Verse. 116 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَدَّ كَثِيْرٌ مِّنْ اَھْلِ الْكِتٰبِ لَوْ يَرُدُّوْنَكُمْ مِّنْۢ بَعْدِ اِيْمَانِكُمْ كُفَّارًا۝۰ۚۖ حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ اَنْفُسِہِمْ مِّنْۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَہُمُ الْحَقُّ۝۰ۚ فَاعْفُوْا وَاصْفَحُوْا حَتّٰى يَاْتِيَ اللہُ بِاَمْرِہٖ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ۝۱۰۹
Wadda katheerun min ahli alkitabi law yaruddoonakum min baAAdi eemanikum kuffaran hasadan min AAindi anfusihim min baAAdi ma tabayyana lahumu alhaqqu faoAAfoo waisfahoo hatta yatiya Allahu biamrihi inna Allaha AAala kulli shayin qadeerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ودَّ كثير من أهل الكتاب لو» مصدرية «يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا» مفعول له كائنا «من عند أنفسهم» أي حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة «من بعد ما تبين لهم» في التوراة «الحق» في شأن النبي «فاعفوا» عنهم أي اتركوهم «واصفحوا» أعرضوا فلا تجازوهم «حتى يأتي الله بأمره» فيهم من القتال «إن الله على كل شئ قدير».

