Verse. 117 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاَقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَاٰتُوا الزَّكٰوۃَ۝۰ۭ وَمَا تُقَدِّمُوْا لِاَنْفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوْہُ عِنْدَ اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ۝۱۱۰
Waaqeemoo alssalata waatoo alzzakata wama tuqaddimoo lianfusikum min khayrin tajidoohu AAinda Allahi inna Allaha bima taAAmaloona baseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير» طاعة كصلة وصدقة «تجدوه» أي ثوابه «عند الله إن الله بما تعملون بصير» فيجازيكم به.

110

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود، ثم عقبه بقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } تنبيهاً على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو والصفح، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات. ثم قال بعده: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ } والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه، ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: {أية : وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تفسير : [الحج: 77].

البيضاوي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة والملجأ إلى الله تعالى بالعبادة والبر {وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ} كصلاة وصدقة. وقرىء {تُقَدّمُواْ} من أقدم {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} أي ثوابه. {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يضيع عنده عمل. وقرىء بالياء فيكون وعيداً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } طاعة كصلة وصدقة {تَجِدُوهُ } أي ثوابه {عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم به.

ابن عطية

تفسير : قالت فرقة من الفقهاء: إن قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة} عموم، وقالت فرقة: هو من مجمل القرآن، والمرجح أن ذلك عموم من وجه ومجمل من وجه، فعموم من حيث الصلاة الدعاء، فحمله على مقتضاه ممكن، وخصصه الشرع بهيئات وأفعال وأقوال، ومجمل من حيث الأوقات، وعدد الركعات والسجدات لا يفهم من اللفظ، بل السامع فيه مفتقر إلى التفسير، وهذا كله في {أقيموا الصلاة}، وأما الزكاة فمجملة لا غير. قال الطبري: إنما أمر الله هنا بالصلاة والزكاة لتحط ما تقدم من ميلهم إلى أقوال اليهود {أية : راعنا} تفسير : [البقرة: 104]، لأن ذلك نهي عن نوعه، ثم أمر المؤمنين بما يحطه، والخير المقدم منقض لأنه فعل، فمعنى {تجدوه} تجدوا ثوابه وجزاءه، وذلك بمنزلة وجوده. وقوله تعالى: {إن الله بما تعملون بصير} خبر في اللفظ معناه الوعد والوعيد. وقوله تعالى: {وقالوا لن يدخل الجنة} معناه قال اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فجمع قولهم، ودل تفريق نوعيهم على تفرق قوليهم، وهذا هو الإيجاز واللف، وهود جمع هائد، مثل عائد وعود، ومعناه التائب الراجع، ومثله في الجمع بازل وبزل وحائل وحول وبائر وبور، وقيل هو مصدر يوصف به الواحد والجمع كفطر وعدل ورضا، وقال الفراء، أصله يهودي حذفت ياءاه على غير قياس. وقرأ أبي بن كعب "إلا من كان يهودياً"، وكذبهم الله تعالى وجعل قولهم أمنية، وقد قطعوا قبل بقوله {أية : فتمنوا الموت} تفسير : [البقرة: 94، الجمعة: 6]، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم بدعائهم إلى إظهار البرهان، وقيل: إن الهاء في {هاتوا} أصلية من هاتا يهاتي، وأميت تصريف هذه اللفظة كله إلا الأمر منه وقيل: هي عوض من همزة آتى، وقيل: ها تنبيه، وألزمت همزة آتى الحذف، والبرهان الدليل الذي يوقع اليقين، قال الطبري: طلب الدليل هنا يقضي بإثبات النظر ويرد على من ينفيه، وقول اليهود {لن} نفي حسنت بعده {بلى}، إذ هي رد بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وقيل: هي "بل" زيدت عليها الياء لتزيلها على حد النسق الذي في "بل"، و {أسلم} معناه استسلم وخضع ودان، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: [المتقارب]. شعر : وأسلمت وجهي لمن أسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا تفسير : وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان وموضع الحواس وفيه يظهر العز والذل، ولذلك يقال وجه الأمر أي معظمه وأشرفه، قال الأعشى: [السريع]: شعر : وأول الحكم على وجهه ليس قضائي بالهوى الجائر تفسير : ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد، {وهو محسن} جملة في موضع الحال، وعاد الضمير في {له} على لفظ {من}، وكذلك في قوله {أجره}، وعاد في {عليهم} على المعنى، وكذلك في {يحزنون}، وقرأ ابن محيصن " فلا خوف" دون تنوين في الفاء المرفوعة، فقيل: ذلك تخفيف، وقيل: المراد فلا الخوف فحذفت الألف واللام، والخوف هو لما يتوقع، والحزن هو لما قد وقع. وقوله تعالى: {وقالت اليهود} الآية، معناه ادعى كل فريق أنه أحق برحمة الله من الآخر. وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبي صلى الله عليه وسلم فتسابوا، وكفر اليهود بعيسى وبملته وبالإنجيل، وكفر النصارى بموسى وبالتوراة. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها، لأن الإنجيل يتضمن صدق موسى وتقرير التوراة، والتوراة تتضمن التبشير بعيسى وبصحة نبوته، وكلاهما تضمن صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فعنفهم الله تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلاف ما قالوا. وفي قوله: {وهم يتلون الكتاب} تنبيه لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على ملازمة القرآن والوقوف عند حدوده، كما قال الحر بن قيس في عمر بن الخطاب، وكان وقافاً عند كتاب الله، و {الكتاب} الذي يتلونه قيل: التوراة والإنجيل، فالألف واللام للجنس، وقيل: التوراة لأن النصارى تمتثلها، فالألف واللام للعهد.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَاةَ...} إن قلت: هلا قيل: وأقيموا الصّلاة والزكاة فيكون أمرا بإقامتهما معا على أبلغ الوجوه؟ فالجواب: أنّه لما كانت الصّلاة متكررة مشقة على النّفوس أكّدها بالأمر، وهو الإتيان بها مستوفاة الشرائط، ولما كانت الزكاة لا تكرر فهي أخف، اكتفى فيها بالأمر دون تأكيد. قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ...} إن قلنا: إن المباح مأمور به فخير. أفعل من، لأن المراد بذلك كل ما فيه خير يفضل عن غيره فله فيه الأجر وإن قلنا: إن المباح غير مأمور به، فافعل فعل، لا فعل من. قيل لابن عرفة: وكذلك المباح إذا كان مأمورا به فهو خير؟ فقال: وكذلك الحرام فيه خير باعتبار الدنيا، وإنّما المراد بالخير الأخروي وهو الثواب؛ وأما المباح فلا ثواب فيه؟

ابن عادل

تفسير : لما أمرنا بالعفو والصفح عن اليهود عقبه بقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} تنبيهاً لهما على ما أعد لهما من الواجبات وقوله بعده: {أية : وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَِنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ}تفسير : [المزمل:20]. الأظهر أن المراد به التطوّعات من الصلوات والزكوات، وبيّن تَعَالى أنهم يجدونه، وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال؛ لأنها لا تبقى، ولأن وِجْدَان عين تلك الإشياء، ولا يرغب فيه، فبقي أن المراد وِجْدَان ثوابه وجزائه. قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} كقوله: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ}تفسير : [البقرة:106]. فيجوز في "ما" أن تكون مفعولاً بها، وأن تكون واقعةً موقع المصدر، ويجوز في "مِنْ خَيْرٍ" الأربعة أوجه التي في "من آيَةٍ": من كونه مفعولاً به، أو حالاً، أو تمييزاً، أو متعلّقاً بمحذوف. و "مِنْ" تبعيضية، وقد تقدم تحقيقها، فليراجع ثَمَّة. و "لأَنفُسِكُم" متعلّق بـ "تقدمُّوا"، أي: لحياة أنفسكم، وحذف، و "تجدوه" جواب الشرط، وهي متعدّية لواحد؛ لأنها بمعنى الإصابة، ومصدرها الوِجْدَان بكسر الواو كما تقدم، ولا بد من حذف مضاف أي: تجدوا ثوابه، وقد جعل الزمخشري رحمه الله تعالى الهاء عائدة على "ما"، وهو يريد ذلك؛ لأنَّ الخير المتقدم سبب منقض لا يوجد، إنما يوجد ثوابه. [فصل فيما بعد الموت جاء في الحديث أن العبد إذا مات قال الناس: مَا خَلَّفَ؟ وقالت الملائكة عليهم السلام: ما قَدَّمَ؟ وجاء عن عُمَرَ ـ رضي الله تعالى عَنْهُ ـ أنه مَرَّ ببقيع "الغَرْقَد" فقال: السلامُ عليكمُ يا أهل القبور، أخبارُنَا عنْدَنا أنَّ نِسَاءكم قد تزوَّجْن، ودُروكُم قد سُكِنَتْ، وأموالكم قد قُسِّمَتْ، فأجابه هاتفٌ: يا ابن الخطاب، أخبارُ ما عندنا أنَّ ما قدَّمْنَاه وجَدْنَاه، وما أنفقْنَاه فقد ربِحْنَاه، وما خلَّفناه فقد خَسِرْناه؛ وقد أحسن القائلُ حيثُ قال: [الكامل] شعر : 735ـ قَدِّمْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ صَالِحاً وَاعْمَلْ فَلَيْسَ إلى الخُلُودِ سَبِيلُ تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 736ـ قَدِّمْ لِنَفْسِكَ تَوْبَةً مَرْجُوَّةً قَبْلَ المَمَاتِ وَقَبْلَ حَبْسِ الأَلْسُنِ تفسير : وقال آخر: [السريع] شعر : 737ـ وَقَدِّمِ الخَيْرَ فَكُلُّ امْرِىءٍ عَلَى الَّذِي قَدَّمَهُ يَقْدَمُ] تفسير : فصل في إعراب الآية قوله: "عِنْدَ اللهِ" يجوز فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلّق بـ "تَجِدُوهُ". والثاني: أنه متعلّق بمحذوف على أنه حال من المفعول أي: تجدوا ثوابه مدّخراً معدّاً عند الله تعالى، والظَّرفية هنا مجاز نحو: "لك عند فلان يد". قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال فهو ترغيب وتحذير.

