Verse. 115 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اَمْ تُرِيْدُوْنَ اَنْ تَسْـــَٔـلُوْا رَسُوْلَكُمْ كَـمَا سُىِٕلَ مُوْسٰى مِنْ قَبْلُ۝۰ۭ وَمَنْ يَّتَـبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْاِيْمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاۗءَ السَّبِيْلِ۝۱۰۸
Am tureedoona an tasaloo rasoolakum kama suila moosa min qablu waman yatabaddali alkufra bialeemani faqad dalla sawaa alssabeeli

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أم» بل «تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى» أي سأله قومه «من قبل» من قولهم: أرنا الله جهرة وغير ذلك «ومن يتبدل الكفر بالإيمان» أي يأخذ بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها «فقد ضل سواء السبيل» أخطأ الطريق الحق والسواءُ في الأصل الوسط.

108

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: «أم» على ضربين متصلة ومنقطعة، فالمتصلة عديلة الألف وهي مفرقة لما جمعته أي، كما أن «أو» مفرقة لما جمعته تقول: اضرب أيهم شئت زيداً أم عمراً، فإذا قلت: اضرب أحدهم قلت: اضرب زيداً أو عمراً، والمنقطعة لا تكون إلا بعد كلام تام، لأنها بمعنى بل والألف، كقول العرب: إنها الإبل أم شاء، كأنه قال: بل هي شاء، ومنه قوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ } تفسير : [الأحقاف: 8] أي: بل يقولون، قال الأخطل:شعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا / تفسير : المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطب به على وجوه. أحدها: أنهم المسلمون وهو قول الأصم والجبائي وأبي مسلم، واستدلوا عليه بوجوه. الأول: أنه قال في آخر الآية: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ } وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين. الثاني: أن قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ } يقتضي معطوفاً عليه وهو قوله: {أية : لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا } تفسير : [البقرة: 104] فكأنه قال: وقولوا انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟ الثالث: أن المسلمين كانوا يسألون محمداً صلى الله عليه وسلم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى عليه السلام ما لم يكن لهم فيه خير عن البحث عنه، الرابع: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة. القول الثاني: أنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد. قال: إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال: يا محمد والله ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء بأن تصعد، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه. وقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كل ذلك، فنؤمن بك عند ذلك. فأنزل الله تعالى: أم تريدون أن تسألوا رسولكم محمداً أن يأتيكم الآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا: أرنا الله جهرة. وعن مجاهد أن قريشاً سألت محمداً عليه السلام أن يجعل لهم الصفا ذهباً وفضة، فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. القول الثالث: المراد اليهود، وهذا القول أصح لأن هذه السورة من أول قوله: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } تفسير : [البقرة: 40، 47] حكاية عنهم ومحاجة معهم ولأن الآية مدنية ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله فإذا سأله كان متبدلاً كفراً بالإيمان. المسألة الثالثة: ليس في ظاهر قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات التي ذكرناها في أنهم سألوا والله أعلم. المسألة الرابعة: اعلم أن السؤال الذي ذكروه إن كان ذلك طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفراً، وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً؛ فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفراً، فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال. المسألة الخامسة: ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً، أحدها: أنه تعالى لما حكم بجواز النسخ في الشرائع فلعلهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم فمنعهم الله تعالى عنها وبين أنهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة كما أنه ما كان لقوم موسى أن يذكروا أسئلتهم الفاسدة. وثانيها: لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم: إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمردتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى ما ليس له أن يسأله، عن أبي مسلم، وثالثها: لما أمر ونهى قال: أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى؟ المسألة السادسة: {سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } وسطه قال تعالى: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَءاهُ فِى سَوَاء ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [الصافات: 55] أي وسط الجحيم، والغرض التشبيه دون نفس الحقيقة، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان فهو جار على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظفر بالطلبة من الثواب والنعيم، فالمبدل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه إنه ضل سواء السبيل.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ} هذه «أَمْ» المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل تريدون، ومعنى الكلام التوبيخ. {أَن تَسْأَلُواْ} في موضع نصب بـ «تريدون». {كَمَا سُئِلَ} الكاف في موضع نصب نعت لمصدر؛ أي سؤالاً كما. و «موسى» في موضع رفع على ما لم يسم فاعله. «من قبل»: سؤالهم إياه أن يريهم الله جهرة، وسألوا محمداً أن يأتي بالله والملائكة قَبِيلاً. عن ٱبن عباس ومجاهد: سألوا أن يجعل لهم الصَّفَا ذهباً. وقرأ الحسن «كما سِيل»، وهذا على لغة من قال: سِلْتُ أسالُ؛ ويجوز أن يكون على بدل الهمزة ياء ساكنة على غير قياس فانكسرت السين قبلها. قال النحاس: بدل الهمزة بعيد. والسّواء من كل شيء: الوسط. قاله أبو عبيدة مَعْمَر بن المُثَنَّى؛ ومنه قوله: {أية : فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات: 55]. وحكى عيسى بن عمر قال: ما زلت أكتب حتى ٱنقطع سوائي؛ وأنشد قول حسان يرثي رسول الله صلى الله عليه وسلم:شعر : يا وَيْحَ أصحابِ النبيّ ورهطِهِ بعدَ المُغَيَّبِ في سواء المُلْحَد تفسير : وقيل: السواء القصد؛ عن الفَرّاء، أي ذهب عن قصد الطريق وسَمْته، أي طريق طاعة الله عز وجل. وعن ٱبن عباس أيضاً أن سبب نزول هذه الآية أن رافع بن خُزيمة ووهب بن زيد قالا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ٱئتنا بكتاب من السماء نقرؤه، وفجِّر لنا أنهاراً نتَّبعك.

البيضاوي

تفسير : {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأََلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} أم معادلة للهمزة في {أَلَمْ تَعْلَمْ} أي: ألم تعلموا أنه مالك الأمور قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد، أم تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام. أو منقطعة والمراد أن يوصيهم بالثقة به وترك الاقتراح عليه. قيل: نزلت في أهل الكتاب حين سألوا أن ينزل الله عليهم كتاباً من السماء. وقيل: في المشركين لما قالوا {أية : لَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤهُ }تفسير : [الإسراء: 93] {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} ومن ترك الثقة بالآيات البينات وشك فيها واقترح غيرها، فقد ضل الطريق المستقيم حتى وقع في الكفر بعد الإيمان. ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل، ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان. وقرىء «يبدل» من أبدل.

ابن كثير

تفسير : نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة، عن كثرة سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن الأشياء قبل كونها؛ كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ}تفسير : [المائدة: 101] أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها، تبين لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعله أن يحرم من أجل تلك المسألة، ولهذا جاء في الصحيح: «حديث : إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته»تفسير : ولما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد مع امرأته رجلاً، فإن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها، ثم أنزل الله حكم الملاعنة، ولهذا ثبت في الصحيحين، من حديث المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال. وفي صحيح مسلم: «حديث : ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم، وإن نهيتكم عن شيء، فاجتنبوه»تفسير : وهذا إنما قاله بعد ما أخبرهم أن الله كتب عليهم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، ثم قال عليه السلام: «حديث : لا، ولو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم»تفسير : ، ثم قال: «حديث : ذروني ما تركتكم»تفسير : الحديث، ولهذا قال أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يأتي الرجل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: أخبرنا أبو كريب، أخبرنا إسحاق بن سليمان، عن أبي سنان عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب، قال: إن كان ليأتي عليّ السنة، أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء، فأتهيب منه، وإن كنا لنتمنى الأعراب. وقال البزار: أخبرنا محمد بن المثنى، أخبرنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوماً خيراً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة، كلها في القرآن:{أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ} تفسير : [البقرة: 219] و {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة: 217] {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَـٰمَىٰ}تفسير : [البقرة: 220]، يعني هذا وأشباهه. وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} أي: بل تريدون، أو هي على بابها في الاستفهام، وهو إنكاري، وهو يعمّ المؤمنين والكافرين، فإنه عليه السلام رسول الله إلى الجميع، كما قال تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ}تفسير : [النساء: 153]، قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد عن ابن عباس، قال: قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد: يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرؤه، وفجر لنا أنهاراً، نتبعك ونصدقك، فأنزل الله من قولهم: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} قال: قال رجل: يا رسول الله لو كانت كفارتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم لا نبغيها - ثلاثاً - ما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة، وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، فما أعطاكم الله خير مما أعطى بني إسرائيل»تفسير : ، قال: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 110]، وقال: «حديث : الصلوات الخمس ومن الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن»تفسير : وقال: «حديث : من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة، ومن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة، وإن عملها كتبت له عشر أمثالها، ولا يهلك على الله إلا هالك»تفسير : ، فأنزل الله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}، وقال مجاهد: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} أن يريهم الله جهرة، قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، قال: «حديث : نعم، وهو لكم كالمائدة لبني إسرائيل»تفسير : ، فأبوا ورجعوا. وعن السدي وقتادة نحو هذا، والله أعلم. والمراد أن الله ذم من سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء على وجه التعنت والاقتراح، كما سألت بنو إسرائيل موسى عليه السلام تعنتاً وتكذيباً وعناداً. قال الله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ}، أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال. وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء، واتباعهم والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم، والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ }تفسير : [إبراهيم: 28 - 29]، وقال أبو العالية: يتبدل الشدة بالرخاء.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما سأله أهل مكة أن يُوسِّعها ويجعل الصفا ذهباً {أَمْ } بل أ {تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ } أي سأله قومه {مِن قَبْلُ } من قولهم (أرنا الله جهرة ) وغير ذلك {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَٰنِ } أي يأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } أخطأ الطريق الحق( والسواء) في الأصل الوسط.

