Verse. 1134 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَلِلہِ الْاَسْمَاۗءُ الْحُسْنٰى فَادْعُوْہُ بِہَا۝۰۠ وَذَرُوا الَّذِيْنَ يُلْحِدُوْنَ فِيْۗ اَسْمَاۗىِٕہٖ۝۰ۭ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۱۸۰
Walillahi alasmao alhusna faodAAoohu biha watharoo allatheena yulhidoona fee asmaihi sayujzawna ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولله الأسماء الحسنى» التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، والحسنى مؤنث الأحسن «فادعوه» سموه «بها وذروا» اتركوا «الذين يُلحدون» من ألحد ولحد، يميلون عن الحق «في أسمائه» حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم: كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من المنَّان «سيجزون» في الآخرة جزاء «ما كانوا يعملون» وهذا قبل الأمر بالقتال.

180

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما وصف المخلوقين لجهنم بقوله: {أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } أمر بعده بذكر الله تعالى فقال: {وَللَّهِ ٱلاسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } وهذا كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله. والمخلص عن عذاب جهنم هو ذكر الله تعالى وأصحاب الذوق والمشاهدة يجدون من أرواحهم أن الأمر كذلك فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله، وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في باب الحرص وزمهرير الحرمان، ولا يزال ينتقل من رغبة إلى رغبة ومن طلب إلى طلب، ومن ظلمة إلى ظلمة، فإذا انفتح على قلبه باب ذكر الله ومعرفة الله تخلص عن نيران الآفات وعن حسرات الخسارات، واستشعر بمعرفة رب الأرض والسموات وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } مذكور في سور أربعة: أولها: هذه السورة. وثانيها: في آخر سورة بني إسرائيل في قوله: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنَ أَيَّامًا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 110] وثالثها: في أول طه وهو قوله: {أية : ٱللَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [طه: 8] ورابعها: في آخر الحشر وهو قوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىء ٱلْمُصَوّرُ لَهُ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ }تفسير : [الحشر: 24]. إذا عرفت هذا فنقول: {ٱلاْسْمَاء } ألفاظ دالة على المعاني فهي إنما تحسن بحسن معانيها ومفهوماتها، ولا معنى للحسن في حق الله تعالى إلا ذكر صفات الكمال ونعوت الجلال، وهي محصورة في نوعين: عدم افتقاره إلى غيره، وثبوت افتقار غيره إليه. واعلم أن لنا في تفسير أسماء الله كتاباً كبيراً كثير الدقائق شريف الحقائق سميناه «بلوامع البينات في تفسير الأسماء والصفات»، من أراد الاستقصاء فيه فليرجع إليه، ونحن نذكر ههنا لمعاً ونكتاً منها. فنقول: إن أسماء الله يمكن تقسيمها من وجوه كثيرة. الوجه الأول: أن نقول: الاسم إما أن يكون اسماً للذات، أو لجزء من أجزاء الذات، أو لصفة خارجة عن الذات قائمة بها. أما اسم الذات فهو المسمى بالاسم الأعظم، وفي كشف الغطاء عما فيه من المباحثات أسرار. وأما اسم جزء الذات فهو في حق الله تعالى محال، لأن هذا إنما يفعل في الذات المركبة من الأجزاء، وكل ما كان كذلك فهو ممكن، فواجب الوجود يمتنع أن يكون له جزء. وأما اسم الصفة فنقول: الصفة إما أن تكون حقيقية أو إضافية أو سلبية، أو ما يتركب عن هذه الثلاثة، وهي أربعة، لأنه إما أن يكون صفة حقيقية مع إضافة أو مع سلب أو صفة سلبية مع إضافة أو مجموع صفة حقيقية وإضافة وسلبية. أما الصفة الحقيقية العارية عن الإضافة فكقولنا موجود عند من يقول: الوجود صفة، أو قولنا واحد، عند من يقول: الوحدة صفة ثانية، وكقولنا حي، فإن الحياة صفة حقيقية عارية عن النسب والإضافات، وأما الصفة الإضافية المحضة فكقولنا: مذكور ومعلوم، وأما الصفة السلبية، فكقولنا: القدوس السلام. وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة، فكقولنا: عالم وقادر، فإن العلم صفة حقيقية، وله تعلق بالمعلوم والقادر، فإن القدرة صفة حقيقية، ولها تعلق بالمقدور، وأما الصفة الحقيقية مع السلبية. فكقولنا: قديم أزلي، لأنه عبارة عن موجود لا أول له. وأما الصفة الإضافية مع السلبية، فكقولنا: أول. فإنه هو الذي سبق غيره وما سبقه غيره، وأما الصفة الحقيقية مع الإضافة والسلب، فكقولنا: حكيم، فإنه هو الذي يعلم حقائق الأشياء، ولا يفعل ما لا يجوز فعله فصفة العلم صفة حقيقية، وكون هذه الصفة متعلقة بالمعلومات، نسب وإضافات، وكونه غير فاعل لما لا ينبغي سلب. إذا عرفت هذا فنقول: السلوب، غير متناهية، والإضافات أيضاً غير متناهية، فكونه خالقاً للمخلوقات صفة إضافية، وكونه محيياً ومميتاً إضافات مخصوصة، وكونه رازقاً أيضاً إضافة أخرى مخصوصة. فيحصل بسبب هذين النوعين من الاعتبارات أسماء لا نهاية لها لله تعالى، لأن مقدوراته غير متناهية، ولما كان لا سبيل إلى معرفة كنه ذاته، وإنما السبيل إلى معرفته بمعرفة أفعاله فكل من كان وقوفه على أسرار حكمته في مخلوقاته أكثر، كان علمه بأسماء الله أكثر. ولما كان هذا بحراً لا ساحل له ولا نهاية له، فكذلك لا نهاية لمعرفة أسماء الله الحسنى. النوع الثاني: في تقسيم أسماء الله ما قاله المتكلمون: وهو أن صفات الله تعالى ثلاثة أنواع: ما يجب، ويجوز، ويستحيل على الله تعالى. ولله تعالى بحسب كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة أسماء مخصوصة. والنوع الثالث: في تقسيم أسماء الله أن صفات الله تعالى إما أن تكون ذاتية، أو معنوية، أو كانت من صفات الأفعال. والنوع الرابع: في تقسيم أسماء الله تعالى إما أن يجوز إطلاقها على غير الله تعالى، أو لا يجوز. أما القسم الأول: فهو كقولنا: الكريم الرحيم العزيز اللطيف الكبير الخالق، فإن هذه الألفاظ يجوز إطلاقها على العباد، وإن كان معناها في حق الله تعالى مغايراً لمعناها في حق العباد. وأما القسم الثاني فهو كقولنا: الله الرحمن. أما القسم الأول: فإنها إذا قيدت بقيود مخصوصة صارت بحيث لا يمكن إطلاقها إلا في حق الله تعالى كقولنا: يا أرحم الراحمين، ويا أكرم الأكرمين، ويا خالق السموات والأرضين. النوع الخامس: في تقسيم أسماء الله أن يقال: من أسماء الله ما يمكن ذكره وحده، كقولنا: يا الله يا رحمن يا حي يا حكيم، ومنها ما لا يكون كذلك، كقولنا: مميت وضار، فإنه لا يجوز إفراده بالذكر، بل يجب أن يقال: يا محيي يا مميت يا ضار يا نافع. النوع السادس: في تقسيم أسماء الله تعالى أن يقال: أول ما يعلم من صفات الله تعالى كونه محدثاً للأشياء مرجحاً لوجودها على عدمها، وذلك لأنا إنما نعلم وجوده سبحانه بواسطة الاستدلال بوجود الممكنات عليه، فإذا دل الدليل على أن هذا العالم المحسوس ممكن الوجود والعدم لذاته، قضى العقل بافتقاره إلى مرجح يرجح وجوده على عدمه، وذلك المرجح ليس إلا الله سبحانه، فثبت أن أول ما يعلم منه تعالى هو كونه مرجحاً ومؤثراً، ثم نقول ذلك المرجح إما أن يرجح على سبيل الوجوب أو على سبيل الصحة والأول باطل، وإلا لدام العالم بدوامه، وذلك باطل، فبقي أنه إنما رجح على سبيل الصحة وكونه مرجحاً على سبيل الصحة، ليس إلا كونه تعالى قادراً، فثبت أن المعلوم منه بعد العلم بكونه مرجحاً، هو كونه قادراً. ثم إنا بعد هذا نستدل بكون أفعاله محكمة متقنة على كونه عالماً، ثم إنا إذا علمنا كونه تعالى قادراً عالماً، وعلمنا أن العالم القادر يمتنع أن يكون إلا حياً، علمنا من كونه قادراً عالماً، كونه حياً. فظهر بهذا أنه ليس العلم بصفاته تعالى وبأسمائه واقعاً في درجة واحدة، بل العلم بها علوم مترتبة يستفاد بعضها من بعض. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } يفيد الحصر، ومعناه أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى، والبرهان العقلي قد يدل على صحة هذا المعنى، وذلك لأن الموجود إما واجب الوجود لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته ليس إلا الواحد وهو الله سبحانه، وأما ما سوى ذلك الواحد، فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته، فهو محتاج في ماهيته وفي وجوده وفي جميع صفاته الحقيقية والإضافية والسلبية إلى تكوين الواجب لذاته، ولولاه لبقي على العدم المحض والسلب الصرف، فالله سبحانه كامل لذاته، وكمال كل ما سواه فهو حاصل بجوده وإحسانه، فكل كمال وجلال وشرف، فهو له سبحانه بذاته ولذاته وفي ذاته، ولغيره على سبيل العارية، والذي لغيره من ذاته، فهو الفقر والحاجة والنقصان والعدم، فثبت بهذا البرهان البين أن الأسماء الحسنى ليست إلا لله، والصفات الحسنى ليست إلا لله، وأن كل ما سواه، فهو غرق في بحر الفناء والنقصان. المسألة الثالثة: دلت هذه الآية على أن أسماء الله ليست إلا لله، والصفات الحسنى ليست إلا لله، فيجب كونها موصوفة بالحسن والكمال فهذا يفيد أن كل اسم لا يفيد في المسمى صفة كمال وجلال فإنه لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه، وعند هذا نقل عن جهم بن صفوان أنه قال: لا أطلق على ذات الله تعالى اسم الشيء. قال: لأن اسم الشيء يقع على أخس الأشياء وأكثرها حقارة وأبعدها عن درجات الشرف، وإذا كان كذلك وجب القطع بأنه لا يفيد في المسمى شرفاً ورتبة وجلالة. وإذا ثبت هذا فنقول: ثبت بمقتضى هذه الآية أن أسماء الله يجب أن تكون دالة على الشرف والكمال، وثبت أن اسم الشيء ليس كذلك فامتنع تسمية الله بكونه شيئاً. قال ومعاذ الله أن يكون هذا نزاعاً في كونه في نفسه حقيقة وذاتاً وموجوداً، إنما النزاع وقع في محض اللفظ، وهو أنه هل يصح تسميته بهذا اللفظ أم لا؟ فأما قولنا إنه منشىء الأشياء، فهو اسم يفيد المدح والجلال والشرف، فكان إطلاق هذا الاسم على الله حقاً، ثم أكد هذه الحجة بأنواع أخر من الدلائل. فالأول: قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ كمثله مِن شَىْء }تفسير : [الشورى: 11] معناه ليس مثل مثله شيء، ولا شك أن عين الشيء مثل لمثل نفسه. فلما ثبت بالعقل أن كل شيء فهو مثل مثل نفسه، ودل الدليل القرآني على أن مثل مثل الله ليس بشيء، كان هذا تصريحاً بأنه تعالى غير مسمى باسم الشيء، وليس لقائل أن يقول «الكاف» في قوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ } حرف زائد لا فائدة فيه، لأن حمل كلام الله على اللغو والعبث وعدم الفائدة بعيد. الحجة الثانية: قوله تعالى: {أية : خَـٰلِقُ كُلّ شَىْء }تفسير : [الأنعام: 102 الرعد: 16 غافر: 62] ولو كان تعالى داخلاً تحت اسم الشيء لزم كونه تعالى خالقاً لنفسه وهو محال. لا يقال هذا عام دخله التخصيص، لأنا نقول هذا كلام لا بد من البحث عنه فنقول: ثبت بحسب العرف المشهور أنهم يقيمون الأكثر مقام الكل، ويقيمون الشاذ النادر مقام العدم. إذا ثبت هذا فنقول: إنه إذا حصل الأكثر الأغلب وكان الغالب الشاذ الخارج نادراً، ألحقوا ذلك الأكثر بالكل، وألحقوا ذلك النادر بالمعدوم، وأطلقوا لفظ الكل عليه، وجعلوا ذلك الشاذ النادر من باب تخصيص العموم. وإذا عرفت هذا فنقول: إن بتقدير أن يصدق على الله تعالى اسم الشيء كان أعظم الأشياء هو الله تعالى، وإدخال التخصيص في مثل هذا المسمى يكون من باب الكذب، فوجب أن يعتقد أنه تعالى ليس مسمى باسم الشيء حتى لا يلزمنا هذا المحذور. الحجة الثالثة: هذا الاسم ما ورد في كتاب الله ولا سنة رسوله، وما رأينا أحداً من السلف قال في دعائه ياشيء، فوجب الامتناع منه، والدليل على أنه غير وارد في كتاب الله أن الآية التي يتوهم اشتمالها على هذا الاسم قوله تعالى: {أية : قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شَهَـٰدةً قُلِ ٱللَّهِ شَهِيدٌ بِيْنِى وَبَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 19] وقد بينا في سورة الأنعام أن هذه الآية لا تدل على المقصود، فسقط الكلام فيه. فإن قال قائل: فقولنا: موجود ومذكور وذات ومعلوم، ألفاظ لا تدل على الشرف والجلال فوجب أن تقولوا إنه لا يجوز إطلاقها على الله تعالى. فنقول: الحق في هذا الباب التفصيل، وهو أنا نقول: ما المراد من قولك: إنه تعالى شيء، وذات، وحقيقة؟ إن عنيت أنه تعالى في نفسه ذات وحقيقة وثابت وموجود وشيء، فهو كذلك من غير شك ولا شبهة، وإن عنيت به أنه هل يجوز أن ينادى بهذه الألفاظ أم لا؟ فنقول لا يجوز. لأنا رأينا السلف يقولون: يا الله يا رحمن يا رحيم إلى سائر الأسماء الشريفة، وما رأينا ولا سمعنا أن أحداً يقول: يا ذات يا حقيقة يا مفهوم ويا معلوم، فكان الامتناع عن مثل هذه الألفاظ في معرض النداء والدعاء واجباً لله تعالى. والله أعلم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } يدل على أنه تعالى حصلت له أسماء حسنة، وأنه يجب على الإنسان أن يدعو الله بها، وهذا يدل على أن أسماء الله توقيفية لا اصطلاحية. ومما يؤكد هذا أنه يجوز أن يقال: يا جواد، ولا يجوز أن يقال: يا سخي، ولا أن يقال يا عاقل يا طبيب يا فقيه. وذلك يدل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية. المسألة الخامسة: دلت الآية على أن الاسم غير المسمى لأنها تدل على أن أسماء الله كثيرة لأن لفظ الأسماء لفظ الجمع، وهي تفيد الثلاثة فما فوقها، فثبت أن أسماء الله كثيرة ولا شك أن الله واحد، فلزم القطع بأن الاسم غير المسمى وأيضاً قوله: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } يقتضي إضافة الأسماء إلى الله، وإضافة الشيء إلى نفسه محال. وأيضاً فلو قيل: ولله الذوات لكان باطلاً. ولما قال: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء } كان حقاً وذلك يدل على أن الاسم غير المسمى. المسألة السادسة: قوله: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا } يدل على أن الإنسان لا يدعو ربه إلا بتلك الأسماء الحسنى، وهذه الدعوة لا تتأتى إلا إذا عرف معاني تلك الأسماء، وعرف بالدليل أن له إلهاً ورباً خالقاً موصوفاً بتك الصفات الشريفة المقدسة، فإذا عرف بالدليل ذلك فحينئذ يحسن أن يدعو ربه بتلك الأسماء والصفات، ثم إن لتلك الدعوة شرائط كثيرة مذكورة بالاستقصاء في كتاب «المنهاج» لأبي عبد الله الحليمي، وأحسن ما فيه أن يكون مستحضراً لأمرين: أحدهما: عزة الربوبية. والثانية: ذلة العبودية. فهناك يحسن ذلك الدعاء ويعظم موقع ذلك الذكر. فأما إذا لم يكن كذلك كان قليل الفائدة، وأنا أذكر لهذا المعنى مثالاً، وهو أن من أراد أن يقول في تحريمة صلاته الله أكبر، فإنه يجب أن يستحضر في النية جميع ما أمكنه من معرفة آثار حكمة الله تعالى في تخليق نفسه وبدنه وقواه العقلية والحسية أو الحركية، ثم يتعدى من نفسه إلى استحضار آثار حكمة الله في تخليق جميع الناس، وجميع الحيوانات، وجميع أصناف النبات والمعادن، والآثار العلوية من الرعد والبرق والصواعق التي توجد في كل أطراف العالم، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الأرضين والجبال والبحار والمفاوز، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق طبقات العناصر السفلية والعلوية، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق أطباق السموات على سعتها وعظمها، وفي تخليق أجرام النيرات من الثوابت والسيارات، ثم يستحضر آثار قدرة الله تعالى في تخليق الكرسي وسدرة المنتهى، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق العرش العظيم المحيط بكل هذه الموجودات، ثم يستحضر آثار قدرته في تخليق الملائكة من حملة العرش والكرسي وجنود عالم الروحانيات، فلا يزال يستحضر من هذه الدرجات والمراتب أقصى ما يصل إليه فهمه وعقله وذكره وخاطره وخياله، ثم عند استحضار جميع هذه الروحانيات والجسمانيات على تفاوت درجاتها وتباين منازلها ومراتبها، ويقول الله أكبر، ويشير بقوله ـ الله ـ إلى الموجود الذي خلق هذه الأشياء وأخرجها من العدم إلى الوجود، ورتبها بما لها من الصفات والنعوت، وبقوله ـ أكبر ـ أي أنه لا يشبه لكبريائه وجبروته وعزه وعلوه وصمديته هذه الأشياء بل هو أكبر من أن يقال: إنه أكبر من هذه الأشياء. فإذا عرفت هذا المثال الواحد فقس الذكر الحاصل مع العرفان والشعور، وعند هذا ينفتح على عقلك نسمة من الأسرار المودعة تحت قوله: {ولله ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا }. أما قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَٰـئِهِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة {يُلْحِدُونَ } ووافقه عاصم والكسائي في النحل. قال الفراء: {يُلْحِدُونَ } و {يُلْحِدُونَ } لغتان: يقال: لحدت لحداً وألحدت، قال أهل اللغة: معنى الإلحاد في اللغة الميل عن القصد. قال ابن السكيت: الملحد العادل عن الحق المدخل فيه ما ليس منه. يقال: قد ألحد في الدين ولحد، وقال أبو عمرو من أهل اللغة: الإلحاد: العدل عن الاستقامة والانحراف عنها. ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر. قال الواحدي رحمه الله: والأجود قراءة العامة لقوله تعالى: {أية : وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ }تفسير : [الحج: 25] والإلحاد أكثر في كلامهم لقولهم: ملحد، ولا تكاد تسمع العرب يقولون لاحد. المسألة الثانية: قال المحققون: الإلحاد في أسماء الله يقع على ثلاثة أوجه: الأول: إطلاق أسماء الله المقدسة الطاهرة على غير الله، مثل أن الكفار كانوا يسمون الأوثان بآلهة، ومن ذلك أنهم سموا أصناماً لهم باللات والعزى والمناة، واشتقاق اللات من الإله، والعزى من العزيز، واشتقاق مناة من المنان. وكان مسيلمة الكذاب لقب نفسه بالرحمن. والثاني: أن يسموا الله بما لا يجوز تسميته به، مثل تسمية من سماه ـ أباً ـ للمسيح. وقول جمهور النصارى: أب، وابن، وروح القدس، ومثل أن الكرامية يطلقون لفظ الجسم على الله سبحانه ويسمونه به، ومثل أن المعتزلة قد يقولون في أثناء كلامهم، لو فعل تعالى كذا وكذا لكان سفيهاً مستحقاً للذم، وهذه الألفاظ مشعرة بسوء الأدب. قال أصحابنا: وليس كل ما صح معناه جاز إطلاقه باللفظ في حق الله، فإنه ثبت بالدليل أنه سبحانه هو الخالق لجميع الأجسام، ثم لا يجوز أن يقال: يا خالق الديدان والقرود والقردان، بل الواجب تنزيه الله عن مثل هذه الأذكار، وأن يقال: يا خالق الأرض والسموات يا مقيل العثرات يا راحم العبرات إلى غيرها من الأذكار الجميلة الشريفة. والثالث: أن يذكر العبد ربه بلفظ لا يعرف معناه ولا يتصور مسماه، فإنه ربما كان مسماه أمراً غير لائق بجلال الله، فهذه الأقسام الثلاثة هي الإلحاد في الأسماء. فإن قال قائل: هل يلزم من ورود الأول في إطلاق لفظه على الله تعالى أن يطلق عليه سائر الألفاظ المشتقة منه على الإطلاق؟ قلنا: الحق عندي أن ذلك غير لازم لا في حق الله تعالى، ولا في حق الملائكة والأنبياء وتقريره: أن لفظ «علم» ورد في حق الله تعالى في آيات منها قوله: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا }تفسير : [البقرة: 31] {أية : عَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ }تفسير : [النساء: 113] {أية : وَعَلَّمْنَـٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } تفسير : [الكهف: 65] {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الرحمن: 1، 2] ثم لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى يا معلم، وأيضاً ورد قوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ }تفسير : [المائدة: 54] ثم لا يجوز عندي أن يقال يا محب. وأما في حق الأنبياء، فقد ورد في حق آدم عليه السلام: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمَ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] ثم لا يجوز أن يقال إن آدم كان عاصياً غاوياً، وورد في حق موسى عليه السلام {أية : يٰأَبَتِ ٱسْتَـجِرْهُ }تفسير : [القصص: 26] ثم لا يجوز أن يقال إنه عليه السلام كان أجيراً، والضابط أن هذه الألفاظ الموهمة يجب الاقتصار فيها على الوارد، فأما التوسع بإطلاق الألفاظ المشتقة منها فهي عندي ممنوعة غير جائزة. ثم قال تعالى: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فهو تهديد ووعيد لمن ألحد في أسماء الله. قالت المعتزلة: الآية قد دلت على إثبات العمل للعبد، وعلى أن الجزاء مفرع على عمله وفعله.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} فيه ست مسائل: الأُولى ـ قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} أمر بإخلاص العبادة لله، ومجانبة المشركين والملحِدين. قال مقاتل وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من المسلمين، كان يقول في صلاته: يا رحمن يا رحيم. فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربّاً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}. الثانية ـ جاء في كتاب الترمذِيّ وسنن ابن ماجه وغيرهما حديث عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نص فيه أن للٰه تسعة وتسعين اسماً؛ في أحدهما ما ليس في الآخر. وقد بينا ذلك في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). قال ابن عطية ـ وذكر حديث الترمذِي ـ وذلك الحديث ليس بالمتواتر، وإن كان قد قال فيه أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صَفْوَان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وإنما المتواتر منه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله تسعة وتسعين ٱسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة»تفسير : . ومعنى «أحصاها» عدّها وحفِظها. وقيل غير هذا مما بيناه في كتابنا. وذكرنا هناك تصحيح حديث الترمذيّ، وذكرنا من الأسماء ما اجتُمِع عليه وما اختُلف فيه مما وقفنا عليه في كتب أئمتنا ما يُنَيِّف على مائتي اسم. وذكرنا قبل تعيينها في مقدمة الكتاب اثنين وثلاثين فصلاً فيما يتعلق بأحكامها، فمن أراده وقف عليه هناك وفي غيره من الكتب الموضوعة في هذا الباب. والله الموفق للصواب، لا رب سِواه. الثالثة ـ واختلف العلماء من هذا الباب في الاسم والمسمى، وقد ذكرنا ما للعلماء من ذلك في (الكتاب الأسنى). قال ابن الحصار: وفي هذه الآية وقوع الاسم على المسمى ووقوعه على التسمية. فقوله: {وَللَّهِ} وقع على المسمى، وقوله: {ٱلأَسْمَآءُ} وهو جمع ٱسم واقع على التسميات. يدل على صحة ما قلناه قوله: {فَٱدْعُوهُ بِهَا}، والهاء في قوله: {فَٱدْعُوهُ} تعود على المسمى سبحانه وتعالى، فهو المدعوّ. والهاء في قوله «بهَا» تعود على الأسماء، وهي التسمِيات التي يدعى بها لا بغيرها. هذا الذي يقتضيه لسان العرب. ومثل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد» تفسير : الحديثَ. وقد تقدّم في «البقرة» شيء من هذا. والذي يذهب إليه أهل الحق أن الاسم هو المسمى، أو صفة له تتعلق به، وأنه غير التسمية. قال ابن العربيّ عند كلامه على قوله تعالى {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}: فيه ثلاثة أقوال. قال بعض علمائنا: في ذلك دليل على أن الاسم المسمى؛ لأنه لو كان غيره لوجب أن تكون الأسماء لغير الله تعالى. الثاني ـ قال آخرون: المراد به التسميات؛ لأنه سبحانه واحد والأسماء جمع. قلت ـ ذكر ابن عطية في تفسيره أن الأسماء في الآية بمعنى التسميات إجماعاً من المتأوّلين لا يجوز غيره. وقال القاضي أبو بكر في كتاب التمهيد: وتأويل قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : للَّه تسعة وتسعون ٱسماً من أحصاها دخل الجنة»تفسير : أي أن له تسعة وتسعين تسمية بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، وأسماؤه العائدة إلى نفسه هي هو، وما تعلق بصفة له فهي أسماء له. ومنها صفات لذاته. ومنها صفات أفعال. وهذا هو تأويل قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} أي التسميات الحسنى. الثالث ـ قال آخرون منهم: وللَّه الصفات. الرابعة ـ سمى الله سبحانه أسماءه بالحسنى لأنها حسنة في الأسماع والقلوب؛ فإنها تدل على توحيده وكرمه وجوده ورحمته وإفضاله. والحسنى مصدر وصف به. ويجوز أن يقدّر «الْحُسْنَى» فُعْلَى، مؤنث الأحسن؛ كالكبرى تأنيث الأكبر، والجمع الكُبَر والحُسَن. وعلى الأوّل أفرد كما أفرد وصف ما لا يعقل؛ كما قال تعالى: {أية : مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18] و {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}تفسير : [سبأ: 10]. الخامسة ـ قوله تعالى: {فَٱدْعُوهُ بِهَا} أي ٱطلبوا منه بأسمائه؛ فيطلب بكل ٱسم ما يليق به، تقول: يا رحيم ارحمني، يا حكيم ٱحكم لي، يا رازق ٱرزقني، يا هادي ٱهدني، يا فتاح ٱفتح لي، يا توّاب تب عليّ؛ هكذا. فإن دعوت بٱسم عام قلت: يا مالك ٱرحمني، يا عزيز ٱحكم لي، يا لطيف ٱرزقني. وإن دعوت بالأعمّ الأعظم فقلت: يا أللَّه؛ فهو متضمن لكل ٱسم. ولا تقول: يا رزاق ٱهدني؛ إلا أن تريد يا رزاق ٱرزقني الخير. قال ابن العربيّ: وهكذا، رتب دعاءك تكن من المخلصين. وقد تقدّم في «البقرة» شرائط الدعاء، وفي هذه السورة أيضاً. والحمد لله. السادسة ـ أدخل القاضي أبو بكر ابن العربيّ عدّة من الأسماء في أسمائه سبحانه، مثل متِم نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيّب، والمعلِّم؛ وأمثال ذلك. قال ابن الحصار: واقتدى في ذلك بابن بَرّجَان، إذ ذكر في الأسماء «النظيف» وغير ذلك مما لم يرد في كتاب ولا سنة. قلت: أمّا ما ذكر من قوله «مما لم يرد في كتاب ولا سنة» فقد جاء في صحيح مسلم «الطيب». وخرج الترمذِيّ «النظيف». وخرج عن ابن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: «حديث : رب أعنِي ولا تعِن عليّ وٱنصرني ولا تنصر عليّ وٱمكر لي ولا تمكر عليّ» تفسير : الحديث. وقال فيه: حديث حسن صحيح. فعلى هذا جائز أن يقال: يا خير الماكرين امكر لي ولا تمكر عليّ. والله أعلم. وقد ذكرنا «الطيب، والنظيف» في كتابنا وغيره مما جاء ذكره في الأخبار، وعن السلف الأخيار، وما يجوز أن يسمى به ويدعى، وما يجوز أن يسمى به ولا يدعى، وما لا يجوز أن يسمى به ولا يدعى. حسب ما ذكره الشيخ أبو الحسن الأشعريّ. وهناك يتبين لك ذلك إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فيه مسألتان: الأُولى ـ قوله تعالى: {يُلْحِدُونَ} الإلحاد: الميل وترك القصد؛ يقال: ألحد الرجل في الدين. وألحد إذا مال. ومنه اللحد في القبر؛ لأنه في ناحيته. وقرىء «يَلْحَدُونَ» لغتان والإلحاد يكون بثلاثة أوجه: أحدها بالتغيير فيها كما فعله المشركون، وذلك أنهم عدلوا بها عما هي عليه فسمَّوا بها أوثانهم؛ فاشتقوا اللاَّتَ من الله، والعزى من العزيز، ومَنَاةَ من المنان قاله ابن عباس وقتادة. الثاني ـ بالزيادة فيها. الثالث ـ بالنقصان منها؛ كما يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الله تعالى بغير أسمائه، ويذكرونه بغير ما يذكر من أفعاله؛ إلى غير ذلك مما لا يليق به. قال ابن العربيّ: «فَحَذَارِ منها، ولا يدعونّ أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة؛ وهي البخارِيّ ومسلم والترمذِيّ وأبو داود والنسائي. فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذَرُوا ما سواها، ولا يقولَنّ أحدكم أختار دعاء كذا وكذا؛ فإن الله قد ٱختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم. الثانية ـ معنى الزيادة في الأسماء التشبيه، والنقصان التعطيل. فإن المشبهة وصفوه بما لم يأذن فيه، والمعطلة سلبوه ما ٱتصف به، ولذلك قال أهل الحق: إن ديننا طريق بين طريقين، لا بتشبيه ولا بتعطيل. وسئل الشيخ أبو الحسن البوشَنْجِيّ عن التوحيد فقال: إثبات ذات غيرِ مشبَّهة بالذوات، ولا معطلة من الصفات. وقد قيل في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ} معناه اتركوهم ولا تحاجّوهم ولا تعرضوا لهم. فالآية على هذا منسوخة بالقتال؛ قاله ابن زيد. وقيل: معناه الوعيد؛ كقوله تعالى: {أية : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} تفسير : [المدثر: 11] وقوله: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ} تفسير : [الحجر: 3]. وهو الظاهر من الآية؛ لقوله تعالى: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} لأنها دالة على معان هي أحسن المعاني، والمراد بها الألفاظ وقيل الصفات. {فَٱدْعُوهُ بِهَا} فسموه بتلك الأسماء. {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَٰـئِهِ} واتركوا تسمية الزائغين فيها الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، إذ ربما يوهم معنى فاسداً كقولهم يا أبا المكارم يا أبيض الوجه، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه كقولهم: ما نعرف إلا رحمان اليمامة، أو وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من «الله»، والعزى من «العزيز» ولا توافقوهم عليه أو أعرضوا عنهم فإن الله مجازيهم كما قال: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} وقرأ حمزة هنا وفي «فصلت» {يُلْحِدُونَ} بالفتح يقال: لحد وألحد إذا مال عن القصد.