البقاعي

تفسير : ولما كان النصر وهم في القلة والضعف بحال عظيم وقوة عدوهم وكثرتهم أعظم مستبعداً قال: {إن الله} وأظهر موضع الإضمار تحقيقاً للبشرى بالإيماء إلى استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال والإكرام {على كل شيء قدير} ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم. وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك. ولما أمرهم بالثقة بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن لا يعوقهم عنه طعن الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم بالإعراض عن الغير أمرهم بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير مما اتصف به المهتدون في قوله تعالى: {أية : ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } تفسير : [البقرة: 2] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على الحضرة الإلهية وتفريغ البال من جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم بشمول القدرة فاعلموا ذلك وثقوا به {وأقيموا الصلاة} التي هي مع كونها سنبتليكم في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرب إليه {وآتوا الزكاة} التي هي قرينة الصلاة، فمن فرق بينهما فقد نسخ ما أثبت الله فاستحق القتال ليرجع عما ارتكب من الضلال، وهي من أعظم نفقات المؤمنين إحساناً إلى الخلائق إن كنتم مصلين بالحقيقة، فإن المال بعض ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا. ولما كان قوله: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } تفسير : [البقرة: 104] وما بعده خطاباً للمؤمنين تحذيراً من كيد أعدائهم بالنهي عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله جميعاً لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت "أل" مشيرة إلى الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال: {وما تقدموا لأنفسكم من خير} أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضاً ونفلاً {تجدوه} وزاد ترغيباً فيه بقوله: {عند الله} أي الجامع لصفات الكمال. فهو يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ذلك من أمور الفضل. ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيراً وقد لا يطلع عليه لكونه خفياً حقيراً قال مرغباً مرهباً: {إن الله} المحيط قدرة وعلماً {بما تعملون بصير} وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعاراً بالاستئناف للخير ليكون ختماً جامعاً. لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان "إنه"، وذلك لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد ختم الخطاب على إحاطة جملته - قاله الحرالي. والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد علمه بحيثية ما تقدم من عمل الخير؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي في أول شرحه لإيساغوجي: الغالب في المضمر إرادة المعنى الأول، وأما حديث: إعادة الشيء معرفة. فأصل يعدل عنه كثيراً للقرائن. ولما ذكر دعواهم في مس النار وأبطلها من وجوه كثيرة أحاطت بهم فيها الخطايا إحاطة اقتضت خلودهم فيها من جهة ضلالهم إلى آية النسخ مرقياً الخطاب من سيئة إلى أسوأ منها ثم من جهة إضلالهم لغيرهم من آية النسخ عطف على تلك الدعوى الإخبار بدعواهم في دخول الجنة تصريحاً بما أفهمته الدعوى الأولى تلويحاً وقرن بذلك مثل ما ختم به ما قبلها من أن من فعل خيراً وجد على وجه بين فيه أن ذلك الخير الإسلام والإحسان فقال تعالى: {وقالوا} أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسداً منهم على المسبب الذي هو الجنة كما حسدوا على السبب وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان الذي به تستباح الجنان {لن يدخل الجنة} المعدة لأولياء الله {إلا من كان هوداً} هذا قول اليهود منهم {أو نصارى} وهذا قول النصارى نشراً لما لفته الواو في {وقالوا}. ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوها لأنفسهم لمنابذتهم لما عندهم من العلم والتي حسدوا فيها المؤمنين لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال مشيراً إلى بعدهم عن ذلك على وجه الاستئناف معترضاً بين الدعوى وطلب الدليل عليها تعجيلاً لتوهيتها: {تلك} بأداة البعد {أمانيهم} تهكماً بهم، أي أمثال هذه الشهوة من ودهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفاراً، وأن لا يدخل الجنة غيرهم - وأمثال ذلك من شهواتهم. ولما كان كل مدع لغيب مفتقراً في تصحيح دعواه إلى دليل وكان مثل هذا لا يقنع فيه إلا بقاطع أمر أعلم الخلق لأنه لا ينهض بأخراسهم في علمهم ولددهم غيره بمطالبتهم بذلك ناقضاً لدعواهم فقال: {قل هاتوا برهانكم} بلفظ البرهان. قال الحرالي: وهو علم قاطع الدلالة غالب القوة بما تشعر به صيغة الفعلان ضم أولها وزيادتا آخرها، وهذا كما افتتح تلك بالنقض بقوله: {قل أتخذتم} وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيّب شيئاً إلا وأبدى عليه علماً ليكون في العالم المشهود شفاف عن العالم الغائب - قاله الحرالي. قالوا: وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين ودليل على أن كل قول لا برهان عليه باطل. ولما نادى عليهم بالكذب في قوله: {إن كنتم صادقين} أثبت لغيرهم بقوله: {بلى} ما ادعوا الاختصاص به، ثم بين أهل الجنة بقوله: {من أسلم وجهه} أي كليته، لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن "الإيمان" إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن وإذعانه إذعان جميع الأعضاء؛ و "الإسلام" قال الحرالي: الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر؛ و "الوجه" مجتمع حواس الحيوان، وأحسن ما في الموتان - وهو ما عد الحيوان، وموقع الفتنة من الشيء الفتان؛ وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك {لله} من أجل أنه الله الجامع للكمال. ولما كان ذكر الأجر لكل واحد بعينه أنص على المقصود وأنفى للتعنت، أفرد الضمير فقال: {وهو محسن} في جانب الحق بإذعان القلب، وفي جانب الخلق بما يرضي الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سره علنه. ولما نفوا الأجر عن غيرهم وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم وكان ربما قيل إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب ربط الأجر بالفاء دليلاً على أن إسلامهم هو السبب فقال: {فله} خاصة {أجره عند ربه} إحساناً إليه بإثبات نفعه على حسب ما ربّه به في كل شريعة. ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير إلا لأن المراد واحد بعينه فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود أو النصارى جمع فقال: {ولا خوف عليهم} من آت {ولا هم يحزنون} على شيء فات دفعاً لضرهم، وهذا كما أثبت سبحانه خلاف دعواهم في مس النار بقوله: { أية : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } تفسير : [البقرة: 81] الآية، فالتحم الكلام بذلك أشد التحام وانتظم أي انتظام. ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحاً منهم في غيرهم وأثبتها للمحسنين أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله فقال: {وقالت اليهود ليست} أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم {النصارى على شيء} أي يعتد به لكونه صحيحاً، وليس مخففة من وزن فرح، ومعناها مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي. {وقالت النصارى} كذلك {ليست اليهود على شيء} فعجب منهم في هذه الدعوى العامة لما قبل التبديل والنسخ وما بعده بقوله: {وهم} أي والحال أنهم {يتلون الكتاب} أي مع أن في كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر. ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ضلال، وفي ذلك غاية العيب لهم لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في القطع في الدين بالباطل كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من بلده ومنعوه من مسجد أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي هو الحقيق به دونهم، وساق ذلك جواب سائل كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب فما حال من لا علم له؟ فقال: {كذلك} أي مثل هذا القول البعيد عن القصد {قال الذين لا يعلمون} ولما كان صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة وصدوره من الجهلة أغرب نبه تعالى على أن سامعه جدير بأن يقول لعده له عداد ما لا يصدق: كيف قال الجهلة؟ فقال أو يقال: ولما كان قولهم هذا لا يكاد يصدق من شدة غرابته كان كأنه قيل: أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به عن شيء آخر؟ فأجيب بقوله: {كذلك} أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا كناية عن شيء غيره، فلما استقر في النفس كان كأنه قيل: هل وقع هذا لأحد غيرهم؟ فقيل: نعم، وقع أعجب منه وهو أنه قال الجهلة "كعبدة الأصنام والمعطلة" {مثل قولهم} فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم الذي لا كتاب مثله وضللوا أهل كل دين. ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سُدى بينهم فقال: {فالله} "الملك الأعظم" {يحكم بينهم} والحكم قصر المصرَف على بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوّف إليه - قاله الحرالي. وحقق أمر البعث بقوله: {يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} والآختلاف افتعال من الخلاف وهو تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه - قاله الحرالي. ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا بذلك ظلماً آخر وكان من منع مسجداً واحداً لكونه مسجداً مانعاً لجميع المساجد قال: {ومن أظلم} أي منهم، وإنما أبدل الضمير بقوله: {ممن منع مساجد الله} أي "الجامع لصفات الكمال التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة التي قصروها عليهم، ثم أبدل من ذلك تفخيماً له تذكرة مرة بعد أخرى" قوله: {أن يذكر فيها اسمه} وعطف بقوله: {وسعى في خرابها} أي بتعطيلها عن ذكر الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم. والمنع الكف عما يترامى إليه. والمسجد مفعل لموضع السجود وهو أخفض محط القائم. والسعي الإسراع في الأمر حساً أو معنى. والخراب ذهاب العمارة، والعمارة إحياء المكان وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي. ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه والخزي في الدنيا والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {ما كان لهم} أي ما صح وما انبغى {أن يدخلوها} أي المساجد الموصوفة {إلا خائفين} وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك، ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف فقال: {لهم في الدنيا خزي} أي عظيم بذلك وبغيره، ثم زاده بأن عطف عليه قوله: {ولهم في الآخرة} التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال {عذاب عظيم} فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي أشار إليه بالتنوين. قال الحرالي: وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجهاً من وجوه العذاب، فنالهم من العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن، وذلك أسوأ الخسار؛ قال: ومن الموعود أن من أعلام قيام الساعة تضييع المساجد لذلك كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجُرم في مسجد يكون فعله سبباً لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا، حتى ينتظم بذلك من خرب مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها، وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرّت إليه أعمال يهود فيه؛ قال: كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة وخصوصاً في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة وأهل الكتاب { أية : الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين } تفسير : [الروم: 1-3] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين حين يفرح المؤمنون بنصر الله، قال: وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها وحجرها على القاصدين للتحنث فيها والخلوة بذكر الله، وليس رفع المساجد منعها بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم الله، قال تعالى: { أية : في بيوت أذن الله أن ترفع } تفسير : [النور: 36] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة: من أراد أن يلغط أو يتحدث أو ينشد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة، وقال صلى الله عليه وسلم: " حديث : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسلّ سيوفكم وبيعكم وشراءكم، وابنوا على أبوابها المطاهر " تفسير : ففي حل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت له من ذكر الله كان ساعياً في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى. ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله بذكره وكان الله تعالى قد منّ على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجداً سلّى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه، لأنه لا يختص به جهة دون جهة، لأن ملكه للكل على حدّ سواء؛ فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم فإنه لله، كما أن المسجد الذي مُنعتموه لله؛ وعطف عليه قوله: {ولله} أي الذي له الكمال كله {المشرق} أي موضع الشروق وهو مطلع الأنوار {والمغرب} وهو موضع أفولها، فأنبأ تعالى كما قال الحرالي بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاماً بأن الوجهة لوجهه لا للجهة، من حيث إن الجهة له - انتهى. ولما كان هذان الأفقان مداراً للكواكب من الشمس وغيرها عبر بهما عن جميع الجهات، لتحول الأفلاك حال الدوران إلى كل منهما. فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: {فأينما تولوا} أي فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت المقدس أو الكعبة أو غيرهما في النافلة {فثَم} أي فذلك الموضع، لأن "ثَمَّ" إشارة لظرف مكان {وجه الله} أي جهته التي وجهكم إليها أو مكان استقباله والتوجه إليه وما يستقبلكم من جلاله وجماله ويتوجه إليكم من بره وإفضاله. فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في الإبداع والقرب والبعد وغير ذلك إليه واحدة. قال الحرالي: وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع محاذاة وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى. ولما أخبر من سعة فضله مبثوثاً في واسع ملكه بما وقفت العقول عن منتهى علمه علله بما صغُر ذلك في جنبه فقال: {إن الله} فذكره بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء {واسع} أي محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ملكه؛ وأصل الوسع تباعد الأطراف والحدود {عليم} فلا يخفى عليه فعل فاعل أي ما كان وكيف ما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته وشمول علمه وقدرته. قال الحرالي في شرح الأسماء: والسعة المزيد على الكفاية من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتداداً ورحمة وعلماً { أية : ورحمتي وسعت كل شيء } تفسير : [الأعراف: 156] { أية : للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } تفسير : [يونس: 26] { أية : لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } تفسير : [المائدة: 35] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال الحلم وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة، ولمسرى النعمة في وجوه الكفايات ظاهراً وباطناً خصوصاً وعموماً لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة، أما ظاهراً فلا تقع منهم ولا تكاد "إنكم لن تسعوا الناس بمعروفكم"، وأما باطناً بخصوص حسن الخلق فعساه يكاد. وقال في تفسيره: قدم تعالى: {المشرق} لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية الأبصار، وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق الأنوار الباطنة، فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار الباطنة "حديث : الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق" "حديث : لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق"تفسير : انتهى. قلت: ومن ذلك حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حديث : إن لله بالمغرب باباً - وفي رواية: باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - مسيرة عرضه سبعون عاماً، لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله " تفسير : أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيره، وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار إليه بالفتنة في الحديث الآخر، فالمغرب حينئذ المدينة وما ينسب إليها من جهة المشرق وما وراء ذلك من جهة الجنوب والشمال وما وراء ذلك من جهة الغرب إلى منتهى الأرض، فلا يعارض حينئذ حديث "وهم بالشام" فإنها من جملة المغرب على هذا التقدير، فدونك جمعاً طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت فيه الأفكار في المحافل والدروس - والله الموفق. ولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول العلم كان من المحال افتقاره إلى شيء ولد أو غيره قدّم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم في الولد اليهود في عزير والنصارى في المسيح وعبدة الأوثان في الملائكة فقال معجباً ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم عاطفاً على ما سبق من دعاويهم: {وقالوا اتخذ الله} الذي له الكمال كله وعبر بقوله: {ولداً} الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع. ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب ربما أوهم اختصاص الذم بهم حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب من كأنه قال: هل انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها كما قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة، لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة عن لزومها، والحاصل أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما غيرهم فتبع لهم للمساواة في المقالة، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصباباً واحداً. ونزه نفسه الشريفة استئنافاً بقوله: {سبحانه} فذكر علم التسبيح الجامع لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله، ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد بالنفي فكأن الخطاب يفهم: ما اتخذ الله ولداً ولا له ولد {بل له ما} فعبر بالأداة التي هي لغير العاقل تصلح له تعميماً وتحقيراً لهم {في السماوات والأرض} مما ادعت كل فرقة منهم فيه الولدية وغير ذلك. ثم علله بقوله معبراً بما يفهم غاية الإذعان: {كل له قانتون} أي مخلصون خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا تطلع إلى نوع امتناع العاقل، غيره، حتى كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم. قال الحرالي: فجاء بالجمع المشعر كما يقال بالعقل والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين الكون والمكوّن، إنما يقع جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام؛ والقنوت ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققاً بتمكنه فيه. انتهى. ثم علل ذلك بما هو أعظم منه فقال: {بديع السماوات والأرض} أي خالقهما على غير مثال سبق، وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه؟ لأن الولد مستخرج شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي. {وإذا قضى} أي أراد {أمراً} منهما أو من غيرهما، والقضاء إنفاذ المقدر. والمقدر ما حدّ من مطلق المعلوم - قاله الحرالي. {فإنما يقول له كن} من الكون وهو كمال البادي في ظاهره وباطنه {فيكون} فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة، وسر التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران. قال الحرالي: وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى غاية الكمال - انتهى. قالوا: ورفع "يكون" للاستئناف أي فهو يكون، أو العطف على {يقول} إيذاناً بسرعة التكوين على جهة التمثيل، ومن قال بالأول منع العطف على {يقول} لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم التكوين، وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة: إن ذلك لا يطرد في مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله: { أية : ثم قال له كن فيكون } تفسير : [آل عمران: 59] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره، وأول قوله: شعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثم أقول لا يعنيني تفسير : بأن معناه: مررت ماضياً، وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني؛ وفائدة التعبير به مضارعاً، تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير: كن فكان، لأنه متى قضى شيئاً قال له: كن، فيكون، وجعل الأحسن عطفه على {كن} لأنه وإن كان بلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون؛ وقال: إن ذلك أكثر اطراداً لانتظامه لمثل قوله: { أية : ثم قال له كن فيكون } تفسير : [آل عمران: 59]. وهذا الموضع مجمع على رفعه، وكذا قوله تعالى في الأنعام: { أية : ويوم يقول كن فيكون } تفسير : [الأنعام: 73]. وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها بأربعة: وهي هذا الموضع، وقوله تعالى في آل عمران: { أية : إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } تفسير : [آل عمران: 47]، وفي مريم مثله سواء، وفي غافر: { أية : فإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون } تفسير : [غافر: 68]؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل: { أية : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } تفسير : [النحل: 40] وفي يس: { أية : إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون } تفسير : [يس: 82] فجعلوا النصب في هذين عطفاً على {يقول} وفي الأربعة الأولى جواباً للأمر في قوله: {كن} اعتباراً بصورة اللفظ وإن لم يكن المعنى على الأمر فالتقدير: يقول له يكون فيكون، أي فيطاوع، فطاح قول من ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه، وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطاً لنفسه، لأن التقدير: إن يكن يكن؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية، كما نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلاً عمن أنزل عليه القرآن، فلما رأيته لم ينصب إلا ما في حيز {إذا} علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى الشرط، فيكون مثل قوله تعالى في الشورى: { أية : ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } تفسير : [الشورى: 35] بنصب "يعلم" في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض التوجيهات، وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل الكلام على "إذا" قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في كافيته: ومنها "إذا" وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط، فلذلك اختير بعدها الفعل، والأصل في استعمال "إذا" أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به، ثم قال: وكلمة الشرط ما يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضاً حصول مضمون الثانية، فالمضمون الأول مفروض ملزوم، والثاني لازمه؛ ثم قال: و "إن" موضوعة لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه، وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم، سواء شك في وقوعه كما في حقنا، أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى؛ وقال: ولا يكون الشرط في اسم إلا بتضمن معناها؛ ثم قال: فنقول: لما كان "إذا" للأمر المقطوع بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده، لتنافي القطع والفرض في الظاهر، فلم يكن فيه معنى "إن" الشرطية، لأن الشرط كما بينا هو المفروض وجوده، لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيراً في الأمور التي نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوّزوا تضمين "إذا" معنى "إن" كما في "متى" وسائر الأسماء الجوازم، فيقول القائل: إذا جئتني فأنت مكرم - شاكاً في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء؛ ثم قال: ولما كثر دخول معنى الشرط في "إذا" وخروجه عن أصله من الوقت المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى "إن" الشرطية، وذلك في الأمور القطعية استعمال "إذا" المتضمنة لمعنى "إن"، وذلك لمجيء جملتين بعده على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطاً وجزاء، ثم قال في الكلام على الفاء في نواصب الفعل، وقد تضمر "أن" بعد الفاء والواو الواقعتين بعد الشرط قبل الجزاء، نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو. تكرمني - آتك، أو بعد الشرط والجزاء، نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو: وأكرمك - وذلك لمشابهة الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي، إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود الشرط، ووجود الشرط مفروض، فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة، وعليه حمل قوله تعالى: {إن يشأ يسكن الريح فيظللن} - إلى قوله: { أية : ويعلم الذين يجادلون } تفسير : [الشورى: 35] على قراءة النصب؛ ثم قال: وإنما صرفوا ما بعد فاء السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال، كما تقدم في باب المضارع، فلو أبقوه مرفوعاً لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء، يعني فكان يلزم أن يكون الكون قديماً كالقول، فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفاً، إذ المضارع المنصوب بأن مفرد، وقبل الفاء المذكورة جملة، ويتخلص المضارع للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن، فكان فيه شيئان: رفع جانب كون الفاء للعطف. وتقوية كونه للجزاء؛ فيكون إذن ما بعد الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوباً - انتهى. فالتقدير هنا والله أعلم: فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات، فعلى هذا قراءة النصب أبلغ لظهورها في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ما دلت عليه من سرعة الكون وأنه حق، ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقُسي حكى في إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكُتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه: زاد ابن الضائع في نصب {فيكون} وجهاً حسناً وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا، وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت، قال السفاقسي: ويصح فيه وجه ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما، لأنهم أجازوا: إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره.