الشوكاني

تفسير : {أَمْ } هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل، أي: بل تريدون، وفي هذا توبيخ، وتقريع، والكاف في قوله: {كَمَا سُئِلَ } في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، أي: سؤالاً مثل ما سئل موسى من قبل، حيث سألوه أن يريهم الله جهرة، وسألوا محمداً صلى الله عليه وسلم: أن يأتي بالله، والملائكة قبيلاً. وقوله: {سَوَآء } هو الوسط من كل شيء قاله أبو عبيدة، ومنه قوله تعالى: {أية : فِى سَوَاء ٱلْجَحِيمِ }تفسير : [الصافات: 55] ومنه قول حسان يرثي النبيّ صلى الله عليه وسلم:شعر : يَا وَيْحَ أصْحابِ النَّبيّ وَرهْطِه بَعْد المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ تفسير : وقال الفراء: السواء: القصد، أي: ذهب عن قصد الطريق، وسمته أي: طريق طاعة الله. وقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } فيه إخبار المسلمين بحرص اليهود على فتنتهم، وردّهم عن الإسلام، والتشكيك عليهم في دينهم. وقوله: {لَوْ يَرُدُّونَكُم } في محل نصب على أنه مفعول للفعل المذكور. وقوله:{مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } يحتمل أن يتعلق بقوله {ودّ} أي: ودّوا ذلك من عند أنفسهم، ويحتمل أن يتعلق بقوله: {حَسَدًا } أي: حسداً ناشئاً من عند أنفسهم، وهو: علة لقوله: {ودّ}. والعفو: ترك المؤاخذة بالذنب. والصفح: إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان: إذا أعرضت عن ذنبه، وقد ضربت عنه صفحاً: إذا أعرضت عنه، وفيه الترغيب في ذلك، والإرشاد إليه، وقد نسخ ذلك بالأمر بالقتال، قاله أبو عبيدة. وقوله: {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } هو غاية ما أمر الله سبحانه به من العفو والصفح أي: افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من الله سبحانه في شأنهم بما يختاره ويشاؤه، وما قد قضى به في سابق علمه، وهو: قتل من قتل منهم، وإجلاء من أجلى، وضرب الجزية على من ضربت عليه، وإسلام من أسلم. وقوله: {وأقيموا الصلاة } حثّ من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله لهم، وينصرهم على المخالفين لهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، أنه قال: قال رافع بن حُريَمْلة، ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بكتاب يَنزَّل علينا من السماء نقرؤه، أو فجِّر لنا أنهاراً نتَّبعك، ونصدقك، فأنزل الله في ذلك: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ } الى قوله {سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } وكان حيي بن أخطب [وأبو ياسر بن أخطب] من أشدّ اليهود حسداً للعرب، إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهديْن في ردّ الناس عن الإسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن السدي؛ قال: سألت العرب محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرةً، فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: قال رجل: لو كانت كفَّاراتنا كفَّارات بني إسرائيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أعطاكم الله خيرٌ، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه، وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خزاياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة. وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك قال {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } [النساء: 10] الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن، فأنزل الله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ }"تفسير : الآية. وأخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال:حديث : نعم، وهو: لكم كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، تفسير : فأبوا ورجعوا، فأنزل الله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ } أن يريهم الله جهرة. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ } قال: يتبدل الشدّة بالرخاء. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي في قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } قال: عدل عن السبيل. وأخرج أبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك، قال: كان اليهود، والمشركون من أهل المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أشدّ الأذى، فأمر الله بالصبر على ذلك، والعفو عنهم، وأنزل الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } وفي الصحيحين، وغيرهما عن أسامة بن زيد، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه يعفون عن المشركين، وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: {أية : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذىً كَثِيراً }تفسير : [آل عمران: 186] وقال: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم } الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش. وأخرج ابن جرير، عن الربيع بن أنس في قوله: {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } قال: من قبل أنفسهم: {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ } يقول: إن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة، نحوه وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ } وقوله {أية : وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [الأنعام: 106] ونحو هذا في العفو عن المشركين قال: نسخ ذلك كله بقوله {أية : قَـٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 29] الآية، وقوله {أية : ٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } تفسير : [التوبة: 5]. وأخرج ابن جرير، عن السدي نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَمَا تُقَدّمُواْ لأنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } يعنى من الأعمال من الخير في الدنيا. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } قال: تجدوا ثوابه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يرُدَّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} سبب نزولها، ما رُوِيَ أن نفراً من اليهود، منهم فنحاص، وزيد بن قيس، دعوا حذيفة وعمار إلى دينهما، وقالوا نحن أهدى منكم سبيلاً، فقال لهم عمار: وكيف نقض العهد عندكم؟ قالوا: شديد، قال عمار: فإني عاهدت ربي ألا أكفر بمحمد أبداً، ولا أتبع ديناً غير دينه، فقالت اليهود: أما عمار فقد صبأ وضل عن سواء السبيل، فكيف أنت يا حذيفة؟ فقال حذيفة: الله ربي، ومحمد نبيي، والقرآن إمامي، أطيع ربي، وأقتدي برسولي، وأعمل بكتاب ربي. فقالا: وإلهِ موسى، لقد أُشْرِبَتْ قلوبُكُما حبَّ محمد، فأنزل الله عز وجل هذه الآية. {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَق} يعني من بعد ما تبين لليهود، أن محمداً نبي صادق، وأن الإسلام دين حق. {فَاْعْفُوا وَاصْفَحُوا} يعني بقوله فاعفوا، أي اتركوا اليهود، واصفحوا عن قولهم {حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} يعني مَا أَذِنَ بِهِ في (بني قريظة)، من القتل والسبي، وفي(بني النضير) من الجلاء والنفي.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْئَلُواْ رَسُولَكُمْ...} إن كان الخطاب للمؤمنين فالمراد أن تسألوا الرسول الذي (أقررتم برسالته، وإن كان الخطاب للكفار فالمراد الرسول) الذي ثبتت رسالته إليكم في نفس الأمر. قوله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. قالوا: {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} وسطه. ورد عليه ابن عرفة: أنه يلزمهم المفهوم وهو أنه يكون اهتدى لبعض سبيل الحق وهو جانباه والجواب: أن السبيل اسم جنس يعم طريق الحق والباطل و {سَوَآءَ} هنا هو طريق الحق منهما، قال الله تعالى: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً}.