ابن كثير

تفسير : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله تسعاً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وهو وتر يحب الوتر» تفسير : أخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عنه، ورواه البخاري عن أبي اليمان عن شعيب عن أبي حمزة عن أبي الزناد به، وأخرجه الترمذي في جامعه عن الجوزجاني عن صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم عن شعيب، فذكر بسنده مثله، وزاد بعد قوله: «يحب الوتر»: «حديث : هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، المتكبر، الخالق البارىء المصور، الغفار، القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور، الشكور العلي الكبير، الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم، الرقيب المجيب الواسع الحكيم، الودود المجيد الباعث الشهيد الحق، الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدىء المعيد، المحيي المميت، الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر، الظاهر الباطن الوالي المتعالي، البر التواب المنتقم العفو الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط الجامع الغني المغني، المانع الضار النافع، النور الهادي البديع، الباقي الوارث الرشيد الصبور» تفسير : ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث، ورواه ابن حبان في صحيحه من طريق صفوان به. وقد رواه ابن ماجه في سننه من طريق آخر عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً، فسرد الأسماء كنحو مما تقدم بزيادة ونقصان، والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد: أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم: أنهم قالوا ذلك، أي: أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي، والله أعلم. ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصرة في تسعة وتسعين بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون عن فضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم عن عبد الرحمن عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكْمُك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله حزنه وهمه، وأبدل مكانه فرحاً» تفسير : فقيل: يا رسول الله أفلا نتعلمها؟ فقال: «حديث : بلى، ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها» تفسير : وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان البستي في صحيحه بمثله، وذكر الفقيه الإمام أبو بكر العربي أحد أئمة المالكية في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، فالله أعلم. وقال العوفي عن ابن عباس في قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىۤ أَسْمَـٰئِهِ} قال: إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله. وقال ابن جريج عن مجاهد: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِىۤ أَسْمَـٰئِهِ} قال اشتقوا اللات من الله، والعزى من العزيز، وقال قتادة: يلحدون: يشركون في أسمائه. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الإلحاد: التكذيب. وأصل الإلحاد في كلام العرب العدول عن القصد، والميل والجور والانحراف، ومنه اللحد في القبر؛ لانحرافه إلى جهة القبلة عن سمت الحفر.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ } التسعة والتسعون الوارد بها الحديث، و(الحسنى) مؤنث (الأحسن) {فَٱدْعُوهُ } سمّوه {بِهَا وَذَرُواْ } اتركوا {ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ } من «ألحد ولحد»، يميلون عن الحق {فِى أَسْمَـٰئِهِ } حيث اشتقوا منها أسماء لآلهتهم: كاللات من (الله)، والعُزَّى من (العزيز)، ومناة من (المنان) {سَيُجْزَوْنَ } في الآخرة جزاء {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وهذا قبل الأمر بالقتال.

الشوكاني

.تفسير : هذه الآية مشتملة على الإخبار من الله سبحانه بماله من الأسماء، على الجملة دون التفصيل، والحسنى تأنيث الأحسن، أي التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول، ثم أمرهم بأن يدعوه بها عند الحاجة، فإنه إذا دعي بأحسن أسمائه كان ذلك من أسباب الإجابة، وقد ثبت في الصحيح: «حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة» تفسير : وسيأتي، ويأتى أيضاً بيان عددها، آخر البحث إن شاء الله. قوله: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـئِهِ } الإلحاد: الميل وترك القصد. يقال لحد الرجل في الدين وألحد: إذا مال، ومنه اللحد في القبر، لأنه في ناحية، وقرىء «يلحدون» وهما لغتان، والإلحاد في أسمائه سبحانه يكون على ثلاثة أوجه، إما بالتغيير كما فعله المشركون، فإنهم أخذوا اسم اللات من الله، والعزّى من العزيز، ومناة من المنان؛ أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها، أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض. ومعنى {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ } أتركوهم ولا تحاجوهم، ولا تعرضوا لهم، وعلى هذا المعنى فالآية منسوخة بآيات القتال، وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } تفسير : [المدثر: 11]، وقوله: {أية : ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } تفسير : [الحجر: 3] وهذا أولى لقوله: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فإنه وعيد لهم بنزول العقوبة، وتحذير للمسلمين أن يفعلوا كفعلهم. وقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين، أن هذه الآية نزلت في رجل من المسلمين كان يقول في صلاته يا رحمن يا رحيم، فقال رجل من المشركين أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين؟ حكى ذلك القرطبي. وقد أخرج أحمد، والبخاري ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وأبو عوانة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن لله تسعة وتسعين إسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة إنه وتريحب الوتر»تفسير : . وفي لفظ ابن مردويه وأبي نعيم «من دعا بها استجاب الله دعاءه» وزاد الترمذي في سننه بعد قوله "يحبّ الوتر" «هو الله الذي لا إله إلا هو الرّحمن الرّحيم، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصوّر، الغفار، القهار، الوهاب، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعزّ، المذلّ، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العليّ، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الوليّ، الحميد، المحصى، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخر، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالى، البرّ، التوّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضارّ، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور». هكذا أخرج الترمذي هذه الزيادة عن الجوزجاني، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن شعيب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعة وقال: هذا حديث غريب. وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، ولا يعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. ورواه ابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة، والحاكم من طريق صفوان بإسناده السابق. ورواه ابن ماجه في سننه من طريق أخرى، عن موسى ابن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً، فسرد الأسماء المتقدّمة بزيادة ونقصان. قال ابن كثير في تفسيره والذي عوّل عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه. وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم، وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن كما روي عن جعفر بن محمد، وسفيان بن عيينة، وأبي زيد اللغوي. قال: ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين، بدليل ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن يزيد بن هارون، عن فضيل ابن مرزوق، عن أبي سلمة الجهنى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ما أصاب أحداً قط همّ ولا حزن، فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك وأمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرجاً"تفسير : فقيل يا رسول الله ألا نتعلمها؟ فقال: "حديث : بلى ينبغي لمن سمعها أن يتعلمها»تفسير : . وقد أخرجه الإمام أبو حاتم بن حبان في صحيحه بمثله انتهى. وأخرجه البيهقي أيضاً في الأسماء والصفات. قال ابن حزم: جاءت في إحصائها، يعني الأسماء الحسنى أحاديث مضطربة لا يصح منها شيء أصلاً. وقد أخرجها بهذا العدد الذي أخرجه الترمذي، وابن مردويه، وأبو نعيم، عن ابن عباس، وابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكراه، ولا أدري كيف إسناده. وأخرج ابن أبي الدنيا، والطبراني كلاهما في الدعاء، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي هريرة: إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة: أسأل الله الرحمن، الرحيم، الإله، الربّ، الملك، القدّوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصوّر، الحليم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدىء، المعيد، النور، البارىء - وفي لفظ: القائم - الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، العفوّ، الغفار، الوهاب، الفرد - وفي لفظ: القادر - الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعالي، ذا الجلال والإكرام، المولى، البصير، الحق، المتين، الوارث، المنير، الباعث، القدير - وفي لفظ: المجيب - المحيي، المميت الحميد - وفي لفظ: الجميل - الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتاح، التواب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلام، العلي، العظيم، الغني، الملك، المقتدر، الأكرم، الرؤوف، المدبر، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الخلاق، الكفيل، الجليل. وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال: سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة؟ فقال: هي في القرآن، ففي الفاتحة خمسة أسماء: يا الله، يا ربّ، يا رحمن، يا رحيم، يا ملك. وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسماً: يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا علي، يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رؤوف، يا بديع، يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حيّ، يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير. وفي آل عمران: يا وهاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا منعم، يا متفضل. وفي النساء: يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا مقيت، يا وكيل، يا عليّ، يا كبير. وفي الأنعام: يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف، يا برهان. وفي الأعراف: يا محيي، يا مميت. وفي الأنفال: يا نعم المولى، ويا نعم النصير، وفي هود: يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعال لما تريد. وفي الرعد: يا كبير، يا متعالي. وفي إبراهيم: يا منان، يا وارث. وفي الحجر: يا خلاق. وفي مريم: يا فرد. وفي طه: يا غفار. وفي قد أفلح: يا كريم. وفي النور: يا حق، يا مبين. وفي الفرقان: يا هادي. وفي سبأ: يا فتاح. وفي الزمر: يا عالم. وفي غافر: يا قابل التوب، ياذا الطول، يا رفيع. وفي الذاريات: يا رزاق، ياذا القوة، يا متين. وفي الطور: يا برّ. وفي اقتربت: يا مقتدر، يا مليك. وفي الرحمن: ياذا الجلال والإكرام، يا رب المشرقين، يا ربّ المغربين، يا باقي، يا معين. وفي الحديد: يا أوّل، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن. وفي الحشر: يا ملك، يا قدّوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارىء، يا مصوّر. وفي البروج: يا مبدىء، يا معيد. وفي الفجر: يا وتر. وفي الإخلاص: يا أحد، يا صمد. انتهى. وقد ذكر ابن حجر في التلخيص أنه تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حرّرها منه تسعة وتسعين ثم سردها فابحثه. ويؤيد هذا ما أخرجه أبو نعيم، عن ابن عباس، وابن عمر، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة، وهي في القرآن»تفسير : وأخرج البيهقي، عن عائشة أنها قالت: «يا رسول الله علمني اسم الله الذي إذا دعى به أجاب، قال لها: حديث : قومي فتوضيء وادخلي المسجد فصلي ركعتين ثم ادعي حتى أسمع"تفسير : ، ففعلت؛ فلما جلست للدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم وفقها"تفسير : ، فقالت: اللهمّ إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، وأسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير، الأكبر، الذي من دعاك به أجبته، ومن سألك به أعطيته، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أصبتيه أصبتيه"تفسير : وقد أطال أهل العلم الكلام على الأسماء الحسنى حتى أن ابن العربي في شرح الترمذي حكى عن بعض أهل العلم أنه جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـئِهِ } قال: الإلحاد، أن يدعو اللات والعزّى في أسماء الله. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال: الإلحاد التكذيب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في الآية قال: اشتقوا العزّى من العزيز، واشتقوا اللات من الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء في الآية قال: الإلحاد المضاهاة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش أنه قرأ {يلحدون} من لحد، وقال تفسيرها: يدخلون فيها ما ليس منها. وأخرج عبد الرزاق بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، في الآية قال: يشركون.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلِلَّهِ الأَسْمآءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} قال ابن عباس: كل أسمائه حسنى وفي المراد بالحسنى ها هنا وجهان: أحدهما: ما مالت إليه القلوب من ذكره بالعفو والرحمة دون السخط والنقمة. والثاني: أسماؤه التي يستحقها لنفسه ولفعله ومنها صفات هي طريقة المعرفة به، وهي تسعة: القديم الأول قبل كل شيء. والباقي بعد فناء كل شيء. والقادر الذي لا يعجزه شيء والعالم الذي لا يخفى عليه شيء. والحي الذي لا يموت. والواحد الذي ليس كمثله شيء والسميع البصير الذي لا يعزب عنه شيء والغني بنفسه عن كل شيء. وفي دعائه بها وجهان: أحدهما: نداؤه بها عند الرغبة إليه في الدعاء والطلب. والثاني: تعظيمه بها تعبداً له بذكرها. {وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه يكذبون، قاله ابن عباس. والثاني: يشركون، قاله قتادة. والثالث: يحوّرون، قاله الأخفش. وفي إلحادهم فيها قولان: أحدهما: اشتقاقهم آلهتهم من أسماء الله، كما سموا بعضها باللات اشتقاقاً من الله، وبعضها بالعزى اشتقاقاً من العزيز، قاله ابن عباس، ومجاهد. والثاني: تسميتهم الأوثان آلهة والله عز وجل أبا المسيح وعزير.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى} كل أسمائه حسنى والحسنى هاهنا ما مالت إليه القلوب من وصفه بالعفو والرحمة دون الغضب والنقمة، أو أسماؤه التي يستحقها لذاته وأفعاله. {فَادْعُوهُ بِهَا} عظَّموه بها تعبداً له بذكرها، أو اطلبوا بها وسائلكم {يُلْحِدُونَ} بتسمية الأوثان آلهة والله أبا المسيح، أو اشتقاقهم اللات من الله، والعزى من العزيز، قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ ويلحدون: يكذبون، أو يشركون، أو يجورون.

