Verse. 1131 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

سَاۗءَ مَثَلَۨا الْقَوْمُ الَّذِيْنَ كَذَّبُوْا بِاٰيٰتِنَا وَاَنْفُسَہُمْ كَانُوْا يَظْلِمُوْنَ۝۱۷۷
Saa mathalan alqawmu allatheena kaththaboo biayatina waanfusahum kanoo yathlimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ساء» بئس «مثلا القوم» أي مثل القوم «الذين كذَّبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون» بالتكذيب.

177

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال بعد تمثيلهم بالكلب {ذٰلِكَ مَثَلُ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَـٰتِنَا } وزجر بذلك عن الكفر والتكذيب أكده في باب الزجر بقوله تعالى: {سَاء مَثَلاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: ساء يسوء فعل لازم ومتعد يقال: ساءت الشيء يسوء فهو سيء إذا قبح وساءه يسوءه مساءة. قال النحويون: تقديره ساء مثلاً، مثل القوم انتصب مثلاً على التمييز لأنك إذا قلت ساء جاز أن تذكر شيئاً آخر سوى مثلاً، فلما ذكرت نوعاً، فقد ميزته من سائرالأنواع وقولك القوم ارتفاعه من وجهين: أحدهما: أن يكون مبتدأ ويكون قولك ساء مثلاً خبره والثاني: أنك لما قلت ساء مثلاً. قيل لك: من هو؟ قلت القوم، فيكون رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف. وقرأ الجحدري: ساء مثل القوم. البحث الثاني: ظاهر قوله: {سَاء مَثَلاً } يقتضي كون ذلك المثل موصوفاً بالسوء، وذلك غير جائز، لأن هذا المثل ذكره الله تعالى، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، وأيضاً فهو يفيد الزجر عن الكفر والدعوة إلى الإيمان، فكيف يكون موصوفاً بالسوء، فوجب أن يكون الموصوف بالسوء ما أفاده المثل من تكذيبهم بآيات الله تعالى وإعراضهم عنها، حتى صاروا في التمثيل بذلك بمنزلة الكلب اللاهث. أما قوله تعالى: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } فإما أن يكون معطوفاً على قوله: {كَذَّبُواْ } فيدخل حينئذ في حيز الصلة بمعنى الذين جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم، وإما أن يكون كلاماً منقطعاً عن الصلة بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم بالتكذيب، وإما تقديم المفعول، فهو للاختصاص كأنه قيل وخصوا أنفسهم بالظلم وما تعدى أثر ذلك الظلم عنهم إلى غيرهم.

البيضاوي

تفسير : {سَاء مَثَلاً ٱلْقَوْمُ} أي مثل القوم، وقرىء {سَاء مَثَل ٱلْقَوْمَ} على حذف المخصوص بالذم. {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم بها. {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} إما أن يكون داخلاً في الصلة معطوفاً على كذبوا بمعنى: الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم، أو منقطعاً عنها بمعنى: وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله لا يتخطاها، ولذلك قدم المفعول.

المحلي و السيوطي

تفسير : {سَآءَ } بئس {مَثَلاً ٱلْقَوْمُ } أي مثل القوم {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِئَايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } بالتكذيب.

الخازن

تفسير : قال سبحانه وتعالى: {ساء مثلاً القوم الذين كذبوا بآياتنا} يعني بئس مثلاً مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا {وأنفسهم كانوا يظلمون} يعني بتكذيبهم بآياتنا. قوله عز وجل: {من يهد الله فهو المهتدي} يعني من يرشده الله إلى دينه فهو المهتدي، وقيل: معناه من يتول الله هدايته وإرشاده فهو المهتدي {ومن يضلل} يعني ومن يتول الضلالة {فأولئك هم الخاسرون} يعني في الآخرة وفي الآية دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو الهادي المضل.

