Verse. 1162 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ الَّذِيْنَ اِذَا ذُكِرَ اللہُ وَجِلَتْ قُلُوْبُہُمْ وَاِذَا تُلِيَتْ عَلَيْہِمْ اٰيٰتُہٗ زَادَتْہُمْ اِيْمَانًا وَّعَلٰي رَبِّہِمْ يَتَوَكَّلُوْنَ۝۲ۚۖ
Innama almuminoona allatheena itha thukira Allahu wajilat quloobuhum waitha tuliyat AAalayhim ayatuhu zadathum eemanan waAAala rabbihim yatawakkaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إنما المؤمنون» الكاملون الإيمان «الذين إذا ذكر الله» أي وعيده «وجلت» خافت «قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا» تصديقا «وعلى ربهم يتوكلون» به يثقون لا بغيره.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما قال: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } واقتضى ذلك كون الإيمان مستلزماً للطاعة، شرح ذلك في هذه الآية مزيد شرح وتفصيل، وبين أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول هذه الطاعات فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } الآية. واعلم أن هذه الآية تدل على أن الإيمان لا يحصل إلا عند حصول أمور خمسة: الأول: قوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } قال الواحدي يقال: وجل يوجل وجلاً، فهو وجل، وأوجل إذا خاف. قال الشاعر:شعر : لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول تفسير : والمراد أن المؤمن إنما يكون مؤمناً إذا كان خائفاً من الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } تفسير : [الزمر: 23] وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ هُم مّنْ خَشْيةِ رَبّهِمْ مُّشْفِقُونَ } تفسير : [المؤمنون: 57] وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلاَتِهِمْ خَـٰشِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 2] وقال أصحاب الحقائق: الخوف على قسمين: خوف العقاب، وخوف العظمة والجلال. أما خوف العقاب فهو للعصاة. وأما خوف الجلال والعظمة فهو لا يزول عن قلب أحد من المخلوقين، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً، وذلك لأنه تعالى غني لذاته عن كل الموجودات وما سواه من الموجودات فمحتاجون إليه، والمحتاج إذا حضر عند الملك الغني يهابه ويخافه، وليست تلك الهيبة من العقاب، بل مجرد علمه بكونه غنياً عنه، وكونه محتاجاً إليه يوجب تلك المهابة، وذلك الخوف. إذا عرفت هذا فنقول: إن كان المراد من الوجل القسم الأول، فذلك لا يحصل من مجرد ذكر الله، وإنما يحصل من ذكر عقاب الله. وهذا هو اللائق بهذا الموضع، لأن المقصود من هذه الآية إلزام أصحاب بدر طاعة الله وطاعة الرسول في قسمة الأنفال، وأما إن كان المراد من الوجل القسم الثاني، فذلك لازم من مجرد ذكر الله، ولا حاجة في الآية إلى الإضمار. فإن قيل: إنه تعالى قال ههنا {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } وقال في آية أخرى: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الرعد: 28] فكيف الجمع بينهما؟ وأيضاً قال في آية أخرى: {أية : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الزمر: 23] قلنا: الاطمئنان إنما يكون عن ثلج اليقين، وشرح الصدر بمعرفة التوحيد، والوجل إنما يكون من خوف العقوبة، ولا منافاة بين هاتين الحالتين، بل نقول: هذان الوصفان اجتمعا في آية واحدة، وهي قوله تعالى: {أية : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ }تفسير : [الزمر: 23] والمعنى: تقشعر الجلود من خوف عذاب الله، ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند رجاء ثواب الله. الصفة الثانية: قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ } وهو قكلوه: {أية : وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً } تفسير : [التوبة: 124] ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: زيادة الإيمان الذي هو التصديق على وجهين: الوجه الأول: وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي رحمه الله: أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان أزيد إيماناً، لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين، وإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «حديث : لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح» تفسير : يريد أن معرفته بالله أقوى. ولقائل أن يقول: المراد من هذه الزيادة: إما قوة الدليل أو كثرة الدلائل. أما قوة الدليل فباطل، وذلك لأن كل دليل فهو مركب لا محالة من مقدمات، وتلك المقدمات إما أن يكون مجزوماً بها جزماً مانعاً من النقيض أو لا يكون فإن كان الجزم المانع من النقيض حاصلاً في كل المقدمات، امتنع كون بعض الدلائل أقوى من بعض على هذا التفسير، لأن الجزم المانع من النقيض لا يقبل التفاوت، وأما إن كان الجزم المانع من النقيض غير حاصل إما في الكل أو في البعض فذلك لا يكون دليلاً، بل أمارة، والنتيجة الحاصلة منها لا تكون علماً بل ظناً، فثبت بما ذكرنا أن حصول التفاوت في الدلائل بسبب القوة محال، وأما حصول التفاوت بسبب كثرة الدلائل فالأمر كذلك، لأن الجزم الحاصل بسبب الدليل الواحد، إن كان مانعاً من النقيض فيمتنع أن يصير أقوى عند اجتماع الدلائل الكثيرة، وإن كان غير مانع من النقيض لم يكن دليلاً، بل كان أمارة ولم تكن النتيجة معلومة بل مظنونة، فثبت أن هذا التأويل ضعيف. واعلم أنه يمكن أن يقال: المراد من هذه الزيادة الدوام وعدم الدوام، وذلك لأن بعض المستدلين لا يكون مستحضراً للدليل والمدلول إلا لحظة واحدة، ومنهم من يكون مداوماً لتلك الحالة وبين هذين الطرفين أوساط مختلفة، ومراتب متفاوتة، وهو المراد من الزيادة. والوجه الثاني: من زيادة التصديق أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله، ولما كانت التكاليف متوالية في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم متعاقبة، فعند حدوث كل تكليف كانوا يزيدون تصديقاً وإقراراً، ومن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان تصديقه له أكثر من تصديق من صدقه في شيء واحد. وقوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ } معناه: أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد فكان ذلك زيادة في الإيمان والتصديق، وفي الآية وجه ثالث: وهو أن كمال قدرة الله وحكمته، إنما تعرف بواسطة آثار حكمة الله في مخلوقاته، وهذا بحر لا ساحل له، وكلما وقف عقل الإنسان على آثار حكمة الله في تخليق شيء آخر، انتقل منه إلى طلب حكمة في تخليق شيء آخر، فقد انتقل من مرتبة إلى مرتبة أخرى أعلى منها وأشرف وأكمل، ولما كانت هذه المراتب لا نهاية لها، لا جرم لا نهاية لمراتب التجلي والكشف والمعرفة. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقصان أم لا؟ أما الذين قالوا: الإيمان عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل، فقد احتجوا بهذه الآية من وجهين: الأول: أن قوله: {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } يدل على أن الإيمان يقبل الزيادة، ولو كان الإيمان عبارة عن المعرفة والإقرار لما قبل الزيادة. والثاني: أنه تعالى لما ذكر هذه الأمور الخمسة. قال: في الموصوفين بها {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } وذلك يدل على أن كل تلك الخصال داخل في مسمى الإيمان. وروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» تفسير : واحتجوا بهذه الآية على أن الإيمان عبارة عن مجموع الأركان الثلاثة. قالوا: لأن الآية صريحة في أن الإيمان يقبل الزيادة، والمعرفة والإقرار لا يقبلان التفاوت، فوجب أن يكون الإيمان عبارة عن مجموع الإقرار والاعتقاد والعمل، حتى أن بسبب دخول التفاوت في العمل يظهر التفاوت في الإيمان، وهذا الاستدلال ضعيف، لما بينا أن التفاوت بالدوام وعدم الدوام حاصل في الاعتقاد والإقرار، وهذا القدر يكفي في حصول التفاوت في الإيمان، والله أعلم. المسألة الثالثة: قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ } ظاهره مشعر بأن تلك الآيات هي المؤثرة في حصول الزيادة في الإيمان، وليس الأمر كذلك، لأن نفس تلك الآيات لا توجب الزيادة، بل إن كان ولا بد فالموجب هو سماع تلك الآيات أو معرفة تلك الآيات توجب زيادة في المعرفة والتصديق والله أعلم. الصفة الثالثة: للمؤمنين قوله تعالى: {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } واعلم أن صفة المؤمنين أن يكونوا واثقين بالصدق في وعده ووعيده، وأن يقولوا صدق الله ورسوله، وأن لا يكون قولهم كقول المنافقين {أية : مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً }تفسير : [الأحزاب: 12] ثم نقول: هذا الكلام يفيد الحصر، ومعناه: أنهم لا يتوكلون إلا على ربهم، وهذه الحالة مرتبة عالية ودرجة شريفة، وهي: أن الإنسان بحيث يصير لا يبقي له اعتماد في أمر من الأمور إلا على الله. واعلم أن هذه الصفات الثلاثة مرتبة على أحسن جهات الترتيب، فإن المرتبة الأولى هي: الوجل من عقاب الله. والمرتبة الثانية: هي الانقياد لمقامات التكاليف لله. والمرتبة الثالثة: هي الانقطاع بالكلية عما سوى الله، والاعتماد بالكلية على فضل الله، بل الغنى بالكلية عما سوى الله تعالى. والصفة الرابعة والخامسة: قوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ } واعلم أن المراتب الثلاثة المتقدمة أحوال معتبرة في القلوب والبواطن، ثم انتقل منها إلى رعاية أحوال الظاهر ورأس الطاعات المعتبرة في الظاهر، ورئيسها بذل النفس في الصلاة، وبذل المال في مرضاة الله، ويدخل فيه الزكوات والصدقات والصلاة، والإنفاق في الجهاد، والإنفاق على المساجد والقناطر، قالت المعتزلة: إنه تعالى مدح من ينفق ما رزقه الله، وأجمعت الأمة على أنه لا يجوز الإنفاق من الحرام، وذلك يدل على أن الحرام لا يكون رزقاً، وقد سبق ذكر هذا الكلام مراراً. واعلم أن الله تعالى لما ذكر هذه الصفات الخمس: أثبت للموصوفين بها أموراً ثلاثة: الأول: قوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {حَقّاً } بماذا يتصل. فيه قولان: أحدهما: بقوله: {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي هم المؤمنون بالحقيقة. والثاني: أنه تم الكلام عند قوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } ثم ابتدأ وقال: {حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ }. المسألة الثانية: ذكروا في انتصاب {حَقّاً } وجوهاً: الأول: قال الفراء: التقدير: أخبركم بذلك حقاً، أي أخباراً حقاً، ونظيره قوله: {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ حَقّاً } تفسير : [النساء: 151] والثاني: قال سيبويه: إنه مصدر مؤكد لفعل محذوف يدل عليه الكلام، والتقدير: وإن الذي فعلوه كان حقاً صدقاً. الثالث: قال الزجاج. التقدير: أولئك هم المؤمنون أحق ذلك حقاً. المسألة الثالثة: اتفقوا على أنه يجوز للمؤمن أن يقول أنا مؤمن، واختلفوا في أنه هل يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن حقاً أم لا؟ فقال أصحاب الشافعي: الأولى أن يقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، ولا يقول أنا مؤمن حقاً. وقال أصحاب أبي حنيفة رحمه الله: الأولى أن يقول أنا مؤمن حقاً، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أما الذين قالوا إنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، فلهم فيه مقامان: المقام الأول: أن يكون ذلك لأجل حصول الشك في حصول الإيمان. المقام الثاني: أن لا يكون الأمر كذلك. أما المقام الأول، فتقريره: أن الإيمان عند الشافعي رضي الله عنه عبارة عن مجموع الاعتقاد والإقرار والعمل. ولا شك أن كون الإنسان آتياً بالأعمال الصالحة أمر مشكوك فيه، والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في حصول تلك الماهية، فالإنسان وإن كان جازماً بحصول الاعتقاد والإقرار، إلا أنه لما كان شاكاً في حصول العمل كان هذا القدر يوجب كونه شاكاً في حصول الإيمان، وأما عند أبي حنيفة رحمه الله، فلما كان الإيمان اسماً للاعتقاد والقول، وكان العمل خارجاً عن مسمى الإيمان، لم يلزم من الشك في حصول الأعمال الشك في الإيمان. فثبت أن من قال إن الإيمان عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة يلزمه وقوع الشك في الإيمان، ومن قال العمل خارج عن مسمى الإيمان يلزمه نفي الشك عن الإيمان، وعند هذا ظهر أن الخلاف ليس إلا في اللفظ فقط. وأما المقام الثاني: وهو أن نقول: إن قوله: أنا مؤمن إن شاء الله ليس لأجل الشك، فيه وجوه: الأول: أن كون الرجل مؤمناً أشرف صفاته وأعرف نعوته وأحواله، فإذا قال أنا مؤمن، فكأنه مدح نفسه بأعظم المدائح. فوجب أن يقول: إن شاء الله ليصير هذا سبباً لحصول الانكسار في القلب وزوال العجب. روي أن أبا حنيفة رحمه الله، قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك. قال اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ }تفسير : [الشعراء: 82] فقال أبو حنيفة رحمه الله: هلا اقتديت به في قوله: {أية : أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ }تفسير : [البقرة: 260] وأقول: كان لقتادة أن يجيب، ويقول: إنه بعد أن قال: {بَلَىٰ } قال: {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } فطلب مزيد الطمأنينة، وهذا يدل على أنه لا بد من قول إن شاء الله. الثاني: أنه تعالى ذكر في هذه الآية أن الرجل لا يكون مؤمناً إلا إذا كان موصوفاً بالصفات الخمسة، وهي الخوف من الله، والإخلاص في دين الله، والتوكل على الله، والإتيان بالصلاة والزكاة لوجه الله تعالى. وذكر في أول الآية ما يدل على الحصر، وهو قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ } هم كذا وكذا. وذكر في آخر الآية قوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } وهذا أيضاً يفيد الحصر، فلما دلت هذه الآية على هذا المعنى، ثم إن الإنسان لا يمكنه القطع على نفسه بحصول هذه الصفات الخمس، لا جرم كان الأولى أن يقول: إن شاء الله. روى أن الحسن سأله رجل وقال: أمؤمن أنت؟ فقال: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأنا مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ الثالث: أن القرآن العظيم دل على أن كل من كان مؤمناً، كان من أهل الجنة فالقطع بكونه مؤمناً يوجب القطع بكونه من أهل الجنة، وذلك لا سبيل إليه، فكذا هذا. ونقل عن الثوري أنه قال: من زعم أنه مؤمن بالله حقاً، ثم لم يشهد بأنه من أهل الجنة، فقد آمن بنصف الآية. والمقصود أنه كما لا سبيل إلى القطع بأنه من أهل الجنة، فكذلك لا سبيل إلى القطع بأنه مؤمن. الرابع: أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب وعن المعرفة، وعلى هذا فالرجل إنما يكون مؤمناً في الحقيقة عند ما يكون هذا التصديق وهذه المعرفة حاصلة في القلب حاضرة في الخاطر، فأما عند زوال هذا المعنى، فهو إنما يكون مؤمناً بحسب حكم الله، أما في نفس الأمر فلا. إذا عرفت هذا لم يبعد أن يكون المراد بقوله إن شاء الله عائداً إلى استدامة مسمى الإيمان واستحضار معناه أبداً دائماً من غير حصول ذهول وغفلة عنه، وهذا المعنى محتمل. الخامس: أن أصحاب الموافاة يقولون: شرط كونه مؤمناً في الحال حصول الموافاة على الإيمان، وهذا الشرط لا يحصل إلا عند الموت، ويكون مجهولاً، والموقوف على المجهول مجهول. فلهذا السبب حسن أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله. السادس: أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله عند الموت، والمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة والعاقبة، فإن الرجل وإن كان مؤمناً في الحال، إلا أن بتقدير أن لا يبقى ذلك الإيمان في العاقبة؛ كان وجوده كعدمه، ولم تحصل فائدة أصلاً، فكان المقصود من ذكر هذا الاستثناء هذا المعنى. السابع: أن ذكر هذه الكلمة لا ينافي حصول الجزم والقطع، ألا ترى أنه تعالى قال: {أية : لَّقَدْ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّؤْيَا بِٱلْحَقّ لَتَدْخُلُنَّ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ إِن شَاء ٱللَّهُ ءامِنِينَ }تفسير : [الفتح: 27] وهو تعالى منزه عن الشك والريب. فثبت أنه تعالى إنما ذكر ذلك تعليماً منه لعباده، هذا المعنى، فكذا ههنا الأولى ذكر هذه الكلمة الدالة على تفويض الأمور إلى الله، حتى يحصل ببركة هذه الكلمة دوام الإيمان. الثامن: أن جماعة من السلف ذكروا هذه الكلمة، ورأينا لهم ما يقويه في كتاب الله وهو قوله تعالى: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} وهم المؤمنون في علم الله وفي حكمه، وذلك يدل على وجود جمع يكونون مؤمنين، وعلى وجود جمع لا يكونون كذلك. فالمؤمن يقول: إن شاء الله حتى يجعله الله ببركة هذه الكلمة من القسم الأول لا من القسم الثاني. أما القائلون: أنه لا يجوز ذكر هذه الكلمة فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه: الأول: أن المتحرك يجوز أن يقول: أنا متحرك ولا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله، وكذا القول في القائم والقاعد، فكذا ههنا وجب أن يكون المؤمن مؤمناً، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وكما أن خروج الجسم عن كونه متحركاً في المستقبل لا يمنع من الحكم عليه بكونه متحركاً حال قيام الحركة به فكذلك احتمال زوال الإيمان في المستقبل، لا يقدح في كونه مؤمناً في الحال. الثاني: أنه تعالى قال: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } فقد حكم تعالى عليهم بكونهم مؤمنين حقاً فكان قوله إن شاء الله يوجب الشك فيما قطع الله عليه بالحصول وذلك لا يجوز. والجواب عن الأول: أن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمناً، وبين وصفه بكونه متحركاً، حاصل من الوجوه الكثيرة التي ذكرناها، وعند حصول الفرق يتعذر الجمع، وعن الثاني أنه تعالى حكم على الموصوفين بالصفات المذكورة بكونهم مؤمنين حقاً، وذلك الشرط مشكوك فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط. فهذا يقوي عين مذهبنا. والله أعلم. الحكم الثاني من الأحكام التي أثبتها الله تعالى للموصوفين بالصفات الخمسة قوله تعالى: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ } والمعنى: لهم مراتب بعضها أعلى من بعض. واعلم أن الصفات المذكورة قسمان: الثلاثة الأول: هي الصفات القلبية والأحوال الروحانية، وهي الخوف والإخلاص والتوكل. والاثنتان الأخيرتان هما الأعمال الظاهرة والأخلاق. ولا شك أن لهذه الأعمال والأخلاق تأثيرات في تصفية القلب، وفي تنويره بالمعارف الإلهية. ولا شك أن المؤثر كلما كان أقوى كانت الآثار أقوى وبالضد، فلما كانت هذه الأخلاق والأعمال لها درجات ومراتب. كانت المعارف أيضاً لها درجات ومراتب، وذلك هو المراد من قوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ } والثواب الحاصل في الجنة أيضاً مقدر بمقدار هذه الأحوال. فثبت أن مراتب السعادات / الروحانية قبل الموت وبعد الموت، ومراتب السعادات الحاصلة في الجنة كثيرة ومختلفة، فلهذا المعنى قال: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ }. فإن قيل: أليس أن المفضول إذا علم حصول الدرجات العالية للفاضل وحرمانه عنها، فإنه يتألم قلبه، ويتنغص عيشه. وذلك مخل بكون الثواب رزقاً كريماً؟ والجواب: أن استغراق كل واحد في سعادته الخاصة به تمنعه من حصول الحقد والحسد، وبالجملة فأحوال الآخرة لا تناسب أحوال الدنيا إلا بالاسم. الحكم الثالث والرابع أن قوله: {وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } المراد من المغفرة أن يتجاوز الله عن سيئاتهم ومن الرزق الكريم نعيم الجنة. قال المتكلمون: أما كونه رزقاً كريماً فهو إشارة إلى كون تلك المنافع خالصة دائمة مقرونة بالأكرام والتعظيم، ومجموع ذلك هو حد الثواب. وقال العارفون: المراد من المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة بسبب الاشتغال بغير الله، ومن الرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفة الله ومحبته. قال الواحدي: قال أهل اللغة: الكريم اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن، والكريم المحمود فيما يحتاج إليه، والله تعالى موصوف بأنه كريم والقرآن موصوف بأنه كريم. قال تعالى: {أية : إِنّى أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ }تفسير : [النمل: 29] وقال: {أية : مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 7 لقمان: 10] وقال: {أية : وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } تفسير : [النساء: 31] وقال: {أية : وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا } تفسير : [الإسراء: 23] فالرزق الكريم هو الشريف الفاضل الحسن. وقال هشام بن عروة: يعني ما أعد الله لهم في الجنة من لذيذ المآكل والمشارب وهناء العيش، وأقول يجب ههنا أن نبين أن اللذات الروحانية أكمل من اللذات الجسمانية، وقد ذكرنا هذا المعنى في هذا الكتاب في مواضع كثيرة وعند هذا يظهر أن الرزق الكريم هو اللذات الروحانية وهي معرفة الله ومحبته والاستغراق في عبوديته. فإن قال قائل: ظاهر الآية يدل على أن الموصوف بالأمور الخمسة محكوم عليه بالنجاة من العقاب وبالفوز بالثواب، وذلك يقتضي أن لا تكليف على العبد فيما سوى هذه الخمسة وذلك باطل بإجماع المسلمين، لأنه لا بد من الصوم والحج وأداء سائر الواجبات. قلنا: إنه تعالى بدأ بقوله: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } وجميع التكاليف داخل تحت هذين الكلامين، إلا أنه تعالى خص من الصفات الباطنة التوكل بالذكر على التعيين، ومن الأعمال الظاهرة الصلاة والزكاة على التعيين، تنبيهاً على أن أشرف الأحوال الباطنة، التوكل وأشرف الأعمال الظاهرة، الصلاة والزكاة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. فيه ثلاث مسائل: الأولى ـ قال العلماء: هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة. والوجل: الخوف. وفي مستقبله أربع لغات: وَجِل يَوْجل ويَاجَل ويَيْجَل ويِيْجل، حكاه سيبويه. والمصدر وَجِل وَجَلا ومَوْجلاً؛ بالفتح. وهذا مَوْجِله (بالكسر) للموضع والاسم. فمن قال: يا جَل في المستقبل جعل الواو ألفاً لفتحة ما قبلها. ولغة القرآن الواو {أية : قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ}تفسير : [الحجر: 53]. ومن قال: «يِيجل» بكسر الياء فهي على لغة بني أسد، فإنهم يقولون: أنا إيجل، ونحن نِيجل، وأنت تِيجل؛ كلها بالكسر. ومن قال: «يَيْجل» بناه على هذه اللغة، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء. وكسرت في «ييجل» لتقوِّي إحدىٰ الياءين بالأُخرىٰ. والأمر منه «إيجَلْ» صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها. وتقول: إنِّي منه لأَوْجَل. ولا يقال في المؤنث: وَجْلاء: ولكن وَجِلة. وروى سفيان عن السدّي في قوله جل وعز: {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال: إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له: ٱتق الله، كَفّ ووَجِل قلبه. الثانية ـ وصف الله تعالىٰ المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوَجَل عند ذكره. وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه. ونظير هذه الآية {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}تفسير : [الحج: 35]. وقال: {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}. فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب. والوَجَل: الفزع من عذاب الله؛ فلا تناقض. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 23]. أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله. فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته؛ لا كما يفعله جهال العوامّ والمبتدعة الطَّغَام من الزّعيق والزّئير ومن النُّهاق الذي يشبه نُهاق الحمير. فيقال لمن تعاطىٰ ذلك وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله؛ ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفاً من الله. ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال: {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فَٱكْتُبْنَا مَعَ ٱلشَّاهِدِينَ}تفسير : [المائدة: 83]. فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم. ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم؛ فمن كان مُسْتَنَّاً فليستَنّ، ومن تعاطىٰ أحوال المجانين والجُنُون فهو من أخسّهم حالاً؛ والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى أَحْفَوْه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبْر فقال: «حديث : سَلُوني لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمتُ في مقامي هذا»تفسير : . فلما سمع ذلك القومُ أرَمُّوا ورهِبوا أن يكون بين (يَدَيْ) أمرٍ قد حضر. قال أنس: فجعلت ألتفت يميناً وشمالاً فإذا كل إنسان لافٌّ رأسه في ثوبه يبكي. وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العِرْباض بن سارِيَة قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذَرَفت منها العيون، وَوجِلت منها القلوب. الحديث. ولم يقل: زَعَقْنا ولا رَقَصْنا ولا زَفَنّا ولا قُمنا. الثالثة ـ قوله تعالىٰ: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي تصديقاً. فإن إيمان هذه الساعة زيادةٌ على إيمان أمس؛ فمن صدّق ثانياً وثالثاً فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدّم. وقيل: هو زيادة ٱنشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة؛ وقد مضىٰ هذا المعنىٰ في «آل عمران». {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} تقدّم معنىٰ التوكل في «آل عمران» أيضاً. {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} تقدّم في أوّل سورة «البقرة». {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي الذي ٱستوىٰ في الإيمان ظاهرُهم وباطنهم. ودلّ هذا على أن لكل حق حقيقة؛ حديث : وقد قال عليه السلام لحارثة: «إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك»تفسير : ؟ الحديث. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد؛ أمؤمن أنت؟ فقال له: الإيمان إيمانان، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن. وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالىٰ: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} ـ إلى قوله ـ {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} فوالله ما أدري أنا منهم أم لا. وقال أبو بكر الواسِطِيّ: من قال أنا مؤمن بالله حقاً؛ قيل له: الحقيقة تشير إلى إشراف وٱطلاع وإحاطة؛ فمن فقده بطل دعواه فيها. يريد بذلك ما قاله أهل السنة: إنّ المؤمن الحقيقي من كان محكوماً له بالجنة، فمن لم يعلم ذلك من سرّ حكمته تعالىٰ فدعواه بأنه مؤمن حقاً غير صحيح.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} أي الكاملون في الإيمان. {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فزعت لذكره استعظاماً له وتهيباً من جلاله. وقيل هو الرجل يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينزع عنها خوفاً من عقابه. وقرىء {وَجِلَتْ} بالفتح وهي لغة، وفَرَقَتْ أي خافت. {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} لزيادة المؤمن به، أو لاطمئنان النفس ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة، أو بالعمل بموجبها وهو قول من قال الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية بناء على أن العمل داخل فيه. {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يفوضون إليه أمورهم ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه.

