٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
179
Tafseer
الرازي
تفسير : هذه الآية هي الحجة الثانية في هذا الموضع على صحة مذهبنا في مسألة خلق الأفعال وإرادة الكائنات وتقريره من وجوه: الأول: أنه تعالى بين باللفظ الصريح أنه خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم، ولا مزيد على بيان الله. الثاني: أنه تعالى لما أخبر عنهم بأنهم من أهل النار، فلو لم يكونوا من أهل النار انقلب علم الله جهلاً وخبره الصدق كذباً وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال، فعدم دخولهم في النار محال، ومن علم كون الشيء محالاً امتنع أن يريده، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يريد أن لا يدخلهم في النار، بل يجب أن يريد أن يدخلهم في النار، وذلك هو الذي دل عليه لفظ الآية. الثالث: أن القادر على الكفر إن لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكفر، فقد أراد أن يدخله في النار، وإن كان قادراً على الكفر وعلى الإيمان معاً امتنع رجحان أحد الطرفين على الآخر لا لمرجح، وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، وإن حصل من قبله تعالى، فلما كان هو الخالق للداعية الموجبة للظفر، فقد خلقه للنار قطعاً. الرابع: أنه تعالى لو خلقه للجنة وأعانه على اكتساب تحصيل ما يوجب دخول الجنة، ثم قدرنا أن العبد سعى في تحصيل الكفر الموجب للدخول في النار، فحينئذ حصل مراد العبد، ولم يحصل مراد الله تعالى، فيلزم كون العبد أقدر وأقوى من الله تعالى، وذلك لا يقوله عاقل، والخامس: أن العاقل لا يريد الكفر والجهل الموجب لاستحقاق النار، وإنما يريد الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الثواب والدخول في الجنة، فلما حصل الكفر والجهل على خلاف قصد العبد وضد جهده واجتهاده، وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد، بل يجب أن يكون حصوله من قبل الله تعالى. فإن قالوا: العبد إنما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفاسد الباطل، لأنه اشتبه الأمر عليه وظن أنه هو الاعتقاد الحق الصحيح. فنقول: فعلى هذا التقدير: إنما وقع في هذا الجهل لأجل ذلك الجهل المتقدم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السابق لجهل آخر لزم التسلسل وهو محال، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد توجه الإلزام وتأكد الدليل والبرهان، فثبت أن هذه البراهين العقلية ناطقة بصحة ما دل عليه صريح قوله سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } قالت المعتزلة: لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن كثيراً من الآيات دالة على أنه أراد من الكل الطاعة. والعبادة والخير والصلاح. قال تعالى: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً * لّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ }تفسير : [الفتح: 8، 9] وقال: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ }تفسير : [النساء: 64] وقال: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَـٰهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ }تفسير : [الفرقان: 50] وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُنَزّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ ءايَـٰتٍ بَيّنَـٰتٍ لّيُخْرِجَكُمْ مّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ }تفسير : [الحديد: 9] وقال: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ }تفسير : [الحديد: 25] وقال: {أية : يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ }تفسير : [إبراهيم: 10] وقال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] وأمثال هذه الآيات كثيرة، ونحن نعلم بالضرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنه لا يمكن حمل قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ} على ظاهره. الوجه الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } وهو تعالى إنما ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا مخلوقين للنار، ولما كانوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى هذا التقدير فيقبح ذمهم على ترك الإيمان. الوجه الثالث: وهو أنه تعالى لو خلقهم للنار لما كان له على أحد من الكفار نعمة أصلاً، لأن منافع الدنيا بالقياس إلى العذاب الدائم، كالقطرة في البحر، وكان كمن دفع إلى إنسان حلواً مسموماً فإنه لا يكون منعماً عليه، فكذا ههنا. ولما كان القرآن مملوأ من كثرة نعمة الله على كل الخلق، علمنا أن الأمر ليس كما ذكرتم. الوجه الرابع: أن المدح والذم، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه. الوجه الخامس: لو أنه تعالى خلقهم للنار، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النار، لأنه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم. الوجه السادس: أن قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } متروك الظاهر، لأن جهنم اسم لذلك الموضع المعين، ولا يجوز أن يكون الموضع المعين مراداً منه، فثبت أنه لا بد وأن يقال: إن ما أراد الله تعالى بخلقهم منهم محذوف، فكأنه قال: ولقد ذرأنا لكي يكفروا فيدخلوا جهنم، فصارت الآية على قولهم متروكة الظاهر، فيجب بناؤها على قوله: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } لأن ظاهرها يصح دون حذف. الوجه السابع: أنه إذا كان المراد أنه إذا ذرأهم لكي يكفروا فيصيروا إلى جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللام للعاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنه لا استحقاق للنار، ونحن قد قلناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار، فكان قولنا أولى، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير فيه إلى التأويل، وتقريره: أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والأنس، هي الدخول في نار جهنم، جائز ذكر هذه اللام بمعنى العاقبة، ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشعر: أما القرآن فقوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ نُصَرّفُ ٱلأَيَـٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } تفسير : [الأنعام: 105] ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك، لكنهم لما قالوا ذلك، حسن ورود هذا اللفظ، وأيضاً قال تعالى: {أية : رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ }تفسير : [يونس: 88] وأيضاً قال تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تفسير : [القصص: 8] وهم ما التقطوه لهذا الغرض إلا أنه لما كانت عاقبة أمرهم ذلك، حسن هذا اللفظ، وأما الشعر فأبيات قال:شعر : وللموت تغدوا الوالدات سخالها كما لخراب الدهر تبنى المساكن تفسير : وقال:شعر : أموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها تفسير : وقال: شعر : له ملك ينادي كل يوم لدوا للموت وابنو للخراب تفسير : وقال:شعر : وأم سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة تفسير : هذا منتهى كلام القوم في الجواب. واعلم أن المصير في التأويل إنما يحسن إذا ثبت بالدليل امتناع العقل حمل هذا اللفظ على ظاهره، وأما لما ثبت بالدليل أنه لا حق إلا ما دل عليه ظاهر اللفظ، كان المصير إلى التأويل في مثل هذا المقام عبثاً. وأما الآيات التي تمسكوا بها في إثبات مذهب المعتزلة، فهي: معارضة بالبحار الزاخرة المملوءة من الآيات الدالة على مذهب أهل السنة، ومن جملتها ما قبل هذه الآية وهو قوله: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 178] وهو صريح مذهبنا، وما بعد هذه الآية وهو قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ }تفسير : [الأعراف: 182، 183] ولما كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس، إلا ما يقوي قولنا ويشيد مذهبنا، كان كلام المعتزلة في وجوب تأويل هذه الآية ضعيفاً جداً. أما قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على صحة قولهم في خلق الأعمال فقالوا: لا شك أن أولئك الكفار كانت لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا، ولا شك أنه كانت لهم أعين يبصرون بها المرئيات، وآذان يسمعون بها الكلمات، فوجب أن يكون المراد من هذه الآية تقييدها بما يرجع إلى الدين، وهو أنهم ما كانوا يفقهون بقلوبهم ما يرجع إلى مصالح الدين، وما كانوا يبصرون ويسمعون ما يرجع إلى مصالح الدين. وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت أنه تعالى كلفهم بتحصيل الدين مع أن قلوبهم وأبصارهم وأسماعهم ما كانت صالحة لذلك، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصد عنه مع الأمر به، وذلك هو المطلوب قالت المعتزلة لو كانوا كذلك، لقبح من الله تكليفهم، لأن تكليف من لا قدرة له على العمل قبيح غير لائق بالحكيم. فوجب حمل الآية على أن المراد منه أنهم بكثرة الإعراض عن الدلائل وعدم الالتفات إليها صاروا مشبهين بمن لا يكون له قلب فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة. والجواب: أن الإنسان إذا تأكدت نفرته عن شيء، صارت تلك النفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدال على صحة الشيء، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله، وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدها كل عافل من نفسه. ولهذا السبب قالوا في المثل المشهور ـ حبك الشيء يعمي ويصم ـ. إذا ثبت هذا فنقول: إن أقواماً من الكفار بلغوا في عداوة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي بغضه وفي شدة النفرة عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه، والعلم الضروري حاصل بأن حصول البغض والحب في القلب ليس باختيار الإنسان، بل هو حاصل في القلب شاء الإنسان أم كره. إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أن حصول هذه النفرة والعداوة في القلب ليس باختيار العبد، وثبت أنه متى حصلت هذه النفرة والعداوة في القلب، فإن الإنسان لا يمكنه مع تلك النفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم، وإذا ثبت هذا ثبت القول بالجبر لزوماً لا محيص عنه. ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خطبة في تقرير هذا المعنى وهو في غاية الحسن. روى الشيخ أحمد البيهقي في كتاب «مناقب الشافعي» رضي الله تعالى عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه خطب الناس فقال وأعجب ما في الإنسان قلبه فيه مواد من الحكمة وأضدادها، فإن سنح له الرجاء أولهه الطمع، وإن هاج له الطمع أهلكه الحرص، وإن أهلكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن سعد بالرضا شقي بالسخط، وإن ناله الخوف شغله الحزن وإن أصابته المصيبة قتله الجزع، وإن وجد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد وأقول: هذا الفصل في غاية الجلالة والشرف، وهو كالمطلع على سر مسألة القضاء والقدر، لأن أعمال الجوارح مربوطة بأحوال القلوب، وكل حالة من أحوال القلب فإنها مستندة إلى حالة أخرى حصلت قبلها، وإذا وقف الإنسان على هذه الحالة علم أنه لا خلاص من الاعتراف بالجبر، وذكر الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب «الإحياء» فصلاً في تقرير مذهب الجبر. ثم قال فإن قيل: إني أجد من نفسي أني إن شئت الفعل فعلت، وإن شئت الترك تركت، فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري ثم قال: وهب أنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئته، وإن شئت أن لا تشاء لم تشأه، ما أظنك أن تقول ذلك، وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له: بل شئت أو لم تشأ فإنك تشاء ذلك الشيء، وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته، فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك فالإنسان مضطر في صورة مختار. المسألة الثانية: احتج العلماء بقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } على أن محل العلم هو القلب، لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، وهذا إنما يصح لو كان محل الفهم والفقه هو القلب، والله أعلم. أما قوله: {أُوْلَـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } فتقريره أن الإنسان وسائر الحيوانات متشاركة في قوى الطبيعة الغاذية والنامية والمولدة، ومتشاركة أيضاً في منافع الحواس الخمس الباطنة والظاهرة وفي أحوال التخيل والتفكر والتذكر، وإنما حصل الامتياز بين الإنسان وبين سائر الحيوانات في القوة العقلية والفكرية التي تهديه إلى معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به: فلما أعرض الكفار عن اعتبار أحوال العقل والفكر ومعرفة الحق والعمل بالخير كانوا كالأنعام. ثم قال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } لأن الحيوانات لا قدرة لها على تحصيل هذه الفضائل، والإنسان أعطي القدرة على تحصيلها، ومن أعرض عن اكتساب الفضائل العظيمة مع القدرة على تحصيلها كان أخص حالاً ممن لم يكتسبها مع العجز عنها. فلهذا السبب قال تعالى: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وقال حكيم الشعراء:شعر : الروح عند إله العرش مبدؤه وتربة الأرض أصل الجسم والبدن قد ألف الملك الحنان بينهما ليصلحا لقبول الأمر والمحن فالروح في غربة والجسم في وطن فاعرف ذمام الغريب النازح الوطن تفسير : وقيل في تفسير قوله: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وجوه أخرى فقيل: لأن الأنعام مطيعة لله تعالى والكافر غير مطيع، وقال مقاتل: هم أخطأ طريقاً من الأنعام، لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه. وقال الزجاج: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } لأن الأنعام تبصر منافعها ومضارها فتسعى في تحصيل منافعها وتحترز عن مضارها، وهؤلاء الكفار وأهل العناد أكثرهم يعلمون أنهم معاندون ومع ذلك فيصرون عليه، ويلقون أنفسهم في النار وفي العذاب، وقيل إنها تفر أبداً إلى أربابها، ومن يقوم بمصالحها، والكافر يهرب عن ربه وإلهه الذي أنعم عليه بنعم لا حد لها. وقيل: لأنها تضل إذا لم يكن معها مرشد، فأما إذا كان معها مرشد قلما تضل، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وأنزل عليهم الكتب وهم يزدادون في الضلال ثم إنه تعالى ختم الآية فقال: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } قال عطاء: عما أعد الله لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب.
القرطبي
تفسير : أخبر تعالى أنه خلق للنار أهلاً بعدلِهِ، ثم وصفهم فقال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} أي بمنزلة من لا يفقه؛ لأنهم لا ينتفعون بها، ولا يعقلون ثواباً ولا يخافون عقاباً. و {أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الهدى. و {آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} المواعظ. وليس الغرض نفي الإدراكات عن حواسهم جملة كما بيناه في «البقرة». {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لأنهم لا يهتدون إلى ثوابٍ، فهم كالأنعام؛ أي هِمتهم الأكل والشرب، وهم أضل لأن الأنعام تُبصر منافعها ومضارها وتتبْع مالكها، وهم بخلاف ذلك. وقال عطاء: الأنعام تعرف الله، والكافر لا يعرفه. وقيل: الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير مطيع. {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} أي تركوا التدبر وأعرضوا عن الجنة والنار.
البيضاوي
تفسير : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} خلقنا. {لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ} يعني المصرين على الكفر في علمه تعالى. {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} إذ لا يلقونها إلى معرفة الحق والنظر في دلائله. {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} أي لا ينظرون إلى ما خلق الله نظر اعتبار. {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا} الآيات والمواعظ سماع تأمل وتذكر. {أُوْلَـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ} في عدم الفقه والإِبصار للاعتبار والاستماع للتدبر، أو في أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها. {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} فإنها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار، وتجتهد في جلبها ودفعها غاية جهدها، وهم ليسوا كذلك بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار. {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} الكاملون في الغفلة.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} أي: خلقنا وجعلنا لجهنم {كَثِيرًا مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} أي: هيأناهم لها، وبعمل أهلها يعملون، فإنه تعالى لما أراد أن يخلق الخلق، علم ما هم عاملون قبل كونهم، فكتب ذلك عنده في كتاب قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء»تفسير : وفي صحيح مسلم أيضاً: من حديث عائشة بنت طلحة عن خالتها عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء، ولم يدركه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أو غير ذلك يا عائشة؛ إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم، وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم»تفسير : ، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود: «حديث : ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد»تفسير : وتقدم أن الله لما استخرج ذرية آدم من صلبه، وجعلهم فريقين أصحاب اليمين وأصحاب الشمال، قال: «حديث : هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي» تفسير : والأحاديث في هذا كثيرة، ومسألة القدر كبيرة ليس هذا موضع بسطها، وقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} يعني: ليس ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سبباً للهداية؛ كما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَـٰراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَـٰرُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِـآيَـٰتِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحقاف: 26] الآية، وقال تعالى: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 18] هذا في حق المنافقين. وقال في حق الكافرين: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171] ولم يكونوا صماً ولا بكماً ولا عمياً إلا عن الهدى، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ} تفسير : [الأنفال: 23] وقال: {أية : فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحج: 46] وقال: {أية : وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } تفسير : [الزخرف: 36-37] وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ} أي: هؤلاء الذين لا يسمعون الحق ولا يعونه، ولا يبصرون الهدى، كالأنعام السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها إلا في الذي يقيتها في ظاهر الحياة الدنيا؛ كقوله تعالى: {وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً} أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان كمثل الأنعام، إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول. ولهذا قال في هؤلاء: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} أي: من الدواب؛ لأنها قد تستجيب مع ذلك لراعيها إذا أنس بها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، ولأنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها وإما بتسخيرها، بخلاف الكافر، فإنه إنما خلق ليعبد الله ويوحده، فكفر بالله وأشرك به، ولهذا من أطاع الله من البشر، كان أشرف من مثله من الملائكة في معاده، ومن كفر به من البشر، كانت الدواب أتم منه، ولهذا قال تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } خلقنا {لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } الحق {وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يسْمعُونَ بِهَآ } دلائل قدرة الله بصر اعتبار {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ {أُوْلـَٰئِكَ كَٱلأَنْعَٰمِ } في عدم الفقه والبصر والاستماع {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من الأنعام لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارّها وهؤلاء يقدمون على النار معاندة {أُوْلـَٰئِكَ هُمُ ٱلْغَٰفِلُونَ }.
الشوكاني
. تفسير : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } أي خلقنا. وقد تقدّم بيان أصل معناه مستوفى، وهذه الجملة مقرّرة لمضمون ما قبلها، {لِجَهَنَّمَ } أي: للتعذيب بها {كَثِيراً } أي خلقاً كثيراً {مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ } أي من طائفتي الجنّ والإنس، جعلهم سبحانه للنار بِعَدْ لِه، وبعمل أهلها يعملون. وقد علم ما هم عاملون قبل كونهم، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، ثم وصف هؤلاء فقال: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} كما يفقه غيرهم بعقولهم. وجملة {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } في محل رفع على أنها صفة لقلوب. وجملة {لَهُمْ قُلُوبٌ } في محل نصب صفة لـ {كثيراً} جعل سبحانه قلوبهم لما كانت غير فاقهة لما فيه نفعهم وإرشادهم، غير فاقهة مطلقاً، وإن كانت تفقه في غير ما فيه النفع والرشاد فهو كالعدم، وهكذا معنى {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا } فإن الذي انتقى من الأعين هو إبصار ما فيه الهداية بالتفكر والاعتبار، وإن كانت مبصرة في غير ذلك، والذي انتقى من الآذان هو سماع المواعظ النافعة، والشرائع التي اشتملت عليها الكتب المنزلة. وما جاءت به رسل الله، وإن كانوا يسمعون غير ذلك. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى هؤلاء المتصفين بهذه الأوصاف كالأنعام في انتفاء انتفاعهم بهذه المشاعر، ثم حكم عليهم بأنهم أضلّ منها، لأنها تدرك بهذه الأمور ما ينفعها ويضرّها، فينتفع بما ينفع، وتجتنب ما يضرّ، وهؤلاء لا يميزون بين ما ينفع وما يضرّ باعتبار ما طلبه الله منهم وكلفهم به، ثم حكم عليهم بالغفلة الكاملة لما هم عليه من عدم التمييز الذي هو من شأن من له عقل وبصر وسمع. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } قال: خلقنا. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن الحسن في الآية قال خلقنا لجهنم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن النجار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله لما ذرأ لجهنم من ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن مجاهد، في قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ } قال: لقد خلقنا لجهنم {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } قال: لا يفقهون شيئاً من أمور الآخرة {وَلَهُمْ آذانٌ لاَّ يَسمَعُونَ بِهَا } الهدى {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } الحق، ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شراً من الأنعام، فقال: {بَلْ هُمْ أَضَلُّ } ثم أخبر أنهم الغافلون.
