Verse. 1161 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

يَسْــــَٔـلُوْنَكَ عَنِ الْاَنْفَالِ۝۰ۭ قُلِ الْاَنْفَالُ لِلہِ وَالرَّسُوْلِ۝۰ۚ فَاتَّقُوا اللہَ وَاَصْلِحُوْا ذَاتَ بَيْنِكُمْ۝۰۠ وَاَطِيْعُوا اللہَ وَرَسُوْلَہٗۗ اِنْ كُنْتُمْ ￁مِنِيْنَ۝۱
Yasaloonaka AAani alanfali quli alanfalu lillahi waalrrasooli faittaqoo Allaha waaslihoo thata baynikum waateeAAoo Allaha warasoolahu in kuntum mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يسألونك» يا محمد «عن الأنفال» الغنائم لمن هي «قل» لهم «الأنفال لله» يجعلها حيث يشاء «والرسول» يقسِّمها بأمر الله فقسَّمها صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء، رواه الحاكم في المستدرك «فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم» أي حقيقة ما بينكم بالمودة وترك النزاع «وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين» حقا.

1

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن قوله: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ } يقتضي البحث عن خمسة أشياء، السائل والمسؤول وحقيقة النفل، وكون ذلك السؤال عن أي الأحكام كان، وإن المفسرين بأي شيء فسروا الأنفال. أما البحث الأول: فهو أن السائلين من كانوا؟ فنقول إن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ } إخبار عمن لم يسبق ذكرهم وحسن ذلك ههنا، لأن حالة النزول كان السائل عن هذا السؤال معلوماً معيناً فانصرف هذا اللفظ إليهم، ولا شك أنهم كانوا أقواماً لهم تعلق بالغنائم والأنفال وهم أقوام من الصحابة. وأما البحث الثاني: وهو أن المسؤول من كان؟ فلا شك أنه هو النبي صلى الله عليه وسلم. وأما البحث الثالث: وهو أن الأنفال ما هي فنقول: قال الزهري: النفل والنافلة ما كان زيادة على الأصل، وسميت الغنائم أنفالاً، لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل لهم الغنائم، وصلاة التطوع نافلة لأنها زيادة على الفرض الذي هو الأصل. وقال تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً }تفسير : [الأنبياء: 72] أي زيادة على ما سأل. وأما البحث الرابع: وهو أن السؤال عن أي أحكام الأنفال كان؟ فنقول: فيه وجهان: الأول: لفظ السؤال، وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن السؤال كان واقعاً عن ذلك المعين، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [البقرة: 222] {أية : فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلاْخِرَةِ } تفسير : [البقرة: 220] فعلم منه أنه سؤال عن حكم من أحكام المحيض واليتامى، وذلك الحكم غير معين، إلا أن الجواب كان معيناً لأنه تعالى قال في المحيض: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِي ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [البقرة: 222] فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان سؤالاً عن مخالطة النساء في المحيض. وقال في اليتامى: {أية : قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوٰنُكُمْ }تفسير : [البقرة: 220] فدل هذا الجواب المعين على أن ذلك السؤال المعين كان واقعاً عن التصرف في مالهم ومخالطتهم في المواكلة. وأيضاً قال تعالى: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ } تفسير : [الإسراء: 85] وليس فيه ما يدل على أن ذلك السؤال عن أي الأحكام إلا أنه تعالى قال في الجواب: {قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى } فدل هذا الجواب على أن ذلك السؤال كان عن كون الروح محدثاً أو قديماً، فكذا ههنا لما قال في جواب السؤال عن الأنفال: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } دل هذا على أنهم سألوه عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها. والقول الثاني: أن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ } أي من الأنفال، والمراد من هذا السؤال: الاستعطاء على ما روي في الخبر، أنهم كانوا يقولون يا رسول الله أعطني كذا أعطني كذا، ولا يبعد إقامة عن مقام من هذا قول عكرمة. وقرأ عبد الله {يَسْأَلُونَكَ ٱلانفَالِ }. والبحث الخامس: وهو شرح أقوال المفسرين في المراد بالأنفال. فنقول: إن الأنفال التي سألوا عنها يقتضي أن يكون قد وقع بينهم التنازع والتنافس فيها، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } يدل على أن المقصود من ذكر منع القوم عن المخاصمة والمنازعة. وثانيها: قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } يدل على أنهم إنما سألوا عن ذلك بعد أن وقعت الخصومة بينهم. وثالثها: أن قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يدل على ذلك. إذا عرفت هذا فنقول: يحتمل أن يكون المراد من هذه الأنفال الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً؛ ويحتمل أن يكون المراد غيرها. أما الأول: ففيه وجوه: أحدها: أنه صلى الله عليه وسلم قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوام لم يحضروا أيضاً، وهم ثلاثة من المهاجرين وخمسة من الأنصار، فأما المهاجرون فأحدهم عثمان فإنه عليه السلام تركه على ابنته لأنها كانت مريضة، وطلحة وسعيد بن زيد. فإنه عليه السلام كان قد بعثهما للتجسس عن خبر العير وخرجا في طريق الشام، وأما الخمسة من الأنصار، فأحدهم أبو لبابة مروان بن عبد المنذر، خلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وعاصم خلفه على العالية، والحرث بن حاطب: رده من الروحاء إلى عمرو بن عوف لشيء بلغه عنه، والحرث بن الصمة أصابته علة بالروحاء،وخوات بن جبير، فهؤلاء لم يحضروا، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في تلك الغنائم بسهم، فوقه من غيرهم فيه منازعة. فنزلت هذه الآية بسببها، وثانيها: روى أن يوم بدر الشبان قتلوا وأسروا والأشياخ وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف، فقال الشبان: الغنائم لنا لأنا قتلنا وهزمنا، وقال الأشياخ: كنا ردأ لكم ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، فوقعت المخاصمة بهذا السبب. فنزلت الآية. وثالثها: قال الزجاج: الأنفال الغنائم. وإنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم، وهذا الوجه ضعيف لأن على هذا التقدير يكون المقصود من هذا السؤال طلب حكم الله تعالى فقط، وقد بينا بالدليل أن هذا السؤال كان مسبوقاً بالمنازعة والمخاصمة. وأما الاحتمال الثاني: وهو أن يكون المراد من الأنفال شيئاً سوى الغنائم، فعلى هذا التقدير في تفسير الأنفال أيضاً وجوه: أحدها: قال ابن عباس في بعض الروايات: المراد من الأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال، من دابة أو عبد أو متاع، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء،وثانيها: الأنفال الخمس الذي يجعله الله لأهل الخمس، وهو قول مجاهد، قال: فالقوم إنما سألوا عن الخمس. فنزلت الآية، وثالثها: أن الأنفال هي السلب وهو الذي يدفع إلى الغازي زائداً على سهمه من الغنم، ترغيباً له في القتال، كما إذا قال الإمام: «من قتل قتيلاً فله سلبه» أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم، أو يقول فلكم نصفه أو ثلثه أو ربعه، ولا يخمس النفل، وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعد بن العاصي وأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: «ليس هذا لي ولا لك أطرحه في الموضع الذي وضعت فيه الغنائم» فطرحته وبي ما يعلمه الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال فقال: يا سعد «إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه» قال القاضي: وكل هذه الوجوه تحتمله الآية، وليس فيها دليل على ترجيح بعضها على بعض. وإن صح في الأخبار ما يدل على التعين قضى به، وإلا فالكل محتمل، وكما أن كل واحد منها جائز، فكذلك إرادة الجميع جائزة فإنه لا تناقض بينها، والأقرب أن يكون المراد بذلك ماله عليه السلام أن ينفل غيره من جملة الغنيمة قبل حصولها وبعد حصولها، لأنه يسوغ له تحريضاً على الجهاد وتقوية للنفوس كنحو ما كان ينفل واحداً في ابتداء المحاربة. ليبالغ في الحرب. أو عند الرجعة. أو يعطيه سلب القاتل، أو يرضخ لبعض الحاضرين، وينفله من الخمس الذي كان عليه السلام يختص به. وعلى هذا التقدير فيكون قوله: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } المراد الأمر الزائد على ما كان مستحقاً للمجاهدين. أما قوله تعالى: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } ففيه بحثان: البحث الأول: المراد منه أن حكمها مختص بالله والرسول يأمره الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد. البحث الثاني: قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخة بقوله فإن لله خمسه وللرسول، وذلك لأن قوله: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول، فنسخها الله بآيات الخمس وهو قول ابن عباس في بعض الروايات، وأجيب عنه من وجوه: الأول: أن قوله: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } معناه أن الحكم فيها لله وللرسول. وهذا المعنى باق فلا يمكن أن يصير منسوخاً، ثم إنه تعالى حكم بأن يكون أربعة أخماسها ملكاً للغانمين. الثاني: أن آية الخمس. تدل على كون الغنيمة ملكاً للغانمين، والأنفال ههنا مفسرة لا بالغنائم، بل بالسلب. وإنما ينفله الرسول عليه السلام لبعض الناس لمصلحة من المصالح. ثم قال تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } وفيه بحثان: البحث الأول: معناه فاتقوا عقاب الله ولا تقدموا على معصية الله، واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأحوال. وارضوا بما حكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. البحث الثاني: في قوله: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أي وأصلحوا ذات بينكم من الأقوال، ولما كانت الأقوال واقعة في البين، قيل لها ذات البين، كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور. ثم قال: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } والمعنى أنه تعالى نهاهم عن مخالفة حكم الرسول بقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } ثم أكد ذلك بأن أمرهم بطاعة الرسول بقوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } ثم بالغ في هذا التأكيد فقال: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } والمراد أن الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه ورغبتم فيه لا يتم حصوله إلا بالتزام هذه الطاعة، فاحذروا الخروج عنها، واحتج من قال: ترك الطاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية، وتقريره أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، وههنا الإيمان معلق على الطاعة بكلمة {ءانٍ } فيلزم عدم الإيمان عند عدم الطاعة وتمام هذه المسألة مذكور في قوله تعالى: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } تفسير : [النساء: 31] والله أعلم.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى ـ روى عُبادة بن الصّامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بَدر فَلَقُوا العدوّ؛ فلما هزمهم الله ٱتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم، واستولت طائفة على العسكر والنهب؛ فلما نفى الله العدوّ ورجع الذين طلبوهم قالوا: لنا النفل، نحن الذين طلبنا العدوّ وبنَا نفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم أحقّ به منا، بل هو لنا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدوّ منه غِرة. وقال الذين استلووا على العسكر والنهب: ما أنتم بأحقّ منا، هو لنا، نحن حَوَيْنَاه واستوْلَينا عليه؛ فأنزل الله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فُوَاقٍ بينهم. قال أبو عمر: قال أهل العلم بلسان العرب: استَلْوَوْا أطافوا وأحاطوا؛ يقال: الموت مُسْتَلْوٍ على العباد. وقوله: «فقسمه عن فُواق» يعني عن سرعة. قالوا: والفُوَاق ما بين حَلْبَتي الناقة. يقال: انتظره فُواقَ ناقة، أي هذا المقدار. ويقولونها بالضم والفتح: فُواق وفَواق. وكانَ هذا قبل أن ينزل: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ}تفسير : [الأنفال: 41] الآية. وكأنّ المعنى عند العلماء: أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعملُ بها بما يقرّب من الله تعالى. وذكر محمد بن إسحاق قال: حدّثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشْدَق عن مكحول عن أبي أمامة الباهليّ قال: سألت عُبادة بن الصّامت عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدرٍ نزلت حين اختلفنا في النّفلَ، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بَواء. يقول: على السّوَاء. فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البَيْن. ورُوي في الصحيح حديث : عن سعد بن أبي وَقّاص قال: ٱغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة، فإذا فيها سيف، فأخذتهُ فأتيت به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: نَفِّلني هذا السيف، فأنا من قد علمتَ حاله. قال: «ردّه من حيث أخذته» فانطلقت حتى أردت أن ألقيَه في القَبَض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه. قال: فشدّ لي صوته «ردّه من حيث أخذته» فٱنطلقت حتى أردت أن ألقِيَه في القَبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت: أعطنيه، قال: فشدّ لي صوته «ردّه من حيث أخذته» فأنزل الله {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}تفسير : . لفظ مسلم. والروايات كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفق للهداية. الثانية ـ الأنفال واحدها نَفَل بتحريك الفاء؛ قال:شعر : إنّ تَقْوَى رَبِّنا خيرُ نَفَل وبإذن الله رَيْثِي والعَجَلْ تفسير : أي خير غنيمة. والنَّفْل: اليمين؛ ومنه الحديث «حديث : فتبرئكم يهود بنَفْل خمسين منهم»تفسير : . والنّفْل الانتفاء؛ ومنه الحديث «حديث : فٱنتفل من ولدها»تفسير : . والنَّفَل: نبت معروف. والنَّفْل: الزيادة على الواجب، وهو التطوع. وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد. والغنيمة نافلة؛ لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأُمة مما كان محرّماً على غيرها. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : فُضِّلت على الأنبياء بست ـ وفيها ـ وأُحِلَّت لِيَ الغنائم»تفسير : . والأنفال: الغنائم أنفسها. قال عنترة:شعر : إنّا إذا ٱحمر الوَغَى نُروِي القنا ونَعِفّ عند مقاسم الأنفال تفسير : أي الغنائم. الثالثة ـ وٱختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال: الأول ـ محلها فيما شذ عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب. الثاني ـ محلها الخمس. الثالث ـ خمس الخمس. الرابع ـ رأس الغنيمة؛ حسب ما يراه الإمام. ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس، على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة الأخماس نفل، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معيَّنون وهم المُوجِفون، والخمس مردود قسمه إلى ٱجتهاد الإمام. وأهلُه غير معيّنين. قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم»تفسير : . فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد، وإنما يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس. هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس. وهو قول ابن المسيِّب والشافعيّ وأبي حنيفة. وسبب الخلاف حديثُ ابن عمر، رواه مالك قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سَرِيَّة قِبَل نَجْد فَغنِموا إبلاً كثيرة، وكانت سُهْمانهم ٱثْنَيْ عشر بعيراً أو أحد عشر بعيراً؛ ونُفِّلوا بعِيراً بعيراً. هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه، وتابعه على ذلك جماعة رواةِ الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر، فقال فيه: فكانت سُهْمانهم ٱثني عشر بعيراً، ونُفِّلوا بعيراً بعيراً. ولم يشُك. وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ٱبن عمر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد ـ في رواية الوليد: أربعة آلاف ـ وٱنبعثت سرية من الجيش ـ في رواية الوليد: فكنت ممن خرج فيها ـ فكان سهمان الجيش ٱثنى عشر بعيراً، اثني عشر بعيراً؛ ونفل أهل السرية بعيراً بعيراً؛ فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيراً؛ ذكره أبو داود. فٱحتج بهذا من يقول إن النَّفل إنما يكون من جملة الخمس. وبيانه أن هذه السرية لو نزّلت على أن أهلها كانوا عشرةً مثلاً أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون، قُسِّمت على عشرة وجب لكل واحد ٱثنا عشر بعيراً، اثنا عشر بعيراً، ثم أعطى القوم من الخمس بعيراً بعيراً؛ لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة. فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد. واحتج من قال: إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال: جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العُرُوض. ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث: فأصبنا إبلاً وغنماً؛ الحديثَ. وذكر محمد ابن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفّلهم قبل القسم، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة، وهو خلاف قول مالك. وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفّاظ؛ قاله أبو عمر رحمه الله. وقال مكحول والأوزاعيّ: لا ينفَّل بأكثر من الثلث؛ وهو قول الجمهور من العلماء. قال الأوزاعيّ: فإن زادهم فَلْيف لهم ويجعل ذلك من الخمس. وقال الشافعيّ: ليس في النَّفَل حدّ لا يتجاوزه الإمام. الرابعة ـ ودلّ حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكَم عن شعيب عن نافع أن السريّة إذا خرجت من العسكر فغَنِمت أن العسكر شركاؤهم. وهذه مسألة وحُكْم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع، ولم يختلف العلماء فيه، والحمد لله. الخامسة ـ واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال: من هدم كذا من الحِصْن فله كذا، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا، ومن جاء برأسٍ فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا؛ يُضَرِّيهم. فرُوِي عن مالك أنه كرهه. وقال: هو قتال على الدنيا. وكان لا يجيزه. قال الثَّوْرِيّ: ذلك جائز ولا بأس به. قلت: وقد جاء هذا المعنى مرفوعاً من حديث ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسر أسيراً فله كذا»تفسير : . الحديث بطوله. وفي رواية عكرمة عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا»تفسير : . فتسارع الشُّبان وثبت الشيوخ مع الرايات؛ فلما فُتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جُعل لهم فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون به دوننا، فقد كنا رِدْءاً لكم؛ فأنزل الله تعالى: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} ذكره إسماعيل ابن إسحاق أيضاً. ورُوي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله البَجَلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم: هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسَبْي؟. وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم: الأُوزاعي ومكحول وابن حَيوَة وغيرهم. ورأُوا الخمس من جملة الغنيمة، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر؛ وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد. قال أبو عبيد: والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس. وقال مالك: لا يجوز أن يقول الإمام لسَرِيّة؛ ما أخذتم فلكم ثلثه. قال سُحْنُون: يريد ابتداء. فإن نزل مضى، ولهم أنصباؤهم في الباقي. وقال سحنون: إذا قال الإمام لسَرِيّة ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه؛ فهذا لا يجوز، فإن نزل رددته، لأن هذا حكم شاذّ لا يجوز ولا يمضي. السادسة ـ واستحب مالك رحمه الله ألاّ ينفّل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف. ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهباً أو فضة أو لؤلؤاً ونحوه. وقال بعضهم: النفل جائز من كل شيء. وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية، والله أعلم. السابعة ـ قوله تعالىٰ: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أمر بالتقوىٰ والإصلاح، أي كونوا مجتمعين على أمر الله في الدعاء: اللَّهُمَّ أصلح ذات البَيْن، أي الحال التي يقع بها الاجتماع. فدل هذا على التصريح بأنه شَجَر بينهم اختلاف. أو مالت النفوس إلى التّشاحّ؛ كما هو منصوص في الحديث. وتقدّم معنىٰ التقوىٰ، أي ٱتقوا الله في أقوالكم، وأفعالكم، وأصلحوا ذات بينكم. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الغنائم ونحوها. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا. وقيل: «إنْ» بمعنىٰ «إذْ».

البيضاوي

تفسير : {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} أي الغنائم يعني حكمها، وإنما سميت الغنيمة نفلاً لأنها عطية من الله وفضل كما سمي به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه. {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي أمرها مختص بهما يقسمها الرسول على ما يأمره الله به. وسبب نزوله اختلاف المسلمين في غنائم بدر أنها كيف تقسم ومن يقسم المهاجرون منهم أو الأنصار. وقيل شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين ثم طلبوا نفلهم ـ وكان المال قليلاً ـ فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رِدْءاً لكم وفئة تنحازون إلينا، فنزلت فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء، ولهذا قيل: لا يلزم الإمام أن يفي بما وعد وهو قول الشافعي رضي الله عنه، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم واستوهبته منه فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: سألتني السيف وليس لي وأنه قد صار لي فاذهب فخذه. وقرىء «يسألونك علنفال» بحذف الهمزة والفاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها، ويسألونك الأنفال أي يسألك الشبان ما شرطت لهم. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} في الاختلاف والمشاجرة. {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} الحال التي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله وتسليم أمره إلى الله والرسول. {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} فيه. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فإن الإيمان يقتضي ذلك، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان بهذه الثلاثة: طاعة الأوامر، والاتقاء عن المعاصي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان.

ابن كثير

تفسير : قال البخاري: قال ابن عباس: الأنفال: المغانم، حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا سعيد بن سليمان، أخبرنا هشيم أخبرنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما: سورة الأنفال؟ قال: نزلت في بدر. أما ما علقه عن ابن عباس، فكذلك رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال: الأنفال: الغنائم، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء، وكذا قال مجاهد وعكرمة وعطاء والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: أنها المغانم، وقال الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس: أنه قال: الأنفال: الغنائم، قال فيها لبيد:شعر : إِنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ وبإذنِ اللّهِ رَيْثي وعَجَلْ تفسير : وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس عن ابن شهاب عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: الفرس من النفل، والسلب من النفل. ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضاً، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب. وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن القاسم بن محمد قال: قال ابن عباس: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سئل عن شيء، قال: لا آمرك ولا أنهاك. ثم قال ابن عباس: والله ما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلا زاجراً آمراً، محلاً محرماً. قال القاسم: فسلط على ابن عباس رجل، فسأله عن الأنفال، فقال ابن عباس: كان الرجل ينفل فرس الرجل وسلاحه، فأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك، ثم عاد عليه حتى أغضبه، فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم الله لعمر منك. وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، أنه فسر النفل بما ينفله الإمام لبعض الأشخاص من سلب أو نحوه بعد قسم أصل المغنم، وهو المتبادر إلى فهم كثير من الفقهاء من لفظ النفل، والله أعلم. وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة من الأخماس، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} وقال ابن مسعود ومسروق: لا نفل يوم الزحف، إنما النفل قبل التقاء الصفوف، رواه ابن أبي حاتم عنهما، وقال ابن المبارك وغير واحد عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح في الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال؛ من دابة أو عبد أو أمة أو متاع، فهو نفل للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما يشاء، وهذا يقتضي أنه فسر الأنفال بالفيء، وهو ما أخذ من الكفار من غير قتال. قال ابن جرير: وقال آخرون: هي أنفال السرايا، حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا علي بن صالح بن حيي، قال: بلغني في قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} قال: السرايا، ومعنى هذا ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش. وقد صرح بذلك الشعبي، واختار ابن جرير أنها زيادة على القسم، ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإمام أحمد، حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : اذهب فاطرحه في القبض» تفسير : قال: فرجعت وبي مالا يعلمه إلا الله؛ من قتل أخي، وأخذ سلبي، قال: فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اذهب فخذ سلبك»تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر عن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن اسعد عن سعد بن مالك، قال: قلت: يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: «حديث : إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه» تفسير : قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً؟ قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش به، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي، أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد، قال: نزلت فيّ أربع آيات، أصبت سيفاً يوم بدر، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلنيه، فقال: «حديث : ضعه من حيث أخذته» تفسير : مرتين، ثم عاودته فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ضعه من حيث أخذته» تفسير : فنزلت هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} الآية، وتمام الحديث في نزول: {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} تفسير : [العنكبوت: 8] وقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} تفسير : [المائدة: 90] وآية الوصية، وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به، وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل، أقبلت به، فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه، ورواه ابن جرير من وجه آخر. (سبب آخر في نزول الآية) وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سلمة عن ابن إسحاق عن عبد الرحمن عن سليمان بن موسى عن مكحول عن أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال فقال: فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا، وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء، يقول: عن سواء. وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أبو معاوية بن عمر، أخبرنا أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، عن سليمان بن موسى، عن أبي سلامة عن أبي أمامة عن عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس، فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، فليس لأحد فيها نصيب،وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم لستم بأحق منا، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدو، نفل الربع، فإذا أقبل وكل الناس راجعاً، نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم ورواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن الحارث به نحوه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، من حديث عبد الرحمن بن الحارث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وروى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه واللفظ له، وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا» تفسير : فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما كانت المغانم، جاؤوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا؛ فإنا كنا ردءاً لكم، لو انكشفتم، لفئتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. وقال الثوري عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل قتيلاً، فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير، فله كذا وكذا»تفسير : . فجاء أبو اليسر بأسيرين، فقال: يا رسول الله صلى الله عليك، أنت وعدتنا، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله إنك لو أعطيت هؤلاء، لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك؛ مخافة أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا، ونزل القرآن: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، قال: ونزل القرآن: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} تفسير : [الأنفال: 41] إلى آخر الآية، وقال الإمام أبو عبيد الله القاسم بن سلام، رحمه الله، في كتاب الأموال الشرعية وبيان جهاتها ومصارفها: أما الأنفال، فهي المغانم، وكل نيل ناله المسلمون من أموال أهل الحرب، فكانت الأنفال الأولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}، فقسمها يوم بدر على ما أراه الله من غير أن يخمسها؛ على ما ذكرناه في حديث سعد، ثم نزلت بعد ذلك آية الخمس، فنسخت الأولى، قلت: هكذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس سواء، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي. وقال ابن زيد: ليست منسوخة، بل هي محكمة، قال أبو عبيد: وفي ذلك آثار، والأنفال أصلها جماع الغنائم، إلا أن الخمس منها مخصوص لأهله على ما نزل به الكتاب، وجرت به السنة، ومعنى الأنفال في كلام العرب كل إحسان فعله فاعل تفضلاً، من غير أن يجب ذلك عليه، فذلك النفل الذي أحله الله للمؤمنين من أموال عدوهم، وإنما هو شيء خصهم الله به تطولاً منه عليهم بعد أن كانت الغنائم محرمة على الأمم قبلهم، فنفلها الله تعالى هذه الأمة، فهذا أصل النفل، قلت: شاهد هذا ما في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي - فذكر الحديث إلى أن قال: - وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي»تفسير : . وذكر تمام الحديث، ثم قال أبو عبيد: ولهذا سمي ما جعل الإمام للمقاتلة نفلاً، وهو تفضيله بعض الجيش على بعض بشيء سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء عن الإسلام، والنكاية في العدو، وفي النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى (فإحداهن): في النفل لا خمس فيه، وذلك السلب، (والثانية): النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب، فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس، (والثالثة): في النفل من الخمس نفسه، وهو أن تحاز الغنيمة كلها، ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام، نفل منه على قدر ما يرى. (والرابعة): في النفل في جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء، وهو أن يعطي الأدلاء ورعاة الماشية والسواق لها. وفي كل ذلك اختلاف. قال الربيع: قال الشافعي: الأنفال أن لا يخرج من رأس الغنيمة قبل الخمس شيء غير السلب. قال أبو عبيد: والوجه الثاني من النفل هو شيء زيدوه غير الذي كان لهم، وذلك من خمس النبي صلى الله عليه وسلم فإن له خمس الخمس من كل غنيمة، فينبغي للإمام أن يجتهد، فإذا كثر العدو واشتدت شوكتهم وقل من بإزائه من المسلمين، نفل منه؛ اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا لم يكن ذلك، لم ينفل، (والوجه الثالث) من النفل إذا بعث الإمام سرية أو جيشاً، فقال لهم قبل اللقاء: من غنم شيئاً، فهو له، بعد الخمس، فهو لهم على ما شرط الإمام؛ لأنهم على ذلك غزوا، وبه رضوا، انتهى كلامه. وفيما تقدم من كلامه، وهو قوله: إن غنائم بدر لم تخمس، نظر. ويرد عليه حديث علي بن أبي طالب، في شارفيه اللذين حصلا له من الخمس يوم بدر، وقد بينت ذلك في كتاب السيرة بياناً شافياً، ولله الحمد والمنة. وقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أي: اتقوا الله في أموركم، وأصلحوا فيما بينكم، ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم الله من الهدى والعلم خير مما تختصمون بسببه {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: في قسمه بينكم على ما أراده الله، فإنه إنما يقسمه كما أمره الله من العدل والإنصاف، وقال ابن عباس: هذا تحريج من الله ورسوله على المؤمنين أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، وكذا قال مجاهد، وقال السدي: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أي: لا تستبوا. ولنذكر ههنا حديثاً أورده الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي رحمه الله، في مسنده؛ فإنه قال: حدثنا مجاهد بن موسى، حدثنا عبد الله بن بكر، حدثنا عباد بن شيبة الحبطي عن سعيد بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ فقال: «حديث : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة تبارك وتعالى، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي، فقال الله تعالى: أعط أخاك مظلمته، قال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء، قال: رب فليحمل عني من أوزاري»تفسير : . قال: قال: ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: «حديث : إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى من يتحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفع بصرك وانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة، وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى ثمنه، قال: يا رب ومن يملك ثمنه؟ قال: أنت تملكه، قال: ماذا يا رب؟ قال: تعفو عن أخيك، قال: يا رب فإني قد عفوت عنه، قال الله تعالى: خذ بيد أخيك، فأدخله الجنة»تفسير : . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ } يا محمد {عَنِ ٱلأَنفَالِ } الغنائم لمن هي؟ {قُلْ } لهم {ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } يجعلانها حيث شاءَا فقسمها صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. رواه الحاكم في المستدرك {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أي حقيقة ما بينكم بالمودّة وترك النزاع {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } حقاً.

الشوكاني

تفسير : الأنفال: جمع نفل محرّكاً، وهو الغنيمة، ومنه قول عنترة:شعر : إنا إذا احمرّ الوغى نروي القنا ونعف عند تقاسم الأنفال تفسير : أي الغنائم. وأصل النفل. الزيادة. وسميت الغنيمة به لأنها زيادة فيما أحلّ الله لهذه الأمة مما كان محرماً على غيرهم. أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهد من أجر الجهاد. ويطلق النفل على معان أخر منها اليمين، والابتغاء، ونبت معروف. والنافلة: التطوّع لكونها زائدة على الواجب. والنافلة: ولد الولد، لأنه زيادة على الولد. وكان سبب نزول الآية اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في يوم بدر كما سيأتي بيانه، فنزع الله ما غنموه من أيديهم، وجعله لله والرسول، فقال: {قُلِ ٱلأنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } أي حكمها مختص بهما، يقسمها بينكم رسول الله عن أمر الله سبحانه، وليس لكم حكم في ذلك. وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، ليس لأحد فيها شيء حتى نزل قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } تفسير : [الأنفال: 41]. وثم أمرهم بالتقوى، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول بالتسليم لأمرهما، وترك الاختلاف الذي وقع بينهم، ثم قال: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة إن كنتم مؤمنين بالله. وفيه من التهييج والإلهاب مالا يخفى، مع كونهم في تلك الحال على الإيمان، فكأنه قال: إن كنتم مستمرّين على الإيمان بالله، لأن هذه الأمور الثلاثة التي هي تقوى الله، وإصلاح ذات البين، وطاعة الله والرسول، لا يكمل الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلاً لمن لم يمتثلها، فإن من ليس بمتق، وليس بمطيع لله ورسوله ليس بمؤمن. وقد أخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن أبي أمامة، قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله بين المسلمين عن بواء. يقول: عن سواء. وأخرج سعيد ابن منصور، وأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والحاكم وصححه، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، وأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدوّ منه غرّة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنه العدوّ وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة فاشتغلنا به، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ قُلِ ٱلأنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } قسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدوّ نفل الربع، وإذا أقبل راجعاً وكلّ الناس نفل الثلث. وكان يكره الأنفال ويقول: ليرد قويّ المسلمين على ضعيفهم. وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي أيوب الأنصاريّ قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فنصرها الله وفتح عليها، فكان من آتاه بشيء نفله من الخمس، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلونه ويأسرون، وتركوا الغنائم خلفهم، فلم ينالوا من الغنائم شيئاً، فقالوا: يا رسول الله ما بال رجال منا يستقدمون ويأسرون، وتخلف رجال لم يصلوا بالقتال فنفلتهم بالغنيمة؟ فسكت رسول الله ونزل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } الآية، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : ردوا ما أخدتم واقتسموا بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك"تفسير : ، فقالوا: قد أنفقنا وأكلنا، فقال: "حديث : احتسبوا ذلك».تفسير : وأخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن سعد بن أبي وقاص، قال قلت: يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، فقال: «حديث : إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه"تفسير : ، فوضعته، ثم رجعت قلت عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي، إذا رجل يدعوني من ورائي، قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً؟ قال: "حديث : كنت سألتني هذا السيد وليس هو لي، وإنه قد وهب لي فهو لك»تفسير : . وأنزل الله هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } وفي لفظ لأحمد أن سعداً قال: لما قتل أخي يوم بدر، وقتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه وكان يسمّى ذا الكتيفة، فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحو ما تقدّم، وقد روي هذا الحديث عن سعد من وجوه أخر. وأخرج ابن جرير وابن مردويه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جدّه: أن الناس سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر، فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ }. وأخرج ابن مردويه عنه قال: لم ينفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ نزلت عليه {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } إلا من الخمس، فإنه نفل يوم خيبر من الخمس. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن حبان، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قتل قتيلاً فله كذا وكذا»تفسير : ، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإنا كنا لكم رِدءاً، ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ} الآية، فقسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بينهم بالسوية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } قال: الأنفال المغانم. كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء ما أصاب من سرايا المسلمين من شيء أتوه به. فمن حبس منه إبرة أو سلكاً فهو غلول، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئاً فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ قُلِ ٱلأنفَالُ } لي جعلتها لرسولي ليس لكم فيها شيء {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } إلى قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ثم أنزل الله {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } تفسير : [الأنفال: 41] الآية، ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذي القربى واليتامى، والمساكين، والمهاجرين في سبيل الله، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء، للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم. وأخرج أبو عبيد، وابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } قال: هي الغنائم، ثم نسخها {وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } الآية. وأخرج مالك وابن أبي شيبة، وأبو عبيد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس وأبو الشيخ، وابن مردويه عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال فقال: الفرس من النفل، والسلب من النفل، فأعاد المسألة فقال ابن عباس: هذا مثل ضبيع الذي ضربه عمر؛ وفي لفظ: فقال ما أحوجك أن يصنع بك كما صنع عمر بضبيع العراقي، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه، قال: الأنفال المغانم، أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها، فيرد القويّ على الضعيف. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس، وأبو الشيخ، عن عطاء، في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } قال: هو ما شذّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو دابة أو متاع، فذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، يصنع به ما شاء. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن محمد بن عمرو قال: أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن الأنفال فقال: تسألوني عن الأنفال، وإنه لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق عن سعيد أيضاً قال: ما كانوا ينفلون إلا من الخمس. وروي عبد الرزاق عنه أنه قال: لا نفل في غنائم المسلمين إلا في خمس الخمس. وأخرج عبد الرزاق عن أنس أن أميراً من الأمراء أراد أن ينفله قبل أن يخمسه، فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الشعبي، في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ } قال: ما أصابت السرايا. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، والنحاس في ناسخه، عن مجاهد، وعكرمة، قال: كانت الأنفال لله والرسول، حتى نسختها آية الخمس {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } تفسير : الآية [الأنفال: 41]. وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، في الأدب المفرد، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، في قوله: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } قال: هذا تخريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله وأن يصلحوا ذات بينهم حيث اختلفوا في الأنفال. وأخرج ابن أبي حاتم، عن مكحول، قال: كان صلاح ذات بينهم أن ردت الغنائم، فقسمت بين من ثبت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين من قاتل وغنم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عطاء، في قوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } قال: طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} وهذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أصحابه يوم بدر عن الأنفال. وفي هذه الأنفال التي سألوه عنها خمسة أقاويل: أحدها: أنها الغنائم، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك، الثاني: أنها السرايا التي تتقدم الجيش، وهذا قول الحسن. الثالث: الأنفال ما ندّ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من دابة أو عبد، وهذا أحد قولي ابن عباس. الرابع: أن الأنفال الخمس من الفيء والغنائم التي جعلها الله تعالى لأهل الخمس، وهذا قول مجاهد. الخامس: أنها زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش لما قد يراه من الصلاح. والأنفال جمع نَفَل، وفي النفل قولان: أحدهما: أنه العطية، ومنه قيل للرجل الكثير العطاء: نوفل، قال الشاعر: شعر : يأتي الظلامة منه النوفل الزُّفَرُ تفسير : فالنوفل: الكثير العطاء. والزفر: الحمال للأنفال، ومنه سمي الرجل زفر. والقول الثاني: أن النفل الزيادة من الخير ومنه صلاة النافلة. قال لبيد بن ربيعة: شعر : إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل تفسير : واختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أربعة أقاويل: أحدها: ما رواه ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مَنْ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكذَا" تفسير : فسارع إليه الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله تعالى عليهم جاءوا يطلبون ما جعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءاً لكم، فأنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} الآية. الثاني: ما روى محمد بن عبيد بن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر قُتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص بن أميةَ وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: هبه لي يا رسول الله، فقال: "حديث : اطْرَحْهُ فِى القَبض" تفسير : . فطرحته ورجعت وبي من الغم ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، قال: فما تجاوزت إلا قريباً حتى نزلت عليه سورة الأنفال فقال: "حديث : اذْهَبْ فُخُذْ سَيْفَك ". تفسير : الثالث: أنها نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً فاختلفوا وكانوا أثلاثاً فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ} الآية. فملّكه الله رسوله فقسمه كما أراه الله، قاله عكرمة والضحاك وابن جريج. والرابع: أنهم لم يعلموا حكمها وشكّوا في إحلالها لهم مع تحريمها على من كان قبلهم فسألوا عنها ليعلموا حكمها من تحليل أو تحريم فأنزل الله تعالى هذه الآية. ثم اختلف أهل العلم في نسخ هذه الآية على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} تفسير : [الانفال:41]. الآية، قاله عكرمة، ومجاهد، والسدي. والقول الثاني: أنها ثابتة الحكم ومعنى ذلك؛ قل الأنفال لله، وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة، والرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها، قاله ابن زيد. {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: أن يرد أهل القوة على أهل الضعف. الثاني: أن يسلِّموا لله وللرسول ليحكما في الغنيمة بما شاء الله.

ابن عطية

تفسير : النفل والنفل والنافلة في كلام العرب الزيادة على الواجب، وسميت الغنيمة نفلاً لأنها زيادة على القيام بالجهاد وحماية الدين والدعاء إلى الله عز وجل، ومنه قول لبيد: [الرمل] شعر : إنَّ تَقْوى ربِّنا خَيْرُ نَفَلْ تفسير : أي خير غنيمة، وقول عنترة: شعر : إنَّا إذا احمرّ الوغى نروي القنا ونعفُّ عند مقاسم الأنفالِ تفسير : والسؤال في كلام العرب يجيء لاقتضاء معنى في نفس المسؤول، وقد يجيء لاقتضاء مال أو نحوه، والأكثر في هذه الآية أن السؤال إنما هو عن حكم "الأنفال" فهو من الضرب الأول، وقالت فرقة إنما سألوه الأنفال نفسها أن يعطيهم إياها، واحتجوا في ذلك بقراءة سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود وعلي بن الحسين وأبي جعفر محمد بن علي وزيد بن علي وجعفر بن محمد وطلحة بن مصرف وعكرمة والضحاك وعطاء "يسألونك الأنفال"، وقالوا في قراءة من قرأ عن أنها بمعنى "من"، فهذا الضرب الثاني من السؤال واختلف الناس في المراد بـ {الأنفال} في هذه الآية، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة وعطاء وابن زيد هي الغنائم مجملة، قالوا وذلك أن سبب الآية ما جرى يوم بدر وهو أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم افترقوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة أقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش الذي صنع له وحمته وآنسته، وفرقة أحاطت بعسكر العدو وأسلابهم لما انكشفوا، وفرقة اتبعوا العدو فقتلوا وأسروا. وقال ابن عباس في كتاب الطبري: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرض الناس قبل ذلك فقال: من قتل قتيلاً أو أسر أسيراً فله كذا وله كذا، فسارع الشبان وبقي الشيوخ عند الرايات، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس رأت كل فرقة الفضل لنفسها، وقالت نحن أولى بالمغنم، وساءت أخلاقهم في ذلك، فنزلت الآية بأن الغنائم لله وللرسول فكفوا، فقسمه حيئنذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على السواء، وأسند الطبري وغيره عن أبي أمامة الباهلي، قال: سألت عبادة بن الصامت عن "الأنفال" فقال فينا أهل بدر نزلت حين اختلفنا وساءت أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقسمه عليه السلام عن بواء. قال القاضي أبو محمد: يريد عن سواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وصلاح ذات البين، مما جرى أيضاً يوم بدر فقيل إنه سبب ما أسنده الطبري عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاصي وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكثيفة فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: هذا السيف قد شفى الله به من المشركين فأعطنيه، فقال: ليس هذا لي ولا لك، فاطرحه في القبض فطرحته فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، قال فما جاوزت إلا قريباً حتى نزلت عليه سورة الأنفال، فقال: اذهب فخذ سيفك فإنك سألتني السيف وليس لي، وإنه قد صار لي فهو لك. قال القاضي أبو محمد: وفي بعض طرق هذا الحديث، قال سعد: فقلت لما قال لي ضعه في القبض أني أخاف أن تعطيه من لم يبل بلائي، قال: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلفي، قال فقلت أخاف أن يكون نزلت فيّ شيء، فقال: إن السيف قد صار لي فأعطانيه ونزلت {يسألونك عن الأنفال} وأسند الطبري أيضاً عن أبي أسيد مالك بن ربيعة قال: أصبت سيف ابن عائد يوم بدر، وكان يسمى المزربان، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت به، فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم المخزومي فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه. قال القاضي أبو محمد: فيجيء من مجموع هذه الآثار أن نفوس أهل بدر تنافرت ووقع فيها ما يقع في نفوس البشر من إرادة الأثرة، لا سيما من أبلى، فأنزل الله عز وجل الآية، فرضي المسلمون وسلموا، فأصلح الله ذات بينهم ورد عليه غنائمهم، وقال بعض أهل هذا التأويل عكرمة ومجاهد: كان هذا الحكم من الله لرفع الشغب، ثم نسخ بقوله {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء} تفسير : [الأنفال:41] وقال ابن زيد: لم يقع في الآية نسخ، وإنما أخبر أن الغنائم لله من حيث هي ملكه ورزقه وللرسول من حيث هو مبين بها أحكام الله والصادع بها ليقع التسليم فيها من الناس، وحكم القسمة نازل خلال ذلك، ولا شك في أن الغنائم وغيرها والدنيا بأسرها هي لله وللرسول. قال القاضي أبو محمد: وقال ابن عباس أيضاً {الأنفال} في الآية ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، وهذا أيضاً يحسن مع الآية ومع ما ذكرناه من آثار يوم بدر. وقال علي بن صالح بن جني والحسن فيما حكى المهدوي: {الأنفال} في الآية ما تجيء به السرايا خاصة. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول بعيد عن الآية غير ملتئم مع الأسباب المذكورة، بل يجيء خارجاً عن يوم بدر، وقال مجاهد: {الأنفال} في الآية الخمس، قال المهاجرون: لم يخرج منا هذا الخمس، فقال الله تعالى هو لله وللرسول، وهذا أيضاً قول قليل التناسب مع الآية، وقال ابن عباس وعطاء أيضاً: {الأنفال} في الآية ماشد من أموال المشركين إلى المسلمين كالفرس والغاير والعبد الآبق هو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما شاء، وقال ابن عباس أيضاً: {الأنفال} في الآية ما أصيب من أموال المشركين بعد قسمة الغنيمة هو لله ورسوله. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان لا تخرج بهما الآية عن الأسباب التي رويت في يوم بدر ولا تختص الآية بيوم بدر على هذا، وكأن هاتين المقالتين إنما هي فيما ناله الجيش دون قتال وبعد تمام الحرب وارتفاع الخوف، وأولى هذه الأقوال وأوضحها القول الأول الذي تظاهرت الروايات بأسبابه وناسبه الوقت الذي نزلت الآية فيه، وحكى النقاش عن الشعبي أنه قال: {الأنفال} الأسارى. قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما هو على جهة المثال فيعني كل ما يغنم، ويحسن في تفسير هذه الآية أن نذكر شيئاً من اختلاف العلماء في تنفيل الإمام لمن رآه من أهل النجدة والغناء وما يجوز من ذلك وما يمتنع وما لهم في السلب من الاختلاف، فقالت فرقة لا نفل بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الجمهور: النفل باق إلى يوم القيامة، ينفل إمام الجيش ما رآه لمن رآه لكن بحسب الاجتهاد والمصلحة للمسلمين ليحض الناس على النجدة وينشطهم إلى مكافحة العدو والاجتهاد في الحرب، ثم اختلفوا فقال ابن القاسم عن مالك في المدونة: إنما ينفل الإمام من الخمس لا من جملة الغنيمة، وينفل في أول المغنم وفي آخره بحسب اجتهاده، وقالت فرقة: إنما ينفل الإمام قبل القتال، وأما إذا جمعت الغنائم فلا نفل. قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما يكون على هذا القول بأن يقول من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، أو يقول لسرية إن وصلتم إلى موضع كذا فلكم كذا، وقال الشافعي وابن حنبل: لا نفل إلا بعد الغنيمة قبل التخميس، وقال إبراهيم النخعي: ينفل الإمام متى شاء قبل التخميس، وقال أنس بن مالك ورجاء بن حيوة ومكحول والقاسم وجماعة منهم الأوزاعي وأحمد وإسحاق وعدي بن عدي: لا نفل إلا بعد إخراج الخمس ثم ينفل الإمام من أربعة الأخماس ثم يقسم الباقي بين الناس: وقال ابن المسيب: إنما ينفل الإمام من خمس الخمس، وقال مالك رحمه الله لا يجوز أن يقول الأمير من هدم كذا من الحصن فله كذا ومن بلغ إلى كذا فله كذا، ولا أحب لأحد أن يسفك دماً على مثل هذا، قال سحنون: فإن نزل ذلك لزمه فإنه مبايعة. وقال مالك رحمه الله: لا يجوز أن يقول الإمام لسرية: ما أخذتم فلكم ثلثه، قال سحنون: يريد ابتداء، فإن نزل مضى ولهم انصباؤهم في الباقي، وقال سحنون: إذا قال الإمام لسرية: ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه، فهذا لا يجوز فإن نزل رددته لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى، ويستحب على مذهب مالك إن نفل الإمام أن ينفل ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف، وقد منع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهباً أو فضة أو لؤلؤاً أو نحو هذا، وقال بعضهم: النفل جائز من كل شيء، وأما السلب فقال مالك رحمه الله: الأسلاب من المغنم تقسم على جميع الجيش إلا أن يشرط الإمام وقاله غيره: وقال الليث والأوزاعي والشافعي وأحمد وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر: السلب حق للقاتل بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وابن المنذر: السلب حق للقاتل بحكم النبي صلى الله عليه وسلم، قال الشافعي وأحمد وأبو عبيد وابن المنذر: قاله الإمام أو لم يقله, وقال مالك: إذ قال الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه فذلك لازم، ولكنه على قدر اجتهاد الإمام وبسبب الأحوال والضيقات واستصراخ الأنجاد، وقال الشافعي وابن حنبل: تخرج الأسلاب من الغنيمة ثم تخمس بعد ذلك وتعطى الأسلاب للقتلة، وقال إسحاق بن راهويه: إن كان السلب يسيراً فهو للقاتل وإن كان كثيراً خمس، وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفاً، فخمس ذلك، وروي في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم هو حديث عوف بن مالك في مصنف أبي داود، وقال مكحول: السلب مغنم وفيه الخمس، وروي نحوه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال القاضي أبو محمد: يريد يخمس على القاتل وحده, وقال جمهور الفقهاء لا يعطى القاتل السلب إلا أن يقيم البينة على قتله قال أكثرهم: ويجزىء شاهد واحد بحكم حديث أبي قتادة، وقال الأوزاعي يعطاه بمجرد دعواه. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقال الشافعي: لا يعطى القاتل إلا إذا كان قتيله مقبلاً مشيحاً مبارزاً، وأما من قتل منهزماً فلا، وقال أبو ثور وابن المنذر صاحب الأشراف: للقاتل السلب منهزماً كان القتيل أو غير منهزم. قال القاضي أبو محمد: وهذا أصح لحديث سلمة بن الأكوع في اتباعه ربيئة الكفار في غزوة حنين وأخذه بخطام بعيره وقتله إياه وهو هارب فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سلبه، وقال ابن حنبل: لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة فقط، واختلفوا في السلب، فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا أحفظ فيه خلافاً أنه من السلب، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه، وقال أحمد بن حنبل في الفرس: ليس من السلب، وكذلك إن كان في هميانه أو منطقته دنانير أو جوهر أو نحو هذا مما يعده فلا أحفظ خلافاً أنه ليس من السلب, واختلف فيما يتزين به للحرب ويهول فيها كالتاج والسوارين والأقراط والمناطق المثقلة بالذهب والأحجار, فقال الأوزاعي ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة: ليس من السلب، وهذا مروي عن سحنون رحمه الله إلا المنطقة فإنها عنده من السلب، قال ابن حبيب في الواضحة: والسوارين من السلب، ويرجح الشافعي هل هذه كلها من السلب أو لا؟ قال القاضي أبو محمد: وإذا قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه فقتل ذمي قتيلاً فالمشهور أن لا شيء له وعلى قول أشهب يرضخ أهل الذمة من الغنيمة يلزم أن يعطى السلب، وإن قتل الإمام بيده بعد هذه المقالة قتيلاً فله سلبه. قال القاضي أبو محمد: وأما الصفي فكان خالصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله عز وجل: {فاتقوا الله} معناها في الكلام، اجعل بينك وبين المحذور وقاية، وقوله {وأصلحوا ذات بينكم} تصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ومالت النفوس إلى التشاح، و {ذات} في هذا الموضع يراد بها نفس الشيء وحقيقته، والذي يفهم من {بينكم} هو معنى يعم جميع الوصل والالتحامات والمودات وذات ذلك هي المأمور بإصلاحها أي نفسه وعينه، فحض الله عز وجل على إصلاح تلك الأجزاء فإذا صلحت تلك حصل إصلاح ما يعمها وهو البين الذي لهم، وقد تستعمل لفظة الذات على أنها لزيمة ما تضاف إليه وإن لم تكن عينه ونفسه، وذلك في قوله: {أية : عليم بذات الصدور} تفسير : [الأنفال:43] و {أية : ذات الشوكة} تفسير : [الأنفال:7] فإنها هاهنا مؤنثة قولهم: الذئب مغبوط بذي بطنه، وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه إنما هو ذو بطن بنت خارجة، ويحتمل ذات البين أن تكون هذه، وقد تقال الذات أيضاً بمعنى آخر وإن كان يقرب من هذا، وهو قولهم فعلت كذا ذات يوم، ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ذات العشاء ولا تسري أفاعيها تفسير : وذكر الطبري عن بعضهم أنه قال: {ذات بينكم} الحال التي لبينكم كما ذات العشاء الساعة التي فيها العشاء. قال القاضي أبو محمد: ورجحه الطبري وهو قول بين الانتقاض، وقال الزجاج البين ها هنا الوصل، ومثله قوله عز وجل: {أية : لقد تقطع بينكم} تفسير : [الأنعام:94]. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا كله نظر، وقوله {وأطيعوا الله ورسوله} لفظ عام وسببه الأمر بالوقوف عندما ينفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغنائم، وقوله: {إن كنتم مؤمنين} أي كاملي الإيمان كما تقول لرجل إن كنت رجلاً فافعل كذا أي إن كنت كامل الرجولة وجواب الشرط في قوله المتقدم {وأطيعوا} هذا عند سيبويه، ومذهب أبي العباس أن الجواب محذوف متأخر يدل عليه المتقدم تقديره إن كنتم مؤمنين أطيعوا، ومذهبه في هذا أن لا يتقدم الجواب الشرط.