النسفي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ } التي هي أحسن الأسماء لأنها تدل على معانٍ حسنة؛ فمنها ما يستحقه بحقائقه كالقديم قبل كل شيء، والباقي بعد كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، والواحد الذي ليس كمثله شيء، ومنها ما تستحسنه الأنفس لآثارها كالغفور والرحيم والشكور والحليم، ومنها ما يوجب التخلق به كالفضل والعفو، ومنها ما يوجب مراقبة الأحوال كالسميع والبصير والمقتدر، ومنها ما يوجب الإجلال كالعظيم والجبار والمتكبر {فَٱدْعُوهُ بِهَا } فسموه بتلك الأسماء {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـئِهِ } واتركوا تسمية الذين يميلون عن الحق والصواب فيها فيسمونه بغير الأسماء الحسنى، وذلك أن يسموه بما لا يجوز عليه نحو أن يقولون: يا سخي يا رفيق، لأنه لم يسم نفسه بذلك. ومن الإلحاد تسميته بالجسم والجوهر والعقل والعلة {يُلْحِدُونَ } حمزة لحد وألحد مال {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا } للجنة لأنه في مقابلة {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ }تفسير : {أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } في أحكامهم. قيل: هم العلماء والدعاة إلى الدين، وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجة {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم } سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم {مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } ما يراد بهم وذلك أن يواتر الله نعمه عليهم مع إنهماكهم في الغي، فكلما جدد الله عليهم نعمة ازدادوا بطراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم ظانين أن ترادف النعم أثره من الله تعالى وتقريب وإنما هو خذلان منه وتبعيد، وهو استفعال من الدرجة بمعنى الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة {وَأُمْلِى لَهُمْ } عطف على {سَنَسْتَدْرِجُهُم } وهو غير داخل في حكم السين أي أمهلهم {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } أخذي شديد. سماه كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان. ولما نسبوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجنون نزل {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم } محمد عليه السلام و «ما» نافية بعد وقف أي أولم يتفكروا في قولهم، ثم نفى عنه الجنون بقوله ما بصاحبهم {مّن جِنَّةٍ } جنون {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } منذر من الله موضع إنذاره {أَوَلَمْ يَنظُرُواْ } نظر استدلال {فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } الملكوت الملك العظيم {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشيء من أجناس لا يحصرها العدد {وَأَنْ عَسَىٰ } «أن» مخففة من الثقيلة وأصله «وأنه عسى»، والضمير ضمير الشأن وهو في موضع الجر بالعطف على {مَلَكُوتَ }، والمعنى أولم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى {أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } ولعلهم يموتون عما قريب فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق وما ينجيهم قبل مفاجأة الأجل وحلول العقاب {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } بعد القرآن {يُؤْمِنُونَ } إذا لم يؤمنوا به، وهو متعلق بـ {عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } كأنه قيل: لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟ وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق؟ وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا؟ {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } أي يضلله الله {وَيَذَرُهُمْ } بالياء: عراقي، وبالجزم: حمزة وعلي عطفاً على محل {فَلاَ هَادِيَ لَهُ } كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد {وَيَذَرُهُمْ } والرفع على الاستئناف أي وهو يذرهم. الباقون: بالنون {فِي طُغْيَـٰنِهِمْ } كفرهم {يَعْمَهُونَ } يتحيرون. ولما سألت اليهود أو قريش عن الساعة متى تكون نزل. {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ } وهي من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا. وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها، أو لأنها عند الله على طولها كساعة من الساعات عند الخلق {أَيَّانَ } متى واشتقاقه من «أي» فعلان منه لأن معناه أي وقت {مُرْسَـٰهَا } إرساؤها مصدر مثل المدخل بمعنى الإدخال، أو وقت إرسائها أي إثباتها، والمعنى متى يرسيها الله {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } أي علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبر به أحداً من ملك مقرب ولا نبي مرسل ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية كما أخفى الأجل الخاص وهو وقت الموت لذلك {لاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ } لا يظهر أمرها لا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده {ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱللأَرْضِ } أي كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة، ويتمنى أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها، وثقل عليه أو ثقلت فيها لأن أهلها يخافون شدائدها وأهوالها {لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } فجأة على غفلة منكم {يسئلونك كأنّك خفيٌّ عنها} كأنك عالم بها وحقيقته كأنك بليغ في السؤال عنها، لأن من بالغ في المسألة عن الشيء والتنقير عنه استحكم علمه فيه. وأصل هذا التركيب المبالغة، ومنه إحفاء الشارب، أو {عَنْهَا } متعلق بـ {يَسْأَلُونَكَ } أي يسألونك عنها كأنك حفي أي عالم بها {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } وكرر {يَسْأَلُونَكَ } و {إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ } للتأكيد ولزيادة {كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } وعلى هذا تكرير العلماء في كتبهم لا يخلون المكرر من فائدة، منهم محمد بن الحسن رحمه الله {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه المختص بالعلم بها {قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } هو إظهار للعبودية وبراءة عما يختص بالربوبية من علم الغيب أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر كالمماليك إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني {وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوء } أي لكانت حالي على خلاف ما هي عليه من استكثار الخير واجتناب السوء والمضار حتى لا يمسني شيء منها، ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب. وقيل: الغيب الأجل، والخير العمل، والسوء الوجل. وقيل: لاستكثرت لاعتددت من الخصب للجدب. والسوء الفقر وقد رد. {إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } إن أنا إلا عبد أرسلت نذيراً وبشيراً، وما من شأني أن أعلم الغيب. والسلام في {لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يتعلق بالنذير والبشير لأن النذارة والبشارة إنما ينفعان فيهم، أو بالبشير وحده والمتعلق بالنذير محذوف أي إلا نذير للكافرين وبشير لقوم يؤمنون. {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٌ } هي نفس آدم عليه السلام {وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه {لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ليطمئن ويميل لأن الجنس إلى الجنس أميل خصوصاً إذا كان بعضاً منه، كما يسكن الإنسان إلى ولده ويحبه محبة نفسه لكونه بضعة منه. وذكر {لِيَسْكُنَ } بعدما أنث في قوله {وٰحِدَةٌ } منها زوجها ذهاباً إلى معنى النفس ليبين أن المراد بها آدم {فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } جامعها {حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } خف عليها ولم تلق منه ما يلقي بعض الحبالى من حملهن من الكرب والأذى ولم تستثقله كما يستثقلنه {فَمَرَّتْ بِهِ } فمضت به إلى وقت ميلاده من غير إخداج ولا إزلاق، أو حملت حملاً خفيفاً يعني النطفة فمرت به فقامت به وقعدت. {فَلَمَّا أَثْقَلَت } حان وقت ثقل حملها {دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا } دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يدعي ويلتجأ إليه فقالا {لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صَـٰلِحاً } لئن وهبت لنا ولداً سوياً قد صلح بدنه أو ولداً ذكراً لأن الذكورة من الصلاح {لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِينَ } لك. والضمير في {ءاتَيْتَنَا } و {لَنَكُونَنَّ } لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما. {فَلَمَّا ءاتَـٰهُمَا صَـٰلِحاً } أعطاهما ما طلباه من الولد الصالح السوي {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } أي آتى أولادهما له شركاء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه وكذلك {فِيمَا ءاتَـٰهُمَا } أي آتى أولادهما دليله {فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } حيث جمع الضمير، وآدم وحواء بريئان من الشرك، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله تسميتهم أولادهم بعبد العزي وعبد مناف وعبد شمس ونحو ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم، أو يكون الخطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم آل قصي أي هو الذي خلقكم من نفس واحدة قصي، وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزي وعبد قصي وعبد الدار. والضمير في {أَيُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك. {شركاً} مدني وأبو بكر أي ذوي شرك وهم الشركاء. {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً} يعني الأصنام {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أجريت الأصنام مجرى أولي العلم بناء على اعتقادهم فيها وتسميتهم إياها آلهة، والمعنى أيشركون مالاً يقدر على خلق شيء وهم يخلقون لأن الله خالقهم، أو الضمير في {وَهُمْ يُخْلَقُونَ } للعابدين أي أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم مخلوقو الله فليعبدوا خالقهم، أو للعابدين والمعبودين وجمعهم كأولي العلم تغليباً للعابدين {وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ } لعبدتهم {نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث كالكسر وغيره بل عبدتهم هم الذين يدفعون عنهم {وَإِن تَدْعُوهُمْ } وإن تدعوا هذه الأصنام {إِلَى ٱلْهُدَى } إلى ما هو هدى ورشاد أو إلى أن يهدوكم أي وإن تطلبوا منهم كما تطلبون من الله الخير والهدى {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } إلى مرادكم وطلبتكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله. {لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } نافع {سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَـٰمِتُونَ } عن دعائهم في أنه لا فلاح معهم ولا يجيبونكم، والعدول عن الجملة الفعلية إلى الاسمية لرؤوس الآي {إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة {عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } أي مخلوقون مملوكون أمثالكم {فَٱدْعُوهُمْ } لجلب نفع أو دفع ضر {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } فليجيبوا {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في أنهم آلهة. ثم أبطل أن يكونوا عباداً أمثالهم فقال {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا } مشيكم {أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا } يتناولون بها {أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } أي فلم تعبدون ما هو دونكم {قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَاءكُمْ } واستعينوا بهم في عدواتي {ثُمَّ كِيدُونِ } جميعاً أنتم وشركاؤكم. وبالياء: يعقوب وافقه أبو عمرو في الوصل {فَلاَ تُنظِرُونِ } فإني لا أبالي بكم وكانوا قد خافوه آلهتهم فأمر أن يخاطبهم بذلك. وبالياء يعقوب {إِنَّ وَلِيّىَ } ناصري عليكم {ٱللَّهُ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْكِتَـٰبَ } أوحى إليّ وأعزني برسالته {وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّـٰلِحِينَ } ومن سنته أن ينصر الصالحين من عباده ولا يخذلهم.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري ومسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني وأبو عبد الله بن منده في التوحيد وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر ‏"‏‏. تفسير : وأخرج أبو نعيم وابن مردويه عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏لله مائة اسم غير اسم، من دعا بها استجاب الله له دعاءه ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج الدارقطني في الغرائب عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏قال‏:‏ قال الله عز وجل‏:‏ لي تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الترمذي وابن المنذر وابن حبان وابن منده والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، إنه وتر يحب الوتر، هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصور، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرزّاق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدىء، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الأحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم، المؤخر، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، البر، التوّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك، الملك، ذو الجلال والإِكرام، الوالي، المتعال، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء والطبراني كلاهما وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة، اسأل الله الرحمن، الرحيم، الإِله الرب، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارىء، المصوّر، الحليم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الغفور، الودود، الشكور، المجيد، المبدىء، المعيد، النور، البادىء، وفي لفظ‏:‏ القائم، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفوّ، الغفّار، الوهّاب، الفرد، وفي لفظ‏:‏ القادر، الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، المغيث، الدائم، المتعالي، ذا الجلال، والإِكرام، المولى، النصير، الحق، المبين، الوارث، المنير، الباعث، القدير، وفي لفظ‏:‏ المجيب، المحيي، المميت، الحميد، وفي لفظ‏:‏ الجميل، الصادق، الحفيظ، المحيط، الكبير، القريب، الرقيب، الفتّاح، التوّاب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلاَّم، العلي، العظيم، الغني، المليك، المقتدر، الإِكرام، الرؤوف، المدبر، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذا الطول، ذا المعارج، ذا الفضل، الكفيل، الجليل ‏". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : لله تسعة وتسعون اسماً، من أحصاها دخل الجنة وهي في القرآن‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو نعيم عن محمد بن جعفر قال‏:‏ سألت أبي جعفر بن محمد الصادق عن الأسماء التسعة والتسعين التي من أحصاها دخل الجنة‏؟‏ فقال‏:‏ هي في القرآن، ففي الفاتحة خمسة أسماء‏.‏ يا ألله، يا رب، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك‏.‏ وفي البقرة ثلاثة وثلاثون اسما‏ً:‏ يا محيط، يا قدير، يا عليم، يا حكيم، يا علي، يا عظيم، يا تواب، يا بصير، يا ولي، يا واسع، يا كافي، يا رؤوف، يا بديع، يا شاكر، يا واحد، يا سميع، يا قابض، يا باسط، يا حي، يا قيوم، يا غني، يا حميد، يا غفور، يا حليم، يا إله، يا قريب، يا مجيب، يا عزيز، يا نصير، يا قوي، يا شديد، يا سريع، يا خبير‏.‏ وفي آل عمران‏:‏ يا وهَّاب، يا قائم، يا صادق، يا باعث، يا منعم، يا متفضل‏.‏ وفي النساء‏:‏ يا رقيب، يا حسيب، يا شهيد، يا مقيت، يا وكيل، يا علي، يا كبير‏.‏ وفي الأنعام‏:‏ يا فاطر، يا قاهر، يا لطيف، يا برهان‏.‏ وفي الأعراف‏:‏ يا محيي، يا مميت‏.‏ وفي الأنفال‏:‏ يا نعم المولى، يا نعم النصير‏.‏ وفي هود‏:‏ يا حفيظ، يا مجيد، يا ودود، يا فعال لما يريد‏.‏ وفي الرعد‏:‏ يا كبير، يا متعال‏.‏ وفي إبراهيم‏:‏ يا منَّان، يا وارث‏.‏ وفي الحجر‏:‏ يا خلاق‏.‏ وفي مريم‏:‏ يا فرد‏.‏ وفي طه‏:‏ يا غفّار‏.‏ وفي قد أفلح‏:‏ يا كريم‏.‏ وفي النور‏:‏ يا حق، يا مبين‏.‏ وفي الفرقان‏:‏ يا هادي‏.‏ وفي سبأ‏:‏ يا فتَّاح‏.‏ وفي الزمر‏:‏ يا عالم‏.‏ وفي غافر‏:‏ يا غافر، يا قابل التوبة، يا ذا الطول، يا رفيع‏.‏ وفي الذاريات‏:‏ يا رزاق، يا ذا القوة، يا متين‏.‏ وفي الطور‏:‏ يا بر‏.‏ وفي اقتربت‏:‏ يا مليك، يا مقتدر‏.‏ وفي الرحمن‏:‏ يا ذا الجلال والإِكرام، يا رب المشرقين، يا رب المغربين، يا باقي، يا مهيمن‏.‏ وفي الحديد‏:‏ يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن‏.‏ وفي الحشر‏:‏ يا ملك، يا قدوس، يا سلام، يا مؤمن، يا مهيمن، يا عزيز، يا جبار، يا متكبر، يا خالق، يا بارىء، يا مصوّر‏.‏ وفي البروج‏:‏ يا مبدىء، يا معيد‏.‏ وفي الفجر‏:‏ يا وتر‏.‏ وفي الإِخلاص‏:‏ يا أحد، يا صمد‏. وأخرج البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من أصابه هم أو حزن فليقل‏:‏ اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي في يدك، ماض فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور بصري، وذهاب همي، وجلاء حزني، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما قالهن مهموم قط إلا أذهب الله همه وأبدله بهمه فرجاً‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله أفلا نتعلم هذه الكلمات‏؟‏ قال‏:‏ بلى، فتعلموهن وعلموهن‏ "‏. تفسير : وأخرج البيهقي عن عائشة‏.‏ أنها قالت‏:‏ يا رسول الله علمني اسم الله الذي إذا دعى به أجاب‏.‏ قال لها ‏"حديث : ‏قومي فتوضئي وادخلي المسجد فصلي ركعتين، ثم ادعي حتى أسمع‏. ففعلت، فلما جلست للدعاء قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اللهم وفقها‏. فقالت‏:‏ اللهم إني أسألك بجميع أسمائك الحسنى كلها ما علمنا منها وما لم نعلم، وأسألك باسمك العظيم الأعظم الكبير الأكبر الذي من دعاك به أجبته، ومن سألك به أعطيته‏.‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:أصبته أصبته‏ "‏‏.‏ تفسير : قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏} ‏‏. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الإِلحاد التكذيب‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏} ‏ قال‏:‏ اشتقوا العزى من العزيز، واشتقوا اللات من الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال‏:‏ الإِلحاد المضاهاة. ‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش أنه قرأ ‏{‏يلحدون‏} بنصب الياء والحاء من اللحد، وقال تفسيرها يدخلون فيها ما ليس منها‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وذروا الذين يلحدون في أسمائه‏} ‏ قال‏:‏ يشركون‏. وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن قتادة ‏{‏يلحدون في أسمائه‏} ‏ قال‏:‏ يكذبون في أسمائه‏.

ابو السعود

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} تنبـيهٌ للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى وكيفية المعاملةِ مع المُخِلّين بذلك الغافلين عنه سبحانه عما يليق به من الأمور وما لا يليق به إثرَ بـيانِ غفلتِهم التامةِ وضلالتِهم الطامة، والحسنى تأنيثُ الأحسن أي الأسماءُ التي هي أحسنُ الأسماءِ وأجلُّها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفِها {فَٱدْعُوهُ بِهَا} أي فسمُّوه بتلك الأسماء {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَـئِهِ} الإلحادُ واللحدُ: الميلُ والانحرافُ يقال: لحَد وألحَد إذا مال عن القصد، وقرىء يَلحَدون من الثلاثي أي يَميلون في شأنها عن الحق إلى الباطل، إما بأن يسمّوه تعالى بما لا توقيفَ فيه أو بما يوهم معنى فاسداً كما في قول أهل البدو: يا أبا المكارم يا أبـيضَ الوجه يا سخيّ ونحوُ ذلك، فالمرادُ بالترك المأمور به: الاجتنابُ عن ذلك، وبأسمائه: ما أطلقوه عليه تعالى وسمَّوْه به على زعمهم لا أسماؤُه تعالى حقيقةً وعلى ذلك يُحمل تركُ الإضمارِ بأن يقال: يلحدون فيها، وإما بأن يعدلون عن تسميته تعالى ببعض أسمائِه الكريمة كما قالوا: وما الرحمٰنُ؟ ما نعرِف سوى رحمانِ اليمامة. فالمرادُ بالترك الاجتنابُ أيضاً وبالأسماء أسماؤُه تعالى حقيقةً فالمعنى سمُّوه تعالى بجميع أسمائِه الحسنى واجتنبوا إخراجَ بعضِها من البـين، وإما بأن يُطلقوها على غيره تعالى كما سمَّوا أصنامَهم آلهة، وإما بأن يشتقوا من بعضها أسماءَ أصنامِهم كما اشتقوا اللاتَ من الله تعالى والعُزّى من العزيز، فالمراد بالأسماء أسماؤُه تعالى حقيقةً كما في الوجه الثاني. والإظهارُ في موقع الإضمارِ مع التجريد عن الوصف في الكل للإيذان بأن إلحادَهم في نفس الأسماءِ من غير اعتبار الوصفِ، وليس المرادُ بالترك حينئذ الاجتنابَ عن ذلك إذا لا يتوهم صدورُ مثلِ هذا الإلحادِ عن المؤمنين ليُؤمَروا بتركه بل هو الإعراضُ عنهم وعدمُ المبالاة بما فعلوا ترقباً لنزول العقوبةِ بهم عن قريب كما هو المتبادرُ من قوله: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فإنه استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من الأمر بعدم المبالاةِ والإعراض عن المجازاة، كأنه قيل: لم لا نبالي بإلحادهم ولا نتصدىّ لمجازاتهم؟ فقيل: لأنه سيُنزِل بهم عقوبتَه وتتشفَّوْن بذلك عن قريب. وأما على الوجهين الأولين فالمعنى اجتنبوا إلحادَهم كيلا يُصيبَكم ما أصابهم فإنه سينزِل بهم عقوبةُ إلحادهم. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} بـيانٌ إجماليٌّ لحال مَنْ عدا المذكورين من الثقلين الموصوفين بما ذُكر من الضلال والإلحادِ عن الحق، ومحلُّ الظرفِ الرفعُ على أنه مبتدأ، إما باعتبار مضمونِه أو بتقدير الموصوفِ وما بعده خبرُه كما مر في تفسير قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : الخ، أي وبعضُ مَنْ خلقنا أو وبعضٌ ممن خلقنا أمةٌ أي طائفةٌ كثيرةٌ يهدون الناسَ ملتبسين بالحق أو يهدونهم بكلمة الحقِّ ويدلونهم على الاستقامة، وبالحق يحكمون في الحكومات الجاريةِ فيما بـينهم ولا يجورون فيها. عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا قرأها: «حديث : هذه لكم وقد أُعْطي بـين أيديكم مثلها»تفسير : . ومن قوم موسى أمة الآية وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى» تفسير : وروي: «حديث : لا تزال من أمتي طائفةٌ على الحق إلى أن يأتي أمرُ الله»تفسير : وروي: «حديث : لا تزال من أمتي أمةٌ قائمةً بأمر الله لا يضرُهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيَ أمرُ الله وهم ظاهرون» تفسير : وفيه من الدلالة على صحة الإجماعِ ما لا يُخفى. والاقتصارُ على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}[180] قال: إن وراء الأسامي والصفات صفات لا تخرقها الأفهام، لأن الحق نار يتضرم لا سبيل إليه، ولا بد من الاقتحام فيه. وقوله: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ}[180] يعني يجورون في أسمائه يكذبون.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} [الآية: 180]. قال بعضهم: كل اسم من أسمائه يبلغك مرتبة من المراتب، واسم الله يبلغك الوله فى حبه، والرحمن الرحيم يبلغانك إلى رحمته كذلك جميع أسمائه إذا دعوته بها عن خلوص ضميرك وصفاء عقدك. وقال بعضهم فى هذه الآية {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا}: أى قفوا معها عن إدراك حقيقتها. وقيل فى قوله: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} قال: إنه وراء الأسماء أسماءٌ والصفات صفاتٍ، لا تخرقها الأفهام لأن الحق نار تتضرم لا سبيل إليه ولا بد من الاقتحام فيه. وقال بعضهم: أبدى أسماءه للدعاء لا بطلب الوقوف عليها، وأنَّى يقل على صفاته أحد.