109

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثالث من كيد اليهود مع المسلمين، وذلك لأنه روي أن فنحاص بن عازوراء، وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد ما عشت، فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما، فنزلت هذه الآية، واعلم أنا نتكلم أولاً في الحسد ثم نرجع إلى التفسير. المسألة الأولى: في ذم الحسد ويدل عليه أخبار كثيرة، الأول: قوله عليه السلام: «حديث : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب». الثاني: قال أنس: «كنا يوماً جالسين عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يطلع عليكم الآن من هذا الفج رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه وقد علق نعليه في شماله فسلم، فلما كان الغد قال عليه السلام مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، وقال في اليوم الثالث مثل ذلك فطلع ذلك الرجل، فلما قام النبي عليه السلام تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: إني تأذيت من أبي فأقسمت لا أدخل عليه ثلاثاً، فإن رأيت أن تذهب بي إلى دارك فعلت، قال: نعم، فبات عنده ثلاث ليال فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا انقلب على فراشه ذكر الله ولا يقوم حتى يقوم لصلاة الفجر، غير أني لم أسمعه يقول: إلا خيراً، فلما مرت الثلاث وكدت أن أحتقر عمله، قلت: يا عبد الله لم يكن بيني وبين والدي غضب ولا هجر، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كذا وكذا، فأردت أن أعرف عملك، فلم أرك تعمل عملاً كثيراً، فما الذي بلغ بك ذاك؟ قال: ما هو إلا ما رأيت. فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لم أجد على أحد من المسلمين في نفسي عيباً ولا حسداً على خير أعطاه الله إياه، فقال عبد الله: هي التي بلغت بك وهي التي لا تطاق»تفسير : . الثالث: قال عليه السلام: «حديث : دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين»تفسير : . الرابع: قال: «حديث : إنه سيصيب أمتي داء الأمم، قالوا: ما داء الأمم؟ قال: الأشر والبطر والتكاثر والتنافس في الدنيا والتباعد والتحاسد حتى يكون البغي ثم الهرج»تفسير : . الخامس: أن موسى عليه السلام لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغبط بمكانه وقال: إن هذا لكريم على ربه فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: أحدثك من عمله ثلاثاً: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه ولا يمشي بالنميمة. السادس: قال عليه السلام: «حديث : إن لنعم الله أعداء، قيل: وما أولئك؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله». تفسير : السابع: قال عليه السلام: «حديث : ستة يدخلون النار قبل الحساب، الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد». تفسير : أما الآثار، فالأول: حكي أن عوف بن عبد الله دخل على الفضل بن المهلب وكان يومئذ على واسط، فقال: إني أريد أن أعظك بشيء، إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس، ثم قرأ: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ } تفسير : [البقرة: 34] وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة. أسكنه الله في جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها، فأخرجه الله، ثم قرأ: {أية : ٱهْبِطَا مِنْهَا } تفسير : [طه: 123] وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده، ثم قرأ: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءادَمَ بِٱلْحَقّ } تفسير : [المائدة: 27]. الثاني: قال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. الثالث: قال رجل للحسن: هل يحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب إلا أنه لا يضرك ما لم تعد به يداً ولساناً. الرابع: قال معاوية: كل الناس أقدر على رضاه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. الخامس: قيل: الحاسد لا ينال من المجالس إلا مذمة وذلاً، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضاً، ولا ينال من الخلق إلا جزعاً وغماً، ولا ينال عند الفزع إلا شدة وهولاً، وعند الموقف إلا فضيحة ونكالاً. المسألة الثانية: في حقيقة الحسد: إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد، وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة، أما الأول: فحرام بكل حال، إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر يستعين بها على الشر والفساد فلا يضرك محبتك لزوالها فإنك ما تحب زوالها من حيث إنها نعمة، بل من حيث إنها يتوسل بها إلى الفساد والشر والأذى. والذي يدل على أن الحسد ما ذكرنا آيات. أحدها: هذه الآية وهي قوله تعالى: {لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } فأخبر أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد. وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء } تفسير : [النساء: 89]. وثالثها: قوله تعالى: {أية : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } تفسير : [آل عمران: 120] وهذا الفرح شماتة، والحسد والشماتة متلازمان. ورابعها: ذكر الله تعالى حسد إخوة يوسف وعبر عما في قلوبهم بقوله: {أية : قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلٰلٍ مُّبِينٍ ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } تفسير : [يوسف: 8، 9] فبين تعالى أن حسدهم له عبارة عن كراهتهم حصول تلك النعمة له. وخامسها: قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مّمَّا أُوتُواْ } تفسير : [الحشر: 9] أي لا تضيق به صدورهم ولا يغتمون، فأثنى الله عليهم بعدم الحسد. وسادسها: قال تعالى في معرض الإنكار: {أية : أم يحسدون الناس على مَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [النساء: 54]. وسابعها: قال الله تعالى: {أية : كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيّينَ } تفسير : [البقرة: 213] إلى قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } تفسير : [البقرة:213] قيل في التفسير: حسداً. وثامنها: قوله تعالى: {أية : وَمَا تَفَرَّقُواْ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ }تفسير : [الشورى: 14] فأنزل الله العلم ليؤلف بينهم على طاعته فتحاسدوا واختلفوا، إذ أراد كل واحد أن ينفرد بالرياسة وقبول القول. وتاسعها: قال ابن عباس: كانت اليهود قبل مبعث النبي عليه السلام إذا قاتلوا قوماً قالوا: نسألك بالنبي الذي وعدتنا أن ترسله وبالكتاب الذي تنزله إلا تنصرنا، فكانوا ينصرون، فلما جاء النبي عليه السلام من ولد إسماعيل عرفوه وكفروا به بعد معرفتهم إياه فقال تعالى: {أية : وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [البقرة: 89] إلى قوله: {أية : أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا } تفسير : [البقرة: 90] أي حسداً. وقالت صفية بنت حيي للنبي عليه السلام: جاء أبي وعمي من عندك فقال أبي لعمي ما تقول فيه؟ قال: أقول: إنه النبي الذي بشر به موسى عليه السلام، قال: فما ترى؟ قال: أرى معاداته أيام الحياة، فهذا حكم الحسد. أما المنافسة فليست بحرام وهي مشتقة من النفاسة، والذي يدل على أنها ليست بحرام وجوه. أولها: قوله تعالى: {أية : وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَـٰفِسُونَ} تفسير : [المطففين: 26]. وثانيها: قوله تعالى: {أية : سَابِقُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ }تفسير : [الحديد: 21] وإنما المسابقة عند خوف الفوت وهو كالعبدين يتسابقان إلى خدمة مولاهما إذ يجزع كل واحد أن يسبقه صاحبه فيحظى عند مولاه بمنزلة لا يحظى هو بها. وثالثها: قوله عليه السلام: «حديث : لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه الناس». تفسير : وهذا الحديث يدل على أن لفظ الحسد قد يطلق على المنافسة، ثم نقول: المنافسة قد تكون واجبة ومندوبة ومباحة، أما الواجبة فكما إذا كانت تلك النعمة نعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، فههنا يجب عليه أن يحب له مثل ذلك، لأنه إن لم يحب ذلك كان راضياً بالمعصية وذلك حرام، وأما إن كانت تلك النعمة من الفضائل المندوبة كالإنفاق في سبيل الله والتشمير لتعليم الناس كانت المنافسة فيها مندوبة، وأما إن كانت تلك النعمة من المباحات كانت المنافسة فيها من المباحات، وبالجملة فالمذموم أن يحب زوالها عن الغير، فأما أن يحب حصولها له وزوال النقصان عنه فهذا غير مذموم، لكن ههنا دقيقة وهي أن زوال النقصان عنه بالنسبة إلى الغير له طريقان. أحدهما: أن يحصل له مثل ما حصل للغير. والثاني: أن يزول عن الغير ما لم يحصل له فإذا حصل اليأس عن أحد الطريقين فيكاد القلب لا ينفك عن شهوة الطريق الآخر، فههنا إن وجد قلبه بحيث لو قدر على إزالة تلك الفضيلة عن تلك الشخص لأزالها، فهو صاحب الحسد المذموم وإن كان يجد قلبه بحيث تردعه التقوى عن إزالة تلك النعمة عن الغير فالمرجو من الله تعالى أن يعفو عن ذلك، ولعل هذا هو المراد من قوله عليه السلام: «حديث : ثلاث لا ينفك المؤمن منهن، الحسد والظن والطيرة، ثم قال: وله منهم مخرج إذا حسدت فلا تبغ»تفسير : ، أي إن وجدت في قلبك شيئاً فلا تعمل به، فهذا هو الكلام في حقيقة الحسد وكله من كلام الشيخ الغزالي رحمة الله عليه. المسألة الثالثة: في مراتب الحسد، قال الغزالي رحمه الله هي أربعة. الأولى: أن يحب زوال تلك النعمة وإن كان ذلك لا يحصل له وهذا غاية الحسد. والثانية: أن يحب زوال تلك النعمة عنه إليه وذلك مثل رغبته في دار حسنة أو امرأة جميلة أو ولاية نافذة نالها غيره وهو يحب أن تكون له، فالمطلوب بالذات حصوله له، فأما زواله عن غيره فمطلوب بالعرض. الثالثة: أن لا يشتهي عنها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها لكي لا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها، فإن لم يحصل فلا يحب زوالها، وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة: منها مذمومة وغير مذمومة، والثانية: أخف من الثالثة، والأول: مذموم محض قال تعالى: {أية : وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [النساء: 32] فتمنيه لمثل ذلك غير مذموم وأما تمنيه عين ذلك فهو مذموم. المسألة الرابعة: ذكر الشيخ الغزالي رحمة الله عليه للحسد سبعة أسباب: السبب الأول: العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه، وذلك الغضب يولد الحقد والحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن التشفي بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان، فمهما أصاب عدوه آفة وبلاء فرح، ومهما أصابته نعمة ساءته، وذلك لأنه ضد مراده، فالحسد من لوازم البغض والعداوة ولا يفارقهما، وأقصى الإمكان في هذا الباب أن لا يظهر تلك العداوة من نفسه وأن يكره تلك الحالة من نفسه، فأما أن يبغض إنساناً ثم تستوي عنده مسرته ومساءته فهذا غير ممكن، وهذا النوع من الحسد هو الذي وصف الله الكفار به، إذ قال: {أية : وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ ٱلأنَامِلَ مِنَ ٱلْغَيْظِ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور،إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها} تفسير : [آل عمران: 119، 120] وكذا قال: {أية : وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ ٱلْبَغْضَاء مِنْ أَفْوٰهِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 118]. واعلم أن الحسد ربما أفضى إلى التنازع والتقاتل. السبب الثاني: التعزز، فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً ترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، فيريد زوال ذلك المنصب عنه وليس من غرضه أن يتكبر، بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد يرضى بمساواته ولكنه لا يرضى بترفعه عليه. السبب الثالث: أن يكون في طبيعته أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض، ومن هذا الباب كان حسد أكثر الكفار للرسول عليه الصلاة والسلام إذ قالوا: كيف يتقدم علينا غلام يتيم وكيف نطأطيء له رؤوسنا؟ فقالوا: {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم}تفسير : [الزخرف: 31] وقال تعالى يصف قول قريش: {أية : أَهَـؤُلاء مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } تفسير : [الأنعام: 53] كالاستحقار بهم والأنفة منهم. السبب الرابع: التعجب كما أخبر الله عن الأمم الماضية إذ قالوا: {أية : مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } تفسير : [إبراهيم: 10]، وقالوا: {أية : أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَـٰبِدُونَ } تفسير : [المؤمنون: 47]، {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَـٰسِرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 34] وقالوا متعجبين: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94] وقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [الفرقان: 21] وقال: {أية : أوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنْكُمْ لِيُنذِرَكُمْ } تفسير : [الأعراف: 63, 69]. السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد وذلك يختص بالمتزاحمين على مقصود واحد، فإن كل واحد منهما يحسد صاحبه في كل نعمة تكون عوناً له في الانفراد بمقصوده، ومن هذا الباب تحاسد الضرات في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الأخوة في التزاحم على نيل المنزلة في قلوب الأبوين للتوصل إلى مقاصد المال والكرامة، وكذلك تحاسد الواعظين المتزاحمين على أهل بلدة واحدة، إذ كان غرضهما نيل المال والقبول عندهم. السبب السادس: حب الرياسة وطلب الجاه نفسه من غير توسل به إلى مقصوده، وذلك كالرجل الذي يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته وزوال النعمة التي بها يشاركه في المنزلة من شجاعة أو علم أو زهد أو ثروة ويفرح بسبب تفرده. السبب السابع: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا بكبر ولا بطلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته، ويقال: البخيل من بخل بمال غيره، فهذا يبخل بنعمة الله على عباده الذين ليس بينهم وبينه لا عداوة ولا رابطة وهذا ليس له سبب ظاهر إلا خبث النفس ورذالة جبلته في الطبع، لأن سائر أنواع الحسد يرجى زواله لإزالة سببه، وهذا خبث في الجبلة لا عن سبب عارض فتعسر إزالته. فهذه هي أسباب الحسد، وقد يجتمع بعض هذه الأسباب أو أكثرها أو جميعها في شخص واحد فيعظم فيه الحسد ويقوى قوة لا يقوى صاحبها معها على الإخفاء والمجاملة بل يهتك حجاب المجاملة ويظهر العداوة بالمكاشفة وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلما يتجرد واحد منها. المسألة الخامسة: في سبب كثرة الحسد وقلته وقوته وضعفه. اعلم أن الحسد إنما يكثر بين قوم تكثر فيهم الأسباب التي ذكرناها، إذ الشخص الواحد يجوز أن يحسد لأنه يمتنع من قول المتكبر ولأنه يتكبر ولأنه عدو لغير ذلك من الأسباب وهذه الأسباب إنما تكثر بين قوم تجمعهم روابط يجتمعون بسببها في مجالس المخاطبات ويتواردون على الأغراض والمنازعة مظنة المنافرة، والمنافرة مؤدية إلى الحسد فحيث لا مخالطة فليس هناك محاسدة، ولما لم توجد الرابطة بين شخصين في بلدين لا جرم لم يكن بينهما محاسدة، فلذلك ترى العالم يحسد العالم دون العابد والعابد يحسد العابد دون العالم، والتاجر يحسد التاجر، بل الاسكاف يحسد الإسكاف ولا يحسد البزاز، ويحسد الرجل أخاه وابن عمه أكثر مما يحسد الأجانب والمرأة تحسد ضرتها وسريَّة زوجها أكثر مما تحسد أم الزوج وابنته، لأن مقصد البزاز غير مقصد الإسكاف فلا يتزاحمون على المقاصد، ثم مزاحمة البزاز المجاور له أكثر من مزاحمة البعيد عنه إلى طرف السوق وبالجملة فأصل الحسد العداوة وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد والغرض الواحد لا يجمع متباعدين بل لا يجمع إلا متناسبين، فلذلك يكثر الحسد بينهم، نعم من اشتد حرصه على الجاه العريض والصيت في أطراف العالم فإنه يحسد كل من في العالم ممن يشاركه في الخصلة التي يتفاخر بها، أقول: والسبب الحقيقي فيه أن الكمال محبوب بالذات وضد المحبوب مكروه ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال، فلا جرم كان الشريك في الكمال مبغضاً لكونه منازعاً في الفردانية التي هي من أعظم أبواب الكمال، إلا أن هذا النوع من الكمال لما امتنع حصوله إلا لله سبحانه ووقع اليأس عنه فاختص الحسد بالأمور الدنيوية، وذلك لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين، أما الآخرة فلا ضيق فيها، وإنما مثال الآخرة نعمة العلم، فلا جرم من يحب معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وملائكته فلا يحسد غيره إذا عرف ذلك، لأن المعرفة لا تضيق على العارفين بل المعلوم الواحد يعرفه ألف ألف ويفرح بمعرفته ويلتذ به ولا تنقص لذة أحد بسبب غيره، بل يحصل بكثرة العارفين زيادة الأنس، فلذلك لا يكون بين علماء الدين محاسدة لأن مقصدهم معرفة الله، وهي بحر واسع لا ضيق فيها وغرضهم المنزلة عند الله ولا ضيق فيها، نعم إذا قصد العلماء بالعلم المال والجاه، تحاسدوا لأن المال أعيان إذا وقعت في يد واحد خلت عنها يد الآخر، ومعنى الجاه ملء القلوب، ومهما امتلأ قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر، أما إذا امتلأ قلب بالفرح بمعرفة الله لم يمنع ذلك أن يمتلىء قلب غيره وأن يفرح به فلذلك وصفهم الله تعالى بعدم الحسد فقال: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَـٰبِلِينَ } تفسير : [الحجر: 47]. المسألة السادسة: في الدواء المزيل للحسد وهو أمران: العلم والعمل. أما العلم ففيه مقامان إجمالي وتفصيلي، أما الإجمالي فهو أن يعلم أن كل ما دخل في الوجود فقد كان ذلك من لوازم قضاء الله وقدره، لأن الممكن ما لم ينته إلى الواجب لم يقف، ومتى كان كذلك فلا فائدة في النفرة عنه، وإذا حصل الرضا بالقضاء زال الحسد. وأما التفصيلي فهو أن تعلم أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا، وأنه ليس فيه على المحسود ضرر في الدين والدنيا، بل ينتفع به في الدين والدنيا، أما أنه ضرر عليك في الدين فمن وجوه. أحدها: أنك بالحسد كرهت حكم الله ونازعته في قسمته التي قسمها لعباده وعدله الذي أقامه في خلقه بخفي حكمته، وهذه جناية على حدقة التوحيد وقذى في عين الإيمان. وثانيها: أنك إن غششت رجلاً من المؤمنين فارقت أولياء الله في حبهم الخير لعباد الله وشاركت إبليس وسائر الكفار في محبتهم للمؤمنين البلايا، وثالثها: العقاب العظيم المرتب عليه في الآخرة، وأما كونه ضرراً عليك في الدنيا فهو أنك بسبب الحسد لا تزال تكون في الغم والكمد وأعداؤك لا يخليهم الله من أنواع النعم فلا تزال تتعذب بكل نعمة تراها وتتألم بكل بلية تنصرف عنهم فتبقى أبداً مغموماً مهموماً، فقد حصل لك ما أردت حصوله لأعدائك وأراد أعداؤك حصوله لك فقد كنت تريد المحنة لعدوك فسعيت في تحصيل المحنة لنفسك. ثم إن ذلك الغم إذا استولى عليك أمرض بدنك وأزال الصحة عنك وأوقعك في الوساوس ونغص عليك لذة المطعم والمشرب. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدره الله من إقبال ونعمة فلا بد وأن يدوم إلى أجل قدرة الله، فإن كان كل شيء عنده بمقدار ولكل أجل كتاب، ومهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدنيا ولا عليه إثم في الآخرة، ولعلك تقول: ليت النعمة كانت لي وتزول عن المحسود بحسدي وهذا غاية الجهل فإنه بلاء تشتهيه أولاً لنفسك فإنك أيضاً لا تخلو عن عدو يحسدك، فلو زالت النعمة بالحسد لم يبق لله عليك نعمة لا في الدين ولا في الدنيا، وإن اشتهيت أن تزول النعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك فهذا أيضاً جهل، فإن كل واحد من حمقى الحساد يشتهي أن يختص بهذه الخاصية، ولست أولى بذلك من الغير، فنعمة الله عليك في أن لم يزل النعمة بالحسد مما يجب شكرها عليك وأنت بجهلك تكرهها. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين والدنيا فواضح، أما منفعته في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه وهتك ستره وذكر مساوئه، فهي هدايا يهديها الله إليه، أعني أنك تهدي إليه حسناتك فإنك كلما ذكرته بسوء نقل إلى ديوانه حسناتك وازدادت سيئاتك، فكأنك اشتهيت زوال نعم الله عنه إليك فأزيلت نعم الله عنك إليه، ولم تزل في كل حين وأوان تزداد شقاوة، وأما منفعته في الدنيا فمن وجوه. الأول: أن أهم أغراض الخلق مساءة الأعداء وكونهم مغمومين معذبين ولا عذاب أعظم مما أنت فيه من ألم الحسد، بل العاقل لا يشتهي موت عدوه بل يريد طول حياته ليكون في عذاب الحسد لينظر في كل حين وأوان إلى نعم الله عليه فيتقطع قلبه بذلك، ولذلك قيل:شعر : لا مات أعداؤك بل خلدوا حتى يروا منك الذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة فإنما الكامل من يحسد تفسير : الثاني: أن الناس يعلمون أن المحسود لا بد وأن يكون ذا نعمة فيستدلون بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من عند الله بأنواع الفضائل والمناقب، وأعظم الفضائل مما لا يستطاع دفعه وهو الذي يورث الحسد فصار الحسد من أقوى الدلائل على اتصاف المحسود بأنواع الفضائل والمناقب. الثالث: أن الحاسد يصير مذموماً بين الخلق ملعوناً عند الخالق وهذا من أعظم المقاصد للمحسود. الرابع: وهو أنه سبب لازدياد مسرة إبليس وذلك لأن الحاسد لما خلا عن الفضائل التي اختص المحسود بها فإن رضي بذلك استوجب الثواب العظيم فخاف إبليس من أن يرضى بذلك فيصير مستوجباً لذلك الثواب، فلما لم يرض به بل أظهر الحسد فاته ذلك الثواب واستوجب العقاب فيصير ذلك سبباً لفرح إبليس وغضب الله تعالى. الخامس: أنك عساك تحسد رجلاً من أهل العلم وتحب أن يخطىء في دين الله وتكشف خطأه ليفتضح وتحب أن يخرس لسانه حتى لا يتكلم أو يمرض حتى لا يعلم ولا يتعلم وأي إثم يزيد على ذلك، وأي مرتبة أخس من هذه. وقد ظهر من هذه الوجوه أيها الحاسد أنك بمثابة من يرمي حجراً إلى عدوه ليصيب به مقتله فلا يصيبه، بل يرجع إلى حدقته اليمنى فيقلعها فيزداد غضبه فيعود ويرميه ثانياً أشد من الأول فيرجع الحجر على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه ويعود ثالثاً فيعود على رأسه فيشجه وعدوه سالم في كل الأحوال، والوبال راجع إليه دائماً وأعداؤه حواليه يفرحون به ويضحكون عليه، بل حال الحاسد أقبح من هذا لأن الحجر العائد لم يفوت إلا العين ولو بقيت لفاتت بالموت، وأما حسده فإنه يسوق إلى غضب الله وإلى النار، فلأن تذهب عينه في الدنيا خير له من أن يبقى له عين ويدخل بها النار فانظر كيف انتقم الله من الحاسد إذا أراد زوال النعمة عن المحسود فما أزالها عنه ثم أزال نعمة الحاسد تصديقاً لقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيّىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } تفسير : [فاطر: 43] فهذه الأدوية العلمية فمهما تفكر الإنسان فيها بذهن صاف وقلب حاضر انطفأ من قلبه نار الحسد، وأما العمل النافع فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له وإن حمله على قطع أسباب الخير عنه كلف نفسه السعي في إيصال الخيرات إليه، فمهما عرف المحسود ذلك طاب قلبه وأحب الحاسد وذلك يفضي آخر الأمر إلى زوال الحسد من وجهين. الأول: أن المسحود إذا أحب الحاسد فعل ما يحبه الحاسد فحينئذ يصير الحاسد محباً للمحسود ويزول الحسد حينئذ. الثاني: أن الحاسد إذا أتى بضد موجبات الحسد على سبيل التكلف يصير ذلك بالآخرة طبعاً له فيزول الحسد عنه. المسألة السابعة: اعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟ وأما الذي في وسعه أمران، أحدهما: كونه راضياً بتلك النفرة، والثاني: إظهار آثار تلك النفرة من القدح فيه والقصد إلى إزالة تلك النعمة عنه وجر أسباب المحبة إليه، فهذا هو الداخل تحت التكليف، ولنرجع إلى التفسير: أما قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا } فالمراد أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، والعالم بأن غيره على حق لا يجوز أن يريد رده عنه إلا بشبهة يلقيها إليه، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلا بشبهة والشبهة ضربان، أحدهما: ما يتصل بالدنيا وهو أن يقال لهم: قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وضيق الأمر عليكم واستمرار المخافة بكم، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء، والثاني: في باب الدين: بطرح الشبه في المعجزات أو تحريف ما في التوراة. أما قوله تعالى: {حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى بين أن حبهم لأن يرجعوا عن الإيمان إنما كان لأجل الحسد. قال الجبائي: عنى بقوله: {كَفَّاراً حَسَداً مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } أنهم لم يؤتوا ذلك من قبله تعالى وإن كفرهم هو فعلهم لا من خلق الله فيهم، والجواب أن قوله: {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بـ «ود» على معنى أنهم أحبوا أن ترتدوا عن دينكم،وتمنيهم ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق فكيف يكون تمنيهم من قبل طلب الحق؟ الثاني: أنه متعلق بحسداً أي حسداً عظيماً منبعثاً من عند أنفسهم. أما قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ } فهذا يدل على أن اليهود بعدما أرادوا صرف المؤمنين عن الإيمان احتالوا في ذلك بإلقاء الشبه على ما بيناه، ولا يجوز أن يأمرهم تعالى بالعفو والصفح على وجه الرضا بما فعلوا، لأن ذلك كفر، فوجب حمله على أحد أمرين، الأول: أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة في الوقت، فكأنه تعالى أمر الرسول بالعفو والصفح عن اليهود فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله تعالى: {أية : قُل لّلَّذِينَ ءامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ } تفسير : [الجاثية: 14] وقوله: {أية : وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جميلاً} تفسير : [المزمل: 10] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام بل علقه بغاية فقال: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } وذكروا فيه وجوهاً، أحدها: أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن، وثانيها: أنه قوة الرسول وكثرة أمته. وثالثها: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين: إما الإسلام، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار، فلهذا قال العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأخِرِ } تفسير : [التوبة: 29] وعن الباقر رضي الله عنه أنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل عليه السلام بقوله: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } تفسير : [الحج: 39] وقلده سيفاً فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر، وههنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يكون منسوخاً وهو معلق بغاية كقوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ } تفسير : [البقرة: 187] وإن لم يكن ورود الليل ناسخاً فكذا ههنا، الجواب: أن الغاية التي يعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد شرعاً عن أن يكون ناسخاً ويحل محل قوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ } إلى أن أنسخه عنكم. السؤال الثاني: كيف يعفون ويصفحون والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟ والجواب: أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عدوه عن نفسه وأن يستعين بأصحابه، فأمر الله تعالى عند ذلك بالعفو والصفح كي لا يهيجوا شراً وقتالاً. القول الثاني: في التفسير قوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ } حسن الاستدعاء، واستعمل ما يلزم فيه من النصح والإشفاق والتشدد فيه، وعلى هذا التفسير لا يجوز نسخه وإنما يجوز نسخه على التفسير الأول. أما قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } فهو تحذير لهم بالوعيد سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ}. فيه مسألتان: الأولى: {وَدَّ} تمنّى، وقد تقدّم. {كُفَّاراً} مفعول ثان بـ «يَرُدُّونَكُمْ». {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} قيل: هو متعلق بـ«ـوَدّ». وقيل: بـ «ـحَسَداً»؛ فالوقف على قوله: «كفّاراً». و «حسداً» مفعول له؛ أي وَدُّوا ذلك للحسد، أو مصدر دلّ ما قبله على الفعل. ومعنى «مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ» أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في كتاب ولا أمِروا به؛ ولفظة الحسد تُعطي هذا. فجاء «مِن عِنْدِ أنْفُسِهِم» تأكيداً وإلزاماً؛ كما قال تعالى: {أية : يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم}تفسير : [آل عمران: 167] {أية : يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ}تفسير : [البقرة: 79]، {أية : وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ}تفسير : [الأنعام: 38]. والآية في اليهود. الثانية: الحسد نوعان: مذموم ومحمود؛ فالمذموم أن تتمنّى زوال نعمة الله عن أخيك المسلم؛ وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أوْ لا؛ وهذا النوع الذي ذمّه الله تعالى في كتابه بقوله: {أية : أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [النساء: 54] وإنما كان مذموماً لأن فيه تسفيه الحق سبحانه، وأنه أنعم على من لا يستحق. وأما المحمود فهو ما جاء في صحيح الحديث من قوله عليه السلام.«حديث : لا حَسدَ إلا في اثنتين رجلٍ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليلِ وآناء النهارِ ورجلٍ آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليلِ وآناء النهارِ»تفسير : . وهذا الحسد معناه الغِبطة. وكذلك ترجم عليه البخاري «باب الاغتباط في العلم والحكمة». وحقيقتها: أن تتمنّى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره؛ وقد يجوز أن يسمَّى هذا منافسة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ ٱلْمُتَنَافِسُونَ}تفسير : [المطففين: 26]. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} أي من بعد ما تبيّن الحق لهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم، والقرآن الذي جاء به. قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ} والأصل ٱعْفُووا حُذفت الضمة لثقلها، ثم حذفت الواو لألتقاء الساكنين. والعَفْوُ: ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح: إزالة أثره من النفس. صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحاً إذا أعرضت عنه وتركته؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً}تفسير : [الزخرف: 5] الثانية: هذه الآية منسوخة بقوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله: «أية : صَاغِرُونَ»تفسير : [التوبة: 29] عن ٱبن عباس. وقيل: الناسخ لها {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [التوبة: 5]. قال أبو عبيدة: كل آية فيها تركٌ للقتال فهي مَكِّية منسوخة بالقتال. قال ابن عطية: وحُكْمه بأن هذه الآية مَكّية ضعيف؛ لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة. قلت: وهو الصحيح، روى البخاريّ ومسلم عن أسامة بن زيد "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رَكِب على حمار عليه قَطِيفة فَدَكِيّة وأسامة وراءه، يعود سعد بن عُبَادة في بني الحارث ابن الخزرج قبل وقعة بدْر؛ فسارا حتى مرّا بمجلس فيه عبد اللَّه بن أَبي ٱبن سَلُول ـ وذلك قبل أن يسلم عبد اللَّه بن أُبَيّ ـ فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عَبَدة الأوثان واليهود؛ وفي المسلمين عبد اللَّه بن رَوَاحة؛ فلما غشِيت المجلس عَجَاجةُ الدابة خَمَّر ٱبن أُبَيّ أنفه بردائه وقال: لا تُغَبِّروا علينا! فسلّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم وقف فنزل، فدعاهم إلى الله تعالى وقرأ عليهم القرآن؛ فقال له عبد اللَّه بن أَبي ٱبن سَلُول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقا! فلا تؤذنا به في مجالسنا، (ارجع إلى رَحْلك) فمن جاءك فٱقصص عليه. قال عبد اللَّه بن رَوَاحة: بلى يا رسول الله، فٱغْشَنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فٱستتبّ المشركون والمسلمون واليهود حتى كادوا يتثاورون؛ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخَفّضهم حتى سكنوا؛ ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته فسار حتى دخل على سعد بن عبادة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا سعد) ألم تسمع إلى ما قال أبو حُبّاب ـ يريد عبد اللَّه بن أُبَيّ ـ قال كذا وكذا» فقال: أي رسول الله، بأبي أنت وأمي! ٱعف عنه وٱصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب بالحق لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك؛ ولقد ٱصطلح أهل هذه البُحيرة على أن يُتَوِّجُوه ويُعَصِّبُوه بالعصابة، فلمّا ردّ الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِق بذلك، فذلك فعل ما رأيت؛ فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم".تفسير : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يَعْفُون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى، ويصبِرون على الأذى؛ قال الله عز وجل: {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً}تفسير : [آل عمران: 186] وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوّل في العفو عنهم ما أمره الله به حتى أَذِن له فيهم؛ فلما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً فقتل الله به مَن قتل مِن صناديد الكفار وسادات قريش؛ فقَفَل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه غانمين منصورين، معهم أسارى من صناديد الكفار وسادات قريش؛ قال عبد اللَّه بن أَبيّ بن سَلُول ومَن معه من المشركين وعَبَدة الأوثان: هذا أَمْرٌ قد تَوجّه؛ فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأسلموا. قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} يعني قَتْل قُريظة وجلاء بني النَّضير. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تقدّم. والحمد لله تعالى. قوله تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} جاء في الحديث: «حديث : أنّ العبد إذا مات قال الناس ما خَلَّف وقالت الملائكة ما قدّم»تفسير : . وخرّج البخاريُّ والنِّسائي عن عبد اللَّه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(حديث : أَيُّكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله». قالوا: يا رسول الله، ما منّا من أحد إلا مالُه أحبُّ إليه من مال وارثه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منكم من أحد إلا مالُ وارثه أحب إليه من ماله. مالُك ما قدّمت ومالُ وارثك ما أخّرت»تفسير : ؛ لفظ النسائي. ولفظ البخاري: قال عبد اللَّه قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أيُّكم مالُ وارثه أحبُّ إليه من ماله» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه؛ قال: «فإن مالَه ما قدّم ومال وارثه ما أخّر»تفسير : . وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مَرّ بِبَقِيع الغَرْقَد فقال: السلام عليكم أهلَ القبور، أخبارُ ما عندنا أن نساءكم قد تزوّجن، ودُوركم قد سُكنت، وأموالكم قد قُسمت. فأجابه هاتف: يٱبن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدّمناه وجدناه، وما أنفقناه فقد ربِحناه، وما خلّفناه فقد خسرناه. ولقد أحسن القائل:شعر : قَدّم لنفسك قبل موتك صالحاً وٱعمل فليس إلى الخلود سبيل تفسير : وقال آخر:شعر : قدّم لنفسك تَوْبةً مرجُوّة قبل الممات وقبل حبس الألسن تفسير : وقال آخر:شعر : وَلدْتك إذ وَلدْتك أمُّك باكياً والقومُ حَوْلَك يضحكون سرورَا فاعمل ليومٍ تكون فيه إذا بكَوْا في يوم موتك ضاحكاً مسرورَا تفسير : وقال آخر:شعر : سابق إلى الخير وبادِرْ به فإنما خَلْفَك ما تعلمُ وقدّم الخير فكلّ ٱمرىء على الذي قدّمه يقدمُ تفسير : وأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية:شعر : إسعَدْ بمالك في حياتك إنما يبقى وراءك مصلحٌ أو مفسدُ وإذا تركت لمفسدٍ لم يبقه وأخو الصلاح قليله يتزيّد وإن ٱستطعت فكن لنفسك وارثاً إن المورّث نفسه لمسدّد تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} يعني أحبارهم. {لَوْ يَرُدُّونَكُم} أن يردوكم، فإن لو تنوب عن إن في المعنى دون اللفظ: {مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا } مرتدين، وهو حال من ضمير المخاطبين {حَسَدًا} علة ود. {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} يجوز أن يتعلق بود، أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق. أو بحسداً أي حسداً بالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ } بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة. {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك تثريبه. {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم، أو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه منسوخ بآية السيف، وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق {إنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ} فيقدر على الانتقام منهم.

