٧ - ٱلْأَعْرَاف
7 - Al-A'raf (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
204
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله: {أية : هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } تفسير : [الأعراف: 203] أردفه بقوله: {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الإنصات السكوت والاستماع، يقال: نصت، وأنصت، وانتصت، بمعنى واحد. المسألة الثانية: لا شك أن قوله: {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } أمره، وظاهر الأمر للوجوب، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجباً، وللناس فيه أقوال. القول الأول: وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت، فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق، ومعلمي الصبيان. والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة. قال أبو هريرة رضي الله عنه: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية، وأمروا بالإنصات، وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم، كم صليتم وكم بقي؟ وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والقول الثالث: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام. قال ابن عباس قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم، فخلطوا عليه، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. والقول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي رحمه الله، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة. وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط، ولا تفيد التكرار، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة، فإذا دخلت الدار ثانياً لم تطلق بالاتفاق لأن كلمة {إِذَا } لا تفيد التكرار. إذا ثبت هذا فنقول: قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } لا يفيد إلا وجوب الإنصات مرة واحدة، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة القرآن في الخطبة، فقد وفينا بموجب اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما وراء هذه الصورة، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية، وذلك لأن عند الشافعي رحمه الله: يسكت الإمام، وحينئذ يقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان، فاغتنم القراءة في أيهما شئت، وهذا السؤال أورده الواحدي في «البسيط». ولقائل أن يقول: سكوت الإمام إما أن نقول: إنه من الواجبات أو ليس من الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت. فبتقدير: أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام، وذلك يفضي إلى ترك الاستماع، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام، وذلك على خلاف النص، وأيضاً فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام، وحينئذ يلزم المحذور المذكور، وأيضاً فالإمام إنما يبقى ساكتاً ليتمكن المأموم من إتمام القراءة، وحينئذ ينقلب الإمام مأموماً، والمأموم إماماً، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم، وذلك غير جائز، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز، وذكر الواحدي سؤالاً ثانياً على التمسك بالآية. فقال: إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتاً، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحداً. ولقائل أن يقول: إنه تعالى أمره أولاً بالاستماع واشتغاله بالقراءة يمنعه من الاستماع، لأن السماع غير، والاستماع غير، فالاستماع عبارة عن كونه بحيث يحيط بذلك الكلام المسموع على الوجه الكامل، قال تعالى لموسى عليه السلام: {أية : وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } تفسير : [طه: 13] والمراد ما ذكرناه، وإذا ثبت هذا وظهر أن الاشتغال بالقراءة مما يمنع من الاستماع علمنا أن الأمر بالاستماع يفيد النهي عن القراءة. السؤال الثالث: وهو المعتمد أن نقول: الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام، إلا أن قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» تفسير : وقوله: «حديث : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»تفسير : أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص عموم هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن. والسؤال الرابع: أن نقول: مذهب مالك وهو القول القديم للشافعي أنه لا يجوز للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلوات الجهرية، عملاً بمقتضى هذا النص، ويجب عليه القراءة في الصلوات السرية، لأن هذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة، وهذا أيضاً سؤال حسن، وفي الآية قول خامس وهو أن قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطاباً مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقواماً من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها، فأمر الله رسوله أن يقول جواباً عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي، ثم بين تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله: {أية : هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأعراف: 203] فلو قلنا إن قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد الترتيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد منه شيئاً آخر سوى هذا الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة، من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزاً دالاً على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن: إنه بصائر وهدى ورحمة فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد، ولو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى، وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزاً على صدق نبوته، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه، ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى، وجوه: الوجه الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } تفسير : [فصلت: 26] فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت، حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز. والوجه الثاني: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: {هَـٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم. ثم قال: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولو كان المخاطبون بقوله: {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } هم المؤمنون لما قال: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعاً فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين؟ أما إذا قلنا: إن المخاطبين بقوله: {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } هم الكافرون، صح حينئذ قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لأن المعنى؛ فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز، فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين، فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ «لعل» فيه. فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى، وحينئذ يسقط استدلال الخصم به من كل الوجوه، لأنا بينا بالدليل أن هذا الخطاب ما يتناول المؤمنين، وإنما تناول الكفار في أول زمان تبليغ الوحي والدعوة.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولىٰ ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} قيل: إن هذا نزل في الصلاة، رُوي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزُّهْرِيّ وعبيد الله بن عمير وعطاء بن أبي رَباح وسعيد بن المسيِّب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صَلَّىٰ؛ فيقول بعضهم لبعض بمكة: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ}تفسير : [فصلت: 26]. فأنزل الله جل وعز جواباً لهم {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}. وقيل: إنها نزلت في الخطبة؛ قاله سعيد بن جُبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دِينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مُخَيْمَرة ومسلم بن يَسَار وشَهْر بن حَوْشَبْ وعبد الله بن المبارك. وهذا ضعيف؛ لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها؛ قاله ابن العربيّ. النقاش: والآية مكية، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة. وذكر الطبريّ عن سعيد بن جبير أيضاً أن هذا في الإنصات يوم الأضْحَىٰ ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يَجْهِر به الإمام فهو عامّ. وهو الصحيح لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السُّنّة في الإنصات. قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. النحاس: وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليلٌ على اختصاص شيء. وقال الزجاج: يجوز أن يكون «فَٱسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا» ٱعملوا بما فيه ولا تجاوِزوه. والإنصات السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة. أنْصَت يُنصت إنصاتاً؛ وَنَصت أيضاً؛ قال الشاعر:شعر : قال الإمامُ عليكم أمْرَ سيّدكم فلم نُخالف وأنصتنا كما قالا تفسير : ويُقال: أنصتوه وأنصتوا له: قال الشاعر:شعر : إذا قالتْ حَذامِ فأنْصِتوها فإنّ القولَ ما قالت حَذامِ تفسير : وقال بعضهم في قوله «فَاسْتَمِعُوا لهُ وَأَنْصِتُوا»: كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصاً لِيَعيَه عنه أصحابه. قلت: هذا فيه بعدٌ، والصحيح القول بالعموم؛ لقوله: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} والتخصيص يحتاج إلى دليل. وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له: إن المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تَعَنُّتاً وعناداً؛ على ما حكاه الله عنهم: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}. فأمر الله المسلمين حالة أداء الوَحْي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا، ومدح الجنَّ على ذلك فقال: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [الأحقاف: 29] الآية. وقال محمد بن كعب القُرَظِيّ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصَّلاة أجابه مَن وراءَه؛ إذا قال: بسم الله الرّحمٰن الرّحيم، قالوا مثل قوله، حتى يقضيَ فاتحة الكتاب والسُّورة. فلبِث بذلك ما شاء الله أن يلبث؛ فنزل: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} فأنْصَتُوا. وهذا يدل على أن المعنى بالإنصات تركُ الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي وهم في الصَّلاة فيسألهم كم صلّيتم، كم بَقِي؛ فأنزل الله تعالىٰ: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}. وعن مجاهد أيضاً: كانوا يتكلمون في الصَّلاة بحاجتهم؛ فنزل قوله تعالىٰ: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. وقد مضى في الفاتحة الاختلاف في قراءة المأموم خلف الإمام. ويأتي في «الجمعة» حكم الخطبة، إن شاء الله تعالىٰ.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الإِمام والإِنصات له. وظاهر اللفظ يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقاً، وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة. واحتج به من لا يرى وجوب القراءة على المأموم وهو ضعيف.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس، وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاماً له واحتراماً، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَٱلْغَوْاْ} تفسير : [فصلت: 26] الآية، ولكن يتأكد ذلك من الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» تفسير : وكذا رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة أيضاً، وصححه مسلم بن الحجاج أيضاً، ولم يخرجه في كتابه، وقال إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي عياض عن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} والآية الأخرى، أمروا بالإنصات. قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن المسيب بن رافع قال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن { وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. وقال أيضاً: حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي عن داود بن أبي هند عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود، فسمع ناساً يقرؤون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} كما أمركم الله، قال: وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص عن أشعث عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئاً قرأه، فنزلت: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن من حديث الزهري عن أبي أكيمة الليثي عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «حديث : هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟» تفسير : قال رجل: نعم يا رسول الله قال: «حديث : إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟» تفسير : قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه أبو حاتم الرازي. وقال عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري: قال: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام، وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرؤون فيما لا يجهر به سراً في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سراً ولا علانية، فإن الله تعالى قال: { وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} قلت: هذا مذهب طائفة من العلماء أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام، لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعية، وهو القديم كمذهب مالك ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلاً في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث: «حديث : من كان له إمام فقراءته قراءة له» تفسير : وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعاً، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان عن جابر موقوفاً، وهذا أصح، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع، وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفاً على حدة، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضاً، والله أعلم. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} يعني: في الصلاة المفروضة، وكذا روي عن عبد الله بن المغفل. وقال ابن جرير: حدثنا حميد بن مسعدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر، وتستوجبان الموعود؟ قال: فنظرا إلي ثم أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت فنظرا إليّ، وأقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثالثة قال: فنظرا إلي، فقالا: إنما ذلك في الصلاة {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} وكذا قال سفيان الثوري عن أبي هشام إسماعيل بن كثير عن مجاهد في قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} قال: في الصلاة، وكذا رواه غير واحد عن مجاهد. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم، وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة والشعبي والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: إن المراد بذلك في الصلاة. وقال شعبة عن منصور: سمعت إبراهيم بن أبي حمزة يحدث: أنه سمع مجاهداً يقول في هذه الآية {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} قال: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وكذا روى ابن جريج عن عطاء مثله، وقال هشيم عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال: في الصلاة وعند الذكر. وقال ابن المبارك عن بقية: سمعت ثابت بن عجلان يقول: سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة، وهذا اختيار ابن جرير أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة. وقال عبد الرزاق عن الثوري عن ليث عن مجاهد: أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئاً، قال: السكوت. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة» تفسير : تفرد به الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ } عن الكلام {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } نزلت في ترك الكلام في الخطبة وعبَّر عنها بالقرآن لاشتمالها عليه، وقيل في قراءة القرآن مطلقاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْءَآنُ فِاسْتَمِعُوا لَهُ} أي لقراءته. {وَأَنصِتُواْ} أي لا تقابلوه بكلام ولا إعراض {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. واختلفوا في موضع هذا الإنصات على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها نزلت في المأموم خلف الإمام ينصت ولا يقرأ، قاله مجاهد. والثاني: أنها نزلت في خطبة الجمعة ينصت الحاضر لاستماعها ولا يتكلم، قالته عائشة، وعطاء. والثالث: ما قاله ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، سلام على فلان، سلام على فلان، فجاء القرآن من {وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}.
