Verse. 1135 (AR)

٧ - ٱلْأَعْرَاف

7 - Al-A'raf (AR)

وَمِمَّنْ خَلَقْنَاۗ اُمَّۃٌ يَّہْدُوْنَ بِالْحَقِّ وَبِہٖ يَعْدِلُوْنَ۝۱۸۱ۧ
Wamimman khalaqna ommatun yahdoona bialhaqqi wabihi yaAAdiloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يَعدِلون» هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما في حديث.

181

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنْسِ }تفسير : [الأعراف: 179] فأخبر أن كثيراً من الثقلين مخلوقون للنار أتبعه بقوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ليبين أيضاً أن كثيراً منهم مخلوقون للجنة. واعلم أنه تعالى ذكر في قصة موسى قوله: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }تفسير : [الأعراف: 159] فلما أعاد الله تعالى هذا الكلام ههنا حمله أكثر المفسرين على أن المراد منه قوم محمد صلى الله عليه وسلم، روى قتادة وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها هذه الأمة وروى أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : هذه فيهم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها» تفسير : وعن الربيع بن أنس أنه قال: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: «حديث : إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم» تفسير : وقال ابن عباس يريد أمة محمد عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار. قال الجبائي: هذه الآية تدل على أنه لا يخلو زمان البتة عمن يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه وأنهم لا يجتمعون في شيء من الأزمنة على الباطل، لأنه لا يخلو إما أن يكون المراد زمان وجود محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الزمان الذي نزلت فيه هذه الآية. أو المراد أنه قد حصل زمان من الأزمنة حصل فيه قوم بالصفة المذكورة، أو المراد ما ذكرنا أنه لا يخلو زمان من الأزمنة عن قوم موصوفين بهذه الصفة والأول باطل. لأنه قد كان ظاهراً لكل الناس أن محمداً وأصحابه على الحق، فحمل الآية على هذا المعنى يخرجه عن الفائدة، والثاني باطل أيضاً، لأن كل أحد يعلم بالضرورة أنه قد حصل زمان ما في الأزمنة الماضية حصل فيه جَمْعٌ من المحقين، فلم يبق إلا القسم الثالث. وهو أدل على أنه ما خلا زمان عن قوم من المحقين وأن إجماعهم حجة، وعلى هذا التقدير فهذا يدل على أن إجماع سائر الأمم حجة.

القرطبي

تفسير : في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هم هذه الأُمة»تفسير : . وروي أنه قال: حديث : «هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها». وقرأ هذه الآية وقال: «إنّ من أُمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم»تفسير : . فدلّت الآية على أن الله عز وجل لا يُخْلِي الدنيا في وقت من الأوقات من داعٍ يدعُو إلى الحق.

البيضاوي

تفسير : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} ذكر ذلك بعد ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضاً للجنة هادين بالحق عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإِجماع لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله»تفسير : إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة فإنه معلوم.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ} أي: بعض الأمم {أُمَّةً} قائمة بالحق قولاً وعملاً {يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} يقولونه، ويدعون إليه {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار أن المراد بهذه الأمة المذكورة في الآية هي هذه الأمة المحمدية، قال سعيد عن قتادة في تفسير هذه الآية: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «حديث : هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها { وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}» تفسير : [الأعراف: 159]. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في قوله تعالى: { وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل» تفسير : وفي الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة» تفسير : وفي رواية: «حديث : حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك» تفسير : وفي رواية: «حديث : وهم بالشام».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمِمَّنْ خَلَقْنآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } هم أُمَّة محمد صلى الله عليه وسلم كما في حديث.

الشوكاني

. تفسير : قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا } خبر مقدّم و{أُمَّةٍ } مبتدأ مؤخر، و{يَهْدُونَ } وما بعده صفة له. ويجوز أن يكون {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا } هو المبتدأ كما تقدّم في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ } تفسير : [البقرة: 8]. والمعنى: أن من جملة من خلقه الله أمة يهدون الناس متلبسين بالحق، أو يهدونهم بما عرفوه من الحق. "و" بالحق {يَعْدِلُونَ } بينهم. قيل: هم من هذه الأمة، وإنهم الفرقة الذين لا يزالون على الحق ظاهرين، كما ورد في الحديث الصحيح. ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة بين حال من يخالفهم فقال: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } والاستدراج: هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة، والدرج: كفّ الشيء، يقال أدرجته ودرجته، ومنه إدارج الميت في أكفانه. وقيل: هو من الدرجة، فالاستدراج: أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبيّ: إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئاً بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في إثر بعض. والمعنى: سنستدرجهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها، فينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك، وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة. قوله: {وَأُمْلِى لَهُمْ } معطوف على سنستدرجهم، أي أطيل لهم المدّة وأمهلهم، وأؤخر عنهم العقوبة. وجملة {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } مقرّرة لما قبلها من الاستدراج والإملاء، ومؤكدة له. والكيد: المكر، والمتين: الشديد القويّ، وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب. قال في الكشاف: سماه كيداً، لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان. والاستفهام في {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ } للإنكار عليهم، حيث لم يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به. و«ما» في {مَا بِصَاحِبِهِم } للاستفهام الإنكاري، وهي في محل رفع بالابتداء والخبر {بصاحبهم}، والجنة مصدر، أي وقع منهم التكذيب، ولم يتفكروا أيّ شيء من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون، فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلاً، وقولهم زوراً وبهتاً. وقيل إنّ «ما» نافية واسمها {مّن جِنَّةٍ } وخبرها بصاحبهم، أي ليس بصاحبهم شيء مما يدّعونه من الجنون، فيكون هذا رداً لقولهم: {أية : ياأَيُّهَا ٱلَّذِى نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } تفسير : [الحجر: 6] ويكون الكلام قد تمّ عند قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ }. والوقف عليه من الأوقاف الحسنة. وجملة: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } مقررة لمضمون ما قبلها، ومبينة لحقيقة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم. والاستفهام في {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ فِى مَلَكُوتِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } للإنكار والتقريع والتوبيخ، ولقصد التعجيب من إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية، والملكوت من أبنية المبالغة، ومعناه الملك العظيم وقد تقدّم بيانه. والمعنى: إن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات الله حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به، بل هم سادرون في ضلالتهم، خائضون في غوايتهم، لا يعملون فكراً، ولا يمعنون نظراً. قوله: {وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَىْء } أي: لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض، ولا فيما خلق الله من شيء من الأشياء كائناً ما كان، فإن في كل مخلوقاته عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتفكرين، سواء كانت من جلائل مصنوعاته كملكوت السموات والأرض، أومن دقائقها من سائر مخلوقاته. قوله: {وَأَنْ عَسَىٰ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ } معطوف على ملكوت. و"أن" هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وخبرها {عسى} وما بعدها، أي أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، فيموتون عن قريب. والمعنى: إنهم إذا كانوا يجوّزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به، وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به. {فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } الضمير يرجع إلى ما تقدّم من التفكر والنظر في الأمور المذكورة، أي فبأيّ حديث بعد هذا الحديث المتقدم بيانه يؤمنون؟ وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره؛ وقيل الضمير للقرآن. وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل للأجل المذكور قبله. وجملة {مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ } مقررة لما قبلها، أي إن هذه الغفلة منهم عن هذه الأمور الواضحة البينة ليس إلا لكونهم ممن أضله الله، ومن يضلله فلا هادي له، أي فلا يوجد من يهديه إلى الحق، وينزعه عن الضلالة ألبتة {وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَـٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ } قرىء بالرفع على الاستئناف، وبالجزم عطفاً على محل الجزاء. وقرىء بالنون. ومعنى يعمهون: يتحيرون. وقيل: يترددون، وهو في محل نصب على الحال. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ } قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون»تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقولإذا قرأها: «حديث : هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها" {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 159]. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى نزل»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } يقول: سنأخذهم من حيث لا يعلمون. قال: عذاب بدر. وأخرج أبو الشيخ، عن يحيى بن المثنى في الآية قال: كلما أحدثوا ذنباً جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار. وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سفيان في الآية قال: نسبغ عليهم النعمة ونمنعهم شكرها. وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن ثابت البناني، أنه سئل عن الاستدراج فقال: ذلك مكر الله بالعباد المضيعين. وأخرج أبو الشيخ، في قوله: {وَأُمْلِى لَهُمْ } يقول: أكفّ عنهم {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } إن مكري شديد، ثم نسخها الله فأنزل {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كيد الله العذاب والنقمة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا، فدعا قريشاً فخذاً فخذاً: يا بني فلان يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى أصبح، فأنزل الله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَمِمَّنْ خَلَقَنْآ أُمَّةٌ يَهُدُونَ بِالْحَقِّ} فيهم قولان: أحدهما: العلماء. والثاني: أنهم هذه الأمة. روى ذلك قتادة، وابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ابن عطية

