٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
178
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسألتان: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما وصف الضالين بالوصف المذكور وعرف حالهم بالمثل المذكور بين في هذه الآية أن الهداية من الله، وأن الضلال من الله تعالى، وعند هذه اضطربت المعتزلة، وذكروا في التأويل وجوهاً كثيرة: الأول: وهو الذي ذكره الجبائي وارتضاه القاضي أن المراد من يهده الله إلى الجنة والثواب في الآخرة، فهو المهتدي في الدنيا، السالك طريقة الرشد فيما كلف، فبين الله تعالى أنه لا يهدي إلى الثواب في الآخرة إلا من هذا وصفه، ومن يضلله عن طريق الجنة {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } والثاني: قال بعضهم إن في الآية حذفاً، والتقدير: من يهده الله فقبل وتمسك بهداه فهو المهتدي، ومن يضلل بأن لم يقبل فهو الخاسر. الثالث: أن يكون المراد من يهده الله بمعنى أن من وصفه الله بكونه مهتدياً فهو المهتدي، لأن ذلك كالمدح ومدح الله لا يحصل إلا في حق من كان موصوفاً بذلك الوصف الممدوح، ومن يضلل أي ومن وصفه الله بكونه ضالاً {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } والرابع: أن يكون المراد من يهده الله بالألطاف وزيادة الهدى فهو المهتدي ومن يضلل عن ذلك لما تقدم منه من سوء اختياره، فأخرج لهذا السبب بتلك الألطاف من أن يؤثر فيه فهو من الخاسرين. واعلم أنا بينا أن الدلائل العقلية القاطعة، قد دلت على أن الهداية والإضلال لا يكونان إلا من الله من وجوه: الأول: أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وحصول الداعي ليس إلا من الله فالفعل ليس إلا من الله. الثاني: أن خلاف معلوم الله ممتنع الوقوع، فمن علم الله منه الإيمان لم يقدر على الكفر وبالضد. الثالث: أن كل أحد يقصد حصول الإيمان والمعرفة، فإذا حصل الكفر عقيبه علمنا أنه ليس منه بل من غيره، ثم نقول: أما التأويل الأول: فضعيف لأنه حمل قوله: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ } على الهداية في الآخرة إلى الجنة وقوله: {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى } على الاهتداء إلى الحق في الدنيا، وذلك يوجب ركاكة في النظم، بل يجب أن تكون الهداية والاهتداء راجعين إلى شيء واحد، حتى يكون الكلام حسن النظم. وأما الثاني: فإنه التزام لإضمار زائد، وهو خلاف اللفظ، ولو جاز فتح باب أمثال هذه الإضمارات لانقلب النفي إثباتاً والإثبات نفياً، ويخرج كلام الله عز وجل من أن يكون حجة، فإن لكل أحد أن يضمر في الآية ما يشاء، وحينئذ يخرج الكل عن الإفادة. وأما الثالث: فضعيف لأن قول القائل فلان هدى فلاناً لا يفيد في اللغة ألبتة أنه وصفه بكونه مهتدياً، وقياس هذا على قوله فلان ضلل فلاناً وكفره، قياس في اللغة وأنه في نهاية الفساد والرابع: أيضاً باطل لأن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف، فقد فعله عند المعتزلة في حق جميع الكفار، فحمل الآية على هذا التأويل بعيد، والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى } يجوز إثبات الياء فيه على الأصل، ويجوز حذفها طلباً للتخفيف كما قيل في بيت الكتاب:شعر : فطرت بمنصلي في يعملات دوامي الأيد يخبطن السريحا تفسير : ومن أبياته أيضاً:شعر : كخوف ريش حمامة نجدية مسحت بماء البين عطف الأثمد تفسير : قال أبو الفتح الموصلي يريد كخواف محذوف الياء. وأما قوله: {وَمَن يُضْلِلِ } يريد ومن يضلله الله ويخذله {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي خسروا الدنيا والآخرة.
القرطبي
تفسير : تقدّم معناه في غير موضع. وهذه الآية تردّ على القدرية كما سبق، وتردّ على من قال إن الله تعالى هدى جميع المكلفين ولا يجوز أن يُضِلّ أحداً.