ابن كثير

تفسير : يحذر تعالى: عباده المؤمنين عن سلوك طريق الكفار من أهل الكتاب، ويعلمهم بعداوتهم لهم في الباطن والظاهر، وما هم مشتملون عليه من الحسد للمؤمنين، مع علمهم بفضلهم وفضل نبيهم، ويأمر عباده المؤمنين بالصفح والعفو والاحتمال، حتى يأتي أمر الله من النصر والفتح، ويأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ويحثهم على ذلك، ويرغبهم فيه، كما قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس قال: كان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب، من أشد يهود للعرب حسداً، إذ خصهم الله برسوله صلى الله عليه وسلم وكانا جاهدين في رد الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم} الآية. وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، في قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} قال: هو كعب بن الأشرف، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك، عن أبيه: أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أنزل الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم} إلى قوله {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ}، وقال الضحاك: عن ابن عباس: أن رسولاً أمياً يخبرهم بما في أيديهم من الكتب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفراً وحسداً وبغياً، ولذلك قال الله تعالى: {كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} يقول: من بعد ما أضاء لهم الحق، لم يجهلوا منه شيئاً، ولكن الحسد حملهم على الجحود، فعيرهم ووبخهم ولامهم أشد الملامة، وشرع لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، ما هم عليه من التصديق والإيمان والإقرار بما أنزل الله عليهم، وما أنزل من قبلهم، بكرامته وثوابه الجزيل ومعونته لهم، وقال الربيع بن أنس: {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} من قبل أنفسهم. وقال أبو العالية: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} من بعد ما تبين أن محمداً رسول الله، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسداً وبغياً، إذ كان من غيرهم، وكذا قال قتادة والربيع بن أنس. وقوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}، مثل قوله تعالى: {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً}تفسير : [آل عمران: 186] الآية، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}، نسخ ذلك قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} تفسير : [التوبة: 5]، وقوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ }تفسير : [التوبة: 29]، إلى قوله: {أية : وَهُمْ صَـٰغِرُونَ}تفسير : [التوبة: 29]، فنسخ هذا عفوه عن المشركين، وكذا قال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي: إنها منسوخة بآية السيف، ويرشد إلى ذلك أيضاً قوله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي أخبرنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب، كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأول من العفو ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم بالقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش، وهذا إسناده صحيح، ولم أره في شيء من الكتب الستة، ولكن له أصل في الصحيحين عن أسامة بن زيد. وقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ}، يحثهم تعالى على الاشتغال بما ينفعهم، وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، {أية : &#1649يَوْمَ لاَ يَنفَعُ ٱلظَّـٰلِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ ٱلْلَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ }تفسير : [غافر: 52]، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيراً أو شراً، فإنه سيجازي كل عامل بعمله. وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، هذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين، إنهم مهما فعلوا من خير أو شر، سراً وعلانية، فهو به بصير، لا يخفى عليه منه شيء، فيجزيهم بالإحسان خيراً، وبالإساءة مثلها، وهذا الكلام وإن كان قد خرج مخرج الخبر، فإن فيه وعداً ووعيداً، وأمراً وزجراً، وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم، ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مذخوراً لهم عنده، حتى يثيبهم عليه، كما قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ}، وليحذروا معصيته، قال: وأما قوله: {بَصِيرٌ} فإنه مبصر، صرف إلى بصير، كما صرف مبدع إلى بديع، ومؤلم إلى أليم، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا ابن بكير، حدثني ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية: سميع بصير، يقول:«حديث : بكل شيء بصير».

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ } مصدرية {يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا } مفعول له كائناً {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } أي حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ } في التوراة {ٱلْحَقُّ } في شأن النبيّ {فَٱعْفُواْ } عنهم أي اتركوهم {وَٱصْفَحُواْ } أعرضوا فلا تجازوهم {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } فيهم من القتال {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ }.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ} دعا فنحاص وزيد بن قيس ـ حذيفة وعماراً إلى دينهما فأبيا عليهما فنزلت. {تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} صحة الإسلام، ونبوة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. {فَاعْفُواْ} اتركوا اليهود، {وَاصْفَحُواْ} عن قولهم. {بِأَمْرِهِ} بإجلاء بني النضير. وقتل بني قريظة وسبيهم..