ابن عطية
تفسير : وصفت هذه الصنيفة الكافرة المعرضة عن النظر في آيات الله بأن قلوبهم لا تفقه، والفقه الفهم، وأعينهم لا تبصر، وآذانهم لا تسمع، وليس الغرض من ذلك نفي هذه الإدراكات عن حواسهم جملة وإنما الغرض نفيها في جهة ما كما تقول: فلان أصم عن الخنا. ومنه قول مسكين الدارمي: [الكامل أحذ مضمر] شعر : أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي السترُ وأصم عمّا كان بينهما عمداً وما بالسمعِ من وَقْرِ تفسير : ومنه قول الآخر: [الوافر] شعر : وعوراء الكلام صممت عنها ولو أني أشاء بها سميع وبادرة وزعت النفس عنها وقد بقيت من الغضب الضلوع تفسير : ومنه قول الآخر في وصاة من يدخل إلى دار ملك: [مخلع البسيط] شعر : وادخل إذا ما دخلت أعمى واخرج إذا ما خرجت أخرسْ تفسير : فكأن هؤلاء القوم لما لم ينفعهم النظر بالقلب ولا بالعين ولا ما سمعوه من الآيات والمواعظ استوجبوا الوصف بأنهم {لا يفقهون} و {لا يبصرون} و {لا يسمعون} وفسر مجاهد هذا بأن قال: لهم قلوب لا يفقهون بها شيئاً من أمر الآخرة وأعين لا يبصرون بها الهدى وآذان لا يسمعون بها الحق، و {أولئك} إشارة إلى من تقدم ذكره من الكفرة وشبههم بالأنعام في أن الأنعام لا تفقه قلوبهم الأشياء ولا تعقل المقاييس، وكذلك ما تبصره لا يتحصل لها كما يجب، فكذلك هؤلاء ما يبصرونه ويسمعونه لا يتحصل لهم منه علم على ما هو به حين أبصر وسمع، ثم حكم عليهم بأنهم {أضل} ، لأن الأنعام تلك هي بنيتها وخلقتها لا تقصر في شيء ولا لها سبيل إلى غير ذلك، وهؤلاء معدون للفهم وقد خلقت لهم قوى يصرفونها وأعطوا طرقاً في النظر فهم بغفلتهم وإعراضهم يلحقون أنفسهم بالأنعام فهم أضل على هذا، ثم بين بقوله: {أولئك هم الغافلون} الطريق الذي به صاروا أضل من الأنعام وهو الغفلة والتقصير. وقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى} الآيات، السبب في هذه الآية على ما روي، أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيذكر الله في قراءته ومرة يقرأ فيذكر الرحمن ونحو هذا فقال: محمد يزعم أن الإله واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة فنزلت هذه و {الأسماء} هنا بمعنى التسميات إجماعاً من المتأولين لا يمكن غيره، و {الحسنى} : مصدر وصف به، ويجوز أن تقدر {الحسنى} فعلى مؤنثه أحسن، فأفرد وصف جميع ما لا يعقل كما قال {أية : مآرب أخرى} تفسير : [طه:18] وكما قال {أية : يا جبال أوبي معه} تفسير : [سبأ:10] وهذا كثير، وحسن الأسماء إنما يتوجه بتحسين الشرع لإطلاقها، والنص عليها، وانضاف إلى ذلك أيضاً أنها إنما تضمنت معاني حساناً شريفة. واختلف الناس في الاسم الذي يقتضي مدحاً خالصاً ولا يتعلق به شبهة ولا اشتراك، إلا أنه لم ير منصوصاً هل يطلق ويسمى الله به؟ فنص ابن الباقلاني على جواز ذلك ونص أبو الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاء والجمهور على المنع، وهو الصواب أن لا يسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة ووقفت عليه أيضاً، فإن هذه الشريطة التي في جواز إطلاقه من أن تكون مدحاً خالصاً لا شبهة فيه ولا اشتراك أمر لا يحسنه إلا الأقل من أهل العلوم فإذا أبيح ذلك تسور عليه من يظن بنفسه الإحسان وهو لا يحسن فأدخل في أسماء الله ما لا يجوز إجماعاً، واختلف أيضاً في الأفعال التي في القرآن مثل قوله: {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة:15] {أية : ومكر الله} تفسير : [آل عمران:54] ونحو ذلك هل يطلق مها اسم الفاعل؟ فقالت فرقة: لا يطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يقال ذلك مقيداً بسببه فيقال: الله مستهزىء بالكافرين وماكر بالذين يمكرون بالدين، وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع إجماعاً، والقول الأول أقوى ولا ضرورة تدفع إلى القول الثاني لأن صيغة الفعل الواردة في كتاب الله تغني, ومن أسماء الله تعالى ما ورد في القرآن ومنها ما ورد في الحديث وتواتر، وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه، وقد ورد في الترمذي حديث عن أبي هريرة ونص فيه تسعة وتسعين اسماً، وفي بعضها شذوذ وذلك الحديث ليس بالمتواتر وإنما المتواتر منه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة" تفسير : ، ومعنى أحصاها عدها وحفظها وتضمن ذلك الإيمان بها والتعظيم لها والرغبة فيها والعبرة في معانيها، وهذا حديث البخاري، والمتحصل منه أن لله تعالى هذه الأسماء مباحاً إطلاقها وورد في بعض دعاء النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يا حنان يا منان" تفسير : ولم يقع هذا الاسمان في تسمية الترمذي. وقوله: {فادعوه بها} إباحة بإطلاقها، وقوله تعالى: {وذروا الذين} قال ابن زيد: معناه اتركوهم ولا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم، فالآية على هذا منسوخة بالقتال، وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى: {أية : ذرني ومن خلقت وحيداً} تفسير : [المدثر:11] وقوله: {أية : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا} تفسير : [الحجر:3] ويقال ألحد ولحد بمعنى جار ومال وانحرف، وألحد أشهر، ومنه قول الشاعر: [الرجز] شعر : ليس الإمام بالشحيحِ الملحِد تفسير : قال أبو علي: ولا يكاد يسمع لأحد وفي القرآن {أية : ومن يرد فيه بإلحاد} تفسير : [الحج:25] ومنه لحد القبر المائل إلى أحد شقيه، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر "يُلحِدون" بضم الياء وكسر الحاء وكذلك في النحل والسجدة، وقرأ حمزة الأحرف الثلاثة "يَلحَدون" بفتح الياء والحاء, وكذلك ابن وثاب وطلحة وعيسى والأعمش، ومعنى الإلحاد في أسماء الله عز وجل أن يسموا اللات نظيراً إلى اسم الله تعالى قاله ابن عباس: والعزى نظيراً إلى العزيز، قاله مجاهد، ويسمون الله رباً ويسمون أوثانهم أرباباً ونحو هذا، وقوله: {سيجزون ما كانوا يعملون} وعيد محض بعذاب الآخرة، وذهب الكسائي إلى الفرق بين ألحد ولحد وزعم أن ألحد بمعنى مال وانحرف ولحد بمعنى ركن وانضوى، قال الطبري: وكان الكسائي يقرأ جميع ما في القرآن بضم الياء وكسر الحاء إلا التي في النحل فإنه كان يقرؤها بفتح الياء والحاء ويزعم أنها بمعنى الركون وكذلك ذكر عنه أبوعلي.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ} عام، أو يراد به أولاد الزنا، لمسارعتهم إلى الكفر لخبث نطفهم. {لاَّ يَفْقَهُونَ} الحق بقلوبهم و {لاَّ يُبْصِروُنَ} الرشد بأعينهم، و {لاَّ يَسْمَعُونَ} الوعظ بآذانهم. {كَالأَنْعَامِ} همهم الأكل والشرب، أو لا يعقلون الوعظ. {هُمْ أَضَلُّ} لعصيانهم، أو لتوجه الأمر إليهم دونها.
الخازن
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {ولقد ذرأنا} يعني خلقنا {لجهنم كثيراً من الجن والإنس} أخبر الله سبحانه وتعالى أنه خلق كثيراً من الجن والإنس للنار وهم الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ومن خلقه الله للنار فلا حيلة له في الخلاص منها. واستدل البغوي على صحة هذا التأويل بما رواه عن عائشة قال: حديث : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت: يا رسول الله طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال "أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم"تفسير : أخرجه مسلم. قال الشيخ محيي الدين النووي في شرح مسلم: أجمع من يعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة لأنه ليس مكلفاً وتوقف فيهم بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا. وأجاب العلماء عنه بأنه لعله صلى الله عليه وسلم نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع كما حديث : أنكر على سعد بن أبي وقاص لفظة "إني لأراه مؤمناً فقال: أو مسلماً"تفسير : الحديث، ويحتمل أن صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم ذلك قال به، وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب قال الأكثرون: هم في النار تبعاً لآبائهم وتوقف طائفة فيهم والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ويستدل له بأشياء منها حديث : خبر إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وحوله أولاد الناس فقالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: "وأولاد المشركين"تفسير : . رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله سبحانه وتعالى: {أية : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً}تفسير : [الإِسراء: 15] ولا يتوجه على المولود التكليف ولا يلزمه قبول قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه والله أعلم. وفي الآية دليل وحجة واضحة لمذهب أهل السنة في أن الله خالق أعمال العباد جميعها خيرها وشرها وأن الله سبحانه وتعالى بيّن بصريح اللفظ أنه خلق كثيراً من الجن والإنس للنار ولا تزيد على بيان الله عز وجل لأن العاقل لا يختار لنفسه دخول النار فلما عمل بما يوجب دخول النار به علم أنه له من يضطره إلى ذلك العمل الواجب إلى دخول النار وهو الله عز وجل، وقيل: اللام في جهنم للعاقبة أي عاقبتهم جهنم، ثم وصفهم فقال تعالى: {لهم قلوب لا يفقهون بها} يعني: لا يفهمون بها ولا يعقلون بها وأصل الفقه في اللغة الفهم والعلم بالشيء ثم صار علماً على اسم العلم في الدين لشرفه على غيره من العلوم يقال: فقه الرجل يفقه فهو فقيه إذا فهم ومعنى الآية لهم قلوب لا يتفكرون بها في آيات الله ولا يتدبرونها ولا يعلمون بها الخير والهدى لإعراضهم عن الحق وتركهم قبوله {ولهم أعين لا يبصرون بها} يعني لا يبصرون بها طريق الحق والهدى ولا ينظرون بها في آيات الله وأدلة توحيده {ولهم آذان لا يسمعون بها} يعني لا يسمعون آيات القرآن ومواعظه فيعتبرون بها، قال أهل المعاني: إن الكفار لهم قلوب يفقهون بها مصالحهم المتعلقة بالدنيا ولهم أعين يبصرون بها المرئيات وآذان يسمعون بها الكلمات وهذا لا يشك فيه. ولما وصفهم الله عز وجل بأنهم لا يفقهون ولا يبصرون ولا يسمعون مع وجود هذه الحواس الدراكة علم بذلك أن المراد بذلك يرجع إلى مصالح الدين وما فيه نفعهم في الآخرة وحاصل هذا الكلام أنهم مع وجود هذه الحواس لا ينتفعون بها فيما ينفعهم في أمور الدين والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له ومنه قول الشاعر: شعر : وعوراء الكلام صمت عنها وإني إن أشاء بها سميع تفسير : فإنه أثبت له صمماً مع وجود السمع. قال مجاهد: لهم قلوب لا يفقهون بها شيئاً من أمر الآخرة ولهم أعين لا يبصرون بها الهدى ولهم آذان لا يسمعون بها الحق. ثم ضرب لهم مثلاً فقال سبحانه وتعالى: {أولئك كالأنعام} يعني أن الذين ذرأهم لجهنم وهم الذين حقَّت عليهم الكلمة الأزلية كالأنعام وهي البهائم التي لا تفهم ولا تعقل وذلك لأن الإنسان وسائر الحيوانات مشتركون في هذه الحواس الثلاثة التي هي القلب والبصر والسمع. وإنما فضّل الإنسان على سائر الحيوانات بالعقل والإدراك والفهم المؤدي إلى معرفة الحق من الباطل والخير والشر فإذا كان الكافر لا يعرف ذلك ولا يدركه فلا فرق بينه وبين الأنعام التي لا تدرك شيئاً ثم قال تعالى: {بل هم أضل} يعني: بل إن الكفار أضلّ من الأنعام لأن الأنعام تعرف ما يضرها وما ينفعها والكافر لا يعرف ذلك فصار أضل من الأنعام ولأن الأنعام لم تعطَ القوة الفعلية والإنسان قد أعطيها فإذا لم يستعملها فيما ينفعه صار أحسن حالاً من الأنعام. وقيل: إن الأنعام مطيعه لله عز وجل والكافر غير مطيع لله عز وجل، فصارت الأنعام أفضل منه ثم قال تعالى: {أولئك هم الغافلون} يعني عن ضرب هذه الأمثال لهم. قوله سبحانه وتعالى: {ولله الأسماء الحسنى} قال مقاتل: إن رجلاً دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال بعض مشركي مكة قال ابن الجوزي: هو أبو جهل إن محمداً وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون رباً واحد فما بال هذا يدعو اثنين فأنزل الله هذه الآية {ولله الأسماء الحسنى} والحسنى تأنيث الأحسن، ومعنى الآية أن أسماء الله سبحانه وتعالى المقدسة كلها حسنى وليس المراد أن فيها ما ليس بحسن والمعنى أن الأسماء الحسنى ليس إلا لله لأن هذا اللفظ يفيد الحصر. وقيل إن الأسماء ألفاظ دالة على معان فهي إنما تحسن بمعانيها ولا معنى للحسن في حق الله تبارك وتعالى إلا ذكره بصفات الكمال ونعوت الجلال وهي محصورة في نوعين: أحدهما: عدم افتقاره إلى غيره. الثاني: افتقار غيره إليه وإنه هو المسمى بالأسماء الحسنى (ق). عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر"تفسير : وفي رواية "حديث : من أحصاها"تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : لله تسعة وتسعون اسماً من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر"تفسير : وفي رواية "حديث : من أحصاها"تفسير : وفي رواية أخرى "حديث : لله تسعة وتسعون اسماً مائة إلا واحداً لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر"تفسير : قال البخاري: أحصاها حفظها. وفي رواية عن الترمذي قال: قال رسول الله "حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيّوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المعدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالي البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور"تفسير : قال الترمذي: حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث قال وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء التي في هذا الحديث. قال ابن الأثير: وفي رواية ذكرها رزين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون فقال:"حديث : إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً"تفسير : الحديث. قال الشيخ محيي الدين النووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وإنما المقصود من الحديث أن هذه التسعة والتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء ولهذا جاء في الحديث الآخر "حديث : أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"تفسير : وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربي المالكي عن بعضهم أن لله ألف اسم. قال ابن العربي: وهذا قليل. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أحصاها دخل الجنة"تفسير : تقدم فيه قول البخاري أن معناه حفظها وهو قول أكثر المحققين ويعضده الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة. وقيل: المراد من الإحصاء العدد أي عدها في الدعاء بها. وقيل معناه من أطاقها وأحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها وعمل بمقتضاها دخل الجنة وقيل معنى أحصاها أحضر بباله عند ذكرها معناه وتفكر في مدلولها معتبراً متدبراً ذاكراً راغباً راهباً معظماً لها ولمسماها ومقدساً لذات الله سبحانه وتعالى وأن يخطر بباله عند ذكر كل اسم الوصف الدال عليه، وقوله والله وتر يحب الوتر الوتر الفرد ومعناه في وصف الله تعالى أنه الواحد الذي لا شريك له ولا نظير فيه تفضيل الوتر في الأعمال لأن أكثر الطاعات وتر وفيه دليل على أن أشهر أسمائه سبحانه وتعالى الله لإضافة الأسماء إليه فيقال الرؤوف والكريم واللطيف من أسماء الله ولا يقال من أسماء الله الرؤوف والكريم واللطيف الله وقد قيل إن لفظة الله هو الاسم الأعظم. قال أبو القاسم القشيري: فيه دليل على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره وقد قال {أية : ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}تفسير : [الأَعراف: 180] وقال الإمام فخر الدين الرازي: دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لا تدل على أن أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء الجمع وهو يفيد الثلاثة فما فوقها فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضاً قوله سبحانه وتعالى: ولله الأسماء يقتضي إضافة الأسماء إلى الله وإضافة الشيء إلى نفسه محال. وقال غيره: الاسم عبارة عن اللفظ الدال على الشيء المسمى به فهو غيره. وقال أهل اللغة: إنما جعل الاسم تنويهاً على المعنى لأن المعنى تحت الاسم والتسمية غير الاسم لأن التسمية عبارة عن وضع اللفظ المعين لتعريف ذات الشيء والاسم عبارة عن تلك اللفظة المعينة والفرق ظاهر. قال العلماء: وكما يجب تنزيه الله عن جميع النقائص فكذلك يجب تنزيه أسمائه أيضاً وقوله سبحانه وتعالى: {فادعوه بها} يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنه يجوز أن يقال يا جواد ولا يجوز أن يقال يا سخي ويجوز أن يقال يا عالم ولا يجوز أن يقال يا عاقل ويجوز أن يقال يا حكيم ولا يجوز أن يقال يا طبيب وللدعاء شرائط منها أن يعرف الداعي معاني الأسماء التي يدعو بها ويستحضر في قلبه عظمة المدعوّ سبحانه وتعالى ويخلص النية في دعائه مع كثرة التعظيم والتبجيل والتقديس لله ويعزم المسألة مع رجاء الإجابة ويعترف الله سبحانه وتعالى بالربوبية وعلى نفسه بالعبودية فإذا فعل العبد ذلك عظم موضع الدعاء وكان له تأثير عظيم {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد والعدول عن الاستقامة. وقال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل في ما ليس منه يقال ألحد في الدين إلحاداً إذا عدل عنه ومال إلى غيره. قال المحققون: الإلحاد يقع في أسماء الله تعالى على وجوه: أحدها: إطلاق أسماء الله عز وجل على غيره وذلك أن المشركين سموا أصنامهم بالآلهة واشتقوا لها أسماء من أسماء الله تعالى فسموا اللات والعزى ومناة واشتقاق اللات من الإله والعزى من العزيز ومناة من المنان وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد. الوجه الثاني: وهو قول أهل المعاني أن الإلحاد في أسماء الله هو تسميته بما لم يسمّ به نفسه ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة لأن أسماء الله سبحانه وتعالى كلها توقيفية كما تقدم فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع بل ندعو الله بأسمائه التي وردت في الكتاب والسنة على وجه التعظيم. الوجه الثالث: مراعاة حسن الأدب في الدعاء فلا يجوز أن يقال يا ضارّ يا مانع يا خالق القردة على انفراد بل يقال يا ضار يا نافع يا خالق الخلق. الوجه الرابع: أن لا يسمي الله العبد باسم لا يعرف معناه فإنه ربما سماه باسم لا يليق إطلاقه على جلال الله سبحانه وتعالى ولا يجوز أن يسمى به لما فيه من الغرابة. وقوله سبحانه وتعالى: {سيجزون ما كانوا يعملون} يعني في الآخرة ففيه وعيد وتهديد لمن ألحد في أسماء الله عز وجل.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} الآية. اللام في [قوله] لجهنَّمَ يجوزُ فيها وجهان: أحدهما: أنَّها لامُ الصيرورة والعاقبة، وإنَّما احتاج هذا القائلُ إلى كونها لام العاقبة كقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] فهذه علةٌ معتبرةٌ محصورة، فكيف تكون هذه العلة أيضاً؟ وأورد من ذلك أيضاً قول الشاعر: [الوافر] شعر : 2628 - لِدُوا لِلْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرابِ ...................... تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2629 - ألاَ كُلُّ مَوْلُودٍ فَلِلْموتِ يُولَدُ ولَسْتُ أرَى حيًّا لِحَيٍّ يُخَلَّدُ تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 2630 - فَلِلْمَوتِ تَغْذُو الوَالِداتُ سخَالَهَا كَمَا لِخرابِ الدُّور تُبْنَى المَسَاكِن تفسير : الثاني: أنها للعلة، وذلك أنَّهُم لمَّا كان مآلهم إليها، جعل ذلك سبباً على طريق المجاز. وقد ردَّ ابنُ عطيَّة على من جعلها لامَ العاقبة، فقال: وليس هذا بصحيح ولام العاقبة إنَّما تُتَصَوَّرُ إذا كان فعل الفاعل لم يُقْصَدْ مصيرُ الأمر إليه، وأمَّا هنا فالفعلُ قُصِد به ما يصير الأمر إليه من سُكْناهم لجهنم واللاَّم على هذا متعلقة بـ ذَرَأنَا، ويجوز أن تتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حال من كَثِيراً؛ لأنه في الأصل صفة لها، لو تأخَّرَ، ولا حاجة إلى ادِّعاءِ قلب، وأنَّ الأصل: {ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ لِكثِيرٍ}؛ لأنَّهُ ضرورةٌ أو قليلٌ، و "مِنَ الجِنِّ" صفة لـ "كَثِيراً". فصل ومعنى {ذَرَأْنَا} خلقنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، أخبر الله تعالى أنه خلق كثيراً من الجن والإنس للنار، وهم الذينَ حقت عليهم الْكلمة الأزليَّة بالشّقاوة، ومن خلقه الله لجهنَّمَ، فلا حيلة له في الخَلاصِ منها. قالت عائشةُ: حديث : أدرك النّبيُّ صلى الله عليه وسلم جنازة صبيٍّ من صبيان الأنْصَار، فقالت عائشةُ له: طُوبى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الجَنَّةِ. فقال صلى الله عليه وسلم: وما يدريكِ؟ إنَّ الله خَلَقَ الجَنَّةَ وَخلَقَ لَهَا أَهْلاً وَهُمْ في أصْلابِ آبَائِهِمْ وخَلَقَ النَّارَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً وهُمْ في أَصْلابِ آبائِهِمْ . تفسير : فصل هذه الآية أيضاً تَدُلُّ على مسألة خلق الأعمالِ لأنَّهُ تعالى صرَّحَ بأنَّهُ خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد على بيان كلام اللَّهِ، وأيضاً أنه لمَّا أخبر عنهم أنَّهُم من أهل النَّارِ، فلو لم يكونوا من أهل النَّارِ انقلب علم اللَّهِ جهلاً، وخبره الصِّدق كذباً، وكل ذلك محال ومن علم كون الشَّيءِ محالاً امتنع أن يريدهُ، فامتنع أن الله تعالى يريد أن لا يدخلهم النار بل يجب أن يريد أن يدخلهم النار، وذلك هو الذي دَلَّ عليه لفظ الآية، وأيضاً إنَّ القادرَ على الكُفْرِ إن لم يقدر على الإيمان، فالذي خلق فيه القدرة على الكُفْرِ فقد أرادَ أن يدخله النار، وإن كان قادراً على الكفر والإيمان معاً؛ امتنع رجحان أحد الطَّرفين على الآخر لا لمرجح وذلك المرجح إن حصل من قبله لزم التسلسل، وإن حصل من قبل اللَّهِ تعالى، فهو المرادُ. فلمَّا كان هو الخالقُ للدَّاعية الموجبة للكفر فقد خلقه للنَّارِ قطعاً، وأيضاً: لو خلقه اللَّهُ تعالى للجنَّةِ وأعانه على اكتساب ما يوجب دخول الجنَّةِ، ثم قدرنا أنَّ العبد سعى في تحصيل الكُفْرِ الموجب لدُخُولِ النَّارِ، فحينئذٍ حصل مُرَادُ العبدِ، ولم يحصل مرادُ اللَّهِ تعالى فلزمَ كون العبد أقدر وأقوى من اللَّهِ، وذلك لا يقوله عاقلٌ، وأيضاً: إنَّ العاقلَ لا يريدُ الكُفْرَ والجهل الموجب لاستحقاق النار، وإنَّما يريدُ الإيمان والمعرفة الموجبة لاستحقاق الجنَّةِ فلما حصل الكفر، والجهل على خلاف قصد العبد وضد جدّه واجتهاده؛ وجب أن لا يكون حصوله من قبل العبد، بل يجبُ أن يكون حصوله من الله تعالى. فإن قيل: العبْدُ إنَّما سعى في تحصيل ذلك الاعتقاد الفَاسِد؛ لأنَّهُ اشتبه عليه الأمر وظن أنه الحقُّ الصَّحيحُ. فنقولُ: فعلى هذا التقدير إنَّما وقع في هذا الجَهْلِ لأجل ذلك الجَهْلِ المتقدِّم، فإن كان إقدامه على ذلك الجهل السَّابق لجهل آخر سابق، لزم التسلسل، وهو محال، وإن انتهى إلى جهل حصل ابتداء لا لسابقة جهل آخر، فقد توجه الإلزام. قالت المعتزلة: لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية ما ذكرتم، لأن كثيراً من الآيات دلت على أنه تعالى أراد من الكل الطاعة والعبادة. قال تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ أِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [النساء: 64] وقال: {أية : وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ}تفسير : [الفرقان: 50] وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [الحديد: 9]. وقال: {أية : وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [الحديد: 25]. وقال {أية : يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 10]. وقال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذاريات: 56] وأمثال هذه الآيات كثيرة. ونحن نعلم بالضَّرورة أنه لا يجوز وقوع التناقض في القرآن، فعلمنا أنَّه لا يُمْكنُ حَمْلُ قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} على ظاهره. الثاني: أنه تعالى قال بعدها: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} ذكر ذلك في معرض الذم لهم، ولو كانوا مخلوقين للنَّارِ ما كانُوا قادرين على الإيمان ألبتة وعلى هذا: فيقبح ذمُّهُم على تركِ الإيمان. الثالث: أنَّه تعالى لو خلقهم للنَّارِ لما كان له على أحد من الكُفَّارِ نعمة أصلاً؛ لأنَّ منافع الدُّنيا بالنسبة إلى العذاب الدائم، كالقطرة في البحر، وكان كمن دفع إلى إنسان حلوى مسمومة فإنَّه لا يكون منعماً عليه، فكذا ههنا، ولمَّا كان القرآن مملُوءاً من كثرة نعم الله على كل الخَلْق علمنا أنَّ الأمر ليس كما ذكرتم. الرابع: أنَّ المَدْحَ والذَّمَّ، والثَّواب والعقاب، والترغيب والترهيب، يبطل هذا المذهب الذي ينصرونه. الخامس: لو خلقهم للنَّارِ، لوجب أن يخلقهم ابتداء في النَّارِ؛ لأنَّه لا فائدة في أن يستدرجهم إلى النار بخلق الكفر فيهم. السادس: أن قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ} متروك الظَّاهر، لأنَّ جهنَّم اسم للموضع المعين، ولا يجوز أن يكون الموضع المعيَّن مراداً منه، فثبت أنه لا بد وأن يقال: إن ما أراد الله لخلقه منهم محذوف. وكأنَّهُ قال: ولقد ذَرَأنَا لكي يكفروا، فيدخلوا جهنم، فصارت الآية متروكة الظَّاهر، فيجب بناؤها على قوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ}تفسير : [الذاريات: 56] لأن ظاهرها يصح بدون حذف. السابع: أنه إذا كان المرادُ أنَّهُ ذرأهم لكي يكفروا، فيصيروا إلى جهنم، عاد الأمر في تأويلهم إلى أن هذه اللاَّم لام العاقبة، لكنهم يجعلونها للعاقبة مع أنَّهُ لا استحقاق للنَّار ونحن قد تأولناها على عاقبة حاصلة مع استحقاق النار. فكان قولنا أولى. فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على ظاهرها، فوجب المصير إلى التأويل، وتقريره: أنه لما كانت عاقبة كثير من الجن والإنس هي دخول النَّارِ. جاز ذكر هذه اللاَّم بمعنى العاقبة. ولهذا نظائر كثيرة في القرآن والشِّعر. أمَّا القرآنُ فقوله تعالى: {أية : وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ}تفسير : [الأنعام: 105] ومعلوم أنه تعالى ما صرفها ليقولوا ذلك؛ لكنَّهم لمَّا قالُوا ذلك حسن ورود هذا اللفظ. وقال تعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ}تفسير : [يونس: 88]. وقال: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً}تفسير : [القصص: 8]. ولم يلتقط لهذا الغرض، إلاَّ أنه لمَّا كانت عاقبة أمرهم ذلك حسن هذا اللفظ. وأما الشعر فقوله: [الطويل] شعر : 2631 - ولِلْمَوْتِ تَغْذُو الوالِدَاتُ سِخَالَهَا كَمَا لِخَرابِ الدُّور تُبْنَى المَسَاكِنُ تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 2632 - أمْوالُنَا لِذَوي الميراثِ نَجْمَعُهَا ودُورنا لِخرابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا تفسير : وقال: [الوافر] شعر : 2633 - لَه مَلكٌ يُنَادِي كُلَّ يَوْمٍ لِدُوا للْمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ تفسير : وقال: [المتقارب] شعر : 2634 - فأُمَّ سِمَاكٍ فلا تَجْزَعِي فَلِلموتِ ما تَلِدُ الوالِدَهْ تفسير : هذا منتهى كلام المعتزلة. واعلم أنَّ المصير إلى التَّأويل إنَّما يَحْسُنُ إذا ثبت بالدَّليلِ العقليِّ امتناع حمل هذا اللَّفْظِ على ظاهره، وقد بيَّنَّا بالدليل العقليِّ أن الحقَّ ما دل عليه ظاهر اللفظ، فصار التَّأويل ههنا عبثاً، وأمَّ الآياتُ التي تمسكوا بها فمعارضة بالبحار الزاخرة من الآيات الدالة على مذهب أهل السُّنَّةِ، ومن جملتها ما قبل هذه الآية: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 178] وما بعدها، وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} ولمَّا كان ما قبل هذه الآية وما بعدها ليس إلاَّ ما يُقوي قولنا كان تأويل المعتزلة في هذه الآية ضعيفاً جداً. قوله: "لَهُمْ قُلُوبٌ" جملة في محلِّ نصب إمَّا صفةً لـ "كثيراً" أيضاً، وإمَّا حالاً من: "كثيراً" وإن كان نكرة لتخَصُّصه بالوصفِ، أو من الضمير المستكن في مِنَ الجِنِّ؛ لأنَّهُ تحمل ضميراً، لوقوعه صفة، ويجوز أن يكون لَهُمْ على حدته هو الوَصْفُ، أو الحالُ، وقُلُوبٌ فاعل به فيكون من باب الوصف بالمفرد، وهو أولى. وقوله: "لا يَفْقَهُونَ بِهَا" وكذلك الجملةُ المنفيَّة في محلِّ النَّعْتِ لما قبلها، وهذا الوصفُ يكادُ يكونُ لازماً، لوروده في غير القرآن؛ لأنَّهُ لا فائدة بدونه؛ لو قلت: لزيد قَلْبٌ وله عَيْنٌ، وسَكَتَّ لم يظهر لذلك كبير فائدة. فصل المعنى: لَهُمْ قلوبٌ لا يعلمون بها الخير والهدى، ولهُم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بها طريق الحق، ولهُمْ آذانٌ لا يسمعُون بها مواعظ القرآن فيتفكرون فيها ويعتبرون. ثم ضرب لهم مثلاً في الجَهْلِ والاقتصار على الأكل والشرب، فقال: {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} أي: أنَّ همتهم الأكل والشُّرب والتمتع بالشَّهواتِ {بَلْ هُمْ أَضَلُّ}؛ لأنَّ الأنعام تُميز بين المضار والمنافع فلا تقدمُ على المضار، وهؤلاء يقدمون بالشهوات على النَّار معاندةً مع العلم بالهلاك. وقيل: لأنَّ الأنعام مطيعة للَّهِ تعالى والكافر غير مطيع. وقال مقاتلٌ: هم أخطأ طريقاً من الأنعام؛ لأنَّ الأنعام تعرفُ ربَّها، وهم لا يعرفون ربُّهم ولا يذكرونه. وقيل: لأنَّها تفر إلى أربابها ومن يقوم بمصالحها، والكافِرُ يهرب عن ربِّه الذي أنعم عليه. وقيل: لأنَّهَا تضل إذا لم يكن معها مرشد، فإن كان معها مرشد فقلما تضلُّ، وهؤلاء الكفار قد جاءهم الأنبياء وهم يزدادون في الضلال: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}. فصل دلَّت الآيةُ على أنَّهُ تعالى كلَّفهم مع أن قلوبهم، وأبصارهم، وأسماعهم ما كانت صالحةً لذلك، وهو يجري مجرى المنع عن الشيء والصَّد عنه مع الأمر به. قالت المعتزلةُ: لو كانوا كذلك لقبح من الله تكليفهم؛ لأن تكليف من لا قُدْرَةَ له على الفعل قبيحٌ لا يليق بالحكيم؛ فوجب حمل الآية على أنَّ المرادَ منه كثرة الإعراض عن الدَّلائلِ وعدم الالتفات إليها، فأشْبَهُوا من لا قَلْبَ له فاهم ولا عين باصرة ولا أذن سامعة. وأجيبُوا بأنَّ الإنسان إذا تأكدت نُفْرتُهُ عن شيء صارت تلك النُّفرة المتأكدة الراسخة مانعة له عن فهم الكلام الدَّال على صحَّة الشيء، ومانعة عن إبصار محاسنه وفضائله وهذه حالة وجدانية ضرورية يجدُها كلُّ أحدٍ من نفسه. ولهذا قالوا في المثل: حُبُّكَ للشَّيءِ يُعْمِي ويُصِمُّ. وإذا ثبت هذا فنقول: إن أقواماً من الكُفَّارِ بلغوا في عداوة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وفي بغضِهِ وشدَّةِ النُّفرةِ عن قبول دينه والاعتراف برسالته هذا المبلغ وأقوى منه والعلمُ الضروريُّ حاصلٌ بأنَّ حصول الحُبِّ والبُغْض في القلب ليس باختيارِ أحدٍ. وإذا ثبت أنَّهُ متى حصلت هذه النُّفرة والعداوةُ في القلب، فإنَّ الإنسان لا يمكنه مع تلك النُّفرة الراسخة والعداوة الشديدة تحصيل الفهم والعلم، فإذا كان كذلك كان القولُ بالجبر لا محيص عنهُ. فصل وقد أورد الغزالي في الإحياء سؤالاً، فقال: فإن قيل: إني أجد من نفسي أنَّي إن شئت الفعل فعلت، وإن شئت الترك تركت، فيكون فعلي حاصلاً بي لا بغيري. ثم أجاب وقال: هَبْ أنَّكَ وجدت من نفسك ذلك إلاَّ أنَّا نقول: وهل تجد من نفسك أنك إن شئت أن تشاء شيئاً شئته، وإن شئت أن لا تشاء [لم تشأه]، ما أظنك أن تقول ذلك وإلاَّ لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له؛ بل شِئْتَ أو لمْ تَشَأ فإنَّك تشاء ذلك الشيء وإذا شئته فشئت أو لم تشأ فعلته؛ فلا مشيئتك به ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك فالإنسان مضطر في صورة مختار. واسْتَدَلُّوا بهذه الآية على أنَّ محل العلم هو القلب؛ لأنَّهُ تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذَّم. قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} الآية. وهذا كالتَّنبيه على أنَّ الموجب لدخولهم جهنم هو الغفلة عن ذكر الله. واعلم أنَّ قوله: {وَلِلَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} مذكورٌ في أربع سور: أولها: هذه السُّورة. وثانيها: آخر الإسراء {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الإسراء: 110]. وثالثها: أول طه: {أية : ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [طه: 8]. ورابعها: آخر الحشر {أية : لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الحشر: 24]. والحسنى فيها قولان، أظهرهما: أنها تأنيث: "أحْسَن" والجمع المكسَّرُ لغير العاقل يجوزُ أن يُوصفَ به المؤنث نحو: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18] ولو طوبق به لكان التَّركيب "الحَسَن" كقوله: {أية : مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}تفسير : [البقرة: 184]. والثاني: أنَّ "الحُسْنَى" مصدر على "فُعْلَى" كالرُّجْعَى، والبُقْيَا. قال: [الوافر] شعر : 2635 - ولا يَجْزُونَ مِنْ حُسْنَى بِسُوءٍ ............................ تفسير : والأسماءُ هنا: الألفاظُ الدَّالَّةُ على الباري تعالى كـ: اللَّه والرَّحمن. قال القرطبي: وسمَّى اللَّهُ أسماءَهُ بالحسنى؛ لأنَّها حسنةٌ في الأسماعِ والقلوب؛ فإنَّهَا تدلُّ على توحده وكرمه وجُودِهِ ورحمته وإفضاله. وقال ابن عطية المرادُ بِهَا التَّسْمِياتُ إجماعاً من المتأولين لا يمكنُ غيره. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ التسمية مصدرٌ، والمصدر لا يُدْعى به على كلا القولين في تفسير الدعاء، وذلك أنَّ معنى فادْعُوهُ نادوه بها، كقولهم: يا الله، يا رحمن، يا ذا الجلال والإكرام، اغفر لنا. وقيل: سموهُ بها كقولك: سَمَّيْتُ ابني بزَيْدٍ، والآية دَالَّةٌ على أنَّ لله تعالى أسماء حسنة وأنَّ الإنسان لا يدعو الله إلاَّ بها، وأنَّها توقيفية لا اصطلاحيَّة؛ لأنَّهُ يجوز أن يقال: يا جوَّاد ولا يجوز أن يقال: يا سخي، ويجوز أن يقال: يا عالم، ولا يجوز أن يقال: يا فقيه، يا عاقل يا طبيبُ. وقال تعالى: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ}تفسير : [النساء: 142]. وقال: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران: 54] ولا يقال في الدُّعاء: يا مخادع يا مَكَّارُ. روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتسعينَ اسْماً مائَةً إلاَّ واحداً من أحْصَاهَا دَخَلَ الجنَّة"."حديث : إنَّهُ وترٌ يحبُّ الوتْرَ " تفسير : قوله: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ} قرأ حمزة هنا، وفي النَّحل، وحم السجدة يَلْحَدُونَ بفتح الياءِ والحاء من "لَحَدَ" ثلاثياً، والباقون بضم الياءِ وكسر الحاء، من "ألحَدَ". فقيل هما بمعنى واحد وهو: المَيْل والانحراف، ومنه: لَحْد القبر؛ لأنَّهُ يُمَال بحفرة إلى جانبه، بخلاف الضَّريحِ؛ فإنَّه يُحْفَرُ في وسطه. ومن كلامهم، ما فعل الواحدُ؟ قالوا: لَحَدَهُ اللاَّحد، وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابنُ السِّكيت وقال: هما العدول عن الحقِّ، وألحد: أكثر استعمالاً من "لَحَدَ"؛ قال: [الرجز] شعر : 2636 - لَيْسَ الإمَامُ بالشَّحِيحِ المُلْحِدِ تفسير : وقال غيره: "لَحَدَ: بمعنى: رَكَنَ وانضوى، وألْحَدَ، مالَ وانْحَرَفَ" قاله الكسائي ونُقل عنه أيضاً: ألْحَدَ: أعرضَ، ولحد: مال. قالوا: ولهذا وافق حمزة في النَّحْلِ إذ معناه: يميلون إليه. وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: "ألْحَدَ: مارَى وجادل، ولحد: حَادَ ومَالَ". فصل ورُجِّحَت قراءةُ العامَّةُ بالإجماع على قوله: {أية : بِإِلْحَادٍ}تفسير : [الحج: 25]. وقال الواحديُّ: ولا يكادُ يُسْمع من العرب لاحد، يعني: فامتناعهم من مجيء اسم فاعل الثلاثي يدلُّ على قلَّته وقد تقدم من كلامهم "لَحَدَهُ اللاَّحِدُ". ومعنى الإلحاد فيها أن اشتقُّوا منها أسماءً لآلهتهم فيقولون "اللاَّت" من لفظ الله، و "العزَّى" من لفظ العزيز، و "مناة" من لفظ المنَّان، ويجوز أن يراد سمَّوه بما لا يليق بجلاله، مثل تسميته أباً للمسيح، وكقول النصارى: أب، وابن، وروح القدس. ثم قال: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وهذا تهديد ووعيدٌ لمن ألحد في أسماء اللَّهِ. قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} الآية. "مَنْ" يجوز أن تكون موصولة أو نكرة موصوفة، و "يَهْدُونَ" صفة لـ "أمَّةٌ". وقال بعضهم: في الكلام حذفٌ تقديره: وممَّن خلقنا للجنَّةِ، يدلُّ على ذلك ما ثبت لمقابلهم وهو قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ}. فصل المرادُ بالأمة العلماء. قال عطاء عن ابن عبَّاسٍ: يريدُ أمَّة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون والأنصار والتَّابعون لهم بإحسان. وقال قتادة: حديث : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال: "هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها": {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 159]. وقال معاوية: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : لا تزالُ مِنْ أمَّتِي أمَّةٌ قائمةٌ بأمْرِ الله لا يَضُرُّهمْ من خذلَهُمْ ولا من خالفَهُمْ حتَّى يأتيَ أمْرُ اللَّهِ وهُمْ على ذلِكَ ". تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} الآية. والذين فيه وجهان: أظهرهما: أنَّهُ مبتدأ، وخبره الجملة الاستقبالية بعده. والثاني: أنَّه منصوب على الاشتغال بفعلٍ مقدَّرٍ تقديره: سنستدرج الذين كذَّبُوا، والاستدراج التقريبُ منزلةً منزلةً، والأخذ قليلاً قليلاً من الدَّرج؛ لأنَّ الصَّاعد يَرْقَى درجة درجة وكذلك النَّازل. وقيل: هو مأخوذٌ من الدَّرْج وهو الطيُّ، ومنه دَرَجَ الثَّوب، طَوَاهُ، ودرج الميِّت مثله، والمعنى: تُطوى آجَالهُمْ. وقرأ النخعي وابنُ وثَّابٍ: سَيَسْتدْرِجُهُم بالياءِ، فيحتملُ أن يكون الفاعلُ الباري تعالى وهو التفاتٌ من المتكلم إلى الغيبة، وأن يكون الفاعلُ ضمير التكذيب المفهوم من قوله: "كَذَّبوا"؛ وقال الأعشى في الاستدراج: [الطويل] شعر : 2637 - فَلَوْ كُنْتَ فِي جُبٍّ ثمانينَ قَامَةً ورُقِّيتَ أسْبَابَ السَّماءِ بسُلَّم لَيَسْتَدْرِجَنْكَ القَوْلُ حتَّى تَهِرَّهُ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكُمُ غَيْرُ مُفْحَمِ تفسير : فصل ويقال: درج الصَّبيُّ: إذا قارب بين خطاه، ودرج القومُ: مات بعضهم إثْرَ بعض. فصل لمَّا ذكر حال الأمة الهادية العادلة، أعاد ذكر المكذبين بآيات الله تعالى فقال: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} وهذا يعمُّ كل مكذب، وعن ابنِ عبَّاسٍ: المرادُ أهل مكة، وهو بعيد. وقال عطاءٌ: سنمكر بهم، وقيل: نأتيهم من مأمنهم كقوله: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ}تفسير : [الحشر: 2]. وقال الكلبيُّ: نُزين لهم أعمالهم لتهلكهم. وقال الضَّحَّاكُ كُلَّما جَدَّدُوا معصيةً جَدَّدْنَا نعمة. وقال سُفيانُ الثَّوري: نُسْبغُ عليهم النِّعم ثم نَسْلُبُهُم الشُّكْرَ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلمُون ما يراد بهم، ثمَّ يأخذهم اللَّهُ دفعة واحدة على غرَّتِهِمْ أغفل ما يكون ولهذا قال عمرُ بنُ الخطابِ - رضي الله عنه - لمَّا حُمِلَ إليه كنوز كسرى اللَّهُمَّ إني أعوذ بك أن أكُونَ مستدرجاً، فإني سمعتك تقولُ: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}. قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ} جوَّز أبُو البقاءِ فيه أن يكون خبر مبتدأ مضمرٍ، أي: وأنَا أمْلِي وأن يكونا مستأنفاً، وأن يكون معطوفاً على سَنَسْتَدْرجُ، وفيه نظر: إذ كان من الفصاحة لو كان كذا لكان ونُمْلِي بنون العظمة. ويجوزُ أن يكون هذا قريباً من الالتفات والإملاء: الإمهالُ والتطويل، والمتين: القويُّ، ومنه المَتْنُ وهو الوسط؛ لأنَّه أقْوَى ما في الحيوان، وقد مَتُنَ يَمْتُنُ مَتَانَةً أي: قَوِيَ. وقرأ العامَّةُ إنَّ كَيْدِي بالكسر على الاسئناف المُشْعر بالعليَّة. وقرأ ابنُ عامرٍ في رواية عبد الحميد أنَّ كَيْدِي بفتح الهمزةِ على العلَّةِ. والمَلِيُّ: زمان طويل من الدَّهْرِ، ومنه قوله: {أية : وَٱهْجُرْنِي مَلِيّاً}تفسير : [مريم: 46] أي: طويلاً والمعنى: أطيل لهم مدة أعمارهم ليتمادوا في المعاصي، ولا أعاجلهم في العقوبة، ليقلعوا عن المعصية بالتَّوبةِ. وقوله: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} قال ابنُ عباسٍ: يريد: إنَّ مكري شديدٌ.