تفسير : هذه آية تتضمن الخبر عن قوم مخالفين لمن تقدم ذكرهم في أنهم أهل إيمان واستقامة وهداية، وظاهر لفظ هذه الآية يقتضي كل مؤمن كان من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة، قال النحاس: فلا تخلو الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق. قال القاضي أبو محمد: سواء بعد صوته أو كان خاملاً، وروي عن كثير من المفسرين أنها في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وروي في ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم موسى . تفسير : وقوله تعالى: {والذين كذبوا بآياتنا} الآية وعيد، والإشارة إلى الكفار و {سنستدرجهم} معناه سنسوقهم شيئاً بعد شيء ودرجة بعد درجة بالنعم عليهم والإمهال لهم حتى يغتروا ويظنوا أنهم لا ينالهم عقاب، وقوله: {من حيث لا يعلمون} معناه من حيث لا يعلمون أنه استدراج لهم، وهذه عقوبة من الله على التكذيب بالآيات، لما حتم عليهم بالعذاب أملى لهم ليزدادوا إثماً وقرأ ابن وثاب والنخعي "سيستدرجهم" بالياء. وقوله: {أملي} معناه أؤخر ملاءة من الدهر أي مدة وفيها ثلاث لغات فتح الميم وضمها وكسرها، وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر "أن كيدي" على معنى لأجل أن كيدي، وقرأ جمهور الناس وسائر السبعة "إن كيدي" على القطع والاستئناف، و {متين} معناه قوي، قال الشاعر: [الطويل] شعر : لإلٍّ علينا واجب لا نضيعه متين قواه غير منتكثِ الحبل تفسير : وروى ابن إسحاق في هذا البيت أمين قواه، وهو من المتن الذي يحمل عليه لقوته، ومنه قول الشاعر وهو امرؤ القيس: [المتقارب] شعر : لها متنتان حظاتا كما أكبَّ على ساعديه النمر تفسير : وهما جنبتا الظهر، ومنه قول الآخر: شعر : عدلي عدول اليأس وافتج يبتلى أفانين من الهوب شد مماتن تفسير : ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : ويخدي على صم صلاب ملاطس شديدات عقد لينات متان تفسير : ومنه الحديث في غزوة بني المصطلق فمتن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس أي سار بهم سيراً شديداً لينقطع الحديث بقول ابن أبي بن سلول لئن رجعنا إلى المدينة. وقوله: {أولم يتفكروا ما بصاحبهم} الآية، تقرير يقارنه توبيخ للكفار، والوقف على قوله {أولم يتفكروا} ثم ابتدأ القول بنفي ما ذكوره فقال: {ما بصاحبهم من جنة} أي بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون المعنى أو لم يتفكروا أنه ما بصاحبهم من جنة، وسبب نزول هذه الآية فيما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد ليلاً على الصفا فجعل يدعو قبائل قريش، يا بني فلان، يا بني فلان يحذرهم ويدعوهم إلى الله فقال بعض الكفار حين أصحبوا هذا مجنون بات يصوت حتى الصباح فنفى الله عز وجل ما قالوه من ذلك في هذا الموطن المذكور وفي غيره، فإن الجنون بعض ما رموه به حتى أظهر الله نوره، ثم أخبر أنه نذير أي محذر من العذاب، ولفظ النذارة إذا جاء مطلقاً فإنما هو في الشر، وقد يستعمل في الخير مقيداً به، ويظهر من رصف الآية أنها باعثة لهم على الفكرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه ليس به جنة كما أحالهم بعد هذه الآية على النظر ثم بين المنظور فيه كذلك أحال هنا على الفكرة ثم بين المتفكر فيه. وقوله تعالى: {أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء} الآية، هذا أيضاً توبيخ للكفار وتقرير، والنظر هنا بالقلب عبرة وفكراً، و {ملكوت} بناء عظمة ومبالغة، وقوله: {وما خلق الله من شيء} لفظ يعم جميع ما ينظر فيه ويستدل به من الصنعة الدالة على الصانع ومن نفس الإنس وحواسه ومواضع رزقه، و "الشيء" واقع على الموجودات، وقوله: {وإن عسى} عطف على قوله: {في ملكوت} و {أن} الثاني في موضع رفع بـ {عسى} ، والمعنى توقيفهم على أن لم يقع لهم نظر في شيء من هذا ولا في أنه قربت آجالهم فماتوا ففات أوان الاستدارك ووجب عليهم المحذور، ثم وقفهم بأي حديث أو أمر يقع إيمانهم وتصديقهم إذا لم يقع بأمر فيه نجاتهم ودخولهم الجنة، ونحو هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل] شعر : وعن أي نفس بعد نفسي أقاتل تفسير : والضمير في قوله: {بعده} يراد به القرآن، وقيل المراد به محمد صلى الله عليه وسلم وقصته وأمره أجمع، وقيل هو عائد على الأجل بعد الأجل إذ لا عمل بعد الموت.

