٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
205
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: {أية : وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } تفسير : [الأعراف: 204] اعلم أن قارئاً يقرأ القرآن بصوت عال حتى يمكنهم استماع القرآن، ومعلوم أن ذلك القارىء ليس إلا الرسول عليه السلام، فكانت هذه الآية جارية مجرى أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرآن على القوم بصوت عال رفيع، وإنما أمره بذلك ليحصل المقصود من تبليغ الوحي والرسالة، ثم إنه تعالى أردف ذلك الأمر، بأن أمره في هذه الآية بأن يذكر ربه في نفسه، والفائدة فيه: أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة، لأنه بهذا الشرط أقرب إلى الاخلاص والتضرع. المسألة الثانية: أنه تعالى أمر رسوله بالذكر مقيداً بقيود. القيد الأول: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } والمراد بذكر الله في نفسه كونه عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعز والعلو والجلال والعظمة، وذلك لأن الذكر باللسان إذا كان عارياً عن الذكر بالقلب كان عديم الفائدة. ألا ترى أن الفقهاء أجمعوا على أن الرجل إذا قال: بعت واشتريت مع أنه لا يعرف معاني هذه الألفاظ ولا يفهم منها شيئاً، فإنه لا ينعقد البيع والشراء، فكذا ههنا ويتفرع على ما ذكرنا أحكام: الحكم الأول سمعت أن بعض الأكابر من أصحاب القلوب كان إذا أراد أن يأمر واحداً من المريدين بالخلوة والذكر، أمره بالخلوة والتصفية أربعين يوماً، ثم عند استكمال هذه المدة وحصول التصفية التامة، يقرأ عليه الأسماء التسعة والتسعين، ويقول لذلك المريد اعتبر حال قلبك عند سماع هذه الأسماء، فكل اسم وجدت قلبك عند سماعه قوي تأثره وعظم شوقه، فاعرف أن الله إنما يفتح أبواب المكاشفات عليك بواسطة المواظبة على ذكر ذلك الاسم بعينه، وهذا طريق حسن لطيف في هذا الباب. الحكم الثاني قال المتكلمون: هذه الآية تدل على إثبات كلام النفس لأنه تعالى لما أمر رسوله بأن يذكر ربه في نفسه وجب الاعتراف بحصول الذكر النفساني ولا معنى لكلام النفس إلا ذلك. فإن قالوا: لم لا يجوز أن يكون المراد من الذكر النفساني العلم والمعرفة؟ قلنا: هذا باطل لأن الإنسان لا قدرة له على تحصيل العلم بالشيء ابتداء لأنه إما أن يطلبه حال حصوله أو حال عدم حصوله. والأول باطل لأنه يقتضي تحصيل الحاصل وهو محال. والثاني باطل لأن ما لا يكون متصوراً، كان الذهن غافلاً عنه والغافل عن الشيء يمتنع كونه طالباً له فثبت أنه لا قدرة للإنسان على تحصيل التصورات، فامتنع ورود الأمر به، والآية دالة على ورود الأمر بالذكر النفساني، فوجب أن يكون الذكر النفساني معنى مغايراً للمعرفة والعلم والتصور، وذلك هو المطلوب. الحكم الثالث أنه تعالى قال: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } ولم يقل: واذكر إلهك ولا سائر الأسماء، وإنما سماه في هذا المقام باسم كونه ربا، وأضاف نفسه إليه، وكل ذلك يدل على نهاية الرحمة والتقريب والفضل والإحسان، والمقصود منه، أن يصير العبد فرحاً مبتهجاً عند سماع هذا الاسم، لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والفضل، وعند سماع هذا الاسم يتذكر العبد أقسام نعم الله عليه، وبالحقيقة لا يصل عقله إلى أقل أقسامها، كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34] فعند انكشاف هذا المقام في القلب يقوى الرجاء، فإذا سمع بعد ذلك قوله: {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } عظم الخوف، وحينئذ تحصل في القلب موجبات الرجاء وموجبات الخوف، وعنده يكمل الإيمان على ما قال عليه السلام: «حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»تفسير : إلا أن هنا دقيقة، وهي أن سماع لفظ الرب يوجب الرجاء وسماع لفظ التضرع والخيفة يوجب الخوف، فلما وقع الابتداء بما يوجب الرجاء، علمنا أن جانب الرجاء أقوى. القيد الثاني: من القيود المعتبرة في الذكر حصول التضرع، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {تَضَرُّعًا } وهذا القيد معتبر، ويدل عليه القرآن، والمعقول. أما القرآن فقوله في سورة الأنعام {أية : قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً }تفسير : [الأنعام: 63] وأما المعقول: فلأن كمال حال الإنسان إنما يحصل بانكشاف أمرين: أحدهما: عزة الربوبية، وهذا المقصود، إنما يتم بقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } الثاني: بمشاهدة ذلة العبودية وذلك إنما يكمل بقوله: {تَضَرُّعًا } فالانتقال من الذكر إلى التضرع يشبه النزول من المعراج، والانتقال من التضرع إلى الذكر يشبه الصعود، وبهما يتم معراج الأرواح القدسية وههنا بحث وهو أن معرفة الله من لوازمها التضرع، والخوف، والذكر القلبي يمتنع انفكاكه عن التضرع والخوف،فما الفائدة في اعتبار هذا التضرع والخوف؟ وأجيب عنه بأن المعرفة لا يلزمها التضرع والخوف على الإطلاق، لأنه ربما استحكم في عقل الإنسان أنه تعالى لا يعاقب أحداً لأن ذلك العقاب إيذاء للغير، ولا فائدة للحق فيه. وإذا كان كذلك لا يعذب فإذا اعتقد هذا، لم يكمل التضرع والخوف. فلهذا السبب نص الله تعالى على أنه لا بد منه وأجيب عنه بأن الخوف على قسمين: الأول: خوف العقاب، وهو مقام المبتدين. والثاني: خوف الجلال وهو مقام المحققين، وهذا الخوف ممتنع الزوال وكل من كان أعرف بجلال الله كان هذا الخوف في قلبه أكمل، وأجيب عن هذا الجواب بأن لأصحاب المكاشفات مقامين: مكاشفة الجمال، ومكاشفة الجلال، فإذا كشفوا بالجمال عاشوا، وإذا كوشفوا بالجلال طاشوا، ولا بد في مقام الذكر من رعاية الجانبين. القيد الثالث: قوله: {وَخِيفَةً } وفي قراءة أخرى {وَخُفْيَةً } وقال الزجاج: أصلها «خوفة» فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، أقول هذا الخوف يقع على وجوه: أحدها: خوف التقصير في الأعمال. وثانيها: خوف الخاتمة. والمحققون خوفهم من السابقة، لأنه إنما يظهر في الخاتمة ما سبق الحكم به في الفاتحة، ولذلك كان عليه السلام يقول: «حديث : جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»تفسير : . وثالثها: خوف أني كيف أقابل نعمة الله التي لا حصر لها ولا حد بطاعاتي الناقصة وأذكاري القاصرة؟ وكان الشيخ أبو بكر الواسطي يقول: الشكر شرك، فسألوني عن هذه الكلمة فقلت: لعل المراد والله أعلم أن من حاول مقابلة وجوه إحسان الله بشكره فقد أشرك. لأن على هذا التقدير يصير كأن العبد يقول: منك النعمة ومني الشكر، ولا شك أن هذا شرك، فأما إذا أتى بالشكر مع خوف التقصير ومع الاعتراف بالذل والخضوع، فهناك يشم فيه رائحة العبودية. وأما القراءة الثانية: وهو قوله: {وَخُفْيَةً } فالإخفاء في حق المبتدين يراد لصون الطاعات عن شوائب الرياء والسمعة، وفي حق المنتهين المقربين منشؤه الغيرة، وذلك لأن المحبة إذا استكملت أوجبت الغيرة، فإذا كمل هذا التوغل وحصل الفناء، وقع الذكر في حين الإخفاء بناء على قوله عليه السلام: «حديث : من عرف الله كل لسانه»تفسير : . القيد الرابع: قوله: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } والمراد منه أن يقع ذلك الذكر بحيث يكون متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 110] وقال عن زكريا عليه السلام: {أية : إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً } تفسير : [مريم: 3] قال ابن عباس: وتفسير قوله: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } المعنى أن يذكر ربه على وجه يسمع نفسه، فإن المراد حصول الذكر اللساني، والذكر اللساني إذا كان بحيث يسمع نفسه، فإنه يتأثر الخيال من ذلك الذكر، وتأثر الخيال يوجب قوة في