القشيري

تفسير : سبحان مَنْ تعرَّف إلى أوليائه بنعوته وأسمائه فعرَّفهم أنه مَنْ هو، وبأي وصفٍ هو، وما الواجب في وصفه، وما الجائز في نعته، وما الممتنع في حقِّه وحكمه؛ فتجلى لقلوبهم بما يكاشفهم به من أسمائه وصفاته، فإن العقولَ محجوبةٌ عن الهجوم بذواتها بِمَا يَصِحُّ إطلاقُه في وصفه، وإنْ كانت واقفةً على الواجب والجائز والممتنع في ذاته، فللعقل العرفان بالجملة، وبالشرع الإطلاق والبيان في الإخبار، والقول فيما وَرَدَ به التوفيق يُطْلَقِ، وما سَكَتَ عنه التوفيق يُمْنَع. ويقال مَنْ كان الغالب عليه وصفٌ من صفاته ذَكَره بما يقتضي هذا الوصف؛ فمن كان مكاشَفاً بعَطائه، مربوطَ القلبِ بأفضاله فالغالبُ على قالته الثناء عليه بأنه الوهاب والبار والمُعْطِي وما جرى مجراه. ومن كان مجذوباً عن شهود الإنعام، مكاشفاً بنعت الرحمة فالذي يغلب على ذكره وصفه بأنه الرحمن والرحيم والكريم وما في معناه. ومَنْ سَمتْ هِمَّتُه عن شهود وجوده، واستهلك في حقائق وجوده فالغالب على لسانه الحق. ولذلك فأكثر أقوال العلماء في الإخبار عنه: "البارئ" لأنهم في الترقي في شهود الفعل إلى شهود الفاعل. وأمَّا أهل المعرفة فالغالب على لسانها "الحق" لأنهم مُخْتَطفُون عن شهود الآثار، متحققون بحقائق الوجود. وقال إنَّ الله - سبحانه - وقف الخلْق بأسمائه فهم يذكرونها قالةً، وتعزَّزَ بذاته، والعقول - وإنْ صَفَتْ لا تهجم على حقائق الإشراف، إذ الإدراك لا يجوز على الحق؛ فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عند التعرض للإحاطة، والمعارف تائهة عند قصد الإشراف على حقيقة الذات، والأبصار حسيرةٌ عند طلب الإدراك في أحوال الرؤية، والحق سبحانه عزيز، وباستحقاق نعوت التعالي مُتَفَرِّد. قوله: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}: الإلحاد هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين بالزيادة والنقصان؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولله الاسماء الحسنى} تأنيث الاحسن اى الاسماء الاتى هى احسن الاسماء واجلها لانها دالة على معانى هى احسن المعانى واشرفها والمراد بها الالفاظ الدالة الموضوعة على المعانى المختلفة دل على ان الاسم غير المسمى ولو كان هذا المسمى لكان المسمى عدد الاسماء وهو محال. قال الامام الغزالى الحق ان الاسم غير التسمية وغير المسمى فان هذه ثلاثة اسماء متباينة غير مترادفة {فادعوه بها} فسموه بتلك الاسماء واذكروه بها وفى الحديث "حديث : ان لله تسعة وتسعين اسما مائة الا واحدا من احصاها دخل الجنة هو الله الذى لا اله الا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العيلم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلى الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوى المتين الولى الحميد المحصى المبدئ المعيد المحيى المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المؤخر الاول الآخر الظاهر الباطن الوالى المتعالى البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والاكرام المقسط الجامع الغنى المغنى المانع الضار النافع النور الهادى البديع الباقى الوارث الرشيد الصبور " . تفسير : واستحسن المشايخ المتقدمون ان يبدأ اولا ويقول اللهم انى اسألك يا رحمن يا رحيم الى آخره فيجيء بجميع الاسماء بحرف النداء ثم يقول فى آخر الكل ان تصلى على محمد وآله وان ترزقنى. وجميع من يتعلق بى بتمام نعمك ودوام عافيتك يا ارحم الراحمين كما فى الاسرار المحمدية قال عبد الرحمن البسطامى فى ترويح القلوب ان العارفين يلاحظون فى الاسماء آلة التعريف واصل الكلمة. والملامية يطرحون منها آلة التعريف لانها زائدة على اصل الكلمة ومن السر المكنون فى الدعاء ان تأخذ حروف الاسماء التى تذكر بها مثل قولك الكبير المتعال ولا تأخذ الالف واللام بل تأخذ كبير متعال وتنظر كم لها من الاعداد بالجمل الكبير فتذكر ذلك العدد فى موضع خال من الاصوات بالشرائط المعتبرة عند اهل الخلوات لا تزيد على العدد ولا تنقص منه فانه يستجاب لك للوقت وهو الكبريت الاحمر باذن الله تعالى فان الزيادة على العدد المطلوب اسراف والنقص منه اخلال والعدد فى الذكر بالاسماء كأسنان الزيادة على العدد المطلوب اسراف والنقص منه اخلال والعدد فى الذكر بالاسماء كأسنان المفتاح لانها ان زادت او نقصت لا تفتح باب الاجابة البتة فافهم السر وحسن الدر. واعلم انه لما كانت المقامات الدنية ثلاثة. ومقام الايمان. ومقام الاحسان. ومراتب الجنان المرتبة على الاحصاء لاهل الدين ثلاثا. جنة الاعمال. وجنة الميراث. وجنة الامتنان لا جرم كانت انواع الاحصاء ثلاثة. التعلق فى مقام الاسلام. والتخلق فى مقام الايمان. والتحقق فى مقام الاحسان فاحصاؤها بالتعلق فى مقام الاسلام هو ان يتطلب السالك آثار كل اسم منها فى نفسه وبدنه وجميع فواه واعضائه واجزائه وجزيئاته فى جميع حالاته وهيآته النفسانية والجسمانية وفى جملة تطوراته وانواع ظهوراته فيرى جميع ذلك من احكام هذه الاسماء وآثارها فيقابل كل اثر بما يليق به كمقالة الانعام بالشكر والبلاء بالصبر وغير ذلك فبمثل هذا الاحصاء يدخل جنة الاعمال التى هى محل ستر الاغراض الزائلة بالاعيان الثابتة الباقية وهى التى اخبر عنها ابراهيم الخليل عليه السلام بانها قيعان وان غراسها سبحان الله والحمد لله واخصاؤها بالتخلق فى مقام الايمان يكون بتطلع الروح الروحانية الى حقائق هذه الاسماء ومعانيها ومفهوماتها والتخلق بكل اسم منها على نحو ما امر به من قوله عليه السلام "حديث : تخلقوا باخلاق الله " . تفسير : بحيث يكون المتخلق هو عين ذلك الاسم اى ينفعل عنه ما ينفعل عن ذلك الاسم فبمثل هذا الاحصاء يدخل هذا المتخلق جنة الميراث التى هى اعلى من الجنة الاولى بل هى باطنها المنزل منها بمنزلة عالم الملكوت من عالم الملك وهى المشار اليها بقوله عليه السلام "حديث : ما منكم من احد الا وله منزل فى الجنة ومنزل فى النار فاذا مات ودخل النار ورث منزله اهل الجنة وان شئتم فاقرأوا اولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " . تفسير : واحصاؤها بالتحقق فى مقام الاحسان بالتقوى والانخلاع عما قام بك واظهر فيك من الصور والمعانى المتسمة بسمة الحدوث والاستتار بسبحات الحضرة الحقية والاحتجاب بسجف استارها واعيانها: كما قال شعر : تسترت عن دهرى بظل جناحه بحيث ارى دهرى وليس يرانى فلو تسأل الايام ما اسمى مادرت واين مكانى مادرين مكانى تفسير : فبمثل هذا الاحصاء يدخل المتحقق جنة الامتنان التى هى محل سر غيب الغيب المشار اليها بقوله عليه الصلاة والسلام "حديث : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " . تفسير : واليها الاشارة ايضا بقوله تعالى {أية : إن المتقين فى جنات ونهر فى مقعد صدق عند مليك مقتدر} تفسير : [القمر: 54-55]. قال ابن ملك من احصاها اى من اطاق القيام بحق هذه الاسماء وعمل بمقتضاها بان وثق بالرزق اذا قال الرازق وعلى ان الخير والشر من الله تعالى اذا قال الضار النافع فشكر على المنفعة وصبر على المضرة وعلى هذا سائر الاسماء وقيل معناه من عقل معانيها وصدقها وقيل معناه من عدها كلمة كلمة تبركا واخلاصا. وقال البخارى المراد به حفظها وهذا هو الاظهر لانه جاء فى الرواية الاخرى من حفظها مكان من احصاها انتهى ولا يظن ان اسماء الله تعالى منحصرة فى هذا المقدار بل هى اشهر الاسماء ويجوز ان تتفاوت فضيلة اسماء الله تعالى بتفاوت معانيها كالجلال والشرف ويكون التسعة والتسعون منها تجمع انواعا للمعانى المنبئة عن الجلال لا يجمع ذلك غيرها فتختص بزيادة شرف ويدل على ان اسماء الله تعالى كثيرة قوله عليه السلام "حديث : ما اصاب احدا هم ولا حزن فقال اللهم انى عبدك وابن عبدك وابن امتك ناصيتى بيدك ماض فى حكمك اسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو انزلته فى كتابك او علمته احدا من خلقك او استأثرت به فى علم الغيب عندك ان تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى الا اذهب الله عنه كل همه وحزنه وابدل مكانه فرحا ". تفسير : وعن بريرة "حديث : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم انى اسألك بانك انت الله لا اله الا انت الاحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد فقال صلى الله تعالى عليه وسلم "دعا الله باسمه الاعظم الذى اذا سئل به اعطى واذا دعى به اجاب ". تفسير : واعلم ان اسم الله اعظم الاسماء التسعة والتسعين لانه دال على الذات الجامعة لصفات الالهية كلها حتى لا يشذ منها شئ وسائر الاسماء لا يدل آحادها الا على آحاد المعانى من علم او قدرة او فعل او غيره ولانه اخص الاسماء اذ لا يطلقه احد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الاسماء قد يسمى بها غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيرها وقد جعل العلماء من خصائص هذا الاسم انه ينسب جميع اسماء الحق اليه كما قال الله تعالى {ولله الاسماء الحسنى}. قال حضرة شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى بعض تحريراته واعلم ان الهوية الآلهية السارية فى جميع المراتب تعينت اولا فى مرتبة الحياة تعين تلك المرتبة بالاولية الكبرى فتعينت نسبة عالم الغيب ثم فى مرتبة العلم تعينت تلك المرتبة ثانيا بالآخرية العظمى فتعينت نسبة عالم المعانى ثم فى مرتبة الارادة بصورة تلك المرتبة تعينت ثالثا بالظاهرية الاولى فتعينت نسبة عالم الارواح ثم فى مرتبة القدرة تعينت تلك المرتبة رابعا بالباطنية الاولى فتعينت نسبة عالم الشهادة هو الحى العليم المريد القدير وهو الاول والآخر والظاهر والباطن وبذلك السريان ظهرت الحقائق الاربع التى هى امهات جميع الحقائق والاسماء والاسماء الالهية الكلية التى هى تسع وتسعون او الف وواحد وتلك الحقائق الكلية تعينت من دوران تعين الامهات الاربع فى عوالمها الاربعة فبضرب الاربعة فى الاربعة كانت ستة عشر ثم باعتبار الظهور والبطون صارت اثنين وثلاثين ثم باعتبار احدية جمع الجميع كانت ثلاثا وثلاثين ثم باعتبار دوران تعينها بعالم السمع ورتبة البصر ورتبة الكلام فيها صارت تسعة وتسعين ثم باعتبار احدية جمع الجميع كانت مائة لذلك سن رسول الله عليه السلام فى دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميدة وثلاثا وثلاثين تكبيرة ثم تمم المائة بقوله لا اله الا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ثم كانت الفا باعتبار تعيناتها فى الحضرات الخمس من جهة الظهور والبطون حاصلة من ضرب المائة فى العشرة الكائنة من تلك الحضرات الخمس باعتبار ظواهرها وبواطنها ثم باعتبار احدية جمع الجميع كانت الفا وواحدا فامهات الأسماء والحقائق سبع وكلياتها تسع وتسعون او الف وواحد وجزيئات تلك الاسماء الحسنى لا تعد ولا تحصى انتهى باختصار {وذروا الذين يلحدون فى أسمائه} الالحاد واللحد الميل والانحراف عن القصد اى واتركوا الذين يميلون فى شأنها عن الحق الى الباطل اما بان يسموه تعالى بما لم يسم به نفسه ولم ينطق به كتاب سماوى ولا ورد فيه نص نبوى او بما يوهم معنى فاسدا وان كان له محمل شرعى كما فى قول اهل البدو يا ابا المكارم يا ابيض الوجه فان ابا المكارم وان كان عبارة عن المستجمع لصفات الكمال الا انه يوهم معنى لا يصح فى شأنه تعالى وكذا ابيض الوجه وان كان عبادة عن تقدس ذاته عن النقائض المكدرة الا انه يوهم معنى فاسدا فالمراد بالترك المأمور به الاجتناب عن ذلك وباسمائه ما اطلقوه عليه تعالى وسموه به على زعمهم لا اسماؤه حقيقة واما بان يعدلوا عن تسميته تعالى ببعض اسمائه الكريمة كما قالوا وما الرحمن ما نعرف رحمان اليمامة. فالمراد بالترك الاجتناب ايضا. وبالاسماء اسماؤه تعالى حقيقة فالمعنى سموه تعالى بجميع الاسماء الحسنى واجتنبوا اخراج بعضها من البعض - روى - ان رجلا من الصحابة دعا الله تعالى فى صلاته باسم الله وباسم الرحمن فقال رجل من المشركين أليس بزعم محمد واصحابه انهم يعبدون ربا واحدا فما بال هذا الرجل يدعو ربين اثنين فانزل الله تعالى هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ادعوا الله او ادعوا الرحمن رغما لا نوف المشركين " . تفسير : فان تعدد الاسم لا يستلزم تعدد المسمى {سيجزون ما كانوا يعملون} اى اجتنبوا الحادهم كيلا يصيبكم ما اصابهم فانه سينزل بهم عقوبة الحادهم فقوله {وذروا الذين} الخ معناه واتركوا تسمية الزائغين فيها بتقدير المضاف اذ لا معنى لترك نفس الملحدين. وقال بعض العلماء المراد بالاسماء الالحسنى الصفات العلى فان لفظ الاسم قد يطلق على ما يسمونه الذات من صفاتها العظام يقال طار اسمه فى الآفاق اى انتشرت صفته ونعته فكأنه قيل ولله الاوصاف. قال فى التأويلات النجمية {ولله الاسماء الحسنى} يشير الى ان اسم الله له بمثابة اسم العلم للخلق وهو اسم ذاته تبارك وتعالى والباقى من الاسماء هو اسماء الصفات لانه قال ولله الاسماء الحسنى فاضاف الاسماء الى اسم الله واسماؤه كلها مشتقة من صفاته الا اسم الله فانه غير مشتق عندنا وعند الاكثرين لانه اسم الذات فكما ان ذاته تعالى غير مخلوق من شئ كذلك اسمه غير مشتق من شئ فان الاشياء مخلوقة فاسماء صفاته تعالى بعضها مشتق من الصفات الذاتية فهو غير مخلوق وبعضها مشتق من صفات الفعل فهو مخلوق لان صفات الذات كالحياة والسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والارادة والبقاء قديمة غير مخلوقة وصفات الفعل مخلوقة تضاف اليه عند الايجاد فلما اوجد الخلق واعطاهم الرزق سمى خالقا ورازقا الا انه تعالى كان فى الازل قادرا على الخالقية والرازقية فقوله ولله الاسماء الحسنى اى الصفات الحسنى {فادعوه بها} اى فادعوا الله بكل اسم مشتق من صفة من صفاته بان تتصفوا وتتخلقوا بتلك الصفة فالاتصاف بها بالاعمال والنيات الصالحات كصفة الخالقية فان الاتصاف بها بان تكون مناكحته للتوالد والتناسل بخلاف الخالق كما قيل لحكيم وهو يواقع زوجته تعمل قال ان تم فانسان. والاتصاف بصفة الرازقية بان ينفق ما رزقه الله على المحتاجين ولا يدخر منه شيئا وعلى هذا فقس البواقى. واما التخلق بها فبالأحوال وذلك بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله والتوجه اليه ليتجلى له بتلك الصفات فيتخلق بها وهذا تحقيق قوله "حديث : كنت له سمعا وبصرا فبى يسمع وبى يبصر " . تفسير : {وذروا الذين يلحدون فى أسمائه} اى يميلون فى صفاته اى لا يتصفون بها وتسميته تعالى باسم لم يسم به نفسه ايضا من الالحاد كما يسمونه الفلاسفة بالعلة الاولى والموجب بالذات يعنون به انه تعالى غير مختار فى فعله وخلقه وايجاده تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ومن وصفه تعالى بوصف او بصفة لم يرد بها النص فايضا الحاد {سيجزون ما كانوا يعملون} يعنى سيجزون الخذلان ليعلموا بالطبع والهوى ما كانوا يعملون بالالحاد فى الاسماء والصفات انتهى كلام. التأويلات شعر : بيجيده شود بباى هركس عملش تفسير : قال الحافظ شعر : دهقان سالخورده جه خوش كفت بابسر اى نور جشم من بجزاز كشه ندروى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولله الأسماءُ الحسنى} تسعة وتسعين، {فادعوه بها} أي: سموه بها. قال ابن جزي: أي: سموه بأسمائه، وهذا إباحة لإطلاق الأسماء على الله سبحانه، فأما ما ورد منها في القرآن والحديث فيجوز إطلاقه على الله إجماعًا، وأما ما لم يرد، وفيه مدح ولا تتعلق به شُبهة، فأجاز أبو بكر بن الطيب إطلاقه على الله، ومنع ذلك أبو الحسن الأشعري وغيره، ورأوا أن أسماء الله تعالى موقوفة على ما ورد في القرآن والحديث. وقد ورد في حديث الترمذي عدتها، أعني: تعيين التسعة والتسعين. واختلفت أهل الحديث: هل هي مرفوعة أو موقوفة على أبي هريرة؟ والذي في الصحيح: " حديث : إنَّ للهِ تِسعَةً وتِسعِينَ اسمًا، مائَةً إلاَ وَاحِدًا، مَن أحصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ "تفسير : . وهل الإحصاء بالحفظ أو بالعلم أو بالتخلق أو بالتعلق أو بالتحقق؟ أقوال. قلت: كونها موقوفة بعيد جدًا؛ إذ ليس هذا مما يقال بالرأي. وسبب نزول الآية: إن أبا جهل سمع بعض الصحابة يقرأ، فيذكر الله مرة، والرحمن أخرى، فقال: يزعم محمد أن الإله واحد، وها هو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية مُبيِّنة أن تلك الأسماء الكثيرة هي لمسمى واحد، {الحسنى}: مصدر وُصف به، أو تأنيث أحسن، وحسن أسماء الله هي أنها صفة مدح وتعظيم وتحميد، وقيل: الدعاء بها: التوسل بكل واحد منها. قال تعالى: {وذَرُوا} أي: اتركوا {الذين يُلحدون} أي: يميلون {في أسمائه} عن الكمال؛ إما بتعطيلها، أو إنكار شيء منها، وإما بزيادة فيها، مما يوهم نقصًا أو فسادًا. قال القشيري: الإلحاد: هو الميل عن القصد، وذلك على وجهين: بالزيادة والنقصان؛ فأهل التمثيل زادوا فألحدوا، وأهل التعطيل نقصوا فألحدوا. هـ. قال البيضاوي: أي: اتركوا تسمية الزائغين فيها، الذين يسمونه بما لا توقيف فيه، إذ ربما يوهم معنىً فاسدًا، كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، أو لا تبالُوا بإنكارهم ما سمى به نفسه، كقولهم؛ ما نعرف إلا رحمان اليمامة، أو: وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام، واشتقاقها منه؛ كاللات من الله، والعزى من العزيز، فلا توافقوهم عليه، أو أعرضوا عنهم ولا تحاوروهم. هـ. قال ابن جزي: قيل: معنى {ذروا}: اتركوهم فلا تجادلوهم ولا تتعرضوا لهم، فالآية، على هذا، منسوخة بالقتال، وقيل: معنى {ذروا} للوعيد والتهديد، كقوله: {أية : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ } تفسير : [المزمل:11]، وهو الأظهر. هـ. قلت: وهو أليق بقوله بعده: {سيُجزون ما كانوا يعملون} من الإلحاد وغيره. الإشارة: قال القشيري بعد كلام: ويقال إن الله سبحانه وقف الخلق بأسمائه، فهم يذكرونها قالةً، وتعزَّزَ بذاته، والعقول ـ وإن صَفَت ـ لا تهجم على حقائق الإشراف؛ إذ الإدراك لا يجوز على الحق، فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عن التعرض للإدراك، وطلبه في أحوال الرؤية. والحق سبحانه عزيز باستحقاق نعوت التعالي مُتَفَرِّد. هـ. قلت: وأسماء الله الحسنى كلها تتجلى في مظاهر الإنسان، وتتوارد عليه انفرادًا واجتماعًا، وقد تجتمع في واحد إذا كان عارفًا، كلها بحيث يتخلق بها، غير أن تجلياتها تختلف عليه، تارة ملكًا قدوسًا، وتارة رحمانيًا رحيمًا، وهكذا. وقد تقدم بيان كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها، في شرحنا: الفاتحة الكبير، والله تعالى أعلم. ولمَّا ذكر فيما تقدم خواص قوم سيدنا موسى، ذكر هنا هذه الأمة المحمدية، فقال: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ}.

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة {يلحدون} بفتح الحاء والياء - ها هنا - وفي النحل وحم السجدة وافقه الكسائي وخلف في النحل، والباقون بضم الياء. من قرأ بكسر الحاء، فلقوله {أية : ومن يرد فيه بإلحاد} تفسير : وألحد أكثر في الكلام قال الشاعر: شعر : ليس الامام بالشحيح الملحد ولا يكاد يسمع لأحد تفسير : والالحاد العدول عن الاستقامة والانحراف عنها ومنه اللحد الذي يحفر في جانب القبر خلاف الضريح الذي يحفر في وسطه فمعنى {يلحدون في آياتنا} يجورون عن الحق فيها. وروى ابو عبيدة عن الأحمر: لحدت جرت وملت وألحدت ماريت وجادلت قال: وقال ابو عبيدة: لحدت له والحدت للميت بمعنى واحد. قال أبن جريج اشتقوا العزى من العزيز واللات من الله. وكان ذلك إلحاداً. وقال ابن عباس: الحادهم تكذيبهم. وقال قتادة: هو شركهم. وقال قوم: هو تسميتهم الاصنام بآنها آلهة. أخبر الله تعالى ان له الاسماء الحسنى نحو قوله تعالى {بسم الله الرحمن الرحيم} وغير ذلك من الاسماء التي تليق به، وهي الاسماء الراجعة إلى ذاته او فعله نحو العالم العادل، والسميع البصير المحسن المجمل، وكل اسم لله فهو صفة مفيدة لأن اللقب لا يجوز عليه. وامر تعالى ان يدعوه خلقه بها وان يتركوا اسماء اهل الجاهلية وتسميتهم اصنامهم آلهة ولاتاً وغير ذلك. وقال الجبائي: يحتمل أن يكون اراد تسميتهم المسيح بأنه ابن الله وعزيراً بأنه ابن الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقال قوم: هذا يدل على أنه لا يجوز أن يسمى الله إلا بما سمى به نفسه. وقوله {وذروا الذين يلحدون} فيه تهديد للكفار وأن الله تعالى سيعاقبهم على عدولهم عن الحق في تغيير أسمائه. وقوله تعالى {سيجزون ما كانوا يعملون} معناه سيجزون جزاء ما كانوا يعملون من المعاصي بانواع العذاب. قال الرماني الاسم كلمة تدل على المعني دلالة الاشارة، والفعل كلمة تدل على المعني دلالة الافادة. والصفة كلمة مأخوذة للمذكور من اصل من الاصول لتجري عليه تابعة له.