ابو السعود

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} عطفٌ على (فاعفوا) أُمروا بالصبر والمداراةِ واللَّجَإ إلى الله تعالى بالعبادة البدنية والمالية {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} كصلاة أو صدقةٍ أو غيرِ ذلك أيْ أيُّ شيءٍ من الخيـــرات تقدّموه لمصلحة أنفسِكم {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} أي تجدوا ثوابه وقـــرىء (تُقْدِموا) من أقدم {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يَضيعُ عنده عملٌ فهو وعدٌ للمؤمنين، وقرىء بالياء فهو وعيدٌ للكافرين، {وَقَالُواْ} عطف على (ود) والضميرُ لأهل الكتابـين جميعاً {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ} أي قالت اليهودُ لن يدخُلَ الجنةَ إلا من كان هُوداً، وقالت النصارى لن يدخُلَ الجنةَ إلا من كان نصارى، فلفّ بـين القولين ثقةً أن السامعَ يردُّ كلاً منهما إلى قائله، ونحوُه (وقالوا كونوا هوداً أو نصارى) تهتدوا وليس مرادُهم بأولئك مَنْ أقام اليهوديةَ والنصرانيةَ قبل النسخِ والتحريفِ على وجههما بل أنفسَهم على ما هم عليه لأنهم إنما يقولونه لإضلال المؤمنين وردِّهم إلى الكفر. والهوُدُ جمعُ هائِدٍ كعوذٍ جمعُ عائذ وبُزْلٍ جمعُ بازل، والإفرادُ في كان باعتبار لفظ (مَنْ) والجمع في خبرِه باعتبار معناه، وقرىء إلا من كان يهودياً أو نصرانياً {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} الأمانيُّ جمع أُمنية وهي ما يُتمنّى كالأُعجوبة والأُضْحوكة، والجملةُ معترِضةٌ مُبـينةٌ لبُطلان ما قالوا، و(تلك) إشارةٌ إليه، والجمعُ باعتبار صدوره عن الجميع، وقيل: فيه حذفُ مضافٍ، أي أمثالُ تلك الأُمنية أمانيُّهم، وقيل: (تلك) إشارةٌ إليه وإلى ما قبله مِن أنْ ينزِلَ على المؤمنين خيرٌ من ربهم وأن يردَّهم كفاراً، ويردُّه قوله تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} فإنهما ليسا مما يُطلب له البرهانُ ولا مما يَحتملُ الصِّـــدق والكذِبَ قيل: (هاتوا) أصلُه آتوا قُلبت الهمزةُ هاءً أي أَحضروا حُجتَكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم. هذا ما يقتضيه المقامَ بحسب النظرِ الجليلِ والذي يستدعيه إعجازُ التنزيل أن يُحمل الأمرُ التبكيتيُّ على طلب البرهان على أصل الدخولِ الذي يتضمنه دعوى الاختصاص به.

القشيري

تفسير : الواجب على المريد إقامة المواصلات، وإدامة التوسل بفنون القُربات، واثقاً بأن ما يقدمه من صدق المجاهدات تُدرك ثمرته في أواخر الحالات.

