنَ ٱلْغَاوِينَ} ايضاً كذلك.
الأعقم
تفسير : {واتلُ} يا محمد على قومك {نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان} هو عالم من علماء بني اسرائيل، وقيل: رجل من الكنعانيين اسمه بلعم بن باعورا أوتي علم بعض كتب الله تعالى فانسلخ منها أي من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره، فاتبعه الشيطان فلحقه وأدركه وصار قريباً له {فكان من الغاوين} فصار من الضالين الكافرين، وروي أن قومه طلبوا إليه أن يدعو على موسى ومن معه فأبى، وقال: كيف أدعو على من معه من الملائكة فألحّوا عليه ولم يزالوا حتى فعل {ولو شئنا لرفعناه بها} لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات {ولكنه أخلد الى الأرض} مال إلى الدنيا {فمثله كمثل الكلب} فصفته التي هي مثل في الحسنة كصفة الكلب في أحسن أحواله، وقيل: معناه ان وضعته فهو ضال كالكلب إن طردته يلهث وإن تركته على حاله يلهث، وقيل: لما دعا بلعم على موسى خرج لسانه من فيه فوقع على صدره فجعلت تلهث كما يلهث الكلب، وقيل: نزلت الآية في قريش ذكره الحاكم أتاهم الله الآيات فلم يقبلوها ذكره في الحاكم، وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجحدوه، وقيل: في عالم ارتد ومال الى الدنيا، وقيل: هو عام فيمن عرض عليه الهدى فأعرض وأبى أن يقبله {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} من اليهود بعدما قرأوا بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه وبشروا الناس به (صلى الله عليه وآله وسلم) {فاقصص القصص} أي قصَّ عليهم يا محمد هذا الحديث، قيل: على بني إسرائيل، وقيل: على قومك {لعلهم يتفكرون}، قوله تعالى: {ساء مثلاً} أي بئس الصفة المضروب فيها المثل وروى الثعلبي أنها نزلت في رجل قد اعطي ثلاث دعوات مستجابة، وكان له امرأة وكان له منها ولد، فقالت: اجعل لي منها دعوة، فقال: ما تريدين؟ قالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فرغبت عنه، فدعا عليها فصارت كلبة نباحة، فدعا الله أن يردها فردها والله أعلم {من يهدي الله فهو المهتدي} يمده بالألطاف قال تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى} {ومن يضلل}، قيل: بالعقوبة، وقيل: بالترك {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإِنس} الآية، قال جار الله: هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم، وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بعيونهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب وابصار العيون واستماع الآذان، قال الشاعر: شعر : لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي تفسير : وإنما قال: ذرأنا لأنهم يصيرون إلى جهنم بكفرهم بربهم واللام للعاقبة، كقوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم} تفسير : [القصص: 8] الآية وأنشدوا: شعر : أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها تفسير : ثم وصفهم تعالى فقال: {لهم قلوب لا يفقهون بها} أي لا يعلمون {ولهم أعين لا يبصرون بها} طريق الحق وسبيل الرشاد {ولهم آذان لا يسمعون بها} فيعرفون بذلك توحيد الله تعالى {أولئك كالأنعام بل هم أضل} في عدم الفقه والنظر للاعتبار والاستماع للتدبر، يعني هم أضل من الأنعام عن الفقه والتدبر والاعتبار {أولئك هم الغافلون} الكاملون في الغفلة.
اطفيش
تفسير : {واتْلُ عَليْهِمْ} على بنى إسرائيل أو عليهم وعلى غيرهم من الكفار قولان {نَبَأ} خبر {الَّذِى آتيْناه آياتِنا} هو بلعام من باعوراء عند ابن عباس، أتاه الله بعض علم الكتب المنزلة، وكان يحسن اسم الله الأعظم فلا ترد له دعوة دعا به فيها، وعن بعضهم: كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها، وفسر بعضهم الآيات بالاسم الأعظم، لأنه عبارة عن دعاء فيه اسم من أسماء الله، أو لتضمنه دلائل، وزعم بعضهم عن مجاهد انها آيات النبوة وكان مرشحاً لها، وهذا خطأ، فإن النبى معصوم، ومن كان عند الله نبيا لم يخرج عن لنبوة، وقيل فى اسمه: بلعم بدون ألف، وقال مجاهد: بلعام من عابر، وقال ابن مسعود: ابن إبر، وهو من بلد الجبارين من الكنعانيين قاله ابن عباس. وروى عنه: أنه من بنى إسرائيل، وعن مقاتل أنه من البلقاء، قال ابن مسعود: هو من بنى إسرائيل وهو المشهور فيما قيل، بعثه موسى إلى ملك مدين بآيات علمه إياهن، يدعوه إلى الإيمان، ولما وصل رشاه الملك على أن يترك دين موسى ويتبع دين الملك ففعل، ففتن به الناس، وقيل: عالم من بنى إسرائيل، وقيل: هو أمية بن أبى الصلت الثقفى، وكان قد قرأ الكتب القديمة، وكان صاحب شعر وحكمة ومواعظ حسان، وقيل: البسوس أعطاه له ثلاث دعوات يجاب فيهن سيأتين، وقيل: عامر بن النعمان، كان يعرف شيئا من دين إبراهيم وزاد فيه. {فانْسَلخ} خرج {مِنْها} بعمله بغير مقتضاها كانسلاخ الشاة من جلدها، قال ابن عباس: خرج من العلم {فأتْبعه الشَّيْطان} أى تبعه فهو من الرباعى الموافق للثلاثى، لكنه أبلغ منه، أو المعنى أنه أدركه، وكان قرينه، يقال: تبعه حتى أتبعه أى لحقه، أو الهمزة للسلب أى أزال عنه تبع الآيات أو للتعدية، فالثانى محذوف أى اتبعه الضلالة أو للصيرورة، أى صار الشيطان تابعا له لا يفارقه يضله ويغويه، وقرأ الحسن فى رواية هارون عنه وطلحة بن مصرف فى رواية بوصل الهمزة وتشديد التاء. {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} الضالين، قال فى عرائس القرآن: قال أكثر المفسرين: الآية فى بلعام بن عوراء بن عامر بن مازن بن لوط عليه السلام من الكنعانيين من مدينة البلقاء. وهى مدينة الجبارين، وسميت بلقاء لأن ملكها يقال له بالق بن ضافوراء. وكانت قصة بلعام على ما ذكره ابن عباس، وابن إسحاق، والسدى، والكلبى وغيرهم: إن موسى لما قصد حرب الجبارين، ونزل أرض كنعان من أرض الشام، أتى قوم بلعام إلى بلعام، وكان عنده اسم الله الأعظم، فقالوا له: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وقد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا، ويحلها بنى إسرائيل، وإنَّا قومك وجيرانك وبنو عمك، وليس لنا ملجأ، وأنت رجل مجاب الدعوة فاقدم علينا وأشر علينا فى أمر هذا العدو الذى رهقنا، وادعو الله أن يرده عنَّا، فقال: ويلكم نبى الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم؟ وإنى أعلم من الله ما أعلم، وإنى إن فعلت هذا ذهبت عنى دنياى وآخرتى، فلم يزالوا به حتى قال: اصبروا حتى آمُر ربى، وكان لا يدعو حتى ينظر ما يؤمر به فى المنام، فقيل له فى المنام: لا تدع عليهم، فقال لهم: آمرت ربى فنهيت عن ذلك، فراجعوه فقال لهم: حتى أُآمر ثانية، وأمر فلم يجب إليه فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك فى المرة الأولى، فلم يزالوا به حتى افتتن، ويقال: إنهم أهدوا إليه هدية فقبلها. وروى أن بلعام لما أبى أن يدعو على موسى، واجتمع قومه على أن يحملوا شيئا لأمرأته لأنها فقيرة، وأنه لا يصدر عن رأيها، فانطلق عشرة من عظمائهم، وعمل كل واحد منهم صفحة من ذهب وملأها ورقا، فقبلت ذلك، فأقبلت على زوجها وألحت وقالت: راجع ربك واسأله أن يأذن لك فى مؤازرتهم والدعاء لهم على عدوهم، فلم تزل به حتى آمر فلم يجب بشئ، فقالت له: لقد خيرك فى الدعاء عليهم، ولو لم يأذن لك ربك لنهاك، قالوا: فركب متوجها إلى جبل {من} يطلعه يشرف على بنى إسرائيل يقال له جبل حسبان، وكانت مراكب الأولين الأتن، فلما سار على أتانه غير بعيد ربضت به فنزل عنها فضربها، فقامت فركبها، فسارت غير بعيد فربضت فنزل عنها فضربها ضربا شديدا، فأنطقها الله حجة عليه قالت له: ويحك يا بلعام أين تذهب؟ أما ترى الملائكة أمامى تردنى عن وجهى هذا، تذهب إلى الدعاء على نبى الله والمؤمنين، فخر ساجداً فلم يزل باكيا متضرعا حتى غاب عنه الملائكة. فجاء الشيطان فقال امض فإن ربك أذن لك، ولو لم يأذن لك ما ذهبت الملائكة وما خلى سبيلها، فانطلقت به حتى إذا أشرفت على جبل حسبان، وجعل لا يدعو عليهم بشر إلا صرف الله لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه إلا صرف لسانه إلى بنى إسرائيل، فقال له قومه: أتدرى يا بلعام ما تصنع، وكانوا معه فى الجبل، فقال: هذا ما لا أملك قد غلبنى الله عليه، فاندلق لسانه واقعا على صدره، فعلم ما حل به فقال لقومه: قد ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة، ولم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم، زينوا النساء وأعطوهن السلع وأرسلوهن إلى العسكر يبعنها، ومروهن أن لا يمتنعن ممن أرادهن، فإنه إن زنى رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فمرت امرأة منهم اسمها كستا بنت صور برجل من عظماء بنى أسرائيل يقال له زمر بن شالوم، وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب، فأعجبته فأخذ بيدها فأقبل بها حتى وقف على موسى فقال: أظنك تقول هذه حرام علىَّ؟ فقال: نعم هى حرام عليك لا تقدر بها، قال: فوالله لا نعطيك فى هذا، ودخل بها قبته فوقع عليها، فأرسل الله الطاعون على بنى إسرائيل في الوقت. وكان فنحاص بن العيزار صاحب موسى، قد أعطى بسطة فى الخلق، وقوة فى البطش، وكان غائبا حين صنع زمر ما صنع، فأخبروه فأخذ حربته، وكانت من حديد كلها فدخل عليهما القبة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته وخرج بهما، رفعهما إلى السماء والحربة قد أخذت بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحرية إلى لحيته وجعل يقول: اللهم هكذا نصنع بمن يعصيك، فرفع الطاعون، فوجد من مات بين إصابة زمر المرأة وقتلهما سبعين ألفا، وذلك فى ساعة، فمن ذلك تعطى بنو إسرائيل ولد فنحاص من كل ذبيحة ذبحوها القبة وهي الخاصرة وما يليها إلى الخارج الفرج والذراع والحى، لاعتماده على خاصرته بالحربة، وأخذ إياها بذراعه وإسناده إياها على لحيه، والبكر وهو الجمل الصغير الشاب، لأنه كان بكرا لأبيه العيزار وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: ادع الله على موسى، فقال: إنه من أهل دينى لا أدعو عليه، فنصب له خشبة ليصلبه عليها، فلما رأى ذلك خرج على أتانه ليدعو عليه، فلما عاين عسكرهم وقفت الأتان فضربها فقالت: لم تضربنى أنا مأمورة فلا تظلمنى، وهذه الملائكة أمامى قد منعتنى أن أمشى، فرجع إلى الملك فأخبره، فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك، فدعا على موسى بالاسم الأعظم أن لا يدخل المدينة، فاستجيب له، ووقع فى التيه بدعائه، فقال موسى: يا رب بأى ذنب وقعت فى التيه؟ فقال: بدعاء بلعام، فقال: يا رب كما سمعت دعاءه فاسمع دعائى، فدعا عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم، قيل: والإيمان، فنزع منه المعرفة، خرجت من صدره كحمامة بيضاء اهـ كلام عرائس القرآن. وأظن هذه القصة إسرائيلية، فإن صحت فما دعا موسى عليه بنزع الإيمان إلا بإذن الله له فى الدعاء، أو بعد إخباره بأنه كفر مرتد شقى، وإيمانه ضرر على غيره، والصحيح أن سبب التيه قولهم: "اذهب أنت وربك فقاتلا" أو قولهم: "اجعل لنا إلهاً" أو عبادة العجل، قال فى عرائس القرآن: وقال عبد الله بن عمرو بن العاص، وزيد بن أسلم، وأبو روق ونسبه غيره إلى سعيد بن المسيب: نزلت الآية فى أمية بن أبى الصلت الثقفى، وكان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله يرسل رسولا فى الوقت ورجا أن يكون هو ذلك الرسول، ولما أرسل الله سبحانه وتعالى محمدا صلى الله عليه وسلم حسده وكذبه، وكان قد قصد إلى بعض الملوك، ولما رجع مرَّ على قتلى بدر بعد الوقعة بيوم أو نحوه، فسأل عنهم فقيل: قتلهم محمد، فقال: لو كان نبيا ما قتل أقاربه. وروى: أنه جاء يريد الإسلام، فوصل إلى بدر بعد الوقعة بيوم أو نحوه، فقال: من قتل هؤلاء؟ فقيل: محمد، فقال: لا حاجة بدين من قتل هؤلاء، فرجع وقال: الآن حلت لى الخمر، وكان قد حرمها على نفسه، فلحق بقوم من ملوك حمير فنادمهم حتى مات، ولما مات أتت أخته فازعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثته عن وفاة أخيها فقالت: بينما هو راقد أتاه اثنان فكشطا سقف البيت ونزلا. فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، وقال الذى عند رجليه للذى عند رأسه: أوعى؟ قال: وعى، فقال أذكى؟ قال: ذكى قلت: لعلهما شيطانان، لأنه ليس بذكى، لأنه مكذب فسألته عن ذلك قال: خير أريد بى، فصرف عنى ثم غشى عليه ولما أفاق قال: شعر : كل عيش وإن تطاول دهراً صائر مرة إلى أن يزولا ليتنى كنت قبل ما قد بدالى فى قلال الجبال أرعى الوعلا إن يوم الحساب يوم عبوس شاب فيه الصغير يوما ثقيلا تفسير : ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها: "أنشدنى من شعر أخيك" فأنشدت: شعر : لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ولا شئ أعْلَى منك حداً وأمجدا تفسير : ومن قصيدة طويلة حتى أتت على آخرها ثم أنشدت قصيدته التى هى: شعر : عند ذى العرش تعرضون وقد يعلم ما كان جهركم والخفيا يوم نأتى الرحمن وهو رحيم إنه كان وعده مأتيا يوم نأتيه مثل ما قال فردا ورشيداً بعض وبعض غويا وسعيداً سعادة أنا أرجو ومهاناً بكسبه وشقيا إن أخذت بما اجترمت فإنى سوف ألقى من العذاب قويا رب إن تعف فالمعافاة ظنى أو تعاقب فلم تعاقب بريا تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم: "آمن شعر أخيك" أى اشتمل على أمر الإيمان وكفر قلبه فنزلت الآية. وقال سعيد بن المسيب: حديث : نزلت فى عامر بن النعمان بن صيفى الراهب، الذى سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق، وكان قد ترهب فى الجاهلية، ولبس المسوح وقدم المدينة، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذى جئت به؟ قال "جئت بالحنيفية دين إبراهيم" قال: فأنا عليها، فقال صلى الله عليه وسلم: "لست عليها ولكنك أدخلت فيها ما ليس منها" تفسير : فقال أبو عامر: أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا، فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أعدوا القوة والسلاح، فإنى ذاهب إلى قيصر، وآتى بجنود لنخرج محمدا وأصحابه من المدينة، فذلك قوله: {أية : وإرصادا لمن حارب الله ورسوله} تفسير : ومات بالشام طريدا وحيدا كما يأتى إن شاء الله فى براءة. ومنهم من يقول: لقد أنزلت فى البسوس، وكان قد أعطى ثلاث دعوات مستجابات، ونسبه بعض إلى ابن عباس، وهو من بنى إسرائيل فقالت له امرأته: اجعل لى منهن دعوة، فقال: ما تريدين؟ قالت له: ادع الله أن يجعلنى أجمل امرأة فى بنى إسرائيل، فدعا فكانت كذلك، فرغبت عنه فغضب، فدعا عليها فصارت كلبة نباحة، فجاء بنوها فقالوا: لا قرار لنا مع هذا، صارت أمنا كلبة والناس يعيروننا بها، ادع الله أن يردها إلى حالها التى كانت عليها، فدعا فردها كما كانت، فذهبت فيها الدعوات كلها، وقيل: إن البسوس اسم للمرأة وكان يضرب بها الأمثال فى الشؤم، وقد سميت بها خالة جساس بن مرة الشيبانى، كانت لها ناقة يقال لها سراب، فرآها كليب وائل فى حماه، وقد كسرت بيض طير قد أجاره، فرمى ضرعها بسهم فوثب جساس على كليب فقتله، فهاجت حرب بكر وتغلب ابنى وائل أربعين عاما بسببها. قال الزجاج: وقيل: الإشارة إلى منافقى أهل الكتاب الذين يعرفون النبى صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته كما يفرفون أبناءهم وأنكروه، وبه قال ابن كيسان والحسن، فالمراد بالذى الجنس أو الفريق، وصواب هذا أن يقول إلى كفار أهل الكتاب، لأنه لم يكن منهم منافق، إنما كانوا مجاهرين اللهم إلا إن سماهم منافقين بالنسبة إلى دينهم حيث آمنوا به، واقترفوا الكبيرة هى إنكار النبى بألسنتهم، وقال قتادة: ذلك مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله.
