Verse. 1130 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنٰہُ بِہَا وَلٰكِنَّہٗۗ اَخْلَدَ اِلَى الْاَرْضِ وَاتَّبَعَ ہَوٰىہُ۝۰ۚ فَمَثَلُہٗ كَمَثَلِ الْكَلْبِ۝۰ۚ اِنْ تَحْمِلْ عَلَيْہِ يَلْہَثْ اَوْ تَتْرُكْہُ يَلْہَثْ۝۰ۭ ذٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَا۝۰ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّہُمْ يَتَفَكَّرُوْنَ۝۱۷۶
Walaw shina larafaAAnahu biha walakinnahu akhlada ila alardi waittabaAAa hawahu famathaluhu kamathali alkalbi in tahmil AAalayhi yalhath aw tatrukhu yalhath thalika mathalu alqawmi allatheena kaththaboo biayatina faoqsusi alqasasa laAAallahum yatafakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولو شئنا لرفعناه» إلى منازل العلماء «بها» بأن نوقفه للعمل «ولكنه أخلد» سكن «إلى الأرض» أي الدنيا ومال إليها «واتَّبع هواه» في دعائه إليها فوضعناه «فمثله» صفته «كمثل الكلب إن تحمل عليه» بالطرد والزجر «يلهث» يدلع لسانه «أو» إن «تتركه يلهث» وليس غيره من الحيوان كذلك، وجملتا الشرط حال، أي لاهثا ذليلا بكل حال، والقصد التشبيه في الوضع والخسة بقرينة الفاء المشعرة بترتيب ما بعدها على ما قبلها من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى وبقرينة، قوله «ذلك» المثل «مَثَلُ القوم الذين كذَّبوا بآياتنا فاقصص القَصَصَ» على اليهود «لعلهم يتفكرون» يتدبرون فيها فيؤمنون.

176

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ} يريد بلعام. أي لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة. {بِهَا} أي بالعمل بها. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي ركن إليها؛ عن ٱبن جبير والسدي. مجاهد: سكن إليها؛ أي سكن إلى لذّاتها. وأصل الإخلاد اللزوم. يقال: أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه. قال زهير:شعر : لمن الديار غشيتَها بالغَرْقَد كالَوْحي في حجرَ المِسيل المخلد تفسير : يعني المقيم؛ فكأن المعنى لزم لذّات الأرض فعبر عنها بالأرض، لأن متاع الدنيا على وجه الأرض. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} أي ما زينّ له الشيطان. وقيل: كان هواه مع الكفار. وقيل: اتبع رِضا زوجته، وكانت رغِبت في أموالٍ حتى حملته على الدعاء على موسىٰ. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} ابتداء وخبر. {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} شرط وجوابه. وهو في موضع الحال، أي فمثله كمثل الكلب لاهثاً. والمعنىٰ: أنه على شيء واحد لا يَرْعَوِي عن المعصية؛ كمثل الكلب الذي هذه حالته فالمعنىٰ: أنه لاهث على كل حال، طردته أو لم تطرده. قال ٱبن جُرَيْج: الكلب منقطع الفؤاد، لا فؤاد له، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث؛ كذلك الذي يترك الهدىٰ لا فؤاد له، وإنما فؤاده منقطع. قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش، إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش. فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته ضَلّ وإن تركته ضلّ؛ فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث؛ كقوله تعالىٰ: {أية : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَتَّبِعُوكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ } تفسير : [الأعراف: 193]. قال الجوهري: لهث الكلب (بالفتح) يلهث لهْثاً ولُهاثاً (بالضم) إذا أخرج لسانه من التعب أو العطش؛ وكذلك الرجل إذا أعْيَى. وقوله: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} لأنك إذا حملت على الكلب نبح ووَلّىٰ هارباً، وإذا تركته شدّ عليك ونبح؛ فيتعِب نفسه مقبلاً عليك ومدبراً عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان. قال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول: إنما شبهه بالكلب من بين السباع لأن الكلب ميت الفؤاد، وإنما لهاثه لموت فؤاده. وسائر السباع ليست كذلك فلذلك لا يلهثن. وإنما صار الكلب كذلك لأنه لما نزل آدم صلى الله عليه وسلم إلى الأرض شمِت به العدو، فذهب إلى السباع فأشلاهم على آدم، فكان الكلب من أشدّهم طلباً. فنزل جبريل بالعصا التي صرفت إلى موسىٰ بمَدْيَن وجعلها آية له إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطاناً عظيماً وكانت من آس الجنة؛ فأعطاها آدم صلى الله عليه وسلم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره فيما روي أن يدنو من الكلب ويضع يده على رأسه، فمن ذلك ألفه الكلب ومات الفؤاد منه لسلطان العصا، وألِف به وبولده إلى يومنا هذا، لوضع يده على رأسه وصار حارساً مِن حُرّاس ولده. وإذا أُدِّب وعلم الاصطياد تأدّب وقبل التعليم؛ وذلك قوله: {أية : تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [المائدة: 5]. السّدّي: كان بلعام بعد ذلك يلهث كما يلهث الكلب. وهذا المثل في قول كثير من أهل العلم بالتأويل عامٌّ في كل من أوتي القرآن فلم يعمل به. وقيل: هو في كل منافق. والأوّل أصح. قال مجاهد في قوله تعالىٰ: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} أي إن تحمل عليه بدابتك أو برجلك يلهث أو تتركه يلهث. وكذلك من يقرأ الكتاب ولا يعمل بما فيه. وقال غيره: هذا شرُّ تمثيل؛ لأنه مثله في أنه قد غلب عليه هواه حتى صار لا يملك لنفسه ضرّاً ولا نفعاً بكلب لاهثٍ أبداً، حُمِل عليه أو لم يحمل عليه؛ فهو لا يملك لنفسه ترك اللهثان. وقيل: من أخلاق الكلب الوقوع بمن لم يَخِفه على جهة الابتداء بالجفاء، ثم تهدأ طائشته بنيل كل عوض خسيس. ضربه الله مثلاً للذي قَبِل الرِّشوة في الدِّين حتى انسلخ من آيات ربِّه. فدلّت الآية لمن تدبرها على ألاّ يغترّ أحد بعمله ولا بعلمه؛ إذ لا يدري بما يُختم له. ودلّت على منع أخد الرشوة لإبطال حَقٍّ أو تغييره. وقد مضىٰ بيانه في «المائدة». ودلّت أيضاً على منع التقليد لعالم إلا بحجة يبينها؛ لأن الله تعالىٰ أخبر أنه أعطىٰ هذا آياته فانسلخ منها فوجب أن يخاف مثل هذا على غيره وألاّ يقبل منه إلا بحجة. قوله تعالى: {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} أي هو مثل جميع الكفار. وقوله: {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} يقال: ساء الشيءُ قَبُح، فهو لازم، وساء يسوء مَساءة، فهو متعَدٍّ؛ أي قَبُح مَثَلُهم. وتقديره: ساء مَثَلاً مَثَلُ القوم؛ فحذف المضاف، ونصب «مثلاً» على التمييز. قال الأخفش: فجُعِل المثلُ القومَ مجازاً. والقوم مرفوع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ. التقدير: ساء المثل مثلاً هو مثل القوم. وقدّره أبو عليّ: ساء مثلاً مثلُ القوم. وقرأ عاصم الجَحْدرِيّ والأعمش «ساء مثل القوم» رفع مثلاً بساء.

البيضاوي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ} إلى منازل الأبرار من العلماء. {بِهَا} بسبب تلك الآيات وملازمتها. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} مال إلى الدنيا أو إلى السفالة. {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات، وإنما علق رفعه بمشيئة الله تعالى ثم استدرك عنه بفعل العبد، تنبيهاً على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك، وكان من حقه أن يقول ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه {أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}، مبالغة وتنبيهاً على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة. {فَمَثَلُهُ} فصفته التي هي مثل في الخسة. {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} كصفته في أخس أحواله وهو {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} أي يلهث دائماً سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده. واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد والشرطية في موضع الحال والمعنى. لاهثاً في الحالتين، والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الذي هو نفي الرفع ووضع المنزلة للمبالغة والبيان. وقيل لما دعا على موسى صلى الله عليه وسلم خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب. {ذٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَـٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ} القصة المذكورة على اليهود فإنها نحو قصصهم. {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفكراً يؤدي بهم إلى الاتعاظ.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَٰهُ } إلى منازل العلماء {بِهَا } بأن نوفقه للعمل {وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ } سكن {إِلَى ٱلأَرْضِ } أي الدنيا ومال إليها {وَٱتَّبَعَ هَوَاٰهُ } في دعائه إليها فوضعناه {فَمَثَلُهُ } صفته {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ } بالطرد والزجر {يَلْهَثْ } يدلع لسانه {أَوْ } إن {تَتْرُكْهُ يَلْهَث } وليس غيره من الحيوان كذلك، وجملتا الشرط حال: أي لاهثاً ذليلاً بكل حال، والقصد التشبيه في الوضع والخسة، بقرينة (الفاء) المشعرة بترتيب ما بعدها على ما قبلها من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى، وبقرينة قوله {ذٰلِكَ } المثل {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ } على اليهود {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } يتدبرون فيها فيؤمنون.

ابن عطية

تفسير : يقول الله عز وجل: {ولو شئنا لرفعناه} قالت فرقة معناه لأخذناه كما تقول رفع الظالم إذا هلك، والضمير في: {بها} عائد على المعصية في الانسلاخ وابتدأ وصف حاله بقوله تعالى: {ولكنه أخلد إلى الأرض} فهي عبارة عن إمهاله وإملاء الله له، وقال ابن أبي نجيح {لرفعناه} معناه لتوفيناه قبل أن يقع في المعصية ورفعناه عنها، والضمير على هذا عائد على الآيات، ثم ابتدأ وصف حاله، وقال ابن عباس وجماعة معه معنى {لرفعناه} أي لشرفنا ذكره ورفعنا منزلته لدينا بهذه الآيات التي آتيناه، {ولكنه أخلد إلى الأرض} فالكلام متصل، ذكر فيه السبب الذي من أجله لم يرفع ولم يشرف كما فعل بغيره، فمن أوتي هذا، و {أخلد} معناه لازم وتقاعس وثبت، والمخلد الذي يثبت شبابه فلا يغشاه الشيب ومنه الخلد، ومنه قول زهير: [الكامل] شعر : لمن الديار غشيتها بالفدفد كالوحي في حجر المسيل المخلد تفسير : وقوله: {إلى الأرض} يحتمل أن يرد إلى شهواتنا ولذاتها وما فيها من الملاذ، قاله السدي وغيره، ويحتمل أن يرد بها العبارة عن الأسفل والأخس كما يقال فلان في الحضيض، ويتأيد ذلك من جهة المعنى المعقول وذلك أن الأرض وما ارتكز فيها هي الدنيا وكل ما عليها فان، من أخلد إليه فقد حرم حظ الآخرة الباقية، وقوله: {فمثله كمثل الكلب} قال السدي وغيره: إن هذا الرجل عوقب في الدنيا بأنه يلهث كما يلهث الكلب فشبه به صورة وهيئة، وقال الجمهور إنما شبه به في أنه كان ضالاً قبل أن يؤتى الآيات ثم أوتيها فكان أيضاً ضالاً لم تنفعه، فهو كالكلب في أنه لا يفارق اللهث في حال حمل المشقة عليه وتركه دون حمل عليه، وتحرير المعنى فالشيء الذي تتصوره النفوس من حاله هو كالذي تتصور من حال الكلب، وبهذا التقدير يحسن دخول الكاف على "مثل"، واللهث تنفس بسرعة وتحرك أعضاء الفم معه وامتداد اللسان، وأكثر ما يعتري ذلك مع الحر والتعب، وهو في الفرس ضبح، وخلقة الكلب أنه يلهث على كل حال، وذكر الطبري أن معنى {إن تحمل عليه} أي تطرده وحكاه عن مجاهد وابن عباس. قال القاضي أبو محمد: وذلك داخل في جملة المشقة التي ذكرنا، وقوله: {ذلك مثل القوم} أي هذا المثل يا محمد مثل هؤلاء القوم الذين كانوا ضالين قبل أن تأتيهم بالهدى والرسالة ثم جئتهم بذلك فبقوا على ضلالتهم ولم ينتفعوا بذلك، فمثلهم كمثل الكلب، وقوله: {فاقصص القصص} أي اسرد ما يعلمون أنه من الغيوب التي لا يعلمها إلا أهل الكتب الماضية ولست منهم {لعلهم يتفكرون} في ذلك فيؤمنون. وقوله: {ساء مثلاً} قال الزجاج: التقدير ساء مثلاً مثل القوم، لأن الذي بعد "بئس" و "نعم" إنما يتفسر من نوعه، كما تقول بئس رجلاَ زيد، ولما انحذف مثل أقيم القوم مقامه، والرفع في ذلك بالابتداء والخبر فيما تقدم، وقرأ الجحدري "ساء مثلُ القوم"، ورفع مثل على هذه القراءة بـ {ساء} ، ولا تجري {ساء} مجرى "بئس" إلا إذا كان ما بعدها منصوباً، قال أبو عمرو الداني: قرأ الجحدري "مِثلُ" بكسر الميم ورفع اللام، وقرأ الأعمش "مَثَلُ" بفتح الميم والثاء ورفع اللام. قال القاضي أبو محمد: وهذا خلاف ما ذكر أبو حاتم فإنه قال: قرأ الجحدري والأعمش "ساء مثلُ" بالرفع. وختمت هذه الآيات التي تضمنت ضلال أقوام والقول فيه بأن ذلك كله من عند الله، الهداية منه وبخلقه واختراعه وكذلك الإضلال، وفي الآية تعجب من حال المذكورين، ومن أضل فقد حتم عليه بالخسران، والثواب والعقاب متعلق بكسب ابن آدم. وقوله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس} خبر من الله تعالى أنه خلق لسكنى جهنم والاحتراق فيها كثيراً، وفي ضمنه وعيد للكفار، و "ذرأ" معناه خلق وأوجد مع بث ونشر، وقالت فرقة اللام في قوله: {لجهنم} هي لام العاقبة أي ليكون أمرهم ومئالهم لجهنم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بصحيح ولام العاقبة إنما يتصور إذا كان فعل الفاعل لم يقصد به ما يصير الأمر إليه، وهذه اللام مثل التي في قوله الشاعر: شعر : يا أم فرو كفي اللوم واعترفي فكل والدة للموت تلد تفسير : وأما هنا فالفعل قصد به ما يصير الأمر إليه من سكناهم جهنم، وحكى الطبري عن سعيد بن جبير أنه قال أولاد الزنا مما ذرأ الله لجهنم ثم أسند فيه حديثاً من طريق عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {كثيراً} وإن كان ليس بنص في أن الكفار أكثر من المؤمنين فهو ناظر إلى ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : قال الله لآدم أخرج بعث النار فأخرج من كل ألف تسعة وتسعين وتسعمائة ".