ابن عادل

تفسير : ذكروا في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوهاً: أحدها: أنه ـ تعالى ـ لما حكم بجواز النسخ في الشرائع، فلعلّهم كانوا يطالبونه بتفاصيل ذلك الحكم، فمنعهم الله ـ تعالى ـ عنها، وبين أنَّهم ليس لهم أن يشتغلوا بهذه الأسئلة الفاسدة [كسؤالات قوم موسى عليه الصلاة ولسلام]. وثانيها: لما تقدم من الأوامر والنواهي قال لهم: إن لم تقبلوا ما أمرتكم به وتمرّدتم عن الطاعة كنتم كمن سأل موسى عليه السلام ما ليس له أن يسأله. عن أبي مسلم. وثالثها: لما أمر ونهى قال: أتفعلون ما أمرتم أم تفعلون كما فعل من قبلكم من قوم موسى؟ و "أم" هذه يجوز أن تكون متّصلة معادلة [لقوله تعال: "ألم تعلم" وهي مفرقة لما جمعته أي: كما أن "أو" مفرقة لما جمعته تقول: اضرب أيهم شئت زيداً أم عمراً، فإذا قلت: اضرب أحدهم. قلت: اضرب زيداً أو عمراً. أو تكون منقطعة، فتقدم بـ "بل" والهمز، ولا تكون إِلاَّ بعد كلام تام كقوله: إنما الإبل أم شاء؛ كأنه قال: بل هي شاء، ومنه قوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ}تفسير : [هود:35] أي: يقولون. قال الأخْطَلُ: [الكامل] شعر : 730ـ كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أَمْ رَأَيْتَ بِوَاسِطٍ غَلَسَ الظَّلاَمِ مِنَ الرَّبَابِ خَيَالاَ تفسير : ويكون إضراباً للالتفات من قصّة إلَى قصة]. قال أبو البقاء: أم هنا منقطعة، إذ ليس في الكلام همزة تقع موقعها ومع أم أَيّهُما، والهمزة من قوله: "ألم تعلم" ليست من "أم" في شيء، والمعنى: بل أتريدون فخرج من كلام إلى كلام. وأصل تريدون: "تُرْوِدُون"؛ لأنه من رَادَ يَرُودُ، وقد تقدّم، فنقلت حركة "الواو" على "الراء"، فسكنت "الواو" بعد كسرة فقلبت ياء. وقيل: "أم" للاستفهام، وهذه الجملة منقطعة عما قبلها. وقيل: هي بمعنى "بل" وحدها، وهذان قولان ضعيفان. قوله تعالى: "أَنْ تَسْأَلُوا" ناصب ومنصوب في محل نصب مفعولاً به بقوله: "تريدون" أي: أتريدون سؤال رسولكم. قوله: "كَمَا سُئِلَ" متعلق بـ"تسألوا" و "الكاف" في محلّ نصب، وفيها التقديران المشهوران: فتقدير سيبويه ورحمه الله تعالى أنها حال من ضمير المصدر المحذوف. أي: إن تسألوه أي: السؤال حال كونه مُشَبَّهاً بسؤال قوم موسى له، وتقدير جمهور النحاة: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: إن تسألوا رسولكم سؤالاً مشبهاً كذا. و "ما" مصدرية، أي: كسؤال موسى. [وأجاز الحوفي كونها بمعنى الذي فلا بد من تقدير عائد أي كالسؤال الذي سأله موسى] و "موسى" مفعول لم يسمّ فاعله، حذف الفاعل للعلم به، أي كما سأل قوم موسى. والمشهور: "سئل" بضم السين وكسر الهمزة، وقرأ الحسن: "سِيلَ" بكسر السين وياء بعدها من: سال يسال نحو: خفت أخاف، وهل هذه الألف في "سال" أصلها الهمز أو لا؟ تقدم خلاف فيه، وسيأتي تحقيقه في "سأل" وقرىء بتسهيل الهمزة بَيْنَ بَيْنَ و "من قبل" متعلّق بـ "سئل"، و "قبل" مبينة على الضم؛ لأن المضاف إليه معرفة أي: من قبل سؤالكم، وهذا توكيد، وإلا فمعلوم أن سؤال موسى كان متقدماً على سؤالهم. قوله: "بالإيمان" فيه وجهان: أحدهما: أنها ياء العِوَضية، وقد تقدم تحقيق ذلك. والثاني: أنها للسببية. قال أبو البقاء: يجوز أن يكون مفعولاً يتبدّل، وتكون الباء للسبب، كقولك: اشتريت الثوب بدرهم، وفي مثاله هذا نظر. وقوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} قرىء بإدغام الدَّال في الضاد وإظهارها. و "سواء" قال أبو البقاء: سواء السبيل ظرف بمعنى وسط السبيل وأعدله، وهذا صحيح فإن "سواء" جاء بمعنى وسط. قال تعالى: {أية : فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [الصافات:55]. وقال عيسى بن عمر: ما زلتُ أكتب حتى انقطع سَوَائِي؛ وقال حَسَّان: [الكامل] شعر : 731ـ يَا وَيْحَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ الْمُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المْلْحَدِ تفسير : ومن مجيئه بمعنى العدل قول زهير: [الوافر] شعر : 732ـ أَرُونَا خُطَّةً لاَ عَيْبَ فِيهَا يُسَوِّي بَيْنَنَا فِيْهَا السَّوَاءُ تفسير : والغرض من هذه الآية التشبيه دون نفس الحقيقة، ووجه التشبيه في ذلك أن من سلك طريقة الإيمان، فهو جَارٍ على الاستقامة المؤدية إلى الفوز والظّفر بالطلبة من الثواب والنعيم، فالمُبَدِّل لذلك بالكفر عادل عن الاستقامة فقيل فيه: إنه ضل سواء السبيل. والسبيل يذكر ويؤنث: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ}تفسير : [يوسف:108]. والجملة من قوله: "فقد ضَلَّ" في محل جزم؛ لأنها جزاء الشرط، والفاء واجبة هنا لعدم صلاحيته شرطاً. فصل في المخاطب بهذا في المخاطب بهذا ثلاثة أوجه: أحدها: [أنهم المسلمون قاله الأصم، والجُبَّائي، وأبو مسلم، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن قوله تعالى]: "أَمْ تُرِيدُونَ" يقتضي معطوفاً عليه وهو قوله: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا} فكأنه قال: وقولوا: انظرنا واسمعوا فهل تفعلون ذلك كما أمرتم أم تريدون أن تسألوا رسولكم؟ وثانيها: أن المسلمين كان يسألون محمداً ـ صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم ـ عن أمور لا خير لهم في البَحْثِ عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما لم يَكُنْ لهم فيه خير عن البحث عنه. وثالثها: سأل قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أَنْوَاطٍ كما كان للمشركين ذات أنواط، وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعلقون عليها المأكول والمشروب، كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة. القول الثاني: أنه خطاب لأهل "مكة"، وهو قول ابن عباس ومجاهد رضي الله تعالى عنهم؛ لأنه يروى أنّ عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رهط من قريش فقال: يا محمد والله ما أومن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء بأن تصعد، ولن نؤمن لرقيّك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً [من عند الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فأتبعوه. وقال له بقية الرَّهْط: فإن لم تستطع ذلك فائتنا بكتاب من] عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض، كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله فيها كلّ ذلك، فنؤمن لك عند ذلك. فأنزل الله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ} محمداً أن يأتيكم بالآيات من عند الله كما سأل السبعون فقالوا: {أية : نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة:55]. وعن مجاهد رحمه الله تعالى أنّ قريشاً سألت محمداً عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصَّفا ذهباً وفضّة، فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. القول الثالث: المراد بهم اليهود، [وهذا القول أصح، لأن هذه السورة من أول قوله]: {أية : يَٰبَنِي إِسْرَاءِِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ}تفسير : [البقرة:47] حكاية ومحاجّة معهم؛ ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم. فصل في سؤالهم [قال ابن الخطيب رحمه الله تعالى: ليس في الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفيته، وإنما المرجع فيه إلى الروايات المذكورة. فإن قيل: إن كان ذلك السؤال طلباً للمعجزة فليس بكفر؛ لأن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفراً، وإن كان طلباً لوجه الحكمة في نسخ الأحكام فهذا أيضاً لا يكون كفراً؛ لأن الملائكة ـ عليهم السلام ـ طلبوا الحكمة في خَلْق البشر، ولم يكن ذلك كفراً. والجواب أن يُحمل على أنهم طلبوا أن يُجعل لهم إله كما لهم آلهة، أو طلبوا المعجزة على سبيل التعنُّت، أو اللِّحَاج، فهذا كفر، والسبب هذا السؤال، والله أعلم].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال ‏"‏قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، أو فجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك ‏{‏أم تريدون أن تسألوا رسولكم‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏سواء السبيل‏}‏ وكان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد اليهود حسداً للعرب إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما ‏ {‏ودّ كثير من أهل الكتاب‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال‏:‏ قال رجل‏ "حديث : ‏يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أعطيتم خير، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك قال {ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه‏} [‏النساء: 110‏]‏ الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن‏.‏ فأنزل الله ‏{‏أم تريدون أن تسألوا رسولكم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال‏:‏ سألت العرب محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة، فنزلت هذه الآية‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال ‏"حديث : ‏سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا‏ً.‏ فقال‏:‏ نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا‏.‏ فأنزل الله ‏ {‏أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل‏}‏ أن يريهم الله جهرة‏‏ ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله ‏{‏ومن يتبدل الكفر بالإِيمان‏} ‏ يقول‏:‏ يتبدل الشدة بالرخاء‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏فقد ضل سواء السبيل‏}‏ قال‏:‏ عدل عن السبيل‏.‏ وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك قال ‏"‏كان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، ففيهم أنزل الله ‏{أية : ‏ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً‏} تفسير : ‏[‏آل عمران: 186‏] الآية‏.‏ وفيهم أنزل الله ‏{‏ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسدا‏ً}‏ الآيه‏"‏. وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أسامة بن زيد قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله ‏{أية : ‏ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا‏ً}تفسير : [آل عمران : 186‏] وقال ‏ {‏ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره‏}‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش‏"‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري وقتادة في قوله ‏ {‏ودّ كثير من أهل الكتاب‏}‏ قالا‏:‏ كعب بن الأشرف‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله ‏ {‏حسداً من عند أنفسهم‏} ‏ قال‏:‏ من قبل أنفسهم ‏ {‏من بعد ما تبين لهم الحق‏} ‏ يقول‏:‏ يتبين لهم أن محمداً رسول الله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله ‏ {‏من بعد تبين لهم الحق‏} ‏ قال‏:‏ من بعد ما تبين لهم أن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل نعته وأمره ونبوته، ومن بعد ما تبين لهم أن الإِسلام دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ‏ {‏فاعفوا واصفحوا‏}‏ قال‏:‏ أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره، فأنزل الله في براءة وأمره فقال‏{أية : ‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏}تفسير : [‏التوبة : 29‏] الآية‏.‏ فنسختها هذه الآية، وأمره الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله {‏فاعفوا واصفحوا‏} ‏ وقوله ‏{أية : ‏وأعرض عن المشركين‏}‏تفسير : ‏[‏الأنعام : 106‏] ونحو هذا في العفو عن المشركين قال‏:‏ نسخ ذلك كله بقوله ‏{أية : ‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله‏}تفسير : ‏ ‏[‏التوبة: 29‏] وقوله ‏{أية : ‏فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم‏}‏ تفسير : ‏[التوبة: 5‏].‏ وأخرج ابن جرير والنحاس في تاريخه عن السدي في قوله ‏ {‏فاعفوا واصفحوا‏} ‏ قال‏:‏هي منسوخه نسختها ‏{أية : ‏قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر‏}‏ تفسير : ‏[‏التوبة: 29‏]. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله ‏ {‏وما تقدموا لأنفسكم من خير‏} ‏ يعني من الأعمال من الخير في الدنيا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {‏تجدوه عند الله‏} ‏ قال‏:‏ تجدوا ثوابه‏.‏