البيضاوي
تفسير : {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} تصريح بأن الهدى والضلال من الله، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض، وأنها مستلزمة للاهتداء والإِفراد في الأول والجمع في الثاني باعتبار اللفظ، والمعنى تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين، والاقتصار في الإِخبار عمن هداه الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: من هداه الله، فإنه لا مضل له، ومن أضله، فقد خاب وخسر وضل لا محالة؛ فإنه تعالى ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولهذا جاء في حديث ابن مسعود: «حديث : إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» تفسير : الحديث بتمامه رواه الإمام أحمد وأهل السنن وغيرهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ}، {ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} أي خلقنا ممن يصير إلى جهنم بكفره ومعصيته. و {كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ} فيه قولان: أحدهما: أراد أولاد الزنى لأنهم من النطف الخبيثة مخلوقين، فهم أكثر الناس إسراعاً إلى الكفر والمعصية فيصيرون جامعين بين [سوء] المعتقد وخبث المولد. والقول الثاني: أنه على العموم في أولاد الزنى والرِشدة فيمن ولد من نكاح أو سفاح لأنهم مؤاخذون على أفعالهم لا على مواليدهم التي خبثت بأفعال غيرهم. {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الحق. {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الرشد. {وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} الوعظ، فصاروا بترك استعمالها بمثابة من عَدِمها، قال مسكين الدرامي: شعر : أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يُواري جارتي الجدر وأصم عــمـــا كان بينــهــما سمعي وما في سمعي الوقر
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَٰـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }، القول فيه: أن ذلك كلَّه من عند اللَّه: الهدايةُ منه وبخَلْقه وٱختراعِهِ؛ وكذلك الإِضلال، وفي الآيةِ تعجيبٌ مِنْ حال المذْكُورين. وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ }، هذا خبرٌ من اللَّه تعالى أنه خَلَق لسُكْنَىٰ جهنم وٱلاحتراقِ فيها كثير، وفي ضِمْنه وعيدٌ للكفَّار، «وذرأ»: معناه: خَلَق وأوْجَدَ، مع بَثٍّ ونَشْرٍ. وقوله سبحانه: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَٰـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ...} الآيةَ: لما كانَتْ هذه الطائفةُ الكافرةُ المُعْرِضَةُ عن النَّظَر في آيات اللَّه، لم ينفعْهم النظَرُ بالقَلْب، ولا بالعَيْن، ولا ما سَمِعُوه من الآيات والمواعظ، استوجبوا الوصْفَ بأنهم لا يفقهون، ولا يُبْصرون، ولا يَسْمعون، والفِقْه: الفَهْم، {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ } في أنَّ الأنعام لا تَفْقَهُ الأشياء، ولا تعقلُ المقاييسِ، ثم حَكَم سبحانه عَلَيْهم بأنهم أضَلُّ؛ لأن الأنعام تلك هِيَ بِنْيَتُها وخِلْقَتُها، وهؤلاءِ مُعَدُّونَ للفَهْم والنظر، ثم بَيَّنَ سبحانه بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} الطريق الذي به صاروا أضَلَّ من الأنعام، وهو الغَفْلة والتقصير. قال الفَخْر: أمَّا قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ }، فتقريره: أن الإِنسان وسائر الحيوانات مُتشَاركةٌ في قُوَى الطَّبيعة؛ الغَاذِيَةِ، والنامية، والمُوَلِّدةِ، ومتشاركَةٌ أيضاً في منافع الحواسِّ الخَمْسِ؛ الباطنةِ والظاهرةِ، وفي أحوالِ التخيُّل، والتفكُّر، والتذكُّر، وإِنما حَصَل ٱلامتياز بيْنَ الإِنسان، وسائِرِ الحيواناتِ؛ في القوَّة العقليَّة والفكْريَّة التي تهديه إِلى معرفة الحقِّ، فلما أعرضَ الكُفَّار عن أحْوالِ العَقْلِ والفكْرِ، ومعرفةِ الحقِّ، كانوا كالأنعام، بل هم أضلُّ؛ لأن الحيواناتِ لا قدرةَ لها على تحْصيلِ هذهِ الفضائل، وقد قال حَكِيمُ الشُّعَراء: [البسيط] شعر : الرُّوحُ مِنْ عِنْدَ رَبِّ العَرْشِ مَبْدَؤُه وَتُرْبَةُ الأَرْضِ أَصْلُ الجِسْمِ والبَدَنِ قَدْ أَلَّفَ المَلِكُ الجَبَّارُ بَيْنَهُمَا لِيَصْلُحَا لِقَبُولِ الأَمْرِ والْمِحَنِ فَالرُّوحُ فِي غُرْبةٍ وَالجِسْمُ في وَطَن فَلْتَعْرِفَنَّ ذِمَامَ النَّازِحِ الوَطنِ تفسير : انتهى. وقوله سبحانه: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا...} الآية: السببُ في هذه الآية عَلَىٰ ما روي، أن أبَا جهلٍ سمع بعْضَ أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقرأ، فيذكُر اللَّه تعالَى في قراءته، وَمَرَّةَ يَذْكُر الرحْمٰن، ونَحْوَ ذلك، فقال: محمَّدٌ يَزعم أنَّ إِلإلٰه واحِدٌ، وهو إِنما يعبدُ آلهةً كثيرةً، فنزلَتْ هذه الآية، ومِنْ أسماء اللَّه تعالَىٰ ما ورد في القُرآن، ومنها ما ورد في الحديث وتواتَرَ، وهذا هو الذي ينبغي أَنْ يُعْتَمدَ عليه. وقوله سبحانه: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَـٰئِهِ }، قال ابن زيد: معناه: ٱتركُوهم، فالآية علَىٰ هذا منسوخةٌ، وقيل: معناه: الوعيدُ؛ كقوله سبحانه: { أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } تفسير : [المدثر:11] و { أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } تفسير : [الحجر:3] يقال: أَلْحَد وَلَحَدَ بمعنى جَارَ، ومَالَ، وٱنْحَرَفَ، و«ألْحَدَ»: أشهرُ؛ ومنه لَحْدُ القَبْرِ، ومعنى الإِلحاد في أسماء اللَّه عزَّ وجلَّ: أنْ يسمُّوا اللاَّتَ نظيرَ ٱسْمِ اللَّه تعالَىٰ؛ قاله ابن عباس، والعُزَّى نظيرَ العزيزِ؛ قاله مجاهد، ويسمُّون اللَّه أباً، ويسمُّون أوثانهم أرْباباً. وقوله سبحانه: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}: وعيدٌ محضٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في الخطبة "حديث : الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". تفسير : وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته "حديث : نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين ". تفسير : وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور يومئذ شيء اهتدى، ومن اخطأه ضل، فلذلك أقول: جف القلم على علم الله .
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي} [الآية:178]. قال بعضهم: ليس الناجى من سعى إنما الناجى من سبقت له الهداية من الهادى. قال الله تعالى {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي}.
القشيري
تفسير : ليست الهدايةُ من حيث السعايةُ، إنما الهداية من حيث البداية، وليست الهداية بفكر العبد ونَظَرِه، إنما الهداية بفضل الحق وجميل ذكره.
اسماعيل حقي
تفسير : {من يهد الله} اى يخلق فيه الاهتداء {فهو المهتدى} لا غير كائنا من كان وانما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية فى حصول الاهتداء من غير تأثير لها فيه سوى كونها دواعى الى صرف العبد اختياره نحو تحصيله {ومن يضلل} بان لم يخلق فيه الاهتداء بل خلق الله فيه الضلالة لصرف اختياره نحوها {فاولئك هم الخاسرون} اى الكاملون فى الخسران لا غير. وفيه اشارة الى ان من ادركته العناية ولحقته الهداية اليوم لم ينزل عن المراتب العلوية الى المدارك السفلية فهم الذين اخطأهم ذلك النور الذى رش عليهم من نوره ومن خذله حتى اتبع هواه فاضله الهوى عن سبيل الله فهم الذين اخطأهم ذلك النور ولم يصبهم فوقعوا فى الضلالة والخسران. وكان سفيان الثورى يقول اللهم سلم سلم كأنه فى سفينة يخشى الغرق. ولما قدم البشير على يعقوب عليه السلام قال على اى دين تركته قال على دين الاسلام قال الآن تمت النعمة. وقيل ما من كلمة احب الى الله تعالى ولا ابلغ عنده فى الشكر من ان يقول العبد الحمد لله الذى انعم علينا وهدانا الى الاسلام واياك ان تغفل عن الشكر وتغتر بما انت عليه فى الحال من الاسلام والمعرفة والتوفيق والعصمة فانه مع ذلك لا موضع للامن والغفلة فان الامور بالعواقب. قال بعض العارفين ان بعض الانبياء عليهم السلام سال الله تعالى عن امر بلعم وطرده بعد تلك الآيات والكرامات فقال الله تعالى لم يشكرنى يوما من الايام على ما اعطيته لو شكرنى على ذلك مرة لما سلبته فمن كان له جوهر نفيس يمكنه ان يأخذ فى ثمنه الف الف دينار فباعه بفلس أليس يكون ذلك خسرانا عظيما وغبنا فظيعا ودليلا بينا على خسة الهمة وقصور العلم وضعف الرأى وقلة العقل فتيقظ حتى لا تذهب عنك الدنيا والآخرة وتنبه فان الامر خطير والعمر قصير وفى العمل تقصير والناقد بصير فان ختم الله بالخير اعمالنا وأقال عثراتنا فما ذلك عليه بعسير اللهم حقق رجاء عبدك الفقير.