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {ود كثير من أهل الكتاب} نزلت هذه الآية في نفر من اليهود، وذلك أنهم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: لو كنتم على الحق ما هربتم فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلاً منكم، فقال عمار بن ياسر: كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال: إني عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت قالت اليهود، أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد رسولاً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً. ثم إنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك، فقال: أصبتما الخير وأفلحتما فأنزل الله تعالى: {ود} أي تمنى كثير من أهل الكتاب يعني اليهود {لو يردونكم} أي يا معشر المؤمنين {من بعد إيمانكم كفاراً} أي ترجعون إلى ما كنتم عليه من الكفر {حسداً} أي يحسدونكم حسداً وأصل الحسد تمني زوال النعمة عمن يستحقها، وربما يكون مع ذلك سعي في إزالتها، والحسد مذموم لما روي عن ابي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال العشب" تفسير : أخرجه أبو داود، فإذا أنعم الله على عبده نعمة فتمنى آخر زوالها عنه، فهذا هو الحسد وهو حرام فإن استعان بتلك النعمة على الكفر، والمعاصي فتمنى آخر زوالها عنه فليس بحسد، ولا يحرم ذلك لأنه لم يحسده على تلك النعمة، من حيث إنها نعمة بل من حيث إنه يتوصل بتلك النعمة إلى الشر والفساد وقوله: {من عند أنفسهم} أي من تلقاء انفسهم لم يأمرهم الله بذلك {من بعد ما تبين لهم الحق} يعني في التوراة أن قول محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، حق لا يشكون فيه فكفروا به حسداً وبغياً {فاعفوا واصفحوا} أي فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وحسد وكان هذا الأمر بالعفو، والصفح قبل أن يؤمر بالقتال {حتى يأتي الله بأمره} أي بعذابه وهو القتل والسبي لبني قريظة والإجلاء والنفي لبني النضير قال ابن عباس: هو أمر الله له بقتالهم في قوله: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 29] الآية {إن الله على كل شيء قدير} فيه وعيد وتهديد لهم {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} لما أمر الله المؤمنين بالعفو والصفح عن اليهود أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة الواجبتين، ونبه بذلك على سائر الواجبات ثم قال تعالى: {وما تقدموا لأنفسكم من خير} أي من طاعة وعمل صالح، وقيل أراد بالخير المال يعني صدقة التطوع، لأن الزكاة تقدم ذكرها {تجدوه عند الله} يعني ثوابه وأجره حتى التمرة واللقمة مثل أحد {إن الله بما تعملون بصير} أي لا يخفى شيء من قليل الأعمال، وكثيرها ففيه ترغيب في الطاعات، وأعمال البر وزجر عن المعاصي.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ...}. قيل لابن عرفة: ذكر بعضهم في الفاعل أنه يشترط فيه ما يشترط في المبتدإ إذا كان نكرة من أنه لا بد له من مسوغ، وذكره في قول الله جلّ ذكره: {أية : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ }؟. تفسير : قال ابن عرفة: لم أسمع هذا من أحد إلا في المبادى كنت أسمعه في قول الجزولي أسند إليه فعل، أو ما جرى مجراه. قال ابن عرفة: ومن دعا على مسلم أن يميته الله كافرا (ما يلزمه؟) فقال النووي: إن اعتقد مرجوحية الإيمان فهو كافر، وإلا فهو عاص وإثمه أشد من إثم من دعا على الكافر أن يميته الله كافرا. والخلاف عندنا في شرطية النطق بالشهادتين هل لا بد منها مع القدرة عليها (أو) يكفي الاعتقاد؟ وأما إن صرح بكلمة الكفر فهو كافر بإجماع، وانظر سورة الحجرات. قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ...}. إمّا أن كفرهم عناد أو ليس بعناد، بناء على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي أو عقلي فيكون الله تعالى (أنبأهم) ذلك في ثاني حال بعد أن علموه وتحققوه. قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ...}. قال ابن عرفة: العفو رفع الحرج عمن ثبت وتقرر كمن عفا عن قاتل وليّه بعد ثبوته القتل عليه (والصفح رفع الحرج عن الشخص قبل (ثبوت) موجبه كمن عفا عن قاتل وليه قبل ثبوت القتل عليه، قال: ويكون هذا ترقيا أي فاعفوا عنهم حتى تؤمروا بقتالهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: قد سلفت. الوقوف: {كفاراً} (ج) لأن {حسداً} مصدر محذوف أي يحسدون حسداً، أو حال أو مفعول له وهو أوجه والوصل أجوز {الحق} (ج) لعطف الجملتين المختلفتين {بأمره} (ط) {قدير} (ه) {الزكاة} (ط) لأن ما للشرط والشرط مصدر {عند الله} (ط) {بصير} (ه) {أو نصارى} (ط) {أمانيهم} (ط) {صادقين} (ه) {عند ربه} (ص) لعطف الجملتين المتفقتين {يحزنون} (ه) {النصارى على شيء} (ص) لا لعطف الجملتين المتفقتين {على شيء} (ص) لأن الواو للحال {الكتاب} (ط) {مثل قولهم} (ج) لأن {فالله} مبتدأ مع فاء التعقيب {يختلفون} (ه). التفسير: هذا نوع آخر من مكايد اليهود. روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً. فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا شديد. قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً. ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت. و {كفاراً} نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ لـ "يردون" على أنه بمعنى "صير" والحسد من أقبح الخصال الذميمة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" تفسير : وقال: "حديث : إن لنعم الله أعداء قيل: وما أولئك؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله"تفسير : وقال "حديث : ستة يدخلون النار قبل الحساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد" تفسير : وروي أن موسى لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغتبط بمكانه فقال: إن هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: أحدثك من عمله ثلاثاً: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ويحكى أن عبد الله بن عون دخل على الفضل بن المهلب، وكان يومئذ على واسط فقال: إني أريد أن أعظك بشيء: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ثم قرأ {أية : فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر}تفسير : [البقرة: 34] وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه الله ثم تلا {أية : اهبطا منها}تفسير : [طه: 123] وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ {أية : واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق} تفسير : [المائدة: 27] وقال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟ واعلم أنه إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد المحرم الذي ذم الله تعالى صاحبه في هذه الآية وغيرها {أية : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} تفسير : [النساء: 54] {أية : إن تمسسكم حسنة تسؤهم} تفسير : [آل عمران: 120] {أية : ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا} تفسير : [يوسف: 8] وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة المشتقة من النفاسة وليست بحرام لقوله تعالى {أية : وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} تفسير : [المطففين: 26] {أية : سابقوا إلى مغفرة من ربكم} تفسير : [الحديد: 21] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلم الناس"تفسير : وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة، وقد تكون واجبة إذا كانت النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، وقد تكون مندوبة في نحو الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم، وقد تكون مباحة. وللحسد مراتب أربع: الأولى، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث. الثانية: أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته فالمطلوب بالذات حصولها له، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض. الثالثة: أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما. الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه. وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة منها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف والأولى أخبث قال تعالى: {أية : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض}تفسير : [النساء: 32] تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم. وأسباب الحسد سبعة: أولها العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه الحقد المنشئ للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل {أية : إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها}تفسير : [آل عمران: 120]. وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع والتقاتل، وثانيها التعزز فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً فترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه. وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته. وثالثها: أن يكون في طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض {أية : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31] {أية : أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا} تفسير : [الأنعام: 53] كالاستحقار لهم والأنفة منهم. ورابعها: التعجب {أية : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم} تفسير : [الأعراف: 63] وخامسها: الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد، كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة. وسادسها: حب الرياسة كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه. ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا لله تعالى، ومن طمع في المحال خاب وخسر. وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره. وقد يجتمع بعض هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور الدنيوية، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين. وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب اليقين، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين {أية : ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين} تفسير : [الحجر: 47] وأما علاج الحسد فأمران: العلم والعمل. أما العلم ففيه مقامان: إجمالي وهو أن يعلم أن الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يرده كراهية كاره ولا يجره إرادة مريد. وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان حيث كره حكم الله وقسمته في عباده وغش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ومورث للوسواس، ومكدر للحواس. ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه الله على ذلك. وقد ينتفع في دنياه أيضاً من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك إلى أن يقضي بك إلى الدنف والتلف. شعر : اصبر على مضض الحسو د فـإن صبــرك قائلــه النــار تـأكـل نفسـها إن لــم تجـد مـا تأكلـه تفسير : وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من الله تعالى بمزيد الفضائل. شعر : لا مات أعداؤك بل خلـدوا حتى يروا منك الـذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة فإنما الكامـل مـن يحسـد تفسير : والحاسد مذموم بين الخلق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجراً إلى عدو ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه فيعود ثانياً فيرميه أشد من الأول فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، فيعود ثالثاً فيرجع على رأسه فيشدخه، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون؟ هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى. وأما العمل فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوباً محباً له، {أية : فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} تفسير : [فصلت: 34]، وذلك التكلف يصير بالآخرة طبعاً والله الموفق. واعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟ وإنما الاخل تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعدما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، فألقوا إليهم ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه. الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة. قوله {من عند أنفسهم} إما أن يتعلق بـ {ود} أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعدما تبين لهم أنكم على الحق، وإما أن يتعلق بـ {حسداً} أي منبعثاً من أصل نفوسهم {فاعفوا واصفحوا} فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائماً بل {حتى يأتي الله بأمره} عن الحسن أنه المجازاة يوم القيامة، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين، والأكثرون على أنه الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية، وتحمل الذل والصغار. والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعاً فليس كقوله {أية : ثم أتموا الصيام إلى الليل}تفسير : [البقرة: 187] بل يحل محل قوله {فاعفوا واصفحوا} إلى أن أنسخه عنكم. عن الباقر عليه السلام: إنه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل بقوله {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا}تفسير : [الحج: 39] وقلده سيفاً فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر. فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟ قلنا: إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على بعض التشفي والإستعانة بسائر أصحابه، فأمروا أن لا يهيجوا قتالاً وفتنة. وأيضاً القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} تفسير : [الأنفال: 65] وأيضاً جعل الصابر إلى القوة قوياً ليظهره على الدين كله. وقيل: المراد بالعفو والصفح حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد، وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة. وكذا لو قيل: المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم {إن الله على كل شيء قدير} فهو يقدر على الانتقام منهم {وأقيموا الصلاة} تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم بالعفو والصفح، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع، فعمم بعدما خص تنبيهاً على أن الثواب لا يختص بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه، لأن وجدان عين تلك الأشياء غير مطلوب {إن الله بما تعملون بصير} لا يخفى عليه شيء من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء {وقالوا لن يدخل الجنة} نوع آخر من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في {وقالوا} لهم والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصارى، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله {أية : وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا} تفسير : [البقرة: 135] والهود جمعم هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ، والعائذ الحديثة النتاج من النوق، والبازل الذي خرج نابه، ووحد اسم "كان" حملاً على لفظ "من" وجمع خبره حملاً على المعنى ومثله {أية : فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم} تفسير : [البقرة: 112] {تلك أمانيهم} على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل هذه وهي قولهم {لن يدخل الجنة} أو أشير بتلك إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية، وودادتهم أن يردوهم كفاراً أمنية، وقولهم {لن يدخل الجنة} أمنية أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله {قل هاتوا برهانكم} متصل بقوله {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} و {تلك أمانيهم} اعتراض على هذا. وهات الشيء اسم فعل معناه أعط، ويتصرف فيه بحسب المأمور هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وقيل: الصحيح أنه ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة، وأصله آت من الإيتاء. برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة {إن كنتم صادقين} في دعواكم، وفيه دليل واضح على أن المدعي نفياً أو إثباتاً لا بدل له من برهان وإلا فدعواه باطلة. شعر : مـن ادعـى شيئاً بلا شـاهد لا بـد أن تبطـل دعــواه تفسير : {بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وقوله {من أسلم} إلى آخره جملة شرطية مستأنفة، ويجوز أن يكون {من أسلم} فاعلاً لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم ويكون قوله {فله أجره} كلاماً معطوفاً على يدخلها {من أسلم} وفيه إشارة إلى أن لهؤلاء الداخلين برهاناً وهو استسلام النفس وانقيادها لطاعة الله مع الإحسان وفيه ترغيب لهم في الإسلام وبيان لمفارقة حالهم حال من يدخل الجنة كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس وينبوع الفكر والتخييل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى، ولأن الوجه قد يكنى به عن النفس والذات {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : [القصص: 88] {أية : إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى}تفسير : [الليل: 20] ولأن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه. وهذا الإسلام أخص من الإسلام الذي ورد في الحديث "حديث : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً"تفسير : لأن هذا عبارة عن الإذعان الكلي بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال والأوقات، وهو الإسلام الذي أمر به إبراهيم عليه السلام {أية : إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين} تفسير : [البقرة: 131] ويؤكد ذلك قوله {لله} أي خالصاً له لا يشوبه شرك فلا يكون عابداً مع الله غيره ولا معلقاً رجاءه بغيره، وزاد التأكيد بقوله {وهو محسن} أي حال كونه محسناً في عمله، ومعنى الإحسان هو الذي في الحديث "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك"تفسير : ولا ريب أن العبادة على هذا الوجه لا تصدر إلا عن صدق النية وصفاء الطوية، فإن مثول العبد بين يدي مولاه يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فلا يقع قصده فيما هو فيه إلا لوجه الله فلا يصدر عنه شيء من السيئات، وأما الطاعات والمباحات فتكون مقتضية لتزايد الحسنات ورفع الدرجات في الخبر "حديث : من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" تفسير : وذلك أن المتطيب إن كان قصده التنعم واستيفاء اللذات أو التودد إلى النسوان كان المتطيب معصية، وإن كان قصده إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد فهو عين الطاعة، وكذا الكلام في المناكح والمطاعم والمشارب. والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب، روي أن رجلاً في بني إسرائيل مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس. فأوحى الله تعالى إلى نبيه قل له: إن الله قد صدقك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به. وليس النية أن يقول في نفسه أو بلسانه عند تدريسه أو تجارته "نويت أن أدرس لله أو أتجر لله" هيهات أنها لحديث نفس أو لسان وما ذاك إلا كقول الفارغ "نويت أن أعشق" وأما النية فهي انبعاث النفس وميلها إلى سلوك طريق الحق في كل فعل، فاجتهد في تصيير ذلك ملكة لنفسك. شعر : "وللناس فيما يعشقون مذاهب" تفسير : فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ومنهم من يعمل لباعث الطمع في الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات أكثر أهل الجنة البله" ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما جمع الله تعالى أهل الكتابين في الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل فريق في حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان السبب خاصاً لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين في حق الأخرى. روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل. وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة. ومعنى {على شيء} أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب "أقل من لا شيء" عن ابن عباس: والله صدقوا. قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما يعتد به إذا كان مؤمناً برسوله وبكل ما أنزله {وهم يتلون الكتاب} الواو للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، لأن جميع الكتب السماوية متواردة في تصديق بعضها بعضاً {كذلك} الكاف للتشبيه و {ذلك} إشارة إلى المذكور أي قولاً مثل الذي سمعت به {قال الذين لا يعلمون} و {مثل قولهم} مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة. والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم فقالوا قولاً عن التشهي والعصبية مثلهم {فالله يحكم بينهم} أي بين اليهود والنصارى يوم القيامة. عن الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكافرين الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإلى المسلمين، ويحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، فينتصر من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، أو يريهم من يدخل الجنة عياناً ويدخل النار عياناً أعاذنا الله تعالى منها.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا...} الآيةَ: قال ابنُ عَبَّاس: المراد ابنا أَخْطَبَ؛ حُيَيٌّ وأَبُو يَاسِرً، أي: وأتباعهما، واختلف في سبب هذه الآيةِ، فقيل: إن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ، وعَمَّار بْنَ يَاسِرٍ أتيا بَيْتَ المِدْرَاس، فأراد اليهودُ صرْفَهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل: إن هذه الآية تابعةٌ في المعنَىٰ لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في: {أية : رٰعِنَا} تفسير : [البقرة:104] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفاراً من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمَّد صلى الله عليه وسلم. * ت *: وقد جاءَتْ أحاديث صحيحةٌ في النهيِ عن الحسدِ، فمنْها حديثُ مالكٍ في الموطَّإ عن أنسٍ؛ أن رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَاد اللَّهِ إخْوَاناً، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهُجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» تفسير : وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن الزُّبَيْر، قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، حَالِقَتَا الدِّينِ، لاَ حَالِقَتَا الشَّعْرِ» تفسير : انتهى من «التمهيد». والعَفْوُ: تركُ العُقُوبةِ، والصفْح: الإِعراض عن المُذْنِبِ؛ كأنَّه يولي صفحة العُنُق، قال ابنُ عَبَّاس: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالَىٰ: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [التوبة:29] الآيةَ إلى قوله: {صَـٰغِرُونَ }. وقيل: بقوله: {أية : ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ }، تفسير : [التوبة:5]، وقال قوم: ليس هذا حدَّ المنسوخِ؛ لأن هذا في نفْس الأمر كان التوقيفَ على مدَّته. * ت *: وينبغي للمؤمن أَن يتأدَّب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أَنَّهُ قَال: «حديث : أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «تَحْلُمُ عَلَىٰ مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ» تفسير : خرَّجه النسائيُّ. انتهى من «الكوكب الدرِّيِّ» لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد التُّجِيبِيِّ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }: مقتضاه في هذا الموضِعِ: وَعْدٌ للمؤمنين. وقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ...} الآية: قال الطبريُّ: إِنما أمر اللَّه المؤمنين هنا بالصَّلاة والزَّكاة ليحطَّ ما تقدَّم من ميلهم إِلى قول اليهودِ: {أية : رَٰعِنَا} تفسير : [البقرة:104]؛ لأنَّ ذلك نَهْيٌ عن نوعه، وقوله: {تَجِدُوهُ }، أي: تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» بسنده قال: «حديث : جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ إلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي لاَ أُحِبُّ المَوْتَ؟ فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ؛ فَإِنَّ المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يَلْحَقَهُ، وَإِنْ خَلَفَهُ، أَحَبَّ التَّخَلُّفَ»تفسير : . انتهى. وقوله تعالَىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} خبرٌ في اللفظِ، معناه الوعْدُ والوعيدُ.