ابن عبد السلام

تفسير : {لَرَفَعْنَاهُ} لأمتناه ولم يكفر، أو لحلنا بينه وبين الكفر فارتفعت بذلك منزلته. {أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} ركن إلى أهلها في خدعهم إياه، أو ركن إلى شهواتها فشغلته عن الطاعة. {كَمَثَلِ الْكَلْبِ} اللاهث في ذلته ومهانته، أو لأن لهثه لا ينفعه.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {ولو شئنا لرفعناه بها} يعني رفعنا درجته ومنزلته بتلك الآيات التي أوتيها. وقال ابن عباس: لرفعناه، وقال ابن عباس: لرفعناه بعمله بها، وقال مجاهد وعطاء: معناه لو شئنا لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات {ولكنه أخلد إلى الأرض} يعنيك ولكنه سكن إلى الدنيا ومال إليها ورضي بها وأصله من الخلود وهو الدوام والمقام والأرض هنا عبارة عن الدنيا لأن الأرض عبارة عن المفاوز والقفار وفيها المدن والضياع والمعادن والنبات ومنها يستخرج ما يعاش به في الدنيا فالدنيا كلها هي الأرض {واتبع هواه} يعني أنه أعرض عن التمسك بما أتاه الله من الآيات واتبع الهوى فخسر دنياه وآخرته ووقع في هاوية الردى والهلاك وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا وشهوات النفس ويتبعون الهوى وذلك لأن الله عز وجل خص هذا الرجل بآياته وحكمته وعلمه اسمه العظم وجعل دعاءه مستجاباً ثم إنه اتبع هواه وركن إلى الدنيا ورضي بها عوضاً عن الآخرة نزع منه ما كان أعطيه وانسلخ من الدين فخسر الدنيا والآخرة ومن الذي يسلم من الميل إلى الدنيا واتباع الهوى إلا من عصمه الله بالورع وثبته بالعلم وبصُّره بعيوب نفسه. عن كعب بن مالك الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والسرف لدينه"تفسير : أخرجه الترمذي ثم ضرب الله عز وجل مثلاً لهذا الرجل الذي أتاه آياته فانسلخ منها واتبع هواه فقال تعالى {فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث} يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه من العطش وشدة الحر وعند الإعياء والتعب وهذا مثل ضربه الله عز وجل لمن أتاه آياته وحكمته فتركها وعدل عنها واتبع هواه وترك آخرته وآثر دنياه بأخس الحيوانات وهو الكلب في أخس أحواله وهو اللهث لأن الكلب في حال لهثه لا يقدر على نفع نفسه ولا ضرها كذلك العالم الذي يتبع هواه لا يقدر على نفع نفسه ولا ضرها في الآخرة لأن التمثيل به على أن يلهث على كل حال إن حملته عليه أو تركته كان لاهثاً وذلك عادة منه وطبيعة وهي مواظبته على اللهث دائماً فكذلك من أتاه الله العلم والدين وأغناه عن التعرض لحطام الدنيا الخسيسة، ثم إنه مال إليها وطلبها كانت حالته كحال الكلب اللاهث وقيل: إن العالم إذا توصل بعلمه إلى طلب الدنيا فإنه يظهر علومه عند أهلها ويدلع لسانه في تقرير تلك العلوم وبيانها وذلك لأجل ما يحصل عنده من حرارة الحرص الشديد وشدة العطش إلى الفوز بمطلوبه من الدنيا فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الذي أدلع لسانه من اللهث في غير حاجة ولا ضرورة. ومعنى أن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث أي إن شددت عليه وأهجته لهث وإن تركته على حاله لهث لأن اللهث طبيعة أصلية فيه فكذلك حال الحريص على الدنيا إن وعظته فهو حريص لا يقبل الوعظ ولا ينجع فيه وإن تركته ولم تعظه فهو حريص أيضاً لأن الحرص على طلب الدنيا صار طبيعة له لازمة كما أن اللهث طبيعة لازمة للكلب {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني أن المثل الذي ضربناه للذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فعم هذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها فوجه التمثيل بينهم وبين الكلب اللاهث أنهم إذا جاءتهم الرسل ليهدوهم لم يهتدوا وإن تركوا لم يهتدوا أيضاً بل هم ضلاّل في كل حال ثم قال سبحانه وتعالى {فاقصص القصص} وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يعني فاقصص القصص يا محمد على قومك أي أخبار من كفر بآيات الله {لعلهم يتفكرون} يعني فيتعظون، وقيل: هذا المثل لكفار مكة وذلك أنهم كانوا يتمنون هادياً يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الله وإلى طاعته وهم يعرفونه ويعرفون صدقه كذبوه ولم يقبلوا منه.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان مناطِ ما ذُكر من انسلاخه من الآيات ووقوعِه في مهاوي الغَواية، ومفعولُ المشيئةِ محذوفٌ لوقوعها شرطاً وكونِ مفعولِها مضمونَ الجزاءِ على القاعدة المستمرة، أي ولو شئنا رفعَه {لَرَفَعْنَـٰهُ} أي إلى المنازل العاليةِ للأبرار العالمين بتلك الآياتِ العاملين بموجبها، لكن لا بمحض مشيئتِنا من غير أن يكون له دخلٌ في ذلك أصلاً فإنه منافٍ للحكمة التشريعية المؤسسةِ على تعليق الأجزيةِ بالأفعال الاختيارية للعباد، بل مع مباشرته للعمل المؤدِّي إلى الرفع بصرف اختيارِه إلى تحصيله كما ينبىء عنه قوله تعالى: {بِهَا} أي بسبب تلك الآياتِ بأن عمِل بموجبها فإن اختيارَه وإن لم يكن مؤثراً في حصوله ولا في ترتب الرفعِ عليه بل كلاهما بخلق الله تعالى لكن خلقَه تعالى مَنوطٌ بذلك البتةَ حسب جَرَيان العادةِ الإلٰهية، وقد أشير إلى ذلك في الاستدراك بأن أُسند ما يؤدي إلى نقيض التالي إليه حيث قيل: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} مع أن الإخلادَ إليها أيضاً مما لا يتحقق عند صرف اختيارِه إليه بخلقه تعالى كأنه قيل: لو شئنا رفعَه بمباشرته لسببه لرفعناه بسبب تلك الآيات التي هي أقوى أسبابِ الرفع ولكن لم نشأْه لمباشرته لسبب نقيضِه فتُرك في كلَ من المقامين ما ذكر في الآخر تعويلاً على إشعار المذكورِ بالمطويّ كما في قوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يونس: 107] وتخصيصُ كلَ من المذكورين بمقامه للإيذان بأن الرفعَ مرادٌ له تعالى بالذات وتفضّلٌ محضٌ عليه لا دخلَ فيه لفعله حقيقةً، كيف لا وجميعُ أفعاله ومباديها من نعمه تعالى وتفضّلاته، وإن نقيضَه إنما أصابه بسوء اختيارِه على موجب الوعيدِ لا بالإرادة الذاتيةِ له سبحانه كما قيل في وجه ذكرِ الإرادةِ مع الخير، والمسِّ مع الضرّ في الآية المذكورةِ وهو الشرُّ في جريان السنة القرآنيةِ على إسناد الخيرِ إليه تعالى وإضافةِ الشرِّ إلى الغير كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } تفسير : [الشعراء: 80] ونظائرِه، والإخلادُ إلى الشيء الميلُ إليه مع الاطمئنان به والمرادُ بالأرض الدنيا وقيل: السفالة، والمعنى ولكنه آثرَ الدنيا الدنيةَ على المنازل السنية، أو الضَّعةَ والسَّفالةَ على الرِفعة والجلالة {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} مُعرِضاً عن تلك الآياتِ الجليلة فانحط أبلغَ انحطاط وارتد أسفلَ سافلين وإلى ذلك أشير بقوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} لما أنه أخسُّ الحيوانات وأسفلُها، وقد مُثّل حالُه بأخس أحوالِه وأذلِّها حيث قيل: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} أي فحالُه التي هي مَثَلٌ في السوء كصفته في أرذل أحوالِه وهي حالةُ دوامِ اللهَثِ به في حالتي التعبِ والراحة فكأنه قيل: فتردّى إلى ما لا غايةَ وراءَه في الخسة والدناءة، وإيثارُ الجملةِ الاسمية على الفعلية بأن يقال: فصار مثلُه كمثل الكلب الخ للإيذان بدوام اتصافِه بتلك الحالةِ الخسيسة وكمالِ استمراره عليها، والخطابُ في فعل الشرطِ لكل أحدٍ ممن له حظٌّ من الخطاب فإنه أدخلُ في إشاعة فظاعةِ حالِه، واللهَثُ إدلاعُ اللسانِ بالتنفس الشديد، أي هو ضيِّقُ الحال مكروبٌ دائمُ اللهَثِ سواءٌ هيّجتَه وأزعجتَه بالطرد العنيف أو تركته على حاله فإنه في الكلاب طبعٌ لا تقدِر على نفض الهواءِ المتسخّن وجلبِ الهواءِ البارد بسهولة لضعف قلبها وانقطاع فؤادِها بخلاف سائر الحيواناتِ فإنها لا تحتاج إلى التنفس الشديد ولا يلحقها الكربُ والمضايقةُ إلا عند التعب والإعياءِ، والشرطيةُ مع أختها تفسيرٌ لما أُبهم في المثل وتفصيلٌ لما أُجمل فيه وتوضيحٌ للتمثيل ببـيان وجهِ الشبهِ، لا محلَّ له من الإعراب على منهاج قوله تعالى: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 59] إثرَ قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ } تفسير : [آل عمران: 59] وقيل: هي في محل النصبِ على الحالية من الكلب بناءً على خروجهما من حقيقة الشرطِ وتحوّلِهما إلى معنى التسوية حسب تحولِ الاستفهامين المتناقضين إليه في مثل قوله تعالى: {أية : أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} تفسير : [البقرة: 6] كأنه قيل: لاهثاً في الحالتين وأياً ما كان فالأظهرُ أنه تشبـيهٌ للهيئة المنتزَعَة مما اعتراه بعد الانسلاخِ من سوء الحالِ واضطرامِ القلب ودوامِ القلق والاضطراب وعدمِ الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعةِ مما ذكر من حال الكلب. وقيل: لما دعا بلعم على موسى عليه السلام خرج لسانُه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هَلَك. {ذٰلِكَ} إشارة إلى ما ذُكر من الحالة الخسيسةِ منسوبةٌ إلى الكلب أو إلى المنسلخ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلتِها في الخسة والدناءة أي ذلك المثلُ السيءُ {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئايَـٰتِنَا} وهم اليهودُ حيث أوُتوا من نعوت النبـي عليه الصلاة والسلام وذِكرِ القرآن المُعجز وما فيه فصدقوه وبشروا الناسَ باقتراب مبعثِه وكانوا يستفتِحون به فلما جاءهم ما عرَفوا كفروا به وانسلخوا من حكم التوراة {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ} القَصصُ مصدرٌ وسُمّي به المفعولُ كالسلْب واللامُ للعهد والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل المذكورَ مثلُ هؤلاء المكذبـين فاقصُصه عليهم حسبما أوحي إليك {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فيقفون على جلية الحالِ وينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلالِ ويعلمون أنك قد علِمتَه من جهة الوحي فيزدادون إيقاناً بك. والجملةُ في محل النصب على أنها حالٌ من ضمير المخاطَب أو على أنها مفعولٌ له أي فاقصُص القصص راجياً لتفكرهم أي أو رجاءً لتفكرهم.