اسماعيل حقي

تفسير : {واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة} عطف على فاعفوا كأنه امرهم بالصبر والمخالفة واللجأ الى الله تعالى بالعبادة والبر فالمراد الامر بملازمة طاعة الله تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله {وما تقدموا لأنفسكم من خير} فان الخير يتناول اعمال البر كلها الا انه تعالى خص من بينها اقام الصلاة وايتاء الزكاة بالذكر تنبيها على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند الله تعالى فان الصلاة قربة بدنية ليكون عمل كل عضو شكرا لما انعم الله عليه فى ذلك والزكاة قربة مالية ليكون شكرا للاغنياء الذين فضلهم الله فى الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سعتهم فى صنوف الاعمال وما تقدموا شرطية اى أى شئ من الخيرات صلاة او صدقة او غيرهما تقدموه وتسلفوه لمصلحة انفسكم {تجدوه} اى ثوابه وجزاءه لا عينه لان عين تلك الاعمال لا تبقى ولان وجدان عينها لا يرغب فيه {عند الله} اى محفوظا عنده فى الآخرة فتجدوا الثمرة واللقمة فيها مثل احد ولفظ التقديم اشارة الى ان المقصود الاصلى والحكمة الكلية فى جميع ما انعم الله تعالى به على المكلفين فى الدنيا ان يقدموه الى معادهم ويدخروه ليومهم الآجل كما جاء فى الحديث "حديث : ان العبد اذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم" تفسير : {إن الله بما تعملون بصير} اى عالم لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الاعمال والعمل غير مقيد بالخير او الشر فهو عام شامل للترغيب والترهيب فالترغيب من حيث انه يدل على انه تعالى يجازى على القليل من الخير كما يجازى على الكثير والترهيب من حيث انه يجازى على القليل والكثير من الشر ايضا فلا يضيع عنده عمل عامل. وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه انه مر ببقيع الغرقد فقال السلام عليكم اهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت واموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد احسن القائل شعر : قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس الى الخلود سبيل تفسير : قال السعدى شعر : توغافل درانديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بايمال غبار هوا جشم عقلت بدوخت سموم هوا كشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فرداشوى سرمه درجشم خاك تفسير : اعلم ان الانسان اذا مات انقطع عمله الا ان يبقى بعده واحد من الاعمال الاربعة التى لا ينقطع اجرها. الاول ما يتولد من مال الانسان كبناء المساجد والجسور والرباط والاوقاف وغير ذلك من الخيرات: كما قال السعدى فى البستان شعر : ازان كس كه خيرى بماندروان دمادم رسد رحمتش برروان نمرد آنكه ماند بس ازوى بجاى بل ومسجد وخان ومهمان سراى هران كونماند از بسش ياد كار درخت وجودش نياورد بار وكر رفت وآثار خيرش نماند تشايد بس مرك الحمد خواند تفسير : والى هذا اشار عليه السلام بقوله "حديث : من صدقة جارية ". تفسير : فى حديث "حديث : اذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث ". تفسير : والثانى ما يتولد من العقل الراجح كالعلم المنتفع به واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : او علم ينتفع به ". تفسير : قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر انه عام متناول ما خلفه من تصنيف او تعليم فى العلوم الشرعية وما يحتاج اليه فى تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لان ما لا ينتفع به لا يثمر اجرا كما ان كتم ما ينتفع به لا يثمر اجرا بل اثما وعذابا كما ورد فى الحديث "حديث : من كتم علما يعلمه الجم يوم القيامة بلجام من النار ". تفسير : قال الامام السخاوى يشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها. والثالث ما يتولد من النفس كالبنين والبنات واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : او ولد صالح يدعو له ". تفسير : قيد عليه الصلاة والسلام بالصالح لان الاجر لا يحصل من غيره. واما الوزر فلا يلحق بالاب من سيئة ولده اذا كانت نيته فى تحصيله الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولد على الدعاء لابيه لا لانه قيد لان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لابيه ام لا كمن غرس شجرة يحصل له من اكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من اكلها أم لم يدع وكذلك الام. فان قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام "حديث : من سن فى الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها الى يوم القيامة" تفسير : وقوله عليه السلام "حديث : من مات يختم على عمله الا المرابط فى سبيل الله فانه ينمو له عمله الى يوم القيامة ". تفسير : قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذى قدمه فى حياته ينمو له الى يوم القيامة. اما الثلاث المذكورة فى الحديث فانها اعمال تحدث بعد وفاته لا تنقطع عنه لانه سبب لها فيلحقه منها ثواب. والرابع ما يتولد من الروح وهى الاولاد المعنوية التى تولدت من التربية كاولاد المشايخ الكاملين من الصوفية المتشرعين المحققين وهذا القسم يمكن ان يندرج فيما قبله فافهم.

الطوسي

تفسير : ان قيل ما المقتضي لذكر الصلاة والزكاة ها هنا، قلنا: انه تعالى لما اخبرهم بشدة عداوة اليهود لهم وامرهم بالصفح عنهم قال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} فان في ذلك معونة على الصبر مع ما تجزون بهما من الثواب والاجر، كما قال في موضع آخر: {واستعينوا بالصبر والصلاة}. وقوله: {وما تقدموا} معنى (ما) الجزاء وجوابه {تجدوه}. ومثله {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها} والخير المذكور في الآية هو العمل الصالح الذي يرضاه الله. ومعنى "تجدوه" اى تجدوا ثوابه. وكذا قال الربيع كما قال ابن نجا: شعر : وسبحت المدينة لا تلمها تفسير : اي سبحت اهل المدينة. وقوله: {إن الله بما تعملون بصير} معناه انه لا يخفى عليه شيء من اعمالكم. جازاكم على الاحسان بما تستحقونه من الثواب، وعلى الاساءة بما تستحقونه من العقاب، فاعملوا عمل من يدري انه يجازيه من لا يخفى عليه شيء من عمله، ففي ذلك دلالة على الوعد، والوعيد، والامر والزجر، وان كان خبرا عن غير ذلك في اللفظ.

الجنابذي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} يعنى بعد ما سلم مدارككم وجوارحكم عن المعارضة وقلوبكم عن الحقد يتأتّى لكم اقامة الصّلاة فأقيموها، او المقصود وأقيموا الصّلاة حتّى يتأتّى لكم العفو والصّفح {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} قد مضى فى اوّل السّورة بيان اقامة الصّلاة وايتاء الزّكاة {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} عطف باعتبار المعنى كأنّه قال: وقدّموا لانفسكم اذ المقصود من مثله التّعريض بالأمر والايجاب على المخاطب والمراد بالخير امّا الاحسان الى المسيئين كأنّه قال: فاعفوا واصفحوا وأحسنوا، او المراد منه كلّ فعلٍ حسنٍ فيكون ذكراً للعامّ بعد الخاصّ ويكون، الاحسان المطلوب بعد مقام الصّفح مشاراً اليه بذكر اقامة الصّلاة وايتاء الزّكاة فانّ الاحسان لا يكون الاّ بكسر سورة انانيّة النّفس والتّسليم الخالص لأمر الله وليسا الاّ الزّكاة والصّلاة {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} مدّخراً لكم بنفسه على تجسّم الأعمال او بحقيقته او جزائه {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يشذّ عنه شيءٌ لا يدّخر عنده.

الهواري

تفسير : قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ} أي أنهما فريضتان واجبتان لا رخصة لأحد فيهما. قوله: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَِنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللهِ} أي تجدون ثوابه في الآخرة. {إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. قوله: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى} قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ}. قال الله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} على ذلك. قال الحسن: هاتوا حجّتكم. وقال غيره من المفسّرين: هاتوا بيّنتكم {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي إن كنتم تدخلون الجنة كما زعمتم. ثم كذّبهم وأخبرهم أن الجنة إنما هي للمؤمنين ولستم بمؤمنين فقال: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أو وجهته في الدين {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي وهو مُكْمل العمل {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. قوله: {وَقَالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ} يعني التوراة والإِنجيل، أي فكيف اختلفوا وتفرَّقوا والكتاب واحد جاء من عند الله، يصدّق بعضه بعضاً قال: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني النصارى {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} يعني مثل قول اليهود. قال الله: {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فيكون حكمه فيهم أن يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار.