الطوسي
تفسير : {فهو المهتدي} كتب - ها هنا - بالياء ليس في القرآن غيره بالياء، واثبت الياء في اللفظ ها هنا جميع القراء. وقال الجبائي: معنى الآية من يهديه الله إلى نيل الثواب. كما يهدي المؤمن إلى ذلك والى دخول الجنة فهو المهتدي للايمان والخير، لأن المهتدي هو المؤمن فقد صار مهتدياً إلى الايمان والى نيل الثواب. ومن يضله الله عن الجنة وعن نيل ثوابها عقوبة على كفره او فسقه، {فأولئك هم الخاسرون} لأنهم خسروا الجنة ونعيمها وخسروا انفسهم والانتفاع بها. وقال البلخي المهتدي هو الذي هداه الله فقبل الهداية واجاب اليها، والذي أضله الله هو الضال الذي اختار الضلاله فأضله الله بمعنى خلى بينه وبين ما اختاره وترك منعه بالخير على انه إذا ضل عن امر الله عند امتحانه وتكليفه جاز أن يقال: ان الله أضله. وقيل: معنى {من يهدي الله} من يحكم الله بهدايته {فهو المهتدى} ومن حكم بضلالته فهو الخائب الخاسر.
الجنابذي
تفسير : {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي..} استدراك لما توهّم من نسبة الاخلاد الى الارض واتّباع الهوى والتّكذيب اليهم من انّ الافعال منسوبة اليهم، نسبة الفعل الى الفاعل واختلاف القرينتين بالافراد والجمع وتكرار المبتدأ وعدمه لكون المقام مقام التّهديد ومناسب مقام التّهديد الاكتفاء فى جانب الوعد والرّحمة بأقلّ ما يكتفى به، وتعجيل الانتقال الى المهدّدين والتّغليظ والتّطويل فيهم وللاشارة الى اتّحاد المهتدين واختلاف الضّاليّن.
الهواري
تفسير : قوله: {مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ المُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ} أي: خسروا أنفسهم فصاروا في النار وخسروا الجنة. قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجِنِّ وَالإِنسِ} ذرأنا، أي: خلقنا لجهنم في تفسير الحسن وغيره {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} الهدى {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الهدى {وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} الهدى {أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} من الأنعام فيما تُعُبِّدُوا به {أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} عن الآخرة. قوله: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}. ذكر بعضهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنةتفسير : . قال الحسن: منها الله ومنها الرَّحْمَنُ قال: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} أي الذين يكذبون في أسمائه. قال الكلبي: من أسمائه الله والرحمن والرحيم والعزيز وأشباه هذا؛ قال: {فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ}، أي يميلون في أسمائه، فسموا مكان الله اللات، ومكان العزيز العُزَّى، يعبدون اللات والعُزّى. كل ذلك نهى الله عنه. نهاهم أن يسموا آلهتهم بشيء من أسمائه. قال: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. وذروا في هذا الموضع منسوخ نسخه القتال.
اطفيش
تفسير : {مَنْ يَهْد اللهِ} يرشده ويعنه {فَهُو} لا غيره لتعريف الطرفين {المهْتَدِى} والإفراد بالجنس أو للفظ من، ونكتته التنبيه على أن المهتدين كالجسد الواحد لاتحاد طريقتهم، وإنما اكتفى بقوله: {المهتدى} عن أن يقول: الرابح أو الفائز أو نحو ذلك، تعظيما لشأن الاهتداء، حتى كأنه لو لم يحصل له ثواب لكفاه لحسنه فى نفسه، وللسلامة من النار، وأيضا الاهتداء ملزوم النعم الدايمة والفوز، وسبب لها فذكره إشارة لها. {ومَنْ يُضْلِل} لم يوفقه {فَأولئكَ} البعداء عن مقام الخير {هُم الخَاسِرُونَ} لا غيرهم لتعريف الطرفين، والضمير المعترض توكيدا، والجمع باعتبار معنى من، ونكتته التنبيه على تخالف الكفار، لأن مدارهم على الأهواء ليس لهم دين يجمعهم.
اطفيش
تفسير : "مَنْ يَهْدِ اللهُ" لدينه هدى عصمة {فَهُوَ المُهْتَدِى} أَى الهدى منحصر فيه لا يتجاوز هدى العصمة، بأَن يهدى نبى أَو غيره أَحداً هدى عصمة لم يبعده الله، لا يتصور هذا، اقتصر على ذكر الهدى بقوله فهو المهتدى لأَن فى الاهتداء خير الدنيا والآخرة، كما أَن الخسران شامل للدنيا والآخرة، ولذلك قال {وَمَنْ يُضْلِلْ} يخذله {فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} راعى لفظ من الأَول فأَفرد تلويحاً بأَن المهتدين كواحد لاتحاد دعواهم بخلاف الضالين فلهم سبل لا تنحصر، لأنها بحسب هواهم ونفسهم الأَمارة بالسوءِ والشياطين.