ابن كثير

تفسير : قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه. ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله تعالى أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف الله المؤمنين فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فأدوا فرائضه {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} يقول: زادتهم تصديقاً {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يقول: لا يرجون غيره. وقال مجاهد: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فرقت، أي: فزعت وخافت، وكذا قال السدي وغير واحد، وهذه صفة المؤمن حق المؤمن الذي إذا ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف منه، ففعل أوامره، وترك زواجره؛ كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [آل عمران: 135]، وكقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 40-41] ولهذا قال سفيان الثوري: سمعت السدي يقول في قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. قال: هو الرجل يريد أن يظلم، أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله، فيجل قلبه، وقال الثوري أيضاً عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب عن أمّ الدرداء في قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قالت: الوجل في القلب كاحتراق السعفة، أما تجد له قشعريرة؟ قال: بلى. قالت لي: إذا وجدت ذلك فادع الله عند ذلك، فإن الدعاء يذهب ذلك، وقوله: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً}، كقوله: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} تفسير : [التوبة: 124]. وقد استدل البخاري وغيره من الأئمة بهذه الآية وأشباهها على زيادة الإيمان وتفاضله في القلوب؛ كما هو مذهب جمهور الأمة، بل قد حكى الإجماع عليه غير واحد من الأئمة؛ كالشافعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد؛ كما بينا ذلك مستقصى في أول شرح البخاري، ولله الحمد والمنة، {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: لا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يلوذون إلا بجنابه، ولا يطلبون الحوائج إلا منه، ولا يرغبون إلا إليه، ويعلمون أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك، وحده لا شريك له، ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب، ولهذا قال سعيد بن جبير: التوكل على الله جماع الإيمان. وقوله: { ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} ينبه تعالى بذلك على أعمالهم بعدما ذكر اعتقادهم، وهذه الأعمال تشمل أنواع الخير كلها، وهو إقامة الصلاة، وهو حق الله تعالى، وقال قتادة: إقامة الصلاة: المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها، وقال مقاتل بن حيان: إقامتها المحافظة على مواقيتها، وإسباغ الطهور فيها، وتمام ركوعها وسجودها، وتلاوة القرآن فيها، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هذا إقامتها، والإنفاق مما رزقهم الله يشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحب. والخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لخلقه. قال قتادة في قوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}، فأنفقوا مما رزقكم الله، فإنما هذه الأموال عواري وودائع عندك يا بن آدم، أوشكت أن تفارقها. وقوله: {أُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}، أي: المتصفون بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا أبو كريب، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد السكسكي عن سعيد بن أبي هلال عن محمد بن أبي الجهم، عن الحارث بن مالك الأنصاري: أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «حديث : كيف أصبحت يا حارث؟» تفسير : قال: أصبحت مؤمناً حقاً، قال: «حديث : انظر ما تقول، فإن لكل شيء حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟» تفسير : فقال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها. فقال: «حديث : يا حارث عرفت فالزم» تفسير : ثلاثاً. وقال عمرو بن مرة في قوله تعالى: {أُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} إنما أنزل القرآن بلسان العرب؛ كقولك: فلان سيد حقاً، وفي القوم سادة. وفلان تاجر حقاً، وفي القوم تجار. وفلان شاعر حقاً، وفي القوم شعراء. وقوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: منازل ومقامات ودرجات في الجنات؛ كما قال تعالى: {أية : هُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ ٱللَّهِ وٱللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} تفسير : [آل عمران: 163]، {وَمَغْفِرَةٌ} أي: يغفر لهم السيئات، ويشكر لهم الحسنات. وقال الضحاك في قوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الذي هو أسفل منه أنه فضل عليه أحد، ولهذا جاء في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أهل عليين ليراهم من أسفل منهم كما ترون الكوكب الغابر في أفق من آفاق السماء»تفسير : . قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، فقال: «حديث : بلى والذي نفسي بيده، لرجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»تفسير : . وفي الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي عطية عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أهل الجنة ليتراءون أهل الدرجات العلى كما تراءون الكوكب الغابر في أفق السماء، وإن أبا بكر وعمر منهم، وأنعما».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } الكاملون الإِيمان {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ } أي وعيده {وَجِلَتْ } خافت {قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً } تصديقاً {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } به يثقون لا بغيره.