الجنابذي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} الجملة حال من فاعل الافعال الثّلاثة على سبيل التّنازع وقوله اولئك كالانعام معترضة جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ او انشاء لذمّهم بها، والتّقييد بهذه الجملة للدّلالة على غاية مذمّتهم لانّ المعقول والمبصر والمسموع اذا لم يكن له جهة سوى المظهريّة والاسميّه لله ومع ذلك لم ير الرّائى منه ما هو مرئىّ فيه ومدلول له، كان ذلك منه غاية العمى والغفلة بخلاف ما اذا كان ذا جهتين، والمعنى لهم قلوب لا يفقهون من معقولاتهم ومدركاتهم المعقولات الاُخر الاخرويّة الآلهيّة ولا ينتقلون منها الى ما يتراءى فيها من الصّفات الالهيّة والحال انّ اكثرها وهى الاسماء الحسنى لا جهة لها سوى اراءة الله، لانّها مختصّة بالله ليس فيها دلالة على غيره وهم يدركون بها غيره لغاية عماهم، ثمّ اعلم، انّه لا اختصاص لاسم الاسم بالاسماء اللّفظيّة ولا بالمفاهيم الّذهنيّة ولا بما دلّ بالمواضعة، بل يطلق حقيقةً على الموجودات العينيّة لانّ حقيقة الاسم ما يحكى عن الغير لفظيّاً كان او ذهنيّاً او عينيّاً، كما ورد عنهم: نحن الاسماء الحسنى، وانا الاسم الاعظم ولا اسم لله اكبر منّى، وحسن الاسم امّا بحسن دلالته او بحسن مدلوله او بحسنه فى نفسه مع قطع النّظر عن حيثيّة اسميّته ودلالته، كالمرآة فانّ حسنها قد يكون بحسن اراءتها او بحسن المرئىّ منها او بحسنها فى نفسها فالموجودات العينيّة والمعقولات الذّهنيّة والاسماء اللّفظيّة كلّها اسماء لله كما قرّر فى محلّه: شعر : وفى كلّ شيء له آيةٌ تدلّ على انّه واحدٌ تفسير : وكلّها حسنة باعتبار دلالتها على الله لكنّها متفاوتة فى الدّلالة وفى انفسها وبهذا الاعتبار توصف بالاحسنيّة فالعقول الّتى هى بشراشرها تحكى عن الله وصفاته واسمائه وهم الملائكة المقرّبون احسن من النّفوس باعتبار دلالتها وباعتبارها فى انفسها، والنّفوس الّتى يعبّر عنها بالمدبّرات امراً لتجرّدها عن المادّة والتّقدرّ احسن من الاشباح النّوريّة، وهى لتجرّدها عن المادّة احسن المادّيّات وهى احسن من اهل الملكوت السّفلىّ الّتى هى دار الشّياطين والجنّة وفيها جحيم الاشقياء، لكنّ المادّيّات والسّفليّات لاحتجابها بحجب الماّدة ولوازمها وانظلامها بظلمة المادّة كأنّها لا دلالة لها على الله ولا حسن لها فى انفسها لو سمّيتها بالاسماء الغير الحسنة او الغير الحسنى، لكان حقّاً هذا بحسب سلسلة النّزول وامّا بحسب سلسلة الصّعود فخاتم الانبياء (ص) اسم احسن بالجهات الثّلاثة لا احسن منه ثمّ خاتم الاولياء (ع) ثمّ سائر الانبياء (ع) والاولياء (ع) على تفاوت مراتبهم، فالمعنى ولله خاصّةً الاسماء الّتى لا دلالة لها على غيره وهى احسن من غيرها فى انفسها {فَٱدْعُوهُ بِهَا} ولمّا كان الامر بدعائه تعالى مفروعاً عنه مسلّماً عندهم بحيث ما بقى لاحدٍ شكّ فى انّه مأمور بدعائه تعالى كان الغرض من تفريعه على تخصيص الاسماء الحسنى به تخصيصه بها اعتباراً لمفهوم القيد فى مثل هذا المقام فكأنّه قال فادعوا الله بالاسماء الحسنى لا بغيرها من الاسماء الّتى لا حسن فيها او ليست بأحسن، ولمّا كان الاسماء اللّفظيّة الآلهيّة كلّها متساوية فى انفسها وفى دلالتها، لانّ الدّلالة وضعيّة فى كلّها والمدلول فى الكلّ هو الله واسماؤه وصفاته فلا يتصوّر فيها التّفاوت بالحسن وعدمه والاحسنيّة وعدمها فليست هى مقصودة منها، والاسماء النّزوليّة الّتى مقامها فوق مقام البشر، لمّا لم يمكن التّوسّل بها للبشر لارتفاعها عن مقام البشر وعدم سنخيّة البشر لها فهى ايضاً ليست مقصودة لعدم جواز الامر من الله بالتّوسّل بغير الممكن، فبقى ان يكون المقصود الامر بدعائه بتوسّط الاسماء البشريّة الصّعوديّة فكأنّه قال تعالى بعد اعتبار مفهوم القيد: فادعوه باسمائه الحسنى من افراد البشر الّتى هى ببشريّتها سنخكم ويمكن لكم التّوسّل بها من الانبياء (ع) والاولياء (ع) وخاتم الكلّ والحاضر فى زمانكم محمّد (ص) وعلىّ (ع)، فادعوه بهما كما فسّر قوله تعالى: ادعوا الله او ادعوا الرّحمن بهما؛ ولا تدعوه باسمائه الغير الحسنى من الاشقياء وائمّة الجور وخاتم الكلّ والحاضر فى زمانكم مقابلوا محمّد (ص) وعلىّ (ع) وعلى هذا فقوله تعالى {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ} كان بياناً لمفهوم القيد وتأكيداً له ان كان معناه واتركوا دعاء الله بالّذين يلحدون فى اسمائه الحسنى ان جعل الاضافة للعهد او فى مطلق اسمائه ان جعلت للاستغراق، وان كان معناه اعرضوا عن الّذين يلحدون فى اسمائه ولا تنظروا اليهم والى الحادهم كان تأسيساً يعنى لا توسّلوا بهم حسب مفهوم القيد ولا تنظروا اليهم والى الحادهم بل اجعلوهم كالمعدومات، والمراد بالالحاد فى الاسماء العدول عنها من حيث انّها اسماء والعدول بها عن اسميّتها لله وقوله {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} يناسب المعنى الثّانى لقوله وذروا الّذين يلحدون.

الأعقم

تفسير : {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} يعني الأسماء التي يفيد المدح كعالم وقادر وحي وقديم وإله وسميع وبصير، وروي في الثعلبي: أن رجلاً دعا في صلاته الرحمن فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً، فما بال هذا يدعو ربين؟ فأنزل الله: {ولله الأسماء الحسنى} هي الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام ونحوها، وروي فيه أيضاً: أن لله تسعة وتسعين اسماً من حفظها كلها دخل الجنة {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} يميلون عن الحق والصواب بتسميتهم الأوثان آلهة، وعن ابن عباس: يكذبون {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق}، قيل: يهدون إلى الرشد، وقيل: يهدون به {وبه يعدلون}، أي بالحق يميلون، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هي لأُمتي بالحق يأخذون وبالحق يعطون"تفسير : ، وقيل: هم مؤمنو أهل الكتاب، وقيل: هم الأنصار، وقيل: هم العلماء والأتقياء في كل عصر {والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} نزلت في المستهزئين أهلكهم الله تعالى جميعاً، ومعنى استدراجهم من حيث لا يعلمون بأخذهم من أي طريق سلكوها حتى لا يفوت منهم أحد {وأملي لهم} أي أمهلهم ولا أعاجلهم بالعقاب {إن كيدي متين} أي عذابي شديد {أو لم يتفكروا ما بصاحبهم} وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {من جنة} من جنون لأنهم قالوا: شاعر مجنون {إن هو إلاَّ نذير مبين} مخوف {أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله} فيهما {من شيء} يعني فيما يدلان عليه من عظم الملك، والملكوت الملك العظيم، فيعلمون أن من قدر على ذلك مع عجائب صفته قدر على البعث، ويتدبروا فيما خلق الله تعالى {وان عسى أن يكون قد اقترب أجلهم} فيهلكون {فبأي حديث بعده} أي بعد القرآن {يؤمنون} يصدقون لا حديث ينزل بعد القرآن {من يضلل الله فلا هادي له} قيل: من يحكم بضلالته بعد هذا البيان فلا أحد يحكم بهدايته، {يسألونك عن الساعة} الآية نزلت في اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبياً فانا نعلم متى هي وكان ذلك امتحاناً منهم مع علمهم أن الله تعالى قد استأثر بعلمها، وقيل: السائلون قريش {أيان مرساها} يعني متى ومنه قول الزاجر: شعر : أيان تقضى حاجتي أيانا تفسير : مرساها أي بناؤها، وقال ابن عباس: منتهاها، وقيل: قيامها {قل} يا محمد {إنما علمها عند ربي} استؤثر بعلمها {لا يجليها} يطهرها ويكشفها {إلاَّ هو ثقلت في السموات والأرض} يعني ثقلت واشتدت على أهل السموات والأرض لخفائها، وقيل: عظم وصفها على أهل السموات والأرض انتثار النجوم وتكوير الشمس {لا تأتيكم إلاَّ بغتة} فجأة على غفلة {يسألونك كأنك حفيّ عنها} أي عالم بها {قل} يا محمد {إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن علمها عند الله حين سألوا محمداً عما لم يطلعه.

اطفيش

تفسير : {وللهِ الأسْماء الحُسْنى} أى التى هى أحسن من كل اسم، فإن الحسنى مؤنث اسم التفضيل الذى هو لفظ أحسن، أو التى هى حسنة، إخراجا لاسم التفضيل عن بابه، ولا حاجة غلى جعل الحسنى هنا مصدرا إلا إن أريد المبالغة، ووجه كون أسمائه حسنى أنها تدل على معانى الحسنى فى اتصاف الله، سواء كانت كذلك فى طبع المخلوق كالرحمة واللطف والهدى، أو كالحمد والتقديس والقهر والإجبار. وزعم بعضهم أن حسنها بتحسين الشرع لإطلاقها والنص عليها، ويجوز أن يكون المراد أنها حسنة فى ذاتها، ويظهر حسنها بحسب مرتبة الذاكر فى صفاء القلب، والمراد بها الألفاظ، وقيل: ما تضمنته الألفاظ من الصفات، كالرحمة والعدل، وليست هنا بمعنى المسميات إجماعا، والمعنى أن هذه الأسماء مثل: الله، والرحمن، و الرحيم التى نتلفظ بها هى لله، وهو واجب الوجود لذاته، وهى أيضا أسماؤه فى الأزل، ولا تدل الآية على أن الاسم هى المسمى خلافا لما توهمه القشيرى والرازى. وفى الحديث: "حديث : أن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها تفسير : - أى حفظها كما عبر به فى رواية - حفظا تضمن تعظيمها والعمل بمقتضى معانيها - وقيل: عدها أى عدا تضمن ذلك، وقيل: حافظ على مقتضى معانيها، وعمل به، وقيل: حديث : أحضر عند ذكر كل واحد منها معناه معظما راعبا راهبا فيورثه ذلك العمل بمقتضاها دخل الجنة" تفسير : والله وتر ويحب الوتر، أى لا شريك له فى فعل، ولا صفة، ولا ذات. هو: الله، وهو الاسم الأعظم عند كثير، الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن، المهيمن العزيز، الجبار المتكبر، الخالق البارئ، المصور الغفار القهار، الوهاب الرزاق، الفتاح العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع المعز المذل، السميع البصير، الحكم العدل، اللطيف الخبير، الحليم العظيم، الغفور الشكور، العلى الكبير، الحفيظ المقيت، الحسيب الجليل، الكريم الرقيب، المجيب الواسع، الحكيم الودود، المجيد الباعث الوارث، الشهيد الحق، الوكيل القوى المتين الولى، الحميد المحصى المبدى المعيد، المحيى المميت، الحى القيوم، الماجد الواحد الأحد، الفرد الصمد، القادر المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الولى المتعالى، البر التواب، المنتقم العفو، الرءوف، مالك الملك، ذى الجلال والإكرام، المقسط الجامع، الغنى المغنى، الضار النافع، نور السموات والأرض، الهادى البديع، الباقى الرشيد، والتاسع والتسعون الصبور رواه المخالفون فإن صح فمعناه الحليم. وليس ذلك حصرا لأسمائه باتفاق، بل المراد من أحصى هذه التسعة والتسعين دخل الجنة، وقد قال ابن العربى: إن لله ألف اسم، وإن الألف قليل، وجاء فى الحديث: "أسألك بكل اسم سميت به نفسك" أى أظهرت لنا أنه اسم لك، وإلا فأسماؤه قديمة، ويدل على ذلك قوله: أو استأثرت به فى علم الغيب عندك، وهى توقيفية عندنا وعند جمهور قومنا، وقال ابن الباقلانى: يجوز أن يطلق عليه كل اسم تضمن مدحا خالصا لا شبهة فيه، وفيه أن هذا لا يدركه إلا أقل العلماء، فإذا فتح ذلك الباب اجترأ كل من يدعى الإحسان، فيدخل فيها مالا يجوز. وذكروا منها حنانا فإن صح فليس بأعظم من الرحمن، فيوجه بما وجه الرحمن من أن المراد به المنعم، أو مريد الإنعام، ولا إشكال فى منان. واختلف هل يجوز أخذ اسم له مما ذكر فى القرآن مثل: {يستهزئ بهم} و {ويمكرون ويمكر ال} فقيل: يجوز بالتقليد فيقال: مستهزئ بالكافرين، وماكر بالذين يمكرون، وقيل: لا يجوز واما بلا تقييد فلا يجوز إجماعا. وأما النور فيجوز عندنا بشرط إضافته إلى السماوات والأرض، وأجازه قومنا بلا إضافة، ورووه فى الحديث ويجوز جواد بتخفيف الواو، ولا يجوز سخى، ويجوز عالم، ولا يجوز عاقل، ولذلك ترى بعضا يقولون فى باب الموصول: من لم يعلم وما لغير العالم، لأن من تطلق على الله، ولا يقال فيه عاقل. وفى التاج: ولا يجوز فى صفاته المتعزز ولا المتكبر، وفيه نظر لورود المتكبر فى القرآن، ولا تعزز ولا تكبر ولا تجبر لما تفعل من التكلف، وجاز تنزه من كذا، ولا يجوز افتخر، لأن الافتخار إنما يقع بين المتضادين، انتهى. قلت: قد ورد فى الحديث وصفه بما معناه المفاخرة، ويصرف إلى ما يليق، ومثل تنزه تقدس، ومنعه بعض، والواضح جواب التفاعل، وما اشتق منه لا بمعنى التكلف، بل بمعنى المبالغة والتأكيد، وقد عبر أبو نصر بتقدس فى النونية، قال الشيخ إسماعيل فى شرحها: فإن قيل: ما الذى أطلقته العلماء على الله عز وجل مما ليس باسم ولا صفة ولا إثبات؟ فقل: تبارك وتعالى وجل وعز وتعظم وتقدس وتجبر فهؤلاء تنزيه. انتهى. وقد أثبت فى آخر السؤال الثانى والأربعين من كتاب السؤالات: التكبر والتعظم والتقدس والتجبر صفات متجبر ومتعظم ومتقدس ومتكبر أسماء الله. {فادْعُوهُ بِها} أى سموه بها، أو اذكروها فى طلبكم إياه، وروى أن أبا جهل سمع صحابيا يقرأ فتارة يذكر الله، وتارة الرحمن ونحو ذلك، فقال: يزعم محمد أنه يعبد إلهاً واحدا وهو يعبد آلهة كثيرة، فنزلت الآية. ولا يجوز فى الدعاء أن يقال: بحقك على نفسك، ولا بحق نبيك، ولا بحق سورة كذا عليك، ويجوز بنبيك، أو رسولك، أو بسورة كذا، أو باسمك الأعظم، أو باسمائك أو بأنبيائك أو رسلك، أو بكتابك أو بغير ذلك مما عظمه الله، وفى بعض الكتب: لا يجوز باسمك الأعظم، وفى أسمائك وملائكتك خلاف انتهى. وذكر بعضهم صفة الدعاء للأسماء أن يقال: يا الله يا الله يا إله الأولين والآخرين، وقامع المردة والجبارين، ومذل العظماء والمتكبرين، يا رب العالمين، بإحسانك نستعين، فأنت خير ولى وخير معين. يا رحمن الدنيا والآخرة، وجامع العظام النخرة، ومولى النعم الفاخرة. يا رحيما بالمؤمنين، وغافر ذنوب العاصين، ومخلد فى جهنم الكافرين. يا مالك الأمر فى يوم الدين، الطُفْ بنافى ذلك اليوم، واجعلنا من أهل الصلاة والصوم، واسلك بنا سبيل المهتدين، وجنبنا عن كل شئ يشين، إنك على كل شئ قدير. يا محيط يا محيط، أحاط علمك بجميع المعلومات، وأقرت بألوهيتك الكائنات، وسبقت إرادتك فى المخلوقات. يا قدير يا قدير، تعلقت قدرتك بالجائز من الموجودات، فظهرت فى الأحياء والجمادات، وأقربها المماليك والسادات. يا عليما يا عليما بالجزئيات والكليات، والسفليات والعلويات والموجودات والمعلومات. يا حكيم يا حكيم، ظهر إحكام صنعتك فى خلقك، وبان بذلك ما يجب لك، فلا مخلص لكبير ولا صغير من رقك. يا تواب يا تواب على الآيبين يا رب العالمين، وسلطان السلاطين، نسألك أن ترفعنا إلى أعلى عليين، وتنظمنا فى سلك أحبابك المقربين. يا بصير يا بصيرا بعيوبنا استرها، وعليما بذنوبنا اغفرها ومحيطا بأحوالنا دبرها. يا واسع يا واسع وسع أرزاقنا، وحسن أخلاقنا. يا بديع يا بديع بصر عقولنا، فى بديع مصنوعاتك، وثبت قلوبنا على الحب لذاتك وصفاتك، وطهر نفوسنا بما تواليه علينا من بركاتك. يا خبير يا خبيرا بأحوال المخلوقين، اجعل حالنا من أحوال الصديقين. يا خالق يا خالق اخلق فى قلوبنا هيبة لجلالك، وحياء من ارتداء كمالك. يا مصور يا مصور صورت العالم على ما سبق فى سابق إرادتك وعلمك، وأظهرت الحكمة، فى صغيره وكبيره على وفق حكمته، وحكمتك، وأجريته فى ميدان قهر القدرة، فلا ملجأ منه ولا مغر. يا غفار يا غفار إن ذنوبنا جمة فاغفرها، وعيوبنا كثيرة فاسترها، وأنفسنا كبيرة فاجبرها، وشياطيننا متمردة عليا فازجرها. يا قهار يا قهار قهرت العباد بالموت فليس لهم منه مهرب، ولا فوت، ذلت لجبروتك رقاب الجبابرة، وخضعت لكبريائك كبرياء الأكاسرة. يا وهاب يا وهاب هب لنا من طرق نعمتك ما تطهر به نفوسنا، وتقرب منك كسير قلوبنا، وجنين أرواحنا، وتنور بنوره ما أظلم من بصائرنا. يا رزاق يا رزاق ارزقنا من خزائنك الواسعة، وأدم علينا رحمتك القريبة السابقة، وأدم نعمتك الكثيرة، ومنتك الوثيرة. يا فتاح يا فتاح افتح علينا من علومك اللدنية، واصرف إلينا ما يرقينا إلى الأنوار السنية، وارفع عن بصائرنا ما ردِّ من الحجاب، وأدخل علينا الملائكة بالتحية والإكرام من كل باب. يا قابض يا قابض اقبض عنا يد الوساوس الشيطانية، واكفف جماح جهالات الخواطر الإنسانية، ولذذنا بحلاوة تلاوة كتابك، واكتبنا فى زمرة أحبابك. يا باسط يا باسط ابسط أرزاقنا الجسمانية والروحانية، ووسع لنا سرادقات أسرارك اللدنية، وأقمنا على بساط انبساط المشاهدة، ولذذنا بطيب دوام المراقبة. يا حافظ يا حافظ حفظت بجلالك المخلوقات، وتلاشت لجبروتك المحدثات، فاحفظ أعياننا مما يضرنا، وأنلنا من العافية والمعافاة فى الدنيا والآخرة ما به نفعنا. يا رافع يا رافع ارفع حقير ما انخفض من أحوالنا، وبارك فى قليل ما لا يؤبه به من أعمالنا، وأيدنا واحشرنا فى زمرة المقربين من أحبابك البررة، وأغثنا بالملائكة الكرام السفرة. يا معز يا معز أعزنا بعز الطاعة، وأمتنا على سبيل السنة والجماعة الصائبة، ويسر علينا إتيان خير الخيرات، وجنبنا ما كبر وصغير من المنكرات. يا مذل يا مذل لا تذلنا بذل المعاصى، واكفنا أليم عقابك إنك على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه القائمين على العهد، والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين. ولا يجوز أن يقال: ما أعلمك وما أعظمك ونحو ذلك، كذلك قالوا، قلت: بل يجوز ذلك لقول جابر بن زيد: إن لله ملكا رأسه فى السماء السابعة، ورجلاه فى الأرض السفلى إحدى زوايا العرش على كاهله يقول: سبحانك ما أعظمك، قال بعضهم: الله والإله، والرب والخالق، والبارئ والمصور، والمبدئ والمعيد، والمحيى والمميت، تصلح أذكارا للذاكرين، فالله والإله ذكر لأكابر المؤلهين فى الغالبين، والرب والخالق والبارئ ذكر لأكابر السالكين والمربين، والمصور والمبدئ والمعيد والمحيى والمميت، ذكر عباد الله المعتبرين والمتبصرين. {وذَرُوا الَّذينَ يُلْحدونَ فى أسمائِهِ} قال ابن زيد: اتركوا الذين يميلون عن الحق فى أسماء الله سبحانه وتعالى لا تحاجوهم، ولا تتعرضوا لهم، فهى منسوخة بآية السيف، وأقول: ليس الأمر كذلك لجواز أن يكون ذلك وعيدا وتهديدا لقوله: {أية : ذرنى ومن خلقت وحيدا} تفسير : وصرح بالوعيد فى قوله: {سيُجْزونَ} فى الآخرة {ما} مفعول ثان أو على تقدير الباء {كانُوا يعْمَلونَ} من الإلحاد فى أسمائه وغيرها، ولجواز أن يكون المعنى لا تتابعوهم فى إلحادهم فى أسمائه، أو ذروا إلحاد الذين يلحدون فيها، والإلحاد فيها إما بتسمية غيره بها كما سموا الصنم اللات اشتقاقا من لفظ الجلالة، وسموا الآخر العزى اشتقاقا من لفظ العزيز، وسموا الثالث مناة اشتقاقا من المنان، ويسمون الأصنام آلهة وأربابا، وبذلك قال ابن عباس. وإما تسمية بما لا يجوز كقولهم: يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه، يا سخى، وقول البربر: باب رب، ولو كان الصحيح عدم إشراكهم بذلك، لأنهم أرادوا المولى والسيد لا الوالد، وإما بإنكارهم بعض الأسماء كانوا يقولون الله ولا يقولون الرحمن، ويقولون لا نعرف إلا رحمن اليمامة، وإما بوصفه بما لا يجوز كوصفه بالجبر على الأعمال، ووصفه بأنه غير خالق لأفعال العباد، أو بأنه غير خالق للشر والفحشاء والمنكر، ووصفه بأنه غير شاء للقبائح، فإن الحق أنه شاءها بمعنى كانت ممن كانت بإرادته وقضائه. ولا يخلو جواب جار الله من ذلك، ووصفه بجواز رؤيته، وقد قالت العرب وغيرها: أرنا ربك يا محمد، ولا يخلو من هذا إخوان القاضى قبل، وإما بعدم لمراعاة الأوب فيها مثل أن يقول: يا ضار ولا يذكر يا نافع، ويقول: يا مانع ولا يقول يا معطى، ويقول: يا خالق القردة، والصواب يا خالق الخلق، وإما بتسميته بما لا يعرف معناه لئلا يقع فيما لا يليق، وقرأ حمزة وحده، وابن وثاب، وطلحة. وعيسى، والأعمش هنا وفى النحل والسجدة بفتح الباء والحاء من لحد، والمعنى واحد، وقرأ الكسائى فى القرآن بضم الباء وكسر الحاء إلا فى النحل فيفتحهما، ويقول: ألحد بمعنى مال وانحرف، ولحد بمعنى ركن، وجعل منه ما فى النحل ذكره الفارسى.