ابن عبد السلام

تفسير : {أُمَّةٌ يَهْدُونَ} الأنبياء والعلماء، أو هذه الأمة مروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم يهدون إلى الإسلام بالدعاء إليه ثم بالجهاد عليه.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ومما خلقنا أمة} يعني جماعة وعصابة {يهدون بالحق وبه يعدلون} قال ابن عباس: يريد أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان. قال قتادة: بلغنا حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ هذه الآية قال "هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون"تفسير : (ق) عن معاوية قال وهو يخطب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"تفسير : وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه {والذين كذبوا بآياتنا} يريد به جميع المكذبين بآيات الله وهم الكفار. وقيل: المراد بهم أهل مكة والأول أولى لأن صيغة العموم تتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} قال الأزهري: سنأخذهم قليلاً من حيث لا يحتسبون وذلك أن الله سبحانه وتعالى يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به ويركنون إليه ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون وقيل معناه سنقربهم إلى ما يهلكهم ويضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون ما يراد بهم لأنهم كانوا إذا أتوا بجرم أو أقدموا على ذنب فتح الله عليهم من أبواب الخير والنعمة في الدنيا فيزدادون تمادياً في الغيّ والضلال ويندرجون في الذنوب والمعاصي فيأخذهم الله أخذه واحدة أغفل ما يكونون عليه. وقال الضحاك: معناه كلما جددوا معصية جددنا نعمة. وقال الكلبي: نزين أعمالهم ثم نهلكهم بها، وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم ثم نسلبهم الشكر. روي أن عمر بن الخطاب لما حمل إليه كنوز كسرى قال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإني سمعتك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. قال أهل المعاني: الاستدراج أن يندرج الشيء إلى الشيء في خفية قليلاً ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه في المشي ومنه درج الكتاب إذا أطواه شيئاً بعد شيء {وأملي لهم} يعني وأمهلهم وأطيل مدة أعمارهم. والإملاء في اللغة الإمهال وإطالة المدة والمعنى إني أطيل مدة أعمارهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي ولا أعاجلهم بالعقوبة ولا أفتح لهم باب التوبة {إن كيدي متين} يعني إن أخذي شديد والمتين من كل شيء هو القوي الشديد. وقال ابن عباس: معناه إن مكري شديد. قال المفسرون: نزلت هذه الآية في المستهزئين من قريش وذلك أن الله سبحانه وتعالى أمهلهم ثم قتلهم في ليلة واحدة وفي هذه الآية دليل على مسألة القضاء والقدر وأن الله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ }، الآية تتضمَّن الإِخبار عن قَوْمٍ أهْلِ إِيمانٍ واستقامةٍ وهدايةٍ، وظاهُرها، يقتضي كُلَّ مُؤْمِنٍ كان مِنْ لَدُنْ آدم عليه السلام إِلى قيام الساعة، ورُوِيَ عن كثيرٍ من المفسِّرين: أنها في أمَّة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم، ورُوِيَ في ذلك حديثٌ أنَّ: النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: « حديث : هَذِهِ الآيَةُ لَكُمْ ». تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـآيَـٰتِنَا} الآية وعيد، والإِشارة إِلى الكُفَّار، و{سَنَسْتَدْرِجُهُم } معناه: سنُسوقهم شيئاً بعد شَيْءٍ ودرجةً بعد درجةٍ؛ بالنِّعم عليهم والإِمهال لهم؛ حتى يغترُّوا ويظنُّوا أنهم لا ينالُهم عقابٌ، وقوله: {مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}، أيْ: من حيث لا يَعْلَمُون أنه ٱستدراجٌ لهم، وهذه عقوبةٌ لهم مِنَ اللَّه سبحانه عَلَى التَّكْذِيبِ لِمَا حَتمَ عليهم بالعذاب، أملَى لهم ليزدادوا إثماً. وقوله: {وَأُمْلِي}: معناه: أُؤخِّرُ ملاَوَةً من الدهر، أي: مُدَّةً و{مَتِينٌ}: معناه: قويٌّ.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ‏ {‏وممن خلقنا أمة يهدون بالحق‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ حديث : {‏وممن خلقنا أمة يهدون بالحق‏} ‏ قال‏:‏ بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأها ‏"هذه لكم، وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها، ‏{‏ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏}‏ ‏[الأعراف الآية 159‏]" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله ‏ {‏وممن خلقنا أمة يهدون بالحق‏}‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل‏ "‏‏. تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال‏:‏ لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، يقول الله ‏ {‏وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون‏} ‏ فهذه هي التي تنجو من هذه الأمة‏.‏

السلمي

تفسير : قال بعضهم: يدعون إلى الصلاح وإياه يعملون. وقال بعضهم: يدلون على اتباع الهدى واجتناب الهوى، {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أى: وإياه يسلكون.

القشيري

تفسير : أجرى الحقُّ - سبحانه - سُنَّتَه بألا يُخْلِيَ البسيطةَ من أهل لها هم الغياث وبهم دوام الحق في الظهور، وفي معناه قالوا: شعر : إذا لم يكن قطبٌ فمن ذا يديرها؟ تفسير : فهدايتهم بالحق أنهم يدعون إلى الحق، ويدلون على الحق، ويتحركون بالحق، ويسكنون للحق بالحق، وهم قائمون بالحق؛ يصرفهم الحق بالحق أولئك هم غياث الخَلْق؛ بهم يُسْقَوْنَ إذا قحطوا، ويُمْطَرون إذا أجدبوا، ويُجَابُون إذا دَعَوْا.