البقاعي
تفسير : ولما انقضت هذه القصص فأسفرت عن أن أكثر الخلق هالك، صرح بذلك فقال مقسماً لأنه لا يكاد يصدق أن الإنسان يكون - أضل من البهائم،عاطفاً على ما تقديره: هؤلاء الذين قصصنا عليكم أخباركم ذرأناهم لجهنم: {ولقد} وعزتنا وجلالنا {ذرأنا} أي خلقنا بعظمتنا وأنشأنا وبثثنا ونشرنا {لجهنم كثيراً} أي وألجأناهم إليها ولم يجعل بينهم وبينها حائلاً. ولما كانوا يعظمون الجن ويخافونهم ويضلون بهم، بدأ بهم فقال: {من الجن} أي بنصبهم أنفسهم آلهة بإضلالهم الإنس في تزيين عبادتهم غير الله، فهم في الحقيقة المعبودون لا الحجارة، ونحوها {والإنس} أي بعبادتهم لمن لا يصلح، وعلم أن الآية صالحة لأن تكون معطوفة على الجملة التي قبلها فهي من فذلكة ما تقدم. ولما كان كأنه قيل: ما لهم رضوا لأنفسهم بطريق جهنم؟ قيل: {لهم} ولما كان السياق للتفكر، بدأ بالقلوب فقال: {قلوب لا يفقهون بها} أي الفقه الذي كلفوا به، وهو النظر في أدلة التوحيد وثبوت النبوة وما تفرغ عن ذلك، وهو الفقه المسعد، عد غيره عدماً لأنه لم ينفعهم النفع المقصود في الحقيقة، وما أحسن التعبير بالفقه في السياق إقامه الأدلة التي منها إرسال الرسل وإنزال الكتب. ولما كان البصر أعم من السمع، لأنه ينتفع به الصغير الذي لا يفهم القول، وكذا كل من في حكمه، قدمه فقال: {ولهم أعين} ولما لم يترتب عليهما الإبصار النافع في الآخرة الباقية، نفى إبصارهم وإن كانوا أحدّ الناس إبصاراً فقال: {لا يبصرون بها} أي الآيات المرئية إبصار تفكر واعتبار {ولهم آذان} ولما لم يترتب على سمعها ما ينفعهم، نفاه على نحو ما مضى فقال: {لا يسمعون بها} أي الآيات المسموعة وما يدل عليها سماع ادكار وافتكار، ولما سلبت عنهم هذه المعاني كانت النتيجة: {أولئك} أي البعداء من المعاني الإنسانية {كالأنعام} أي في عدم الفقه، ولما كانوا قد زادوا على ذلك تفقد نفع السمع والبصر قال: {بل هم أضل} لأنهم إما معاند وإما جاهل بما يضره وينفعه، والأنعام تهرب إذا سمعت صوتاً منكراً فرأت بعينها أنه يترتب عليه ضرها، وتنتظر ما ينفعها من الماء والمرعى فتقصده، والأنعام لا قدرة لها على ما يترتب على هذه المدارك من الفقه. وهؤلاء مع قدرتهم على ذلك أهملوه فنزلوا عن رتبتها درجة كما أن من طلب الكمال وسعى له سعيه مع نزاع الشهوات علا عن درجة الملائكة بما قاسى من الجهاد. ولما تشاركوا الأنعام بهذه في الغفلة وزادوا عليها، أنتج ذلك قطعاً على طريق الحصر: {أولئك} أي البعداء البغضاء {هم } أي خاصة {الغافلون*} لا الأنعام، فإنها - وإن كانت غافلة عما يراد بها - غير خالدة في العذاب، فلم تشاركهم في العمى والصمم عما ينفعها ولا في الغفلة عن الخسارة الدائمة، فقد أشارت الآية إلى تفضيل الإنسان على الملك كما اقتضته سورة الزيتون، لأنه جعل في خلقه وسطاً بين الملك الذي هو عقل صرف والحيوان الذي هو شهوة مجردة، فإن غلب عقله كان أعلى بما عالجه من جهاد الشهوات فكان في{أية : أحسن تقويم}تفسير : [التين: 5] وإن غلبت شهوته كان اسفل من الحيوان بما أضاع من عقله فكان{أية : أسفل سافلين} تفسير : [التين: 5]. ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ منها، عطف عليه دفعاً لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم ما لا يليق، وتنبيهاً على أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر الله ودعائه - قوله: {ولله} أي الملك الأعلى المحيط بجميع صفات الكمال وحده {الأسماء} ولما كان الاسم إذا لحظت فيه المناسبة كان بمعنى الصفة، أنث في قوله {الحسنى} أي كلها باتصافه دون غيره بصفات الكمال التي كل واحدة منها أحسن شيء وأجمله وتنزهه عن شوائب النقص وسمات الحدث، فكل أفعاله حكمة وإنما كان مختصاً بذلك لأن الأشياء غيره ممكنه لتغيرها، وكل ممكن محتاج وأدنى ما يحتاج إلى مرجح يرجح وجوده، وبذلك نعلم وجود المرجح ونعلم أن ترجيحه على سبيل الصحة والاختيار لا الوجوب، وإلا لدام العالم بدوامه، وبذلك ثبتت قدرته، وتكون أفعاله محمكه ثبت علمه فثبتت حياته وسمعه وبصره وكلامه وإرادته ووحدانيته، وإلا لوقع التنازع فوقع الخلل، فالعلم بصفاته العلى ليس في درجة واحدة بل مترتباً، وعلم بهذا أن الكمال له لذاته، وأما غيره فكماله به وهو بذاته غرق في بحر الفناء واقع في حضيض النقصان {فادعوه} أي فصفوه وسموه واسألوه {بها} لتنجوا من جهنم وتنالوا كل ما تحمد عاقبته، فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله أقبل على الدنيا وشهواتها فوقع في نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال في رغبة إلى رغبة حتى لا يبقى له مخلص، وإذا أقبل على الذكر تخلص عن نيران الآفات واستشعر بمعرفة الله حتى تخلص من رق الشهوات فيصير حراً فيسعد بجميع المرادات، وكثرة الأسماء لا تقدح في التوحيد بل تدل على عظيم المسمى {وذروا} أي اتركوا على حالة ذرية {الذين يلحدون} أي يميلون عما حد لهم بزيادة فيشبهوا أو نقص فيعطوا {في أسمائه} أي فيطلقونها على غيره بأن يسموه إلهاً، فيلزمهم أن يطلقوا عليه جميع أوصاف الإله. فقد ألحدوا في البعض بالفعل وفي الباقي باللزوم، أو بأن يسموه بما لم يأذن فيه، وما لم يأذن فيه تارة يكون مأذوناً فيه في الجملة كالضار فلا يجوز ذكره إلا مع النافع، وتارة لا، مثل إطلاق الأب عليه والجسم، وكذا كل ما أوهم نقصاً، فلم يكن أحسن، ولورود إطلاق بعض اشتقاقاته عليه مثل علم لا يجوز أن يقال لأجله:معلم، وكذا لحبهم لا يجوز لأجله أن يقال: ياخالق الديدان والقردة مثلاً، وكذا لا يجوز أن يذكر اسم لا يعرف الذاكر معناه ولو كان الناس يفهمون منه مدحاً كما يقول البعض البدو: يا أبيض الوجه! يا أبا المكارم! فإن ذلك كله إلحاد، وهذا الفعل يستعمل مجرداً فيقال: لحد في كذا وألحد فيه - بمعنى واحد، وهو العدول عن الحق والإدخال فيه ما ليس منه - نقله أبو حيان عن ابن السكيت؛ وقال الإمام أبو القاسم علي بن جعفر بن القطاع في كتاب الأفعال: لحد الميت لحداً وألحده: شق له القبر، وإلى الشيء وعنه وفي الدين: مال، وقرئ بهما كذلك. ولما كان كأنه قيل: فما يفعل بمن ألحد؟ وكان المرهب إيقاع الجزاء،لا كونه من معين، قال بانياً للمفعول: {سيجزون} أي في الدنيا والآخرة بوعد لا خلف فيه {ما كانوا} أي بجبلاتهم {يعملون*} أي فيفعل بهم من أنواع الإهانة والعقوبة ما يوجب وصفهم بأقبح الأوصاف ضد ما كانوا يسمعونه في الدنيا ممن يدانيهم. ولما أخبر تعالى عن ذرء جهنم من القبلتين، تشوف السامع إلى معرفة حال الباقين منهما، فقال مصرحاً بالخبر عنهم عاطفاً على {ولقد ذرأنا} [الأعراف: 179] مشيراً بمن التبعيضية إلى قتلهم تصديقاً لقوله{أية : وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين }تفسير : [الأعراف: 102] {وممن خلقنا} أي بما لنا من العظمة {أمة} أي جماعة عرفت من هو أهل لأن يؤم ويهتدى به فقصدته فاقتبست من أنواره فصارت هي أهلاً لأن تقصد ويؤتم بها. ولما أفهم لفظ الأمه هذا صرح به في قوله: {يهدون بالحق} أي الثابت الذي يطابقه الواقع {وبه} أي الحق خاصة {يعدلون*} أي يجعلون الأمور متعادلة، لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص، لأنا وفقناهم فكشفنا عن بصائرهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك، قال أكثر المفسرين: هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ورواه بعضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبهم الأمر بعد تعيين قوم موسى عليه السلام تعظيماً لهم. ولما بين حال الهادين المهديين، وكان أصل السياق الضالين المضلين، أتبعه بقية الحديث عنهم على وجه ملوح بأن علة الهداية التوفيق، فقال عاطفاً على تقديره: فنحن نعلي أمرهم ونطيب ذكرهم: {والذين كذبوا} أي نسبوا الرسل إلى الكذب بسبب إتيانهم {بآياتنا} على ما يشاهد من عظمتها {سنستدرجهم} أي نستنزلهم ونستدنيهم بوعد لا خلف فيه إلى ما نريد بهم من الشر العظيم درجة درجة بسبب أنهم كلما أحدثوا جريمة أسبغنا عليهم نعمة، وإذا عملوا طاعة قصرنا عنهم في الإنعام، أو ضربناهم بسوط الانتقام، فيظنون أن المعاصي سبب النعم فينسلخون من الدين، ولذلك قال: {من حيث لا يعلمون} أي فيرتكبون ما يتعجب من مداناته فضلاً عن مباشرته ومعاناته من له أدنى بصيرة حتى يكمل ما نريد منهم من المعاصي، وهو من أدلة {سأصرف عن آياتي} وأتى في الاستدراج بأداة العظمة وفي الإملاء بضمير الواحد فقال {وأملي لهم} أي أمهلهم بوعد جازم زماناً طويلاً وأمد لهم وهم يعصون حتى يظنون أن الله يحبهم حتى يزيدوا في ذلك لأنهم لا يفعلون شيئاً إلا بمرادي ولا يفوتوني ولم يأت بهما على نهج واحد، لأن الاستدراج يكون بواسطة وبغيرها، فكأنه قال: سأستدرجهم بنفسي من غير واسطة تارة وبمن أتيح لهم النعم على يده من عبيدي وجنودي أخرى، وأما الإملاء وهو تطويل الأجل - فلا يتصور أن يكون إلا من الله تعالى. ولما كان هذا موجباً لهم - ولابد - الإصرار على المعاصي حتى يصلوا إلى ما حكم عليهم به من النار، قال مستأنفاً {إن كيدي} أي فعلي الذي ظاهرة رفعة وباطنه ضيعة - ظاهره إحسان وباطنه خذلان {متين*} أي شديد قوي لا يمكن أحداً قطعه، قال الإمام بعد تأويل للمعتزله حملهم عليه إيجابهم رعاية الأصلح: وأنا شديد التعجب من المعتزله، يرون القرآن كالبحر الذي لاساحل له مملوءاً من هذه الآيات، والدلائل العقلية القاهرة مطابقة لها، ثم يكتفون في تأويلها - أي عن أنه تعالى يريد الشر - بهذه الوجوه الضعيفة إلا أن علمي بما أراد الله كائن، مزيل هذا التعجب. ولما كان السياق من أول السورة لإنذارهم، وكان لا بد في صحة الإنذار من تصحيح الرسالة، وختم بأمر الاستدراج، وكانوا قد واقعوا من المعاصي ما لا يجترىء عليه إلا مطموس البصيرة، وكان عندهم أن من قال: إنهم على حال سيىء، - مع ما هم فيه من النعم الظاهر - مجنون، وكان التقدير دلالة على صحة الاستدراج؛ ألم يروا أنهم يقدمون على ما لا يرضاه لنفسه عاقل من عبادتهم للحجر وشماختهم عن أكمل البشر ووصفه بالجنون ووصفهم أفضل الكلام بالسحر والكذب إلى غير ذلك مما يغضب من ليس النفع والضر إلا بيده، وهو مع ذلك يوالي عليهم النعم، ويدفع عنهم النقم، هل ذلك إلا استدراج؛ قال منكراً عليهم عطفاً على ما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه إلى تقديره: {أولم يتفكروا} أي يعملوا أفكارهم ويمعنوا في ترتيب المقدمات ليعلموا أنه لا يتوجه لهم طعن يورث شبهة بوجه من الوجوه، وبين المراد من هذا التفكر وعينه بقوله: {ما بصاحبهم} أي الذي طالت خبرتهم لأنه أمتنهم عقلاً وأفضلهم شمائل ولم يقل: ما برسولي ونحوه، لئلا يقول متعنتهم مالا يخفى، وأعرق في النفي فقال: {من جنة} أي حالة من حالات الجنون. ولما نفى أن يكون به شيء مما نسبوه إليه وافتزوه عليه فثبتت رسالته، حصر أمره في النذارة لأنها النافعة لهم مع أن المقام لها في هذه السورة فقال: {إن} أي ما {هو إلا نذير} أي بالغ في نذارته {مبين*} أي موضح للطريق إيضاحاً لا يصل إلى غيره، ومن أدلة ذلك عجز الخلق عن معارضة شيء مما يأتي به من أنه أحسن الناس خَلقاً وأعلاهم خُلقاً وأفضلهم عشرة وأرضاهم طريقة وأعدلهم سيرة وأطهرهم سريرة وأشرفهم عملاً وأحكمهم علماً وأرصنهم رأياً وأعظمهم عقلاً وأشدهم أمانة وأظهرهم نبلاً.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولقد ذرأنا} قال: خلقنا. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الحسن {ولقد ذرأنا لجهنم} قال: خلقنا لجهنم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله لما ذرأ لجهنم من ذرأ، كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي وابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خلق الله الجن ثلاثة أصناف. صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب. وخلق الله الإِنس ثلاثة أصناف. صنف كالبهائم، قال الله {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل} وجنس أجسادهم أجساد بني آدم، وأرواحهم أرواح الشياطين، وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {ولقد ذرأنا لجهنم} قال: لقد خلقنا لجهنم {لهم قلوب لا يفقهون بها} قال: لا يفقهون شيئاً من أمر الآخرة {ولهم أعين لا يبصرون بها} الهدى {ولهم آذان لا يسمعون بها} الحق، ثم جعلهم كالأنعام، ثم جعلهم شراً من الأنعام فقال {بل هم أضل} ثم أخبر أنهم الغافلون. والله أعلم.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} كلامٌ مستأنفٌ مقرّرٌ لمضمون ما قبله بطريق التذيـيلِ أي خلقنا {لِجَهَنَّمَ} أي لدخولها والتعذيبِ بها، وتقديمُه على قوله تعالى: {كَثِيراً} أي خلقاً كثيراً مع كونه مفعولاً به لما في توابعه من نوع طولٍ يؤدي توسيطُه بـينهما وتأخيرُه عنها إلى الإخلال بجزالة النظمِ الكريم وقوله تعالى: {مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ} متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لكثيراً أي كائناً منهما وتقديمُ الجنِّ لأنهم أعرقُ من الإنس في الاتصاف بما نحن فيه من الصفات وأكثرُ عدداً وأقدمُ خلقاً، والمرادُ بهم الذين حقت عليهم الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة لكن لا بطريق الجبرِ من غير أن يكون مِنْ قِبَلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارَهم نحوَ الحقِّ أبداً بل يُصِرُّون على الباطل من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم من الآيات والنذر فبهذا الاعتبارِ جُعل خلقُهم مُغيّاً بها كما أن جميعَ الفريقين باعتبار استعدادِهم الكامِل الفطري للعبادة وتمكنِهم التامِّ منها جُعل خلقُهم مغيّاً بها كما نطق به قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : . [الذاريات: 56] وقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ} في محل النصبِ على أنه صفةٌ أخرى لكثيراً {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} في محل الرفعِ على أنه صفةٌ لقلوبٌ مؤكدةٌ لما يفيده تنكيرُها وإبهامُها من كونها غيرَ معهودةٍ مخالِفةً لسائر أفرادِ الجنس فاقدةً لكماله بالكلية لكن لا بحسب الفطرة حقيقةً بل بسبب امتناعِهم عن صرفها إلى تحصيله، وهذا وصفٌ لها بكمال الإغراقِ في القساوة فإنها حيث لم يَتأتَّ منها الفقهُ بحال فكأنها خلقت غيرَ قابلةٍ له رأساً وكذا الحالُ في أعينهم وآذانِهم، وحذفُ المفعول للتعميم أي لهم قلوبٌ ليس من شأنها أن يفقهوا بها شيئاً مما مِنْ شأنه أن يُفقَه، فيدخلُ فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائلِه دخولاً أولياً، وتخصيصُه بذلك مُخلٌّ بالإفصاح عن كُنه حالِهم {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} الكلامُ فيه كما فيما عطف هو عليه، والمرادُ بالأبصار والسمع المنفيَّـيْن ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفةُ الثقلين لا ما يتناول مجردَ الإحساسِ بالشبَح والصوتِ كما هو وظيفة الأنعام، أي لا يبصرون بها شيئاً من المبصَرات فيندرج فيه الشواهدُ التكوينيةُ الدالةُ على الحق اندراجاً أولياً {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي شيئاً من المسموعات فيتناول الآياتِ التنزيلية تناولاً أولياً، وإعادةُ الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظامِ الكلامِ بأن يقال: وأعينٌ لا يبصرون بها وآذانٌ لا يسمعون بها لتقرير سوءِ حالهِم، وفي إثبات المشاعر الثلاثةِ لهم ثم وصفِها بعدم الشعورِ دون سلبِها عنهم ابتداءً ـ بأن يقال: ليس لهم قلوبٌ يفقهون بها ولا أعينٌ يبصرون بها ولا آذانٌ يسمعون بها من الشهادة بكمالِ رسوخِهم في الجهل والغَواية ـ ما لا يخفى {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار اتصافِهم بما ذكر من الصفات، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلِتهم في الضلال أي أولئك الموصوفون بالأوصاف المذكورة {كَٱلأَنْعَـٰمِ} أي في انتفاء الشعورِ على الوجه المذكورِ، أو في أن مشاعرَهم متوجهةٌ إلى أسباب التعيشِ مقصورةٌ عليها {بَلِ هُمْ أَضَلُّ} فإنها تدرِكُ ما من شأنها أن تُدركَه من المنافع والمضارِّ فتجتهد في جلبها وسلبِها غايةَ جهدِها مع كونها بمعزل من الخلود، وهؤلاء ليسوا كذلك حيث لا يميِّزون بـين المنافعِ والمضارِّ بل يعكسون الأمرَ فيتركون النعيمَ المقيمَ ويُقْدِمون على العذاب الخالد، وقيل: لأنها تعرِف صاحبَها وتذكرُه وتُطيعه، وهؤلاء لا يعرِفون ربَّهم ولا يذكُرونه ولا يطيعونه وفي الخبر «حديث : كلُّ شيءٍ أطوعُ لله من ابن آدم"تفسير : . {أُوْلَـٰئِكَ} المنعوتون بما مرّ من مِثْلية الأنعامِ والشرِّيَّة منها {هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} الكاملون في الغفلة المستحِقّون لأن يُخَصَّ بهم الاسمُ ولا يطلقَ على غيرهم، كيف لا وإنهم لا يعرِفون من شؤون الله عز وجل ولا من شؤون ما سواه شيئاً فيشركون به سبحانه ـ وليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير ـ أصنامَهم التي هي من أخسّ مخلوقاتهِ تعالى.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} [الآية: 179]. قال: {قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} شواهد الحق و {أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} دلائل الحق، و {آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} دعوة الحق. قوله عز وعلا {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}. قيل: الأنعام والبهائم لا تحس بالاستتار والتجلى، والأرواح نعيمها فى التجلى وغذاؤها فى الاستتار. قال الله تعالى: {أية : إِنْ هُمْ إِلاَّ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الفرقان: 44].