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ} تجريدٌ للخطاب عن النبـي صلى الله عليه وسلم وتخصيصٌ له بالمؤمنين، وأمْ منقطعة [ومعناها] بل، فيها الإضرابُ والانتقال من حملهم على العمل بموجب علمهم بما ذكر عند ظهور بعض مخايلِ المساهلةِ منهم في ذلك وأمارات التأثر من أقاويل الكفرة إلى التحذير من ذلك، ومعنى الهمزةِ إنكارُ وقوعِ الإرادة منهم واستبعادُه لما أن قضية الإيمان وازعةٌ عنها، وتوجيهُ الإنكار إلى الإرادة دون متعلَّقها للمبالغة في إنكاره واستبعادِه ببـيان أنه مما لا يصدُر عن العاقل إرادتُه فضلاً عن صدوره نفسِه والمعنى بل أتريدون {أن تسألوا} وأنتم مؤمنون {رَسُولَكُمُ} وهو في تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما تشتهون غيرَ واثقين في أموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضيةُ علمِكم بشؤونه سبحانه قيل: لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام بـيانَ تفاصيلِ الحكم الداعية إلى النسخ وقيل: سأله عليه السلام قومٌ من المسلمين أن يجعل لهم (ذاتَ أنواط) كما كانت للمشركين وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلّقون عليها المأكول والمشروب، وقوله تعالى: {كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ} مصدرٌ تشبـيهيّ أي نعت لمصدر مؤكدٍ محذوف وما مصدرية أي سؤالاً مُشْبَهاً بسؤال موسى عليه السلام حيث قيل له: اجعلْ لنا إلٰهاً وأرِنا الله جهرةً وغيرَ ذلك، ومقتضىٰ الظاهرِ أن يقال: كما سألوا موسى لأن المشبَّه هو المصدرُ من المبني للفاعل أعني سؤالية المخاطبـين لا من المبني للمفعول أعني مسؤوليةَ الرسول صلى الله عليه وسلم حتى يُشبَّه بمسؤولية موسى عليه السلام فلعله أريد التشبـيهُ فيهما معاً ولكنه أوجز النظم فذكر في جانب المشبه السائليةَ وفي جانب المشبَّه به المسؤولية واكتُفي بما ذكر في كل موضع عما تُرك في الموضع الآخر كما ذكر في قوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يونس، الآية 107] وقد جُوِّز أن تكون (ما) موصولةً على أن العائد محذوفٌ أي كالسؤال الذي سُئِله موسى عليه السلام. وقوله تعالى: {مِن قَبْلُ} متعلِّقٌ بسُئِل جيءَ به للتأكيد، وقرىء سِيل بالياء وكسر السين وبتسهيل الهمزة بـين بـين {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ} أي يخترْه ويأخذْه لنفسه {بِٱلإيمَـٰنِ} بمقابَلتِه بدلاً منه وقرىء ومن يُبْدلْ من أَبدل وكان مقتضىٰ الظاهر أن يقال: ومن يفعلْ ذلك أي السؤالَ المذكورَ أو إرادتَه وحاصلُه ومن يترُكِ الثقةَ بالآيات البـينةِ المنْزلةِ بحسب المصالحِ التي من جملتها الآياتُ الناسخةُ التي هي خيرٌ محضٌ وحقٌّ بحتٌ واقترح غيرَها {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ ٱلسَّبِيلِ} أي عدَلَ وجارَ من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصِل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تيه الهوىٰ وتردىٰ في مهاوي الردىٰ. وإنما أوُثر على ذلك ما عليه النظمُ الكريمُ للتصريح من أول الأمرِ بأنه كفرٌ وارتدادٌ وأن كونَه كذلك أمرٌ واضح غنيٌ عن الإخبار به بأن يقال: ومن يفعلْ ذلك يكفُرْ، حقيقٌ بأن يُعدَّ من المسلّمات ويُجعلَ مقدَّماً للشرْطية رَوْماً للمبالغة في الزجر والإفراط في الردع، و(سواءَ السبـيل) من باب إضافةِ الوصفِ إلى الموصوف لقصد المبالغة في بـيان قوة الاتصافِ كأنه نفسُ السواءِ على منهاج حصولِ الصورة في الصورة الحاصلة، وقيل: الخطابُ لليهود حين سألوا أن يُنزِّل الله عليهم كتاباً من السماء وقيل للمشركين حين قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا} الخ فإضافةُ الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم على القولين باعتبار أنهم من أمة الدعوةِ، ومعنى تبدّلِ الكفر بالإيمان وهم بمعزل من الإيمان تركُ صَرْفِ قدرتِهم إليه مع تمكنِّهم من ذلك وإيثارُهم للكفر عليه.