اسماعيل حقي

تفسير : {وممن خلقنا} اعلم ان الله تعالى كما جعل من قوم موسى ائمة هادين مهديين كما قال {أية : ومن قوم موسى امه يهدون بالحق وبه يعدلون} تفسير : [الأعراف: 159]. جعل من هذه الامة المرحومة ايضا كذلك فقال وممن خلقنا ومحل الظرف الرفع على انه مبتدأ اما باعتبار مضمونة او تقدير الموصوف وما بعده خبره اى وبعض من خلقنا او وبعض ممن خلقنا {امة} اى طائفة كثيرة {يهدون} الناس ملتبسين {بالحق} اى محققين او يهدونكم بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة {وبه} اى وبالحق {يعدلون} اى يحكمون فى الحكومات الجارية فيما بينهم ولا يجورون فيها وعنه عليه الصلاة والسلام "حديث : ان من امتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى " . تفسير : والمراد لا يخلو الزمان منهم وفى الحديث "حديث : لا تقوم الساعة لا يقال فى الارض الله الله ". تفسير : قال الشيخ الكبير صدر الدين القنوى قدس سره اكده بالتكرار ولا شك ان لا يذكر الله ذكرا حقيقيا وخصوصا بهذا الاسم الاعظم الجامع المنعوت بجميع الاسماء الا الذى يعرف الحق بالمعرفة التامة واتم الخلق معرفة بالله فى كل عصر خليفة الله وهو كامل ذلك العصر فكأن يقول صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة وفى الارض انسان كامل وهو المشار اليه بانه العمد المعنوى الماسك وان شئت. قلت الممسك لاجله فاذا انتقل انشقت السماء وكورت الشمس وانكدرت النجوم ونشرت الصحف وسيرت الجبال وزلزلت اللارض وجاءت القيامة انتهى كلامه فى الفكوك. ورووا عن ابن مسعود رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان لله فى الارض ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم وله اربعون قلوبهم على قلب موسى وله سبعة قلوبهم على قلب ابراهيم وله خمسة قلوبهم على قلب جبريل وله ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل وله واحد قلبه على قلب اسرافيل فاذا مات الواحد ابدل الله مكانه من الثلاثة واذا مات من الثلاثة ابدل الله مكانه من الخمسة واذا مات من الخمسة ابدل الله مكانه من السبعة واذا مات من السبعة ابدل الله مكانه من الاربعين واذا مات من الاربعين ابدل الله مكانه من الثلاثمائة ابدل الله مكانه من العامة يدفع الله بهم البلاء عن هذه الامة " . تفسير : والواحد المذكور فى هذا الحديث هو القطب وهو الغوث ومكانه ومكانته من الاولياء كالنقطة من الدائرة التى هى مركزها به يقع صلاح العالم. ورووا عن ابى الدرداء انه قال "حديث : ان عبادا يقال لهم الابدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ولكن بلغوا بصدق الورع وحسن النية وسلامة الصدور والرحمة لجميع المسلمين اصطفاهم الله بعلمه واستخلصهم لنفسه وهم اربعون رجلا على مثل قلب ابراهيم لا يموت الرجل منهم حتى يكون الله قد انشأ من يخلقه ". تفسير : واعلم انهم لا يسبون شيأ ولا يلعنونه ولا يؤذون من تحتهم ولا يحقرونه ولا يحسدون من فوقهم اطيب الناس خبرا والينهم عربكة واسخاهم نفسا لا تدركهم الخيل المجراة ولا الرياح العواصف فيما بينهم وبين ربهم انما قلوبهم تصعد فى السقوف العلى ارتياحا الى الله تعالى فى استباق الخيرات اولئك حزب الله ألا ان حزب الله هم المفلحون انتهى كلامه فى روض الرياحين للامام اليافعى رحمه الله تعالى. واعلم ان اهل الحق انما نالوا ما نالوا بهدايتهم للناس وعدلهم فيما بين الخلق بعد ما كانوا مهدين وعادلين فى انفسهم - وروى - عن عبد الله بن المبارك انه كان يتجر ويقول لولا خمسة ما اتجرت السفيانان وفضيل وابن السماك وابن علية ليصلهم فقدم سنة فقيل له قدولى ابن علية القضاء فلم يأته ولم يصله بشىء فاتاه ابن علية فلم يرفع رأسه اليه ثم كتب اليه ابن المبارك شعر : يا جاعل العلم له بازيا يصطاد اموال المساكين احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين فصرت مجنونا بها بعدما كنت دواء للمجانين اين رواياتك فى سردها لترك ابواب السلاطين ان قلت اكرهت فذا باطل زلّ حمار العلم فى الطين تفسير : فلما وقف اسماعيل بن علية على الابيات ذهب الى الرشيد ولم يزل به الى ان استعفاه من القضاء فاعفاه ونعم ما قيل شعر : ابو حنيفة قضا نكرد وبمرد تو بميرى اكر قضا نكنى تفسير : وقيل شعر : اعدل تكن من صروف الدهر ممتنعا فالصرف ممتنع للعدل فى عمر تفسير : والعدل من اسماء الله تعالى ومعناه العادل وهو الذى يصدر منه فعل العدل المضاد للجور والظلم ولن يعرف العادل من لم يعرف عدله ولا يعرف عدله من لم يعرف فعله وحظ العبد من العدل لا يخفى واول ما عليه من العدل فى صفات نفسه هو ان يجعل الشهوة والغضب اسيرين تحت اشارة العقل والدين ومهما جعل العقل خادما للشهوة والغضب فقد ظلم نفسه هذا جملة عدله فى نفسه. وتفصيله مراعاة حدود الشرع كله وعدله فى كل عضو ان يستعمله على الوجه الذى اذن الشرع فيه. واما عدله فى اهله وذويه ثم فى رعيته ان كان من اهل الولاية فلا يخفى وربما ظن ان الظلم هو الايذاء والعدل هو ايصال النفع الى الناس وليس كذلك بل لو فتح الملك خزائنه المشتملة على الاسلحة والكتب وفنون الاموال ولكن فرق الاموال على الاغنياء ووهب الاسلحة للعلماء وسلم اليهم القلاع ووهب الكتب للاجناد واهل القتال وسلم اليهم المساجد والمدارس فقد نفع ولكنه قد ظلم وعدل عن العدل اذ وضع كل شئ فى غير موضعه اللائق به ولو آذى المريض بسقى الادوية والحجامة والفصد بالاجبار عليه وآذى الجناة بالعقوبة قتلا وقطعا وضربا كان عادلا لانه وضعها فى موضعها وحظ العبد دينا من هذا الوصف انه لا يعترض على الله تعالى فى تدبيره وحكمه وسائر افعاله وافق مراده او لم يوافق لان كل ذلك عدل وهو كما يبنغى وعلى ما ينبغى ولو لم يفعل ما فعل لحصل منه امر آخر هو اعظم ضررا مما حصل كما ان المريض لو لم يحتجم ابصر ضررا يزيد على ألم الحجامة وبهذا يكون الله تعالى عدلا والايمان يقطع الانكار والاعتراض ظاهرا وباطنا. وتمامه ان لا يسب الدهر ولا ينسب الاشياء الى الفلك ولا يعترض عليه كما جرت به العادة بل يعلم ان كل ذلك اسباب مسخرة وانها رتبت ووجهت الى المسببات احسن ترتيب وتوجيه باقصى وجوه العدل واللطف كذا فى المقصد الاقصى فى شرح معانى اسماء الله الحسنى للامام الغزالى عليه رحمة الملك المتعالى.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وممن خلقنا} أي: ومن جملة ما خلقنا: {أمة}: طائفة {يهدون} الناس {بالحق} ويحملونهم عليه، {وبه يَعْدِلُون} في حكوماتهم وقضاياهم. رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : هذه الآية لكم، وقد تقدم مثلها لقوم موسى ". تفسير : قال البيضاوي: ذكر ذلك بعدما ما بيَّن أنه خلق للنار طائفة ضالين، ملحدين عن الحق، للدلالة على أنه خلق أيضًا للجنة أمة، هادين بالحق، عادلين في الأمر، واستدل به على صحة الإجماع، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ تَزالُ مِنْ أمَّتِي طَائِفةٌ عَلى الحَقِّ، إِلى أن يأتيَ أَمرُ اللهِ " تفسير : إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة، فإنه معلوم. هـ. الإشارة: هذه الأمة التي خلقها الله لهداية خلقه، وهي اطائفة التي لا تزال على الحق، وهي مؤلفة من العلماء الأتقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم، ومن الأولياء العارفين، بالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها، والأولياء العارفون يهدون إلى التحقق بالحقائق وأذواقها، فالعلماء داعون إلى أحكام الله، والعارفون داعون إلى معرفة ذات الله، العلماء لإصلاح الظواهر، والأولياء لإصلاح البواطن، ولا يقوم هذا إلا بهذا، فالظاهر من غير باطن فسق، والباطن من غير ظاهر إلحاد، وسيأتي عند قوله: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِ فِرْقَةٍ...} تفسير : [التّوبَة:122] الآية، تمثيل منزلتهم عند الله، والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم، فقال: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}.