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}. مَنْ خَلَقه لجهنم - متى يستوجب الجنَّاتِ؟ ومَنْ أَهَّلَه للسخطة - أنَّى يستحق الرضوان؟ ولولا انسداد البصائر وإلا فأيُّ إشكالٍ بقي بعد هذا الإيضاح؟ ويقال هم - اليومَ - في جحيم الجحود، مُقَرَّنين في أصفاد الخذلان، مُلْبَسِين ثياب الحرمان، طعامُهم ضريع الوحشة، وشرابهم حميم الفرقة، وغداً هُمْ في جحيم الحرقة كما فَصَّلَ في الكتاب شرعَ تلك الحالة. قوله جلّ ذكره: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ}. أي لا يفقهون معاني الخطاب كما يفهم المُحَدَّثون، وليس لهم تمييز بين خواطر الحق وبين هواجس النفس ووساوس الشيطان، ولهم أعينٌ لا يُبْصِرون بها شواهدَ التوحيد وعلاماتِ اليقين؛ فلا ينظرون إلا من حيث الغفلة، ولا يسمعون إلا دواعي الفتنة، ولا ينخرطون إلا مع من سلك ركوب الشهوة. {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}: لأنَّ الأَنْعَامَ قد رُفِعَ عنها التكليفُ، وإن لم يكن لها وِفاقُ الشرع فليس منها أيضاً خلاف الأمر. والأنعامُ لا يَهُمُّها إلا الاعتلاف، وما تدعو الحيلة من مباشرة الجنس، فكذلك مَنْ أُقيم بشواهد نفسه وكان من المربوطين بأحكام النَّفْس، وفي معناه أنشدوا: شعر : نهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ وليلك نومٌ والرَّدى لك لازِمٌ وسعيك فيها سوف تكره غِبَّه كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد ذرأنا} اى وبالله قد خلقنا. قال فى القاموس ذرأ كجعل خلق والشيء كثر ومنه الذرية مثلثة لنسل الثقلين {لجهنم} اى لدخولها والتعذيب بها وهى سجن الله فى الآخرة سميت جهنم لبعد قعرها يقال بئر جهنام اذا كانت بعيدة القعر وهى تحتوى على حرور وزمهرير ففيها الحر والبرد على اقصى درجاتهما وبين اعلاها وقعرها خمس وسبعون مائة من السنين {كثيرا} كائنا {من الجن والانس} يعنى المصرين على الكفر فى عالم الله تعالى فاللام فى لجهنم للعاقبة لان من علم الله ان يصر على الكفر باختياره فهم يصير من اهل النار. والجن اجسام هوائية قادرة على التشكل باشكال مختلفة لها عقول وافهام وقدرة على الاعمال الشاقة وهى خلاف الانس سميت بذلك لاستجنانهم واستتارهم عن العيون يقال جنه الليل ستره والانس كالانسان من آنس الشيء ابصره وقدم الجن على الانس لانهم اكثر عددا واقدم خلقا ولان لفظ الانس أخف بمكان النون الخفيفة والسين المهموسة فكان الاثقل اولى باول الكلام من الاخف لنشاط المتكلم وراحته والاجماع على ان الجن متعبدون بهذه الشريعة على الخصوص وان نبينا صلى الله عليه وسلم مبعوث الى الثقلين ولا شك انهم مكلفون فى الامم الماضية كما هم مكلفون فى هذه الامة لقوله تعالى {أية : أولئك الذين حق عليهم القول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} تفسير : [الأحقاف: 18]. وجمع الفريقين انما هو باعتبار استعدادهم الكامل الفطرى للعبادة والسعادة والالم يصح التكليف عليهم. فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى جعل الكفار اكثر من المؤمنين. قلت ليريهم انه مستغن عن طاعتهم وليظهر عز المؤمنين فيما بين ذلك لان الاشياء تعرف باضدادها والشيء اذا قل وجوده عز. فان قلت ان رحمته غلبت غضبه فيقتضى الامر ان يكون اهل الرحمة اكثر من اهل الغضب واهل الغضب تسع وتسعون وتسعمائة من كل الف وواحد يؤخذ للجنة. قلت هذه الكثرة بالنسبة الى بنى آدم واما بالنسبة الى الملائكة واهل الجنة فكثير لان بنى آدم قيل بالنسبة الى الملائكة ولحور الغلمان فيكون اهل الرحمة اكثر من اهل الغضب وقيل اكثر الكفار بشارة للاخيار بكثرة الفداء لانه ورد فى الخبر الصحيح "حديث : ان كل مؤمن يأخذ كافرا بناصيته ويرميه الى النار فداء عن نفسه" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان الله لما زرأ لجهنم ما زرأ كان ولد الزنى ممن زرأ لجهنم ". تفسير : قال فى المقاصد حديث "حديث : لا يدخل الجنة ولد زنية " . تفسير : ان صح فمعناه اذا عمل بمثل عمل ابويه واتفقوا على انه لا يحمل على ظاهره. وقيل فى تأويله ايضا ان المراد به من يواظب الزنى كما يقال للشهود بنوا الصحف وللشجعان بنوا الحرب ولاولاد المسلمين بنوا الاسلام واتفق المشايخ من اهل الوصول ان ولد الزنى لا يكون اهلا للولاية الخاصة {لهم قلوب} فى محل النصب على انه صفة اخرى لكثيرا {لا يفقهون بها} فى محل الرفع على انه صفة لقلوب اى لا يعقلون بها اذ لا يلقونها الى معرفة الحق والنظر فى دلائله والقلب كالمرآة يصدأ من الانكار والغفلة وجلاؤه التصديق والانابة: قل السعدى قدس سره شعر : غبار هوا جشم عقلت بدوخت سموم هوا كشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فرداشوى سرمه در جشم خاك تفسير : {ولهم اعين لا يبصرون بها} اى لا ينظرون الى ما خلق الله نظر اعتبار شعر : دوجشم ازبى صنع بارى نكوست وعيب برادر فروكيرو دوست تفسير : {ولهم آذان لا يسمعون بها} الآيات والمواعظ سماع تأمل وتذكر شعر : كذر كاه قرآن وبندست كوش به بهتان وباطل شنيدن مكوش تفسير : {اولئك} الموصوفون بالاوصاف المذكورة {كالانعام} [مانند جهار بايانند] فى عدم الفقه والابصار للاعتبار والاستماع للتدبر او فى ان مشاعرهم وقواهم متوجهة الى اسباب التعيش مقصورة عليها. والانعام جمع نعم بالتحريك وقد يسكن عينه وهى الابل والشاه او خاص بالابل كذا فى القاموس {بل هم اضل} بل للاضراب وليس ابطالا بل هو انتقال من حكم وهو التشبيه بالانعام الى حكم وهو كونهم اضل من الانعام طريقا فانها تدرك ما يمكن لها ان تدرك من المنافع والمضار وتجهد فى جلبها ودفعها غاية جهدها وهم ليسوا كذلك وهى بمعزل من الخلود وهم يتركون النعيم المقيم ويقدمون على العذاب الخالد وقيل لانها تعرف صاحبها وتذكره وتطيعه وهؤلاء لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ولا يطيعونه وفى الخبر "حديث : كل شيء أطوع لله من بنى آدم". شعر : دريغ آدمى زاده برمحل كه باشد جوانعام بل هم اضل تفسير : {اولئك هم الغافلون} عن امر الآخرة وما اعد فيها للعصاة وفى الانسان جهة روحانية وجهة جسمانية وقد ركب فيها عقل وشهوة فان كان عقله غالبا على هواه كان افضل من الملائكة وان كان مغلوبا للنفس والهوى كأن أخس وارذل من البهائم: ما قيل فى هذا المعنى شعر : بهره از ملكت هست ونصيبى ازديو ترك ديويى كن وبكذر بفضيلت زملك تفسير : واعلم ان الله تعالى خلق الخلق اطوارا. فخلق طورا منها للقرب والمحبة وهم اهل الله وخاصته اظهارا للحسن والجمال وكانوا به يسمعون كلامه وبه يبصرون جماله وبه يعرفون كماله. وخلق طورا منها للجنة ونعيمها اظهارا للطف والرحمة فجعل لهم قلوبا يفقهون بها دلائل التوحيد والمعرفة واعينا يبصرون بها آيات الحق. وخلق طورا منها للنار وجحيمها وهم اهل النار اظهارا للقهر والعزة اولئك كالانعام لا يحبون الله ولا يبطلونه بل هم اضل لانه لم يكن للانعام استعداد المعرفة والطلب وانهم كانوا مستعدين للمعرفة والطلب فابطلوا الاستعداد الفطرى للمعرفة والطلب بالركون الى شهوات الدنيا وزينتها واتباع الهوى فباعوا الآخرة بالاولى والدين بالدنيا وتركوا طلب المولى فصاروا أضل من الانعام لافساد الاستعداد اولئك هم الغافلون عن الله وكمالات اهل المعرفة وعزتهم كما قال فى التأويلات النجمية قدس الله سره.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد ذرأنا}؛ خلقنا {لجهنم كثيرًا من الجن والإنس}؛ كتبنا عليهم الشقاء في سابق الأزل، فهم من قبضة أهل النار، كما قال: " حديث : هؤلاء إلى الجنة ولا أُبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي ". تفسير : ثم ذكر علامتهم فقال: {لهم قلوبٌ لا يفقهون بها} المواعظ والتذكير؛ للأكنة التي جعلت عليها، {ولهم أعين لا يبصرون بها} دلائل وحدانيتنا وكمال قدرتنا، فلا ينظرون بها نظر اعتبار، {ولهم آذان لا يسمعون بها} الآيات والمواعظ، سماع تأمل وتدبير، {أولئك كالأنعام} في عدم التفقه والاستبصار، أو في أن هممهم ومشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش، مقصورة عليها، فهممهم في بطونهم وفروجهم، {بل هم أضلُّ} من الأنعام، لأنها تطلب منافعها وتهرب من مضارها، وهؤلاء يقدمون على النار معاندة، وأيضًا: الأنعام رُفع عنها التكليف فلا تعذب، يخلاف الكافر، وأيضًا: البهائم تقبل الرياضة والتأديب لِمَا يراد بها، والكافر عاص على الدوام، {أولئك هم الغافلون} الكاملون في الغفلة المنهمكون فيها. الإشارة: النار على قسمين: حسية ومعنوية، كما أن الجنة كذلك، فالنار الحسية لتعذيب الأشباح، والنار المعنوية لتعذيب الأرواح، والجنة الحسية لنعيم الأشباح، والمعنوية لنعيم الأرواح. النار الحسية معلومة. والنار المعنوية هي نار القطيعة وغم الحجاب، وأهلها هم أهل الغفلة، وهم كثير من الجن والإنس، ليس لهم قلوب تجول في معاني التوحيد، وليس لم أعين تنظر بعين الاعتبار، وليس لهم آذان تسمع المواعظ والتذكار، إن هم إلا كالأنعام، غير أن الله تعالى تفضل عليهم برسم الإسلام. والجنة الحسية هي جنة الزخارف، والجنة المعنوية هي جنة المعارف، وأعدها الله لقلوب تجول في الأنوار والأسرار، ولأعين تنظر بعين الأعتبار والاستبصار، حتى تشاهد أنوار الواحد القهار، ولآذان تسمع المواعظ والتذكار، وتعي ما تسمع من الحكم والأسرار، وبالله التوفيق. ثم عرَّف بذاته؛ بتعريف أسمائه، فقال: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}.
الطوسي
تفسير : معنى {ذرأنا} خلقنا يقال: ذرأهم يذرأهم واللام في {لجهنم} لام العاقبة. والمعنى انه لما كانوا يصيرون اليها بسوء اختيارهم وقبح أعمالهم جاز أن يقال: إنه ذرأهم لها والذي يدل على ان ذلك جزاء على اعمالهم قوله {لهم قلوب لا يفقهون بها} وأخبر عن ضلالهم الذي يصيرون به إلى النار، وهو مثل قوله تعالى {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً} تفسير : ومثل قوله {أية : ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك} تفسير : ومثل قوله عز وجل {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : وإنما التقطوه ليكون قرة عين كما قالت امرأة فرعون عند التقاطه {أية : قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا او نتخذه ولداً} تفسير : ومثله قول القائل: اعددت هذه الخشبة ليميل الحائط فاسنده بها وهولا يريد ميل الحائط. ومثله قول الشاعر: شعر : وللموت تغذو الوالدات سخالها كما لخراب الدهر تبنى المساكن تفسير : وقال الآخر: شعر : اموالنا لذوي الميراث نجمعها ودورنا لخراب الدهر نبنيها تفسير : وقال الآخر: شعر : وام سماك فلا تجزعي فللموت ما تلد الوالدة تفسير : وقال آخر: شعر : لدوا للموت وابنوا للخراب فكلكم يصير إلى ذهاب تفسير : وقوله {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها} معناه انهم لما لم يفقهوا بقلوبهم ولم يسمعوا بآذانهم ولم يبصروا بعيونهم ما كانوا يؤمرون به ويدعون اليه سموا بكما عمياً صماً. ولما لم ينتفعوا بجوارحهم اشبهوا العمي البكم الصم، لان هؤلاء لا ينتفعون بجوارحهم فأشبهوهم في زوال الانتفاع بالجوارح وسموا باسمائهم، ومثله قول مسكين الدارمي: شعر : أعمي اذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما سمعي وما بي غيره وقر تفسير : فجعل نفسه اصماً واعمى لما لم ينظر ولم يسمع وقال آخر: شعر : وكلام سيء قد وقرت أذني عنه ومابي من صمم تفسير : وقال آخر: شعر : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا تفسير : وهذا كثير. ويجوز أن يكون قوله تعالى {ذرأنا لجهنم} معناه ميزنا. ويقال: ذرأت الطعام والشعير أي ميزت ذلك من التبن والمدر، فلما كان الله تعالى قد ميز اهل النار من اهل الجنة في الدنيا بالتسمية والحكم والشهادة جاز ان يقول ذرأناهم اي ميزناهم. ثم وصفهم بصفة تخالف اوصاف اهل الجنة يعرفون بها فقال {لهم قلوب لا يفقهون بها} إلى آخرها. ويجوز ان يكون قوله {ذرأنا} بمعنى سنذرأ كما قال: {أية : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار} تفسير : بمعنى سينادون، فكأنه قال سيخلقهم خلقاً ثانياً للنار بأعمالهم التي تقدمت منهم في الدنيا إذ كانوا استحقوا النار بتلك الاعمال. ولا يجوز أن يكون معنى الاية إن الله خلقهم لجهنم واراد منهم ان يفعلوا المعاصي فيدخلوا بها النار، لأن الله تعالى لا يريد القبيح، لأن إرادة القبيح قبيحة، ولان مريد القبيح منقوص عند العقلاء تعالى الله عن صفة النقص، ولأنه قال {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : فبين انه خلق الخلق للعبادة والطاعة وقال {أية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} تفسير : وقال {أية : ولقد صرفناه بينهم ليذكروا} تفسير : وقال {أية : ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط } تفسير : وقال {أية : إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله} تفسير : ونظائر ذلك اكثر من ان تحصى، فكيف يقول بعد ذلك {ولقد ذرأنا لجهنم} وهل هذا إلا تناقض تنزه كلام الله عنه. وقوله {أولئك كالأنعام} يعني هؤلاء الذين لا يتدبرون بآيات الله ولا يستدلون بها على وحدانيته وصدق رسله اشباه الانعام والبهائم التي لا تفقه ولا تعلم ثم قال {بل هم أضل} يعني من البهائم، لأن في البهائم ما إذا زجرتها انزجرت واذا أرشدتها إلى طريق اهتدت. وهؤلاء لعتوهم وكفرهم لا يهتدون إلى شيء من الخيرات مع ما ركب الله فيهم من العقول التي تدلهم على الرشاد وتصرفهم عن الضلال وليس ذلك في البهائم. ومع ذلك تهتدي إلى منافعها وتتحرز عن مضارها، والكافر لا يفعل ذلك. ثم قال {أولئك هم الغافلون} يعني هؤلاء هم الغافلون عن آياتي وحججي والاستدلال بها والاعتبار بتدبرها على ما تدل عليه من توحيده، لان البهائم التي هي مسخرة مصروفة لا اختيار لها.