ابن عطية
تفسير : ذكر الطبري وغيره أن سبب هذه الآية هو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا بمكة يتكلمون في المكتوبة بحوائجهم ويصيحون عند آيات الرحمة والعذاب ويقول أحدهم إذا أتاهم صليتم؟ وكم بقي؟ فيخبرونه ونحو هذا، فنزلت الآية أمراً لهم بالاستماع والإنصات في الصلاة، وأما قول من قال إنها في الخطبة فضعيف، لأن الآية مكية، والخطبة لم تكن إلا بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، وكذلك ما ذكر الزهراوي أنها نزلت بسبب فتى من الأنصار كان يقرأ في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، فأما الاستماع والإنصات عن الكلام في الصلاة فإجماع، وأما الإمساك والإنصات عن القراءة فقالت فرقة: يمسك المأموم عن القراءة جملة قرأ الإمام جهراً أو سراً، وقالت فرقة: يقرأ المأموم إذا أسر الإمام ويمسك إذا جهر، وقالت فرقة: يمسك المأموم في جهر الإمام عن قراءة السورة ويقرأ فاتحة الكتاب. قال القاضي أبو محمد: ومع هذا القول أحاديث صحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الآية واجبة الحكم في الصلاة أن ينصت عن الحديث وما عدا القراءة واجبة الحكم أيضاً في الخطبة من السنة لا من هذه الآية، ويجب من الآية الإنصات إذا قرأ الخطيب القرآن أثناء الخطبة وحكم هذه الآية في غير الصلاة على الندب أعني في نفس الإنصات والاستماع إذا سمع الإنسان قراءة كتاب الله عز وجل، وأما ما تتضمنه الألفاظ وتعطيه من توقير القرآن وتعظيمه فواجب في كل حالة، والإنصات السكوت، و {لعلكم} على ترجي البشر. قال القاضي أبو محمد: ولم نستوعب اختلاف العلماء في القراءة خلف الإمام، إذ ألفاظ الآية لا تعرض لذلك، لكن لما عن ذلك في ذكر السبب ذكرنا منه نبذة، وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أنه قال في قوله عز وجل {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول جمع فيه ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات، قال الزجّاج: ويجوز أن يكون {فاستمعوا له وأنصتوا} اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه. وقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك} الآية، مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم تعم جميع أمته وهو أمر من الله عز وجل بذكره وتسبيحه وتقديسه والثناء عليه بمحامده، والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس ولا يراعى إلا بحركة اللسان، ويدل على ذلك من هذه الآية قوله: {ودون الجهر من القول} فهذه مرتبة السر والمخافتة باللفظ، و {تضرعاً} معناه تذللاً وخضوعاً، {خيفة} أصلها خوفة بدلت الواو ياء لأجل الكسرة التي تقدمتها، وقوله {بالغدو والآصال} معناه دأباً وفي كل يوم وفي أطراف النهار، وقالت فرقة هذه الآية كانت في صلاة المسلمين قبل فرض الصلوات الخمس، وقال قتادة: "الغدو" صلاة الصبح و {الآصال} صلاة العصر, و {الآصال} جمع أصل والأصل جميع أصيل وهو العشيّ وقيل {الآصال} جمع أصيل دون توسط كإيمانٍ جمع يمين و "آصال" أيضاً جمع أصاييل فهو جمع جمع الجمع، وقرأ أبو مجلز "والإيصال" مصدر كالإصباح والإمساء، ومعناه إذا دخلت في الأصيل وفي الطبري قال أبو وائل لغلامه هل أصلنا بعد؟ {ولا تكن من الغافلين} تنبيه، ولما قال الله عز وجل {ولا تكن من الغافلين} جعل بعد ذلك مثالاً من اجتهاد الملائكة ليبعث على الجد في طاعة الله عز وجل، وقوله {الذين} يريد الملائكة، وقوله {عند} إنما يريد في المنزلة والتشريف والقرب في المكانة لا في المكان، فهم بذلك عنده، ثم وصف تعالى حالهم من تواضعهم وإدمانهم للعبادة والتسبيح والسجود، وفي الحديث: حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد تفسير : وهذا موضع سجدة، قال النخعي في كتاب النقاش: إن شئت ركعت وإن شئت سجدت.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَاسْتَمِعُواْ لَهُ} لا تقابلوه بكلام ولا اعتراض، نزلت في المأموم ينصت ولا يقرأ، أو في الإنصات لخطبة الجمعة، أو نسخت جواز الكلام في الصلاة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} الآية. لمَّا عظَّم شأن القرآن بقوله: "هَذَا بصائرُ" أردفهُ بقوله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ}. قوله له متعلقٌ بـ: استَمِعُوا على معنى لأجله، والضمير للقرآن، وقال أبو البقاءِ: يجوزُ أن يكون بمعنى للَّه، أي لأجله فأعاد الضمير على الله وفيه بعدٌ، وجوَّز أيضاً أن تكون اللام زائدةً: أي فاستمعُوهُ، وقد تقدَّم أنَّ هذا لا يجوزُ عند الجمهور إلا في موضعين إمَّا تقديم المعمولِ، أو كون العامل فرعاً، وجوَّز أيضاً أن تكون بمعنى إلى، ولا حاجة إليه. قوله "وأنصتُوا" الإنصاتُ: السُّكوت للاستماعِ. قال الكميتُ: [الطويل] شعر : 2666 - أبُوكَ الذي أجْدَى عَلَيَّ بِنصْرِهِ فأنْصَتَ عَنِّي بعده كُلَّ قَائِلِ تفسير : قال الفراء: ويقال: نصت وأنصت بمعنى واحدٍ، وقد جاء أنْصَت متعديًّا. فصل فقوله: {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} أمرٌ، وظاهر الأمر للوجوب، فيقتضي أن يكون الاستماعُ والسكوتُ واجباً ولعله يجوز أن تكون بحسب المخاطبين، وأن تكون للتعليل وفيه أقوال. أحدها: قال الحسنُ وأهلُ الظاهر: يجب الاستماعُ والإنصات لكل قارىء، سواء كان معلم صبيان أو قارىء طريق. الثاني: تحريم الكلام في الصَّلاة. قال أبو هريرة: كانوا يتكلَّمون في الصَّلاة فنزلت هذه الآية، فأمروا بالإنصات. وقال قتادةُ: كان الرَّجُلُ يأتي وهُم في الصَّلاةِ، فيسألهم: كم صلَّيتم وكم بقي؟ وكانُوا يتكلَّمون في الصَّلاةِ بحوائجهم فأنزل اللَّهُ هذه الآية. الثالث: نزلت في ترك الجَهْر بالقراءة وراء الإمام. قال ابنُ عبَّاسٍ: قرأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الصَّلاة المكتوبةِ، وقرأ أصحابه وراءهُ رافعينَ أصواتهم؛ فخلطوا عليهم فنزلت هذه الآية، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الكلبيُّ: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، وعن ابن مسعود أنَّهُ سمع ناساً يقرءون مع الإمام فلمَّا انصرف، قال: أما آن لكم أن تفقهوا "وإذا قُرِىء فاستَمِعُوا لهُ وأنْصِتُوا" وهو قول الحسن والزهري والنخعي وقال سعيد بن جبير، وعطاء، ومجاهد: إنَّ الآية في الخطبة، أمروا بالإنصات لخطبة الإمام يوم الجمعة، وهذا بعيدٌ لأنَّ الآية مكَّية والجمعة وجبت بالمدينة. فصل اختلفوا في القراءة خلف الإمام في الصَّلاة، فروي عن عمر، وعثمان، وعليِّ، وابن عباسٍ ومعاذ، وجوب القراءة سواء جهر الإمامُ بالقراءة أو أسرَّ، وهو قول الأوزاعي، والشافعي؛ وروي عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد: أنَّ المأموم يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ إذا جهر، وبه قال الزهري: ومالك، وابن المبارك، وأحمد وإسحاق، وروي عن جابر أنَّ المأموم لا يقرأ سواء أسر الإمام أم جهر، وبه قال الثَّوري، وأصحابُ الرأي، وتمسك من لا يرى القراءة خلف الإمام بظاهر هذه الآية، ومن أوجبها قال: الآية في غير الفاتحةِ، ويقرأ الفاتحة في سكتاتِ الإمام ولا ينازعُ الإمام في القراءة. قوله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} الآية. قال ابن عباس: يعني بالذِّكر: القراءة في الصلاة، يريد يقرأ سراً في نفسه. قوله "تَضَرُّعاً وخيفَةً" في نصبهما وجهان: أظهرهما: أنَّهُمَا مفعولان من أجلهما، لأنَّهُ يتسببُ عنهما الذِّكر. والثاني: أن ينتصبا على المصدر الواقع موقع الحال، أي: مُتضرعين خائفين، أو ذوي تضرع وخيفة. وقرىء "وخفيَةً" بتقديم الفاءِ، وقيل: هما مصدران للفعل من معناه لا من لفظه ذكره أبو البقاءِ. وهو بعيدٌ. قوله: "ودُونَ الجَهْرِ" قال أبُو البقاءِ: معطوف على تَضَرُّع، والتقديرُ، ومقتصدين. وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ دُونَ ظرفٌ لا يتصرَّف على المشهور، قال فالذي ينبغي أن يجعل صفة لشيء محذوف ذلك المحذوف هو الحال، كما قدَّرهُ الزمخشري فقال: ودُونَ الجهْرِ ومتكلماً كلاماً دُونَ الجهْرِ، لأنَّ الإخفاء أدخلُ في الإخلاص، وأقربُ إلى حسن التفكر. فصل معنى تضرُّعاً وخيفَةً أي: تتضرَّعُ إليَّ وتخافُ منِّي، هذا في صلاة السِّر وقوله ودُونَ الجهْرِ أرادَ في صلاة الجهرِ لا تَجْهَر جَهْراً شديداً، بل في خفضٍ وسُكونٍ تُسمعُ من خلفك. وقال مجاهدٌ وابن جريجٍ: أمروا أن يذكروه في الصدورِ بالتضرع في الدُّعاء والاستكانة دون رفع الصوت والصياح في الدعاء. قوله بالغُدُوِّ والآصالِ متعلق بـ: اذْكُر أي: اذكُرْهُ في هذين الوقتين وهما عبارةٌ عن اللَّيل والنَّهارِ. ومعناهما: البكرات والعشيَّات. وقال أبُو البقاءِ: بالغُدُوِّ متعلق بـ: ادعُو وهو سبقُ لسانٍ، أو قلم، إذ ليس نظمُ القرآن كذا، والغُدُوُّ: إما جمع غدوة، كـ: قمح وقمحة، وعلى هذا فيكون قد قابل الجمع بالجمع المعنوي. وقيل هو مصدرٌ، قال تعالى: {أية : غُدُوُّهَا شَهْرٌ}تفسير : [سبأ: 12] فيقدَّرُ زمانٌ مضاف إليه حتَّى يتقابل زمان مجموع بمثله تقديره: بأوقات الغدو، والآصال جمع: أصُل، وأصُل جمع: أصيل، فهو جمع الجمع ولا جائزٌ أن يكون جمعاً لـ: أصِيل، لأنَّ فعيلاً، لا يجمع على أفعال وقيل: هو جمعٌ لـ: أصِيل، وفَعِيلٌ يجمع على أفْعَال نحو: يَمِينٌ وأيمانٌ، وقيل: آصال جمع لـ: أصُل، وأصُل مفرد، ثبت ذلك من لغتهم، وهو العَشِيُّ وفُعُل يجمع على "أفْعَال" قالوا: عُنُق وأعْنَاق، وعلى هذا فلا حاجة إلى دَعْوَى أنَّه جمعُ الجمع، ويجمعُ على "أصْلان" كـ: رغيفٍ ورُغْفَان، ويُصَغَّر على لفظه؛ كقوله: [البسيط] شعر : 2667 - وقَفْتُ فيهَا أصَيْلاناً أسَائِلُهَا عَيَّتْ جواباً وما بالرَّبْعِ مِنْ أحَدِ تفسير : واستدلَّ الكوفيُّون بقولهم: أصيلان على جواز تصغير جمع الكثرةِ بهذا البيت، وتأوَّلَهُ البصريُّون على أنَّه مفرد، وتُبْدَل نونه لاماً. ويروى أصيلاً كَيْ. وقرأ أبو مجلز واسمه: لاحقُ بنُ حُميدٍ السدوسيُّ البصري: والإيصَال مصدرُ: آصَلَ أي: دَخَلَ في الأصيلِ، والأصيلُ: ما بين العصر والمغرب. ثمَّ قال تعالى {وَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} والمرادُ منه أنَّ العبد يجبُ أن يكون ذاكراً لِلَّهِ تعالى في كلِّ الأوقات لأنه حثّه على الذكرِ الغدوات وبالعشيات ثم عمَّمَ بقوله: {وَلاَ تَكُن مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} يعني أنَّ الذكر القلبي يجب أن يكون دائماً، وأن لا يغفل الإنسانُ عنه لحظةً واحدةً بحسب الإمكان. قوله: {إنَّ الذين عند ربِّك} يعني الملائكة المُقرَّبين: "لا يسْتكبرُونَ" لا يتكبَّرُون عن عبادته. لمَّا رغَّب رسولهُ في الذِّكر ذكر عُقيبه ما يُقوِّي دواعيه فقال: {إنَّ الذينَ عند ربِّكَ} أي أنَّ الملائكة مع نهاية شرفهم وغاية طهارتهم وبراءتهم من بواعثِ الشَّهوَةِ والغضب، والحقدِ، والحسدِ، مُواظبُونَ على العبوديَّة والسُّجودِ، والخُضُوعِ، فالإنسانُ المُبتَلَى بظلمات عالم الجسمانيات ومستعداً للذات البشرية أوْلَى بالمُواظبةِ على الطَّاعةِ، والمرادُ بالعندية القرب بالشَّرف واستدلُّوا بهذه الآية على أنَّ الملائكة أفضلُ من البشرِ، لأنَّهُ تعالى لمَّا أمر رسولهُ بالعبادة والذكر قال: {إنَّ الذين عند ربِّك لا يستكبرُون عن عبادتِهِ} أي: فأنت أحقّ وأولَى بالعبادِة، وهذا إنَّما يصحُّ إذا كانت الملائكةُ أفضل منه. قوله: "ويُسَبِّحُونهُ" أي: يُنزِّهُونه ويقولون سبحان الله: "ولهُ يَسجُدُون". فإن قيل كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ}تفسير : [الحجر: 31،30] والمراد أنهم سجدوا لآدم؟ فالجوابُ: قال بعضُ العلماءِ: الذين سجدُوا لآدم - عليه السلامُ - ملائكة الأرض، وأمَّا ملائكة السَّموات فلا، وقيل: إنَّ قوله "ولهُ يسجُدُون" يفيدُ أنَّهم ما سجدُوا لغيرِ اللَّهِ بهذا العمومِ، وقوله: فسجدُوا لآدم خاص والخاصُّ مقدمٌ على العام. فصل روى أبُو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قَرَأ ابنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فسجد اعتزلَ الشيطانُ يبكي يقول يا ويلهُ! أمر ابنُ آدمَ بالسجُودِ فسجد فلهُ الجنَّةُ وأمِرْتُ بالسُّجُود فعصيْت فلِيَ النَّارُ ". تفسير : وعن معدان قال: حديث : سألتُ ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: حَدِّثني حديثاً ينفعني اللَّهُ به. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سجدةً إلاَّ رفعهُ اللَّهُ بها درجةً وحطَّ عنهُ بها خطيئةً . تفسير : وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : مَنْ قَرَأ سُورة الأعرافِ جعل الله بينهُ وبين إبليسَ سِتْراً وكانَ آدمُ شَفِيعاً لهُ يَوْمَ القيامةِ قَرِيباً منهُ ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة في قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: نزلت في رفع الأصوات، وهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} يعني في الصلاة المفروضة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: صلّى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ خلفه قوم، فنزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن قالوا مثل ما يقول حتى تنقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم نزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا...} الآية. فقرأ وأنصتوا. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأنزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا...} الآية. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبد الله بن مغفل أنه سئل أَكُلُّ من سمع القرآن يُقْرَأْ وجب عليه الاستماع والإِنصات؟ قال: لا. قال: إنما نزلت هذه الآية {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} في قراءة الإِمام، إذا قرأ الإِمام فاستمع له وأنصت. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن مسعود. أنه صلى بأصحابه فسمع ناساً يقرأون خلفه، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا، أما آن لكم أن تعقلوا {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} كما أمركم الله. وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قال في القراءة خلف الإِمام: انصت للقرآن كما أُمرت فإن في الصلاة شغلاً وسيكفيك ذاك الإِمام. وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: من قرأ خلف الإِمام فقد أخطأ الفطرة. وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن ثابت قال: لا قراءة خلف الإِمام. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فانصتوا ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان له إمام فقراءته له قراءة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم قال: أول ما أحدثوا القراءة خلف الإِمام، وكانوا لا يقرأون. وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئاً قرأه، فنزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي العالية "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى بأصحابه فقرأ قرأ أصحابه خلفه، فنزلت هذه الآية {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} فسكت القوم وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم". وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر قال: كانت بنو إسرائيل إذا قرأت أئمتهم جاوبوهم، فكره الله ذلك لهذه الأمة، قال {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} . وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ورجل يقرأ، فنزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} . وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن طلحة بن مصرف في قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: ليس هؤلاء بالأئمة الذين أمرنا بالإِنصات لهم. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فنزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود "أنه سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فلم يرد عليه - وكان الرجل قبل ذلك يتكلم في صلاته ويأمر بحاجته - فلما فرغ رد عليه، وقال: إن الله يفعل ما يشاء وإنها نزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ". وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة، فجاء القرآن {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} . وأخرج ابن مردويه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن مغفل قال: كان الناس يتكلمون في الصلاة، فأنزل الله هذه الآية {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن الكلام في الصلاة. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عطاء قال: بلغني أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة كما يتكلم اليهود والنصارى حتى نزلت {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة أول ما أمروا بها، كان الرجل يجيء وهم في الصلاة فيقول لصاحبه: كم صليتم؟ فيقول: كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} فأمروا بالاستماع والإِنصات، علم أن الإِنصات هو أحرى أن يستمع العبد ويعيه ويحفظه، علم أن لن يفقهوا حتى ينصتوا، والإِنصات باللسان والاستماع بالأذنين. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: كانوا يتكلمون في الصلاة، فأنزل الله {وإذا قرئ القرآن...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له} قال: نزلت في صلاة الجمعة، وفي صلاة العيدين، وفيما جهر به من القراءة في الصلاة. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: المؤمن في سعة من الاستماع إليه إلا في صلاة الجمعة، وفي صلاة العيدين، وفيما جهر به من القراءة في الصلاة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: نزلت في رفع الأصوات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وفي الخطبة لأنها صلاة، وقال: من تكلم يوم الجمعة والإِمام يخطب فلا صلاة له. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في هذه الآية {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: هذا في الصلاة، والخطبة يوم الجمعة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: وجب الإِنصات في اثنتين، في الصلاة والإِمام يقرأ، ويوم الجمعة والإِمام يخطب. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ما أوجب الإِنصات يوم الجمعة؟ قال: قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: ذاك زعموا في الصلاة وفي الجمعة؟ قلت: والإِنصات يوم الجمعة كالإِنصات في القراءة سواء. قال: نعم. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} قال: عند الصلاة المكتوبة، وعند الذكر. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن الكلبي قال: كانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حين يسمعون ذكر الجنة والنار، فأنزل الله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له.....} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له...} الآية. قال: في الصلاة، وحين ينزل الوحي عن الله عز وجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد. أنه كره إذا مر الإِمام بآية خوف أو آية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئاً قال: السكوت. وأخرج أبو الشيخ عن عثمان بن زائدة. أنه كان إذا قرئ عليه القرآن غطى وجهه بثوبه، ويتأوّل من ذلك قول الله {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} فيكره أن يشغل بصره وشيئاً من جوارحه بغير استماع. وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن أبي هريرة. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة ".
ابو السعود
تفسير : {وَإِذَا قُرِىء ٱلْقُرْءانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} إرشادٌ إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلةِ التي ينطوي عليها القرآن، أي وإذا قرىء القرآنُ الذي ذُكرت شؤونُه العظيمةُ فاستمعوا له استماعَ تحقيقٍ وقَبول {وَأَنصِتُواْ} أي واسكُتوا في خلال القراءةِ وراعوها إلى انقضائها تعظيماً له وتكميلاً للاستماع {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي تفوزون بالرحمة التي هي أقصى ثمراتِه. وظاهرُ النظم الكريمِ يقتضي وجوبَ الاستماعِ والإنصاتِ عند قراءةِ القرآن في الصلاة وغيرِها وقيل: معناه إذا تلا عليكم الرسولُ القرآنَ عند نزولِه فاستمعوا له وجمهورُ الصحابة رضي الله تعالى عنهم على أنه في استماع المؤتمِّ، وقد روي أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فأُمروا باستماع قراءةِ الإمامِ والإنصاتِ له. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبـي صلى الله عليه وسلم قرأ في المكتوبة وقرأ أصحابُه خلفه فنزلت وأما خارج الصلاة فعامةُ العلماءِ على استحبابهما والآيةُ إما من تمام القولِ المأمورِ به أو استئنافٌ من جهته تعالى. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} على الأول عطفٌ على قل وعلى الثاني فيه تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام في الأذكار كافةً فإن الإخفاءَ أدخلُ في الإخلاص وأقربُ من الإجابة {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} أي متضرعاً وخائفاً {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} أي ومتكلماً كلاماً دون الجهر فإنه أقرب إلى حسن التفكر {بِٱلْغُدُوّ وَٱلاْصَالِ} متعلقٌ باذكر أي اذكره في وقت الغُدوات والعشيات وقرىء والإيصال وهو مصدر آصَلَ أي دخل في الآصيل موافقٌ للغدو {وَلاَ تَكُنْ مّنَ ٱلْغَـٰفِلِينَ} عن ذكر الله تعالى {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ} وهم الملائكةُ عليهم السلام ومعنى كونِهم عنده سبحانه وتعالى قربُهم من رحمته وفضلِه لتوفرهم على طاعته تعالى {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} بل يؤدونها حسبما أمروا به {وَيُسَبّحُونَهُ} أي ينزّهونه عن كل ما لا يليق بجناب كبريائه {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} أي يخُصّونه بغاية العبوديةِ والتذللِ لا يشركون به شيئاً وهو تعريضٌ بسائر المكلفين ولذلك شُرع السجود عند قراءته. عن النبـي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا قرأ ابنُ آدمَ آيةَ السجدة فسجد اعتزل الشيطانُ يبكي فيقول: يا ويله أُمر هذا بالسجود فسجد فله الجنةُ، وأُمرت بالسجود فعصَيت فلي النار تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : من قرأ سورةَ الأعرافِ جعل الله تعالى يوم القيامة بـينه وبـين إبليسَ ستراً وكان آدمُ عليه السلام شفيعاً له يوم القيامة«
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [الآية: 204]. قيل: فيه استمعوا له بآذانكم لعلكم تسمعون بقلوبكم وتفهمون مراد مخاطبة الحق إياكم، وتأدبوا بلطائف مواعظه فيوصلكم حسن الأدب إلى استماع، وبركة الخطاب إلى رحمته وهو أن يرزقكم آداب خدمته كما رزقكم سنن شريعته وأجل رحمةٍ رحم الله بها عباده آداب العبودية التى خص الله بها الأكابر من الأصفياء والسادات من الأولياء. وقيل فى قوله: {وَأَنصِتُواْ} أى من آداب الاستماع الإنصات والاشتغال، بما يبدو من بركات السماع دون طلب حظٍ فيه بحالٍ.
القشيري
تفسير : اسْتَمِعُوا بسمعِ الإيمان والتصديق، وأنْصِتوا (بصون) الخواطر عن معارضات الاعتراض، ومطالبات الاستكشاف. ومن باشرَ التحقيقُ سِرَّه لازم التصديق قلبَه. والإنصات - في الظاهر - من آداب أهل الباب، والإنصات - بالسرائر - من آداب أهل البِساط، قال الله تعالى في نعت تواصي الجنِّ بعضهم لبعض عند شهود الرسول صلى الله عليه وسلم {أية : فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوۤاْ أَنصِتُواْ}تفسير : [الأحقاف: 29]؛ فإذا كان الحضور إلى الواسطة عليه السلام يوجب هذه الهيبة فلزومُ الهيبة وحفظُ الأدب عند حضور القلب بشهود الربِّ أولى وأَحَق، قال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}تفسير : [طه: 108].