الطوسي

تفسير : أخبر الله تعالى أن من جملة من خلقه جماعة يهدون بالحق. وهداهم بالحق هو دعاؤهم الناس إلى توحيد الله والى دينه وتنبيههم إياهم على ذلك. وقال قوم معنى {يهدون} يهتدون {وبه يعدلون} معناه إنهم يعملون بالعدل والانصاف فيما بينهم وبين الناس. وهذا إخبار ان فيما خلق قوماً هذه صفتهم ولا يدل ذلك على ان في كل عصر يوجد قوم هذه صفتهم ولو لم يوجدوا إلا في وقت واحد كانت الفائدة حاصلة بالاية، فلا يمكن الاستدلال بها على ان اجماع اهل الاعصار حجة. على ان عندنا انه لايخلوا وقت من الاوقات ممن يجب اتباعه وتثبت عصمته ويكون حجة الله على خلقه فيمكن أن يكون المراد بالآية من ذكرناه. وقال ابو جعفر عليه السلام وقتادة وابن جريج: الآية في أمة محمد صلى الله عليه وآله وهو مثل قوله تعالى {أية : وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا} تفسير : فكما أنه لا يدل على وجود أئمة في كل وقت فكذلك ما قالوه.

الجنابذي

تفسير : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ} قد عرفت ممّا مضى انّ الحقّ المضاف هو الولاية والنّبوّة والرّسالة صورتها {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} من العدالة او يسوّون الاشياء الغير المتعادلة من قوى انفسهم فى مملكة وجودهم او من غيرها فى خارج وجودهم وقد فسّر هذه الآية فى اخبارٍ عديدةٍ بآل محمّد (ص) وأتباعهم وهو قرينة قوله تعالى: ولقد ذرأنا لجهنّم وكان المناسب للمعادلة ان يقول وخلقنا للجنّة امّة يهدون، ولكن لمّا كان المقام مقام الوعيد دون الوعد ناسب تطويل الوعيد والاجمال فى الوعد ولذا بسط فى الوعيد بذكر الاوصاف العديدة لاصحاب جهنّم، واكتفى بهذا القدر لاصحاب الجنّة وانتقل الى التّهديد والوعيد وهو معطوف على جملة ذرأنا باعتبار مناسبة المعنى كأنّه قال: وممّن خلقنا امّة يستحقّون الجحيم، وهذه المقابلة تدلّ على انّ قوله: {وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ} من متعلّقات الجمل السّابقة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ} أي عصابة، أي جماعة {يَهْدُونَ بِالحَقِّ}: أي يهتدون بالحق {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} أي بالحق يعدلون، أي يحكمون. قال الكلبي: يعني الذين أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب. وذكر بعضهم قال: ذكر لنا أن نبي الله عليه السلام قال: "حديث : هذه لكم، وقد أعطى الله القوم بين أيديكم مثلها"تفسير : ؛ يعني قوله: (أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ ) تفسير : [الأعراف:159]. قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} هو كقوله: (أية : حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) تفسير : [الأنعام:44]. وكقوله: (أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ) تفسير : [الأنفال:30]. وقد فسَّرناه في غير هذا الموضع في هذه السورة وفي سورة الأنعام. قوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ} أي [وأطيل لهم] {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} أي عذابي شديد. قوله: {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ} وهذا جواب من الله للمشركين لقولهم للنبي عليه السلام إنه مَجنون. يقول: لو تفكروا لعلموا أنه ليس بمجنون {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ} ينذر عذاب الله {مُّبِينٌ} يبين عن الله. قوله: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي ما أراهم الله من آياته فيهما {وَمَا خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ} مما يرونه، فيتفكروا فيعلموا أن الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يحيي الموتى. قال: {وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ} فيبادروا للتوبة قبل الموت. {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ} أي بعد القرآن {يُّؤْمِنُونَ} أي يصدقون.

اطفيش

تفسير : {وممَّن خَلقْنا أمةٌ يهدُونَ بالحَقِّ وبهِ يعْدِلُونَ} هم المهاجرون والأنصار الذين لم يبدلوا ولم يغيروا، والتابعون بإحسان إلى يوم الدين، وكان صلى الله عليه وسلم إذا قرأ الآية قال: "حديث : هذه لكم وقد أعطى قوم موسى قبلكم مثلها" تفسير : وقال: "حديث : لا تزال طائفة بامغرب قائمة بأمر الله لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتى أمر الله" تفسير : أى لا يضرهم فى الدين، فلا تخلو الأمة من قائم بالحق عامل به هادٍ إليه، وروى: "حديث : أن من أمتى قوما على الحق حتى ينزل عيسى" تفسير : وقال الكلبى: هم فى الآية: (الذين آمنوا من أهل الكتاب) وقيل: العلماء والدعاة إلى الدين، وقال النحاس: إن ذلك من لدن آدم إلى قيام الساعة، فلا تخلو الدنيا فى وقت من داع إلى الحق، ويقويه ما قيل: إن الآية فى مقابلة: "أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا" تفسير : الخ فكأنه قيل: وذرنا للجنة أمة يهدون بالحق الخ، ولو أريد طائفة منقطعة فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره لم يكن لذكر ذلك فائدة لأنه معلوم.

اطفيش

تفسير : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّة يَهْدُونَ} الناس {بِالْحَقِّ} القرآن وسائر ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَبِهِ} لا بغيره، ولا بالزيادة ولا بغيرها {يَعْدِلُونَ} فيما بينهم، وفيما بينهم وبين غيرهم وغيرهم، وهذه الأُمة أمة الإجابة والاتباع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تزال من أمتى طائفة على الحق إِلى أَن يأْتى أَمر الله" تفسير : رواه البخارى ومسلم، يعنى: لا يزال دين الله قائماً فى طائفة بعد أخرى إِلى أَن يقرب قيام الساعة جداً، فلا ينافى ما روى مرفوعاً: "حديث : لا تقوم الساعة إِلا على أَشرار الخلق"تفسير : . وما روى: "حديث : لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأَرض: الله"تفسير : ، وفى رواية: لا يضرهم من ناوأَهم، أَى خالفهم وعاداهم. و يروى بأَرض المغرب، وروى ابن جريج أَنه قرأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية وقال: هى أمتى. وكذا روى قتادة، وقيل: المراد بالأُمة العلماء والدعاة إِلى دين الله من هذه الأُمة، وقيل: من آمن من أَهل الكتاب، واستدل بالآية على صحة الإِجماع لأَن المعنى أَن فى كل قرن طائفة بهذه الصفة، قلت: الإِجماع حق، لكن لا دليل فى الآية عليه، لجواز أَن فى كل زمان أُمة فيهم مجتهد، أَو فيهم حافظ ثقة أَو كتاب حق.