القشيري

تفسير : إنَّ بني إسرائيل آذَوْا موسى عليه السلام، فنُهِيَ المسلمون عن فِعْل ما أسلفوه، وأُمِروا بمراعاة أن حشمة الرسول صلى الله عليه وسلم بغاية ما يتسع في الإمكان. فكانوا بحضرته كأنَّ على رؤوسهم الطير. قال تعالى: {أية : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} تفسير : [الفتح: 9] وحسنُ الأدب - في الظاهر - عنوانُ حسن الأدب مع الله في الباطن.

اسماعيل حقي

تفسير : {ام تريدون} ام معادلة للهمزة فى ألم تعلم اى ألم تعلموا انه مالك الامور وقادر على الاشياء كلها يأمر وينهى كما اراد ام تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام والمراد توصية المسلمين بالثقة به وترك الاقتراح عليه وهو المفاجأة بالسؤال من غير روية وفكر {ان تسئلوا} وانتم مؤمنون {رسولكم} وهو فى تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما تشتهون غير واثقين باموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضية علمكم بشؤونه تعالى قيل لعلهم كانوا يطلبون منه عليه السلام بيان تفاصيل الحكم الداعية الى النسخ {كما سئل موسى} مصدر تشبيهى اى نعت لمصدر مؤكد محذوف وما مصدرية اى سؤالا مشبها بسؤال موسى عليه السلام حيث قيل له اجعل لنا الها وارنا الله جهرة وغير ذلك {من قبل} اى من قبل محمد صلى الله عليه وسلم متعلق بسئل جيئ به للتأكيد {ومن يتبدل الكفر} اى يختره ويأخذه لنفسه {بالايمان} بمقابتله بدلا منه وحاصله ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التى من جملتها الآيات الناسخة التى هى خير محض وحق بحت واقترح غيرها {فقد ضل} اى عدل وحار من حيث لا يدرى {سواء السبيل} عن الطريق المستقيم الموصل الى معالم الحق والهدى وتاه فى تيه الهوى وتردى فى مهاوى الردى. وسواء السبيل وسط الطريق السوى الذى هو بين الغلو والتقصير وهو الحق واكثر المفسرين على ان سبب نزول الآية ان اليهود قالوا يا محمد ائتنا بكتاب الله جملة كما جاء موسى بالتوراة جملة فنزلت كما قال {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء} تفسير : [النساء: 153]الى قوله {أية : جهرة} تفسير : [النساء: 153]. فالمخاطبون بقوله ام تريدون هم اليهود واضافة الرسول اليهم فى قوله رسولكم باعتبار انهم من امة الدعوة ومعنى تبدل الكفر بالايمان ترك صرف قدرتهم اليه مع تمكنه من ذلك وايثارهم للكفر عليه. قال الامام وهذا اصح لان الآية مدنية ولان هذه السورة من اول قوله {أية : يا بنى إسرائيل أذكروا نعمتى} تفسير : [البقرة: 47]. حكاية عنهم ومحاجة معهم. وفى الآية اشارة الى حفظ الآداب فمن لم يتأدب بين يدى مولاه ورسوله وخلفائه فقد تعرض للكفر وحقيقة الادب اجتماع خصال الخير وعن النبى عليه السلام قال "حديث : حق الولد على والده ان يحسن اسمه ويحسن مرضعه ويحسن ادبه فانه مسؤل عنه يوم القيامة ومؤاخذ بالتقصير فيه ". تفسير : قال فى بستان العارفين مثل الايمان مثل بلدة لها خمسة من الحصون الاول من ذهب والثانى من فضة والثالث من حديد والرابع من حبوكل والخامس من لبن فما دام اهل الحصن يتعاهدون الحصن الذى من اللبن فالعدو لا يبلغ فيهم فاذا تركوا التعاهد حتى خرب الحصن الاول طمع فى الثانى ثم فى الثالث حتى خرب الحصون كلها فكذلك الايمان فى خمسة من الحصون اولها اليقين ثم الاخلاص ثم اداء الفرائض ثم اتمام السنن ثم حفظ الادب فما دام يحفظ الادب ويتعاهده فان الشيطان لا يطمع فيه فاذا ترك الادب طمع فى السنن ثم فى الفرائض ثم فى الاخلاص ثم فى اليقين وينبغى ان يحفظ الادب فى جميع اموره من امر الوضوء والصلاة والبيع والشراء والصحبة وغير ذلك. واعلم ان الشريعة هى الاحكام والطريقة هى الادب وانما رد من رد لعدم رعاية الادب كابليس وغيره من المردودين كما قيل شعر : بى ادب مرد كى مهتر كرجه اورا جلالت نسبست با ادب باش تابزرك شِوى كه بزركى نتيجه ادبست تفسير : وسئل ابن سيرين اى الادب اقرب الى الله فقال معرفة ربوبيته والعمل بطاعته والحمد على السراء والصبر على الضراء انتهى كلامه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أم} للإضراب بمعنى بل؛ وهو على قسمين: إما إضراب عن المعنى السابق، أو لفظه فقط كما هنا، انظر تفسير ابن عطية، وإضافة الرسول إليهم باعتبار ما في نفس الأمر. وهو نص في إرساله إليهم كما أرسل إلى غيرهم. والضلال: التلف. و {سواء السبيل}: وسط الطريق. يقول الحقّ جلّ جلاله: أتريدون يا معشر اليهود أن قترحوا على نبيكم الذي أرسلت إليكم، وإلى كافة الخلق من غيركم الآيات، وتسألوه أن يريكم المعجزات، كما سألتم موسى من قبل فقلتم:{أية : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [النِّساء: 153] تشغيباً وتعنتاً، وأبيتم عن الإيمان، واستبدلتموه بالكفر والعصيان، {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} فقد تلف عن طريق الحق والسداد، ومأواه جهنم وبئس المهاد. الإشارة: لا يُشترط في الولي ظهور الكرامة، وإنما يشترط فيه كمال الاستقامة، ولا يشترط فيه أيضً هداية الخلق على يديه؛ إذ لم يكن ذلك للنبيّ فكيف يكون للولي؟ قال تعالى:{أية : أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}تفسير : [يُونس: 99] وقد سَرَى في طبع العوام ما سَرَى في طبع الكفار، قالوا:{أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً}تفسير : [الإسرَاء: 90] الآية. فكثير من العوام لا يقرون الولي حتى يروا له آية أو كرامة، مع أن الولي كلما رسخت قدمه في المعرفة قلَّ ظهور الكرامة على يديه؛ لأن الكرامة إنما هي معونة وتأييد وزيادة إيقان. والجبل الراسي لا يحتاج إلى عماد. والحق هو ما قاله الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: (وإنهما كرامتان جامعتان محيطتان: كرامة الإيمان بمزيد الإيقان على نعت الشهود والعيان، وكرامة العمل على السنة والمتابعة، ومجانبة الدعاوى والمخادعة، فمن أُعْطِيَهُمَا ثم اشتاق إلى غيرهما فهو مفتر كذاب، أو ذو خطأ في العلم والفهم، كمن أكرم بشهود الملك على نعت الرضى والكرامة، ثم جعل يشتاق إلى سياسة الدوام وخِلَعِ الرضا) أو كما قال رضي الله عنه. وقال شيخنا رضي الله عنه: (الكرامة الحقيقية هي الأخلاق النبوية والعلوم اللدنية). فمن أنكر أولياء أهل زمانه وطلب منهم الدليل غير ما تقدم فقد ضلّ سواء السبيل، وبقي مربوطاً في سجن البرهان والدليل. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : سبب النزول: اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فروي عن ابن عباس أنه قال: قال رافع بن خزيمة، ووهب بن زيد لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) إئتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، وفجرّ لنا انهارا، نتبعك ونصدقك، فانزل الله في ذلك من قولهما {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل} وقال الحسن عنى بذلك المشركين من العرب لما سألوه فقالوا {أية : أو تأتي بالله والملائكة قبيلا }تفسير : وقالوا: {أية : أو نرى ربنا } تفسير : وقال السدي: سالت العرب محمداً (صلى الله عليه وسلم) أن ياتيهم بالله فيروه جهرة. وقال مجاهد: سألت قريش محمداً أن يجعل لهم الصفا ذهباً. فقال نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل. فأبوا ورجعوا. وقال ابو علي: روي ان النبي (صلى الله عليه وسلم) سأله قومه ان يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات انواط وهي شجرة كانوا يعبدونها، ويعلقون عليها التمر، وغيره من الماكولات. كما سألوا موسى {أية : اجعل لنا إلها كما لهم إلهة}تفسير : ومعنى "أم" في قوله: {أم تريدون} التوبيخ وإن كان لفظها لفظ الاستفهام كقوله تعالى {أية : كيف تكفرون بالله}. تفسير : اللغة: وأم على ضربين: متصلة، ومنفصلة: فالمتصلة عديلة الالف وهي مفرقة لما جمعته اي. كما ان او مفرقة لما جمعته احد تقول: اضرب ايهم شئت أزيدا ام عمراً ام بكرا. والمنفصلة غير المعادلة لألف الاستفهام قبلها لا يكون الا بعد كلام، لانها بمعنى بل والالف كقول العرب: إنها لابل ام شاة كانه قال: بل شاة هي. ومنه قوله: {أية : الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين. أم يقولون افتراه } تفسير : كانه قال: بل يقولون: افتراه. وكذلك {أم تريدون} كانه قيل: بل تريدون وقال الاخطل. شعر : كذبتك عينك ام رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا تفسير : وقال الفراء: إن شئت قلت قبله استفهام فترده عليه. وهو قوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} وقال الرماني في هذا بعد أن تكون على المعادلة ولا بد ان يقدر له أم تعلمون خلاف ذلك "فتسألون رسولكم كما سئل موسى من قبل" والمعنى أنهم يتخيرون الايات ويسالون المحالات. كما سئل موسى، فقالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} وقالوا {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } تفسير : وهذا الوجه اختاره البلخي والمغربي وحكي عن بعضهم أن ذلك عطف على قوله: {أية : افتؤمنون ببعض الكتاب}تفسير : وقيل ايضاً لما قيل لهم قولوا: {أية : انظرنا واسمعوا } تفسير : كان تقدير الكلام فهل تعقلون هذا ام تريدون ان تسألوا رسولكم. وقوله: {سواء السبيل} معناه قصد الطريق ـ على قول الحسن ـ وسواء بالمد تكون على ثلاثة اوجه بمعنى قصد وعدل، وبمعنى وسط. كقوله: {أية : خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم } تفسير : وقوله: {أية : فاطّلع فرآه في سواء الجحيم} تفسير : اي وسطها قال حسان: شعر : يا ويح انصار النبي ونسله بعد المغيب في سواء الملحد تفسير : وتكون بمعنى غير كقولك للرجل اتيت سواك أي غيرك. ومعنى ضل ها هنا الذهاب عن الاستقامة قال الاخطل: شعر : كنت القذى في موج اكدر مزبد قذف الأتي به فضل ضلالا تفسير : أي ذهبت يمينا وشمالا والسبيل والطريق والمذهب نظائر ويقال: اسبل اسبالا وسبله تسبيلا. والسبيل يذكر ويؤنث، والجمع السبل. والسابلة: المختلفة في الطرقات في حوائجهم، والجمع السوابل. وسبل سابل كقولهم شعر شاعر. والسبلة ما على الشفة العليا من الشعر بجمع الشاربين وما بينهما والسبل المطر المسبل والمسبولة هي سنبلة الذرة والارز ونحوه اذا مالت ويقال للزرع اذا سنبله: سنبلة ويقال اسبلت اسبالاً: اذا ارخيته. واسبل الرجل ازاره: اذا ارخاه من الخيلاء قال الشاعر: شعر : واسبل اليوم من برديك اسبالا تفسير : وأصل الباب الاسبال: وهو الحد. والسؤال: هو الطلب ممن يعلم معنى الطلب أمراً من الامور. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها والتعلق بينهما انه لما دل الله بما تقدم من الآيات على تدبير الله لهم فيما ياتي به من الآيات وما ينسخه فكانه قال: ام لا ترضون بذلك فتخيروا الآيات وتسألوا المحالات {كما سئل موسى} لأن الله تعالى انما يأتي بالآيات على ما يعلم فيها من المصلحة، فاذا اتى بآية تقوم بها الحجة فليس لاحد الاعتراض عليها، ولا له اقتراح غيرها. لانه تعنت اذ قد صح البرهان بها. وقوله: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} معناه من يستبدل الكفر يعني الجحود بالله وباياته بالتصديق بالله وبايآياته وبالاقرار به. وقال بعضهم عبر بالكفر ها هنا عن الشدة وبالايمان عن الرخاء وهذا غير معروف في اللغة ولا العرف الا ان يراد بذلك الثواب والعقاب اللذان يستحقان عليهما فيكون له وجه في التنزيل.