ابن عادل

تفسير : سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر بعد وقعة "أحد": ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا، فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً. فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني قد عاهدت أني لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قِبْلَةً، وبالمؤمنين إخواناً، ثم أتيا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت هذه الآية. قوله تعالى: "لَوْ يَردُّونَكُمْ" الكلام في "لو" كالكلام فيها عند قوله: {أية : يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ}تفسير : [البقرة:96]، فمن جعلها مصدرية هناك جعلها كذلك هنا، وقال: هي مفعول "يود" أي: ودّ كثير ردَّكم. ومن أبي جعل جوابها محذوفاً تقديره: لو يردونكم كفاراً لسُرُّوا أو فرحوا بذلك. وقال بعضهم: تقديره: لو يردونكم كفاراً لودّوا ذلك، فـ "وَدَّ" دَالَّة على الجواب، وليست بجواب؛ لأن "لو" لا يتقدمها جوابها كالشرط. وهذا التقدير الذي قدره هذا القائل فاسد، وذلك أن "لو" حرف لما كان سيقع لوقوع غيره، فيلزم من تقديره ذلك أن وَدَادتهم ذلك لم تقع؛ لأن الموجب لفظاً منفي معنى، والغرض من وَدَادَتهم ذلك واقعة باتفاق، فتقدير لسروا ونحوه هو الصحيح. و "يرد" هنا فيه قولان. أحدهما ـ وهو الواضح ـ أنها المتعدّية لمفعولين بمعنى "صَيَّر"، فضمير المخاطبين مفعولٌ أول، و "كفاراً" مفعول ثان؛ ومن مجيء "رَدَّ" بمعنى "صَيَّر" قوله: [الوافر] شعر : 733ـ رَمَى الْحَدَثانُ نِسْوَةَ آلِ حَرْبٍ بِمِقْدَارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودَا فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضاً وَرَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودَا تفسير : وجعل أبو البقاء كفاراً حالاً من ضمير المفعول على أنها المتعدية لواحد، وهو ضعيف، لأن الحال يستغنى عنها غالباً، وهذا لابد منه. و "مِنْ بَعد" متعلق بـ "يردُّونكم" و "من" لابتداء الغاية. قوله تعالى: "حسداً" نصب على المفعول له، وفيه الشروط المجوّزة لنصبه، والعامل فيه "ود" أي: الحامل على ودادتهم رَدُّكم كُفَّاراً حَسَدُهُم لكم. وجوزوا فيه وجهين آخرين: أحدهما: أنه مصدر في موضع الحال، وإنما لم يجمع لكونه مصدراً، أي: حاسدين، وهذا ضعيف، لأن مجيء المصدر حالاً لا يطّرد. الثاني: أنه منصوب على المصدرية بفعل من لفظه أي يحسدونكم حسداً [والأول أظهر الثلاثة]. قوله تعالى: {مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} في هذا الجار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه متعلّق بـ "ود" أي: ودوا ذلك من قبل شهواتهم لا من قبل التدين [والميل مع الحق؛ لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبيّن لهم أنكم على الحق] و "من" لابتداء الغاية. الثاني: أنه صفة لـ "حسداً" فهو في محلّ نصب، ويتعلّق بمحذوف أي: حسداً كائناً من قبلهم وشهوتهم، ومعناه قريب من الأول. [الثالث: أنه متعلّق بـ "يردّونكم"، و "من" للسببية. أي: يكون الردّ من تلقائهم وجهتهم وبإغوائهم]. قوله تعالى: "من بعد ما" متعلّق بـ "وَدَّ"، و "من" للابتداء، أي: أنَّ ودادتهم ذلك ابتدأت من حيث وضوح الحق، وتبيّنه لهم، فكفرهم عُنَادٌ، و "ما" مصدرية أي: من بعد تبيين الحَقّ. والحسد: تمنِّي زوال نعمة الإنسان. والمصدر حَسَدٌ. فإن قيل: إنّ النَّفْرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟ فالجواب: أن الذي هو في وسعه أمران: أحدهما: كونه راضياً بتلك النَّفْرَة. والثاني: إظهار آثار تلك النَّفْرَة من القَدْح فيه، والقَصْد إلى إزالة تلك النعمة عنه وجدّ أسباب المحبة إليه، فهذا هو الداخل تحت التكليف. والحمد نوعان: مذموم ومحمود، فالمذموم أن يتمنّى زوال نعمة الله عن المسلم، سواء تمينت مع ذلك أتعود إليك أم لا؛ لأنه فيه تسفيه الحق ـ سبحانه وتعالى ـ وأنه أنعم على مَنْ لا يستحقّ. والمحمود كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْن: رَجُل آتاهُ اللهُ تعالى القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَار، وَرَجُلٍ آتاهُ اللهُ مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ آناءَ اللَّيْلِ وَآنَاء النَّهَارِ"تفسير : .. وهذا الحديث معناه "الغِبْطة" كذا ترجم عليه البُخَاري رحمه الله تعالى. والصَّفْحُ قريب من العفو، مأخوذ من الإعراض بصفحة العُنُق. وقيل: معناه التجاوز، من تصفّحت الكتاب أي: جَاوَزْتُ وَرَقَهُ، والصَّفُوح من أسماء الله، والصَّفُوح أيضاً: المرأة تستر وجْهَها إعراضاً؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 734ـ صَفُوحٌ فَمَا تَلْقَاكَ إلاَّ بِحِيلَةٍ فَمَنْ مَلَّ مِنْهَا ذَلِكَ الوَصْلَ مَلَّتِ تفسير : قال القرطبي رحمه الله تعالى: العفو: ترك المُؤَاخَذَة بالذَّنب. والصّفح: أزالة أثره من النفس. يقال: صَفَحْتُ عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه، وقد ضربت عنه صَفْحاً إذا أعرضت عنه وتركته، ومنه قوله تعالى: {أية : أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكْرَ صَفْحاً}تفسير : [الزخرف:5]. فصل في المراد بهذه الآية [المراد بهذه الآية أنهم كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعد ما تبيّن لهم أن الإيمان صواب وحقّ، والعالم بأن غيره على حقّ لا يجوز أن يريد ردّه عنه إلاَّ بشبهة يلقيها إليه، لأن المحق لا يعدل عن الحق إلاَّ بشبهة، والشبهة ضربان: أحدهما: ما يتّصل بالدنيا، وهو أن يقال لهم: قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم، وضيق الأمر عليكم، واستمرار المخافة بكم، فاتركوا الإيمان الذي ساقكم إلى هذه الأشياء. والثاني: في باب الدين: بطرح الشبه في المُعْجزات، أو تحريف ما في التوراة. فصل في المقصود بأمر الله قوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمرِهِ} يحتمل أمرين: الأول: أن المراد ترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تَسْكين الثائرة في الوقت، فكأنه ـ تعالى ـ أمر الرسول بالعَفْو والصفح عن اليهود، فكذا أمره بالعفو والصفح عن مشركي العرب بقوله تعالى: {أية : قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ}تفسير : [الجاثية:14] وقوله: {أية : وَٱهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}تفسير : [المزمل:10] ولذلك لم يأمر بذلك على الدوام، بل علّقه بغاية ـ فقال {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}. وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنه المُجَازاة يوم القيامة عن الحسن. وثانيها: أنه] قوة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وكثرة أمته. وثالثها: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، أنه الأمر بالقتال؛ لأن عنده يتعين أحد أمرين: إما الإسلام، وإما الخضوع لدفع الجزية، وتحمل الذل والصَّغَار، فلهذا قال العلماء: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}تفسير : [التوبة:29]. ورُويَ أنَّه لم يؤمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتال حتى نزل جبريل ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقوله: {أية : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ}تفسير : [الحج:39] وقلّده سيفاً فكان أول قتال قاتل أصحاب عبد الله بن جَحْش بـ "بطن نخل"، وبعده غزوة "بدر". فإن قيل: كيف يكون منسوخاً وهو معلق بغاية كقوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ}تفسير : [البقرة:187]. وإن لم يكن ورود الليل ناسخاً، فكذا هاهنا. فالجواب: أن الغاية التي تعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج ذلك الوارد شرعاً عن أن يكون ناسخاً، ويحلّ محل قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} إلى أن أنسخه عنكم. فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون، والكفار كانوا أصحاب الشوكة والقوة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟ فالجواب: أن الرجل من المسلمين كان ينال بالأذى، فيقدر في تلك الحالة قبل اجتماع الأعداء أن يدفع عداوتهم عن نفسه وأن يستعين بأصحابه، فأمر الله سبحانه تعالى عند ذلك بالعَفْوِ والصفح كي لا يهيّجوا شراً وقتالاً. قال القرطبي رحمه الله: [قال أبو عبيدة:] كل آية فيها ترك للقتال فهي مكّية منسوخة بالقتال. قال ابن عطية: [الحكم] بأن هذه الآية مكّية ضعيف: لأن مُعَاندات اليهود أنما كانت بـ "بالمدينة". قال القرطبي: "وهو الصحيح". [التفسير الثاني: العفو والصفح] أنه حسن الاستدعاء، واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشْفَاق والتشدّد فيه، وهذا لا يجوز نسخه. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تحذير لهم بالوعيد، سواء حمل على الأمر بالقتال أو غيره.

ابو السعود

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} هم رهطٌ من أحبار اليهود. رُوي أن فِنحاصَ بنَ عازوراءَ وزيدَ بنَ قيسٍ ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمارِ بن ياسر رضي الله عنهما بعد وقعة أحُد: ألم ترَوْا ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هُزمتم فارجِعوا إلى ديننا فهو خيرٌ لكم وأفضلُ ونحن أهدى منكم سبـيلاً، فقال عمارٌ: كيف نقضُ العهد فيكم قالوا: شديد، قال: فإني عاهدتُ أن لا أكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام ما عشتُ، فقالت اليهود: أما هذا فقد صَبَأ وقال حذيفةُ: أما أنا فقد رضِيتُ بالله رباً وبمحمد نبـياً وبالإسلامِ ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قِبلةً وبالمؤمنين إخواناً ثم أتَيَا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت {لَوْ يَرُدُّونَكُم} حكايةٌ لودادتِهم، ولو في معنى التمني وصيغةُ الغَيْبة كما في قوله: حلف ليَفعلَن، وقيل: هي بمنزلة أَن الناصبةِ فلا يكونُ لها جوابٌ وينْسبكُ منها ومما بعدها مصدرٌ يقع مفعولاً لودّوا والتقدير ودُّوا ردَّكم وقيل: هي على حقيقتها وجوابُها محذوف تقديرُه لو يردّونكم كفاراً لسُرُّوا بذلك و{مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ} متعلق بـيردّونكم وقوله تعالى: {كَفَّاراً} مفعول ثانٍ له على تضمين الرد معنى التصيـير أي يصيِّرونكم كفاراً كما في قوله: [الوافر] شعر : رمىٰ الحدَثانُ نِسوةَ آل سعدٍ بمقدارٍ سَمَدْنَ له سُموداً فردَّ شعورَهن السودَ بـيضاً ورد وجوهَهن البـيضَ سودا تفسير : وقيل: هو حال من مفعوله، والأول أدخلُ لما فيه من الدلالة صريحاً على كون الكفر المفروضِ بطريق القسر وإيرادُ الظرف مع عدم الحاجة إليه ضرورةَ كونِ المخاطبـين مؤمنين واستحالةِ تحققِ الردِّ إلى الكفر بدون سبْق الإيمان مع توسيطِه بـين المفعولين لإظهار كمالِ شناعة ما أرادوه وغايةِ بُعدِه من الوقوعِ إما لزيادة قبحِه الصارفِ للعاقل عن مباشرته، وإما لممانعة الإيمانِ له كأنه قيل: من بعد إيمانكم الراسخِ وفيه من تثبـيت المؤمنين ما لا يخفىٰ. {حَسَدًا} علةٌ لودّ أو حال أريد به نعتُ الجمع أي حاسدين لكم والحسَدُ الأسفُ على من له خيرٌ بخيره {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} متعلق بود أي ودوا ذلك من أجل تشهّيهم وحظوظِ أنفسِهم لا من قِبَل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم أو بحسداً أي حسداً منبعثاً من أصل نفوسهم بالغاً أقصىٰ مراقِيه {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} بالمعجزات الساطعةِ وبما عاينوا في التوراة من الدلائل وعلموا أنكم متمسّكون به وهم منهمكون في الباطل {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} العفوُ تركُ المؤاخذة والعقوبةِ والصفحُ تركُ التثريب والتأنيب {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} الذي هو قتلُ بني قُريظةَ وإجلاءُ بني النَّضير وإذلالُهم بضرب الجزية عليهم، أو الإذنُ في القتال. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه منسوخٌ بآية السيف ولا يقدح في ذلك ضرب الغاية لأنها لا تُعْلم إلا شرعاً ولا يخرُجُ الواردُ بذلك من أن يكون ناسخاً كأنه قيل: فاعفوا واصفحوا إلى ورود الناسخ {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} فينتقمُ منهم إذا حان حينُه وآن أوانُه، فهو تعليلٌ لما دل عليه ما قبله.