الالوسي
تفسير : {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تذييل وتأكيد لما تضمنته القصة السابقة على ما يشير إليه كلام بعضهم. وقال آخر: إنه تعالى لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقص على أولئك الضالين قصص أخيهم ليتفكروا ويتركوا ما هم عليه عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهته سبحانه وتعالى وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء لكونها دواعي إلى صرف المكلف اختياره نحو تحصيله حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، والمراد بهذه الهداية ما يوجب الاهتداء قطعاً لا لأن حقيقتها الدلالة الموصلة إلى البغية كما يوهمه كلام بعض الأصحاب بل لأنها الفرد الكامل من حقيقة الهداية التي هي الدلالة إلى ما يوصل لإسنادها إلى الله تعالى وتفريع الاهتداء عليها ومقابلتها بالضلال وما معه ولا يخفى أن الهداية بهذا المعنى يلزمها الاهتداء فيكون الإخبار باهتداء من هداه الله تعالى على ما قيل على حد الإخبار في ـ شعري شعري ـ وهو يفيد تعظيم شأن الاهتداء وأنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم وأنه كاف في نيل كل شرف في الأولى والعقبـى. واختار بعض المحققين أنه ليس المقصود مجرد الإخبار بما ذكر ليتوهم عدم الإفادة بحسب الظاهر ويصار إلى توجيهه بذلك بل هو قصر الاهتداء على من هداه الله تعالى حسبما يقضي به تعريف الخبر، فالمعنى من يخلق / فيه الاهتداء فهو المهتدي لا غير كائناً من كان ولا يخلو عن حسن إلا أنه قد يقال: إن الأول أوفق بالمقابل، وإفراد المهتدي لا غير كائناً من كان ولا يخلو عن حسن إلا أنه قد يقال: إن الأول أوفق بالمقابل، وإفراد المهتدي رعاية للفظ {مَنْ}، وجمع الخاسرين رعاية لمعناها للإيذان بأن الحق واحد وطرق الضلال متشعبة، وفي الآية تصريح بأن الهدى والضلال من الله تعالى فسبحان من أضل المعتزلة.
ابن عاشور
تفسير : هذه الجملة تذييل للقصة والمثل وما أعقبا به من وصف حال المشركين، فإن هذه الجملة تُحصل ذلك كله وتجري مجرى المثل، وذلك أعلى أنواع التذييل، وفيها تنويه بشأن المهتدين وتلقين للمسلمين للتوجه إلى الله تعالى بطلب الهداية منه والعصمة من مزالق الضلال، أي فالذين لم يهتدوا إلى الحق بعد أن جاءهم دلت حالهم على أن الله غضب عليهم فحرمهم التوفيق. والهداية حقيقتها إبانة الطريق، وتطلق على مطلق الإرشاد لما فيه النفع سواء اهتدى المهْدي إلى ما هُدي إليه أم لم يهتد، قال تعالى: {أية : إنّا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً}تفسير : [الإنسان: 3] وقال: {أية : وأما ثمودُ فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}تفسير : [فصلت: 17]. ثم قد علم أن الفعل الذي يسند إلى الله تعالى إنما يراد به اتقن أنواع تلك الماهية وأدوَمها، ما لم تقم القرينة على خلاف ذلك، فقوله: {من يَهْد الله} يُعنى به من يقدرِ الله اهتداءَه، وليس المعنى من يرشده الله بالأدلة أو بواسطة الرسل، وقد استفيد ذلك من القصة المُذَيلة فإنه قال فيها: {أية : الذي آتيناه آياتنا}تفسير : [الأعراف: 175] فايتاءُ الآيات ضرب من الهداية بالمعنى الأصلي، ثم قال فيها {أية : فانسلخ منها}تفسير : [الأعراف: 175] وقال {أية : ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه}تفسير : [الأعراف: 176] وقال: {أية : ولو شئنا لرفعناه بها}تفسير : [الأعراف: 176] فعلمنا أن الله أرشده، ولم يقدر له الاهتداء، فالحالة التي كان عليها قبل أن يخلد إلى الأرض ليست حالة هدى، ولكنها حالة تردد وتجربة، كما تكون حالة المنافق عند حضوره مع المسلمين إذ يكون متلبساً بمحاسن الإسلام في الظاهر، ولكنه غير مبطن لها كما قدمناه عند قوله تعالى: {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} تفسير : في سورة البقرة (17)، فتعين أن يكون المعنى هنا: من يقدر الله له أن يكون مهتدياً فهو المهتدي. والقصر المستفاد من تعريف جزأى الجملة {فهو المهتدي} قصر حقيقي ادعائي باعتبار الكمال واستمرار الاهتداء إلى وفاة صاحبه، وهي مسألة الموافاة عند الأشاعرة، أي وأما غيره فهو وإن بان مهتدياً فليس بالمهتدي لينطبق هذا على حال الذي أوتي الآيات فانسلخ منها وكان الشأن أن يرفع بها. وبهذا تعلم أن قوله {من يهد الله فهو المهتدي} ليس من باب قول أبي