الذكر القلبي الروحاني، ولا يزال يتقوى كل واحد من هذه الأركان الثلاثة، وتنعكس أنوار هذه الأذكار من بعضها إلى بعض، وتصير هذه الانعكاسات سبباً لمزيد القوة والجلاء والانكشاف والترقي من حضيض ظلمات عالم الأجسام إلى أنوار مدبر النور والظلام. والقيد الخامس: قوله: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ } وههنا مسائل: المسألة الأولى: في لفظ «الغدو» قولان: القول الأول: أنه مصدر يقال غدوت أغدو غدواً غدوا، ومنه قوله تعالى: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ }تفسير : [سبأ: 12] أي غدوها للسير، ثم سمى وقت الغدو غدواً، كما يقال: دنا الصباح أي وقته، ودنا المساء أي وقته. القول الثاني: أن يكون الغدو جمع غدوة، قال الليث: الغدو جمع مثل الغدوات وواحد الغدوات غدوة، وأما {الآصال} فقال الفراء: واحدها أصل وواحد الأصل الأصيل. قال يقال جئناهم مؤصلين أي عند الآصال، ويقال الأصيل مأخوذ من الأصل واليوم بليلته، إنما يبتدأ بالشروع من أول الليل وآخر نهار كل يوم متصل بأول ليل اليوم الثاني، فسمى آخر النهار أصيلاً، لكونه ملاصقاً لما هو الأصل لليوم الثاني. المسألة الثانية: خص الغدو والآصال بهذا الذكر، والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية. وأما عند الآصال فالأمر بالضد لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة الغير المتناهية، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر. ومن الناس من قال: ذكر هذين الوقتين والمراد مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان. عن ابن عباس أنه قال في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰماً وَقُعُوداً وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ }تفسير : [آل عمران: 191] لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام. والقيد السادس: قوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } والمعنى أن قوله: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ } دل على أنه يجب أن يكون الذكر حاصلاً في كل الأوقات وقوله: {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ } يدل على أن الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً، وأن لا يغفل الإنسان لحظة واحدة عن استحضار جلال الله وكبريائه بقدر الطاقة البشرية والقوة الإنسانية، وتحقيق القول، أن بين الروح وبين البدن علاقة عجيبة، لأن كل أثر حصل في جوهر الروح نزل منه أثر إلى البدن، وكل حالة حصلت في البدن صعدت منها نتائج إلى الروح، ألا ترى أن الإنسان إذا تخيل الشيء الحامض ضرس سنه، وإذا تخيل حالة مكروهة وغضب سخن بدنه، فهذه آثار تنزل من الروح إلى البدن، وأيضاً إذا واظب الإنسان على عمل من الأعمال وكرر مرات وكرات حصلت ملكة قوية راسخة في جوهر النفس فهذه آثار صعدت من البدن إلى النفس. إذا عرفت هذا فنقول: إذا حضر الذكر اللساني بحيث يسمع نفسه، حصل أثر من ذلك الذكر اللساني في الخيال، ثم يصعد من ذلك الأثر الخيالي مزيد أنوار وجلايا إلى جوهر الروح، ثم تنعكس من تلك الإشراقات الروحانية آثار زائدة إلى اللسان ومنه إلى الخيال، ثم مرة أخرى إلى العقل، ولا يزال تنعكس هذه الأنوار من هذه المرايا بعضها إلى بعض، ويتقوى بعضها بعض ويستكمل بعضها ببعض، ولما كان لا نهاية لتزايد أنوار المراتب، لا جرم لا نهاية لسفر العارفين في هذه المقامات العالية القدسية وذلك بحر لا ساحل له، ومطلوب لا نهاية له. واعلم أن قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } وإن كان ظاهره خطاباً مع النبي عليه السلام، إلا أنه عام في حق كل المكلفين ولكل أحد درجة مخصوصة ومرتبة معينة بحسب استعداد جوهر نفسه الناطقة كما قال في صفة الملائكة: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164].
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} نظيره {أية : ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}تفسير : [الأعراف: 55] وقد تقدّم. قال أبو جعفر النحاس: ولم يختلف في معنى {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أنه في الدعاء. قلت: قد رُوي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءةَ في الصَّلاة. وقيل: المعنى اقرأ القرآن بتأمّل وتدبُّر. «تَضَرُّعاً» مصدر، وقد يكون في موضع الحال. «وَخِيفَةً» معطوف عليه. وجمع خيفة خِوَف؛ لأنه بمعنى الخَوْف؛ ذكره النحاس. وأصل خِيفة خِوْفَة، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها. خاف الرجل يخاف خوفاً وخِيفة ومَخافة، فهو خائف، وقوم خُوَّف على الأصل، وخُيَّف على اللفظ. وحكى الفراء أنه يُقال أيضاً في جمع خِيفة خِيف. قال الجوهري: والخِيفة الخوف، والجمع خِيف، وأصله الواو. {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ} أي دون الرفع في القول. أي أسمع نفسك؛ كما قال: {أية : وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 110] أي بين الجهر والمخافتة. ودلّ هذا على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع؛ على ما تقدم في غير موضع. {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} قال قتادة وابن زيد: الآصال العَشيَّات. والغدوّ جمع غُدْوة. وقرأ أبو مِجْلَز «بِالْغُدُوِّ وَالإِيصالِ» وهو مصدر آصلنا، أي دخلنا في العَشِيّ. والآصال جمع أُصُل؛ مثل طُنُب وأطْنَاب؛ فهو جمع الجمع، والواحد أصيل، جُمِع على أُصُل؛ عن الزجاج. الأخفش: الآصال جمع أَصِيل؛ مثلُ يَمِين وأيْمَان. الفراء: أُصُل جمع أصيل، وقد يكون أُصُل واحداً، كما قال الشاعر:شعر : ولا بأحسن منها إذْ دَنَا الأُصُلُ تفسير : الجوهرِيّ: الأصِيل الوقت بعد العصر إلى المغرب، وجمعه أُصُل وآصال وأصائل؛ كأنه جمع أصِيلة؛ قال الشاعر:شعر : لعمرِي لأنتَ البيْتُ أكرِمُ أهلَه وأقعد في أفيائه بالأصائل تفسير : ويجمع أيضاً على أُصُلان؛ مثل بَعير وبُعْران؛ ثم صغّروا الجمع فقالوا أصَيْلاَن، ثم أبدلوا من النون لاَماً فقالوا أُصَيْلال؛ ومنه قول النابغة:شعر : وقفتُ فيها أصَيْلاَلاً أُسائلها عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْع من أحدِ تفسير : وحكى اللَّحْيانِيّ: لقيته أصَيْلاَلا. {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} أي عن الذكر.
البيضاوي
تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما، أو أمر للمأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام عن قراءته كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} متضرعاً وخائفاً. {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} ومتكلماً كلاماً فوق السر ودون الجهر فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص. {بِٱلْغُدُوّ وَٱلأَصَالِ} بأوقات الغدو والعشيات. وقرىء «والايصال» وهو مصدر آصل إذا دخل في الأصيل وهو مطابق للغدو. {وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} عن ذكر الله. {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ} يعني ملائكة الملأ الأعلى. {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ} وينزهونه. {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} ويخصونه بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره، وهو تعريض بمن عداهم من المكلفين ولذلك شرع السجود لقراءته. وعن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول: يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار» تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ستراً وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة».