الشوكاني

تفسير : الوجل الخوف والفزع، والمراد أن حصول الخوف من الله. والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله، فالحصر باعتبار كمال الإيمان لا باعتبار أصل الإيمان. قال جماعة من المفسرين: هذه الآية متضمنة للتحريض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما أمر به من قسمة الغنائم، ولا يخفاك أن هذا وإن صح إدراجه تحت معنى الآية، من جهة أن وجل القلوب عند الذكر وزيادة الإيمان عند تلاوة آيات الله يستلزمان امتثال ما أمر به سبحانه من كون الأنفال لله والرسول، ولكن الظاهر أن مقصود الآية هو إثبات هذه المزية لمن كمل إيمانه من غير تقييد بحال دون حال، ولا بوقت دون وقت، ولا بواقعة دون واقعة. والمراد من تلاوة آياته تلاوة الآيات المنزلة أو التعبير عن بديع صنعته، وكمال قدرته في آياته التكوينية بذكر خلقها البديع وعجائبها التي يخشع عند ذكرها المؤمنون. قيل والمراد بزيادة الإيمان: هو زيادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب وانثلاج الخاطر عند تلاوة الآيات. وقيل المراد بزيادة الإيمان: زيادة العمل؛ لأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، والآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ترد ذلك وتدفعه. {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } لا على غيره. والتوكل على الله: تفويض الأمر إليه في جميع الأمور. والموصول في قوله: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ } في محل رفع على أنه وصف للموصول الذي قبله، أو بدل منه، أو بيان له، أو في محل نصب على المدح. وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل الخير وأساسه. و «من» في {مّمَّا } للتبعيض. والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى المتصفين بالأوصاف المتقدّمة، وهو مبتدأ وخبره {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ } أي إن هؤلاء هم الكاملون الإيمان البالغون فيه إلى أعلى درجاته، وأقصى غاياته. و {حَقّاً } مصدر مؤكد لمضمون جملة {هم المؤمنون} أي حق ذلك حقاً أو صفة مصدر محذوف، أي هم المؤمنون إيماناً حقاً. ثم ذكر ما أعدّ لمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف من الكرامة فقال {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } أي منازل خير وكرامة، وشرف في الجنة كائنة عند ربهم، وفي كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم، وتعظيم وتفخيم. وجملة {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ } خبر ثان لـ {أُوْلَـٰئِكَ } أو مستأنفة جواباً لسؤال مقدر {وَمَغْفِرَةٌ } معطوف على درجات أي مغفرة لذنوبهم. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } يكرمهم الله به من واسع فضله، وفائض جوده. وقد أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } قال: فرقت قلوبهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه، أيضاً في الآية قال: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدّون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فأدّوا فرائضه. وأخرج الحكيم الترمذي، وابن جرير، وأبو الشيخ، من طريق شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء قالت: إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر بن حوشب، أما تجد قشعريرة؟ قلت بلى، قالت: فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك. وأخرج الحكيم الترمذي عن ثابت البناني قال: قال فلان: إني لأعلم متى يستجاب لي قالوا: ومن أين لك؟ قال: إذا اقشعرّ جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذلك حين يستجاب لي. وأخرج أيضاً عن عائشة قالت: ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة، فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في الآية قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهمّ بمعصية، فيقال له اتق الله فييجل قلبه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } قال: تصديقاً. وأخرج هؤلاء عن الربيع بن أنس في قوله: {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً } قال: خشية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يقول: لا يرجون غيره. وأخرجا عنه في قوله: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } قال: برئوا من الكفر. وأخرج أبو الشيخ عنه {حَقّاً } قال: خالصاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير، في قوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } يعني فضائل ورحمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } قال: أعمال رفيعة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } قال: أهل الجنة بعضهم فوق بعض. فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه. ولا يرى الذي هو أسفل أنه فضل عليه أحد. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن زيد، في قوله: {وَمَغْفِرَةٌ } قال: بترك الذنوب. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } قال: الأعمال الصالحة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي، قال إذا سمعتم الله يقول: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } فهي الجنة.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} فيه أحدهما: خافت. الثاني: رَقّتْ. {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ ءَايَاتُهُ} يعني آيات القرآن بما تضمنته من أمر ونهي. {زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} فيه وجهان: أحدهما: تصديقاً. الثاني: خشية. {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يحتمل وجهين: أحدهما: فيما يخافونه من الشدة في الدنيا. الثاني: فيما يرجونه من ثواب أعمالهم في الآخرة.

ابن عطية

تفسير : {إنما} لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، فإذا دخل في قصة وساعد معناها على الانحصار صح ذلك وترتب كقوله {أية : إنما إلهكم اله واحد} تفسير : [الأنبياء:108، فصلت:6] وغير ذلك من الأمثلة، وإذا كانت القصة لا تتأتى للانحصار بقيت "إنما" للمبالغة والتأكيد فقط، كقوله عليه السلام "حديث : إنما الربا في النسيئة "تفسير : ، وكقوله "حديث : إنما الشجاع عنترة "تفسير : , وأما من قال "إنما"، هي لبيان الموصوف فهي عبارة فاترة إذ بيان الموصوف يكون في مجرد الإخبار دون "إنما"، وقوله ها هنا {إنما المؤمنون} ظاهرها أنها للمبالغة والتأكيد فقط أي الكاملون، {وجلت} معناه فزعت ورقت وخافت وبهذه المعاني فسرت العلماء، وقرأ ابن مسعود "فرقت"، وقرأ أبي بن كعب "فزعت"، يقال وجل يؤجل وياجل وييجل وهي شاذة وييجل بكسر الياء الأولى ووجه هذه أنهم لما أبدلوا الواو ياء لم يكن لذلك وجه قياس، فكسروا الياء الأولى ليجيء بدل الواو ياء لعلة، حكى هذه اللغات الأربع سيبويه رحمه الله، و {تليت} معناه سردت وقرئت، والآيات هنا القرآن المتلو، وزيادة الإيمان على وجوه كلها خارج عن نفس التصديق، منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكماً من أحكام الله في القرآن فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به، إذ لكل حكم تصديق خاص، وهذا يترتب فيمن بلغه ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة، وتترتب زيادة الإيمان بزيادة الدلائل، ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص وتترتب بزيادة الأعمال البرة على قول من يرى لفظة الإيمان واقعة على التصديق والطاعات. وهؤلاء يقولون يزيد وينقص، وقوله {وعلى ربهم يتوكلون} عبارة جامعة لمصالح الدنيا والآخرة إذا اعتبرت وعمل بحسبها في أن يمتثل الإنسان ما أمر به ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر بعد ما تكفل له به من نصر أو رزق أو غيره، وهذه أوصاف جميلة وصف الله بها فضلاء المؤمنين فجعلها غاية للأمة يستبق إليها الأفاضل، ثم أتبع ذلك وعدهم ووسمهم بإقامة الصلاة ومدحهم بها حضاً على ذلك، وقوله {ومما رزقناهم ينفقون} قال جماعة من المفسرين: هي الزكاة. قال القاضي أبو محمد: وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام بإقامة الصلاة وإلا فهو لفظ عام في الزكاة ونوافل الخير وصلاة المستحقين، ولفظ ابن عباس في هذا المعنى محتمل، وقوله {أولئك هم المؤمنين حقاً} يريد كل المؤمنين، و {حقاً} مصدر مؤكد كذا نص عليه سيبويه، وهو المصدر غير المتنقل، والعامل فيه أحق ذلك حقاً، وقوله {درجات} ظاهره، وهو قول الجمهور، أن المراد مراتب الجنة ومنازلها ودرجتها على قدر أعمالهم، وحكى الطبري عن مجاهد أنها درجات أعمال الدنيا، وقوله {ورزق كريم} يريد به مآكل الجنة ومشاربها، و {كريم} صفة تقتضي رفع المذام كقولك ثوب كريم وحسب كريم.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَجِلَتْ} خافت، أو رقت. {إِيمَاناً} تصديقاً، أو خشية.

الخازن

تفسير : {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} لما أمر الله سبحانه وتعالى بطاعته وطاعة رسوله في الآية المتقدمة ثم قال بعد ذلك إن كنتم مؤمنين لأن الإيمان يستلزم الطاعة، بيَّن في هذه الآية صفات المؤمنين وأحوالهم فقال سبحانه وتعالى {إنما المؤمنون} ولفظة إنما تفيد الحصر والمعنى ليس المؤمنون الذين يخالفون الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم أي خضعت وخافت ورقت قلوبهم وقيل إذا خوفوا بالله انقادوا خوفاً من عقابه. وقال أهل الحقائق: الخوف على قسمين: خوف عقاب وهو خوف العصاة، وخوف الهيبة والعظمة وهو خوف الخواص، لأنهم يعلمون عظمة الله عز وجل فيخافونه أشد خوف، وأما العصاة فيخافون عقابه فالمؤمن إذا ذكر الله وجل قلبه وخافه على قدر مرتبته في ذكر الله. فإن قلت: إنه سبحانه وتعالى قال في هذه الآية وجلت قلوبهم بمعنى خافت وقال في آية أخرى تطمئن قلوبهم بذكر الله فكيف الجمع بينهما؟ قلت لا منافاة بين هاتين الحالتين لأن الوجل هو خوف العقاب والاطمئنان إنما يكون من ثلج اليقين وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهذا مقام الخوف والرجاء وقد جمعا في آية واحدة وهي قوله سبحانه وتعالى: تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله. والمعنى: تقشعر جلودهم من خوف عقاب الله ثم تلين جلودهم وقلوبهم عند ذكر الله ورجاء ثوابه وهذا حاصل في قلب المؤمنين ثم قال تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} يعني وإذا قرأت عليهم آيات القرآن زادتهم تصديقاً قاله ابن عباس. والمعنى: أنه كلما جاءهم شيء من عند الله آمنوا به فيزدادون بذلك إيماناً وتصديقاً لأن زيادة الإيمان بزيادة التصديق وذلك على وجهين الوجه الأول وهو الذي عليه عامة أهل العلم على ما حكاه الواحدي أن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد لأن عند حصول كثرة الدلائل وقوتها يزول الشك ويقوى اليقين فتكون معرفته بالله أقوى فيزداد إيمانه. الوجه الثاني: هو أنهم يصدقون بكل ما يتلى عليهم من عند الله ولما كانت التكاليف متوالية في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلما تجدد تكليف صدقوا به فيزدادون بذلك الإقرار تصديقاً وإيماناً ومن المعلوم أن من صدق إنساناً في شيئين كان أكبر مما يصدقه في شيء واحد فقوله تعالى: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} معناه أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد وتصديق جديد فكان ذلك زيادة في إيمانهم واختلف أناس في أن الإيمان هل يقبل الزيادة والنقص أم لا؟ فالذين قالوا إن الإيمان عبارة عن التصديق القلبي قالوا لا يقبل الزيادة لإجماع أهل اللغة على أن الإيمان هو التصديق والاعتقاد بالقلب وذلك لا يقبل الزيادة ومن قال إن الإيمان عبارة عن مجموع أمور ثلاثة وهي التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح والأركان فقد استدل على ذلك بهذه الآية من وجهين أحدهما أن قوله زادتهم إيماناً صريح في أن الإيمان يقبل الزيادة ولو كان عبارة عن التصديق بالقلب فقط لما قبل الزيادة وإذا قيل لزيادة فقد قبل النقص. الوجه الثاني: أنه ذكر في هذه الآية أوصافاً متعددة من أحوال المؤمنين ثم قال سبحانه وتعالى بعد ذلك: أولئك هم المؤمنون حقاً. وذلك يدل على أن تلك الأوصاف داخلة في مسمى الإيمان. وروي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"تفسير : أخرجاه في الصحيحين ففي هذا الحديث دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى وإذا كان كذلك كان قابلاً للزيادة والنقص. قال عمير بن حبيب، وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصاناً. قيل له: فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه فذلك زيادته وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي: أن للإيمان فرائض وشرائط وشرائع وحدوداً وسنناً فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان. وقوله سبحانه وتعالى: {وعلى ربهم يتوكلون} معناه يفوضون جميع أمورهم إليه ولا يرجون غيره ولا يخافون سواه. واعلم أن المؤمن إذا كان واثقاً بوعد الله ووعيده كان من المتوكلين عليه لا على غيره وهي درجة عالية ومرتبة شريفة لأن الإنسان يصير بحيث لا يبقى له اعتماد في شيء من أموره إلا على الله عز وجل واعلم أن هذه المراتب الثلاث أعني الوجل عند ذكر الله وزيادة الإيمان عند تلاوة القرآن والتوكل على الله من أعمال القلوب ولما ذكر الله سبحانه وتعالى هذه الصفات الثلاث أتبعها بصفتين من أعمال الجوارح فقال سبحانه وتعالى: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} يعني يقيمون الصلاة المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها وينفقون أموالهم فيما أمرهم الله به من الإنفاق فيه ويدخل فيه النفقة في الزكاة والحج والجهاد وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والقربات ثم قال تعالى: {أولئك} يعني من هذه صفتهم {هم المؤمنون حقاً} يعني يقيناً لا شك في إيمانهم قال ابن عباس برؤا من الكفر. وقال قتادة: استحقوا الإيمان وأحقه الله لهم وفيه دليل على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمناً حقاً لأن الله سبحانه وتعالى إنما وصف بذلك أقواماً مخصوصين على أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه وهذا يتعلق بمسألة أصولية وهي أن العلماء اتفقوا على أنه يجوز للرجل أن يقول أنا مؤمن واختلفوا في أنه هل يجوز له أن يقول أنا مؤمن حقاً أم لا؟ فقال أصحاب الإمام أبي حنيفة: الأولى أن يقول أنا مؤمن حقاً ولا يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله واستدلوا على صحة هذا القول بوجهين: الأول: أن المتحرك لا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله وكذا القول في القائم والقاعد، فكذلك هذه المسألة يجب فيها أن يكون المؤمن مؤمناً حقاً، ولا يجوز أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله. الوجه الثاني: أنه سبحانه وتعالى قال {أولئك هم المؤمنون حقاً} فقد حكم الله لهم بكونهم مؤمنين حقاً وفي قوله أنا مؤمن إن شاء الله تشكيك فيما قطع الله لهم به وذلك لا يجوز وقال أصحاب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه الأولى أن يقول الرجل أنا مؤمن إن شاء الله واحتجوا لصحة هذا القول بوجوه: الأول أن الإيمان عندهم عبارة عن الاعتقاد والإقرار والعمل وكون الإنسان آتيا بالأعمال الصالحة المقبولة أمر مشكوك فيه والشك في أحد أجزاء الماهية يوجب الشك في الماهية فيجب أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله وإن كان اعتقاده وإقراره صحيحاً وعند أصحاب أبي حنيفة أن الإيمان عبارة عن الاعتقاد فيخرج العمل من مسمى الإيمان فلم يلزم حصول الشك. الوجه الثاني: أن قولنا أنا مؤمن إن شاء الله ليس هو على سبيل الشك ولكن إذا قال الرجل أنا مؤمن فقد مدح نفسه بأعظم المدائح فربما حصل له بذلك عجب فإذا قال: إن شاء الله زال عنه ذلك العجب وحصل له الانكسار. روي أن أبا حنيفة قال لقتادة: لم استثنيت في إيمانك؟ فقال قتادة: اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله: {أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}تفسير : [الشعراء: 12] فقال أبو حنيفة هلا اقتديت به في قوله أولم تؤمن؟ قال: بلى فانقطع قتادة قال بعضهم كان لقتادة أن يقول إن إبراهيم قال بعد قوله بلى ولكن ليطمئن قلبي فطلب. مزيد الطمأنينة. الوجه الثالث: أن الله سبحانه وتعالى ذكر في أول الآية إنما المؤمنون ولفظة إنما تفيد الحصر يعني إنما المؤمنون الذين هم كذا وكذا وذكر بعد ذلك أوصافاً خمسة وهي الخوف من الله والإخلاص لله والتوكل على الله والإتيان بالصلاة كما أمر الله سبحانه وتعالى وإيتاء الزكاة كذلك ثم بعد ذلك قال: أولئك هم المؤمنون حقاً يعني أن من أتى بجميع هذه الأوصاف كان مؤمناً حقاً ولا يمكن لأحد أن يقطع بحصول هذه الصفات له فكان الأولى له أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله. وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال أمؤمن أنت؟ فقال الحسن: إن كنت سألتني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن وإن كنت سألتني عن قوله إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الآية فلا أدري أنا منهم أم لا. وقال علقمة: كنا في سفر فلقينا قوم فقلنا من القوم؟ فقالوا نحن المؤمنون حقاً فلم ندر ما نجيهم حتى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا قال فما رددتم عليهم قلنا لم نرد عليهم شيئاً قال هلا قلتم لهم أمن أهل الجنة أنتم إن المؤمنين هم أهل الجنة؟ وقال سفيان الثوري: من زعم أنه مؤمن حقاً عند الله ثم لم يشهد أنه في الجنة فقد آمن بنصف الآية دون النصف الآخر. الوجه الرابع: إن قولنا أنا مؤمن إن شاء الله للتبرك لا للشك فهو كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : وإنا إن شاء الله بكم لاحقون"تفسير : مع العلم القطعي أنه لاحق بأهل القبور. الوجه الخامس: إن المؤمن لا يكون مؤمناً حقاً إلا إذا ختم له بالإيمان ومات عليه وهذا لا يحصل إلا عند الموت، فلهذا السبب حسن أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله. فالمراد صرف هذا الاستثناء إلى الخاتمة. وأجاب أصحاب هذا القول، وهم أصحاب الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنهم، عن استدلال أصحاب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم بقولهم: إن المتحرك لا يجوز أن يقول أنا متحرك إن شاء الله بأن الفرق بين وصف الإنسان بكونه مؤمناً وبين وصفه بكونه متحركاً أن الإيمان يتوقف حاله على الخاتمة والحركة فعل يقيني فحصل الفرق بينهما والجواب عن الوجه الثاني وهو قولهم إنه سبحانه وتعالى قال: {أولئك هم المؤمنون حقاً} فقد حكم لهم بكونهم مؤمنين حقاً أنه تعالى حكم للموصوفين بتلك الصفات المذكورة في الآية بكونهم مؤمنين حقاً إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة ولا يقدر أحد أن يأتي بتلك الأوصاف على الحقيقة ونحن نقول أيضاً إن من أتى بتلك الأوصاف على الحقيقة كان مؤمناً حقاً ولكن لا يقدر على ذلك أحد والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. وقوله تعالى: {لهم درجات عند ربهم} يعني لهم مراتب بعضها أعلى من بعض لأن المؤمنين تتفاوت أحوالهم في الأخذ تلك الأوصاف المذكورة فلهذا تتفاوت مراتبهم في الجنة لأن درجات الجنة على قدر الأعمال. قال عطاء: درجات الجنة يرتقون فيها بأعمالهم، وقال الربيع بن أنس: درجات الجنة سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مائة عام"تفسير : أخرجه الترمذي وله عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم"تفسير : {ومغفرة} يعني ولهم مغفرة لذنوبهم {ورزق كريم} يعني ما أعدَّ لهم في الجنة وصفه بكونه كريماً لأن منافعه حاصلة لهم دائمة عليهم مقرونة بالإكرام والتعظيم.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...} الآية، {إِنَّمَا } لفظ لا تُفَارِقُهُ المُبَالَغَةُ والتأكيد؛ حيث وقع، ويصلح مع ذلك لِلْحَصْرِ، بحسب القرينة، فقوله هنا: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } ظاهرها أنَّها للمبالغة والتأكيد فقط، أي الكاملون. قال الشَّيْخُ أبو عَبْدُ اللَّه محمد بن محمد بن أحمد الأَنْصَارِيّ الساحلي المالقي في كتابه الذي ألَّفَهُ في «السلوك»: واعلم أن الإنْسَانَ مطلوب بطَهَارَة نفسه، وتزكيتها، وطُرُقُ التزكية وإن كَثُرَتْ، فطريق الذِّكْرِ أسرع نفعاً، وأقرب مَرَاماً، وعليه دَرَجَ أكثر مشائخ التربية، ثم قال: والذِّكْرُ ضد النسيان، والمطلوب منه عِمَارَةُ الباطن باللَّهِ تعالى في كل زمان، ومع كل حال؛ لأن الذِّكْرَ يَدُلُّ على المذكور لا محالة، فذكره ديدنا يوجب المَحَبَّةَ له، والمعرفة به، والذكر وإن اختلف ألفاظه ومعانيه، فلكل معنًى [من] معانيه اختصاص بنوعٍ من التَّحْلِيَةِ والتخلية، والتزكية، ثم قال: والذِّكْرُ على قسمين: ذكر العامة، وذِكْرُ الخاصة. أما ذِكْرُ العامة، وهو ذِكْرُ الأجور، فهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بما شاء من ذِكْرِهِ لا يقصد غير الأجور والثواب، وأما ذكر الخَاصَّة، فهو ذِكْرُ الحضور، وهو أن يذكر العَبْدُ مَوْلاَهُ بأذكار مَعْلُومَةٍ، على صفة مَخْصُوصَةٍ؛ لِينال بذلك المَعْرِفَةَ باللَّهِ سبحانه بطهارة نَفْسِهِ من كل خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وتحليتها بكل خُلُق كريم. انتهى. و{وَجِلَتْ }: معناه: فَزِعَتْ، وَرَقَّتْ، وخافت، وبهذه المعاني فسرتها العُلَمَاءُ. و{تُلِيَتْ} معناه: سُرِدَتْ، وقرئت، والآيات هنا: القرآن المَتْلُوُّ. ومن كلام صاحب «الكلم الفارقية»: إن تَيَقَّظْتَ يقظة قلبية، وانْتَبَهْتَ ٱنتباهةً حقيقية لم تر في وَقْتِكَ سَعَةً لغير ذِكْرِ ربك، واستشعار عظمته، ومهابته، والإِقبال على طاعته، ما في وَقْتِ العاقل فَضْلَةٌ في غير ما خُلِقَ له من عبادة خالقه، والاهتمام بمَصَالِحِ آخرته، والاستعداد لمَعَادِهِ، أعرف العبيد بجلالِ مَوْلاَهُ أَخْلاَهُمْ عما سواه، وأكثرهم لَهَجاً بذكره، وتعظيماً لأمره، وأحسنهم تَأَمُّلاً لآثار صنعته، وبدائع حِكْمته، وأشدهم شَوْقاً إلى لقائه، ومشاهدته انتهى. وزيادة الإيمان على وجوه كلها خَارِجٌ، عن نَفْسِ التصديق: منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حُكْماً من أحكام اللَّه عز وجل في القرآن، فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه، فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ما قد آمن به؛ إذ لكل حُكْم تَصْدِيقٌ خاص، وهذا يَتَرتَّبُ فيمن بَلَغَهُ ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القِيَامَةِ، وترتب زيادة الإِيمان بزيادة الدَّلاَئِلِ، ولهذا قال مالك: الإِيمان يَزِيدُ ولا ينقص، ويترتب بِزِيَادَةِ الأعمال البَرَّةِ على قول من يَرَى أنَّ لَفْظَةَ الإيمان واقعة على التَّصْدِيقِ والطاعات، وهؤلاء يقولون: يزيد وينقص. وقوله سبحانه: {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عبارة جامعة لِمَصَالِحِ الدنيا والآخرة إذا اعتبرت، وعمل بحسبها في أن يَمْتَثِلَ الإنسان ما أمر به، ويبلغ في ذلك أَقْصَى جهده دون عجز، وينتظر بعدما وعد به من نَصْرٍ، أو رزق، أو غيره، وهذه أَوْصَافٌ جَمِيلَةٌ وَصَفَ اللَّه بها فُضَلاَءَ المؤمنين، فجعلها غاية للأُمَّةِ يَسْتَبِقُ إِليها الأَفَاضِلُ، ثم أَتْبَعَ ذلك وَعْدَهُمْ وَوَسْمَهُمْ بإِقامة الصلاة، ومَدَحَهُمْ بها حَضَّا على ذلك. وقوله: {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ}. قال جَمَاعَةٌ من المفسرين: هي الزَّكَاةُ وإِنما حملهم على ذلك اقْترَانُ الكلام بإِقَامَةِ الصَّلاَةِ، وإِلا فهو لفظ عام في الزكاة، ونوافل الخَيْرِ، وَصِلاَتِ المستحقين، ولفظ ابنَ عَبَّاسٍ في هذا المعنى محتمل. وقوله سبحانه: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } ظَاهِرُهُ، وهو قَوْلُ الجمهور أن المراد مَرَاتِبُ الجنة، ومنازلها، ودرجاتها على قَدْرِ أعمالهم، {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } يريد مَآكِلَ الجنة، ومَشَارِبَهَا، و{كَرِيمٌ} صفة تقتضي رَفْعَ المَذَامِّ، كقوله: ثوب كَرِيمٌ .