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}[176] يعني بلعام بن باعوراء، {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}[176] وأعرض لمتابعة هواه، وأن الله تعالى قسم الأعضاء في الهوى لكل عضو حظاً منه، فإذا مال عضو من أعضائه إلى الهوى يرجع ضره إلى القلب. واعلموا أن للنفس سراً ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلاَّ على فرعون {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [النازعات:24]. فقال: كيف نسلم من الهوى؟ فقال: من ألزم نفسه الأدب سلم منه، فإنه من قهر نفسه بالأدب عبد الله عزَّ وجلَّ بالإخلاص. قال: وللنفس سبع حجب سماوية، وسبع حجب أرضية، فكلما يدفن العبد نفسه أرضاً سما قلبه سماء، فإذا دفن النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش. وقد حكي عن كهمس أنه كان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، وكان يسلم بين كل ركعتين، ثم يقول لنفسه: قومي يا مأوى كل شر ما رضيت عنك.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} [الآية: 176]. قال ابن عطاء: لو جرى له فى الأزل السعادة لأثر ذلك عليه فى عواقب سعيه وكدحه فى أواخر أفعاله.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}. لو ساعدته المشيئة بالسعادة الأزلية لم تَلْحَقْه الشقاوةُ الأبدية، ولكن من قصمته السوابق لم تنعشه اللواحق. قوله جلّ ذكره: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ}. إذا كانت مساكنةُ آدم للجَنَّةِ وَطمعُه في الخلود فيها أوجبا خروجَه عنها، فالركونُ إلى الدنيا - متى يوجِب البقاءَ فيها؟. قوله جلّ ذكره: {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ}. موافقة الهوى تُنْزِلُ صاحبَها من سماءِ العِزِّ إلى تراب الذُّل، وتلقيه في وهدة الهوان؛ ومن لم يُصَدِّقِ عِلْماً فعن قريبٍ يقاسيه وجوداً. قوله جلّ ذكره: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ}. من أخلاق الكلب التعرُّضُ لِمَنْ لم يُخِفْه على جهة الابتداء، ثم الرضاء عنه بلقمة.. كذلك الذي ارتدَّ عن طريق الإرادة يصير ضيق الصدر، سيئ الخُلُق، يبدأ بالجفاء كُلَّ بريءٍ، ثم يهدأ طياشة بِنَيْل كُلِّ عَرَضٍ خسيس. قوله جلّ ذكره: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. المحجوب عن الحقيقة عنده الإساءةُ والإحسانُ (سيان)، فهو في الحالين: إمَّا صاحب ضَجَر أو صاحب بَطَر، لا يحمل المحنة إلا زوال الدولة، ولا يقابل النعمة إلا بالنهمة، فهو في الحالين محجوبٌ عن الحقيقة. ويقال الكلب نجاسته أصلية، وخساسته كلية، كذلك المردوده في الصفة؛ له نقصان القيمة وحرمان القسمة.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولو شئنا} رفعه {لرفعناه} الى منازل الابرار من العلماء {بها} اى بسبب تلك الآيات وملازمتها. وقال بعضهم هى صحف ابراهيم عليه السلام وكان بلعم قد قرأها او الكلمات التى اشتملت على الاسم الاعظم {ولكنه اخلد الى الارض} اى مال الى الدنيا فلم نشأ رفعه لمباشرته لسبب نقيضه. والاخلاد الى الشيء الميل اليه مع الاطمئنان وعبر عن الدنيا بالارض لان ما فيها من العقار والرباع كلها ارض وسائر متاعها مستخرج من الارض والاخلاد الى الارض كناية عن الاعراض عن ملازمة الآيات والعمل بمقتضاها والكناية ابلغ من التصريح {واتبع هويه} فى ايثار الدنيا واسترضاه قومه فانحط ابلغ انحطاط وارتد اسفل سافلين والى ذلك اشير بقوله تعالى {فمثله} اى فصفته التى هى مثل فى الخسة والرذالة. والمثل لفظ مشترك بين الوصف وبين ما يضرب مثلا والمراد هنا الوصف كذا فى البحر {كمثل الكلب} اى كصفته فى اخس احواله وهو {ان تحمل عليه} [اكر حمله كنى برو وبرانى اورا] والخطاب لكل احد ممن لا حظ له من الخطاب فانه ادخل فى اشاعة فظاعة حاله {يلهث} اللهث ادلاع اللسان اى اخراجه بالنفس الشديد {او تتركه يلهث} اى يلهث دائما سواء حمل عليه بالزجر والطرد او ترك ولم يتعرض له فان فى الكلاب طبعا لا تقدر على نفض الهواء السخن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبها وانقطاع فؤادها بخلاف سائر الحيوانات فانها لا تحتاج الى التنفس الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة الا عند التعب والاعياء فكما ان الكلب دائم اللهث ضيق الحال فكذا هذا الكافر ان زجرته ووعظته لم ينزجر ولم يتعظ وان تركته لم يهتد ولم يعقل فهو متردد الى ما لا غاية وراءه فى الخسة والدناءة فانظر حب الدنيا وشؤمها ماذا يجلب للعلماء خاصة وفى الحديث "حديث : من ازداد علما ولم يزدد هدى لم يزدد من الله تعالى الا بعدا " . تفسير : والنعمة انما تسلب ممن لا يعرف قدرها وهو الكفور الذى لا يؤدى شكرها وكما ان الكلب لا يعرف الا كرام من الاهانة والرفعة والشرف من الحقارة وانما الكرامة كلها عنده فى كسره يطعمها او عراق مائدة يرمى اليه سواء تقعده على سرير معك او فى التراب والقذر فكذا العبد السوء لا يعرف قدر الكرامة ويجهل حق النعمة فينسلخ عن لباس الفضل والكرم ويرتدى برداء القهر والمكر. قال فى التأيلات النجمية فلا يغترن جاهل مفتون بان اتباع الهوى لا يضره فان الله تعالى حذر الانبياء عن اتباه الهوى واوعدهم عليه بالضلال كقوله {أية : يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} تفسير : [ص: 26] قال الحافظ شعر : مباش عره بعلم وعمل فقيه مدام كه هيجكس زقضاى خداى جان نبرد تفسير : {ذلك} اى ذلك المثل السيئ {مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} وهم اليهود وكما ان بلعم بعدما اوتى آيات الله انسلخ منها ومال الى الدنيا حتى صار كالكلب كذلك اليهود بعدما اوتوا التوراة المشتملة على نعت الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر القرآن المعجز وبشرى الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به انسلخوا مما اعتقدوا فى حقه وكذبوه وحرفوا اسمه {فاقصص القصص} [بس بخوان برايشان اين خبررا] والقصص مصدر سمى به المفعول كالسلب واللام للعهد {لعلهم يتفكرون} راجيا تفكرهم تفكرا يؤدى بهم الى الاتعاظ.

الطوسي

تفسير : الهاء في {لرفعناه} كناية عن الذي تقدم ذكره، وهو الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، فأخبره الله تعالى انه لو شاء لرفعه بتلك الايات. واختلفوا في معنى هذه المشيئة فقال الجبائي: المعنى لو شئنا لرفعناه بايمانه ومعرفته قبل ان يكفر لكن ابقيناه ليزداد الايمان، فكفر. وقال البلخي هذا اخبار عن قدرته انه لو شاء لحال بينه وبين الكفر والارتداد، وهو الذي نختاره لأنا قد بينا ان المؤمن لا يجوز ان يرتد. وقال الزجاج: معناه لو شئنا ان نحول بينه وبين المعصية لفعلنا. وقوله {ولكنه أخلد إلى الأرض} معناه سكن إلى الدنيا وركن اليها ولم يسم إلى الغرض الأعلى. يقال أخلد فلان إلى كذا وكذا وخلد، وبالألف اكثر في كلام العرب، والمعنى إنه سكن إلى لذات الدنيا واتبع هواه أي لم نرفعه بالايات لاتباع هواه. وقيل معنى أخلد قعد ويقال: فلا مخلد إذا أبطأ عنه الشيب ومخلد إذا لم تسقط اسنانه - هكذا ذكره الفراء - ومن الدواب الذي تبقى ثناياه حتى تخرج رباعيتاه. وأخلد بالمكان اذا اقام به، قال زهير: شعر : لمن الديار غشيتها بالفدفد كالوحي في حجر المسيل المخلد تفسير : وقال مالك بن نويرة: شعر : بأبناء حي من قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا تفسير : وقال ابو عبيدة هو اللزوم للشيء والتقاعس فيه وقال سعيد بن جبير معناه ركن إلى الارض، وقال مجاهد: معناه سكن اليها. وقوله: {فمثله كمثل الكلب} ضرب الله مثل التارك لآياته والعادل عنها بأخس مثل في أخس احواله، فشبهه بالكلب، لأن كل شيء يلهث فانما يلهث في حال الاعياء والكلال إلا الكلب فانه يلهث في حال الراحة والتعب، وحال الصحة وحال المرض. وحال الري وحال العطش وجميع الاحوال، فقال تعالى إن وعظته فهو ضال وان لم تعظه فهو ضال كالكلب إن طردته وزجرته فانه يلهث، وإن تركته يلهث، وهو مثل قوله {أية : وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون}. تفسير : وقوله تعالى {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني هذا المثل الذى ضربه بالكلب هو مثل الذين كذبوا بآيات الله. وقال الجبائي إنما شبهه بالكلب لانه لما كفر بعد ايمانه صار يعادي المؤمنين ويؤذيهم، كما ان الكلب يؤذي الناس طردته أو لم تطرده فانه لايسلم من اذاه. وقوله تعالى {فاقصص القصص} معناه فاقصص على الناس ما نبينه لك لكي يتذكروا ويتفكروا فيرجعوا إلى طاعة الله وينزجروا عن معاصيه. وقال ابن جريج مثله بالكلب، لان الكلب لا فؤاد له فيقطعه الفؤاد حملت عليه او تركته، شبه من ترك الآيات كأنه لافؤاد له. واللهث التنفس الشديد من شدة الاعياء، وفي الكلب طباع يقال: لهث يلهث لهثاً فهو لاهث ولهثان.