النجم:شعر : وشعري شعري تفسير : وقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» تفسير : لأن ذلك فيما ليس في مفاد الثاني منه شيء زائد على مفاد ما قبله بخلاف ما في الآية فإن فيها القصر. وكذلك القول في {ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} وزيد في جانب الخاسرين الفصل باسم الإشارة لزيادة الاهتمام بتمييزهم بعنوان الخسران تحذيراً منه، فالقصر فيه مؤكد. وجُمع الوصف في الثاني مراعاة لمعنى (مَن) الشرطية، وإنما روعي معنى (من) الثانية دون الأولى؛ لرعاية الفاصلة ولتبين أن ليس المراد بــــ (مَن) الأولى مفرداً. وقد عُلم من مقابلة الهداية بالإضلال، ومقابلة المهتدي بالخاسر أن المهتدي فائز رابح فحذف ذكر ربحه إيجازاً. والخسران استعير لتحصيل ضد المقصود من العمل كما يستعار الربح لحصول الخير من العمل كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم} تفسير : في هذه السورة (9)، وفي قوله: {أية : فما ربحت تجارتهم} تفسير : في سورة البقرة (16).
القطان
تفسير : ذرأنا: خلقنا. الجن: خلاف الانس. الفقه: العلم بالشيء والفهم به. ويرد في القرآن الكريم بمعنى دقة الفهم والتعمق في العلم. بعد ان أمر الله تعالى نبيه الكريم ان يقصّ خبر ذلك ضلّ على علم منه، يقصَّه الى اولئك الضالين لعلهم يهتدون ويتركون ما هم عليه من الاخلاد الى الضلالة، والكفر - بيّن هنا ان اسباب الهدى والضلال ينتهيان للمستعدّ لأحدهما الى احدى الغايتين بتقدير الله والسيرِ على سنّته في استعمال مواهبه الفطرية، وان الهدى هدى الله. فمن يوفقه الله لسلوك سبيل الحق فهو المهتدي حقا، الفائز بسعادة الدارين؛ ومن يُحرم من هذا التوفيق بفعل سيطرة هواه فهو الضال خسِر سعادة الدنيا وسعادة الآخرة. ثم فصّل سبحانه ما أجملَه في الآية السالفة مع بيان سببه فقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ....}. ولقد خلقْنا كثيراً من الجن والانس مآلهم النار يوم القيامة. وتتساءل لماذا؟ فتأتي الإجابة: لأن لهم قلوباً لا يَنفُذون بها الى الحق، وأَعيُناً لاينظرون بها دلائل القدرة، وآذاناً لا يسمعون بها الآيات والمواعظ سماعَ تدبُّرٍ واتعاظ، أفليس اصحاب هذه الصفات كالبهائم، ما داموا لم ينتفعوا بما وهبهم الله من عقول للتدبر، بل الحقّ إنهم اضل منها، فالبهائم تسعى الى ما ينفعها، وتهرب مما يضرها، وهؤلاء لا يدركون ذلك، فيظلون غافلين عما فيه صلاحهم في الدارين. ثم بعد ذلك ذكرت الآيات الدواء لتلك الغفلة والوسائل التي تخرج الى ضدها وهي ذِكْر الله ودعاؤه في السرّ والعلَن في جميع الاوقات. ولله دون غيره الأسماءُ الدالة على أكمل الصّفات فاذكروه بها، دعاءً ونداءً وتسمية، واتركوا جميع الذين يلحدون في اسمائه فيما لا يليق بذاته العلّيةِ، لأنهم سيلقَون جزاءَ علمهم، وتحلُّ بهم العقوبة. وللذِكر فوائد، منها: تغذية الإيمان، ومراقبة الله تعالى والخشوع له والرغبة فيما عنده، ونسيان آلام الدنيا. وقد وردت أحاديث كثيرة في الحث على الدعاء والالتجاء الى الله، منها الحديث الصحيح: "حديث : من نزل به غَم او كربٌ، أو أمرٌ مهم فليقل: لا إله الا الله العظيم الحليم، لا إله الا الله ربّ العرش العظيم، لا إله الا الله ربّ السماوات والأرض ورب العرش الكريم" تفسير : رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. وروى الحاكم في (المستدرك) عن أَنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها: "حديث : ما يمنعكِ أن تسمعي ما أُوصيكِ به؟ ان تقولي إذا أصبحتِ واذا أمسيتِ: يا حيّ يا قيّوم، برحمتِكَ أَسغيث، أصلحْ لي شأني، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفة عين ". تفسير : ثم بيّن تعالى وصْف أُمة الإجابة، وهي الامة الاسلامية، الذين أجابوا وأطاعوا وهدوا بالحق وبه يَعدِلون. وممن خلَقْنا للجنة طائفةٌ يدعون غيرهم للحق بسبب حُبِّهم له، ويدلّون الناس على الاستقامة، وبالحق يحكمون. أخرج ابنُ جَرير وابن المنذِر وابو الشيخ عن ابن جُريج قال: ذَكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : هذه أمتي، بالحق يحكُمون ويقضون ويأخذون ويعطون ". تفسير : فهذه الأمة الثابتة على الحق، هي الحارسة لأمانة الله في الأرض، الشاهدة بعهده على الناس. وفي الحديث الصحيح: "حديث : لا تزال طائفةٌ من أمّتي ظاهرين على الحق "...