ابو السعود

تفسير : {سَاء مَثَلاً} استئنافٌ مَسوقٌ لبـيان كمالِ قبحِ حالِ المكذبـين بعد بـيانِ كونِه كحال الكلبِ أو المنسلخ، وساء بمعنى بئس وفاعلُها مضمرٌ فيها ومثلاً تميـيزٌ مفسرٌ له والمخصوصُ بالذم قوله تعالى: {ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا} وحيث وجب التصادقُ بـينه وبـين الفاعلِ والتميـيز وجب المصيرُ إلى تقدير مضافٍ إما إليه وهو الظاهرُ أي ساء مثلاً مثَلُ القومِ الخ، أو إلى التميـيز أي ساء أصحابُ مثلِ القوم الخ، وقرىء ساء مثلُ القوم، وإعادةُ القومِ موصوفاً بالموصول مع كفاية الضميرِ بأن يقال: ساء مثلاً مثلُهم للإيذان بأن مدارَ السوء ما في حيز الصلة ولربط قولِه تعالى: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} به فإنه إما معطوفٌ على كذبوا داخلٌ معه في حكم الصلةِ بمعنى جمعوا بـين تكذيبِ آياتِ الله بعد قيام الحجةِ عليها وعلْمِهم بها وبـين ظلمهم لأنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم، فإن وبالَه لا يتخطاها. وأياً ما كان ففي يظلمون لمحٌ إلى أن تكذيبَهم بالآيات متضمنٌ للظلم بها وأن ذلك أيضاً معتبرٌ في القصر المستفادِ من تقديم المفعول. {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى} لما أُمر النبـي عليه الصلاة والسلام بأن يقُصَّ قصصَ المنسلخِ على هؤلاء الضالين الذين مثلُهم كمثله ليتفكروا فيه ويترُكوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة ويهتدوا إلى الحق عقّب ذلك بتحقيق أن الهدايةَ والضلالةَ من جهة الله عز وجل وإنما العِظةُ والتذكيرُ من قِبَل الوسائطِ العادية في حصول الاهتداءِ من غير تأثير لها فيه سوى كونِها دواعيَ، إلى صرف العبدِ اختيارَه نحو تحصيلِه حسبما نيط به خلقُ الله تعالى إياه كسائر أفعالِ العباد، فالمرادُ بهذه الهدايةِ ما يوجب الاهتداءَ قطعاً لكن لا لأن حقيقتَها الدلالةُ الموصلةُ إلى البُغية البتة، بل لأنها الفردُ الكاملُ من حقيقة الهدايةِ التي هي الدلالةُ إلى ما يوصل إلى البغية أي ما من شأنه الإيصالُ إليها كما سبق تحقيقُه في تفسير قوله تعالى {أية : هُدًى لّلْمُتَّقِينَ }تفسير : [البقرة: 2]. وليس المرادُ مجردَ الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى حتى يُتوهّم عدمُ الإفادةِ بحسب الظاهِر لظهور استلزامِ هدايتِه تعالى للاهتداء، ويُحمل النظمُ الكريمُ على تعظيم شأن الأهتداءِ والتنبـيه على أنه في نفسه كمالٌ جسيمٌ ونفعٌ عظيمٌ لو لم يحصُل له غيرُه لكفاه بل هو قصرُ الاهتداء على من هداه الله تعالى حسبما يقتضي به تعريفُ الخبرِ، فالمعنى من يهدِه الله أي يخلقْ فيه الاهتداء على الوجه المذكور. فهو المهتدي لا غيرُ كائناً من كان {وَمَن يُضْلِلِ} بأن لم يخلُقْ فيه الاهتداءَ بل خلق فيه الضلالةَ لصرف اختيارِها نحوَها {فَأُوْلَـئِكَ} الموصوفون بالضلالة على الوجه المذكور {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} أي الكاملون في الخُسران لا غير، وإفرادُ المهتدي نظراً إلى معناها للإيذان باتحاد منهاجِ الهُدى وتفرّقِ طرقِ الضلال.

القشيري

تفسير : أي صفته أدنى من نعت من بُلِيَ بالإعراضِ الأزليِّ، وأيُّ نعتٍ أعلى من وصف مَنْ أُكْرِمَ بالقبول الأبديّ؟ وأيُّ حيلةٍ تنفع مع مَنْ يخلق الحيلة؟ وكيف تَصِحُّ الوسيلةُ إلا لمن منه الوسيلة؟.