الالوسي

تفسير : {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} قيل بيان إجمالي لحال من عدا المذكورين من الثقلين الموصوفين بما ذكر من الضلال على أتم وجه، وهو عند جمع من المحققين على ما ظهر للعلامة الطيبـي عطف على جملة {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } تفسير : [الأعراف: 179] وقوله سبحانه وتعالى: {يَهْدُونَ} الخ إذا أخذ بجملته وزبدته كان كالمقابل لقوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ} إلى {أية : هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 179] وكلتا الآيتين كالنشر لقوله عز شأنه: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 178] وهو كالتذييل لحديث الذي أوتي آيات الله تعالى والأسماء العظام فانسلخ منها وقوله تعالى: {أية : وَللَّهِ ٱلأَسْمَاءُ ٱلْحُسْنَىٰ } تفسير : [الأعراف: 180] اعتراض لمناسبة حديث الأسماء حديث أسماء الله تعالى العظام التي أوتيها ذلك المنسلخ كما في بعض الروايات وقد تعلق بقوله عز شأنه: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَـٰفِلُونَ } تفسير : [الأعراف: 179] باعتبار أنه كالتنبيه على أن الموجب لدخول جهنم هو الغفلة عن ذكر الله تعالى وعن أسمائه الحسنى، وأرباب الذوق والمشاهدة يجدون ذلك من أرواحهم لأن القلب إذا غفل عن ذكر الله تبارك وتعالى وأقبل على الدنيا وشهواتها وقع في نار الحرص ولا يزال يهوى من ظلمة إلى ظلمة حتى ينتهي إلى دركات الحرمان، وبخلاف ذلك إذا انفتح على / القلب باب الذكر فإنه يقع في جنة القناعة ولا يزال يترقى من نور إلى نور حتى ينتهي إلى أعلا درجات الإحسان، ومن إما نكرة موصوفة أو بمعنى الذي، والمراد بعض من خلقنا أو بعض ممن خلقنا طائفة جليلة كثيرة يهدون الناس ملتبسين بالحق أو يهدونهم بكلمة الحق ويدلونهم على الاستقامة وبالحق يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم ولا يجورون فيها. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج أنه قال: ذكر لنا «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: هذه أمتي»تفسير : . وأخرج عن قتادة أنه قال: بلغنا أن النبـي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «حديث : هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها {وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} »تفسير : . وأخرج ابن أبـي حاتم عن الربيع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام»تفسير : . وروى الشيخان عن معاوية والمغيرة بن شعبة قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله تعالى لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تعلى وهم على ذلك»تفسير : . واستدل الجبائي بالآية على صحة الإجماع في كل عصر سواء في ذلك عصر النبـي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم وغيره إذ لو اختص لم يكن لذكره فائدة لأنه معلوم، وعلى أنه لا يخلو عصر عن مجتهد إلى قيام الساعة لأن المجتهدين هم أرباب الإجماع، قيل: وهو مخالف لما روي من أنه «لا تقوم الساعة إلا على أشرار الخلق»، و«لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله»، وأجيب بأن ذلك الزمان ملحق بيوم القيامة لمعانقته له، والمراد عدم خلو العصر عن مجتهد فيما عداه، وقيل: المراد من الخبرين الإشارة إلى غلبة الشر فلا ينافي وجود النزر من أهل ذلك العنوان، والواحد منهم كاف وهو حينئذ الأمة، والاقتصار على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمر محقق غني عن التصريح.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة: {أية : ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس}تفسير : [الأعراف: 179] الآية، والمقصود: التنويه بالمسلمين في هديهم واهتدائهم، وذلك مقابلة لحال المشركين في ضلالهم، أي عرّض عن المشركين، فإن الله أغناك عنهم بالمسلمين، فما صْدَقُ «الأمة» هم المسلمون بقرينة السياق كما في قول لبيد:شعر : ترَّاك أمكنة إذا لم أرضها أو يعتلقُ بَعْضَ النفوس حِمامُها تفسير : يريد نفسه فإنها بعض النفوس. روى الطبري عن قتادة قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قرأ هذه الآية: «حديث : هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها»تفسير : . وقوله: {ومن قوم موسى أمّة يهدون بالحق وبه يعدلون} وبقية ألفاظ الآية عرف تفسيرها من نظره المتقدمة في هذه السورة. والذين كذبوا بالآيات هم المشركون الذين كذبوا بالقرآن، وقد تقدم وجه تعدية فعل التكذيب بالباء؛ ليدل على معنى الإنكار عند قوله تعالى: {أية : قل إني على بينةٍ من ربي وكذبتم به} تفسير : في سورة الأنعام (57). والاستدراج مشتق من الدّرَجة ــــ بفتحتين ــــ وهي طبقة من البناء مرتفعة من الأرض بقدر ما ترتفع الرِّجْل للارتقاء منها إلى ما فوقها تيسيراً للصعود في مثل العلو أو الصومعة أو البرج، وهي أيضاً واحدة الأعواد المصفوفة في السلم يرتقى منها إلى التي فوقها، وتسمى هذه الدرجة مرقاة، فالسين والتاء في فعل الاستدراج للطلب، أي طلب منه أن يتدرج، أي صاعداً أو نازلاً، والكلام تمثيل لحال القاصد إبدال حال أحد إلى غيرها بدون إشعاره، بحال من يطلب من غيره أن ينزل من درجة إلى أخرى بحيث ينتهي إلى المكان الذي لا يستطيع الوصول إليه