اطفيش
تفسير : {وَاتْلُ} يا محمد {عَلَيْهِمْ} على اليهود عطف على اذكر إِذ أَخذ ربك {نَبَأَ} خبر {الَّذِى آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا} علم بعض الكتب كالتوراة والصحف والكتب قبل ذلك، وما حصله مما سطر قبله أَو من السماع حتى كان عنده الاسم الأَعظم الذى لا يرد معه دعاء {فَانْسَلَخَ مِنْهَا} كما تنسلخ الحية من جلدها، فلم يتأَثر بها، وكفر بعد الإِيمان، فصح الكلام بلا دعوى قلب، إِذ لم يقل: انسلخت منه، وقد قيل: إِن الأَصل انسلخت منه فقلب، واستدل بعض بالآية على أَنه يقال: انسلخ الرجل من العلم، ولا يقال: انسلخ العلم منه، وكذا فى النزع. قلت: كل ذلك وارد كما ورد أَن الله تعالى نزع الاسم الأَعظم من بلعام {فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} تبعه الشيطان من باب أَفعل بمعنى فعل. أَى لزمه بالوسوسة والإِضلال ولم يفارقه، كأَنه قيل أَدركه وصار قرينه، وقد قيل: معناه أَدركه الشيطان بعد أَن غلب الشيطان بالعبادة، أَو تبعه الشيطان على أَنه إِمام الشيطان مبالغة، أَوصيره تابعاً إِياه، كقوله تعالى "أية : واتبعتهم ذريتهم بإِيمان" تفسير : [الطور: 21] فى قراءَة، على معنى أَنه جعله تابعاً لخطواته {فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ} الضالين.
الالوسي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} تعطف على المضمر العامل في {أية : إِذْ أَخَذَ } تفسير : [الأعراف: 172] وارد على نمط الأنباء عن الحور بعد الكور، أي واقرأ على اليهود أو على قومك كما في الخازن {نَبَأَ ٱلَّذِى ءَاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا} أي خبره الذي له شأن وخطر، وهو كما روى ابن مردويه وغيره من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلعم بن باعوراء وفي لفظ بلعام بن باعر وكان من الكنعانيين، وفي رواية عنه وعن أبـي طلحة أنه من بني إسرائيل، وأخرج ابن عساكر عن ابن شهاب أنه أمية بن أبـي الصلت. وأخرج أبو الشيخ عن الحبر أنه رجل من بني إسرائيل له زوجة تدعى البسوس، وفي رواية أخرى أخرجها ابن أبـي حاتم عنه أنه النعمان بن صيفي الراهب، وكونه إسرائيلياً أنسب بالمقام كما لا يخفى، والأشهر أنه بلعام أو بلعم وكان قد أوتي علماً ببعض كتب الله تعالى، ودون ذلك في الشهرة أنه أمية وكان قد قرأ بعض الكتب. {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي من تلك الآيات انسلاخ الجلد من الشاة، والمراد أنه خرج منها بالكلية بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره، وحقيقة السلخ كشط الجلد وإزالته بالكلية عن المسلوخ عنه، ويقال لكل شيء فارق شيئاً على أتم وجه انسلخ منه، وفي التعبير به ما لا يخفى من المبالغة، واستأنس بعضهم بهذه الآية لأن العلم لا ينزع من الرجال حيث قال سبحانه وتعالى: {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} ولم يقل عز شأنه فانسلخت منه {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ} أي لحقه وأدركه كما قال الراغب بعد أن لم يكن مدركاً له لسبقه بالإيمان والطاعة، وقال الجوهري يقال: أتبعت القوم إذا سبقوك فلحقتهم وكأن المعنى جعلتهم تابعين لي بعد ما كنت تابعاً لهم، وفيه حينئذٍ مبالغة في اللحوق إذ جعل كأنه إمام للشيطان والشيطان يتبعه وهو من الذم بمكان، ونظيره في ذلك قوله:شعر : وكان فتى من جند إبليس فارتقى به الحال حتى صار إبليس من جنده تفسير : وصرح بعضهم بأن معناه استتبعه أي جعله تابعاً له، وهو على ما قيل متعد لمفعولين حذف ثانيهما أي أتبعه خطواته. وقرىء {فَاَتْبَعَهُ} من الافتعال {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} فصار من زمرة الضالين الراسخين في الغواية بعد أن كان مهتدياً، وكيفية ذلك على القول بأنه بلعام أن موسى عليه السلام لما قصد / حرب الجبارين أتى قوم بلعام إليه وكان عنده اسم الله تعالى الأعظم فقالوا له: إن موسى عليه الصلاة والسلام رجل حديد وإن معه جنوداً كثيرة وإنه قد جاء ليخرجنا من أرضنا فادع الله تعالى أن يرده عنا، فقال: ويلكم نبـي الله تعالى ومعه الملائكة والمؤمنون فكيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله تعالى ما أعلم وإني إن فعلت ذهبت دنياي وآخرتي فألحوا عليه، فقال: حتى أوامر ربـي فأتى في المنام وقيل له: لا تفعل فأخبر قومه فأهدوا له هدية فقبلها ولم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فجعل يدعو على موسى عليه الصلاة والسلام وقومه إلا أن الله تعالى جعل يصرف لسانه إلى الدعاء على قومه نفسه، فقالوا له: يا بلعام أتدري ما تصنع إنك تدعو علينا، فقال: هذا أمر قد غلب الله تعالى عليه فاندلع لسانه ووقع على صدره، فقال: يا قوم قد ذهبت مني الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة جملوا النساء وأرسلوهن وأمروهن أن لا يمنعن أنفسهن فإن القوم سفر وإن الله سبحانه وتعالى يبغض الزنا وإن هم وقعوا فيه هلكوا ففعلوا ذلك فافتتن زمرى بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقون بامرأة منهن تسمى كستى بنت صور فنهاه موسى عليه السلام عن الفاحشة فأبـى وأدخلها قبته وزنا بها فوقع فيهم الطاعون حتى هلك منهم سبعون ألفاً ولم يرتفع حتى قتلهما فنحاص بن العيزار بن هارون وكان غائباً أول الأمر. وعن مقاتل أن ملك البلقاء قال له: ادع الله تعالى على موسى عليه السلام، فقال: إنه من أهل ديني ولا أدعو عليه فنصب له خشبة ليصلبه عليها فدعا بالاسم الأعظم أن لا يدخل الله تعالى موسى عليه السلام المدينة فاستجيب له ووقع بنو إسرائيل في التيه، فقال موسى: يا رب بأي ذنب هذا؟ فقال سبحانه وتعالى: بدعاء بلعام، فقال: رب كما سمعت دعاءه علي فاسمع دعائي عليه فدعا الله جل شأنه أن ينزع عنه الاسم الأعظم والإيمان فنزع الله تعالى عنه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء. ورد هذا بأن التيه كان روحاً وراحة لموسى عليه السلام وإنما عذب به بنو إسرائيل وقد كان ذلك بدعائه عليه السلام على أن في الدعاء بسلب الإيمان مقالاً، وأنا أعجب لم لم يدع هذا الشقي بالاسم الأعظم الذي كان يعلمه على ملك البلقاء ليخلص من شره؟ ودعا على موسى عليه السلام ما هي إلا جهالة سوداء، وجاء في كلام أبـي المعتمر أنه كان قد أوتي النبوة، ويرده أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يجوز عليهم الكفر عند أحد من العقلاء وكأن مراده من النبوة ما أوتيه من الآيات، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من حفظ القرآن فقد طوى النبوة بين جنبيه».تفسير : وأخرج ابن المنذر عن مالك بن دينار أنه كان من علماء بني إسرائيل وكان موسى عليه السلام يقدمه في الشدائد ويكرهه وينعم عليه فبعثه إلى ملك مدين يدعوهم إلى الله تعالى وكان مجاب الدعوة فترك دين موسى عليه السلام واتبع دين الملك، وهذه الرواية عندي أولى مما تقدم بالقبول، وأما على القول بأنه أمية فهو أنه كان قد قرأ الكتب القديمة وعلم أن الله تعالى مرسل رسولاً فرجا أن يكون هو ذلك الرسول، فاتفق أن خرج إلى البحرين وتنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقام هناك ثماني سنين ثم قدم فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه فدعاه إلى الإسلام، وقرأ عليه سورة يس حتى إذا فرغ منها وثب أمية يجر رجليه فتبعته قريش تقول: ما تقول يا أمية؟ فقال: أشهد أنه على الحق قالوا: فهل نتبعه؟ قال: حتى أنظر في أمره فخرج إلى الشام وقدم بعد وقعة بدر يريد أن يسلم فلما أخبر بها ترك الإسلام وقال: لو كان نبياً ما قتل ذوي قرابته فذهب إلى الطائف / ومات به فأتت أخته الفارعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن وفاته فذكرت له أنه أنشد عند موته:شعر : كل عيش وإن تطاول دهراً صائر مرة إلى أن يزولا ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في قلال الجبال أرعى الوعولا إن يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه الصغير يوماً ثقيلاً تفسير : ثم قال لها عليه الصلاة والسلام: أنشديني من شعر أخيك فأنشدته:شعر : لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ولا شيء أعلى منك جداً وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن لعزته تعنو الوجوه وتسجد تفسير : من قصيدة طويلة أتت على آخرها، ثم أنشدته قصيدته التي يقول فيها:شعر : وقف الناس للحساب جميعاً فشقي معذب وسعيد تفسير : والتي فيها:شعر : عند ذي العرش يعرضون عليه يعلم الجهر والسرار الخفيا يوم يأتي الرحمن وهو رحيم إنه كان وعده مأتيا رب إن تعف فالمعافاة ظني أو تعاقب فلم تعاقب بريا تفسير : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن أخاك آمن شعره وكفر قلبهتفسير : ، وأنزل الله تعالى الآية. وأما على القول بأنه النعمان فهو أنه كان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح فقدم المدينة فقال للنبـي صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذي جئت به؟ فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : الحنيفية دين إبراهيم عليه السلامتفسير : . قال: فأنا عليها. فقال عليه الصلاة والسلام: حديث : لست عليها ولكنك أدخلت فيها ما ليس منهاتفسير : . فقال: أمات الله تعالى الكاذب منا طريداً وحيداً، ثم خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا السلاح، ثم أتى قيصر وطلب منه جنداً ليخرج النبـي صلى الله عليه وسلم من المدينة فمات بالشام طريداً وحيداً. وأما على القول بأنه زوج البسوس، فقد أخرج ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه رجل أعطى ثلاث دعوات مستجابات، وكانت له امرأة تدعى البسوس له منها ولد فقالت: اجعل لي منها واحدة. قال: فما الذي تريدين؟ قالت: ادع الله تعالى أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل فدعا الله تعالى فجعلها أجمل امرأة فيهم، فلما علمت أن ليس فيهم مثلها رغبت عنه وأرادت شيئاً آخر فدعا الله تعالى أن يجعلها كلبة فصارت كلبة فذهبت دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس بنا على هذا قرار قد صارت أمنا كلبة يعيرنا الناس بها فادع الله تعالى أن يردها إلى الحال التي كانت عليها فدعا فعادت كما كانت فذهبت الدعوات الثلاث فيها، ومن هنا يقال: أشأم من البسوس، وفي الخازن أن البسوس اسم لذلك الرجل وليس بشيء، وهذه الرواية لا يساعد عليها نظم القرآن الكريم كما لا يخفى، والذي نعرفه أن البسوس التي يضرب بها المثل هي بنت منقذ التميمية خالة جساس بن مرة بن ذهل الشيباني قاتل كُلَيْب، وفي قصتها طول وقد ذكرها الميداني وغيره. / وعن الحسن وابن كيسان أن المراد بهذا الذي أوتي الآيات فانسلخ منها منافقو أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبـي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم ولم يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم إيماناً صحيحاً، ويبعد ذلك إفراد الموصول وعن قتادة أن هذا مثل لمن عرض عليه الهدى واستعد له فأعرض عنه وأبـى أن يقبله، وفيه بعد ومخالفة للروايات المشهورة، وأوهن الأقوال عندي قول أبـي مسلم: إن المراد به فرعون والمراد بالآيات الحجج والمعجزات الدالة على صدق موسى عليه السلام، وكأنه قيل: واتل عليهم نبأ فرعون إذ آتيناه الحجج الدالة على صدق موسى عليه السلام فلم يقبلها.