ابن كثير
تفسير : يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره كثيراً، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله: {أية : وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ ٱلشَّمْسِ وَقَبْلَ ٱلْغُرُوبِ} تفسير : [ق: 39] وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية. وقال ههنا: بالغدو، وهو أول النهار، والآصال جمع أصيل؛ كما أن الأيمان جمع يمين، وأما قوله: {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} أي: اذكر ربك في نفسك رغبة ورهبة، وبالقول، لا جهراً، ولهذا قال: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء وجهراً بليغاً، ولهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186]. وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» تفسير : وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 110] فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن، سبوه وسبوا من أنزله وسبوا من جاء به، فأمره الله تعالى أن لا يجهر به؛ لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلاً بين الجهر والإسرار، وكذا قال في هذه الآية الكريمة: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} وقد زعم ابن جرير وقبله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة. وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به، ثم إن المراد بذلك في الصلاة كما تقدم، أو في الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سراً أو جهراً، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين، ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} الآية، وإنما ذكرهم بهذا ليقتدى بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم، ولهذا شرع لنا السجود ههنا لما ذكر سجودهم لله عز وجل، كما جاء في الحديث: «حديث : ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ يتمون الصفوف الأول فالأول ويتراصون في الصف» تفسير : وهذه أول سجدة في القرآن مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع، وقد ورد في حديث رواه ابن ماجه عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عدها في سجدات القرآن. آخر تفسير سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } أي سرّاً {تَضَرُّعًا } تذللاً {وَخِيفَةً } خوفاً منه {وَ} فوق السرّ {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ } أي قصداً بينهما {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ } أوائل النهار وأواخره {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَٰفِلِينَ } عن ذكر الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} وفي هذا الذكر ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ذكر القرءاة في الصلاة خلف الإمام سراً في نفسه قاله قتادة. والثاني: أنه ذكر بالقلب باستدامة الفكر حتى لا ينسى نعم الله الموجبة لطاعته. والثالث: ذكره باللسان إما رغبة إليه في دعائه أو تعظيماً له بالآية. وفي المخاطب بهذا الذكر قولان: أحدهما: أنه المستمع للقرآن إما في الصلاة أو الخطبة، قاله ابن زيد. والثاني: أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ومعناه عام في جميع المكلفين. ثم قال: {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} أما التضرع فهو التواضع والخشوع، وأما الخيفة فمعناه مخافة منه. {وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ} يعني أسرَّ القول إما بالقلب أو باللسان على ما تقدم من التأويلين. ثم قال تعالى: {بالْغُدُوِّ وَالأَصْالِ} فيه وجهان: أحدهما: بالبكر والعشيات. والثاني: أن الغدو آخر الفجر صلاة الصبح، والآصال آخر العشي صلاة العصر، قاله مجاهد، ونحوه عن قتادة. {وَلاَ تَكُنِ مِّنَ الْغَافِلِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: عن الذكر. والثاني: عن طاعته في كل أوامره ونواهيه، قاله الجمهور. {وَيُسَبِّحُونَهُ وََلَهُ يَسْجُدُونَ} وهذا أول سجدات التلاوة في القرآن. وسبب نزولها ما قاله كفار مكة {أية : وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً} تفسير : [الفرقان: 60]. فأنزل الله تعالى هذه الآية وأعلمهم أن الملائكة المقربين إذا كانوا على هذه الحال في الخضوع والرغبة فأنتم بذلك أولى والله أعلم بالصواب.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَاذْكُر رَّبَّكَ} خلف الإمام بالقراءة سراً، او عند سماع الخطبة، أو في عموم الأحوال اذكره بقلبك أو بلسانك في دعائك وثنائك {تَضَرُّعاً} الخشوع والتواضع. {وَدُونَ الْجَهْرِ} إسرار القول بالقلب، أو اللسان. {بِالْغُدُوِّ وَالأَصَالِ} بالبُكَر والعشيات، أو الغدو: آخر الفجر صلاة الصبح، والآصال: آخر العشي صلاة العصر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واذكر ربك في نفسك} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمته لأنه عام لسائر المكلفين. قال ابن عباس: يعني بالذكر القرآن في الصلاة يريد اقرأ سراً في نفسك والفائدة فيه أن انتفاع الإنسان بالذكر إنما يكمل إذا وقع الذكر بهذه الصفة لأن ذكر النفس أقرب إلى الإخلاص والبعد عن الرياء وقيل المراد بالذكر في النفس أن يستحضر في قلبه عظمة المذكور جل جلاله وإذا كان الذكر باللسان عارياً عن ذكر القلب كان عديم الفائدة لأن فائدة الذكر حضور القلب واستشعاره عظمة المذكور عز وجل {تضرعاً} يقال ضرع الرجل يضرع ضراعه إذا خضع وذل واستكان لغيره {وخيفة ودون الجهر من القول} يعني وخوفاً والمعنى تضرع إليّ وخاف عذابي. وقال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور بالتضرع والاستكانة دون رفع الصوت في الدعاء وهاهنا لطيفة وهي أن قوله سبحانه وتعالى: {واذكر ربك في نفسك} فيه إشعار بقرب العبد من الله عز وجل وهو مقام الرجاء لأن لفظ الرب مشعر بالتربية والرحمة والفضل والإحسان فإذا تذكر العبد إنعام الله عز وجل عليه وإحسانه إليه فعند ذلك يقوى مقام الرجاء ثم أتبعه بقوله تضرعاً وخيفة وهذا مقام الخوف فإذا حصل في قلب العبد داعية الخوف والرجاء قوي إيمانه والمستحب أن يكون الخوف أغلب على العبد في حال صحته وقوته فإذا قارب الموت ودنا آخر أجله فيستحب أن يغلب رجاؤه على خوفه. عن أنس بن مالك حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على شاب وهو في الموت فقال "كيف تجدك؟" قال أرجو الله يا رسول الله وإني أخاف ذنوبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو منه وآمنه مما يخاف"تفسير : أخرجه الترمذي. وقوله سبحانه وتعالى: {بالغدو} جمع غدوة {والآصال} جمع أصيل وهي ما بين صلاة العصر إلى المغرب والمعنى اذكر ربك بالبكر والعشيات وإنما خص هذين الوقتين بالذكر لأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم وهو وقت الحياة من موت النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله عز وجل وأما وقت الآصال وهو آخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب له أن يستقبله بالذكر لأنها حالة تشبه الموت ولعله لا يقوم من تلك النومة فيكون موته على ذكر الله عز وجل وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى {ولا تكن من الغافلين} يعني عما يقربك إلى الله عز وجل وقيل إن أعمال العبد تصعد أول النهار وآخره فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر ويصعد عمل النهار بعد العصر إلى المغرب فاستحب له الذكر في هذين الوقتين ليكون ابتداء عمله بالذكر واختتامه بالذكر وقيل: لما كانت الصلاة بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر مكروهة استحب للعبد أن يذكر الله في هذين الوقتين ليكون في جميع أوقاته مشتغلاً بما يقربه إلى الله عز وجل من صلاة أو ذكر.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ...} الآية: مخاطَبةٌ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وتعمُّ جميعَ أمته، وهو أمر من اللَّه تعالَى بذكْره وتسبيحِهِ وتقديسِهِ، والثناءِ عليه بمحامدِهِ، والجمهورُ علىٰ أن الذِّكْر لا يكون في النفْسِ، ولا يراعَى إِلا بحركه اللسَانِ، ويُدلُّ على ذلك من هذه الآية قوله: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ }، وهذه مرتبةُ السرِّ، والمخافتة. وقال الفَخْر: المراد بقوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ }، كونُه عارفاً بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضراً لصفاتِ الجلالِ والعظمة، وذلك أن الذكْرَ باللِّسَان، إِذَا كان عارياً عن الذكْر بالقلْب، كان عدِيمَ الفائدة، ألاَ تَرَى أن الفقهاء أجمَعُوا على أنَّ الرجُلَ، إِذا قال: بِعْتُ وٱشْتَرَيْتُ مع أنَّه لاَ يَعْرفُ معانِي هذه الألفاظ، ولا يفهم منها شيئاً، فإِنه لا ينعقد البَيْعُ والشراءُ، فكذلك هنا، قال المتكلِّمون: وهذه الآية تدُلُّ على إثبات كلامِ النفْس. وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ}، يدُلُّ على أن الذكْرَ القلبيَّ يجبُ أن يكون دائماً، وألاَّ يغفُلَ الإنسان لحظةً عن ٱستحضارِ جلالِ اللَّهِ وكبريائِهِ بقَدْر الطاقةِ البشريَّة، وتحقيقُ القول في هذا أنَّ بَيْنَ الرُّوحِ والبدنِ عَلاَقةً عجيبةً؛ لأَن كلَّ أثر يحصُلُ في البدَنَ يصْعَدُ منه نتائجُ إِلى الرّوحِ؛ أَلاَ تَرَى أنَّ الإِنسان إِذا تخيَّل الشيء الحامِضَ، ضَرَسَ منه، وإِذا تخيل حالَةً مكروهةً، أو غَضِبَ، سَخِنَ بدنه. انتهى. و{تَضَرُّعًا }: معناه: تذُّلَلاً وخُضُوعاً، البخاريُّ: {وَخِيفَةً }، أي: خوفاً انتهى. وقوله: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ}: معناه: دَأَباً، وفي كلِّ يوم، وفي أطرافِ النهارِ، {وَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} تنبيهٌ منه عزَّ وجلَّ، ولما قال سبحانه: {وَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ }: جَعَل بعد ذلك مثالاً من ٱجتهاد الملائِكَةِ؛ لِيَبْعَثَ على الجِدِّ في طاعة اللَّهِ سبحانه. * ت *: قال صاحبُ «الكلم الفارقية»: غفلةُ ساعةٍ عَنْ ربِّك مَكْدَرَة لمرآةِ قَلْبِكَ؛ فكَيْفَ بِغَفْلَة جميعِ عُمْرك. انتهى. قال ابن عطاء اللَّهِ رحمه اللَّه: لا تتركُ الذِّكْر، لِعَدَمِ حُضُورك مع اللَّه فيه؛ لأن غفلتك عن وُجودِ ذكْرِهِ أشدَّ مِنْ غفلتك في وجودِ ذكْرِهِ فعسَىٰ أن يرفعك مِنْ ذكْرٍ مع وجود غفلة، إِلى ذكْرٍ مع وجودِ يَقَظَةٍ، ومن ذِكْرٍ مع وجود يقظةٍ إِلى ذكْرٍ مع وجودِ حُضُورٍ، ومِنْ ذكْرٍ مع وجود حضور، إِلى ذكْرٍ مع وجود غيبة عمَّا سوى المذْكُور، وما ذلك على اللَّه بعزيز. انتهى، قال ابن العَرَبِيِّ في «أحكامه»: قوله تعالى: {وَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ }: أي: فيما أُمِرْتَ به، وكُلِّفْتَه، وهذا خطابٌ له عليه السلام، والمراد به جميعُ أمته. انتهى. وقوله: {ٱلَّذِينَ}، يريد به الملائكةَ. وقوله: {عِندَ }، إِنما يريد به المنزلةَ، والتشريف، والقُرْبَ في المكانة، لا في المكان، فَهُمْ بذلك عنده، ثم وصف سبحانه حَالَهُمْ؛ مِنْ تواضعهم، وإِدمانهم العبادة، والتَسبيحَ والسُّجودَ»، وفي الحديث: " حديث : أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَها أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلاَّ وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ، أَوْ رَاكعٌ، أَوْ سَاجِدٌ " تفسير : وهذا موضع سجدة. قال عَبْدُ الرحمٰن بْنُ محمَّدٍ عفا اللَّه عنه: كَمُلَ ما ٱنتخبناه في تفسير السورة، والحمد اللَّه على ما به أنعم، وصلَّى اللَّه على سيِّدنا محمَّد وآله وسلَّمَ تَسْليماً كثيراً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أمره الله أن يذكره ونهاه عن الغفلة، أما بالغدوّ: فصلاة الصبح، والآصال: بالعشي. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي صخر قال: الآصال: ما بين الظهر والعصر. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد في قوله {أية : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} تفسير : [الأعراف: 204] قال: هذا إذا أقام الإِمام الصلاة فاستمعوا له وأنصتوا {واذكر ربك} أيها المنصت {في نفسك تضرعاً وخيفة ودون الجهر من القول} قال: لا تجهر بذاك {بالغدوّ والآصال} بالبكر والعشي {ولا تكن من الغافلين} . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عبيد بن عمير في قوله {واذكر ربك في نفسك} قال: يقول الله "حديث : إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدي وحْده ذكرته وحدي، وإذا ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ أحسن منهم وأكرم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد {بالغدوّ} قال: آخر الفجر صلاة الصبح {والآصال} آخر العشي صلاة العصر، وكل ذلك لها وقت أول الفجر وآخره، وذلك مثل قوله في سورة آل عمران {أية : بالعشي والإِبكار} تفسير : [آل عمران: 41] ميل الشمس إلى أن تغيب، والإِبكار أول الفجر. وأخرج عبد بن حميد عن معرف بن واصل قال: سمعت أبا وائل يقول لغلامه عند مغيب الشمس: آصلنا. وأخرج البزار والطبراني عن ابن مسعودحديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {ولا تكن من الغافلين} قال: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل عن الفارين . تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن بكير بن الأخنس قال: ما أتى يوم الجمعة على أحد وهو لا يعلم أنه يوم الجمعة إلا كتب من الغافلين. وأخرج الطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن ابن عمرو "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الغفلة في ثلاث. عن ذكر الله، ومن حين يصلي الصبح إلى طلوع الشمس، وأن يغفل الرجل عن نفسه في الدين حتى يركبه ".