اسماعيل حقي

تفسير : {ساء مثلا} ساء بمعنى بئس ومثلا تمييز من الفاعل المضمر فى ساء مفسر له {القوم} مخصوص بالذم بتقدير المضاف لوجوب التصادف بينه وبين الفاعل والتمييز اى شاء مثلا مثل القوم وبئس الوصف وصف القوم. قال الحدادى وهذا السوء انما يرجع الى فعلهم لا الى نفس المثل كأنه قال ساء فعلهم الذى جلب اليهم الوصف القبيح فاما المثل فهو من الله حكم وصواب {الذين كذبوا بآياتنا} بعد قيام الحجة عليها وعلمهم بها {وانفسهم كانوا يظلمون} اى ما ظلموا بالتكذيب الا انفسهم فان وباله لا يتخطاها.

الطوسي

تفسير : التقدير ساء مثلا مثل القوم، وحذف لدلالة الكلام عليه و {أنفسهم} نصب بـ {يظلمون} وصف الله تعالى هذا المثل الذي ضربه وذكره بأنه ساء مثلا اي بئس مثلا مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله، وانهم بذلك لا يظلمون إلا انفسهم دون غيرهم، لأن عقاب ما يفعلونه من المعاصي يحل بهم فان الله تعالى لا يضره كفرهم ولا معصيتهم كما لا ينفعه طاعتهم وإيمانهم.

الجنابذي

تفسير : {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} التّكرار للمبالغة فى ذمّهم وللتّطويل المناسب لمقام التّهديد {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} كأنّه توهّم متوهّم ممّا رأى من تشديد الله عليهم أنّهم ظلموا الآيات بالتّكذيب فقال: ما ظلموا (الآيات) ولكن انفسهم كانوا يظلمون وأسقط المعطوف عليه لاستفادته من الحصر المستفاد من تقديم المفعول.

اطفيش

تفسير : {سَاءَ} بئس {مَثلاً} تمييز لضمير مستتر فى ساء {للقَوم} مخصوص بالذم مبالغة حيث جعلهم بأنفسهم مثلا، أو على حذف مضاف أى مثلا القوم، ومن أجاز الجمع بين التمييز والفاعل الظاهر فى باب نعم وبئس أجاز كون القوم فاعلا، وقرأ الجحدرى: ساء مثل القوم برفع مثل على الفاعلية، وإضافته للقوم مع فتح الميم والتاء على حذف المخصوص بالذم، أى ذلك المثل، وادعى بعض أن ساء لا تجرى مجرى بئس إلا إذا كان بعدها تمييز، وقال الإمام أبو عمرو الدانى: قرأ الجحدرى: ساء مثل القوم بالرفع والإضافة، لكن بكسر الميم وإسكان الثاء، وقرأ الأعمش كذلك، وبفتح الميم والثاء، قال عياض وهذا خلاف ما ذكر أبو حاتم، فإنه قال: قرأ الجحدرى والأعمش ساء مثل القوم بالرفع انتهى. قلت: ليس مخالفا، فإن مراده اتفاق الجحدرى والأعمش على الرفع والإضافة فى قطع النظر عن هيئة الميم والثاء، فيكون لفظ مثل فى كلامه بالنظر إلى هيئتها كالشئ الذى يرى ولا يقرأ، ذكر بعضهم مثل هذا لكنه يقبل البحث، وأظن أنى قد بحثت فيه فى حاشية القطر وشرحه. {الَّذينَ كذَّبوا بآياتِنا} مع وضوحها {وأنْفسَهم} لا غيرها يظلمون، والتقديم للحصر والفاصلة مفعول {كانُوا يظْلمُونَ} بالتكذيب، وذلك مستأنف أو معطوف على كذبوا بآياتنا، وأشار إلى أن الاهتداء بتوفيق الله والضلالة بخذلانه بقوله: {مَنْ يَهْد اللهِ...}