ابن عاشور
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِىۤ ءاتَيْنَـٰهُ ءَايَـٰتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}. أعقب ما يُفيد أن التوحيد جعل في الفطرة بذكر حالة اهتداء بعض الناس إلى نبذ الشرك في مبدأ أمره ثم تعرّض وساوس الشيطان له بتحسين الشرك. ومناسبتُها للتي قبلها إشارة العبرة من حال أحد الذين أخذ الله عليهم العهد بالتوحيد والامتثال لأمر الله، وأمده الله بعلم يعينه على الوفاء بما عاهد الله عليه في الفطرة، ثم لم ينفعه ذلك كله حين لم يقدر الله له الهدى المستمر. وشأن القصص المفتتحة بقوله: {واتل عليهم} أن يقصد منها وعظ المشركين بصاحب القصة بقرينة قوله: {ذلك مثل القوم} الخ، ويحصل من ذلك أيضاً تعليم مثل قوله: {أية : واتل عليهم نبأ نوحٍ}تفسير : [يونس: 71] {أية : واتل عليهم نبأ إبراهيم}تفسير : [الشعراء: 69] {أية : نَتْلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق}تفسير : [القصص: 3] ونظائر ذلك، فضمير {عليهم} راجع إلى المشركين الذين وجهت إليهم العبر والمواعظ من أول هذه السورة، وقصت عليهم قصص الأمم مع رسلهم، على أن توجيه ضمائر الغيبة إليهم أسلوب متبع في مواقع كثيرة من القرآن، كما قدّمناه غير مرة، فهذا من قبيل رد العجُز على الصدر. ومناسبة فعل التلاوة لهم أنهم كانوا قوماً تغلب عليهم الأمية فأراد الله أن يبلّغ إليهم من التعليم ما يُساوون به حال أهل الكتاب في التلاوة، فالضمير المجرور بـ (على) عائد إلى معلوم من السياق وهم المشركون، وكثيراً ما يجيء ضمير جمع الغائب في القرآن مراداً به المشركون كقوله: {أية : عم يتساءلون}تفسير : [النبأ: 1]. والنبأ الخبر المروي. وظاهر اسم الموصول المفرد أن صاحب الصلة واحد معيّن، وأن مضمون الصلة حال من أحواله التي عرف بها، والأقرب أن يكون صاحب هذا النبأ ممّن للعرب إلمام بمجمل خبره. فقيل المعنى به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وروي هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، بأسانيد كثيرة عند الطبري، وعن زيد بن أسلم، وقال القرطبي في «التفسير» هو الأشهر، وهو قول الأكثر ذلك أن أمية بن أبي الصلت الثقفي كان ممن أراد اتباع دين غير الشرك طالباً دين الحق، ونظر في التوراة والإنجيل فلم ير النجاة في اليهودية ولا النصرانية، وتزهّد وتوخّى الحنيفية دينَ إبراهيم، وأخبر أن الله يبعث نبيّاً في العرب، فطمع أن يكونَه، ورفض عبادة الأصنام، وحرم الخمر، وذكر في شعره أخباراً من قصص التوراة، ويروى أنه كانت له إلهامات ومكاشفات وكان يقول:شعر : كُل دين يومَ القيامة عند اللَّه إلا دين الحنيفيةُ زُورُ تفسير : وله شعر كثير في أمورٍ إلآهية، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم أسف أن لم يكن هو الرسول المبعوث في العرب، وقد اتفق أن خرج إلى البحرين قبل البعثة وأقام هنالك ثمان سنين ثم رجع إلى مكة فوجد البعثة، وتردد في الإسلام، ثم خرج إلى الشام ورجع بعد وقعة بدر فلم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم حسداً، ورثى من قُتل من المشركين يومَ بدر، وخرج إلى الطائف بلاد قومه فمات كافراً. وكان يذكر في شعره الثواب والعقاب واسم الله وأسماء الأنبياء، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : كاد أمية بن أبي الصلت أن يُسلم» تفسير : وروي عن أمية أنه قال لما مرِض مَرض موته «أنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلني في محمد». فمعنى {آتيناه آياتنا} أن الله ألهم أمية كراهية الشرك، وألقى في نفسه طلب الحق، ويسّر له قراءة كتب الأنبياء، وحّبب إليه الحنيفية، فلما انفتح له باب الهدى وأشرق نور الدعوة المحمدية كابَر وحسَد وأعرض عن الإسلام، فلا جرم أن كانت حاله أنه انسلخ عن جميع ما يُسر له، ولم ينتفع به عند إبان الانتفاع، فكان الشيطان هو الذي صرفه عن الهدى فكان من الغاوين، إذ مات على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقال سعيد بن المسيب نزلت في أبي عامر بن صيفي الراهب، واسمه النعمان الخزرجي، وكان يلقب بالراهب في الجاهلية لأنه قد تنصّر في الجاهلية، ولبس المسوح وزعم أنه على الحنيفية، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد ما الذي جئت به ــــ قال ــــ جئت بالحنيفية دين إبراهيم ــــ قال ــــ فإني عليها ــــ فقال النبي ــــ لست عليها لأنك أدخلت فيها ما ليس منها» فكفر وخرج إلى مكة يحرّض المشركين على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ويخرج معهم، إلى أن قاتل في حُنين بعد فتح مكة، فلما انهزمت هوازن يئس وخرج إلى الشام فمات هنالك. وذهب كثير من المفسرين إلى أنها نزلت في رجل من الكنعانيين، وكان في زمن موسى عليه السلام يقال له: بلعام بن باعُور، وذكروا قصته فخلطوها وغيروها واختلفُوا فيها، والتحقيق أن بلعام هذا كان من صالحي أهل مَدْيَن وعرّافيهم في زمن مرور بني إسرائيل على أرض (مُؤاب) ولكنه لم يتغير عن حال الصلاح، وذلك مذكور في سفر العدد من التوراة في الاصحاحات 22 ــــ 23 ــــ 24 فلا ينبغي الإلتفات إلى هذا القول لاضطرابه واختلاطه. والإيتاء هنا مستعار للإطْلاَع وتيسير العلم مثل قوله {أية : وآتاه الله الملك والحكمة}تفسير : [البقرة: 251]. و«الآيات» دلائل الوحدانية التي كرّهت إليه الشرك وبعثته على تطلب الحنيفية بالنسبة لأمية بن أبي الصلت، أو دلائل الإنجيل على صفة محمد صلى الله عليه وسلم بالنسبة للراهب أبي عامر بن صيفي. والانسلاخ حقيقته خروج جسد الحيوان من جلده حينما يُسلخ عنه جلده، والسلخ إزالة جلد الحيوان الميت عن جسده، واستعير في الآية للانفصال المعنوي، وهو ترك التلبس بالشيء أو عدم العمل به، ومعنى الانسلاخ عن الآيات الإقلاع عن العمل بما تقتضيه، وذلك أن الآيات أعلمته بفساد دين الجاهلية. وأتْبعهُ بهمزة قطع وسكون المثناة الفوقيه بمعنى لحقة غير مُفلت كقوله: {أية : فأتبعه شهابٌ ثاقب}تفسير : [الصافات: 10] {أية : فأتبعهم فرعون بجنوده}تفسير : [طه: 78] وهذا أخص من اتّبعه بتشديد المثناة ووصل الهمزة. والمراد بالغاوين: المتصفين بالغي وهو الضلال {فكان من الغاوين} أشد مبالغة في الاتصاف بالغواية من أن يقال: وغوى أو كان غاوياً، كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قد ضَلَلْت إذاً وما أنا من المهتدين} تفسير : في سورة الأنعام (56). ورتبت أفعال الانسلاخ والاتباع والكون من الغاوين بفاء العطف على حسب ترتيبها في الحصول، فإنه لما عاند ولم يعمل بما هداه الله إليه حصلت في نفسه ظلمة شيطانية مكنت الشيطان من استخدامه وإدامة إضلاله، فالانسلاخ على الآيات أثرٌ من وسوسة الشيطان، وإذا أطاع المرء الوسوسة تمكن الشيطان من مقاده، فسخره وأدام إضلاله، وهو المعبر عنه بـ {أتبعه} فصار بذلك في زُمرة الغواة المتمكنين من الغواية. وقوله تعالى: {ولو شئنا لرَفَعْناه بها} أفاد أن تلك الآيات شأنها أن تكون سبباً للهداية والتزكية، لو شاء الله له التوفيق وعصمه من كيد الشيطان وفتنته فلم ينسلخ عنها، وهذه عبرة للموفقين ليعلموا فضل الله عليهم في توفيقهم، فالمعنى: ولو شئنا لزاد في العمل بما آتيناه من الآيات فلرَفعه الله بعلمه. والرفعة مستعارة لكمال النفس وزكائها، لأن الصفات الحميدة تُخيل صاحبها مرتفعاً على من دونه، أي لو شئنا لاكتسب بعمله بالآيات فضلاً وزكاء وتميزاً بالفضل، فمعنى لرفعناه ليسرّنا له العمل بها الذي يشرُف به. وقد وقع الاستدراك على مضمون قوله: {ولو شئنا لرفعناه بها} بذكر ما يناقض تلك المشيئة الممتنعة، وهو الاستدراك بأنه انعكست حاله فأخلد إلى الأرض، أي ركن ومال إلى الأرض، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعاً عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل، فبذكر الأرض عُلمَ أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي تلبس بالنقائص والمفاسد. واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها. وقد تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث، لأن اتصافه بالحالة التي صيرته شبيهاً بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه، فالكلام في قوة أن يقال: ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شَقاء وعناد، كمثل الكلب إلخ. واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بأنه يراد به تشبيه الحالة بالحالة، وتقدم قوله تعالى؛{أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} تفسير : في سورة البقرة (17)، فلذلك تعين أن التشبيه هنا لا يخرج عن المتعارف في التشبيه المركب، فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح وصار يطلبه في حينَ كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة فلقي من ذلك نصباً وعناء، فلما حان حين اتباع الحق ببعثة محمد تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديراً فيه بأن يستريح من عنائه؛ لحصول طلبته فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الموصوف باللّهث، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب والمشقة وهي حالة الحمل عليه، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب وهي حالة تركه في دعة ومسالمة، والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله {أو تَتْركه}. وليس لشيء من الحيوان حالة تصلح للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب اللاهث، لأنه يلهث إذا أتْعب وإذا كان في دعة، فاللهث في أصل خلقته. وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن فإن اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه وإن لم يكن لاضطراب باطنه، سبب آت من غيره فمعنى {إن تحمل عليه} إن تُطارده وتُهاجمه. مشتق من الحَمل الذي هو الهجوم على أحد لقتاله، يقال حمل فلانٌ على القوم حملة شعواء أو حملة منكرة. وقد أغفل المفسرون توضيحه، وأغفل الراغب في «مفردات القرآن» هذا المعنى لهذا الفعل. فهذا تشبيهُ تمثيل مُركب منتزعةٌ فيه الحالة المشبهة والحالةُ المشبه بها من متعدد، ولما ذُكر {تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} في شق الحالة المشبه بها، تعين أن يكون لها مقابل في الحالة المشبهة، وتتقابل أجزاءُ هذا التمثيل بأن يشبّه الضال بالكلب، ويشبه شقاؤُه واضطرابُ أمره في مدة البحث عن الدين بلهث الكلب في حالة تركه في دعة، تشبيهَ المعقول بالمحسوس، ويشبّه شقاؤه في إعراضه عن الدين الحق عند مجيئه بلهث الكلب في حالة طرده وضربه تشبيه المعقول بالمحسوس. وقد أغفل هذا الذين فسروا هذه الآية فقرروا التمثيل بتشبيه حالة بسيطة بحالة بسيطة في مجرد التشويه أو الخسة. فيؤول إلى أن الغرض من تشبيهه بالكلب إظهار خسة المشبه، كما درج عليه في «الكشاف»، ولو كان هذا هو المراد لما كان لذكر {إنْ تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} كبير جدوى، بل يقتصر على أنه لتشويه الحالة المشبه بها، لتكتسب الحالةُ المشبهة تشويها، وذلك تقصير في حق التمثيل. والكلب حيوان من ذوات الأربع ذو أنياب وأظفار كثير النبح في الليل قليل النوم فيه كثير النوم في النهار، يألف من يعاشره ويحرس مكانه من الطارقين الذين لا يألفهم، ويحرس الأنعام التي يعاشرها، ويعدو على الذئاب، ويقبل التعليم، لأنه ذكي. ويلهث إذا أتعب أو اشتد عليه الحر، ويلهث بدون ذلك، لأن في خلقته ضيقاً في مجاري النفس يرتاح له باللهث. وجملة: {إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} في موضع الحال من الكلب والخطاب في {تَحْمل} وتترك لمخاطب غير معيّن، والمعنى إن يحمل عليه حامل، أو يتركه تارك. واللهث: سرعة التنفس مع امتداد اللسان لضيق النفس، وفعله بفتح الهاء وبكسرها، ومضارعه بفتحها لا غير، والمصدر اللهث بفتح اللام والهاء ويقال اللهاث بضم اللام، لأنه من الأدواء، وليس بصوت. {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. جملة مبيّنة لجملة: {واتْلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} الآيتين، والمثال الحال أي ذلك التمثيل مثل للمشركين المكذبين بالقرآن، تشبيه بليغ، لأن حالة الكلب المشتبه شبيهة بحال المكذبين وليست عينها. والإشارة بذلك إلى {الذي آتيناه آياتنا}، وهو صاحب القصة، هو مَثل المشركين، لأنهم شابهوه في أنهم أتوا القرآن فكذبوا به، فكانت حالهم كحال ذلك المكذب، والأظهر أن تكون الإشارة إلى المثَل في قوله: {كمثل الكلب} أي حالُ الكلب المذكورة كحال المشركين المكذبين في أنهم كانوا يودون معرفة دين إبراهيم، ويتمنون مساواة أهل الكتاب في العلم والفضل، فكانوا بذلك في عناء وحيرة في الجاهلية فلما جاءهم رسول منهم بكتاب مبين انتقلوا إلى عناء معاندته كقوله تعالى: {أية : أو تقولوا لو أنا أنْزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم}تفسير : [الأنعام: 157] وهذا تأويل ما روي عن عبادة بن الصامت أن آية {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا} إلى آخرها نزلت في قريش. وفُرع على ذلك الأمرُ بقوله: {فاقْصص القصصَ لعلهم يتفكرون} أي اقصص هذه القصة وغيرها، وهذا تذييل للقصة الممثل بها يشملها وغيرها من القصص التي في القرآن، فإن في القصص تفكراً وموعظة، فيرجى منه تفكرهم وموعظتهم، لأن للأمثال واستحضار النظائر شاناً عظيماً في اهتداء النفوس بها وتقريب الأحوال الخفية إلى النفوس الذاهلة أو المتغافلة، لما في التنظير بالقصة المخصوصة من تذكر مشاهدة الحالة بالحواس، بخلاف التذكير المجرد عن التنظير بالشيء المحسوس.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واتل عليهم نبأ: إقرأ عليهم. فانسلخ منها: كفر بها وتركها وراء ظهره مبتعداً عنها. فأتبعه الشيطان: لحقه وأدركه. من الغاوين: من الضالين غير المهتدين الهالكين غير الناجين. أخلد إلى الأرض: مال إلى الدنيا وركن إليها وأصبح لا هم له إلا الدنيا. يلهث: اللهث: التنفس الشديد مع إخراج اللسان من التعب والإِعياء. ساء: قبح. مثلاً: أي صفة. معنى الآيات: يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} أي اقرأ على قومك وعلى كل من يبلغه هذا الكتاب من سائر الناس {نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي خبر الرجل الذي أعطيناه آيتنا تحمل الأدلة والحجج والشرائع والأحكام والآداب فتركها وابتعد عنها فلم يَتْلُهَا ولم يفكر فيها ولم يعمل بها لا استدلالا ولا تطيبقا {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} أي لحقه وأدركه وتمكن منه إبليس، لأنه بتخليه عن الآيات وجد الشيطان له طريقاً إليه {فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} أي الضالين الفاسدين الهالكين {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي بالآيات إلى قمم المجد والكمال، وإلى الدرجات العلا في الدار الآخرة، {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي مال إليها وركن فأكب على الشهوات والسرف في الملذات، وأصبح لا هم له إلا تحصيل ذلك {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} وترك عقله ووحي ربه عنده، فصار مثله أي صفته الملائمة له {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} أي في اللهث والإِعياء، والتبعية وعدم الاستقلال الذاتي {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} فحيرته وتعبه لاينقطعان أبداً. وقوله تعالى {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} أي هذا المثل الذي ضربناه لذلك الرجل الذي آتيناه آيتنا فانسلخ منها وكان من أمره ما قصصنا عليك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا في كل زمان ومكان، وعليه {فَٱقْصُصِ} يا رسولنا {ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي لعل قريشاً تتفكر فتعتبر وترجع إلى الحق فتكمل وتسعد، وقوله تعالى {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي قبح مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فجحدوا بها حتى لا يوحدوا الله تعالى ولا يسلموا إليه، {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} بتدنيسها بآثار الشرك والمعاصي وقوله تعالى {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي} أي من وفقه الله تعالى للهداية فآمن وأسلم واستقام على منهاج الحق فهو المهتدي بحق ومن خذله الله لشدة إعراضه عن الحق وتكبره عنه فضل بإضلال الله تعالى له فأولئك هم الخاسرون الخسران الحق المبين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- خطر شأن هذا الخبر الذي أمر تعالى رسوله أن يتلوه على الناس. 2- ترك القرآن الكريم بعدم تلاوته والتدبر فيه، وترك العمل به مفض بالعبد إلى أن يكون هو صاحب المثل في هذه الآية، فأولا يتمكن منه الشيطان فيصبح من الغواة وثانيا يخلد إلى الأرض كما هو حال الكثيرين فلا يكون لأحدهم هم إلا الدنيا. ثم يتبع هواه لا عقله ولا شرع الله، فإذا به صورة لكلب يلهث لا تنقطع حيرته واتباعه لغيره كالكلب سواء بسواء وهذه حال من أعرضوا عن كتاب الله تعالى في هذه الآية فليتأملها العاقل. 3- لا رفعة ولا سيادة ولا كمال إلا بالعمل بالقرآن فهي الرافعة لقوله تعالى {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي بالآيات التي انسلخ منها والعياذ بالله. 4- الهداية بيد الله ألا فليطلبها من أرادها من الله بصدق القلب وإخلاص النية فإن الله تعالى لا يحرمه منها، ومن أعرض عن الله أعرض الله عنه.