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} الآية. لمَّا بيَّن أن الإيمان لا يحصل إلا بالطاعة قال: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} يقال: "وَجِلَ" الماضي بالكسر "يَوْجَلُ" بالفتح، وفيه لغة أخرى، قُرىء بها في الشَّاذ وجَلَتْ بفتح الجيم في الماضي وكسرها في المضارع، فتحذف الواو، كـ: وعَدَ يَعِدُ، ويقال في المشهورة: وجِلَ يَوْجَل، ومنهم من يقول "يَاجَلُ" بقلب الواو ألفاً، وهو شاذٌّ؛ لأنَّه قلْبُ حرفِ العلّة بأحد السَّببينِ وهو انفتاحُ ما قبل حرفِ العلَّةِ دون تحركه وهو نظيرُ "طَائِيٍّ" في النَّسب إلى "طَيِّىء". ومنهم من يقول: "يبجَلُ" بكسر حرف المضارعة، فتقلب الواوُ ياءً، لسكونها وانكسار ما قبلها، وقد تقدَّم في أول الكتاب أنَّ من العرب من يكسرُ حرف المضارعةِ بشروطٍ منها: أن لا يكون حرفُ المضارعة ياءً إلاَّ في هذه اللَّفظةِ، وفي أبي يِئْبَى. ومنهم من ركَّب من هاتين اللغتين لغةً أخرى وهي فتحُ الياء وقلبُ الواو ياءً، فقال "يَيْجَلُ" فأخذ قلب الواو ممَّن كسر حرف المضارعة، وأخذ فتحَ الياءِ من لغة الجمهور. والوَجَلُ: الفزَعُ. وقيل: استشعارُ الخوف يقال منه: وجِلَ يُوْجَلُ، ويَاجَلُ، ويَيْجَلُ، ويِيجَلُ، وَجَلاً فهو وَجِلٌ. فصل معنى الآية: إنَّما المؤمنون الصَّادقون في إيمانهم: {الذين إذا ذُكر اللهُ وجلتْ قلوبُهمْ} خافت وفرقت، وقيل: إذا خوفوا باللَّهِ انقادُوا خوفاً من عقابه. {وإذا تُليَتْ عليهم آياتُهُ زادتهم إيماناً} وتصديقاً ويقيناً، قال عمر بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادةً ونقصاناً، قيل فما زيادته؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه فذلك زيادته، وإذا سهونا وغفلنا فذلك نقصانه. وكتب عمرُ بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: "إنَّ للإيمان فرائضَ وشرائعَ وحدوداً وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان". ثم قال: {وعلى ربِّهم يتوكَّلون} يفوضون إليه أمورهم، ويثقون به، ولا يرجون غيره، فالتَّقديمُ يفيدُ الاختصاص، أي: عليه لا على غيره، وهذه الجملةُ يحتمل أن يكونَ لها محلٌّ من الإعراب، وهو النَّصْبُ على الحالِ من مفعول: زادَتْهُم، ويحتمل أن تكون مستأنفة، ويحتمل أن تكون معطوفة على الصِّلةِ قبلها، فتدخل في حيِّز الصلاتِ المتقدِّمةِ. وعلى الوجهين فلا محلَّ لها من الإعراب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم‏}‏ قال‏:‏ فرقت قلوبهم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فاخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال ‏ {‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم‏} ‏ فأدوا فرائضه. وأخرج الحكيم الترمذي وابن جرير وأبو الشيخ من طريق شهر بن حوشب عن أبي الدرداء قال‏:‏ إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر أما تجد قشعريرة‏؟‏ قلت‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن عائشة قالت‏:‏ ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة، فإذا وجد أحدكم فليدع عند ذلك‏. وأخرج الحكيم الترمذي عن ثابت البناني قال‏:‏ قال فلان‏:‏ إني لأعلم متى يستجاب لي‏.‏ قالوا‏:‏ ومن أين يعلم ذاك‏؟‏ قال‏:‏ إذا اقشعر جلدي، ووجل قلبي، وفاضت عيناي، فذاك حين يستجاب لي‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في شعب الإِيمان عن السدي في قوله ‏{‏إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم‏} ‏ قال‏:‏ هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية، فيقال له‏:‏ اتق الله‏.‏ فيجل قلبه‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏زادتهم إيمانا‏ً} ‏ قال‏:‏ تصديقا‏ً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس في قوله ‏{‏زادتهم إيمانا‏ً} ‏ قال‏:‏ زادتهم خشية‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏زادتهم إيمانا‏ً} ‏ قال‏:‏ الإِيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن سفيان بن عيينة قال‏:‏ نطق القرآن بزيادة الإِيمان ونقصانه قوله ‏ {‏زادتهم إيمانا‏ً} ‏ فهذه زيادة الأيمان، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي عن عمر بن الخطاب قال‏:‏ لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح إيمان أبي بكر‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وعلى ربهم يتوكلون‏} ‏ يقول‏:‏ لا يرجون غيره‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير قال‏:‏ التوكل على الله جماع الإِيمان‏. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال‏:‏ التوكل جماع الإِيمان. وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عن سعيد بن جبير قال‏:‏ التوكل على الله نصف الإِيمان.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} جملةٌ مستأنفةٌ مَسوقةٌ لبـيان مَنْ أريد بالمؤمنين بذكر أوصافِهم الجليلةِ المستتبِعةِ لما ذكر من الخصال الثلاثِ، وفيه مزيدُ ترغيبٍ لهم في الامتثال بالأوامر المذكورةِ أي إنما الكاملون في الإيمان المخلِصون فيه {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي فِزعت لمجرد ذكرِه من غير أن يُذكرَ هناك ما يوجب الفزَعَ من صفاته وأفعالِه واستعظاماً لشأنه الجليلِ وتهيباً منه وقيل: هو الرجلُ يُهمّ بمعصية فيقال له: اتقِ الله فينزِعُ عنها خوفاً من عقابه، وقرىء وجَلت بفتح الجيم وهي لغة وقرىء فرِقَتْ أي خافت {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} أيَّ آيةٍ كانت {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} أي يقيناً وطُمأنينةَ نفسٍ فإن تظاهُرَ الأدلةِ وتعاضُدَ الحُججِ والبراهينِ موجبٌ لزيادة الاطمئنانِ وقوة اليقين، وقيل: إن نفسَ الإيمانِ لا يقبل الزيادةَ والنقصانَ وإنما زيادتُه باعتبار زيادةِ المؤمَنِ به فإنه كلما نزلت صدّق بها المؤمنُ فزاد إيمانُه عداً، وأما نفسُ الإيمان فهو بحاله وقيل: باعتبار أن الأعمالَ تُجعل من الإيمان فيزيد بزيادتها، والأصوبُ أن نفسَ التصديقِ يقبل القوةَ وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق النيّر بـين يقينِ الأنبـياءِ وأربابِ المكاشفات ويقينِ آحادِ الأمةِ، وعليه مبنى ما قال علي رضي الله عنه: لو كُشف الغِطاءُ ما ازددتُ يقيناً، وكذا بـين ما قام عليه دليلٌ واحد وما قامت عليه أدلةٌ كثيرة {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ} مالكِهم ومدبرِ أمورِهم خاصة {يَتَوَكَّلُونَ} يفوّضون أمورَهم لا إلى أحد سواه والجملةُ معطوفةٌ على الصلة، وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ} مرفوعٌ على أنه نعتٌ للموصول الأول أو بدلٌ منه أو بـيانٌ له أو منصوبٌ على القطع المنبىءِ عن المدح ذَكَر أولاً من أعمالهم الحسنةِ أعمالَ القلوب من الخشية والإخلاصِ والتوكل ثم عقّب بأعمال الجوارحِ من الصلاة والصدقة. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى من ذُكرت صفاتُهم الحميدةُ من حيث أنهم متصفون بها، وفيه دلالةٌ على أنهم متمِّيزون بذلك عمن عداهم أكملَ تميزٍ منتظمون بسببه في سلك الأمور المشاهدةِ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلو رتبتِهم وبُعدِ منزلتِهم في الشرف {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} لأنهم حققوا إيمانَهم بأن ضمّوا إليه ما فصل من أفاضل الأعمالِ القلبـيةِ والقالَبـية، وحقاً صفةٌ لمصدر محذوفٍ، أي أولئك هم المؤمنون إيماناً حقاً، أو مصدرٌ مؤكدٌ للجملة أي حقَّ ذلك حقاً كقولك: هو عبدُ الله حقاً {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ} من الكرامة والزُّلفىٰ وقيل: درجاتٌ عاليةٌ في الجنة، وهو إما جملةٌ مبتدأةٌ مبنيةٌ على سؤال نشأ من تعداد مناقبهم كأنه قيل: ما لهم بمقابلة هذه الخِصالِ؟ فقيل: لهم كيت وكيت أو خبرٌ ثانٍ لأولئك، وقوله تعالى: {عِندَ رَبّهِمْ} إما متعلقٌ بمحذوف وقع صفةً لدرجاتٌ مؤكدةٌ لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافيةِ أي كائنةٌ عنده تعالى أو بما تعلق به الخبرُ أعني لهم من الاستقرار، وفي إضافة الظرفِ إلى الرب المضافِ إلى ضميرهم مزيدُ تشريفٍ ولطفٍ لهم وإيذانٌ بأن ما وعد لهم متيقَّنُ الثبوتِ والحصولِ مأمونُ الفواتِ {وَمَغْفِرَةٌ} لما فرَط منهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لا ينقضي أمدُه ولا ينتهي عددُه وهو ما أعد لهم من نعيم الجنة.