التستري
تفسير : وقوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً}[205] ما حقيقة الذكر؟ قال: تحقيق العلم بأن الله تعالى مشاهدك، وتراه بقلبك قريباً منك، وتستحي منه ثم تؤثره على نفسك في أحوالك كلها، ثم قال: ليس من ادعى الذكر فهو ذاكر. فقيل له ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الدنيا ملعون ما فيها إلاَّ ذكر الله تعالى" تفسير : قوله: "ذكر الله" هاهنا الزهد عن الحرام، وهو أن يستقبله حرام، فيذكر الله تعالى، ويعلم أنه مطلع عليه، فيجتنب ذلك الحرام. وقوله: {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ}[205] قال سهل: حقاً أقول لكم ولا باطل، يقيناً ولا شك: ما من أحد ذهب منه نفس واحد في غير ذكر الله إلاَّ وهو غافل عن الله عزَّ وجلَّ. وقال: غفلة الخاص السكون إلى الشيء، وغفلة العام الافتخار بالشيء، يعني السكون، والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [الآية: 205]. قال الحسين فى هذه الآية: لا يظهر ذكرك لنفسك فتطلب به عوضًا، فأشرف الذكر ما لا يشرف عليه إلا الحق، وما خفى من الذكر أشرف مما ظهر. قوله تعالى: {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ}. قال سهل: حقًا أقول لكم لا باطلاً يقينًا لا شك ما من أحد ذهب عنه نفس واحد بغير ذكر الله إلا وهو غافل. وقال: الغافل من غفل عن درك حقائق الأمور.
القشيري
تفسير : التضرعُ إذا كوشِفَ العبدُ بوصف الجمال في أوان البسط، والخيفة إذا كوشف بنعت الجلال في أحوال الهيبة، وهذا للأكابر. فأمَّا مَنْ دونَهم فَتَنوُّعُ أحوالهم من حيث الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. ومن فوق الجميع فأصحاب البقاء والفناءِ، والصحو والمحو ووراءهم أرباب الحقائق مُثْبَتُون في أوطان التمكين، فلا تَلَوُّنَ لهم ولا تجنُّسَ لقيامهِم بالحق، وامتحائهم عن شواهدهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذكر} يا محمد {ربك} ويجوز ان يكون المراد جميع الخلق والذكر طرد الغفلة ولذا لا يكون فى الجنة لانها مقام لحضور الدائم {فى نفسك} وهو الذكر بالكلام الخفى فان الاخفاء ادخل فى الاخلاص واقرب من الاجابة وهذا الذكر يعم الاذكار كلها من القراءة والدعاء وغيرها كما قال فى الاسرار المحمدية ليس فضل الذكر منحصرا فى التهليل والتسبيح والتكبير والدعاء بل كل مطيع لله فى عمل فهو ذاكر {تضرعا} مصدر واقع موقع الحال من فاعل اذكر اى متضرعا ومتذللا. والضراعة الخضوع والذل والاسكانة يقال تضرع الى الله اى ابتهل وتذلل والابتهال الاجتهاد فى الدعاء واخلاصه. قال بعض العارفين بالله الصلاة افضل الحركات والصوم افضل السكنات والتضرع فى هياكل العبادات يحل ما عقدته الافلاك الدائرات شعر : لو لم ترد نيل ما ارجو واطلبه من فضل جودك ما علمتنى الطلبا تفسير : {وخيفة} بكسر الخاء اصلها خوفه قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها اى وحال كونك خائفا. قال ابن الشيخ وهذا الخوف يتناول خوف التقصير فى الاعمال وخوف الخاتمة وخوف السابقة فان ما يكون فى الخاتمة ليس الا ما سبق به الحكم فى الفاتحة ولذلك قال عليه السلام "حديث : جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة" تفسير : انتهى. يقول الفقير هذا بالنسبة الى ام يكون المراد بالخطاب فى الآية هو الامة والا فالانبياء بل وكمل الاولياء آمنون به من خوف الخاتمة والفاتحة نعم لهم خوف لكن من نوع آخر يناسب مقامهم ولما كان اكمل احوال الانسان ان يظهر عزة ربوبية الله وذلة عبودية نفسه امر الله بالذكر ليتم المقصود الاول وقيده بالتضرع والخيفة ليتم المقصود الثانى شعر : اى خنك آنراكه ذلت نفسه واى آنكسى راكه بردى رفسه تفسير : {ودون الجهر من القول} صفة لمحذوف هو الحال اى ومتكلما كلاما هو دون الجهر فانه اقرب الى حسن التفكر فمن ام فى صلاة الجهر ينبغى له ان لا يجهر جهرا شديدا بل يقتصر على قدر ما يسمعه من خلفه. قال فى الكشف لا يجهر فوق حاجة الناس والا فهو مسيئ. والفرق بين الكراهة والاساءة هو ان الكراهة افحش من الاساءة "حديث : ولما رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عمر رضى الله عنه يقرأ رافعا صوته فسأله فقال اوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام "اخفض من صوتك قليلا" واتى ابا بكر رضى الله عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد اسمعت من ناجيت فقال عليه السلام "ارفع من صوتك قليلا" " . تفسير : وقد جمع النووى بين الاحاديث الواردة فى استحباب الجهر بالذكر بالذكر والواردة فى استحباب الاسرار به بان الاخفاء افضل حيث خاف الرياء او تأذى المصلون او النائمون والجهر افضل فى غير ذلك لان العمل فيه اكثر ولان فائدته تتعدى الى السامعين ولانه يوقظ قلب الذاكر ويجمع همه الى الفكر ويصرف سمعه اليه ويطرد النوم ويزيد فى النشاط وبالجملة ان المختار عند الاخيار ان المبالغة والاستقصاء فى رفع الصوت بالتكبير فى الصلاة ونحوه مكروه والحالة الوسطى بين الجهر والاخفاء مع التضرع والتذلل الاستكانة الخالية عن الرياء جائز غير مكروه باتفاق العلماء كذا فى انوار المشارق وقد سبق من شارح الكشاف ان الشيخ المرشد قد يأمر المبتدى برفع الصوت لتنقلع من قلبه الخواطر الراسخة فيه {بالغدو والآصال} متعلق باذكر اى اذكره فى هذين الوقتين وهما البكرات والعشيات فان الغدو جمع غدوة وهى ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. والآصال جميع اصيل وهو الوقت بعد العصر الى المغرب والعشى والعشية من صلاة المغرب الى العتمة وخص هذان الوقتان لان فيهما تتغير احوال العالم تغيرا عجيبا يدل على ان المؤثر فيه هو الاله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة القاهرة فكل من شاهد هذه التغيرات ينبغى له ان يذكر المؤثر فيها بالتضرع والابتهال والخوف من تحويل حاله الى سوء الحال. وقيل الغدو والآصال عبارتان عن الليل والنهار اكتفى عن ذكرهما بذكر كرفيهما والمراد بذكره تعالى فيهما المواظبة عليه بقدر الامكان {ولا تكن من الغافلين} عن ذكر الله تعالى امر اولا بان يذكر ربه على وجه يستحضر فى نفسه معانى الاذكار التى يقولها بلسانه فان المراد بذكر الله فى نفسه يذكره تعالى عارفا بمعانى ما يقول من الاذكار ثم اتبعه بقوله {ولا تكن من الغافلين} للدلالة على ان الانسان ينبغى له ان لا يغفل قلبه عن استحضار جلال الله تعالى وكبريائه وفى الحديث "حديث : الا انبئكم بما هو خير لكم وافضل من ان تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم ذكر الله " . تفسير : اى ما هو خير لكم مما ذكر ذكر الله سبحانه لان ثواب الغزو والشهادة فى سبيل الله حصول الجنة والذاكر جليس الحق تعالى كما قال "حديث : انا جليس من ذكرنى " .