القطان
تفسير : التلاوة: القراءة. النبأ: الخبر. انسلخ منها: نبذها وكفر بها. فاتبعه الشيطان: ادركه. من الغاوين: من الضالين. يلهث: يتنفس بشدة مع اخراج اللسان، والسبب في ان الكلب يلهث دائما، ان جلده أملس لا توجد فيه مسامات كافية. بعد ان ذكر اللهُ تعالى أخْذ العهد والميثاق على بني آدم جميعا، وأشهدَهم على أنفسهم أن الله ربهم.. أيُّ عذر سيكون لهم يوم القيامة في الإشراك بالله جهلاً او تلقيدا! هنا نفيٌ بضرب المثَل للمكذّبين بآيات الله المنزلة على رسوله الكريم بعد ان أيّدها بالأدلة العقلية والكونية، وهو مثَل من آتاه الله آياتِه فكان عالماً بها قادراً على بيانها، لكنه لا يعمل بها، بل يأتي عمله مخالفا لعلمه. لذا سلبه الله ما آتاه، فكان ذلك الانسان كمثَل الكلب يظل يلهث دون جدوى. اقرأ ايها النبيُّ على قومك خبر هذا الإنسان الذي آتاه الله علماً بآياته المنزلة على رسُله، فأهملها، بل انسلخ منها، كأنما الآيات جلد له متلبِّس بلحمه فهو ينسلخ منه بعد جهد ومشقة، وينحرف عن الهدى ليتّبع الهوى، فلاحقه الشيطان، وتسلط عليه باغوائه، فصار في زُمرة الضالين. ولو شاء ربك رفعه الى منازل الأبرار لفعل، وذلك بتوفيقه للعمل بتلك الآيات، لكن الرجل اخلد الى الأرض، وهكذا هبط من الأفق المشرق فالتصق بالطين المعتم، ولم يرتفع الى سماء الهداية. لقد ابتع هواه، فبات في قلق دائم، وانشغل بالدنيا وأعراضها، لذا فإن مثله مثل الكلب في اسوأ حواله.. يظل يلهث على غير طائل، تماماً مثل طالب الدنيا الشرِه، يظل يلهث وراء متعه وشهواته، وهي لاتنقضي ولا هو يكتفي منها. اما من هو الرجل الذي يشير إليه هذا المثل فقد وردت روايات عديدة تجعله بعضها "بلعام ابن باعوراء" من بني اسرائيل، والبعض الآخر "أميّة بن أبي الصلت" الشاعر العربي المشهور، أو هو "ابو عامر الفاسق" وهناك روايات أخرى لا حاجة لنا بها اصلاً، فلسنا مكلَّفين ان نعرف من هو.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَاهُ} {آيَاتِنَا} {ٱلشَّيْطَانُ} (175) - وَاقْصُصْ، يَا مُحَمَّدُ، عَلَى اليَهُودِ قِصَّةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ الذِي آتَيْنَاهُ حُجَجَ التَّوْحِيدِ، وَأَفْهَمْنَاهُ أَدِلَّتَهُ حَتَّى صَارَ عَالِماً بِهَا، فَانْسَلَخَ مِنْهَا، وَتَرَكَهَا وَرَاءَهُ ظِهْرِيّاً، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا لِيَهْتَدِيَ بِهَا. وَبَعْدَ أَنْ انْسَلَخَ مِنْهَا وَتَرَكَهَا وَرَاءَهُ بِاخْتِيَارِهِ، لَحِقَهُ الشَّيْطَانُ فَأدْرَكَهُ وَتَمَكَّنَ مِنَ الوَسْوَسَةِ إِلَيهِ إِذْ لَمْ يَبْقَ لَدَيْهِ مِنْ نُورِ البَصِيرَةِ، وَلاَ مِنْ أمَارَاتِ الهِدَايَةِ مَا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَبُولِ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، فَصَارَ مِنَ الضَّالِّينَ. (وَرُوِيَ أنَّ هذِهِ القصَّةَ هِيَ قِصَّةُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، لا يَسْأَلُ اللهُ شَيْئاً إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاهُ، فَلَمَّا أرَادَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، الذِي تَسَلَّمَ أمْرَ بَني إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسَى، أنْ يُحَارِبَ الجَبَّارِينَ مِنْ أهْلِ فِلْسْطِينَ، انْسَلَخَ هذا الرَّجُلُ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَرَاحَ إلى الجَبَّارِينَ يُحَرِّضُهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: إنَّكُمْ إذَا خَرَجْتُمْ لِقِتَالِ بَنِي إسْرَائِيلَ فَإنِّي أدْعُو عَلَيْهِمْ فَأُهْلِكُهُمْ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولأنهم قالوا: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ}، فالله سبحانه وتعالى يريد أن يعطينا خبر هؤلاء فيقول: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}. والنبأ هو الخبر المهم وله جدوى اعتبارية ويمكن أن ننتفع به وليس مطلق خبر. ولذلك يقول سبحانه وتعالى عن اليوم الآخر: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1-2] كما يقول {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا}، كأن هذا النبأ كان مشهوراً جداً، ويقال: إنه قد قيل في "ابن بعوراء" أو أمية بن أبي الصلت، أو عامر الراهب، أو هو واحد من هؤلاء، والمهم ليس اسمه، المهم أنّ إنساناً آتاه الله آياته ثم انسلخ من الآيات، فبدلاً من أن ينتفع بها صيانة لنفسه، وتقرباً إلى ربه {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} واتبع هواه ومال إلى الشيطان. وكلمة "انسلخ" دليل على أن الآيات محيطة بالإنسان إحاطة قوية لدرجة أنها تحتاج جبروت معصية لينسلخ الإنسان منها؛ لأن الأصل في السلخ إزاحة جلد الشاة عنها، فكأن ربنا يوضح أنه سبحانه وتعالى أعطى الإنسان الآيات فانسلخ منها، وهذا يعني أن الآيات تحيط بالإنسان كما يحيط الجلد بالجسم ليحفظ الكيان العام للإنسان؛ لأن هذا الكيان العام فيه شرايين، وأوردة، ولحم، وشحم، وعظام. وجعل الله التكاليف الإيمانية صيانة للإنسان، ولذلك سمي الخارج عن منهج الله "فاسقاً" مثله مثل الرطبة من البلح، فبعد أن تضرب الشمس البلحة يتبخر منها بعض من الماء، فتنكمش ثمرة البلحة داخل قشرتها وتظهر الرطبة من القشرة، ولذلك سمي الخارج عن المنهج "فاسقاً" من فسوق الرطبة عن قشرتها، والله عز وجل يقول هنا: {ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا}. وكان يجب ألا يغفل عنها، لأن الإتيان نعمة جاءت ليحافظ الإنسان عليها، لكن الإنسان انسلخ من الآيات. ونعرف جميعاً ثوب الثعبان وهو على شكل الثعبان تماماً، ويغير الثعبان جلده كل فترة، ولا ينخلع من الجلد القديم إلا بعد أن يكون الجلد الذي تحته قد نضج، وصلح لتحمل الطقس والجو، وكذلك حين يندلق سائل ساخن على جلد الإنسان، تلحظ تورم المنطقة المصابة وتكون بعض المياه فيها، وله أفرغ الإنسان هذه المياه تصاب هذه المنطقة بالتهاب، أما إذا تركها فهي تحمي المنطقة المصابة إلى أن يتربى الجلد تحتها وتجف وتنفصل عن الجسم، وكذلك نعلم أن الشاة - مثلاً - لا تسلخ نفسها. بل نحن نسلخها، والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ...} تفسير : [يس: 37] فكأن الليل كان مجلداً ومغلفاً بالنهار، والليل أسود، والنهار فيه الضوء، ونعلم أن اللون الأسود ليس من ألوان الطيف، وكذلك اللون الأبيض ليس من ألوان الطيف؛ لأن ألوان الطيف: الأحمر، البرتقالي، الأصفر، الأخضر، الأزرق، النيلي، البنفسجي، واللون الأسود يأخذ ألوان الطيف ويجعلها غير مرئية، لأنك لا ترى الأشياء إلا إذا جاءت لك منها أشعة لعينيك، واللون الأسود يمتص كل الأشعة التي تأتي عليه فلا يرتد إلى العين شعاع منها فتراه مظلماً. والأبيض هو مزيج من ألوان متعددة إن مزجتها مع بعضها يمكنك أن تصنع منها اللون الأبيض، وهكذا نعلم أن الأبيض مثله مثل الأسود تماماً، فالأسود يمتص الأشعة فلا يخرج منه شعاع لعينيك، والأبيض يرد الأشعة ولا يخرج منه شعاع لعينيك. وقوله الحق: {نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} كأن سواد الليل جاء يغلف بياض النهار. وإذا انسلخ من آتاه خبر الإيمان عن المنهج يقول الشيطان: إنه يصلح لأن يتبعني، وكأن الشيطان حين يجد واحداً فيه أمل، فهو يجري وراءه مخافة أن يرجع إلى ما أتاه الله من الكتاب الحامل للمنهج، ويزكي الشيطان في نفس هذا الإنسان مسألة الخروج عن منهج ربنا. وقلنا من قبل: إن المعاصي تأتي مرة من شهوة النفس، ومرة من تزيين الشيطان وأوضحنا الفارق، وقلنا: إن الشيطان لا يجرؤ عليك إلا إن أوضحت للشيطان سلوكك أن له أملاً فيك، لكن إن اهتديت وأصلحت من حالك فالشيطان يوسوس للإنسان في الطاعة ويحاول أن يكرهه فيها، والشيطان لا يذهب - مثلا - إلى الخمارة، بل يقعد عند الصراط المستقيم ليرى جماعة الناس التي تتجه إلى الخير، أما الاخرون فنفوسهم جاهزة له. إذن فالشيطان ساعة يرى واحداً بدأ في الغفلة عن الآيات فهو يلاحقه مخافة أن تستهويه الآيات ثانية، ولذلك لابد لنا أن نفرق بين الدافع إلى المعصية هل هو من النفس أم من نزغ الشيطان، فإن جاءت المعصية وحدثتك نفسك بأن تفعلها ثم عزت عليك تلك المعصية لأي ظرف طارئ ثم ألححت عليها ذاتها مرة ثانية، فاعلم أنها شهوة نفسك. لكن إن عزت عليك ثم فكرت في معصية ثانية فهذا من نزغ الشيطان؛ لأن الشيطان لا يريدك عاصياً بمعصية مخصوصة، بل يريدك بعيداً عن المنهج فقط، لكن النفس تريد معصية بعينها وتقف عندها، فإن رأيت معصية وقفت عندها نفسك، فاعلم أنها من نفسك، وإن امتنعت عليك معصية وتركتها، ثم فكرت في معصية ثانية. فهذا نزغ من الشيطان - ويقول الحق: {...فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] الغاوي والغَوِيّ هو من يضل عن الطريق وهو الممعن في الضلال، ونعلم أن الهدى هو الطريق الموصل للغاية، ومن يشذ عن الطريق الموصل للغاية يضل أو يتوه في الصحراء. وهو الذي يُسمى "الغاوي"، ومادام من الغاوين عن منهج الله فالفساد ينشأ منه لأنه فسد في نفسه ويفْسد غيره. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ...}