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} ولرفع توهّم الجبر وتوهّم ان لا مدخل للعبد فى ذلك كما يدلّ عليه ذرأنا قال: فعلنا ليس اجباراً منّا بل {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} فبعدم استعدادهم وعدم استحقاقهم ادخلناهم جهنّم، ولمّا كان التّفقّه عبارة عن علمٍ دينىٍّ يتوسّل به الى علمٍ آخر كما مضى ولم يكن علومهم وان كانت كثيرة دقيقة باعثة لترقّيهم فى طريق القلب والآخرة نفى الفقه عن قلوبهم {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} من الاشياء ما يدلّ على الله ومبدئيّته ومعاديّته فى عين حدّتها {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} من الاشياء والاصوات ما ينفعهم فى آخرتهم فى عين حدّتها فى سماع الاصوات ولا يسمعون اصوات الاشياء الّتى تنادى كّلاً ليلاً ونهاراً ان: لا تقم فى دار طبعك، ولا تنم فى مسبعك، واستعدّ من يومك لغدك {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ} فى عدم التّفقّه واشتداد العلم وفى عدم ابصار ما ينبغى ان يبصر من المبصرات، وعدم سماع ما ينبغى ان يسمع من المسموعات، بل مداركهم موقوفة على درك اسباب التّعيّش فى الآجل وان كانت فى اعلى مرتبة الدّرك كاكثر الفلاسفة المنكرين للرّسالة المعتقدين انّ الرّسول هو العقل واحكامه هى الشّريعة، كما انّ مدارك الانعام موقوفة على درك النّافع والضّارّ فى الآجل {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} لانّ ضلال الانعام بالنّسبة الى الانسان ضلال والاّ فهو بالنّسبة الى مقامها هداية فهى باقية على هدايتها التّكوينيّة، وايضاً ضلالها لا يتخطّى بها عن مقامها الى ما يوذيها ويؤلهما {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تكرار اسم الاشارة البعيدة لتحقيرهم ولتطويل التّغليظ عليهم كما هو المناسب لمقام الّذمّ والجملة تأكيدٌ للاولى باعتبار لازم معناها ولذا لم يأت بالعاطف وأتى بها مؤكّدة محصورة، والمقصود انّ الغفلة محصورة على الغافل عن دلالة الاشياء على ما هى موضوعة بالوضع الآلهىّ له لا الغافل عن الجهات الدّنيويّة، ولا الغافل عن الشّعور بالشّعور حين مشاهدة شخصٍ او سماع لفظٍ مع عدم الالتفات الى الرّؤية والى مدلول المسموع فانّ هذا الغافل لا يستضرّ بغفلته وان استضرّ فى جهة دنيويّته فليس ضرراً يعتنى به بخلاف الغافل عن جهة دلالة الاشياء وجذبها الى الآخرة فانّه يتضرّر بها البتّة ضرراً خارجاً عن التّهديد.
اطفيش
تفسير : {ولَقَد ذَرَأنا} خلقنا ونشرنا {لجهنَّم} هذه اللام لشبه التمليك أو لام العاقبة، لأنها تتصور فيما إذا كان الفاعل لم يقصد بفعله ما يصير إليه الأمر، سواء علم مصير الأمر كما هنا، فإن الله سبحانه أوجد الخلق ليعرفوه ويعبدوه لا ليعذبهم ويرحمهم، وهو عالم بمصير فريق إلى النار، وفريق إلى الجنة، أو لم يعلم مصير الأمر كقوله: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} تفسير : فإن آل فرعون لم يلتقطوه ليكون كذلك، ولم يعلموا أنه يكون كذلك، نعم لو صح أن الفعل وهو خلق الكثير قصد به ما يصير إليه الأمر من سكون جهنم، وكان بسكونها علة لم يصح أن يكون للعاقبة كما قال بعضهم، لكن الواضح أنه قصد بخلقهم العبادة والمعرفة معهما العلة، ومصيرهم النار لعدمهما منهم، نعم يجوز أن تكون للتعليل مجازاً أو مبالغة كما تقول لكثير الأكل: ما خلق إلا للأكل، ولكثير النوم: ما خلق إلا للنوم وهكذا، فاليهود وغيرهم مما توغلوا وغاصوا فى الكفر صاروا كأنهم خلقوا للنار، حي لم يتأت منهم إلا أفعال أهل النار، وفعلوها باختيارهم لا باضطرار. {كَثيراً من الجنِّ والإنْسِ} ليس نصا فى أن أهل النار أكثر من أهل الجنة، لأن الكثير يطلق على النصف والثلث، كما يطلق على أكثر من النصف، بل الكثرة قد تكون نسبية فتطلق على ما هو قليل نظرا إلى ما هو أقل، وإنما الذى هو نص فى أنهم أكثر من أهل الجنة حديث التسعمائة والتسعة والتسعون إلى النار، وهى بعث النار، والواحد إلى الجنة، فيجوز تفسير الآية على ذلك بمعونة الحديث، وأجمع علماء الأمة أن أطفال المسلمين فى الجنة إلا من لا يعتد به، فإنه توقف فيهم، متمسكا بما حديث : روى أن عائشة رضى الله عنها قالت فى صبى من الأنصار دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازته: طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل سوءًا، أو لم يدركه، فقال: "إن الله خلق للجنة والنار أهلا فى أصلاب آبائهم" تفسير : وأجيب بأنه قال ذلك نهيا لها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل قاطع، وبأنه قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين فى الجنة، وقوله: {أية : والذين آمنوا واتبعتهم} تفسير : الخ ولو كان مكيا لكنه محتمل لأن يكون فى أطفال المسلمين، ومحتمل أن لا يكون فيمن بلغ منهم ولم يصل درجة أبيه فى العمل. وأما أطفال المشركين والمنافقين فجمهور أصحابنا على الوقف فيهم، لأن النبى صلى الله عليه وسلم وقف فيهم، والتحقيق أنهم من أهل الجنة فضلا، وليسوا بمكلفين فيدخلوا النار بعمل أو اعتقاد، ولأنهم ولدوا على الفطرة، والعهد الأول، ولأنه بعد ما توقف فيهم سأل الله فيهم فأعطاه إياهم، ولأنه رأى إبراهيم الخليل فى الجنة، وحوله أولاد المؤمنين والمشركين، فإذا كان حوله أولادهم فأولاد المنافقين أولى بأن يكونوا حوله سواء، وقال قوم من المخالفين: إنهم من أهل النار، ونسبه بعضهم للأكثر وهو خطأ إذا لم يكلفوا، وقيل يختبرون يوم القيامة، باقتحام نار توقد لهم، فمن اقتحمها نجا، وهو خطأ لأنه لا تكليف فى الآخرة. ولا دليل على أنهم من أهل النار فى: {أية : ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا} تفسير : لأن المعنى لا يلدوا إلا من يصل حد التكليف فيكفر ويفجر، وما ذكره الطبرى عن سعيد بن جبير، ورواه بن عمر حديثا من أن أولاد الزنى من أهل النار، وممن ذراه الله لجهنم، معناه أن الأرقى تراع وأن كونه من الزنى سبب لعصيتهم الله بعد اللوغ فيدخلون النار، ومن أطاع الله فله الجنة، وروى أن ابن الزنى لا يدخل الجنة، ومعناه ما ذكر، أو أنه لا يدخل الجنة وهو مبهم، بل يدخل وقد علم الله الخلائق أنه ابن فلان، أو معنى ولد الزنى وابن الزنى البالغ الذى هو صاحب زنى بمعنى أنه زان، تأويلات. {لهم قلُوبٌ لا يفْقهُون بِها} لا يعلمون بها الهدى، ولو علموا بها أمر الدنيا لإعراضهم بها عن دلائله فلا ينظرون فيها، أو لما كانوا لا يفقهون الهدى جعلوا كأنهم لا يفقهون شيئا أصلا إذ دخلوا عما هو المعتبر، وأصل الفقه العلم بالشئ مطلقا، ثم غلب على علم الدين لشرفه على علم الدنيا وجاء بعد ذلك سائر علوم الإسلام من النحو والصرف والبيان وغيرها. {ولَهم أعين لا يبْصِرُون بِها} إبصارا يؤدى بهم إلى التوحيد والطاعة، فإنهم ولو كانوا ينظرون إلى السماء والجبال والأرض وأنفسهم وغير ذلك، لكن بغير اعتبار، أو المراد لا يبصرون بها طريق الهدى بأن يشبه طريقه لوضوحه بطريق فى الأرض تراه عين الوجه، أو لما كانوا لا يبصرون إبصارا يؤدى إلى التوحيد والطاعة، ولا يتبين لهم طريق الهدى، جعلهم كأنهم لا يبصرون شيئا، إذ لم يبصروا الإبصار المعتبر. {ولَهم آذانٌ لا يسْمعُون بِها} القرآن والوحى والعوظ، سماعا يؤثر فى قلوبهم، أو لما كانوا لا يسمعون ذلك السماع، جعلوا كأنهم صم إذ خلوا عن السماع المعتبر، كما تقول إذا سمعت سببا: إنى أصم عنه، تريد أنه لم يؤثر فيك ولو قرع سمعك قال الشاعر: شعر : وعوراء الكلام صمت عنها وإنى لو أشاء بها سميع وبادرة وزعت النفس عنها وقد لقيت من الغضب الضلوع تفسير : {أولئكَ كالأنْعامِ} فى أن لها قلوبا وأعينا وآذانا لا تستعملها فى أمر الآخرة، بل فى أمر المعيشة، وإنما يفضل الإنسان باستعمال ذلك فى أمر الآخرة {بَلْ هُم أضلُّ} أى بل هم ضالون دونها، فهى خير عنهم، فاسم التفضيل خارج من بابه، أو بل هم أضل منها، لأنها ولو حصل لها ضلال فى بعض أمر الدنيا من حيث إنها لا تهتدى إلى ما يهتدى إليه العاقل فى أمر الدنيا، لكن ضلالهم عن أمر الآخرة أشد، لأنه مهلك لهم الإهلاك الدائم، وقد علم أكثرهم به وعائد، فهم أضل منها، فاسم التفضيل على باله {أولئِكَ هُم الغَافلُونَ} أى الكاملون فى الغفلة.
اطفيش
تفسير : {وَلَقدْ ذَرأْنَا} خلقنا، والآية تذييل لما قبلها، وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأَن من عصاه ولم يتب فهو ممن ذرأَه لجهنم {لِجَهَنَّمَ} قدم على المفعول به الصريح لطوله، والمراد بجهنم مطلق دار العذاب الأُخروى لا خصوص طبقة تسمى بذلك، واللام للعاقبة لا للتعليل كقوله تعالى "أية : وما خلقت الجن والإِنس إِلا ليعبدون" تفسير : [الذاريات: 56] فخلقهم يترتب عليه صرف اختيارهم إِلى الباطل، وعلى ذلك خلقهم بلا إِجبار، ومع أَنه تعالى أَراد الكفر من الكافر، وقيل: للتعليل وضعف. وأَولى منه أَن تكون لشبه الملك، ولام الاستحقاق هى الواقعة بين معنى وذات، نحو: الحمد لله، والعزة لله، والملك لله، أَى التملك لله، والأَمر لله، ونحو: "أية : ويل للمطففين" تفسير : [المطففين: 1] أَى هلاك ولهم فى الدنيا خزى، وللكافرين النار، أَى عذابها، ولام الاختصاص هى الواقعة بين ذاتين التى تلى لا تملك الأُخرى نحو: وللكافرين النار، إِذا لم تعتبر عذاب النار، ونحو: الجنة للمؤمنين، فإِن مالك الجنة هكذا هو الله تعالى، وإِن اعتبرت تنعم الجنة أَو لذة الجنة فللاستحقاق، ولأَنها بين معنى وذات، ونحو: الحصير للمسجد، والمنبر للخطيب، والسرج للدابة، وأَن له أَبا، فإِن كان له إِخوة، والقميص للعبد، على أَن العبد لا يملك، وقيل: يملك ما أَعطاه غير سيده لا لوجه سيده، وقيل: يملك ما أَعطاه سيده أَيضاً، وعلى الأَول الشافعى وأَصحابنا. ولام الملك هى الواقعة بين ذاتين يصلح أَن تكون التى بعد اللام مالكة للأُخرى، والمراد بالذات ما هو جسم وما ليس جسماً ولا عرضاً نحو: لزيد دار، ولله السماوات والأَرض، ولله الملك بمعنى الأَجسام المملوكة، وقد تجتمع الذات وغيرها مع الذات كالمثال إِذا أريد بالملك الأَجسام المملوكة والأَعراض، وقوله تعالى "أية : له ما فى السماوات وما فى الأَرض" تفسير : [سبأ: 1] إِذا أريد الأَجسام والأَعراض، وإِن فسر الويل فى الآية بواد فى جهنم أَو بجب فيها فواقعة بين ذاتين، وأَما دمت لك فواقعة بين معنى وذات لأَن الدوام معنى، وكذا الشعر لفلان بمعنى نفس تركيبه أَو النطق به، وأَما الصوت فلكل ناطق به صوت، والصوت جسم، وإِن شئت فاللام للاستحقاق وللاختصاص، ومما يشمل الاختصاص الملك، فلام الحمد لله للاستحقاق أَو الاختصاص لا للملك، ومن قال للملك فلعله اعتبر معنى أَن الله تعالى مالك لكل شئ، والجمهور على منع استعمال الكلمة فى معنييها أَو معانيها، فحيث احتمل استعمالها فى الأَجسام والأَعراض حملت على الأَجسام فتدخل الأَعراض بالتبع، ولو عبر عن معانيها كلها بالاستحقاق لصح وزال الاشتراط. والحق أَنه يجوز تعليل أَفعال الله بالأَعْراض على وجه لا يقدح فى صفات الله سبحانه وتعالى {كَثِيرًا} لا قليلا، وليس فى الآية أَن أَهل النار أَكثر من أَهل الجنة، بل فى الحديث، إِلا باعتبار أَن المعنى: لقد ذرأَنا لجهنم كثيراً بخلاف الجنة فخلقنا لها قليلا بالنسبة. لكن مفهوم جهنم مفهوم لقب {مِنَ الْجِنِّ والإِنْسِ} ولا يوجد فى جهنم معذب سواهم، يعنى كثيرًا ممن أَصر منهم على الكفر، وقدم الجن لأَنهم أَشد جهالة وعمى وصمماً فى الدين، وأَشد شبها بالأَنعام، وأَكثر عدداً، وأَقدم خلقاً، ويتضررون بالنار ولو خلقوا منها كما يتضرر الإِنسان بالطين ولو خلق منه، وحقيقة النار لم تبق فيهم كما أَن حقيقة الطين لم تبق فى الإِنسان، وأَيضاً نار الآخرة غير النار التى خلقوا منها، وأَيضاً المعذب هو الروح وليس مخلوقاً من النار {لَهُمْ قُلُوبٌ} قابلة للتدبر ومتمكنة منه أَهملوها فلم ينتفعوا بها كما قال {لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا} ما هو الحق {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا} إِبصار استدلال، أَو كأَنهم عمى فقدوها إِذ لم ينتفعوا بها للدين {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا} ما أَنزل وما نصب من الأَدلة، أَو كأَنهم صم لم ينتفعوا بها لدينهم {أَولئِكَ كَالأَنْعَامِ} التحقوا بالأَنعام حين أَهملوا ما ميزهم الله به من العقل والتمكن من الفهم فصاروا كالأَنعام الفاقدة لذلك الذى يميزون به، وأَضرب عن ذلك إِضراب انتقال بقوله {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} من الأَنعام لأَنها تهرب من مضارها، وتقصد منافعها، وإِذا قارنها هاد اهتدت إِلى ما أُريد منها، بخلاف الكافر، فإِنه لا يهتدى بهاد، ويحطب لنفسه ما يجرفها من الذنوب عناداً، مع علمه أَو تمكنه من الهدى، ولا خفاءَ فى أَنه من ضيع ما يصل به إِلى الفضائل العظيمة أَخس مما لا يكسبها لعدم قدرته وهى البهائم، وأَيضاً هى مطيعة لله عز وجل عابدة غير عاصية {أَولئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الكاملون فى الغفلة المهلكة. قالت عائشة رضى الله عنها فى صبى مات من الأَنصار: طوبى له من أَهل الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما يدريك أَن الله خلق للجنة أَهلا وللنار أَهلا فى أَصلاب آبائهم"تفسير : وهذا قبل أَن يعلم أَن الأَطفال مطلقاً فى الجنة، ويروى: عصفور من أَهل الجنة.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} كلام مستأنف مقرر لمضمون ما قبله بطريق التذييل، والذرأ بالهمزة الخلق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره أي والله تعالى لقد خلقنا {لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ} وهم المصرون على الكفر في علمه سبحانه وتعالى، واللام للعاقبة عند الكثير كما في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ} تفسير : [يونس: 88] وقول الشاعر:شعر : له ملك ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب تفسير : وفي «الكشاف» ((أنهم جعلوا لإغراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه وأنه لا يتأتى منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخولها))، وأشار إلى أن ذلك تذييل لقصة اليهود بعد ما عد من قبائحهم تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: إنهم من الذين لا ينجع فيهم الإنذار فدعهم واشتغل بأمر نفسك ومن هو على دينك في لزوم التوحيد، والآية على ما قال من باب الكناية الإيمائية عند القطب قدس سره ويفهم كلامه أن الذي دعا الزمخشري إلى ذلك لزوم كون الكفر مراداً لله تعالى إذا أريد الظاهر وهو خلاف مذهبه، وأنت تعلم أن الكثير من أهل السنة تأولوا الآية بحمل اللام على ما علمت لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} تفسير : [الذاريات: 56] فإن تعليل الخلق بالعبادة يأبـى تعليله بجهنم ودخولها، نعم ذهب ابن عطية منا إلى الحمل على الظاهر وكون اللام للتعليل، وادعى أناس أن التأويل مخالف للأحاديث الواردة في الباب كبعض الأحاديث السابقة في آية أخذ الميثاق، وما أخرجه الإمام أحمد في «»مسنده» عن عبد الرحمن بن قتادة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى خلق آدم عليه السلام ثم أخذ الخلق من ظهره فقال هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي قال قائل: فعلى ماذا العمل؟ قال: على موافقة القدر» تفسير : وما أخرجه محي السنة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: أدرك النبـي صلى الله عليه وسلم جنازة صبـي من صبيان الأنصار فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم طوبـى له عصفور من عصافير الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وما يدريك إن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلاً وهم في أصلاب آبائهم»تفسير : إلى غير ذلك. وإلى هذا ذهب الطيبـي وأيده بما أيده وادعى أن فائدة القسم التنبيه على قلع شبه من عسى أن يتصدى لتأويل الآية وتحريف النص القاطع، ونقل عن الإمام ((أن الآية حجة لصحة مذهب أهل السنة في مسألة خلق الأعمال وإرادة الكائنات لأنه سبحانه وتعالى صرح بأنه جل وعلا خلق كثيراً من الجن والإنس لجهنم ولا مزيد لبيان الله تعالى))، ولا يخفى أن الحمل على الظاهر مخالف لظاهر الآية التي ذكرناها، وفي الكتاب الكريم كثير مما يوافقها على أن التعليل الحقيقي لأفعاله تعالى يمنع عنه في المشهور الإمام الأشعري وأصحابه. وقال بعض الجلة: المراد بالكثير الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة ولكن لا بطريق الجبر من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك بل لعلمه سبحانه وتعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق / أبداً بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر، فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغياً بجهنم كما أن جمع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطري للعبادة وتمكنهم التام منها جعل خلقهم مغياً بها كما نطق به قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات: 56] انتهى، وعندي أنه لا محيص من التأويل في هذا المقام فتدبر ولا تغفل، ثم إن الجار الأول متعلق بما عنده وتقديمه على المفعول الصريح لما في توابعه من نوع طول يؤدي توسيطه بما بينهما وتأخيرهم عنهما إلى الإخلال بجزالة النظم الجليل، والجار الثاني متعلق بمحذوف وقع صفة لكثير، وتقديم الجن لأنهم أعرف من الإنس في الاتصاف بما ذكر من الصفات وأكثر عدداً وأقدم خلقاً ولا يشكل أنهم خلقوا من النار فلا يشق عليهم دخولها ولا يضرهم شيئاً لأنا نقول في دفع ذلك على علاته خلقهم من النار بمعنى أن الغالب عليهم الجزء الناري لا يأبـى تضررهم بها فإن الإنس خلقوا من الطين ويتضررون به، ويوضح ذلك أن حقيقة النار لم تبق فيهم على ما هي عليه قبل خلقهم منها كما أن حقيقة الطين لم تبق في الإنس على ما هي عليه قبل خلقهم منها على أن المخلوق من نار هو البدن والمعذب هو الروح وليست مخلوقة منها وعذاب الروح في