اطفيش

تفسير : {سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ} أَى ساءَ مثلا مثل القوم المذكورين، أَى هو مثل القوم، أَو ساءَ أَصحاب مثل القوم بجر مثل منونا ورفع القوم فقدرنا المضاف أَولا أَو آخرا لأَن المثل ليس نفس القوم {الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} بعد وضوحها {وَأَنْفُسَهُمْ} لا غيرها منصوب بيظلمون، قدم للفاصلة والحصر، وقوله {كَانُوا يَظْلِمُونَ} عطف على كذبوا بآياتنا، ودخل أَنفسهم فى العطف، أَى القوم الجامعين للتكذيب وظلم أَنفسهم.

الالوسي

تفسير : {سَآءَ مَثَلاً} استئناف مسوق لبيان كمال قبح المكذبين بعد البيان السابق، وساء بمعنى بئس وفاعلها مضمر و {مَثَلاً} تمييز مفسر له، ويستغنى بتذكير التمييز وجمعه وغيرهما عن فعل ذلك بالضمير، وأصلها التعدي لواحد، والمخصوص بالذم قوله سبحانه وتعالى: {ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} وحيث وجب صدق الفاعل والتمييز والمخصوص على شيء واحد والمثل مغاير للقوم لزم تقدير محذوف من المخصوص وهو الظاهر أو التمييز أي ساء مثلاً مثل القوم أو ساء أهل مثل القوم. وفي «الحواشي الشهابية» أنه قرىء بإضافة مثل بفتحتين ومثل بكسر فسكون للقوم ورفعه فساء للتعجب وتقديرها على فعل بالضم كقضو الرجل ومثل القوم فاعل أي ما أسوأهم، والموصول في محل جر صفة للقوم أو هي بمعنى بئس ومثل فاعل والموصول هو المخصوص في محل رفع بتقدير مضاف أي مثل الذين الخ. وقدر أبو حيان في هذه القراءة تمييزاً، ورده السمين بأنه لا يحتاج إلى التمييز إذا كان الفاعل ظاهراً حتى جعلوا الجمع بينهما ضرورة، وفيه ثلاثة مذاهب المنع مطلقاً والجواز كذلك والتفصيل فإن كان مغايراً جاز نحو نعم الرجل شجاعاً زيد وإلا امتنع، وبعضهم يجعل المخصوص محذوفاً وفي كونه ما هو خلاف وإعادة القوم موصوفاً بالموصول مع كفاية الضمير بأن يقال ساء مثلاً مثلهم للإيذان بأن مدار السوء ما في حيز الصلة وليربط قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} به فإنه إما معطوف على {كَذَبُواْ} داخل معه في حكم الصلة بمعنى جمعوا بين أمرين قبيحين التكذيب وظلمهم أنفسهم خاصة أو منقطع عنه بمعنى وما ظلموا إلا أنفسهم فإن وبالها لا يتخطاها، وأياً ما كان ففي ذلك لمح إلى أن تكذيبهم بالآيات متضمن للظلم بها وأن ذلك أيضاً معتبر في القصر المستفاد من التقديم، وصرح الطيبـي والقطب وغيرهما أن الجملة على تقدير الانقطاع تذييل وتأكيد للجملة التي قبلها، ويشعر كلام بعضهم أن تقديم المفعول على الوجه الأول لرعاية الفاصلة وعلى الوجه الثاني للإشارة إلى التخصيص وأن سبب ظلمهم أنفسهم هو التكذيب، وفيه خفاء كما لا يخفى، هذا ثم أن هذه الآيات مما ترمي علماء السوء بثالثة الأثافي، وقد ذكر مولانا الطيبـي طيب الله ثراه أن من تفكر في هذا المثل وسائر الأمثال المضروبة في التنزيل في حق المشركين والأصنام من بيت العنكبوت والذباب تحقق / له أن علماء السوء أسوأ وأقبح من ذلك فما أنعاه من مثل عليهم وما هم فيه من التهالك في الدنيا مالها وجاهها والركون إلى لذاتها وشهواتها من متابعة النفس الأمارة وإرخاء زمامها في مرامها عافانا الله تعالى والمسلمين من ذلك. ونقل عن مولانا شيخ الإسلام شهاب الدين السهروردي أنه كتب إلى الإمام فخر الدين الرازي تغمدهما الله تعالى برضوانه من تعين في الزمان لنشر العلم عظمت نعمة الله تعالى عليه فينبغي للمتيقظين الحذاق من أرباب الديانات أن يمدوه بالدعاء الصالح ليصفي الله تعالى مورد علمه بحقائق التقوى ومصدره من شوائب الهوى إذ قطرة من الهوى تكدر بحراً من العلم ونوازع الهوى المركوز في النفوس المستصحبة إياه من محتدها من العالم السفلي إذا شابت العلم حطته من أوجه وإذا صفت مصادر العلم وموارده من الهوى أمدته كلمات الله تعالى التي ينفد البحر دون نفادها ويبقى العلم على كمال قوته، وهذه رتبة الراسخين في العلم لا المترسمين به وهم ورثة الأنبياء عليهم السلام كر عملهم على علمهم وتناوب العلم والعمل فيهم حتى صفت أعمالهم ولطفت وصارت مسامرات سرية ومحاورات روحية وتشكلت الأعمال بالعلوم لمكان لطافتها وتشكلت العلوم بالأعمال لقوة فعلها وسرايتها إلى الاستعدادات، وفي اتباع الهوى إخلاد إلى الأرض قال تعالى: {أية : وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَـٰهُ بِهَا وَلَـٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى ٱلأَرْضِ وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ } تفسير : [الأعراف: 176] فتطهير نور الفكرة عن رذائل التخيلات والارتهان بالموهومات التي أورثت العقول الصغار والمداهنة للنفوس القاصرة هو من شأن البالغين من الرجال فتصحب نفوسهم الطاهرة الملأ الأعلى فتسرح في ميادين القدس، فالنزاهة النزاهة من محنة حطام الدنيا والفرار الفرار من استحلاء نظر الخلق وعقائدهم فتلك مصارع الأدوان، وطالب الرفيق الأعلى مكلم محدث، والتعريفات الإلهية واردة عليه لمكان علمه بصورة الابتلاء واستئصاله شأفة الابتلاء بصدق الالتجاء وكثرة ولوجه في حريم القرب الإلهي وانغماسه مع الأنفاس في بحار عين اليقين وغسله نفث دلائل البرهان بنور العيان فالبرهان للأفكار لا للأسرار إلى آخر ما قال، ويا لها من موعظة حكيم ونصيحة حميم نسأل الله تعالى أن يهدينا لما أشارت إليه.