اطفيش

تفسير : {وأقيموا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزّكَاةَ}: استئناف أو عطف على اعفوا، أمرهم الله تعالى بالصبر، ومخالفة الكفار، والمعاشرة بالخلق الحسن، والالتجاء إلى الله به للعبادة التى هي خالية عن الإحسان إلى الخلق، وأشار إليها بإقامة الصلاة إلا أنها تدعو إلى الإحسان إليهم، وبالعبادة التى هى إحسان إليهم، وأشار إليها بإيتاء الزكاة، وخصهما بالذكر لأن الصلاة عماد الدين، والمال شقيق الروح تشح عليه الأنفس. وذكر ابن جرير الطبرى أنه إنما آمر الله عز وجل المؤمنين بالصلاة والزكاة هنا ليحط ما تقدم من قولهم راعنا، لأن ذلك نهى عن نوعه. {وَمَا تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكُم من خَيرٍ}: من عبادة فإنها خير ونفع بدنية، كالصلاة والصوم، أو مالية كالزكاة وصدقة التطوع، أو مالية وبدنية كالحج والجهاد من ماله، أو قلبيه كالتفكر فى المصنوعات والعلم وحب المؤمنين وبغض الكافرين. وقيل: المراد بالخير المال يتصدق به صدقة التطوع، لأن الزكاة تقدم ذكرها، وقرئ: تقدموا (بإسكان القاف وتخفيف الدال) من قولك أقدمه بمعنى قدمه بالتشديد. فإن قدم بالتخفيف يتعدى بالهمزة كما يتعدى بالتشديد. {تَجِدُوه}: أى تصيبوه وتوافوه على حذف مضاف، أى تجدوا ثوابه. {عِنْدَ الله}: أى يجد ثواب التمرة واللقمة كجبل أحد وأكثر، وروى ابن المبارك فى رقائقه، وهو رجل مخالف يذكر بعلم وشجاعة وحكمة بسنده: حديث : أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله ما لى لا أحب الموت؟ قال: هل لك مال؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فقدم مالك بين يديك، فإن المرء مع ماله إن قدمه أحب أن يلحقه وإن خلفه أحب التخلف.تفسير : وذلك ما يروى: "قدم مالك أمامك يسرك اللحاق به". وروى الربيع بن حبيب، رحمه الله، عن أبى هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال وهو يعظه: "حديث : اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك " تفسير : {إنَّ اللهَ بما تَعْمَلونَ بَصِير}: عليم بكل ما اعتقده أحد أو قاله أو فعله من خير أو شر، فيثيب على الخير، ويعاقب على الشر، والاعتقاد والقول عمل، كما أن أفعال سائر الجوارح عمل، ولا يضيع عنده عمل، ولا يخفى قليلا أو كثيراً، وذلك ترغيب فى الطاعات، وزجر عن المعاصى، ويحتمل أن يكون المراد ما تعملون من الخير فيكون ترغيباً، وقرئ يعملون (بالتحتية) وعود الضمير لأهل الكتاب، فيكون ذلك وعيداً لهم وتهديداً.

اطفيش

تفسير : {وَأَقِيمُواْ الصَّلَٰوةَ} بطهارة وخشوع وإخلاص مع تأديتها بأجزائها، وهكذا فى سائر القرآن {وَءَاتُوا الزَّكَٰوةَ} صيروها آتية أهلها، بأن توصلوها إلى مستحقيها، وعلى أصحاب الزكاة مؤونة حملها والمجىء بها حتى تصل العامل الذى جاء إليها، أو للفقير إذ لم يكن الإمام، أو أمرهم بتفريقها، وذلك هو الأصل. وإن جاءها الفقير أو وكيله وقبضها أجزت، والمراد بالزكاة الجزء المعلوم من المال، ويجوز أن يراد جعلوا التزكية آتية منكم إلى أهلها، وكذلك فى سائر القرآن، وذلك أمر بالعبادة البدنية والمالية، لأنها تدفع المكروه، وزعم الطبرى أنها كفارة، لميلهم إلى قول اليهود، راعنا، وهو مردود {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ} طاعة، كأمر ونهى، وتعليم وصلة رحم، وأداء فرض أو سنة أو نفل {تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ} تعلمون أن الله عالم به، وأولى من هذا، تجدونه بوجود ثوابه، سمى الثواب باسم سببه وملزومه، أو يقدر، تجدون ثوابه اللقمة والتمرة كأحد، أو تجدونه نفسه مجسما، وأنا أقول، لا بأس بتجسيم الأعراض، لأن الله قادر على إنشاء كل شىء من أول، فهو قادر على تصيير العرض جسما، كما جاءت الأحاديث والآثار، بأنه تجيئه صلاته بصورة رجل حسن، وتجيئه صدقته ظلا، وهكذا فى الشر، إلا أنى لا أقول بوزن ما تجسم من الأعراض {إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عنه شىء، فهو يجازى على مثاقيل الذر من خير وشر.

الالوسي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} عطف على {أية : فَٱعْفُواْ } تفسير : [البقرة: 109] كأنه سبحانه أمرهم بالمخالقة والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكرهون، وقول الطبري: إنهم أمروا هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود {أية : رٰعِنَا } تفسير : [البقرة: 104] منحط عن درجة الاعتبار. {وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ} أي أي خير كان، وفي ذلك توكيد للأمر بالعفو والصفح، والصلاة والزكاة، وترغيب إليه، واللام نفعية، وتخصيص الخير بالصلاة، والصدقة خلاف الظاهر، وقرىء (تقدموا) من قدم من السفر، وأقدمه غيره جعله قادماً، وهي قريب من الأولى لا من الإقدام ضد الإحجام. {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} حيث جعل جميع ما يعملون مبصراً له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلاً مما يعملون من المبصرات، وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات، وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير هٰهنا العالم ولا دلالة على كونه نفس الذات أو زائداً عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور، وقرىء (يعملون) بالياء والضمير/ حينئذ كناية عن كثير، أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلاً لقوله تعالى: {أية : فَٱعْفُواْ } تفسير : [البقرة: 109] الخ مؤكداً لمضمون الغاية، والمناسب أن يكون وعيداً لأولئك ليكون تسلية، وتوطيناً للمؤمنين بالعفو والصفح، وإزالة لاستبطاء إتيان الأمر، وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات المتقدمة، والكلام وعيد للمؤمنين، ويستفاد من الالتفات الواقع من صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة؛ وهو النكتة الخاصة بهذا الالتفات ولا يخفى أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 110- وحافظوا على شعائر دينكم، فأقيموا الصلاة، وأعطوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من أعمال طيبة وصدقة تجدوا ثوابه عند الله. إن الله بما تعملون عليم، علم من يبصر ويرى. 111- ومن أباطيل اليهود والنصارى وأمانيهم الكاذبة ما يزعمه كل منهم: من أن الجنة لن يدخلها إلا من كان على دينهم، فلتطلبوا إليهم أن يأتوا ببرهان على ذلك إن كانوا صادقين. 112- ولن يجدوا على ذلك برهاناً، فالحق أن الذين يدخر لهم الله تعالى نعيم الجنة ويثيبهم يوم القيامة ويقيهم الخوف والحزن، هم الذين يخلصون لله ويتبعون الحق، ويحسنون ما يؤدونه من أعمال. 113- ومن عجب أنهم كما يعادون الإسلام يعادى بعضهم بعضاً، فيقول اليهود: ليست النصارى على شئ من الحق، ويقول النصارى فى اليهود مثل ذلك، وكلاهما يستدل بأسفاره، ويقول المشركون من العرب الذين لا يعلمون شيئاً عن الكتب المنزلة فى اليهود والنصارى معاً ما يقوله كلاهما فى الآخر، ولقد صدقوا جميعاً فى ذلك، فليس منهم فريق على حق، وسيتبين ذلك حينما يحكم الله بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. 114- ومن مظاهر عدائهم بعضهم لبعض؛ وعدائهم للمسلمين، أن بعض طوائفهم خرَّبت معابد الطوائف الأخرى، وأن المشركين منعوا المسلمين من المسجد الحرام، وليس ثمة أحد أشد ظلماً ممن يحول دون ذكر الله فى أماكن العبادة ويسعى فى خرابها، فأولئك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم. وما كان لهم أن يقترفوا مثل هذا الجرم الخطير، وإنما كان ينبغى أن يحفظوا للمعابد حرمتها، فلا يدخلوها إلا خاشعين، ولا يمنعوا غيرهم أن يذكر فيها اسم الله.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتُواْ} {ٱلزَّكَاةَ} (110) - يَحُثُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى الاشْتِغَالِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الدُّنْيا، وَيُسَاعِدُهُمْ عَلَى تَحْقِيقِ النَّصْرِ الذِي وَعَدَهُمْ بِهِ، وَبِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي الآخِرَةِ، وَيُوصِلُهُمْ إِلى الفَُوْزِ بِجَنَّةِ اللهِ وَرِضْوَانِهِ، مِثلِ إِقَامَةِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ نُفُوسُهُمْ إِلى رِضَا اللهِ وَرِضْوَانِهِ، وَإِلَى حُسْنِ العَاقِبَةِ فِي الآخِرَةِ، فََتَكُونَ أَثْبَتَ عَلَى تَحَمُّلِ الصِّعَابِ وَالشَّدَائِدِ. وَيُعْلِمُ اللهُ المُؤْمِنِينَ أَنَّ كُلَّ مَا يُقَدِّمُونَهُ لأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ وَخَيْرٍ يَجِدُونَ ثَوَابَهُ عِنْدَ اللهِ مَحْفُوظاً لِيَومِ الحِسَابِ، لاَ يَضِيعُ عَلَيهِمْ مِنْهُ شَيءٌ، لأَِنَّ اللهَ عَلَى عِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ بِمَا يَعْمَلُونَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَأَنَّهُ سَيُجَازِيهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهِمْ.

الثعلبي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ} تسلفوا. {لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} طاعة وعمل صالح. {تَجِدُوهُ} تجدوا ثوابه ونفعه. {عِندَ ٱللَّهِ} وقيل: بالخبر الحال كقوله عزّ وجلّ {إِن تَرَكَ خَيْراً} [البقرة: 180] ومعناه وما تقدّموا لأنفسكم من زكاة وصدقة تجدوه عند الله أي وتجدوا الثمرة واللقمّة مثل أحُد {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ} ورد في الحديث: إذا مات العبد قال الله: ما خلّف؟ وقال الملائكة: ما قدّم؟ وعن أنس بن مالك قال: لمّا ماتت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي بن أبي طالب عليه السلام الدّار فأنشأ يقول: شعر : لكلّ اجتماع من خليلين فرقة وكلّ الّذي دون الفراق قليل وإنّ افتقادي واحداً بعد واحد دليلٌ على أن لا يدوم خليل تفسير : ثمّ دخل المقابر فقال: السلام عليكم يا أهل القبور أموالكم قسّمت ودوركم سكنّت وأزواجكم نكحت فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ فهتف هاتف: وعليكم السلام ما أكلنا رِبْحَنَا وما قدّمنا وجدنا وما خلّفنا خسرنا. {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} قال الفرّاء: أراد يهودياً فحذف الياء الزائدة ورجعوا إلى الفعل من اليهوديّة. وقال الأخفش: اليهود جمع هايد مثل عائِد وعود وحائل وحول وعايط وعوط وعايذ وعوذ، وفي مصحف أُبي: إلاّ من كان يهودياً أو نصرانياً ومعنى الآية وقالت اليهود: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان يهوديّاً ولا دين إلاّ دين اليهوديّة وقالت النصارى: لن يدخل الجنّة إلاّ من كان نصرانيّاً ولا دين إلاّ النصرانية قال الله تعالى: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} شهواتهم الّتي يشتهوها ويتمنوها على الله عزّ وجلّ بغير الحقّ وقيل أباطيلهم بلغة قريش. {قُلْ} يا محمّد. {هَاتُواْ} وأصله أتوا فقلبت الهمزة هاءً. {بُرْهَانَكُمْ} حجتكم على ذلك وجمعه براهين مثل قربان قرابين وسلطان وسلاطين. {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ثمّ قال ردّاً عليهم وتكذبياً لهم {بَلَىٰ} ليس كما قالوا بل يدخل الجنّة {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} مقاتل: أخلص دينه وعمله لله وقيل: فوض أمره إلى الله. وقيل: خضع وتواضع لله. وأصل الإسلام والاستسلام: الخضوع والأنقياد وإنّما خصَّ الوجه لأنّه إذا جاد بوجهه في السّجود لم يبخل بسائر جوارحه. قال زيد بن عمرو بن نفيل: شعر : اسلمتُ وجهي لمن اسلمت له الأرض تحمل صخراً ثقالا واسلمت وجهي لمن اسلمت له المزن يحمل عذباً زلالاً تفسير : {وَهُوَ مُحْسِنٌ} في عمله، وقيل: مؤمن، وقيل: مخلص. {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران؛ وذلك إنّ وفد نجران لمّا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتّى ارتفعت أصواتهم فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدّين وكفروا بعيسى والأنجيل، وقالت لهم النّصارى: ما أنتم على شيء من الدّين وكفروا بموسى والتوراة. فأنزل الله تعالى {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ}. { وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} وكلا الفريقين يقرأون الكتاب أي لتبين في كتابكم سر الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم مافيه على أنهم على الباطل. وقيل: كان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية قال: صدقوا جميعاً والله كذلك. {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني أباءهم الذّين مضوا. {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قال مقاتل يعني مشركي العرب كذلك قالوا في نبيّهم محمّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليسوا على شيء من الدّين. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: (كذلك قال الذين لا يعلمون) من هم؟ قال: أُمم كانت قبل اليهود والنّصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ونحوهم، قالوا في نبيهم إنّه ليس على شيء وأنّ الدّين ديننا. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} يقضي بين المحقّ والمبطل يوم القيامة. {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من الدّين.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بين الله سبحانه وتعالى أن أقصى أماني أهل الكتاب أن يردونا كفاراً، وأن هذا حسد منهم. أراد الله تبارك وتعالى أن يبين لنا ما الذي يكرهه أهل الكتاب .. وقال إن الذي يتعبهم ميزان العدل والحق الذي نتبعه .. منهج الله سبحانه وتعالى .. ولذلك يأمر الله المؤمنين أن يثبتوا ويتمسكوا بالإيمان، وأن يقبلوا على التكليف فهذا أحسن رد عليهم .. والتكاليف التي جاء بها الإسلام منها تكليفات لا تتطلب إلا وقتاً من الزمن وقليلاً من الفعل كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا. إن شهادة لا إله إلا الله تقال مرة في العمر .. والزكاة والصوم مرة كل عام .. والحج للمستطيع مرة في العمر .. ولكن هناك من العبادات ما يتكرر كل يوم ليعطي المؤمن شحنة اليقين والإيمان ويأخذه من دنياه بالله أكبر خمس مرات في اليوم .. وهذه هي العبادة التي لا تسقط أبداً .. والإنسان سليم والإنسان مريض .. فالمؤمن يستطيع أن يصلي واقفاً وأن يصلي جالساً وأن يصلي راقداً .. وأن يجري مراسم الصلاة على قلبه .. لذلك كانت هذه أول عبادة تذكر في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [البقرة: 110] أي والتفتوا إلى نداءات ربكم للصلاة .. وعندما يرتفع صوت المؤذن بقوله الله أكبر فهذه دعوة للإقبال على الله .. إقبال في ساعة معلومة لتقفوا أمامه سبحانه وتعالى وتكونوا في حضرته يعطيكم الله المدد .. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (حديث : إذا حزبه أمر صلى ). تفسير : ومعنى حزبه أمر .. أي ضاقت به أسبابه فلم يجد مخرجاً ولا طريقاً إلا أن يلجأ إلى الله .. إذا حدث هذا يتوضأ الإنسان ويصلي ركعتين غير الفريضة .. ثم يدعو ما يشاء فيفرج الله كربه .. إذن: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} [البقرة: 110] هي الرد المناسب على كل محاولاتهم ليسلبوكم دينكم .. ذلك أن هذا التكليف المقرر لإعلان الولاء الإيماني لله كل يوم خمس مرات .. نترك كل ما في الدنيا ونتجه إلى الله بالصلاة .. إنها عماد الدين وأساسه. وقوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} [البقرة: 110] .. إيتاء الزكاة لا يحدث إلا إذا كان لَدَيْنا ما هو زائد عن حاجتنا .. فكأن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نضرب في الأرض لنكسب حاجتنا وحاجة من نعول ونزيد .. وبذلك يخرج المسلمون من سيطرة اليهود الاقتصادية التي يستذلون بها المسلمين. فالمؤمن حين يأتي الزكاة معناه أن حركته اتسعت لتشمل حاجته وحاجة غيره .. ولذلك حتى الفقير يجد في الزائد في أموال المسلمين ما يكفي حاجته .. فلا يذهب إلى اليهودي ليقترض بالربا .. ولذلك فالله سبحانه وتعالى يريد أن يتكامل المسلمون .. بحيث تكفي أموالهم غنيهم وفقيرهم والقادر على العمل منهم وغير القادر. والله تبارك وتعالى يزيد أموال المسلمين بأكثر مما يخرج منها من زكاة .. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ). تفسير : وقد سميت "الزكاة" لأنها في ظاهرها نقص وفي حقيقتها زيادة .. والربا ظاهره زيادة وحقيقته نقص .. وفي ذلك يقول الله جل جلاله: {أية : يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلْرِّبَا وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ ..} تفسير : [البقرة: 276]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} [البقرة: 110] .. إذن لابد أن يطمئن المؤمن لأن حركة حياته هي ثواب وأجر عند الله تبارك وتعالى .. فإذا صلى فله أجر وإذا زكى فله أجر، وإذا تصدق فله أجر، وإذا صام فله أجر، وإذا حج فله أجر، كل ما يفعله من منهج الله له أجر، وليس أجراً بقدر العمل، بل أضعاف العمل .. وإقرأ قوله تعالى: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 261]. وهكذا نعرف أن كل حركة في منهج الله ليس فقط لها أجر عند الله سبحانه وتعالى .. ولكنه أجر مضاعف أضعافاً مضاعفة .. وهو أجر ليس بقدرات البشر ولكنه بقدرة الله سبحانه .. ولذلك فهو ليس مضاعفاً فقط في عدد المرات ولكنه مضاعف في القدرة أيضاً .. فكأن كل إنسان غير مؤمن لا أجر له في الآخرة .. وإذا أُعْطِيَ في الدنيا يُعطى عطاء المثل .. ولكن المؤمن وحده له عطاء الآخرة أضعافاً مضاعفة .. وهو عطاء ليس زائلاً كعطاء الدنيا ولكنه باق وخالد. والخير الذي تفعله لن تدخره عندك أو عند من قد ينكره .. ويقول لا شيء لك عندي ولكن الله سيدخره لك .. فانظر إلى الاطمئنان والعمل في يد الله الأمينة، وفي مشيئته التي لا يغفل عنها شيء، وفي قدرته التي تضاعف أضعافاً مضاعفة .. وتجده في الوقت الذي تكون في أحوج اللحظات إليه وهو وقت الحساب. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 110] .. أي لا تعتقد أن هناك شيئاً يخفى على الله، أو أن أحداً يستطيع أن يخدع الله؛ فالله سبحانه وتعالى بصير بكل شيء .. ليس بالظاهر منك فقط .. ولكن بما تخفيه في نفسك ولا تطلع عليه أحداً من خلق الله، إنه يعلم كل شيء واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [إبراهيم: 38]. وهكذا نطمئن إلى أن الله بصير بكل شيء، وانظر إلى قوله جل جلاله: "تعملون" لتفهم أهمية العمل.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} معناهُ اعْطُوهَا.