قالب ناري معقول كعذابها في قالب طيني. وقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ} في محل النصب على أنه صفة أخرى لكثير، وقوله سبحانه وتعالى: {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} في محل الرفع على أنه صفة لقلوب مبينة لكونها غير معهودة مخالفة لسائر أفراد الجنس فاقدة لما ينبغي أن يكون أو هي مؤكدة لما يفيده تنكيرها وإبهامها من كونها كذلك، وأريد بالقلب اللطيفة الإنسانية، وبالفقه الفهم وهو المعنى اللغوي له، يقال: فقه بالكسر أي فهم وفقه بالضم إذا صار فقيهاً أي فهماً أو عالماً بالفقه بالمعنى العرفي المبين في «كتب الأصول»، والفعل هنا متعد إلا أنه حذف مفعوله للتعميم أي لهم قلوب ليس من شأنها أن يفهموا بها شيئاً مما شأنه أن يفهم فيدخل فيه ما يليق بالمقام من الحق ودلائله دخولاً أولياً، وكذا الكلام في قوله جل وعلا: {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} فيقال: المراد لا يبصرون بها شيئاً من المبصرات فيندرج فيه الشواهد التكوينية الدالة على الحق اندراجاً أولياً، وكذا يقال في قوله تبارك وتعالى: {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} حيث يراد لا يسمعون بها شيئاً من المسموعات فيتناول الآيات التنزيلية على طرز ما سلف، وأمر الوصفية في الأخيرين مثله في الأول، والمراد بالإبصار والسماع المنفيين ما يختص بالعقلاء من الإدراك على ما هو وظيفة الثقلين لا ما يتناول مجرد الإحساس بالشبح والصوت كما هو وظيفة الأنعام، وجاء في كلامهم نحو فلان لا يسمع الخنا أي لا يعتني به ولا يصرف سمعه إليه ولا يقبله، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : وعوراء الكلام صممت عنها وإني لو أشاء لها سميع تفسير : وفي إعادة الخبر في الجملتين المعطوفتين مع انتظام الكلام بدون ذلك بأن يقال: وأعين لا يبصرون بها وآذان لا يسمعون بها ما لا يخفى من تقرير سوء حالهم، وكذا في إثبات المشاعر الثلاثة لهم ثم وصف كل بما وصف به دون سلبها عنهم ابتداءً بأن يقال: ليس لهم قلوب يفقهون بها ولا أعين يبصرون بها ولا آذان يسمعون بها ما لا يخفى على ما قيل من الشهادة بكمال رسوخهم في الجهل والغواية، وتفسير الآية على هذا الوجه / واعتبار حذف المفعول لما ذكرنا من الأفعال الثلاثة هو الذي اختاره بعض المحققين لما فيه من الإفصاح بكنه حالهم على ما أشار إليه، واختار بعضهم التخصيص أي لا يفقهون الحق ودلائله ولا يبصرون ما خلق الله تعالى إبصار اعتبار ولا يسمعون الآيات والمواعظ سماع تأمل وتفكر، وأياً ما كان فالمراد أنهم لم يصرفوا ما خلق لهم لما خلق له فكأنهم خلقوا كذلك، ولو أريدت الحقيقة لم يتوجه الذم ولم تقم الحجة؛ ومن ادعاها قال: إن ذلك بسبب إفاضة الحكيم حسب الاستعداد الأزلي الغير المجعول فالذم بذلك لدلالته على سوء الاستعداد لأنه كالأثر له، وبالجملة لا تقوم الآية دليلاً للجبر الصرف ولو ضم إليها ما قبل، والجبر المتوسط مما قال به أهل الحق وهو لبن خالص أخرج من بين فرث ودم، وحاصله عند بعض المشايخ أن العبد مختار مجبور باختياره، ولعل كلام حجة الإسلام الغزال حيث قال من كلام طويل: فإن قلت: إني أجد في نفسي أني إن شئت الفعل فعلت وإن شئت الترك تركت فيكون فعلي حاصلاً بـي ولا بغيري، أجبنا وقلنا: هب إنك وجدت من نفسك ذلك إلا أنا نقول: وهل تجد من نفسك إنك إن شئت أن تشاء شئت وإن شئت أن لا تشأ لم تشأ؟ ما أظنك تقول ذلك وإلا لذهب الأمر فيه إلى ما لا نهاية له فلا مشيئتك بك ولا حصول فعلك بعد حصول مشيئتك بك وإنما أنت مضطر في صورة مختار انتهى. يرجع إلى ما ذكرنا، وقد استوفينا الكلام في هذا البحث في كتابنا «الأجوبة العراقية عن الأسئلة الإيرانية» وهو لعمري من مشكلات المباحث التي سأل عنها الإيرانون. {أُوْلَـٰئِكَ} أي الموصوفون بالأوصاف المذكورة {كَٱلأَنعَـٰمِ} أي في انتفاء الشعور على الوجه المذكور، وقيل في أن مشاعرهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها وكأن وجه الشبه مدرك مما قبل فتكون الجملة كالتأكيد له فلذا فصلت عنه {بَلْ هُمْ أَضَلُّ} من الأنعام لأنها تدرك ما من شأنها أن تدركه من المنافع والمضار فتجهد في جلبها وسلبها غاية ما يمكنها وهؤلاء ليسوا كذلك حيث لم يميزوا بين المنافع والمضار بل يعكسون الأمر فيتركون النعيم ويقدمون على العذاب الأليم، وقيل: لأنها إذا زجرت انزجرت وإذا أرشدت إلى طريق اهتدت وهؤلاء لا يهتدون إلى شيء من الخيرات. وقيل: لأنها لم تعط قدرة على تحصيل الفضائل وهؤلاء أعطوا ولم ينتفعوا بما أعطوا، ولأنها وإن لم تكن مطيعة لم تكن عاصية وهؤلاء عصاة فهم أسوأ حالاً منها. وقال بعضهم: لأنها تعرف صاحبها وتذكره وتطيعه وهؤلاء لا يعرفون ربهم ولا يذكرونه ولا يطيعونه، وبالجملة كون هؤلاء أضل مما لا شك فيه ووجوه ذلك كثيرة ولا تنافي بين الخبرين كما لا يخفى. {أُوْلَـٰئِكَ} أي المنعوتون بما ذكر من مثلية الأنعام والشرية منها {هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ} أي الكاملون في الغفلة عما فيه صلاحهم. وقال عطاء: عما أعد الله تعالى لأوليائه من الثواب ولأعدائه من العقاب، وجعل بعضهم هذه الجملة كالبيان للجملة قبلها فلذا فصلت عنها.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: {أية : واتلُ عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا}تفسير : [الأعراف: 175]، والمناسبة أن صاحب القصة المعطوف عليها انتقل من صورة الهدى إلى الضلال، لأن الله لما خلقه خلقه ليكون من أهل جهنم، مع مالها من المناسبة للتذييل الذي ختمت به القصة وهو قوله: {أية : من يهد الله فهو المهتدي}تفسير : [الأعراف: 178] الآية. وتأكيد الخبر بلام القسم وبقد؛ لقصد تحقيقه لأن غرابته تُنزل سامعه خالي الذهن منه منزلةَ المتردد في تأويله، ولأن المخبرَ عنهم قد وصفوا بــــ {لهم قلوب لا يفقهون بها} ــــ إلى قوله ــــ {بل هم أضل}، والمعني بهم المشركون، وهم ينكرون أنهم في ضلال ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وكانوا يحسبون أنهم أصحاب أحلام وأفهام، ولذلك قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم في معرض التهكم {أية : قلوبنا في أكنةٍ مما تدعونا إليه وفي آذاننا وَقْرٌ}تفسير : [فصلت: 5]. والذرْء الخلق وقد تقدم في قوله: {أية : وجعلوا لله مما ذَرَأ من الحرث والأنعام نصيباً} تفسير : في سورة الأنعام (136). واللام في {لجهنم} للتعليل، أي خلقنا كثيراً لأجل جهنم. وجهنم مستعملة هنا في الأفعال الموجبة لها بعلاقة المسببية، لأنهم خلقوا لأعمال الضلالة المفضية إلى الكون في جهنم، ولم يُخلقوا لأجل جهنم، لأن جهنم لا يقصد إيجاد خلق لتعميرها، وليست اللام لام العاقبة؛ لعدم انطباق حقيقتها عليها، وفي «الكشاف» جعلهم لاغراقهم في الكفر، وأنهم لا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار، مخلوقين للنار دلالة على تمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار اهــــ، وهذا يقتضي أن تكون الاستعارة في {ذرأنا} وهو تكلف راعى به قواعد الاعتزال في خَلق أفعال العباد وفي نسبة ذلك إلى الله تعالى. وتقديم المجرور على المفعول في قوله: {لجهنم كثيراً} ليظهر تعلقه بــــ {ذرَأنَا}. ومعنى خلق الكثير لاعمال الشر المفضية إلى النار: أن الله خلق كثيراً فجعل في نفوسهم قُوَى من شأنها إفساد ما أودعه في الناس من استقامة الفطرة المشار إليها في قوله: {أية : وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى}تفسير : [الأعراف: 172] وهي قوى الشهوة والغضب فخلقها أشد سلطانا على نفوسهم من القوة الفطرية المسماة الحكمة، فجعلت الشهوةُ والغضب المسمّيْن بالهوى تغلب قوة الفطرة، وهي الحكمة والرشاد، فترجح نفوسهم دواعيَ الشهوة والغضب فتتبعها وتُعرض عن الفطرة، فدلائلُ الحق قائمة في نفوسهم، ولكنهم ينصرفون عنها؛ لغلبة الهوى عليهم فَبِحَسَب خلقة نفوسهم غير ذات عزيمة على مقاومة الشهوات: جُعلوا كأنهم خلقوا لجهنم، وكأنهم لم تخلق فيهم دواعي الحق في الفطرة. والجن خَلْق غير مَرْئي لنا، وظاهر القرآن أنهم عقلاء، وأنهم مطبوعون على ما خلقوا لأجله من نفع أو ضر، وخير أو شر، ومنهم الشياطين، وهذا الخلق لا قبل لنا بتفصيل نظامه ولا كيفيات تلقيه لمراد الله تعالى منه. وقوله: {لهم قلوب} حال أو صفة لخصوص الإنس، لأنهم الذين لهم: قلوب، وعقول، وعيون وآذان، ولم يعرف للجن مثلُ ذلك، وقد قدم الجن على الإنس في الذكر، ليتعين كون الصفات الواردة من بعدُ صفات للإنس وبقرينة قوله: {أولئك كالأنعام}. و{القلوب} اسم لموقع العُقول في اللغة العربية، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم} تفسير : في سورة البقرة (7). والفقه تقدم عند قوله: {أية : لعلهم يفقهون} تفسير : في سورة الأنعام (65). ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع عن آلالتها الكائنة فيهم أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له: وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي، ويدفع به الضر الأبدي، لأن الآت الإدراك والعلم خلقها الله لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع ودفع أكبر المضار، نفي عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة، لأن الفعل في حيز النفي يعم، مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة لعدم الاعتداد بما يعلمون من غير هذا، فالنفي إستعارة بتشبيه بعض الموجود بالمعدوم كله. وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من تقديم السمع على البصر لتشريف السمع يتلقى ما أمر الله به كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوةٌ}تفسير : [البقرة: 7] لأن الترتيب في آية سورة الأعراف هذه سلك طريق الترقي من القلوب التي هي مقر المدركات إلى الآت الإدراك الأعين ثم الآذان فللاذان المرتبة الأولى في الارتقاء. وجملة: {أولئك كالأنعام} مستأنفة لابتداء كلام بتفظيع حالهم فجعل ابتداء كلام ليكون أدعى للسامعين. وعرّفوا بالإشارة لزيادة تمييزهم بتلك الصفات، وللتنبيه على أنهم بسببها أحرياء بما سيذكر من تسويتهم بالأنعام أو جعلهم أضل من الأنعام، وتشبيههم بالأنعام في عدم الانتفاع بما ينتفع به العقلاء فكأن قلوبهم وأعينهم وآذانهم، قلوب الأنعام وأعينها وآذانها، في أنها لا تقيس الأشياء على أمثالها، ولا تنتفع ببعض للدلائل العقلية فلا تعرف كثيراً مما يفضي بها إلى سوء العاقبة. و(بل) في قوله: {بل هم أضل} للانتقال والترقي في التشبيه في الضلال وعدم الانتفاع بما يمكن الانتفاع به،ولما كان وجه الشبه المستفاد من قوله: {كالأنعام} يؤول إلى معنى الضلال، كان الارتقاء في التشبيه بطريقة اسم التفضيل في الضلال. ووجه كونهم أضل من الأنعام: أن الأنعام لا يبلغ بها ضلالها إلى إيقاعها في مهاوي الشقاء الأبدي، لأن لها إلهاماً تتفصى به عن المهالك كالتردي من الجبال والسقوط في الهوّات، هذا إذا حمل التفضيل في الضلال على التفضيل في جنسه وهو الأظهر، وإن حمل على التفضيل في كيفية الضلال ومقارناته كان وجهه أن الأنعام قد خلق إدراكها محدوداً لا يتجاوز ما خلقت لأجله، فنقصان انتفاعها بمشاعرها ليس عن تقصير منها، فلا تكون بمحل الملامة، وأما أهل الضلالة فإنهم حجروا أنفسهم عن مدركاتهم، بتقصير منهم وإعراض عن النظر والاستدلال فهم أضل سبيلاً من الأنعام. وجملة: {أولئك هم الغافلون} تعليل لكونهم أضل من الأنعام وهو بلوغهم حد النهاية في الغفلة، وبلوغهم هذا الحد أفيد بصيغة القصر الادعائي إذ ادُّعي انحصار صفة الغفلة فيهم بحيث لا يوجد غافل غيرهم لعدم الاعتداد بغفلة غيرهم كل غفلة في جانب غفلتهم كلا غفلة، لأن غفلة هؤلاء تعلقت بأجدر الأشياء بأن لا يغفل عنه، وهو ما تقضي الغفلة عنه بالغافل إلى الشقاء الأبدي، فهي غفلة لا تدارك منها، وعثرة لا لعى لها. والغفلة عدم الشعور بما يحق الشعور به، وأطلق على ضلالهم لفظ الغفلة بناء على تشبيه الإيمان بأنه أمر بيّن واضح يعد عدم الشعور به غفلة، ففي قوله: {هم الغافلون} استعارة مكنية ضمنية، والغفلة من روادف المشبه به، وفي وصف {الغافلون} استعارة مصرحة بأنهم جاهلون أو منكرون. وقد وقع التدرج في وصفهم بهذه الأوصاف من نفي انتفاعهم، بمداركهم ثم تشبيههم بالأنعام، ثم الترقي إلى أنهم أضل من الأنعام، ثم قصر الغفلة عليهم.
الواحدي
تفسير : {ولقد ذَرَأْنا} [خلقنا] {لجهنم كثيراً من الجن والإِنس} وهم الذين حقَّت عليهم الشَّقاوة {لهم قلوب لا يفقهون بها} لا يعقلون بها الخير والهدى {ولهم أعين لا يبصرون بها} سبل الهدى {ولهم آذان لا يسمعون بها} مواعظ القرآن {أولئك كالأنعام} يأكلون ويشربون ولا يلتفتون إلى الآخرة {بل هم أضلُّ} لأنَّ الأنعام مطيعةٌ لله، والكافر غير مطيع {أولئك هم الغافلون} عمَّا في الآخرة من العذاب. {ولله الأسماء الحسنى} يعني: التِّسعة والتِّسعين {فادعوه بها} كقولك: يا اللَّهُ، يا قديرُ، يا عليمُ {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} يميلون عن القصد، وهم المشركون عدلوا بأسماء الله عمّا هي عليه، فسمُّوا بها أوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا، واشتقوا اللاَّت من الله، والعُزَّى من العزيز، ومناة من المنَّان {سيجزون ما كانوا يعملون} جزاء ما كانوا يعملون في الآخرة. {وممن خلقنا أمة...} الآية. يعني: أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال في قوم موسى عليه السلام: {أية : ومن قوم موسى أمةٌ...} تفسير : الآية. {والذين كذبوا بآياتنا} محمدٍ والقرآن. يعني: أهل مكَّة {سنستدرجهم} سنمكر بهم {من حيث لا يعلمون} كلما جدَّدوا لنا معصية جدَّّدنا لهم نعمةً. {وأملي لهم} أُطيل لهم مدَّة عمرهم ليتمادوا في المعاصي {إنَّ كيدي متين} مكري شديد. نزلت في المستهزئين من قريش، قتلهم الله في ليلةٍ واحدةٍ بعد أن أمهلهم طويلاً.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ذرأنا لجهنم: خلقنا لجهنم أي للتعذيب بها والاستقرار فيها. لا يفقهون بها: كلام الله ولا كلام رسوله. لا يبصرون بها: آيات الله في الكون. لا يسمعون بها: الحق والمعروف. كالأنعام: البهائم في عدم الانتفاع بقلوبهم وأبصارهم وأسماعهم. الغافلون: أي عن آيات الله، وما خُلقوا له وما يراد لهم وبهم. ولله الأسماء الحسنى: الأسماء جمع إسم والحسنى مؤنث الأحسن، والأسماء الحسنى لله خاصة دون غيره فلا يشاركه فيها أحد من مخلوقاته. وذروا: اتركوا. يلحدون: يميلون بها إلى الباطل. وممن خلقنا: أي من الناس. معنى الآيات: على إثر ذكر الهدى والضلال وإن المهتدي من هداه الله، والضال من أضله الله أخبر تعالى أنه قد خلق لجهنم كثيراً من الجن والإِنس، علما منه تعالى بأنهم يرفضون هدايته ويتكبرون عن عبادته، ويحاربون أنبياءه ورسله، وإن رفضهم للهداية وتكبرهم عن العبادة عطل حواسهم فلا القلب يفقه ما يقال له، ولا العين تبصر ما تراه، ولا الأذن تسمع ما تخبر به وتحدث عنه فأصبحوا كالآنعام بل هم أضل لأن الأنعام ما خرجت عن الطريق الذي سيقت له وخلقت لأجله، وأما أولئك فقد خرجوا عن الطريق الذي أمروا بسلوكه، وخلقوا له ألا وهو عبادة الله تعالى وحده لا شريك له لينجوا من العذاب ويسعدوا في دار النعيم، وقوله تعالى {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تقرير لحقيقة وهي أن استمرارهم في الضلال كان نتيجة غفلتهم عن آيات الله الكونية فلا يتأملوها فيعرفوا أن المعبود الحق هو الله وحده ويعبدوه وعن آيات الله التنزيلية فلا يتدبروها فيعلموا أن الله هو الحق المبين فيعبدوه وحده بما شرع لهم في كتابه وسنة نبيه. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [179] وأما الآية الثانية في هذا السياق [180] وهي قوله تعالى {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فقد أخبر تعالى فيها بأن الأسماء الحسنى له تعالى خاصة لا يشاركه فيها أحد من خلقه، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها مائة اسم إلا اسما أي تسعة وتسعون إسماً ووردت مفرقة في القرآن الكريم، وأمر تعالى عباده أن يدعوه بها يا الله، يا رحمن يا رحيم يا رب، يا حي يا قيوم، وذلك عند سؤالهم إياه وطلبهم منه ما لا يقدرون عليه، كما أمرهم ان يتركوا أهل الزيغ والضلال الذين يلحدون في أسماء الله فيؤلونها، أو يعطلونها، أو يشبهونها، أمر عباده المؤمنين به يتركوا هؤلاء له ليجزيهم الجزاء العادل على ما كانوا يقولون ويعملون. لأن جدالهم غير نافع فيهم ولا مجد للمؤمنين ولا لهم. هذا ما دلت عليه الآية الثانية أما الثالثة [181] وهي قوله تعالى {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} إنه لما ذكر أنه خلق لجهنم كثيراً من الجن والإِنس ذكر هنا أنه خلق للجنة خلقاً آخر من الإِنس والجن فذكر صفاتهم التي يستوجبون بها الجنة كما ذكر صفات أهل جهنم التي استوجبوا بها جهنم، فقال {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ} من الناس {أُمَّةٌ} كبيرة {يَهْدُونَ} أنفسهم وغيرهم {بِٱلْحَقِّ} الذي هو هدى الله ورسوله وبالحق يعدلون في قضائهم وأحكامهم فينصفون ويعدلون ولا يجورون، ومن هذه الأمة كل صالح في أمة الإِسلام يعيش على الكتاب والسنة اعتقاداً وقولاً وعملاً وحكماً وقضاء وأدباً وخلقاً جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير مبدأ أن السعادة والشقاء سبق بها قلم القضاء والقدر فكل ميسر لما خلق له. 2- هبوط الآدمي إلى درك أهبط من درك الحيوان، وذلك عندما يكفر بربه ويعطل حواسه عن الانتفاع بها، ويقصر همه على الحياة الدنيا. 3- بيان أن البلاء كامن في الغفلة عن آيات الله والإِعراض عنها. 4- الأمر بدعاء الله تعالى بأسمائه الحسنى نحو يا رب يا رحمن، يا عزيز يا جبار. 5- حرمة تأويل أسماء الله وصفاته وتحريفها كما قال المشركون في الله، اللات، وفي العزيز العزى سموا بها آلهتهم الباطلة، وهو الإِلحاد الذي توعد الله أهله بالجزاء عليه. 6- أهل الجنة الذين خلقوا لها هم الذين يهدون بالكتاب والسنة ويقضون بهما.