ابن عاشور

تفسير : جملة مستأنفة لأنها جعلت إنشاء ذَم لهم، بأن كانوا في حالة شنيعة وظلموا أنفسهم. والظلم هنا على حقيقته فإنهم ظلموا أنفسهم بما أحلّوه بها من الكفر الذي جعلهم مذمومين في الدنيا ومعذبين في الآخرة. وتقديم المفعول للاختصاص، أي ما ظلموا إلا أنفسهم، وشأن العاقل أن لا يؤذي نفسه، وفيه إزالة تبجحهم بأنهم لم يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم ظناً منهم أن ذلك يغيظه ويغيظ المسلمين، وإنما يضُرون أنفسهم. وجملة: {وأنفسهم كانوا يظلمون} يجوز أن تكون معطوفة على الصلة باعتبار أنهم معروفون بمضمون هذه الجملة عند النبي والمسلمين، ويجوز أن تكون معطوفة على جملة: {ساء مثلاً القوم} فتكون تذييلاً للجملة التي قبلها إخباراً عنهم بأنهم في تكذيبهم، وإنتفاء من القصص ما ظلموا إلا أنفسهم. وقوله: {كانوا يظلمون} أقوى في إفادة وصفهم بالظلم من أن يقال: وظلموا أنفسهم، كما تقدم في قوله تعالى: {أية : وليكون من الموقنين} تفسير : في سورة الأنعام (75).