الجنابذي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} بالآيات ولمّا توهّم من لفظة انسلخ منها ولفظة فأتبعه الشيطان انّه لا دخل لله ومشيّته فى الانسلاخ واتّباع الشّيطان استدرك ذلك الوهم وقال: ان مشيّتنا هى السّبب الفاعلىّ وما من قبله هو السّبب القابلىّ والسّبب الفاعلىّ وان كان تامّاً لكنّه لم يقع جزافاً بل بحسب استعداد القابل وما استعدّ المنسلخ للارتفاع {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} ارض الطّبع وبعدها الى ارض الطّين لقضاء مشتهياتٍ عنها {وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ} من قبيل عطف السّبب على المسبّب فشئنا غوايته وضلاله فأضللناه {فَمَثَلُهُ} بعد ما اخلد الى الارض فى شدّة تعبه وكثرة حركته لتحصيل مأموله من الارض لتسكين حرارة حرصه وعدم الانتفاع فى تسكين الحرص {كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} الّذى وقع فى الحرّ الشّديد فلهث وأخرج لسانه وفتح فاه لكثرة التنفّس لتسكين حرارة القلب ولم ينفعه ذلك بل يضاعف حرارته لكثرة وصول الهواء الحارّ الى قلبه فقوله {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} فى موضع حال مقيّدة للكلب باخسّ احواله، روى عن الرّضا (ع) انّه اعطى بلعم بن باعوراء الاسم الاعظم وكان يدعو به فيستجيب له، فمال الى فرعون فلمّا مرّ فرعون فى طلب موسى (ع) واصحابه قال لبلعم: ادع الله على موسى (ع) واصحابه ليحبسه علينا، فركب حمارته ليمرّ فى طلب موسى (ع) فامتنعت عليه حمارته فأقبل يضربها فأنطقها الله عزّ وجلّ فقالت: ويلك على ماذا تضربنى؟! اتريد ان اجيء معك لتدعو على نبىٍّ لله وقومٍ مؤمنين! - فلم يزل يضربها حتّى قتلها وانسلخ الاسم الاعظم من لسانه، ونسب الى الرّواية انّ قومه سألوه ان يدعو على موسى (ع) ومن معه، فقال: كيف ادعو على من معه الملائكة فألحّوا عليه حتّى دعا عليهم فبقوا فى التّيه، ونقل انّه لمّا دعا على موسى (ع) خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} اشارة الى التّعميم فكلّ مكذّب بآيات الله هذا مثله {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ} على اليهود وغيرهم كما عرفت انّ المقصود تنبيه امّة محمّد (ص) {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فى مآل افعالهم واحوالهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي بآياتنا {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ} أي اختار الدنيا. وقال مجاهد: سكن، أي اطْمَأَنَّ إلى الدنيا. وقد قال في آية أخرى: (أية : إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) تفسير : [يونس:7] قال: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} قال بعضهم: أبى أن يصحب الهدى. فضرب الله مثلاً فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} قال: فمثله في العلم الذي آتاه الله فتركه كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، فهو على كل حال يلهث، أي فلم ينتفع بالعلم الذي علم. وقال مجاهد: إن تحمل عليه أي: أن تطرده بدابتك أو برجلك، وهو مثل الكافر بالكتاب. وقال بعضهم: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وأذل ما يكون الكلب إذا لهث، يقول: فكذلك مثل هذا الذي يعلم ولا يعمل بما يعلم هو كالكلب الذليل. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه . تفسير : وقال الكلبي: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث} يقول: هو ضال على كل حال، وعظته أو تركته. {ذَّلِكَ} يقول هذا المثل {مَثَلُ القَوْمِ الَّذِيْنَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ القَصَصَ} أي الحق يا محمد {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي لكي يتفكروا فيما يقص عليهم. ثم قال: {سَاءَ مَثَلاً} أي: بئس المثل مثل: {القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ}.