تفسير : والجليس لا بد ان يكون مشهودا فالحق مشهود الذاكر وشهود الحق افضل من حصول الجنة ولذلك كانت الرؤية بعد حصول الجنة وكمال تلك النعمة. والذكر المطلوب من العبدان يذكر الله باللسان ويكون حاضرا بقلبه وروحه وجميع قواه بحيث يكون بالكلية متوجها الى ربه فتنتفى الخواطر وتنقطع احاديث النفس عنه. ثم اذا داوم عليه ينتقل الذكر من لسانه الى قلبه ولا يزال يذكر بذلك حتى يتجلى له الحق من وراء استار غيوبه فينور باطن العبد بحكم {أية : وأشرقت الأرض بنور ربها} تفسير : [الزمر: 69]. ويعده الى التجليات الصفاتية والاسمائية ثم الذاتية فينفى العبد فى الحق فيذكر الحق نفسه بما يليق بجلاله وجماله فيكون الحق ذاكرا ومذكورا وذلك بارتفاع الثنوية وانكشاف الحقيقة الاحدية كذا فى شرح الفصوص لداود القيصرى فى الكلمة اليونسية شعر : جون تجلى كرد اوصاف قديم بس بسوزد وصف حادث را كليم تفسير : واعلم ان من اشتغل باسم من الاسماء وداوم فيه فلا ريب ان يحصل بينه وبين سر هذا الاسم المشتعل به وروحه بعناية الله تعالى وفضله مناسبة ما بقدر الاشتغال ومتى قويت تلك المناسبة وكملت بحسب قوة الاشتغال وكماله يحصل بينه وبين مدلوله من الاسماء الحقية بواسطة هذه المناسبة الحاصلة مناسبة بقدرها قوة وكمالا ومتى بلغت الى حد الكمال ايضا هذه المناسبة الثانية الحاصلة بينه وبين هذا الاسم بجود الحق سبحانه وعطائه يحصل بينه وبين مسماه الحق تعالى مناسبة بمقدار المناسبة الثانية من جهة القوة والكمال لان العبد بسبب هذه المناسبة يغلب قدسه على دنسه ويصير مناسبا لعالم القدس بقدر ارتفاع حكم الدنس فحينئذ يتجلى الحق سبحانه له من مرتبة ذلك الاسم بحسبها وبقدر استعداده ويفيض عليه ما شاء من العلوم والمعارف والاسرار الالهية والكونية حسبما يقتضيه الوقت ويسعه الموطن وتستدعيه القابلية فيطلع بعد ذلك على ما لم يطلع عليه قبله فيحصل له العلم والمعرفة بعد الجهل والغفلة كذا فى حواشى تفسير الفاتحة لحضرة شيخنا الاجل امدنا الله بمدده الى حلول الاجل واتفق المشايخ والعلماء بالله على من لا ورد له لا وارد له وانقطاعه عن بعض ورده بسبب من الاسباب سوى السفر والمرض والهرم والموت علامة البعد من الله تعالى والخذلان. فينبغى لمن كان له ورد ففاته ذلك ان يتداركه ويأتى به ولو بعد اسبوع ومن هنا تقضى الصوفية التهجد مع انه ليس من الفرائض والسر فى هذا ان المراد من الاوراد بل من سائر العبادات تغيير صفات الباطن وقمع رذائل القلب وآحاد الاعمال يقال آثارها بل لا يحس بآثارها وانما يترتب الاثر على المجموع واذا لم يكن يعقب العمل الواحد اثر محسوسا ولم يردف بثان وثالث على القرب والتوالى انمحى الاثر الاول ايضا ولهذا السر قال صلى الله عليه وسلم "حديث : احب الاعمال الى الله ادومها وان قل" تفسير : اى العمل. وقال ابن مالك وانما كان العمل الذى يداوم عليه احب لان النفس تألف به ويدوم بسببه الاقبال على الله تعالى ولهذا ينكر اهل التصوف ترك الاوراد كما ينكرون ترك الفرائض انتهى. قال بعض العلماء بالله لا يستحقر الورد الا جهول يعنى بحق ربه وحظ نفسه ووجهه وصوله اليهما ان الوارد يوجد فى الدار الآخرة على حسب الورد اذ جاء فى الحديث "حديث : ان الله تعالى يقول ادخلوا الجنة برحمتى وتقاسموها باعمالكم " . تفسير : والورد ينطوى بانطواء هذه الدار فيفوت ثوابه بحسب فواته اذ هو مرتب عليه. واولى ما يعتنى به عند العقلاء الاكياس ما لا يخلف وجوده ان تذهب فائدته بذهابه فاذا تعللت نفسك بعدم طلب الثواب فقل لها الورد هو طالب ذكره منك اذ هو حق العبودية وان ركنت الى طلب العوض فقل والوارد انت تطلبينه منه لا من حظ نفسك واين ما هو طالبه منك من واجب حقه مما هو مطلبك منه من غرضك وحظك فطب نفسا بالعمل لمولاك وسلم له فيما به يتولاك فقد قالوا كن طالب الاستقامة ولا تكن طالب الكرامة فان نفسك تهتز وتطلب الكرامة ومولاك يطالبك بالاستقامة ولان تكون بحق ربك اولى لك من ان تكون بحظ نفسك: قال الحافظ شعر : صحبت حور نخواهم كه بود عين قصور باخيال تو اكر با دكرى بردازم تفسير : قال فى التأويلات النجمية {واذكر ربك فى نفسك} اى اذكره بالافعال والاخلاق والذات فى نفسك بان تبدل افعال نفسك بالاعمال التى امر الله بها وتبدل اخلاقها باخلاق الله ونفى ذاتها فى ذات الله وهذا كما قال "حديث : وان ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى " . تفسير : وهو سر قوله {أية : فاذكرونى أذكركم} تفسير : [البقرة: 152]. ألا ترى ان الفراش لما ذكر الشمعة فى نفسه بافناء ذاته فى ذاتها كيف ذكرته الشمعة بابقائه ببقائها على ان تلك الحضرة منزهة عن المثل والمثال {تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول} التضرع من باب التكلف اى بداية هذا الذكر بتبديل افعال النفس باعمال الشريعة تكون بالتكلف ظاهرة وسطه بالتخلق باخلاق الله وبآداب الطريقة يكون مخفيا باطنا ونهايته بافناء ذاتها فى ذاته بانوار الحقيقة تكون منهيا عن جهر القول بها وهذا حقيقة قوله عليه السلام "حديث : افشاء سر الربوبية كفر " . تفسير : {بالغدو والآصال} يشير الى غدو الازل وآصال الابد فان الذكر الحقيقى والمذكور الحقيقى هو الذاكر الحقيقى والذاكر والمذكور فى الحقيقة هو الله الازلى الابدى لانه تعالى قال فى الازل {أية : فاذكرونى اذكركم} تفسير : [البقرة: 152]. ففى الازل ذكرهم لما خاطبهم وكان هو الذاكر والمذكور على الحقيقة على انا نقول ما ذكره الا هو وهذا حقيقة قول يوسف بن حسين الرازى ما ذكر احد الله الا الله ولهذا قال تعالى {ولا تكن من الغافلين} الذين لا يعلمون ان الذاكر والمذكور هو الله فى الحقيقة انتهى ما فى التأويلات النجمية.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: لنبيه صلى الله عليه وسلم ولمن تبعه: {واذكر ربك في نفسك} أي: في قلبك؛ بحركة لسان القلب، أو في نفسك؛ سرًا بحركة لسان الحس، {تضرُّعًا وخِيفَةً} أي: متضرعًا وخائفًا، {ودونَ الجهر من القول} أي: متكلمًا كلامًا فوق السر ودون الجهر، فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص، ولا حجة فيه لمن منع الذكر جهرًا؛ لأن الآية مكية حين كان الكفر غالبًا، فكانوا يسبون الذاكر والمذكور، ولما هاجر المصطفى ـ عليه الصلاة والسلام ـ إلى المدينة، جهر الصحابةُ بالتكبير والذكر. فالآية منسوخة. انظر: الحاوي في الفتاوى للإمام السيوطي. فقد أجاب عن الآية بأجوبة. فقوله: {بالغُدوِّ والآصال} أي: في الصباح والعشي، حين تتيقظ من نومك الشبيه بالبعث، وحين تريد النوم الشبيه بالموت، وقيل: المراد صلاةَ العصر والصبح، وقيل: صلاةَ المسلمين، قبل فرض الخمس، وقيل: للاستغراق، وإنما خص الوقتين؛ لأنهما محل الاشتغال، فأولى غيرهما. {ولا تكن من الغافلين} عن ذكر الله. {إن الذين عند ربك }؛ يعني ملائكة الملأ الأعلى، {لا يستكبرون عن عبادته ويُسبحونه}؛ يُنزهونه عما لا يليق به، {وله يسجدون} أي: يخصونه بالعبادة والتذلل، لا يشركون به غيره، وهو تعريض بالكفار، وتحريض للمؤمنين على التشبه بالملأ الأعلى، ولذلك شرع السجود عند قراءتها. وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إذا قَرَأَ ابنُ آدمَ السجدةَ، فَسَجَدَ، اعتَزَلَ الشيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلهُ، أمِرَ هذا بالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الجَنّةُ، وأُمِرْتُ بالسُجُودِ فعصَيت فَلِي النارُ ". تفسير : الإشارة: اعلم أن الذكر على خمسة أقسام: ذكر اللسان فقط؛ لعوام المسلمين، وذكر اللسان مع القلب، لخواص الصالحين وأول المتوجهين، وذكر القلب فقط؛ للأقوياء من السائرين، وذكر الروح؛ لخواص أهل الفناء من المُوحدين، وذكر السر؛ لأهل الشهود والعيان من المتمكنين، وفي قطع هذه المقامات يقع السير للسائرين، فيترقى من مقام، إلى مقام، حتى يبلغ إلى ذكر السر، فيكون ذكر اللسان في حقه غفلة. وفي هذا المقام قال الواسطي رضي الله عنه: الذاكرون في حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره؛ لأن ذكره سواه. وفيه أيضًا قال الغزالي: ذكر اللسان يُوجب كثرة الذنوب. وقال الشاعر: شعر : مَا إِنْ ذَكَرْتُكَ إلاَّ هَمَّ يَلْعَنُني سرِّي، وقَلْبِي، وَرُوحِي، عِنْدَ ذِكْرَاكَ حَتَّى كَأنَّ رَقِيبًا مِنْكَ يهْتِفُ بِي: إِيَّاكِ، وَيْحَكَ، والتَّذكَارَ إيَاكِ أَمَا تَرَى الحَقِّ قَدْ لآحَتْ شَوَاهِدِهُ وَوَاصِل الكُلِّ مِنْ مَعْنِاهُ مَعْنَاكَ تفسير : وقوله تعالى: {إِن الذين عند ربك}... الآية، قال القشيري: أثبت لهم عندية الكرامة، وحفظ عليهم أحكام العبودية؛ كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم وهذه سُنَّة الله تعالى مع خواص عباده، يلقاهم بخصائص عين الجمع، ويحفظ عليهم حقائق عين الفَرْق، لئلا يُخِلّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة. هـ.