ابن عبد السلام

تفسير : {الأَنفَالِ} الغنائم، أو [أنفال] السرايا التي تتقدم أمير الجيش، أو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو دابة، أو خمس الفيء والغنائم الذي لأهل الخمس، أو الزيادة يزيدها الإمام لبعض الجيش لما يراه من الصلاح، والنفل: العطية، والنوفل: الكثير العطايا، أو النفل: الزيادة من الخير ومنه صلاة النافلة، سألوا عن الأنفال لجهلهم بِحِلها لأنها كانت حراماً على الأمم فنزلت، أو نزلت فيمن شهد بدراً من المهاجرين والأنصار [واختلفوا] وكانوا أثلاثاً فملكها الله ـ تعالى ـ رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمها كما أراه، أو حديث : لما قتل سعد بن أبي وقاص سعيد بن أبي العاص يوم بدر وأخذ سيفه وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: هبه لي، فقال: "اطرحه في القبض" فشقّ عليه فنزلت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أذهب فخذ سيفك" "تفسير : أو قال الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر "حديث : مَن صنع كذا فله كذا وكذا "تفسير : فسارع الشبان وبقي الشيوخ تحت الرايات فلما فُتح عليهم طلبوا ما جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا ردءاً لكم، فنزلت، وهي محكمة، أو منسوخة بقوله ـ تعالى ـ {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ}تفسير : [الأنفال: 41] {الأَنفَالُ لِلَّهِ} مع الدنيا والآخرة، وللرسول صلى الله عليه وسلم يضعها حيث أُمر. {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ} برد أهل القوة على أهل الضعف، أو بالتسليم لله ـ تعالى ـ ورسوله صلى الله عليه وسلم ليحكما في الغنيمة بما شاءا.

النسفي

تفسير : مدنية وهي خمس أو ست أو سبع وسبعون آية {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } النفل الغنيمة لأنها من فضل الله وعطائه، والأنفال الغنائم. ولقد وقع اختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله كيف تقسم ولمن الحكم في قسمتها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعاً؟ فقيل له: قل لهم هي لرسول الله وهو الحاكم فيها خاصة يحكم ما يشاء ليس لأحد غيره فيها حكم. ومعنى الجمع بين ذكر الله والرسول أن حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته، ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوضاً إلى رأي أحد {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ } في الاختلاف والتخاصم وكونوا متآخين في الله {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال التي تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، وقال الزجاج: معنى {ذَاتَ بِيْنِكُمْ } حقيقة وصلكم. والبين الوصل أي فاتقوا الله وكونوا مجتمعين على ما أمر الله ورسوله به. قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: نزلت فينا يا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه بين المسلمين على السواء {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } فيما أمرتم به في الغنائم وغيرها {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } كاملي الإيمان {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } إنما الكاملو الإيمان {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فزعت لذكره استعظاماً له وتهيباً من جلاله وعزه وسلطانه {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ } أي القرآن {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة، لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، أو زادتهم إيماناً بتلك الآيات لأنهم لم يؤمنوا بأحكامها قبل {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يعتمدون ولا يفوضون أمورهم إلى غير ربهم لا يخشون ولا يرجون إلا إياه {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } جمع بين أعمال القلوب من الوجل والإخلاص والتوكل، وبين أعمال الجوارح من الصلاة والصدقة {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } هو صفة لمصدر محذوف أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } كقولك «هو عبد الله حقاً» أي حق ذلك حقاً. وعن الحسن رحمه الله أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟ قال: إن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } الآية. فلا أدري أنا منهم أم لا. وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية، أي كما لا يقطع بأنه من أهل ثواب المؤمنين حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً، وبهذا يتشبث من يقول أنا مؤمن إن شاء الله. وكان أبو حنيفة رحمه الله لا يقول ذلك. وقال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ قال: اتباعاً لإبراهيم في قوله {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ }تفسير : [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله {أية : أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ }تفسير : [البقرة: 260]، وعن إبراهيم التيمي: قل أنا مؤمن حقاً فإن صدقت أثبت عليه، وإن كذبت فكفرك أشد من كذبك. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: من لم يكن منافقاً فهو مؤمن حقاً. وقد احتج عبد الله على أحمد فقال: إيش اسمك؟ فقال: أحمد، فقال: أتقول أنا أحمد حقاً أو أنا أحمد إن شاء الله؟ فقال: أنا أحمد حقاً. فقال: حيث سماك والداك لا تستثني وقد سماك الله في القرآن مؤمناً تستثني. {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } مراتب بعضها فوق بعض على قدر الأعمال {عِندَ رَبّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ } وتجاوز لسيئاتهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } صافٍ عن كد الاكتساب وخوف الحساب. الكاف في {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } في محل النصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر، والتقدير: قل الأنفال استقرت لله والرسول وثبتت مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون {مِن بَيْتِكَ } يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها لأنها مهاجرة ومسكنة فهي في اختصاصها به كاختصاص البيت بساكنه {بِٱلْحَقّ } إخراجاً متلبساً بالحكمة والصواب {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ } في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم. وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان، فأخبر جبريل النبي عليه السلام فأخبر أصحابه فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا علمت قريش بذلك فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهو النفير في المثل السائر: لا في العير ولا في النفير. فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فأبى وسار بمن معه إلى بدر ـ وهو ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة ـ ونزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما قريشاً. فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال: «حديث : العير أحب إليكم أم النفير» تفسير : قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردّد عليهم فقال: «حديث : إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل» تفسير : فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو. فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال انظر أمرك فامض، فوالله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قال المقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله فإنا معك حيث أحببت، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ }تفسير : [المائدة: 24]. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون. ما دامت عين منا تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال سعد بن معاذ: امض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، فسر بنا على بركة الله. ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشطه قول سعد ثم قال: «سيروا على بركة الله أبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» وكانت الكراهة من بعضهم لقوله {أية : وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ }تفسير : قال الشيخ أبومنصور رحمه الله: يحتمل أنهم منافقون كرهوا ذلك اعتقاداً، ويحتمل أن يكونوا مخلصين، وأن يكون ذلك كراهة طبع لأنهم غير متأهبين له.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يسألونك عن الأنفال} (ق) عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر واختلف أهل التفسير في سبب نزولها فقال ابن عباسحديث : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا ومن أتى مكان كذا وكذا فله كذا وكذا ومن قتل قتيلاً فله كذا" فتسارع الشباب وبقيت الشيوخ تحت الرايات فلما فتح الله عليهم جاؤوا يطلبون ما جعل لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا ولا تستأثروا به علينا فإنا كنا رداءاً لكم ولو انكشفتم إلينا فتنازعوا. فأنزل الله عز وجل: يسألونك عن الأنفال. الآية قال أهل التفسير: قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنك وعدت أن من قتل قتيلاً فله كذا وكذا وإنا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين وقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو ولكن كرهنا أن تعرى مصافك فتعطف عليك خيل من المشركين فيصيبونك. فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد: يا رسول الله إن الناس كثير والغنيمة دون ذلك فإن تعط هؤلاء الذين ذكرت لا يبقى لأصحابك كبير شيء فنزلت هذه الآية: يسألونك عن الأنفالتفسير : وقال محمد بن إسحاق: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما في العسكر فجمع فاختلف المسلمون فيه فقال من جمعه هو لنا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كل امرئ ما أصاب وقال الذين كانوا يقاتلون العدو لولا نحن ما أصبتموه وقال الذين يحرسون رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كنا نقدر أن نقاتل العدو ولكنا خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم غرة العدو فقمنا دونه فما أنتم بأحق منا فنزلت هذه الآية". روى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: "سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا عن بواء" يقول على سواء وكان فيه تقوى الله وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإصلاح ذات البين حديث : وعن سعد بن أبي وقاص قال: "لما كان يوم بدر جئت بسيف فقلت يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين أو نحو هذا هب لي هذا السيف فقال:"هذا ليس لي ولا لك" فقلت: عسى أن يعطي هذا من لا يبلي بلائي فجاءني الرسول فقال "إنك سألتني وليس لي وأنه قد صار لي وهو لك" فنزلت يسألونك عن الأنفالتفسير : ، الآية أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأخرجه مسلم في جملة حديث طويل يتضمن فضائل سعد ولفظ مسلم فيه. قال: "حديث : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة وإذا فيها سيف فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت نفلني هذا السيف فأنا قد علمت حاله فقال "رده من حيث أخذته" فانطلقت به حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت أعطنيه قال فشد على صوته "رده من حيث أخذته" فأنزل الله عز وجل {يسألونك عن الأنفال} تفسير : وقال ابن عباس: كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو سلكاً فهو غلول وأما التفسير فقوله سبحانه وتعالى {يسألونك عن الأنفال} استفتاء يعني يسألك أصحابك يا محمد عن حكم الأنفال وعلمها وهو سؤال استفتاء لا سؤال طلب. وقال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب وقوله عن الأنفال أي من الأنفال وعن بمعنى من. وقيل: عن صلة أي يسألونك الأنفال والأنفال هي الغنائم في قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأصله الزيادة سميت الغنائم أنفالاً لأنها زيادة من الله عز وجل لهذه الأمة على الخصوص وأكثر المفسرين على أنها نزلت في غنائم بدر. وقال عطاء: هي ما شذ عن المشركين إلى المسلمين بغير قتال من عبد أو امرأة أو متاع فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء {قل الأنفال لله والرسول} أي: قل لهم يا محمد إن الأنفال حكمها لله ورسوله يقسمانها كيف شاؤوا واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال مجاهد وعكرمة والسدي هذه الآية منسوخة فنسخها الله سبحانه وتعالى بالخمس في قوله {أية : واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [الأَنفال: 41] الآية. وقيل كانت الغنائم لرسول الله صلى الله عليه وسلم يقسمها كيف شاء ولمن شاء ثم نسخها الله بالخمس. وقال بعضهم: هذه الآية ناسخة من وجه منسوخة من وجه وذلك أن الغنائم كانت حراماً على الأمم الذين من قبلنا في شرائع أنبيائهم فأباحها الله لهذه الأمة بهذه الآية وجعلها ناسخة لشرع من قبلنا ثم نسخت بآياته الخمس وقال عبد الرحمن بن زيد إنها محكمة وهي إحدى الروايات عن ابن عباس ومعنى الآية على هذا القول قل الأنفال لله والرسول يضعها حيث أمره الله وقد بين الله مصارفها في قوله: {أية : واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [الأَنفال: 41] الآية. وصح من حديث حديث : ابن عمر، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية فغنمنا إبلاً فأصاب كل واحد منا اثني عشر بعيراً ونفلنا بعيراً بعيراًتفسير : أخرجاه في الصحيحين فعلى هذا تكون الآية محكمة وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس {فاتقوا الله} يعني اتقوا الله بطاعته واتقوا مخالفته واتركوا المنازعة والمخاصمة في الغنائم {وأصلحوا ذات بينكم} أي أصلحوا الحال فيما بينكم بترك المنازعة والمخالفة وبتسليم أمر الغنائم إلى الله ورسوله {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمرانكم به وينهيانكم عنه {إن كنتم مؤمنين} يعني إن كنتم مصدقين بوعد الله ووعيده.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {مردفين} بفتح الدال: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب وابن مجاهد وأبو عون عن قنبل. الباقون: بالكسر. الوقوف: {عن الأنفال} ط {والرسول} ج لعطف المختلفين مع الفاء {ذات بينكم} ص {مؤمنين} ه {يتوكلون} ه ج لاحتمال جعل {الذين} مبتدأ والوصل أولى فيكون الوقف على {ينفقون} ويكون الثناء بحقيقة الإيمان منصرفاً إلى قوله {هم المؤمنون} {حقاً} ط {كريم} ه ج لما يجيء في التفسير {بالحق} ص لطول الكلام {لكارهون} ه {لا ينظرون} ه {الكافرين} ه {المجرمون} ه ج لاحتمال كون "إذ" متعلقاً بمحذوف وهو "اذكر" أو بقوله {ويحق} {مردفين} ه {قلوبكم} ج لابتداء النفي مع احتمال الحال {عند الله} ط {حكيم} ه. التفسير: روى عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فعل كذا فله كذا، فذهب شبان الرجال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت القسمة جاء الشبان يطلبون نفلهم وقالت الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا تحت الرايات ولو انهزمتم كنا ردأ لكم فأنزل الله تعالى {يسألونك عن الأنفال} فقسمها بينهم بالسواء. وعن عبادة بن الصامت قال: لم هزم العدوّ يوم بدر واتبعتهم طائفة يقتلونهم، أحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم واستولت طائفة بالعكسر والنهب، فلما نفى الله العدوّ رجع الذين طلبوهم وقالوا: لنا النفل نحن طلبنا العدوّ وبنا قفاهم الله وهزمهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأحق به منا نحن أحدقنا برسول الله لا ينال العدوّ منه صلى الله عليه وسلم غرة. وقال الذين استولوا على العسكر والنهب: نحن أخذناه واستولينا عليه فهو لنا فنزلت الآية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بالسواء. وعن سعد بن أبي وقاص لما كان يوم بدر قتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص فأخذت سيفه فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض أي في المقبوض من الغنائم، فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا قليلاً حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزلت سورة الأنفال عليه فقال:"حديث : يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه الآن قد صار لي فاذهب فخذه" تفسير : والنفل بالتحريك الغنيمة وجمعه الأنفال وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً. قال الأزهري: هو ما كان زيادة على الأصل فسميت الغنائم بذلك لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم الذين لم تحل الغنائم لهم. وصلاة التطوّع نافلة لأنها زائدة على الفرض وقال تعالى{أية : ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة}تفسير : [الأنبياء: 72] أي زيادة على ما سأل. والضمير في {يسألونك} عائد إلى جامع معينين من الصحابة لهم تعلق بالغنائم كما قررنا. وحسن العود وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ لدلالة الحال عليهم، ولفظ السؤال وإن كان مبهماً إلا أن تعيين الجواب يدل على أن المراد أنهم سألوا عن الأنفال كيف مصرفها ومن المستحق لها. قال الزجاج: إنما سألوا عنها لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم. وضعف بأن الآية دلت على أنها مسبوقة بالتنازع والتنافس فسألوا عن كيفية قسمتها لا عن حلها وحرمتها. وعن عكرمة أن المراد من هذا السؤال الاستعطاء أي يطلبون منك الغنائم وقال في الكشاف: النفل ما ينفله الغازي أي يعطاه زائداً على سهمه من المغنم وهو أن يقول الإمام تحريضاً على البلاء في الحرب. من قتل قتيلاً فله سلبه. أو قال لسرية ما أصبتم فهو لكم أو فلكم نصفه أو ربعه. ولا يخمس النفل ويلزم الإمام الوفاء بما وعد به. وهذا التفسير يناسب خبر سعد بن أبي وقاص في إعطاء السيف إياه. وعن ابن عباس في بعض الروايات أن المراد بالأنفال ما شذ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من دابة أو عبد أو متاع فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء. وعن مجاهد: إن الأنفال الخمس الذي جعله الله لأهل الخمس. وعلى هذا فالقوم إنما سألوا عن الخمس فنزلت الآية. ثم أمر بالشروع في الجواب فقال {قل الأنفال لله والرسول} أي حكمها مختص بالله ورسوله يأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته ويمتثل الرسول أمر الله فيها، وليس الأمر في قسمتها مفوّضاً إلى رأي أحد. قال مجاهد وعكرمة والسدي: إنها منسوخه بقوله{أية : واعلموا أن ما غنمتم}تفسير : [الأنفال: 41] الآية. وضعف بأن جعل أربعة أخماسها ملكاً للغانمين لا ينافي كون الحكم فيها لله والرسول، ولو فسر الأنفال بالخمس أو بالسلب فلا إشكال. ثم حثهم على ترك المنازعة وعلى المؤاخاة والمصافاة فقال {فاتقوا الله} أي عقابه ولا تقدموا على معصيته واتركوا المنازعة والمخاصمة بسبب هذه الأموال {وأصلحوا ذات بينكم} أي التي هي بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومودة وموافقة. لما كانت الأحوال واقعة في البين قيل لها ذات البين كما أن الأسرار لما كانت مضمرة في الصدور قيل لها ذات الصدور. ثم ختم الآية بقوله {إن كنتم مؤمنين} أي كاملي الإيمان تنبيهاً على أن كمال الإيمان موقوف وإصلاح ذات البين وطاعة الله ورسوله. ثم وصف المؤمنين الكاملين فقال {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أي فزعت لذكره استعظاماً لجلاله وحذراً من أليم عقابه. وقد يطمئن القلب بعد ذلك إذا تذكر كمال رأفته وجزيل ثوابه كقوله{أية : ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله}تفسير : [الزمر: 23] وقيل: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم لمعصية فيقال له اتق الله فينزع {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} قالت العلماء: زيادة الإيمان تكون على ثلاثة أنحاء: الأوّل: بقوّة الدليل وبكثرته، فإن كل دليل مركب لا محالة من مقدمات. ولا شك في أن النفوس مختلفة في الإشراق والإنارة، والأذهان متفاوتة بالذكاء والغباوة، فكل من كان جزمه بالمقدمات أكثر وأدوم كان علمه بالنتيجة أكمل وأتم، وكذا من سنح له على المطلوب دليلان كان علمه أتم ممن لا يجد على المطلوب دليل واحد ولذا يورد العلماء دلائل متعددة على مدلول واحد ولله در القائل: وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. الثاني: بتعدد التصديق وتجدده؛ فمن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه أزيد من تصديق من صدقه في شيء واحد، فمعنى الآية أنهم كلما سمعوا آية متجددة أتوا بإقرار جديد. الثالث: أن يقال: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل كما ينبىء عنه ظاهر الآية لأنه لما ذكر الأمور الخمسة قال {أولئك هم المؤمنون} فدل ذلك على أن كل تلك الخصال داخلة في مسمى الإيمان ويؤيده ما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" تفسير : وإذا كان الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة فبسبب التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وإن لم يكن التفاوت في الإقرار والاعتقاد متصوراً. أما قوله {وعلى ربهم يتوكلون} فيفيد الحصر أي لا يتوكلون إلا على ربهم وهذه الصفات مرتبة على أحسن جهات الترتيب؛ فالأولى الفزع من عقاب الله، والثانية الانقياد لتكاليفه، والثالثة الانقطاع بالكلية عما سواه. ثم لما فرغ من أعمال القلوب وهي الخشية والتسليم والتوكل شرع في وصفهم بأعمال الجوارح وذكر منها رأسها وسنامها وهما الصلاة والصدقة، ثم عظمهم بقوله {أولئك هم المؤمنون حقاً} وفي {أولئك} وفي توسيط الفصل وتعريف الخبر وإيراد {حقاً} من المبالغات ما لا يخفى و {حقاً} صفة مصدر محذوف أي إيماناً حقاً وهو مصدر مؤكد للجملة قبله، وقال الفراء: معناه أخبركم بذلك إخباراً حقاً، وقيل: إنه منوط بما بعده أي حقاً لهم درجات. واعلم أن الأئمة اتفقوا على أن الرجل المؤمن يجوز له أن يقول أنا مؤمن، ثم اختلفوا في أنه هل يجوز له أن يضيف إليه حقاً أو لا بل يستثني فيقول إن شاء الله. والأوّل مذهب أصحاب أبي حنيفة لما ورد في الآية، ولأن الشك في الإيمان لا يجوز لأن التصديق والإقرار كلاهما محقق. والثاني مذهب أصحاب الشافعي، وأجابوا عن الآية بأنه لا نزاع في أن الموصوف بالصفات المذكورة مؤمن حقاً إنما النزاع في أن القائل أنا مؤمن هل هو موصوف بتلك الصفات جزماً أم لا. وأما حديث الشك فمبني على أن الإيمان عبارة عن الأركان الثلاثة، ولا ريب أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فإن النزاع لفظي على أنا لا نسلم أن الاستثناء لأجل الشك وإنما هو لزوال العجب أو لعدم القطع بحسن الخاتمة، أو لنوع من الأدب ففيه تفويض بالأمر إلى علم الله وحكمه كقوله{أية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين}تفسير : [الفتح: 27] وإنه تعالى منزه عن الشك والريب. عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟ قال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله {إنما المؤمنون} فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا. وعن الثوري: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية. وهذا إلزام منه يعني كما لا يقع بأنه من أهل الجنة حقاً فلا يقطع بأنه مؤمن حقاً. ويحكى عن أبي حنيفة أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ فقال: اتباعاً لإبراهيم في قوله{أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي}تفسير : [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله{أية : أو لم تؤمن قال بلى}تفسير : [البقرة: 260] قيل: وكان لقتادة أن يقول{أية : ولكن ليطمئن قلبي}تفسير : [البقرة: 260] وفيه ما فيه. ثم أخبر عن مآل حالهم فقال {لهم درجات عند ربهم} أي سعادات روحانية متفاوتة في الصعود والارتفاع، ولكن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به يمنعه عن التألم من حال من فوقه كما قال سبحانه {ونزعنا ما في صدورهم من غل}، {أية : ومغفرة}تفسير : [الحجر: 47] وتجاوز عن سيئاتهم {ورزق كريم} هو نعيم الجنة المقرون بالدوام والتعظيم. والكرم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه نقله الواحدي عن أهل اللغة. فالله سبحانه موصوف بأنه كريم لأنه محمود في كل ما يحتاج إليه، والقرآن كريم لأنه يوجد فيه بيان كل شيء{أية : وقال إني ألقي إليّ كتاب كريم}تفسير : [النمل: 29] وقال{أية : من كل زوج كريم}تفسير : [لقمان: 10] وقال{أية : وقل لهما قولاً كريماً}تفسير : [الإسراء: 23] قال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله. والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته. قوله عز من قائل {كما أخرجك} يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: أن المشبه محذوف تقديره هذا الحال كحال إخراجك. والمعنى أن حالهم في كراهة ما صنعت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ وقلة المسلمين قال:حديث : "من قتل قتيلاً فله كذا وكذا". ومن أسر أسيراً فله كذا وكذاتفسير : . ترغيباً لهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله لو أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق كثير بغير شيء فنزلت {قل الأنفال لله والرسول} يصنع فيها ما يشاء فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة. والثاني: أن ينتصب الكاف على أنه صفة مصدر الفعل المقدّر في قوله {قل الأنفال لله والرسول} أي ثبت الحكم واستقر بأن الأنفال لله وإن كرهوا ثباتاً مثل إخراج ربك إياك إلى القتال وإن كرهوا، ووجه تخصيص هذا المشبه به بالذكر من بين سائر أحكام الله أن القصة واحدة ووجه جعل الإخراج مشبهاً به كونه أقوى في وجه الشبه لأن مدار القصة عليه. وقيل: التقدير هو أن الحكم بكونهم مؤمنين حق كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك لأجل القتال حق. الثالث: قال الكسائي: الكاف متعلق بما بعده وهو قوله {يجادلونك} والتقدير كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه. والبيت بيته صلى الله عليه وآله بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مهاجره ومسكنه فلها به اختصاص كاختصاص البيت بساكنه، ومعنى بالحق أي إخراجاً ملتبساً بالحكمة والصواب {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} في موضع الحال أي أخرجك في حال كراهة بعضهم. ثم بين الكراهة بقوله {يجادلونك} ويجوز أن تكون الجملة بدلاً أو خبراً بعد خبر. روي أن قريش أقبلت من الشأم فيها تجارة عظيمة ومعهم أربعون راكباً - منهم أبو سفيان وعمر بن العاص وعمرو بن هشام - فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلة القوم، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً. وقد رأت أخت العباس ابن عبد المطلب رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل فرمى بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة. فحدث بها العباس فقال أبو جهل: ما يرضى رجالهم أن يتنبأوا حتى تتنبأ نساؤهم. فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير على ما قيل في المثل السائر: "لا في العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير ولا في النفير" فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس إلى مكة فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فيتسامع جميع العرب بمخرجنا وأن محمداً لم يصب العير. فمضى بهم إلى بدر ونزل جبرائيل فقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشا فاستشار النبي صلىالله عليه وسلم أصحابه وقال: ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردّ عليهم فقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدوّ. فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا أي الكلام، ثم قام سعد بن عبادة فقال: انظر فامض فوالله لو سرت إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قال: المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى {أية : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون}تفسير : [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عين تطرف. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال:"حديث : أشيروا عليّ أيها الناس"تفسير : . وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمامنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخوف أن يكون الأنصار لا ترى عليهم نصرته إلا على عدوّ دهمه بالمدينة. فقام سعد بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أدرت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا، إنا بالصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشطه قول سعد ثم قال: "حديث : سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم"تفسير : . ولنرجع إلى التفسير. قوله {في الحق} أي في تلقي النفير بعد ما تبين أي بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم هم المنصورون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير. وهلا قلت لنا لنستعد ونتأهب وذلك لكراهتهم القتال {كأنما يساقون إلى الموت} المتيقن لمشاهدة أسبابه من قلة العدد والعدد. روي أنه ما كان منهم إلا فارسان. وانتصب بإضمار "اذكر". قوله {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} وقوله {أنها لكم} بدل من {إحدى الطائفتين} وهما العير أو النفير {وتودّون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدّة. والشوكة الحدّة مستعارة من واحدة الشوك {ويريد الله أن يحق الحق} يثبته ويعليه {بكلماته} بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة من إنزال الملائكة وأسر الكفرة وقتلهم وطرحهم في قليب بدر {ويقطع دابر الكافرين} أي يستأصلهم. والدابر الآخر يعني أنكم تريدون العاجل وسفساف الأمور والله يريد معاليها وما يرجع إلى تقوية الدين وشتان ما بين المرادين. قوله {ليحق الحق} متعلق بمحذوف أي لإظهار الإسلام وإبطال الكفر. فعل ما فعل وإنما قدّر المحذوف متأخراً ليفيد معنى الاختصاص أي ما فعل ذلك إلا لتحقيق الحق وإبطال الباطل وقيل: يتعلق بـ {يقطع} فإن قيل: الحق حق لذاته والباطل باطل في ذاته وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل. قلنا: المراد إظهار كون الحق حقاً والباطل باطلاً وذلك يكون تارة بإظهار الدلائل والبيان، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤساء الباطل. فإن قيل: أليس في الكلام تكرار؟ قلنا: لا إذ المراد بالأوّل تثبيت ما وعده في هذه الواقعة من الظفر بالأعداء، والمراد الثاني إعلاء الإسلام ومحق الكفر. والحاصل أن الأول جزئي أي أنتم تريدون العير والله يريد إهلاك النفير، والثاني كلي يشمل هذه القضية وغيرها من القضايا التي حصل في ضمنها إعلاء كلمة الله وقمع بكلمة الكفر. احتجت الأشاعرة بقوله {كما أخرجك ربك} وقوله {ليحق الحق} على أن الأعمال والعقائد كلها بخلق الله وبتكوينه ولا يمكن أن يقال: المراد من إظهار الحق وضع الدلائل عليه لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى المسلم والكافر وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يبقى للتخصيص فائدة. والمعتزلة تمسكوا بالآية على إبطال قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله مريد له، لأن ذلك ينافي إرادة تحقيق الحق وإبطال الباطل. واجيب بأن اللام في {الحق} ينصرف إلى المعهود السابق أي في هذه القضية فلم قلتم: إنه كذلك في جميع الصور {ولو كره المجرمون} أي الكافرون أو المشركون كقوله{أية : ويأبى الله إلا أن يُتم نوره ولو كره الكافرون}تفسير : [التوبة: 32] وفي موضع آخر{أية : ولو كره المشركون}تفسير : [الصف: 90] وقوله {إذ تستغيثون} بدل من قوله {وإذ يعدكم} وقيل: يتعلق بقوله {ليحق الحق} واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون: يا غياث المستغيثين أغثنا. وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه ثلثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك منا شدّتك بالدعاء ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. ويروى أنه لما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده بالدعاء المذكور. ومعنى تستغيثون تطلبون الإغاثة، يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني {فاستجاب لكم}، {أني} أي بأني {ممدكم بألف من الملائكة مردفين} بكسر الدال وفتحها من أردفته إياه إذا أتبعته متعدياً إلى مفعولين، أو من ردفته إذا أتبعته أي جئت بعده متعدياً إلى مفعول واحد. ومعنى الأوّل جاعلين بعضهم أو مجعولين بعضهم تابعاً لبعض أو أنفسهم تابعين للمؤمنين يحرسونهم أو لملائكة أخرى. ومعنى الثاني تابعين بعضهم للبعض أو للمؤمنين يقدمونهم على ساقتهم يحفظونهم أو لغيرهم من الملائكة. واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبرائيل في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صور الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت، وقيل: قاتلت يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين. وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً؟ قال: من الملائكة. فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم. وروي أن رجلاً من المسلمين بينا هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقياً وشق وجهه، فحدث الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : صدقت ذاك من مدد السماءتفسير : . وعن أبي داود المازني قال: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي. قيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا، وقد أجبنا عن هذه الشبهة في تفسير سورة آل عمران وكذا في تفسير قوله {وما جعله الله} الآية. وقد مر هنالك وقد بقي علينا بيان المتشابه فنقول: حذف {لكم} ههنا لأن المخاطبين معلومون في قوله {فاستجاب لكم} وقدم {قلوبكم} وأخر به في "آل عمران" ازدواجاً بين الخطابين وعكس ههنا ازدواجاً بين الغائبين. ثم إن قصة بدر سابقة على قصة أحد فقيل في الأنفال {إن الله عزيز حكيم} ليستقر الخبر وجعله في آل عمران صفة لأن الخبر قد سبق والله أعلم. التأويل: كثرة السؤال توجب الملال وإنما سألوا ليكون لهم الأنفال فأجيبوا على خلاف ما تمنوا. وقيل: الأنفال لله والرسول قطعاً لطريق الاعتراض والسؤال. وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الردية والهمم الدنية {وأطيعوا الله ورسوله} بالتسليم والائتمار {زادتهم إيماناً} بحسب تزايد الأنوار {كما أخرجك ربك} فيه أنه أخرج المؤمن الحفي عن أوصاف البشرية إلى مقام العبودية بجذبات العناية {كما أخرجك} من وطن وجودك بالحق وهو تجلي صفات الجمال والجلال {وإن فريقاً} هم القلب والروح {لكارهون} للفناء عند التجلي، فإن البقاء محبوب عند كل ذي وجود {يجادلونك} أي الروح والقلب {في} مجيء {الحق بعد ما تبين} مجيئه كأنهم ينظرون إلى الفناء ولا يرون البقاء بعد الفناء كمن يساق إلى الموت {وإذ يعدكم الله} أيها السائرون {إحدى الطائفتين} إما الظفر بالأعداء وهي النفوس وإما عير الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية. {وتودون أن غير ذات الشوكة} أي أردتم أن لا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، فكان موسى من السالكين إلى ميقات ربه لم يجاوز طور النفس فكان مقامه مع الله المكالمة، وكان محمد من المجذوبين وكان سيره على جناح جبرائيل إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى، فكان مكانه المشاهدة فمن العناية أن لا يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه كما قال {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} أي بجذباته {ويقطع دابر الكافرين} النفوس الأمارة بالسوء. {إذ تستغيثون ربكم} يعني استغاثة الروح والقلب من النفس إلى الله عند استيلاء صفاتها {بألف من الملائكة} هم الصفات الملكية والروحانية {إلا بشرى لكم} بتبديل الأخلاق {وما النصر} بإهلاك النفس وصفاتها إلا بتجلي صفته القهارية {إن الله عزيز} لا يوصل إليه إلا بعد فناء الوجود {حكيم} في كل ما يفعل بمن يفعل والله أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله عز وجل: {يَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ...} الآية، النَّفَلُ والنَّافلة، في كلام العرب: الزِّيَادَةُ على الواجب، والأكثرُ في هذه الآيةِ أنَّ السؤال إِنما هو عَنْ حُكْمِ الأَنفال، وقالَتْ فرقةٌ: إنما سألوه الأَنْفَالَ نفْسَها؛ محتجِّين بقراءة سعد بن أبي وقَّاص وغيره: «يَسْئَلُونَكَ الأَنْفَالَ» وعن أبي أمامة الباهليِّ، قال: سَأَلْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنِ الأَنْفَال، فَقَالَ: فِينَا - أَهْلَ بَدْر - نَزَلَتْ، حِينَ ٱخْتَلَفْنَا، وَسَاءَتْ أَخْلاَقُنَا، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِيَنَا، وَجَعَلَهُ إِلَى رَسُوله صلى الله عليه وسلم وقَسَمَهُ عليه السلام - بَيْنَ المُسْلِمينَ عَلَى بَوَاءٍ - يريد: على سَوَاءٍ - فكان في ذَلِكَ تَقْوَى اللَّه وطَاعَةُ رسوله، وصلاحُ ذات البين. قال * ع *: ويجيء مِنْ مجموع الآثار المذكُورة هنا؛ أن نفوسَ أهْلِ بدر تنافَرَتْ، ووقع فيها ما يَقَعُ في نفوس البَشَرِ؛ مِنْ إِرادة الأثرة، لا سيَّمَا مَنْ أَبْلَى، فأنزل اللَّه عزَّ وجَلَّ الآيةَ، فَرضِيَ المسلمون، وسَلَّموا، فأصْلَح ذاتَ بينهم، ورَدَّ عليهم غنائمهم. قال بعضُ أهل التأويل؛ عكرمة، ومجاهد: كان هذا الحُكْمُ من اللَّه سبحانه لِرَفْعِ الشَّغَبِ ثم نُسِخَ بقوله: { أية : وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ } تفسير : [الأنفال:41]. وهذا أولَى الأقوال وأصحُّها. وقوله سبحانه: {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}: تصريحٌ بأنه شَجَرَ بينهم اخْتِلاَفٌ، ومالت النفوس إِلى التَّشَاحِّ، و{ذَاتَ} في هذا المَوْضِعِ يُرَادُ بها نَفْسُ الشيء وحقيقته، والذي يُفْهَمُ من {بَيْنِكُمْ} هو معنى يعم جَمِيعَ الوُصَلِ، والالْتِحَامَات، والمَوَدَّات، وذات ذلك هو المَأْمُور بإِصلاحها، أي: نفسه وعينه، وباقي الآية بَيِّنٌ.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} الآية. فاعل: يَسْأل يعوُد على معلومٍ، وهم من حَضَرَ بَدْراً، وسَألَ تارةً تكون لاقتضاءِ معنى في نفسِ المسئول فتتعدَّى بـ "عَنْ" كهذه الآية؛ وكقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2668 - سَلِي - إنْ جَهلْتِ - النَّاسَ عنَّا وعنْهُم فَليْسَ سواءً عالمٌ وجَهُولُ تفسير : وقد تكُون لاقتضاءِ مالٍ ونحوه؛ فتتعدَّى لاثنين، نحو: سألتُ زيداً مالاً، وقد ادَّعَى بعضهم: أنَّ السُّؤال هنا بهذا المعنى. وزعم أنَّ "عَنْ" زائدةٌ، والتقدير: يَسْألونك الأنفالَ، وأيَّد قوله بقراءة سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعلي بن الحسين، وزيد ولده، ومحمد الباقر ولده أيضاً، وولده جعفر الصَّادق، وعكرمة وعطاء "يَسألونكَ الأنفالَ" دون "عَنْ". والصحيح أنَّ هذه القراءة على إرادة حرف الجرِّ، وقال بعضهم: "عَنْ" بمعنى "مِنْ". وهذا لا ضرورة تدعو إليه. وقرأ ابنُ محيصنٍ "عَلَّنْفَالِ" والأصل، أنَّه نقل حركة الهمزة إلى لام التعريف، ثم اعتدَّ بالحركةِ العارضة، فأدغمَ النُّونَ في اللاَّم كقوله: {أية : وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم}تفسير : [العنكبوت: 28] وقد تقدم ذلك في قوله {أية : عَنِ ٱلأَهِلَّةِ}تفسير : [البقرة: 189]. والأنفالُ: جمع: نَفَل، وهي الزِّيادةُ على الشيءِ الواجب، وسُمِّيت الغنيمة نفلاً، لزيادتها على الحوزة. قال لبيدٌ: [الرمل] شعر : 2669 - إنَّ تَقْوَى ربَّنَا خَيْرُ نَفَلْ وبإذْنِ اللَّهِ ريثي وعَجَلْ تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 2670 - إنَّا إذا أحْمَرَّ الوغَى نروي القَنَا ونَعِفُّ عند تقاسُم الأنفالِ تفسير : وقيل: سُمِّيت الأنفال؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم. وقال الزمخشريُّ: والنَّفَل ما ينفلُهُ الغازي، أي: يعطاه، زيادةً على سهمه من المغنم، وقال الأزهريُّ "النَّفَل، والنَّافلة ما كان زيادةً على الأصلِ، وسُمِّيت الغنائمُ أنفالاً؛ لأنَّ المسلمين فُضِّلُوا بها على سائر الأمم، وصلاةُ التطوع نافلةٌ؛ لأنَّها زيادةٌ على الفرض" وقال تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً}تفسير : [الأنبياء: 72] أي: زيادة على ما سأل. قال القرطبي: النَّفَلُ - بتحريك الفاءِ - والنَّفْل: اليمينُ، ومنه النَّفَل في الحديث "فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم" والنَّفل: الانتفاءُ، ومنه الحديث فانتفلَ من ولده. والنَّفلُ: نبت معروف. فصل في هذا السؤال قولان: أحدهما: أنَّهم سألوا عن حكم الأنفال، كيف تُصرفُ؟ ومن المستحقُّ لها؟ نظيره قوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة: 222] و{أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ}تفسير : [البقرة: 220] فقال في المحيض: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة: 222] وقال في التيامى {أية : قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}تفسير : [البقرة: 220]. فأجابهم بالحكم المعيَّن في كل واقعةٍ فدلَّ الجواب المعيَّن على أنَّ السؤال كان عن مخالطة النساء في المحيض، وعن التصرُّفِ في مال اليتامى ومخالطتهم في المؤاكلة. الثاني: هذا سؤال استعطاء، و "عَنْ" بمعنى "مِنْ"، وهذا قول عكرمة كما تقدم في قراءته. فأمَّا القولُ الأولُ: وهو أنَّ السؤال كان عن حكم الأنفال ومصرفها، فهو قول أكثر المفسرين لأنَّ قوله {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [الأنفال: 1] يدُلُّ على أنَّ المقصود منه منع القومِ عن المخاصمة والمنازعة. وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} يدلُّ على أنَّ السُّؤال كان بعد وقوع الخصومة بينهم، وقوله: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} يدلُّ على ذلك أيضاً. وإذا عرف ذلك فيحتمل أن يكون المراد بهذه الأنفال قسمة الغنائم، وهي الأموال المأخوذة من الكفار قهراً، ويحتمل أن يكون المراد غيرها. أما الأوَّلُ ففيه وجوه: أحدها: أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلام قسم ما غنموه يوم بدر على من حضر وعلى أقوامٍ لم يحضرُوا أيضاً، وهم ثمانيةُ أنفسٍ: ثلاثةٌ من المهاجرين، وخمسة من الأنصار، فالمهاجرون: عثمانُ - رضي الله عنه - تركه عليه الصلاة والسلام على ابنته وكانت مريضةً، وطلحةُ وسعيدُ بن زيد فإنَّه عليه الصلاة والسلام بعثهما للتَّجسس عن خبرِ العدوّ وخرجا في طريق الشَّام. وأما الأنصارُ: فأبو كنانة بن عبد المنذر، وخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وعاصم خلفه على العالية، والحارث بن حاطب: ردَّهُ من الرَّوحاء إلى عمر بن عوفٍ لشيء بلغه عنه والحارث بن الصمة أصابته علةٌ بالروحاء، وخوات بن جبير، فهؤلاء لم يحضروا، وضرب لهم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغنائم بسهم، فوقع من غيرهم فيه منازعة، فنزلت هذه الآية. ثانيها: روي أنَّ الشَّبابَ يوم بدر قتلُوا وأسرُوا، والأشياخ وقفُوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصاف فقال الشبانُ: الغنائمُ لنا لأنَّ قتلنا وأسرنا وهزمنا. فقال سعد بن معاذ: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، ولكن كرهنا أن تعرى مصافك، فتعطف عليك خيلٌ من المشركين فيصيبوك. وروي أنَّ الأشياخ قالوا: كُنَّا رِدْءًا لكم ولو انهزمتم لانحزتم إلينا، فلا تذهبُوا بالغنائم، فوقعت المخاصمة بهذا السَّبب فنزلت هذه الآية. وثالثها: قال الزجاج: "الأنفالُ الغنائمُ، وإنَّما سألُوا عنها؛ لأنها كانت حراماً على من كان قبلهم". وهذا ضعيفٌ؛ لأنَّ بيَّنَّا في هذا السؤال أنه كان مسبوقاً بمنازعة ومخاصمة، وعلى قول الزجاج يكونُ السُّؤال عن طلب حكم فقط. وأما الاحتمالُ الثاني: وهو أن يكون المرادُ بالأنفالِ شيئاً سوى الغنائمِ، وعلى هذا أيضاً فيه وجوه: أحدها: قال ابنُ عباس في بعض الروايات: "المرادُ بالأنفال ما شذَّ عن المشركين إلى المسلمين من غير قتال من أموالهم، فهو إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعهُ حيثُ يشاءُ". وثانيها: الأنفالُ: الخُمس، وهو قول مجاهد. قال القومُ إنما سألوهُ عن الخمس فنزلت الآية. وثالثها: أنَّ الأنفال هي السَّلب الذي يأخذه الغازي زائداً على سهمه من المغنم ترغيباً لهُ في القتال كقول الإمام: مَنْ قتلَ قَتِيلاً فلهُ سلبُهُ وقوله للسرية "ما أصبتُمْ فهُو لكُمْ، أو فلكم نصفه أو ربعه" ولا يخمس النفل. وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ قال:" حديث : قتل أخي عمير يوم بدر فقتلتُ به سعد بن العاص بن أمية وأخذت سيفه، وكان يسمَّى ذا الكتيفةِ فأعجبني فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: إنَّ الله شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: "ليس هُو لِي، ولا لك اطرحهُ في القبض" فطرحته ورجعت، وبي ما لا يعلمه إلا اللَّه من قتل أخي، وأخذ سلبي، وقلتُ وعسى أن يعطي هذا من لم يبل بلائي، فما جاوزت إلاَّ قليلاً حتى جاءنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقد أنزل اللَّهُ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} فقال: يا سعدُ إنَّك سألتني السيف، وليس لي، وإنه قد صار لي فخذه ". تفسير : قال القاضي: "وكلُّ هذه الوجوه تحتمله الآية، وليس فيها دلالةٌ على ترجيحِ بعضها على البعض. فإن صحَّ دليلٌ على اليقين قضي به، وإلاَّ فالكلُّ محتملٌ، وإرادة الجميع جائزة فلا تناقض فيها". قوله: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي: حكمها للَّهِ ورسوله يقسمانها كما شاءا. قال مجاهد، وعكرمة، والسديُّ: إنها نسخت بقوله: {أية : فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 41]. وهو قول ابن عباس في بعض الروايات. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي ثابتةٌ غير منسوخة، ومعنى الآية: قل الأنفال للَّه في الدنيا والآخرة، وللرسُول يضعها حيثُ أمره اللَّهُ، أي: الحكمُ فيها لله ورسوله، وقد بيَّن الله مصارفها في قوله: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}تفسير : [الأنفال: 41] الآية. قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} وتقدَّم الكلام على ذات في آل عمران، وهي هنا صفةٌ لمفعولٍ محذوف تقديره: وأصلِحُوا أحْوالاً ذات افتراقكم وذات وصلكم أو ذات المكان المتصل بكم، فإنَّ "بَيْن" قد قيل: إنه يراد به هنا: الفِراقُ أو الوصلُ، أو الظَّرف، وقال الزجاجُ وغيره: إنَّ ذات هنا بمنزلة حقيقة الشَّيء ونفسه، وقد أوضح ذلك ابنُ عطيَّة. وقال أبُو حيَّان: "والبينُ الفراقُ، وذات نعت لمفعولٍ محذوف، أي: وأصلحُوا أحوالاً ذات افتراقكم، لمَّا كانت الأحوالُ ملابسةً للبين أضيفت صفتها إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك، أي: ماءً صاحب إنائك، لمَّا لابس الماءُ الإناءَ وصف بـ "ذَا" وأضيفَ إلى الإناءِ، والمعنى: اسْقِنِي ما في الإناءِ من الماء". قوله: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. قال ابن عطيَّة: جواب الشرط المتقدم في قوله وأطيعُوا هذا مذهبُ سيبويه، ومذهب المبرد: أنَّ الجواب محذوفٌ متأخر، ومذهبه في هذا ألاَّ يتقدَّم الجوابُ على الشرط وهذا الذي ذكرهُ نقل النَّاسُ خلافه، نقلوا جواز تقديم جواب الشرط عليه عن الكوفيين، وأبي زيد، وأبي العبَّاس، واللَّهُ أعلمُ. ويجوز أن يكون للمبرِّد قولان، وكذا لسيبويه؛ لأنَّ قوله: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} يقتضي أن تكون الغنائم كلها للرسول. ومعنى الآية: اتَّقُوا اللَّه بطاعته وأصلحوا الحال بينكم بترك المنازعة، والمخالفة، وتسليم أمر القسمة إلى الله والرسول: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي: إنَّ الإيمان الذي دعاكم الرسول إليه لا يتم إلا بالتزام الطَّاعة، فاحذروا الخروج والمخالفة، واحتجَّ من قال: ترك الطَّاعة يوجب زوال الإيمان بهذه الآية؛ لأنَّ المعلَّق بكلمة "إنْ" على الشَّيء عدم عند عدم الشَّيء.