البقلي
تفسير : {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ندب الحق سبحانه الجميع ان يسمعوا القرأن بقلوب حاضرة ونيات صادقة وسرار ظاهرة عند سكونهم من الفضولات لو قار القرأن فاذا راهم الحق فى منازل وقال الخطاب وحرمات الامر يتفضل عليهم بكشف اسراره لقلوبهم ويذوق طعم خطابه اسرارهم ويعرفهم نكات اشاراته اللطيفة وانبائه العجيبة والحكمة الغربية فمن يرى مواقع اسراره بانوراه ويسمع بالله كلام الله صار القران بصائره يرى به جميع الصفات ومشاهدة الذات قال تعالى هذا بصاير من ربكم ولعل ههنا توجيه للمستمعين كلامه بالادب والسكون اى اذا كنتم كذلك لعلكم تكاشفون باسراره وانواره ومواجيد قيل فيه استمعوا له باذانكم لعلكم تسمعون بقلوبكم وتفهمون مراد مخطابة الحق اياكم وتتادبون بلطفائف مواعظ فيوصلكم حسن ادب الاستماع وبركة الخطاب الى رحمته وهو ان يرزقكم اداب خدمته كما رزقكم سنن شريعته واجل رحمة رحم الله بها عباده اداب اهل الباب والانصات بالسرائر من اداب اهل البساط ثم امر نبيه عليه السلام بان يذكره بجلاله وعظمته فى نفسه بقوله {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} حتى نفسك فى نفسى ولا يبقى فيك الا نفسى لاذعانك بنعت العبودية فى ساحة كبريائى بنعت رؤية جلالى حيث لا ترى غيرى هذا معنى قوله {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} وايضا وذكر ربك باوصافه فى نفسك كانها تحمل اثقال اسرار قدمى لا غيرها من النفوس وايضا وصل الذكر بالنفس لان القلب موضع المذكور وقال الحسين فى هذه الأية لا تظهر ذكرك لنفسك فتطلب به عضوا واشرف الذكر ما لا يشرف عليه الا الحق وما خفى من الا ذكار اشرف مما ظهر قوله تعالى {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} اى لا يكن مشغولا بنا عنا ولا ممن بقى فى رؤية العطاء عن المعطى امر تعالى نبيه عليه السلام بحفظ الانفاس عن خطرات الوساوس وجمع الهمة عن طارق الغفلة اى اذكرنى بى لابك وان من ذكرنى بنفسه غفل على من ذكر بى اخذه من الذكر والفكر واكشف جمالى له حتى يصل بى الى قال سهل حقا اقولكم لا باطلا ويقينا الاشكال ما من احد ذهب منه نفس واحدة بيغر ذكر الا وهو غافل وقيل الغافل من غفل عن مراد الله فيه وقيل الغافل الذى غفل عن درك حقائق الامور قال الاستاد فى معنى التضرع والخيفة التضرع اذا كوشف بوصف الكمال فة اوانى البسط والخيفة اذا كوشف بنعت الجلال فى احوال الهيبة وهذا الاكابر فاما من دونهم فيتنوع احوالهم من حيث الخوف والرجاء والرغبة والربهة من فوق الجمع فاصحاب البقاء والفناء والصحو والمحور وراءهم ارباب الحقائق مثبتون فى اوطان التمكين فلا تلون لهم ولا تخنس لقيامهم بالحق وامتحانهم عن شواهدهم ثم وصف الله كرام العارفين من الكروبين والمقربين انهم فى محل العنيدة مقدسون عن شوائب نعوت الوائغين وصفات المتكبرين بل هم موسون بمساة العبودية فى محاضر الربوبية بقوله {ِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} هم فى نعوت العبودية عند بروز سطوات العظمة الفناء بشرط التنزيه فى ظهور قدس القدم بتملقين بنعت البهتة فى كشوف جمال الازلية سبحان الذى حجبهم به عنهم ولولا ذلك لا حترقوا به فيه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: {وإذا قُرىء القرآنُ}، مطلقًا، {فاستمعوا له وأنصتُوا}؛ لكي تعتبروا وتتدبروا، فإنما نزل لذلك، وهل على الوجوب أو الاستحباب ـ وهو الراجح؟ قولان: وقيل: الاستماع المأمور به لقراءة الإمام في الصلاة، وقيل: في الخطبة، والأول الراجح، لوجهين: أحدهما: عموم اللفظ، ولا دليل على تخصيصه، والثاني: أن الآية مكيّة، والخطبة إنما شُرعت بالمدينة، وقوله تعالى: {لعلكم تُرحمون} أي: بسبب ما تكتسبه القلوب من الرقة والخشية عند استماع القرآن، قال بعضهم: الرحمة أقرب شيء إلى مستمع القرآن؛ لهذه الآية. قاله ابن جزي. الإشارة: الاستماع لكلام الحبيب أشهى للقلوب من كل حبيب، لا سيما لمن سمعه بلا واسطة، فكل واحد ينال من لذة الكلام على قدر حضوره مع المتكلم، وكل واحد ينال من لذة شهود المتكلم على قدر الحجاب عن المستمع، والله تعالى أعلم. ثم أمر بالذكر القلبي. فقال: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً}.
الطوسي
تفسير : امر الله تعالى المكلفين بأنه إذا قرئ القرآن ان يسمعوا له ويصغوا إليه ليفهموا معانيه ويعتبروا بمواعظه وان ينصتوا لتلاوته ويتدبروه ولا يلغوا فيه ليرحمهم بذلك ربهم، وباعتبارهم به وإتعاضهم بمواعظه. واختلفوا في الوقت الذي أمروا بالانصات والاستماع: فقال قوم: امروا حال كون المصلي في الصلاة خلف الامام الذي يأتم به. وهو يسمع قراءة الامام، فعليه أن ينصت ولا يقرأ ويتسمع لقراءته. ومنهم من قال: لأنهم كانوا يتكلمون في صلاتهم ويسلم بعضهم على بعض، وإذا دخل داخل وهم في الصلاة قال لهم كم صليتم فيخبرونه وكان مباحاً فنسخ ذلك، ذهب اليه عبد الله بن مسعود، وأبو هريرة والزهري وعطا عبيد الله بن أبي عمير ومجاهد وقتادة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والضحاك وابراهيم وعامر الشعبي وابن عباس وابن زيد، واختاره الجبائي. وقال قوم: هو امر بالانصات للامام إذا قرأ القرآن في خطبته. روي ذلك عن مجاهد. وقال قوم: هو امر بذلك في الصلاة والخطبة. وروي ذلك عن مجاهد ايضاً، والحسن. واقوى الأقوال الاول. لأنه لا حال يجب فيها الانصات لقراءة القرآن إلا حال قراءة الامام في الصلاة، فان على المأموم الانصات لذلك والاستماع له. فأما خارج الصلاة فلا خلاف أنه لا يجب الانصات والاستماع. وعن أبى عبد الله عليه السلام انه في حال الصلات وغيرها. وذلك على وجه الاستحباب. وقال الجبائي: يحتمل ان يكون اراد الاستماع إذا قرأ النبي صلى الله عليه وآله عليهم ذلك، فانه كان فيهم من المنافقين من لا يستمع. والاول اكثر فائدة وأعم. وقال الزجاج: يجوز أن يكون الأمر بالاستماع للقرآن للعمل بما فيه وان لا يتجاوزه كما تقول سمع الله لمن حمده بمعنى أجاب الله دعاه، لأن الله سميع عليم. والانصات السكوت مع الاستماع، قال الطرماح يصف وحشاً، وحذرها الصيادين: شعر : يخافتن بعض المضغ من خشية الردى وينصتن للسمع إنصات القناقن تفسير : والقناقن عراف الماء.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} يعنى اذا قرأ الامام الموثوق به فى الصّلاة القرآن اى الحمد والسّورة وانتم مؤتمّون به كما فى بعض الاخبار، او اذا قرأ الامام موثوقاً به او غير موثوق به فى الصّلاة وانتم مؤتموّن به، او اذا قرئ القرآن مطلقاً سواء كان القارى اماماً او غيرا امام وسواء كنتم مؤتمّين او غير مؤتمّين، وسواء كان القارى مصلّياً او غير مصلٍّ، وسواء كنتم مصلّين او غير مصلّين كما فى بعض الاخبار، ووجه الجمع بين الاخبار المبالغة فى وجوب انصات المستمع فى الصّلاة مؤتّماً حال كون القارى اماماً موثوقاً به وعدم المبالغة فى الوجوب فى غير الصّورة المذكورة، او الوجوب فى الصّورة المذكورة والاستحباب فى غير الصّورة المذكورة كما عليه اصحاب الفتيا، ووجه اختلاف الاخبار فى باب من ائتمّ بالمخالف بالنّهى عن القراءة والامر به اختلاف احوال الاشخاص فى امكان اخفاء القراءة عن المخالفين وعدمه {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَٱذْكُر رَّبَّكَ} المضاف او المطلق عطف على قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يِوحَىٰ إِلَيَّ}، او مستأنفٌ والامر له (ص) بحيث يشمل امّته او الخطاب عامّ ويصحّ عطفه على استمعوا او على استعذ بالله، او على خذ العفو {فِي نَفْسِكَ} يعنى دون لسانك فانّه المتبادر، ومقتضى المقابلة مع قوله ودون الجهر من القول، وهو اشارة الى الّذكر الخفىّ الّذى هو مصطلح الصّوفيّة ولذا قدّمه والمراد بالّذكر اعمّ من الّذكر النّقشىّ المثالىّ المأخوذ عن ولىّ الامر ومن الّذكر التّمثالىّ المثاليّ الّذى يعبّر عنه بالفكر والحضور، هو تصوّر مثال الشّيخ عند الّذاكر وهو أبلغ فى الّذكر من النّقشىّ المثالىّ وهو ابلغ من اللّسانىّ الغير المجهور وهو أبلغ من المجهور، ويجوز ان يراد بالّذكر فى النّفس مطلق تذكّر الرّبّ او تذكّر امره ونهيه عند كلّ فعالٍ، وقد سبق تفصيل الذّكر واقسامه وفضيلة كلّ قسم منه فى اوّل البقرة عند قوله فاذكروني اذكّركم {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} ذكر تضّرعٍ او مصدران من غير لفظ الفعل على ان يكون المراد من كلّ من التّضرّع والخيفة احد انواع الّذكر او متضرّعاً وخائفاً، ويحتمل ان يكون قوله تضرّعاً وخيفة مفعولاً له حصوليّاً او تحصيليّاً يعنى انّ الرّجاء والخوف من لوازم وجود الانسان، او من لوازم وجودك وهما يسلتزمان الّذكر او الرّجاء والخوف بمنزلة جناحى المؤمن لا يمكنه السّير بدونهما وهما لا يحصلان الاّ بذكر الرّبّ فاذكره لتحصيلهما والمقصود من التّضرّع الرّجاء بقرينة مقابلة الخوف فانّ التّضرّع والابتهال والالتجاء من متفرّعات الرّجاء والمقصود نفى الغرور بالله ونفى اليأس من رحمة الله والوقوع بين الخوف والرّجاء اللّذين هما من صفات المؤمنين {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} يعنى باللّسان من غير جهرٍ وهو اشارة الى الّذكر الجلىّ الّذى هو من مصطلحات الصّوفيّة وامّا الّذكر اللّسانىّ المجهور كما هو شأن القرّاء والقصّاص والعوامّ فقد ورد مذمّته ولم يكن من سنّة الصّوفيّة، فقد ورد عن مولينا ومقتدانا ومن به رجاءنا وعاجلنا وآجلنا امير المؤمنين (ع) ورغم انف المعاندين، من ذكر الله فى السّرّ فقد ذكر الله كثيراً انّ المنافقين كانوا يذكرون الله علانيةً ولا يذكرونه فى السّرّ فقال الله تعالى: {أية : يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [النساء:142] {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} فى جملة او قاتك فانّه قد يستعمل الغداة والعشىّ ومرادفاتهما فى لسان العرب والعجم فى استغراق الاوقات، او المراد هذان الوقتان لشرافتهما على سائر الاوقات وفراغة الانسان من مشاغله الدّنيويّة والضّرويّات البدنيّة والالتذاذات النّفسيّة غالباً فى هذين الوقتين {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} المنهمكين فى الغفلة ولم يقل: ولا تغفل، كما هو طريقة المشاكلة فى المقابلة لانّ الانسان قلّما ينفكّ عن حدوث الغفلة.
اطفيش
تفسير : {وإذا قُرِئ القُرآنُ} شرع فى قراءته فى صلاة أو غيرها حين نزول أو بعد ذلك، وفى أى موضع كما قال الحسن، والظاهرية {فاسْتَمعوا} ألقُوا أسماعكم {لهُ} إعظاما له وتفهما وتدبرا {وأنْصِتُوا} اسكتوا عن كلام الدنيا حين تسمعونه، أما فى صلاة السر فليس المأموم بسامع، بل هو شارع فى قراءة الفاتحة، لما صح أنه لا صلاة إلا بها، وأن الصلاة بدونها خداج، وأما فى صلاة الجهر فشارع فى قراءتها أيضا لذلك، وإذ أتمها استمع لقراءة الإمام كما فى الآية، ونص عليه ابن مسعود. هذا تحقيق المقام عندى، وأما إذا كان يقرأ الإنسان وآخر مشتغل بكلام الآخرة أو العلم، فجائز لوقوعه فى مساجد المسلمين، وبحضرة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وما ذكرت من قرأ الفاتحة للمأموم سرا وجهرا، ومذهبنا معشر الأباضية، ومذهب الشافعى، وقيل عنه: إنه يقرأ السورة بعد فراغ الإمام سرا، وأن هذا السر مراد فى قوله: {أية : واذكر ربك فى نفسك} تفسير : وهو باطل، وقال قوم: لا يقرؤها فى السر ولا فى الجهر، يرده ما ذكر من أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وأن الصلاة بدونها خداج، وقال مالك: يقرؤها فى السر، ويستمع لها وللسورة فى الجهر لهذه الآية، ويرده لما ذكر أنهم كانوا يقرءون السورة وراءه صلى الله عليه وسلم، وقال: لا يفعلوا إلا بأم القرآن. وقيل: نزلت فى قراءة سورة خلف الإمام نهيا لهم عنها فيقتصروا على الفاتحة، وقال الكلبى: كانوا يرفعون أصواتهم فى الصلاة إذا سمعوا ذكر الجنة أو النار، فأمروا بالاستماع والسكوت، وقيل: نزلت فى تحريم الكلام فى الصلاة، وكانوا يسلم بعضهم على بعض وهم فيها، ويجئ الرجل ويقول لمن فيها: كم صليتم؟ وكم بقى؟ فيجيبه ونحو ذلك من حوائجهم. وقال ابن جبير، ومجاهد، وعطاء: نزلت فى السكوت فى خطبة الجمعة إذا قرأ القرآن فى أثنائها، ويرده أن الآية مكية، والخطبة فى المدينة، وأنه يوهم جواز الكلام فيها إذا لم يقرأ، مع أن السكوت فيها واجب وقت قراءة القرآن وغيره كما صح فى الحديث، فالسكوت فيها ولو عن الأمر بالإنصات واجب بالسنة. وزعم بعض: أن الإنصات والاستماع لقراءة القرآن فى غير الصلاة مستحب لا واجب، ونسب للأكثر، وأنه سنة وليس كذلك، بل السنة قراءة واحد على مستمعين، وأما استماعهم وإنصاتهم فواجب بالقرآن فافهم، وفى رواية عن ابن جبير: أنها نزلت فى إيجاب الاستماع والإنصات فى خطب العيدين والجمعة، وفى جهر الإمام بالقراءة، وقيل: المعنى إذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له وأنصتوا، وقيل: معنى الاستماع له والإنصات العمل بما فيه، وأجازه الزجاج ويضعفه قوله: {وإذا قرئ القرآن} إلا إن قيل: إنه ذكر هذا لأنهم لا يتوصلون إلى علم ما فيه، فضلا عن العمل به إلا بقراءته بمسعهم. {لَعَلَّكُم تُرحَمونَ} كى ترحموا، وإشارة إلى أن يرجو الرحمة وهى باتباع الأمر واجتناب النهى.