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: حدثنا شيبان عن جابر عن مجاهد وعكرمة، عن ابن عباس في قوله: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} [الآية: 175]. قال: هو بلعام بن باعر وكان في بني إِسرائيل رجل أَوتي كتاباً، فانسلخ منه فأَخلد إِلى شهوات الدنيا ولذاتها، ولم ينتفع بما أُعطي من الكتاب. أنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: هو بلعام بن باعر من بني إِسرائيل.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما بالغوا في الإعراض والإنكار {ٱتْلُ عَلَيْهِمْ} أي: على اليهود يا أكمل الرسل {نَبَأَ} قصة الشخص {ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ} علم {ءَايَاتِنَا} العظام وأسمائنا الكرام حتى قدر وتمكن بسببها على أي شيء أراد، فأعرض عنا بمتابعة الهوى كهؤلاء الغواة {فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} أي: تجرد وعري من شرائف الآيات انسلاخ الحية من جلدها {فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ} أي: تابعاً {فَكَانَ} بمتابعة {مِنَ ٱلْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] المنهمكين في الضلال بحيث لا يرجى هدايته أصلاً كهؤلاء اليهود. {وَلَوْ شِئْنَا} أي: تعلق مشيئتنا؛ لإهدائه إلى أقصى غايات التوحيد وأعلى مرابته {لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي: بتلك الآيات {وَلَـٰكِنَّهُ} لم يتعلق؛ لذلك {أَخْلَدَ} أي: انخفض ومال {إِلَى ٱلأَرْضِ} الأنزل الأرذل {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} لينزل عليها، ومع ذلك يتمسك بها وأراد أن يتشبث بمقتضاها {فَمَثَلُهُ} في هذا التمسك والتشبث {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ} حملاً موجباً؛ لإلهائه واندلاع لسانه {يَلْهَثْ} يخرج لسانه بسببه {أَوْ تَتْرُكْهُ} خفيفاً ولم تحمل عليها ما يوجب إلهائه {يَلْهَث} أيضاً؛ لرسوخ الديدنة القبيحة في ذاته {ذَّلِكَ} الكل بعينه {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ} يا أكمل الرسل لليهود {ٱلْقَصَصَ} المذكورة {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] ويتأملون فيما هم عليه من الإعراض والإنكار فيتنبهوا على صبح صنعيهم، وسوء فعالهم مع الله. قيل: ذلك هو بلام بن باعوراء، وقصته مشهورة، وقيل: أمية بن الصلت كان قد قرأ اكتر المنزلة ووجد فيها وصف النبي صلى الله عليه وسلم، ورجا أن يكون هو، فلمَّا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حسد وكفر وكان من الغاوين. {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} أي: بئس المثل مثل القوم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وأعرضوا عنها منكرين عليها {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 177] أي: وما يظلمون بالإعراض والإنكار إلا أنفسهم؛ إذ عاد عليهم وباله ونكاله، ولكن لا يشعرون؛ لفساد قلوبهم وخبث طينتهم. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ} بأن يوفقه على إسماع كلمة الحق {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي} إلى توحيده {وَمَن يُضْلِلْ} بأن يضله عن سبيله بإنكار آياته وتكذيب رسله {فَأُوْلَـٰئِكَ} البعداء والضالون {هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] المقصورون على الخسران، لا يرجى ربحهم وهدايتهم أصلاً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عمن أبطل الاستعداد الفطري، وانسلخ من الآيات بقوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] إلى قوله تعالى: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] الإشارة فهيا: أن في قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ ٱلشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ} الإشارة إلى من خصَّه الله تعالى بآياته وهي: الكتاب والحكمة والكرامات والمعجزات، وهي مخصوصة للأنبياء والأولياء، ثم وكله إلى نفسه فمن خاصته نفسه الأمارة بالسوء أن تنسلخ منها بأن تميل إلى الدنيا وزخارفها وشهواتها، ويتبع هواها في طلب المال والجاه والقبول والشهرة والرئاسة، فلمَّا وقع فرغ همته العلية عن ذكر طلب الحق ومحبته أدركته؛ فغره الشيطان وجعله من الهالكين الضالين عن الحق وطلبه؛ ليعلم أن المعصوم من عصمه الله تعالى، كما قال - عز وجل - في يوسف عليه السلام: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}تفسير : [يوسف: 24]، وفيه إشارة: إلى أن لا يأمن السالك المحق مكر الله ولو بلغ أقصى مقامات الأنبياء والمرسلين، فلا يغلق على نفسه أبواب المجاهدات والرياضات ومخالفات النفس وهواها في كل حال، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الراشدين والصحابة والتابعين وأئمة السلف والمشايخ المتقدمين، ولا يفتح على نفسه أبواب التنعم والتمتع الدنيوي في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمسكن؛ لأنه كما أن الله تعالى جعل في مكان الغيب للسعداء ألطافاً خفية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكذلك في مكامن الغيب للأشقياء أصنافاً من البلايا خفية مما لاعين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فليحترز السالك الصادق بل البالغ الواصل والكامل الحاذق أن يتعرض لتلك البلايا بالتوسع في الدنيا والتبسط في الأحوال وتتبع الهوى. فإن في قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف: 176] إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن بلغ في سيره إلى الدرجة العليا والرتبة القصوى بحيث يستحق الرفعة الإلهية؛ وهي عبارة عن: اجتذابه من الأنانية إلى الهوية بالجذبات الربوبية، ثم يلتفت إلى ماسوى الحق، ويركن إلى شيء من الدنيا، ويميل إليها، [فتأخذه] الغيرة الإلهية وتستدرجه إلى أسفل دركة يماثل فيها الكلب، كما قال تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} [الأعراف: 176] يشير إلى أن يصير بالاستدراج بحيث أن نصحته ووعظته ونبهته عن حاله لم يقبل النصح ولم يتنبه، ويتسلك بالدعاوي ويتثبت بالأعداء ويقابلك بالإنكار ويسبك بالإعراض، وإن تركته في بلد الأرض البشرية ويتبع دعاوي الهوى فلا يغترن جاهل مغبون بأن اتباع الهوى لا يضره، فإن الله تعالى ما عذر الأنبياء عن إتباع الهوى وأوعدهم بالضلال كقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]. {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 176]؛ أي: قوله: {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} مثل قوم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}؛ والتكذيب بالآيات: ترك العمل بها، أو الغرور و[إنكار] ظهورها {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ} [الأعراف: 176] أخبرهم عن أحوال المغرورين