التستري

تفسير : قوله: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}[2] قال: هاجت من خشية الفراق، فخشعت الجوارح لله بالخدمة.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الآية: 2]. قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: هل رأيت ذلك الرجل عند سماع الذكر أو عند سماع كتابه؟ وهل أخرسك سماع ذلك الذكر حتى لم تنطق إلا به؟ وهل أصمك حتى لا تسمع إلا منه هيهات؟ وقيل: المؤمن إذا سمع الذكر أو ذكر هو وَجِلَ قلبه أى: عاد القلب على اللسان بالذكر وعلى الآذن بسماع الذكر، فاضطرب وهو الوجل الذى ذكره الله عز وجل. قال سهل فى قوله {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال: هاجت من خشية الفراق فخشعت الجوارح لله بالخدمة. قال الواسطى رحمة الله عليه: وجلت قلوبهم الوجل على مقدار مطالعته، ربما يريه مواضع السطوة، وربما يريه مواضع المودة والمحبة إن كان يريه التقريب والتبعيد. قال الجنيد رحمة الله عليه: وجلت قلوبهم من فوات الحق.. وقال بعضهم: الوجل على مقدار المطالعات فإن طالع السطوة هابه، وإن طالع المودة وَجِلَ قلبه مخافة فوته. وجملة ذلك من طالع التقريب بالتأديب وجل، ومن طالع التهديد بالتبعيد وجل ومن طالعه مغيبًا عن شاهده قائمًا سرمده خاليًا من أزله وأبده، فلا وجل حينئذ ولا اضطراب ولا تباعد ولا اقتراب، فإنه تحقق بالذات ونسى الصفات وفنى من الذات بالذات، كما هرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفات إلى الذات فقال: "حديث : أعوذ بك منك ". تفسير : قوله عز وعلا: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} [الآية: 2]. قال بعضهم: أظهر عليهم بركة التلاوة وزيادة يقين فى بواطنهم، وزيادة طاعة على ظاهرهم. وقال الجنيد رحمة الله عليه: {زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} إذ لا سبيل إلى الوصول إلى الله إلا بالله. قال عمرو بن عثمان: الوجد الصحيح هو الذى يرى صاحبه زيادة ذلك فى أحواله وأفعاله وأقواله وأخلاقه، لأن الله عز وجل يقول {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}.

القشيري

تفسير : الوَجَل شِدَّة الخوف، ومعناه ها هنا أَن يُخْرِجَهم الوَجَلُ عن أوطان الغفلة، ويزعجهم عن مساكن الغيبة. فإِذا انفصلوا عن أوْدية التفرقة وفاؤوا إلى مَشَاهِدِ الذكر نالوا السكون إلى الله - عز وجل؛ فيزيدُهم ما يُتْلَى عليهم من آياته تصديقاً على تصديق، وتحقيقاً على تحقيق. فإذا طالعوا جلال قَدْرِهِ، وأيقنوا قصورَهم عن إدراكه، توكلوا عليه في إمدادهم بالرعاية في نهايتهم، كما استخلصهم بالعناية في بدايتهم. ويقال سُنَّة الحقِّ - سبحانه مع أهل العرفان أن يُرَدِّدَهم بين كَشْفِ جلالٍ ولُطْف جمال، فإذا كاشفهم بجلاله وَجِلَتْ قلوبُهم، وإذا لاطفهم بجماله سَكَنَتْ قلوبهم، قال الله تعالى: {أية : وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الرعد: 28]. ويقال وجلت قلوبهم بخوف فراقه، ثم تطمئن وتسكن أسرارهم بروْح وصاله. وذكر الفراق يُفْنيهم وذكر الوصال يُصْحيهم ويُحْييهم. ويقال الطالبون في نَوْحِ رهبتهم، والواصلون في روْح قربتهم، والموحِّدون في محو غيبتهم؛ استولت عليهم الحقائق فلا لهم تطلع لوقتٍ مستأنف فيستفزهم خوف أو يجرفهم طمع، ولا لهم إحساس فَتَمْلِكُهم لذة؛ إذ لمَّا اصْطُلِمُوا ببوادهِ ما مَلَكَهُمْ فَهُمْ عنهم مَحْوٌ، والغالبُ عليهم سواهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {إنما المؤمنون} اى انما الكاملون فى الايمان المخلصون فيه {الذين إذا ذكر الله} عندهم {وجلت قلوبهم} من هيبة الجلال وتصور عظمت المولى الذى لا يزال وهذا الخوف لازم لاهل كمال الايمان سواء كان ملكا مقربا او نبيا مرسلا او مؤمنا تقيا نقيا وهذا بخلاف خوف العقاب فانه لا يحصل بمجرد ذكر الله بملاحظة المعصية وذكر عقاب الله انتقاما من العصاة واين من يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينزع عنها خوفا من عقابه ممن ينزع بمجرد ذكره من غير ان يذكر هناك ما يوجب النزع من صفاته وافعاله استعظاما لشأنه الجليل وتهيبا منه* واعلم ان شأن نور الايمان ان يرق القلب ويصفيه عن كدورات صفات النفس وظلماتها ويلين قسوته فيلين الى ذكر الله ويجد شوقا الى الله وهذا حال اهل البدايات واما حال اهل النهايات فالطمأنينة والسكون بالذكر ولما جاء قوم حديثوا عهد بالاسلام فسمعوا القرآن كانوا يبكون ويتأوّهون فقال ابو بكر رضى الله عنه هكذا كنا فى بداية الاسلام ثم قست قلوبنا يشير بذلك الى نهايته فى الاطمئنان {واذا تليت} قرئت {عليهم آياته} اى آيات الله يعنى القرآن امرا ونهيا وغير ذلك {زادتهم} اى تلك الآيات والاسناد مجازى {إيمانا} اى يقينا وطمأنينة نفس فان تظاهر الادلة وتعاضد الحجج والبراهين موجب لزيادة الاطمئنان وقوة اليقين قال الفاضل التفتازانى وتبعه المولى ابو السعود فى تفسيره ان نفس التصديق مما يقبل الزيادة والنقصان للفرق الظاهر بين يقين الانبياء وارباب المكاشفات وبين يقين الامة ولهذا قال امير المؤمنين على رضى الله عنه "حديث : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا " .تفسير : وكذا بين ما قام عليه دليل واحد من التصديقات وما قامت عليه ادلة كثيرة قال الكاشفى [در حقايق سلمى مذكورست كه بيركت تلاوت نور يقين در باطن ايشان ظاهر كردد وزيادتى طاعت برظاهر ايشان هويدا شود. ودر بحر الحقايق فرموده كه ايمان حقيقى نوريست كه بقدر سعت روزنه دل دروى مى تابد بس جون قرآن برارباب قلوب خوانند روزنه دل ايشان ببركت قرائت كشاده تركردد ونور ايمان بيشتر دروى افتد بس درنور جمال مستغرق كردند] {وعلى ربهم} مالكهم ومدبر امورهم خاصة {يتوكلون} يفوضون امورهم ولا يخشون ولا يرجون الا اياه قال فى التأويلات النجمية {على ربهم يتوكلون} لا على الدنيا واهلها فان من شاهد بنور الايمان جمال الحق وجلاله فقد استغرق فى بحر لجى من شهود الحق بحيث لا يتفرغ لغيره ويرى الاشياء مضمحلة تحت سطوات جلاله فيكون توكلهم عليه لا على غيره شعر : هركه او در بحر مستغرق شود فارغ از كشتى واز زورق شود غرقة دريا بجز دريا نديد غير دريا هست بروى نابدبد تفسير : ولما ذكر اولا من الاعمال الحسنة اعمال القلوب من الخشية والوجل عند ملاحظة عظمة الله تعالى وجلاله والاخلاص والتوكل عقب بافعال الجوارح التى هى العيار عليها كالصلاة والصدقة فقال {الذين يقيمون الصلوة} بوضوئها وركوعها وسجودها فى مواقيتها وهو مرفوع على انه نعت للموصول الاول {ومما رزقناهم} اعطيناهم من الاموال {ينفقون} فى طاعة الله وانما خص الله الصلاة والزكاة لعظم شأنها وتأكيد امرهما

الطوسي

تفسير : استدل - من قال: إن الايمان يزيد وينقص وان أفعال الجوارح قد تكون إيماناً - بهذه الآيات، فقالوا: نفى الله ان يكون المؤمن إلا من إذا ذكر الله وجل قلبه وإذا تليت عليه آياته أي قرئت زادتهم الاية إيماناً، بمعنى أنهم يزدادون عند تلاوتها ايماناً، وانهم على الله يتوكلون في جميع أمورهم {الذين يقيمون الصلاة} بمعنى يأتون بها على ما بينها النبي صلى الله عليه وآله وينفقون مما رزقهم الله في ابواب البر. وإخراج الواجبات من الزكاة وغيرها. ثم وصفهم بأن هؤلاء الذين وصفهم بهذه الأوصاف هم المؤمنون حقاً، يعني الذين اخلصوا الايمان، لا كمن كان له اسمه على الظاهر، وإن لهم الدرجات عند الله وهي المنازل التي يتفاضل بها بعضهم على بعض وإن لهم المغفرة والرزق الكريم فدل على أن من ليس كذلك ليس له ذلك. ومن خالف في ذلك قال: هذه اوصاف افاضل المؤمنين، وخيارهم، وليس يمتنع أن يتفاضل المؤمنون في الطاعات وان لم يتفاضلوا في الايمان، يبين ذلك انه قال في اول الاية {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ووجل القلب ليس بواجب بلا خلاف، وانما ذلك من المندوبات. وقوله {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون} لانه اذا صدق بآية آية انها من عند الله، فلا شك ان معارفه تزداد وإن لم يزد بفعل الجوارح. وقوله {الذين يقيمون الصلاة} يدخل في ذلك الفرائض والنوافل، ولا شك أن الاخلال بالنوافل لا يخرج من الايمان ولا ينقص منه عند الأكثر. والانفاق أيضاً قد يكون بالواجب والنفل. والاخلال بما ليس بواجب منه لا يخرج من الايمان بلا خلاف. وقوله {أولئك هم المؤمنون حقاً} يبين ذلك انه اشار به: إلى خيارهم وافاضلهم، لأن هذه اوصافهم فمن اين ان غيرهم وإن كان دونهم في المنزلة لا يكون مؤمناً؟! وقال ابن عباس: اراد ان المنافق لا يدخل قلبه شيء من ذلك عند ذكر الله. وأن هذه الأوصاف منتفية عنه. والوجل والخوف والفزع واحد، يقال وجل فلان يوجل وجلا، ويقال ياجل وييجل وأفصحها يوجل. قال الله تعالى "لا توجل" أي لا تخف وقال الشاعر: شعر : لعمرك ما ادري وإني لأوجل على أينا تعدوا المنية أول تفسير : وإنما وصفهم بالوجل - ها هنا - وباطمئنان القلوب في قوله: {أية : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله} تفسير : لأن الوجل يكون بالخوف من عقابه وبارتكاب معاصيه. والاطمئنان بذكر الله معناه: بنعمه وعدله، ووصفهم بالوجل يكون في دار الدنيا، وأما في الآخرة فانه {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر } تفسير : وقال الربيع: معنى زادتهم إيماناً زادتهم حسنة، والدرجات عند الله، قال قوم: معناه أعمال رفيعة وقضائل استحقوها في أيام حياتهم - ذهب اليه مجاهد - وقال غيره: معناه لهم مراتب رفيعة. والرزق الكريم، قال قتادة: هو الجنة. وقال غيره: هو ما اعد الله ووعدهم به في الجنة من انواع النعيم والمغفرة يعني لذنوبهم ومعاصيهم سترها الله عليهم. وقوله {حقاً} منصوب بمعنى دلت عليه الجملة، وهي قوله {أولئك هم المؤمنون} والمعنى احق ذلك حقاً. والتوكل هو الثقة بالله في كل امر يحتاج اليه تقول وكلت الأمر إلى فلان، إذا جعلت اليه القيام به، ومنه الوكيل القائم بالامر لغيره. والكريم القادر على النعم من غير مانع، ولم يزل الله كريماً بهذا المعنى.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} تعليل لما يفهم من الشّرط من الشّكّ فى ايمانهم او جواب لسؤالٍ ناشٍ من الشّرط كأنّه قال قائل: ان كان هؤلاء مشكوكاً فى ايمانهم فمن المؤمن الّذى لا يشكّ فى ايمانه؟ - فقال: انّما المؤمنون {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} لذكره {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} لكون قلوبهم خاليةً عن رين الاهوية فيؤثّر ذكر الله وآياته فيها وقد مضى انّ الايمان له مراتب ودرجات وانّه يزداد وينقص {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} عطف على جملة الشّرط والجزاء الواقعة صلة لعدم تقيّده بحينٍ دون حينٍ وللاشارة الى انّ التّوكّل لا بدّ وان يصلح آنا فآناً اتى بالمضارع دون الماضى.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: رقّت قلوبهم مخافة عقابه. وقال مجاهد: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}، أي: فَرِقت قلوبهم. قال: { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً} أي: تصديقاً. أي كلما نزل من القرآن شيء صدّقوا به. كقوله: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً} هذا قول المنافقين. قال الله: (أية : فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) تفسير : [التوبة:124]. قوله: { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} أي: يقيمونها على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها. {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} أي الزكاة المفروضة على ما سنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد فسّرنا ذلك في سورة البقرة وسورة الأنعام. قال: {أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي في الجنة على قدر أعمالهم. قال (أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا) تفسير : [الأحقاف:19]. قوله: {وَمَغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي في الجنة.

اطفيش

تفسير : {إنَّما المؤمِنُونَ} أى الكاملو الإيمان {الَّذينَ إذا ذُكرَ اللهُ} فى القرآن وغيره {وَجلَت} خافت أو رقت، أو اقشعرَّت لذكره، إعظاما له ومهابة من جلاله، وقرئ بفتح الجيم وهو لغة، وقرأ ابن مسعود فرقت بتخفيف الراء من الفرق بمعنى الخوف {قلُوبُهم} وقيل: الآية فيمن يريد معصية فيقال له: اتق الله فيتركها خوفا من عقابه، فالخوف على القول الأول خوف الخواص، وهو خوف إجلال، وعلى الثانى خوف العصاة، وهو خوف عقاب، والمراد باطمئنان القلوب بذكر الله فى الآية الأخرى عدم اضطرابها بالشك فى الله، والمراد بلينها إلى ذكره فى الأخرى لينها إلى رحمته ورأفته، فلا منافاة بينهما وبين الآية. {وإذا تُليَتْ} قرئت {عَليهم آياتهُ} من القرآن {زادَتْهم إيماناً} تصديقا بالله، فإن التصديق القلبى يزيد وينقص بكثرة النظر والأدلة، وعدم ذلك، ومعلوم أن ما يزيد بشئ ينقص بفقد ذلك الشئ، فالإيمان يزيد وينقص، وقد ذكر بالزيادة فى آيات غير هذه، فإيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم، لأنه لا تعتريه الشبهة، وهذا هو الحق، وعليه الأكثر، ويدل له ما ورد: "حديث : لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان هذه الأمة لرجح". تفسير : وقال أبو حنيفة: لا يزيد ولا ينقص، ولا يتفاوت فيه الناس، وأما زيادة الإيمان ونقصه بعمنى حدوث شئ مما يؤمن به فيؤمن به أو يكفر، أو بمعنى زيادة عمل شرعى مثل أن تنزل الزكاة فيؤمن بها، ثم الصوم فيؤمن به، ومثل أن يصلى، ثم يصوم، ومثل أن يسبح ثم يسكت، وأن يقر بكلمة الإخلاص، ثم يميط الأذى عن الطريق، فلا يختلف فى ذلك عاقل. وأكثر أدلة الفقهاء على زيادة الإيمان ونقصه من هذا القبيل، وليست بشئ، وليس كل عالم يحسن الاستدلال، وإنما يحسنه من مارس المعقول والمنقول، فتمسك بما قررته لك، فانك لا تجده مسطرا على هذا التحقيق فى غير هذا الكتاب، ثم خذ عنى تحقيقا آخر هو أن الإيمان يجوز إطلاقه على مجرد التوحيد وهو التصديق، كما يطلق على ذلك مع الإقرار والعمل وهو الإيمان الكامل، لا يدخل أحد الجنة إلا به، فيشتق منه مؤمن بمعنى موحد، ومؤمن بمعنى موحد مقر عامل، ولا نلتفت إلى غير ذلك مما تجده مسطرا، ولولا أنه لا يجوز لى كتمان علم ظهر لى لاجتماع شروط النظر ما فهمت بذلك مما يخالف غيرى، وزعم مالك أن الإيمان يزيد ولا ينقص، واتفقوا على هذا فى حق الأنبياء والملائكة. {وعَلَى ربِّهم} لا على غيره {يتوكلون} فى جميع أمورهم دنيوية وأخروية، ومن قسى قلبه من الموعظة، وعطاء السائل، وعمل الخير، فليعمل قرصا من شعير خالص من قمح قبل طلوع الشمس، ويكتب فيه بقلم فارغ من المداد سبع مرات {إنما المؤمنون} إلى {يتوكلون} فيرق قلبه بإذن الله.