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يذكره على حال التضرع والمراد به الأمة. ونصب {تضرعاً} على الحال، وعلى وجه الخوف من عذابه، والخيفة هو الخوف ويكون دعاؤه خالصاً لله ويفعل هذا الدعاء {بالغدو} وهو أول النهار، {والآصال} وهو جمع اصل. والاصل جمع الاصيل، فالآصال جمع الجمع وتصغيره أصيلال على بدل النون. وقال قوم: هو جمع اصل، والاصل يقع على الواحد والجمع ومعناه العشيات، وهو ما بين العصر إلى غروب الشمس. وقال ابن زيد: الخطاب متوجه إلى المستمع للقرآن إذا تلي ثم اكد توصيته له في الدعاء بقوله {ولا تكن من الغافلين} والمعنى لا تكن من الغافلين عما امرتك به من الدعاء له والذكر لله. وقال الجبائي: في الآية دليل على ان الذين يرفعون اصواتهم بالدعاء ويجهرون بها مخطؤن على خلاف الصواب. ومن قرأ "خفية" اراد اخف الدعاء واترك الاجهار، وهو تأكيد لما امر به من الدعاء إخفاء وقوله {ودون الجهر} يعني دعاء باللسان في خفاء الاجهار. وقال قوم: الآية متوجهة إلى من أمر بالاستماع للقرآن والانصات له الذين كانوا اذا سمعوا القرآن رفعوا اصواتهم بالدعاء عند ذكر الجنة او النار - ذهب اليه ابن زيد ومجاهد وابن جريج، واختاره الطبري - والاولى ان يكون ذلك متوجهاً إلى النبي، والمراد به جميع الامة، فانه اكثر فائدة. وإنما امره بالذكر في النفس وإن كان لا يقدر عليه العبد لامرين: أحدهما - ان المراد به التعرض للذكر من جهة الفكر، وهذا في الذكر المضاد للسهو. الثاني - انه امر بالذكر الذي هو القول فيما يخفى كحديث النفس.
الهواري
تفسير : قوله: {وَاذْكُرْ رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} أي مخافة منه {وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بالغُدُوِّ وَالأَصَالِ}. يقول: واذكره في نفسك أيضاً بالغدو والآصال. والأصال العشيات، يعني صلاة مكة، حين كانت الصلاة ركعتين غدوة، وركعتين عشية قبل أن تفرض الصلوات الخمس. قال: {وَلاَ تَكُن مِّنَ الغَافِلِينَ} أي عن الله وعن دينه. قوله: {إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} يعني الملائكة {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي في الصلاة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أَطَّتِ السماء وحقَّ لها أن تئِطَّ؛ ليس فيها موضع شبر إلا وعليه ملك راكع أو ساجد، أو مسبّح أو مهلّل، أو معظّم لله
اطفيش
تفسير : {واذْكُر ربَّك} بلسانك {فى نَفْسِك} أى سرا بأن تحرك لسانك، وتسمع أذنك، أو يكون بدون أن تسمع، وهذا عام فى قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل، وذلك أدخل فى الإخلاص، والتدبر، وقيل: الذكر القراءة فى الصلاة، ويرده أن ليست قراءة الصلاة كلها سرا إلا إن أراد صلاة السر، وقال: فرقة فى صلاة ركعتين فى الغدو، وركعتين فى الآصال قبل أن تفرض الخمس. {تَضرُّعاً} خضوعا وهو مفعول لأجله، أو مفعول مطلقا أو حال على ما مر {وخِيفَةً} نوعا عظيما من الخوف، قلبت الواو وياء لكسر ما قبلها، ولا يحصل الخوف إلا وقد حصل الرجاء وبالعكس، وإلا فالحاصل آيس لا خوف، وقطع لا رجاء، ولما كان لفظ الرب مشعرا بالتربية المتضمنة للرحمة والفضل والإحسان اتبعه بذكر التضرع والخوف، ليجمع بين الخوف والرجاء. {ودُونَ الجَهْر} عطف على فى نفسك، أو متعلق بمحذوف حال معطوفة على أخرى، وهى تضرعا إذا جعل تضرعا حالا، أى وثبوتا وتكلما، وإنما قدرتها مصدر المناسبة تضرعا فى المصدرية، ويجوز تقديرها وصفا أى وثابتا أو متكلما، ومعنى كون الإنسان دون الجهر أنه بمعزل عنه، ويجوز كونه متعلقا بمحذوف نعت لمصدر محذوف منصوب بحال محذوف، أى ومتكلما كلاما ثابتا دون الجهر، وعلى كل حال فهو من حيث المعنى مؤكد لقوله: {فى نفسك} إذا فسرنا فى نفسك كما مر السر، وذلك إغراء بالسر بذكره مرتين، هذا ما ظهر بالتأمل. ويجوز أن يراد بالذكر فى النفس الإسرار بأن يسمع أذنه، أو يحرك اللسان بلا إسماعها، وبقوله: {دون الجهر} إسماع الغير بلا جهر مفرط، فيكون الكلام إباحة للأمرين، ومن فسر ذلك فى الصلاة حمل الأول على صلاة السر، والثانى على صلاة الجهر، فيكون المراد بالجهر المجتنب الجهر المفرط كما علمت إشارة للتوسط. ويجوز أن يكون المراد بالذكر فى النفس عدم تحرك اللسان مع تتبع الكلام فى النفس، وهذا فى غير الصلاة، وأما فيها فلا إلا لذى علة لم يجد معها سوى ذلك، لكن إطلاق الذكر على ذلك مجاز عند الجمهور فيما قيل، وقيل: حقيق وبدون الجهر تحرك اللسان بدون إسماع الآذان، أو بدون إسماع الغير، وهذا فى غير الصلاة، وفى صلاة السر، ويجوز أن يراد بالذكر فى النفس استحضار جلال الله فى القلب، وبدون الجهر التكلم سرا، والمعتبر فى الذكر ذكر القلب. {مِنَ القَوْل} متعلق بالجهر، كقولك: أكلت من الطعام وشربت من المائع {بالغُدوِّ} فى الغدو، وهو جمع غدوة وهى البكرة {والآصالِ} جمع أصيل وهو ما بعد صلاة العصر إلى المغرب كيمين وأيمان، ووزنه أفعال، إلا أن ورشا نقل فتحة همزته للام، وحذف الهمزة، وقيل: جمع أصل بضم الهمزة والصاد، وأصل جمع أصيل، والمراد بالوقتين عموم الأوقات، كما تقول لمن أردت وصفه بالنوم الكثير ينام بكرة وعشيا، وهذا على ما مر من أن المراد مطلق الذكر، وقيل: المراد خصوم الوقتين لفظهما، فالغدوة وقت بعد الانتباه من النوم الشبيه بالموت، فيفتح حياته بالذكر، والأصيل آخر حياته، بل قريب من آخرها، لأنه لا ينام بعد العشاء، والنوم كالموت فيستقبله بالذكر، وأيضا تصعد أعمال الليل غدوة، وأعمال النهار قريب المغرب أو فيه. وأيضا لا تجوز النافلة فى الوقتين فليشتغل فيهما بالذكر، وقيل: تجوز على كراهة، وقيل: المراد خصوص الوقتين والذكر فيهما ركعتان فى كل منهما كما مر، ومن قال: المراد بالذكر الصلوات الخمس الناسخات للركعتين، قال: المراد عموم أوقاتها فى كل يوم، فكما يجوز إطلاق الغدو والأصيل على جمع الأزمنة، ويجوز إطلاقه على جمع أزمنة الصلوات الخمس، وقيل: الآية فى صلاة الفجر فى الغداة، وفى صلاة العصر فى الأصيل: أى العشية، وقرأ أبو مجلز: والإيصال على المصدرية أى الدخول فى الأصيل، تقول: أصل زيد بمد الهمزة بمعنى دخل فى الأصيل كالإغنام والإصباح والإمساء بمعنى الدخول فى وقت الغنمة، ووقت الصباح ووقت المساء. قال جار الله: وهو يطلق الغدو يعنى، والله أعلم فى المصدرية بناء على أن الغدو مصدر لا جمع غدوة {ولا تكُنْ مِنَ الغَافِلِينَ} عما يقرب إلى الله من الذكر وغيره، بل قارب حالك بحال الملائكة فلا يغفلون عن الذكر وغيره لمن العبادات كما قال: {إنَّ الَّذين عِندْ ربِّكَ...}