البقاعي

تفسير : قوله تعالى: {يسألونك} أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك - وسيأتي بيانه، فهم المستحقون للأنفال وليس لهم إليها التفات وإنما همهم العبادة، والذين عندك إنما جعلتهم آلة ظاهرة ومع ذلك فهم يسألون {عن الأنفال} التي توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعاذة بالله منها - كما نبه عليه آخر الأعراف - لأن ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداد، وهو جمع نفل - بالتحريك، وهو ما يعطاه الغازي زيادة على سهمه، والمراد بها هنا الغنيمة، وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهراً، سميت هنا بذلك لأن أصلها في اللغة الزيادة، وقد فضل المسلمون بها على سائر الأمم. ولما كان السؤال عن حكمها، كان كأنه قيل: فماذا يفعل؟ فقال دالاًّ على أنهم سألوا عن مصرفها وحكمها - ليطابق الجواب السؤال: {قل} أي لهم في جواب سؤالهم {الأنفال لله} أي الذي ليس النصر إلا من عنده لما له من صفات الكمال {والرسول} أي الذي كان جازماً بأمر الله مسلماً لقضائه ماضياً فيما أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بمواقعة العدى؛ قال أبو حيان: ولا خلاف أن الآية نزلت في يوم بدر وغنائمه، وقال ابن زيد: لا نسخ، إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه، وللرسول عليه السلام من حيث هو مبين لحكم الله والصادع فيها بأمره ليقع التسليم من الناس، وحكم القسمة نازل خلال ذلك - انتهى. ولما أخبر سبحانه أنه لا شيء لهم فيها إلا عن أمر الله ورسوله، وكان ذلك موحباً لتوقفهم إلى بروز أمره سبحانه على لسانه رسوله صلى الله عليه وسلم، وكانت التقوى موجبة للوقوف خوفاً حتى يأتي الدليل الذي يجسّر على المشي وراءه، سبب عن ذلك قوله: {فاتقوا الله} أي خافوا خوفاً عظيماً في جميع أحوالكم من الذي لا عظمة لغيره ولا أمر لسواه، فلا تطلبوا شيئاً بغير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتخاصموا، فإن الله تعالى الذي رحمكم بإرسال رسول لنجاتكم وإنزال كتاب لعصمتكم غير مهمل ما يصلحكم، فهو يعطيكم ما سبق في علمه الحكم بأنه لكم، ويمنعكم ما ليس لكم {وأصلحوا ذات بينكم} أي الحال التي هي صاحبة افتراقكم واجتماعكم، فإن أغلب أمرها البين الذي هو القطيعة، وقد أشرفت على الفساد بطلب كل فريق الأثرة على صاحبه فأقبلوا على رعايتها بالتسليم لأمر الله ورسوله الأمرين بالإعراض عن الدنيا ليقسمها بينكم على سواء، القوي والضعيف سواء، فإنكم إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، لتجتمع كلمتكم فيشتد أمركم ويقوى أزركم فتقدروا على إقامة الدين وقمع المفسدين {وأطيعوا الله} أي الذي له جميع العظمة {ورسوله} أي الذي عظمته من عظمته في كل ما يأمرانكم به من تنفيل لمن يراه وإنفاذ شرط ووفاء عهد لمن عاهده. ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبيناً كون الإيمان مستلزماً للطاعة: {إن كنتم مؤمنين*} أي صادقين في دعوى الإيمان، فليس كل من يدعي شيئاً يكون صادقاً في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان، ولذلك وصل به قوله مؤكداً غاية التأكيد لأن التخلص من الأعراض الدنيوية عسر: {إنما المؤمنون} أي الراسخون في وصف الإيمان {الذين} أي يقيمون الدليل على دعوى الإيمان بتصديق أفعالهم لأقوالهم فيكونون {إذا ذكر الله} أي الجامع لصفات الكمال من الجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله {الأنفال لله} {وجلت} أي خافت خوفاً عظيماً يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم وأجسامهم {قلوبهم} أي بمجرد ذكره استعظاماً له {وإذا تليت} أي قرئت على سبيل الموالاة والاتصال من ايّ تال كان {عليهم آياته} أي كما يأتي في إقامة الأدلة على ذلك الحكم الذي ورد ذكره فيه {زادتهم إيماناً} أي بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها، فإنها هي الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله، وتظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه، وكمال قدرة الله تعالى إنما يعرف بواسطة آثار حكمته في مخلوقاته، وذلك بحر لا ساحل له، ولما كانت المراتب لا نهاية لها، كانت مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها، فالزيادة في أشخاص التصديق {وعلى} أي والحال أنهم على {ربهم} أي الدائم الإحسان إليهم وحده {يتوكلون} أي يجددون إسناد أمورهم إليه مهما وسوس لهم الشيطان بالفقر أو غيره ليكفيهم من حيث لا يحتسبون، فإن خزائنه واسعة، ويده سحاء الليل والنهار، كما أنهم لما توكلوا عليه في القتال نصرهم وقد كانوا في غاية الخوف من الخذلان، وكان حالهم جديراً بذلك لقلقهم وخوفهم وقتلهم وضعفهم. ولما وصفهم بالإيمان الحامل على الطاعة والتوكل الجامع لهم الدافع للمانع منها، منتقلاً من عمل الباطن إلى عمل الظاهر مبيناً أن همتهم إنما هي العبادة والمكارم: {الذين يقيمون الصلاة} أي يفترون عن تجديد ذلك؛ ولما كانت صلة بين الخلق والخالق، أتبعها الوصلة بين الخلائق فقال: {ومما رزقناهم} أي على عظمتنا وهو لنا دونهم {ينفقون*} ولو كانوا مقلين اعتماداً على ما عندنا فالإنفاق وإهانة الدنيا همتهم، لا الحرص عليها، فحينئذ يكونون كالذين عند ربك في التحلي بالعبادة والتخلي من الدنيا إعراضاً وزهادة، وهو تذكير بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن جرير وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ حديث : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير، وقتلت سعيد بن العاصي وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيعة، فأتيت به النبي فقال "اذهب فاطرحه في القبض‏. فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال‏.‏ فقال لي رسول الله‏: اذهب فخذ سيفك‏" ‏‏. تفسير : وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه حديث : عن سعد قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهل لي هذا السيف‏؟‏ قال‏: إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه‏. فوضعته ثم رجعت قلت‏:‏ عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي، إذا رجل يدعوني من ورائي قلت‏:‏ قد أنزل الله في شيء‏؟‏ قال‏:‏ كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لكتفسير : ، وأنزل الله هذه الآية ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول‏} ‏‏. وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ نزلت في أربع آيات‏.‏ بر الوالدين، والنفل، والثلث، وتحريم الخمر‏. وأخرج الطيالسي والبخاري في الأدب المفرد ومسلم والنحاس في ناسخه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ حديث : ‏نزلت في أربع آيات من كتاب الله، كانت أمي حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى أفارق محمداً صلى الله عليه وسلم‏:‏ فأنزل الله {وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا‏ً} [‏لقمان: 15‏]‏، والثانية أني كنت أخذت سيفاً أعجبني فقلت‏:‏ يا رسول الله هب لي هذا، فنزلت ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال}‏ ، والثالثة إني مرضت فأتاني رسول الله فقلت‏:‏ يا رسول الله إني أريد أن أقسم مالي أفأوصي بالنصف‏؟‏ قال‏: "لا‏. ‏فقلت‏:‏ الثلث‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فسكت فكان الثلث بعده جائزاً، والرابعة اني شربت الخمر مع قوم من الأنصار فضرب رجل منهم أنفي بلحيي جمل، فأتيت النبي، فأنزل الله تحريم الخمر" ‏‏‏. تفسير : وأخرج عبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد قال‏:‏ حديث : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف، فأخذته فأتيت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ نفلني هذا السيف فأنا من علمت‏.‏ فقال "رده من حيث أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لأمتني نفسي، فرجعت إليه فقلت‏:‏ اعطنيه‏.‏ فشدَّ لي صوته وقال‏: رده من حيث أخذته‏. فأنزل الله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏}‏ ‏"‏‏ . تفسير : وأخرج ابن مردويه عن سعدحديث : قال‏:‏ نفلني النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر سيفا، ونزل في النفل‏. وأخرج الطيالسي وأبو نعيم في المعرفة من طريق مصعب بن سعد عن سعد قال‏:‏ أصبت سيفاً يوم بدر، فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت‏:‏ يا رسول الله نفلنيه، فقال "ضعه من حيث أخذته، فنزلت ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال}تفسير : ‏ وهي قراءة عبد الله هكذا الأنفال ‏"‏‏. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي أمامة قال‏:‏ سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال‏؟‏ فقال‏:‏ فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن براءة، يقول‏:‏ عن سواء‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال حديث : "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون، واكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدوّ منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم‏:‏ نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب‏.‏ وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ‏:‏ لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم‏.‏ وقال الذين أحدقوا برسول الله‏ صلى الله عليه وسلم :‏ لستم بأحق بها منا نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرة واشتغلنا به، فنزلت ‏{‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم‏} ‏ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أغار في أرض العدوّ ونفل الربع، وإذا أقبل راجعاً وكل الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال ويقول‏:‏ ليرد قويُّ المسلمين على ضعيفهم ‏" ‏‏. تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري قال ‏"‏حديث : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فنصرها الله وفتح عليها، فكان من أتاه بشيء نفله من الخمس، فرجع رجال كانوا يستقدمون ويقتلون ويأسرون ويقتلون وتركوا الغنائم خلفهم فلم ينالوا من الغنائم شيئا‏ً.‏ فقالوا‏: يا رسول الله ما بال رجال منا يستقدمون ويأسرون، وتخلف رجال لم يصلوا بالقتال فنفلتهم من الغنيمة‏؟‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏}‏ الآية‏.‏ فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: ردوا ما أخذتم واقتسموه بالعدل والسوية فإن الله يأمركم بذلك‏. قالوا‏:‏ قد احتسبنا وأكلنا‏؟‏ قال‏:‏ احتسبوا ذلك‏ "‏‏. تفسير : وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏‏ "أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم يوم بدر فنزلت ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏}‏ ‏"‏‏. وأخرج ابن مردويه عن أبيه عن جده قال‏:‏ لم ينفل النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ أنزلت عليه ‏{‏يسئلونك عن الأنفال‏}‏ إلا من الخمس، فإنه نفل يوم خيبر من الخمس‏. وأخرج ابن مردويه عن حبيب بن مسلمة الفهري قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفل الثلث بعد الخمس‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال‏:‏ لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا‏.‏ فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم، فقالت المشيخة للشبان‏:‏ أشركونا معكم فإنا كنا لكم ردأً ولو كان منكم شيء لَلَجَأْتم إلينا، فاختصموا إلى النبي، فنزلت ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول‏} ‏ فقسم الغنائم بينهم بالسوية‏ "‏‏. تفسير : وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس قال‏:‏ ‏حديث : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ "من قتل قتيلاً فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا‏. فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين، فقال‏:‏ يا رسول الله إنك قد وعدتنا‏.‏ فقام سعد بن عبادة فقال‏:‏ يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك، فتشاجروا فنزل القرآن ‏{‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏ وكان أصحاب عبد الله يقرأونها ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فيما تشاجرتم به‏} ‏ فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزل القرآن {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه‏} [‏الأنفال : 41‏]‏ إلى آخر الآية" ‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس‏‏ "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فمكث ضعفاء الناس في العسكر، فأصاب أهل السرية غنائم، فقسمها رسول الله بينهم كلهم، فقال أهل السرية‏:‏ يقاسمنا هؤلاء الضعفاء وكانوا في العسكر لم يشخصوا معنا‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهل تنصرون إلا بضعفائكم‏؟" فأنزل الله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏}‏ "‏‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن عائشة‏‏ "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انصرف من بدر وقدم المدينة، أنزل الله عليه سورة الأنفال، فعاتبه في إحلال غنيمة بدر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمها بين أصحابه لما كان بهم من الحاجة إليها واختلافهم في النفل، يقول الله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين‏} ‏ فردها الله على رسوله فقسمها بينهم على السواء، فكان في ذلك تقوى الله وطاعته، وطاعة رسوله وصلاح ذات البين‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد‏‏ "إنهم سألوا النبي عن الخمس بعد الأربعة الأخماس‏؟‏ فنزلت ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏ ‏"‏‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ‏{‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏ قال‏:‏ كان هذا يوم بدر‏. وأخرج النحاس في ناسخه عن سعيد بن جبير‏.‏ حديث : ان سعداً ورجلاً من الأنصار خرجا يتنفلان، فوجدا سيفاً ملقى فخرّا عليه جميعاً، فقال سعد‏:‏ هو لي‏.‏ وقال الأنصاري‏:‏ هو لي‏.‏ قال‏:‏ لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتياه فقصا عليه القصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي، فنزلت ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله‏}‏ يقول‏:‏ سلما السيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نسخت هذه الآية فقال {‏واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل} [‏الأنفال: 41‏]‏" ‏‏‏. تفسير : وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنحاس في ناسخه عن ابن عمر‏ "‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد، فغنموا ابلاً كثيراً فصارت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيرا‏ً". وأخرج ابن عساكر من طريق مكحول عن الحجاج بن سهيل النصري وقيل إن له صحبة قال‏:‏ لما كان يوم بدر قاتلت طائفة من المسلمين وثبتت طائفة عند رسول الله، فجاءت الطائفة التي قاتلت بالاسلاب وأشياء أصابوها، فقسمت الغنيمة بينهم ولم يقسم للطائفة التي لم تقاتل‏.‏ فقالت الطائفة التي لم تقاتل‏:‏ اقسموا لنا‏.‏ فأبت وكان بينهم في ذلك كلام، فأنزل الله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم‏} ‏ فكان صلاح ذات بينهم إن ردوا الذي كانوا أعطوا ما كانوا أخذوا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول‏} ‏ قال ‏"‏الأنفال‏:‏ المغانم، كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة ليس لأحد منها شيء، ما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به، فمن حبس منه إبرة أو سلكاً فهو غلول‏.‏ فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم منها شيئاً.‏ فأنزل الله ‏{‏يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال‏}‏ لي جعلتها لرسولي ليس لكم منه شيء ‏ {‏فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم‏}‏ إلى قوله ‏ {‏إن كنتم مؤمنين‏} ‏ ثم أنزل الله ‏{أية : ‏واعلموا أنما غنمتم من شيء‏} ‏تفسير : [‏الأنفال: 41‏]‏ الآية‏.‏ ثم قسم ذلك الخمس لرسول الله، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، والمهاجرين في سبيل الله، وجعل أربعة أخماس الناس فيه سواء‏.‏ للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم‏"‏‏.‏ وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏}‏ قال‏:‏ هي الغنائم، ثم نسخها ‏{أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء‏}‏ ‏تفسير : [‏الأنفال: 41‏]‏ الآية‏. وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأبو عبيد وعبد بن حميد وابن جرير والنحاس وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن القاسم بن محمد قال‏:‏ سمعت رجلاً يسأل ابن عباس عن الأنفال‏؟‏ فقال‏:‏ الفرس من النفل، والسلب من النفل، فأعاد المسئلة فقال ابن عباس‏:‏ ذلك أيضاً، ثم قال الرجل‏:‏ الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي‏؟‏ فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه، فقال ابن عباس‏:‏ هذا مثل صبيغ الذي ضربه عمر‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فقال‏:‏ ما أحوجك إلى من يضربك كما فعل عمر بصبيغ العراقي، وكان عمر ضربه حتى سالت الدماء على عقبيه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس قال‏:‏ الأنفال‏:‏ المغانم، أمروا أن يصلحوا ذات بينهم فيها، فيرد القوي على الضعيف. وأخرج عبد بن حميد والنحاس وابن المنذر وابن جرير وأبو الشيخ عن عطاء في قوله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏ هو ما شذ من المشركين إلى المسلمين بغير قتال، من عبد أو دابة أو متاع فذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما شاء‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن محمد بن عمرو قال‏:‏ أرسلنا إلى سعيد بن المسيب نسأله عن الأنفال‏؟‏ فقال‏:‏ تسألوني عن الأنفال وإنه لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن ابن المسيب‏‏ "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ينفل إلا من الخمس‏"‏. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن المسيب قال‏:‏ ما كانوا ينفلون إلا مِن الخمس‏. وأخرج عبد الرزاق عن ابن المسيب قال‏:‏ لا نفل في غنائم المسلمين إلا في خمس الخمس‏. ‏ وأخرج عبد الرزاق عن أنس‏.‏ أن أميراً من الأمراء أراد أن ينفله قبل أن يخمسه، فأبى أنس أن يقبله حتى يخمسه‏. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال‏:‏ هي في قراءة ابن مسعود‏‏ "يسئلونك الأنفال ‏"‏‏.‏ وأخرج ابن مردويه من طريق شقيق عن ابن مسعود أنه قرأ ‏{‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏‏. وأخرج أبو الشيخ عن السدي ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏ قال‏:‏ الفيء، ما أصيب من أموال المشركين مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فهو للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الشعبي في قوله ‏ {‏يسئلونك عن الأنفال‏} ‏ قال‏:‏ ما أصابت السرايا‏. وأخرج ابن أبي شيبة والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن مجاهد وعكرمة قالا‏:‏ كانت الأنفال لله والرسول حتى نسخها آية الخمس ‏{أية : ‏واعلموا أنما غنمتم من شيء} ‏تفسير : [‏الأنفال: 41‏]‏ الآية‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الأعمش قال‏:‏ كان أصحاب عبد الله يقرؤنها‏‏ "يسئلونك الأنفال‏"‏‏. وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب المفرد وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله ‏ {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم‏} ‏ قال‏:‏ هذا تحريج من الله على المؤمنين أن يتقوا الله، وأن يصلحوا ذات بينهم حيث اختلفوا في الأنفال‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏ {‏وأصلحوا ذات بينكم‏}‏ قال‏:‏ لا تستبوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول قال‏:‏ كان صلاح ذات بينهم إن ردت الغنائم، فقسمت بين من ثبت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين من قاتل وغنم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله ‏ {‏وأطيعوا الله ورسوله‏} ‏ قال‏:‏ طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة‏. وأخرج أبو يعلى وأبو الشيخ والحاكم وصححه وتعقبه الذهبي عن أنس قال ‏"‏حديث : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر‏:‏ ما أضحكك يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ رجلان جثيا من أمتي بين يدي رب العزة فقال أحدهما‏:‏ يا رب خذ لي مظلمتي من أخي‏.‏ قال الله‏:‏ أعط أخاك مظلمته‏.‏ قال‏:‏ يا رب لم يبق من حسناتي شيء‏.‏ قال‏:‏ يا رب يحمل عني من أوزاري‏.‏ وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال‏:‏ إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يتحمل عنهم من أوزارهم‏.‏ فقال الله للطالب‏:‏ ارفع بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه فقال‏:‏ يا رب أرى مدائن من فضة وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا لأي صديق هذا لأي شهيد هذا‏؟‏‏!‏ قال‏:‏ هذا لمن أعطى الثمن، قال‏:‏ يا رب من يملك ثمنه‏؟‏ قال‏:‏ أنت‏.‏ قال‏:‏ بماذا‏؟‏ قال‏:‏ بعفوك عن أخيك‏.‏ قال‏:‏ يا رب قد عفوت عنه‏.‏ قال‏:‏ خذ بيد أخيك فأدخله الجنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ اتقوا الله وأصلحوا ذاتْ بينكم، فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أم هانىء أخت علي بن أبي طالب قالت‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : أخبرك أن الله تبارك وتعالى وتقدس يجمع الأوّلين والآخرين يوم القيامة في صعيد واحد، فمن يدري أي الطرفين‏؟‏ فقالت‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏‏.‏‏.‏‏! ‏ثم ينادي مناد من تحت العرش يا أهل التوحيد‏.‏ فيشرئبون، ثم ينادي‏:‏ يا أهل التوحيد‏.‏ ثم ينادي الثالثة إن الله قد عفا عنكم، فيقوم الناس قد تعلق بعضهم ببعض في ظلامات الدنيا، ثم ينادي‏:‏ يا أهل التوحيد يعفو بعضكم عن بعض وعلى الله الثواب ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أنس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حديث : إذا كان يوم القيامة نادى مناد‏:‏ يا أهل التوحيد إن الله قد عفا عنكم، فليعف بعضكم عن بعض وعلي الثواب ‏"‏‏.‏

ابو السعود

تفسير : (سورة الأنفال مدنية. وهى خمس وسبعون آية) {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأنفَالِ} النفل الغنيمةُ سُمّيت به لأنها عطيةٌ من الله تعالى زائدة على ما هو أصلُ الأجرِ في الجهاد من الثواب الأخروي، ويطلق على ما يعطى بطريق التنفيل زيادةً على السهم من المغنم وقرىء عَلنفال بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام نون عن في اللام. روي أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تُقسم ولمن الحُكم فيها أللمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعاً؟ وقيل: إن الشبانَ قد أبلَوا يومئذ بلاء حسناً فقتلوا سبعين وأسروا سبعين فقالوا: نحن المقاتلون ولنا الغنائم، وقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رِدءاً لكم وفئةً تنحازون إليها حتى قال سعد بن معاذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما منعنا أن نطلبَ ما طلب هؤلاء زهادةٌ في الأجر ولا جبنٌ من العدو ولكن كرِهنا أن نعرِّيَ مصافّك فيعطِفَ عليك خيلٌ من المشركين فنزلت. وقيل: كان النبـي صلى الله عليه وسلم قد شرط لمن كان له بلاءٌ أن يُنَفِّله، ولذلك فعل الشبانُ ما فعلوا من القتل والأسر فسألوه عليه الصلاة والسلام ما شرطه لهم فقال الشيوخُ: المغنمُ قليلٌ والناسُ كثيرٌ وإن تُعطِ هؤلاءِ ما شرطتَ لهم حرمتَ أصحابَك فنزلت. والأولُ هو الظاهُر لما أن السؤالَ استعلامٌ لحكم الأنفالِ بقضية كلمةِ (عن) لا استعطاءٌ لنفسها كما نطقَ به الوجهُ الأخير وادعاءُ زيادةٍ عن تعسف ظاهر، والاستدلالُ عليه بقراءة ابن مسعودٍ، وسعد بن أبـي وقاص، وعليِّ بنِ الحسين وزيدٍ، ومحمد الباقر، وجعفرِ الصادق، وعكرمةَ، وعطاءٍ، يسألونك الأنفالَ، غيرُ منتهضٍ فإن مبناها كما قالوا على الحذف والإيصالِ كما يعرب عنه الجوابُ بقوله عز وجل: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي حكمُها مختصٌّ به تعالى يقسمها الرسولُ عليه الصلاة والسلام كيفما أُمر به من غير أن يدخُل فيه رأيُ أحدٍ ولو كان السؤالُ استعطاءً لما كان هذا جواباً له فإن اختصاصَ حكمِ ما شُرط لهم من الأنفال بالله والرسول لا ينافي إعطاءَها إياهم بل يحقّقه لأنهم إنما يسألونها بموجب شرطِ الرسولِ عليه الصلاة والسلام الصادرِ عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبَق أيديَهم إليها ونحوِ ذلك مما يُخِلّ بالاختصاص المذكورِ، وحملُ الجوابِ على معنى أن الأنفالَ بالمعنى المذكور مختصةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم لا حق فيها للمُنفَّل كائناً من كان مما لا سبـيل إليه قطعاً ضرورةَ ثبوتِ الاستحقاقِ بالتنفيل، وادعاءُ أن ثبوتَه بدليل متأخرٍ التزامٌ لتكرر النسخِ من غير علمٍ بالناسخ الأخير، ولا مساغَ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهدٌ وعكرمةُ والسديّ من أن الأنفالَ كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً ليس لأحد فيها شيءٌ بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ }تفسير : [الأنفال: 41] لما أن المرادَ بالأنفال فيما قالوا هو المعنى الأولُ حتماً كما نطَق قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِن شَىْء }تفسير : [الأنفال: 41] الآية، على أن الحقَّ أنه لا نسخَ حينئذ أيضاً حسبما قاله عبدُ الرحمٰن بنُ زيدِ بنِ أسلم بل بـيّن في صدر السورة الكريمة إجمالاً أن أمرَها مفوضٌ إلى الله تعالى ورسولهِ ثم بـيّن مصاريفَها وكيفيةَ قسمتِها على التفصيل، وادعاءُ اقتصارِ هذا الحُكمِ أعني الاختصاصَ برسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطةِ يوم بدر ـ بجعل اللامِ للعهد مع بقاء استحقاقِ المُنفَّل في سائر الأنفالِ المشروطةِ ـ يأباه مقامُ بـيانِ الأحكامِ كما ينبـي عنه إظهارُ الأنفالِ في موقع الإضمارِ على أن الجوابَ عن سؤال الموعودِ ببـيان كونهِ له عليه الصلاة والسلام خاصةً مما لا يليق بشأنه الكريمِ أصلاً، وقد روي حديث : عن سعد بنِ أبـي وقاصٍ أنه قال: قُتل أخي عميرٌ يوم بدرٍ فقتلتُ به (سعيدَ بنَ العاص) وأخذتُ سيفَه فأعجبني فجئتُ به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الله تعالى قد شفى صدري من المشركين فهَبْ لي هذا السيفَ، فقال عليه الصلاة والسلام: "ليس هذا لي ولا لك اطرَحْه في القبض" فطرحتُه وبـي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذِ سلبـي فما جاوزتُ إلا قليلاً حتى نزلت سورةُ الأنفال فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "يا سعُد إنك سألتَني السيفَ وليس لي وقد صار لي فاذهبْ فخُذْه"تفسير : وهذا كما ترى يقتضي عدمَ وقوعِ التنفيلِ يومئذ، وإلا لكان سؤالُ السيفِ من سعد بموجب شرطِه ووعدِه عليه السلام لا بطريق الهِبَة المبتدَأةِ، وحُمل ذلك من سعدٍ على مراعاة الأدبِ مع كون سؤالِه بموجب الشرط يرده عليه الصلاة والسلام قبل النزولِ، وتعليلُه بقوله: «ليس هذا لي» لاستحالة أن يعِدَ عليه الصلاة والسلام بما لا يقدِرُ على إنجازه، وإعطاؤُه صلى الله عليه وسلم بعد النزولِ وترتيبُه على قوله: «وقد صار لي» ضرورةَ أن مناطَ صيرورتِه له عليه الصلاة السلام قولُه تعالى: {ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} والفرضُ أنه المانعُ من إعطاء المسؤولِ ومما هو نصٌّ في الباب قوله عز وجل: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي إذا كان أمرُ الغنائم لله تعالى ورسوله فاتقوه تعالى واجتنبوا ما كنتم من المشاجرة فيها والاختلاف الموجِبِ لسَخَط الله تعالى أو فاتقوه في كل ما تأتون وما تذرون فيدخُل فيه دخولاً أولياً ولو كان السؤالُ طلباً للمشروط لمّا كان فيه محذورٌ يجب اتقاؤُه، وإظهارُ الاسم الجليلِ لتربـية المهابة وتعليلِ الحُكم {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} جُعل ما بـينهم من الحال لملابستها التامةِ لبَـيْنهم صاحبةً له كما جُعلت الأمورُ المضمرةُ في الصدور ذاتَ الصدور أي أصلِحوا ما بـينكم من الأحوال بالمواساة والمساعدةِ فيما رزقكم الله تعالى وتفضل به عليكم. وعن عبادة بن الصامت نزلت فينا معشرَ أصحابِ بدرٍ حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقُنا فنزعه الله تعالى من أيدينا فجعله لرسوله فقسمه بـين المسلمين على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعةُ رسوله وإصلاحُ ذات البـين وعن عطاء كان الإصلاحُ بـينهم أن دعاهم وقال اقسموا: غنائمَكم بالعدل فقالوا: قد أكلْنا وأنفقْنا فقال: ليرُدَّ بعضُكم على بعض {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بتسليم أمرِه ونهيه، وتوسيطُ الأمر بإصلاح ذاتِ البـين بـين الأمرِ بالتقوى والأمرِ بالطاعة لإظهار كمالِ العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرجَ الأمرُ به بعينه تحت الأمرِ بالطاعة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} متعلقٌ بالأوامرَ الثلاثةِ والجوابُ محذوفٌ ثقةً بدلالة المذكورِ عليه أو هو الجوابُ على الخلاف المشهور، وأياً ما كان فالمقصودُ تحقيقُ المعلقِ بناءً على تحقيق المعلقِ به، وفيه تنشيطٌ للمخاطَبـين وحثٌّ لهم على المسارعة إلى الامتثال، والمرادُ بالإيمان كمالُه أي إن كنتم كاملي الإيمانِ فإن كمالَ الإيمان يدور على هذه الخِصالِ الثلاثِ: طاعةُ الأوامرِ واتقاءُ المعاصي وإصلاحُ ذاتِ البـينِ بالعدل والإحسان.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}[1] قال: التقوى ترك كل شيء تقع عليه فهو في الآداب مكارم الأخلاق وفي الترغيب أن لا يظهر ما في سره، وفي الترهيب أن لا يقف مع الجهل. ولا تصح التقوى إلاَّ بالمقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالصحابة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الآية: 1]. قال سهل: التقوى ترك كل شىء يقع عليه الذم. وقال: لا تصح التقوى إلا للمقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين. وقال: التقوى فى الآداب: مكارم الأخلاق. وفى الترغيب أن لا يظهر ما فى سره، وفى الترهيب أن لا يقف مع الجهل.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. الأنفال ها هنا ما آل إلى المسلمين من أموال المشركين، وكان سؤالهم عن حكمها، فقال الله تعالى: قُلْ لهم إنها للهِ مِلْكاً، ولرسوله - عليه السلام - الحُكْمُ فيها بما يقضى به أمراً وشرعاً. قوله جلّ ذكره: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}. أي أجيبوا لأمر الله، ولا تطيعوا دَوَاعِيَ مناكم والحكمَ بمقتضى أحوالكم، وابتغوا إيثارَ رضاء الحقِّ على مراد النَّفْس، وأصلحوا ذات بَيْنِكم، وذلك بالانسلاخ عن شُحِّ النَّفْس، وإيثار حقِّ الغير على مَالَكُم من النصيب والحظِّ، وتنقية القلوب عن خفايا الحَسَد والحقد. قوله جلّ ذكره: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. أي في الإجابة إلى ما يأتيكم من الإرشاد. قوله جلّ ذكره: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}. أي سبيلُ المؤمنِ ألا يخالِفَ هذه الجملة.

البقلي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} لكل طائفة فى طريق المجاهدة والقتال مع النفس فتح وغنيمة فغنيمة المريدين صفاء المعاملات وغنيمة المحبين وذوق الحالات وغنيمة العارفين كشف المشاهدات والسوال عن ذلك اقتباس نور الشريعة من مشكوه النبوة واستعلام الادب فى طريق المعرفة لله هذه الكرامة لا بالاكتساب يوتيه من يشاء {وَٱلرَّسُولِ} الحكم فيه لجهة تربية الامة وان الله تعالى مستغنى عن الخليفة ورسوله يظهر فى اداء رسالته عن حظوظ نفسه ثم حذرهم بنفسه عن نفسه فى طريق ومواساة عبادة بقوله {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} اى اتقوا الله فى طلبة لا تلتقوا الى غيره واسوأ قلوب اخوانكم يبدل مهجتكم اليهم فى مواخاتكم ومصادقتكم لله وفى الله {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} فى الحقيقة واطيعوا الرسول فى الشريعة {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } اى ان كنتم صادقين فى دعوى المحبة قال سهل التقوى ترك كل شئ يقع عليه الذم وقال الاستاد التقوى ايثار رضى الحق على مراده النفس تم وصف المؤمنين بالعلامات الصحيحة الدالة على صدقهم التى اذارتها الا تشك فى ايمانهم وذلك تاثير واراد نور الغيب التى ترد على قلوبهم فيظهر علامة فى وجهوهم بقوله {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} وصف السّامعين من اهل الايمان والايقان عند جريان ذكره وسماع خطابه وتلاوة كتابه بالوجد الذى يكون عند سماع الذكر من رؤية جلال الله وعظمته تجلاها يزيد لايمانهم نور الغيب ولايقانهم سنا القرب ولحسن رضاهم فى طاعته روح الانس حتى تصيروا خائفين من عظمته عارفين بربوبيته متوكلين بكفايته قال شيخنا وسيدنا ابو عبد الله بن خفيف قدس الله روحه فى ذكر وجل فى هذه الآية قال واعلم ان احكام الوجل انما يصح للوجلين عند تكشف استار الوان وذهاب حجب الغفلاة من القلوب فيشهد بقوة علمه وصفاء يقينه سطوات الخوف فداخله لطيف الوجل برقة الاشفاق وذلك مما احلى عن القلوب عن اجناته وتعظيمه وترهيبه كل ساتر قال ابو سعيد الحراز هل رايت ذلك الوجل عند سماع الذكر وعند سماع كتابه وخطابه اهل اخرسك سماع ذلك الذكر حتى لم تنطق الا به وهل اصمك حتى لم تسمع الا به منه هيبات وقال سهل فى قوله وجلت قلوبهم هاجت من خشية الفراق فخشعت الجوارح لله بالخدمة وقال الواسطى الوجل على مقدار المطالعة ربما يربه مواضع السطور وربما يربه مواضع المحبة والمحبة وربما يربه التقريب والتبعيد وقال الجنيد وجلت قلوبهم من فوات الحق وقال بعضهم الوجل على مقدار المطالعات فان طالع السطوة هاب به وان طالع وده وجل عليه مخافة فوته ومن جملة ذلك من طالع التقريب بالتأديب وجل ومن طالع التهديد بالتبعيد وجل ومن طالعه مغيبا عن شاهده قائما بسرمده خاليا من ازله وابده فلا وجل حينئذ ولا اضطراب ولا تباعد ولا اقتراب فانه محقق بالذوات ونسى الصفات وقنى عن الذات بالذات كما هرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفات الى الذات فقال اعوذ بك منك قال الجنيد فى قوله واذا تليت عليهم اياته زادتهم ايمانا ان لا وصول الى الله الا بالله قال الاستاد يخرجهم الوجل من اوطان الغفلة ويزعجهم عن مساكن الغيبة واذا انفضلوا عن اودية التفرقة وجاءوا الى مشاهدة الذكر نالوا السكون الى الله فيزيدهم ما يتلى عليهممن اياته تصديقا على تصديق وتحقيقا على تحقيق اذا طالعوا جلال قدره وايقنوا قصورهم عن ادراكه توكلوا عليه فى امدادهم برعايته فى نهايتهم كما استخلصهم بعنايته فى بدايتهم ويقال سنة الحق سبحانه مع اهل العرفان ان يودهم بين كشف جلاله ولطف جماله فاذا كاشفهم بجلاله وجلت قلوبهم واذا لاطفهم بجماله سكنت قلوبهم قال الله تعالى تطمئن قلوبهم بذكر الله ويقال وجلت قلوبهم لخوف فراقه ثم تطمئن ويسكن ارواحهم بروح وصاله فذكر الفراق يفنيهم وذكر الوصال يصحبهم ويحبهم ثم ان الله سبحانه زاد فى وصفهم بالعبودية وبذل المهجة فى الطريق بقوله تعالى {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ثم وصفهم باستكمال ايمانهم بقوله {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} فشرط حقيقة الايمان بهذه الخصال التي نكرها فى الايتين اللتين فى صدر السورة كاَنّ من لم ينحل بهذه الخصال المذكورة لم يتحقق فى ايمانه وهى التقوى والاصلاح بين المؤمنين وذلك محل بصحبته وهو نوع من التمكين والانقياد عند امر الله ورسوله والاخلاص ووجل القلب عند سماع الذكر والقران ومزيد اليقين وترك التدبير فى استقبال التقدير ومقام المناجاة من الصلاة والانقطاع عن الاشتغال بالدنيا وايثار حقوق الاخوان على نفسه فاذا استكمل هذا الجلال ===اسم تحقيق الايمان عليه لقوله اولئك هم المؤمنون حقا ويستحق بعد هذا الثناء ما وعده الله المتحققين في ايمانه من المغفرة التامة حيث لم يلتفت بفضله الى خطواتهم ويشرفهم الى اعلى الدرجات ويسقيهم شراب الوصال عند كشوف المشاهدات بقوله {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} بين ان حقيقة الايمان مكاشفة الغيب واظهور ما وعد الله لهم وتصديق ذلك سوال النبي صلى الله عليه وسلم عن الحارثة فقال يا حارثة لكل حق حقيقة فما حقيقة ايمانك قال عزفت نفسى عن الدنيا فاسهرت ليل واطمأت نهارى وكانى انظر الى عرش ربى بارزا وكانى انظر الى اهل الجنة فى الجنة يتزاورون والى اهل النار يتعاوون فقال عليه السَّلام عرفت فالزم فصح فى الاية والحديث ان حقيقة الايمان رؤية الغيب بالغيب وثمرتها ما ذكره الله فى الاية من المعاملات السيئة والحالات الشريفة قبل جمع اشياء حقق بها ايمانهم التعظيم للذكر والوجل عند سماعه واظهار الزيادة عليهم عند تلاوة الذكر وسماعه وحقيقة التوكل على الله والقيام بشروط العبودية على حد الوفاء واكملت اوصافهم فى حقيقة الحقائق فصاروا === بالايمان قال الجنيد حقا انه سبقت لهم من الله السعادة قال ابو بكر بن طاهر حقيقة الايمان بخمسة اشياء باليقين والاخلاص والخوف والرجاء والمحبة فباليقين يخرج من الشك وبالاخلاص يخرج من الرياء وبالخوف يخرج من المكر وبالرجاء يخرج من القنوط وبالمحبة يخرج من الشك وبالاخلاص يخرج من الرياء وبالخوف يخرج من المكر وبالرجاء يخرج من القنوط وبالمحبة يخرج من الوحشة والحيرة وقال الاستاذ فى قوله لهم مغفرة ورزق كريم ان الحق سبحانه يستر مثالب العاصين ولا يفضحهم لئلا يحجبوا عن ما مول افضالهم ويستر مناقب الفازفين عليهم لئلا يعجبوا باعمالهم واحوالهم والرزق للاسرار بما يكون استقلالها من المكاشفات ثم بين تعالى ان لاهل حقائق الايمان بعض طباع البشرية والحريات الانفس الامارة عند وقوع امر الله ولا ينقلب ذلك بمقطنهم بل فضله ورحمته اصطفاهم بهذه الكرامات قبل وجودهم فى الازل خاصية واجتبائه بغير علة اكتسابهم وبين ان الولى الصادق وان بلغ درجة الولاية لم يخل من بعض خطرات النفس ولم يكن ذلك نقصانه بل بيان اختصاصه باختصاصه القديم فى سابق حكمه لهم حتى لا يظن الظان ان الولى لم يبلغ درجة الولاية الا باداء جميع حقوق العبودية فان محل النبوة لا تخلو من الخطرات فكيف بمحل الولاية وجملة ذلك قوله سبحانه لنبيه عليه السلام {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} ثم زاد فى وصف طباعهم بقوله {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} سبحان من خص هؤلاء بهذه الصفات بحقائق الايمان ودرجاتها وانوارها ومكاشفاتها ولم ينال بتلك الصفات ليعلم الخلق ان فضله سابق عليهم وعنايته لهم قديمة ومعنى الاية ان وضع قسمة الغنائم بقسمة الازل كما ارادت نفوسهم كما اخرجك ربك من بيتك لقتال العدو وهم فى ذلك كارهون وكراهتهم فى القتال لكراهتهم فى قسمة الغنائم وتلك الكراهة من قبل النفس وطبع البشرية لا من قبل الانكار فى قلوبهم لامر الله ورسوله فانهم موقنون بقول الله ورسوله وكذا حال جميع السالكيم لم تفر نفوسهم من اوطان قلوبهم فى جميع الانفاس الا عند كشوف مشاهدة الحق سبحانه فهناك لا يبقى على وجه الارض القلوب الاشراق انوار الغيوب قيل ان النفس ىلا تالف الحق ابدا جدالهم مع النبى صلى الله عليه وسلم من جهة لانبساطهم اطفالحجر الوصلة وجدالهم كجدال الخليل عليه السلام ومن راس الخلة والانبساط قال تعالى يجادلنا فى قوم لوط والفرار ليلاً قبل وقوع المشاهدة فاذا وقع الحق ورفع الحجاب لم يبقى من اثار النفوس ذرة فالقوم كانوا فى ذلك الوقت فى مقام الغيبة فلما انكشف لهم ماامولهم بذلوا مهجتهم بطيبة نفوسهم حيث اختاروا الشهادة فى الاحد وان من سنة الله لهل السلوك اخراجه اياهم من اوطانهم ليذوقوا ارادة الفرقة فى الغربة ولا يبقى عليهم ما لو فات البشرية لذلك قال كما يخرجك ربك من بيتك فالحقيقة فى ذلك خروج الرجال من اوطان النفوس الى فضاء المشاهدة حتى لا يبقى معك غيره قال ابو بزيد قدس الله روحه سالت الوصلة فقال لى دع نفسك وتعال قال ابن عطا اخرجك من بلدتك لنحيى به قلوبا عميا عن الحق وان فريقاً من المؤمنين لكارهون مفارقة اوطانهم ولا يتم لعبد حقيقة الصحبة والنصيحة الا بعد هجران اقاربه ومفارقة اوطانهم اخرجهم من تلك البلدة حتى القوا غيرها من البلاد ولم يبق عليهم مطالبة لها فردهم اليها لئلا يملكهم سوى الحق شئ وقال بعضهم فى هذه الاية افناك عن اوصافك ومواضع سكونك واعتمادك وما كان يميل اليه قلبك لئلا تلاحظ محلا ولا يسكن الى مالوف فاخرجك من المالوفات ليكون بالحق قيامك وعليه اعتمادك وان فريقا من المؤمنين لكارهون ظاهر روحك ومفارقتك اوطانك ولا يعلمون ان خروجك مها الخروج عن جميع الرسوم المألوفة والطبائع المعهودة وانك بمفارقة هذا الوطن المعتاد يصير الحق وطنك ثم زاد سبحانه فى وصف القوم فى طلب فاهيتهم بقوله {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} سنة الله التى قد جرت فى الازل ان عند كل مشاهدة مجاهدة وان عند كل نعمة بلا ظهور فضل الربوبية واذعان الخليقة لامر القدم بنعت العبودية قال بعضهم من ظن انه يصل الى الحق بالجهد فمتعن ومن ظن انه يصل اليه بغير الجهد فهن قوله تعالى {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} تميز بلطفه وابراز كرمه وظهور جلاله لاهله بين الصادق فى محبته والمدعى بكراماته وايضا ليحق حق الايمان والصدق ببذل مهجتهم لله مما يجرى على اوصافهم من خطور النفسانية وايضا ليحق حق المشاهدة المحبة فى قلوبهم ويبطل الهواجس ما فى نفوسهم قال بعضهم ليحق الحق بالاقبال عليه ويبطل الباطل بالاعراض عنه قال الواسطى ليحق الحق بتجليه ويبطل الباطل باستتاره وقال بعضهم يحق الحق بالكشف ويبطل الباطل بالسّر وقال بعضهم يحق الحق بالرضا ويبطل الباطل بالسخط وقيل ليحق الحق للاولياء ويبطل الباطل للاعداء وقيل ليحق الحق بال=== ويبطل الباطل بالصرف وقيل ليحق الحق بالبراهين ويبطل الباطل بالدعاوى

اسماعيل حقي

تفسير : {يسألونك عن الأنفال} اى عن حكم الغنائم فالسؤال استفتائى ولهذا عدى بكلمة عن لا استعطائى كما يقال سألته درهما لان السؤال قد يكون لاقتضاء معنى فى نفس المسئول فيتعدى اذ ذاك كما قال سلى ان جهلت الناس عنى وعنهمو وقد يكون لاقتضاء مال ونحوه فيتعدى اذ ذاك الى المفعولين كالمثال المذكور. والنفل الزيادة وسميت الغنيمة به لانها عطية من الله زائدة على ما هو الاجر فى الجهاد من الثواب الاخروى وعلى ما اعطاه لسائر الامم حيث لم يحل لهم الغنائم وكانت تنزل نار من السماء فتأكلها والنافلة من الصلاة ما زاد على الغرض ويقال لولد الولد نافله لأنه زياده على الولد ويطلق على ما يشرطه الامام المقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه من الغنم - روى- ان المسلمين اختلفوا فى غنائم بدر وفى قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم والى اين تصرف ومن الذين يتولون قسمتها أهم المهاجرون ام الانصار أم هم جميعا فنزلت فضمير يسألون لاصحاب بدر لتعينهم حال نزول الآية فلا حاجة الى سبق الذكر صريحا. والمعنى يستفتونك فى حكم الانفال {قل الأنفال لله والرسول} اى امرها وحكمها مختص به تعالى يقسمها الرسول كيفما امر به من غير ان يدخل فيه رأى احد*قال الحدادى اضافة الغنائم الى الله على جهة التشريف لها واضافتها الى الرسول لانه كان بيان حكمها وتدبيرها اليه {فاتقوا الله} اى اذا كان امر الغنائم لله ورسوله فاتقوا الله تعالى واجتنبوا ما كنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لسخطه تعالى {واصلحوا ذات بينكم} ذات البين هى الاحوال التى تقع بين الناس كما ان ذات الصدور هى المضمرات الكائنة فيها وذات الاناء هى ما حل فيه من الطعام والشراب ولما كان ما حل فى الشيء ملابسا له قيل انه صاحب محله وذوه مثل ان يقال اسقنى ذا انائك اى الماء الذى فيه اى واصلحوا ما بينكم من الاحوال بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله تعالى وتفضل به عليكم وذلك لان المقاتلة قالوا لنا الغنائم وارادوا ان لا يواسوا الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات* قال عبادة بن الصامت نزلت فينا معشر اصحاب بدر حين اختلفنا فى النفل وساءت فيه اخلاقنا فنزعه الله من ايدينا فجعله لرسوله فقسمه بين المسلمين على السواء {وأطيعوا الله ورسوله} بتسليم امره ونهيه {إن كنتم مؤمنين} متعلق بالاوامر الثلاثة والمراد بالايمان كما له فان اصل الايمان لا يتوقف على التحلى بمجموع تلك الامور كلها بل يتحقق بمجرد الطاعة بقبول ما حكم الله ورسوله به والاعتقاد بحقيته. والمعنى ان كنتم كاملى الايمان فإن كمال الايمان يدور على هذه الخصال الثلاث* واعلم ان كثرة السؤال توجب الملال ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله حرم عليكم عقوق الامهات ووأد البنات والمنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال " .تفسير : ففى الحديث فوائد. منها النهى عن عقوق الوالدين لانه من الكبائر وانما اقتصر على الام اكتفاء بذكر احدهما كقوله تعالى {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه} تفسير : [التوبة: 62]. او لان حقها اكثر وخدمتها اوفر. وفيه نهى عن وأد البنات وهو فعل الجاهلية كان الواحد منهم اذا ولد له ابن تركه واذا ولد له بنت دفنها حية وانما حملهم على ذلك خوف الاملاق ودفع العار والانفة عن انفسهم واراد واراد بالمنع الامتناع عن اداء ما يجب ويستحب. وبهات الاقدام على اخذ ما يكره ويحرم. وفيه نهى عن المقاولة بلا ضرورة وقصد ثواب فانها تقسى القلوب. وفيه نهى عن كثرة السؤال* قال ابن ملك يجوز ان يراد به سؤال أموال الناس وأن يراد به سؤال الانسان عما لا يعنيه. وفيه نهى عن اضاعة المال وهى انفاقه فى المعاصى والاسراف به فى غيرها كالاسراف فى النفقة والبناء والملبوس والمفروش وتمويه الاوانى والسيوف بالذهب قال فى التأويلات النجمية فلما اكثروا السؤال قال عليه السلام "حديث : ذرونى ما تركتكم فانه انما اهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على انبيائهم ". تفسير : ومن كثرة سؤالهم قوله تعالى {يسألونك عن الانفال} وانما سألوا ليكون الانفال لهم فقال على خلاف ما تمنوا {قل الأنفال لله والرسول} يعملان فيها ما شا آلا كا شئتم لتتأدبوا ولا تعترضوا على الله والرسول بطريق السؤال وتكونوا مستسلمين لاحكامهما فى دينكم ودنياكم ولا تحرصوا على الدنيا لئلا تشوبوا اعمالكم الدينية بالاعراض الدنيوية {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} اى اتقوا بالله عن غير الله واصلحوا ما بينكم من الاخلاق الرديئة والهمم الدنيئة وهى الحرص على الدنيا والحسد على الاخوان وغيرهما من الصفات الذميمة التى يحجب بها نور الايمان عن القلوب {وأطيعوا الله ورسوله} بالتسليم لاحكامهما والائتمار باوامرهما والانتهاء عن نواهيهما {إن كنتم مؤمنين} تحقيقا لا تقليدا فان المؤمن الحقيقى هو الذى كتب الله بقلم العناية فى قلبه الايمان وايده بروح منه فهو على نور من ربه: وفى المثنوى شعر : بود كبرى در زمان با يزيد كفت او را يك مسلمان سعيد كه جه باشد كرتو اسلام آورى تا بيابى صد نجات وسرورى كفت اين ايمان اكرهست اى مريد آنكه دارد شيخ عالم بايزيد من ندارم طاقت آن تاب آن كان فزون آمد زكو كوششهاى جان كرجه در ايمان ودين ناموقنم ليك در ايمان او بس مؤمنم مؤمن ايمان او يم در نهان كرجه مهرم هست محكم بردهان باز ايمان كرخود ايمان شماست نى بدان ميلستم ونى اشتهاست آنكه صد مبلش سوى ايمان بود جون شمارا ديد آن باطل شود زانكه نامى بينهد ومعنيش نى جون بيابان مفازه كفتنى تفسير : اللهم اجعلنا متحققين بحقائق الايمان واوصلنا الى درجات العرفان والاحسان.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يسألونك عن} قسمة {الأنفالِ} وهي الغنائم، سميت الغنيمة نفلاً لأنها عطية من الله تعالى، وزيادة فضل، كما يسمى ما يشترط الإمام للشجاع المقتحم خطراً، نفلاً؛ لأنه عطية له زيادة على سهمه، وكما سمى يعقوب عليه السلام نافلة؛ لأنه عطية زائدة على ولد إبراهيم عليه السلام، حيث كان حفيده، ثم أجابهم الحق تعالى فقال: {قل الأنفال لله والرسول} أي: أَمرها إلى الله ورسوله، يقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يأمره الله تعالى، وفي الوضع الذي يعينه له. وسبب نزولها: اختلاف المسلمين في غنائم بدر كيف تقسم، هل في المهاجرين لفقرهم، أو في الأنصار لنصرهم، أو فيهما معاً. قال ابن جزي: وذلك أنهم كانوا يوم بدر ثلاث فرق: فرقة مع النبي صلى الله عليه وسلم في العريش تحرسه وتؤنسه، وفرقة اتبعوا المشركين فقتلوهم وأسروهم، وفرقة أحاطوا بأسلاب العدو وعسكرهم لما انهزموا، فلما انجلت الحرب واجتمع الناس، ورأت كل فرقة أنها بالغنيمة من غيرها، اختلفوا فيما بينهم. فنزلت الآية.هـ. وقيل: شرط رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن كان له غناء أن ينفله، فتسارع شبابهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين، ثم طلبوا نفلهم، وكان المال قليلاً، فقال الشيخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات: كنا رداءاً لكم، وفئة تنحازون إلينا، فلا تختصوا بشيء دوننا، فنزلت، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء. ولهذا قيل: لا يلزم الإمام الوفاء بما وعد، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه. وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: لمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتل أَخي عُمَيْرٌ، وقتلتُ سَعِيدَ بْنَ العَاصِ، وأخذتُ سَيْفَهُ وأتيتُ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستوهبته منه، فقال: "حديث : لَيْسَ هَذَا لِي، ولكن ضَعهُ في القَبض". تفسير : فَطَرحْتُهُ، وفي قلبي مَا لا يَعْلَمُهُ إِلا الله من قَتَلِ أَخِي وأَخْذِ سَلَبي، فَمَا جَاوَزْتُها إلا قليلاً حتى نزلت سُورَةُ الأَنْفَال، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سَأَلَتنِي السَّيف ولَيْس لِي، وإِنّهُ قد صَارَ لِي فاذْهَبْ فَخُذْهُ ." تفسير : {فاتقوا الله} في المشاجرة والاختلاف، {وأَصلحوا ذات بينكم} أي أصلحوا الحال التي بينكم بالمواساة والمواددة وسلامة الصدور، ولمساعدة فيما رزقكم الله، وتسليم أمره إلى الله تعالى ورسوله، {وأطيعوا الله ورسوله} فيما يأمركم به {إن كنتم مؤمنين}؛ فإن الإيمان يقتضي الاستماع والاتباع، أو إن كنتم كاملي الإيمان؛ فإن كمال الإيمان يقتضي التمسك بهذه الخصال الثلاث: امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان. ثم ذكر شروط كمال الإيمان، فقال: {إنما المؤمنون} الكاملون في الإيمان: {الذين إذا ذُكر الله وَجَلتْ قلوبُهم}؛ خافت واقشعرت لذكره؛ استعظاماً له وهيبة من جلاله، وقيل: هو الرجل يهم بالمعصية فقال له اتق الله، فينزع عنها خوفاً من عقابه، {وإِذا تُلِيت عليهم آياته} القرآنية {زادتهم إيماناً} أي: يقيناً وطمأنينة بتظاهر الأدلة التي اشتملت عليها، أو بالعمل بموجبها. وهو دليل على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بناء على أن العمل داخل فيه، والتحقيق: أن العمل خارج عنه، لكن نوره يتقوى به وينقص بنقصانه أو بالمعصية وسيأتي في الإشارة الكلام عليه. ومن أوصاف أهل الإيمان: التوكل على الله والاعتماد عليه، كما قال: {وعلى ربهم يتوكلون} وقد تقدم في "آل عمران" الكلام على التوكل، ثم وصفهم بإقامة الدين فقال: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} في الواجب والتطوع. {أولئك هم المؤمنون حقاً}؛ لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب، من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العِيار عليها، كالصلاة والصدقة، {لهم درجات عند ربهم} أي كرامات وعلو منزلة، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم، {ومغفرة} لما فرط من ذنوبهم، {ورزقٌ كريم} أعده لهم في الجنة، لا ينقطع مدده، ولا ينتهي أمده، بمحض الفضل والكرم. الإشارة: الانفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب، من حضرة الغيوب؛ من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، لا تزال تتوالى على القلوب، حتى تغيب عما سوى المحبوب، فيستغني غناء لا فقر معه أبداً، وهذه غنائم خصوص الخصوص، وغنائم الخصوص: هي القرب من الحبيب، ومراقبة الرقيب، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد، وهذه غنائم العباد والزهاد، وغنائم عوام أهل اليمين: مغفرة الذنوب، والستر على العيوب، والنجاة من النار، ومرافقة الأبرار، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : مَنْ قَالَ عِندَ نَوْمِهِ: أسْتَغْفِر اللِّه َالعَظِيمَ الذي لا إله إلاّ هُوَ الحَيُّ القَيّومَ وَأَتُوبُ إِليْهِ، غَفَرَ الله ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَد البَحَرِ، وعَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا ". تفسير : قال الشيخ زروق: وهذه هي الغنيمة الباردة، وهذه الأمور بيد الله وبواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو معنى قوله {قل الأنفال لله والرسول} ثم دل على موجباتها فقال: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم...} الآية، وقوله تعالى: {زادتهم إيماناً}: اعْلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام: إيمان لا يزيد ولا ينقص وهو إيمان الملائكة، وإيمان يزيد وينقص، وهو إيمان عامة المسلمين، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين، بالطاعة والمعصية؛ لتيقظهم وكمال توحيدهم، وفي الحكم: "وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول" وقال أيضاً: "معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً" والله تعالى أعلم. ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر، فقال: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ}.