القشيري

تفسير : مَنْ لَحِقَهُ خسران الفهم من أصحاب الغفلة ودَّ أَلاّ يطلع لأحدٍ بالسلامة نجمٌ، ومَنْ اعتراه الحسد أراد ألا تنبسط على محسوده شمسٌ. وكذلك كانت صفات الكفار، فأرغم اللهُ أَنْفَهُم، وكبَّهم على وجوههم. والإشارة من هذا إلى حال أصحاب الإرادة في البداية إذا رغبوا في السلوك، فمن لم يساعده التوفيق (في الصحبة، وعاشر أناساً مترسِّمين بالظواهر) فإنهم يمنعون هؤلاء من السلوك ولا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح، والتخويف بالعجز والتهديد بالفقر حتى ينقلوهم إلى سبيل الغفلة، ويقطعوا عليهم طريق الإرادة، أولئك أعداء الله حقاً، أدركهم مقت الوقت. وعقوبتهم حرمانهم من أن يشموا شيئاً من روائح الصدق. {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} فسبيل المريد أن يحفظ عن الأغيار سِرَّه، ويستعمل مع كل أحدٍ ضلة، ويبذل في الطلب رفعة، فعن قريب يفتح الحق عليه طريقه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ود كثير من اهل الكتاب} هم رهط من احبار اليهود وروى ان فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضى الله عنهما بعد وقعة احد ألم تروا ما اصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا الى ديننا فهو خير لكم وافضل ونحن اهدى منكم سبيلا فقال عمار كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال فانى قد عاهدت ان لا اكفر بمحمد ما عشت فقالت اليهود اما عمار فقد صبا اى خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع اليه ابدا فكيف انت يا حذيفة ألا تبايعنا قال حذيفة رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالاسلام دينا وبالقرآن اماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين اخوانا فقالوا واله موسى لقد اشرب فى قلوبكما حب محمد ثم اتيا رسول الله عليه السلام واخبراه فقال "حديث : اصبتما خيرا وافلحتما" تفسير : والمعنى احب واراد كثير من اليهود {لو يردونكم} اى ان يردوكم فان لو من الحروف المصدرية اذا جاءت بعد فعل يفهم منه معنى التمنى نحو قوله تعالى {أية : ودوا لو تدهن} تفسير : [القلم: 9]. اى ان يصرفوكم عن التوحيد {من بعد ايمانكم} يا معشر المؤمنين {كفارا} اى مرتدين حال من ضمير المخاطبين فى يردونكم ويحتمل ان يكون مفعولا ثانيا ليردونكم على تضمينه معنى يصيرونكم {حسدا} علة لقوله ود كانه قيل ود كثير ذلك من اجل الحسد {من عند انفسهم} يجوز ان يتعلق بود على معنى انهم تمنوا ارتدادكم من عند انفسهم وقبل شهوتهم واهوائهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم لانهم ودوا ذلك فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ويجوز ان يتعلق بحسدا اى حسدا منبعثا من اصل نفوسهم بالغا اقصى مراتبه {من بعد ما تبين لهم الحق} اى من بعد ما ظهر لهم ان محمدا رسول الله وقوله حق ودينه حق بالمعجزات والنعوت المذكورة فى التوراة {فاعفوا} العفو ترك عقوبة المذنب يقال عفت الريح المنزل درسته وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى ومن ترك المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث انه ترك المكافاة والمجازاة وذلك لا يستلزم الصفح ولذا قال تعالى {واصفحوا} فانه قد يعفو الانسان ولا يصفح. والصفح ترك التقريع باللسان والاستقصاء فى اللوم يقال صفحت عن فلان اذا اعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا اذا اعرضت عنه وتركته وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما الرضى بما فعلوا لان ذلك كفر والله تعالى لا يأمر به بل المراد بهما ترك المقاتلة والاعراض عن الجواب عن مساوى كلامهم {حتى يأتى الله بامره} اى يحكم الله بحكمه الذى هو الاذن فى قتالهم وضرب الجزية عليهم او قتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير ـ روى ـ ان الصحابة رضى الله عنهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ان يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بانفسهم ودعوا المسلمين الى الكفر فنزلت الآية بترك القتال والاعراض عن المكافاة الى ان يجيئ الاذن من الله تعالى {ان الله على كل شئ قدير} فيقدر على الانتقام منهم وينتقم اذا جاء اوانه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لو} مصدريةٌ مفعول {وَدَّ}، و {كفاراً}: مفعول ثان، و {حسداً}: مفعول له، علة لود، أو حال من الواو، و {من عند} متعلق بود، أي: يتمنوا ذلك من عند أنفسهم وتَشهِّيهم، أو بقوله: {حسداً}، فالوقف على قوله: {كفاراً}، أي: حسداً حاصلاً من تلقاء أنفسهم، لم يستندوا فيه إلى شبهة ولا دليل، والعفو: ترك العقوبة بالذنب. والصفح: الإعراض عن المذنب، كأنه يولي عنه صفحة عنقه، فهو أبلغ من العفو. يقول الحقّ جلّ جلاله: في التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار: تمنّى الذين كفروا من أهل الكتاب وغيرهم لو يصرفونكم عن دينكم و {يردونكم من بعد إيمانكم} بنبيكم {كفاراً} ضالين، كما كنتم قبل الدخول فيه، وذلك {حسداً من} تلقاء {أنفسهم} غيرة أن تكون النبوة في غيرهم، وذلك {من بعد ما بين لهم الحق} وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، {فاعفوا} عن عتابهم، وأعرضوا عن تشغيبهم {حتى يأتي الله بأمره} فيهم بالقتل والجلاء. {إن الله على كل شيء قدير}، واشتغلوا بما كلفكم به من أداء حقوق العبودية، والقيام بوظائف الربوبية، كإتقان الصلاة وأداة الزكاة، واعلموا أن الله لا يضيع من أعمالكم شيئاً، فما تقدموا لأنفسكم ليوم فقركم تجدوه عند الله وأعظم أجراً، إن الله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم وأحوالكم. نزلت الآية في عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان، أتيا بيت المِدْرَاس، فألانوا لهم الكلام، فطمعوا في صرفهما عن دينهما، ففضحهم الله ورد كيدهم في نحرهم، والله تعالى أعلم. الإشارة: من جملة مَا دَبَّ إلى بعض الطوائف المتجمدين على تقليد أشياخهم: التعصب والحمية على طريق أشياخهم، ولو ظهر الحق عند غيرهم، وخصوصاً أولاد الصالحين منهم، فإذا رأوا أحداً ظهرت عليه أنوار الولاية، وأسرار الخصوصية، تمنَّوْا أن يردوهم عن طريق الحق، ويصرفوهم إلى مخالطة الخلق، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فيقال لمن توجه إلى الحق: فاعفوا واصفحوا حتى يظهر الحق، ولا تلتفتوا إلى تشغيبهم، ولا تشتغلوا قط بعيبهم فتكونوا أقبح منهم. قال بعض العارفين: (لا تشتغل قط بمن يؤذيك واشتغل بالله يرده عنك، وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير، اشتغلوا بمن يؤذيهم فطال الأذى مع الإثم. ولو أنهم رجعوا إلى مولاهم لكفاهم أمرهم). بل ينبغي لمن يُحْسَدُ أو يُؤْذَى أن يغيب عن الحاسد وكيده، ويشتغل بما هو مكلف به من حقوق العبودية وشهود عظمة الربوبية، فإن الله لا يضيع من التجأ إليه، ولا يخيب مقصود من اعتمد عليه. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : المعنى بقوله: {ود كثير من أهل الكتاب} عن الحسن ـ النصارى واليهود. وقال الزهري، وقتادة: كعب بن الاشراف، وعن ابن عباس حي بن اخطب، وابو ياسر بن اخطب. وحسداً نصب على أحد أمرين: أحدهما ـ على الجملة التي قبله بدلا من الفعل. كانه قال: حسدوكم حسداً كانه قال: نحسدك حسدا. والآخر: ان يكون مفعولا. كانه قال: يردّونكم لاجل الحسد كما تقول: جئته خوفاً منه. تقول حسدت احسد حسداً، وحسدتك على الشيء، وحسدتك الشيء بمعنى واحد. قال الشاعر: شعر : فقلت إلى الطعام فقال منهم فريق نحسد الانس الطعاما تفسير : ورجل حاسد وحسود، وحسّاد. والحسد هو الاسف بالخير على من له خير. واشد الحسد التعرض للاغتمام بكون الخير لاحد. وقد يكون الحاسد متمنياً لزوال النعمة عن المحسود وان لم يكن يطمع في تحول تلك النعمة. والصفح هو التجاوز عن الذنب. والصفح، والعفو، والتجاوز بمعنى واحد. يقال صفح صفحاً وتصفح تصفحة، وتصافحوا تصافحاً والصفحة ما كان من ظاهر الشيء. يقال لظاهر جلد الانسان: صفحة، وكذلك هو من كل شيء. ومن هذا صافحته: اي لقيت صفحة كفه صفحة كفي. وفي الحديث النشيج للرجال والتصفح للنساء: اي التصفيق. فانما هو لانها تضرب بصفحة كف على صفحة الاخرى. وانشد الاصمعي: شعر : كأن مصفحات في ذراه وانواحاً عليهن المآلى تفسير : المآلي جمع مئلاة وهي خرقة تمسكها النايحة تقلص بها دمعتها. والصفاح من السيوف العراض واحدها صفحة وصُفحة. وقال: شعر : ضربناهم حتى اذا ارفضَّ جمعهمْ علوناهم بالمرهفات الصفائح تفسير : وصفحت عنه قيل فيه قولان: احدهما ـ اني آخذه بذنبه. وابديت له مني صفحة جميلة. [الثاني] وقيل بل لم ير مني ما يقبض صفحته. وتقول صفحت الورقة: اي تجاوزتها إلى غيرها. ومنه تصفحت الكتاب، وقد تصفح الكتاب، وقد يتصفح الكتاب من لا يحسن ان يقرأ. ويسمى الصفح من المصحف وغيره من الدفاتر من الصفحة. ومنه {أية : فاصفح الصفح الجميل }. تفسير : وقوله: {فاعفوا واصفحوا} قال الحارث بن هشام: شعر : وصفحت عنهم والاحبة فيهم طمعاً لهم بعقاب يوم سرمد تفسير : اي لم احاربهم لاقبض صفاحهم، او اريهم ذلك في نفسي. ويقال نظر اليهم صفحاً بقدر ما ابدي صفحته لم يتجاوز. والصفاح موضع سمي بذلك، لانه صخور مستوية تبدو صفائحها. وأصل الباب صفحة الشيء وهي ظاهره. وقوله: {من عند أنفسهم} قال الزجاج: متعلق بـ {ودّ كثير} لا بقوله: {حسداً}، لان حسد الانسان، لا يكون من غير نفسه. وقد يجوز ان يتصل بقوله: {حسداً} على التوكيد. كما قال تعالى: {أية : ولا طائر يطير بجناحية}تفسير : ويحتمل وجهاً آخراً وهو ان اليهود كما يضيفون الكفر والمعاصي إلى الله تعالى، فقال الله: {من عند أنفسهم} تكذيباً لهم انها من عند الله. وقوله: {من بعد ما تبين لهم الحق} قال قتادة: من بعد ما تبين لهم ان محمداً رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والاسلام دين الله. وهو قول الربيع والسدي وابن زيد، وروى عن ابن عباس مثله. وقال بن عباس: ان قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره} منسوخة بقوله: {أية : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم }. تفسير : وقال قتادة نسخت بقوله: {قاتلوا المشركين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} الآية. وبه قال الربيع والسدي. وروي عن ابي جعفر محمد بن علي: انه قال: لم يؤمر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بقتل، ولا اذن له فيه حتى نزل جبرائيل (ع) بهذه الآية {أية : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} تفسير : وقلده سيفاً. وقوله: {حتى يأتي الله بأمره} قال ابو علي: "بامره" لكم يعاقبهم او يعافيهم هو على ذلك، ثم اتى بامره فقال: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله}. تفسير : وقوله: {إن الله على كل شيء قدير} قيل فيه ثلاثة اقوال: قال ابو علي: انه قدير على عقابهم اذ هو {على كل شيء قدير}. وقال الزجاج: قدير على ان يدعو إلى دينه بما احب مما هو الأليق بانجائكم اي فيأمر بالصفح تارة وبالعقاب اخرى على حسب المصلحة. والثالث ـ انه لما امر بالامهال، والتأخير في قوله: {فاعفوا واصفحوا} كأنّ فيه تعلق النفس بالعافية في ذلك، فقال امهلوهم فانهم لا يعجزون الله، ولا يفوتونه، اذ هو {على كل شيء قدير}. وانما امرهم بالصفح، والعفو وان كانوا مضطهدين مقهورين مقموعين، من حيث ان كثيراً من المسلمين كانوا عزيزين في عشائرهم، وأقوامهم يقدرون على الانتصار والانتقام من الكفار، فامرهم الله تعالى بان يعفوا وإن قدروا حتى يأتي الله بامره.

الجنابذي

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} بالقاء الشبهات وتحريف الكلمات وتعيير الضّعفاء وتثريب المعجزات. اعلم انّه كلّ من اختار سيرةً حقّةً او باطلة يودُّ أن يكون النّاس كلّهم على سيرته وهذا أمر مفطورٌ عليه للانسان بل لكلّ شيءٍ من الملائكة والجنّة والشّياطين والعناصر والمواليد فان كان الانسان واقفاً فى جهنّام النّفس والحسد من جنودها ولا ينفكّ عنها كان حسده ايضاً باعثاً عليه، وان كان من أرباب القلوب كان رحمته باعثةً عليه أيضاً ولذا أضاف اليه قوله تعالى {حَسَداً} مفعول له او حالٌ {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} يعنى ودّوا ذلك من حسدهم ومن اقتضاء فطرتهم على ان يكون الظّرف متعلّقاً بقوله تعالى {ودّ}، او المعنى ودّوا من حسدٍ حاصل لهم من أنفسهم الخبيثة من دون سببٍ آخر على ان يكون ظرفاً مستقرّاً صفة لحسداً {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} بالدّلائل المعلومة لهم من كتبهم وأخبارهم وبالمعجزات المشهودة لهم من محمّد (ص) {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} الفاء سببيّة كأنه قال: هذه الفعلة صارت سبباً للامر بالعفو والصّفح فكأنّه جزاء او هو جزاء حقيقةً لشرطٍ مقدّرٍ تقديره هكذا: ان فعلوا ذلك فاعفوا، والعفو ترك الانتقام من الجانى، والصّفح تطهير القلب من حقده، وكأنّهما كالفقراء والمساكين؛ اذا افترقا يجوز ان يراد بكلٍّ مجموع المعنيين، واذا اجتمعا يراد بكلٍّ معناه المذكور، والمقصود الأمر بترك مقابلة حسدهم وتثريبهم بالحسد والتّثريب وتطهير القلب من الحقد عليهم، فانّ مقابلة الجهّال بمثل جهلهم يستلزم تنزّل الانسان الى مقامهم وصيرورته مثلهم وازدياد جهلهم وعنادهم، واللّبييب لا يرضى التّماثل معهم ولا ازدياد الجهل والعناد من العباد، والحقد على الكافر والمؤمن يمنع القلب عن التوجّه الى امور الآخرة ويذهب براحة القلب ويأكل ما اكتسبه من الخيرات ويمنع عن النّصح المطلوب من كلّ أحدٍ والتّرحم المأمور به، ويوجب الاضلال المنهىّ عنه على انّ تثريب العباد والحقد عليهم يرجع الى تثريب صنع الله، وتثريب الصّنع تثريب للصّانع {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} فيهم بالقتل يوم فتح مكّة كما فى تفسير الامام، او بالهداية لهم، او بضرب الجزية عليهم، او بالقتل والأسر والاجلاء فيهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فيقدر على ذلك كلّه.

اطفيش

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ لَو يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِم، مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الحقُّ..} الآية. وعن ابن عباس: المراد أبناء أخطب: حيى وأبو ياسر وأتباعهما، فقيل إن عماراً وحذيفة أتيا مدارس اليهود، فأراد اليهود صرفهما عن دينهما، فثبتا، فنزلت الآية. ووجه الجمع بين ذلك أن المتكفل يقول ذلك فنحاص وزيد وحيى وأبو ياسر وغيرهم من اليهود فى التبع لهم، وأن ذلك بعد أحد واقع فى مدارس من مدارسهم، أتاهم عمار وحذيفة، وقيل نزلت الآية تبعاً فى المعنى من نهى الله ـ عز وجل ـ عن متابعة أقوال اليهود فى راعنا وغيره، وأنهم لا يودون أن ينزل على المؤمنين خير. ويجمع أيضاً أن نزولها تبعاً لذلك لا ينافى كونها نزلت فيما قيل لعمار وحذيفة، وما قالا فإنهما فيهما وهى تابعة لما مر من النهى عن متابعة اليهود. والله أعلم. ومعنى (ود) أحب وتمنى، والكثير من أهل الكتاب فنحاص وزيد ابن قيس وحيى وأبو ياسر وغيرهم من أحبارهم ورؤسائهم، وغيرهم. ولو مصدرية كما مر لا حرف تمنى، وإنما أفاد التمنى لفظ ود، ومعنى لو المصدرية الاستقبال، كأن الناصبة للمضارع، أى ود كثير من أهل الكتاب ردكم. وكفاراً: حال لازمة من كاف يردونهم مقارنة، أى يردونكم من بعد إيمانكم إلى دينهم، وأنتم كافرون حال حصول الارتداد، وإن فسرنا الرد بشروعهم فى الوسوسة والتمويه الذى تمنوه قبل تأثيره كانت الحال مقدرة، والأولى أن يكون يردونكم بمعنى يكفرونكم بتشديد الفاء، أى يدخلونكم فى الكفر، فتكون الحال مؤكدة، وذلك تضمين أو يكون يردونكم بمعنى يصيرونكم، فيكون كفاراً مفعولا ثانيا، والآية صريحة فى اعتراف كثير من أهل الكتاب بأنهم على كفر إذ اعترفوا بأن من يرتد إلى دينهم يكون كافراً، ويقوى هذا قوله تعالى: {حسداً من عند أنفسهم} لأن من حسد الإنسان لا يود له الخير، بل الشركا لكفر، ولأن معنى {من عند أنفسهم} من عند أنفسهم الأمارة بالسوء، أو من عند ذواتهم لخبثها باتباع الأمارة بالسوء، يعنى لا من جهة التدين والميل مع الحق، لأن الله لم يأمرهم بذلك، ومن بعد متعلق بيردونكم، ومن عند متعلق برد، ومن للابتداء، فإن الود صادر من عند أنفسهم. قيل أو للسببية، فإن المعنى بالإغواء والتزيين، أو تتعلق بمحذوف نعت مصدر محذوف، أى ود ثابتا من عند أنفسهم، ويجوز أن يتعلق بحسد أو بمحذوف نعت (لحسدا)، أى صادراً من أنفسهم الأمارة بالسوء، أو منبعثاً منها، وحسداً مفعول لأجله ناصبه ود، أى وقعوا فى ود ذلك لأجل الحسد، وإذا لم تتعلق من عند بحسداً تعلق به من بعد ما تبين، ومن للابتداء، وإذا علقت من عند بحسدا تعلق من بعد ما تبين بود لا بحسد إلا على طريق تقييد حسدا بالعندية، ثم تقييد حسداً والعندية معاً بالبعدية، وما مصدرية، والحق هو كون محمد رسولا من الله، والقرآن كتاب من الله، خوطب المكلفون كافة به لا العرب فقط، والخطاب فى يردونكم للمؤمنين، وإنما تبين لهم الحق بالتوراة، والمعجزات ذكر الله تعالى فى التوراة اسمه ونعوته، ولكن جحوده حسدا. قال أبو داود عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" تفسير : أو قال: "العشب" وفى صحيح الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة، عن جابر بن زيد رحمه اله، وفى موطأ مالك عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث".تفسير : وأسند أبو عمر بن عبد البر فى التمهيد، عن الزبير، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء حالقتا الدين لا حالقتا الشعر". تفسير : وفى الإحياء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : دب إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضة هى الحالقة لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين، والذى نفس محمد بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أنبئكم بما يثبت لكم افشوا السلام بينكم"، تفسير : وإن قلت: كل الكبائر تأكل الحسنات فما وجه تخصيص الحسد؟ قلت: المبالغة فيه، وكونه أشد فى الإيقاع فى المعاصى الآخر وهو تمنى زوال النعمة عن النعم بها عليهِ، والمحرم منه تقريره والإصغاء للنفس فيه، وعمل اليد أو الجارحة بمقتضاه، سواء عن مسلم أو كافر، إلا أن تمنى زوالها عن كافر لإضراره بها ولا ضير بوقوعه فى النفس، لأنه ضرورى وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظن والطيرة والحسد، وسأحدثكم بالمخرج من ذلك: إذا ظننت فلا تحقق، وإذا تطيرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ"، تفسير : والحديث فى صحيح الربيع، وذكر الغزالى رواية أخرى أيضاً: "حديث : ثلاثة لا ينجو منهن أحد وقل من ينجو منهن.." تفسير : وذكر الحديث كما ذكرته. {فَاعْفُوا}: عم، اتركوهم ولا تشغلوقلوبكم ولا ألسنتكم بكلامهم {وَاصْفَحُوا}: أى لا تجاوزهم على ما كان منهم، والصفح الإعراض، ويجوز أن يكون العفو ترك مجازاتهم على ما وقع منهم، والصفح ترك المبالغة فى معاتبتهم عليه وتوبيخهم، ويجوز أن يكون العفو ترك العقوبة، والصفح الإعراض عن المذنب، كأنه يولى صفحة العنق. {حَتَّى يَأتِىَ الله بأمْرِهِ}: وهو عقابهم بما شاء فى الدنيا من قتل وسبى وغنم وإجلاء، وفى الآخرة من تضييق قبر وعذابه، وعذاب الحشر وعذاب النار، أى لا تجازوهم حتى يكون الله هو الذى يجازيهم، ولا تنتقموا منهم لأنفسكم، وهذا معنى لا يقبل النسخ، فليس قوله: {فاعفوا واصفحوا} منسوخاً بآية القتال لما ذكرته من أن ذلك لا يقبل النسخ، ولأنه مغبا باتيان أمر الله، والمقيد بغاية أو غيرها، لا يسمى منسوخاً كما مر، بل توفيقا على مدة أو قيد ما قال ابن عباس الآية منسوخة بقوله تعالى: أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر..}تفسير : الآية. وقيل بقوله تعالى: {اقتلوا المشركين}، ومرجع الخلاف إلى تقدم النزول، فمن قال نزل: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون..} تفسير : الآية قبل {اقتلوا المشركين} جعله هو الناسخ، ومن قال نزل: {اقتلوا المشركين} أولا جعله الناسخ، وإلى المراد بالمشركين هل هو ما يشمل أهل الكتاب فيصلح لأن يكون ناسخاً أولا فلا وقد علمت عدم صحة النسخ، فما قيل عن ابن عباس مشكل وتحقيق الكلام عندى فى ذلك أنه إن فسر أمر الله بما مر، فقد يصح كلام ابن عباس لأنه لم يدع النسخ بذلك القيد الذى هو قوله: {حتى يأتى الله بأمره}، بل بآية القتال كما مر، وهى غير غاية فى لفظ الآية فضلا عن أن يقال المغيا لا يسمى منسوخاً بغايته، ولكن هذا التقرير يحتاج إلى أن يقال المنسوخ هو قوله: {فاعفوا واصفحوا} على أن معناه لا تقاتلوهم، وإن فسر أمر الله بالإذن فى القتال، وضرب الجزية، والقتل والإجلاء، كما قتلت قريظة وأجليت النضير لم يصح ادعاء النسخ، لأن آية القتال ومعنى أمر الله على هذا واحد. قال أبو العباس أحمد بن سعد الأندلسى فى الكوكب الذى أخرج النسائى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا أدلكم على ما يرفع الله به الدرجات؟ "قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "تحلم على من جهل إليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطى من حرمك، وتصل من قطعك". تفسير : وروى الربيع بن حبيب رحمهُ الله، عن محمد بن عمير العبدى، عن أبى هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن التواضع للعبد لا يزيده إلا رفعة، فتواضعوا يرفعكم الله، وإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله " تفسير : {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ}: فهو قادر على أن ينتقم منهم، وهذا وعيد وتهديد لهم ووعد للمؤمنين.