د. أسعد حومد

تفسير : {بِآيَاتِنَا} (177) - قَبُحَتْ صِفَةُ هَؤلاءِ القَوْمِ فِي الصِّفَاتِ، وَسَاءَ مَثَلُهُمْ فِي الأَمْثَالِ، بِإِعْرَاضِهِمْ عَنِ التَّفكُّرِ فِي الآيَاتِ، وَاسْتِخْلاَصِ العِبَرِ مِنْهَا لِلاهْتِدَاءِ بِهَا وَجَعْلِهَا السَّبيلَ المُوصِلَةَ إلى السَّعَادَةِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والحق قال فيهم من قبل: إنهم كذبوا بآياتنا، وضرب لهم المثل بابن باعوراء وكان مشهوراً في أيامهم، لكنهم فاقوا ابن باعوراء لأنه كان فرداً وهم جماعة؛ لذلك لا تقل إن في المسألة تكراراً؛ لأن المثل من قبل ما كان على فرد واحد، أوتي آيات الله فانسلخ منها، ولكنهم كانوا جماعة. لذلك فانسلاخهم عن المنهج يجعل موقفهم أشد سوءاً. {سَآءَ مَثَلاً ٱلْقَوْمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} و"ساء" أي قَبُح، وحين نقول: ساء فلان؛ أي قبح أمره، ولكن أي أمر من أموره هو القبيح؟ فنقول: ساء صحةً أي صار مريضاً أو ساء حالاً أي صار فقيراً، أو ساء خلقاً أي صار شرساً، وأنت حين تقول: ساء، فهذا السوء عام له جوانب متعددة، ويقتضي الأمر التمييز. و"ساء مثلاً" أي ساء من جهة المثل، والمثل في ذاته لا يسوء؛ لأن الله تعالى يضرب المثل لنا. والمثل إنما يجيء ليبين ويشرح ويوضح، والمعنى هنا: ساء مثلاً حال القوم. أو القوم أنفسهم هم الذين ساءوا. لأنهم حين كذبوا بالآيات ظلموا أنفسهم، فالتكذيب منهم لم يعرقل منهج الله في الأرض، ولم يعرقلوا بالتكذيب شيئاً في كون الله تعالى، فالكون بنظامه ونسقه يسير بإرادته سبحانه وآيات الكون سائرة. إذن كان تكذيبهم بآيات لن يضير أبداً في أي شيء. والخيبة إنما تقع عليهم. وإن كان التكذيب في الآيات المعجزات فقد بقي ذكر المعجزات إلى الآن. وهم الذين خابوا، وإن كانوا قد كذبوا بآيات المنهج فهم أيضاً الذين خسروا ولم يصب الآيات الإعجازية أو القرآنية أي شيء. وهم قد ظلموا أنفسهم ومثلهم في ذلك مثل المريض الذي لم يسمع كلام الطبيب فإنه يسيء إلى نفسه ولن يضر الطبيب شيء، والله سبحانه قد أعطانا المنهج لتستقيم به حركة الحياة، فمن يأخذه ينفع نفسه، ومن لا يأخذه لن يضر الله شيئاً. هم إذن ظلموا أنفسهم، ومن يظلم نفسه كان هو أول عدو لها ولن يضر الله شيئاً، ولا الرسول، ولا المجتمع. {...وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 177] وحين تجد معمولاً تقدم على عامله - قاعدة نحوية - فعلم أن هناك ما يسمى بالقصر في علم البلاغة، وقد نقول: "يظلمون أنفسهم" ويصح أن تعطف قائلاً: ويظلمون الناس. ولكن حين نقول: أنفسهم يظلمون، فمعنى ذلك أنه لا يتعدى ظلمهم أنفسهم، ويكون الكلام فيه قصر وتخصيص، مثلما نقول: "لله الأمر من قبل ومن بعد"، أي أن الأمر لا يتعدى إلى غيره أبداً. ويقول المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ...}