الطوسي

تفسير : اختلف المفسرون في معنى الأنفال - ها هنا - فقال بعضهم: هي الغنائم التي غنمها النبي صلى الله عليه وآله يوم بدر، فسألوه لمن هي؟ فأمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم: هي لله ولرسوله - ذهب اليه عكرمة ومجاهد والضحاك وابن عباس وقتادة وابن زيد - وقال قوم: هي أنفال السرايا - ذهب اليه علي بن صالح بن يحيى - وقال قوم: وهو ما شذ من المشركين إلى المسلمين من عبد او جارية من غير قتال او ما اشبه ذلك - عن عطا - وقال: هو للنبي صلى الله عليه وآله خاصة يعمل به ما يشاء. وروي عن ابن عباس - في رواية اخرى - انه ما سقط من المتاع بعد قسمة الغنائم من الفرس والدرع والرمح. وفي رواية اخرى - أنه سلب الرجل وفرسه ينفل النبي صلى الله عليه وآله من شاء. وقال قوم: هو الخمس، روي ذلك مجاهد، قال: قال المهاجرون: لم يرفع منا هذا الخمس ويخرج منا؟ فقال الله: هو لله والرسول. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام (أن الانفال كل ما اخذ من دار الحرب بغير قتال إذا انجلى عنها أهلها). ويسميه الفقهاء فيئاً، وميراث من لا وارث له، وقطائع الملوك إذا كانت في أيديهم من غير غصب، والآجام وبطون الأودية والموات وغير ذلك مما ذكرناه في كتب الفقه. وقالا: هو لله وللرسول وبعده للقائم مقامه يصرفه حيث يشاء من مصالح نفسه ومن يلزمه مؤنته ليس لاحد فيه شيء. وقالا: إن غنائم بدر كانت للنبي صلى الله عليه وآله خاصة، فسألوه أن يعطيهم. وفي قراءة اهل البيت: {يسألونك الأنفال} فأنزل الله تعالى قوله {قل الأنفال لله والرسول} ولذلك قال {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} ولو سألوه عن موضع الاستحقاق لم يقل لهم: اتقوا الله. والانفال جمع نفل والنفل هو الزيادة على الشيء، يقال: نفلتك كذا إذا زدته قال لبيد بن ربيعة: شعر : إن تقوى ربنا خير نفل وباذن الله ريثي والعجل تفسير : والنفل هو ما أعطيته المرء على البلاء، والفناء على الجيش على غير قسمة. وكل شيء كان زيادة على الأصل فهو نفل ونافلة، ومنه قيل لولد الولد: نافلة، ولما زاد على فرائض الصلاة نافلة. واختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قوم: نزلت في غنائم بدر، لأن النبي صلى الله عليه وآله كان نفل أقواماً على بلاء فأبلى اقوام وتخلف آخرون مع النبي صلى الله عليه وآله فلما انقضى الحرب اختلفوا، فقال قوم: نحن اخذنا، لأنا قتلنا. وقال آخرون: نحن احطنا بالنبي صلى الله عليه وآله ولو أردنا لأخذنا. وقال آخرون: نحن كنا وراءكم نحفظكم فأنزل الله هذه الآية يعلمهم أن ما فعل فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ماض جائز - ذهب اليه ابن عباس وعكرمة وعبادة بن الصامت -. وقال قوم: نزلت في بعض اصحاب النبي صلى الله عليه وآله سأل من المغنم شيئاً قبل قسمتها فلم يعطه إياها إذ كان شركاً بين الجيش، فجعل الله جميع ذلك للنبي صلى الله عليه وآله روي ذلك عن سعد بن مالك، وهو ابن ابي وقاص. قال: وكان سيف سعد بن العاص لما قتله اخوته، وكان يسمى ذا الكثيفة، قال سعد أتيت النبي صلى الله عليه وآله فسألته سيفاً فقال: ليس هذا لي ولا لك فوليت عنه. قال: فاذا رسول الله صلى الله عليه وآله خلفي فقال: إن السيف قد صار لي فأعطانيه، ونزلت الآية. وروي عن ابي أسيد مالك بن ربيعة قال: اصبت سيف ابن عابد، وكان يسمى المرزبان فألقيته في النفل، فقام الأرقم بن ابي الأرقم المخزومي، فسأل رسول الله فأعطاه إياه. وقال آخرون: إن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله سألوه أن يقسم غنيمة بدر عليهم يوم بدر، واعلمهم الله أن ذلك لله ولرسوله دونهم ليس لهم فيه شيء. وقالوا معنى {عن} ها هنا معنى {من} وكان ابن مسعود يقرأه {يسألونكم الأنفال} على هذا التأويل. وهذا مثل ما رويناه عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وروي ذلك عن الأعمش، والضحاك عن ابن مسعود، وروي ذلك عن ابن عباس وابن جريح وعمرو ابن شعيب عن ابيه عن جده وعن الضحاك، وعكرمة، واختاره الطبري وهو قول الحسن. وقال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حديث : أيما سرية خرجت بغير إذن إمامها فما أصابت من شيء، فهو غلول تفسير : . وقال الزجاج: كانت الغنائم قبل النبي صلى الله عليه وآله حراماً، فسألوا النبي عن ذلك، فنزلت الآية، وهذا بعيد. واختلفوا هل هي منسوخة أم لا؟ فقال قوم: هي منسوخة بقوله {واعلموا أنما غنمتم من شيء...} الاية وروي ذلك عن مجاهد وعكرمة والسدي وعامر الشعبي واختاره الجبائي. وقال آخرون: ليست منسوخة، ذهب اليه ابن زيد واختاره الطبري، وهو الصحيح، لان النسخ محتاج إلى دليل، ولا تنافي بين هذه الآية وبين آية الخمس، فيقال انها نسختها. واختلفوا هل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وآله ان ينفل احداً - ذكرناه في الخلاف - فقال سعيد بن المسيب لا نفل بعد رسول الله. وبه قال عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وعندنا وعند جماعة من الفقهاء واختاره الطبري: أن للأئمة أن يتأسوا بالنبي صلى الله عليه وآله في ذلك. وقوله {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} امر من الله للمكلفين أن يتقوا معاصيه ويفعلوا طاعاته ان يصلحوا ذات بينهم. واختلفوا في معناه، فقال قوم: هو ان النبي صلى الله عليه وآله كان ينفل الرجل من المؤمنين سلب الرجل من الكفار إذا قتله، فلما نزلت الاية امرهم أن يرد بعضهم على بعض، ذهب اليه قتادة وابن جريج. وقال قوم: هذا نهي من الله للقوم عن الاختلاف فيما اختلفوا فيه من أمر الغنيمة يوم بدر. ذهب اليه مجاهد وابن عباس وسفيان والسدي. واختلفوا لم قال {ذات بينكم} فأنث، والبين مذكر؟ فقال قوم: أراد {ذات بينكم} للحال التي للبين، كما يقولون ذات العشاء يريدون الساعة التي فيها العشاء، ولم يصفوا مذكراً لمؤنث ولا مؤنثاً لمذكر. قال الزجاج: اراد الحال التي يصلح بها أمر المسلمين. وقال الأخفش: جعله {ذات} لأن بعض الاشياء يوضع عليه اسم المؤنث وبعضه يذكر مثل الدار والحائط انث الدار وذكر الحائط. وقوله {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} امر من الله للخلق ان يطيعوه ولا يعصوه، ويطيعوا رسوله فيما يأمرهم به إن كانوا مصدقين لرسوله فيما يأتيهم به من قبل الله، لأنهم متى لم يطيعوه ولم يقبلوا منه لم يكونوا مؤمنين. وروي: ان رسول الله صلى الله عليه وآله قسم غنائم بدر بينهم عن تواء، يعني سواء، ولم يخمس وإنما خمس بعد ذلك. وقال الزجاج: {ذات بينكم} معناه حقيقة وصلكم، والبين الوصل، لقوله تعالى {لقد تقطع بينكم} اي وصلكم.

الجنابذي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} جمع النّفل وهو الزّيادة وقد فسّرت فى بعض الاخبار بما هو مختصّ بالرّسول (ص) والامام (ع) ممّا لا يوجف عليه بخيلٍ ولا ركابٍ وبطون الاودية والآجام والاراضى الموات والمعادن وميراث من لا وارث له وغير ذلك ممّا لا شركة لغيره فيه، وفسّرت فى بعضٍ آخر بالغنائم الّتى فيها الخمس للرّسول والبقيّة للمقاتلين، وورد انّها نزلت فى غنائم بدرٍ حين اختلفوا فيها وتنازعوا وتشاجروا {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} لا شراكة لغير الرّسول فيها فان فسّرت بالغنائم فهى منسوخة بآية التّخميس وان فسّرت بغير الغنائم فهى ثابتة {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} ولا تطمعوا فيها ولا تختلفوا ولا تشاجروا ولا تريدوا اصلاح امر الله ورسوله فانّهم كانوا يوم بدر ثلاثة اصناف: صنف اغاروا على الغنائم، وصنف تخلّفوا عند رسول الله (ص)، وصنف ذهبوا فى طلب العدوّ، وكان المال قليلاً والنّاس كثيراً وبعضهم ضعفاء وبعضهم اقوياء وكانت اوّل غنيمةٍ أخذوها فتكلّموا فيها وفى كيفيّة قسمتها وتنازعوا فى ذلك {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} ما بينكم لا ما بين الله والرّسول (ص) وبينكم فانّه ليس اصلاحه اليكم وذات هى الّتى بمعنى الصّاحبة ثمّ استعملت فى مثل ذات الصّدور وذات بينكم بمعنى ما فى الصّدور وما بينكم لمصاحبة ما فى الصّدور وكذا ما فى البين لهما {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} ولا تكلّموا فيما امره اليهما {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} فانّ الايمان يقتضى تسليم امر الله وتكلّمكم فى امر الله ورسوله (ص) يورث الشّكّ فى ايمانكم.

فرات الكوفي

تفسير : {يَسْألونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَسولِ1} فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن زيد بن الحسن الأنماطي قال: سمعت أبان بن تغلب يسأل [ر: قال: سألت] جعفر بن محمد عليه السلام عن قول الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول} فيمن نزلت؟ قال: فينا والله نزلت خاصة ما أشركنا [ر، ب: شركنا] فيها أحد. قلت: فإن أبا الجارود روى عن زيد بن علي أنه قال: الخمس لنا ما احتجنا إليه فإذا استغنينا عنه فليس لنا أن نبني [ر: نبتني] الدور والقصور. قال: فهو كما قال زيد وقال: إنما سألت عن الأنفال فهي لنا خاصة.

الأعقم

تفسير : {يسألونك عن الأنفال} النفل الغنيمة لأنها من فضل الله تعالى وعطائه، وهو أن يقول الإِمام في الحرب: "من قتل قتيلاً فله سلبه" أو قال لسريته: "ما أصبتم فهو لكم ويلزم الإمام الوفاء بما وعد منه" وعند الشافعي في أحد قوليه: لا يلزم، ولقد وقع الاختلاف بين المسلمين في غنائم بدر وقسمتها فسألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف يقسم ولمن الحكم في قسمته أللمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعاً؟ فنزلت السورة وبيَّن أن أمر ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليكم فيها كيف شاء ليس لأحد غيره فيها حكم، حديث : وعن سعد بن أبي وقاص: قُتِل أخي عمير يوم بدر، فقتلت به سعد بن أبي العاص، وأخذت سيفه فأعجبني، فجئت به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: "ليس هذا لي ولا لك" فطرحتُه وبي ما لا يعلمه إلا الله تعالى من قتل أخي وأخذ سلبي، فما جاوزت إلاَّ قليلاً حتى جاءني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد نزلت سورة الأنفال فقال لي: "يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وإنه قد صار لي فخذه" تفسير : وعن عبادة بن الصامت: نزلت فينا يا معشر أهل بدر {قل الأنفال لله والرسول} يعني أنها مختصة بالله ورسوله بأمر الله تعالى بقسمها على ما يقتضيه حكمه بأمر الله تعالى، وكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، واصلاح ذات البين {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله}، قيل: ذكر بتوحيده وصفاته ووعده ووعيده {وجلت قلوبهم} يعني خافت، وقيل: فزعت استعظاماً لذكره {وإذا تليت عليهم آياته} يعني القرآن {زادتهم إيماناً} تصديقاً إلى تصديقهم {وعلى ربهم يتوكلون} أي يفوضون أمرهم إليه {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} يريد الزكاة المفروضة، وقيل: على سبيل البر.

الهواري

تفسير : تفسير سورة الأنفال وهي مدنية كلها. {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ} والأنفال الغنائم. {قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ}. قال الحسن: كانت السرية تسري، فينفلهم الرسول ما شاء بعد الخُمْس. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث؛ فقيل لبعضهم: لِمَ كان يجعل في الرجعة أكثر؟ قال: لأنهم إذا رجعوا كانوا أشد لخوفهم. ذكروا أنا أبا إدريس [قال]: إن الناس كانوا معسكرين؛ فأتاهم أبو عبيدة بْنُ الجراح حتى بلغ حبيب بن مسلمة أن علجا من الروم يقال له بن توجه نحو أرمينية؛ فطلبه فأدركه، فقتله وأخذ سلبه. فوجد معه وقر خمسة أبغال ديباج ولؤلؤ من أصناف المتاع. فلما رجع قال أبو عبيدة: أرنا ما جئت به. فقال: إنما هو ولي، وأنا قتله، ولي سلبه. فقال له أبو عبيدة: ليس كذلك، إنما لك ما أعطيتك منه وطابت به نفسي. فقال: أناشدك الله أن تظلمني وأن تأخذ مني ما أعطاني الله، حتى ارتفعت أصواتهما. فسمعهما معاذ بن جبل، فجاء فقال: يا حبيب بن مسلمة، لا تسأل ما ليس لك. فقال حبيب: أليس يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه؟ تفسير : فقال: إنما قال ذلك في غزوة واحدة عام حُنين، ولم يقله لأبد. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: حديث : ذلك إلى الإِمام، إن شاء أعطى وإن شاء منع تفسير : . وهو على ما يرى الإِمام. فأخذه منه أبو عبيدة فخمّسه، ثم أعطاه الخمس بعد الخمس. فبلغ ما أعطي عشرة آلاف. ذكروا عن الحسن أنه قال: ما نفل الإِمام فهو جائز. ذكروا عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله. وقال سعيد بن المسيب: إنما ينفل الإِمام في الخمس. معنى قوله: إن النبي كان ينفل الخمس من بعد الخمس، ولا يُنفل بعده إلا في الخمس. ذكروا عن ابن عمر أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فبلغت سهامهم اثني عشر بعيراً، قال: "حديث : ونفّل كل إنسان منا بعيراً سوى ذلك ". تفسير : ذكروا عن الحسن أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم زماماً من شعر قبل أن تقسم الغنيمة، فقال: حديث : سألتني زماماً من نار، فوالله ما كان لك أن تسألينه، وما كان لي أن أعطيكه، ولو أعطيتكه لأعطيتك به زماماً من نار تفسير : وأما قوله: {قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} فيقول: ذلك كله لله، وجعل حكمه إلى رسول الله. قوله: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}. قال الكلبي: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما صافّ المشركين يوم بدر، قال ليحرض الناس على القتال: حديث : إن الله وعدني أن يفتح لي بدراً، وأن يغنمني عسكرهم، فمن قتل قتيلاً فله كذا وكذا إن شاء الله من غنيمتهم، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا إن شاء الله تفسير : . فلما تواقفوا ألقى الله في قلوب المشركين الرعب، فانهزموا، واتبعهم سرعان من الناس، فقتلوا سبعين رجلاً، وأسروا سبعين، وغنموا العسكر وما فيه. وأقام وجوه الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مصافّه، فلم يشذ عنه منهم أحد. ثم قام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بن بني سلمة، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنك وعدت من قتل قتيلاً أو أسر أسيراً من غنيمة القوم، الذي وعدتهم، وإنا قد قتلنا سبعين، وأسرنا سبعين. ثم قام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، إنه ما منعنا أن نطلب كما طلب هؤلاء زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، ولكنا خفنا أن نعري صفك، فتعطف علينا خيل المشركين فأعرض عنهما رسول الله. ثم قال أبو اليسر مثل كلامه الأول. وعاد سعد فتكلم مثل كلامه الأول وقال: يا رسول الله، الأسرى والقتلى كثير، والغنيمة قليلة، وإن تعطِ هؤلاء الذي ذكرت لهم لم يبقَ لسائر أصحابك كبير شيء، فنزلت هذه الآية: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ...} إلى آخر الآية. ذكروا عن الكلبي أنه قال: كان النبي وعد الأنصار المغنم، فتكلَّم فيه المهاجرين فأنزل الله هذه الآية وقال: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار. ذكر بعضهم قال: كان نبي الله ينفل الرجل من المؤمنين سلَب الرجل من الكفار إذا ما قتله، فأمرهم الله أن يردّ بعضُهم على بعض فقال: {فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} أي: لِيَرُدَّ بعضكم على بعض. قال: {وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.

اطفيش

تفسير : {يَسْألونَك عَنِ الأنْفالِ} السؤال سؤال استخبار، فعن على: أصلها والأنفال الغنائم، سميت الغنيمة نفلا بفتح النون والفاء، أو بسكون الفاء ونافلة، لأنها زيادة على القيام بالجماد، وحماية الحوزة، والدعاء إلى الله عز وجل، والنفل والنافلة لغة الزيادة، ولأنها عطية من الله، تفضل بها على هذه الأمة فقط، يقال: نفله الله أو الإمام كذا، أى أعطاه إياه، وقيل: لا يقال نفله إلا إذا أعطاه زائدا عن حقه. وقرأ ابن محيصن علنفال، بنقل حركة همزة أنفال إلى اللام، وحذف الهمزة وإدغام النون من عن فى اللام، وقع اختلاف من المسلمين فى غنائم بدر كيف تقسم؟ ولمن الحكم فى قسمها للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فجعلوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال: {يسألونك عن الأنفال} وقال جوابا لهم: {قُل الأنْفالُ للهِ والرَّسولِ} أمرها مختص بهما، فقسمتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما يأمره الله به، فإن شاء قسمها، وإن شاء أمر من يقسم، هذا ما يتبين لى فى تفسير الآية، وعليه الأكثر، وقيل: السؤال سؤال طلب، "فعن" إما زائدة مع أنها غير عرض عن أخرى، أى يطلبونك أن تعطيهم الأنفال، فالأنفال مفعول ثان ليسألونك، ويدل لهذا قراءة ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعلى ابن الحسن، وأبى جعفر محمد بن على، وجعفر بن محمد، وطلحة بن مصرف، وعكرمة، والضحاك، وعطاء: يسألونك الأنفال، وأل لاستغراق غنائم بدر على أنها طلبوها كلها، وللحقيقة على أنهم طلبوا بعضها، وإما بمعنى من الابتدائية فافهم، أو التبعضية وذلك أنهم افترقوا ثلاثا: فرقة أقامت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى العريش الذى صنع له، تحميه وتؤنسه، وفرقة احاطت بالعدو، وفرقة تقاتل فقتلت وأسرت، وقالت: نحن أولى بالمغنم لأنا القاتلون الآسرون، وقالت المحيطة: هو لنا لأنا الآخذون والمحيطون بالعدو، وقالت القائمة بالعريش: نقدر أن نقاتل العدو، ولكن خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم غرة العدو فقمنا معه، فنزلت الآية. وذكر الطبرى وغيره، عن ابن عباس: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرض على العدو قبل ذلك [بقوله]: "من قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا، ومن أتى مكان كذا فله كذا، ومن صنع كذا فله كذا، ومن أخذ شيئا فهو له، وأن الله وعدنى النصر والغنيمة" تفسير : فسارع الشبان فقتلوا سبعين وأسروا سبعين، وبقيت الشيوخ تحت الرايات والوجوه، فقالت الشبان: الغنيمة لنا لذلك، وقالت الشيوخ: والوجوه: كنا ردءًا لكم وجنَّة تنحازون إليها لو انهزمتم، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو اليسر بن عمرو الأنصارى من بنى سلمة: أنجز لنا الوعد، قد قتلنا وأسرنا وفعلنا، فقال سعيد بن معاذ، وكان من وجوه [مَنْ] قعدوا بالعريش: ما منعنا أن نفعل ذلك زهد عن الآخرة، ولا حين، ولكن كرهنا أن تعطف الخيل فتصيبك والمسلمين، فأعرض عنهما، فقال سعد: إن أعطيتهم ذلك فما لسائر أصحابك، فان المغنم قليل فنزلت، فقسم على السواء فكان قسمه على السواء إصلاحا لما ساء من أخلاقهم فيه، وتقوى وإصلاحا لذات البين. حديث : وقال سعد بن أبى وقاص: قتل أخى عمير، وقتلت سعيد بن العاص وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكنيفة فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: قد شفى الله بهذا السيف صدرى من المشركين فأعطنيه، وكأنه قاتل به بعد ما أخذه، أو أراد الشفاء يأخذه وكان عظيما، فقال لى: "ليس لى ولا لك فاطرحه فى القبض"تفسير : أى فى جملة المقبوض من سلب المشركين بفتح القاف والباء فطرحته وبى ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخى، وأخذ سلبى، وخفت أن يعطيه من لم يبل بلائى، حديث : وروى أنه لم يأخذه، وإنما وجده فى جملة الغنيمة، فقال: أعطينيه فقد وجدته فى جملة الغنيمة، فأنا من قد علمت حاله، فقال: "رده من حيث أخذته" فأردت طرحه فى القبض فرجعت، فقلت: أعطنيه، فنهرنى: "رده من حيث أخذته"تفسير : . وعلى الروايتين فما جاوز إلا قليلا، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم خلفه فقال: أخاف أن ينزل فى شئ، قال: "اذهب فخذه سألتنيه وليس لى والآن هو لى، وقد نزل: {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول}" وعن الكلبى أنه صرع وعد الأنصار المغنم، فتكلم فيه المهاجرون فنزلت الآية، فقال مالك بن ربيعة: أصبت سيف بن عائذ يوم بدر، وكان يسمى المرزبان، فأمر صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا ما بأيديهم من النفل فطرحته، فسأله إياه الأرقم المخزومى فأعطاه، وفى نفسى كراهة، وكان لا يرد سائلا. وقضية سعد ونحوها تدل على أن الأنفال فى الآية ما يعطاه القاتل زيادة على سهمه، وأن معنى كونها لله ورسوله أنها لرسول الله ملكا يعطيها من يشاء، وقد قيل بذلك فى بدر فقط، وقال عطاء، وابن عباس فى رواية عنه: إن الأنفال هنا ما شذ من المشركين إلى المسلمين كالفرس الغائر، والعبد الآبق، والمتاع مما ليس سلبا هو للنبى صلى الله عليه وسلم يصنع فيه ما يشاء، وقال ابن عباس: الأنفال هنا ما وجد من مال المشركين بعد قسم الغنيمة هو له كذلك، وهذا أن القولان حكمهما مستمر فى غير بدر أيضا، وقيل: هما فيما ناله الجيش بعد الحرب، وارتفاع الخوف. وعن ابن عباس: إن الأنفال ما يعطيه الإمام لمن رآه من سيف أو فرس أو نحوه، وعنه: الغنيمة، ونسب للأكثر، وعنه: ما يعطى الغازى زيادة، وعن الحسن: الأنفال ما تجئ به السرايا وهو بعيد عن الآية لا يناسب الأسباب المذكورة، بل خارج عن يوم بدر، وعن مجاهد: هى الخمس، قال المهاجرن: لا يخرج منا، قيل: وهو قليل المناسبة للآية، أو قيل: الأسارى والغنيمة، وليست الآية منسوخة بآية الخمس، بل تضمنت أنها يضعها حيث أمر الله، وقد أمره فى غنائم بدر بالقسم على السوية، أو أجاز له أن يفعل فيها ما يشاء، وأمره فى سائر المغانم بالتخميس، وما ذكره فى آيته. وإذا قلنا: إن السؤال والجواب فى غنائم بدر لم يصح النسخ أيضا، وقال مجاهد، وعكرمة، والسدى: منسوخة بآية الخمس، وهذا إنما يصح على أن السؤال عن الغنائم مطلقا، وكذا الجواب، أو على أن السؤال عن غنائم بدر، والجواب عام، وهى أيضا عند ابن زيد ناسخة لتحريم الغنائم على من قبلنا، وللإمام أو نائبه أن ينقل من الغنيمة قبل التخميس لمن يشاء من أهل الشجاعة وغيرهم، بحسب نظر المصلحة، ليحض على مكافحة العدو من أول الغنيمة أو وسطها أو آخرها، أو بعد الفراغ من القتال بما شاء من دابة أو عبد أو سلاح أو ذهب أو فضة أو لؤلؤ أو غير ذلك من المال، وأن يقول: من أخذ شيئا فله، ومن قتل أحدا فله سلبه، أو له كذا، ومن وصل موضع كذا فله كذا ونحو ذلك، ولو كان لا يحسن لأحد أن يقاتل بنية المال، ولا يعطى ما يدعى أنه سلبه، أو قتل صاحبه أو فعل ما يستحقه به إلا بنية. وقيل: يجرى شاهد واحد كما جرى لأبى قتادة، ونسب للأكثر، وقال الأوزاعى: يعطى بمجرد دعواه وهو أوضح إذا نادى منادى الإمام بما ذكر، من أن من فعل كذا فله كذا ونحوه إذا وجد فى يده، ولا يجوز له أن يخلف الوعد فى ذلك إلا أن تبين له أن الحق أو الرأى والمصلحة غير ما وعد به، كما وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ترك لأمر الله له، بخلاف ذلك، أو لئلا يقدح ذلك فيما بين المسلمين من التحاب والتصاف، وقيل: يلزمه الوفاء ولو خالف الرأى والمصلحة إن لم يخالف الحق. وقال مالك لا ينفل إلا من الخمس، وقال بن المسيب: من خمس الخمس، وقال أنس: من أربعة الأخماس، وقال الشافعى وابن حنبل: بعد الغنيمة قبل التخميس وفرقة قبل القتال فقط، بأن يقول: من وصل موضع كذا، أو هدم من الحصن كذا ونحو ذلك مما مر فله كذا، ومنع مالك أن يقول لهم ذلك، وإن قال وفى، وعن الحسن: كان ينفل رسول الله بعد الخمس، وذكروا أنه كان ينفل فى البداءة الربع، وفى الرجعة الثلث، قيل: لأن الرجوع أشد خوفا، ومنع بعضهم أن ينفذ ذهبا وفضة أو لؤلؤاً ونحو ذلك. وعن الشافعى: السلب للسالب ولو لم يقله الإمام لحكم النبى صلى الله عليه وسلم: وقيل: فى الغنيمة، وروى أن المسلمين عسكروا فأتى عليهم أبو عبيدة بن الجراح أميراً، وبلغ حبيب بن مسلمة، وكان فيهم علجا من الروم توجه فطلبه فقتله فاخذ سلبه، وقر خمسة أبغل ديباجا ولؤلؤاً، وقال أبو عبيدة: مالك منه إلا طابت به نفسى، فقال حبيب: أناشدك الله أن تظلمنى فيما أعطانى الله، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل قتيلا فله سلبه"؟تفسير : فقال: إنما ذلك فى غزوة بدر فقط، وسمعته يقول: إن ذلك إلى الإمام، فأخذه وخمسة فأعطاه الخمس، فبلغ عشرة آلاف، وقيل: إن كان السلب قليلا فللقاتل، والأخمس للقاتل، وقيل: للجميع، وعن سعيد بن المسيب: لا نفل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وزعم ابن حنبل، والشافعى: أنما ينفل السالب ما سلب من مقبل مبارزة لا ما سلب من منهزم، واتفقوا أن السلاح سلب، واختلف فى الفرس وما يتزين به للحرب، وما فى الهيميان كدنانير ودراهم وجواهر ونحو ذلك، وزعم بعض أنهم اتفقوا أن ما فى الهيميان من ذلك ليس سلبا، وإن قال الإمام: من قتل قتيلا فله سلبه، فقتل ذمى قتيلا فلا شئ له، وقيل: يرضح للذمى من الغنيمة، وإن قتل الإمام قتيلا بعد قوله ذلك فله سلبه. وذكر الشيخ هود، عن ابن عمر: أعطانا صلى الله عليه وسلم من غنيمة غنمناها اثنى عشر بعيرا لكل واحد، ثم نفل لنا بعيرا بعيرا، وأنه صلى الله عليه وسلم كان فى الغزوة معهم، وذكر البخارى، ومسلم: أنه بعثهم، ويجمع بأنه لحقهم بعد البعث، وعن الحسن: حديث : أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم زماما من شعر قبل قسم الغنيمة، فقال: "سألتنى زماماً من شعر نار فوالله ما كان لك أن تسأله ولا لى أن أعطيكه ولو أعطيتكه لأعطيتك زماما من نار". تفسير : {فاتَّقُوا اللهَ} بترك المحرمات والنزاع فى الغنائم {وأصلحُوا ذات بيْنكم} ذات بمعنى صاحبة، وهى واقعة على الحالة، وبين هى الظرفية فى مثل قولك: قعدت بين زيد وعمرو، والمعنى أصلحوا الحال التى بينكم بالمساواة والمساعدة فى أمر الغنائم والتسليم لأمر الله ورسوله فيه، فإنها قد فسدت بنزاعكم، فاحتاجت إلى أن ترد كما كانت من محبة وألفة ومتابعة، و عن بعضهم: إصلاحها برد بعض على بعض فيما أخذوا من السلب، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم نفل كلاما سلب ان قاتله فأمره الله بالرد، وما فسرت به ذات بينكم حق واضح راجح لا يشكل منه شئ إن شاء الله. وقول بعض: إنه متناقض خطأ ولك أن تجعل ذات بمعنى نفس، كأنه قيل: أصلحوا نفس بينكم، كما تقول: مررت بذات زيد تريد زيدا نفسه، وذكر بعضهم أن هذا يستعمله الناس، وليس عربيا فلا تفسر به الآية على هذا، ولك أن تجعل البين بمعنى الانفصال، لأنهما تخالفوا بالنزاع، أى أصلحوا الحالة التى هى صاحبة تقاطعكم، وهى ما يقع على التقاطع بالنزاع مثلا من البغض والغضب، وإصلاحها بإزالتها، أو أصلحوا نفس تقاطعكم بإزالته، يقال: أصلح الفساد أى أزاله، وقال الزجاج: البين هنا الوصل وهو ضعيف. {وأطِيعُوا اللهَ ورسُولَه} فى كل ما أمركم به، ونهاكم عنه، من أمر الغنيمة وغيره {إنْ كُنتم مُؤمِنِينَ} فإن الإيمان يقتضى ذلك، كما تقول: إن كنت جيدا فافعل كذا تريد الإشارة إلى أنه غير جيد إن لم يفعله، أو معنى مؤمنين كاملى الإيمان، إشارة إلى أنه يكمل باتقاء المعاصى وإصلاح ذات البين، وطاعة الله ورسوله فى الأمر والنهى, كما تقول: إن كنت رجلا فافعل كذا، تريد إن كنت كامل الرجولة، وزعم بعضهم عن سيبويه أنه يجيز تقديم جواب الشرط، وأنه هنا أطيعوا الله ورسوله، وعن المبرد أنه لا يتقدم، وأنه محذوف مقدم كمثل ما سبق، أى إن كنتم مؤمنين فأطيعوهما.

اطفيش

تفسير : اختلف المسلمون فى غنائم بدر، أَى وهى قليلة، فقال الشبان: هى لنا لأَنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا ردءا أَى عونا لكم تحت الرايات لو انكشفتم لفئتم - أَى رجعتم - إِلينا، فهى بيننا وبينكم، واحتار: أَيقسمها بين أَهله المهاجرين أَم الأَنصار، فنزل قوله تعالى: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * يَسْأَلُونَك} أَى الصحابة المعروفون فى تلك القصة {عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ والرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} والسؤال سؤال استفهام، لأَن الشبان والشيوخ مع تنازعهم لم يخلوا عن استفهام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل روى أَنهم لما اختلفوا قالوا: يا رسول الله لمن هى؟ فنزل إِنها لله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، وقد روى هذا أَحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت أَنهم قالوا: لمن الحكم فيها أَللمهاجرين أَم للأَنصار؟ أَم لهم جميعا؟ ويجوز أَن يكون سؤال استعطاءُ وعليه فعن صلة أَو بمعنى من التبعيضية، والأَصل عدم الزيادة، ويناسب الزيادة قراءَة ابن مسعود وسعد ابن أَبى وقاص، وعلى بن الحسين وجماعة من أَهل البيت بإِسقاط عن ونصب الأَنفال. قلنا: قراءَة إِثباتها هى المشهورة، وقراءَة الجمهور فيرد إِليها قراءَة الاسقاط والنصب بأَن نقول: النصب على نزع الجار أَى عن الأَنفال، وقراءَة الجمهور هى المتواترة، والمناسبة لقوله تعالى: لله والرسول يقول الشبان: أَعطنا الأَنفال، ويقول الشيوخ: أَعطنا بعضها وهو النصف، ويقول سعد بن أَبى وقاص: يا رسول الله قتل سعيد ابن العاص أَخى عميراً فقتلته فأَخذت سيفه هذا فأَعطنيه، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليس لى ولا لك فاطرحه فى القبض" تفسير : - بفتحتين - أَى فى المقبوض من الغنيمة، وروى أَنه رجع فسأَله السيف أَيضا مرة أُخرى فشد عليه ونهره وقال: اطرحه فى القبض، قال: فطرحته وبى ما لا يعلمه إِلا الله من قتل أَخى وأَخذ سلبى، فما جاوزت إِلا قليلا حتى نزلت سورة الأَنفال، ونادانى من ورائى مناد: نزل قرآن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : سأَلتنى السيف وليس لى، وأَنه قد صار لى فاذهب فخذه"تفسير : ، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم وعدهم أَن يعطيهم ما سلبوا فسارع الشبان فقتلوا سبعين وأَسروا سبعين، أَخرجه أَبو داود والنسائى والحاكم، وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما، ولما نزلت الآية قسمها صلى الله عليه وسلم بينهم سواء، رواه الحاكم، فذلك هو قوله تعالى "أية : أَنما غنمتم من شئٍ" تفسير : [الأَنفال: 41] الآية.. لا كما قيل أَنه غيره ثم نسخ به، وهذا هو الصحيح، لا ما روى عن سعيد بن جبير أَن السيف وجده سعد بن أَبي وقاص، وأَنصارى فتنازعا فيه فنزلت الآية. ولعل هذا سيف آخر نزلت الآية فيهما.. وإِذا قال الإِمام: من سلب كافرا فله سلبه، أَو وعده لم يكن له الرجوع، وإِنما رجع النبى صلى الله عليه وسلم للوحى. والأَنفال جمع نفل - بفتحتين - كفرس وأَفراس وسبب و أَسباب، والنفل الزيادة - بفتحتين - أَو بسكون الفاءِ، سميت الغنائم بذلك، لأَنها زيادة لهذه الأُمة، وفضل على غيرها. ومنه النافلة فى الصلاة وغيرها لأَنها زيادة على الفريضة قال الله جل وعلا "أية : ووهبنا له إِسحاق ويعقوب نافلة"تفسير : [الأَنبياء: 72]، وكذلك ما يعطيه الإِمام مقتحماً خطراً زيادة على سهمه، وذات بينكم، الحالة صاحبة بينكم، والبين بمعنى الفراق أَو الوصل، أَو ظرف مجرور بالإِضافة، أَى أَحوالا ذات افتراقكم، أَو ذات وصلكم، أَو ذات الكمال المتصل بكم، وقال الزجاج: ذات بمعنى حقيقة الشئِ، كما نستعمله فى علم الكلام، وهذا الضعف من الزجاج، إِذا لم يثبت فى اللغة، فهى الحالة التى بينكم هكذا مجملة، اجعلوها صالحة بالود وترك النزاع والتساب والغلول والخلاف المؤدى إِلى شق العصا، والمساعدة والعدل والإِحسان. قالوا: قد أَكلنا وأَنفقنا، فقال صلى الله عليه وسلم: حديث : ليرد بعض إِلى بعضتفسير : . أَو الحالة الإِسلامية التي بينكم أَصلحوها بذلك، وإِلا فسدت، وذكر الإِيمان لأَنه يقتضى الإِصلاح المذكور، والمشرك لا يعمل ذلك ولا يليه، أَو المراد الإِيمان الكامل لأَنه الذى يستدعى الإِصلاح فإِن الأَعمال شرط فى كمال الإِيمان، أَو المراد دوام الإِيمان أَو ترتب ما ذكر عليه، وليس تشكيكا فى إِيمانهم.

الالوسي

تفسير : {بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ} {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} جمع نفل بالفتح وهو الزيادة ولذا قيل للتطوع نافلة وكذا لولد الولد، ثم صار حقيقة في العطية ومنه قول لبيد:شعر : إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي وعجل تفسير : لأنها لكونها تبرعاً غير لازم كأنها زيادة ويسمى به الغنيمة أيضاً وما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه لرأي يراه سواء كان لشخص معين أو لغير معين كـ «من قتل قتيلاً فله سلبه»، وجعلوا من ذلك ما يزيده الإمام لمن صدر منه أثر محمود في الحرب كبراز وحسن إقدام وغيرهما، وإطلاقه على الغنيمة باعتبار أنها منحة من الله تعالى من غير وجوب، وقال الإمام عليه الرحمة: لأن المسلمين فضلوا بها على سائر الأمم التي لم تحل لهم، ووجه التسمية لا يلزم اطراده، وفي الخبر «إن المغانم كانت محرمة على الأمم فنفلها الله تعالى هذه الأمة»، وقيل: لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له وهو إعلاء كلمة الله تعالى وحماية حوزة الإسلام فإن اعتبر كون ذلك مظفوراً به سمي غنيمة، ومن الناس من فرق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص، فقيل: الغنيمة ما حصل مستغنماً سواء كان ببعث أو لا باستحقاق أو لا قبل الظفر أو بعده، والنفل ما قبل الظفر أو ما كان بغير قتال وهو الفيء؛ وقيل: ما يفضل عن القسمة. ثم إن السؤال كما قال الطيبي ونقل عن الفارسي إما لاستدعاء معرفة أو ما يؤدي إليها وإما لاستدعاء جدا أو ما يؤدي إليه، وجواب الأول باللسان وينوب عنه اليد بالكتابة أو الإشارة ويتعدى بنفسه وبعن والباء، وجواب الثاني باليد وينوب عنها اللسان موعدا ورداً ويتعدى بنفسه أو بمن وقد يتعدى لمفعولين كأعطى واختار، وقد يكون الثاني جملة استفهامية نحو {أية : سَلْ بَنِى إِسْرٰءيلَ كَمْ ءَاتَيْنَـٰهُم } تفسير : [البقرة: 211] والمراد بالأنفال هنا الغنائم كما روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد وطائفة من الصحابة وغيرهم، وبالسؤال السؤال لاستدعاء المعرفة كما اختاره جمع من المفسرين لتعديه بعن والأصل عدم ارتكاب التأويل، ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وهو سبب النزول أن المسلمين اختلفوا في غنائم بدر وفي قسمتها فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تقسم ولمن الحكم فيها أهو للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعاً؟ فنزلت هذه الآية. وقال بعضهم: إن السؤال استعطاء، والمراد بالنفل ما شرط للغازي زائداً على سهمه، وسبب النزول غير ما ذكر، فقد أخرج عبد الرزاق في «المصنف» وعبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً فله كذا ومن جاء بأسير فله كذا فجاء أبو اليسر بن عمرو الأنصاري بأسيرين فقال: يا رسول الله إنك قد وعدتنا، فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إنك إن أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء وإنه لم يمنعنا من هذه زهادة في الأجر ولا جبن عن العدو وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك أن يأتوك من ورائك فتشاجروا فنزل القرآن، وادعوا زيادة {عَنِ} واستدلوا لذلك بقراءة ابن مسعود، وسعد بن أبـي وقاص وعلي بن الحسين وزيد ومحمد الباقر وجعفر الصادق وطلحة بن مصرف {يسألونك الأنفال} وتعقب بأن هذه القراءة من باب الحذف والايصال وليست دعوى زيادة {عَنِ} في القراءة المتواترة لسقوطها في القراءة الأخرى أولى من دعوى تقديرها في تلك القراءة لثبوتها في القراءة المتواترة بل قد ادعى بعض أنه ينبغي حمل قراءة إسقاط {عَنْ} على إرادتها لأن حذف الحرف وهو مراد معنى أسهل من زيادته للتأكيد، على أنه يبعد / القول بالزيادة هنا الجواب بقوله تعالى: {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} فإنه المراد به اختصاص أمرها وحكمها بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فيقسمها النبـي عليه الصلاة والسلام كما يأمره الله تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، فإن مبنى ذلك القول القول بأن السؤال استعطاء ولو كان كذلك لما كان هذا جواباً له فإن اختصاص حكم ما شرط لهم [من الأنفال] بالله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينافي إعطاءه إياهم بل يحققه لأنهم إنما يسألونه بموجب شرط الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه بإذن الله تعالى لا بحكم سبق أيديهم إليه أو نحو ذلك مما يخل بالاختصاص المذكور. وحمل الجواب على معنى أن الأنفال بذلك المعنى مختصة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا حق فيها للمنفل كائناً من كان لا سبيل إليه قطعاً ضرورة ثبوت الاستحقاق بالتنفيل، وادعاء أن ثبوته بدليل متأخر التزام لتكرر النسخ من غير علم بالناسخ الأخير، ولا مساغ للمصير إلى ما ذهب إليه مجاهد وعكرمة والسدي من أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء بهذه الآية فنسخت بقوله تعالى: {أية : فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 41] لما أن المراد بالأنفال فيما قالوا هو المعنى الأول حسبما نطق به قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ } تفسير : [الأنفال: 41] الآية، على أن الحق أنه لا نسخ حينئذ [أيضاً] حسبما قاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، بل بين هنا إجمالاً أن الأمر مفوض لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرح فيما بعد مصارفها وكيفية قسمتها، وإدعاء اقتصار الاختصاص بالرسول صلى الله عليه وسلم على الأنفال المشروطة يوم بدر بجعل اللام للعهد مع بقاء استحقاق المنفل في سائر الأنفال المشروطة يأباه مقام بيان الأحكام كما ينبىء عنه إظهار الأنفال في مقام الإضمار، على أن الجواب عن سؤال الموعود ببيان كونه له عليه الصلاة والسلام خاصة مما [لا] يليق بشأنه الكريم أصلاً. وقد روي عن سعد بن أبـي وقاص أنه قال: قتل أخي عمير يوم بدر فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه فاعجبني فجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال عليه الصلاة والسلام: ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سعد إنك سألتني السيف وليس لي وقد صار لي فاذهب فخذه، وهذا كما ترى يقتضي عدم وقوع التنفيل يومئذ وإلا لكان سؤال السيف من سعد بموجب شرطه عليه الصلاة والسلام ووعده لا بطريق الهبة المبتدأة وحمل ذلك من سعد على مراعاة الأدب مع كون سؤاله بموجب الشرط يرده رده صلى الله عليه وسلم قبل النزول وتعليله بقوله: ليس هذا لي لاستحالة أن يعد صلى الله عليه وسلم بما لا يقدر على إنجازه وإعطائه عليه الصلاة والسلام بعد النزول وترتيبه على قوله وقد صار لي ضرورة أن مناط صيرورته له صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} والفرض إنه المانع من إعطاء المسؤول، ومما هو نص في الباب قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} فإنه لو كان السؤال طلباً للمشروط لما كان فيه محذور يجب اتقاؤه قاله شيخ الإسلام عليه الرحمة، وحاصله إنكار وقوع التنفيل حينئذ، وعدم صحة حمل السؤال على الاستعطاء والأنفال على المعنى الثاني من معنييها، وأنا أقول: قد جاء خبر التنفيل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من الطريق الذي ذكرناه ومن طريق آخر أيضاً، فقد أخرج ابن أبـي شيبة وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان / وأبو الشيخ والبيهقي في «الدلائل» والحاكم وصححه عنه رضي الله تعالى عنه قال: «حديث : لما كان يوم بدر قال النبـي صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً فله كذا وكذا ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا فاما المشيخة فثبتوا تحت الرايات وأما الشبان فتسارعوا إلى القتل والغنائم فقالت المشيخة للشبان: أشركونا معكم فانا كنا لكم ردءاً ولو كان منكم شيء للجأتم إلينا فاختصموا إلى النبـي صلى الله عليه وسلم فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} الآية فقسم الغنائم بينهم بالسوية» تفسير : ويشير إلى وقوعه أيضاً ما أخرجه أحمد وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم والبيهقي في «السنن» عن أبـي إمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل فساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله تعالى من أيدينا وجعله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمه عليه الصلاة والسلام بين المسلمين عن بواء، ولعل في الباب غير هذه الروايات فكان على الشيخ حيث أنكر وقوع التنفيل أن يطعن فيها بضعف ونحوه ليتم له الغرض. وما ذكره من حديث سعد بن أبـي وقاص فقد أخرجه أحمد وابن أبـي شيبة عنه وهو مع أنه وقع فيه سعيد بن العاصي والمحفوظ كما قال: أبو عبيد العاصي بن سعيد مضطرب المتن، فقد أخرج عبد بن حميد والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن سعد انه قال: «حديث : أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة فإذا فيها سيف فأخذته فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلني هذا السيف فأنا من علمت فقال: رده من حيث أخذته فرجعت به حتى إذا أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه عليه الصلاة والسلام فقلت: أعطنيه فشد لي صوته وقال رده من حيث أخذته فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ }»تفسير : . فإن هذه الرواية ظاهرة في أن السيف لم يكن سلبا كما هو ظاهر الرواية الأولى بل إن سعداً رضي الله تعالى عنه وجده في الغنيمة وطلبه نفلاً على سهمه الشائع فيها. وأخرج النحاس في «ناسخه» عن سعيد بن جبير أن سعداً ورجلاً من الأنصار خرجا يتنفلان فوجدا سيفاً ملقى فخرا عليه جميعاً فقال سعد: هو لي وقال الأنصاري: هو لي لا أسلمه حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتياه فقصا عليه القصة فقال عليه الصلاة والسلام: ليس لك يا سعد ولا للأنصاري ولكنه لي فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ } الآية، ومخالفة هذه الرواية للروايتين السابقتين المختلفتين كما علمت في غاية الظهور فلا يكاد يعول على إحداهما إلا بإثبات أنها الأصح، ولم نقف على أنهم نصوا على تصحيح الرواية التي ذكرها الشيخ فضلاً عن النص على الأصحية. نعم أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في «السنن» «حديث : عن سعد المذكور رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول قد شفاني الله تعالى اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف قال: إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه فوضعته ثم رجعت فقلت: عسى يعطى هذا السيف اليوم من لا يبلى بلائي إذا رجل يدعوني من ورائي فقلت: قد أنزل في شيء قال عليه الصلاة والسلام: كنت سألتني هذا السيف وليس هو لي وإني قد وهب لي فهو لك وأنزل الله تعالى هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ }» تفسير : الخ، فهذه الرواية وإن نص فيها على التصحيح إلا أنه ليست ظاهرة في أن السيف كان سلباً له من عمير كما هو نص الرواية الأولى، وإن قلنا: إن هذه الرواية وإن لم تكن موافقة للأولى حذو القذة بالقذة لكنها ليست مخالفة لها، وزيادة الثقة مقبولة سواء كانت في الأول أم في الآخر أم في الوسط، / فلا بد من القول بالنسخ كما هو إحدى الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما أنها ظاهرة في كون الأنفال صارت ملكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليس لأحد فيها حق أصلاً إلا أن يجود عليه عليه الصلاة والسلام كما يجود من سائر أمواله، والمولى المذكور ذهب إلى القول بعدم النسخ ولم يعلم أن هذا الخبر الذي استند إليه في إنكار وقوع التنفيل يعكر عليه، وادعاء أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: فيه «وقد صار لي» أنه صار حكمه لي لكن عبر بذلك مشاكلة لما في الآية يرده ما في الرواية الأخرى المنصوص على صحتها من الترمذي والحاكم «وإني قد وهب لي»، وحمل ذلك أيضاً على مثل ما حمل عليه الأول مما لا يكاد يقدم عليه عارف بكلام العرب لا سيما كلام أفصح من نطق بالضاد صلى الله عليه وسلم، وما ذكره قدس سره من أن قوله تعالى: {قُلِ ٱلأَنفَالُ} الخ لا يكون جواباً لسؤال الاستعطاء فإن اختصاص حكم ما شرط لهم بالرسول عليه الصلاة والسلام لا ينافي الإعطاء بل يحققه، وقد يجاب عنه بالتزام الحمل الذي ادعى أن لا سبيل إليه قطعاً ويقال بالنسخ، وهو من نسخ السنة قبل تقررها بالكتاب، وأن المنسوخ إنما هو ذلك التنفيل، والتنفيل الذي يقول به العلماء اليوم هو أن يقول الإمام من قتل قتيلاً فله سلبه أو يقول للسرية جعلت لكم الربع بعد الخمس أي بعدما يرفع الخمس للفقراء، وقد يكون بغير ذلك كالدراهم والدنانير. وذكر في «السير الكبير» أنه لو قال: ما أصبتم فهو لكم ولم يقل بعد الخمس لم يجز لأن فيه إبطال الخمس الثابت بالنص، وبعين ذلك يبطل ما لو قال: من أصاب شيئاً فهو له لاتحاد اللازم فيهما بل هو أولى بالبطلان، وبه أيضاً ينتفي ما قالوا: لو نفل بجميع المأخوذ جاز إذا رأى مصلحة، وفيه زيادة إيحاش الباقين وإيقاع الفتنة. وذكر السادة الشافعية أن الأصح أن النفل يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح إن نفل مما سيغنم في هذا القتال لأنه المأثور عندهم كما جاء عن ابن المسيب. ويحتمل أن التنفيل المنسوخ الواقع يوم بدر عند القائل به لم يكن كهذا الذي ذكرناه عن أئمتنا وكذا عن الشافعية الثابت عندهم بالأدلة المذكورة في كتب الفريقين، والأخبار التي وقفنا عليها في ذلك التنفيل غير ظاهرة في اتحاده مع هذا التنفيل. وحينئذ فما نسخ لم يثبت وإنما ثبت غيره، وربما يقال: على فرض تسليم أن ما ثبت هو ما نسخ أن دليل ثبوته هو قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ } تفسير : [الأنفال: 65] فإن في ذلك من التحريض ما لا يخفى، ودعوى أن حمل أل في الأنفال على العهد يأباه المقام في حيز المنع، ومما يستأنس به للعهد أنه يقال لسورة الأنفال سورة بدر فلا بدع أن يراد من الأنفال أنفال بدر، وإنباء الإظهار في مقام الإضمار على ما ادعاه في غاية الخفاء، وكون الجواب عن سؤال الموعود ببيان اختصاصه به عليه الصلاة والسلام مما لا يليق بشأنه الكريم أصلاً مما لا يكاد يسلم، كيف والحكم إلهي والنبـي صلى الله عليه وسلم مأمور بالإبلاغ، وقد يقال: حاصل الجواب يا قوم إن ما وعدتكم به بإذن الله تعالى قد ملكنيه سبحانه وتعالى دونكم وهو أعلم بالحكم فيما فعل أولاً وآخراً فاتقوا الله من سوء الظن أو عدم الرضا بذلك. ومن هنا يعلم حسن الأمر بالتقوى بعد ذلك الجواب وبطلان ما ادعاه المولى المدقق من أن هذا الأمر نص في الباب، وقد يقال أيضاً: لا مانع من أن يحمل السؤال على الاستعلام، والاختصاص على اختصاص الحكم مع كون المراد بالأنفال المعنى الثاني، والمعنى يسألونك عن حال ما وعدتهم إياه هل يستحقونه وإن حرم غيرهم ممن كان ردأ وملجأ حيث إنك وعدتهم وأطلقت لهم / الأمر قل إن ذلك الموعود قد نسخ استحقاقكم له بالوعد المأذون فيه من قبل وفوض أمره إليَّ ولم يحجر علي بإعطائه لكم دون غيركم بل رخصت أن أساوي أصحابكم الذين كانوا ردأ لكم معكم لئلا يرجع أحد من أهل بدر بخفي حنين ويستوحشوا من ذلك وتفسد ذات البين، فاتقوا الله تعالى من الاستقلال بما أخذتموه أو إخفاء شيء منه بناء على أنكم كنتم موعدين به. {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} بالرد والمواساة فيما حل بأيديكم {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في كل ما يأمر به وينهى عنه فإن في ذلك مصالح لا تعلمونها وإنما يعلمها الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتقرير السؤال والجواب على هذا الأسلوب وإن لم يكن ظاهراً إلا أنه ليس بالبعيد جداً، ثم ما ذكره قدس سره من أن حديث النسخ الواقع في كلام مجاهد، وعكرمة والسدي إنما هو للأنفال بالمعنى الأول لدلالة الناسخ على ذلك مسلم، لكن جاء في آخر رواية النحاس عن ابن جبير السابقة في قصة سعد وصاحبه الأنصاري رضي الله تعالى عنهما ما يوهم كون النسخ للآية مع حمل الأنفال على غير ذلك المعنى وليس كذلك، هذا ثم إني أعود فأقول: إن هذا التكلف الذي تكلفناه إنما هو لصيانة الروايات الناطقة بكون سبب النزول ما استند إليه القائل بأن الأنفال بالمعنى الثاني عن الإلغاء قبل الوقوف على ضعفها، ومجرد ما ذكره المولى قدس سره لا يدل على ذلك، ألا تراهم كيف يعدلون عن ظواهر الآيات إذا صح حديث يقتضي ذلك، وإلا فأنا لا أنكر أن كون حمل الأنفال على المعنى الأول والذهاب إلى أن الآية غير منسوخة والسؤال للاستعلام أقل مؤنة من غيره فتأمل ذاك والله سبحانه وتعالى يتولى هداك، والمراد بقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} الخ على هذا أنه إذا كان أمر الغنائم لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاتقوه سبحانه وتعالى واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون فيدخل ما هم فيه دخولاً أولياً، وأصلحوا ما بينكم من الأحوال بترك الغلول ونحوه، وعن السدي بعدم التساب. وعن عطاء كان الإصلاح بينهم «حديث : أن دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: اقسموا غنائمكم بالعدل: فقالوا: قد أكلنا وأنفقنا. فقال عليه الصلاة والسلام: ليرد بعضكم على بعض» تفسير : . و {ذَاتَ} كما قيل بمعنى صاحبة صفة لمفعول محذوف. و {بَيْنَ} أما بمعنى الفراق أو الوصل أو ظرف أي أحوالاً ذات افتراقكم أو ذات وصلكم أو ذات الكمال المتصل بكم. وقال الزجاج وغيره: إن {ذَاتَ} هنا بمنزلة حقيقة الشيء ونفسه كما بينه ابن عطية وعليه استعمال المتكلمين، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه جعل كأنه صاحبه، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله تعالى أولاً وآخراً لتعظيم شأنه وإظهار شرفه والإيذان بأن طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة الله تعالى، وقال غير واحد: إن الجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أولاً لأن اختصاص الله تعالى بالأمر والرسول صلى الله عليه وسلم بالامتثال، وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح بحسب المقام وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة. وقرأ ابن محيصن {يسألونك علنفال} بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها ولا اعتداد بالحركة العارضة. {إِن كُنتُمْ مُؤْمِنينَ} متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف ثقة بدلالة المذكورة عليه أو هو الجواب على الخلاف المشهور، وأياً ما كان فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه لا التشكيك في إيمانهم، وهو / يكفي في التعليق بالشرط، والمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أنه من شأنه ذلك لا أنه لازم له حقيقة. وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل والأعمال شرط فيه أو شطر؛ فالمعنى إن كنتم كاملي الايمان فإن كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة الاتقاء والإصلاح وإطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويؤيد إرادة الكمال قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}.