اطفيش
تفسير : {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِى نَفْسِكَ} أَى سر بقراءَة القرآن أَو الدعاءِ والتسبيح والتهليل وغير ذلك لأَن السر أَدخل فى الإِخلاص، وأَقرب إِلى التفكر فى الصلاة وغيرها، وعمل السر من النفل يزيد على الجهر بسبعين، لكن لا بد من تحريك اللسان فى صلاة السر وإِسماع الأُذن فى صلاة الجهر عند أَبى هريرة، ومن إِسماع الأُذن فى صلاة السر والغير فى صلاة الجهر عند غيره، واختار بعض العلماءِ فى قراءَة القرآن فى غير الصلاة إِسماع الأُذن لأَن فيه القراءَة والسماع لها ولا بد من إِسماع الإِمام المأمومين فى صلاة الجهر طاقته بلا تكلف، وقيل: الذكر فى النفس إِحضار المعنى، وفى الحديث القدسى: "حديث : من ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، ومن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير من ملئه"تفسير : . وقيل: الخطاب فى اذكر لمستمع القرآن، وعنه صلى الله عليه وسلم: حديث : خير الذكر الخفى تفسير : {تَضَرُّعًا} تذللا لله عز وجل {وَخِيفَةً} نوع من الخوف عظيم يعالجه الإِنسان من نفسه، قلبت الواو ياءَ للكسر قبلها، والمعنى للتضرع والخيفة، أَو ذوى تضرع وخيفة، أَو متضرعين وخائفين، ذلك الخوف خوف العقاب وخوف إِجلال وخوف الخاتمة وخوف السابقة {وَدُونَ الْجَهْرِ} عطف على فى نفسك، والظرف يعطف بالنصب على المجرور بحرف اكتفاء بمعنى فى كقوله: ومن آناءِ الليل فسبح وأَطراف النهار بنصب أَطراف، أَو يقدر وذكرا دون الجهر، أَى واذكره ذكرا فوق السر ودون الجهر. وعن ابن عباس: هو أَن يسمع نفسه. وقدر بعض: ومتكلما كلاماً ثابتا دون الجهر وفوق السر، فيعطف متكلما على تضرعا أَو خيفة، بمعنى تضرعا وخائفا. {مِنَ الْقَوْلِ} أَى بالقول متعلق بالجهر، قيل: أَو تبقى من على حالها، وتعلق بمحذوف حال من دون و المراد التوسط فيسر تارة ويتوسط أُخرى {بِالْغُدُوِّ} أَول النهار مصدر ناب عن الزمان أَو جمع غدوة بضم فإِسكان من طلوع الفجر إِلى طلوع الشمس وهو متعلق باذكر {وَالآصَالِ} أَواخره من العصر إِلى المغرب، والمفرد أَصيل كيمين وأَيمان، أَو جمع أَصل كعنق والمراد تعميم الأَوقات، وأَشار إِليه بذكر الطرفين، وخصهما ليبتدئَ يقظته بالذكر ولو تقدم من السحر ويختمها به ول تطاول، ولصعود الأَعمال أَول النهار وآخره، ولأَنه لا صلاة بعد صلاتى الفجر والعصر فيشتغل بالذكر ولا يبقى فارغا، أَو لتغير العالم فيهما بالنور والظلمة تغيرا عجيبا، وقيل لأَنهما وقت اجتماع ملائكة الليل والنهار بالتعاقب {وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} عن ذكر الله جل جلاله.
الالوسي
تفسير : {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} عطف على {أية : قُل}تفسير : وعلى الثاني فيه تجريد الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام لكل ذكر فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من القبول، وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: "حديث : من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" تفسير : وقال الإمام: ((المراد بالذكر في نفسه أن يكون عارفاً بمعاني الإذكار التي يقولها بلسانه مستحضراً لصفات الكمال والعز [والعلو] والعظمة والجلال، وذلك لأن الذكر باللسان عارياً عن الذكر بالقلب كأنه عديم الفائدة))، بل ذكر جمع أن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلاً، ومن أتى بالكلمة الطيبة غير ملاحظ معناها أو جاهلاً به لا يعد مؤمناً عند الله تعالى، وقيل: الخطاب لمستمع القرآن والذكر القرآن، والمراد أمر المأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام عن قراءته وفيه بعد ولو التزم قول الإمام. وقوله سبحانه وتعالى: {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} في موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أي متضرعاً وخائفاً، أو بتقدير مضاف أي ذا تضرع وخيفة، وكونه مفعولاً لأجله غير مناسب. وجوز بعضهم كون ذلك مصدراً لفعل من غير المذكور وليس بشيء، وأصل خيفة خوفة، ودون في قوله تعالى: {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} صفة لمعمول حال محذوفة أي ومتكلماً كلاماً دون الجهر لأن دون لا تتصرف على المشهور؛ والعطف على {تَضَرُّعًا}، وقيل: لا حاجة إلى ما ذكر والعطف على حاله، والمراد اذكره متضرعاً ومقتصداً. وقيل: إن العطف على قوله تعالى: {فِي نَفْسِكَ} لكن على معنى اذكره ذكراً في نفسك وذكراً بلسانك دون الجهر، والمراد بالجهر رفع الصوت المفرط وبما دونه نوع آخر من الجهر. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو أن يسمع نفسه وقال الإمام: المراد أن يقع الذكر متوسطاً بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا }تفسير : [الإسراء: 110] ويشعر كلام ابن زيد أن المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات أي اذكر ربك أيها المنصت في نفسك ولا تجهر بالذكر. {بِٱلْغُدُوِّ} جمع غدوة كما في «القاموس»، وفي «الصحاح» الغدو نقيض الرواح وقد غدا يغدو غدواً. وقوله تعالى: {بِٱلْغُدُوّ} أي بالغدوات جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، فعبر بالفعل عن الوقت كما يقال: أتيتك طلوع الشمس أي وقت طلوعها، وهو نص في أن الغدو مصدر لا جمع، وعليه فقد يقدر معه مضاف مجموع أي أوقات الغدو ليطابق قوله سبحانه وتعالى: {وَٱلأَصَالِ} وهو كما قال الأزهري جمع أصل، وأصل جمع أصيل ـ أعني ما / بين العصر إلى غروب الشمس ـ فهو جمع الجمع وليس للقلة وليس جمعاً لأصيل لأن فعيلاً لا يجمع على أفعال، وقيل: إنه جمع له لأنه قد يجمع عليه كيمين وأيمان، وقيل: إنه جمع لأصل مفرداً كعنق ويجمع على أصلان أيضاً، والجار متعلق باذكر، وخص هذان الوقتان بالذكر قيل لأن الغدوة عندها ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وفي الأصل الأمر بالعكس، أو لأنهما وقتا فراغ فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب، وقيل: لأنهما وقتان يتعاقب فيهما الملائكة على ابن آدم، وقيل: ليس المراد التخصيص بل دوام الذكر واتصاله أي اذكر كل وقت. وقرأ أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي {والإيصال}، وهو مصدر آصل إذ ادخل في الأصيل وهو مطابق لغدو بناء على القول بإفراده ومصدريته فتذكر {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} عن ذكر الله تعالى.