اطفيش

تفسير : {وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} أَلفاظ يذكر بها، ويختص بها كما أَفاده تقديم ولله، لا توجد حقيقة معانيها لغيره، ولو وجد لفظها، إِلا الله والرحمن، فلا يوجد لفظهما لغيره، ولا يحل، فلا يجوز أَن تسمى السورة بعد اقتربت الساعة الرحمن كما فى أَلسن العامة، بل يقال: سورة الرحمن، وذلك حرام، وجاءَ الحديث: "حديث : إِن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إِلا واحداً من أَحصاها دخل الجنة، إِن الله وتر يحب الوتر، هو الله الذى لا إِله إِلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس"تفسير : .. إِلخ.. وليست محصورة فى التسعة والتسعين، ففى الحديث: "حديث : أَسأَلك بكل اسم سميت به نفسك، أَو استأثرت به فى علم الغيب عندك"تفسير : .. وقد حفظت أَسماء غير التسعة والتسعين. ويقال: لله تعالى أَلف اسم، نقله ابن العربى، وقال: إِن الأَلف قليل، وذكر بعض أَنها أَربعة آلاف، وذكر بعض الصوفية أَنها لا تكاد تحصى، ومعنى إِحصائها حفظها، كما روى: من حفظها دخل الجنة، ونسبه بعض لأَكثر المحققين، وقيل إِحصاؤها مراعاة معانيها والعمل بها. وقيل: المعنى من استحضر معانيها عند ذكرها، ولا بد من اجتناب الكبائر. وقيل المراد بالأَسماء: الصفات كالأُلوهية والرحمة والعلم والخلق ونحو ذلك من صفات الذات وصفات الفعل، كما يقال: طار اسم فلان فى الآفاق، أَو شاع ذكره بالمحاسن كالجود والشجاعة. والصحيح الأَول، وهى توقيفية، وقيل يجوز قياسها فيما ورد منها فعل كطحى ودحى وبنى، وتضاف لمعموله كداحى الأَرض، وكعلَّم بالشد فيجوز فى هذا القول معلم الإِنسان، ويجوز عالم وعليم وعلام، ولا يجوز فقيه، ويجوز جواد لا سخى، وقيل: يجوز قياسها ولو لم يرد فعل أَو مصدر أَو إِيهام ولا نقص، بل إِعظام وإِجلال بأَى لغة كانت، وصححه بعض وهو قول وجيه؛ لأَننا أمرنا بعبادته وإِجلاله بلا حد، وليس المنع أَولى من الإِجازة، لأَن كلا منهما تشريع، وإِنما الفرق فى المقارفة، فيقول مثلا لا أطلق له اسماً حذراً وخوفاً لعله لا يجوز ولا يضاف للأَشياء الحقيرة، لا يقال: خالق الخنافس والقرود، ويجوز إِطلاق ماكر وخادع فى مقام المشاكلة، وسمع المشركون النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين يقولون: يا الله يا رحمن، فقالوا: يزعم محمد أَنه يعبد ربا واحداً، فما لهم يدعون اثنين؟ فنزل "أية : قل ادعو الله أَو ادعو الرحمن" تفسير : [الإِسراء: 110] والحسنى اسم تفضيل، والمعنى أَحسن الأَسماء {فَادْعُوهُ} سموه أَو نادوه أَو اعبدوه {بِهَا وَذرُوا} ا تركوا {الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمَائِهِ} يميلون فيها عن الحق بالاشتقاق منها لغيره إِشراكا به كاللات من الله، والعزى من العزيز، ومناة من منان، أَو بتحريفها، كقادر بفتح الدال وعبد القادر بفتح قبل الراء، وعبد اللا بحذف الهاء من الله، والله بترك مد اللام بالأَلف، وتسمية السورة الرحمن، بل قل: سورة الرحمن. ومن الإِلحاد تسميته بما لا يجوز كتفسير الربيع فى أَنبت الربيع البقل، والطبيب فى شفى الطبيب المريض - بالله تعالى على التجوز الاستعارى، بل هما على ظاهرهما و التجوز فى الإِسناد إِليهما، وكذا تفسير الرؤية به تعالى، وفيه أَيضاً تسمية بما فيه تاء التأْنيث، وذلك فى قولهم: سرتنى رؤيتك، ولا يحكم على موحد بشرك على خطئه فى لفظ إِذ لم يرد الشرك، ولا يعذر فى ترك التعلم والخطأ إِلى ما هو إِشراك لولا التأويل أَشد من الخطأ بفعل، ولو فرضنا أَن إِنساناً لا يحل قتله فقتله أَحد لكان ذنبه دون ذنب من قال إِن الإِنسان خالق لفعله، ودون ذنب من قال برؤية البارى تعالى، ودون ذنب من قال: صفات الله سبحانه غيره لأَن هؤلاء الثلاثة لولا التأْويل لكانت إِشراكا، وكذا القول بإِجبار الله تعالى الخلق على الفعل والقول بسلب القدرة أَلبتة عن العبد، ومذهبنا خال عن ذلك كله والحمد لله عز وجل، كما قال لى بعض علماء مكة: لا بدعة فى مذهبكم {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أَمدهم بالإِعراض عن المشركين، وعدم اتباعهم، وعدم التلهف فى أَثرهم، وأَخبرهم بأَنهم سيجزون على عملهم، وليس فى ذلك نهى عن قتال فضلا عن أَن يقال: نسخ بآية القتال، لأَن ذلك يقال لهم قبل نزول القتال وبعده.

الالوسي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَاء ٱلْحُسْنَىٰ} قيل: تنبيه للمؤمنين على كيفية ذكره تعالى وكيفية المعاملة مع المخلين بذلك الغافلين عنه سبحانه وتعالى وعما يليق بشأنه عز شأنه إثر بيان غفلتهم التامة وضلالتهم الطامة، وسيأتي إن شاء الله تعالى وجه آخر لذكر ذلك. والمراد بالأسماء كما قال حجة الإسلام الغزالي وغيره الألفاظ المصوغة الدالة على المعاني المختلفة، والحسنى تأنيث الأحسن أفعل تفضيل، ومعنى ذلك أنها أحسن الأسماء وأجلها لأنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها، وقيل: المراد بالأسماء الصفات ويكون من قولهم طار اسمه في البلاد أي صيته ونعته، والجمهور على الأول لقوله عز اسمه: {فَٱدْعُوهُ بِهَا} لأنه إما من الدعوة بمعنى التسمية كقولهم: دعوته زيداً أو بزيد أي سميته أو من الدعاء بمعنى النداء كقولهم: دعوت زيداً أي ناديته، وعلى التقديرين إنما يلائم ظاهر المعنى الأول على ما قيل. {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِى أَسْمائِهِ} أي يميلون وينحرفون فيها عن الحق إلى الباطل يقال: ألحد إذا مال عن القصد والاستقامة، ومنه لحد القبر لكونه في جانبه بخلاف الضريح فإنه في وسطه، وقرأ حمزة هنا وفي فصلت [40] {يُلْحِدُونَ} بالفتح من الثلاثي والمعنى واحد، وروى أبو عبيدة عن الأحمر أن ألحد بمعنى مارى وجادل، ولحد بمعنى مال وانحرف، واختار الواحدي قراءة الجمهور قال: ولا يكاد يسمع لاحد بمعنى ملحد. والإلحاد في أسمائه سبحانه أن يسمى بما لا توقيف فيه أو بما يوهم معنى فاسداً كما في قول أهل البدو يا أبا المكارم، يا أبيض الوجه يا سخي ونحو ذلك، فالمراد بالترك المأمور به الاجتناب عن ذلك، وبأسمائه ما أطلقوه عليه تعالى وسموه به على زعمهم لا أسماؤه تعالى حقيقة، وعلى ذلك يحمل ترك الإضمار بأن يقال: يلحدون بها، وما قيل: إنه أريد بالأسماء التسميات فلذا ترك الإضمار ليس بشيء، ومن فسر الإلحاد في الأسماء بما ذكر ذهب إلى أن أسماء الله تعالى توقيفية يراعى فيها الكتاب والسنة والإجماع فكل اسم ورد في هذه الأصول جاز إطلاقه عليه جل شأنه وما لم يرد فيها لا يجوز إطلاقه وإن صح معناه، وبهذا صرح أبو القاسم القشيري في «مفاتيح الحجج ومصابيح النهج»، وفي «أبكار الأفكار» للآمدي ليس مأخذ جواز تسميات الأسماء الحسنى دليلاً عقلياً ولا قياساً لفظياً وإلا لكان تسمية الرب تعالى فقيهاً عاقلاً مع صحة معاني هذه التسميات في حقه وهي العلم والفقه أولى من تسميته سبحانه وتعالى بكثير مما يشكل ظاهره بل مأخذ ذلك إنما هو الإطلاق والإذن من الشارع فكل ما ورد الإذن به منه جوزناه وما ورد المنع منه منعناه وما لم يوجد فيه إطلاق ولا منع فقد قال بعض أصحابنا بالمنع منه وليس القول بالمنع مع عدم وروده أولى من القول بالجواز مع عدم وروده إذ المنع والجواز حكمان، وليس إثبات أحدهما مع عدم الدليل أولى من الآخر بل الحق في ذلك هو الوقف وهو أنا لا نحكم بجواز ولا منع والمتبع في ذلك كله الظواهر الشرعية كما هو المتبع في سائر الأحكام وهو أن يكون ظاهراً في دلالته وفي صحته ولا يشترط فيه القطع كما ذهب إليه بعض الأصحاب لكون المنع والجواز من الأحكام الشرعية، والتفرقة بين حكم وحكم في اشتراط القطع في أحدهما دون الآخر تحكم لا دليل عليه انتهى. وأنت تعلم أن المشهور التفرقة بين الأحكام الأصولية الاعتقادية والأحكام الفرعية العملية كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى قريباً. وخلاصة الكلام في هذا المقام أن علماء الإسلام اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء والصفات على الباري تعالى إذا ورد بها الإذن من الشارع وعلى امتناعه إذا ورد المنع عنه، واختلفوا حيث لا إذن ولا منع في جواز إطلاق ما كان سبحانه وتعالى متصفاً بمعناه ولم يكن من الأسماء الأعلام الموضوعة في سائر اللغات إذ ليس جواز إطلاقها عليه تعالى محل نزاع لأحد، ولم يكن إطلاقه موهماً نقصاً بل كان مشعراً بالمدح فمنعه جمهور أهل الحق مطلقاً للخطر، وجوزه المعتزلة مطلقاً، ومال إليه القاضي أبو بكر لشيوع إطلاق نحو خدا وتكرى من غير نكير فكان إجماعاً، ورد بأن الإجماع كاف في الإذن الشرعي إذا ثبت. / واعترضه أيضاً إمام الحرمين بأنه قول بالقياس وهو حجة في العمليات والأسماء والصفات من العمليات، وروى بعضهم عنه التوقف، وذكر في «شرح المواقف» أن القاضي أبا بكر ذهب إلى أن كل لفظ دل على معنى ثابت لله تعالى جاز إطلاقه عليه إذا لم يكن موهماً لما لا يليق بذاته تعالى، ثم قال: وقد يقال: لا بد مع نفي ذلك الإيهام من الإشعار بالتعظيم حتى يصح الإطلاق بلا توقف وجعل مذهب المعتزلة غير مذهبه والمشهور ما ذكرناه. وفصل الغزالي قدس سره فجوز إطلاق الصفة وهو ما دل على معنى زائد على الذات ومنع إطلاق الاسم وهو ما يدل على نفس الذات محتجاً بإباحة الصدق واستحبابه والصفة لتضمنها النسبة الخبرية راجعة إليه وهي لا تتوقف إلا على تحقق معناها بخلاف الاسم فإنه لا يتضمن النسبة الخبرية وأنه ليس إلا للأبوين أو من يجري مجراهما. وأجيب بأن ذلك حيث لا مانع من استعمال اللفظ الدال على تلك النسبة والخطر قائم، وأين التراب من رب الأرباب؟. واختار جمع من المتأخرين مذهب الجمهور قالوا: فيطلق ما سمع على الوجه الذي سمع ولا يتجاوز ذلك إلا في التعريف والتنكير سواء أوهم كالصبور والشكور والجبار والرحيم أو لم يوهم كالقادر والعالم، والمراد بالسمعي ما ورد به كتاب أو سنة صحيحة أو إجماع لأنه غير خارج عنهما في التحقيق بخلاف الضعيفة والقياس أيضاً إن قلنا: إن المسألة من العلميات أما إن قلنا: إنها من العمليات فالسنة الضعيفة كالحسنة إلا الواهية جداً، والقياس كالإجماع، وأطلق بعضهم المنع في القياس وهو الظاهر لاحتمال إيهام أحد المترادفين دون الآخر. وجعل بعضهم من الثابت بالقياس المترادفات من لغة أو لغات، وليس بذاك، ومن الثابت بالإجماع الصانع والموجود والواجب والقديم، قيل: والعلة، وقيل: الصانع والقديم مسموعان كالحنان والمنان، ونص بعض المحققين على أنه يمنع إطلاق غير المضاف إذا كان مرادفاً للمضاف المسموع قياساً كما يمنع إطلاق ما ورد على وجه المشاكلة والمجاز، وأنه لا يكفي ورود الفعل والمصدر ونحوهما في صحة إطلاق الوصف فلا يطلق الحارث والزارع والرامي والمستهزىء والمنزل والماكر عليه سبحانه وتعالى وإن جاءت آيات تشعر بذلك. هذا ومن الناس من قال: إن الألفاظ الدالة على الصفات ثلاثة أقسام: الأول ما يدل على صفات واجبة وهو أصناف: منها ما يصح إطلاقه مفرداً لا مضافاً نحو الموجود والأزلي والقديم وغيرها، ومنها ما يصح إطلاقه مفرداً ومضافاً إلى ما لا هجنة فيه نحو الملك والمولى والرب والخالق. ومنها ما يصح مضافاً غير مفرد نحو يا منشىء الرفات ومقيل العثرات، والثاني ما يدل على صفات ممتنعة نحو اليد والوجه والنزول والمجىء فلا يصح إطلاقه البتة، وإن ورد به السمع كان التأويل من اللوازم. والثالث ما لا يدل على صفات واجبة ولا ممتنعة بل يدل على معان ثابتة نحو المكر والخداع وأمثالهما فلا يصح إطلاقه إلا إذا ورد التوقيف، ولا يقال: يا مكار يا خداع البتة وإن كان مذكوراً ما يدل عليه كقوله تعالى: {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 54] انتهى، ولا يخفى ما فيه. وذكر الطيبـي أن الحق الاعتماد في الإطلاق على الإطلاق على التوقيف، وأن كل ما أذن الشارع أن يدعى به الله عز وجل سواء كان مشتقاً أو غير مشتق فهو اسم، وكل ما نسب إليه سبحانه وتعالى من غير ذلك الوجه سواء كان مؤولاً أو غير مؤول فهو وصف؛ وجعل الحي وصفاً والكريم اسماً وادعى أنه يقال يا كريم ولا يقال يا حي مع ورود اللفظين فيه سبحانه وتعالى فيما أخرجه أبو داود والترمذي من / حديث سلمان رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الله تعالى حي كريم يستحي إذا رفع العبد يده أن يردها صفراً حتى يضع فيها خيراً»، تفسير : وذكر أن التعريف في الأسماء للعهد وأنه لا بد من المعهود لأنه سبحانه وتعالى أمر بالدعاء بها ونهى عن الدعاء بغيرها وأوعد على ذلك. وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبـي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً من حفظها دخل الجنة» تفسير : وفي رواية أحصاها، وفي أخرى «حديث : إن لله تعالى تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً» تفسير : وأوتي فيه بالفذلكة والتأكيد لئلا يزاد على ما ورد. وجاءت معدودة في بعض الروايات بقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : هو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق الباريء المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدىء المعيد المحي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور».تفسير : ونقل عن أهل البيت رضي الله تعالى عنهم غير ذلك وأخذوها من القرآن؛ وجاء أيضاً عندنا ما يخالف هذه الرواية في بعض الأسماء. وذكر غير واحد من العلماء أن هذه الأسماء منها ما يرجع إلى صفة فعلية ومنها ما يرجع إلى صفة نفسية ومنها ما يرجع إلى صفة سلبية. ومنها ما اختلف في رجوعه إلى شيء مما ذكر وعدم رجوعه وهو الله والحق أنه اسم للذات وهو الذي إليه يرجع الأمر كله، ومن هنا ذهب الجل إلى أنه الاسم الأعظم، وتنقسم قسمة أخرى إلى ما لا يجوز إطلاقه على غيره سبحانه وتعالى كالله والرحمن وما يجوز كالرحيم والكريم وإلى ما يباح ذكره وحده كأكثرها وإلى ما لا يباح ذكره كذلك كالمميت والضار فإنه لا يقال: يا مميت يا ضار بل يقال: يا محي يا مميت ويا نافع يا ضار، والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه عزت أسماؤه في التسعة والتسعين، ويدل على ذلك ما أخرجه البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أصابه هم أو حزن فليقل: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي في يدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبـي ونور صدري وذهاب همي وجلاء حزني» تفسير : الحديث، وهو صريح في عدم الحصر لمكان أو وأو. وحكى محي الدين النووي ((اتفاق العلماء على ذلك وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة وهو لا ينافي أن له تعالى أسماء غيرها غير موصوفة بذلك. ونقل أبو بكر بن العربـي عن بعضهم أن له سبحانه وتعالى ألف اسم ثم قال: وهذا قليل)) وهو كما قال. وعن بعضهم أنها أربعة آلاف، وعن بعض الصوفية أنها لا تكاد تحصى، والمختار عندي عدم توقف إطلاق الأسماء المشتقة الراجعة إلى نوع من الصفات النفسية والفعلية وكذا الصفات السلبية عليه تعالى على التوقيف الخاص بل يصح الإطلاق بدونه لكن بعد التحري التام وبذل الوسع فيما هو نص في التعظيم والتحفظ إلى الغاية عما يوهم أدنى أدنى نقص / معاذ الله تعالى في حقه سبحانه لأنا مأذونون بتعظيم الله تبارك وتعالى بالأقوال والأفعال ولم يحد لنا حد فيه؛ فمتى كان في الإطلاق تعظيم له عز وجل كان مأذوناً به، والتكليف منوط بالوسع {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] فبعد بذل الوسع في التعظيم يرتفع الحرج. وحديث الخطر الذي يذكرونه يستدعي أن لا يصح إلا إطلاق ما ثبت تواتراً إطلاقه عليه جل وعلا أو اجتمعت الأمة على إطلاقه لأن الثبوت فيما عدا ذلك ظني والخطر فيه يقيني، والأسماء المتقدمة آنفاً لم يوجد في كثير من الروايات ذكرها وهي مشهورة من حديث الترمذي، وقد قال: ((إنه حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ولا نعرفه إلا من حديثه وهو ثقة عند أهل الحديث))، وأنت تعلم أن هذا القدر لا يثبت به اليقين بل ولا بمثله ومثله، على أن عد بعض أهل البيت كما في «الدر المنثور» للتسعة والتسعين وكذا غيرهم كما لا يخفى على المتتبع يخالف هذا العد، وسند ذلك الخبر وإن لم يكن في المتانة كسند هذا إلا أنه لا أقل يورث الشبهة اللهم إلا أن يقال: حصل الإجماع على ما في حديث الترمذي دون ما في حديث غيره المخالف له لكن لم أقف على من حكى ذلك. ثم إن هذه الأسماء المأخوذة مما ذكرنا لا مانع من الدعاء بها ومن إجرائها اخباراً عنه سبحانه وتعالى أو أوصافاً له جل وعز وكلها حسنى، وتسميتها بذلك من جهة أنها بالمعنى المراد منها بالنسبة إليه تعالى مختصة به جل وعلا اختصاص الاسم ولا تطلق على غيره بالمعنى المراد مها حال إطلاقها على الله تعالى وإنما تطلق على الغير بمعنى آخر ليس بينه وبين ذلك المعنى إلا كما بين السواد والبياض فإن بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعد فوقه لكنهما متشاركان في العرضية واللونية والمدركية بالبصر وأمور أخر سوى ذلك، وبهذا لا يعد البياض مماثلاً للسواد أو بالعكس لأن المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية وهي مفقودة هنا وكذا هي مفقودة بين العلم مثلاً الذي يوصف الله تعالى به والعلم الذي يوصف غيره سبحانه وتعالى به ولا يعلم حقيقة ذلك وماهيته إلا الله تعالى كما لا يعرف حقيقة الله تعالى إلا الله تعالى في الدنيا والآخرة. نعم لو قال قائل: لا أعرف إلا الله تعالى صدق ولكن من جهة أخرى، ونهاية معرفة العارفين العجز عن المعرفة، ومعرفتهم بالحقيقة أنهم لا يعرفونه فإذا انكشف لهم ذلك فقد عرفوا وبغلوا المنتهى الذي يمكن في حق الخلق من معرفته سبحانه وتعالى. وهذا الذي أشار إليه الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه حيث قال: العجز عن درك الإدراك إدراك بل هو الذي عناه سيد البشر صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» تفسير : فإنه عليه الصلاة والسلام أراد إني لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيتك وإنما أنت المحيط به وحدك لا أني أعرف منك ما لا أستطيع التعبير عنه بلساني، وتفاوت درجات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة والأولياء في المعرفة إنما هو بالوقوف على عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض وخلق الأرواح والأجساد وحينئذ يتفاوتون في معرفة الأسماء والصفات، ومعرفة أن زيداً عالم مثلاً ليست كمعرفة تفاصيل علومه كما لا يخفى، ولا يرد على ما ذكرنا من الاختصاص أنه يأباه تقسيمهم أسماءه تعالى إلى مختص كالرحمن وغير مختص كالرحيم لأن مرادهم بالمختص ما اعتبر في مفهومه المطابقي ما يمنع من الإطلاق على الغير، وقد نص البيضاوي على أن معنى الرحمن المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره تعالى فلذا لا يوصف به، وبغير المختص ما لم يعتبر في مفهومه ذلك بل اعتبر فيه معنى عام فيطلق لذلك على الله تعالى وعلى غيره، لكن حال إطلاقه عليه تعالى يراد الفرد الكامل من ذلك المفهوم الذي لا يليق / ولا يمكن أن يثبت إلا لله عز وجل، وقد يقال: لا فرق بين الأسماء المشتقة التي يوجد في الغير مبدأ اشتقاقها في الجملة من حيث إن اعتبار ذلك الوجود يقتضي عدم الاختصاص، واعتبار الوجود على أتم وجه وأكمله يقتضي الاختصاص من غير تفرقة بين اسم واسم إلا أنا حكمنا بالاختصاص في بعض وبعدمه في آخر لأمر آخر كالاستعمال وعدم الاستعمال وإذن الشارع وعدم إذنه فلا يأبى ما قلناه أيضاً نعم اعتبار الاختصاص بالله تعالى في الأسماء المذكورة في الآية لا يتأتى فيها بناء على أن تقديم الخبر يفيد الاختصاص أيضاً فيكون المعنى لله لا لغيره الأسماء التي تختص به تعالى ولا تطلق على غيره، ويؤل إلى أن الأسماء المختصة به سبحانه وتعالى مختصة به جل وعلا وهو مما لا فائدة فيه، وحينئذ لا بد إما من حمل الأسماء على الصفات كما قال البعض، ومعنى الحسنى الكاملة من كل وجه أي لله تعالى لا لغيره الصفات الكاملة لأن صفات غيره سبحانه وتعالى كيفما كانت ناقصة لا أقل من أن العدم محيط بطرفيها، ومعنى فادعوه بها الخ سموه بما يشتق منها أو نادوه بذلك وذروا الذين يميلون عن الحق في صفاته فيسمون بها غيره أو يدعون معتقدين الشركة ودعوهم وإلحادهم، وإما من ارتكاب ضرب من التجوز وما ذكره الطيبـي من أن التعريف في الأسماء للعهد إلى آخر ما قاله مما لا أظنك في مرية من ركاكته فتأمل. وجوز أن يراد بالإلحاد العدول عن تسميته تعالى ببعض أسمائه الكريمة كما قالوا: وما الرحمن؟ إنا لا نعرف إلا رحمن اليمامة، وعليه فالمراد بالترك الاجتناب كما أريد أولاً بالأسماء أسماؤه تعالى حقيقة، فالمعنى سموه تعالى بجميع أسمائه واجتنبوا إخراج بعضها من البين، وأن يراد به إطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من الله تعالى والعزى من العزيز، فالمراد من الأسماء أسماؤه تعالى حقيقة، والإظهار في موضع الإضمار مع التجريد عن الوصف في الكل للإيذان بأن إلحادهم في نفس الأسماء من غير اعتبار الوصف. والمراد بالترك الإعراض وعدم المبالاة بما فعلوا ترقباً لنزول العقوبة فيهم عن قريب كما يشير إليه قوله تعالى: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} فإنه استئناف وقع جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل: لم لا نبالي؟ فقيل: لأنه سينزل بهم عقوبة وتشتفون عن قريب، والمعنى على الأمر بالاجتناب اجتنبوا إلحادهم كيلا يصيبكم ما يصيبهم فإنه سينزل بهم عقوبة ذلك.