سيد قطب

تفسير : موضوع هذا الدرس الأول في السورة، هو بيان حكم الله في الأنفال.. المغانم التي يغنمها المسلمون في جهادهم في سبيل الله.. بعد ما ثار بين أهل بدر من الجدال حول تقسيمها. فردهم الله إلى حكمه فيها؛ كما ردهم إلى تقواه وطاعته وطاعة رسوله؛ واستجاش في قلوبهم وجدان الإيمان والتقوى. ثم أخذ يذكرهم بما أرادوا لأنفسهم من العير والغنيمة، وما أراده الله لهم من النصر والعزة. وكيف سارت المعركة، وهم قلة لا عدد لها ولا عدة، وأعداؤهم كثرة في الرجال والعتاد. وكيف ثبتهم بمدد من الملائكة، وبالمطر يستقون منه ويغتسلون ويثبت الأرض تحت أقدامهم فلا تسوخ في الرمال، وبالنعاس يغشاهم فيسكب عليهم السكينة والاطمئنان. وكيف ألقى في قلوب أعدائهم الرعب وأنزل بهم شديد العقاب. ومن ثم يأمر المؤمنين أن يثبتوا في كل قتال، مهما خيل إليهم في أول الأمر من قوة أعدائهم، فإن الله هو الذي يقتل، وهو الذي يرمي، وهو الذي يدبر، وإن هم إلا ستار لقدر الله وقدرته، يفعل بهم ما يشاء.. ثم يسخر من المشركين الذين كانوا قبل الموقعة يستفتحون، فيطلبون أن تدور الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم، فيقول لهم: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح}. ويحذر المؤمنين أن يتشبهوا بالمنافقين الذين يسمعون ولكنهم لا يسمعون، لأنهم لا يستجيبون! وينتهي الدرس بنداءات متكررة للذين آمنوا. ليستجيبوا لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم - ولو خيل إليهم أنه الموت والقتل - وليذكرهم كيف كانوا قليلاً مستضعفين يخافون أن يتخطفهم الناس، فآواهم وأيدهم بنصره؛ وليعدهم أن يجعل لهم فرقاناً في قلوبهم وفي حركتهم إن هم اتقوه. ذلك إلى تكفير السيئات وغفران الذنوب؛ وما ينتظرهم من فضل الله الذي تتضاءل دونه الغنائم والأنفال. {يسألونك عن الأنفال. قل: الأنفال لله والرسول. فاتقوا الله وأصحلوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}.. ذكرنا من قبل في التعريف الإجمالي بالسورة جانباً من الروايات التي وردت عن نزول هذه الآيات. ونضيف هنا إليها بعض الروايات؛ زيادة في استحضار الجو الذي نزلت فيه السورة جملة، والذي نزلت فيه الآيات الخاصة بالغنائم والأنفال بوجه خاص؛ واستحضار الملامح الواقعية للجماعة المسلمة في أول وقعة كبيرة بعد قيام الدولة المسلمة في المدينة. قال ابن كثير في التفسير: روى أبو داود والنسائي وابن جرير وابن مردويه - واللفظ له - وابن حبان والحاكم من طرق عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : من صنع كذا وكذا فله كذا وكذا"تفسير : . فتسارع في ذلك شبان القوم، وبقي الشيوخ تحت الرايات. فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا، فإنا كنا رداء لكم، لو انكشفتم لفئتم إلينا. فتنازعوا، فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال}.. إلى قوله: {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين}.. وقال الثوري، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أتى بأسير فله كذا وكذا"تفسير : . فجاء أبو اليسير بأسيرين، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليك - أنت وعدتنا. فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إنك لو أعطيت هؤلاء لم يبق لأصحابك شيء، وإنه لم يمنعنا من هذا زهادة في الأجر، ولا جبن عن العدو، وإنما قمنا هذا المقام محافظة عليك مخافة أن يأتوك من ورائك. فتشاجروا، ونزل القرآن: {يسألونك عن الأنفال قل: الأنفال لله والرسول}.. قال: ونزل القرآن: {واعلموا أنما غنتم من شيء فأن لله خمسه}.. إلى آخر الآية.. وروى الإمام أحمد قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، قتلت سعيد بن العاص؛ وأخذت سيفه. وكان يسمى ذا الكثيفة. فأتيت به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال:"حديث : اذهب فاطرحه في القبض"تفسير : قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال: فما جاوزت إلا يسيرا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : اذهب فخذ سلبك ". تفسير : وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب ابن سعد، عن سعد بن مالك، قال: قلت يا رسول الله، قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف. فقال: "حديث : إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه" تفسير : قال: فوضعته ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي. قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي. قال: قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً؟ قال: "حديث : كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك"تفسير : . قال: "وأنزل الله هذه الآية: {يسألونك عن الأنفال، قل الأنفال لله والرسول}.. ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش، وقال الترمذي: حسن صحيح. فهذه الروايات تصور لنا الجو الذي تنزلت فيه آيات الأنفال.. ولقد يدهش الإنسان حين يرى أهل بدر يتكلمون في الغنائم، وهم إما من المهاجرين السابقين الذين تركوا وراءهم كل شيء، وهاجروا إلى الله بعقيدتهم، لا يلوون على شيء من أعراض هذه الحياة الدنيا؛ وإما من الأنصار الذين آووا المهاجرين، وشاركوهم ديارهم وأموالهم، لا يبخلون بشيء من أعراض هذه الحياة الدنيا أو كما قال فيهم ربهم: {أية : يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}تفسير : ولكننا نجد بعض التفسير لهذه الظاهرة في الروايات نفسها. لقد كانت الأنفال مرتبطة في الوقت ذاته بحسن البلاء في المعركة؛ وكانت بذلك شهادة على حسن البلاء؛ وكان الناس - يومئذ - حريصين على هذه الشهادة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن الله سبحانه وتعالى، في أول وقعة يشفي فيها صدورهم من المشركين!.. ولقد غطى هذا الحرص وغلب على أمر آخر نسيه من تكلموا في الأنفال حتى ذكرّهم الله سبحانه به، وردهم إليه.. ذلك هو ضرورة السماحة فيما بينهم في التعامل، والصلاح بين قلوبهم في المشاعر؛ حتى أحسوا ذلك في مثل ما قاله عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: "فينا - أصحاب بدر - نزلت حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ". ولقد أخذهم الله سبحانه بالتربية الربانية قولاً وعملاً. نزع أمر الأنفال كله منهم ورده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أنزل حكمه في قسمة الغنائم بجملتها، فلم يعد الأمر حقاً لهم يتنازعون عليه؛ إنما أصبح فضلاً من الله عليهم؛ يقسمه رسول الله بينهم كما علمه ربه... وإلى جانب الإجراء العملي التربوي كان التوجيه المستطرد الطويل، الذي بدأ بهذه الآيات، واستطرد فيما تلاها كذلك. {يسألونك عن الأنفال. قل: الأنفال لله والرسول. فاتقوا الله وأصحلوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله، إن كنتم مؤمنين}.. لقد كان الهتاف لهذه القلوب التي تنازعت على الأنفال، هو الهتاف بتقوى الله.. وسبحان خالق القلوب العليم بأسرار القلوب.. إنه لا يرد القلب البشري عن الشعور بأعراض الحياة الدنيا، والنزاع عليها - وإن كان هذا النزاع متلبساً هنا بمعنى الشهادة بحسن البلاء - إلا استجاشة الشعور بتقوى الله وخوفه وتلمس رضاه في الدنيا والأخرى.. إن قلباً لا يتعلق بالله، يخشى غضبه ويتلمس رضاه، لا يملك أن يتخلص من ثقلة الأعراض، ولا يملك أن يرف شاعراً بالانطلاق! إن التقوى زمام هذه القلوب الذي يمكن أن تقاد منه طائعة ذلولة في يسر وفي هوادة.. وبهذا الزمام يقود القرآن هذه القلوب إلى إصلاح ذات بينها: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}.. وبهذا الزمام يقودها إلى طاعة الله ورسوله: {وأطيعوا الله ورسوله}. وأول الطاعة هنا طاعته في حكمه الذي قضاه في الأنفال. فقد خرجت من أن تكون لأحد من الغزاة على الإطلاق، وارتدت ملكيتها ابتداء لله والرسول، فانتهى حق التصرف فيها إلى الله والرسول. فما على الذين آمنوا إلا أن يستسلموا فيها لحكم الله وقسم رسول الله؛ طيبة قلوبهم، راضية نفوسهم؛ وإلا أن يصلحوا علائقهم ومشاعرهم، ويصفوا قلوبهم بعضهم لبعضهم.. ذلك.: {إن كنتم مؤمنين}.. فلا بد للإيمان من صورة عملية واقعية. يتجلى فيها، ليثبت وجوده، ويترجم عن حقيقته. وكما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل"تفسير : . ومن ثم يرد مثل هذا التعقيب كثيراً في القرآن لتقرير هذا المعنى الذي يقرره قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولتعريف الإيمان وتحديده؛ وإخراجه من أن يكون كلمة تقال باللسان، أو تمنياً لا واقعية له في عالم العمل والواقع. ثم يعقب بتقرير صفات الإيمان "الحق" كما يريده رب هذا الدين؛ ليحدد لهم ما يعنيه قوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين}.. فها هو ذا الإيمان الذي يريده منهم رب هذا الدين: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وعلى ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون. أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}.. إن التعبير القرآني دقيق في بنائه اللفظي ليدل دلالة دقيقة على مدلوله المعنوي. وفي العبارة هنا قصر بلفظ: {إنما}. وليس هنالك مبرر لتأويله - وفيه هذا الجزم الدقيق - ليقال: إن المقصود هو "الإيمان الكامل"! فلو شاء الله - سبحانه - أن يقول هذا لقاله. إنما هو تعبير محدد دقيق الدلالة. إن هؤلاء الذين هذه صفاتهم وأعمالهم ومشاعرهم هم المؤمنون. فغيرهم ممن ليس له هذه الصفات بجملتها ليسوا بالمؤمنين. والتوكيد في آخر الآيات: {أولئك هم المؤمنون حقاً} يقرر هذه الحقيقة. فغير المؤمنين {حقاً} لا يكونون مؤمنين أصلاً.. والتعبيرات القرآنية يفسر بعضها بعضاً. والله يقول: {أية : فماذا بعد الحق إلا الضلال} تفسير : فما لم يكن حقاً فهو الضلال. وليس المقابل لوصف: {المؤمنون حقاً} هو المؤمنون إيماناً غير كامل! ولا يجوز أن يصبح التعبير القرآني الدقيق عرضة لمثل هذه التأويلات المميعة لكل تصور ولكل تعبير! لذلك كان السلف يعرفون من هذه الآيات أن من لم يجد في نفسه وعمله هذه الصفات لم يجد الإيمان، ولم يكن مؤمناً أصلاً.. جاء في تفسير ابن كثير: قال علي ابن طلحة عن ابن عباس، في قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} قال: المنافقون: لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا (أي عن أعين الناس) ولا يؤدون زكاة أموالهم. فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين. ثم وصف الله المؤمنين فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} فأدوا فرائضه. {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} يقول: زادتهم تصديقاً، {وعلى ربهم يتوكلون} يقول: لا يرجون غيره. وسنرى من طبيعة هذه الصفات أنه لا يمكن أن يقوم بدونها الإيمان أصلاً؛ وأن الأمر فيها ليس أمر كمال الإيمان أو نقصه؛ إنما هو أمر وجود الإيمان أو عدمه. {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}... إنها الارتعاشة الوجدانية التي تنتاب القلب المؤمن حين يذكر بالله في أمر أو نهي؛ فيغشاه جلاله، وتنتفض فيه مخافته؛ ويتمثل عظمة الله ومهابته، إلى جانب تقصيره هو وذنبه، فينبعث إلى العمل والطاعة... أو هي كما قالت أم الدرداء - رضي الله عنها - فيما رواه الثوري، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء قال: "الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك. فإن الدعاء يذهب ذلك".. إنها حال ينال القلب منها أمر يحتاج إلى الدعاء ليستريح منها ويقر! وهي الحال التي يجدها القلب المؤمن حين يذكر بالله في صدد أمر أو نهي؛ فيأتمر معها وينتهي كما يريد الله، وجلا وتقوى لله. {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً}. والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيماناً، وما ينتهي به إلى الاطمئنان.. إن هذا القرآن يتعامل مع القلب البشري بلا وساطة، ولا يحول بينه وبينه شيء إلا الكفر الذي يحجبه عن القلب ويحجب القلب عنه؛ فإذا رفع هذا الحجاب بالإيمان وجد القلب حلاوة هذا القرآن، ووجد في إيقاعاته المتكررة زيادة في الإيمان تبلغ إلى الاطمئنان.. وكما أن إيقاعات القرآن على القلب المؤمن تزيده إيماناً، فإن القلب المؤمن هو الذي يدرك هذه الإيقاعات التي تزيده إيماناً.. لذلك يتكرر في القرآن تقرير هذه الحقيقة في أمثال قوله تعالى: {أية : إن في ذلك لآيات للمؤمنين} {أية : إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون} تفسير : ومن ذلك قول أحد الصحابة - رضوان الله عليهم -: كنا نؤتى الإيمان قبل أن نؤتى القرآن.. وبهذا الإيمان كانوا يجدون في القرآن ذلك المذاق الخاص، يساعدهم عليه ذلك الجو الذي كانوا يتنسمونه؛ وهم يعيشون القرآن فعلاً وواقعاً؛ ولا يزاولونه مجرد تذوق وإدراك! وفي الروايات الواردة في نزول الآية قول سعد بن مالك وقد طلب أن ينفله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السيف، قبل أن ينزل القرآن الذي يرد ملكية الأنفال للرسول - صلى الله عليه وسلم - فيتصرف فيها بما يريد. وقد قال له:"حديث : إن هذا السيف لا لك ولا لي، ضعه"تفسير : فلما نودي سعد من ورائه بعد وضعه السيف وانصرافه، توقع أن يكون الله - سبحانه - قد أنزل فيه شيئاً؛ قال: "قلت: قد أنزل الله فيّ شيئاً" قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : كنت سألتني السيف وهو ليس لي، وإنه قد وهب لي، فهو لك"تفسير : .. فهكذا كانوا يعيشون مع ربهم، ومع هذا القرآن الذي يتنزل عليهم. وهو شيء هائل. وهي فترة عجيبة في حياة البشر. ومن ثم كانوا يتذوقون القرآن هذا التذوق.. كما أَن قيامهم بالحركة الواقعية في ظل التوجيهات القرآنية المباشرة كان يجعل التفاعل مع هذا التذوق مضاعفاً.. وإذا كانت الأولى لا تتكرر في حياة البشر؛ فإن هذه الثانية تتكرر كلما قامت في الأرض عصبة مؤمنة تحاول بالحركة أن تنشئ هذا الدين في واقع الناس كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تنشئه.. وهذه العصبة المؤمنة التي تتحرك بهذا القرآن لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الناس هي التي تتذوق هذا القرآن؛ وتجد في تلاوته ما يزيد قلوبها إيماناً؛ لأنها ابتداء مؤمنة. الدين عندها هو الحركة لإقامة هذا الدين بعد الجاهلية التي عادت فطغت على الأرض جميعاً! وليس الإيمان عندها بالتمني، لكن ما وقر في القلب وصدقه العمل! {وعلى ربهم يتوكلون}.. عليه وحده.. كما يفيده بناء العبارة. لا يشركون معه أحداً يستعينون به ويتوكلون عليه.. أو كما عقب عليها الإمام ابن كثير في التفسير: "أي لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك لا شريك له ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد ابن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان".. وهذا هو إخلاص الاعتقاد بوحدانية الله؛ وإخلاص العبادة له دون سواه فما يمكن أن يجتمع في قلب واحد، توحيد الله والتوكل على أحد معه سبحانه. والذين يجدون في قلوبهم الاتكال على أحد أو على سبب يجب أن يبحثوا ابتداء في قلوبهم عن الإيمان بالله! وليس الاتكال على الله وحده بمانع من اتخاذ الأسباب. فالمؤمن يتخذ الأسباب من باب الإيمان بالله وطاعته فيما يأمر به من اتخاذها؛ ولكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشئ النتائج فيتكل عليها. إن الذي ينشئ النتائج - كما ينشئ الأسباب - هو قدر الله. ولا علاقة بين السبب والنتيجة في شعور المؤمن.. اتخاذ السبب عبادة بالطاعة. وتحقق النتيجة قدر من الله مستقل عن السبب لا يقدر عليه إلا الله.. وبذلك يتحرر شعور المؤمن من التعبد للأسباب والتعلق بها؛ وفي الوقت ذاته هو يستوفيها بقدر طاقته لينال ثواب طاعة الله في استيفائها. ولقد ظلت الجاهلية "العلمية!" الحديثة تلج فيما تسميه "حتمية القوانين الطبيعية". ذلك لتنفي "قدر الله" وتنفي "غيب الله". حتى وقفت في النهاية عن طريق وسائلها وتجاربها ذاتها، أمام غيب الله وقدر الله وقفة العاجز عن التنبؤ الحتمي! ولجأت إلى نظرية "الاحتمالات" في عالم المادة. فكل ما كان حتمياً صار احتمالياً. وبقي "الغيب" سراً مختوماً. وبقي قدر الله هو الحقيقة الوحيدة المستيقنة؛ وبقي قول الله - سبحانه -{أية : لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً}تفسير : هو القانون الحتمي الوحيد، الذي يتحدث بصدق عن طلاقة المشيئة الإلهية من وراء القوانين الكونية التي يدبر الله بها هذا الكون، بقدره النافذ الطليق! يقول سير جيمس جينز الإنجليزي الأستاذ في الطبيعيات والرياضيات: "لقد كان العلم القديم يقرر تقرير الواثق، أن الطبيعة لا تستطيع أن تسلك إلا طريقاً واحداً، وهو الطريق الذي رسم من قبل لتسير فيه من بداية الزمن إلى نهايته، وفي تسلسل مستمر بين علة ومعلول، وأن لا مناص من أن الحالة (أ) تتبعها الحالة (ب). أما العلم الحديث فكل ما يتسطيع أن يقوله حتى الآن، هو أن الحالة (أ) يحتمل أن تتبعها الحالة (ب) أو (ج) أو (د) أو غيرها من الحالات الأخرى التي يخطئها الحصر. نعم إن في استطاعته أن يقول: إن حدوث الحالة (ب) أكثر احتمالاً من حدوث الحالة (ج) وإن الحالة (ج) أكثر احتمالا من (د)... وهكذا. بل إن في مقدوره أن يحدد درجة احتمال كل حالة من الحالات (ب) و (ج) و (د) بعضها بالنسبة إلى بعض. ولكنه لا يستطيع أن يتنبأ عن يقين: أي الحالات تتبع الأخرى. لأنه يتحدث دائماً عما يحتمل. أما ما يجب أن يحدث، فأمره موكول إلى الأقدار. مهما تكن حقيقة هذه الأقدار" ومتى تخلص القلب من ضغط الأسباب الظاهرة، لم يعد هناك محل فيه للتوكل على غير الله ابتداء، وقدر الله هو الذي يحدث كل ما يحدث. وهو وحده الحقيقة المستيقنة. والأسباب الظاهرة لا تنشئ إلا احتمالات ظنية!.. وهذه هي النقلة الضخمة التي ينقلها الاعتقاد الإسلامي للقلب البشري - وللعقل البشري أيضاً - النقلة التي تخبطت الجاهلية الحديثة ثلاثة قرون لتصل إلى أولى مراحلها من الناحية العقلية؛ ولم تصل إلى شيء منها في الناحية الشعورية، وما يترتب عليها من نتائج عملية خطيرة في التعامع مع قدر الله؛ والتعامل مع الأسباب والقوى الظاهرية!.. إنها نقلة التحرر العقلي، والتحرر الشعوري، والتحرر السياسي، والتحرر الاجتماعي، والتحرر الأخلاقي... آخر أشكال التحرر وأوضاعه... وما يمكن أن يتحرر "الإنسان" أصلاً إذا بقي عبداً للأسباب "الحتمية" وما وراءها من عبوديته لإرادة الناس. أو عبوديته لإرادة (الطبيعة!) فكل "حتمية" غير إرادة الله وقدره، هي قاعدة لعبودية لغير الله وقدره.. ومن ثم هذا التوكيد على التوكل على الله وحده، واعتباره شرطاً لوجود الإيمان أو عدمه.. والتصور الاعتقادي في الإسلام كل متكامل. ثم هو بدوره كل متكامل مع الصورة الواقعية التي يريدها هذا الدين لحياة الناس. {الذين يقيمون الصلاة}.. وهنا نرى للإيمان صورة حركية ظاهرة - بعد ما رأيناه في الصفات السابقة مشاعر قلبية باطنة - ذلك أن الإيمان هو ما وقر في القلب وصدقه العمل. فالعمل هو الدلالة الظاهرة للإيمان التي لا بد من ظهورها للعيان، لتشهد بالوجود الفعلي لهذا الإيمان. وإقامة الصلاة ليست هي مجرد أدائها. إنما هي الأداء الذي يحقق حقيقتها. الأداء الكامل اللائق بوقفه العابد في حضرة المعبود - سبحانه - لا مجرد القراءة والقيام والركوع والسجود والقلب غافل! وهي في صورتها الكاملة تلك تشهد للإيمان بالوجود فعلاً. {ومما رزقناهم ينفقون}.. في الزكاة وغير الزكاة.. وهم ينفقون {مما رزقناهم}.. فهو بعض مما رزقهم الرازق.. وللنص القرآني دائماً ظلاله وإيحاءاته. فهم لم يخلقوا هذا المال خلقاً. إنما هو مما رزقهم الله إياه - من بين ما رزقهم وهو كثير لا يحصى - فإذا أنفقوا فإنما ينفقون بعضه، ويحتفظون منه ببقية. والأصل هو رزق الله وحده! تلك هي الصفات التي حدد الله بها - في هذا المقام - الإيمان. وهي تشمل الاعتقاد في وحدانية الله؛ والاستجابة الوجدانية لذكره؛ والتأثر القلبي بآياته؛ والتوكل عليه وحده؛ وإقامة الصلاة له، والإنفاق من بعض رزقه.. وهي لا تمثل تفصيلات الإيمان - كما وردت في النصوص الأخرى - إنما هي تواجه حالة واقعة.. حالة الخلاف على الأنفال وفساد ذات البين من جرائها.. فتذكر من صفات المؤمنين ما يواجه هذه الحالة. وهي في الوقت ذاته تعين صفات من فقدها جملةً لم يجد حقيقة الإيمان فعلاً. بغض النظر عما إذا كانت تستقصي شروط الإيمان أو لا تستقصيها. فمنهج التربية الرباني بالقرآن هو الذي يتحكم فيما يذكر من هذه الشروط والتوجيهات في مواجهة الحالات الواقعية المختلفة. ذلك أنه منهج واقعي عملي حركي، لا منهج نظري معرفي، مهمته بناء (نظرية) وعرضها لذاتها! وعلى نفس القاعدة يجيء التعقيب الأخير: {أولئك هم المؤمنون حقاً، لهم درجات عند ربهم، ومغفرة، ورزق كريم}.. فهذه الصفات إنما يجدها في نفسه وفي عمله المؤمن الحق. فمن لم يجدها جملة لم يجد صفة الإيمان. وهي في الوقت ذاته تواجه الحالة التي تنزلت فيها الآيات.. ومن ثم تواجه الحرص على الشهادة بحسن البلاء، بأن هؤلاء الذين يجدون هذه الصفات {لهم درجات عند ربهم}.. وتواجه ما وقع في ذات البين من سوء أخلاق - كما قال عبادة بن الصامت - بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم {مغفرة}.. وتواجه ما وقع من نزاع على الأنفال بأن الذين يجدون هذه الصفات لهم عند ربهم {رزق كريم}.. فتغطي الحالة كلها، كل ما لابسها من مشاعر ومواقف. وتقرر في الوقت ذاته حقيقة موضوعية؛ وهي أن هذه صفات المؤمنين، من فقدها جملة لم يجد حقيقة الإيمان. {أولئك هم المؤمنون حقاً}... وقد كانت العصبة المسلمة الأولى تُعلم أن للإيمان حقيقة لا بد أن يجدها الإنسان في نفسه، وأنه ليس الإيمان دعوى، ولا كلمات لسان، ولا هو بالتمني.. قال الحافظ الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد ابن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أنه "حديث : مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: "كيف أصبحت يا حارث؟" قال: أصبحت مؤمناً حقاً. قال: "انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟" فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرتُ ليلي وأظمأتُ نهاري. وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها. وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: "يا حارث. عرفت فالزم".. ثلاثاً..."تفسير : ولقد ذكر هذا الصحابي الذي استحق شهادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له بالمعرفة من حال نفسه، ما يصور مشاعره ويشي بما وراء هذه المشاعر من عمل وحركة. فالذي كأنه ينظر إلى عرش ربه بارزاً، وينظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتضاغون فيها، لا ينتهي إلى مجرد النظر. إنما هو يعيش ويعمل ويتحرك في ظل هذه المشاعر القوية المسيطرة التي تصبغ كل حركة وتؤثر فيها. ذلك إلى جانب ما أسهر ليله وأظمأ نهاره، وكأنما هو ناظر إلى عرش ربه بارزاً... إن حقيقة الإيمان يجب أن ينظر إليها بالجد الواجب، فلا تتميع حتى تصبح كلمة يقولها لسان، ومن ورائها واقع يشهد شهادة ظاهرة بعكس ما يقوله اللسان! إن التحرج ليس معناه التميع! والشعور بجدية الحقيقة الإيمانية أوجب؛ والتحرج في تصورها ألزم. وبخاصة في قلوب العصبة المؤمنة التي تحاول إعادة إنشاء هذا الدين في دنيا الواقع، التي غلبت عليها الجاهلية، وصبغتها بصبغتها المنكرة القبيحة! بعد ذلك يأخذ سياق السورة في الحديث عن الموقعة التي تخلفت عنها تلك الأنفال التي تنازعوا عليها، وساءت أخلاقهم فيها - كما يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه في خلوص وصراحة ووضوح - ويستعرض مجمل أحداثها وملابساتها، ومواقفهم فيها، ومشاعرهم تجاهها... فيتبين من هذا الاستعراض أنهم هم لم يكونوا فيها إلا ستاراً لقدر الله؛ وأن كل ما كان فيها من أحداث، وكل ما نشأ عنها من نتائج - بما فيها هذه الأنفال التي تنازعوا عليها - إنما كان بقدر الله وتوجيهه وتدبيره وعونه ومدده.. أما ما أرادوه هم لأنفسهم من الغزوة فقد كان شيئاً صغيراً محدوداً، لا يقاس إلى ما أراده الله لهم، وبهم، من هذا الفرقان العظيم في السماوات وفي الأرض. ذلك الذي اشتغل به الملأ الأعلى إلى جانب ما اشتغل به الناس في الأرض، وما اشتغل به التاريخ البشري على الإطلاق.. ويذكرهم أن فريقاً منهم واجه المعركة كارهاً؛ كما أن فريقاً منهم كره تقسيم الأنفال وتنازع فيها؛ ليروا أن ما يرونه هم، وما يكرهونه أو يحبونه، ليس بشيء إلى جانب ما يريده الله سبحانه ويقضي فيه بأمره، وهو يعلم عاقبة الأمور: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.. إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أنِّي ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الأقدام. إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله؛ ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب. ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار}.. لقد رد الله الأنفال كلها إلى الله والرسول، ليعيد الرسول - صلى الله عليه وسلم - قسمتها بينهم على السواء - بعد استبقاء الخمس الذي ستأتي فيما بعد مصارفه - ذلك لتخلص نفوس العصبة المؤمنة من كل ملابسات الغنيمة؛ فيمتنع التنازع عليها، ويصير حق التصرف فيها إلى رسول الله كما يعلمه الله، فلا يبقى في النفوس من أجلها شيء؛ وليذهب ما حاك في نفوس الفئة التي حازت الغنائم، ثم سويت مع الآخرين في القسمة على ما تقدم. ثم ضرب الله هذا المثل من إرادتهم هو لأنفسهم، ومن إرادة الله لهم، وبهم، ليستيقنوا أن الخيرة فيما اختاره الله في الأنفال وغير الأنفال؛ وأن الناس لا يعلمون إلا ما بين أيديهم والغيب عنهم محجوب.. ضرب لهم هذا المثل من واقعهم الذي بين أيديهم.. من المعركة ذاتها تلك التي يتقاسمون أنفالها.. فما الذي كانوا يريدونه لأنفسهم فيها؟ وما الذي أراده الله لهم، وبهم؟ وأين ما أرادوه مما أراده الله؟.. إنها نقلة بعيده في واقع الأمر؛ ونقلة بعيدة على مدّ الرؤية والتصور! {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون. يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم؛ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}.. إن رد الأنفال لله والرسول. وقسمتها بينهم على السواء، وكراهة بعض المؤمنين لهذه التسوية.. ومن قبل كراهة بعضهم لاختصاص بعض الشباب بالنصيب الأوفر منها.. إنها شأن يشبه شأن إخراج الله لك من بيتك - بالحق - لمقاتلة الفرقة ذات الشوكة؛ وكراهة بعض المؤمنين للقتال.. وبين أيديهم العاقبة التي أنتجت هذه الأنفال.. ولقد سبق لنا في استعراض وقائع الغزوة - من كتب السيرة - أن أبا بكر وعمر قاما فأحسنا حين استشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناس معه في أمر القتال، بعدما أفلتت القافلة، وتبين أن قريشاً قد جاءت بشوكتها وقوتها. وأن المقداد بن عمرو قام فقال: يا رسول الله، امض لأمر الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لنبيها: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون}. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.. الخ". وأن هذا كان كلام المهاجرين. فلما كرر رسول الله صلى الله عليه وسلم القول على الناس فهم الأنصار أنه إنما يعنيهم، فقام سعد بن معاذ فقال كلاماً طويلاً قاطعاً مطمئناً.. ولكن هذا الذي قاله أبو بكر وعمر، والذي قاله المقداد، والذي قاله سعد بن معاذ - رضي الله عنهم - لم يكن هو مقالة جميع الذين خرجوا من المدينة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلقد كره بعضهم القتال، وعارض فيه، لأنهم لم يستعدوا لقتال، إنما خرجوا لملاقاة الفئة الضعيفة التي تحرس العير؛ فلما أن علموا أن قريشاً قد نفرت بخيلها ورجلها، وشجعانها وفرسانها، كرهوا لقاءها كراهية شديدة، هي هذه الكراهية التي يرسم التعبير القرآني صورتها بطريقة القرآن الفريدة: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}! روى الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره - بإسناده - عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن بالمدينة:"حديث : إني أخبرت عن عير أبي سفيان بأنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قِبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟"تفسير : فقلنا: نعم. فخرج وخرجنا. فلما سرنا يوماً أو يومين قال لنا:"حديث : ما ترون في قتال القوم؟ إنهم قد أخبروا بخروجكم!" تفسير : فقلنا: لا والله ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير! ثم قال:"حديث : ما ترون في قتال القوم؟"تفسير : فقلنا مثل ذلك: فقال المقداد بن عمرو: إذن لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون...} فتمنينا - معشر الأنصار - أن لو قلنا كما قال المقداد بن عمرو أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم! قال: فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون}. فهذا ما حاك في نفوس فريق من المسلمين يومئذ، وما كرهوا من أجله القتال، حتى ليقول عنهم القرآن الكريم: {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}.. وذلك بعد ما تبين الحق، وعلموا أن الله وعدهم إحدى الطائفتين وأنه لم يبق لهم خيار بعدما ما أفلتت إحدى الطائفتين وهي - العير - وأن عليهم أن يلقوا الطائفة الأخرى، وقد قدر الله لهم لقاءها وقدر أنها ستكون لهم. كانت ما كانت. كانت العير أو كانت النفير. كانت الضعيفة التي لا شوكة لها أم كانت القوية ذات الشوكة والمنعة. وإنها لحال تتكشف فيها النفس البشرية أمام الخطر المباشر؛ ويتجلى فيها أثر المواجهة الواقعية - على الرغم من الاعتقاد القلبي - والصورة التي يرسمها القرآن هنا جديرة بأن تجعلنا نتواضع في تقديرنا لمتطلبات الاعتقاد في مواجهة الواقع؛ فلا نغفل طاقة النفس البشرية وذبذباتها عند المواجهة؛ ولا نيئس من أنفسنا ولا من النفس البشرية جملة حين نراها تهتز في مواجهة الخطر - على الرغم من طمأنينة القلب بالعقيدة - فحسب هذه النفس أن تثبت بعد ذلك وتمضي في الطريق، وتواجه الخطر فعلاً، وتنتصر على الهزة الأولى!.. لقد كان هؤلاء هم أهل بدر، الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر اطلاعة، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم" تفسير : .. وهذا يكفي.. ولقد بقيت العصبة المسلمة تود أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها: {وإذ يعدكم الله إحد الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم}.. هذا ما أرادته العصبة المسلمة لأنفسها يومذاك. أما ما أراده الله لهم، وبهم، فكان أمراً آخر: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون}.. لقد أراد الله - وله الفضل والمنة - أن تكون ملحمة لا غنيمة؛ وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر الكافرين، فيقتل منهم من يقتل، ويؤسر منهم من يؤسر، وتذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكن الله للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت، وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف - تعالى الله عن الجزاف - وبالجهد والجهاد، وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال. نعم. أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح أمة؛ وأن تصبح دولة؛ وأن يصبح لها قوة وسلطان.. وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها. فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد... إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد. وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية، لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي. ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله؛ ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة؛ ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد.. وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان. وينظر الناظر اليوم، وبعد اليوم، ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها. بين ما حسبته خيراً لها وما قدره الله لها من الخير.. ينظر فيرى الآماد المتطاولة؛ ويعلم كم يخطئ الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أن يختاروا لأنفسهم خيراً مما يختاره الله لهم؛ وحين يتضررون مما يريده الله لهم مما قد يعرضهم لبعض الخطر أو يصيبهم بشيء من الأذى. بينما يكمن وراءه الخير الذي لا يخطر لهم ببال، ولا بخيال! فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها مما أراده الله لها؟ لقد كانت تمضي - لو كانت لهم غير ذات الشوكة - قصة غنيمة. قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها! فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة. قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل. قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد؛ والحق في قلة من العدد، وضعف في الزاد والراحلة. قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي. بل قصة انتصار حفنة من القلوب من بينها الكارهون للقتال! ولكنها ببقيتها الثابتة المستعلية على الواقع المادي، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها، قد انتصرت على نفسها، وانتصرت على من فيها، وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحاناً ظاهراً في جانب الباطل؛ فقلبت بيقينها ميزان الظاهر؛ فإذا الحق راجح غالب. ألا إن غزوة بدر - بملابساتها هذه - لتمضي مثلاً في التاريخ البشري. ألا وإنها لتقرر دستور النصر والهزيمة؛ وتكشف عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة.. الأسباب الحقيقية لا الأسباب الظاهرة المادية.. ألا وإنها لكتاب مفتوح تقرؤه الأجيال في كل زمان وفي كل مكان، لا تتبدل دلالتها ولا تتغير طبيعتها. فهي آية من آيات الله، وسنة من سننه الجارية في خلقه، ما دامت السماوات والأرض.. ألا وإن العصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة النشأة الإسلامية في الأرض - بعد ماغلبت عليها الجاهلية - لجديرة بأن تقف طويلاً أمام (بدر) وقيمها الحاسمة التي تقررها؛ والأبعاد الهائلة التي تكشفها بين ما يريده الناس لأنفسهم وما يريده الله لهم: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم. ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين. ليحق الحق ويبطل الباطل، ولو كره المجرمون}.. إن العصبة المسلمة التي تحاول اليوم إعادة نشأة هذا الدين في دنيا الناس وفي عالم الواقع، قد لا تكون اليوم من الناحية الحركية في المرحلة التي كانت فيها العصبة المسلمة الأولى يوم بدر. ولكن الموازين والقيم والتوجيهات العامة لبدر وملابساتها ونتائجها والتعقيبات القرآنية عليها ما تزال تواجه وتوجه موقف العصبة المسلمة في كل مرحلة من مراحل الحركة، ذلك أنها موازين وقيم وتوجيهات كلية ودائمة ما دامت السماوات والأرض، وما كانت عصبة مسلمة في هذه الأرض، تجاهد في وجه الجاهلية لإعادة النشأة الإسلامية.. ثم يمضي السياق في استحضار جو المعركة وملابساتها ومواقفها، حيث يتجلى كيف كانت حالهم، وكيف دبر الله لهم، وكيف كان النصر كله وليد تدبير الله أصلاً... والتعبير القرآني الفريد يعيد تمثيل الموقف بمشاهدة وحوادثه وانفعالاته وخفقاته، ليعيشوه مرة أخرى، ولكن في ضوء التوجيه القرآني، فيروا أبعاده الحقيقية التي تتجاوز بدراً، والجزيرة العربية، والأرض كلها؛ وتمتد عبر السماوات وتتناول الملأ الأعلى؛ كما أَنها تتجاوز يوم بدر، وتاريخ الجزيرة العربية، وتاريخ البشرية في الأرض، وتمتد وراء الحياة الدنيا، حيث الحساب الختامي في الآخرة والجزاء الأوفى، وحيث تشعر العصبة المسلمة بقيمتها في ميزان الله، وقيمة أقدارها وأعمالها وحركتها بهذا الدين ومقامها الأعلى: {إذ تستغيثون ربكم، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم. إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام. إذ يوحي ربك إلى الملائكة أَنِّي معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان. ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب. ذلكم فذوقوه، وأن للكافرين عذاب النار}.. إنها المعركة كلها تدار بأمر الله ومشيئته، وتدبيره وقدره؛ وتسير بجند الله وتوجيهه.. وهي شاخصة بحركاتها وخطراتها من خلال العبارة القرآنية المصورة المتحركة المحيية للمشهد الذي كان، كأنه يكون الآن! فأما قصة الاستغاثة فقد روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة. فاستقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال:"حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبداً"تفسير : قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فردّاه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.. وتروى روايات كثيرة مفصلة عن الملائكة في يوم بدر: عددهم. وطريقة مشاركتهم في المعركة. وما كانوا يقولونه للمؤمنين مثبتين وما كانوا يقولونه للمشركين مخذلين.. ونحن - على طريقتنا في الظلال- نكتفي في مثل هذا الشأن من عوالم الغيب بما يرد في النصوص المستيقنة من قرآن أو سنة. والنصوص القرآنية هنا فيها الكفاية: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أَنِّي ممدكم بألف من الملائكة مردفين}.. فهذا عددهم.. {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}.. فهذا عملهم.. ولا حاجة إلى التفصيل وراء هذا فإن فيه الكفاية.. وبحسبنا أن نعلم أن الله لم يترك العصبة المسلمة وحدها في ذلك اليوم، وهي قلة والأعداء كثرة. وأن أمر هذه العصبة وأمر هذا الدين قد شارك فيها الملأ الأعلى مشاركة فعلية على النحو الذي يصفه الله - سبحانه - في كلماته.. قال البخاري: باب شهود الملائكة بدرا: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال:"حديث : من أفضل المسلمين" تفسير : - أو كلمة نحوها - قال:"حديث : وكذلك من شهد بدراً من الملائكة"تفسير : ... (انفرد بإخراجه البخاري)... {إذ تستغيثون ربكم، فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين. وما جعله الله إلا بشرى، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، إن الله عزيز حكيم}.. لقد استجاب لهم ربهم وهم يستغيثون، وأنبأهم أنه ممدهم بألف من الملائكة مردفين.. ومع عظمة هذا الأمر ودلالته على قيمة هذه العصبة وقيمة هذا الدين في ميزان الله؛ إلا أن الله سبحانه لا يدع المسلمين يفهمون أن هناك سبباً ينشئ نتيجة، إنما يرد الأمر كله إليه - سبحانه - تصحيحاً لعقيدة المسلم وتصوره. فهذه الاستجابة، وهذا المدد، وهذا الإخبار به... كل ذلك لم يكن إلا بشرى، ولتطمئن به القلوب. أما النصر فلم يكن إلا من عند الله ولا يكون.. هذه هي الحقيقة الاعتقادية التي يقررها السياق القرآني هنا، حتى لا يتعلق قلب المسلم بسبب من الأسباب أصلاً.. لقد كان حسب المسلمين أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية؛ وأن يغالبوا الهزة الأولى التي أصابت بعضهم في مواجهة الخطر الواقعي، وأن يمضوا في طاعة أمر الله، واثقين بنصر الله.. كان حسبهم هذا لينتهي دورهم ويجيء دور القدرة التي تصرفهم وتدبرهم.. وما عدا هذا فكان بشارة مطمئنة، وتثبيتاً للقلوب في مواجهة الخطر الواقعي.. وإنه لحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها وتثبت في المعركة. ثم يجيء النصر من عند الله وحده. حيث لا يملك النصر غيره. وهو "العزيز" القادر الغالب على أمره. وهو "الحكيم" الذي يحل كل أمر محله.. {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه، وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام}.. أما قصة النعاس الذي غشي المسلمين قبل المعركة فهي قصة حالة نفسية عجيبة، لا تكون إلا بأمر الله وقدره وتدبيره.. لقد فزع المسلمون وهم يرون أنفسهم قلة في مواجهة خطر لم يحسبوا حسابه ولم يتخذوا له عدته.. فإذا النعاس يغشاهم، ثم يصحون منه والسكينة تغمر نفوسهم؛ والطمأنينة تفيض على قلوبهم (وهكذا كان يوم أحد.. تكرر الفزع، وتكرر النعاس، وتكررت الطمأنينة).. ولقد كنت أمر على هذه الآيات، وأقرأ أخبار هذا النعاس، فأدركه كحادث وقع، يعلم الله سره، ويحكي لنا خبره.. ثم إذا بي أقع في شدة، وتمر عليّ لحظات من الضيق المكتوم، والتوجس القلق، في ساعة غروب.. ثم تدركني سنة من النوم لا تتعدى بضع دقائق.. وأصحوا إنساناً جديداً غير الذي كان.. ساكن النفس. مطمئن القلب. مستغرقاً في الطمأنينة الواثقة العميقة.. كيف تم هذا؟ كيف وقع هذا التحول المفاجئ؟ لست أدري! ولكني بعدها أدرك قصة بدر وأُحد. أدركها في هذه المرة بكياني كله لا بعقلي. وأستشعرها حية في حسي لا مجرد تصور. وأرى فيها يد الله وهي تعمل عملها الخفي المباشر.. ويطمئن قلبي.. لقد كانت هذه الغشية، وهذه الطمأنينة، مدداً من أمداد الله للعصبة المسلمة يوم بدر: {إذ يغشيكم الناس أمنة منه}.. ولفظ {يغشيكم} ولفظ {النعاس} ولفظ {أمنة}.. كلها تشترك في إلقاء ظل لطيف شفيف؛ وترسم الظل العام للمشهد، وتصور حال المؤمنين يومذاك، وتجلي قيمة هذه اللحظة النفسية الفاصلة بين حال للمسلمين وحال. وأما قصة الماء: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الأقدام}.. فهي قصة مدد آخر من أمداد الله للعصبة المسلمة، قبيل المعركة. قال علي بن طلحة، عن ابن عباس قال: نزل النبي - صلى الله عليه وسلم - حين سار إلى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة وعصة، وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم: تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة".. ولقد كان ذلك قبل أن ينفذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أشار به الحباب بن المنذر من النزول على ماء بدر، وتغوير ما وراءها من القلب. "والمعروف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صار إلى بدر نزل على أدنى ماء هناك أي أول ماء وجده - فتقدم إليه الحباب بن المنذر فقال: يا رسول الله، هذا المنزل الذي نزلته، منزل أنزلك الله إياه فليس لنا أن نجاوزه، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال:"حديث : بل منزل نزلته للحرب والمكيدة"تفسير : . فقال: يا رسول الله، ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم ونغور ما وراءه من القلب ونسقي الحياض فيكون لما ماء وليس لهم ماء. فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ففعل ذلك". ففي هذه الليلة - وقبل إنفاذ مشورة الحباب بن المنذر - كانت هذه الحالة التي يذكر الله بها العصبة التي شهدت بدراً.. والمدد على هذا النحو مدد مزدوج: مادي وروحي. فالماء في الصحراء مادة الحياة، فضلاً على أن يكون أداة النصر. والجيش الذي يفقد الماء في الصحراء يفقد أعصابه قبل أن يواجه المعركة. ثم هذه الحالة النفسية التي صاحبت الموقف ووسوس بها الشيطان! حالة التحرج من أداء الصلاة على غير طهر لعدم وجود الماء (ولم يكن قد رخص لهم بعد في التيمم، فقد جاء هذا متأخراً في غزوة بن المصطلق في السنة الخامسة). وهنا تثور الهواجس والوساوس، ويدخل الشيطان من باب الإيمان ليزيد حرج النفوس ووجل القلوب! والنفوس التي تدخل المعركة في مثل هذا الحرج وفي مثل هذا القلق تدخلها مزعزعة مهزومة من داخلها.. وهنا يجيء المدد وتجيء النجدة.. {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم، ويثبت به الأقدام}.. ويتم المدد الروحي بالمدد المادي؛ وتسكن القلوب بوجود الماء، وتطمئن الأرواح بالطهارة؛ وتثبت الأقدام بثبات الأَرض وتماسك الرمال. ذلك إلى ما أوحى الله به إلى الملائكة من تثبيت الذين آمنوا؛ وإلى ما وعد به من إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا؛ وإلى ما أمر به الملائكة من الاشتراك الفعلي في المعركة: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم، فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق، واضروا منهم كل بنان}.. إنه الأمر الهائل.. إنها معية الله سبحانه للملائكة في المعركة؛ واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة.. هذا هو الأمر الذي لا يجوز أن يشغلنا عنه أن نبحث: كيف اشتركت الملائكة؟ ولا كم قتيلاً قتلت؟ ولا كيف قتلت؟... إن الحقيقة الكبيرة الهائلة في الموقف هي تلك الحقيقة.. إن حركة العصبة المسلمة في الأرض بهذا الدين أمر هائل عظيم.. أمر يستحق معية الله لملائكته في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة! إننا نؤمن بوجود خلق من خلق الله اسمهم الملائكة؛ ولكنا لا ندرك من طبيعتهم إلا ما أخبرنا به خالقهم عنهم. فلا نملك من إدراك الكيفية التي اشتركوا بها في نصر المسلمين يوم بدر إلا بمقدار ما يقرره النص القرآني.. وقد أوحي إليهم ربهم: أني معكم. وأمرهم أن يثبتوا الذين آمنوا، ففعلوا - لأنهم يفعلون ما يؤمرون - ولكننا لا ندري كيف فعلوا. وأمرهم أن يضربوا فوق أعناق المشركين وأن يضربوا منهم كل بنان. ففعلوا كذلك بكيفية لا نعلمها، فهذا فرع عن طبيعة إدراكنا نحن لطبيعة الملائكة، ونحن لا نعلم عنها إلا ما علمنا الله.. ولقد وعد الله سبحانه أن يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا. فكان ذلك، ووعده الحق، ولكنا كذلك لا نعلم كيف كان. فالله هو الذي خلق، وهو أعلم بمن خلق، وهو يحول بين المرء وقلبه؛ وهو أقرب إليه من حبل الوريد.. إن البحث التفصيلي في كيفيات هذه الأفعال كلها ليس من الجد الذي هو طابع هذه العقيدة. وطابع الحركة الواقعية بهذه العقيدة.. ولكن هذه المباحث صارت من مباحث الفرق الإسلامية ومباحث علم الكلام في العصور المتأخرة، عندما فرغ الناس من الاهتمامات الإيجابية في هذا الدين، وتسلط الترف العقلي على النفوس والعقول.. وإن وقفة أمام الدلالة الهائلة لمعية الله سبحانه للملائكة في المعركة، واشتراك الملائكة فيها مع العصبة المسلمة، لهي أنفع وأجدى.. وفي نهاية هذا الاستعراض، وفي أعقاب المشهد الهائل الذي تتجلى فيه تلك الحقيقة الهائلة، يجيء التقرير الموضح لما وراء المعركة كلها. ووراء النصر فيها والهزيمة، من قاعدة ودستور لمجرى هذه الأمور: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله. ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}.. إنها ليست فلته عارضة، ولا مصادفة عابرة، أن ينصر الله العصبة المسلمة، وأن يسلط على أعدائها الرعب والملائكة مع العصبة المسلمة.. إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، فاتخذوا لهم شقاً غير شق الله ورسوله، وصفا غير صف الله ورسوله. ووقفوا موقف الخلف والمشاقة هذا يصدون عن سبيل الله، ويحولون دون منهج الله للحياة. {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}.. ينزل عقابه الشديد على الذين يشاقونه ويشاقون رسوله. وهو قادر على عقابهم وهم أضعف من أن يقفوا لعقابه.. قاعدة وسنة. لا فلتة ولا مصادفة. قاعدة وسنة أنه حيثما انطلقت العصبة المسلمة في الأرض لتقريرألوهية الله وحده، وإقامة منهج الله وحده، ثم وقف منها عدوّ لها موقف المشاقة لله ورسوله، كان التثبيت والنصر للعصبة المسلمة، وكان الرعب والهزيمة للذين يشاقون الله ورسوله. ما استقامت العصبة المسلمة على الطريق، واطمأنت إلى ربها، وتوكلت عليه وحده، وهي تقطع الطريق. وفي نهاية المشهد يتوجه بالخطاب إلى أولئك الذين شاقوا الله ورسوله.. إن هذا الذي حل بكم في الدنيا من العرب والهزيمة ليس نهاية المطاف. فأمر هذا الدين والحركة به والوقوف في طريقه، ليس أمر هذه الأرض وحدها، ولا أمر هذه الحياة الدنيا بمفردها.. إنه أمر ممتد إلى ما وراء هذه الأرض، وإلى ما بعد هذه الحياة.. إن أبعاده تمتد وراء هذه الآماد القريبة: {ذلكم فذوقوه، وأن للكافرين عذاب النار}.. فهذه نهاية المطاف. وهذا هو العذاب الذي لا يقاس إليه ما ذقتم من الرعب والهزيمة ومن الضرب فوق الأعناق ومن ضرب كل بنان! والآن.. وقد أعاد عليهم مشاهد الوقعة وملابساتها، وأراهم يد الله فيها وتدبيره، وعونه ومدده، وعلموا منها أنهم لم يكونوا فيها سوى ستار لقدر الله وقدرته.. الله هو الذي أخرج رسوله من بيته بالحق - لم يخرجه بطراً ولا اعتداء ولا طغياناً - والله هو الذي اختار لهم إحدى الطائفتين لأمر يريده، من قطع دابر الكافرين {ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}.. والله هو الذي أمدهم بألف من الملائكة مردفين.. والله هو الذي غشاهم النعاس أمنة منه، ونزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به، ويذهب عنهم رجز الشيطان، وليربط على قلوبهم ويثبت به الأقدام.. والله هو الذي أوحى إلى الملائكة ليثبتوا الذين آمنوا، وألقى في قلوب الذين كفروا الرعب.. والله هو الذي أشرك الملائكة في المعركة وأمرهم أن يضربوا فوق الأعناق وأن يضربوا من المشركين كل بنان.. والله هو الذي غنمهم الغنيمة ورزقهم من فضله بعد أن خرجوا بلا مال ولا ظهر ولا عتاد.. الآن.. وقد استعرض السياق القرآني هذا كله، فأعاده حاضراً في قلوبهم، شاخصاً لأبصارهم. وهو يتضمن صورة من النصر الحاسم الذي لا يستند إلى تدبير بشري، ولا إلى قوة العدد ولا قوة العدة؛ إنما يستند إلى تدبير الله وتقديره وعونه ومدده؛ كما يستند إلى التوكل على الله وحده، والالتجاء إليه، والاستغاثة به، والسير مع تدبيره وتقديره.. الآن.. وهذا المشهد حاضر في القلوب شاخص للأبصار... الآن.. وفي أنسب اللحظات لاستجابة القلوب للتوجيه.. الآن يجيء الأمر للذين آمنوا - بصفتهم هذه - أن يثبتوا إذا لقوا الذين كفروا؛ وألا يولوهم الأدبار من الهزيمة والفرار؛ ما دام أن النصر والهزيمة موكولان إلى إرادة فوق إرادة الناس؛ وإلى أسباب غير الأسباب الظاهرة التي يراها الناس؛ وما دام أن الله هو الذي يدبر أمر المعركة - كما يدبر الأمر كله - وهو الذي يقتل الكفار بأيدي المؤمنين؛ وهو الذي ينجح الرمية حين ترمى - وإنما المؤمنون ستار للقدرة يريد الله أن يجعل لهم ثواب الجهاد والبلاء فيه - وهو الذي يلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ويوهن تدبيرهم ويذيقهم العذاب في الدنيا والآخرة لأنهم شاقوا الله ورسوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة - فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير. فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى، وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً، إن الله سميع عليم. ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين}.. ويبدو في التعبير القرآني شدة في التحذير؛ وتغليظ في العقوبة؛ وتهديد بغضب من الله ومأوى في النار: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار. ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة - فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير}.. والمعنى: يا أيها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفراو {زحفاً} أي متدانين متقاربين متواجهين؛ فلا تفروا عنهم، إلا أن يكون ذلك مكيدة حرب، حيث تختارون موقعاً أحسن، أو تدبرون خطة أحكم؛ أو أن يكون ذلك انضماماً إلى فئة أخرى من المسلمين، أو إلى قواعد المسلمين، لتعاودوا القتال.. وأن من تولى، وأعطى العدو دبره يوم الزحف فقد استحق ذلك العقاب: غضباً من الله ومأوى في جهنم.. وقد وردت بعض الأقوال في اعتبار هذا الحكم خاصاً بأهل بدر، أو بالقتال الذي يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاضره. ولكن الجمهور على أنها عامة، وأن التولي يوم الزحف كبيرة من السبع الموبقات. كما روى البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"حديث : اجتنبوا السبع الموبقات قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات "... تفسير : وقد أورد الجصاص في "أحكام القرآن" تفصيلا لا بأس من الإلمام به قال: "قال الله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} روى أبو نضرة عن أبي سعيد أن ذلك إنما كان يوم بدر. قال أبو نضرة لأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ مسلم غيرهم.. وهذا الذي قاله أبو نضرة ليس بسديد، لأنه قد كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار، ولم يأمرهم النبي عليه السلام بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن خف معه. فقول أبي نضرة إنه لم يكن هناك مسلم غيرهم وإنهم لو انحازوا، انحازوا إلى المشركين، غلط لما وصفنا.. وقد قيل: إنه لم يكن جائزاً لهم الانحياز يومئذ لأنهم كانوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن الانحياز جائزاً لهم عنه، قال الله تعالى:{أية : ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه}تفسير : : فلم يكن يجوز لهم أن يخذلوا نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وينصرفوا عنه ويسلموه، وإن كان الله قد تكفل بنصره وعصمه من الناس، كما قال الله تعالى:{أية : والله يعصمك من الناس}تفسير : وكان ذلك فرضا عليهم، قلت أعداؤهم أو كثروا، وأيضاً فإن النبي - - صلى الله عليه وسلم - كان فئة المسلمين يومئذ، ومن كان بمنحاز عن القتال فإنما كان يجوز له الانحياز على شرط أن يكون انحيازه إلى فئة، وكان النبي - صلىالله عليه وسلم - فئتهم يومئذ، ولم تكن فئة غيره. قال ابن عمر: كنت في جيش، فحاص الناس حيصة واحدة ورجعنا إلى المدينة. فقلنا: نحن الفرارون. فقال النبي عليه السلام:"حديث : أنا فئتكم"تفسير : . فمن كان بالبعد من النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا انحاز عن الكفار فإنما كان يجوز له الانحياز إلى فئة النبي - صلى الله عليه وسلم - وإذا كان معهم في القتال لم يكن هناك فئة غيره ينحازون إليه، فلم يكن يجوز لهم الفرار. وقال الحسن في قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره} قال: شددت على أهل بدر. وقال الله تعالى:{أية : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا}تفسير : وذلك لأنهم فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك يوم حنين فروا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعاقبهم الله على ذلك في قوله تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم، فلم تغن عنكم شيئاً، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت، ثم وليتم مدبرين}.. فهذا كان حكمهم إذا كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قل العدو أو كثر، إذا لم يجد الله فيه شيئاً. وقال الله تعالى في آية أخرى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا} وهذا - والله أعلم - في الحال التي لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاضرا معهم، فكان على العشرين أن يقاتلوا المائتين لا يهربوا عنهم، فإذا كان عدد العدو أكثر من ذلك أباح لهم التحيز إلى فئة من المسلمين فيهم نصرة لمعاودة القتال، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:{أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله}تفسير : فروي عن ابن عباس أنه قال: كتب عليكم ألا يفر واحد من عشرة: ثم قلت:{أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا}تفسير : الآية. فكتب عليكم ألا يفر مئة من مئتين. وقال ابن عباس: إن فر رجل من رجلين فقد فر، وإن فر من ثلاثة فلم يفر - قال الشيخ يعني بقوله: فقد فر: الفرار من الزحف المراد بالآية، والذي في الآية إيجاب فرض القتال على الواحد لرجلين من الكفار، فإن زاد عدد الكفار على اثنين فجائز حينئذ للواحد التحيز إلى فئة من المسلمين فيها نصرة، فأما إن أراد الفرار ليلحق بقوم من المسلمين لا نصرة معهم فهو من أهل الوعيد المذكور في قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "حديث : أنا فئة كل مسلم"تفسير : . وقال عمر بن الخطاب لما بلغه أن أبا عبيد بن مسعود استقتل يوم الجيش حتى قتل ولم ينهزم: "رحم الله أبا عبيد! لو انحاز إليّ لكنت له فئة". فلما رجع إليه أصحاب أبي عبيد قال: "أنا فئة لكم" ولم يعنفهم.. وهذا الحكم عندنا (يعني عند الحنفية) ثابت، ما لم يبلغ عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا لا يجوز لهم أن ينهزموا عن مثليهم إلا متحرفين لقتال، وهو أن يصيروا من موضع إلى غيره مكايدين لعدوهم، ونحو ذلك، مما لا يكون فيه انصراف عن الحرب، أو متحيزين إلى فئة من المسلمين يقاتلونهم معهم. فإذا بلغوا اثني عشر ألفاً فإن محمد بن الحسن ذكر أن الجيش إذا بلغوا كذلك فليس لهم أن يفروا من عدوهم، وإن كثر عددهم، ولم يذكر خلافا بين أصحابنا فيه (يعني الحنفية) واحتج بحديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، أن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : خير الأصحاب أربعة. وخير السرايا أربع مائة. وخير الجيوش أربعة آلاف. ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة ولن يغلبوا"تفسير : وفي بعضها: "حديث : ما غلب قوم يبلغون اثني عشر ألفا إذا اجتمعت كلمتهم"تفسير : . وذكر الطحاوي أن مالكاً سئل، فقيل له: أيسعنا التخلف عن قتال من خرج عن أحكام الله وحكم بغيرها؟ فقال مالك: إن كان معك اثنا عشر ألفا مثلك لم يسعك التخلف، وإلا فأنت في سعة من التخلف.. وكان السائل له عبد الله بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر. وهذا المذهب موافق لما ذكر محمد بن الحسن. والذي روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في اثني عشر ألفا فهو أصل في هذا الباب، وإن كثر عدد المشركين فغير جائز لهم أن يفروا منهم وإن كانوا أضعافهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -"حديث : إذا اجتمعت كلمتهم"تفسير : . وقد أوجب عليهم بذلك جمع كلمتهم"... انتهى. كذلك أورد "ابن العربي" في "أحكام القرآن" تعقيبا على الخلاف في المقصود بهذا الحكم قال: "اختلف الناس: هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ "فروى ابن سعيد الخدري أن ذلك يوم بدر، لم يكن لهم فئة إلا رسول الله، وبه قال نافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن حبيب، والضحاك. "ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة؛ وإنما شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر. وليس به.وإنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف. "والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال، وانقضاء الحرب، وذهاب اليوم بما فيه. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما قدمناه في الحديث الصحيح أن الكبائر كذا.. وعدّ الفرار يوم الزحف. وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف، ويبين الحكم، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع باختصاصه بيوم بدر".. ونحن نأخذ بهذا الذي ذكره ابن العربي من رأي "ابن عباس وسائر العلماء".. ذلك أن التولي يوم الزحف على إطلاقه يستحق هذا التشديد لضخامة آثاره الحركية من ناحية؛ ولمساسه بأصل الاعتقاد من ناحية.. إن قلب المؤمن ينبغي أن يكون راسخا ثابتا لا تهزمه في الأرض قوة، وهو موصول بقوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده.. وإذا جاز أن تنال هذا القلب هزة - وهو يواجه الخطر - فإن هذه الهزة لا يجوز أن تبلغ أن تكون هزيمة وفرارا. والآجال بيد الله، فما يجوز أن يولي المؤمن خوفا على الحياة. وليس في هذا تكليف للنفس فوق طاقتها. فالمؤمن إنسان يواجه عدوه إنسانا، فهما من هذه الناحية يقفان على أرض واحدة. ثم يمتاز المؤمن بأنه موصول بالقوة الكبرى التي لا غالب لها. ثم إنه إلى الله إن كان حياً، وإلى الله إن كتبت له الشهادة. فهو في كل حالة أقوى من خصمه الذي يواجهه وهو يشاق الله ورسوله.. ومن ثم هذا الحكم القاطع: {ومن يولهم يومئذ دبره - إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة - فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير}.. ولا بد أن نقف هنا عند التعبير ذاته، وما فيه من إيماءات عجيبة: {فلا تولوهم الأدبار}.. {ومن يولهم يومئذ دبره}.. فهو تعبير عن الهزيمة في صورتها الحسية، مع التقبيح والتشنيع، والتعريض بإعطاء الأدبار للأعداء!.. ثم: {فقد باء بغضب من الله}.. فالمهزوم مولٍّ ومعه {غضب من الله} يذهب به إلى مأواه: {ومأواه جهنم وبئس المصير}.. وهكذا تشترك ظلال التعبير مع دلالته في رسم الجو العام؛ وتثير في الوجدان شعور الاستقباح والاستنكار للتولي يوم الزحف والفرار. ثم يمضي السياق بعد هذا التحذير من التولي يوم الزحف؛ ليكشف لهم عن يد الله وهي تدير المعركة من ورائهم؛ وتقتل لهم أعداءهم، وترمي لهم وتصيب... وهم ينالون أجر البلاء لأن الله يريد أن يتفضل عليهم بحسن البلاء، ليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه: {فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، وما رميت - إذ رميت - ولكن الله رمى. وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا. إن الله سميع عليم}.. وتذهب الروايات المأثورة إلى تفسير الرمي هنا بأنه رمية الحصى التي حثاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجوه الكفار، وهو يقول:"حديث : شاهت الوجوه. شاهت الوجوه"تفسير : فأصابت وجوه المشركين ممن كتب عليهم القتل في علم الله.. ولكن دلالة الآية أعم. فهي تمثل تدبير الله للأمر كله من وراء الحركة الظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم والعصبة المسلمة معه. ولذلك تلاها قول الله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا}.. أي ليرزقهم من عنده أن يبلوا البلاء الحسن الذي ينالون عليه الأجر، بعد أن يكتب لهم به النصر. فهو الفضل المضاعف أولا وأخيرا. {إن الله سميع عليم}.. يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم؛ ويجعلكم ستارا لقدرته، متى علم منكم الخلوص له؛ ويعطيكم النصر والأجر.. كما أعطاكم هذا وذاك في بدر.. {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين}.. وهذه أخرى بعد تلك الأولى! إن التدبير لا ينتهي عند أن يقتل لكم أعداءكم بأيديكم، ويصيبهم برمية رسولكم، ويمنحكم حسن البلاء ليأجركم عليه.. إنما هو يضيف إليه توهين كيد الكافرين، وإضعاف تدبيرهم وتقديرهم.. فلا مجال إذن للخوف، ولا مجال إذن للهزيمة، ولا مجال إذن لأن يولي المؤمنون الأدبار عند لقاء الكفار.. ويتصل السياق هنا بكل ملابسات المعركة.. فإذا كان الله هو الذي قتل المشركين، وهو الذي رماهم، وهو الذي أبلى المؤمنين فيها ذلك البلاء الحسن، وهو الذين أوهن كيد الكافرين.. فما النزاع والاختلاف في الأنفال، والمعركة كلها أديرت بتدبير الله وبتقديره، وليس لهم فيها إلا أن كانوا ستارا لهذا التدبير والتقدير؟! وعندما يصل السياق إلى تقرير.. أن الله موهن كيد الكافرين.. يتجه بالخطاب إلى الكافرين، أولئك الذين استفتحوا قبيل المعركة، فدعوا الله أن يجعل الدائرة على أضل الفريقين وآتاهما بما لا يُعرف وأقطعهما للرحم - كما كان دعاء أبي جهل وهو استفتاحه: أي طلبه الفتح من الله والفصل - فدارت الدائرة على المشركين!.. يتوجه إليهم بالخطاب، ساخرا من استفتاحهم ذاك؛ مؤكدا لهم أن ما حدث في بدر إنما هو نموذج من السنة الجارية وليس فلتة عارضة؛ وأن جموعهم وكثرتهم لن تغير من الأمر شيئا؛ لأنها السنة الجارية: أن يكون الله مع المؤمنين: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح. وإن تنتهوا فهو خير لكم. وإن تعودوا نعد، ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت. وأن الله مع المؤمنين}.. إن تستفتحوا فتطلبوا من الله أن يفتح بينكم وبين المسلمين، وأن يهلك أضل الفريقين وأقطعهما للرحم.. فقد استجاب الله، فجعل الدائرة عليكم، تصديقا لاستفتاحكم! لقد دارت الدائرة على أضل الفريقين وأقطعهما للرحم! ولقد علمتم - إن كنتم تريدون أن تعلموا - من هم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم! وعلى ضوء هذه الحقيقة، وفي ظل هذا الإيحاء، يرغبهم في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر والحرب للمسلمين، والمشاقة لله ورسوله: {وإن تنتهوا فهو خير لكم}.. ومع الترغيب الترهيب: {وإن تعودوا نعد}.. والعاقبة معروفة، لا يغيرها تجمع، ولا تبدلها كثرة. {ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت}.. وماذا تفعل الكثرة إذا كان الله في جانب المؤمنين؟ {وأَن الله مع المؤمنين} إن المعركة على هذا النحو لن تكون متكافئة أبداً؛ لأن المؤمنين - ومعهم الله - سيكونون في صف؛ والكفار - وليس معهم إلا ناس من البشر من أمثالهم - سيكونون في الصف الآخر. والمعركة على هذا النحو مقررة المصير! ولقد كان مشركو العرب يعرفون هذه الحقيقة. فإن معرفتهم بالله سبحانه لم تكن قليلة ولا سطحية ولا غامضة؛ كما يتصور الناس اليوم من خلال تأثرهم ببعض التعميمات التاريخية. ولم يكن شرك العرب متمثلا في إنكار الله - سبحانه - ولا في عدم معرفتهم الحقيقة.. إنما كان يتمثل، أكثر ما يتمثل، في عدم إخلاصهم العبودية له؛ وذلك بتلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غيره؛ وهو ما لم يكن متفقاً مع إقرارهم بألوهية الله ومعرفتهم لحقيقته... ولقد مر بنا في استعراض أحداث الموقعة من كتب السيرة: أن خفاف بن أيماء بن رحضة الغفاري - أو أبوه أيماء بن رحضة الغفاري - بعث إلى قريش، حين مروا به، ابنا له بجزائر أهداها لهم؛ وقال لهم: إن أحببتم أن نمدكم بسلاح ورجال فعلنا. قال: فأرسلوا إليه مع ابنه: أن وصلتك رحم! قد قضيت الذي عليك. فلعمري لئن كنا إنما نقاتل الناس فما بنا من ضعف عنهم. ولئن كنا إنما نقاتل الله - كما يزعم محمد - فما لأحد بالله من طاقة. كذلك مر بنا قول الأخنس بن شريق لبني زهرة - وهو مشرك وهم مشركون -: يا بني زهرة قد نجى الله لكم أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرقة بن نوفل... إلخ. ومثله استفتاح أبي جهل نفسه - فرعون هذه الأمة كما قال عنه صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة".. وكذلك قوله لحكيم بن حزام وقد جاءه رسولا من عتبة بن ربيعة ليرجع عن القتال: "كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد"! فهكذا كان تصورهم للحقيقة الإلهية، واستحضارهم لها في كل مناسبة. ولم يكن أمرهم أنهم لا يعرفون الله؛ أو لا يعرفون أنه ما لأحد بالله من طاقة، أو لا يعرفون أنه هو الذي يحكم ويفصل بين الجبهتين حيث لا راد لحكمه! إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداء في تلقي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، الذي يعرفونه ويعترفون به على هذا النحو.. الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوام يظنون أنهم مسلمون - على دين محمد - كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين أبيهم إبراهيم! حتى لكان أبو جهل - وهو أبو جهل - يستفتح على الله فيقول: "اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف - وفي رواية: اللهم أضل الفريقين وأقطعهما للرحم - فأحنه الغداة"! فأما تلك الأصنام التي عرف أنهم يعبدونها، فما كان ذلك قط لاعتقادهم بألوهية لها كألوهية الله - سبحانه - ولقد صرح القرآن الكريم بحقيقة تصورهم الاعتقادي فيها وبسبب تقديمهم الشعائر لها في قوله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}.. فهذا كان مبلغ تصورهم لها.. مجرد شفعاء عند الله.. وما كان شركهم الحقيقي من هذه الجهة؛ ولا كان إسلام من أسلم منهم متمثلا في مجرد التخلي عن الاستشفاع بهذه الأصنام. وإلا فإن الحنفاء، الذين اعتزلوا عبادة الأصنام هذه وقدموا الشعائر لله وحده ما اعتبروا مسلمين! إنما تمثل الإسلام في الاعتقاد والشعائر وإفراد الله سبحانه بالحاكمية. والذين لا يفردون الله سبحانه بالحاكمية - في أي زمان وفي أي مكان - هم مشركون. لا يخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله - مجرد اعتقاد - ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده.. فإلى هنا يكونون كالحنفاء الذين لم يعتبرهم أحد مسلمين - إنما يعتبر الناس مسلمين حين يتمون حلقات السلسلة، أي حين يضمون إلى الاعتقاد والشعائر، إفراد الله سبحانه بالحاكمية، ورفضهم الاعتراف بشرعية حكم أو قانون أو وضع أو قيمة أو تقليد لم يصدر عن الله وحده.. وهذا وحده هو الإسلام، لأنه وحده مدلول شهادة: أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ كما عرف هذا المدلول في الاعتقاد الإسلامي وفي الواقع الإسلامي سواء!.. ثم أن يتجمع هؤلاء الذين يشهدون أن لا إله إلا الله على هذا النحو وبهذا المدلول في تجمع حركي بقيادة مسلمة وينسلخوا من التجمع الجاهلي وقيادته الجاهلية! وهذا ما ينبغي أن يتبينه الذين يريدون أن يكونوا "مسلمين" فلا تخدعهم عن حقيقة ما هم فيه خدعة أنهم مسلمون اعتقادا وتعبداً. فإن هذا وحده لا يجعل الناس "مسلمين" ما لم يتحقق لهم أنهم يفردون الله سبحانه بالحاكمية، ويرفضون حاكمية العبيد، ويخلعون ولاءهم للمجتمع الجاهلي ولقيادته الجاهلية. إن كثيرا من المخلصين الطيبين تخدعهم هذه الخدعة.. وهم يريدون لأنفسهم الإسلام ولكنهم يُخدعون عنه. فأولى لهم أن يستيقنوا صورة الإسلام الحقيقية.. والوحيدة.. وأن يعرفوا أن المشركين من العرب الذين يحملون اسم "المشركين" لم يكونوا يختلفون عنهم في شيء! فلقد كانوا يعرفون الله بحقيقته - كما تبين - ويقدمون له شفعاء من أصنامهم. وكان شركهم الأساسي يتمثل - لا في الاعتقاد - ولكن في الحاكمية! وإذا كان ينبغي للطيبين المخلصين الذي يريدون أن يكونوا مسلمين، أن يتبينوا هذه الحقيقة، فإن العصبة المسلمة التي تجاهد لإعادة نشأة هذا الدين في الأرض في عالم الواقع يجب أن تستيقن هذه الحقيقة بوضوح وعمق؛ ويجب ألا تتلجلج فيها أي تلجلج؛ ويجب أن تعرّف الناس بها تعريفا صريحا واضحا جازما.. فهذه هي نقطة البدء والانطلاق.. فإذا انحرفت الحركة عنها - منذ البدء - أدنى انحراف ضلت طريقها كله وبنيت على غير أساس؛ مهما توافر لها من الإخلاص بعد ذلك والصبر والتصميم على المضي في الطريق! ثم يعود السياق إلى الهتاف للذين آمنوا - في سلسلة متوالية من الهتافات الموحية - عقب ذكرهم: وذكر أن الله معهم.. يعود إليهم ليهتف بهم إلى طاعة الله ورسوله؛ ويحذرهم التولي عنه، والتشبه بأولئك الذين يسمعون آيات الله تتلى عليهم فكأنهم لم يسمعوها.. أولئك الصم البكم، وإن كانت لهم آذان تسمع الأصوات وألسنة تنطق بالكلمات.. أولئك الذين هم شر الدواب التي تدب على هذه الأرض؛ لأنهم لا يهتدون بما يسمعون: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله، ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون. ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا، وهم لا يسمعون. إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون. ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم. ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}. إن الهتاف هنا للذين آمنوا ليطيعوا الله ورسوله، ولا يتولوا عنه وهم يسمعون آياته وكلماته.. إن هذا الهتاف هنا إنما يجيء بعد جميع مقدماته الموحية.. يجيء بعد استعراض أحداث المعركة؛ وبعد رؤية يد الله فيها، وتدبيره وتقديره، وعونه ومدده؛ وبعد توكيد أن الله مع المؤمنين، وأن الله موهن كيد الكافرين. فما يبقى بعد ذلك كله مجال لغير السمع والطاعة لله والرسول. وإن التولي عن الرسول وأوامره بعد هذا كله ليبدو مستنكراً قبيحا لا يقدم عليه إنسان له قلب يتدبر وعقل يتفكر.. ومن هنا يجيء ذكر الدواب في موضعه المناسب! ولفظ "الدواب" يشمل الناس فيما يشمل، فهم يدبون على الأرض، ولكن استعماله يكثر في الدواب من الأنعام، فيلقي ظله بمجرد إطلاقه؛ ويخلع على {الصم البكم الذين لا يعقلون} صورة البهيمة في الحس والخيال! وإنهم لكذلك! إنهم لدواب بهذا الظل. بل هم شر الدواب! فالبهائم لها آذان ولكنها لا تسمع إلا كلمات مبهمة؛ ولها لسان ولكنها لا تنطق أصواتا مفهومة. إلا أن البهائم مهتدية بفطرتها فيما يتعلق بشؤون حياتها الضرورية. أما هؤلاء الدواب فهم موكولون إلى إدراكهم الذي لا ينتفعون به. فهم شر الدواب قطعا! {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون}.. {ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم}.. أي لأسمع قلوبهم وشرحها لما تسمعه آذانهم.. ولكنه - سبحانه- لم يعلم فيهم خيرا ولا رغبة في الهدى فقد أفسدوا استعداداتهم الفطرية للتلقي والاستجابة؛ فلم يفتح الله عليهم ما أغلقوا هم من قلوبهم، وما أفسدوا هم من فطرتهم. ولو جعلهم الله يدركون بعقولهم حقيقة ما يدعون إليه، ما فتحوا قلوبهم له ولا استجابوا لما فهموا.. {ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون}.. لأن العقل قد يدرك، ولكن القلب المطموس لا يستجيب. فحتى لو أسمعهم الله سماع الفهم لتولوا هم عن الاستجابة. والاستجابة هي السماع الصحيح. وكم من ناس تفهم عقولهم ولكن قلوبهم مطموسة لا تستجيب! ومرة أخرى يتكرر الهتاف للذين آمنوا. الهتاف بهم ليستجيبوا لله والرسول، مع الترغيب في الاستجابة والترهيب من الإعراض؛ والتذكير بنعمة الله عليهم حين استجابوا لله وللرسول: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. وأنه إليه تحشرون. واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب. واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون}.. إن رسو ل الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يدعوهم إلى ما يحييهم.. إنها دعوة إلى الحياة بكل صور الحياة، وبكل معاني الحياة.. إنه يدعوهم إلى عقيدة تحيي القلوب والعقول، وتطلقها من أوهاق الجهل والخرافة، ومن ضغط الوهم والأسطورة، ومن الخضوع المذل للأسباب الظاهرة والحتميات القاهرة، ومن العبودية لغير الله والمذلة للعبد أو للشهوات سواء.. ويدعوهم إلى شريعة من عند الله؛ تعلن تحرر "الإنسان" وتكريمه بصدورها عن الله وحده، ووقوف البشر كلهم صفا متساوين في مواجهتها؛ لا يتحكم فرد في شعب، ولا طبقة في أمة، ولا جنس في جنس، ولا قوم في قوم.. ولكنهم ينطلقون كلهم أحراراً متساوين في ظل شريعة صاحبها الله رب العباد. ويدعوهم إلى منهج للحياة، ومنهج للفكر، ومنهج للتصور؛ يطلقهم من كل قيد إلا ضوابط الفطرة، المتمثلة في الضوابط التي وضعها خالق الإنسان، العليم بما خلق؛ هذه الضوابط التي تصون الطاقة البانية من التبدد؛ ولا تكبت هذه الطاقة ولا تحطمها ولا تكفها عن النشاط الإيجابي البناء. ويدعوهم إلى القوة والعزة والاستعلاء بعقيدتهم ومنهجهم، والثقة بدينهم وبربهم، والانطلاق في "الأرض" كلها لتحرير "الإنسان" بجملته؛ وإخراجه من عبودية العباد إلى عبودية الله وحده؛ وتحقيق إنسانيته العليا التي وهبها له الله، فاستلبها منه الطغاة! ويدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، لتقرير ألوهية الله سبحانه - في الأرض وفي حياة الناس؛ وتحطيم ألوهية العبيد المدعاة؛ ومطاردة هؤلاء المعتدين على ألوهية الله - سبحانه - وحاكميته وسلطانه؛ حتى يفيئوا إلى حاكمية الله وحده؛ وعندئذ يكون الدين كله لله. حتى إذا أصابهم الموت في هذا الجهاد كان لهم في الشهادة حياة. ذلك مجمل ما يدعوهم إليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو دعوة إلى الحياة بكل معاني الحياة. إن هذا الدين منهج حياة كاملة، لا مجرد عقيدة مستسرة. منهج واقعي تنمو الحياة في ظله وتترقى. ومن ثم هو دعوة إلى الحياة في كل صورها وأشكالها. وفي كل مجالاتها ودلالاتها. والتعبير القرآني يجمل هذا كله في كلمات قليلة موحية: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.. استجيبوا له طائعين مختارين؛ وإن كان الله - سبحانه - قادراً على قهركم على الهدى لو أراد: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه}.. ويا لها من صورة رهيبة مخيفة للقدرة القاهرة اللطيفة.. {يحول بين المرء وقلبه} فيفصل بينه وبين قلبه؛ ويستحوذ على هذا القلب ويحتجزه، ويصرفه كيف شاء، ويقلبه كما يريد. وصاحبه لا يملك منه شيئاً وهو قلبه الذي بين جنبيه! إنها صورة رهيبة حقا؛ يتمثلها القلب في النص القرآن، ولكن التعبير البشري يعجز عن تصوير إيقاعها في هذا القلب، ووصف هذا الإيقاع في العصب والحس! إنها صورة تستوجب اليقظة الدائمة، والحذر الدائم، والاحتياط الدائم. اليقظة لخلجات القلب وخفقاته ولفتاته؛ والحذر من كل هاجسة فيه وكل ميل مخافة أن يكون انزلاقا والاحتياط الدائم للمزالق والهواتف والهواجس.. والتعلق الدائم بالله - سبحانه - مخافة أن يقلب هذا القلب في سهوة من سهواته، أو غفلة من غفلاته، أو دفعة من دفعاته.. ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رسول الله المعصوم يكثر من دعاء ربه:"حديث : اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"تفسير : .. فكيف بالناس، وهم غير مرسلين ولا معصومين؟! إنها صورة تهز القلب حقاً، ويجد لها المؤمن رجفة في كيانه حين يخلو إليها لحظات، ناظرا إلى قلبه الذي بين جنبيه، وهو في قبضة القاهر الجبار، وهو لا يملك منه شيئا، وإن كان يحمله بين جنبيه ويسير! صورة يعرضها على الذين آمنوا وهو يناديهم: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم}.. ليقول لهم: إن الله قادر على أن يقهركم على الهدى - لو كان يريد - وعلى الاستجابة التي يدعوكم إليها هذه الدعوة، ولكنه - سبحانه - يكرمكم؛ فيدعوكم لتستجيبواعن طواعية تنالون عليها الأجر؛ وعن إرادة تعلو بها إنسانيتكم وترتفع إلى مستوى الأمانة التي ناطها الله بهذا الخلق المسمى بالإنسان.. أمانة الهداية المختارة؛ وأمانة الخلافة الواعية، وأمانة الإرادة المتصرفة عن قصد ومعرفة. {وأنه إليه تحشرون}.. فقلوبكم بين يديه. وأنتم بعد ذلك محشورون إليه. فما لكم منه مفر. لا في دنيا ولا في آخرة. وهو مع هذا يدعوكم لتستجيبوا استجابة الحر المأجور، لا استجابة العبد المقهور. ثم يحذرهم القعود عن الجهاد، وعن تلبية دعوة الحياة، والتراخي في تغيير المنكر في أية صورة كان: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة، واعلموا أن الله شديد العقاب}.. والفتنة: الابتلاء أو البلاء.. والجماعة التي تسمح لفريق منها بالظلم في صورة من صوره - وأظلم الظلم نبذ شريعة الله ومنهجه للحياة - ولا تقف في وجه الظالمين؛ ولا تأخذ الطريق على المفسدين.. جماعة تستحق أن تؤخذ بجريرة الظالمين المفسدين.. فالإسلام منهج تكافلي إيجابي لا يسمح أن يقعد القاعدون عن الظلم والفساد والمنكر يشيع (فضلا على أن يروا دين الله لا يتبع؛ بل أن يروا ألوهية الله تنكر وتقوم ألوهية العبيد مقامها!) وهم ساكتون. ثم هم بعد ذلك يرجون أن يخرجهم الله من الفتنة لأنهم هم في ذاتهم صالحون طيبون! ولما كانت مقاومة الظلم تكلف الناس التكاليف في الأنفس والأموال؛ فقد عاد القرآن بذكر العصبة المسلمة - التي كانت تخاطب بهذا القرآن أول مرة - بما كان من ضعفها وقلة عددها. وبما كان من الأذى الذي ينالها، والخوف الذي يظللها.. وكيف آواها الله بدينه هذا وأعزها ورزقها رزقا طيبا.. فلا تقعد إذن عن الحياة التي يدعوها إليها رسول الله. ولا عن تكاليف هذه الحياة، التي أعزها بها الله، وأعطاها وحماها: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض، تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم، وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون}.. اذكروا هذا لتستيقنوا أن الرسول يدعوكم لما يحييكم؛ واذكروه كي لا تقعدوا عن مكافحة الظلم في كل صوره وأشكاله.. اذكروا أيام الضعف والخوف، قبل أن يوجهكم الله إلى قتال المشركين، وقبل أن يدعوكم الرسول إلى الطائفة ذات الشوكة وأنتم كارهون.. ثم انظروا كيف صرتم بعد الدعوة المحيية التي انقلبتم بها أعزاء منصورين مأجورين مرزوقين. يرزقكم الله من الطيبات ليؤهلكم لشكره فتؤجروا على شكركم لفضله! ويرسم التعبير مشهدا حيا للقلة والضعف والقلق والخوف: {تخافون أن يتخطفكم الناس}.. وهو مشهد التربص الوجِل، والترقب الفزع، حتى لتكاد العين تبصر بالسمات الخائفة، والحركات المفزَّعة، والعيون الزائغة.. والأيدي تمتد للتخطف؛ والقلة المسلمة في ارتقاب وتوجس! ومن هذا المشهد المفزع إلى الأمن والقوة والنصر والرزق الطيب والمتاع الكريم. في ظل الله الذي آواهم إلى حماه: {فآواكم، وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات}.. وفي ظل توجيه الله لهم ليشكروا فيؤجروا: {لعلكم تشكرون}.. فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة، ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية.. صوت الرسول الأمين الكريم.. ثم من ذا الذي لا يشكر الله على إيوائه ونصره وآلائه، وهذا المشهد وذلك معروضان عليه، ولكل منهما إيقاعه وإيحاؤه؟ على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا المشهد وذاك.. كانوا يذكرون بما يعرفون من حالهم في ماضيهم وحاضرهم.. ومن ثم كان لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق.. والعصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة إنشاء هذا الدين في واقع الأرض وفي حياة الناس؛ قد لا تكون قد مرت بالمرحلتين، ولا تذوقت المذاقين.. ولكن هذا القرآن يهتف لها بهذه الحقيقة كذلك. ولئن كانت اليوم إنما تعيش في قوله تعالى: {إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس}.. فأولى لها أن تستجيب لدعوة الحياة التي يدعوها إليها رسول الله؛ وأن تترقب في يقين وثقة، موعود الله للعصبة المسلمة، موعوده الذي حققه للعصبة الأولى، ووعد بتحقيقه لكل عصبة تستقيم على طريقه، وتصبر على تكاليفه.. وأن تنتظر قوله تعالى: {فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون}. وهي إنما تتعامل مع وعد الله الصادق - لا مع ظواهر الواقع الخادع - ووعد الله هو واقع العصبة المسلمة الذي يرجح كل واقع! ثم يتكرر الهتاف للذين آمنوا مرة أخرى.. إن الأموال والأولاد قد تُقعد الناس عن الاستجابة خوفا وبخلا. والحياة التي يدعو إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حياة كريمة، لا بد لها من تكاليف، ولا بد لها من تضحيات.. لذلك يعالج القرآن هذا الحرص بالتنبيه إلى فتنة الأموال والأولاد - فهي موضع ابتلاء واختبار وامتحان - وبالتحذير من الضعف عن اجتياز هذا الامتحان؛ ومن التخلف عن دعوة الجهاد؛ وعن تكاليف الأمانة والعهد والبيعة. واعتبار هذا التخلف خيانة لله والرسول، وخيانة للأمانات التي تضطلع بها الأمة المسلمة في الأرض، وهي إعلاء كلمة الله وتقرير ألوهيته وحده للعباد، والوصاية على البشرية بالحق والعدل.. ومع هذا التحذير التذكير بما عند الله من أجر عظيم يرجح الأموال والأولاد، التي قد تُقعد الناس عن التضحية والجهاد. {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون. واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم}.. إن التخلي عن تكاليف الأمة المسلمة في الأرض خيانة لله والرسول. فالقضية الأولى في هذا الدين هي قضية: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله".. قضية إفراد الله - سبحانه - بالألوهية؛ والأخذ في هذا بما بلغه محمد - صلى الله عليه وسلم - وحده.. والبشرية في تاريخها كله لم تكن تجحد الله البتة؛ ولكنها إنما كانت تشرك معه آلهة أخرى. أحيانا قليلة في الاعتقاد والعبادة. وأحيانا كثيرة في الحاكمية والسلطان - وهذا هو غالب الشرك ومعظمه - ومن ثم كانت القضية الأولى لهذا الدين ليست هي حمل الناس على الاعتقاد بألوهية الله. ولكن حملهم على إفراده - سبحانه - بالألوهية، وشهادة أن لا إله إلا الله، أي إفراده بالحاكمية في حياتهم الأرضية - كما أنهم مقرّون بحاكميته في نظام الكون - تحقيقا لقول الله تعالى:{أية : وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}تفسير : كذلك كانت هي حملهم على أن الرسول هو وحده المبلغ عن الله؛ ومن ثم الالتزام بكل ما يبلغهم إياه.. هذه هي قضية هذا الدين - اعتقادا لتقريره في الضمير، وحركة لتقريره في الحياة - ومن هنا كان التخلي عنها خيانة لله والرسول؛ يحذر الله منها العصبة المسلمة التي آمنت به وأعلنت هذا الإيمان؛ فأصبح متعينا عليها أن تجاهد لتحقيق مدلوله الواقعي؛ والنهوض بتكاليف هذا الجهاد في الأنفس والأموال والأولاد. كذلك يحذرها خيانة الأمانة التي حملتها يوم بايعت رسول الله - - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام. فالإسلام ليس كلمة تقال باللسان، وليس مجرد عبارات وأدعيات. إنما هو منهج حياة كاملة شاملة تعترضه العقبات والمشاق. إنه منهج لبناء واقع الحياة على قاعدة أن لا إله إلا الله؛ وذلك برد الناس إلى العبودية لربهم الحق؛ ورد المجتمع إلى حاكميته وشريعته، ورد الطغاة المعتدين على ألوهية الله وسلطانه من الطغيان والاعتداء؛ وتأمين الحق والعدل للناس جميعا؛ وإقامة القسط بينهم بالميزان الثابت؛ وتعمير الأرض والنهوض بتكاليف الخلافة فيها عن الله بمنهج الله.. وكلها أمانات من لم ينهض بها فقد خانها؛ وخاس بعهده الذي عاهد الله عليه، ونقض بيعته التي بايع بها رسوله. وكل أولئك في حاجة إلى التضحية والصبر والاحتمال؛ وإلى الاستعلاء على فتنة الأموال والأولاد، وإلى التطلع إلى ما عند الله من الأجر العظيم، المدخر لعباده الأمناء على أماناته، الصابرين المؤثرين المضحين: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة، وأن الله عنده أجر عظيم}.. إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك! وهو - سبحانه - يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة. ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها.. ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد.. لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها. فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء؛ ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرفه.. أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟:{أية : ونبلوكم بالشر والخير فتنة}تفسير : فالفتنة لا تكون بالشدة وبالحرمان وحدهما.. إنها كذلك تكون بالرخاء والعطاء أيضا! ومن الرخاء العطاء هذه الأموال والأولاد.. هذا هو التنبيه الأول: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة}.. فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار، كان ذلك عونا له على الحذر واليقظة والاحتياط؛ أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة. ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض.. فقد يضعف عن الأداء - بعد الانتباه - لثقل التضحية وضخامة التكليف؛ وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد! إنما يلّوح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوى: {وإن الله عنده أجر عظيم}.. إنه - سبحانه - هو الذي وهب الأموال والأولاد.. وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد.. وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه:{أية : وخلق الإنسان ضعيفاً }.. تفسير : إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصور، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف. منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق:{أية : ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟ }. تفسير : والهتاف الأخير للذين آمنوا - في هذا المقطع من السورة - هو الهتاف بالتقوى. فما تنهض القلوب بهذه الأعباء الثقال، إلا وهي على بينة من أمرها ونور يكشف الشبهات ويزيل الوساوس ويثبت الأقدام على الطريق الشائك الطويل.. وما يكون لها هذا الفرقان إلا بحساسية التقوى وإلا بنور الله: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا، ويكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم}.. هذا هو الزاد، وهذه هي عدة الطريق.. زاد التقوى التي تحيي القلوب وتوقظها وتستجيش فيها أجهزة الحذر والحيطة والتوقي. وعدة النور الهادي الذي يكشف منحنيات الطريق ودروبه على مد البصر؛ فلا تغبشه الشبهات التي تحجب الرؤية الكاملة الصحيحة.. ثم هو زاد المغفرة للخطايا. الزاد المطمئن الذي يسكب الهدوء والقرار.. وزاد الأمل في فضل الله العظيم يوم تنفد الأزواد وتقصر الأعمال. إنها حقيقة: أن تقوى الله تجعل في القلب فرقانا يكشف له منعرجات الطريق. ولكن هذه الحقيقة - ككل حقائق العقيدة - لا يعرفها إلا من ذاقها فعلا! إن الوصف لا ينقل مذاق هذه الحقيقة لمن لم يذوقوها!. إن الأمور تظل متشابكة في الحس والعقل؛ والطرق تظل متشابكة في النظر والفكر؛ والباطل يظل متلبسا بالحق عند مفارق الطريق! وتظل الحجة تُفحم ولكن لا تُقنع. وتسكت ولكن لا يستجيب لها القلب والعقل. ويظل الجدل عبثا والمناقشة جهدا ضائعا.. ذلك ما لم تكن هي التقوى.. فإذا كانت استنار العقل، ووضح الحق، وتكشف الطريق، واطمأن القلب، واستراح الضمير، واستقرت القدم وثبتت على الطريق! إن الحق في ذاته لا يخفى على الفطرة.. إن هناك اصطلاحا من الفطرة على الحق الذي فطرت عليه؛ والذي خلقت به السماوات والأرض.. ولكنه الهوى هو الذي يحول بين الحق والفطرة.. الهوى هو الذي ينشر الغبش، ويحجب الرؤية، ويُعمي المسالك، ويخفي الدروب.. والهوى لا تدفعه الحجة إنما تدفعه التقوى.. تدفعه مخافة الله، ومراقبته في السر والعلن.. ومن ثم هذا الفرقان الذي ينير البصيرة، ويرفع اللبس، ويكشف الطريق. وهو أمر لا يقدر بثمن.. ولكن فضل الله العظيم يضيف إليه تكفير الخطايا ومغفرة الذنوب. ثم يضيف إليهما {الفضل العظيم}.. ألا إنه العطاء العميم الذي لا يعطيه إلا الرب "الكريم" ذو الفضل العظيم!