د. أسعد حومد
تفسير : {آذَانٌ} {أُوْلَـٰئِكَ} {كَٱلأَنْعَامِ} {ٱلْغَافِلُونَ} (179) - لَقَدْ خَلَقْنَا كَثيراً مِنَ الإِنْسِ وَالجِنِّ لِيَكُونُوا وَقُوداً لِجَهَنَّمَ، لأنَّهُمْ يَعْمَلُونَ عَمَلَ أهْلِهَا، وَلاَ يَنْتَفِعُونَ بِشَيءٍ مِنْ جَوَارِحِهِمْ التِي جَعَلَها اللهُ سَبيلاً لِلْهدَايَةِ، فَلاَ يَسْمَعُونَ الحَقَّ بِآذَانِهِم، وَلا يَفْقَهُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ، وَلا يَرَوْنَ النُّورَ بِعُيُونِهِمْ، فَهُمْ كَالبَهَائِمِ وَالأنْعَامِ السَّارِحَةِ، لاَ تَنْتَفِعُ بِحَوَاسِّهَا إلا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَعَاشِهَا وَبَقَائِهَا،أوْ هُمْ شَرٌّ مِنَ الدَّوَابِّ وَأكْثَرُ ضَلالاً، لأنَّ الدَّوَابَّ قَدْ تَسْتَجِيبُ لِراعِيها إذا أنِسَتْ بِهِ، وَإنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلاَمَهُ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ. ولأنَّ الدَّوَابَّ تَفْعَلُ مَا خُلِقَتْ لَهُ، إمَّا بِطَبْعِهَا وَإمَّا بِتَسْخِيرِهَا. أمَّا الكَافِرُونَ فِإِنَّهُمْ خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللهَ وَيُوَحِّدُوهُ، فَكَفَرُوا بِاللهِ، وَأشْرَكُوا بِهِ فَهُمُ الغَافِلُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وذرأ، بمعنى بث ونشر، وقد قال الحق سبحانه وتعالى في أول سورة النساء: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} كما يقول الحق أيضاً: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ...} [الأعراف: 179] ونعرف أن في الكون أشياء عابدة بطبيعتها وهي كل ما عدا الإنس والجن؛ لأن كلا منهما في سلك الاختيار، وهم من يقول عنهم ربنا في سورة الرحمن: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ} وذرأنا معناها بثثنا ونشرنا وكثّرنا، وكلمة كثير لا تعني أن المقابل قليل، فقد يكون الشيء كثيراً ومقابله أيضاً كثير، والحق سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلْجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ...} تفسير : [الحج: 18] إذن كل الكائنات من جمادات ونباتات وحيوانات تسجد لله سبحانه وتسبحه، ولكن الأمر انقسم عند الإنسان فقط، حيث يقول الحق في ذات الآية: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ...} تفسير : [الحج: 18] أي هناك كثير يسجدون ويخضعون لله. ومقابل ذلك كثير كفروا ولم يسجدوا وحق عليهم العذاب. وإذا كان المولى تبارك وتعالى يقول: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} فقد يثور في الأذهان سؤال هو: هل أنت خالقهم يا رب لجهنم، ماذا تستطيعون إذن؟ ولا شيء في قدرتهم مادمت قد خلقتهم لذلك؟ ونقول: لا. ولنلفت الأنظار إلى أن في اللغة ما يسمى "لام العاقبة"، وهو ما يؤول إليه الأمر بصورة تختلف عنا كنت تقصده وتريده؛ لأن القصد في الخلق هو العبادة مصداقاً لقوله الحق تبارك وتعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] ومعنى العبادة طاعة الأمر، والكف عن المنهي عنه، والمأمور صالح أن يفعل وألا يفعل، فالعبادة - إذن - تستدعي وجود طائع ووجود عاصٍ، وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى ومنزه سبحانه وتعالى: يأتي لك من يروي لمحة من سيرة إنسان ويقول لك: لماذا يقف منك هذا الموقف العدائي، أليس هو الذي أخذته معك لتوظفه؟ فترد عليه: "زرعته ليقلعني". هل كان وقت مجيئك به كنت تريده أن يقلعك؟ لا. ولكن النتيجة والنهاية صارت هكذا. والحق سبحانه لم يخلق البشر من أجل الجنة أو النار، لكنه عز وجل خلقهم ليعبدوه، فمنهم من آمن وأصلح فدخل الجنة، ومنهم من عصى فدخل النار وهذا اسمه "لام العاقبة"، أي ما صار إليه غير مرادك منه، ومثال ذلك حينما قال الله سبحانه لأم موسى: {أية : فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً...} تفسير : [القصص: 7-8] هل التقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً؟ لا، لأن زوجة فرعون قالت: {أية : قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا...} تفسير : [القصص: 9] فقد كانت علة الالتقاط - إذن - هي أن يكون قرة عين، لكنه صار عدواً في النهاية، وهذا اسمه - كما قلت - لام العاقبة. وهكذا لا تكون علة الخلق أن يدخل كثير من الجن والإنس النار، في قوله الحق: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} لأن علة الخلق في الأصل هي العبادة، والعبادة تقتضي طائعاً وعاصياً، فالذي يطيع يدخل الجنة، والذي يعصي يدخل النار، ولله المثل الأعلى، أذكركم بالمثل الذي ضربته من قبل حين يسأل وزير التعليم مدير إحدى المدارس أو عميد كلية ما عن حال الدراسة والطلبة فيقول العميد أو المدير: إننا نعلم جيداً من هم أهل للرسوب ومن هم أهل للنجاح وإن شئت أقول لك عليهم وأحددهم. لم يقل العميد أو المدير لأنه يتحكم في إجابات الطلبة، ولكنه علم من تصرفاتهم ما يؤولون إليه، والعلم صفة انكشاف لا صفة تأثير. وعلى ذلك فإن قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} يعني أننا نشرنا وبثثنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس، وهم من يعرضون عن منهجنا، ثم يأتي بالحيثيات لذلك وهي أولا: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا...} [الأعراف: 179] وثانياً: {وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا...} [الأعراف: 179] وثالثاً: {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} [الأعراف: 179] ولقائل أن يقول: إن كانت قلوبهم مخلوقة بحيث لا تفقه فما ذنبهم هم؟. ومادامت عيونهم مخلوقة بحيث لا ترى فما ذنبهم؟ وكذلك مادامت الآذان مخلوقة بحيث لا تسمع فلماذا يعاقبون؟. ونقول: لا، لم يخلقهم الله للعذاب، لكنهم انشغلوا بما استحوذ عليهم من شهواتهم، وصارت عقولهم لا تفكر في شيء غيره وتخطط للحصول على الشهوة، وكذلك العيون لا ترى إلا ما يستهويها، وكذلك الآذان. وكل منهم يرى غير مراد الرؤية، ويسمع غير مراد السمع. والفرق بين فقه القلب ورؤية العين وسماع الأذان.. أن فقه القلب هو فهم القضايا التي تنتهي إليها الإدراكات. ونعلم أن الإدراكات تأتي بواسطة الحواس الخمس، فنحن نعرف أن الحرير ناعم باللمس، ونعرف أن المسك رائحته طيبة بالشم، ونعلم أن العسل حلو الطعم بالذوق. إذن لكل وسيلة إدراك، وهي من المحسَات، وبعد أن تتكون المحسَات يمتلك الإنسان خميرة علمية في قلبه وتنضج لتصير قضية عقلية منتهية ومسلماً بها. وكلنا يعرف أن النار محرقة؛ لأن الإنسان أول ما يلمس النار تلسعه، فيعرف أن النار محرقة، ويتحول الإدراك إلى إحساس ثم إلى معنى. إذن فالمعلومات وسائلها إلى النفس الإنسانية وملكاتها الحواس الظاهرة، وهناك حواس أخرى غير ظاهرة مثل قياس وزن الأشياء بالحمل. وقد انتبه العلماء لذلك واكتشفوا حاسة اسمها حاسة العضل؛ لأنك حين تحمل شيئاً قد تجهد العضلة أكثر إن كان الحمل ثقيلاً. وحينما ترى واحداً من قريب وواحداً من بعيد، فهذه اسمها حاسة البعد، وكذلك حاسة البين وهي التي تميز بها سمُك القماش مثلاً. كل الحواس - إذن - تربي المعاني عند الإنسان وحين تربي المعاني في النفس الإنسانية تتكون القضايا التي تستقر في القلب. ولذلك يمتن الحق سبحانه وتعالى على خلقه بأنه علمهم فقال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78] ونعود إلى قول الحق تبارك وتعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} والفقه هو الفهم ويصير الفهم قضية مرجحة انتهى إليها الاقتناع من المرائي والمحسّات، لكنّ هؤلاء الكافرين لا يرون بأعينهم إلى هواهم، وكذلك لا تسمع آذانهم إلا ما يروق لهم، فلا يستمعون إلى الهدى، ولا يلتفتون إلى الآيات التي يستدلون بها على الخالق فتعيش قلوبهم بلا فقه، فهم إذن لهم قلوب وأعين وآذان بدليل أنهم فقهوا بها وسمعوا بها ورأوا بها الأشياء التي تروق لانحرافهم. ويصف الحق تبارك وتعالى هؤلاء فيقول: {أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} وهنا وقفة لإثارة سؤال هو: ما ذنب الأنعام التي تُشبه بها الكفار؟ إن الأنعام غير مكلفة وليس لأي منها قلب يفقه أو عين تبصر آيات الله أو آذان تسمع بها آيات الله. هي فقط ترى المْرعَى فتذهب إليه، وترى الذئب فتفر منه، وتتعود على أصوات تتحرك بها، وكافة الحيوانات تحيا بآلية الغريزة، ويهتدي الحيوان إلى أموره النافعة له وإلى أموره الضارة به بغريزته التي أودعها الله فيه، لا بعقله. والإنسان منا لا يبتعد عن الضرر إلا حين يجربه ويجد فيه ضرراً. لكن الحيوان يبتعد عن الضر من غير تجربة بل بالغريزة، لأن الحيوان ليس له عقل وكذلك ليس له قدرة اختيار بين البديلات، وفطره الله على غريزة تُسَيّرهُ إلى مقومات صالحة، ومثال ذلك: أنه قد يوجد الحيوان في بيئة ما، ويعطي الله له لوناً يماثل لون هذه البيئة ليحمي نفسه من حيوانات أقوى منه. ومثال آخر: نحن نعلم أن الحيوان مخلوق لينفع الإنسان، ولابد أن يتناسل ليؤدي ما يحتاج إليه الإنسان من ذرية هذا الحيوان ويمارس الحيوان العملية الجنسية كوسيلة للتناسل وليست كما هي في الإنسان، حيث تصير في بعض الأحيان غاية في ذاتها، بجانب أنها وسيلة للنسل. ولذلك نجد كثيراً من ظواهر الحياة المتعلقة بالإنسان قد تعلمها من الحيوان مثلما قال الحق تبارك وتعالى: {أية : فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي ٱلأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ...} تفسير : [المائدة: 31] إذن فالغراب مَهْدِيّ بغريزته إلى كل متطلباته، ولذلك نجد من يقول: كيف نشبه الضال بالأنعام؟ نقول: إن الضال يختلف عن الأنعام في أنه يملك الاختيار وقد رفع فوق الأنعام، لكنه وضع نفسه موضع الأنعام حين لم يستخدم العقل كي يختار به بين البدائل. وبذلك صار أضل من الأنعام، وكلمة "أضل" تبين لنا أن الأنعام ليست ضالة، لأنها محكومة بالغريزة لا اختيار لها في شيء. لكن الكفار الذين ذرأهم ربنا لجهنم من الجن والإنس، لا يعرفون ربهم، بينما الأنعام، والجمادات والنباتات تعرف ربها لأن الحق يقول: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ...} تفسير : [الإسراء: 44] إذن فالأنعام تعرف ربنا وتسبحه وتحمده. وفي آية أخرى يقول المولى تبارك وتعالى: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ...} تفسير : [النور: 41] وعلى ذلك فكل الجماد - إذن - بعلم صلاته وتسبيحه. ولذلك قصصنا قصة من قصص العارفين بالله حين يجلسون مع بعضهم البعض كوسيلة تنشيط إلى غايات وأهداف سامية. والعارف بالله من هؤلاء الصالحين يستقبل الأحسن منه في العبادة بالضحك، أما الأحسن منه في أمور الدنيا فيستقبله "بالتكشير"، وقال واحد منهم لآخر: أتشتاق إلى ربك؟ فرد عليه: لا. تساءل الآخر: كيف تقول ذلك؟. قال له: نعم. إنما يُشْتَاقٌ إلى غائب. {... أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] ولا تظنن أن الضلال لعدم وجود منهج، أو لعدم مُذَكِّر، أو لعدم وجود مُنْذرٍ أو مُبَشِّر. بل هي غفلة منهم، فالأمور واضحة أمامهم، لكنهم يهملونها ويَغُفلون عنها. ويقول الحق بعد ذلك: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ...}
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا} أوجدنا وأظهرنا {لِجَهَنَّمَ} البعد والخذلان ونيران الإمكان والحرمان {كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} مع أن {لَهُمْ قُلُوبٌ} هي مناط التكاليف ومحال الإيمان والإيقان، وهم {لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} ليحصل لهم مرتبة اليقين العلمي واللدني {وَلَهُمْ} أيضاً {أَعْيُنٌ} هي سبب مشاهدة الآثار والاستدلال منها على الأوصاف الموجدة لها، المرتبة على الذات الإلهي، وهم {لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا} ليحصل لهم مرتبة اليقين العيني. {وَلَهُمْ} أيضاً {آذَانٌ} وهي آلات السماع كلمة الحق ووسائق إلى اكتساب الفاضائل المنبهة على ما في نفوسهم من الأسرار المكنونة الإلهية، وهم {لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} ليحصل لهم الترقي إلى مرتبة اليقين العيني إلى اليقين الحقي، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ} الحمقاء الجهلاء، المتصفون بأوصاف العقلاء، العرفاء {كَٱلأَنْعَامِ} في عدم الشعور والتنبه {بَلْ هُمْ} بسبب تضييع استعدادهم {أَضَلُّ} من الأنعام بمراتب، وبالجملة: {أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179] المقصرون على الغفلة المؤبدة، المتناهون فيها أقصى الغاية. {وَ} اعلموا أيها الفضلاء العرفاء، الموحدون أن {للَّهِ} المتوحد المتفرد في ذاته {ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} التي تترتب عليها الصفات العليا، المترتبة عليها الآثار الحادثة في عالم الكون والفساد، والشهادة والغيب، والنشأة الأولى والأخرى {فَٱدْعُوهُ} سبحانه أيها الموحدون {بِهَا} وأسندوا الحوادث الكائنة إليها أولاً وبالذات {وَذَرُواْ} أي: دعوا واتركوا أقوال {ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} يميلون ويشركون {فِيۤ أَسْمَآئِهِ} بنسبة الحوادث إلى الأسباب أولاً وباللذات، واهجروا مذاهبهم، واعتزلوا عنه وعن مجالستهم، واعلموا أن كل أحد {سَيُجْزَوْنَ} على مقتضى {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ثمَّ قال سبحانه كلاماً كلياً، جملياً شاملاً على جميع الملل والأديان، فقال: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ} أظهرناهم على صورتنا {أُمَّةٌ} مستخلفة عناهم {يَهْدُونَ} الناس إلينا، ملتبسين {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {وَبِهِ} أي: بالحق لا بغيره؛ إذ لا غير {يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] يقسطون وينصفون في الأحكام. {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا} الدالة على توحيدنا، المنزلة على رسلنا {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} سنستضلهم ونستزلهم قليلاً قليلا إلى أن نهلكهم بالمرة، وندخلهم في جنهم البعد وسعير الإمكان {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] ولا يفهمون كيف وقعوا فيها.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى مبينا كثرة الغاوين الضالين، المتبعين إبليس اللعين: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } أي: أنشأنا وبثثنا { لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ } صارت البهائم أحسن حالة منهم. { لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا } أي: لا يصل إليها فقه ولا علم، إلا مجرد قيام الحجة. { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا } ما ينفعهم، بل فقدوا منفعتها وفائدتها. { وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا } سماعا يصل معناه إلى قلوبهم. { أُولَئِكَ } الذين بهذه الأوصاف القبيحة { كَالأنْعَامِ } أي: البهائم، التي فقدت العقول، وهؤلاء آثروا ما يفنى على ما يبقى، فسلبوا خاصية العقل. { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } من البهائم، فإن الأنعام مستعملة فيما خلقت له، ولها أذهان، تدرك بها، مضرتها من منفعتها، فلذلك كانت أحسن حالا منهم. { أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } الذين غفلوا عن أنفع الأشياء، غفلوا عن الإيمان باللّه وطاعته وذكره. خلقت لهم الأفئدة والأسماع والأبصار، لتكون عونا لهم على القيام بأوامر اللّه وحقوقه، فاستعانوا بها على ضد هذا المقصود. فهؤلاء حقيقون بأن يكونوا ممن ذرأ اللّه لجهنم وخلقهم لها، فخلقهم للنار، وبأعمال أهلها يعملون. وأما من استعمل هذه الجوارح في عبادة اللّه، وانصبغ قلبه بالإيمان باللّه ومحبته، ولم يغفل عن اللّه، فهؤلاء، أهل الجنة، وبأعمال أهل الجنة يعملون.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):