ابن عاشور

تفسير : هذا خطاب للمسلمين، فتوسطه في خلال مذام المشركين؛ لمناسبة أن أفظع أحوال المعدودين لجنهم هو حال إشراكهم بالله غيره، لأن في ذلك إبطالاً لأخص الصفات بمعنى الإلهية: وهي صفة الوحدانية وما في معناها من الصفات نحو الفرد، الصمد. وينضوي تحت الشرك تعطيل صفات كثيرة مثل: الباعث، الحسيب، والمُعيد، ونشأ عن عناد أهل الشرك إنكار صفة الرحمٰن. فعقبت الآيات التي وصفت ضلال إشراكهم بتنبيه المسلمين للاقبال على دعاء الله بأسمائه الدالة على عظيم صفات الإلهية، والدوام على ذلك، وأن يُعرضوا عن شغب المشركين وجدالهم في أسماء الله تعالى. وقد كان من جملة ما يتورك به المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، أن أنكروا اسمه تعالى الرحمٰن، وهو إنكار لم يقدمهم عليه جهلهم بأن الله موصوف بما يدل عليه وصف (رحمان) من شدة الرحمة، وإنما أقدمهم عليه ما يقدم كل معاند من تطلب التغليظ والتخطئة للمخالف، ولو فيما يعرف أنه حق، وذكر ابن عطية، وغيره. أنه روي في سبب نزول قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} أن أبا جهل سمع بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فيذكر الله في قراءته، ومرة يقرأ فيذكر الرحمان فقال أبو جهل «محمد يزعم أن الإله واحد وهو إنما يعبد آلهة كثيرة» فنزلت هذه الآية. فعطفُ هذه الآية على التي قبلها عطفُ الإخبار عن أحوال المشركين وضلالهم، والغرض منها قوله: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه}. وتقديم المجرور المسند على المسند إليه؛ لمجرد الاهتمام المفيد تأكيد استحقاقه إياها، المستفاد من اللام، والمعنى أن اتسامه بها أمر ثابت، وذلك تمهيد لقوله: {فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه}، وقد التزم مثل هذا التقديم في جميع الآي التي في هذا الغرض مثل قوله في سورة الإسراء (110){أية : فله الأسماء الحسنى} تفسير : وسورة طه (8) {أية : له الأسماء الحسنى} تفسير : وفي سورة الحشر (24) {أية : له الأسماء الحسنى}، تفسير : وكل ذلك تأكيد للرد على المشركين أن يكون بعض الأسماء الواردة في القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم أسماء لله تعالى بتخييلهم أن تعدد الاسم تعدد للمسمى تمويهاً على الدهماء. والأسماء هي الألفاظ المجعولة أعلاماً على الذات بالتخصيص أو بالغلبة فاسم الجلالة وهو (الله) علم على ذات الإله الحق بالتخصيص، شأن الأعلام، و(الرحمٰن) و(الرحيم) اسمان لله بالغلبة، وكذلك كل لفظ مفرد دل على صفة من صفات الله، وأطلق إطلاق الأعلام نحو الرب، والخالق، والعزيز، والحكيم، والغفور، ولا يدخل في هذا ما كان مركّباً إضافياً نحو: ذو الجلال، ورب العرش، فإن ذلك بالأوصاف أشبه، وإن كان دالاً على معنى لا يليق إلا بالله نحو: {أية : مَالك يوم الدين} تفسير : [الفاتحة: 4]. والحسنى مؤنث الأحسن، وهو المتصف بالحسن الكامل في ذاته، المقبول لدى العقول السليمة المجردة عن الهوى، وليس المراد بالحسن الملاءمةَ لجميع الناس، لأن الملاءمة وصف إضافة نسبي، فقد يلائم زيداً ما لا يلائم عمراً، فلذلك فالحسنُ صفة ذاتية للشيء الحسن. ووصف الأسماء بـ {الحسنى}: لأنها دالة على ثبوت صفات كمال حقيقي، أما بعضها فلأن معانيها الكاملة لم تثبت إلا لله نحو الحي، والعزيز، والحكيم، والغني، وأما البعض الآخر فلأن معانيها مطلقاً لا يحسن الاتصاف بها إلا في جانب الله نحو المتكبر، والجبّار، لأن معاني هذه الصفات وأشباهها كانت نقصاً في المخلوق من حيث أن المتسم بها لم يكن مستحقاً لها لعجزه أو لحاجته، بخلاف الإله، لأنه الغني المُطلق، فكان اتصافُ المخلوق بها منشأ فساد في الأرض، وكان اتصاف الخالق بها منشأ صلاح، لأنها مصدر العدالة والجزاء القسطِ. والتفريع في قوله: {فادعوه بها} تفريع عن كونها أسماء له، وعن كونها حسنى، أي فلا حرج في دعائه بها؛ لأنها أسماء متعددة لمسمى واحد، لا كما يزعم المشركون، ولأنها حسنى فلا ضير في دعاء الله تعالى بها. وذلك يشير إلى أن الله يُدعى بكل ما دل على صفاته وعلى أفعاله. وقد دلت الآية على أن كل ما دل على صفة الله تعالى وشأن من شؤونه على وجه التقريب للأفهام بحسب المعتاد يسوغ أن يُطلق منه اسم لله تعالى ما لم يكن مجيئه على وجه المجاز نحو {أية : الله يستهزىء بهم} تفسير : [البقرة: 15] أو يُوهم معنى نقص في متعارف الناس نحو الماكر من قوله: {أية : واللَّه خَيْرُ الماكرين}تفسير : [آل عمران: 54]. وليست أسماء الله الحسنى منحصرة في التسعه والتسعين الواردة في الحديث الصحيح عن الأعرج، وعن أبي رافع، وعن همام بن منبه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن لله تسعة وتسعين أسماً مَن أحصاها دخل الجنة» تفسير : لأن الحديث الصحيح ليس فيه ما يقتضي حصر الأسماء في ذلك العدد، ولكن تلك الأسماءَ ذات العدد لها تلك المزية، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا فقال يا حنّان يا منّان ولم يقع هذان الاسمان فيما روي من التسعة والتسعين، وليس في الحديث المروي بأسانيد صحية مشهورة تعيين الأسماء التسعة والتسعين، ووقع في «جامع الترمذي» من رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الأعرج، عن أبي هريرة بعد قوله: «دخل الجنة» هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمان الرحيم إلى آخرها، فعيّن صفات لله تعالى تسعاً وتسعين، وهي المشهورة بين الذين تصدوا لبيانها، قال الترمذي: «هذا حديث غريب حدَثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح وهو ثقة عند أهل الحديث، ولا نعلم في شيء من الروايات لها إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث». وتعيين هذه الأسماء لا يقتضي أكثر من أن مزيتها أن مَن أحصاها وحفظها دخل الجنة، فلا يمنع أن تُعد لله أسماء أخرى. وقد عد ابن بَرّحان الإشبيلي في كتابه «أسماء الله الحسنى» مائة واثنتين وثلاثين اسماً مستخرجة من القرآن والأحاديث المقبولة، وذكر القرطبي: أن له كتاباً سماه «الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» ذكر فيه من الأسماء ما يُنيف على مائتي اسم، وذكر أيضاً أن أبا بكر بن العربي ذكر عدة من أسمائه تعالى مثل مُتمّ نوره، وخير الوارثين، وخير الماكرين، ورابع ثلاثة، وسادس خمسة، والطيب، والمعلم إلخ. ولا تخفى سماجة عد نحو رَابع ثلاثة، وسادس خمسة، فإنها وردت في القرآن في سياق المجاز الواضح ولا مناص من تحكيم الذوق السليم، وليس مجردَ الوقوف عند صورة ظاهرة من اللفظ، وذكر ابن كثير في «تفسيره» عن كتاب «الأحوذي في شرح الترمذي» لعله يعني «عارضة الأحوذي» «أن بعضهم جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله تعالى ألف اسم» ولم أجده في نسخ «عارضة الأحواذي» لابن العربي، ولا ذكره القرطبي وهو من خاصة تلاميذ ابن العربي، والموجود في كتاب «أحكام القرآن» له أنه حضره منها مائة وستة وأربعون اسماً وساقها في كتاب «الأحكام»، وسقط واحد منها في المطبوعة، وذكر أنه أبلغها في كتابه «الآمد» (أي «الامد الأقصى») في شرح الأسماء إلى مائة وستة وسبعين اسماً. قال ابن عطية: واختلف في الاسم الذي يقتضي مدحاً خالصاً، ولا تتعلق به شبهة ولا اشتراك إلا أنه لم يَرد منصوصاً هل يطلق ويسمى الله به، فنصُ الباقلاني على جواز ذلك، ونص أبي الحسن الأشعري على منع ذلك، والفقهاءُ والجمهور على المنع، والصواب: أن لا يُسمى الله تعالى إلا باسم قد أطلقته الشريعة، وأن يكون مدحاً خالصاً لا شبهة فيه ولا اشتراك أمر لا يحسنه، إلا الأقل من أهل العلوم، فإذا أبيح ذلك تسور عليه من يظن بنفسه الإحسان، فادخل في أسماء الله ما لا يجوز إجماعاً. واختلف في الأفعال التي في القرآن نحو {أية : الله يستهزىء بهم}تفسير : [البقرة: 15] و{أية : مكر اللَّهُ} تفسير : [آل عمران: 54] ونحو ذلك هل يطلق منها اسم الفاعل، فقالت فرقة: لا يُطلق ذلك بوجه، وجوزت فرقة أن يقال ذلك مقيّداً بسببه نحو: اللَّهَ ماكر بالذين يمكرون بالدين، وأما إطلاق ذلك دون تقييد فممنوع إجماعاً. والمراد من ترك {الذين يُلحدون في أسمائه} الإمساكُ عن الاسترسال في محاجتهم لظهور أنهم غير قاصدين معرفة الحق، أو تركُ الإصغاء لكلامهم؛ لئلا يفتنوا عامة المؤمنين بشبهاتهم، أي اتركوهم ولا تُغلّبوا أنفسكم في مجادلتهم، فإني سأجْزيهم وقد تقدم معنى «ذر» عند قوله تعالى: {أية : وذر الذين اتخذوا دينهم لعباً ولهواً} تفسير : في سورة الأنعام (70). والإلحاد: الميل عن وسط الشيء إلى جانبه، وإلى هذا المعنى ترجع مشتقاته كلها، ولما كان وسط الشيء يشبّه به الحق والصواب، استتبع ذلك تشبيه العدول عن الحق إلى الباطل بالإلحاد، فأطلق الإلحاد على الكفر والإفساد، ويُعدى حينئذ ب(في) لتنزيل المجرور بها منزلة المكان للإلحاد، والأكثر أن يكون ذلك عن تعمد للإفساد، ويقال: لحَد وألحد، والأشهر ألحد. وقرأ من عدا حمزة {يُلحدون} ــــ بضم الياء وكسر الحاء ــــ من ألحد المهموز، وقرأه حمزة وحده: بفتح الياء والحاء، من لحد المجرد. وإضافة الأسماء إلى الله تؤذن بأن المقصود أسماؤه التي ورد في الشرع ما يقتضي تسميته بها. ومعنى الإلحاد في أسماء الله جعلها مظهراً من مظاهر الكفر، وذلك بإنكار تسميته تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له، وهو الأحق بكمال مدلولها فإنهم أنكروا الرحمان، كما تقدم، وجعلوا تسميته به في القرآن وسيلة للتشنيع، ولمز النبي عليه الصلاة والسلام بأنه عدد الآلهة، ولا أعظم من هذا البهتان والجور في الجدال، فحُق بأن يُسمى إلحاداً؛ لأنه عدول عن الحق بقصد المكابرة والحسد. وهذا يناسب أن يكون حرف (في) من قوله: {في أسمائه} مستعملاً في معنى التعليل كقول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : دَخلتْ امرأة النار في هرة» تفسير : الحديث، وقول عُمر بن أبي ربيعة:شعر : وعصيْتُ فيك أقاربي فتقطعت بيني وبينهم عُرى أسبابي تفسير : وقد جوّز المفسرون احتمالات أخرى في معنى الإلحاد في أسمائه: منها ثلاثة ذكرها الفخر، وأنا لا أراها مُلاقية لإضافة الأسماء إلى ضميره تعالى، كما لا يخفى عن الناظر فيها. وجملة: {سيُجْزون ما كانوا يعملون} تتنزل منزلة التعليل للأمر بترك الملحدين، فلذلك فصلت، أي لا تهتموا بإلحادهم ولا تحزنوا له، لأن الله سيجزيهم بسوء صنيعهم، وسمي إلحادهم عملاً؛ لأنه من أعمال قلوبهم وألسنتهم. و(ما) موصولة عامة أي سيجزون بجميع ما يعملونه من الكفر، ومن جملة ذلك إلحادهم في أسمائه. والسين للاستقبال، وهي تفيد تأكيد. وقيل: {ما كانوا يعملون} دون ما عملوا أو ما يعملون للدلالة على أن ذلك العمل سنة لهم ومتجدد منهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. هدد تعالى في هذه الآية الذين يلحدون في أسمائه بتهديدين: الأول: صيغة الأمر في قوله: {وَذَرُواْ} فإنها للتهديد. والثاني: في قوله: {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، وهدد الذين يلحدون في آياته في سورة حم "السجدة" بأنهم لا يخفون عليه في قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَآ} تفسير : [فصلت: 40]، ثم أتبع ذلك بقوله: {أية : أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [فصلت: 40] الآية. وأصل الإلحاد في اللغة: الميل. ومنه اللحد في القبر، ومعنى إلحادهم في أسمائه هو ما كاشتقاقهم اسم اللات من اسم الله، واسم العزى من اسم العزيز. واسم مناة من المنان، ونحو ذلك والعرب تقول لحد وألحد بمعنى واحد، وعليهما القراءتان يلحدون بفتح الياء والحاء من الأول، وبضمها وكسر الحاء من الثاني.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَسْمَآئِهِ} (180) - وَللهِ، دُونَ غَيْرِهِ، جَمِيعُ الأسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى أَحْسَنِ المَعَانِي، وَأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، فَاذْكُرُوهُ وَنَادُوهُ بِهَا، إِمَّا لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَإِمَّا لِسُؤَالِهِ العَوْنَ وَالمَغْفِرَةَ، وَمَا أنْتُمْ بِحَاجَةٍ إليهِ. وَادْعُوهُ يَا أيُّها المُؤْمِنُونَ، وَاتْرُكُوا جَمِيعَ الذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسْمَائِهِ بِالمَيْلِ فِي ألْفَاظِهَا، أَوْ مَعَانِيهَا عَنْ نَهْجِ الحَقِّ، مِنْ تَحْرِيفٍ أوْ تَأويلٍ أوْ شِرْكٍ أوْ تَكْذِيبٍ، أوْ زِيَادَةٍ أوْ نُقْصَانٍ، أَوْ مَا يَنْفِي وَصْفَها بِالحُسْنَى، لأنَّ هَؤُلاَءِ المُلْحِدِينَ سَيُجْزَوْنَ جَزَاءً وِفَاقاً عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَتَنْزِل بِهِم العُقُوبَةُ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ. فَاجْتَنِبُوا إِلْحَادَهُمْ فِي أسْمَاءِ اللهِ لِكَيلا يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ. (وَفِي الحَدِيثِ: "حديث : إنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ"تفسير : ). (أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمَذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ). يُلْحِدُونَ - يَنْحَرِفُونَ وَيَمِيلُونَ إِلَى البَاطِلِ؟