اطفيش

تفسير : {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} كاملو الإِيمان، مبتدأ خبره قوله {الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ} ذكر وعيده {وَجِلتْ} خافت {قُلُوبُهُمْ} ذلك الوعيد، أَو إِذا ذكر الله بالوعد أَو بالوعيد أَو غير ذلك خافته قلوبهم خوف إِجلال، فيفزعون إِلى ذكره، وإِذا هموا بمعصية فقيل لهم: اتقوا الله خافوا وتركوها، ووجل القلب لا ينافى الاطمئنان فى قوله تعالى: "أية : أَلا بذكر الله تطمئن القلوب" تفسير : [الرعد: 28] فإِنها تطمئن بتحقيق التوحيد. وتحقيقه لا ينافى الخوف من الله تعالى، والدعاءُ مجاب عند اقشعرار القلب خوفا كما قالت أم الدرداءِ رضى الله عنها {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ} ما نزل من القرآن {زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} تصديقا بالقلب وعملا بالقول والجوارح، فإِن الإِيمان بتلك المعانى يزداد قوة و رسوخا بزيادة الأَدلة وتداعى بعض لبعض والفكر. وينقص بإِهمال الفكر والعمل على عكس التداعى، فكلما نزلت آية تقووا، والكافر بها يزداد كفرا بنزول أُخرى، كما أَنه إِذا انكشف الغطاءُ صدق من كذب وازداد يقينا من صدق إِلا قليلا كما قيل عن الإِمام على: لو انكشف الغطاءُ لم أَزدد إِلا يقينا، فهذا من الإِمام على ظاهر فى أَن الإِيمان يزداد وينقص، والمعنى بزيادة الأَدلة والعمل بمقتضاه وضعفه بعدم التفكر والعمل بغير مقتضاه، كما يتفاوت بطلوع الشمس، وبحدوث العالم، وذلك تحقيق لا خلاف لفظى، كما زعم بعض أَن ترك العمل هو نقصه، وقول البخارى: لقيت أَكثر من أَلف عالم من الأَمصار يقولون الإِيمان قول وعمل، ويزيد وينقص - ليس نصا فى أَن النقص بترك العمل، وإِنما هو إِخبار بأَنه يزيد وينقص، وتبادر من عبارته ليس بترك الأَعمال، وحديث أَنه صلى الله عليه وسلم قال لوفد ثقيف: "حديث : الإِيمان مكمل فى القلوب زيادته ونقصه كفر"تفسير : لا يصح لضعف سنده جدا، ولو صح لكان المعنى الزيادة فيه من غيره بما ليس شرعا، والنقص منه باختلاله كفر، وحديث البخارى حجة على من يدعى أَن القول قد يكفى عن العمل، أَما من تاب أَو أَسلم ومات قبل العمل فلا إِشكال فى قبوله {وَعَلَى رَبِّهِمْ} لا على غيره {يَتَوَكَّلُونَ} ذكر للموصول ثلاث صلات، وجل القلوب عند ذكر الله عز وجل، وزيادة الإِيمان إِذا تليت آياته، والتوكل عليه. وذكر موصولا آخر بصلتين فى قوله {الَّذِينَ} نعت للمؤمنين {يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} الواجبة والنافلة {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} فى الطاعة واجبا ونفلا. قرن الله تعالى الإِيمان وعمل الصالحات كما فى الآية قبل هذه، وقوله: "أية : آمنوا وعملوا الصالحات" تفسير : [العصر: 3] والزكاة والصلاة، والصلاة والإِنفاق، فى هذه الآية، وقوله تعالى "أية : وأَقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" تفسير : [النور: 56] وطاعة الرسول كما فى قوله عز وجل "وأَطيعوا الله وأَطيعوا الرسول" وطاعة الله والإِحسان إِلى الوالدين فى قوله تعالى "أية : وقضى ربك أَلا تعبدوا إِلا إِياه وبالوالدين إِحسانا"تفسير : [الإِسراء: 23] وأَخبر عن هؤلاءِ الصفات بقوله: {أُولَئِك} الموصوفون بتلك الصفات {هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا} مصدر مؤكد لغيره، كقولك: هو ولى الله حقا، أَى حق ذلك حقا.. أَو نعت مصدر أَى إِيمانا حقا، {لَهُمْ دَرَجَاتٌ} كثيرة لا قليلة، عظام، حسيات ومعقولات، من علو الشأْن، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فى الجنة مائة درجة لو أَن العالمين اجتمعوا فى إِحداهن لوسعتهم" تفسير : رواه أَبو هريرة، وعن أَنس "حديث : سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة" تفسير : {عِنْدَ رَبِّهِمْ} فى اللوح المحفوظ، وفى علمه {وَمَغْفِرَةٌ} بسبب الصلاة {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فى الجنة بسبب الإِنفاق وكرمه، بعظمه وكثرة أَفراده ودوامه، ويجوز أَن يكون الذين مبتدأ خبره أَولئك هم المؤمنون، وجملة {لهم درجات} خبر ثان.