اطفيش

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ} منهم، حيى بن أخطب، وأبو ياسر، وكانا أشد الناس حسدا للعرب على الإسلام وكون النبى منهم {مِّنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} أحب وتمنى كثير من اليهود ردكم، أى تصيركم {مِّن بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّاراً} مشكرين وقوله {حَسَداً} تعليل لود، لا ليرد، لأن المعنى عليه ود، وأن يكون الرد للحسد، وليس مراداً، ووصف الحسد بقوله {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} لخبثها الشديد فلا موجب لذلك الرد من التدين، بل تشهيا، أو من عند ذواتهم، كأنهم جبلوا عليه، فيصعب زواله {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ} فى التوراة، بموافقة نعوته فيها وبالمعجزات {الْحَقُّ} أى بعد تبين الحق لهم، أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن. قال نفر من أحبار اليهود كفنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس لحذيفة وعمار بعد أحد، لو كنتم على الحق لما غلبتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: أمر شديد، فقال: عاهدت الله تعالى، ألا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت، فقالت اليهود، أما هذا فقد صبأ، وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله ربّاً، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أفلحتما، فنزل، ود كثير {فَاعْفُواْ} عن اليهود والعرب، كما لم يذكر لفظ عنهمن والفاء تدل على اليهود أولا وبالذات، ودخلت العرب ثانيا وبالتبع لا تعاقبوهم، {وَاصْفَحُواْ} عنهم، لا تعاتبوهم العتاب الشديد، وضعف ما قيل، لا تخالطوهم، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح، وأصل العفو محو الجريمة، من عفا إذا اندرس، وترك العقوبة لازمة، وبينهما عموم وخصوص، من وجه، يجتمعان إذا لم يعاقب ولم يعاتب {حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} واحد الأمور. وهى القيامة، والجزاء فيها، وقوة الرسالة وكثرة الأمة، أو ضد النهى، بأن يأذن فى قتالهم لوقته، فجاء الإذن فى قتال العرب قبل بدر، إذ قال"أية : أذن للذين يقاتلون"تفسير : [الحج: 39] الآية، وجاء الإذن فى أخذ الجزية من أهل الكتاب، وبقتل قريظة وإجلاء النضير بعد أحد، بل بعد الأحزاب، وهى بعد أحد {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فلا يعجزه الانتقام منهم.

الالوسي

تفسير : {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ} وهم طائفة من أحبار اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق لما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، رواه الواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا ذلك لحذيفة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل، ذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث. {لَوْ يَرُدُّونَكُم} حكاية لودادتهم، وقد تقدم الكلام على (لو) هذه فأغنى عن الإعادة {مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا} أي مرتدين، وهو حال من ضمير/ المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل بمجرد الارتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه، ولذا لم يقل ـ لو يردونكم ـ إلى الكفر، وجوز أن يكون حالاً من فاعل (وَدّ) واختار بعضهم أنه مفعول ثان ـ ليردونكم ـ على تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى يرد إليه فحيتاج إلى التغليب كما في {أية : لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } تفسير : [الأعراف: 88] على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل في الشناعة، وفي قوله تعالى: {مِن بَعْدِ} مع أن الظاهر ـ عن ـ لأن الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم، وقيل: أورد متوسطاً لإظهار كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل عن مباشرته، وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل: من بعده إيمانكم الراسخ، وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفي. {حَسَدًا} علة ـ لِوَدّ ـ لا ـ ليردونكم ـ لأنهم يودون ارتدادهم مطلقاً لا ارتدادهم المعلل بالحسد، وجوزوا أن يكون مصدراً منصوباً على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالاً ـ كما قال أبو حيان ـ لا ينقاس. وقيل: يجوز أن يكون منصوباً على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسداً وهو كما ترى. {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسداً كائناً من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها، وفيه إشارة إلى أن بلغ مبلغاً متناهياً، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم، وإما للوداد المفهوم من (وَدّ) أي وداداً كائناً من عند أنفسهم وتشهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق، وجعله ظرفاً لغواً معمولاً ـ لِوَدّ ـ أو (حسداً) كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة (من) كما قاله ابن الشجري. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} بالنعوت المذكورة في التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال، ولعل من قال: إن الودادة من عوامهم أيضاً لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم رؤساء، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سراً وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضاً إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في الخذلان. {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضاً أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها. وآثر العفو على الصبر على أذاهم إيذاناً بتمكين المؤمنين ترهيباً للكافرين. {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} هو واحد الأوامر؛ والمراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه: {قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} إلى {أية : وَهُمْ صَـٰغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: واحد الأمور، والمراد به القيامة أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة، ومن الناس من فسر الصفح بالاعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره، وفسره بإسلام من أسلم منهم ـ كما قاله الكلبـي ـ وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور، وهو عند المحققين جمع بين الحقيقة والمجاز، وعن قتادة والسدي، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن الآية منسوخة بآية السيف، واستشكل/ ذلك بأن النسخ لكونه بياناً لمدة الانتهاء بالنسبة إلى الشارع ودفعاً للتأبيد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خالياً عن التوقيت والتأبيد فإنه لو كان مؤقتاً كان الناسخ بياناً له بالنسبة إلينا أيضاً ولو كان مؤبداً كان بدءاً لا بياناً بالنسبة إلى الشارع والأمر هٰهنا مؤقت بالغاية وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بياناً لإجماله وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعاً لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخاً ويحل محل {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ }تفسير : [البقرة: 187] وأما تأييد الطيبـي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما انتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبـي الأمي بنحو قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلامّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنجِيلِ }تفسير : [الأعراف: 157] وكان ظهوره صلى الله عليه وسلم نسخاً فيرد عليه ما في «التلويح» من أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبـي صلى الله عليه وسلم، وإيجاب الرجوع إليه وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لاحتمال أن يكون الرجوع إليه باعتبار كونه مفسراً أو مقرراً أو مبدلاً للبعض دون البعض فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأبيد فتبديلها يكون نسخاً؛ وأجيب عن الاستشكال بأنه لا يبعد أن يقال: إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان مجازاً أو يقال: لعلهم فسروا الغاية بإماتتهم أو بقيام الساعة، والتأبيد إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب، وأما إذا كان غاية للواجب فلا، ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا السيالكوتي إلا أن الظاهر لا يساعده فتدبر. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} تذييل مؤكد لما فهم من سابقه، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين، ويحتمل على بعد أن يكون ذكراً لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديداً لمن يخالف أمره.

ابن عاشور

تفسير : مناسبته لما قبله أن ما تقدم إخبار عن حسد أهل الكتاب وخاصة اليهود منهم، وآخرتها شبهة النسخ، فجيء في هذه الآية بتصريح بمفهوم قوله: {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب}تفسير : [البقرة: 105] الآية لأنهم إذا لم يودوا مجيء هذا الدين الذي اتبعه المسلمون فهم يودون بقاء من أسلم على كفره ويودون أن يرجع بعد إسلامه إلى الكفر. وقد استطرد بينه وبين الآية السابقة بقوله: {أية : ما ننسخ}تفسير : [البقرة: 106] الآيات للوجوه المتقدمة، فلأجل ذلك فصلت هاته الجملة لكونها من الجملة التي قبلها بمنزلة البيان إذ هي بيان لمنطوقها ولمفهومها. وفي «تفسير ابن عطية» و«الكشاف» و«أسباب النزول» للواحدي أن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس وفيه فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس وغيرهما من اليهود فقالوا لحذيفة وعمار: «ألم تروا ما أصابكم يوم أحد ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير ونحن أهدى منكم» فردا عليهم وثبتا على الإسلام. والود تقدم في الآية السالفة. وإنما أسند هذا الحكم أي الكثير منهم وقد أسند قوله: {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب}تفسير : [البقرة: 105] إلى جميعهم لأن تمنيهم أن لا ينزل دين إلى المسلمين يستلزم تمنيهم أن يتبع المشركون دين اليهود أو النصارى حتى يعم ذلك الدين جميع بلاد العرب فلما جاء الإسلام شرقت لذلك صدورهم جميعاً فأما علماؤهم وأحبارهم فخابوا وعلموا أن ما صار إليه المسلمون خير مما كانوا عليه من الإشراك لأنهم صاروا إلى توحيد الله والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه وفي ذلك إيمان بموسى وعيسى وإن لم يتبعوا ديننا، فهم لا يودون رجوع المسلمين إلى الشرك القديم لأن في مودة ذلك تمني الكفر وهو رضي به. وأما عامة اليهود وجهلتهم فقد بلغ بهم الحسد والغيظ إلى مودة أن يرجع المسلمون إلى الشرك ولا يبقوا على هذه الحالة الحسنة الموافقة لدين موسى في معظمه نكاية بالمسلمين وبالنبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً}تفسير : [النساء: 51] وفي هذا المعنى المكتنز ما يدلكم على وجه التعبير بِـ{يردونكم} دون لو كفرتم ليشار إلى أن ودادتهم أن يرجع المسلمون إلى الشرك لأن الرد إنما يكون إلى أمر سابق ولو قيل لو كفرتم لكان فيه بعض العذر لأهل الكتاب لاحتماله أنهم يودون مصير المسلمين إلى اليهودية. وبه يظهر وجه مجيء {كفاراً} معمولاً لمعمول {ود كثير} ليشار إلى أنهم ودوا أن يرجع المسلمون كفاراً بالله أي كفارا كفراً متفقاً عليه حتى عند أهل الكتاب وهو الإشراك فليس ذلك من التعبير عن ما صْدق ما ودوه بل هو من التعبير عن مفهوم ما ودوه، وبه يظهر أيضاً وجه قوله تعالى: {من بعد ما تبين لهم الحق} فإنه تبيُّنُ أن ما عليه المسلمون حق من جهة التوحيد والإيمان بالرسل بخلاف الشرك، أو من بعد ما تبين لهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم إذا كان المراد بالكثير منهم خاصة علمائهم والله مطلع عليهم. و{لو} هنا بمعنى أن المصدرية ولذلك يؤول ما بعدها بمصدر. و{حسداً} حال من ضمير {وَدَّ} أي إن هذا الود لا سبب له إلا الحسد لا الرغبة في الكفر. وقوله: {من عند أنفسهم} جيء فيه بمن الابتدائية للإشارة إلى تأصل هذا الحسد فيهم وصدوره عن نفوسهم. وأُكد ذلك بكلمة (عند) الدالةِ على الاستقرار ليزداد بيانُ تمكنه وهو متعلق بحسداً لا بقوله: {ود}. وإنّما أمر المسلمون بالعفو والصفح عنهم في هذا الموضع خاصة لأن ما حكى عن أهل الكتاب هنا مما يثير غضب المسلمين لشدة كراهيتهم للكفر قال تعالى: {أية : وكره إليكم الكفر}تفسير : [الحجرات: 7] فلا جرم أن كان من يود لهم ذلك يعدونه أكبر أعدائهم فلما كان هذا الخبر مثيراً للغضب خيف أن يفتكوا باليهود وذلك ما لا يريده الله منهم لأن الله أراد منهم أن يكونوا مستودع عفو وحلم حتى يكونوا قدوة في الفضائل. والعفو ترك عقوبة المذنب. والصفح ـــ بفتح الصاد ـــ مصدر صفح صفحاً إذا أعرض لأن الإنسان إذا أعرض عن شيءٍ ولاه من صفحة وجهه، وصفح وجهه أي جانبه وعرضه وهو مجاز في عدم مواجهته بذكر ذلك الذنب أي عدم لومه وتثريبه عليه وهو أبلغ من العفو كما نقل عن الراغب ولذلك عطف الأمر به على الأمر بالعفو لأن الأمر بالعفو لا يستلزمه ولم يستغن باصفحوا لقصد التدريج في أمرهم بما قد يخالف ما تميل إليه أنفسهم من الانتقام تلطفاً من الله مع المسلمين في حملهم على مكارم الأخلاق. وقوله: {حتى يأتي الله بأمره} أي حتى يجيء ما فيه شفاء غليلكم قيل هو إجلاء بني النضير وقتل قريظة، وقيل الأمر بقتال الكتابيين أو ضرب الجزية. والظاهر أنه غاية مبهمة للعفو والصفح تطميناً لخواطر المأمورين حتى لا ييأسوا من ذهاب أذى المجرمين لهم بطلاً وهذا أسلوب مسلوك في حمل الشخص على شيء لا يلائمه كقول الناس حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً فإذا جاء أمر الله بترك العفو انتهت الغاية، ومن ذلك إجلاء بني النضير. ولعل في قوله: {إن الله على كل شيء قدير} تعليماً للمسلمين فضيلة العفو أي فإن الله قدير على كل شيء وهو يعفو ويصفح وفي الحديث الصحيح «حديث : لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل يدعون له نداً وهو يرزقهم»تفسير : ، أو أراد أنه على كل شيء قدير فلو شاء لأهلكهم الآن ولكنه لحكمته أمركم بالعفو عنهم وكل ذلك يرجع إلى الائتساء بصنع الله تعالى وقد قيل: إن الحكمة كلها هي التشبه بالخالق بقدر الطاقة البشرية. فجملة {إن الله على كل شيء قدير} تذييل مسوق مساق التعليل، وجملة {فاعفوا واصفحوا} إلى قوله: {أية : وقالوا لن يدخل}تفسير : [البقرة: 111] تفريع مع اعتراض فإن الجملة المعترضة هي الواقعة بين جملتين شديدتي الاتصال من حيث الغرض المسوق له الكلام والاعتراض هو مجيء ما لم يسق غرض الكلام له ولكن للكلام والغرض به علاقة وتكميلاً وقد جاء التفريع بالفاء هنا في معنى تفريع الكلام على الكلام لا تفريع معنى المدلول على المدلول لأن معنى العفو لا يتفرع عن ود أهل الكتاب ولكن الأمر به تفرع عن ذكر هذا الود الذي هو أذى وتجيء الجملة المعترضة بالواو وبالفاء بأن يكون المعطوف اعتراضاً. وقد جوزه صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: {أية : فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} تفسير : في سورة النحل (43)، وجوزه ابن هشام في «مغنى اللبيب» واحتج له بقوله تعالى: {أية : فالله أولى بهما}تفسير : [النساء: 135] على قول ونقل بعض تلامذة الزمخشري أنه سئل عن قوله تعالى في سورة عبس (11 ـــ 13) {أية : إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة}تفسير : أنه قال لا يصح أن تكون جملة {فمن شاء ذكره} اعتراضاً لأن الاعتراض لا يكون مع الفاء ورده صاحب «الكشاف» بأنه لا يصح عنه لمنافاته كلامه في آية سورة النحل. وقوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} أريد به الأمر بالثبات على الإسلام فإن الصلاة والزكاة ركناه فالأمر بهما يستلزم الأمر بالدوام على ما أنتم عليه على طريق الكناية. وقوله: {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله} مناسب للأمر بالثبات على الإسلام وللأمر بالعفو والصفح. وفيه تعريض باليهود بأنهم لا يقدرون قدر عفوكم وصفحكم ولكنه لا يضيع عند الله ولذلك اقتصر على قوله: {عند الله} قال الحطيئة:شعر : من يفعل الخير لا يعدم جوائزه لا يذهب العرف بين الله والناس تفسير : وقوله تعالى: {إن الله بما تعملون بصير} تذييل لما قبله. والبصير العليم كما تقدم، وهو كناية عن عدم إضاعة جزاء المحسن والمسيء لأن العليم القدير إذا علم شيئاً فهو يرتب عليه ما يناسبه إذ لا يذهله جهل ولا يعوزه عجز، وفي هذا وعد لهم يتضمن وعيداً لغيرهم لأنه إذا كان بصيراً بما يعمل المسلمون كان بصيراً بما يعمل غيرهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}. هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله: {بِأَمْرِهِ}. قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر. وقال بعضهم: هو واحد الأمور، فعلى القول الأول، بأنه الأمر الذي هو ضد النهي، فإن الأمر المذكور هو المصرَّح به في قوله: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29]، وعلى القول بأنه واحد الأمور، فهو ما صرح الله به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله: {أية : فَأَتَاهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمُ ٱلْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ} تفسير : [الحشر: 2-3] الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق.