الالوسي
تفسير : {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} إرشاد إلى طريق الفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلة التي ينطوي عليها القرآن، والاستماع معروف؛ واللام يجوز أن تكون أجلية وأن تكون بمعنى إلى وأن تكون صلة، أي فاستمعوه، والإنصات السكوت يقال: نصت ينصت وأنصت وانتصت إذا سكت والاسم النصتة بالضم، ويقال كما قال الأزهري: أنصته وأنصت له إذا سكت له واستمع لحديثه، وجاء أنصته إذا أسكته، والعطف للاهتمام بأمر القرآن، وعلل الأمر بقوله سبحانه وتعالى: {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} أي لكي تفوزوا بالرحمة التي هي أقصى ثمراته. والآية دليل لأبـي حنيفة رضي الله تعالى عنه في أن المأموم لا يقرأ في سرية ولا جهرية لأنها تقتضي وجوب الاستماع عند قراءة القرآن في الصلاة وغيرها؛ وقد قام الدليل في غيرها على جواز الاستماع وتركه فبقي فيها على حاله في الإنصات للجهر وكذا في الإخفاء لعلمنا بأنه يقرأ، ويؤيد ذلك أخبار جمة، فقد أخرج عبد بن حميد وابن أبـي حاتم والبيهقي في «سننه» عن مجاهد قال: قرأ رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فنزلت {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ} الخ. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فسمع أناساً يقرؤون خلفه فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} كما أمركم الله تعالى. / وأخرج ابن أبـي شيبة عن زيد بن ثابت قال: لا قراءة خلف الإمام. وأخرج أيضاً عن أبـي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "«حديث : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا».تفسير : وأخرج أيضاً عن جابر أن النبـي صلى الله عليه وسلم «حديث : قال: من كان له إمام فقراءته له قراءة» تفسير : وهذا الحديث إذا صح وجب أن يخص عموم قوله تعالى: {أية : فَٱقْرَءواْ مَا تَيَسَّرَ } تفسير : [المزمل: 20] وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا صلاة إلا بقراءة» تفسير : على طريقة الخصم مطلقاً فيخرج المقتدي وعلى طريقتنا أيضاً لأن ذلك العموم قد خص منه البعض وهو المدرك في الركوع إجماعاً فجاز التخصيص بعده بالمقتدي بالحديث المذكور، وكذا يحمل حديث : قوله عليه الصلاة والسلام للمسىء صلاته: "فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن" تفسير : على غير حالة الاقتداء جمعاً بين الأدلة، بل قد يقال: إن القراءة ثابتة من المقتدي شرعاً فإن قراءة الإمام قراءة له فلو قرأ لكان له قراءتان في صلاة واحدة وهو غير مشروع. بقي الكلام في تصحيح الخبر، وقد روي من طرق عديدة مرفوعاً عن جابر رضي الله تعالى عنه عنه عليه الصلاة والسلام وقد ضعف. واعترف المضعفون لرفعه كالدارقطني والبيهقي وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل لأن الحفاظ كالسفيانين وأبـي الأحوص وشعبة وإسرائيل وشريك وجرير وأبـي الزبير وعبد بن حميد وخلق آخرين رووه عن موسى بن أبـي عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبـي صلى الله عليه وسلم فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه، وحينئذٍ لنا أن نقول المرسل حجة عند أكثر أهل العلم فيكفينا فيما رجع إلى العمل على رأينا وعلى طريق الإلزام أيضاً بإقامة الدليل على حجية المرسل أيضاً، وعلى تقدر التنزل عن حجيته فقد رفعه الإمام بسند صحيح. وروى محمد بن الحسن في «موطئه» قال: أنبأنا أبو حنيفة حدثنا أبو الحسن موسى بن أبـي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة»تفسير : وقولهم: إن الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح. فقد قال أحمد بن منيع في «مسنده»: أخبرنا إسحاق الأزرق حدثنا سفيان وشريك عن موسى بن أبـي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».تفسير : ثم قال وحدثنا جرير عن موسى عن عبد الله عن النبـي صلى الله عليه وسلم ـ فذكره ولم يذكر جابراً ـ ورواه عبد بن حميد قال: حدثنا أبو نعيم حدثنا الحسن بن صالح عن أبـي الزبير عن جابر عن النبـي صلى الله عليه وسلم فذكره، وإسناد حديث جابر الأول على شرط الشيخين والثاني على شرط مسلم، فهؤلاء سفيان وشريك وجرير وأبو الزبير رفعوه بالطرق الصحيحة فبطل عدهم فيمن لم يرفعه، ولو تفرد الثقة وجب قبوله لأن الرفع زيادة وزيادة الثقة مقبولة فكيف ولم ينفرد، والثقة قد يسند الحديث تارة ويرسله أخرى. وأخرجه ابن عدي عن الإمام رضي الله تعالى عنه في ترجمته وذكر فيها قصة وبها أخرجه أبو عبد الله الحاكم قال: حدثنا أبو محمد بن بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي حدثنا عبد الصمد بن الفضل البلخي حدثنا مكي بن إبراهيم عن أبـي حنيفة عن موسى بن أبـي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عن جابر بن عبد الله «إن النبـي صلى الله عليه وسلم صلى ورجل خلفه قرأ فجعل رجل من أصحاب النبـي صلى الله عليه وسلم ينهاه عن القراءة في الصلاة فلما انصرف أقبل عليه الرجل قال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعا حتى ذكرا ذلك للنبـي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة». تفسير : وفي رواية لأبـي حنيفة «إن ذلك كان في الظهر أو العصر» وهي أن رجلاً قرأ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر أو العصر فأومأ إليه رجل فنهاه فلما انصرف قال: أتنهاني الحديث. نعم إن جابراً روى منه محل الحكم فقط تارة والمجموع تارة ويتضمن رد القراءة خلف الإمام لأنه خرج تأييداً لنهي ذلك الصحابـي عنها مطلقاً في السرية والجهرية خصوصاً في رواية أبـي حنيفة أن القصة كانت في السرية لا إباحة فعلها وتركها فيعارض ما روي في بعض روايات حديث «حديث : مالي أنازع في القرآن» تفسير : أنه قال: إنه لا بد ففي الفاتحة، وكذا ما رواه أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت قال: «كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم، قلنا: نعم هذا، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها» ويقدم لتقدم المنع على الإطلاق عند التعارض ولقوة السند فإن حديث المنع أصح فبطل رد المتعصبين، وتضعيف بعضهم لمثل الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه مع تضييقه في الرواية إلى الغاية حتى أنه شرط التذكر لجوازها بعد علم الراوي أن ذلك المروي خطه، ولم يشترط الحفاظ هذا ولم يوافقه صاحباه على أن الخبر قد عضد بروايات كثيرة عن جابر غير هذه وإن ضعفت وبمذاهب الصحابة أيضاً كابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود. وأخرج محمد عن داود بن قيس بن عجلان أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجراً، وروي مثل ذلك عن سعد بن أبـي وقاص، وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه إلا أن فيه مقالاً أنه قال: من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة، وقال الشعبـي: أدركت سبعين بدرياً كلهم يمنعون المقتدي عن القراءة خلف الإمام، وقد ادعى بعض أصحابنا إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، ولعل مراده بذلك إجماع كثير من كبارهم، وإلا ففيه نظر، وكون مراده الإجماع السكوتي ليس بشيء أيضاً. وذهب قوم إلى أن المأموم يقرأ إذا أسر الإمام القراءة ولا يقرأ إذا جهر وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وحجتهم فما قيل: إن الآية تدل على الأمر بالاستماع لقراءة القرآن والسنة تدل على وجوب القراءة خلف الإمام فحملنا مدلول الآيية على صلاة الجهر ومدلول السنة على صلاة السر جمعاً بين الدلائل، وقال آخرون: إنما قرأ في السرية لأنه لا يقال له مستمع، واعترض بأنه وإن سلمنا أنه لا يقال له ذلك لكن لا نسلم أنه لا يقال له منصت مع علمه بالقراءة وبأنا لا نسلم دلالة السنة على وجوب القراءة خلف الإمام ودون إثبات ذلك خرط القتاد، على أن الجزم العمل بأقوى الدليلين، وليس مقتضى أقواهما إلا المنع، ومن هنا ضعف ما يروى عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى أنه يستحسن قراءة الفاتحة على سبيل الاحتياط مخالفاً لما ذهب إليه الإمام وأبو يوسف من كراهة القراءة لما في ذلك من الوعيد، والحق أن قوله كقولهما، فقد قال في كتاب «الآثار» بعدما أسند إلى علقمة بن قيس: إنه ما قرأ قط فيما يجهر به ولا فيما لا يجهر به، وبه نأخذ فلا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلاة يجهر فيه أو لا يجهر فيه، ولا ينبغي أن يقرأ خلفه في شيء منها، وذكر في «موطئه» نحو ذلك، وقال السرخسي تفسد صلاة القارىء خلف الإمام في قول عدة من / الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومنهم فيما قيل سعد بن أبـي وقاص، وفي رواية المزني عن الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه يقرأ في الجهرية والسرية، وفي رواية البويطي أنه يقرأ في السرية أم القرآن ويضم السورة في الأوليين ويقرأ في الجهرية أم القرآن فقط، والمشهور عند الشافعية أنه لا سورة للمأموم الذي يسمع الإمام في جهرية بل يستمع فإن بعد بأن لم سمع أو سمع صوتاً لا يميز حروفه أو كانت سرية قرأ في الأصح. وسبب النزول لم يكن القراءة في الصلاة بل أمر آخر. فقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت، وحاصلها