الالوسي

تفسير : { إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} الخ إذ المراد به قطعاً الكاملون في الإيمان وإلا لم يصح الحصر، وهو حينئذ جار على ما هو الأصل المشهور في النكرة إذا أعيدت معرفة، وعلى الوجه الأول لا يكون هذا عين النكرة السابقة، ويلتزم القول بأن القاعدة أغلبية كما قد صرحوا به في غير ما موضع، أي إنما المؤمنون الكاملون في الايمان المخلصون فيه {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي فزعت استعظاماً لشأنه الجليل وتهيباً منه جل وعلا والاطمئنان المذكور في قوله سبحانه وتعالى: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد: 28] لا ينافي الوجل والخوف لأنه عبارة عن ثلج الفؤاد وشرح الصدر بنور المعرفة والتوحيد وهو يجامع الخوف، وإلى هذا ذهب ابن الخازن، ووفق بعضهم بين الآيتين بأن الذكر في إحداهما ذكر رحمة وفي الأخرى ذكر عقوبة فلا منافاة بينهما. وأخرج البيهقي وجماعة عن السدي أنه قال في الآية: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له: اتق الله تعالى فيجل قلبه، وحمل الوجل فيها على الخوف منه تعالى كلما ذكر أبلغ في المدح من حمله على الخوف وقت الهم بمعصية أو إرادة ظلم. وهذا الوجل في قلب المؤمن كضرمة السعفة كما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وأخرج ابن جرير وغيره عن أم الدرداء أن الدعاء عند ذلك مستجاب، وعلامته حصول القشعريرة. وقرىء {وجلت} بفتح الجيم ومضارعه يجل، وأما وجل بالكسر فمضارعه يوجل وجاء ييجل وياجل وهي لغات أربع حكاها سيبويه، وقرأ عبد الله {فرقت} أي خافت. {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتُهُ} أي القرآن كما روي عن ابن عباس {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} أي تصديقاً كما هو المتبادر فإن تظاهر الأدلة وتعاضد الحجج مما لا ريب في كونه موجباً لذلك، وهذا أحد أدلة من ذهب إلى أن الإيمان يقبل الزيادة والنقص، وهو مذهب الجم الغفير من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين وبه أقوال لكثرة الظواهر الدالة على ذلك من الكتاب والسنة من غير معارض لها عقلاً، بل قد احتج عليه بعضهم بالعقل أيضاً؛ وذلك أنه لو لم تتفاوت حقيقة الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمكين في الفسق والمعاصي مساوياً لإيمان الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام، واللازم باطل فكذا الملزوم، وقال محي الدين النووي في معرض بيان ذلك: إن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل حتى يكون في بعض الأحيان أعظم يقيناً وإخلاصاً منه في بعضها، فكذلك التصديق والمعرفة بحسب ظواهر البراهين وكثرتها، وأجابوا عما اعترض به عليه من أنه متى قبل ذلك كان شكاً وهو خروج عن حقيقته بأن مراتب اليقين متفاوتة إلى علم اليقين وحق اليقين وعين اليقين مع أنه لا شك معها، وذهب الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وكثير من المتكلمين إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، واختاره أمام الحرمين محتجين بأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم والإذعان وذلك لا يتصور فيه زيادة ولا نقصان، فالمصدق إذا أتى بالطاعات أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلاً، وإنما يتفاوت إذا كان اسماً للطاعات المتفاوتة قلة وكثرة / على ما ذهب إليه القلانسي وجماعة من السلف، وبما رواه الفقيه أبو الليث السمرقندي في «تفسيره» عن محمد بن الفضل وأبـي القاسم الساباذي عن فارس بن مردويه عن محمد بن الفضل بن العابد عن يحيـى بن عيسى عن أبـي مطيع عن حماد بن سلمة عن أبـي المهزم عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء وفد ثقيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله الايمان يزيد وينقص؟ فقال: «حديث : الإِيمان مكمل في القلب زيادته ونقصانه كفر»تفسير : . وأجابوا عما تمسك به الأولون من الآيات والأحاديث بأن الزيادة بحسب الدوام والثبات وكثرة الزمان والساعات. وإيضاحه ما قاله إمام الحرمين: أن النبـي صلى الله عليه وسلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله تعالى إياه من مخامرة الشكوك والتصديق عرض لا يبقى بشخصه زمانين بل بتجدد أمثاله فتقع للنبـي صلى الله عليه وسلم دون غيره متوالية فيثبت له صلى الله عليه وسلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها فيكون إيمانه أكثر. واعترض هذا بأن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة فيه ودفع بأن المراد زيادة أعداد حصلت وعدم البقاء لا ينافي ذلك، وأجابوا أيضاً بأن المراد الزيادة بحسب زيادة ما يؤمن به، والصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا آمنوا في الجملة وكانت الشرعية غير تامة والأحكام تتنزل شيئاً فشيئاً فكانوا يؤمنون بكل ما يتجدد منها ولا شك في تفاوت إيمان الناس بملاحظة التفاصيل كثرة وقلة ولا يختص ذلك بعصر النبوة لإمكان الإطلاع عليها في غيره من العصور وبأن المراد زيادة ثمرته وإشراق نوره في القلب فإن نوره يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، ولا يخفى أن الحجة الأولى يعلم جوابها مما ذكرناه أولاً، وأما الحجة الثانية التي ذكرها أبو الليث فمما لا يعول عليها عند الحفاظ أصلاً لأن رجال السند إلى أبـي مطيع كلهم مجهولون لا يعرفون في شيء من «كتب التواريخ» المشهورة، وأما أبو مطيع وهو الحكم بن عبد الله بن مسلمة البلخي فقد ضعفه أحمد بن حنبل ويحيـى بن معين وعمرو بن علي الفلاس والبخاري وأبو داود والنسائي وحاتم الرازي وأبو حاتم محمد بن حبان البستي والعقيلي وابن عدي والدارقطني وغيرهم. وأما أبو المهزم وقد تصحف على الكتاب؛ واسمه يزيد بن سفيان فقد ضعفه أيضاً غير واحد وتركه شعبة بن الحجاج، وقال النسائي: متروك، وقد اتهمه شعبة بالوضع حيث قال: لو أعطوه فلسين لحدثهم سبعين حديثاً، ومن مارس الأحاديث النبوية لا يشك في أن ذلك اللفظ ليس منها في شيء، وما ذكره إمام الحرمين على ما فيه مبني على تجدد الأعراض وعدم بقائها زمانين، والمسألة خلافية، ودون إثبات ذلك خرط القتاد. وما أجابوا به أولاً: من أن زيادة الإيمان بحسب زيادة المؤمن به مع كونه خلاف الظاهر ولا داعي إليه عند المنصف لا يكاد يتأتى في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰناً } تفسير : [آل عمران: 173] وقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِى قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُواْ إِيمَـٰناً مَّعَ إِيمَـٰنِهِمْ }تفسير : [الفتح: 4] إذ ليس هناك زيادة مشروع يحصل الإيمان به ليقال: إن زيادة الإيمان بحسب زيادة المؤمن به، وحال الجواب الثاني: لا يخفى عليك. وذهب جماعة منهم الإمام الرازي وإمام الحرمين في قول إلى أن الخلاف في زيادة الإيمان ونقصانه وعدمهما لفظي وهو فرع تفسير الإيمان، فمن فسره بالتصديق قال: إنه لا يزيد ولا ينقص، ومن فسره بالأعمال مع التصديق قال: إنه يزيد وينقص، وعلى هذا قول البخاري: لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص، وهو المعنى بما / روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:«حديث : قلنا يا رسول الله إن الإِيمان يزيد وينقص قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار»تفسير : . واعترض على هذا بأن عدم قبول الإيمان الزيادة والنقص على تقدير كون الطاعات داخلة في مسماه أولى وأحق من عدم قبوله ذلك إذا كان مسماه التصديق وحده، أما أولاً: فلأنه لا مرتبة فوق كل الأعمال لتكون زيادة ولا إيمان دونه ليكون نقصاً، وأما ثانياً: فلأن أحداً لا يستكمل الإيمان حينئذ والزيادة على ما لم يكمل بعد محال. وأجيب بأن هذا إنما يتوجه على المعتزلة والخوارج القائلين بانتفاء الايمان بانتفاء شيء من الأعمال ونحن إنما نقول: إنها شرط كمال فيه واللازم عند الانتفاء انتفاء الكمال وهو غير قادح في أصل الإيمان والحق أن الخلاف حقيقي وأن التصديق يقبل التفاوت بحسب مراتبه فما المانع من تفاوته قوة وضعفاً كما في التصديق بطلوع الشمس والصديق بحدوث العالم وقلة وكثرة كما في التصديق الإجمالي والتصديق التفصيلي المتعلق بالكثير وما عليَّ إذا خالفت في بعض المسائل مذهب الإمام الأعظم أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه للأدلة التي لا تكاد تحصى فالحق أحق بالاتباع والتقليد في مثل هذه المسائل من سنن العوام. نعم أخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس أنه فسر الإيمان في هذه الآية بالخشية وعبر عنها بذلك بناء على أنها من آثاره وهو خلاف الظاهر أيضاً، وكأن المعنى عليه أن المؤمنين الكاملين هم الذين إذا ذكر الله من غير أن يذكر هناك ما يوجب الفزع من صفاته وأفعاله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياتهم المتضمنة ذلك زادتهم وجلاً على وجل. {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي يفوضون أمورهم كلها إلى مالكهم ومدبرهم خاصة لا إلى أحد سواه كما يدل عليه تقديم المتعلق على عامله والجملة معطوفة على الصلة. وجوز أبو البقاء كونها حالاً من ضمير المفعول وكونها استئنافية.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. موقع هذه الجملة وما عطف عليها موقع التعليل لوجوب تقوى الله وإصلاح ذات بينهم وطاعتهم الله ورسوله، لأن ما تضمنته هذه الجمل التي بعد {إنما} من شأنه أن يحمل المتصفين به على الامتثال لما تضمنته جُمل الأمر الثلاث السابقة، وقد اقتضى ظاهر القصر المستفاد من {إنما} أن من لم يَجلْ قلبُه إذا ذُكر الله، ولم تزده تلاوة آيات الله إيماناً مع إيمانه، ولم يتوكل على الله، ولم يقم الصلاة، ولم ينفق، لم يكن موصوفاً بصفة الإيمان، فهذا ظاهرٌ مؤول بما دلت عليه أدلة كثيرة من الكتاب والسنة من أن الإيمان لاَ ينقضه الإخلال ببعض الواجبات كما سيأتي عند قوله تعالى: {أية : أولئك هم المؤمنون حقاً}تفسير : [الأنفال: 4] فتعين أن القصر ادعائي بتنزيل الإيمان الذي عَدم الواجبات العظيمةَ منزلة العدم، وهو قصر مجازي لابتنائه على التشبيه، فهو استعارة مكنية: شبه الجانب المنفي في صيغة القصر بمن ليس بمؤمن، وطوي ذكر المشبه به ورُمز إليه بذكر لازمه وهو حَصْر الإيمان فيمن اتصف بالصفات التي لم يتصف بها المشبه به، ويئول هذا إلى معنى: إنما المؤمنون الكاملُو الإيمانِ، فالتعريف في {إنما المؤمنون} تعريف الجنس المفيد قصراً ادعائياً على أصحاب هذه الصفات مبالغة، وحرف (أل) فيه هو ما يسمى بالدالة على معنى الكمال. وقد تكون جملة: {إنما المؤمنون} مستأنفة استينافاً بيانياً لجواب سؤال سائِل يثيره الشرطُ وجزاؤه المقدرُ في قوله: {أية : إن كنتم مؤمنين}تفسير : [الأنفال: 1] بأن يتساءلوا عن هذا الاشتراط بعد ما تحقق أنهم مؤمنون من قبل، وهل يمتري في أنهم مؤمنون، فيجابوا بأن المؤمنين هم الذين صفتهم كيت وكيت، فيعلموا أن الإيمان المجعول شرطاً هو الإيمان الكامل فتنبعث نفوسهم إلى الاتسام به والتباعد عن موانع زيادته. وإذ قد كان الاحتمالان غير متنافيين صح تحميل الآية إياهما توفيراً لمعاني الكلام المعجز فإن علة الشيء مما يُسأل عنه، وإن بيان العلة مما يصح كونه استينافاً بيانياً. وعلى كلا الاحتمالين وقعت الجملة مفصولة عن التي قبلها لاستغنائها عن الربط وإن اختلف موجب الاستغناء باختلاف الاحتمالين، والاعتباراتُ البلاغية يصح تعدد أسبابها في الموقع الواحد لأنها اعتبارات معنوية وليست كيفيات لفظية فتحقَّقْه حق تحقُّقه. والمعنى ليس المؤمنون الكامل إيمانهم إلا أصحاب هذه الصلة التي يعرف المتصف بها تحققها فيه أو عدمه من عرض نفسه على حقيقتها، فإنه لما كان الكلام وارداً مورد الأمر بالتخلق بما يقتضيه الإيمان أحيلوا في معرفة أمارات هذا التخلق على صفات يأنسونها من أنفسهم إذا علموها. والذكر حقيقته التلفظ باللسان، وإذا علق بما يدل على ذات فالمقصود من الذات أسماؤها، فالمراد من قوله: {إذا ذكر الله} إذا نطق ناطق باسم من أسماء الله أو بشأن من شؤونه، مثل أمره ونهيه، لأن ذلك لا بد معه من جريان اسمه أو ضميره أو موصوله أو إشارته أو نحو ذلك من دلائل ذاته. والوجل خوف مع فزع فيكون لاستعظام الموجول منه. وقد جاء فعل وَجل في الفصيح بكسر العين في الماضي على طريقة الأفعال الدالة على الانفعال الباطني مثل فَرِح، وصَدِي، وهوِيَ، ورَوِي. وأسند الوجل إلى القلوب لأن القلب يكثر إطلاقه في كلام العرب على إحساس الإنسان وقرارة إدراكه، وليس المراد به هذا العضو الصنوبري الذي يرسل الدم إلى الشرايين. وقد أجملت الآية ذكر الله إجمالاً بديعاً ليناسب معنى الوجل، فذكرُ الله يكون: بذكر اسمه، وبذكر عقابه، وعظمته، وبذكر ثوابه ورحمته، وكل ذلك يحصل معه الوجل في قلوب كُمّل المؤمنين، لأنه يحصلَ معه استحضار جلال الله وشدة بأسه وسعة ثوابه، فينبعث عن ذلك الاستحضار توقعُ حلول بأسه، وتوقع انقطاع بعض ثوابه أو رحمته، وهو وجل يبعث المؤمن إلى الاستكثار من الخير وتوقي ما لا يرضي الله تعالى وملاحظة الوقوف عند حدود الله في أمره ونهيه، ولذلك روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «أفضَلُ من ذِكر الله باللسان ذكرُ الله عند أمره ونهيه». وإذ قد كان المقصود من هذا الكلام حث المؤمنين على الرضى بما قسم النبي صلى الله عليه وسلم من غنايم بدر، وأن يتركوا التشاجر بينهم في ذلك، ناسب الاقتصار على وجل قلوب المؤمنين عند ذكر الله، والوجلُ حالين يحصلان للمؤمن عند ذكر الله والحال الآخر هو الأمل والطمع في الثواب فطوى ذكره هنا اعتماداً على استلزام الوجل إياه، لأن من الوجل أن يَجل، من فوات الثواب أو نقصانه. التلاوة: القراءة واستظهار ما يحفظه التالي من كلام له أو لغيره يحكيه لسامعه، وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : واتَّبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان}تفسير : في [البقرة: 102]. وآيات الله القرآن، سميت آيات، لأن وحيها إلى النبي الأمّي صلى الله عليه وسلم وعجزَ قومه، خاصتهم وعامتهم عن الإتيان بمثلها فيه دلالة على صدق من جاء بها فلذلك سميت آيات. ويسمى القرآن كله آية أيضاً باعتبار دلالة جملته على صدق محمد، وقد تقدم ذلك في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير. وإسناد فعل زيادة الإيمان إلى آيات الله لأنها سبب تلك الزيادة للإيمان باعتبار حال من أحوالها، وهو تلاوتها لاعتبار مجرد وجودها في صدر غير المتلوة عليه. وهذا الإسناد من المجاز العقلي إذ جُعلت الآيات بمنزلة فاعل الزيادة في الإيمان. فإنه لما لم يعرف الفاعل الحقيقي لزيادة الإيمان، إذْ تلك الزيادة كيفية نفسية عارضة، لليقين، لا يُعرف فاعل انقداحها في العقل، وغاية ما يعرف أن يقال: ازداد إيمان فلان، أو ازداد فلان إيماناً، بطريق ما يدل على المطاوعة، ولا التفات في الاستعمال إلى أن الله هو خالق الأحوال، كلها إذ ليس ذلك معنى الفاعل الحقيقي في العُرف، ولو لوحظ ذلك لم ينقسم الكلام إلى حقيقة ومجاز عقليين وإنما الفاعل الحقيقي هو من يأتي بالفعل ويصنعه كالكاتب للكتابة والضارب بالسيف للقتل. والإيمانُ: تصديق النفس بثبوت نسبة شيء لشيء، أو بانتفاء نسبة شيء عن شيء، تصديقاً جازماً لا يحتمل نقيض تلك النسبة، وقد اشتهر اسم الإيمان شرعاً في اليقين بالنسبة المقتضية وجود الله ووجودَ صفاته التي دلت عليها الأدلة العقلية أو الشرعية، والمقتضية مجيء رسول الله مخبراً عن الله الذي أرسله وثبوتَ صفات الرسول عليه الصلاة والسلام التي لا يتم معنى رسالته عن الله بدونها: مثل الصدق فيما يبلغ عن الله، والعصمة عن اقتراف معصية الله تعالى. ومعنى زيادة الإيمان: قوة اليقين في نفس المُوقن على حسب شدة الاستغناء عن استحضار الأدلة في نفسه، وعن إعادة النظر فيها، ودفعِ الشك العارض للنفس، فإنه كلما كانت الأدلة أكثر وأقوى وأجلى مقدمات كان اليقين أقوى، فتلك القوة هي المعبر عنها بالزيادة، وتفاوتها تدرج في الزيادة، ويجوز أن تسمى قلة التدرج في الأدلة نقصاً لكنه نقص عن الزيادة، وذلك مع مراعاة وجود أصل حقيقة الإيمان، لأنها لو نقصت عن اليقين لبطلت ماهية الأيمان، وقد أشار البخاري إلى هذا بقوله: باب زيادةِ الإيمان ونقصانه فإذا ترك شيئاً من الكمال فهو ناقص فلو أن نقص الأدلة بلغ بصاحبه إلى انخرَام اليقين لم يكن العلم الحاصل له إيماناً، حتى يوصف بالنقص، فهذا هو المراد من وصف الإيمان بالزيادة، في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بين. ولم يرد عن الشريعة ذكر نقص الإيمان، وذلك هو الذي يريده جمهور علماء الأمه إذا قالوا الإيمان يزيد كما قال مالك بن أنس الإيمانُ يزيد ولا ينقص، وهو عبارة كاملة، وقد يطلق الإيمان على الأعمال التي تجب على المؤمن وهو إطلاق باعتبار كون تلك الأعمال من شرائِع الإيمان، كما أطلق على الصلاة اسم الإيمان في قوله تعالى: {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم}تفسير : [البقرة: 143] ولكن الاسم المضبوط لهذا المعنى هو اسم (الإسلام) كما يفصح عنه حديث سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام والإحسان، فالإيمان قد يطلق على الإسلام وهو بهذا الاعتبار يوصف بالنقص والزيادة باعتبار الإكثار من الأعمال والإقلال، ولكنه ليس المراد في هذه الآية ولا في نظائِرها من آيات الكتاب وأقوالِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وقد يريده بعض علماء الأمة فيقول: الإيمان يزيد وينقص، ولعل الذي الجأهم إلى وصفه بالنقص هو ما اقتضاه الوصف بالزيادة. وهذا مذهبٌ أشار إليه البخاري في قوله «حديث : باب من قال إن الإيمان هو العمل»تفسير : . وقال الشيخ ابن أبي زيد «وأن الإيمان قولُ باللسان واخلاصٌ بالقلب وعملٌ بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال فيكون فيها النقص وبها الزيادة»، وهو جار على طريقة السلف من إقرار ظواهر القرآن والسنة، في الأمور الاعتقادية ولكن وصف الإيمان بالنقص لا داعي إليه لعدم وجود مقتضيه لعدم وصفه بالنقص في القرآن والسنة ولهذا قال مالك الإيمان يزيد ولا ينقص. وكيفية تأثير تلاوة الآيات في زيادة الإيمان: أن دقائِق الإعجاز التي تحتوي عليها آيات القرآن تزيد كل آية تنزل منها أو تتكرر على الأسماع سامعها يقيناً بأنها من عند الله، فتزيده استدلالاً على ما في نفسه، وذلك يُقوي الإيمان حتى يصل إلى مرتبة تقرب من الضرورة على نحو ما يحصل في تواتر الخبر من اليقين بصدق المخبرين، ويحصل مع تلك الزيادة زيادة في الإقبال عليها بشراشر القلوب ثم في العمل بما تتضمنه من أمر أو نهي، حتى يحصل كمال التقوى، فلا جرم كان لكل آية تتلى على المؤمنين زيادة في عوارض الإيمان من قوة اليقين وتكثير الأعمال فهذا وصف راسخ للآيات ويجوز أن تفسر زيادة الإيمان عند تلاوة الآيات بأنها زيادة إدراك للمعاني المؤمن بها، كما فسرت زيادة الإيمان بالنسبة إلى الأعمال، التي تجب على المؤمن إذ تلك الإدراكات تعلقات بعضها حسي وبعضها عقلي. وحظ المقام المتعلق بآحكام الأنفال من هذه الزيادة هو أن سماع آيات حكم الأنفال يزيد إيمان المؤمنين قوة، بنبذ الشقاق والتشاجر الطارىء ببينهم في أنفس الأموال عندهم، وهو المال المكتسب من سيوفهم، فإنه أحب أموالهم إليهم. وفي الحديث «حديث : وجعل رزقي تحت ظل رمحي»تفسير : وبذلك تتضح المناسبة بين ذكر حكم الأنفال، وتعقيبه بالأمر بالتقوى وإصلاح ذات البين والطاعة، ثم تعليل ذلك بأن شأن المؤمنين ازدياد إيمانهم عند تلاوة آيات الله. صلة ثالثة لـ{المؤمنون} أوحال منه، وجعلت فعلاً مضارعاً للدلالة على تكرر ذلك منهم، ووصفهم بالتوكل على الله وهو الاعتماد على الله في الأحوال والمساعي ليقدر للمتوكل تيسيراً مرة ويعوضه عن الكسب المنهي عنه بآحسن منه من الحلال المأذون فيه. وتقدم تفسير التوكل عند قوله: {أية : فإذا عزمت، فتوكل على الله}تفسير : في سورة [آل عمران: 159]. ومناسبة هذا الوصف للغرض: أنهم أمروا بالتخلي عن الأنفال، والرضى بقسمة الرسول صلى الله عليه وسلم فيها، فمن كان قد حرم من نفل قتيله يتوكلُ على الله في تعويضه بأحسن منه. وتقديم المجرور في قوله: {وعلى ربهم يتوكلون} إما للرعاية على الفاصلة فهو من مقتضيات الفصاحة مع ما فيه من الاهتمام باسم الله، وإما للتعريض بالمشركين، لأنهم يتوكلون على إعانة الأصنام، قال تعالى: {أية : واتخذوا من دون الله آلهةً ليكونوا لهم عزاً}تفسير : [مريم: 81] فيكون الكلام مدحاً للمؤمنين، وتعريضاً بذم المشركين، ثم فيه تحذير من أن تبقى في نفوس المؤمنين آثار من التعلق بما نهوا عن التعلق به، لتوهمهم أنهم إذا فوّتوه فقد أضاعوا خيراً من الدنيا.