ابن عاشور
تفسير : إقبال بالخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يختص به، بعد أن أمر بما أمر بتبليغه من الآيات المتقدمة، والمناسبة في هذا الانتقال أن أمر الناس باستماع القرآن يستلزم أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقراءة القرآن عليهم قراءة جهرية يسمعونها، فلما فرغ الكلام من حظ الناس نحو قراءة الرسول عليه الصلاة والسلام، أقبل على الكلام في حظ الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن وغيره، وهو التذكر الخاص به، فأمر بأن يذكر الله ما استطاع وكيفما تسنى له، وفي أوقات النهار المختلفة، فجملة {واذكر ربك} معطوفة على الجمل السابقة من قوله: {أية : إن وليي الله}تفسير : [الأعراف: 196] إلى هنا. والنفس اسم للقوة التي بها الحياة، فهي مرادفة الروح، وتطلق على الذات المركبة من الجسد والروح، ولكون مقر النفس في باطن الإنسان أطلقت على أمور باطن الإنسان من الإدراك والعقل كما في قوله تعالى حكاية عن عيسى {أية : تعلم ما في نفسي}تفسير : [المائدة: 116] وقد مضى في سورة المائدة، ومن ذلك يتطرق إلى إطلاقها على خويصة المرء، ومنه قوله في الحديث القدسي في «صحيح البخاري» «حديث : وإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خيرِ منهم» تفسير : فقابل قوله: في نفسه بقوله: في ملإ. والمعنى: اذكر ربك وأنت في خلوتك كما تذكره في مجامع الناس. والذكر حقيقة في ذكر اللسان، وهو المراد هنا، ويعضده قوله: {ودونَ الجهر من القول} وذلك يشمل قراءة القرآن وغيرَ القرآن من الكلام الذي فيه تمجيد الله وشكره ونحو ذلك، مثل كلمة التوحيد والحوقلة والتسبيح والتكبير والدعاء ونحو ذلك. و«التضرع» التذلل ــــ ولما كان التذلل يستلزم الخطاب بالصوت المرتفع في عادة العرب كني بالتضرع عن رفع الصوت مراداً به معناه الأصلي والكنائي، ولذلك قوبل بالخُفيه في قوله {أية : ادعوا ربكم تضرعاً وخفيةً}تفسير : في أوائل هذه السورة (55) وقد تقدم. وقوبل التضرع هنا بالخيفة وهي اسم مصدر الخوف، فهو من المصادر التي جاءت على صيغة الهيئة وليس المراد بها الهيئة، مثل الشدة، ولما كانت الخيفة انفعالا نفسياً يجده الإنسان في خاصة نفسه كانت مستلزمة للتخافت بالكلام خشية أن يَشعُر بالمرء من يخافه. فلذلك كني بها هنا عن الإسرار بالقول مع الخوف من الله، فمقابلتُها بالتضرع طباق في معنيي اللفظين الصريحين ومعنييهما الكناءين، فكأنه قيل تضرعاً وإعلاناً وخيفة وإسراراً. وقوله: {ودون الجهر من القول} هو مقابل لكل من التضرع والخيفة وهو الذكر المتوسط بين الجهر والإسرار، والمقصود من ذلك استيعاب أحوال الذكر باللسان، لأن بعضها قد تكون النفس أنشط إليه منها إلى البعض الآخر. و(الغُدو) اسم لزمن الصباح وهو النصف الأول من النهار. و(الآصال) جمع أصيل وهو العشي وهو النصف الثاني من النهار إلى الغروب. والمقصود استيعاب أجزاء النهار بحسب المتعارف، فأما الليل فهو زمن النوم، والأوقات التي تحصل فيها اليقظة خصت بأمر خاص مثل قوله تعالى: {أية : قم الليل إلا قليلاً}تفسير : [المزمل: 2] على أنها تدخل في عموم قوله: {ولا تكن من الغافلين}. فدل قوله: {ولا تكن من الغافلين} على التحذير من الغفلة عن ذكر الله ولاحد للغفلة، فإنها تحدد بحال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعلم بنفسه. فإن له أوقاتاً يتلقى فيها الوحي وأوقات شؤون جِبِلّية كالطعام. وهذا الأمر خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، وكل ما خص به الرسول عليه الصلاة والسلام من الوجوب يستحسن للأمة اقتداؤهم به فيه إلا ما نهوا عنه مثل الوصال في الصوم. وقد تقدم أن نحو {ولا تكن من الغافلين} أشد في الانتفاء وفي النهي من نحو: ولا تغفل، لأنه يفرض جماعة يحق عليهم وصف الغافلين فيحذر من أن يكون في زمرتهم وذلك أبْين للحالة المنهي عنها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 205- واذكر ربك ذكراً نفسياً، تحس فيه بالتقرب إلى الله والخضوع له والخوف منه، من غير صياح، بل فوق السر ودون الجهر من القول. وليكن ذكرك فى طرفى النهار لتفتتح نهارك بالذكر لربك وتختمه به، ولا تكُنْ فى عامة أوقاتك من الغافلين عن ذكر الله. 206- إن الذين هم قريبون من ربك بالتشريف والتكريم، لا يستكبرون عن عبادته، وينزهونه عما لا يليق به، وله يخضعون.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْغَافِلِينَ} {ٱلآصَالِ} (205) - يَأمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِذِكْرِهِ كَثِيراً فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ، كَمَا أَمَرَ عِبَادَه بِعِبَادَتِهِ فِي هَذينِ الوَقْتَينِ، (وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ). وَيَأْمُرُ اللهُ بِأنْ يَكُونَ الذِّكْرُ فِي النَّفْسِ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، وَبِالقَوْلِ خُفْيَةً وَسِرّاً، لاَ جَهْراً، وَلِذَلِكَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الذِّكْرُ خَفِيّاً لاَ نِدَاءً وَلاَ جَهْراً بَلِيغاً، وَبِأنْ لاَ يَكُونَ الإِنْسَانُ غَافِلاً عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَأَنْ يَسْتَشْعِرَ قَلْبُهُ الخُضُوعَ لَهُ، وَالخَوْفَ مِنْ قُدْرَتِهِ. تَضَرُّعاً - مُظْهِراً الضَّرَاعَةَ وَالذِّلَّةَ. خِيفَةً - خَائِفاً مِنْ عِقَابِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي لا تكن من الغافلين عن مطلوبات الله بالحدود التي بينها الله عز وجل؛ لأن الغفلة معناها انشغال البال بغير خالقك، وأنت إن جعلت خالقك في بالك دائما فإنك لا تغفل عن مطلوباته في الغدو والآصال وفي كل وقت، سواء كنت في الصلوات الخمس، أو كنت تضرب الأرض في أي معنى من المعاني، وتأس أيها المؤمن بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان الملائكة والذين لم يرتكبوا أية معصية وليس لهم موجبات المعصية، ولا يأكلون ولا يتناسلون، وليس لهم شهوة بطن ولا شهوة فرج، وكل المعاصي جميعها تأتي من هذه الناحية، مع ذلك يجب عليك أن تتأسى بهم؛ لأنهم هم الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون لا يستكبرون عن عبادته، ويسبحونه؛ وله يسجدون، لذلك يقول الحق بعد ذلك: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ...}
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : الذكر للّه تعالى يكون بالقلب، ويكون باللسان، ويكون بهما، وهو أكمل أنواع الذكر وأحواله، فأمر اللّه عبده ورسوله محمدا أصلا وغيره تبعا، بذكر ربه في نفسه، أي: مخلصا خاليا. { تَضَرُّعًا } أي: متضرعا بلسانك، مكررا لأنواع الذكر، { وَخِيفَةً } في قلبك بأن تكون خائفا من اللّه، وَجِلَ القلب منه، خوفا أن يكون عملك غير مقبول، وعلامة الخوف أن يسعى ويجتهد في تكميل العمل وإصلاحه، والنصح به. { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } أي: كن متوسطا، لا تجهر بصلاتك، ولا تخافت بها، وابتغ بين ذلك سبيلا. { بِالْغُدُوِّ } أول النهار { وَالآصَالِ } آخره، وهذان الوقتان لذكر الله فيهما مزية وفضيلة على غيرهما. { وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ } الذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، فإنهم حرموا خير الدنيا والآخرة، وأعرضوا عمن كل السعادة والفوز في ذكره وعبوديته، وأقبلوا على من كل الشقاوة والخيبة في الاشتغال به، وهذه من الآداب التي ينبغي للعبد أن يراعيها حق رعايتها، وهي الإكثار من ذكر اللّه آناء الليل والنهار، خصوصا طَرَفَيِ النهار، مخلصا خاشعا متضرعا، متذللا ساكنا، وتواطئا عليه قلبه ولسانه، بأدب ووقار، وإقبال على الدعاء والذكر، وإحضار له بقلبه وعدم غفلة، فإن اللّه لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه. ثم ذكر تعالى أن له عبادا مستديمين لعبادته، ملازمين لخدمته وهم الملائكة، فلتعلموا أن اللّه لا يريد أن يتكثر بعبادتكم من قلة، ولا ليتعزز بها من ذلة، وإنما يريد نفع أنفسكم، وأن تربحوا عليه أضعاف أضعاف ما عملتم، فقال: { إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ } من الملائكة المقربين، وحملة العرش والكروبيين. { لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } بل يذعنون لها وينقادون لأوامر ربهم { وَيُسَبِّحُونَهُ } الليل والنهار لا يفترون. { وَلَهُ } وحده لا شريك له { يَسْجُدُونَ } فليقتد العباد بهؤلاء الملائكة الكرام، وليداوموا [على] عبادة الملك العلام. تم تفسير سورة الأعراف وللّه الحمد والشكر والثناء. وصلى اللّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
همام الصنعاني
تفسير : 972- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}:[الآية: 205]، قال: الآصال: العشي. 986- حدثنا عبد الرزاق، عن ابنِ التِّيْميّ، عَنْ أبيه، عَن حَيَّان بن عُمَيْر، عن عبيد بن عمير في قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}: [الآية: 205]، قال: يقول الله تعالى: "حديث : إذا ذكرني عبدي في نفسه ذكرته في نفسي، وإذا ذكرني عبدي وحده ذكرته وحدي، وإذا ذكرني في ملإٍ ذكرته في أحسن منهم وأكرم ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):