الجنابذي

تفسير : {أَمْ تُرِيدُونَ} ام معادلة لهمزة {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، و {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؛ تأكيد له او بدل عنه بدلاً تفصيليّاً والاتيان بخطاب الجمع فى قوله {وما لكم} و{تريدون} يدلّ على انّ الخطاب فى الم تعلم لمحمّد (ص) والمقصود هو وامّته اختصّ بالخطاب لكونه أشرف وأصلاً، او الخطاب لغير معيّن حتّى يفيد العموم البدلىّ ويوافق المعاد لان فى المسند اليه والمعنى الم تعلموا أنّ الله على كلّ شيءٍ قدير الم تعلموا انّ الله مالك الكلّ والمالك يتصرّف فى ملكه كيف يشاء، ام تعلمون ذلك وتريدون {أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ} وتحاجّوه عالمين عامدين {كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} فأخذت السّائلين الصّاعقة فأهلكوا وفيه تهديدٌ لهم بمثل العقوبة الّتى عوقبت بها أصحاب موسى (ع) حيث قالوا: {أية : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [البقرة: 55] {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ} بعد العلم الّذى من شأنه ان يكون صاحبه مقرّاً مؤمناً او بعد جواب الرّسول له انّ ما سأله لا يصلح اقتراحه، او بعد ما أظهره الله له ما اقترح، او بعد ما شاهد آيات الرّسول والجملة حالٌ او عطفٌ على جملة ما ننسخ من آيةٍ {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} يعنى انّ الآخذ للكفر بعد ما ذكر كأنّه كان على السّبيل المستوى وضلّ عنه ولذا استعمل التّبدّل الّذى يشعر بأنّه كان على الايمان او مشرفاً على الايمان فتركه وأخذ الكفر.

الهواري

تفسير : قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ} ذكر بعض المفسِّرين أنه قال: كان الذي سألوا موسى من قبل أن قالوا: (أية : أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً)تفسير : [النساء:153]. قال الحسن: وقد سألوا ذلك النبي عليه السلام فقالوا: (أية : أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ والمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً) تفسير : [الإِسراء:92]، وقالوا: (أية : لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) تفسير : [الفرقان:21]. قوله: {وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإِيمَانِ} أي: ومن يقل ذلك فقد بدّل الكفر بالإِيمان، يعني تبدّل اليهودية والنصرانية بالإِسلام. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} أي قصد الطريق. قوله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم} يعني من لم يؤمن منهم. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ} أي: أن محمداً رسول الله وأن دينه الحق {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْْءٍ قَدِيرٍ}. قال بعض المفسرين: نزلت قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب، ثم أنزل الله بعد ذلك سورة براءة فأتى بها بأمره فقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ}. وذلك أن أهل الكتاب لا يُقِرّون أن الناس يُبعثون في أجسادهم ويقولون: إنما تبعث الأرواح في غير أجساد. قال: {وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ} ـ أي الإِسلام ـ (أية : مِنَ الِّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) تفسير : [التوبة:29]. قال بعض المفسرين: أمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية.