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً}. في هذه الآية الكريمة التصريح بزيادة الإيمان، وقد صرح تعالى بذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} تفسير : [التوبة: 124]، وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوۤاْ إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ} تفسير : [الفتح: 4] الآية، وقوله: {أية : لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً} تفسير : [المدثر: 31] الآية وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد: 17] الآية. وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضاً. لأن كل ما يزيد ينقص، وجاء مصرحاً به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله: "حديث : يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال حبة من إيمان"تفسير : ونحو ذلك.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 2- إن المؤمنين حقاً وصدقاً يستشعرون دائماً خوف الله وطاعته، فإذا ذُكر سبحانه فزعت قلوبهم، وامتلأت هيبة، ولذا كلما قرئت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخاً، وازدادوا إذعاناً وعلماً، ولا يعتمدون إلا على الله الذى خلقهم ويحميهم وينميهم. 3- وأولئك المؤمنون الصادقون فى الإيمان، يؤدون الصلاة مستوفية الأركان، كاملة الخشوع والخضوع، ليكونوا على تذكر الله دائماً، وينفقون مقادير من المال الذى رزقهم الله - سبحانه وتعالى - فى الجهاد والبر ومعاونة الضعفاء. 4- إن هؤلاء المتصفين بتلك الصفات، هم الذين يوصفون بالإيمان حقاً وصدقاً، ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله، وهو الذى يمنحهم رضاه، ويغفر لهم هفواتهم ويرزقهم رزقاً طيباً فى الدنيا، ونعيماً دائماً فى الآخرة. 5- وإن النصر بيد الله، ومقاليد الأمور إليه، وإنَّ حال المؤمنين فى خلافهم حول الغنائم كحالهم عندما أمرك الله بالخروج لقتال المشركين ببدر، وهو حق ثابت، فإن فريقاً من أولئك المؤمنين كانوا كارهين للقتال مؤكدين كراهيتهم. 6- يناظرك أولئك الفريق، ويحاولون أن ينصروا قولهم فى الأمر الحق، وهو الخروج للجهاد، إذ كانوا مع إخوانهم الذين خرجوا لمصادرة أموال قريش الذاهبة إلى الشام، فلم يدركوها، فآثر هذا الفريق العودة من بعد ما تبين أنهم منصورون، لإعلام النبى لهم، ولذعر المشركين منهم، ولشدة كراهيتهم للقتال وعدم أمنهم من عواقبه، وكانوا فى ذهابهم إليه كالذى يساق إلى الموت، وهو ينظر أسبابه ويعاينها.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُهُ} {إِيمَاناً} (2) - يُعَرِّفُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأَنَّهُمُ: الذِينَ إذَا ذُكِرَ اللهُ فَزِعَتْ قُلُوبُهُمْ وَخَافَتْ (وَجِلَتْ)، وَعَمِلَتْ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَتَرَكَتْ مَا نَهَى عَنْهُ. فَالمُؤْمِنُونَ إذَا أرَادُوا أَنْ يَهُمُّوا بِمَعْصِيَةٍ أَوْ يَظْلِمُوا، وَقِيلَ لَهُمْ: اتَّقُوا اللهَ، ارْتَدَعُوا عَمَّا هَمُّوا بِهِ خَوْفاً مِنَ اللهِ. وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ رَسَّخَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِهِمْ وَزَادَ فِيهِ، وَهُمْ يَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ، لاَ يَرْجُونَ سِوَاهُ، وَلاَ يَلُوذُونَ إلاَّ بِجَناَبِهِ، وَلاَ يَسْأَلُونَ غَيْرَهُ. وَجِلْتْ - فَزِعَتْ وَرَقَّتِ اسْتِعْظَاماً وَهَيْبَةً. يَتَوكَّلُونَ - يَعْتَمِدُونَ عَلَى اللهِ وَإلَيهِ يُفَوِّضُونَ أمُورَهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وفي هاتين الآيتين الكريمتين خمسُ صفاتٍ لها ترتيب عقائدي وحركي وجوارحي، وبذلك يتحدد تشخيص كلمة "المؤمنين"، هذه الصفات هي الأولى: أنه إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وثانية الصفات أنه: إذا تليت عليهم آيات الله زادتهم إيماناً، ثالثة الصفات: أنهم على ربهم يتوكلون، ورابعة الصفات: أنهم يقيمون الصلاة، وخامسة الصفات: أنهم ينفقون مما رزقهم الله. والصفة الأولى للمؤمنين هي: {إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2]. والوجل هو الخوف في فزع ينشأ منه قشعريرة، واضطراب في القلب، وحينما أراد الشعراء أن يعطوا صورة بهذا الإحساس، نجد شاعراً منهم يقول: شعر : كأن القلب ليلة قيل يغدي بليلي العامرية أو يراح قطاط غرها شرك تجا ذبه وقد علق الجناح تفسير : فالشاعرُ يصور حالة قلبه حين سمع بنبأ سفر حبيبته، كأنه صار مثل حمامة تحاولُ أن تخلّص نفسها من شبكة أو مَصْيدة وقعت فيها، إنها تجاذب المصيدة حتى تخرج، وهي ترجف في مثل هذا الموقف، هكذا حال القلب لحظة فراق المحبوبة عند الشاعر. وإذا كان ذكر الله عز وجل يدفع قلوب المؤمنين إلى الوجل، ألا يتنافى ذلك مع قول الحق سبحانه وتعالى:؟ {أية : ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد: 28]. في الحقيقة لا يوجد تعارض بين القولين؛ لأن ذكر الله تعالى يأتي بأحوال متعددة، فإن كان الإنسان مسرفاً على نفسه، فهو يرجف حين يذكر الله الذي خالف منهجه. وإن كان الإنسان يراعي حق الله في كل عمل قَدْر الاستطاعة، فلا بد أن يطمئن قلبه لحظة ذكر الله؛ لأنه اتبع منهج الله ما استطاع إلى ذلك سبيلا. إذن فالخوف أو الوجل إنما ينشأ من مَهابةِ وسطوة صفات الجلال. والاطمئنان إنما يجيء من إشراقات وحنان صفات الجمال. ولذلك تجمعها آية واحدة هي قول الحق تبارك وتعالى: {أية : ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر: 23]. فالجلود تقشعر خوفاً ووجَلاً ومهابة من الله عز وجل، ثم تلين اطمئناناً وطمعاً في حنان المنّان سبحانه وتعالى، لأن رّبنا قال: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الحجر: 49]. إذن فلا يقولن أحد إن هناك تعارضاً بين الوجل والاطمئنان، فكلها من ذكر الله بالأحوال المتعددة للإنسان، فإذا ما وجل الإنسان فهو يتجه إلى فعل الخير فيطمئن مصداقاً لقول الحق تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} تفسير : [هود: 114]. وهل يزيد الإيمان أو ينقص؟ اختلف العلماء في هذا الأمر. ونحن عندما ننظر إلى قول الحق نجده يؤكد زيادة الإيمان، وحينما نسأل ما الإيمان؟ وما الإسلام؟.... إلخ نجد الجواب في توضيح الرسول صلى الله عليه وسلم ورده على السائل في الحديث الآتي والذي يرويه الصحابي الجليل سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بارزاً للناس فأتاه رجل فقال يا رسول الله: ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتابه ولقائه ورسله وتؤمن بالبعث الآخر، قال يا رسول الله: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال يا رسول الله: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراك. قال: يا رسول الله: متى الساعة؟ قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربها فذلك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاءُ البَهْم في البنيان فذاك من أشراطها في خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا صلى الله عليه وسلم: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير، ثم أدبر الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ردوا عليّ الرجل فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم . تفسير : وجبريل عليه السلام حين جاء يسأل ليعلم بعضاً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له الرسول عليه السلام عن الإيمان:حديث : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخرتفسير : ، وفي رواية أخرى ذكر القضاء والقدر خيره وشره. وهذه كلها أمور غيبية، ولا يقال في الأمر المحسّ إيمان، فلا يقول واحد: أنا مؤمن أنى أتحرك على الأرض؛ لأن هذا أمر حسيّ. والإيمان لا يكون إلاّ بالأمور الغيبية وأولها أن تؤمن بإله واحد لا تدركه الأبصار وهو غيب، وبملائكته وهي غيب، وصدقنا وجودها لأنه أبلغنا بذلك الوجود. وكذلك أن نؤمن بالكتب المنزلة على الرسل. وبالرسل، وصحيح أن الكتاب أمر حسيّ والرسول كذلك له وجود حسيّ، لكن لم نشاهد الوحي وهو ينزل الكتاب على الرسول. إذن فهو أمر غيبي، وكذلك الإيمان باليوم الآخر أمر غيبي أيضاً، والايمان بالقضاء والقدر وهو ما غابت عنا حكمته، وكلها إذن أمور غيبية. هذا الإيمان في القمة، لكن هناك إيمان آخر يجيء لأننا نعلم أن التشريعات لم تأت مرة واحدة، بل كانت تأتي على مراحل، فتشريع ينزل أولاً بأن نؤمن أنه من الله. إذن فالذي يزيد وينقص من الإيمان هو الإيمان بالتكليفات، وأنها صادرة من الله عز وجل، وكلما كانت تنزل آية بتشريع جديد كانت تزيد المؤمنين إيماناً، فعندما نزل الأمر بالصلاة آمنوا بإقامتها واستجابوا ونفذوا، ثم جاء الصوم فامتثلوا للأمر به، ثم يجيء الأمر بالزكاة فتكون الطاعة والتنفيذ، وطبعاً هناك فرق بين أن تؤمن بالشيء، وأن تفعل الشيء. فالإيمان شيء، وفعله شيء؛ لأن الإسلام هو الانقياد الظاهري للمنهج، وتطبيق كل ما يجيء به الإسلام هو إيمان مستمر متزايد؛ لأننا آمنا بأن ما يجيء من المنهج هو من الله. إذن فالذي يزيد هو توابع الإيمان من التكليفات والامتثال لهذه التكليفات، مثال ذلك: كلنا نعرف قول الحق: {أية : وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}تفسير : [آل عمران: 97]. لكن هناك أناس يتمسكون بحرفية قوله الحق: {أية : وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱلله غَنِيٌّ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 97]. والذين يتمسكون بحرفية القول الحق لم يتساءلوا: كفر بماذا؟ هل كفر لأنه لم يحج؟ لا، إن كفره في هذه المسألة لا يكون إلا بأن ينكر أن الحج ركن من أركان الإسلام، فالمطلوب منا إيمانياً أن نقر بالحج كركن من أركان الإسلام في حدود الاستطاعة، فإن فعله الإنسان كان قد نفذ الحكم، أما إن لم يفعله فقد يكون ذلك في حدود عدم الاستطاعة. ويذيل الحق تبارك وتعالى هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها بقوله: {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. ومُتَعلّق الجار والمجرور دائماً يكون متأخراً، بينما هنا يتقدم الجار والمجرور؛ لذلك ففي الأسلوب حصر وقصر، مثلما نقول: "لزيد المال" أي أن المال ليس لغيره، وقول الحق: {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي لا يتوكلون على غيره، بل قصروا توكلهم على الله سبحانه وتعالى، والتوكل: أن تؤمن بأن لك وكيلاً يقوم لك بمهام أمورك، بدليل أن الشيء الذي لا تقوى عليه تقول بصدده: "وكلت فلاناً ينجزه لي على خير وجه" وحتى تختار الذي توكله ويكون مناسباً لأداء تلك المهمة فأنت تعلن باطمئنان: أنك قد وكلت فلانا. إذن معنى {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي أنهم يكلون أمورهم على من ائتمنوه على مصالحهم، وهو الحق سبحانه وتعالى القادر العظيم الذي خلق الكون، وخلق فيه أسباباً تؤدي إلى مسبَّبات الأسباب مقدمة، والمسبّبات هي النتيجة. وبعد ذلك ترك أموراً ليس فيها أسباب، إلا أن نلحظ دائماً المسبب وهو الله تعالى، فكل أمر يعز عليك في أسبابه؛ إياك أن تيأس من أنه لا يحدث، بل قل: تلك هي قضية الأسباب، أما أنا فلي رب خلق الأسباب. وهو القادر فوق كل الأسباب، وفي حياتنا اليومية نلحظ أن الناس يخلطون بين عمل الجوارح، وعمل القلوب، ويظن إنسان ما أنه متوكل ولا يأخذ بالأسباب ويركن إلى الكسل ويقول: أنا متوكل على الله، وهذا نقول له: لا، إن هذا منك تواكلٌ وليس توكلاً؛ لأن التوكل ليس عمل جوارح، التوكل عمل قلوب. والمؤمن الذي يستقبل منهج الله بالفهم يجد الأسباب التي يجب أن يأخذها، وسبحانه وتعالى هو المسبب الأعلى، والإيمان يؤكد أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل، فعلى الجوارح أن تحرث الأرض، وأن تختار البذرة الطيبة، وتنثرها في الأرض، ثم ترويها، وتتعهدها، وهذه العمليات اسمها الأسباب، ثم لا تركن إلى الأسباب فقط، بل عليك أن تقول: إن فوق كل الأسباب هناك المسبِّبُ. فمن الجائز أن يخضر الزرعُ وينمو، ثم تأتي له آفةٌ من مطر أو حر وتضيعه. ومن ينقل التوكل إلى الجوارح. نقول له: أنت تواكلت، أي نقلت عمل القلب إلى الجوارح. ومن يقول ذلك إنما يكذب على نفسه وعلى الناس. لأنه تكاسل عن الأخذ بالأسباب وادّعى أنه متوكل على الله. ولو كان الواحد من هؤلاء صادقاً في توكله على الله لأخذ بالأسباب. وعادة فإني دائماً أقول لمن يدّعي التوكل مع الكسل: لماذا لا تترك الطعام يأتي إلى فمك، لماذا تمد إليه يديك؟. إن من يكسل إنما يكذب في التوكل، فلا أحد مثلاً يترك قطعة اللحم تقفز من طبق الطعام إلى فمه، لكنه يأخذها بيده. ويمضغها بأسنانه، ويبلعها بعد المضغ، ولو كان صادقاً في أن التوكل هو ألا تعمل جوارحه لما فعل شيئاً من ذلك، لكنه يكذب ويتواكل فيما يتعبه ويشغل جوارحه فيما يريحه، ولا يستعملها في الأمور التي تتعبه. وقول الحق تبارك وتعالى: {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}. هذا القول يعني أنهم يؤمنون بأن الأسباب من خلق الله. وحين يأخذ المؤمن بالأسباب فهو يؤمن أنه لاجىء إلى الله ومعتمد عليه، لكن إن عزت عليه الأسباب فهو يعلم أن له رباً، ولذلك قال: {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ}، والرب هو الخالق من عَدَم، والممد من عُدْم، وما دام قد خلقك وأمدك من عُدْم قبل أن يكلفك، فهل من المعقول أن يظلمك؟ طبعاً لا. لكن عليك أن تفطن أنه لك جوارح، فاستعملْ الجوارح فيما خلقت من أجله. وتأتي الآية التالية لتوضح عمل الجوارح، وهي تحمل الصفتين الرابعة والخامسة من صفات المؤمنين: {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [الأنفال: 3]. والقيام والقعود والقراءة والتسبيح والتكبير في الصلاة عمل جوارح، وكذلك الزكاة هي عمل ناتج من عمل سبق، فحتى تخرج الزكاة لا بد أن تبذل الجهد وتأخذ بالأسباب لتنتج ما يعولك أنت ودائرتك القريبة من زوجة وأبناء ثم أقارب، ومن بعد ذلك يفيض من المال ما تستقطع منه الزكاة، وهذه بطبيعة الحال غير زكاة الزروع التي تُخْرَج في يوم الحصاد. {أية : وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ}تفسير : [الأنعام: 141]. ودائما ما نجد الصلاة والزكاة وهما مقترنتان ببعضهما، ولا تجد آية فيها ذكر للصلاة إلا وفيها ذكر للزكاة أيضاً؛ لأن الصلاة تعني ترك أمورك الحياتية التي تسعى فيها لدنيا الأسباب، وتذهب إلى الحق سبحانه وتعالى وتقف بين يديه، أي أنك قد اقتطعت جزءاً من الزمن الذي كنت تقضيه في حركة حياتك لتقف فيه أمام ربك خالق الأسباب. والزكاة تعني أنك تقتطع جزءاً من مالك، ولذلك قلنا: إن الصلاة فيها زكاة وزيادة، فأنت تخرج مقدار اثنين ونصف في المائة مما يتبقى معك من مال يبلغ نصاباً ويكون زائداً عن الحاجة الأصلية، لكنك بالصلاة تضحي ببعض الوقت الذي تقضيه في العمل الذي يأتي لك بأصل المال، إذن ففي الصلاة زكاة وأكثر. وأنت في الزكاة تتنازل عن بعض المال، لكنك في الصلاة تتنازل عن الوقت الذي هو محل العمل، وهو الذي تنتج فيه الرزق، والرزق وعاء الزكاة. ويذيل الحق سبحانه وتعالى هذه الآية قائلاً: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} ونعلم أن الرزق كما ذكر العلماء هو كل شيء ينتفع به الإنسان، وحتى اللص الذي يسرق وينتفع بسرقته يعد هذا بالنسبة له رزقاً لكنه رزق غير طيب وله عقاب في الدنيا إن تم ضبطه، ولن يفلت من عقاب الله الحاكم العادل في الدنيا والآخرة، وهو بطبيعة الحال غير الرزق الحلال الذي يأتي من عمل مشروع، والمؤمن الحق هو من ينفق من هذا الرزق الحلال؛ سواء لمتطلبات حياته أو رعاية المجتمع الإيماني. وبعد ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الآية: 2] يعني: فرقت قلوبهم.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} معناهُ خَافتْ قُلُوبُهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 296 : 2 : 12 - سفين عن السدي في قول الله {إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال، إذا أراد أن يظلم مظلمة، فقيل له {ٱتَّقِ ٱللَّهَ} [البقرة: 206]، كف ووجل قلبه.[الآية 2].