ابن عاشور

تفسير : افتتاح السورة بـ{يسألونك عن الأنفال} مؤذن بأن المسلمين لم يعلموا ماذا يكون في شأن المسمى عندهم {الأنفال} وكان ذلك يومَ بدر، وأنهم حاوروا رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذلك، فمنهم من يتكلم بصريح السؤال، ومنهم من يخاصم أو يجادل غيره بما يؤذن حاله بأنه يتطلب فهْماً في هذا الشأن، وقد تكررت الحوادث يومئذ: ففي «صحيح مسلم»، و«جامع الترمذي» عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما كان يوم بدر ـ أصبت سيفاً لسعيد بن العاصي فأتيتُ به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت نفلْنيهِ، فقال: ضعه (في القَبَض)، ثم قلت: نفلنيه فقال ضعْه حيثُ أخذته، ثم قلت: نفلنيه فقال: ضعه من حيث أخذته، فنزلت {يسألونك عن الأنفال}» وفي «أسباب النزول» للواحدي، و«سيرة ابن إسحاق» عن عبادة بن الصامت، أنه سئل عن الأنفال فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلتْ حين اختلفنا في النفل يوم بدر فانتزعه الله من أيدينا حين ساءت فيه أخلاقُنا فرده على رسوله فقسمه بيننا على بواء يقول على السواء، وروى أبو داود، عن ابن عباس، قال: «لما كان يومُ بدر ذهب الشبان للقتال وجلس الشيوخ تحت الرايات فلما كانت الغنيمة جاء الشبان يطلبون نفلهم فقال الشيوخ: لا تستأثرون علينا فانا كنا تحت الرايات ولو أنهزمتم لكنا ردءاً لكم، واختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الأنفال}. والسؤال حقيقته الطلب، فإذا عدّي بـ(عن) فهو طلب معرفة المجرور بـ(عن) وإذا عدّي بنفسه فهو طلب إعطاء الشيء، فالمعنى، هنا: يسألونك معرفة الأنفال، أي معرفة حقها فهو من تعليق الفعل باسم ذات، والمراد حالها بحسب القرينة مثل {أية : حرمت عليكم الميتة}تفسير : [المائدة: 3] وإنما سألوا عن حكمها صراحة وضمناً في ضمن سؤالهم الأثرة ببعضها. ومجيء الفعل بصيغة المضارع دال على تكرر السؤال، إما بإعادته المرة بعد الأخرى من سائلين متعددين، وإما بكثرة السائلين عن ذلك حين المحاورة في موقف واحد. ولذلك كان قوله {يسألونك} موذناً بتنازع بين الجيش في استحقاق الأنفال، وقد كانت لهم عوائد متبعة في الجاهلية في الغنائم والأنفال أرادوا العمل بها وتخالفوا في شأنها فسألوا، وضمير جمع الغائب إلى معروف عند النبي وبين السامعين حين نزول الآية. و(الأنفال) جمع نفل ـ بالتحريك ـ والنفل مشتق من النافلة وهي الزيادة في العطاء، وقد أطلق العرب في القديم الأنفال على الغنائم في الحرب كأنهم اعتبروها زيادة على المقصود من الحرب لأن المقصود الأهمِ من الحرب هو إبادة الأعداء، ولذلك ربما كان صناديدهم يأبون أخذ الغنائم كما قال عنترة: شعر : يخبرك من شَهد الوقيعة أنني أغشى الوغى وأعف عند المغنم تفسير : وأقوالهم في هذا كثيرة، فإطلاق الأنفال في كلامهم على الغنائِم مشهور قال عنترة: شعر : إنا إذا احمرا الوغى نُرْوي القنا ونعف عند مقاسم الأنفال تفسير : وقد قال في القصيدة الأخرى:شعر : وأعف عند المغنم تفسير : فعلمنا أنه يريد من الأنفال المغانم وقال أوس بن حَجر الأسدي وهو جاهلي: شعر : نكصتم على أعقابكم ثم جئتمو تُرجون أنفال الخميس العرمرم تفسير : ويقولون نفلني كذا يريدون أغنمني، حتى صار النفل يطلق على ما يعطاه المقاتل من المغنم زيادة على قسطه من المغنم لمزية له في البلاء والغِناء أو على ما يعثر عليه من غير قتيله، وهذا صنف من المغانم. فالمغانم، إذن، تنقسم إلى: ما قصد المقاتل أخذه من مال العدو مثل نعمهم، ومثل ما على القتلى من لباس وسلاح بالنسبة إلى القاتل، وفيما ما لم يقصده المقاتلون مما عثروا عليه مثل لباس قتيل لم يُعرف قاتله، فاحتملت الأنفال في هذه الآية أن تكون بمعنى المغانم مطلقاً، وأن تكون بمعنى ما يُزاد للمقاتل على حقه من المغنم، فحديث سعد بن أبي وقاص كان سؤالاً عن تنفيل بمعنى زيادة، وحديث ابن عباس حكى وقوع اختلاف في قسمة المغنم بين من قاتل ومن لم يقاتل، على أن طلب من لم يقاتلوا المشاركة في المغنم يرجع إلى طلب تنفيل، فيبقى النفل في معنى الزيادة. ولأجل التوسع في ألفاظ أموال الغنائم تردد السلف في المعنى من الأنفال في هذه الآية، وسئل ابن عباس عن الأنفال فلم يزد على أن قال «الفرس من النفل والدرع من النفل» كما في «الموطأ»، وروي عنه أنه قال: «والسلب من النفل» كما في «كتاب أبي عبيد» وغيره. وقد أطلقوا النفل أيضاً على ما صار في أيدي المسلمين من أموال المشركين بدون انتزاع ولا افتكاك كما يوجد الشيء لا يُعرف من غنمه، وكما يوجد القتيل عليه ثيابه لا يعرف قاتله، فيدخل بهذا الإطلاق تحت جنس الفيء كما سماه الله تعالى في سورة [الحشر:6] بقوله: {أية : وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ ولكن الله يسلط رسله على من يشاء}تفسير : ـ إلى قوله ـ {أية : بين الأغنياء منكم}تفسير : [الحشر: 7] وذلك مثل أموال بني النضير التي سلّموها قبل القتال وفروا. وبهذا تتحصل في أسماء الأموال المأخوذة من العدو في القتال ثلاثة أسماء: المغنم، والفيء، وهما نوعان، والنفل. وهو صورة من صور القسمة وكانت متداخلة، فلما استقرّ أمر الغزو في المسلمين خص كل اسم بصنف خاص قال القرطبي في قوله تعالى: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء}تفسير : [الأنفال: 41] الآية، ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص أي تخصيص اسم الغنيمة بمال الكفار إذا أخذه المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولكن عُرفَ الشرع قيد اللفظ بهذا النوع فسمى الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين (أي لمعنيين مختلفين) غنيمة وفيئاً يعني وأما النفل فهو اسم لنوع من مقسوم الغنيمة لا لنوع من المغنم. والذي استقر عليه مذهب مالك أن النفل ما يعطيه الإمام من الخُمس لمن يرى إعطاءه إياه، ممن لم يغنم ذلك بقتال. فالأنفال في هذه الآية قال الجمهور: المراد بها ما كان زائداً على المغنم. فيكون النظر فيه لأمير الجيش يصرفه لمصلحة المسلمين، أو يعطيه لبعض أهل الجيش لإظهار مزية البطل، أو لخصلة عظيمة يأتي بها، أو للتحريض على النكاية في العدو. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: «حديث : من قتل قتيلاً فله سَلَبُه»تفسير : وقد جعلها القرآن لله وللرسول، أي لما يأمر به الله رسوله أو لما يراه الرسول صلى الله عليه وسلم قال مالك في «الموطأ» «ولم يبلغنا أن رسول الله قال: من قتل قتيلاً فله سَلَبه إلا يومَ حنين، ولا بلغنا عن الخلفاء من بعده» (يعني مع تكرر ما يقتضيه فأراد ذلك أن تلك قضية خاصة بيوم حنين). فالآية محكمة غير منسوخة بقوله: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [الأنفال: 41] فيكون لكل آية منهما حكمها إذ لا تداخل بينهما، قال القرطبي: وهو ما حكاه المازري عن كثير من أصحابنا. وعن ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة وعطاء: أن المراد بالأنفال في هذه الآية الغنائِم مطلقاً. وجعلوا حكمها هنا أنها جُعلت لله وللرسول أي أن يقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم بحسب ما يراه، بلا تحديد ولا اطراد، وأن ذلك كان في أول قسمة وقعت ببدر كما في حديث ابن عباس، ثم نسخ ذلك بآية {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [الأنفال: 41] الآية إذ كان قد عين أربعة الأخماس للجيش، فجعل لله وللرسول الخمس، وجعل أربعة الأخماس حقاً للمجاهدين. يعني وبقي حكم الفيء المذكور في سورة الحشر غير منسوخ ولا ناسخ، فلذلك قال مالك والجمهور: لا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام وقال مالك: «إعطاء السَلَب من التنفيل»، وقال مجاهد: الأنفال هي خمس المغانم وهو المجعول لله والرسول ولذي القربى. واللام في قوله {للَّه} على القول الأول في معنى الأنفال: لام الملك، لأن النفل لا يحسب من الغنائِم، وليس هو من حق الغزاة فهو بمنزله مال لا يعرف مستحقه، فيقال هو ملك لله ولرسوله، فيعطيه الرسول لمن شاء بأمر الله أو باجتهاده، وهذا ظاهر حديث سعد بن أبي وقاص في «الترمذي» إذ قال له رسول الله عليه الصلاة والسلام سألتني هذا السيف - معنى السيف الذي تقدم ذكره في حديث مسلم ـ ولم يكن لي وقد صار لي فهو لك». وأما على القول الثاني، الجامع لجميع المغانم، فاللام للاختصاص، أي: الأنفال تختص بالله والرسول، أي حكمُها وصرفها، فهي بمنزلة (إلى). تقول: هذا لك أي: إلى حكمك مردود، وأن أصحاب ذلك القول رأوا أن المغانم لم تكن في أول الأمر مخمسة بل كانت تقسم باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم ثم خُمّست بآية {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [الأنفال: 41] الآية. وعطف «وللرسول» على اسم الله لأن المقصود: الأنفالُ للرسول صلى الله عليه وسلم يقسمها فذكر اسم الله قبل ذلك للدلالة على أنها ليس حقاً للغزاة وإنما هي لمن يعينه الله بوحيه فذكر اسم الله لفائدتين: أولاهما: أن الرسول إنما يتصرف في الأنفال بإذن الله توقيفاً أو تفويضاً. والثانية: لتشمل الآية تصرف أمراء الجيوش في غيبة الرسول أو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لأن ما كان حقاً لله كان التصرف فيه لخلفائه. واختلف الفقهاء في حكم الأنفال اختلافاً ناشئاً عن اختلاف اجتهادهم في المراد من الآية، وهو اختلاف يعذرون عليه لسعة الاطلاق في أسماء الأموال الحاصلة للغزاة، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وسعيد بن المسيب: النفل إعطاء بعض الجيش أو جميعه زيادة على قسمة أخماسهم الأربعة من المغنم، فإنما يكون ذلك من خمس المغنم المجعول للرسول صلى الله عليه وسلم ولخلفائه وأمرائه جمعاً بين هذه الآية وبين قوله: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول}تفسير : [الأنفال: 41] الآية فلا نفل إلا من الخمس المجعول لاجتهاد أمير الجيش وعلة ذلك تجنب إعطاء حق أحد لغيره ولأنه يفضي إلى إيقاد الإحَنْ في نفوس الجيش، وقد يبعث الجيش على عصيان الأمير، ولكن إذا رأى الإمام مصلحة في تنفيل بعض الجيش ساغ له ذلك من الخمس الذي هو موكول إليه، كما سيأتي في آية المغانم، لذلك قال مالك: لا يكون التنفيل قبل قسمة المغنم وجعل ما صدر من النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين من قوله: «حديث : من قتل قتيلاً فله سَلَبه»تفسير : خصوصيه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر، لأن طاعة الناس للرسول أشد من طاعتهم لمن سواه لأنهم يؤمنون بأنه معصوم عن الجور وبأنه لا يتصرف إلا بإذن الله، قال مالك في «الموطأ»: ولم يبلغنا أن رسول الله فعل ذلك غير يوم حنين ولا أن أبا بكر وعمر فعلاه في فتوحهما. وإنما اختلفت الفقهاء: في أن النفل هل يبلغ جميع الخمس أو يخرج من خمس الخمس، فقال مالك من الخمس كله ولو استغرقه، وقال سعيد بن المسيب، وأبو حنيفة والشافعي: النفل من خمس الخمس. والخلاف مبني على اختلافهم في أن خمس المغنم أهو مقسم على من سمّاه القرآن أم مختلط، وسيجيء ذلك في آية المغانم. والحجة لمالك حديث ابن عمر في «الموطأ» أنهم غزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد فغنموا إبلاً كثيرة فكانت سهمانهم اثني عشر بعيراً ونُفلوا بعيراً بعيراً فأعطي النفلُ جميع أهل الجيش وذلك أكثر من خمس الخمس، وقال جماعة يجوز التنفيل من جميع المغنم وهؤلاء يخصصون عموم آية {أية : واعلموا أنما غنمتم}تفسير : [الأنفال: 41] بآية {قل الأنفال لله والرسول} أي فالمغانم المخمسة ما كان دون النفل، والقول الأول أسد وأجرى على الأصول وأوفق بالسنة، والمسألة تبسط في الفقه وليس من غرض المفسر إلا الإلمام بمعاقدها من الآية. وتفريع {فاتقوا الله} على جملة {الأنفال لله والرسول} لأن في تلك الجملة رفعاً للنزاع بينهم في استحقاق الأنفال، أو في طلب التنفيل، فلما حكم بأنها ملك لله ورسوله أو بأن أمر قسمتها موكول لله، فقد وقع ذلك على كراهة كثير منهم ممن كانوا يحسبون أنهم أحق بتلك الأنفال ممن أعطيها، تبعاً لعوائِدهم السالفة في الجاهلية فذكرهم الله بأن قد وجب الرضى بما يقسمه الرسول منها، وهذا كله من المقول. وقدم الأمر بالتقوى، لأنها جامع الطاعات. وعُطف الأمر بإصلاح ذات البين، لأنهم اختصموا واشتجروا في شأنها كما قال عبادة بن الصامت: «اختلفْنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا» فأمرهم الله بالتصافح، وختم بالأمر بالطاعة، والمراد بها هنا الرضى بما قسم الله ورسوله أي الطاعة التامة كما قال تعالى {أية : ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت}تفسير : [النساء: 65]. والإصلاح: جعل الشيء صالحاً، وهو مؤذن بأنه كان غير صالح، فالأمر بالإصلاح دل على فساد ذات بينهم، وهو فساد التنازع والتظالم. و{ذات} يجوز أن تكون مؤنث (ذو) الذي هو بمعنى صاحب فتكون ألفها مبدلة من الواو. ووقع في كلامهم مضافاً إلى الجهات وإلى الأزمان وإلى غيرهما، يجرونه مُجرى الصفة لموصوف يدل عليه السياق كقوله تعالى: {أية : ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال}تفسير : في سورة [الكهف: 18]، على تأويل جهة، وتقول: لقيته ذات ليلة، ولقيته ذات صباح، على تأويل المقدر ساعة أو وقت، وجرت مجرى المثل في ملازمتها هذا الاستعمال، ويجوز أن تكون (ذات) أصلية الألف كما يقال: أنا أعرف ذات فلان، فالمعنى حقيقة الشيء وماهيته، كذا فسرها الزجاج والزمخشري، فهو كقول ابن رواحة: شعر : وذلك في ذاتِ الإله وإن يَشأ يبارك على أوصال شلو ممزع تفسير : فتكون كلمةً مقحمةً لتحقيق الحقيقة، جُعلت مُقدمة، وحقها التأخير لأنها للتأكيد مثل المعنى في قولهم: جاءني بذاته، ومنه يقولون: ذات اليمين وذات الشمال، قال تعالى {إنه عليم بذات الصدور}. فالمعنى: أصلحوا بينكم، ولذا فـ(ذات) مفعول به على أن (بَين) في الأصل ظرف فخرج عن الظرفية، وجعل اسماً منتصرفاً، كما قُرىء {أية : لقد تقطع بينُكم}تفسير : [الأنعام: 94] برفع بينُكم في قراءة جماعة. فأضيفت إليه (ذات) فصار المعنى: أصلحوا حقيقة بينكم أي اجعلوا الأمر الذي يجمعكم صالحاً غير فاسد، ويجوز مع هذا أن ينزل فعل {أصلحوا} منزلة الفعل اللازم فلا يقدر له مفعول قصداً للأمر بإيجاد الصلاح لا بإصلاح شيء فاسد، وتنصب ذات على الظرفية لإضافتها إلى ظرف المكان والتقدير: وأوجدوا الصلاح بينكم، كما قرأنا {أية : لقد تقطع بينكم}تفسير : [الأنعام: 94] بنصب بينكم أي لقد وقع التقطيع بينكم. وأعلم أني لم أقف على استعمال (ذاتَ بين) في كلام العرب فأحسب أنها من مبتكرات القرآن. وجواب شرط {إنْ كنتم مؤمنين} دلت عليه الجمل المتقدمة من قوله: {فاتقوا الله} إلى آخرها، لأن الشرط لما وقع عقب تلك الجمل كان راجعاً إلى جميعها على ما هو المقرر في الاستعمال، فمعنى الشرط بعد تلك الجمل الإنشائية: إنا أمرناكم بما ذكر إنْ كنتم مؤمنين، لأنا لا نأمر بذلك غير المؤمنين، وهذا إلهاب لنفوسهم على الامتثال، لظهور أن ليس المراد: فإن لم تكونوا مؤمنين فلا تتقوا الله ورسوله، ولا تصلحوا ذات بينكم، ولا تطيعوا الله ورسوله، فإن هذا معنى لا يخطر ببال أهل اللسان ولا يسمح بمثله الاستعمال. وليس الإتيان في الشرط بـ{بأنْ} تعريضاً بضُعف إيمانهم ولا بأنه مما يشك فيه من لا يعلم ما تخفي صدورُهم، بناء على أن شأن (إنْ) عدمُ الجرم بوقوع الشرط بخلاف (إذا) على ما تقرر في المعاني، ولكن اجتلاب (إنْ) في هذا الشرط للتحريض على إظهار الخصال التي يتطلبها الإيمان وهي: التقوى الجامعة لخصال الدين، وإصلاح ذات بينهم، والرضى بما فعله الرسول، فالمقصود التحريض على أن يكون إيمانهم في أحسن صُوره ومظاهره، ولذلك عُقب هذا الشرط بجملة القصر في قوله: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وَجِلتْ قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 2] كما سيأتي.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} الآية. اختلف العلماء في المراد بالأنفال هنا على خمسة أقوال: الأول: أن المراد بها خصوص ما شذ عن الكافرين إلى المؤمنين، وأخذ بغير حرب كالفرس والبعير يذهب من الكافرين إلى المسلمين، وعلى هذا التفسير فالمراد بالأنفال هو المسمى عند الفقهاء فيئا، وهو الآتي بيانه في قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} تفسير : [الحشر: 6] وممن قال بهذا القول عطاء ابن أبي رباح. الثاني: أن المراد بها الخمس وهو قول مالك. الثالث: أن المراد بها خمس الخمس. الرابع: أنها الغنيمة كلها وهو قول الجمهور وممن قال به ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء، والضحاك وقتادة وعطاء الخراساني ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد قاله ابن كثير. الخامس: أن المراد بها أنفال السرايا خاصة وممن قال به الشعبي، ونقله ابن جرير عن علي بن صالح بن حي، والمراد بهذا القول: ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، واختار ابن جرير أن المراد بها الزيادة على القسم. قال ابن كثير: ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية. وهو ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو معاوية حدثنا أبو إسحاق الشيباني عن محمد بن عبيد الله الثقفي حديث : عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير قتلت سعيد بن العاص. وأخذت سيفه وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال: "اذهب فاطرحه في القبض" قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال: فما جاوزت إلا يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب فخذ سلبك"تفسير : ، وقال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا أسود بن عامر أخبرنا أبو بكر عن عاصم بن أبي النجود عن مصعب بن سعد حديث : عن سعد بن مالك قال: قلت يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف. فقال: "إن هذا السيف لا لك ولا لي ضعه"تفسير : ، قال: فوضعته، ثم رجع فقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت قد أنزل الله فيَّ شيئاً، قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي وإنه قد وهب لي فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش، وقال الترمذي: حسن صحيح، وهكذا رواه أبو داود الطيالسي: أخبرنا شعبة أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: نزلت فيَّ أربع آيات من القرآن أصبت سيفاً يوم بدر فأتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقلت: نفلنيه فقال: "حديث : ضعه من حيث أخذته مرتين"تفسير : ، ثم عاودته فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ضعه من حيث أخذته" تفسير : فنزلت هذه الآية {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية، وتمام الحديث في نزول {أية : وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} تفسير : [العنكبوت: 8]، وقوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] الآية. وآية الوصية وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف ابن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت به فألقيته في النفل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئاً يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه، ورواه ابن جرير من وجه آخر اهـ. كلام ابن كثير. قال مقيده:- عفا الله عنه - جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها، فقال بعضهم: نحن هم الذين حزنا الغنائم، وخويناها فليس لغيرنا فيها نصيب: وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءاً، ولو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت: أنها نزلت في ذلك. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وقال، صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه. وروي نحو ذلك أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم، وابن جرير، و ابن مردويه من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة عن ابن عباس. وعلى هذا القول الذي هو قول الجمهور، فالآية مشكلة مع قوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية. وأظهر الأقوال التي يزول بها الإشكال في الآية: هو ما ذكره أبو عبيد ونسبه القرطبي في تفسيره لجمهور العلماء أن قوله تعالى: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} الآية. ناسخ لقوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية. إلا أن قول أبي عبيد: إن غنائم بدر لم تخمس، لأن آية الخمس لم تنزل إلا بعد قسم غنائم بدر غير صحيح، ويدل على بطلانه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه "كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفاً من الخمس يومئذ" الحديث. فهذا نص صحيح في تخميس غنائم بدر، لأن قول علي في هذا الحديث الصحيح يومئذ صريح في أنه يعني يوم بدر كما ترى. فالحاصل أن آية {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} تفسير : [الأنفال: 41] الآية. بينت أنه ليس المراد قصر الغنائم على الرسول المذكور في أول السورة، وأنها تعطى أربعة أخماس منها للغانمين، وقد ذكرنا آنفا أن أبا عبيد قال: إنها ناسخة لها، ونسبه القرطبي للجمهور، وسيأتي لهذا المبحث زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في الكلام على قوله: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ} الآية.

الواحدي

تفسير : {يسألونك عن الأنفال} الغنائم، لمَنْ هي؟ نزلت حين اختلفوا في غنائم بدر، فقال الشُّبان: هي لنا؛ لأنَّا باشرنا الحرب، وقالت الأشياخ: كنَّا ردءاً لكم؛ لأنَّا وقفنا في المصافِّ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو انهزمتهم لانحزتم إلينا، فلا تذهبوا بالغنائم دوننا، فأنزل الله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} يضعها حيث يشاء من غير مشاركة فيها، فقسمها بينهم على السَّواء {فاتقوا الله} بطاعته واجتناب معاصية {وأصلحوا ذات بينكم} حقيقة وصلكم، أَيْ: لا تَخَالفوا {وأطيعوا الله ورسوله} سلِّموا لهما في الأنفال؛ فإنَّهما يحكمان فيها ما أرادا {إن كنتم مؤمنين} ثمَّ وصف المؤمنين فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} أَيْ: المؤمن الذي إذا خُوِّف بالله فرق قلبه، وانقاد لأمره {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} تصديقاً ويقيناً {وعلى ربهم يتوكلون} بالله يثقون لا يرجون غيره.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- أُخرج النبى من مكة مهاجراً بسبب مكر المشركين وتدبيرهم أمر قتله، وليكون للمسلمين دولة، واستقر بالمدينة حيث النصرة، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء، لكيلا يُفتَنَ أهل الإيمان، فكانت غزوة بدر الكبرى، وكان فيها النصر المبين والغنائم، وكان وراء الغنائم بعض الاختلاف والتساؤل فى توزيعها. يسألونك عن الغنائم: ما مآلها؟ ولمن تكون؟ وكيف تقسم؟ فقل لهم - أيها النبى -: إنها لله والرسول ابتداء، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها، فاتركوا الاختلاف بشأنها، واجعلوا خوف الله وطاعته شعاركم، وأصْلحوا ما بينكم، فاجعلوا الصِّلاتِ بينكم محبة وعدلا، فإن هذه صفة أهل الإيمان.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: الأنفال: جمع نفل بتحريك الفاء: ما يعطيه الإِمام لأفراد الجيش تشجيعاً لهم. ذات بينكم: أي حقيقة بينكم، والبين الوصلة والرابطة التي تربط بعضكم ببعض من المودة والإِخاء. إنما المؤمنون: أي الكاملون في إيمانهم. وجلت قلوبهم: أي خافت إذ الوجل: هو الخوف لا سيما عند ذكر وعيده ووعده. وعلى ربهم يتوكلون: على الله وحده يعتمدون وله أمرهم يفوضون. ومما رزقناهم: أي أعطيناهم. أولئك: أي الموصوفون بالصفات الخمس السابقة. لهم درجات: منازل عالية في الجنة. ورزق كريم: أي عطاء عظيم من سائر وجوه النعيم في الجنة. معنى الآيات: هذه الآيات نزلت في غزوة بدر وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نفل بعض المجاهدين لبلائهم وتخلف آخرون فحصلت تساؤلات بين المجاهدين لم يعطي هذا ولم لا يعطي ذاك فسألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}؟ فأخبرهم أنها {لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} فالله يحكم فيها بما يشاء والرسول يقسمها بينكم كما يأمره ربه وعليه فاتقوا الله تعالى بترك النزاع والشقاق، {وَأَصْلِحُواْ} ذات بينكم بتوثيق عرى المحبة بينكم وتصفية قلوبكم من كل ضغن أو حقد نشأ من جراء هذه الأنفال واختلافكم في قسمتها، {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} في كل ما يأمرانكم به وينهيانكم عنه {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} حقاً فامتثلوا الأمر واجتنبوا النهي. وقوله تعالى {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي الكاملون في إيمانهم الذين يستحقون هذا الوصف وصف المؤمنين هم {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} أي اسمه أو وعده أو وعيده {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خافت فأقلعت عن المعصية، وأسرعت إلى الطاعة، {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً} أي قوي إيمانهم وعظم يقينهم، {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ} لا على غيره {يَتَوَكَّلُونَ} وفيه تعالى يثقون. وإليه تعالى أمورهم يفوضون، {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} بأدائها بكامل شروطها وكافة أركانها وسائر سننها وآدابها، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} أي أعطيناهم {يُنفِقُونَ} من مال وعلم، وجاه وصحة بدن من كل هذا ينفقون في سبيل الله {أُوْلۤـٰئِكَ} الموصوفون بهذه الصفات الخمس {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} وصدقاً، {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي منازل عالية متفاوتة العلو والارتفاع في الجنة، ولهم قبل ذلك {مَغْفِرَةٌ} كاملة لذنوبهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} طيب واسع لا تنقيص فيه ولا تكدير، وذلك في الجنة دار المتقين. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- الأمر بتقوى الله عز وجل وإصلاح ذات البين. 2- الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان. 3- من المؤمنين من هو كامل الإِيمان، ومنهم من هو ناقصه. 4- من صفات أهل الإِيمان الكامل ما ورد في الآية الثانية من هذه السورة وما بعدها.

القطان

تفسير : الانفال: جمع نَفَل بالتحريك وهي الغنيمة. ذات بينكم: فيما بينكم. وجلت قلوبم: فزت وخافت. خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً الى المدينة بسبب مكر المشركين وتدبيرِهم أمر قتله، وليكون للمسلمين دولة. وقد استقر بالمدينة ومن حوله المؤمنون من المهاجرين والانصار، وكان لا بد من الجهاد لدفع الاعتداء، ليكلا يُفتَن أهلُ الايمان. فكانت غزوة بدر، وكان فيها النصر المبين والغنائم. وكان وراء الغنائم بعض الاختلاف في قسمتها وسؤال المؤمنين عنها، فأنزل الله تعالى هذه الآيات يعالج فيها نفوس بعض المسلمين لتطهيرها من الاختلاف الذي نشأ عن حب المال والتطلع الى المادة، وهو من اكبر اسباب الفشل. فكان من مقتضيات الحكمة الإلهية ان يتلقّى المؤمنون في مبدأ حياتهم هذا الدرس القوي الذي يقتلع بذور الشح والطمع وحب المادة من قلوبهم. يسألونك أيها الرسول عن الغنائم. لمن هي؟ وكيف تقسم، أللشُبّان أم للشيوخ؟ أو للمهاجرين هي، أم للانصار؟ ام لهم جميعا؟. قل لهم أيها الرسول: إنها لله والرسول، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها، فاتركوا الاختلاف بشأنها، واتقوا الله واجعلوا خوف الله وطاعته شِعاركم، وأصلحوا ما بينكم فاجعلوا الصلاتِ بينكم محبة وعدلا. هذه صفةُ أهل الايمان. ثم وصف الله تعالى المؤمنين المخلصين في ايمانهم بأنهم هم الذين اجتمعت فيهم خصالٌ خمس: (1) {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الذين اذا ذكَروا الله بقلوبهم فزِعوا لعظمته وسلطانه، وامتلأت قلوبهم هيبة. (2) {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وكلّما تليت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخا، وازدادوا إذعاناً وعلما. (3) {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} ولا يعتمدون الا على الله الذي خلَقَهم، ولا يفوّضون أمرهم الى سواه. ومعنى التوكل: ان نسعى للعمل كما أمرنا الله راجين منه التوفيق في سعينا مؤمنين بان العمل شرط أساسيُّ للتوكل. (4) {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} واولئك المؤمنون الصادقون في ايمانهم، يؤدون الصلاة مستوفية الاركان، كاملة الخشوع والخضوع، وبهذا تحصل ثمرة الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر. (5) {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} وينفقون بعض ما رزقناهم من المال في الجهاد والبِرِّ ومعاونة الضعفاء، وفي مصالح الأمة ومرافقها العامة. {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً...} هؤلاء، هم الذين يوصفون بالايمان حقا وصدقا. ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله، وهو الذي يمنحهم رضاه، ويغفر لهم سيئاتِهم، ويرزقهم رزقاً طيباً كريما في الحياة الدنيا، ونعيماً دائماً في الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} (1) - الأنفالُ هِيَ المَغَانِمُ التِي يَغْنَمُها المُقَاتِلُونَ فِي الحَرْبِ. وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي بَدْرٍ حِينَ اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ، بَعْدَ نَصْرِهِمْ عَلَى قُرَيْشٍ، حَوْلَ الطَّرِيقَةِ التِي تُقْسَمُ بِمُوجِبِهَا الغَنَائِمُ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي الفَضْلَ فِي نَصْرِ المُسْلِمِينَ، وَهَزِيمَةِ أعْدَائِهِمْ، فَانْتَزَعَها اللهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَجَعَلَها إلى اللهِ، وَإلَى رَسُولِهِ، لِيَقْسِمَها الرَّسُولُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وَيَقُولُ تَعَالَى: يَسْألُكَ المُسْلِمُونَ عَن الأنْفَالِ. قُلْ: هِيَ للهِ يَحْكُمُ فِيهَا بِحُكْمِهِ، وَلِلرَّسُولِ يَقْسِمها وَفْقاً لِمَا شَرَعَهُ اللهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِي أُمُورِكُمْ، وَاجْتَنِبُوا مَا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخِلافِ حَوْلَ قِسْمَتِها، وَأصْلِحُوا فِيمَا بَيْنَكُمْ، وَلا تَخْتَصِمُوا وَلا تَتَظَالَمُوا، وَلاَ تَتَشَاتَمُوا، وَلاَ يُعَنِّفُ بَعْضُكُمْ بَعضاً، فَمَا آتَاكُمُ اللهُ مِنَ الهُدَى خَيْرٌ مِمّا تَخْتَصِمُونَ فِيهِ، وَأطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي قِسْمَتِهَا، فَإنَّ الرَّسُولَ إنَّمَا يَقْسِمُها وَفْقاً لِمَا أمَرَهُ اللهُ بِهِ، مِنْ عَدْلٍ وَإنْصَافٍ، وَالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ، ذَوُو الإِيمَانِ الكَامِلِ، هُمُ الذِينَ يُطِيعُونَ اللهَ فِيمَا حَكَمَ، وَيُطِيعُونَ رَسُولَهُ فِيمَا قَسَمَ. الأَنْفَالِ - غَنَائِمِ الحَرْبِ. للهِ وَالرَّسُولِ - مُفَوَّضٌ إِلَيْهِمَا أَمْرُها. ذَاتَ بَيْنِكُمْ - أَحْوَالَكُمْ التِي يَحْصلُ بِهَا اتِّصَالُكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية قال ابن عباس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:"حديث : مَنْ أتى مكان كذا وكذا فله من الفضل كذا، ومَنْ قتل قتيلاً فله كذا، ومَنْ أسر أسيراً فله كذا"، فلمّا التقوا سارع إليه الشبّان والفتيان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، فلمّا فتح الله على المسلمين جاءوا يطلبون ما جعل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لهم الأشياخ: كنّا ردءاً لكم ولو انهزمتم فلا تستأثروا علينا، ولا تذهبوا [بالغنائم دوننا]. وقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنّك وعدت مَن قتل قتيلاً فله كذا ومَنْ أسر أسيراً فله كذا وإنّا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادةً في الآخرة ولا جبن عن العدو لكن كرهنا أن يعرّي مصافك فيعطف عليه خيل من خيل المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمّ عاد أبو اليسر بمثل مقالته وقام سعد بمثل كلامه وقال: يا رسول الله إنّ الناس كثير وإن الغنيمة دون ذلك وإن تعطِ هؤلاء التي ذكرت لا يبقَ لأصحابك كثير شيء فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية. فقسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم بالسويّة . تفسير : وروى مكحول عن أبي أُمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال: فينا معاشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في الفعل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسّمه بين المسلمين عن سواء على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله صلاح ذات البين. حديث : وقال سعد بن أبي وقاص: نزلت في هذه الآية ذلك أنّه لمّا كان يوم بدر وقتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص بن أميّة وأخذت سيفه وكان يُسمّى ذا الكثيفة فأعجبني فجئت به النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال ليس هذا لي ولا لك اذهب فاطرحه في القبض فطرحته ورجعت وبي ما لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ من قتل أخي وأخذ بيدي قلت: عسى أن يعطي من لم يُبل بلائي فما جاوزت إلاّ قليلاً حتّى جاءني الرسول صلى الله عليه وسلم وقد أنزل الله عزّ وجلّ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} فخفت أن يكون قد نزل فيّ شيء، فلما انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا سعد إنّك سألتني السيف وليس لي وإنّه قد صار ليّ فاذهب فخذه فهو لك ". تفسير : وقال أبو [أُميّة] مالك بن ربيعة: حديث : أُصبت سيف ابن زيد يوم بدر وكان السيف يُدعى المرزبان فلمّا نزلت هذه الآية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل فأقبلت به وألقيته في النفل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع شيئاً يسأله فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إيّاه . تفسير : وقال ابن جريج: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً فاختلفوا فكانوا أثلاثاً فنزلت هذه الآية وملّكها الله رسوله يقسّمها كما أراه الله. عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس [قال: ] كانت المغانم لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو ملكاً فهو غلول فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها فأنزل الله عزّ وجلّ يسألونك يا محمد عن الأنفال أي حكم الأنفال وعلمها وقسمها. وقيل: معناه يسألونك من الأنفال {عَنِ} بمعنى (من). وقيل: "من" صلة أي يسألونك الأنفال. وهكذا قرأ ابن مسعود بحذف {عَنِ} وهو قول الضحاك وعكرمة. والأنفال الغنائم واحدها نفل. قال لبيد: شعر : إن تقوى ربّنا خير نفل وبإذن الله ريثي والعجل تفسير : وأصله الزيادة يقال: نفلتك وأنفلتك أي: زدتّك. واختلفوا في معناها: فقال أكثر المفسّرين: معنى الآية يسألونك عن غنائم بدر لمن هي. وقال عليّ بن صالح بن حيي: هي أنفال السرايا. وقال عطاء: فَأْنشد من المشركين إلى المسلمين بغير قبال من عبد أو أمة أو سلاح فهو للنبي صلى الله عليه وسلم يصنع به ما يشاء. وقال ابن عباس: هي ما يسقط من المتاع بعدما يقسم من الغنائم فهي نفل لله ولرسوله. وقال مجاهد: هي الخمس وذلك أنّ المهاجرين سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الخمس بعد الأربعة الأخماس وقالوا: لِمَ يرفع منّا هذا الخمس، لِمَ يخرج منّا فقال الله تعالى: {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} يقسّمانها كما شاءا أو ينفلان فيها ما شاءا أو يرضخان منها ما شاءا. واختلفوا في هذه الآية أهي محكمة أم منسوخة: فقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي منسوخة نسخها قوله {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} الآية [الأنفال: 41]. وكانت الغنائم يومئذ للنبيّ صلى الله عليه وسلم خاصّة فنسخها الله بالخمس. وقال عبد الرحمن بن أيد: هي ثابتة وليست منسوخة وإنّما معنى ذلك قل الأنفال لله وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة وللرسول يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها ثمّ أنزل حكم الغنائم بعد أربعين آية فإنّ لله خُمسه ولكم أربعة أخماس. وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذا الخمس مردود على فقرائكم"تفسير : ، وكذلك يقول في تنفيل الأيام بعض القوم واقتفائه إياه ليلاً، وعلى هذه يفرق بين الأنفال والغنائم بقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} وذلك حين اختلفوا في الغنيمة أمرهم بالطاعة والجماعة ونهاهم عن المفارقة والمخالفة. قال قتادة وابن جريج: كان نبيّ الله صلى الله عليه وسلم ينفل الرجل من المؤمنين سلب الرجل من الكفّار إذا قتله وكان ينفل على قدر عنائه وبلائه حتّى إذا كان يوم بدر ملأ الناس أيديهم غنائم، فقال أهل الضعف: ذهب أهل القوّة بالغنائم فنزلت {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} ليرد أهل القوّة على أهل الضعف فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرد بعضهم على بعض فأمرهم الله بالطاعة فيها فقال {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} واختلفوا في تأنيث ذات البين فقال أهل البصرة أضاف ذات البين وجعله ذات لأن بعض الأشياء يوضع عليه اسم المؤنث وبعضها يُذكر نحو الدار والحائط أنّث الدار وذكّر الحائط. وقال أهل الكوفة: إنّما أراد بقوله {ذَاتَ بِيْنِكُمْ} الحال التي للبين فكذلك ذات العشاء يريد الساعة التي فيها العشاء. قالوا: ولم يضعوا مذكّراً لمؤنّث ولا مؤنّثاً لمذكّر إلاّ لمعنى به وقوله {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} الآية يقول الله تعالى ليس المؤمنون من الذي يخالف الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فرقّت به قلوبهم وهكذا هو في مصحف عبد الله. وقال السدي: هو الرجل يريد أن يهتم بمعصية فينزع عنه {وَإِذَا تُلِيَتْ} قُرئت {عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} وقال ابن عباس: تصديقاً، وقال الضحاك: يقيناً. وقال الربيع بن أنس: خشية. وقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصان، قيل: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله وجدناه فذلك زيادته وإذا سهونا وقصّرنا وغفلنا فذلك نقصان. وقال عدي بن عدي: كُتب إلى عمر بن عبد العزيز أن للإيمان سنناً وفرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان، ومَنْ لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، [قال عمر بن عبد العزيز: فإن أعش فسأُبينها لكم، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص]. {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي يفوّضون إليه أُمورهم ويتّقون به فلا يرجون غيره ولا يخافون سواه والتوكل الفعل من الوكول {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي حقّوا حقاً يعني يقيناً صدقاً. وقال ابن عباس: يقول برأوا من الكفر. وقال مقاتل: حقّاً لا شك في إيمانهم كشك المنافقين. وقال قتادة: استحقّوا الإيمان بحق فأحقّه الله لهم. وقال ابن عباس: مَنْ لم يكن منافقاً فهو مؤمن حقّاً. أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله الرازي، قال: أخبرنا عليّ بن محمد بن عمير قال: إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا هشام بن عبيد الله قال: حدّثنا عبيد [الله هشام] بن حاتم عن عمرو بن [درّ] عن إبراهيم قال: إذا قيل لأحدكم أمؤمن أنت حقّاً، فليقل: إنّي مؤمن حقّاً فإن كان صادقاً فإنّ الله لا يعذّب على الصدق ولكن يثيب عليه. فإن كان كاذباً فما فيه من الكفر أشد عليه من قوله له: إنّي مؤمن حقّاً. وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟ فقال: الإيمان إيمانان فإنّ كنتَ تسأل عن الإيمان بالله وملائكته وكُتبه ورُسله واليوم الآخر والجنّة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} إلى قوله تعالى {عِندَ رَبِّهِمْ} فوالله ما أدري أمنهم أنا أم لا. وقال علقمة: كنّا في سفر فلقينا قوماً فقلنا: من القوم؟ فقالوا: نحن المؤمنون حقّاً، فلم ندرِ ما نجيبهم حتّى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا فقال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم شيئاً. قال: أفلا قلتم أَمِنْ أهل الجنّة أنتم؟ إن المؤمنين من أهل الجنّة. وقال سفيان الثوري: مَنْ زعم أنّه مؤمن حقّاً أمن عند الله ثمّ [وجد] أنّه في الجنّة بعد إيمانه بنصف الآية دون النصف، ووقف بعضهم على قوله: {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ}. وقال: تم الكلام هاهنا. ثمّ قال: حقّاً له درجات فجعل قوله حقّاً تأكيداً لقوله {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} وقال مجاهد: أعمال رفيعة. وقال عطاء: يعني درجات الجنّة يرقونها بأعمالهم. هشام بن عروة: يعني ما أعدّ لهم في الجنّة من لذيذ المأكل والمشارب وهني العيش. وقال ابن محيريز: لهم درجات سبعون درجة كلّ درجة لحافر الفرس الجواد المغير سبعين عاماً {وَمَغْفِرَةٌ} لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي حسن [وعظيم وهو] الجنّة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يقول الحق سبحانه وتعالى مفتتحاً سورة الأنفال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} السؤال يقتضي سائلاً: وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتضي مسئولاً هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقتضي مسئولاً عنه وهو موضوع السؤال المطروح. والمسئول عنه قد يوجد بذاته، مثلما نسأل صديقنا: ماذا أكلت اليوم؟ هذا السؤال فيه تحديد لمنطقة الجواب، والجواب عنه أيضا يحدد المنطقة. وموضوع السؤال في قول الله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ}تفسير : [البقرة: 222]. يدل عليه الجواب، فهم لم يسألوا عن أسباب المحيض، أو لماذا ينقطع عن الحامل أو من بلغت الكبر، لكن كان موضوع السؤال الذي هو واضح من إجابة الحق تبارك وتعالى: أيجوز أن يباشر الرجل المرأة أثناء المحيض أو لا؟ وسؤال آخر سألوه للرسول صلى الله عليه وسلم عن اليتامى، ويحدد الجواب موضوع السؤال: يقول الله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ٱلْمُفْسِدَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [ البقرة: 220]. لأنهم كانوا يتخوفون من مخالطة اليتامى في الأموال ومن مؤاكلتهم، وغير ذلك من ألوان التعامل، ورعاً وبعداً عن الشبهات وجاءت الإجابة لتحدد موضوع السؤال: ومرة يأتي السؤال وفيه تحديد مناط الإجابة لأنها عامة مثل قوله الحق تبارك وتعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}تفسير : [البقرة: 189]. هم سألوا محمداً صلى الله عليه وسلم: لماذا يبدأ الهلال صغيراً ولماذا يكبر، ثم لماذا يختفي في المحاق؟. وهذا سؤال في الفلك. ولم يجبهم الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في الحدود التي يستفيدون منها وهي القيمة النفعية العملية، وجاءت الإجابة: {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ}. لأننا ورغم وجودنا في هذا القرن العشرين إلا أن البعض من الناس ما زال يكذب الحقيقة العلمية التي ثبتت بما لا يدع مجالاً لأي شك. ونقول للعامة: إن الهلال يشبه قلامة الظفر ثم يكبر ليستدير ثم يختفي قليلاً. وفي هذا يقول الشاعر: شعر : وغاية ضوء قمير كنت آمله مثل القلامة قد قدت عن الظفر تفسير : ولو قال لهم: إن الهلال يظهر حين تتوسط الأرض بين الشمس والقمر ثم يبدأ في الاكتمال تباعاً، لما استطاعت عقولهم أن تستوعب هذه المسألة، فجاء لهم بالحكمة المباشرة النفعية التي تدركها عقولهم تماماً، ثم ارتقت العقول بالعلم ووصلنا إلى دراسة حركة الأفلاك التي توضح كل التفاصيل الفلكية. وهناك سؤال يجيء في أمر محدد، مثل قول الحق: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 217]. وهكذا عرفنا أن موضوع السؤال هو عن حكم القتال في الشهر الحرام، لا طلب تحديد الأشهر الحرم بالذات. ويقول الحق تبارك وتعالى هنا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} والأنفالُ جمعُ نَفَل (بفتح الحرف الأول والثاني)، مثل كلمة سَبَب وأسباب، والمراد بالنَفل هنا الغنيمة؛ لأنها من فضل الله تعالى وهي من خصائص سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وقد اختصت بها هذه الأمة دون الأمم السابقة، والنفْل بالسكون الزيادة، ومنه صلاة النافلة؛ لأنها زيادة عن الفريضة الواجبة، وفي هذا المعنى يقول ربنا عز وجل في آية ثانية: {وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}. ونافلة تعني أمراً زائداً غير مفروض، ولذلك نقول: إن النفل هو العبادة الزائدة، وشرطها أن تكون من جنس ما فُرض عليك؛ لأن الإنسان لا يعبد ربه حسب هواه الشخصي، بل يعبد ربه بأي لون من ألوان العبادة التي شرعها الله، وإذا أراد زيادة فيها فلتكن من جنس ما فرض الله، حتى لا يبتدع العبد عبادات ليست مشروعة. ولذلك قال الحق تبارك وتعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً} تفسير : [الإسراء: 79]. النفل إذن هو أمر تعبدي زائد عن الأصل. وحينما ابتلى الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأن يذبح ولده إسماعيل، جاءه الابتلاء لا بوحي صريح، ولكن برؤيا منامية وهو ابتلاء شاق، فلم يكن الابتلاء - مثلا - أن يذبح إنسان آخر سيدنا إسماعيل، ثم يصبر سيدنا إبراهيم على فقده، لا بل هو الذي يقوم بذبح ولده إسماعيل. وهكذا كان الابتلاء كبيراً، خصوصاً أنه لم يأت إلا في آخر العمر. وكانت هذه المسألة من الملابسات القاسية على النفس. ولذلك أوضح ربنا عز وجل أن سيدنا إبراهيم كان أمة، أي اجتمعت فيه صفات الإيمان اللازمة لأمة كاملة. {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} تفسير : [البقرة: 124]. ولنر رحموت النبوة في سلوك سيدنا إبراهيم عليه السلام حين جاء لينفذ أمر الرؤيا بذبح الابن لأن رؤيا الأنبياء وحي؛ لذلك لم يشأ أن يأخذ ولده أخذاً دون أن يطلعه على الحقيقة؛ لأنه لو فعل ذلك سيعرض ولده لحظة لها جس عقوق لأبيه، وقد يقول الابن: أي رجل هذا الذي يذبح ابنه؟. وأراد سيدنا إبراهيم أن يشاركه ابنه كذلك في الثواب، وأن يكون الابن خاضعاً لأمر الحق تبارك وتعالى كأبيه فقال له: {أية : يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ}تفسير : [الصافات: 102]. وهكذا أوضح سيدنا إبراهيم عليه السلام الابتلاء الذي جاءه كرؤيا في المنام فماذا يقول الابن إجابة على سؤال أبيه؟ {أية : قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الصافات: 102]. أي أن إسماعيل عليه السلام أسلم زمامه لأمر الحق تبارك وتعالى، ويواصل المولى سبحانه وتعالى وصف ابتلاء سيدنا إبراهيم بذبح الابن فيقول تبارك وتعالى: {أية : فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ}تفسير : [الصافات: 103 - 105]. فبعد أن رضي كل من سيدنا إبراهيم وابنه سيدنا إسماعيل وسلما أمرهما لله تعالى وامتثلا للأمر بالقضاء، رفع الله برحمته هذا القضاء؛ لذلك يصف الحق تبارك وتعالى هذا البلاء وتكرمه بالفداء فيقول: {أية : إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} تفسير : [الصافات: 106 - 107]. وتعلمنا هذه الواقعة أيها المسلم أنك إذا ما جاء لك قضاء من الله، إياك أن تجزع، إياك أن تسخط، إياك أن تغضب، إياك أن تتمرد؛ لأنك بذلك تطيل أمد القضاء عليك، ولكن سلم لقضاء الله فيُرفع هذا القضاء؛ لأن القضاء لا يُرفَع حتى يُرْضى به. وهكذا لم يكن جزاء الصبر على القضاء لسيدنا إبراهيم عليه السلام افتداء إسماعيل بذبح عظيم فقط، بل وزيادة على ذلك يسوق له المولى البشرى بمزيد من العطاء فيقول: {أية : وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [الصافات: 112]. أي أنه لم يرزقه بولد ثانٍ فقط، بل بولدٍ يكون نبياً وصالحاً. وتأتي زيادة أخرى في العطاء الرباني لسيدنا إبراهيم عليه السلام فيقول سبحانه وتعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ} تفسير : [الأنبياء: 72]. هكذا يتجلى عطاء المولى سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم عليه السلام فلا يعطيه الولد الذي يحفظ ذكره فقط، بل يعطيه الولد الذي يحفظ أمانة الدعوة أيضاً، وكل ذلك نافلة من الله، أي عطاء كريم زائد وفضل كبير لأبي الأنبياء. إذن النفل هو الأمر الزائد عن الأصل. ومثال ذلك ما خص الله به رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركتْه الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة ". تفسير : إذن تشريع الله للغنائم في الإسلام أمر زائد عن الأصل؛ لأن الغنائم لم تحل لأحد من الأنبياء قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم. وهناك نفل، وهناك غنيمة، وهناك فيء، وهناك قبض. وسنوجز معنى كل منها: الغنيمة: هي ما يأخذه المسلمون من الأعداء المهزومين، وتقسم فيما بينهم بنسب معينة، فللرجل المقاتل سهم واحد، وللفارس سهمان، وهذا على سبيل المثال فقط وتقسيمها حسب تشريع الله عز وجل، وسبق بيان النفَل والنفْل بفتح الوسط وسكونه، والفيء هو كل مال صار للمسلمين من غير حرب ولا قهر - "والقبَض" بتحريك الوسط بمعنى المقبوض وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن تقسم. لكن إذا جاء ولي الأمر وبين للمقاتلين مشجعاً لهم على حركة الحرب مثلما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "حديث : من قتل كافراً فله سلبه ". تفسير : فلذلك أمر زائد في حصته في الغنيمة. وقد يبعث القائد سريةً ويشجعها على خوض الصعاب فيقول لأفراد تلك السرية: لكم نصف ما غنمتم، أو الربع أو الخمس، فهذا يعني أن من حقهم أن يأخذوا النسبة التي حددها لهم القائد كأمر زائد، ثم تقسم الغنائم من بعد ذلك، وساعة يأخذ المقاتلون الأسلاب والمتاع، والعتاد والأموال من الأسرى، فهذه تسمى غنائم، أما حين تُجْمع الغنائم عند ولي الأمر فيصير اسمها القبَض وقد سبق بيانه. وفي يوم بدر حدثت واقعة يرويها الصحابي الجليل سعد بن مالك رضي الله عنه قائلاً: حديث : قلت يا رسول الله: قد شفاني الله اليوم من المشركين، فهب لي هذا السيف، قال عليه الصلاة والسلام: "إن هذا السيف لا لك، ولا لي، فضعه"، قال: فوضعته، ثم رجعت، فقلت: عسى أن يعطي هذا السيف من لا يبلي بلائي، قال: فإذا رسول الله يدعوني من ورائي. قال الصحابي: قد أنزل الله في شيئاً؟. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وأنه قد وُهِب لي، فهو لكتفسير : ، قال: وأنزل الله هذه الآية: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [الأنفال: 1] أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليحكم في أمر السيف إلا بعد أن ينزل حكم الله عز وجل. ونعلم جميعاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب إلى غزوة بدر ولم يكن يقصد القتال، بل كان الخروج للعير التي تحمل بضائع قريش القادمة من الشام، وليس معها إلا بعد أربعون رجلاً يحرسونها، ولذلك خرج المسلمون وكان عددهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً وليس معهم عدة أو عتاد، بل لم يكن لديهم إلا فرسان اثنان لأنهم لم يخرجوا لقتال، بل خرجوا للعير بغية أن يعوضوا أنفسهم شيئاً مما سُلبوه في مكة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان سلك طريق الساحل. أي سار في طريق بعيد عن المسلمين ولم يأت من جهة الرسول والذين معه، واستنفرت قريش كل رجالها ليحموا العير، وصار الأمر بين أن يرجع المؤمنون دون حرب، وإما أن يواجهوا النفير، وهو التعداد الكثير، وكانوا ألفاً ومعهم العُدّة والعتاد، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشجع الفتيان على الحرب فقال لهم: "حديث : من قتل كافراً فله سلبه"تفسير : ، أي أنه خصّهم بأمر زائد عن سهمهم في الغنيمة. فلما علم الكبار من الصحابة والشيوخ، قالوا: يا رسول الله هم قاتلوا وقتلوا، لكن نحن كنا عند الرايات، يفيئون إلينا إن وقعت عليهم هزيمة فلا بد أن نتشارك، وحدث لغط وخلاف، فحسم الله سبحانه وتعالى هذا اللغط بأن أنزل قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}. فبين سبحانه أن الحكم في قسمة الغنائم بين الجميع لله وللرسول وإياكم أن تخرجوا عن أمر الله فيها، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية. فلا تنازعوا ولا تختلفوا {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ}. إن كان قد حصل بين الطرفين، الشبان والشيوخ الكبار قليل من الخلاف فأصلحوا ذات بينكم. وساعة تسمع {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} قد تسأل: ما هو البين؟ الجواب "البين" هو ما بين شيئين، فحين يجلس صف من الناس بجانب بعضهم البعض، فما بين كل منهم هو ما يُسمى "البين"، وقد يكون الذي يفصلنا عن بعض "بين مودة" أو بين جفوة، إذن فالبين له صورة وله هيئة، فإن كانت الصورة التي بينكم وبين بعضكم فيها شيء من الجفوة فأصلحوا السبب الذي من أجله وُجدَ "البين" حتى لا يكون بينكم جفوة ونزاع. ثم يقول تبارك وتعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 1]. وقلنا إن أمر الطاعة معناه الامتثال، والطاعة ليست للأمر فقط بل للنهي أيضاً، لأن الأمر طلب فعل، والنهي طلب عدم فعل، وكلاهما طلب. وحينما يقول الحق: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. تفهم هذا القول على ضوء ما عرفناه من قبل وهو أن مسألة الطاعة أخذت في القرآن صورا ثلاثا، الصورة الأولى: يقول الحق تبارك وتعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وفيها يكرر المطاع وهو الله والرسول، ولكنه يفرد الأمر بالطاعة. ومرة ثانية يقول المولى عز وجل: {أية : وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}تفسير : [المائدة: 92]. أي أنه سبحانه يكرر المطاع، ويكرر الأمر بالطاعة. ومرة ثالثة يقول سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}. لأن منهج الله فيه أمور ذكرها الله عز وجل، وذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتواردت السنة مع النص القرآني، فنحن نطيع الله والرسول في الأمر الصادر من الله. وهناك بعض من التكاليف جاءت إجمالية، والإجمال لا بد له من تفصيل، مثل الصلاة وفيها قال الحق تبارك وتعالى: {أية : فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً}تفسير : [النساء: 103]. إذن فالله عز وجل أمر بالصلاة إجمالاً وقدّم الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الإجمال تفسيراً وتطبيقاً فهي خمس صلوات، ركعتان للصبح، وأربع ركعات للظهر، وأربع ركعات للعصر، وثلاث ركعات للمغرب، وأربع ركعات للعشاء، وحدد الرسول عليه الصلاة والسلام الصلوات التي نجهر فيها بقراءة الفاتحة وبضع آيات من القرآن، وحدد الصلوات التي لا نجهر فيها بالتلاوة. إذن فحين يقول الحق تبارك وتعالى {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ}، أي أطيعوه في مجمل الحكم، وحين يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} أي أطيعوه في تفصيل الحكم، وإذا ما قال: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ} فهذا يعني أن الحق قد أمر وأن الرسول قد بلغ، والمراد واحد، وإذا لم يكن لله أمر، وقال الرسول شيئاً فالحق يقول: {وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ}، وسبحانه قد أعطى رسوله تفويضاً بقوله: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر: 7]. أي أن كل أمر من الرسول إنما يأتي من واقع التفويض الذي أكرمه الله به، وهنا يقول سبحانه وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1]. أي إن كنتم مؤمنين حقا فاتقوا الله الذي آمنتم به واتّبِعُوا الأمر الصادر من الله ورسوله لكم، لأن مدلول الإيمان هو اقتناع القلب بقضية لا تطفو للمناقشة من جديد، وكذلك اقتناع بأن هذا الكون له إله واحد، وله منهج يبلغه الرسول المؤيد من الله عز وجل بالمعجزة، وهذا الإيمان وهذا المنهج يفرض عليكم تقوى الله بإصلاح ذات البين، ويفرض عليكم طاعة الله والرسول في كل أمر، ومن هذه الأمور التي تتطلب الطاعة هو ما أنتم بصدده الآن، لأنه أمر في بؤرة الشعور. ويأتي الحق بعد ذلك ليبين من هم المؤمنون فيقول: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} [الآية: 1]. قال: يعني عن الغنائم.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {ٱلأَنْفَالِ} الغنائم جمع نفل بالفتح وهو الزيادة وسميت الغنائم به لأنها زيادة على القيام بحماية الدين والأوطان، وتسمى صلاة التطوع نفلاً، وولد الولد نافلة لهذا المعنى قال لبيد: شعر : إنَّ تقوى ربّنا خير نفل وبإِذن اللهِ ريثي والعجل تفسير : {وَجِلَتْ} الوجل: الخوف والفزع {ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} الشوكة: السلاح وأصلها من الشَّوك قال أبو عبيدة: ومجاز الشوكة الحد يقال: ما أشدَّ شوكة بني فلان أي حدّهم {تَسْتَغِيثُونَ} الاستغاثة: طلب النصرة والعون {مُرْدِفِينَ} متتابعين يتلو بعضهم بعضاً وردف وأردف بمعنى واحد أي تبع قال الطبري: العرب تقول: أردفته وردِفته بمعنى تبعته وأتبعته قال الشاعر: شعر : إِذا الجوزاء أردفت الثريا تفسير : {بَنَانٍ} البنان: جمع بنانة وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين قال عنترة: شعر : وكان فتى الهيجاء يحمي ذِمارها ويضرب عند الكَربِ كلَّ بنان تفسير : {زَحْفاً} الزحف: الدنو قليلاً مأخوذ من زحف الصبي إذا مشى على أليته قليلاً قليلاً ثم سمي به الجيش الكثير العدد لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف زحفاً {مُتَحَيِّزاً} منضماً يقال: تحيّز أي انضم واجتمع إِلى غيره {بَآءَ} رجع {مُوهِنُ} مضعف {تَسْتَفْتِحُواْ} استفتح: أي طلب الفتح والنصرة على عدوه. سَبَبُ النّزول: أ - عن ابن عباس قال: حديث : لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا، فأما المشيخة فثبتوا تحت الرايات، وأما الشبان فتسارعوا الى القتل والغنائم فقال المشيخة للشبان: أشركونا معكم فإِننا كنا لكم ردءاً ولو كان منكم شيء للجأتم إِلينا فأبوا واختصموا إِلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية فقسَّم صلى الله عليه وسلم الغنائم بينهم بالسوية . تفسير : ب - روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ قبضة من تراب يوم بدر فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه فما بقي أحد من المشركين إلا أصاب عينيه ومنخريه تراب من تلك القبضة وولوا مدبرين فنزلت {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ..} تفسير : الآية. التفسِير: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} أي يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي غنمتها من بدر لمن هي؟ وكيف تقسم؟ {قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي قل لهم: الحكم فيها لله والرسول لا لكم {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أي اتقوا الله بطاعته واجتناب معاصيه {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أي أصلحوا الحال التي بينكم بالائتلاف وعدم الاختلاف {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي أطيعوا أمر الله وأمر رسوله في الحكم في الغنائم قال عبادة بن الصامت: نزلت فينا أصحاب بدر حين اختلفنا وساءت أخلاقنا، فنزع الله الأنفال من أيدينا وجعلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقسمها على السواء فكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، وإِصلاح ذات البين {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} شرط حذف جوابه أي إِن كنتم حقاً مؤمنين كاملين في الإِيمان فأطيعوا الله ورسوله {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي إِنما الكاملون في الإِيمان المخلصون فيه {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي إِذا ذكر اسم الله فزعت قلوبهم لمجرد ذكره، استعظاماً لشأنه، وتهيباً منه جلَّ وعلا {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي إِذا تليت عليهم آيات القرآن ازداد تصديقهم ويقينهم بالله {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي لا يرجون غير الله ولا يرهبون سواه قال في البحر: أخبر عنهم باسم الموصول بثلاث مقامات عظيمة وهي: مقام الخوف، ومقام الزيادة في الإِيمان، ومقام التوكل على الرحمن {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} أي يؤدون الصلاة على الوجه الأكمل بخشوعها وفروضها وآدابها {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي وينفقون في طاعة الله مما أعطاهم الله، وهو عام في الزكاة ونوافل الصدقات {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي المتصفون بما ذكر من الصفات الحميدة هم المؤمنون إِيماناً حقاً لأنهم جمعوا بين الإِيمان وصالح الأعمال {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي لهم منازل رفيعة في الجنة {وَمَغْفِرَةٌ} أي تكفير لما فرط منهم من الذنوب {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي رزق دائم مستمر مقرون بالإِكرام والتعظيم {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} الكاف تقتضي مشبّهاً قال ابن عطية: شبهت هذه القصة التي هي إِخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها، والمعنى: حالهم في كراهة تنفيل الغنائم كحالهم في حالة خروجك للحرب وقال الطبري: المعنى: كما أخرجك ربك بالحق على كرهٍ من فريقٍ من المؤمنين كذلك يجادلونك في الحق بعد ما تَبيَّن، والحقُّ الذي كانوا يجادلون فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما تبيّنوه هو القتال {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} أي والحال أن فريقاً منهم كارهون للخروج لقتال العدو خوفاً من القتل أو لعدم الاستعداد {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} أي يجادلونك يا محمد في شأن الخروج للقتال بعد أن وضح لهم الحق وبان، وكان جدالهم هو قولهم: ما كان خروجنا إِلاّ للعير ولو عرفنا لاستعددنا للقتال {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} قال البيضاوي: أي يكرهون القتال كراهة من ينساق إِلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، وفيه إِيماء إِلى أن مجادلتهم إِنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} أي اذكروا حين وعدكم الله يا أصحاب محمد إِحدى الفرقتين أنها لكم غنيمة إِما العير أو النفير {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} أي وتحبون أن تلقوا الطائفة التي لا سلاح لها وهي العير لأنها كانت محمّلة بتجارة قريش قال المفسرون: حديث : روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة برآسة أبي سفيان، ونزل جبريل عليه السلام فقال يا محمد: إِن الله وعدكم إِحدى الطائفتين: إِما العير وإِما قريشاً، فاستشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه فاختاروا العير لخفة الحرب وكثرة الغنيمة، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة فنادى أبو جهل: يا أهل مكة النجاء النجاءَ، عيركُم أموالكم إِن أصابها محمد فلن تفلحوا بعدها أبداً، فخرج المشركون على كل صعب وذلول ومعهم أبو جهل حتى وصلوا بدراً، ونجت القافلة فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال لهم: إِن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا يا رسول الله: عليك بالعير ودع العدو فغضب رسول الله فقام سعد بن عبادة فقال: امض بنا لما شئت فإِنا متبعوك، وقام سعد بن معاذ فقال: والذي بعثك بالحق لو خضت بنا البحر لخضناه معك فسرْ بنا على بركة الله، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله قد وعدني إِحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إِلى مصارع القوم تفسير : {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي يظهر الدين الحق وهو الإِسلام بقتل الكفار وإِهلاكهم يوم بدر {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} أي يستأصل الكافرين ويهلكهم جملة من أصلهم قال في البحر: والمعنى أنكم ترغبون في الفائدة العاجلة، وسلامة الأحوال، وسفساف الأمور، والله تعالى يريد معالي الأمور، وإِعلاء الحق، والفوز في الدارين، وشتّان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم ذات الشوكة وأراكهم عياناً خذلانهم، فنصركم وهزمهم، وأذلهم وأعزكم {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} متعلق بمحذوف تقديره: ليحق الحقَّ ويبطل الباطل فعل ما فعل والمراد إِظهار الإِسلام وإِبطال الكفر {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي ولو كره المشركون ذلك أي إِظهار الإِسلام وإِبطال الشرك {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} أي اذكروا حين تطلبون من ربكم الغوث بالنصر على المشركين، روي حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر إِلى المشركين وهم ألف، وإِلى أصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فاستقبل القبلة ومدَّ يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إِن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام فلن تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأخذه أبو بكر فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبيَّ الله كفاكَ مناشدتك ربك فإِنه سينجز لك ما وعدك فنزلت هذه الآية {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} تفسير : أي استجاب الله الدعاء بأني معينكم بألف من الملائكة {مُرْدِفِينَ} أي متتابعين يتبع بعضهم بعضاً قال المفسرون: ورد أن جبريل نزل بخمسمائة وقاتل بها في يمين الجيش، ونزل ميكائيل بخمسمائة وقاتل بها في يسار الجيش، ولم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إِلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل الملائكة لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} أي وما جعل إِمدادكم بالملائكة إِلا بشارة لكم بالنصر {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} أي ولتسكن بهذا الإِمداد نفوسكم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي وما النصر في الحقيقة إِلا من عند الله العلي الكبير فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم وعدّتكم {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي غالب لا يُغلب يفعل ما تقضي به الحكمة {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} أي يلقي عليكم النوم أمناً من عنده سبحانه وتعالى، وهذه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث غشي الجميعَ النومُ في وقت الخوف قال علي رضي الله عنه: "ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إِلا نائم إِلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح" قال ابن كثير: وكأن ذلك كان للمؤمنين عند شدة البأس، لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تعديد لنعمة أخرى، وذلك أنهم عدموا الماء في غزوة بدر فأنزل الله عليهم المطر حتى سالت الأودية، وكان منهم من أصابته جنابة فتطهر بماء المطر {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أي من الأحداث والجنابات {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} أي يدفع عنكم وسوسته وتخويفه إِياكم من العطش، قال البيضاوي: روي أنهم نزلوا في كثيبٍ أعفر، تسوخ فيه الأقدام على غير ماء، وناموا فاحتلم أكثرهم فوسوس إِليهم الشيطان وقال: كيف تُنصرون وقد غُلبتم على الماء، وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله؟ فأنزل الله المطر حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي يقوّيها بالثقة بنصر الله {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} أي يُثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوخ في الرمل قال الطبري: ثبّت بالمطر أقدامهم لأنهم كانوا التقوا مع عدوهم على رملةٍ ميثاء فلبّدها المطر حتى صارت الأقدام عليها ثابتة لا تسوخ فيها {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} تذكير بنعمةٍ أخرى أي يوحي إِلى الملائكة بأني معكم بالعون والنصر {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي ثبتوا المؤمنين وقوّوا أنفسهم على أعدائهم {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} أي سأقذف في قلوب الكافرين الخوف والفزع حتى ينهزموا {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} أي اضربوهم على الأعناق كقوله {أية : فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} تفسير : [محمد: 4] وقيل: المراد الرءوس لأنها فوق الأعناق {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أي اضربوهم على أطراف الأصابع قال في التسهيل: وفائدة ذلك أن المقاتل إِذا ضربت أصابعه تعطَّل عن القتال فأمكن أسره وقتله {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي ذلك العذاب الفظيع واقع عليهم بسبب مخالفتهم وعصيانهم لأمر الله وأمر رسوله {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي ومن يخالف أمر الله وأمر رسوله بالكفر والعناد فإِن عذاب الله شديد له {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} أي ذلكم العقاب فذوقوه يا معشر الكفار في الدنيا، مع أن لكم العقاب الآجل في الآخرة وهو عذاب النار {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} أي إِذا لقيتم أعداءكم الكفار مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون زحفاً {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} أي فلا تنهزموا أمامهم بل اثبتوا واصبروا {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} أي ومن يولهم يوم اللقاء ظهره منهزماً {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي إِلا في حال التوجه إِلى قتال طائفة أخرى، أو بالفر للكرّ بأن يخيّل إِلى عدوه أنه منهزم ليغرّه مكيدة وهو من باب "الحرب خدعة" {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أي منضماً إِلى جماعة المسلمين يستنجد بهم {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي فقد رجع بسخطٍ عظيم {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي مقره ومسكنه الذي يأوي إِليه نار جهنم {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} أي بئس المرجع والمآل {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} أي فلم تقتلوهم أيها المسلمون ببدر بقوتكم وقدرتكم، ولكنَّ الله قتلهم بنصركم عليهم وإِلقاء الرعب في قلوبهم {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أي وما رميت في الحقيقة أنت يا محمد أعين القوم بقبضةٍ من تراب لأن كفاً من تراب لا يملأ عيون الجيش الكبير قال ابن عباس: حديث : أَخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوه المشركين وقال: شاهت الوجوهتفسير : ، فلم يبق أحد منهم إِلا أصاب عينيه ومنخريه من تلك الرمية فولوا مدبرين {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أي بإِيصال ذلك إِليهم فالأمر في الحقيقة من الله {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} أي فعل ذلك ليقهر الكافرين ويُنعم على المؤمنين بالأجر والنصر والغنيمة {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوالهم عليم بنياتهم وأحوالهم {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} أي ذلك الذي حدث من قتل المشركين ونصر المؤمنين حق، والغرض منه إِضعاف وتوهين كيد الكافرين حتى لا تقوم لهم قائمة {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} هذا خطاب لكفار قريش أي إِن تطلبوا يا معشر الكفار الفتح والنصر على المؤمنين فقد جاءكم الفتح وهو الهزيمة والقهر، وهذا على سبيل التهكم بهم قال الطبري في رواية الزهري: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر، وأقطع للرحم، فأحِنْه اليوم - أي أهلكه - فأنزل الله {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} فكان أبو جهل هو المستفتح {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي وإِن تكفّوا يا معشر قريش عن حرب الرسول ومعاداته، وعن الكفر بالله ورسوله فهو خير لكم في دنياكم وآخرتكم {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ} أي وإِن تعودوا لحربه وقتاله نعد لنصره عليكم {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} أي لن تدفع عنكم جماعتكم التي تستنجدون بها شيئاً من عذاب الدنيا مهما كثر الأعوان والأنصار {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لأن الله سبحانه مع المؤمنين بالنصر والعون والتأييد {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي دوموا على طاعة الله وطاعة رسوله يدم لكم العز الذي حصل ببدر {وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي لا تعرضوا عنه بمخالفة أمره وأصله تتولوا حذفت منه إِحدى التاءين {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} أي تسمعون القرآن والمواعظ {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} أي لا تكونوا كالكفار الذين سمعوا بآذانهم دون قلوبهم، فسماعهم كلا سماع لأن الغرض من السماع التدبر والاتعاظ {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ} أي شرَّ الخلق وشرَّ البهائم التي تدبُّ على وجه الأرض {ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ} أي الصمُّ الذين لا يسمعون الحق، البكم أي الخرس الذين لا ينطقون به {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي الذين فقدوا العقل الذي يميز به المرء بين الخير والشر، نزلت في جماعة من بني عبد الدار كانوا يقولون: نحن صمٌّ بكمٌّ عما جاء به محمد، وتوجهوا لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم مع أبي جهل، وفي الآية غاية الذم للكافرين بأنهم أشرُّ من الكلب والخنزير والحمير، لأنهم لم يستفيدوا من حواسهم فصاروا أخسَّ من كل خسيس {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} أي لو علم الله فيهم شيئاً من الخير لأسمعهم سماع تفهم وتدبر {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي ولو فُرض أن الله أسمعهم - وقد علم أن لا خير فيهم - لتولوا وهم معرضون عنه جحوداً وعناداً، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على عدم إِيمان الكافرين. البَلاَغَة: 1- {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} الإِشارة بالبعيد عن القريب لعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الشرف. 2- {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} استعار الدرجات للمراتب الرفيعة والمنازل العالية في الجنة. 3- {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} التشبيه هنا تمثيلي. 4- {أَن يُحِقَّ الحَقَّ} بينهما جناس الاشتقاق. 5- {ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} استعيرت الشوكة للسلاح بجامع الشدة والحدّة بينهما. 6- {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} كناية عن استئصالهم بالهلاك. 7- {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ} صيغة المضارع لاستحضار صورتها الغريبة في الذهن. 8- {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} تقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إِلى المؤخر. 9- {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} الخطاب للمشركين على سبيل التهكم كقوله {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ} تفسير : [الدخان: 49]. 10- {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ} شبّه الكفار بالبهائم بل جعلهم شراً منها، وذلك منتهى البلاغة ونهاية الإِعجاز، إِذ أن الكافر لا يسمع الحق والبهائم لا تسمع، ولا ينطق به والبهائم لا تنطق، ويأكل والبهائم تأكل، بقي أنه يضر والبهائم لا تضرُّ فكيف لا يكون شراً منها؟ تنبيه: ذكر تعالى في هذه السورة أنه أمدَّ المؤمنين بألف من الملائكة، وذكر في سورة آل عمران أنه أمدَّهم بثلاثة آلاف، ولا تعارض بين الآيات فإِنه تعالى ذكر هنا لفظ {مُرْدِفِينَ} ومعناه متتابعين فأمدهم أولاً بألف ثم بثلاثة آلاف والله الموفق.