بدون ذلك، وهو تمثيل بديع يشتمل على تشبيهات كثيرة، فإنه مبني على تشبيه حُسن الحال برفعة المكان وضده بسفالة المكان، والقرينة تعيّن المقصود من انتقال إلى حال أحسن أو أسوا. ومما يشير إلى مراعاة هذا التمثيل في الآية قوله تعالى: {من حيث لا يعلمون} ولما تضمن الاستدراج معنى الإيصال إلى المقصود علق بفعله مجرور بمن الابتدائية أي مبتدئاً استدراجهم من مكان لا يعلمون أنه مفض بهم إلى المبلغ الضار، فــــ {حيث} هنا للمكان على أصلها، أي من مكان لا يعلمون ما يفضي إليه، وحذف مفعول يعلمون لدلالة الاستدراج عليه، والتقدير: لا يعلمون تدرجه، وهذا مؤذن بأنه استدراج عظيم لا يظن بالمفعول به أن يتفطن له. والإملاء إفعال وهو الإمهال، وهمزة هذا المصدر منقلبة عن واو، مشتق من الملاوة مثلثة الميم، وهي مدة الحياة يقال أملاه وملاه إذا أمهله وأخّره، كلاهما بالألف دون همز فهو قريب من معنى عَمره، ولذلك يقال في الدعاء بالحياة ملاك الله. واللام في قوله: {لهم} هي اللام التي تسمى: لام التبيين، ولها استعمالات كثيرة فيها خفاء ومرجعها: إلى أنها يقصد منها تبيين اتصال مدخولها بعامله لخفاء في ذلك الاتصال، فإن اشتقاق أملى من الملو اشتقاق غير مكين، لأن المشتق منه ليس فيه معنى الحدث، فلم يجيء منه فعل مجرد، فاحتيج إلى اللام، لتبيين تعلق المفعول بفعله. وأما قولهم: أملى للبعير بمعنى أطال له في طِوَله في المرعى، فهو جاء من هذا المعنى بضرب من المجاز أو الاستعارة. فجملة: {إن كيدي متين} في موضع العلة للجملتين قبلها، فإن الاستدراج والإملاء ضرب من الكيد، وكيد الله متين أي قوي لا انفلات منه للمكيد. وموقع (إن) هنا موقع التفريع والتعليل، كما قال عبد القاهر: إنها تغني في مثل هذا الموقع غَناء الفاء، وقد تقدم بيان ذلك عند قوله تعالى: {أية : إن أول بيتٍ وضع للناس} تفسير : في سورة آل عمران (96)، أي: يكون ذلك الاستدراج وذلك الاملاء بالغين ما أردناه بهم لأن كيدي قوي. ولما كان {أملي} معطوفاً على {سنستدرجهم}، فهو مشارك له في الدخول تحت حكم الاستبقال، أي: وسأملي لهم. والمغايرة بين فعلي (نستدرج) و(أملي) في كون ثانيهما بهمزة المتكلم، وأولهما بنون العظمة مغايرة اقتضتها الفصاحة من جهة ثقل الهمزة بين حرفين متماثلين في النطق في {سنستدرجهم} وللتفنن والاكتفاء بحصول معنى التعظيم الأول. و(الكيد) لم يضبط تحديد معناه في كتب اللغة، وظاهرها أنه يرادف المكر والحيلة، وقال الراغب: «ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموماً وممدوحاً وإن كان يستعمل في المذموم أكثر وهو يقتضي أن الكيد أخص من الاحتيال وما ذلك إلا لأنه غلب استعماله في الاحتيال على تحصيل ما لو اطلع عليه المكيد لاحترز منه، فهو احتيال فيه مضرة ما على المفعول به، فمراد الراغب بالمذموم المذموم عند المكيد لا في نفس الأمر» وقال ابن كمال باشا: الكيد الأخذ على خفاء، ولا يعتبر فيه إظهار الكائد خلاف ما يبطنه. ويتحصل من هذه التدقيقات: أن الكيد أخص من الحيلة ومن الاستدراج. ووقوع جملة: {إن كيدي متين} موقعَ التعليل يقتضي أن استدراجهم والإملاء لهم كيد، فيفيد أنه استدراج إلى ما يكرهونه، وتأجيل لهم إلى حلول ما يكرهونه، لأن مضمون الجملة الثانية على هذا شامل لمضمون الجملة السابقة مع زيادة الوصف، المتين، ما لو حمل الكيد على معنى الأخذ على خفاء بقطع النظر عن إظهار خلاف ما يخفيه، فإن جملة: إن كيدي متين لا تفيد إلا تعليل الاستدراج والإملاء بأنهما من فعل من يأخذ على خفاء دون تلوين أخذه بما يغر المأخوذ، فكأنه قال: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون كائدين لهم، إن كيدي متين. وإطلاقه هنا جاء على طريقة التمثيلية بتشبيه الحال التي يستدرج الله بها المكذبين مع تأخير العذاب عنهم إلى أمد هم بالغوه، بحال من يهيىء أخذاً لعدوه مع إظهار المصانعة والمحاسنة؛ ليزيد عدوه غروراً، وليكون وقوع ضر الأخذ به أشد وأبعد عن الاستعداد لتلقيه. و(المتين) القوي، وحقيقته القوي المتن أي الظهر، لأن قوة متنه تمكنه من الأعمال الشديدة، ومتن كل شيء عموده وما يتماسك به.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 181- وممن خلقنا للجنة طائفة يدعون غيرهم للحق بسبب حبهم الحق، وبالحق - وحده - يعدلون فى أحكامهم. 182- والذين كذبوا بآياتنا المنزلة سنستدرجهم ونتركهم حتى يصلوا إلى أقصى غاياتهم، وذلك بإدرار النعم عليهم، مع انهماكهم فى الغنى، حتى يفاجئهم الهلاك وهم غافلون يرتعون. 183- وسأمد لهم فى الحياة غير مُهملِ لسيئاتهم، وتدبيرى لهم شديد عليهم، يكافئ سيئاتهم التى كثرت بتماديهم. 184- لقد بادروا بالتكذيب، ولم يتدبروا ما يدعوهم الرسول إليه، وما يقدمه من حجج، بل رموه بالجنون وليس به من جنون، فما هو إلا مُنَذِر لهم من عاقبة شركهم، وإنذاره بين واضح. 185- لقد كذبوا محمدا فيما يدعوهم إليه من توحيد، ولم ينظروا نظر تأمل واستدلال فى ملك الله العظيم للسموات والأرض وما فيها، مما يدل على كمال قدرة الصانع ووحدانيته، ولم يفكروا فى أنه قد اقترب أجلهم، أو عسى أن يكون قد اقترب، فيسارعوا إلى النظر وطلب الحق قبل مفاجأة الأجل، فإذا لم يؤمنوا بالقرآن فبأى كلام يؤمنون بعده؟ 186- من يكتب الله عليه الضلالة لسوء اختياره فلا يهديه أحد، ويتركهم - سبحانه - فى ضلالهم يتحيرون لا يهتدون سبيلا.