الممكورين، {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعرالإ: 176] في أحوالهم ويحترزون عن أعمالهم {سَآءَ مَثَلاً} [الأعراف: 177]؛ يعني: ويعملون ساء مثلاً، {ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} [الأعراف: 177]؛ لأن مثلهم {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ}، {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 177] بأنهم نزلوا عن مرتبة الملكية إلى الدركة الكلبية، ثم قال تعالى: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي} [الأعراف: 178]؛ يعني: من أدركته العناية، وحقيقة الهداية اليوم؛ لئلا ينزل عن المراتب العلوية إلى المدراك السفلية فهو الذي أصابه رشاش النور الذي رش عليهم من نوره، وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأ فقد ضل"،تفسير : {وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178]؛ يعني من خذله الله تعالى حتى اتبع هواه فأضله الهوى عن سبيل الله فهم الذين أخطاهم ذلك النور ولم يصبهم فوقعوا في الضلالة والخسران. ثم أخبر عن أمارات المخلوقين لأجل النار وصفات الكفار بقوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} [الأعراف: 179] يشير إلى أن الله تعالى خلق الخلق أطواراً، خلق طوراً منها للقرب والمحبة؛ وهم: أهل الله وخاصته إظهاراً للحسن والجمال، وكانوا به يسمعون كلامه ويبصرون جماله، وبه يعرفون كماله، وخلق طوراً منها للجنة ونعيمها؛ وهم: أهل الجنة إظهاراً للطف والرحمة، فجعل لهم قلوباً يفقهون بها دلائل التوحيد والمعرفة، وأعياناً يبصرون بها آيات الحق في الآفاق والأنفس، وآذاناً يسمعون بها خطاب الحق وكلامه ودعوة الأنبياء إلى الحق، وخلق أطواراً منها للنار وحجبها؛ وهم: أهل النار إظهاراً للقهر والعزة، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]؛ يعني: دلائل التوحيد والمعرفة. {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} [الأعراف: 179]؛ يعني: آيات الحق، {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} [الأعراف: 179]، يعني: خطاب الحق بسمع القلوب، وفي الحقيقة كان يوم الميثاق هذا القول محجوبين عن شواهد بحجب الكبرياء والعزة فأثمرهم اليوم تلك البذر أثمار صفات، {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ} [الأعراف: 179]؛ لأن الأنعام لا يعرفون الله ليحبوه ويطلبوه فهم كذلك، {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} [الأنعام: 179]؛ لأنهم لم يكن للأنعام استعدادهم للمعرفة والطلب، وأنهم كانوا مستعدين للمعرفة والطلب فأبطلوا الاستعداد الفطري للمعرفة والطلب بالركون إلى شهوات الدنيا وزينتها وإتباع الهوى، فباعوا الآخرة بالأولى، والدين بالدنيا، وتركوا طلب المولى فصاروا أضل من الأنعام لإفساد الاستعداد، {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] عن الله وكمالات أهل المعرفة والطلب وعزتهم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } أي: علمناه كتاب اللّه، فصار العالم الكبير والحبر النحرير. { فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ } أي: انسلخ من الاتصاف الحقيقي بالعلم بآيات اللّه، فإن العلم بذلك، يصير صاحبه متصفا بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ويرقى إلى أعلى الدرجات وأرفع المقامات، فترك هذا كتاب اللّه وراء ظهره، ونبذ الأخلاق التي يأمر بها الكتاب، وخلعها كما يخلع اللباس. فلما انسلخ منها أتبعه الشيطان، أي: تسلط عليه حين خرج من الحصن الحصين، وصار إلى أسفل سافلين، فأزه إلى المعاصي أزا. { فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ } بعد أن كان من الراشدين المرشدين. وهذا لأن اللّه تعالى خذله ووكله إلى نفسه، فلهذا قال تعالى: { وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا } بأن نوفقه للعمل بها، فيرتفع في الدنيا والآخرة، فيتحصن من أعدائه. { وَلَكِنَّهُ } فعل ما يقتضي الخذلان، فَأَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ، أي: إلى الشهوات السفلية، والمقاصد الدنيوية. { وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } وترك طاعة مولاه، { فَمَثَلُهُ } في شدة حرصه على الدنيا وانقطاع قلبه إليها، { كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ } أي: لا يزال لاهثا في كل حال، وهذا لا يزال حريصا، حرصا قاطعا قلبه، لا يسد فاقته شيء من الدنيا. { ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } بعد أن ساقها اللّه إليهم، فلم ينقادوا لها، بل كذبوا بها وردوها، لهوانهم على اللّه، واتباعهم لأهوائهم، بغير هدى من اللّه. { فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في ضرب الأمثال، وفي العبر والآيات، فإذا تفكروا علموا، وإذا علموا عملوا. { سَاءَ مَثَلا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ } أي: ساء وقبح، مثل من كذب بآيات اللّه، وظلم نفسه بأنواع المعاصي، فإن مثلهم مثل السوء، وهذا الذي آتاه اللّه آياته، يحتمل أن المراد به شخص معين، قد كان منه ما ذكره اللّه، فقص اللّه قصته تنبيها للعباد. ويحتمل أن المراد بذلك أنه اسم جنس، وأنه شامل لكل من آتاه اللّه آياته فانسلخ منها. وفي هذه الآيات الترغيب في العمل بالعلم، وأن ذلك رفعة من اللّه لصاحبه، وعصمة من الشيطان، والترهيب من عدم العمل به، وأنه نزول إلى أسفل سافلين، وتسليط للشيطان عليه، وفيه أن اتباع الهوى، وإخلاد العبد إلى الشهوات، يكون سببا للخذلان. ثم قال تعالى مبينا أنه المنفرد بالهداية والإضلال: { مَنْ يَهْدِ اللَّهُ } بأن يوفقه للخيرات، ويعصمه من المكروهات، ويعلمه ما لم يكن يعلم { فَهُوَ الْمُهْتَدِي } حقا لأنه آثر هدايته تعالى، { وَمَنْ يُضْلِلِ } فيخذله ولا يوفقه للخير { فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } لأنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} [175] وذكر الاختلاف فيه 212- أنا محمد بن عبد الأعلى، نا خالد، نا شعبة، أخبرني يعلى بن عطاء، قال: سمعت نافع بن عاصم يقول: قال عبد الله: قوله {ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} قال: نزلت في أُميَّة. 213- أنا حُميد بن مسعدة، نا بشر - يعني ابن المفضل، أنا شعبة، عن منصور، عن أبي الضُحى، عن مسروق، عن عبد الله في قوله {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} قال: هو بَلعَم، {وقال: نزلت في أمية]. 214- أنا عمرو بن علي، نا عبد الرحمن، نا سعيد بن السائب، عن غُطيف بن أبي سفيان، عن يعقوب، ونافع ابني عاصم، عن عبد الله بن عمرو في هذه الآية {ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} قال: هو أُمية بن أبي الصَّلت.
همام الصنعاني
تفسير : 956- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي في قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِي ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}: [الآية: 175]، قال: هو أُمَيّة بن أبي الصلت. قال معمر وقال قتادة: يختلف فيه، بعضهم: بلعم، ويقول بعضهم أميَّة بن أبي الصلت. 957- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن الأعمش، ومنصور، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن ابن مسعود، في قوله تعالى: {ۤ ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا}: [الآية: 175]، قال: هو بلعم بن أشهب. 958- حدثنا عبد الرزاق، قال الثوري، وأخْبَرَني حبيب بن أبي ثابت، أن عبد الله بن عمرو ابن العاص. قال: هو أمية بن أبي الصلت. 959- معمر عن الكلبي: قال: بينما أمية بن أبي الصلت راقد معه ابنتان له إذْ فزعت إحداهما، فصاحت عليه قال: ما شأنكِ؟ قالت: رأيتك نسرين كَشَطَا سَقْف البيت فنزل أحدهما إليك فشق بطنك، والآخر واقف على ظهر البيت، فناداه. فقال: أوعى: وعى. قال: أزكى، قال: أبى، قال أمية: ذلك خير أريدَ بأبيكما. فلَمْ يقبله.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):