الأندلسي

تفسير : {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} يندرج في عموم هذا الخير الصلاة والزكاة. {تَجِدُوهُ} أي ثوابه. {عِندَ ٱللَّهِ} وكني بقوله: {بَصِيرٌ} عن علمه بحيث أنه لا يخفى عليه شيء وبصير من بصر أو فعيل من أفعل. اختصم يهود المدينة ونصارى نجران وتناظروا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكى الله عنهم ما قالوه ولفوا في الضمير في وقالوا لأن القول صدر من الجميع ثم جيء (با) والتي للتفصيل فعاد هودا لمن قال: كونوا هوداً ونصارى، لمن قال: كونوا نصارى، وهذه كقوله: {أية : كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} تفسير : [البقرة: 135]. ومعلوم أن اليهوي لا يأمر بالنصرانية ولا النصراني يأمر باليهودية وهود جمع هائد كعائد وعود وهو جمع لا ينقاس في فاعل وحمل الضمير في من كان على لفظ من، فأفرد وحمل الخبر على معنى من فجمع وفي هذا وقول الشاعر: شعر : * وأيقظ من كان منكم نياماً * تفسير : رد على من زعم أنه لا يجوز الجمع بين الجملتين في مثل هذه الصورة. ولن في النفي أبلغ من لا. {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} جملة معترضة بين قولهم وبين طلب الدليل على صحة دعواهم أي تلك المقالة أمانيهم فإِن حمل على ظاهره فذلك من الأماني التي لا تقع بل يستحيل وقوعها والا فأمانيهم أكاذيبهم وتلك يشار بها إلى الوحدة المفردة وإلى الجمع غير المسلم من المذكر والمؤنث فحمله الزمخشري على الجمع قال: أشير بها إلى الأماني المذكورة وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي تلك الأماني الباطلة. "انتهى". وما ذهب إليه في الوجه الأول ليس بظاهر لأن كل جملة ذكر فيها ودّهم لشيء قد انقطعت وكملت واستقلت في النزول فيبعد أن يشار إليها وما ذهب إليه في الوجه الثاني فيه مجاز الحذف وفيه قلب الوضع إذ الأصل أن تكون تلك مبتدأ، وأمانيهم خبراً، فقلب هذا الوضع إذ قال: أمانيهم في البطلان مثل أمنيتهم هذه، وفيه أنه متى كان الخبر مشبهّاً به المبتدأ فلا يجوز تقديمه، مثل: زيد زهير. نص على ذلك النحويون. فإِن تقدم ما هو أصل في أن يشبّه به كان من عكس التشبيه ومن باب المبالغة إذ جعل الفرع أصلاً، والأصل فرعاً، كقولك: الأسد زيد شجاعة. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} إذا ادّعى شيء طولب المدعي بالدليل على صدق دعواه وهات فعل متصرف. يقال: هاتي يهاني مهاناة. ويتصل بها الضمائر يقلل: هاتي وهايتا وهاتوا وهاتين، يتصرف تصرف راعي، والبرهان مشتق من البره وهو القطع، أو من البرهنة وهي البيان. {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} في دعواكم فهاتوا البرهان.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما فوضتم أموركم إلى الله، واتخذتموه وكيلاً حفيظاً لكم عن أدائكم {أَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} رابطوا ظواهركم وبواطنكم إليه سبحانه دائماً على وجه التذلل والخضوع والانكسار والخشوع {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} طهروا قلوبكم عن الميل إلى ما سوى الحق {وَ} اعلموا أن {}مَا تُقَدِّمُواْ في هذه النشأة {لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ} من التوجه الدائم والإعراض الدائم عن محبة الغير {تَجِدُوهُ عِندَ} ظهور توحيد {ٱللَّهِ} وتجريده وتفريده على قلوبكم {إِنَّ ٱللَّهَ} المحيط بذواتكم {بِمَا تَعْمَلُونَ} من خير {بَصِيرٌ} [البقرة: 110] عليم خبير. {وَ} من جملة حيلتهم معكم ووداداتهم كفركم أنهم {قَالُواْ} لكم على وجه العظة والتذكير {لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ} من أهل الأديان {إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ} المهملات ما هي إلا {أَمَانِيُّهُمْ} التي يخرمونها في نفوسهم بلا كتاب ولا دليل، وإن ادعوا الدليل {قُلْ} له يا أكمل الرسل إلزاماً: {هَاتُواْ} أيها المدعون {بُرْهَانَكُمْ} من آيات الله وسنن رسله {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] في دعوة الاختصاص. قل لهم يا أكمل الرسل كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة والإخلاص لا وجه لدعوى اختصاص الجنة لا منكم ولا منا: {بَلَىٰ} أي: بل مبنى الأمر على أن {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} وسلم وجهه المنسوب إليه مجازاً {للَّهِ} المنسوب إليه حقيقة {وَهُوَ} في نفسه {مُحْسِنٌ} عارف مشاهد {فَلَهُ أَجْرُهُ} مرجعه ومقصده {عِندَ} مرتبة {رَبِّهِ} المخصوص له {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] لغنائهم عن قابلية الخوف والحزن ومقتضيات الطبيعة وبقائهم بمرتبة ربهم. {وَ} من عدم تفطنهم للإيمان والإذعان وعدم تنبههم على طريق التوحيد و العرفان {قَالَتِ ٱلْيَهُودُ}: الدين ديننا والكتاب كتابنا والنبي نبينا {لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ} في أمر الدين، بل هم ضالون عن طريق الحق، لا يهتدون النبي أصلاً إلا أن يؤمنوا بديننا {وَ} أيضاً {قَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ}: ديننا حق وشريعتنا مؤيدة ونبينا مخلد {لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ} في الدين والإيمان، بل الدين ديننا {وَ} الحال أن {هُمْ} أي: كلا الفريقين {يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} المنزل على نبيهم، ويدعون الإيمان والإذعان، ومع ذلك لم يخلصوا من الجهل والعناد، ولم ينتبهوا على التوحيد المزيح للاختلاف، المشعر للوفاق والاتحاد، بل فرق بينهم وبين المشركين النافيين للصانع؛ إذ {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} الكتاب والنبي والدين والإيمان {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} بأن الحق ما نحن عليه بلا كتابٍ ولا نبيٍ؛ لأن الإنسان مجبول على تجريح ما هو عليه سواء كان حقاً أو باطلاً، صلاحاً أو فساداً، والأنبياء إنما يرسلون ويبعثون؛ ليميزوا لهم الحق عن الباطل والصالح عن الفاسد، وهم مع بعثة الرسل إليهم سواء كان مع المشركين الذين لا كتاب لهم ولا نبي {فَٱللَّهُ} المحيط بسرائرهم وضمائرهم {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} على مقتضى علمه بأعمالهم وأحوالهم {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} المعد لجزاء الأعمال {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] على مقتضى آرائهم وأهوائهم فيجازيهم بمقتضى ما يعملون ويعلمون.