اطفيش

تفسير : {ولَو شِئْنَا لرفَعْناهُ} شأنا ومنزلة بتقدير التمييز، أو لرفعنا درجته أو شأنه بتقدير مضاف، أو رفعناه عن الكفر، وعلى كل حال فالرفع إلى منازل الأبرار من العلماء {بِها} بسبب الآيات وعلمه إياها، وملازمتها بأن نثبته عليها، والأصل ولو لزم العمل بها لرفعناه بها، ولكنه عبر بما هو السبب فى لزومه وهو المشيئة، وجاء على طبق الأصل المذكور قوله: {ولكنَّه أخْلدَ إلى الأرْضِ} أى مال إلى الدنيا أو السفالة ورغب فيها، وهذا ترك للزوم العمل بها، كأنه قيل: ولكنه لم يعمل بها، ولو أراد طبق ما عبر به لقال: ولكنا لم نشأ، ولو قال: ولكنه أعرض عنها لكان طبقا للأصل أيضا، ولكنه طبق بما هو أشد مبالغة وتنبيها على حامله على ترك العمل بها، وهو حب الدنيا الذى هو رأس كل خطيئة، وفى الحديث: "حديث : ما ذئبان جائعان أرسلا فى غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه" تفسير : اهـ. واتباع الهوى كما قال: {واتَّبع هَواهُ} فى اختيار الدنيا وإرضاء قومه أو زوجته على ما مر فى بلعام، فليحذر المرء أن يميل عن مقتضى علمه، وقيل الرفع الأخذ تقول: رفع الله ظالما أى أخذه وأذهبه، فيكون الضمير عائدا إلى معصية أو إلى الآيات، لأن بها كفره إذ لم يعمل بها، فيكون قوله: {ولكنه أخلد إلى الأرض} عبارة عن إمهال الله عز وجل له، وكذا فى قول ابن أبى نجيح: إن معنى {لرفعناه بها} لتوفيناه قبل أن يقع فى المعصية، ودفعناه عنها بالآيات. {فمثَلهُ} أى صفته {كَمثَل} كصفة {الكَلْبِ} أو الصفة التى شبيهة بالمثل الذى هو كلام مشهور يشبه مضربه بمورده كصفة الكلب الشبيهة بالمثل المذكور، أو صفتاهما هما فى أنفسهما مثلان متشابهان، وعلى كل حال فوجه الشبه لخسة، فهو كالكلب فى أخس أحواله، ضل قبل أن يؤتى الآيات، وضل بعد ما أوتيها، كما أن الكلب يلهث أبدا {إنْ تَحْمِل عَليْه} بالزجر والطرد {يَلْهَث} بفتح الثاء نقلا من الهمزة بعدها على طريق ورش وسكونها مقدرة {أو تَتْركُه} عطف على تحمل عن الزجر والطرد {يَلْهث} عطف على يلهث، وذلك لضعف فؤاده وانقطاعه، كما قال ابن عباس، بخلاف سائر الحيوان فإنما يلهث إذا حمل عليه. واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد، أو تنفس بسرعة، وتحرك أعضاء الفم معه، وامتداد اللسان، وأكثر ما يعترى ذلك مع الحر والتعب وشدة العطش، أو هو فى حرصه على المال وأمر الدنيا، مع أن الله قد أعطاه وأغناه عن التعرض لهما، وفى ميلها إليها عن الآيات كالكلب فى اتصال لهثه، أو هو حريص عليهما وعظته أو لم تعظه، كالكلب يلهث حملت عليه أو لم تحمل، وذلك أقوال الجمهور، والأول أكثر، وليحذر عالم الدنيا الذى يدلع لسانه فى تقرير العلم عطشا إليها وحرصا، فالآية شاملة له بالمعنى. وقال السدى وغيره: إن بلعام عوقب بأنه كان يلهث كالكلب، وإن قلت: ذكر بعض أنه شبه بأخس الحيوان فى أخس أحواله، وأخس الحيوان الخنزير؟ قلت: نعم أخسها الخنزير لكن بالشريعة، وأما بالطبع فأخسها الكلب، وترى كفارا يأكلونه ولا يأكلون الكلب، وأنسب بقوله: {ولو شئنا لرفعناه بها} أن يقال: ولكه أخلد إلى الأرض فوضعنا منزلته، ولكنه عبر بقوله: {فمثله كمثل الكلب} لأنه أبلغ فى وضع المنزلة، وتشبيهه بالكلب يلزم منه وضعها، وجملة إن والشرط والجواب مع ما عطف عليهما بيان لمثل الكلب، وإيضاح مستأنفة أو حال على تقدير المبتدأ، أى وهو إن تحمل الخ، أو لأنه بمنزلة عطف النقيض كأنه قيل: أو لا تحمل عليه يلهث أو للتأويل بالمفرد أى ذليلا أو لاهثا أبدا. وهكذا شرطوا فى مجئ الشرط والجواب حالا، وآثار ذلك فنعم تصدر الجملة الحالية بدليل استقبال، وإن الشرطة دليل استقبال، ويأتى إن شاء الله كلام فى ذلك، وصاحب الحال الكلب، لأنه ولو كان مضافا إليه لكن المضاف كجرئه فى صحة الاستغناء عنه. {ذَلكَ مَثَل القَوْم الَّذينَ كذَّبُوا بآياتنا} ضلوا قبل أن تجيئهم بالآيات، وبعد ما جئتهم بها، والمراد بالقوم كل قوم مكذب قبل النبى أو معه أو بعده، أو المراد من فى زمانه من الكفار مطلقا، أو اليهود وكانوا يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتابهم كما هو والقرآن، وبشروا الناس باقترابه، وإذا أضرتهم العرب قالوا: أظل زمان رسول نقاتلكم معه، ولما بعث بقوا على كفرهم بل ازدادوا. {فاقْصُصْ} اسرد {القَصَصَ} قصته الذى آتيناه آياتنا، فإنها مشتملة على أشياء كل منها قصة فإيتاءه الآيات قصة، وانسلاخه منها قصة، واتباع الشيطان قصة، وهكذا جمع قصة أو المراد القصص المذكورة فى القرآن هذه وغيرها، والمراد اقصصها على الكفار مطلقا أو قومك واليهود {لعَلَّهم يتفكَّرُون} يتعظون أو يستعملون الفكر الموصل إلى الاتعاظ، فيؤمنوا بك، ويعلموا أن ذلك بالوحى، لأنه إنما يعلمه أهل الكتب الماضية وتقوى الحجة.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا} رفعه {لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} بالآيات والعمل بها إِلى منازل العلماء الأَبرار {وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ} مال واطمأَن، والمراد فأَعرض عنها، فعبر عن الإِعراض بسببه، وهو الميل إِلى الدنيا وإِنما كان سبباً لتعلق المشيئة {إِلَى الأَرْضِ} أَى إِلى الدنيا. عبر عنها بالأَرض، لأَن الأَرض للسكنى والحركة والسكون والغرس والحرث والبناء والعيون، والتجر وكسب الأَموال والمعادن والنكاح والتسرى ونحو ذلك من الملاذ، و ذلك متاع الحياة الدنيا، أَو الأَرض عبارة عن السفالة فى الدين، وقيل: مال إِلى الخلود فى الأَرض طامعاً فيها لاسم الله الأَعظم الذى عرفه، واختيار لفظ الأَرض مشاكلة للسماء الملاحظة بذكر قوله: لرفعناه بها. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} فى المعاصى واختيار الدنيا على الدين، وبيع الدين بالدنيا، فلم نرفعه، بل وضعناه {فَمَثَلُهُ} صفته الشبيهة بالمثل الذى هو كلام شبه مضربه بمورده فى الغرابة {كَمَثَلِ الْكَلْبِ} أَى صفة الكلب، وفسرها بقوله {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ} تشدد عليه بالطرد {يَلَهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ} لم تحمل عليه عطف على تحمل بأَو {يَلْهَثْ} عطف على يلهث، أَى يلهث دائماً حمل عليه أَم لم يحمل عليه لضعف فؤاده، فهو يلهث وإِن لم يعى ولم يعطش، واللهث إِخراج اللسان فى تنفس، شبه بأَخس الحيوان فى أَخس أَحواله، تصوير للمقول بالمحسوس، إِذ واظب على حب الدنيا ومالها وهو وسخ الناس، وقد آتاه الله العلم والكفاف حتى أَلقى نفسه فى خسة فوق خسة الكلب اللاهث لهثاً متتابعاً فهو متابع للدنيا اتباعاً مستمراً، وهو بلعام بين باعوراء، وقيل: بلعام بن باعر. والمراد واحد إِلا أَنه اختلف فى اسمه واسم أَبيه من علماء بنى إِسرائيل. وقيل من كنعان، وكان يرى العرش إِذا نظر إِليه، قيل: كان فى مجلسه اثنا عشر أَلف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه، ثم إِنه أَول من أَلف كتاباً لأَنه ليس للعالم صانع. وعن مالك بن دينار رحمه الله أَنه بعث بلعام بن باعوراء إِلى ملك مدين ليدعوه إِلى الإِيمان فأَعطاه مالا وأَقطعه أَرضا، وتبعه وترك دين موسى صلى الله عليه وسلم، قيل: وكان قد أوتى النبوة واسم الله الأَعظم وإِجابة الدعوة، ولا يصح أَنه أَوتى النبوة لأَن الأَنبياء لا يعصون صغيرة، فكيف يشركون. إِلا إِن أُريد بالنبوة علم النبوة، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حفظ القرآن فقد طوى النبوة بين جنبيه"تفسير : ، وروى أَن موسى عليه السلام أَتى أَرض الجبارين، وهى من أَرض الشام ليقاتلهم، وهم بنو كنعان، فأَتوا بلعام وقالوا: إِن موسى شديد ومعه جند عظيم جاءَ ليخرجنا من أَرضنا ويسكن فيها بنى إِسرائيل فادع الله ليردهم عنا. فقال: ويلكم، كيف أَدعو على نبى الله والمؤمنين ومعهم الملائكة وأَنا أَعلم من الله ما لا تعلمون؟ وإِن فعلت ذهبت دنياى وآخرتى، وأَلحوا عليه فقال: أَؤُامر ربى. وكان لا يدعو حتى يؤامر الله عز وجل، فقيل له فى المنام: لا تفعل، فقال لهم: نهانى، فأهدوا له. وأَلحوا، فآمر الله فقال: لم ينهنى. فقالوا: لو كره لنهاك كأَول مرة، ولم يزالوا يتضرعون له حتى فتنوه، فركب أَتانه متوجها إِلى جبل يطلعه على عسكر بنى إِسرائيل يقال له حسبان، فسارت قليلا وقعدت، وضربها فقامت فركبها فسارت قليلا فقعدت، فضربها فقامت، وهكذا مراراً، فأَنطقها الله: ويحك يا بلعام أَين تذهب، أَما ترى الملائكة أَمامى تردنى عن وجهى. ويحك، كيف تدعو على نبى الله والمؤمنين، فخلاها الله حتى أَتى الجبل فجعل يدعو بسوء ويقلب الله لسانه على قومه، وبخير يصرفه الله إِلى بنى إِسرائيل، وقالوا له: ويحك ما تصنع؟ فقال: لا أَملك شيئاً، فوقع لسانه على صدره، فقال: ذهب عنى الدنيا والآخرة، ولم يبق إِلا الحيلة، فزينوا النساءَ وأَعطوهن ما يبعن لهم، ولا يمتنعن عمن أَرادهن فإِن زنى بواحدة كفيتموهم، فمرت جميلة على عظيم من بنى إِسرائيل وكان رأس سبط شمعون بن يعقوب فأَخذها ومر بها إِلى موسى عليه السلام، فقال: تزعم أَن هذه حرام على، فقال: نعم حرام، خلها فقال: لا أطيعك. فرجع بها إِلى قبته فواقعها، فأَهلك بالطاعون سبعون أَلفاً منهم. وروى أَن بلعام دعا عليهم فكانوا فى التيه فقال موسى: يا رب بم وقعنا فى التيه؟ فقال بدعاء بلعام باسمى الأَعظم، فقال: يا رب، كما سمعت دعاءَه فاسمع دعائى عليه بسلب اسمك الأَعظم عنه فسلب فخرج منه كحمامة بيضاءَ، ويبحث بأَن سببه قولهم:"أية : إِنا لن ندخلها أَبداً ما داموا فيها فاذهب أَنت وربك فقاتلا"تفسير : [المائدة: 24].. الآية.. وقد يجمع بأَن دعاءَ بلعام هو سبب وقوع الرعب بهم من كنعان حتى قالوا ذلك. وأَما ما قيل: كيف يدعو موسى سلب الاسم الأَعظم وهو نبى يدعو إِلى الإِسلام فلا يصح لأَنه دعا بسلبه لأَنه يضر المسلمين به، ولم يدع بأَن يكون مشركاً، وقيل: دعاه ملك البلقاء أَن يدعو على موسى فلا يدخل بلده، أَو لا يدخل بلدى، فدعا فوقعوا فى التيه. ويرده أَن التيه راحة لموسى، ونقمة على قومه، إِذ عصوا، ويقال: كيف لم يدع على الملك فينجو من شره؟ وما الدعاء على موسى وقومه؟ ويقال أَن الجبار المذكور نصب له خشبة يصلبه عليها إِذا لم يدع، وروى أَن الآية فى رجل من بنى إِسرائيل أَعطاه الله ثلاث دعوات مستجابات، فقالت له زوجه البسوس: أَعطنى واحدة فأَعطاها، فقال: ما تريدين؟ فقالت: أَن أَكون أَجمل امرأة فى بنى إِسرائيل فدعا فكانت فرغبت عنه، فدعا فكانت كلبة تنبح، فقال له أَولاده منها: إِنا نعير بها فادع الله عز وجل أَن يعيدها كحالها الأَول ففعل فذهبت دعواته فيها. وقيل: فى أُمية بن أَبى الصلت، قرأَ الكتب وعلم أَن الله يرسل رسولا فى زمانه فرجا أَن يكونه، ولما بعث الله عز وجل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم كفر به حسداً. روى أَنه صلى الله عليه وسلم قرأَ عليه يس، وخرج يجر رجليه، فقالت له قريش: ما تقول؟ فقال: إِنه على الحق فقالوا: أَتؤمن به؟ قال: أَنظر. ويروى أَنه أَراد الإِسلام وجاءَ إِليه، فسمع بوقعة أَحد، فقال: لو كان نبياً لم يقتل قومه، وذلك جهل منه لأَنه قتلهم بإِذن الله عز وجل، وقيل: فى أَبى عامر بن النعمان الراهب، ترهب ولبس المسوح فى الجاهلية، فقدم المدينة، فقال للنبى صلى الله عليه وسلم: ما هذا الذى جئتنا به؟ فقال: بدين إِبراهيم عليه السلام، فقال: فإِنا عليه. فقال صلى الله عليه وسلم: لا، بل زدت عليه، فقال أَبو عامر: أَمات الله الكاذب طريداً وحيداً. فخرج إِلى الشام فأَرسل إِلى المنافقين: استعدوا بالسلاح والقوة، وابنوا لى مسجداً وإِنى آتى بجند من قيصر أَخرج به محمداً وأَصحابه من المدينة فمات بالشام طريداً وحيداً. {ذَلِكَ} المثل فى الحرص على الدنيا {مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} صنع كفار مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم للحرص على الدنيا ما يشبه فعل بلعام مع موسى فلا يرد أَن هذا تمثيل لحال بلعَام فكيف قال بعده "أية : ساءَ مثلا القوم"تفسير : [الأَعراف: 177] إِلخ... ولم يضرب إِلا لواحد، وكانوا يقولون: إِن جاءَنا نبى آمنا به.. أَو القوم اليهود آتاهم الله فى التوراة العلم بالنبى صلى الله عليه وسلم وصفاته حتى أَنهم يبشرون الناس به ويستفتحون به على مشركى العرب إِذا آذوهم، ولما جاءَ كفروا به وانسلخوا عن حكم التوراة، وقيل: المراد ما يعم هؤلاء كلهم {فَاقْصُصِ القَصَصَ} المذكور، وهو مفرد مصدر بمعنى مفعول أَى اقصصه على اليهود المعاصرين لك فإِنها نحو قصتهم معك حين انسلخوا عما وجدوا فى التوراة من صفاتك، وبقصك إِياه عليهم ترغمهم بذكر صنعهم الخبيث معك، ويعلمون بقصك أَنه جاءَ من الله بالوحى {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} المعنى: اقصص القصص راجياً لتدبرهم فيؤمنوا، أَو رجاءَ له.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا} كلام مستأنف مسوق لبيان ما ذكر من الانسلاخ وما يتبعه، وضمير رفعناه للذي وضمير {بِهَا} للآيات، والباء سببية، ومفعول المشيئة محذوف هو مضمون الجزاء كما هو القاعدة المستمرة، أي لو شئنا رفعه لرفعناه إلى منازل الأبرار بسبب تلك الآيات والعمل بما فيها؛ وقيل: الضمير المنصوب للكفر المفهوم من الكلام السابق، أي لو شئنا لأزلنا الكفر بالآيات، فالرفع من قولهم: رفع الظلم عنا وهو خلاف الظاهر جداً وإن روي عن مجاهد، ومثله بل أبعد وأبعد ما نقل عن البلخي والزجاج من إرجاع ضمير {بِهَا} للمعصية. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي ركن إلى الدنيا ومال إليها، وبذلك فسره السدي وابن جبير، وأصل الإخلاد اللزوم للمكان من الخلود، ولما في ذلك من الميل فسر به، وتفسير الأرض بالدنيا لأنها حاوية لملاذها وما يطلب منها. وقال الراغب: ((المعنى ركن إلى الأرض ظاناً أنه مخلد فيها))، وفسر غير واحد الأرض بالسفالة {وَٱتَّبِعْ هَوَاهُ} في إيثار الدنيا وأعرض عن مقتضى تلك الآيات الجليلة، وفي تعليق الرفع بالمشيئة ثم الاستدراك عنه بفعل العبد تنبيه كما قال ناصر الدين [البيضاوي]: على أن المشيئة سبب لفعله المؤدي إلى رفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة؛ وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث إن المشيئة تعلقت به كذلك، وكان من حقه كما قال أن يقول: ولكنه أعرض عنها، فأوقع موقعه ما ذكر مبالغة لأنه كناية عنه والكناية أبلغ من التصريح، وتنبيهاً على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة، وما ألطف نسبة إتيان الآيات والرفع إليه تعالى ونسبة الانسلاخ والإخلاد إلى العبد مع أن الكل من الله تعالى إذ فيه من تعليم العباد حسن الأدب ما فيه، ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: حديث : اللهم إن الخير بيديك والشر ليس إليك. تفسير : والزمخشري لما رأى أن ظاهر الآية مخالف لمذهبه دال على وقوع الكائنات بمشيئة الله تعالى أخلد إلى التأويل، فجعل المشيئة مجازاً عن سببها وهو لزوم العمل بالآيات بقرينة الاستدراك بما هو فعل العبد المقابل للزوم الآيات وهو الإخلاد إلى الأرض، أي ولو لزمها لرفعناه وهو من قبيل نزع الخف قبل الوصول إلى الماء والمصير إلى المجاز قبل أوانه لجواز أن يكون {لَوْ شِئْنَا} باقياً على حقيقته و {أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} مجازاً عن سببه الذي هو عدم مشيئة الرفع بل الإخلاد، ولم يعتمد على عكازته لفوت المقابلة حينئذٍ، وفي «الكشف» أن حمل المشيئة على ما هي مسببة عنه في زعمه ليس أولى من حمل الإخلاد على ما هو مسبب عنه في زعمنا كيف وقوله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شِئْنَا} استدراك لقوله: {أية : فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا } تفسير : [الأعراف: 175] على أن الإخلاد هو الميل، والإرادة والميل ونحوهما من المعاني ليست من أفعال العباد بالاتفاق نعم الجزم المقارن من فعل القلب فعل القلب عندهم، ثم قوله سبحانه وتعالى: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 178] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} تفسير : [الأعراف: 179] / يؤكدان ما عليه أهل السنة أبلغ تأكيد ولكن الزمخشري لا يعبأ بذلك. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} وهو الحيوان المعروف وجمعه أكلب وكلاب وكلابات كما قال ابن سيده وكليب كعبيد وهو قليل ويجمع أكلب على أكالب؛ وبه يضرب المثل في الخساسة لأنه يأكل العذرة ويرجع في قيئه والجيفة أحب إليه من اللحم الغريض نعم هو أحسن من الرجل السوء، ومما ينسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه:شعر : ليت الكلاب لنا كانت مجاورة وليتنا ما نرى ممن نرى أحداً إن الكلاب لتهدأ في مرابضها والناس ليس بهاد شرهم أبداً تفسير : وفي «شعب الإيمان» للبيهقي عن الفقيه منصور أنه كان ينشد لنفسه:شعر : الكلب أحسن عشرة وهو النهاية في الخساسة ممن ينازع في الريا سة قبل أوقات الرياسة تفسير : والمثل بمعنى الصفة كما قال غير واحد فصفته كصفة الكلب، وقيل المراد أنه كالكلب في الخسة. {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ} أي شددت عليه وطردته {يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ} على حاله {يَلْهَثْ} أي أنه دائم اللهث على كل حال، واللهث إدلاع اللسان بالنفس الشديد وذلك طبع في الكلب لا يقدر على نغص الهواء المتسخن وجلب الهواء البارد بسهولة لضعف قلبه وانقطاع فؤاده بخلاف سائر الحيوانات فإنها لا تحتاج إلى النفس الشديد ولا يلحقها الكرب والمضايقة إلا عند التعب والإعياء، وإيثار الجملة الاسمية على الفعلية بأن يقال: فصار مثله كمثل الخ للإيذان بدوام اتصافه بتلك الحالة الخسيسة وكمال استمراره عليها، والخطاب في فعلي الشرط لكل أحد ممن له حظ من الخطاب فإنه أدخل في إشاعة فظاعة حاله، والجملتان الشرطيتان قيل لا محل لهما من الإعراب لأنهما تفصيل لما أجمل في المثل وتفسير لما أبهم فيه ببيان وجه الشبه على منهاج قوله تعالى: {أية : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 59] أثر قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ } تفسير : [آل عمران: 59] وقيل: إنهما في محل النصب على الحالية من الكلب بناءً على تحولهما إلى معنى التسوية كما تحول الاستفهام إلى ذلك في قوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} تفسير : [البقرة: 6] كأنه قيل لاهثاً في الحالين، والجملة الشرطية كما قدمنا تقع حالاً مطلقاً، وقال صاحب «الضوء»: إنها لا تكاد تقع كذلك بتمامها بل إذا أريد وقوعها حالاً جعلت خبراً عن ذي الحال نحو جاءني زيد وهو إن تسأله يعطك فتجعل جملة اسمية مع الواو لأن الشرط لصدارته لا يكاد يرتبط بما قبله إلا أن يكون هناك فضل قوة. نعم جوز إذا أخرجتها عن حقيقتها سواء عطف عليها النقيض وحينئذٍ يجب ترك الواو كما فيما نحن فيه أو لم يعطف وحينئذٍ يجب الواو لئلا يحصل الالتباس بالشرط الحقيقي نحو آتيك وإن لم تأتني، والتشبيه قيل من تشبيه المفرد بالمفرد، وقيل وعليه كثير من المحققين أنه تشبيه للهيئة المنتزعة مما عراه بعد الانسلاخ من سوء الحال واضطرام القلب ودوام القلق والاضطراب وعدم الاستراحة بحال من الأحوال بالهيئة المنتزعة مما ذكر ف حال الكلب، وجاء وقد أشرنا إليه سابقاً أن بلعام لما دعا على موسى عليه السلام خرج لسانه فتدلى على صدره وجعل يلهث كالكلب إلى أن هلك فوجه الشبه إما عقلي أو حسي. {ذٰلِكَ} إشارة إلى وصف الكلب أو المنسلخ من الآيات وما فيه من الإيذان بالبعد لما مر غير مرة. / {مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} يريد كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أهل مكة كانوا يتمنون هادياً يهديهم وداعياً يدعوهم إلى طاعة الله تعالى ثم لما جاءهم من لا يشكون في صدقه وأمانته كذبوه وأعرضوا عن الآيات ولم يؤمنوا بها أو اليهود كما قال غير واحد حيث قرأوا نعت النبـي صلى الله عليه وسلم في التوراة وذكر القرآن المعجز وما فيه فصدقوه وبشروا الناس باقتراب مبعثه وكانوا يستفتحون به فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فانسلخوا من حكم التوراة أو الأعم من هؤلاء وهؤلاء من كل من اتصف بهذا العنوان كما في الخازن وبه أقول، ويدخل اليهود في ذلك دخولاً أولياً. {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ} القصص مصدر سمي به المفعول كالسلب، واللام فيه للعهد، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي إذا تحقق أن المثل المذكور مثل هؤلاء المكذبين فاقصص ذلك عليهم {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} فينزجرون عما هم عليه من الكفر والضلال، والجملة في موضع الحال من ضمير المخاطب أو في موضع المفعول له أي فاقصص راجياً لتفكرهم أو رجاءاً لتفكرهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} الآية. ضرب الله تعالى المثل لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها بالكلب، ولم تكن حقارة الكلب مانعة من ضربه تعالى المثل به، وكذلك ضرب المثل بالذباب في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ} تفسير : [الحج: 73]، وكذلك ضرب المثل ببيت العنكبوت في قوله: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 41]، وكذلك ضرب المثل بالحمار في قوله: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الجمعة: 5]، وهذه الآيات تدل على أنه تعالى لا يستحي من بيان العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة، وقد صرح بهذا المدلول في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} تفسير : [البقرة: 26].