النهي عن التكلم لا عن القراءة، ومن الناس من فسر القرآن بالخطبة، والأمر بالاستماع إما للوجوب أو الندب، وعندنا الإنصات في الخطبة فرض على تفصيل في المسألة، وأخرج غير واحد عن مجاهد رضي الله تعالى عنه أن الآية في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وفي كلام أصحابنا ما يدل على وجوب الاستماع في الجهر بالقرآن مطلقاً. قال في الخلاصة: رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارىء، وعلى هذا لو قرأ على السطح في الليل جهراً والناس نيام يأثم، وهذا صريح في إطلاق الوجوب، وعلل ذلك بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و {إِذَا} هنا للكلية وغالب الشرطات القرآنية المؤداة بها كلية، هذا والمراد من الاستماع في الآية المعنى المتبادر منه، وقال الزجاج: المراد منه القبول والإجابة، وهو بهذا المعنى مجاز كما نص عليه في الأساس، ومنه سمع الله تعالى لمن حمده وسمع الأمير كلام فلان، ورجح ذلك العلامة الطيبـي قال: وهذا أوفق لتأليف النظم الكريم سابقاً ولاحقاً وأجمع للمعاني والأقوال فإنه تعالى لما ذكر تعريضاً أن المشركين إنما استهزأوا بالقرآن ونبذوه وراءهم ظهرياً لأنهم فقدوا البصائر وعدموا الهداية والرحمة وأن حالهم على خلاف المؤمنين أمر المؤمنين بما هو أزيد من مجرد الاستماع وهو قبوله والعمل بما فيه والتمسك به وأن لا يجاوزه مرتباً للحكم على تلك الأوصاف، ولذلك قيل: إذا قرىء القرآن وضعاً للمظهر موضع المضمر لمزيد الدلالة على العلية، يعني إذا ظهر أيها المؤمنون إنكم لستم مثل هؤلاء المعاندين فعليكم بهذا الكتاب الجامع لصفات الكمال الهادي إلى الصراط المستقيم الموصل إلى مقام الرحمة والزلفى فاستمعوه وبالغوا في الأخذ منه والعمل بما فيه ليحصل المطلوب ولعلكم ترحمون، ويدخل في هذا وجوب الإنصات في الصلاة بطريق الأولى لأنها مقام المناجاة والاستماع من المتكلم، وعلى هذا الإنصات عند تلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم اهـ، ويعلم منه أن الخطاب في الآية للمؤمنين بل هو نص في ذلك. وقال بعضهم: إن الخطاب فيها للكفار، وذلك أن كون القرآن بصائر وهدى ورحمة لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبـي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ عليهم القرآن عند نزوله استمعوا له وأنصتوا ليقفوا على معانيه ومزاياه فيعترفوا بإعجازه ويستغنوا بذلك عن طلب سائر المعجزات، وأيد هذا بقوله سبحانه وتعالى: في آخر الآية {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} بناءً على أن ذلك للترجي وإنما يناسب حال الكفار لا حال المؤمنين الذين حصل لهم الرحمة جزماً في قوله تعالى: {أية : وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأعراف: 203]. وأجيب بأن هذه الرحمة المرجوة غير تلك الرحمة، ولئن سلم كونها إياها فالإطماع من الكريم واجب فلم يبق فرق، وفي بناء الفعل للمفعول إشارة إلى أن مدار الأمر القراءة من أي قارىء كان. وفي الآية من الدلالة على تعظيم شأن القرآن ما لا يخفى ومن / هنا قال بعض الأصحاب: يستحب لمريد قراءته خارج الصلاة أن يلبس أحسن ثيابه ويتعمم ويستقبل القبلة تعظيماً له، ومثله في ذلك العلم، ولو قرأ مضطجعاً فلا بأس إذ هو نوع من الذكر. وقد مدح سبحانه ذاكريه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم وضم رجليه عند القراءة ولا يمدها لأنه سوء أدب ولو قرأ ماشياً أو عند النسج ونحوه من الأعمال فإن كان القلب حاضراً غير مشتغل لم يكره وإلا كره، ولا يقرأ وهو مكشوف العورة أو كان بحضرته من هو كذلك وإن كانت زوجته، وكره بعضهم القراءة في الحمام والطريق. قال النووي: ومذهبنا لا تكره فيهما، وتكره في الحش وبيت الرحى وهي تدور عند الشعبـي وهو مقتضى مذهبنا، والكلام في آداب القراءة وما ينبغي للقارىء طويل. وفي «الإتقان» قدر له قدر من ذلك فإن كان عندك فارجع إليه. والجملة على ما يدل عليه كلامهم يحتمل أن تكون من القول المأمور به ويحتمل أن تكون استئنافاً من جهته تعالى، قيل: وعلى الأول فقوله سبحانه وتعالى {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً..}
ابن عاشور
تفسير : يؤذن العطف بأن الخطاب بالأمر في قوله: {فاستمعوا - وأنصتوا} وفي قوله: {لعلكم} تابع للخطاب في قوله {أية : هذا بصائر من ربكم} تفسير : [الأعراف: 203] إلخ، فقوله: {وإذا قرىء القرآن} من جملة ما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بأن يقوله لهم وذلك إعادة تذكير للمشركين تصريحاً أو تعريضاً بأن لا يعرضوا عن استماع القرآن وبأن يتأملوه ليعلموا أنه آية عظيمة، وأنه بصائر وهدى ورحمة، لمن يؤمن به ولا يعاند، وقد علم من أحوال المشركين أنهم كانوا يتناهون عن الإنصات إلى القرآن {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون}تفسير : [فصلت: 26]. وذكرُ اسم القرآن إظهارٌ في مقام الإضمار، لأن القرآن تقدم ذكره بواسطة اسم الإشارة فنكتة هذا الإظهار: التنويه بهذا الأمر، وجعل جملته مستقلة بالدلالة غير متوقفة على غيرها، وهذا من وجوه الاهتمام بالكلام ومن دواعي الإظهارِ في مقام الإضمار استقريتة من كلام البلغاء. والاستماع الإصغاء وصيغة الافتعال دالة على المبالغة في الفعل، والإنصات الاستماع مع ترك الكلام فهذا مؤكد (لا تسمعوا). مع زيادة معنى. وذلك مقابل قولهم: {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}تفسير : [فصلت: 26]، ويجوز أن يكون الاستماع مستعملاً في معناه المجازي، وهو الامتثال للعمل بما فيه كما تقدم آنفاً في قوله: {أية : وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا} تفسير : [الأعراف: 198] ويكون الإنصات جامعاً لمعنى الإصغاء وترك اللغو. وهذا الخطاب شامل للكفار على وجه التبليغ، وللمسلمين على وجه الارشاد لأنهم أرجى للانتفاع بهديه لأن قبله قوله: {أية : وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} تفسير : [الأعراف: 203]. ولا شبهة في أن هذه الآية نزلت في جملة الآيات التي قبلها وعلى مناسبتها، سواء أريد بضمير الخطاب بها المشركون والمسلمون معاً، أم أريد المسلمون تصريحاً والمشركون تعريضاً، أم أريد المشركون للاهتداء والمسلمون بالأحرى لزيادته. فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم المقضي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعملُ بما فيه، فالاستماع والإنصاتُ مراتب بحسب مراتب المستمعين. فهذه الآية مجملة في معنى الاستماع والإنصات وفي مقتضى الأمر من قوله: {فاستمعوا له وأنصتوا}، يُبين بعضَ إجمالها سياقُ الكلام والحملُ على ما يفسر سببها من قوله تعالى: {أية : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه}تفسير : [فصلت: 26]، ويُحال بيان مجملها فيما زادَ على ذلك على أدلة أخرى. وقد اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول، فلا يقول أحد منهم بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحداً يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع ويُنصت، إذ قد يكون القارىء يقرأ بمحضر صانع في صنعته فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله، ولكنهم اختلفوا في محمل تأويلها: فمنهم من خصها بسبب رأوا أنه سبب نزولها، فرووا عن أبي هريرة أنها نزلت في قراءة الإمام في الجهر، وروى بعضهم أن رجلاً من الأنصار صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم صلاة جهرية فكان يقرأ في الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فنزلت هذه الآية في أمر الناس بالاستماع لقراءة الإمام. وهؤلاء قصروا أمر الاستماع على قراءة خاصة دل عليها سبب النزول عندهم على نحو يقرب من تخصيص العام بخصوص سببه، عند من يخصص به، وهذا تأويل ضعيف، لأن نزول الآية على هذا السبب لم يصح، ولا هو مما يساعد عليه نظم الآية التي معها، وما قالوه في ذلك إنما هو تفسير وتأويل وليس فيه شيء مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من أبقى أمر الاستماع على إطلاقه القريب من العموم، ولكنهم تأولوه على أمرِ الندب، وهذا الذي يؤخذ من كلام فقهاء المالكية، ولو قالوا المراد من قوله قُرىء قراءة خاصة، وهي أن يقرأه الرسول عليه الصلاة والسلام على الناس لعلْم ما فيه والعمل به للكافر والمسلم، لكان أحسن تأويلاً. وفي «تفسير القرطبي» عن سعيد (بن المسيب): كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى فيقول بعضهم لبعض لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه فأنزل الله تعالى جواباً لهم {وإذا قُرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا}. على أن ما تقدم من الاخبار في محمل سبب نزول هذه الآية لا يستقيم لأن الآية مكية وتلك الحوادث حدثت في المدينة. أما استدلال أصحاب أبي حنيفة على ترك قراءة المأموم إذا كان الإمام مُسراً بالقراءة، فالآية بمعزل عنه إذ لا يتحقق في ذلك الترك معنى الإنصات. ويجب التنبه إلى أن ليس في الآية صيغة من صيغ العموم لأن الذي فيها فعلان هما (قُرىء) (واستمعوا) والفعل لا عموم له في الإثبات. ومعنى الشرط المستفاد من (إذا) يقتضي إلا عموم الأحوال أو الأزمان دون القراءات وعموم الأزمان أو الأحوالِ لا يستلزم عموم الأشخاص بخلاف العكس كما هو بين.