الواحدي

تفسير : {ودَّ كثيرٌ من أهل الكتاب...} الآية. نزلت حيت قالت اليهود للمسلمين بعد وقعة أُحدٍ: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحقِّ ما هُزمتهم فارجعوا إلى ديننا، فذلك قوله تعالى: {لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم} أَيْ: في حكمهم وتديّنهم ما لم يؤمروا به {من بعد ما تبين لهم الحق} في التَّوراة أنَّ قول محمَّدٍ صدقٌ ودينه حقٌّ {فاعفوا واصفحوا} وأعرضوا عن مساوىء أخلاقهم وكلامهم وغلِّ قلوبهم {حتى يأتي الله بأمره} بالقتال. {وقالوا لن يدخل الجنة...} الآية، أَيْ: قالت اليهود: لن يدخل الجنَّة {إلاَّ مَنْ كان هوداً} وقالت النَّصارى: لن يدخلها إلاَّ النَّصارى {تلك أمانيهم} التي تمنَّوها على الله سبحانه باطلاً {قل هاتوا برهانكم} قرِّبوا حجَّتكم على ما تقولون، ثمَّ بيَّن مَنْ يدخلها فقال: {بلى} يدخلها {مَنْ أسلم وجهه لله} انقاد لأمره وبذلك له وجهه في السُّجود {وهو محسن} مؤمنٌ مصدقٌ بالقرآن.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ودّ: أحبّ. أهل الكتاب: اليهود والنصارى. حسداً: الحسد تمني زوال النعمة على من هي به. تبين لهم الحق: عرفوا أن محمداً رسول الله وأنَّ دينه هو الدين الحق. فاعفوا واصفحوا: لا تؤاخذوهم ولا تلوموهم، إذ العفو ترك العقاب والصفح الإِعراض عن المذنب. حتى يأتي الله بأمره: أي الإِذن بقتالهم والمراد بهم يهود المدينة وهم بنو قينقاع وبنو النضير، وبنو قريظة. وأقيموا الصلاة: إقامة الصلاة أداؤها في أوقاتها مستوفاة الشروط والأركان والسنن. وآتوا الزكاة: أعطوا زكاة أموالكم وافعلوا كل ما من شأنه يزكي أنفسكم من الطاعات. معنى الآيتين: في الآية الأولى [109] يخبر تعالى المؤمنين بنفسيّة كثير من أهل الكتاب وهي الرغبة الملحة في أن يتخلى المسلمون عن دينهم الحق ليصبحوا كافرين ومنشأ هذه الرغبة الحسد الناجم عن نفسية لا ترغب أن ترى المسلمين يعيشون في نور الإِيمان بدل ظلمات الكفر، وبعد أن أعلم عباده المؤمنين بما يضمر لهم أعداؤهم، أمرهم بالعفو والصفح لأن الوقت لم يحن بعد لقتالهم فإذا حان الوقت قاتلوهم وشفوا منهم صدورهم. وفي الآية الثانية [110] أمر الله تعالى المؤمنين بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات تهذيباً لأخلاقهم وتزكية لنفوسهم وواعدهم بحسن العاقبة بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- اليهود والنصارى يعلمون أن الإِسلام حق وأن المسلمين على حق فحملهم ذلك على حسدهم ثم عداوتهم، والعمل على تكفيرهم.. وهذه النفسية ما زالت طابع أهل الكتاب إزاء المسلمين إلى اليوم. 2- في الظرف الذي لم يكن مواتياً للجهاد على المسلمين أن يشتغلوا فيه بالإِعداد للجهاد، وذلك بتهذيب الأخلاق والأرواح وتزكية النفوس بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات إبقاء على طاقاتهم الروحية والبدنية إلى حين يؤذن لهم بالجهاد. 3- تقوية الشهور بمراقبة الله تعالى ليحسن العبد نيته وعمله.

القطان

تفسير : العفو: ترك العقاب على الذنب. الصفح: الإعراض عن المذنب. وهو يشمل العقاب وترك اللوم. الخطاب للمؤمنين تحذيراً من بعض أحبار اليهود مثل كعب بن الاشرف، وحييّ بن أخطب. وأبي ياسر بن أخطب وأمثالهم الذين كانوا أشد الناس عداوة للإسلام ولنبيّه صلى الله عليه وسلم. بعد ان عرض الله حالة المنافقين والكافرين وناقش اليهود مناقشة طويلة، ثم أدّب المؤمنين كيف يخاطبون النبي وعلمهم ان التعاليم والأوامر المنزلة من عند الله بعضُها عُرضة للتغير والتبديل حسب المصالح ـ جاء هنا يحذّر جماعة المسلمين من ان كثيرا من اليهود يودون ان يردوهم عن الاسلام حسدا لهم، بعد ان تبين لليهود من كتابهم نفسه ان المسلمين على الحق. وذلك لأنهم يخشون ان ينتقل السلطان منهم ويفلت من ايديهم. بعد هذا يعلم القرآن المسلمين الأخلاق العظيمة فيأمرهم سبحانه بضبط النفس وان يعاملوهم بالرفق واللين. كما وعدهم بأنهم ان تحلّوا بهذه الأخلاق فانهم منصورون. وأكد ذلك بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فالله هو القادر على أن يهبكم من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى، فتتغلبوا على من يناوئكم. ثم ذكر عز وجل بعض الوسائل التي تحقق النصر الذي وعدهم به فقال: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} حافِظوا على شعائر دينكم، فأقيموا الصلاة على أحسن وجه من الخشوع وأداء اركانها، واعطوا الزكاة الى أهلها. بهذه الأعمال الطيبة ينصركم الله إنه عالم بجميع أعمالكم، لا تخفى عليه من أمركم خافية وهو مجازيكم عليها.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} {بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} (109) - يُحَذِّرُ الله تَعَالَى عِبَادَهُ المُؤْمِنينَ مِنْ أَنَّ أَهْلَ الكِتَابِ، وَهُمُ الْيَهُودُ هُنا، يَكْرَهُونَ المُسْلِمِينَ، وَيُبْطِنُونَ لَهُم العَدَاوَةَ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ جَاهِدِينَ عَلَى رَدِّ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، وَعَلَى إِعَادَتِهِمْ إِلَى الكُفْرِ، وَذلِكَ بِسَبَبِ حَسَدِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَخَوْفِهِمْ مِنْ أَنْ يَنْتَقِلَ السُّلطَانُ إِلى المُسْلِمِينَ، بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدُوا مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ صَادِقٌ فِي رِسَالَتِهِ، وَأَنَّ مَا أُنزِلَ إِليهِ هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَعْفُوا عَنْ هؤلاءِ الكُفَّارِ الحُسَّادِ، وَبِأَنْ يَصْفَحُوا عَنْهُمْ، وَبِأَنْ يَحْتَمِلُوا أَذَاهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ بالنَّصْرِ أَوِ الفَتْحِ، وَاللهُ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ. (هذا المَقْطَعُ مِنَ الآيةِ: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} مَنْسُوخٌ بآيَةِ السَّيْفِ، {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}، تفسير : وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلاَ بِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُواْ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه الآية الكريمة تتناول أحداثاً وقعت بعد غزوة أحد .. وفي غزوة أحد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم .. من الرماة ألا يغادروا مواقعهم عند سفح الجبل سواء انتصر المسلمون أو انهزموا .. فلما بدأت بوادر النصر طمع الرماة في الغنائم .. فخالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهزمهم الله .. ولكن الكفار لم يحققوا نصراً لأن النصر هو أن تحتل أرضاً وتبقى. هؤلاء الكفار بعد المعركة انطلقوا عائدين إلى مكة .. حتى أن المسلمين عندما خرجوا للقائهم في اليوم التالي لم يجدوا أحداً .. يهود المدينة استغلوا هذا الحدث .. وعندما التقوا بحذيفة بن اليمان وطارق وغيرهما .. قالوا لهم إن كنتم مؤمنين حقاً لماذا انهزمتم فارجعوا إلى ديننا واتركوا دين محمد .. فقال لهم حذيفة ماذا يقول دينكم في نقض العهد؟ .. يقصد ما تقوله التوراة في نقض اليهود ولعهودهم مع الله ومع موسى .. ثم قال أنا لن أنقض عهدي مع محمد ما حييت .. أمَّا عمار فقال .. لقد آمنت بالله رباً وآمنت بمحمد رسولاً وآمنت بالكتاب إماماً وآمنت بالكعبة قبلة وآمنت بالمؤمنين إخوة وسأظل على هذا ما حييت. وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله حذيفة وطارق بن ياسر فَسُرَّ بذلك ولكن اليهود كانوا يستغلون ما حدث في أُحد ليهزموا العقيدة الإيمانية في قلوب المسلمين كما استغلوا تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليهزوا الإيمان في القلوب وقالوا إذا كانت القبلة تجاه بيت المقدس باطلة فلماذا اتجهتم إليها، وإذا كانت صحيحة فلماذا تركتموها، فنزل قول الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} [البقرة: 109]. انظر إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: {مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 109] .. فكأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يحاولون رد المؤمنين عن دينهم .. ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام .. ولو أن الله جل جلاله حكم على كل أهل الكتاب لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا .. أي أن أهل الكتاب من اليهود يحبون أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة .. لأن الله تعالى قال: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 109]. وقوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} [البقرة: 109] .. كُفارا بماذا؟ .. بما آمنتم به أو بما يطلبه منكم دينكم .. وهم لا يفعلون ذلك عن مبدأ أو عقيدة أو لصالحكم ولكن: {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109] .. فدينهم يأمرهم بعكس ذلك .. يأمرهم أن يؤمنوا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم .. ولذلك فهم لا ينفذون ما تأمرهم به التوراة حينما يرفضون الإيمان بالإسلام .. والذي يدعوهم إلى أن يحاولوا ردكم عن دينكم هو الحسد .. والحسد هو تمني زوال النعمة عمن تكره .. وقوله تعالى: {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109] .. أي هذه المسألة من ذواتهم لأنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإيمان .. ويتمنون زوال هذه النعمة .. التي جعلت من المسلمين إخواناً متحابين متكاتفين مترابطين .. بينما هم شيع وأحزاب .. وهناك حسد يكون من منطق الدين وهذا مباح .. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالاً فَسُلِّط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس ". تفسير : فكأن الحسد حرام في غير هاتين الحالتين .. فكأن هؤلاء اليهود يحسدون المسلمين على دينهم .. وهذا الحسد من عند أنفسهم لا تقره التوراة ولا كتبهم .. وقوله سبحانه: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} [البقرة: 109] .. أي بعد ما تأكدوا من التوراة من شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه النبي الخاتم. وقوله تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109] .. ما هو العفو وما هو الصفح؟ .. يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته .. فالإنسان حين يمشي على الرمال تترك قدمه أثراً فتأتي الريح وتعفو الأثر أي تزيله .. ولذلك فإن العفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنه لم يحدث شيء .. والصفح يعني طي صفحات هذا الموضوع لا تجعله في بالك ولا تجعله يشغلك .. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109] .. أن هذا الوضع بالنسبة لليهود وما يفعلونه في المؤمنين لن يستمر لأن الله سبحانه قد أعد لهم أمراً ولكن هذا الأمر لم يأت وقته ولا أوانه .. وعندما يأتي سيتغير كل شيء .. لذلك يقول الله للمؤمنين لن تظلوا هكذا .. بل يوم تأخذونهم فيه بجرائمهم ولن يكون هذا اليوم بعيداً .. عندما يقول الله سبحانه: {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109] .. فلابد أن أمر الله آت .. لأن هذه قضية تتعلق بجوهر الإيمان كله .. فلا يقال أبداً حتى يأتي الله بأمره ثم لا يجيء هذا الأمر .. بل أمر الله بلا شك نافذ وسينصركم عليهم .. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] .. أن الله له طلاقة القدرة في ملكه .. ولذلك إذا قال إنه سيأتي بأمر فسيتحقق هذا الأمر حتماً وسيتم .. ولا توجد قدرة في هذا الكون إلا قدرة الله سبحانه .. ولا قوة إلا قوته جل جلاله .. ولا فعل إلا ما أراد.

همام الصنعاني

تفسير : 107- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ}: [الآية: 109]، قال: هُو كَعْب بن الأشْرَف. 108- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر عن قَتادة في قولِهِ تعالى: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}: [الآية: 109]، قال نسخها قوله: {أية : فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ}تفسير : : [التوبة: 5].