الواحدي

تفسير : {ولو شئنا لرفعناه بها} بالعمل بها. يعني: وفَّقناه للعمل بالآيات، وكنَّا نرفع بذلك منزلته {ولكنه أخلد إلى الأرض} مال إلى الدُّنيا وسكن إليها، وذلك أنَّ قومه أهدوا له رسوةً ليدعوَ على قوم موسى، فأخذها {واتبع هواه} انقاذ لما دعاه إليه الهوى {فمثله كمثل الكلب} أراد أنَّ هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتدِ، فالحالتان عنده سواءٌ، كحالتي الكلب اللاهث، فإنَّه إنْ حُمل عليه بالطَّرد كان لاهثاً، وإن تُرك وربض كان أيضاً لاهثاً كهذا الكافر في الحالتين ضالٌّ، وذلك أنَّه زُجر في المنام عن الدُّعاء على موسى فلم ينزجر، وتُرك عن الزَّجر فلم يهتد، فضرب الله له أخسَّ شيءٍ في أخسّ أحواله، وهو حال اللَّهث مثلاً، وهو إدلاع اللِّسان من الإِعياء والعطش، والكلب يفعل ذلك في حال الكلال وحال الرَّاحة، ثمَّ عمَّ بهذا التَّمثيل جميع المكذِّبين بآيات الله فقال: {ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني: أهل مكَّة. كانوا يتمنَّون هادياً يهديهم، فلما جاءهم مَنْ لا يشكُّون في صدقه كذَّبوه، فلم يهتدوا لمَّا تُركوا، ولم يهتدوا أيضاً لمَّا دُعوا بالرَّسول، فكانوا ضالِّين عن الرُّشد في الحالتين {فاقصص القصص} يعني: قصص الذين كذَّبوا بآياتنا {لعلهم يتفكرون} فيتَّعظون، ثمَّ ذمَّ مَثلَهم، فقال: {ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا} أَيْ: بئس مثل القوم كذَّبوا بآياتنا {وأنفسهم كانوا يظلمون} بذلك التَّكذيب. يعني: إنَّما يخسرون حظَّهم.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 176- ولو شئنا رفعه إلى منازل الأبرار لرفعناه إليها، بتوفيقه للعمل بتلك الآيات، ولكنه تعلق بالأرض ولم يرتفع إلى سماء الهداية، واتبع هواه، فصار حاله فى قلقه الدائم، وانشغاله بالدنيا، وتفكيره المتواصل فى تحصيلها كحال الكلب فى أسوأ أحواله عندما يلهث دائما، إن زجرته أو تركته، إذ يندلع لسانه من التنفس الشديد، وكذلك طالب الدنيا يلهث وراء متعه وشهواته دائما. إن ذلك الوصف الذى اتصف به المنسلخ من آياتنا، هو وصف جميع الذين كذبوا بآياتنا المنزلة. فاقصص عليهم قصصه ليتفكروا فيؤمنوا. 177- قُبحتْ حال هؤلاء الذين جحدوا آياتنا، وما ظلموا بهذا الانحراف عن الحق إلا أنفسهم. 178- من يوفقه الله لسلوك سبيل الحق فهو المهتدى حقا، الفائز بسعادة الدارين، ومن يحرم من هذا التوفيق بسبب سيطرة هواه، فهذا الفريق هم الخاسرون. 179- ولقد خلقنا كثيرا من الجن والإنس مآلهم النار يوم القيامة، لأن لهم قلوبا لا ينفذون بها إلى الحق، ولهم أعين لا ينظرون بها دلائل القدرة، ولهم آذان لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماع تدبر وإتعاظ. أولئك كالبهائم لعدم انتفاعهم بما وهبهم الله من عقول للتدبر، بل هم أضل منها، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها، وهؤلاء لا يدركون ذلك، أولئك هم الكاملون فى الغفلة. 180- وللَّه - دون غيره - الأسماء الدالة على أكمل الصفات، فأجروها عليه دعاء ونداء وتسمية، وابتعدوا عن الذين يميلون فيها إلى ما لا يليق بذاته العلية وإنهم سيُجْزُون جزاء أعمالهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَرَفَعْنَاهُ} {هَوَاهُ} {بِآيَاتِنَا} (176) - وَلَوْ أَرَدْنَا أنْ نَرْفَعَهُ بِتِلْكَ الآيَاتِ وَالعَمَلِ بِهَا إلى دَرَجَاتِ الكَمَالِ لَفَعَلْنَا، بِأنْ نَخْلُقَ لَهُ الهِدَايَة خَلْقاً، وَنُلْزِمَهُ العَمَلَ بِهَا طَوْعاً أوْ كرْهاً، إِذْ لاَ يُعْجِزُنَا ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذا الرَّفْعَ مُخَالِفٌ لِسُنَّتِنا. لَقَدْ رَكَنَ هذا الرَّجُلُ إلى الدُّنيا، وَمَالَ إليها، وَجَعَلَ كُلَّ هَمِّهِ مِنْ حَيَاتِهِ التَّمَتُّعَ بِلَذَائِذِهَا المَادِّيَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَى لَذَّاتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَغَرَّتْهُ كَمَا غَرَّتْ غَيْرَهُ مِنَ العُمْيِ عَنْ أُمُورِ الآخِرَةِ. وَمَثَلُ هَذا الرَّجُلِ مَثَلُ الكَلْبِ فِي لهَاثِهِ، فَهُوَ فِي هَمٍّ دَائب، وَشُغْلٍ شَاغِلٍ، فِي جَمْعِ عَرَضِ الدُّنيا وَزُخْرُفِها، وَهُوَ كَالّلاهِثِ مِنَ الإِعْيَاءِ وَالتَّعَبِ، وَإِنْ كَانَ مَا يُعْنَى بِهِ حَقِيراً لاَ يُتْعِبُ وَلاَ يُعْيِي، وَتَرَاهُ كُلَّما أَصَابَ سعَةً مِنَ الرِّزْقِ فِي الدُّنيا، زَادَ طَمَعاً فِيهَا. وَذَلِكَ المَثَلُ البَالِغُ الحَدِّ فِي الغَرَابَةِ هُوَ مَثَلُ القَوْمِ الذِينَ جَحَدُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَاسْتَكْبَرُوا جَهْلاً بِهَا، وَتَقْلِيداً للآبَاءِ وَالأجْدَادِ، فَهُمْ قَدْ ظَنُّوا أنَّ إيمَانَهُمْ بِهَا، يَسْلُبُهُمُ العِزَّ وَالجَاهَ، وَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ اللَّذَّاتِ. فَاقْصُصْ يَا مُحَمَّدُ قِصَةَ ذَلِكَ الرَّجُلِ عَلى هَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ مِنْ قَوْمِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا، وَيَرَوْنَ الآيَاتِ بِعَيْنِ البَصِيرَةِ، لاَ بِعَيْنِ الهَوَى، فَيَصِلَ الأمْرُ بِهِم إلى الإِيمَانِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وهنا أمران اثنان، الرفعة: وهو العلو والتسامي، ويأتي بعدها الأمر الثاني وهو الإخلاد إلى الأرض أي إلى التسفل، والفعلان منسوبان لفاعلين مختلفين. {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ}، والفعل رفع هنا مسند لله. ولكنه اختار أن يخلد في الأرض. وجاء الأمر كذلك لأن الرفعة من المعقول أن تنسب لله. لكن التسفل لا يصح أن يُنسب لله، وكان كل فعل هو بأمر صاحب الكون. وربنا هنا يرفع من يسير على المنهج، وحين يقول الحق تبارك وتعالى {وَلَوْ شِئْنَا} أي أنها مشيئتنا. فلو أردنا أن نرفعه كانت المشيئة صالحة، لكن هذا الأمر ينقض الاختيار، والحق يريد أن يُبقَي للإنسان الاختيار، فإن اختار الصواب فأهلا به وجزاؤه الجنة، وإن أراد الضلال فلسوف يَلْقى العذاب الحق، ولمزيد من الاعتبار بقصص القرآن اقرأ معي قصة العبد الصالح مع موسى عليه السلام: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} تفسير : [الكهف: 65-66] ورغم أن موسى رسول من عند الله إلا أنه لم يتأبّ على أن عبداً من عباد الله تقرب إلى الله فاتبعه موسى ليقول له: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}. وفي هذا تأكيد على رغبة موسى أن يستزيد بالعلم ممن أعطاه الله العلم. وجاء القرآن بهذه القصة ليعلمنا أدب التعلم. وماذا قال العبد الصالح؟ لقد عذر موسى وقال: {أية : قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} تفسير : [الكهف: 67-68] أي أنك يا موسى لن تصبر لا لنقص فيك، بل لأنك سترى أمورا لا تعرف أخبارها. لكن سيدنا موسى قال له لا: {سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراً} وأصرّ موسى أن يتبع العبد الصالح وأنه لن يعصي له أمرا، واشترط العبد الصالح ألا يسأله سيدنا موسى عن شيء إلا أن يحدثه العبد الصالح. وكان كل ذلك مجرد كلام نظري، فيه أخذ ورد، وحين جاء الواقع تغير الموقف تماما. بعد أن ركبوا في السفينة وخرقها العبد الصالح، لم يصبر سيدنا موسى بل قال: {أية : ...لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً} تفسير : [الكهف: 71] وهكذا أثبتت التجربة العملية أن موسى لم يصبر على أفعال العبد الصالح، وحين ذكره العبد الصالح بما وعد به من ألا يسأل، تراجع موسى، وتكرر السؤال، وتكرر التذكير. إلى أن أوضح العبد الصالح لموسى كل أسرار ما لم يحط به علما وهنا يقول الحق: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} لماذا؟. لأن مشيئة الله مشيئة مطلقة، يفعل ما يريده، ولكنه سبحانه قد سبق منه أن جعل للاختيار جزاءً، لهذا لم يرفعه مع أنه مخالف، لأنها سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلاً. وسنة الله أن من عمل عملاً طيباً يثيبه الله عليه. ومن عمل سوءاً يعاقبه، ومشيئته سبحانه مطلقة، ولا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه. وبمقضى مشيئة الله فهو يعذب المذنب بعدله ويثيب الطائع بفضله، وله سبحانه مطلق الإرادة فهو عزيز، وحكيم في كل فعل. {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ...} [الأعراف: 176] و{أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ}، أي أنه اختار أن ينزل إلى الهاوية، رغم أن الحق هدى الإنسان وبين له طريق الخير ليسلكه فيصعد إلى العلو، والحق يقول: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ...} تفسير : [الأنعام: 151] ونخطئ حين نفهم أن "تعالوا" بمعنى "أقبلوا" فقط وهذا فهم ناقص، إنها دعوة للقبول وإلى العلو، لأنه سبحانه وتعالى يشرع لنا حتى لا نلزم منهج الأرض السفلى. بل نرتقي ونأخذ منهج الله الذي يضمن لنا العلو. وكأنه سبحانه يقول: تعالوا وتساموا في أخذ منهجكم من الله العلي الأعلى وإياكم أن تأخذوا منهجكم مما وضعه البشر ويناقض ما جاء في شرع الله، لأن في هذا تسفلا ونزولا إلى الحضيض. {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ...} [الأعراف: 176] ويقال: "حملت على الكلب"، فأنت حين تجلس ويقبل الكلب عليك وتزجره وتطرده وتنهره، فهذا تفسير لقوله: "تحمل عليه"، أي أنك تحمل عليه طرداً أو زجراً؛ لذلك يلهث، وأن تركت الكلب بدوح حمل عليه طرداً أو زجراً فهو يلهث، لأن طبيعته أنه لاهث دائماً، وهذه الخاصية في الكلب وحده، حيث يتنفس دائماً بسرعة مع إخراج لسانه. ونعلم أن الحيوانات لا تلهث إلا أن فزعت فتجري، لتفوت من الألم أو من العذاب الذي يترصدها من كائن آخر، وحين يجري الحيوان فهو يحتاج لطاقة، فيدق القلب بشدة ليدفع الدم بما فيه من غذاء إلى كل الجسم، ولابد للقلب أن يتعاون مع الرئة التي تمد الدم بالهواء. ونلحظ أن الكائن الحي حين يجلس برتابة فهو لا يلحظ تنفسه، لكن إذا جرى يلحظ أن تجويف الصدر أو سعة الصدر تنقبض وتنبسط لتسحب "الأوكسجين" من الهواء لتصل به للدم بكمية تناسب الحركة الجديدة، فيحاول أن يتنفس أكثر. ولا تفعل الحيوانات مثل هذه المسألة إلا إذا كانت جائعة أو متعبة أو مهاجمة، لكن الكلب وحده هو الذي يفعلها، جائعا أو شبعان، عطشان أو غير عطشان، مزجوراً أو غير مزجور، إنه يلهث دائماً. ولماذا يشبهه سبحانه بالكلب اللاهث؟؛ لأن الذي يظهر بهذه الصورة تجده مكروهاً دائماً؛ لأنه متبع لهواه، وتتحكم فيه شهواته. وحين تتحقق له شهوة الآن، يتساءل هل سيفعل مثلها غداً؟ وتتملك الشهوة كل وقته، لذلك يعيش في كرب مستمر، لأنه يخاف أن يفوته النعيم أو أن يفوت هو النعيم، ويصير حاله كحال الكلب يلهث آمناً أو غير آمن، جائعاً أو غير جائع، عطشان أو غير عطشان. {...فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] هكذا يكون مصير من كذَّب بالآيات. وقول الحق: {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ} يوضح لنا أن الله لا يريد أن يعلمنا تاريخاً، لكنه يعلمنا كيف نأخذ العبرة من التاريخ، بدليل أنه يكرر القصة أكثر من مرة وكل مرة يأتي سبحانه بلقطة جديدة، لتعدد ما في القصة الواحدة من العبر، ولو أنه أراد أن يقص علينا التاريخ لقال لنا روايته مرة واحدة. ونجد في القرآن الكثير من قصص الحق مع الباطل، ومن قصص المبطلين مع المحقين، ومن قصص المعاندين مع الرسل؛ لأن القصة أمر واقعي، والتقنين للمناهج أمر لفظي، فيريد سبحانه وتعالى أن يوضح لنا المنهج المناسب للواقع؛ لأن واقع الحياة يعطي القصة القولية حرارة وسخونة فلا يظل المنهج مجرد كلام نظري معزول عن الواقع. وهكذا بَيّن الحقّ سبحانه وتعالى في هذه الآية، أنه سبحانه قد أنزل علم منهجه بواسطة الرسل إلى بعض خلقه، فمنهم من يأخذ منهج الله بالاستيعاب أولاً، وتوظيف ما علم ثانياً، وبذلك يرتفع من منطق الأرض إلى منطق السماء. ومن يعطيه الله ذلك المنهج، ما كان يصح له أن يترك ارتفاعه إلى السماء، ليهبط إلى مستوى الأرض. وهذا ما يفعله البشر حين يقننون لأنفسهم، ويضعون نظم الحياة على وفق هواهم، وعلى وفق نظمهم، ويتركون منهج الله الذي خلقهم وصنعهم ووضع لهم قانون صيانتهم. وهذا كلام نظري له واقع في ابن "باعوراء"، هذا الذي آتاه الله العلم، ولكنه أخلد في الأرض ولم يتبع ما علم، فانسلخ من المنهج كما تنسلخ الشاة من جلدها وقال فيه الحق: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ...} [الأعراف: 176] ومن يريد أن يرفعه الله إلى السماء بالوحي بالمنهج ثم يهبط إلى الأرض نجد الحق سبحانه وتعالى يمثل حاله بحال الكلب، مع الفارق بين الاثنين؛ لأن الكلب يلهث غريزة. فهو غير مذموم حين يلهث وهو مطرود، ويلهث غير مطرود فهذه غريزة فيه، ولا يذم على هذه ولا على تلك، لكن الإنسان الذي فطره الله على حب الخير وميز غرائزه بمنهج عقلي يصون حركته ما كان يصح له أن يفعل ذلك ولا ينبغي أن تقولوا: وما ذنب الكلب في أنه يلهث، ويضرب به المثل في الكفر؟ لأن الكلب يفعلها غريزة، وهو بغير تكليف فيفعل ما يشاء، أما الإنسان الذي ارتفع بكفره وميزه الله بأن يختار بين البديلات ما كان يصح له أن يصل إلى هذا المستوى، ومثل هذا السلوك في الكلب محمود فيه لأن طبيعته هكذا، وإياك أن تقول: لماذا ربنا يضرب المثل بأشياء وما ذنبها هي؟ والحق - سبحانه - هو القائل عن اليهود: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً...} تفسير : [الجمعة: 5] هل الحمار حين يحمل أسفاراً يستحق الذم لأنه لم يفقه ما في الأسفار؟ الجواب لا؛ لأن مهمته ليس منها فقه وفهم ما في الأسفار، بل مهته أن يحمل ما عليه فقط، وكأن الحق يقول: لا تكونوا مثل الحمار الذي يكتفي من الخير بأن يحمله، ولكن أريد منكم أن تحملوا المنهج وأن تنتفعوا بما يحويه من التشريع. إذن فهذه الأمثلة ليست ذماً للكلب، ولا هي ذما للحمار. إنما ذم لمن يتشبه بهما؛ لأنه نزل إلى مرتبة لم يرده الله لها، وأراد الله المثل فيها بشيء لا تذم منه، ولكنه مذموم من الإنسان. والإنسان الذي لا يتبع منهج الله يكون مضطرب الحركة في الحياة، حتى وإن كان في نعمة، لأنه معزول عن الله، ومادام معزولاً عن الله تجده دائم التساؤل: أيدوم لي هذا النعيم أو لا يدوم؟ ويعيش دائما في قلق ورعب مخافه أن يفوت النعيم أو ألا يدوم له النعيم، ومثله كالكلب يلهث حال راحته ويلهث حال تعبه. {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}. إذن حين يضرب الله لنا مثلاً من الأمثال الواقعية في هذا الرجل المسمى "ابن باعوراء"، فسبحانه يعطينا واقعاً لما حدث بالفعل. أي أن الذي يريد الله أن يرفعه بما علمه من منهج فانسلخ من دينه فهو مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، ولستم بدعاً في هذا، فالله يريد أن يرفعكم بمنهج السماء وأنتم تخلدون إلى الأرض، وقد حدث هذا مع ابن باعوراء، وكلمة "مثل" إذا سمعتها هي من مادة الـ"م" والـ"ث" والـ"لام"، وتنطق كما يأتي: إما أن تنطقها مثْل "يكسر الميم وسكون الثاء"، وإما أن تنطقها مَثَل "بفتح الميم والثاء"، والمَثْلَ هو المشابه والنظير، فتقول: فلان مِثْل فلان في الكرم، في العلمَ، في الَطول، في العرض، وبذلك أعطيت تشَبيه ما هو مجهول للمخاطب بما هو معلوم له. والحق سبحانه يقول: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ...} تفسير : [الشورى: 11] أي لا أحد يشبهه في شيء؛ لأنه مَنَزّه في الذات والصفات والأفعال. وأيضاً نقول: هذا مَثَل هذا؛ أي أن فلاناً المشبه به يكون أعلى منه فيما يشبهه به، لكن الناس لا تعرف ذلك. وإن كان المشبه به ذائع الصيت؛ بحيث يجري اسمه على كل لسان؛ فنحن نقول: إنَّه مَثَلٌ؛ كقولنا عن الكريم: "هو حاتم" لأن شهرة حاتم في الكرم جعلته مَثَلاً. والفرق أنك إذا قلت في فلان إنه يشبه حاتماً في الكرم، فقد تكون أول من يخبر عنه، ولك أن تأتي بواحد له شهرة ذائَعة الصيت على كل لسان؛ فهذا مَثَل، كأن تقول: مَثَل حاتم في الكرم، أو مَثل عنترةَ في الشجاعة. والمَثَل في الذكاء إياس، لأن كل واحد منهم مشهور بصفة، ولذلك لما مدح الشاعر الخليفة قال فيه: إقدام عمرو (في شجاعته) في سماحة حاتم (أي الطائي) في حلم أحنف (الأحنف بن قيس وكان مشهوراً بالحلم عند العرب) وفي ذكاء إياس. وقال رجل من القوم: كيف تُشَبَّهُ الأميرَ بصعاليك العرب؟ إن الأمير فوق من ذكرت جميعاً. ما عمرو بالنسبة للأمير؟! وما حاتم بالنسبة للأمير؟! فقال الشاعر: شعر : وشبهه المدّاح في الباس والندى بمن لو رآه كان أصغر خادم ففي جيشه خمسون ألفاً كعنتر وفي خُزنه أُلف ألف كحاتم تفسير : أي أن عنده أمثالَ حاتمٍ وأمثال عنترة. فما كان منه إلا أن أسعفته ذاكرته وبديهيته؛ فقال: شعر : لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره مثلا من المشكاة والنبراس تفسير : وكأن الشاعر يقول: أنا ضربت بهم المَثل لأنهم أصبحوا المثل المشهور والأمثال لا تتغير. وأنت تقدر في المثل، فقد تقول: فلان حاتم، وحاتم انقضى عمره، لكنه قد صار مثلاً مشهوراً في التاريخ، أو تقول: "فلان عنتر"، أو "فلان إياس"، وفي ذلك يرتقي التشبيه، بأن صار المشبَّه به مشهوراً معلوماً متوارداً على الألسنة وكل واحد يشبه به. ويُعَرفون المَثَل بأنه: قول شبِّه مورده بمضربه، أي أنك تشبه الحالة التي قيل فيها المثل أولاً، ومثال ذلك: حينما أرسلَ عظيمٌ من عظماء العرب خاطبةً اسمها "عصام" لتخطب له أمَّ إياس؛ فقد بلغه أنها جميلة وأنها وأنها، فقال: اذهبي حتى تعلمي لي علم ابنة عوف، فذهبت الخاطبة وخلَّت أم الفتاة بينها وبينها، وقالت لها: يا هذه، هذه خالتك جاءت لتنظر إلى بعض أمرك فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه، من وجه وخلق، وناطقيها فيما استنطقتك به. ثم أرسلت إلى خباء، ونظرتها كلها وفحصتها فحصاً شاملاً. فلما عادت إلى من أرسلها، وكان ينتظرها في شوق وكأنه على أحر من الجمر، قال لها: "ما وراءكِ يا عصامُ؟" قالت: "أبدي المخض عن الزُّبد" أي أن الرحلة جاءت بفائدة. وأصبح العرب بعد ذلك كلما أرسلوا رسولاً ذكرا أو أنثى أو مثنى أو جمعاً؛ وبعد أن يعود إليهم ويستعملوا منه عن نتيجة رحلته، فهم يقولون له: "ما وراءَك يا عصام؟"، ولو كان رجلاً، لأن الأمثال لا تغير. وكل شيء يجدي الجهد فيه يقال عنه: "أبدي المخض عن الزبد". فحين ينجح الولد ويأتي بالمجموع المناسب يقال: "أبدي المخض عن الزبد". والحق تبارك وتعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...} تفسير : [البقرة: 26] وكانوا قد قالوا: كيف يضرب الله المثل ببعوضة؛ وقال سبحانه: {أية : لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ...} تفسير : [الحج: 73] لقد فهموا قوله: "فما فوقها" أنها أكبر منها، والمراد غير ذلك؛ لأنه سبحانه ضرب المثل بالأقل؛ لذلك قال: "فما فوقها" من باب فما فوقها في الاحتقار منكم والقلة في الحجم مما تنكرونه، وهو الضآلة. وحتى تفهم ذلك نسمع أحياناً: فلان مريض. ويراد السامع وفلان فوقه في المرض. ونجد "فوقه" هنا لا تعني المرض الأقل، بل المرض الأكثر شدة: {...ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176] والكلام موجه لليهود: أي أنتم يا بني إسرائيل مَثَلكم مثل الرجل الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها، ولقد جاءت لكم في التوراة بشارة بمحمد، ووصفته بسمات وعلامات، بحيث إذا رآه الإنسان يعرف أنه الرسول الذي جاء ذكره في التوراة، ويعرفه الواحد منكم كما يعرف ابناً له، لأنه مذكور لكم بنصه ونعته وشكله وطوله، وعرضه. وكنتم تستفتحون به على العرب. لكنكم امتنعتم عن التصديق بالآيات، وعندما جاءكم بما عرفتم عنه كفرتم به. وصار مثلكم كمثل الرجل الذي آتاه الله الآيات فانسلخ منها. {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وهم بعنادهم وبغيهم وكفرهم قد كذبوا بالآيات الكونية التي يراها البصر؛ السماء والأرض والشمس، والآيات المعجزات التي يثبت بها الرسول صدق بلاغه عن الله، وكذلك آيات القرآن التي تحمل منهج الله. {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} وعليك يا محمد أن تقصص القصص وأن تقول ما حدث وما كان، وأنت لن تحكي الأمر التافه، بل ستحكي ما يقال له قصص ويكون فيه عبرة؛ تنتفع بها حركة المجتمع. ويذيل الحق الآية بقوله تعالى: {لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، ونعلم أن القرآن قد جاء فيه الأمر بالتفكر والتذكر والتدبر. والتفكر - كما نعرف - هو عمل العقل في المقارنات بين البديلات المتنوعة لِيُرَجّح بدلاً على بديل فتُعقلَ به القضايا. والتذكر يعني إن غفلت عن هذا فتذكره، حتى يزيح عنك الغفلة عن القضية المعلومة. أما التدبر فهو أيضاً بحث عقلي. فلا تنظر إلى واجهة الأشياء، بل إلى كلية الأشياء من جميع جهاتها بواجهة وجوانب وخلف، وما ينتج عنها. وعلى سبيل المثال يقال: انظر خلف العبارة، لتجد المعنى الخفي فيما يقال. والمثال في قول الحق: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...} تفسير : [البقرة: 26] وحين تفكرنا وتدبرنا وجدنا أن معنى "فما فوقها" لا يعني الأعلى منها في القوة، بل الأعلى منها في الضعف الذي أنكروه. لذلك لا يجب أن تنظر إلى معنى ومدلول اللفظ حسب ظاهره فقط، بل لما خلف اللفظ، ومعطياته. {فَٱقْصُصِ ٱلْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي يتفكرون في أسلوب توجيه المنهج؛ لعلهم يؤمنون, وهذه فائدة القصص. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} [الآية: 176]. يعني: لدفعنا عنه. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} [الآية: 176]. يقول: إِن تطرده بدابتك أَو برجليك فهو سواءٌ. يعني: يلهث. فهو مثل الذي يقرأً الكتاب ولا يعمل به. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} [الآية: 179]. يقول: خلقنا لجهنم. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا} [الآية: 187]. يقول: كأَنك استحفيت عنها السؤال حتى علمتها. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ} [الآية: 187]. يقول: لا يأْتِي بها إِلا هو. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَمَرَّتْ بِهِ} [الآية: 189] قال: استمرت بحمله. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} [الآية: 190]. قال: كان لا يعيش لآدم وحواءَ، عليهما السلام، ولد. فقال لهما الشيطان: إِذا ولد لكما، فسمياه عبد الحارث. ففعلا وأَطاعا. فذلك قوله: {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} معناهُ نَزَعَ وَرَكَنَ.

الأندلسي

تفسير : {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} أي لو أردنا أن نشرفه ونرفع قدره بما آتيناه من الآيات لفعلنا. {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ} أي ترامى إلى شهوات الدنيا ورغب فيها واتبع ما هو ناشىء عن الهوى وجاء الاستدراك هنا تنبيهاً على السبب الذي لأجله لم يرفع ولم يشرف كما فعل بغيره ممن أوتي الهدى فآثره واتبعه. وأخلد معناه رمى بنفسه إلى الأرض أي ما فيها من الملاذ والشهوات، قاله ابن عباس. قال الزمخشري: وكان حق الكلام أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه ووضعنا منزلته، فوقع قوله: فمثله كمثل الكلب فوضع فحططناه أبلغ حط لأن تمثيله بالكلب في أخس أحواله وأذلها في معنى ذلك. انتهى قوله: وكان حق الكلام إلى آخره سوء أدب على كلام الله تعالى. وأما قوله: فوقع قوله فمثله إلى آخره فليس واقعاً موقع ما ذكر ولكن قوله: ولكنه أخلد إلى الأرض وقع موقع فحططناه، إلا أنه تعالى لما ذكر الإِحسان إليه أسند ذلك إلى ذاته الشريفة فقال: آتيناه، ولو شئنا لرفعناه بها. ولما ذكر ما هو في حق الشخص إساءة أسنده إليه، فقال: فانسلخ منها. وقال: ولكنه أخلد إلى الأرض وهو تعالى في الحقيقة هو الذي سلخه من الآيات وأخلده إلى الأرض فجاء على حد قوله {أية : فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} تفسير : [الكهف: 79]، وقوله: {أية : فَأَرَادَ رَبُّكَ} تفسير : [الكهف: 82] في نسبة ما كان حسناً إلى الله ونسبة ما كان بخلافه إلى الشخص. {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} أي فصفته أن تحمل عليه الحكمة لم يحملها وإن تركته لم يحملها كصفة الكلب إن كان مطروداً لهث وإن كان رابضاً لهث، قال ابن عباس: وهذه الجملة الشرطية في موضع الحال أي لاهثاً في الحالتين، قاله الزمخشري وأبو البقاء وتفسيرهما لاهثاً من حيث المعنى لا أن جملة الشرط هي الحال. {ذَّلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ} أي ذلك الوصف وصف. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} صفتهم كصفة الكلب لاهثاً في الحالتين فكما شبّه وصف المؤتى الآيات المنسلخ منها بالكلب في أخس حالاته كذلك شبه به المكذبون بالآيات حيث أوتوها وجاءتهم واضحات تقتضي التصديق بها فقابلوها بالتكذيب وانسلخوا منها. {سَآءَ} بمعنى بئس وتقدم لنا أن أصلها التعدي، تقول: ساءني الشيء يسوءني. ثم لما استعملت استعمال بئس بنيت على فعل وجرت عليها أحكام بئس ومثلاً تمييز للمضمر المستكن في ساء فاعلاً وهو مفسر بهذا التمييز وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها ولا بد أن يكون المخصوص بالذم من جنس التمييز فاحتيج إلى تقدير حذف اما في التمييز أي ساء أصحاب مثل القوم وأما في المخصوص أي ساء مثلاً مثل القوم. وهذه الجملة تأكيد للجملة السابقة. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي} الآية، لما تقدم ذكر المهتدين والضالين أخبر تعالى أنه هو المتصرف فيهم بما شاء من هداية وضلال وتقرر من مذهب أهل السنة أنه تعالى هو خالق الهداية والضلال في العدو من شرطية مفعولة بيهد وحمل على لقطها في الجواب، وهو قوله: فهو المهتدي ومن الثانية كذلك وحمل على معناها في الجواب، في قوله: فأولئك فناسب الأفراد هناك لأن المهتدي قليل وناسب الجمع في الثانية لأن الضالين كثير. {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} الآية، هذا إخبار منه تعالى بأنه خلق لجهنم كثيراً من الصنفين، ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر أنه هو الهادي وهو المضل أعقبه بذكر من خلق للخسران والنار وذكر من أوصافهم ما ذكر وفي ضمنه وعيد الكفار. والمعنى لعذاب جهنم واللام للصيرورة على قول من أثبت لها هذا المعنى، ولما كان مآلهم إليها جعل ذلك سببا على جهة المجاز. {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الآية لما كانوا لا يتدبرون شيئاً من الآيات ولا ينظرون إليها نظر اعتبار ولا يسمعونها سماع تفكر جعلوا كأنهم نقدوا الفقه بالقلوب والابصار بالعيون والسماع بالآذان وليس المراد نفي هذه الإِدراكات عن هذه الحواس وإنما المراد نفي الانتفاع بها فيما طلب منهم من الإِيمان. {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ} في عدم الفقه في العواقب والنظر للاعتبار والسماع للتفكر ولا يهتمون بغير الأكل والشرب. {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} بل للاضراب وليسوا بطالاً بل هو انتقال من حكم، وهو التشبيه بالأنعام إلى حكم آخر وهو كونهم أضل من الانعام. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} هذه الجملة بين تعالى بها سبب كونهم أضل من الانعام وهو الغفلة عما أعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.

همام الصنعاني

تفسير : 960- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ}: [الآية: 176]، قال: مالَ إلى الدنيا، رَكَنَ إليها: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث}: [الآية: 176]، فكذلك الكافر هوَ ضَالٌّ إن وعظته أو لَمْ تَعِظْهُ.