د. أسعد حومد

تفسير : (181) - وَمِنْ بَعْضِ الأمَمِ التِي خَلَقْنَاهَا، جَمَاعَةٌ كَبيرَةٌ يَقُومُونَ بِالحَقِّ قَوْلاً وَعَمَلاً، يَقُولُونَ الحَقَّ، وَيَدْعُونَ إلَيهِ {بِٱلْحَقِّ}، وَيَعْمَلُونَ بِهِ وَيَقْضُونَ (يَعْدِلُونَ). (وَرُوِيَ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: "حديث : هَذِهِ أمَّتِي، بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ وَيَقْضُونَ، وَيَأخُذُونَ وَيُعْطَونَ"تفسير : ). (أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ). بِهِ يَعْدِلُونَ - بِالحَقِّ يَحْكُمُونَ فِي الخُصُومَاتِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ} أراد أن يطمئن أهل منهج الله، فلم يقل: "كل الناس"، بل كثير من الجن والإنس"، وعرفنا المقابل يكون كثيراً أيضاً بدليل قوله تعالى في سورة الحج: {أية : وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : أي كثير من الناس يسجدون لله وكثير حق عليهم العذاب. ويعني قول الحق تبارك وتعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] أن كون الله لا يخلو من هداة مهديين، لتستمر الأسوة السلوكية في المجتمع. والأسوة السلوكية في المجتمع هي التي تربي عقائد المواجيد عند الصغار، فالصغير لا يعرف كيف يصلي، ولا كيف يصوم، ولا يميز بين الكذب والصدق ولكنَّه يتعلم بالتقليد لوالديه، فالطفل حين يرى والده وأمه ساعة يَؤَذَّنُ للصلاة يقوم كل منهما إلى الوضوء وأداء الصلاة، هنا يتعلم الطفل كيفية الصلاة، وحين يتكلم إنسان في سيرة آخر، يقول الأب أو الأم: لا داعي للخوض في سيرة الآخرين حتى لا نحبط حسناتنا؛ بذلك يتعلم الطفل كيف يصون لسانه عن الخوض في سيرة الغير، لأن الأسوة السلوكية تنضح عليه، بدليل أن الصغير الذي لم يبلغ مبلغ الفهم إذا سمع المؤذن بعد ذلك يقوم من نفسه ليُحضر سجادة الصلاة ويقلد والده ووالدته. ونفهم من قوله تعالى: {وَبِهِ يَعْدِلُونَ} إنهم في حكمهم على الأشياء يقيمون العدل بالحق، أو أن يكون العدل هو نفي الشرك، وقد يكون العدل في مسألة الكبائر، أو يقيمون العدل في مسألة الحقوق بين الناس. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ} وقوله في الآية الكريمة: "أمة" يعني أن صفات الكمال المنهجية أكثر من أن يحيط بها واحد لينفذها كلها، فكل واحد له جزء يقوم به، فهناك من يتميز بالصدق، وآخر في الشجاعة، وثالث في الكرم، وهكذا تبقى الأسوة في مجموع الصفات الحسنة، وقد ميز الله سيدنا إبراهيم - على نبينا وعليه السلام - فقال: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [النحل: 120] أي أنه جامع لخصال الخير التي لا توجد إلا في مجتمع واسع، {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} وأي أمة من أمم الأرض - إذن - هي التي تهدي بالحق؟ لقد سبحانه في قوم موسى! {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ...} تفسير : [الأعراف: 159] ثم جاءت أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا رسول بعده، لذلك تظل هذه الأمة المسلمة مأمونة على صيانة منهج الله إلى قيام الساعة. فإذا رأيت إلحاداً انتشر فاعلم أن لله مدداً، وكلما زاد الناس في الإلحاد، زاد الله في المدد، وحتى إن صارت بلد مسلمة غارقة في الفسق فقد يكون فيها واحد يجمع كل هذه الصفات الكريمة الهادية إلى الحق لتبقى شريعة الله مصونة بالسلوكيين التابعين لمنهج الله. إذن فالحق سبحانه وتعالى ترك للفساد أن يصنع الشر، ولسائل أن يسأل: ما لزوم هذا الشر في كون خلقه الله على هيئة محكمة؟ نقول! لولا أن الناس يضارون بالشر؛ لما تنبهوا إلى حلاوة الخير، ولو أن الإنسان لم يصب من أصحاب الباطل بسوء؛ ما تحمس للحق أحدٌ، ولا عرف الناسُ ضرورة أن يتأصل الحق في الوجود، فللشر - إذن - رسالته في الوجود. وهو أن يهيج إلى الخير، فكما ذرأ الله لجهنم كثيراً من الجن والإنس؛ أوضح سبحانه وتعالى في قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} في الحكم، عدلاً في القمة؛ وهو ألا يشركوا بالله شيئاً،لأن أول مخالفة لقضية العدل هي مخالفة الشرك وهو ظلم عظيم، فالشرك والعياذ بالله ينقل الأمر من مستحقه إلى غير مستحقه، وكذلك تحريم ما أحل الله، أو حل ما حرم الله، وكل ذلك ظلم، وكذلك عدم حفظ التوازن في الحقوق بين الناس، فإن لم يحصن العدل بحفظ الحقوق بين الناس من حاكم وولي ومسلط؛ سنجد كل إنسان وهو يضن بجهده في الحياة يكتفي بأن يصنع على قدر حاجته بحيث لا يترك للظالم أن يأخذ منه شيئاً، فلا يتحرك في الحياة إلا حركة محدودة، ولا يعمل إلا بقدر ما يكفيه فقط، فإذا ما حدث ذلك؛ فلن يجد الضعاف الذين لا يقدرون على الحركة الإنتاجية أي فائض ليعيشوا به. إذن أراد الله أن يضمن بالعدل عَرَق وتعب كل واحد. فأوضح له أن ما تكسبه من حل هو ملك لك. لَكِنْ لله حق فيه، وأنت لك الباقي، حتى يجد الضعيف الذي لا يقدر على حركة الحياة من يقيته، ولذلك يحذرك المنهج الإيماني بقوله: إياك أن تستكثر أن تدفع للضعيف، لأن قُوَّتَك التي استعملتها في تحصيل هذا المال إنما هي عرض لا يدوم لك، فإن أخذنا منك وأنت قويُّ قادر على الحركة، سنأخذ لك حينما تكون عاجزاً لا تقدر على الحركة، وذلك هو التأمين والعدالة. وبالنسبة للأمة في تلك الآية {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} فقد جاء في الآثار أن المراد بالأمة في هذه الآية الأمة المحمدية، قال قتادة: بلغنيحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إذا قرأ هذه الآية: هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها "ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون " تفسير : ويخاطب النبي صلى الله عليه وسلم صحابته بقوله: هذه لكم، أي في أمتكم ويؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ...} تفسير : [آل عمران: 110] وكلمة "للناس" هنا تفيد أن الله لم يجعل خيرية الأمة المحمدية وهي أمة الإجابة للمؤمنين فقط، بل جعل خيريتها للناس جميعاً؛ مؤمنهم وكافرهم. {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} وذكر "أمة" لأن خصال الخير لا يمكن أن تجتمع في إنسان واحد، بل كل واحد يأخذ لمسة من خير، هذا فيه ذكاء، وذاك فيه شجاعة، وذاك عنده مال، وذلك له خلق. فكأن الأمة المحمدية قد وجد في أفرادها ما يجمع المواهب الصالحة للخلافة في الأرض. ويأتي الحق بعد ذلك بمقابلهم، لأن مجيء الشيء بمقابله أدعى إلى أن يتمكن من النفس فيقول سبحانه: {وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ...}

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ومن جملة من خلقنا أمة فاضلة كاملة في نفسها، مكملة لغيرها، يهدون أنفسهم وغيرهم بالحق، فيعلمون الحق ويعملون به، ويعلِّمونه، ويدعون إليه وإلى العمل به. { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } بين الناس في أحكامهم إذا حكموا في الأموال والدماء والحقوق والمقالات، وغير ذلك، وهؤلاء هم أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، وهم الذين أنعم اللّه عليهم بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وهم الصديقون الذين مرتبتهم تلي مرتبة الرسالة، وهم في أنفسهم مراتب متفاوتة كل بحسب حاله وعلو منزلته، فسبحان من يختص برحمته من يشاء، واللّه ذو الفضل العظيم.

همام الصنعاني

تفسير : 962- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَآ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}: [الآية: 181]، قال: هذه الأمة يهدون بالحق وبه يعدلون.