القطان
تفسير : استمعوا له: اصغوا. انصتوا: اسكتوا. خيفة: حالة الخوف والخشية. في الغدو والآصال: اوقات الصباح والمساء. يسبّحونه: ينزهونه عما لا يليق به. لما ذكّر اللهُ مزايا القرآن الكريم، وانه بصائر تكشف وتنير وهدى يرشد ويهدي، ورحمة تغمر وتفيض - امر في هذه الآية بالاستماع والانصات له، لتدبُّرِ ما فيه من ذلك. فنّوه إلى أنه: اذا تُلي القرآن عليكم ايها المؤمنون فأصغوا اليه بأسماعكم، واستجمِعوا حواسكم لتتدبروا مواعظه، وتفوزوا برحمة ربكم. وبعد أن جاء الأمر بهذا العلاج فيه يختص بالمعاملة، وفيما يختص بقراءة القرآن، يأتي الأمر والتوجيه الى مَلاك الأمر كله وهو ذِكر الله في القلب بعظَمته وجلاله رجاءَ الثواب، على ان يكون ذلك بهدوء واطمئنان لا ازعاج فيه، كيما تهدأ الاعصاب ويسبح الفكر في معاني الجلال والجمال، كما يرشد الى ان يكون ذلك شأن المؤمن في كل وقت. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ}. استحضِرْ عظَمة ربك من مشاهداتك في كونه الذي خلق، وفي آثاره العظيمة فيه، وانعاماته المادية والروحية عليك، فتعرَّف من كل هذا على ربوبيته بالتقرب اليه والخضوع له والخوف منه. واذكر ربّك هادئ النفس مطمئن البال في الصباح وفي المساء تَنغمر نفسك بفيض من الرضا الرّباني، يبعث منك واليك الخير كله، وتكون في مراقبة دائمة وشهود مستمر، بذلك لا تكون في عامة اوقاتك من الغافلين عن ذكر الله. ثم تختم السورة بالارشاد الى ان الملائكة مع عظيم شرفهم وسمو مرتبتهم معترفون بعوديتهم، خاضعون لعزّ الربوبية، لا يخالجهم في عبادتهم كِبر، وهم دائما يسبّحون الله وله يسجدون. فما احوج الانسان وقد ركّبت فيه مبادئ الشهوة والغضب ان يتخذ الى ربه سبيلا، فيعبد بحق. وهذه الآية إحدى الآيات التي طُلب الى المؤمنين ان يسجُدوا عند تلاوتها او سماعها، وهي اربع عشرة آية في القرآن الكريم. وهذه هي السجدة المعرفوة بسجدة التلاوة: وهي سجدة بين تكبيرتين: تكبيرة لوضع الجبهة على الأرض، وأخرى للرفع من السجود، دون تشهد ولا تسليم. ويشترط لها ما يشترط لصلاة من الطهارة والنية واستقبال القبلة. والحكمة في هذه السجدة انها نوع من التربية العملية الروحية في اعلان التمسك بالحق والاعراض عن الباطل، ومراغمة المبطلين، والسير في طريق المثل العليا للذين حمَّلهم الله امانة الحق والدعوة اليه. وبذلك كانت سجدة الثلاوة شعارا عاما للمؤمنين في اعلان تقديسهم عبادتهم، وشدتهم في مخالفة الباطل كلَّما قرأوا القرآن أو سمعوه جعلّنا الله من المسبحين بحمده، الساجدين له، المقتدين بانبيائه، المتشبيهن بالملأ الأعلى، انه سميع مجيب.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْقُرْآنُ} (204) - لَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى أنَّ القُرآنَ بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ، أَمَرَ المُؤْمِنينَ بِالإِنْصَاتِ إلَيهِ عِنْدَ تَلاَوَتِهِ للانْتِفَاعِ بِهُدَاهُ، وَإِعْظَاماً لَهُ وَاحْتِرَاماً. فَإِذا قَرَأَ الإِمَامُ فِي صَلاَةِ الجَهْرِ فَالمُؤْتَمُّونَ بِهِ ينْصِتُونَ وَلاَ يَقْرَؤُونَ مَعَه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وما دام قد أوضح لك المولى سبحانه وتعالى من قبل أن هذا القرآن بصائر من ربنا وهدى ورحمة، ألا يستحق أن تحتفي به أيها المؤمن؟.. ألا تجذبك هذه الحيثيات الثلاث لأن تعطي له أذنك وألا تنصرف عنه؟. إذن لا بد أن تنصت للقرآن الكريم لتتلقى الفوائد الثلاث؛ البصائر، والهدى، والرحمة، وهو حقيق وجدير أن يُحْرَص على سماعه إن قُرئ. ولنلحظ أن الله تعالى قال: {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} ولم يقل "اسمعوا"، لأن الاستماع فيه تعمد أن تسمع، أما السمع فأنت تسمع كل ما يقال حولك، وقد تنتبه إلى ما تسمع وقد لا تنتبه، ومن الرحمة المحمدية يقول حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ناهياً عن التسمع لأسرار الغير تجسساً عليهم بالبحث عن عوراتهم فيما يرويه عنه سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تجسَّسُوا ولا تحسّسوا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا ". تفسير : وفي هذا تحذير من هذه الأمور الخمسة التي منها التلصص والتصنت إلى أسرار الناس. {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]. والإنسان قد يصمت ويستمع ولكن بغير نية التعبد فيحرم من ثواب الاستماع، فاستمع وأنصت بنية العبادة، لأن الله هو الذي يتكلم، وليس من المعقول والتأدب مع الله أن يتكلم ربك ثم تنصرف أنت عن كلامه، وقد لفت أنظارنا سيدنا جعفر الصادق: ونبهنا إلى ما فيه الخير حيث يقول: "عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: {حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ}، فإني سمعت الله عقبها يقول: {فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ}. وعجبت لمن اغتم، ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى: {لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} فإني سمعت الله عقبها يقول:{فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ}. وعجبت لمن مُكر به، ولم يفزع إلى قوله تبارك وتعالى:{وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ}. فإني سمعت الله عقبها يقول:- {فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ}. وعجبت لمن طلب الدنيا ولم يَفْزَع إلى قوله تبارك وتعالى: {مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}. فإني سمعت الله عقبها يقول:- {فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ}. ونحن حين نستمع لقراءة القرآن الكريم بنية التعبد فذلك هو حُسْن الأدب الذي يجب أن نستقبل به العبر التي تعود بالفائدة علينا. ووقف العلماء حول الإنصات سماعاً للقرآن؛ أيكون الإنصات إذا قرئ القرآن مطلقاً في أي حال من الأحوال، أو حين يُقرأ في الصلاة، أو حين يُقرأ في خطبة الجمعة؟ وقد اختلفوا في ذلك، فبعضهم قال: إن المقصود هو الإنصات للقرآن حين يُقرأ في الصلاة، والسبب في ذلك أن الأوائل من المسلمين كانوا حينما يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، يعيدون بعده كل جملة قرآها فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا قال: "الحمد لله رب العالمين"، قالوا: "الحمد لله رب العالمين" فينبههم الله عز وجل إلى أن يتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ وهم يستمعون إليه دون ترديد للقراءة. وقال آخرون من العلماء: الإنصات للقرآن الكريم يكون في الصلاة، وفي خطبة الجمعة أو العيدين، لأنها تشتمل على آيات من القرآن، ولكن اشتمالها على الآيات أقل مما يقوله الخطيب، ونبه البعض إلى أن الإنصات للخطبة ثبت بدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: "حديث : إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ". تفسير : إذن الإنصات للخطبة جاء بدليل من السنة. وهناك قول بأن الاستماع مطلوب للقرآن في أي وضع من الأوضاع حين يُقرأ؛ ففي هذا احترامٌ ومهابةٌ لكلام الله عز وجل، وينسب هذا القول إلى إمامنا وسيدنا ومولانا سيدي "أبي عبدالله الحسين"، فيقول: إذا قُرئ القرآن سواءٌ إن كنت في صلاة أو كنت في خطبة، أو كنت حرّاً فأنصت؛ لأن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يميز القرآن على مطلق الكلام، فميزه بأشياءَ، إذا قُرئ ننصت له، وإذا مسّ المصحف لا بد أن يكون على "وضوء" حتى لا يجترئ الناس ويمسّوا المصحف كأي كتاب من الكتب، وهذا يربي المهابة فلا تمسك المصحف إلا وأنت متوضئ، فإذا علمنا أولادنا، نقول للواحد منهم: لا تقرب المصحف إلا وأنت متوضئ؛ فتنشأ المهابة في نفس الولد. وأيضاً في "الكتابة" شاء الحق تبارك وتعالى لبعض ألفاظه كتابة خاصة غير كتابة التقعيد الإملائي؛ حتى يكون للقرآن قداسة خاصة، فهو كتاب فريد وليس ككل كتاب وكلامه ليس ككل كلام. {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْءَانُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]. وبعض العلماء قال: ليس المطلوب مجرد الاستماع بالآذان، بل المقصود بالاستماع هنا هو أن نستجيب لمطالبه، ألا تقولون لبعضكم حين يدعو بعضكم لبعض: "الله يسمع دعاك"؟ إنك تقولها وأنت تعلم أن الله سامعك، ولكنك تقصد بها أن يستجيب سبحانه وتعالى لهذا الدعاء، إذن فالاستماع للقرآن يقتضي الاستجابة لمطلوبات القرآن. لماذا؟ لننال الرحمة من الحق فهو الرحمن الرحيم. {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}. ونعلم أن "لعل" "وعسى" حين تقال يقصد بها الرجاء، و "ليت" تعني التمني وهو مستحيل ولا يُتَوَقّع، ونحن نتمنى لنظهر أن هذا أمر محبوب لنا، لكننا نعلم أنه مستحيل، مثلما قال الشاعر العجوز: شعر : ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب تفسير : إنه يعلم يقيناً أن الشباب لن يعود ولكن قوله يدل على أن الشباب فترة محبوبة. ومثل قول الشاعر: شعر : ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها عقود مدح فما أرضى لكم كَلِم تفسير : ولن تدنو الكواكب. إذن ساعة تسمع "عسى" أو "لعل" يتبادر إلى ذهنك أن هذا رجاء لأن يحدث، وإذا كان رجاء من الله، فهو رجاء من كريم لا بد له من واقع. ويقول الحق بعد ذلك: والذكر مرور الشيء، إن كان بالبال، فهو ذكر في النفس، وإن كان باللسان ولا يُسْمِع الغير ويُسْمِعك أنت فهذا ذكر السر، وإن كان جهرا فهو قسمان؛ جهر مقبول، وجهر غير مقبول، والجهر غير المقبول هو أن يتحول الذِّكرُ إلى إزعاج والعياذ بالله، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : ...وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً}تفسير : [الإسراء: 110]. ولعل إخواننا القراء يتنبهون إلى هذه الآية؛ تنبهاً يجعلهم يلتفتون إلى أداء أمر الله في هذا المجال فلا يجهرون ولا يرفعون أصواتهم به لدرجة الإزعاج، لأني أقول لكل واحد منهم: إن ربك لم يطلب منك حتى الجهر، إنما طلب دون الجهر، وأقول ذلك خاصة لهؤلاء الذين يفسدون نعمة الله على خلقه؛ فيصيحون ليلا ويمنعونهم من رحمة الله ليلا التي قال عنها: {أية : وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [القصص: 73]. فلا تفسدوا على الناس رحمة ربنا؛ لأن الدعوة إلى الله ليست صياحاً على المنابر، إلا إذا كنتم تصنعون لأنفسكم دعاية إعلامية على مساجد الله وعلى منابر الله. وهذا أمر مرفوض وغير مقبول شرعاً. {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} والحق تبارك وتعالى يقول مرة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً} تفسير : [الأحزاب: 41]. ومرة يقول: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} وقوله: "اذكر الله" يستشعر سماعها التكاليف؛ لأن الله هو المعبود، والمعبود هو المطاع في الأوامر والنواهي. أما قوله: "اذكر ربك" فهو تذكير لك بما حباك به من أفضال؛ خلقك ورباك وأعطاك من فيض نعمه ما لا يعد ولا يحصى. فاذكر ربك؛ لأنك إن لم تعشقه تكليفاً، فأنت قد عشقته لأنه ممدك بالنعم، وسبحانه يتفضل علينا ويوالينا جميعاً بالنعم. وأضرب لك هذا المثل - ولله المثل الأعلى وهو منزه عن التشبيه - وأنت لك أولاد، وتعطي لهم مصروفاً، وحين تعطي لهم المصروف كل شهر، تجدهم لا يحرصون على أن يروك إلا كل شهر، لكن إن كنت تعطي مصروفهم يوميا فأنت تلتفت لتجدهم حولك، فإن كنت نائماً يدخل ابنك لغرفة نومك يسير بجانبك ويتنحنح ليقول إنه يحتاج لشيء موجود بالغرفة، فما بالك وأنت بكل وجودك عبد لإحسان ربك؟ وما دمت عبد الإحسان فاذكر من يحسن إليك، اذكر ربك دائماً. واذكره على حالين: الأول تضرعاً. أي بذلة، لأنك قد تذكر واحداً بكبرياء، إنما الله الخالق المحسن يجب عليك أن تذكره بذلة عبودية لمقام الربوبية، واذكر ربك "خيفة" أي خائفاً متضرعاً؛ لأنك كلما ذللت له يعزك، ولذلك نجد العبودية مكروهة في البشر وهي استعباد، والناس ينفرون ممن يستعبدهم؛ لأن عبودية الإنسان لمساويه طغيان كبير وظلم عظيم فهي تعطي خير العبد للسيد، ولكن عبوديتك لله تعطي خير الله لك. ولذلك نجد الحق يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم فيقول: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء: 1]. وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم منزلة كبرى بحادث الإسراء، وكان الحديث عنها بامتنان من الله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم. والشاعر المؤمن يقول: شعر : حسب نفسي عزَاً بأني عبد يحتفي بي بلا مواعيد رب هو في قدسه الأعز ولكن أنا ألقي متى وأين أحب تفسير : وأنت أيها العبد المؤمن تلقى الله متى أردت، وإذا أسلمت زمامك للإيمان؛ فالزمام في يدك. يكفي أن تنوي الصلاة وتقول: الله أكبر فتكون في حضرته سبحانه سواء كنت في البيت أو في الشارع أو في أي مكان. وفي منتهى العزة لك. {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ...} تفسير : [الأعراف: 205]. ولم يقل هنا رب العالمين: بل ربك أنت يا محمد، وهذه قمة العطاءات التي جاءت للناس، فهذا العطاء الذي جاء بمحمد رسولاً، نعمةٌ ومنةٌ من الله على المؤمنين برسالته، وبعد ذلك ينسب لكل مسلم العطاء الذي جاء لمحمد. وقوله تعالى لرسوله: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} أي أنه سبحانه لم يجعل دليل عنايته بك مقصوراً على ما يشاهد في الخارج والبعيد عنك فقط؛ لأنك قد لا ترى شيئاً في الكون أو لا تسمع شيئاً في الكون؛ لأن الكون منفصل عنك، إنما انظر إلى نفسك أنت وستجد الآيات كلها تذكرك بخالقك، {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [الذاريات: 21]. فقبل أن يجعل ربنا الدليل في الكون الذي حولك، جعل لك الدليل أيضا في نفسك؛ لأن نفسك لا تفارقك وأنت أعلم بملكاتها وبجوارحها، وبنوازعها، ولهذا كان التضرع إلى الله والخيفة منه لهما مجال هنا؛ لأنك تستطيع أن ترى سر صنعته فيك، وستجد الكثير من الآيات، وهي آيات أكبر منك، لذلك أنت تتضاءل أمام من وهب لك كل هذا، وتخاف ألا تؤدي حقه لديك. ونعود إلى قول الله تعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} والذكر حَدَثٌ، والحدَثُ يحتاج إلى زمان وإلى مكان. والغدو والآصال زمنان يستوعبان النهار؛ فالغدو هو أول النهار، والآصال هو من العصر للمغرب، مثلما نقول "شمس الأصيل". وهذه الآية الكونية تتكرر في القرآن الكريم كثيرا، فالحق تبارك وتعالى يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 41 - 42]. وكما يقول عز وجل: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * لِّتُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الفتح: 8 - 9]. و"الأصيل" هنا مشترك، ومقابل الأصيل يطلق الحق عليه مرة بكرة، وأخرى يطلق عليه: الغدو، وسبحانه القائل: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}تفسير : [النور: 35 - 36]. إنك ساعة أن تقرأ "في بيوت" تعرف أن هنا حدثاً؛ لأن قوله: "في بيوت" شبه جملة " في معنى الظرف، وإذا استقرأت ما قبلها، لم تجد لها مُتَعَلَّقاً. والحظ إذن أن ما قبلها هو {نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ} {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} فأنت حين تذهب إلى المسجد لتلقى الله، فذلك نور، وتصلى له فذلك نور، وتخرج من هذا النور بنور يهبط عليك في بيته، وكل هذا نور على نور، فمن أراد أن يتعرض لنفحات نور الله عز وجل؛ فليكثر من الذهاب إلى بيوت الله، وللمساجد مهابة النور لأنها مكان الصلاة، ونعلم أن الصلاة هي الخلوة التي بين العبد وربه، وكان رسول الله إذا حز به أمر قام إلى الصلاة. وأنت إذا ما اتبعت حضرة النبي صلى الله عليه وسلم وتصلي ركعتين لله فلن حز بك أمر وعزت عليك مسألة وكانت فوق أسبابك ثم ذهبت بها إلى الله فلن يخرجك الله إلا راضياً. {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ}. والغدو والآصال أو البكرة والأصيل كما عرفنا هي أزمنة أول النهار وأزمنة أول الليل. ولماذا أزمنة أول النهار وأزمنة أو الليل؟ لأن هذه الأزمنة هي التي يطلب فيها الذكر. فقبل أن تخرج للعمل في أول النهار أنت تحتاج لشحنة من العزيمة تقابل بها العمل من أجل مطالب الحياة، وفي نهاية النهار أنت تحتاج أن تركن إلى ربك ليزيح عنك متاعب هذا اليوم، لذلك إياك أن تشغلك الحياة عن واهب الحياة، ولك أن تذكر ربنا وأنت تعيش مع كل عمل تؤديه وتقوم به وأن تقابل كل نتيجة للعمل بكلمة: (الحمد لله) وعندما ترى أي جميل من الوهاب سبحانه وتعالى يجب عليك أن تقول: "ما شاء الله" وعندما ترى أي شيء يعجبك تقول: (سبحان الله). ولذلك حينما دعا الله خلقه المؤمنين به إلى الصلاة قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الجمعة: 9]. وهذا التكليف في صلاة الجمعة المفروضة كصلاة للجماعة، والجماعة مطلوبة فيها، ومن الضروري أن نتواجد فيها كجمع؛ لأن الجماعة مشروطة فيها فلا تصح بدون الجماعة. ونعرف أن الصلاة إنما هي ذكر لربنا، فماذا بعدها؟ {أية : فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}تفسير : [الجمعة: 10]. أي إياك أن يشغلك انتشارك في الأرض وابتغاؤك من فضل الله، والأخذ بأسباب الدنيا عن واجبك نحو الله، بل عليك أن تذكره سبحانه وتعالى: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} بعدما سمعتم من أوصاف القرآن ما سمعتم {إِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ} عندكم أو قرأتم أنتم {فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} عن صميم قلوبكم، وتأملوا في معناه بقدر وسعكم وطاقتكم {وَأَنصِتُواْ} أي: اسكتوا وأعرضوا عن مقتضيات سائر قواكم، ولا تلتفتوا إليهاأصلا {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] تنكشفون وتتحققون بما في نفسوكم من ودائع الله بسببه. ثمَّ خاطب سبحانه حبيبه صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمثال هذه الخطابات لا يسع إلا في وسعه وقابليته، فقال: {وَٱذْكُر} أي: تذكر وتحقق {رَّبَّكَ} الذي أظهرك على صورته {فِي نَفْسِكَ} إذ أنت ظاهره {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً} متضرعاً متجنباً، خائفاً عن غفلة الناسوت {وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} إخفاءً من المحجوبين الجاهلين برتبتك، وغيرةً عليه سبحانه {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} أي: بجميع أوقاتك التي جرى عليك على مقتضى بشرتيك {وَ} بالجملة: {لاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] لتحققك في مقام الشهود. {إِنَّ ٱلَّذِينَ} حصلوا وتمكنوا {عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَ} لا يلتفتون إلى ما سواه، بل {يُسَبِّحُونَهُ} أي: ينزهونه ويقدسونه عمَّا يصور لهم ويوهمهم منه سبحانه ناسوتهم {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] بمقتضى لاهوتهم منسلخين عن هوياتهم الباطلة بلا التفات منه إلى ما خيلتهم ناوستهم أصلاً. ربنا اكشف عنا بفضلك حجب ناسوتنا، وحققنا بفضاء لاهوتك بمقتضى لاهوتهم. خاتمة السورة عليك أيها المتوجه نحو القبلة الأحمدية والمقصد الأحدية المحمدية - هداك الله إلى سواء سبيله، وأوصلك إلى مقرك من التوحيد - أن تتوجه إلى فضاء قلبك وتتذكر ما فيه من ودائع ربك على وجه الخيرة والاستبصار، مجتنباً عما يشوشك من غبار الأغيار، معيراً بمعيار العبرة والاعتبار؛ بحث لا يلهبك عنها وسوسة الشيطان المكار، وتعزيرات الدنيا الغرار الغدار، لا يتيسر لك هذا إلا بتذكر ما في كتاب الله من المواعظ والأخبار والآثار وامتثال ما فيه من الأوامر والنواهي والتدبر في سرائرها، واستكشاف حكمها وأسرارها. عليك أن تتوسل في استرشادك من كتاب الله إلى أحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم؛ إذ هي مبيِّنة له، كاشفة عن سرائره ومرموزاته، موضحة لما فيه من الغوامض، متكفلة لحفظ عقيدتك عن التزلزل والانحراف عن جادة الهداية، موصلة لك بقدر قابليتك إلى مسالك مسائك التوحيد. فلك أن تواظب على الاستفادة ناوياً في استفادتك استخلاص نفسك عن ربقة التقليد مستقبلاً في سلوكك إلى مقر المعرفة والتوحدي، مشمراً ذيلك عن جميع ما يعوقكم ويمنعك من لوازم بشريتك، ملتجئاً نحو الحق في جميع حالاتك، مستمداً في سلوكك هذا عن أرباب الولاء الوالهين في مطالعة جمال الله، والواصلين إلى فضاء وحدته وبقائه منخلعين عن جلباب ناسوتهم بالكلية؛ بحيث لا يلتفتون إلى مقتضيات بشريتهم أصلاً إلا البدلاء وهم الحائرون الحاضرون الوالهون، الواصلون الفانون الباقون، المتبدلون المتحققون {أية : أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62]. ربنا اجعلنا بفضلك من خدامهم وتراب أقدامهم.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن دأب القلوب في اجتلاب إلهامات الغيوب بقوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} [الأعراف: 204] إلى آخر السورة الإشارة فيها: أن الإنصات شرط في حسن الاستماع، وحسن الاستماع شرط في الاسماع، فقال تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ} [الأعراف: 204] بلسانكم الظاهر؛ لتسمعوا له بأذانكم الظاهرة {وَأَنصِتُواْ} بألسنتكم الباطنة؛ لتسمعوا بآذانكم الباطنة، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] بالاستماع بالسمع الحقيقي، وهو قوله تعالى: "حديث : كنت له سمعاً بي يسمع"،تفسير : فمن سمع القرآن بسمع بارئه فقد سمع من قارئه، وهذا سر {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن: 1-2]، فهو مستعد لخطاب، {وَٱذْكُر رَّبَّكَ} [الأعراف: 205] بالأفعال والأخلاق والذات، {فِي نَفْسِكَ} [الأعراف: 205] بأن تبدل أفعال نفسك بالأعمال التي أمر الله بها، وتبدل أخلاقها بأخلاق الله تعالى وتفني ذاتها في ذات الله، وهذا كما قال الله تعالى: "حديث : وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"تفسير : وهو سر قوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152]، ألا ترى أن الفراش لما ذكر الشمعة في نفسه بإفناء ذاته في ذاتها كيف ذكر الشمعة في نفسه بإبقائها ببقائه على أن تلك الحضرة منزهة عن المثل والمثال، قوله تعالى: {تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ} [الأعراف: 205] التضرع: من باب التكلف: بداية هذا الذكر: بتبديل أفعال النفس بأعمال الشريعة يكون بالتكليف ظاهراً، ووسطه: بالتخلق بأخلاق الله بآداب الطريقة يكون مخفياً باطناً، ونهايته: بإفناء ذاتها في ذاته بأنوار الحقيقة يكون منهياً عن جهر القول، وهذا حقيقة قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إفشاء سر الربوبية كفر ". تفسير : قوله تعالى: {بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} [الأعراف: 205] يشير إلى: غدو الأزل وآصال الأبد، فإن الذاكر الحقيقي هو: المذكور الحقيقي، والذاكر والمذكور في الحقيقية هو: الله الأزلي الأبدي؛ لأنه تعالى قال في الأزل: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152] ففي الأزل خاطبهم وكان هو الذاكر والمذكور على الحقيقة، على أنا نقول: ما ذكره إلا هو، وهذا حقيقة قول يوسف ابن الحسين الرازي: ما قال أحد الله إلا الله تعالى، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَكُنْ مِّنَ ٱلْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] الذين لا يعلمون أن الذاكر والمذكور هو: الله تعالى في الحقيقة. ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ} [الأعراف: 206]؛ يعني: الذين أفنوا أفعالهم وأخلاقهم وذواتهم في أوامر الله وأخلاقه وذاته، فما بقوا عند أنفسهم وإنما بقوا ببقاء الله عنده، {لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} [الأعراف: 206]؛ لأن الاستكبار من أخلاقهم وقد أفنوها في أخلاقه، فما بقي لهم الاستكبار فكيف يستكبرون عن عبادته وقد أفنوا أفعالهم في أوامر الله وهي عبادته، فأعمالهم قائمة بالعبادة لا بالفعل، وهم في حال الفناء عن أنفسهم والبقاء بالله، {وَيُسَبِّحُونَهُ} [الأعراف: 206] ينزهونه عن الحلول والاتصال والإتحاد، وعن أن يكون هو العبد أو العبد إياه؛ بل هو كما كان في الأزل {أية : لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 1]. {وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف: 206] في الوجود والعدم من الأزل إلى الأبد، سجدوا له من الأزل في العدم منقادين مسخرين لأحكام القدرة في جادة الوجود، وسجدوا له إلى الأبد في الوجود ببذل الموجود منقادين لقربه قائمين لأحكام القدرة في تصاريف الإعدام والإيجاد والإفناء والإبقاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب اللّه يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب اللّه، فإنه ينال خيرا كثيرا وعلما غزيرا، وإيمانا مستمرا متجددا، وهدى متزايدا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب اللّه حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تُلِيَ عليه الكتاب، فلم يستمع له وينصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خير كثير. ومن أوكد ما يؤمر به مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه مأمور بالإنصات، حتى إن أكثر العلماء يقولون: إن اشتغاله بالإنصات، أولى من قراءته الفاتحة، وغيرها.
همام الصنعاني
تفسير : 977- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادةَ، في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}: [الآية: 204]، قال: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم: كم صَلَّيْتُمْ؟ كم بقي؟ فأنزل الله: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}. 978- عبد الرزاق، قال معمر، وقال الكلبي: كانوا يرفعون أصْواتَهُمْ في الصَّلاَةِ حين يسمعون ذِكْرَ الجنَّة والنَّار، فأنزل الله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}: [الآية: 204]. 979- عبد الرزاق، عن الثوري، عن جابر بن عبد الله قال: وجب الإِنصات في اثْنَتَيْنِ: في الصلاة ويوم الجعة [والإمام يخطب]. 980- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي هاشم، عن مجاهد، قال: هذا في الصلاة، في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِىءَ ٱلْقُرْآنُ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ}: [الآية: 204]. 981- عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير صلاةٍ أن يتكلم. 982- عبد الرزاق، عن الثوري، عن مجاهد أنه كره إذا مَرَّ الإِمام بآية خوف أو آية رحمة أن يقول أحدٌ ممن خلفه شيئاً. قال: السُّكُوتُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):