اطفيش

تفسير : {أَمْ تُرِيدُونَ}: بل تريدون، أو بل أتريدون، أم منقطعة للانتقال، أو للانتقال والاستفهام التوبيخى، ويجوز أن تكون متصلة عاطفة على {ألم تعلم} الأول والثانى، أى انتفى عنك علم بقدرة الله على كل شئ، وقد ملك كل شئ، أم تريدون سؤال رسولكم وقد علمتم بذلك، وهذا على أن الخطاب فى {ألم تعلم} لمنكرى النسخ أو الكفار مطلقاً، قيل: نزلت هذه الآية فى اليهود إذ قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من الله جملة كما أتى موسى بالتوراة جملة، فالخطاب لليهود فى عصره، صلى الله عليه وسلم، وكأنه قيل أم تريدون يا معشر اليهود أن تسألوا رسولكم محمداً كما سأل آباؤكم رسولهم موسى وأضاف الرسول إليهم لأنهُ أرسل إليهم وإلى كل أحد، وقيل: الخطاب لكفار قريش: {أية : قالوا لن نؤمن لك حتى} {أية : تأتى بالله والملائكة قبيلا...} تفسير : إلخ فنزل أم تريدون: {أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ}: أى محمداً الذى أرسل إليكم وهو منكم وإلى غيركم. {كَمَا سُئِلَ موسَى}: أى كما سأل اليهود رسولهم موسى. {مِنْ قبْلُ}: من قبله أو من قبل سؤالكم إياه، وعن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ سأل رافع بن خزيمة اليهودى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تفجير عيون وغير ذلك، فنزلت الآية، وهكذا كما قيل إن اليهود سألوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا لن نؤمن لك حتى تأتى بالله والملائكة قبيلا، فنزلت الآية. وكما قال أبو العالية نزلت لما قال المشركون: {أية : ولن نؤمن لرقيِّك حتى تنزِّل علينا كتابا نقرؤه} تفسير : فقيل: نزلت لما قال بعض الصحابة: ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بنى إسرائيل فى تعجيل العقوبة فى الدنيا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أعطاكم الله خيراً مما أعطى بنى إسرائيل وتلا قوله تعالى: {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما}. تفسير : وفى رواية عن ابن عباس: نزلت فى المشركين، وزعم بعض أنها فى اليهود، ولو كان الخطاب للمسلمين، وأن الجمهور على أن الخطاب للمسلمين وسؤال موسى هو قولهم: {أية : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} تفسير : وقولهم: {أية : أرنا الله جهرة}تفسير : وغير ذلك. وقيل سأله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهل مكة أن يوسع مكة ويجعل الصفا ذهباً. والآية أمر بالثقة بما يقول لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وترك طلبه بما يزعمون أنه يعجز عنه ويظنون أنه احتجاج عليه. {ومَنْ يَتَبدَّل الكُفْرَ بالإيمان}: يأخذ الكفر بدل الإيمان بعد ما اتضحت دلائل الإيمان وترك النظر فيها، وشك فيه حتى كان يطلب إليه دلائل أخرى كالرقى للسماء وتفجير الينبوع، وقرئ ومن يبدل (بمثناة تحت مضمومة، فباء موحدة ساكنة، فدال مكسورة خفيفة). ويحتمل أن يكون المراد من يتبدل اليهودية أو النصرانية بالإيمان، والوجه الأولى المعمم فى الكفر أولى. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبيل}: أى أخطأ السبيل السواء، أو فقده فلتضمن ضل معنى أخطأ وفقد تعدى لنفسه، والسواء الوسط، والشئ الواسط هو الأفضل، وإضافة سواء إضافة صفة لموصوف والمراد بالسبيل الدين الحق، ولا تجده إلا دين الإسلام، ولك أن تقول: المراد جنس السبل الشاملة له ولأديان الكفر، فتكون الإضافة للتبعيض، والمعنى خير السبل، والآية فى الكفار مطلقاً، وقيل فى اليهود والنصارى كما مر القولان. وقيل فى المؤمنين أعلمهم الله أن اليهود أهل غش وحسد، وأنهم يتمنون للمؤمنين المكاره فنهاهم الله أن يقبلوا من اليهودية شيئا ينصحونهم به فى الظاهر، وأخبرهم أن من ارتد عن دينه فقد أخطأ قصد السبيل، والقصد والسواء والوسط من كل شئ أفضله، أو ما لم يكن طرفا، قال حسان بن ثابت مرثيا للنبى صلى الله عليه وسلم: شعر : يا ويح أنصار النبى ورهطه بعد المغيب فى سواء الملحد تفسير : والله أعلم. روى حديث : أن فنحاص بن عازر وزيد بن قيس اليهوديين ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمانى، وعمار بن ياسر ـ رحمهما الله ـ بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا. فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، فقال: إنى عاهدت ألا أكفر بمحمد، صلى الله عليه وسلم، ما عشت. فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: أما أنا فقد رضيت بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانا. ثم أتيا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبراه بذلك فقال: أصبتما الخير وأفلحتما تفسير : فأنزل الله سبحانه وتعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ...}

اطفيش

تفسير : {أمْ} بل أتريدون، وهو إضراب انتقال عن قصة، لا إبطال {تُرِيدُونَ} يا معشر العرب، وغيرهم كاليهود {تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ} أعلمهم أنه رسول للعرب واليهود وغيرهم، أما العرب فسألوه، أن يوسع أرض مكة بإذهاب الجبال عنها للحرث والنزهة، وأن يجعل الصفا ذهباً، ويبعث قُصَيّاً يخبرهم أنه نبى، قال السدى: وأن يروا الله جهرة، قال: نعم، على أنه لكم كالمائدة لبنى إسرائيل فقال ابن أبى العالية، أن تكون كفارانا ككفارات بنى إسرائيل، فقال: كفاراتكم خير، الاستغفار، والصلوات، والجمعة، وكفاراتهم خزى، فإن لم يكفروها نفى الآخرة، ومن ذلك قول رافع بن خزيمة، إن كنت رسولا فليكلمنا الله لنسمع كلامه، وقال عبدالله بن أمية المخزومى فى رهط من قريش: ما أومن بك حتى تفجر: إلى قوله: نقرؤه، وقال بقية الرهط، فائتنا بكتاب جملة مكتوب كالتوراة، وأما اليهود فسألوه، أن يأتى بالكتاب جملة كالتوراة، وأن يأتى بالله والملائكة قبيلا، ونحو ذلك {كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} سأله اليهود أن يريهم الله جهرة، وأن يجعل لهم إلهاً كما جعل قوم لأنفسهم آلهة، ونحو ذلك {وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَٰنِ} يأخذ الشرك والكبائر بدل التوحيد، والإيمان بترك التفكر فيما أنزل الله، وطلب آيات أخر تعنتاً {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءً} أى عن سواء، أو أخطأ سواء {السَّبِيل} أى السبيل السواء، أى المعتدل، وهو الحق، قيل قوله {ومن يتبدل الكفر بالإيمان}. إلخ يدل على أن الخطاب فى قوله تعالى: ألم تعلم، وما لكم، وأم تريدون للمؤمنين، لأن هذا لا يصح إلا فى المؤمنين، لأنهم آمنوا، فنهوا أن يبدلوه بالكفر، قلت: لا يتعين هذا، لجواز أن يكون معنى التبدل إعراض الكفرة عن التوحيد والإيمان، واستدل على أن الخطاب فى ذلك كله للمؤمنين، بأن قوله {أم تريدون} عطف على "أية : لا تقولوا راعنا" تفسير : [البقرة: 104] قلت: لا يتعين لجواز أن تكون أم حرف ابتداء للإضراب كما مر، ولا داعى إلى تقدير، أتفعلون ما أمرتم من السمع، وقول، انظرنا، أم تريدون، واستدل على أن الخطاب للمؤمنين بأنهم كانوا يسألونه صلى الله عليه وسلم عما لا خير فيه، كما سأل اليهود موسى عليه السلام، كما روى أنهم قالوا، اجعل لنا ذات أنواط، كما أن للمشركين ذات أنواط، شجرة يعبدونها، ويعلقون عليها سلاحهم ومأكولهم ومشروبهم، إلا أنهم لم يريدوا أن يعبدوها، فقال: الله أكبر، هذا كما قال لأخي موسى قومه اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، والذى نفسى بيده لتركبن سَنن من قبلكم، حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة إن كان فيهم من أتى أمه يكن فيكم، أفلا أدرى أتعبدون العجل أم لا. واختار بعض أن الخطاب لليهود، لأن الكلام فيهم من قوله يا بنى إسرائيل، اذكروا.