الثعلبي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} قال مقاتل: وذلك أن رجلاً دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين، فأنزل الله {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} وهو تأنيث الأحسن كالكبرى والأكبر والصغرى والأصغر، والأسماء الحسنى هي الرحمن الرحيم. الملك القدوس السلام ونحوها. الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة غير واحدة، من أحصاها كلّها دخل الجنّة ". تفسير : {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ}. قال ابن عباس: يكذبون، وقال قتادة: يشركون، وقال عطاء: ظامئون، زيد بن أسلم: يميلون عن الحق. ابن عباس ومجاهد: هم المشركون. وإلحادهم في أسماء الله عز وجل أنهم عدلوا بها عمّا هي عليه فسموا بها أوثانهم وزادوا فيها ونقصوا منها فاشتقوا اللات من الله تعالى والعزّى من العزيز ومنات من المنّان. وقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تعالى يسميه بما لم يسم به ولا ينطق به كتاب ولا دعا إليه رسول، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن القصد ومنه لحد القبر. فيقال: ألحد يلحد إلحاداً ولحد يلحد لحداً ولحوداً إذا مال. وقد قرئ بهما جميعاً فقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة: بفتح الياء والحاء هاهنا وفي النحل (رحم). وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الحاء وهما لغتان [صحيحتان]. وأمّا الكسائي فإنّه قرأ التي في النحل بفتح الياء والحاء وفي الأعراف (رحم) بالضم وكل يفرق بين الإلحاد واللحود فيقول: الالحاد العديل عن القصد واللحد واللحود الركون، ويزعم أن التي في النحل يعني الركون {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الآخرة {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ} عصبة {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال قتادة وابن جريج: حديث : بلغنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: "هي أحق بالحق يأخذون ويقضون ويعطون وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ". تفسير : قال الربيع بن أنس: حديث : قرأ النبيّ صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: "إن من أمتي قوماً على الحق حتّى ينزل عيسى" تفسير : (عليه السلام). عن عمير بن هاني قال: سمعت معاوية على هذا المنبر يقول: حديث : سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: لا يزال من أُمّتي أُمّة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من غالطهم حتّى يأتي أمر الله عزّ وجلّ، وهم ظاهرون على الناس ". تفسير : وقال ابن حيان: هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان قد سماهم الله تعالى في سورة براءة. وقال الكلبي: هم من جميع الخلق {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} قال بعضهم: سنأخذهم بالعذاب، وقال الكلبي: نزّين لهم أعمالهم فنهلكهم. وقال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة، وقال الخليل بن أحمد: سنطوي وإن أعمارهم في اغترار منهم. وقال أبو عبيدة والمؤرخ: الاستدراج أن يأتيه من حيث لا يعلم. وقال أهل المعاني: الاستدراج أن ندرج إلى الشيء في خفيّة قليلاً قليلاً ولا يباغت ولا يجاهر. يقال: استدرج فلاناً حتّى تعرف ما صنع أي لا يجاهر ولا يهجم عليه، قال: ولكن استخرج ما عنده قليلاً قليلاً وأصله من [الدرج] وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة مرقاة فاستعير [هذا عنه]. ومنه الكتاب إذا طوى شيئاً بعد شيء، ودرج القوم إذا مات بعضهم في دار بعض، ودرج الصبي إذا قارب من خطاه في المشي {وَأُمْلِي لَهُمْ} يعني أُمهلهم وأطيل من الملاواة وهو الدهر، ومنه مليت أي غشت دهراً {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي أخذي قوي مديد قلت: في المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} قتادة: ذكر لنا حديث : أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا ليلاً فجعل يدعو قريشاً فخذاً فخذاً يابني فلان يابني فلان يحذرهم بأس الله عزّ وجلّ، ووقائعه فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى الصباح فأنزل الله {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ}تفسير : . ما بمحمد من جنون. {إِنْ هُوَ} ما هو {إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} مخوف {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ} ملك {ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ} فيهما {مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ} وهي أن لعلّ {أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} فيهلكوا على الكفر ويصبروا إلى العذاب {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} بعد القرآن {يُؤْمِنُونَ} ثمّ بيّن العلّة في إعراضهم عن القرآن وتركهم الإيمان فقال عز من قائل: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ} فلا مرشد له {وَيَذَرُهُمْ} قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بالياء، لأن ذكر الله سبحانه قد مرَّ من قبل. والباقون بالنون، لأنّه كلام [مستأنف] ومن جزم الراء فهو ممدود على يضلل.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وحين يقول المولى سبحانه وتعالى {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} نقول: أنه لا يوجد لغير الله اسم يوصف بأنه من الحسنى، إن قلت عن إنسان إنه "كريم"، فهذا وصف، وكذلك إن قلت إنه "حليم"، وكلها صفات عارضة في حادث، ولا تصير أسماء حسنى إلا إذا وصف الله بها. فأنت- مثلا- لك قدرة تفعل أفعالاً متعددة، ولله قدرة، لكن قدرتك حادثة من الأغيار، بدليل أنها تسلب منك لتصير عاجزاً، أما قدرة الله تعالى فلها طلاقة لا يحدها شيء. فهي قدرة مطلقة. وأنت قد تكون غنياً، لك غنى، ولله غنى، لَكنّ ثراءك محدود، وأمَّا غنى الله فإنه غير محدود. إذن الأسماء الحسنى على إطلاقها هي لله، وإن وجدت في غيره صارت صفات محدودةً مهما اتسعت. {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} والحسنى.. تأنيث لكلمة "الأحسن" اسم تفضيل، وهي الأسماء الحسنى في صلاحية الألوهية لها، وصلاحيتها للألوهية. وحين تقول عنه سبحانه: إنه "رحيم"، فهذا أمر أحسن عندي وعندك لأنني أنظر إلى رحمته لي، وأنت تنظر إلى رحمته لك. وحين تقول: "غفار" فأنت وأنا وكل من يسمعها تعود عليه. وحين تقول: "قهّار" وأنت مذنب ستخاف، وهي صفة حسنى بالنسبة للإله؛ لأن الإله لابد أن تكون له صفات جمال وصفاتُ جلال، فصفات الجمال لمن أطاع، وصفات الجلال لمن عصى. ولذلك لا تأخذ النعم بمدلولها عندك، بل خذ النعم بمرادات الله تعالى فيها. وساعة يتكلم الحق سبحانه وتعالى قائلا: {أية : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ*فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*يٰمَعْشَرَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ*فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ*فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} تفسير : [الرحمن: 31-36] فهل إرسال الشواظ من النار والنحاس نعمة يقول بعدها: {فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}؟ نقول: نعم، هي نعمة كبيرة، لأنه سبحانه وتعالى ينبهنا قبل أن توجد النار، أن النار قوية، ويعطي لك نعمة العظة والاعتبار. وعظته وتنبيهه - إذن - قبل أن توجد النار نعمة كبرى، وأيضاً هي نعمة بالنسبة للمقابل، فحين يطيعه المؤمنون في الدنيا ويلزمون أنفسهم بمنهج الله، فلهم ثواب حق الالتزام، والمقابل لهم الذين لم يلتزموا وأخذوا الخروج عن المنهج غاية، يتوعدهم سبحانه بالعقاب، وهذه نعمة كبرى. {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} والحق سبحانه وتعالى عرفنا اسمه بالبلاغ منه، لأننا قد نعرف مسماه من القوى القادرة وهي التي تعرف بالعقل، لكن العقل لا يقدر أن يعرف الاسم. وسبق أن قلت: لنفترض أن أناساً يجلسون في حجرة ثم طرق الباب. هنا يجمع الكل على أن طارقاً بالباب، لكن حين دخلوا في التصور اختلفوا، فواحد يقول: إن الطارق رجل، فيرد الآخر: لا إنها امرأة لأن نقرتها خفيفة، ويقول ثالث: هذه النقرة على الباب تأتي من أعلاه وهي دليل على أن الطارق ضخم، وهو نذير لأنه يطرق بشدة، ويختلف تصور كل الحضور عن الطارق، ولا أحد يعرف اسمه. إذن حين تريد أن تعرف من الطارق، فأنت تسأله من أنت؟ فيقول لك "اسمه". إذن فإن الاسم لا يدرك بالعقل. ومن خلق الخلق كله قوي، قادر، حكيم، عليم، لأن عملية الخلق تقتضي كل هذا. أما اسم الله. فهذه مسألة لا يعرفها العقل وتحتاج إلى توقيف. إذن فأسماء الله تبارك وتعالى توقيفية، فحين يقول لنا: هذه أسمائي فإننا ندعوه بها، وما لم يقل لنا عليه لا دعوة لنا به، ولذلك يقول تعالى: {فَٱدْعُوهُ بِهَا} فإذا أنت نقلت هذا إلى غيره. فأنت تدعو بالأسماء الحسنى سواه، مثلاً كذاب اليمامة مسيلمة سمى نفسه الرحمٰن، وبذلك ألحد في اسم الله حيث نقل أحد أسماء ربنا إلى ذاته، ومثله فعل غيره، ألم يسموا "اللات" من الله؟. ألم يسموا "العزّى" من العزيز؟. ألم يسموا "مناة" من المنان؟. كل هؤلاء ألحدوا في أسماء الله التي لا ندعو غيره بها، ولذلك ورد عنه صلى الله عليه وسلم قوله في دعآئه: "حديث : اللهم أني عبدك وابن عبدك وابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني وغمي "تفسير : . إذن فهذه الأسماء وضعها ربنا لنفسه، لأنها لا تعرف بالعقل. أما إذا نظرت إلى الأوصاف المبدعة للخلق فأنت تتعرف على هذه الأوصاف؛ لأنه تعالى خلق الكون بحكمة وتدبير وقدرة. وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - نحن نؤسس مصانع كثيرة وكبيرة لتصنع المصابيح، فنصنع زجاجاً ونفرغه من الهواء، ونضع داخله أسلاكاً تتحمل ذبذبة الكهرباء، وبعد استخدام هذه المصابيح لفترة تفسد، بينما الشمس تضيء الكون كل هذا العمر، من بدء الخلق، ولا تحتاج منا إلى قطعة غيار. وحين نقول هو: "حكيم"، نقولها ونرى أثر ذلك في حركة الكواكب التي تسير منسجمة، وكل كوكب يدور في فلكه ولا يصطدم بآخر، وهذا دليل على أن الكواكب قد خلقت بحكمة. وينبهنا الحق سبحانه وتعالى أن ندعوه بالأسماء الحسنى في قوله: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} لأنه يريد من خلقه دائماً أن يذكروه؛ لأنه هو الرب الذي خلق من عَدَم، وأمد من عُدْم. وصان الخلق بقيوميتة، وحين تأتي لك حاجة وجب عليك أن تذكر أسماء الله الحسنى وتنادي الله بها، وحين تريد أن تتقرب إلى الله لا تناديه إلا بالاسم الذي وضعه لنفسه وهو "الله"، لأن هذا هو اسم علم على واجب الوجود، وأسماء الله الحسنى كلها صفات وصلت إلى مرتبة الأسماء، وهناك أسماء تدل على مجموع الصفات. ولله المثل الأعلى: أنت تقول: "زيد" فيعرف السامع أن هذا اسم علم على شخص اسمه زيد، ثم له صفات أخرى، كأن يكون تاجراً، أو عالماً متفقها في العلم، أو مهندساً. لكن الاسم العلم هو زيد وهو الذي لا يشترك معه أحد من معارفك فيه وهو زيد، لكن الصفات الأخرى قد يشترك معه فيها غيره. والأسماء لله نوعان، اسم يدل على ذات الله، الذات المجردة عن أي شيء وهو الله، ولكن هناك صفات لله مثل الرحمن والرحيم والملك والقدوس والسلام والمؤمن والمهيمن، وهذه صفات ارتقت في السمو والعلو لأنه لا أعلى منها، حتى أصبحت إذا أطلقت إطلاق الكمال الأعلى لا تنصرف إلا لله. فصارت أسماء. قد نقول فلان غني، وفلان كريم، وفلان حكيم، لكن الغنى على إطلاقه هو لله تعالى. والأسماء الحسنى ناشئة من صفات مبالغة في العلو فيها، لأنه سبحانه الأكمل فيها وهي في الأصل صفات لها متعلقات فعلية، وهذه نوعان اثنان: نوع يطلق على الله منها اسم ومقابله، ونوع يطلق عليه الاسم ولا يطلق عليه المقابل، ونأتي بصفة شبيهة بالاشتقاق، فنقول: "غني"، ونقول: "مغني" فهو غني في صفة ذاته قبل أن يوجد من يُغنيه، ومغني وجدت بعد وجود من يُغنيه من عباده، وسبحانه حي في ذاته، ومحيي لغيره، والإحياء صفة فعل في الغير. ولابد لها من مقابل، فنقول: محيي ومميت. ولم نقل حي ومقابله، الغير. إذن فالاسم الذي ترى له مقابلاً هو صفات الفعل، أما صفات الذات فهي التي لا يوجد لها المقابل. ويلحدون في أسماء الله أي يُميلونها إلى غير الله وينقلها الواحد منهم لغير الله أو يأتي باسِم للغير ويطلقه على الله، أو يطلق اسماً ليس له معنى أو لا يُفهَم منه أي معنى على الله. إذن "الإلحاد" يأتي في ثلاثة أشياء: إما أن ينقل أحد أسماء الله إلى غير الله، أو يأتي باسم للغير ويطلقه على الله، أو يطلق اسماً لله من غير أن يكون قد أنزله الله توقيفياً. {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} ونعلم أن "العمل" هو اسم للحدث من أي جارحة؛ فنطق اللسان عمل، وشم الأنف عمل، ونعلم أن هناك ما يسمى بـ[قول وفعل]، والفعل عمل الجوارح ما عدا اللسان؛ والقول عمل اللسان، والاثنان يطلق عليهما عمل، ولذلك يقول الحق: تبارك وتعالى في سورة الصف: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الآية: 2]. إذن فالقول مقابله الفعل، والجزاء هنا على الفعل والقول لأن كليهما عمل. وإذا كان لله أسماءُ كثيرةٌ، فهل يجوز هنا لنا أن نأخذ من فعل الله في شيء اسماً له؟ وخصوصاً انه القائل: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا...} تفسير : [البقرة: 31] وهو القائل أيضاً: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ...} تفسير : [النساء: 113] هل يمكن أن نقول: إن الله معلم؟ وهل يصح أن نأخذ من قوله: {أية : وَأَكِيدُ كَيْداً} تفسير : [الطارق: 16] اسماً هو كائد؟ لا يجوز ذلك لأن أسماء الله توقيفية، وإن رأيت فعلاً منسوباً لله فقف عند الفعل فقط ولا تأخذ منه اسماً لله تعالى. ويقول الحق بعد ذلك: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ} معناهُ اترُكُوا المُلحِدينَ. وهُمْ الحَائِرونَ فِي الحَقِّ الّذِينَ لاَ يستقيمونَ للواجِبِ عَلَيهِمْ. تفسير : وقوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} معناهُ فَلَهُ تِسعةٌ وتِسعونَ اسماً قَدْ أَمَرَ أَن يُدْعى بِهَا.

الأندلسي

تفسير : {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} الآية قال مقاتل: دعا رجل الله تعالى في صلاته ومرة دعا الرحمن. فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو اثنين فنزلت. ومناسبتها لما قبلها أنه تعالى لما ذكر أنه ذرأ كثيراً من الإِنس والجن للنار ذكر نوعاً منهم وهم الذين يلحدون في أسمائه وهم أشد الكفار عتياً أبو جهل وأضرابه. والحسنى هنا تأنيث الأحسن ووصف الجمع المكسر الذي لا يعقل بما وصف به الواحد كقوله تعالى: {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ}تفسير : [طه: 18]، وهو فصيح ولو جاء على المطابقة للجمع لكان التركيب الحسن على وزن الآخر كقوله تعالى: {أية : فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}تفسير : [البقرة: 184] لأن جمع ما لا يعقل يخبر عنه ويوصف بجمع المؤنثات وإن كان المفرد مذكراً. قال ابن عطية: والأسماء هنا بمعنى التسميات إجماعاً من المتأولين لا يمكن غيره. "انتهى". ولا تحرير فيما قال لأن التسمية مصدر والمراد هنا الألفاظ التي تطلق على الله تعالى وهي الأوصاف الدالة على تغاير الصفات لا تغاير الموصوف كما تقول: جاء زيد الفقيه الشجاع الكريم، وكون الاسم الذي أمر تعالى أن يدعي به حسناً هو ما قدره الشرع ونص عليه في إطلاقه على الله تعالى. ومعنى فادعوه بها، أي نادوه بها كقوله: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مالك، وما أشبه ذلك. يقال: لحد وألحد بمعنى واحد لغتان وهو العدول عن الحق والإِدخال فيه ما ليس منه. قال ابن السكيت: ومعنى يلحدون في أسمائه أي يقولون بجهلهم يا أبا المكارم يا أبيض الوجه يا سخي وغير ذلك من الأسماء التي لم يثبت في الشرع إطلاقها على الله تعالى. و{سَيُجْزَوْنَ} وعيد شديد. واندرج على قوله: {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الإِلحاد في أسمائه وسائر أفعالهم القبيحة. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ} الآية لما ذكر تعالى من ذرأه للنار ذكر مقابلهم وفي لفظة وممن دلالة على التبعيض وان المعظم من المخلوقين ليسوا هداة إلى الحق ولا عاد ليمن به. {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} قال أبو عبيدة: الاستدراج، أن تدرج إلى الشىء في خفية قليلاً قليلاً ولا تهجم عليه وأصله من الدرجة وذلك أن الرامي والنازل يرقى وينزل مرقاة مرقاة، ومنه درج الكتاب طواه شيئاً بعد شىء، ودرج القوم ماتوا بعضهم في أثر بعض. {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} قيل: بالاستدراج أو بالهلاك. وقال الأعشى في الاستدرج: شعر : فلو كنت في جب ثمانين قامة ورقيت أسباب السماء بسلم ليستدرجنك القول حتى تهزه وتعلم أني عنكم غير فهم تفسير : {وَأُمْلِي لَهُمْ} معطوف على سنستدرجهم فهو داخل في الاستقبال وهو خروج من ضمير المتكلم بنون العظمة إلى ضمير تكلم المفرد والمعنى أؤخره حلاوة من الدهر أي مدة فيها طول. والملاوة بفتح الميم وضمها وكسرها ومنه واهجرني ملياً أي طويلاً وسمي فعله ذلك بهم كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث أنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان والمتين من كل شىء القوي. يقال: متن متانة. {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} قال الحسن وقتادة: سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد ليلة على الصفا فجعل يدعو قبائل قريش يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم ويدعوهم إلى الله تعالى، فقال بعض الكفار حين أصبحوا: هذا مجنون بات يصوت إلى الصباح. وكانوا يقولون: شاعر مجنون، فنفى الله عز وجل عنه ما قالوه ثم أخبر أنه محذر من عذاب الله. والآية باعثة لهم على التفكر في أمره عليه السلام وانتفاء الجنة عنه وهذا الاستفهام قيل معناه التوبيخ. وقيل: معناه التحريض على التأمل، والجنة: الجن، والمعنى من مسّ جنة أو من تخبط جنة، والظاهر أن يتفكروا معلق على الجملة المنفية وهي في موضع نصب بيتفكروا بعد إسقاط حرف الجر لأن التفكر من أفعال القلوب فيجوز تعليقه. والمعنى أو لم يتأملوا أو يتدبروا في إسقاط هذا الوصف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإِنه منتف عنه لا محالة ولا يمكن لم أمْعَنَ الفكر أن ينسب ذلك إليه. {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} الآية، لما خصّهم على التفكر في حال الرسول صلى الله عليه وسلم وكان مفرعاً على تقرير دلائل التوحيد أعقبه بما يدل على التوحيد وجود الصانع الحكيم والملكوت الملك العظيم. وتقدم شرح ذلك في الانعام ولم يقتصر على ذكر النظر في الملكوت بل نبه على أن كل فرد من الموجودات محل النظر والاعتبار والاستدلال على الصانع ووحدانيته كما قيل: وفي كل شىء له آية تدل على أنه واحد. {وَأَنْ عَسَىۤ} الآية أن هي المخففة من الثقيلة واسمها محذوف ضمير الشأن وخبرها عسى وما تعلقت به وقد وقع خبراً لها الجملة غير الخبرية في مثل هذه الآية وفي مثل والخامسة أن غضب الله عليها، فغضب الله عليها جملة دعاء وهي غير خبرية. وأجاز أبو البقاء أن تكون ان هي المخففة من الثقيلة وأن تكون مصدرية يعني أن تكون الموضوعة على حرفين وهي الناصبة للفعل المضارع وليس بشيء لأنهم نصوا على أنها توصل بفعل متصرف مطلقاً يعنون ماضياً ومضارعاً وأمراً فشرطوا فيه التصرف. وعسى فعل جامد فلا يجوز أن يكون صلة لأن، وعسى هنا تامة وأن يكون فاعل بها نحو قولك: عسى أن يقدم زيد، واسم يكون قال الحوفي: أجلهم وقد اقترب الخبر. وقال الزمخشري وغيره: إسم يكون ضمير الشأن فيكون قد اقترب أجلهم في موضع نصب في موضع خبر يكون وأجلهم فاعل باقترب وما أجازه الحوفي فيه خلاف. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} معنى هذه الجملة وما قبلها توقيفهم وتوبيخهم على أنه لم يقع منهم نظر ولا تدبر في شىء من ملكوت السماوات والأرض ولا في مخلوقات الله تعالى ولا في اقتراب آجالهم، ثم قال: فبأي حديث أو أمر يقع إيمانهم وتصديقهم إذ لم يقع بأمر فيه نجاتهم ودخولهم الجنة. ونحوه قال الشاعر: شعر : فغن أيّ نفس بعد نفسي أقاتل تفسير : والمعنى إذا لم أقاتل عن نفسي فكيف أقاتل عن غيرها. {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} نفي نفياً عاماً أن يكون هاد لمن أضله الله تعالى فتضمن اليأس من إيمانهم والمقت لهم. {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} قرىء ونذرهم بالنون ورفع الراء. وقرىء ويذرهم بالياء ورفع الراء، وهو استئناف اخبار قطع الفعل أو أضمر قبله ونحن فيكون جملة إسمية. وقرىء: ونذرهم بالنون والجزم على أنه مجزوم عطفاً على محل فلا هادي له، فإِنه في موضع جزم جواباً للشرط. والجملة من يذرهم تقدم تفسيره في أوائل البقرة فأغنى عن إعادته.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن أسمائه الحسنى وصفاته العليا بقوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} [الأعراف: 180] إلى قوله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] يشير إلى أن اسم الله له بمثابة العلم للحق وهو: اسم ذاته تعالى، والباقي من الأسماء هو أسماء الصفات؛ لأنه قال تبارك وتعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} فأضاف الأسماء إلى اسم الله، وأسماؤه كلها مشتقة من صفاته إلا اسم "الله" فإنه غير مشتق عندنا وعند الأكثرين؛ لأنه اسم الذات، وكما أن ذاته تبارك وتعالى غير مخلوقة من شيء كذلك اسمه غير مشتق من شيء، فإن الأشياء غير مخلوقة وما اشتق من مخلوق فهو أيضاً مخلوق، فأسماء صفاته تعالى بعضها مشتق من الصفات الذاتية فهو غير مخلوق، وبعضها مشتق من صفات الفعل فهو مخلوق؛ لأن صفات الذات: كالحياة والسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة والإرادة والبقاء قديمة غير مخلوقة، وذاته سبحانه تبارك وتعالى في الأزل بها موصوفة، وصفات الفعل: كالخلق والرزق والعطاء والمنع وغيره من صفات الفعل مخلوقة تضاف إليه عند الإيجاد، فلمَّا أوجد الخلق وأعطاهم الوزن سمي خالقاً ورازقاً، إلا أنه تعالى كان في الأزل قادراً على الخالقية والرازقية، فقوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ}؛ أي: الصفات الحسنى. {فَٱدْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]؛ أي: فادعوا الله بكل اسم مشتق من صفة من صفاته، بأن تتصفوا وتتخلقوا بتلك الصفة كالاتصاف بها بالأعمال والنيات الصالحة كصفة الخالقية، فإن الاتصاف بها أن تكون مناكحة للتوالد والتناسل لخلافة الخالق، كما قيل لحكيم وهو يواقع زوجته: ما تعمل؟ قال: إن تم فإنساناً، والاتصاف بصفة الرزاقية بأن: ينفق ما رزقه الله على المحتاجين ولا يدخر منه شيئاً فعلى هذا قس الباقي، وأمَّا التخلق بها فبالأحوال وذلك بتصفية مرآة القلب ومراقبته عن التعلق بما سوى الله وبوجهه إليه؛ ليتجلى له بتلك الصفات فيتخلق بها وهذا تحقيق قوله: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر ". تفسير : {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ} [الأعراف: 180] قال: يميلون صفاته؛ أي: لا يتصفون بها، وتسميته تعالى باسم لم يسم به نفسه أيضاً من الإلحاد، كما يسمونه الفلافسة بـ"العلة الأولى" و"الموجب بالذات" يعنون به: أنه تعالى غير مختار في فعله وخلقه وإيجاده تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ومن صفة لم يرد به النص فأيضاً إلحاد، {سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] سيجزون الخذلان؛ ليعلموا بالطبع والهوى {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} بالإلحاد في الأسماء والصفات فيكونوا {أية : كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}تفسير : [الأعراف: 179]. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} [الأعراف: 181]؛ يعني: وزروا هؤلاء الملحدين في الأسماء فإنهم ضالون، وإنا خلقنا طائفة من الخواص {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ}؛ أي: يتصفون بصفات الحق، {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181]؛ أي: وبالحق يحكمون ويميلون إلى الأعمال والأحوال والصفات والأخلاق، {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا} الأعراف: 182]؛ أي: لم يعملوا بها ولم يتصفوا بصفاتنا، يشير إلى: أحوال أرباب الظواهر فإنهم يعملون بأعمال الشريعة ظاهراً ويستحقون بها المراتب العلية، ولم يعملوا بأعمال بواطنها في عمارة الباطن، ليتصفوا بصفات الحق، وإن تحصل لهم شيء من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطنة يجعلونه وسيلة وذريعة لتحصيل المقاصد الدنيوية من الجاه والمال والشهوات فهذا تكذيب الآيات، {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] بأن نكلهم إلى أنفسهم وهواها؛ ليميلوا بالطبع عن الحق، ثم يفتح عليهم أبواب ما يميل إليه هوى أنفسهم بالتدريج؛ ليندرجوا فيها ولا شعور لهم بالانحطاط عن مراتبهم والتدرج من منازلهم، بل {أية : يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104]، وهذا حقيقة قوله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] في إملائهم وخذلانهم بأن ينزلوا إلى الدركات وهم يحسبون أنهم يصعدون على الدرجات. ثم أخبر عن بداية الهداية أنها التفكر والتذكر بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأعراف: 184] إلى قوله: {يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] الإشارة فيه: أن التفكر بالعقل السليم يورث النظر والاعتبار، فقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} يدل على أن العاقل لو يتفكر بالعقل السليم عن آفات الوهم والخيال والتقليد والهوى في حال النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه وسيرته فضلاً عن معجزاته؛ لتحقق عنده أنه النبي الصادق صلى الله عليه وسلم، وإنما يدعوه إليه كل حق وصدق وأنه ينجوا بهذا التفكر من النار، كما أخبر تعالى عن حال أهل النار بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}تفسير : [الملك: 10]. وفي قوله {أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185] إشارة إلى أن المكونات من نوعين: نوع منها: ما خلق من غير شيء؛ وهو الملكوت الذي هو باطن الكون، والكون به قائم بالقدرة كقوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [يس: 83]، ونوع منها: ما خلق من شيء؛ وهو الملك الذي ظاهر الكون، فكما أن النظر في الملك بحس البصر فالنظر إلى الملكوت بالعقل والقلب، فنظر أرباب العقول فيه يفيد رؤية الآيات والاستدلال بها إلى معرفة الخالق وإثبات الصانع، ونظر أصحاب القلوب فيه يفيد شواهد الغيب، بالولوج فيه يصير إيمانه إيقاناً بل عياناً، كقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ}تفسير : [الأنعام: 75]؛ ليكونوا مستدلين بنظر العقول أو الموقنين بنظر القلوب. {وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} [الأعراف: 185]؛ يعني: إن شاهدوا بمطالعة الملكوت إنهم من الفانيات فعل أجل فنائهم قد اقترب، فإن لم يؤمنوا بطريق النظر استدلالاً ومشاهدة، {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 185]؛ يعني: والآجال قريبة فيموتون عن الفكر، ثم قال تعالى: {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186]؛ أي: من خذله الله لينظر في الملكوت بنظر العقل والقلب يبقى على ضلالة البشرية وجهالة الإنسانية فلا هادي غير الله، ولا يهديه الله، {وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186]؛ أي: ونذرهم في طغيانهم بالخذلان إلى طبيعتهم في العصيان يتيهون بنعمة البصيرة ولا يرون حقاً ولا يتركون باطلاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه، بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل اسم حسن، وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة، وبذلك كانت حسنى، فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علما محضا لم تكن حسنى، وكذلك لو دلت على صفة ليست بصفة كمال، بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح، لم تكن حسنى، فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها. وذلك نحو { العليم } الدال على أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء، فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. و { كالرحيم } الدال على أن له رحمة عظيمة، واسعة لكل شيء. و { كالقدير } الدال على أن له قدرة عامة، لا يعجزها شيء، ونحو ذلك. ومن تمام كونها "حسنى" أنه لا يدعى إلا بها، ولذلك قال: { فَادْعُوهُ بِهَا } وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة، فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلا اللّهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتب عَلَيَّ يا تواب، وارزقني يا رزاق، والطف بي يا لطيف ونحو ذلك. وقوله: { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه، وحقيقة الإلحاد الميل بها عما جعلت له، إما بأن يسمى بها من لا يستحقها، كتسمية المشركين بها لآلهتهم، وإما بنفي معانيها وتحريفها، وأن يجعل لها معنى ما أراده اللّه ولا رسوله، وإما أن يشبه بها غيرها، فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه صلى الله عليه وسلم (حديث : أن للّه تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة ).

همام الصنعاني

تفسير : 961- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة فقي قوله تعالى: {وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ}: [الآية: 180]، يقول في آياته، قال: يشركون.