الصابوني

تفسير : [1] حكم الأنفال في الإسلام التحليل اللفظي {ٱلأَنْفَالِ}: جمع نفل بالتحريك والمراد به هنا الغنيمة. قال لبيد: شعر : إن تقوى ربنا خير نَفَل تفسير : وقال عنترة: شعر : إنّا إذا احمرّ الوغى نرَوي القَنَا ونَعِفُّ عند مقاسم الأنفال تفسير : وأصل النفل (بالسكون) الزيادة. ومنه صلاة النافلة لأنها زيادة على الفريضة الواجبة. ويسمى (ولد الولد) نافلة قال تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} تفسير : [الأنبياء: 72] وتسمى الغنيمة نافلة لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرماً على غيرها وفي الحديث: "حديث : وأُحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي"تفسير : وهنا ثلاثة ألفاظ (النفل، الغنيمة، الفيء) فالنفل الزيادة كما بينا وتدخل في الغنيمة أيضاً، لأنها زيادة أحلت لهذه الأمة خاصة، والغنيمة ما أخذ من أموال الكفار بقتال وأما الفيء فهو ما أخذ بغير قتال قال تعالى: {أية : وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} تفسير : [الحشر: 6]. {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ}: بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وأصل التقوى أن يجعل الرجل بينه وبين الشيء الذي يخافه وقاية والمراد أن يتقي عذاب الله بطاعته، ويتقي غضبه بامتثال أوامره قال ابن الوردي: شعر : واتقِ الله فتَقوى الله ما جاورتْ قلبَ امريءٍ إلاّ وصل ليس من يقطعُ طرقاً بطلاً إنما من يتقي اللَّهَ البَطل تفسير : {ذَاتَ بِيْنِكُمْ}: أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، والبين في اللغة يطلق على الوصل، والافتراق، وقد جمع المعنيان في قول الشاعر: شعر : فواللَّه لولا البيْنُ لم يكن الهَوَى ولولا الهَوَى ما حنّ للبيْنِ آلفُ تفسير : {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}: أي فزعت لذكره واقشعرت إشفاقاً من عظمته وجلاله، وأصلُ الوجل: الخوف والفزع قال تعالى: {أية : إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ} تفسير : [الحجر: 52-53]. {زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}: أي زادتهم ثباتاً في الإيمان. وقوة في الاطمئنان، ونشاطاً في الأعمال الصالحة، وقد استدل الجمهور بهذه وأشباهها على زيادة الإيمان، فالإيمان يزيد وينتقص، يزيد بالطاعات وينتقص بالمعاصي كما نبه عليه البخاري. {يَتَوَكَّلُونَ}: أي يعتمدون عليه والتوكل على الله شعار المؤمنين المتقين قال الله تعالى: {أية : وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱلْحَيِّ ٱلَّذِي لاَ يَمُوتُ} تفسير : [الفرقان: 58]. {يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ}: أي يؤدونها كاملة مقوّمة تامة الأركان والشروط ولم يقل يؤدون الصلاة أو يصلون لأنه ليس المراد أداء الصلاة فحسب بل المراد الإتيان بها على الوجه الكامل من الاطمئنان والخشوع وأداء الأركان التي أوجبها الله وهذا هو السر في التعبير في كثير من الآيات الكريمة بقوله تعالى: {أية : أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [الحج: 41] أو {أية : وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ} تفسير : [البقرة: 3] فافهم رعاك الله. {دَرَجَاتٌ}: أي منازل ومقامات عاليات في الجنة. {وَمَغْفِرَةٌ}: أي تجاوز عن سيئاتهم. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة. والعرب يصفون الذي لا قبح فيه ولا ضرر بأنه كريم. المعنى الإجمالي يقول الله عز وجل مخاطباً رسوله الكريم: يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنائم التي غنمتها في أول معركة وقعت بينك وبين المشركين وهي "غنائم بدر" لمن هي؟ وما حكمها؟ وكيف تقسم؟ فقل لهم: هي لله وللرسول يحكم فيها الله عز وجل بحكمه ويقسمها الرسول صلى الله عليه وسلم على حسب تشريع الله عز وجل، فاتقوا الله ولا تختلفوا ولا تتنازعوا في شأنها، لأن ذلك يوجب سخط الله وغضبه عليكم، ويضعفكم أمام عدوكم، وربما كان اختلافكم سبباً لتحريمها عليكم، كما كانت حراماً على من كان قبلكم. وقد كانت الغنائم محرمة على الأمم السابقة فأحلها الله لهذه الأمة رحمة بها وتيسيراً عليها، وعوناً لها على الجهاد في سبيل الله، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي" تفسير : فلا تختلفوا أيها المؤمنون في شأنها ولا تتنازعوا في أمرها وأطيعوا الله ورسوله في كل ما يأمركم به، واجتنبوا نواهيه في كل ما يحذركم عنه، حتى تنالوا الدرجات العالية في الجنة وتكونوا من المؤمنين الصادقين في دعوى الإيمان. ثم بين الله عز وجل أوصاف المؤمنين وختمها بما أعده لهم من الجزاء الكريم في الآخرة في دار النعيم التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اللهم اجعلنا من السعداء الأبرار وأكرم نزلنا في دار القرار إنك سميع مجيب الدعاء. سبب النزول أولاً: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: "نزلت فينا معشر أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا فجعله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين على السواء، وكان في ذلك تقوى الله، وطاعة رسوله، وإصلاح ذات البين". ثانياً: وروى "أبو داود" عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال لما كان يوم بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صنع كذا وكذا فله من النفل كذا وكذا فتسارع في ذلك شبان القوم وبقي الشيوخ تحت الرايات فلما كانت المغانم جاءوا يطلبون الذي جعل لهم فقال الشيوخ: لا تستأثروا علينا فإنا كنا رِدْءاً لكم لو انكشفتم لثُبْتم إلينا فتنازعوا فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية. ثالثاً: وروى الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال: لما كان يوم بدر قتل أخي "عمير" وقتلت (سعيد بن العاص) وأخذت سيفه - وكان يسمى ذا الكتيفة - فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال اذهب فاطرحه في القبض قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي قال فما جاوزت يسيراً حتى نزلت سورة الأنفال فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذهب فخذ سلبك. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذكرُ اسم الجلالة في الأمرين {ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} و{وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ} لتربية المهابة والروعة في قلوب المؤمنين، وذكرُ اسم الرسول مع الله تعالى أولاً وأخيراً لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، وللإيذان بأن في طاعة الرسول طاعة الله تعالى كما قال عزّ شأنه: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء: 80]. اللطيفة الثانية: توسيطُ الأمر بإصلاح ذات البين {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} بين الأمر بالتقوى، والأمر بالطاعة، لإظهار كمال العناية بشأن الإصلاح بحسب المقام، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة، فإنّ الإصلاح بين المسلمين من أعظم الطاعات والقربات إلى الله. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} الشرط متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف دلّ عليه ما قبله، والمعنى: إن كنتم مؤمنين فاتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله، وليس الغرض التشكيك في إيمانهم، وإنما هو للإلهاب وتحريك الهمة. قال الزمخشري: "جعل التقوى، وإصلاح ذات البين، وإطاعة الله ورسوله، من لوازم الإيمان وموجباته، ليعلمهم أن كمال الإيمان موقوف على التوفر عليها". الأحكام الشرعية الحكم الأول: الغنائم وحكمها وكيفية تقسيمها: وضحت هذه الآية الكريمة حكم الأنفال (الغنائم) وذكرت أن أمرها مفوضٌ إلى الله عز وجل ورسوله وليس لأحد دخل في قسمتها فالله وحده هو الذي يحكم بما شاء والرسول صلى الله عليه وسلم يقسمها بحسب حكم الله تعالى. وقد اختلف العلماء هل هذه الآية محكمة أم منسوخة؟ فذهب الجمهور إلى أنها محكمة لم ينسخها شيء وأن هذه الآية بينت إجمالاً حكم الغنائم ثم وردت الآية الثانية {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 41] الآية فوضحت هذا الإجمال، وبينت بالتفصيل قسمة الغنائم ومصارفها فالخمس يصرف في المصارف التي بينتها الآية الكريمة، والباقي وهو أربعة أخماس يوزع على الغانمين وهذا الرأي الراجح. وقال بعضهم: إن الآية الكريمة منسوخة بقوله تعالى: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} تفسير : [الأنفال: 41] وهذا الرأي ضعيف والصحيح ما ذكرنا من أنه لا نسخ في الآية وإنما هو بيان للإجمال المذكور. قال ابن كثير: والصواب أنها مجملة محكمة بيّن مصارفها في آية الخمس. الحكم الثاني: تنفيل بعض المجاهدين من الغنيمة. التنفيل: إعطاء بعض المجاهدين من الغنيمة قبل قسمتها فاللإمام أن يُنفل من شاء من الجيش قبل التخميس لقصة "سعد بن أبي وقاص" المتقدمة في سبب النزول. ولما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غزوة بدر "حديث : من قتل قتيلاً فله كذا ومن أسر أسيراً فله كذا" تفسير : وهذا هو رأي الجمهور وهو الصحيح لظاهر الآية الكريمة. وقد نقل عن الإمام (مالك) رحمه الله أنه كره ذلك وقال هو قتال على الدنيا... قال ابن العربي في "تفسير آيات الأحكام" ما نصه: "قال علماؤنا النفل على قسمين: جائز، ومكروه - فالجائز بعد القتال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلَبُه، والمكروه أن يقال قبل القتل: من فعل كذا وكذا فله كذا.. وإنما كره هذا لأنه يكون القتال فيه للغنيمة. حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم ويقاتل ليرى مكانهُ أيُّ ذلك في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" تفسير : ثم قال: ويحق للرجل أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وإن نوى في ذلك الغنيمة وإنما المكروه في الحديث أن يكون مقصده المغنم خاصة انتهى. الحكم الثالث: هو التنفيل من أصل الغنيمة أم من الخمس؟ 1 - ذهب مالك وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى إلى أن النفل يكون من الخمس لا من رأس الغنيمة، وحجتهم في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم ". تفسير : 2 - وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن النفل يكون في أصل الغنيمة لا من الخمس... لما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بسلب أبي جهل "لمعاذ بن عمرو" وقال يوم حنين: من قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه . تفسير : قال ابن العربي: هذه الأخبار ليس فيها أكثر من إعطاء السلب للقاتل، وهل إعطاء ذلك له من رأس المال مال الغنيمة، أو من الخمس؟ ذلك إنما يؤخذ من دليل آخر وقد قسم الله الغنيمة قسمة حق على الأخماس فجعلها خمسها لرسوله وأربعة أخماسها لسائر المسلمين، والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ما حديث : روي أن (عوف بن مالك) قال: قتل رجل من حمير رجلاً من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد - وكان والياً عليهم - فأخبر عوفٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله! قال: ادفعه إليه، فلقي "عوف" خالداً فجرّ بردائه وقال هل أنجزت ما ذكرت لك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضِب فقال: لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركوا لي إمْرَتي ؟. تفسير : قال: فلو كان السلب حقاً له من رأس الغنيمة لما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها عقوبة في الأموال وذلك لا يجوز بحال، وقد ثبت أن - ابن المسيب - قال: ما كان الناس ينفلون إلا من الخمس. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمور الدين. ثانياً - الأحكام كلها مرجعها إلى الله تعالى وإلى رسوله الكريم. ثالثاً - اهتمام الشارع الحكيم بإصلاح ذات البين حفظاً لوحدة المسلمين. رابعاً - الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمنون الصادقون ليصلوا إلى حقيقة الإيمان. خامساً - امتثال أوامر الله وطاعته في ما أمر ونهى سبب لسعادة الإنسان في الدارين.

زيد بن علي

تفسير : أخبرنا أبو جعفر قالَ: أخبرنا علي بن أحمد، عن عطاء بن السائب، عن أبي خالد الواسطي، عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولِه تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} فالأَنفالُ: الغَنائِمُ واحدُها نَفَلٌ.

الأندلسي

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} الآية هذه السورة مدنية كلها إلا سبع آيات أولها وإذ يمكر بك الذين كفروا، إلى آخر الآيات، قاله ابن عباس ولا خلاف أنها نزلت يوم بدر وأمر غنائمه. وقال ابن زيد: لا نسخ فيها إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث هي ملكه ورزقه، وللرسول عليه السلام من حيث هو مبين لحكم الله تعالى والصادع فيها ليقع التسليم فيها من الناس وحكم القسمة نازل في خلال ذلك. والأنفال: جمع نَفَل. قال ابن عباس وجماعة: هي الغنائم. {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أمر بإِصلاح ذات البين، وهذا يدل على أنه كانت بينهم مباينة ومباعدة وربما خيف أن تفضي بهم إلى فساد ما بينهم من المودة والمصافاة. وتقدم الكلام على ذات في قوله: بذات الصدور، والبين هنا الفراق والتباعد، وذات هنا نعت لمفعول محذوف أي وأصلحوا أحوالاً ذات افتراقكم لما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت صفتها إليها كما تقول: اسقني ذا انائك، أي ماء صاحب إنائك، لما لابس الماء الإِناء وصف بذا وأضيف إلى الإِناء، والمعنى اسقني ما في الإِناء من الماء. {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} أي كاملي الإِيمان. قال ابن عطية: وجواب الشرط في قوله المتقدم: وأطيعوا، هذا مذهب سيبويه. ومذهب أبي العباس: أن الجواب محذوف متأخر يدل عليه المتقدم تقديره إن كنتم مؤمنين أطيعوا، ومذهبه في هذا أن لا يتقدم الجواب على الشرط. "انتهى". والذي قاله مخالف لكلام النحاة فإِنهم يقولون إن مذهب سيبويه ان الجواب محذوف وإن مذهب أبي العباس وأبي زيد الأنصاري والكوفيين جواز تقديم جواب الشرط عليه وهذا النقل هو الصحيح. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} الآية قرىء: وجلت بفتح الجيم وهي لغة ولما كان معنى إن كنتم مؤمنين أي كاملي الإِيمان قال: إنما المؤمنون، أي الكاملوا الإِيمان، ثم أخبر عنهم بموصول وصل بثلاث مقامات عظيمة وهي مقام الخوف ومقام الزيادة في الإِيمان ومقام التوكل، ويحتمل قوله: إذا ذكر الله أن يذكر اسمه فقط ويلفظ به تفزع قلوبهم لذكره استعظاماً له وهيباً وإجلالاً، ويحتمل أن يكون ذكر الله على حذف مضاف أي ذكرت عظمة الله وقدرته وما خوف به من عصاه. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} الأحسن أن يكون الذين صفة للذين السابقة حتى يدخل في حيّز الجزية فيكون ذلك إخباراً عن المؤمنين بثلاث الصلاة القلبية وعنهم بالصفة البدنية والصفة المالية. وجمع أفعال القلوب لأنها أشرف وجمع في أفعال الجوارح بين الصلاة والصدقة لأنها عمود أفعال الجوارح. والظاهر أن قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} عام في الزكاة ونوافل الصدقات وصلات الرحم وغير ذلك من المبارّ المالية. {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} حقاً نعت لمصدر محذوف تقديره إيماناً حقاً. ويجوز أن يكون توكيد المضمون الجملة السابقة فيكون العامل فيه محذوفاً تقديره أحقه حقاً. وهم في قوله: هم المؤمنون، يجوز أن يكون فصلاً بين المبتدأ والخبر وأن يكون مبتدأ خبره المؤمنون، والجملة خبر لأولئك، ويجوز أن يكون بدلاً من أولئك. {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} الآية، لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وبدنية ومالية ترتب عليها ثلاثة أشياء فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران وقوبلت المالية بالرزق الكريم وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع.

الجيلاني

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ} أي: أصحابك لك أيها الرسول، المبعوث على الخق العظيم {عَنِ ٱلأَنْفَالِ} أي: قسمة الغنائم، عبَّر سبحانه عنها بالنفل، وهو في اللغة: عطية زائدة اشترطها الإمام لمن اقتحم على محل الخطر زيادة على سهمه؛ لأنها زائدة على سهام الغزاة المجاهدين، المقاتلين في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الحق طلباً لمرضاته، وما يترتب عليه من أموال الدنيا بمنزلة النفل والعطية الزائدة على سهامهم التي هي المثوبة العظمى والمرتبة العليا عند الله. {قُلِ} لهم يا أكمل الرسل: {ٱلأَنفَالُ} كلها {لِلَّهِ} ومن مال الله، وقسمتها مفوض إليه سبحانه {وَ} إلى {ٱلرَّسُولِ} المستخلف منه، النائب عنه بإذنه {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} أيها المؤمنون عن مخالفة أمره وأمر رسوله {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} أي: الحالة والعداوة التي وقعت بينكم بوسوسة الشيطان وإغوائه {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: انقادوا أمرهما ولا تتجاوزوا عن حكمهما {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] موقنين بتوحيد الله وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} الكاملون في الإيمان، المتحققون بمرتبة اليقين والعرفان، المصدقون بالرسل المبين لهم طريق التوحيد، هم {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد، المتفرد بالألوهية، المتوحد بالربوبية {وَجِلَتْ} أي: خافت وترهبت، واضطربت {قُلُوبُهُمْ} من سطوة سلطنة عظمته وجلاله {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ} الدالة على بسطته وكبريائه؛ النازلة على رسله وأنبيائه {زَادَتْهُمْ} تلك الآيات {إِيمَٰناً} وتصديقاً وإذعاناً، ويقيناً وعياناً وعرفاناً {وَ} هم من كمال يقينهم وعرفانهم {عَلَىٰ رَبِّهِمْ} لا على غيره من الأسباب الناقصة {يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] أي: يتوصلون ويستعينون في جميع الأمور لتحققهم وتمكنهم ي مقام التوحيد المسقط للالتفات إلى غير الحق مطلقاً. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} أي: يديمون الميل إلى الله في جميع حالاتهم مراقبين لفيضه وجذب من جانبه {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} من كد يمينهم {يُنفِقُونَ} [الأنفال: 3] في سبيله؛ طلباً لمراضاته. {أُوْلۤـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ} المتحققون بمرتبة الإذعان والإيقان {حَقّاً} ثابتاً مستقراً بلا اضطراب وتزلزل {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ} عظيمة {عِندَ رَبِّهِمْ} من درجات العلم والعين والحق {وَمَغْفِرَةٌ} ستر لأنانيتهم وتعيناتهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] معنوي بدلها، يرزقون بها فرحين عنايةً من الله؛ لأن من توجه نحو الحق، ومال إلى جانبه ميلاً مسقطاً للتوجه إلى الغير مطلقاً، وخرج عن لوازم الإمكان إلى حيث ينفق ويبذل جميع ما نسب إليه من أموال الدنيا إعراضاً عنها، مخرجاً محبتها من قلبها أعطلى له سبحانه بدل إخلاصه من الرزق المعنوي ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر عى قلب بشر.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} [الأنفال: 1] إلى قوله: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] يشير إلى أن كثرة السؤال توجب الهلاك، ولهذا حديث : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال،تفسير : فلما أكثروا السؤال، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ذروني ما تركتكم ، فإنه أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم عن أنبيائهم"تفسير : ومن كثرة سؤالهم قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} وإنما سألوه لتكون الأنفال لهم فقال على خلاف ما تمنوا. {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [الأنفال: 1] يعملا فيها ما شاءا لا كما شئتم؛ لتتأدبوا ولا تعترضوا على الله والرسول بطريق السؤال، وتكونوا مستسلمين لأحكامهما في دينكم ودنياكم، وترحصوا على الدنيا؛ لئلا تشوبوا أعمالكم الدينية بالأعراض الدنيوية {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] أي اتقوا بالله عن غير الله وأصلحوا ما بينكم من الأخلاق الرديئة والهمم الدنيئة، وهي الحرص على الدنيا والحسد على الإخوان وغيرهما من الصفات الذميمة التي يحجب بها نور الإيمان عن القرب {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 1] بالتسليم لأحكامهما والائتمار بأوامرهما والانتهاء عن نهواهيهما {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] تحقيقاً لا تقليداً، فإن المؤمن الحقيقي هو الذي كتب الله بقلم العناية في قلبه الإيمان وأيده بروح منه فهو على نور من ربه. كما وصفه الله تعالى بقوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2] فإن دخل القلوب عند سماع ذكر الله من خصوصيته النور المنبسط فيه؛ لأنه من شأن نور الإيمان أن ينقي القلب ويصفيه عن كدورات صفات النفس وظلماتها، ويلين قسوته فيلين إلى ذكر الله فيجد شوقاً إلى الله، وهذا حال أهل البدايات، وأمَّا أهل النهايات الطمأنينة والسكون بالذكر؛ لقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ}تفسير : [الرعد: 28]. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحب القلوب إلى الله أصلبها في دين الله، وأصفاها عن الذنوب، وأرقها على الإخوان"،تفسير : ولمَّا جاء قوم حديثو العهد بالإسلام فسمعوا القرآن كانوا يبكون ويتأوهون فقال أبو بكر رضي الله عنه: هكذا كنا في بداية الإسلام، ثم قست قلوبنا. {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً} [الأنفال: 2] فجعل من شرط الإيمان الحاصل في القلوب: ازدياده عند سماع القرآن وتلاوته، وذكر الله وطاعته وعبادته؛ وذلك لأن الإيمان الحقيقي هو النور الواقع في القلوب بعد انفتاح روزنة القلوب من أنوار تجلي شموس صفات مالك يوم الدين للقلوب المشتاقة، فتكون وجوه القلوب النافرة من دنس حب الدنيا بذلك النور إلى ربها وحبيبها ناظرة، فلمَّا تليت على أصحابها الآيات، أو تلوها، أو ذكروا بالله، أو ذكروه، أو عملوا عملاً صالحاً زاد انفتاح روزنتها بقدر صدقها وشوقها، فيزيد فيها نور الإيمان فيزدادون إيماناً مع إيمانهم. {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] يعني: فحينئذ على ربهم يتوكلون لا على الدنيا وأهلها، فإن من شاهد نور الإيمان جمال الحق وجلاله، فقد استغرق في بحر لجي من شهود الحق بحيث لا مستغرق لغيره، ويرى الأشياء مضمحلة تحت سطوات جلاله فيكون تولكه عليه لا على غيره. ومن صفاتهم أنهم {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ} [الأنفال: 3] أي: يديمونها بملازمة العبودية ظاهراً وباطناً، ولا يشتغلون بطلب الدنيا وإن كانت حاجتهم، قائمة بها لإدامة الصلاة، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال: 3] أي: ومما أعطيناهم من غير طلبهم يصرفون في مصالح الدين وحراثة الآخرة وتقرباً إلى الله تعالى، {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الأنفال: 4] لاستكمال شرائط الإيمان فيهم بالتحقيق لا بالتقليد، ووقوع نور الحق في قلوبهم، وتهون ظلمة الباطل عنها، {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} [الأنفال: 4] على قدر استعلاء ذلك النور وتمكنهم في مقام العندية، {وَمَغْفِرَةٌ} [الأنفال: 4] أي: عطف من عواطفه يستر بنوره ظلمة وجودهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4] أي: عطاء كريم يناسب كرمه. ثم أخبر عن تحقيق هذا لنبيه بقوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} [الأنفال: 5] إلى قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}تفسير : [الأنفال: 10] الإشارة فيها أنه تعالى أخرج المؤمنين الذين هم المؤمنون حقاً عن أوطان البشرية إلى مقام العندية بجذبات العناية، {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} [الأنفال: 5] أي: من وطن وجودك {بِٱلْحَقِّ} أي: بمجيء الحق من تجلي صفات جماله وجلاله. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 5] أي: القلب والروح، {لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] يعني: للفناء من التجلي، فإن البقاء محبوب والفناء مكروه على كل ذي جود.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : الأنفال هي الغنائم التي ينفلها اللّه لهذه الأمة من أموال الكفار، وكانت هذه الآيات في هذه السورة قد نزلت في قصة { بدر } أول غنيمة كبيرة غنمها المسلمون من المشركين، .فحصل بين بعض المسلمين فيها نزاع، فسألوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عنها، فأنزل اللّه { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَال } كيف تقسم وعلى من تقسم؟ { قُلْ } لهم: الأنفال لله ورسوله يضعانها حيث شاءا، فلا اعتراض لكم على حكم اللّه ورسوله،. بل عليكم إذا حكم اللّه ورسوله أن ترضوا بحكمهما، وتسلموا الأمر لهما،. وذلك داخل في قوله { فَاتَّقُوا اللَّهَ } بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.. { وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } أي: أصلحوا ما بينكم من التشاحن والتقاطع والتدابر، بالتوادد والتحاب والتواصل..فبذلك تجتمع كلمتكم، ويزول ما يحصل - بسبب التقاطع -من التخاصم، والتشاجر والتنازع. ويدخل في إصلاح ذات البين تحسين الخلق لهم، والعفو عن المسيئين منهم فإنه بذلك يزول كثير مما يكون في القلوب من البغضاء والتدابر،.والأمر الجامع لذلك كله قوله: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فإن الإيمان يدعو إلى طاعة اللّه ورسوله،.كما أن من لم يطع اللّه ورسوله فليس بمؤمن. ومن نقصت طاعته للّه ورسوله، فذلك لنقص إيمانه،ولما كان الإيمان قسمين: إيمانا كاملا يترتب عليه المدح والثناء، والفوز التام، وإيمانا دون ذلك ذكر الإيمان الكامل فقال: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ } الألف واللام للاستغراق لشرائع الإيمان. { الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } أي: خافت ورهبت، فأوجبت لهم خشية اللّه تعالى الانكفاف عن المحارم، فإن خوف اللّه تعالى أكبر علاماته أن يحجز صاحبه عن الذنوب. { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } ووجه ذلك أنهم يلقون له السمع ويحضرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يزيد إيمانهم،.لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه،أو يحدث في قلوبهم رغبة في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم،أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان. { وَعَلَى رَبِّهِمْ } وحده لا شريك له { يَتَوَكَّلُونَ } أي: يعتمدون في قلوبهم على ربهم في جلب مصالحهم ودفع مضارهم الدينية والدنيوية، ويثقون بأن اللّه تعالى سيفعل ذلك. والتوكل هو الحامل للأعمال كلها، فلا توجد ولا تكمل إلا به. { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ } من فرائض ونوافل، بأعمالها الظاهرة والباطنة، كحضور القلب فيها، الذي هو روح الصلاة ولبها،. { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } النفقات الواجبة، كالزكوات، والكفارات، والنفقة على الزوجات والأقارب، وما ملكت أيمانهم،.والمستحبة كالصدقة في جميع طرق الخير. { أُولَئِكَ } الذين اتصفوا بتلك الصفات { هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا } لأنهم جمعوا بين الإسلام والإيمان، بين الأعمال الباطنة والأعمال الظاهرة، بين العلم والعمل، بين أداء حقوق اللّه وحقوق عباده. وقدم تعالى أعمال القلوب، لأنها أصل لأعمال الجوارح وأفضل منها،.وفيها دليل على أن الإيمان، يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص بضدها. وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه وينميه،.وأن أولى ما يحصل به ذلك تدبر كتاب اللّه تعالى والتأمل لمعانيه.ثم ذكر ثواب المؤمنين حقا فقال: { لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ } أي: عالية بحسب علو أعمالهم. { وَمَغْفِرَةٌ } لذنوبهم { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وهو ما أعد اللّه لهم في دار كرامته، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ودل هذا على أن من يصل إلى درجتهم في الإيمان - وإن دخل الجنة - فلن ينال ما نالوا من كرامة اللّه التامة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 295 : 1 : 7 - سفين عن الكلبي عن أبي ضلع من بن عباس قال، حديث : قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يوم بدر: "من جآء بأسير، فله كذى - ومن جآء برأس، فله كذى، ومن جآء برآس، فله كذى". فجآء أبو اليسر بأسيرين. فقال: "يا رسول الله، أنك قلت: من جآء بأسير، فله كذى، ومن جآء برأس، فله كذى. وقد جئت بهذين". قال سعد بن عبادة: "يا رسول الله، قد رأينا مكان ما أخذوا، وحرسناك مخافة عليك". فجعل أبو اليسر يتكلم - فإذا فرغ تكلم سعد بن عبادةتفسير : . فنزلت {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}. [الآية 1].

النسائي

تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [1] 216- أنا هناد بن السَّري في حديثه، عن أبي بكر، عن عاصم، عن مُصعب بن سعد، عن أبيه قال: حديث : جئت يوم بدر بسيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الله قد شفا صدري اليوم من العدو، فهب لي هذا السيف، فقال: "إن هذا السيف ليس لي ولا لك" فذهبت وأنا أقول: يُعطي اليوم من لم يُبْلِ بلائي، فبينما أنا إذ جاءني الرسول فقال: "أجب" فظننت أنه نزل فيَّ شيء لكلامي، فجئت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنك سألتني هذا السيف، وليس هو لي، ولا لك، وإن الله قد جعله لي وهو لك" ثم قرأ {يَسْأَلُونَكَ / عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} [1] إلى آخر الآية . تفسير : 217- أنا الهيثم بن أيوب، نا المُعتمر بن سليمان قال: سمعت داود بن أبي هند يحدِّث، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أتى مكان كذا وكذا أو فعل كذا وكذا فله كذا وكذا" فسارع إليه الشُّبان، وثبت الشيوخ تحت الرايات، فلما فتح الله لهم، جاء الشَّباب يطلبون ما جُعل لهم، فقال الأشياخ: لا تذهبوا به دوننا، فإنما كنا ردءاً لكمتفسير : ، فأنزل الله عز وجل { فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [1].

همام الصنعاني

تفسير : 987- حدثنا عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن القاسم بن محمد، قال قال ابن عباس: كان عمر إذا سُئلَ عن شيء قال: لا آمرك ولا أنهاك. قال: ثم يقول ابن عباس: واللهِ، ما بَعَثَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلا زاجراً آمراً مُحِلاًّ مُحرِّماً، قال: فسلط على ابن عباس رجل من أَهْلِ العراق فسأله عن الأنفال؟ فقال ابن عباس: كان الرجل يُنَفَّلُ فرس الرجل وسلبه، فأعاد عليه. فقال له مثل ذلك، ثم أعاد عليه. فقال ابن عباس: أتدرون مَا مَثَلُ هَذَا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر، قال: وكان عمر ضربه حتَّى سالت الدماء عَلى عقبيه، أو قال: عَلَى رجليه فقال: أمَّا والله فقد انتقم لعمر منك. 988- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن محمد بن السَّائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: لما كان يوم بدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قَتَلَ قتيلاً فله كذا وكذا، ومن أَسر أسيراً فله كذا وكذا، وكانوا قتلوا سبعين، وأَسَرُوا سَبْعِينَ. فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيريَنْ، فقال: يا رسول الله! إنَّك وعدتنا من قتل قتيلاً فله كذا، ومن أسرا أسيراً فله كذا، وقد جئت بأسيرين، فقام سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله! إن لم تمنعنا زَهَادة في الآخرة، وَلاَ جُبْن على العدُوِّ، ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يَقْتطِعك المشركونَ، وإنك إن تُعْط هؤلاءِ لا يبقى لأصحابك شيءً، قال: فجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولُون. فنزلت: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} [الآية: 1]، قال: فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ثم نزلت: {وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ...}: [الآية: 41] . تفسير : 989- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي قال: لما كان يوم بدر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ جاء برأسٍ فله كذا وكذا، وم جاء بأَسيرٍ له كذا وكذا. فلما هُزِمَ المشركون، تبعهم ناس مِنَ المسلمين وبقي مع النبي صلى الله عليه وسلم ناس. فقال الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، والله ما منعنا أن نصنع كما صَنَعَ هؤلاء أن نتبعهم ضعف بنَا ولا تَقصير ولكن كرهنا أن يغر بك وندعك وحدك. قال: في ذلك، فأنز لالله تبارك وتعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ}، تفسير : ثم أخبر الله بمواضعها. فقال: {أية : وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلْقُرْبَىٰ...}تفسير : [الآية: 41]، {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}تفسير : : [الآية: 7]، قال معمر، وقال قتادة: هي المغانم. 990- حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرني أيوب، عن عكرمة حديث : أن أبا سفيان أقبل من الشام في عير قريش وخرج المشركون مُغْوِثين لعيرهم، وَخَرَجَ النبي صلى الله عليه وسلم يريد أبا سفيان وأصحابه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أصحابه عَيْناً طليعةً ينظران: بأي ماءٍ هو؟ فانطلقا حتى إذا عما علمه وأخبرا خبره جاءا مسرعَيْن، فأخبرا النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء أبو سفيان فنزل على الماء الذي كان به الرجلان. فقال لأهل الماء: هل أحسستم أحداً من أهْل يثرب؟ قالوا: لا. قا ل: فهل مَرَّ بِكُم؟ قالوا: ما رأينا إلا رجلين من أهل كذا وكذا. قال أبو سفيان فأين كان مناخهما؟ فدلوه عليه، فانطلق حتى أتى بعر إبلهما ففتَّه، فإذا فيه نَوَى، فَقَال: أَنَّى لبني فلان النوى! هذه نواضح أهْلِ يثرب، فترك الطريق وأخذ سيف البحر وجاء الرجلان فأخبرا النبي صلى الله عليه وسلم خبره فقال: أيكم أخذ هذه الطريق؟ فقال أبو بكر: هم بماء كذا وكذا، ونحن بماء كذا وكذا، فيرتحل فينزل ماء كذا وكذا، وننزل نحن ماء كذا وكذا، ثم ينزل ماء كذا وكذا، وننزل ماء كذا وكذا، ثم نلتقي بماء كذا وكذا، كَأَنّا فرسا رِهان، فسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل بدراً، فوجد على ماء بدرٍ بعض رقيق قريش ممن خرج يغيث أبا سفيان فأخذهم أصحابه، فجعلوا يسائلونهم، فإذا صدقوهم ضربوهم، وإذا كذبوهم تركوهم فمرَّ بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم يفعلون ذلك، فَقَالَ: إن صدقكم ضربتموه، وإن كذبكم تركتموه. ثم دَعَا واحداً منهم، فقال: من يطعم القوم؟ فقال: فلان وفلان، فعدَّد رجالاً يطعمهم كل رجل يوماً، قال فكم يُنْحر لهم؟ فقال عشرة من الجزر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الجزور بمئة، وهم ما بين الألف والتسعمائة"، فملا جاء المشركون صافوهم، وكان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قد استشار قبل ذلك في قتالهم، فقام أبو بكر يشير عليه فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم استشارهم فقام عمر يشير عليه، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم ثم استشارَهم فقام سعد بن عبادة، فقال: يا نبي الله! والله لكأَنَّكَ تعرض بنا منذ اليوم لتعلم ما في نفوسنا، والذي نفسي بيده لو ضربت أكبادها حتى تبلغ برك الغماد من ذي يمن، لكنا معك، فوطن النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على القتال والصبر وسُرَّ بذلك منهم. فلمَّا التقوا سار في قريش: عتبة بن ربيعة، فقال: أيْ قوم أطيعوني اليوم وَلاَ تقاتلوا محمّداً وأصحابه، فإنكم إن قاتلتموه لم تزل إحنة ما بقيتم وفساد لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه وقاتل ابن عمه، فإن يك ملكاً أكلتم في ملك أخيكم، وإن يك نَبيّاً فأنتم أسعد الناس به، وإن يك كاذباً كَفَتْكموه ذؤبان العرب. فأبوا أن يَسْمَعُوا مقالته. وأبوا أن يطعيوه، فقال: أنشدكم الله في هذه الوجوه التي كأنها المصابيح أن تجعلوها أنداداً لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات، فقال أبو جَهْلٍ: لقد ملأت سحرك رعباً، ثم سَارَ في قريش فقال: إن عتبة بن ربيعة إنما يشير عليكم بهذا، لأنَّ ابنه مع محمد ومحمد ابن عمه، فهو يكره أن يقتل ابنه وابن عمه. فغضب عتبة بن ربيعة، وقال: أيْ مصفِّرَ استه، ستعلم أينا أجبن وألأم وأفشل لقومه اليوم. ثم نزل ونزل معه أخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة. فقال: أبرزوا إلينا أكفاءَنَا، فقام ناس من الأنصار من بني الخرزج فأجسلهم النبي صلى الله عليه وسلم فقام عليّ وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. فاختلف كل رجل منهم وقرينه ضربتين فقتل كل رجل منهم صاحبه وأعان حمزه علياً على قتل صاحبه، فقتله، وقطعت رجل عُبيدة، فمات بعد ذلك. وكان أول قتيل يومئذٍ من المسلمين، مهجع مولى عمر بن الخطاب. ثم أنزل الله تعالى نَصْرَهُ، وهزم عدوه، وقُتِلَ أبو جهل بن هشام، فأخبر بقتله النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أفعلتم؟ فقالوا نعم يا نبيّ الله، فَسُرَّ بذلكَ، وقال: إنَّ عَهْدي به، وفي ركبتيه جور، فاذهبوا فانظروا هَلْ ترون ذلك؟ فنظروا فرأوه، وأُسِرَ يومئذٍ ناس من قريش. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتلى فجروا حتى ألقوا في القليب، ثم أشرف عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالأ: أيْ عتبة بن ربيعة، أيْ أمية بن خلف، فجعل يسميهم رجُلاً رجلاً هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقالوا: يا نبي الله أَوَ يَسْمَعونَ ما تقول ؟ تفسير : 991- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة: قال عمر بن الخطاب: حديث : كيف يسمع يا نبي الله قوم أموات؟ قال صلى الله عليه وسلم: ما أنتم بأعلم بما أقول منهم، أي أنهم قد رأوْا أعمالهم . 992تفسير : - حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام بن عروة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث يومئذٍ زيد بن حارثة بشيراً يبشّر أهل المدينة. فجَعَلَ ناس لا يصدقونه ويقولُونَ: والله ما رجع هذا إلاَّ فاراً. وجعل يُخْبرهُمْ بالأسارى ويخبرُهم بمن قتل فلم يصدقوه حتى جِيءَ بالأسارى مقرنين في قيد، ثم فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم. 993- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة وعن عثمان الجزري، عن مقسم قالا: فادى النبي صلى الله عليه وسلم أسارى بدر وكان فداء كل رجل منهم أربعة آلاف، وقتل عقبة بن أبي معيط قبل الفداء، قام إليه علِيٌّ فقتله فقال: يا محمد فمَنْ للصِّبْيَةِ؟ قال: النار.