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأُوْلَـٰئِكَ} {ٱلْخَاسِرُونَ} (178) - مَنْ يُوَفِّقْهُ اللهُ لِسُلُوكِ سُبُلِ الهِدَايَةِ بِاسْتِعْمَالِ عَقْلِهِ وَحَوَاسِّهِ فِيمَا خُلِقَتْ لَهُ، بِمُقْتَضَى الفطْرَةِ، وَإِرْشَادِ الدِّينِ، فَهُوَ المُهْتَدِي الذِي شَكَرَ نِعَمَ اللهِ عَلَيهِ، وَأدَّى حَقَّ رَبِّهِ عليهِ، وَمَنْ يَخْذلْهُ وَيَحْرِمْهُ التَّوْفِيقَ فَيَتَّبعِ الشَّيْطَانَ فِي عَدَمِ تَفهُّمِ آيَاتِهِ، وَفِي التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ رَبِّهِ عَلَى مَا أنْعَمَ بِهِ عَلَيهِ، فَهُوَ الكَفُورُ الذِي خَسِرَ سَعَادَةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهذه الآية هي الوحيدة التي جاء فيها سبحانه وتعالى: {ٱلْمُهْتَدِي} - بالياء - بينما جاء المولى سبحانه وتعالى بكلمة "المهتد"- من غير ياء- في آيات متعددة عدا هذه الاية: واقرأ قوله تعالى: {أية : وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ...} تفسير : [الإسراء: 97] ويقول الحق: {أية : ...فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} تفسير : [الحديد: 26] وكذلك تأتي الكلمة بدون "ياء" في قوله سبحانه: {أية : ...مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً} تفسير : [الكهف: 17] والمعركة الخاصة بقضية الهداية والإضلال قائمة من قديم، ولا تزال أيضاً ذيول هذه المعركة موجودة إلى الآن، وأوضحنا هذه القضية من قبل ولكننا نكررها للتأكيد ولتستقر في الأذهان، لأن هناك دائماً من يقول: إذا كان الله هو الهادي والمضل، فلماذا يعذبني إن ضللت؟. وشاع هذا السؤال وأخذه المستشرقون والفلاسفة ويراد منه إيجاد مبرر للنفس العاصية غير الملتزمة. ونقول لكل مجادل: لماذا قصرت الاعتراض على مسألة الضر والعذاب إن ضللت؟ ولماذا لا تذكر الثواب إن أحسنت وآمنت؟. إن اقتصارك على الأولى دون الثانية دليل على أن الهداية التي جاءت لك هي مكسب تركته وأخذت المسألة التي فيها ضرر. ولا يقول ذلك إلا المسرفون على أنفسهم. وضرَبْنا من قَبْلُ أمثلةً كثيرة. لنفرق في هذه المسائل بين المختلفين؛ لأن الجهة عندهم منفكة, وهم قد ناقشوا مسألة "خلق أفعال العباد" وتساءلوا: مَنْ خلق هذه الأفعال؟ هل خلقها الله أم أن العبد يخلق أفعاله؟. ونسأل: ما هو الفعل؟. إنه توجيه طاقة لإحداث حدث؛ فطاقة اليد أنها تعمل أيَّ عمل تريده منها؛ قد تضرب بها إنساناً أو تحمل بها إنساناً واقعاً على الأرض، أو تربت بها على اليتيم. إذن ففي اليد طاقة تصلح لأن تفعل الخير وتفعل الشر، وأنت لحظة أن تضرب إنساناً؛ فأي عضلة تحركها حين ترتفع اليد لتضرب؟. إنك بمجرد رغبتك في أن تضرب؛ تضرب؛ عكس الإنسان الآلي حين يرفع شيئاً، فله أجزاء وأزرار تعمل. وكلها آلات. وأنت حين تربت على كتف يتيم، ما هي الأعضاء والأجهزة التي تحركها لتعمل هذا العمل؟. إذن فالله هو الذي خلق فيك الانفعال للفعل. فإن نظرت إلى ذلك، فكل فعل من الله، ولكن توجيه الجارحة إلى الفعل هو محل التكليف. إذن فأنت تحاسب لأنك فعلت، لا لأنك خلقت؛ لأن خالق الأفعال هو الله سبحانه وتعالى، وأنت تفعل بمجرد الإرادة والاختيار، مثل اللسان فيه طاقة مخلوقة لبيان ما في النفس؛ إن أردت أن تقول بها "لا إله إلا الله" صلحت، وصلحت كذلك عند الملحد أن يقول - والعياذ بالله - لا يوجد إله. واللسان لم يعص في هذه ولا في تلك. إذن فالذي خلق قدرة الجارحة على الفعل هو الله. وأنت توجه الجارحة، إذن فكل الافعال مخلوقة لله، لكن توجيه الطاقة للفعل بالميل والاختيار إنما يكون من العبد. والحق سبحانه وتعالى يهدي الجميع بالمنهج، ومن يقبل عليه بنيَّة الإيمان، يعينه على ذلك، ولذلك لا يصح أن نختلف في مسألة مثل هذه، وأن نسأل من خلق الأفعال، بل علينا أن نحدد الأفعال وكيف توجد، وما دور الإنسان فيها؛ لأننا نعلم أن الله قد يسلب طاقة الفعل على الأحداث، مثل من يريد أن يؤذي إنساناً بيده لكنه يصاب بشلل فلا يقدر أن يرفع يده. ولو كان هو الذي يخلق لرفع يده وآذى بها من أراد، لكنه لا يخلق الطاقة الصانعة للفعل. وعلى ذلك تكون الهدايةُ نوعين: هداية دلالة، وهي للجميع؛ للمؤمن والكافر؛ لأن الحق لم يدل المؤمن فقط، بل يدل المؤمن والكافر على الإيمان به، فمن يُقْبل على الإيمان به؛ فإن الحق تبارك وتعالى يجد فيه أهلاً للمعونة. فيأخذ بيده، ويعينه، ويجعل الإيمان خفيفاً على قلبه، ويعطي له طاقة لفعل الخير، ويشرح له صدره وييسر له آمره: وسبحانه القائل: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ...} تفسير : [البقرة: 282] ويقول سبحانه وتعالى: {...وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] فإذا كان الله قد عمّم حكماً ثم خصّصه، فالتخصيص هو الذي يحكم التعميم. ويقول ربنا عز وجل: إن من شاء هدايته فهو سبحانه وتعالى يعطيه الهداية، ومن شاء له الضلال زاده ضلالاً، وقد بيّن أن من شاء هدايته يهتدي وهذه معونة من الله، والكافر لا يهتدي وكذلك الظالم، والفاسق؛ لأنه سبحانه قد ترك كل واحد منهم لاختياره، وهكذا يمنع سبحانه وتعالى عنهم هداية المعونة. ونقرأ في القرآن الكريم ما يوضح هذه المسألة، فهو سبحانه يقول: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ...} تفسير : [فصلت: 17] والهداية التي كانت لقوم ثمود إنما هي هداية الدلالة، وليست هداية المعونة. ويقول سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] أي أنه سبحانه قد زاد من اختاروا الهداية، بالمعونة وجعل بينهم وبين النار وقاية، والحق سبحانه وتعالى يقول لرسوله: {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ...} تفسير : [القصص: 56] أي أنك يا محمد لن تعين أحداً على الطاعة لأن هذا أمر يملكه ربك. ويقول سبحانه لرسوله: {أية : ...وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى: 52] أي أنك يا محمد تهدي هدايةَ الدّلالة بالمنهج الذي أنزله الله إليك. إذن إذا رأيت فعلاً أو حدثاً مُثبتاً لواحد ومنفياّ عنه.. فاعلم أن الجهة منفكة، والكلام هنا لحكيم عليم. ولماذا يقول الحق سبحانه: {مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 178] لأن الحق سبحانه وتعالى حين ينصرف عن معونة عبده، فعلى العبد أن يواجه حركة الحياة وحده بدون مدد من خالقه. ويعيش وحالته كرب، سواء كان في يسر مادي أو في عسر. هذا إن اعتبر أن الدنيا هي كل شيء، فإذا أضيف إلى ذلك غفلته عن أن الدنيا معبر للآخرة، فالخسارة تكون كبيرة حقاً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):