الالوسي

تفسير : /{أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} جوّز في {أَمْ} هذه أن تكون متصلة، وأن تكون منقطعة، فإن قدر (تعلمون) قبل {تُرِيدُونَ} بناء على دلالة السباق وهو {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ }تفسير : [البقرة: 106] والسياق وهو الاقتراح فإنه لا يكون إلا عند التعنت ـ والعلم ـ بخلافه كانت متصلة، كأنه قيل: أي الأمرين من عدم العلم بما تقدم، أو العلم مع الاقتراح واقع، والاستفهام حينئذ للإنكار بمعنى لا ينبغي أن يكون شيء منهما، وإن لم يقدر كانت منقطعة للإضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم كاقتراح اليهود إنكاراً عليهم بأنه لا ينبغي أن يقع أيضاً وقطع بعضهم بالقطع بناء على دخول الرسول صلى الله عليه وسلم في الخطاب أو لا، وعدم دخوله فيه هنا لأنه مقترح عليه لا مقترح ـ وذلك مخل بالاتصال ـ وأجيب بأنه غير مخل به لحصوله بالنسبة إلى المقصد، وإرادة الرسول صلى الله عليه وسلم في الأول كانت لمجرد التصوير والانتقال لما قدمنا أنها بطريق الكناية، والمراد ـ على التقديرين ـ توصيته المسلمين بالثقة برسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك الاقتراح بعد رد طعن المشركين أو اليهود في ـ النسخ ـ فكأنه قيل: لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينة واقتراح غيرها فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة حتى كأنهم بصدد الإرادة فنهوا عنها ـ فضلاً عن السؤال ـ يعني من شأن العاقل أن لا يتصدى لإرادة ذلك، ولم يقل سبحانه: كما سأل أمة موسى عليه السلام أو اليهود للإشارة إلى أن من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره ـ ولا يقتضي سابقية وقوع الاقتراح منهم ـ ولا يتوقف مضمون الآية عليه إذ التوصية لا تقتضي سابقية الوقوع، كيف وهو كفر ـ كما يدل عليه ما بعد ـ ولا يكاد يقع من المؤمن، ومما ذكرنا يظهر وجه ذكر هذه الآية بعد قوله تعالى: {أية : مَا نَنسَخْ } تفسير : [البقرة: 106] فإن المقصد من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها، وأما بيانه بأنه لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام بيان تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ فلذا أردفت آية النسخ بذلك فأراه إلى التمني أقرب. وقد ذكر بعض المفسرين أنهم اقترحوا على الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ }تفسير : [الأعراف: 138] حديث : والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم، فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟» تفسير : وهو مع الحاجة إليه يستدعي أن المخاطب في الآيات هم المؤمنون، والسباق والسياق والتذييل تشهد له، وعليه يترجح الاتصال ـ لما نقل عن الرضى ـ أن الفعليتين إذا اشتركتا في الفاعل نحو أقمت أم قعدت؟ ـ فأم ـ متصلة؛ وزعم قوم أن المخاطب بها اليهود، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزل عليهم كتاب من السماء جملة ـ كما نزلت التوراة على موسى عليه السلام ـ وخاطبهم بذلك بعد رد طعنهم تهديداً لهم، وحينئذ يكون المضارع الآتي بمعنى الماضي، إلا أنه عبر به عنه إحضاراً للصورة الشنيعة، واختار هذا الإمام الرازي وقال: إنه الأصح لأن هذه سورة من أول قوله تعالى: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } تفسير : [البقرة: 40] حكاية عن اليهود ومحاجة معهم، ولأنه جرى ذكرهم وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلاً به الكفر بالإيمان ولا يخفى ما فيه، وكأنه رحمه الله تعالى نسي قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا }تفسير : [البقرة: 104] وقيل: إن المخاطب أهل مكة، وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد روي عنه أن الآية نزلت في عبد الله بن أمية ورهط من قريش قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة، وفجر لنا الأنهار خلالها تفجيراً ونؤمن لك. وحكي في سبب النزول غير/ ذلك، ولا مانع ـ كما في «البحر» ـ من جعل الكل أسباباً، وعلى الخلاف في المخاطبين يجيء الكلام في (رسولكم) فإن كانوا المؤمنين فالإضافة على ما في نفس الأمر وما أقروا به من رسالته صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا غيرهم فهي على ما في نفس الأمر دون الإقرار. و(ما) مصدرية، والمشهور أن المجرور نعت لمصدر محذوف ـ أي سؤالاً كما ـ ورأى سيبويه أنه في موضع نصب على الحال، والتقدير عنده أن تسألوه أي السؤال كما وأجاز الحوفي أن تكون (ما) موصولة في موضع المفعول به لتسألوا أي كالأشياء التي سألها موسى عليه السلام قبل وهو الأنسب لأن الإنكار عليهم إنما هو لفساد المقترحات، وكونها في العاقبة وبالاً عليهم ـ وفيه نظر ـ لأن المشبه {أَن تَسْأَلُواْ} وهو مصدر، فالظاهر أن المشبه به كذلك، وقبح السؤال إنما هو لقبح المسؤول عنه، بل قد يكون السؤال نفسه قبيحاً في بعض الحالات مع أن المصدرية لا تحتاج إلى تقدير رابط ـ فهو أولى ـ و {مِن قَبْلُ} متعلق بسئل وجيء به للتأكيد. وقرأ الحسن وأبو السمال (سيل) ـ بسين مكسورة وياء ـ وأبو جعفر والزهري، ـ بإشمام السين الضم وياء ـ وبعضهم بتسهيل ـ الهمزة ـ بين بين ـ وضم السين ـ. {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ} جملة مستقلة مشتملة على حكم كلي أخرجت مخرج المثل جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله: {أَمْ تُرِيدُونَ} الخ معطوفة عليه، فهي تذييل له باعتبار أن المقترحين الشاكين من جملة ـ الضالين الطريق المستقيم المتبدلين ـ و(سواء) بمعنى وسط أو مستوى، والإضافة من باب إضافة الوصف إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصاف كأنه نفس ـ السواء ـ على منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة ـ والفاء ـ رابطة وما بعدها لا يصح أن يكون جزاء الشرط لأن ضلال الطريق المستقيم متقدم على ـ الاستبدال ـ والارتداد لا يترتب عليه، ولأن الجزاء إذا كان ماضياً مع (قد) كان باقياً على مضيه لأن (قد) للتحقيق، وما تأكد ورسخ لا ينقلب، ولا يترتب الماضي على المستقبل، ولأن كون الشرط مضارعاً والجزاء ماضياً صورة ضعيف لم يأت في الكتاب العزيز ـ على ما صرح به الرضي وغيره ـ فلا بد من التقدير بأن يقال: ومن يتبدل الكفر بالإيمان فالسبب فيه أنه تركه، ويؤل المعنى إلى أن ضلال الطريق المستقيم ـ وهو الكفر الصريح في الآيات ـ سبب للتبديل والارتداد. وفسر بعضهم ـ التبدل ـ المذكور بترك الثقة بالآيات باعتبار كونه لازماً له فيكون كناية عنه، وحاصل الآية حينئذ ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض، وحق بحت واقترح غيرها فقد عدل وجار من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تيه الهوى، وتردى في مهاوي الردى، واختار ما في النظم الكريم إيذاناً من أول الأمر على أبلغ وجه بأن ذلك كفر وارتداد، ولعل ما أشرنا إليه أولى كما لا يخفى على المتدبر، وقرىء {وَمَن يُبَدّلْ} من ـ أبدل ـ وإدغام ـ الدال في الضاد ـ والإظهار قراءتان مشهورتان.

ابن عاشور

تفسير : (أم) حرف عطف مختص بالاستفهام وما في معناه وهو التسوية فإذا عطفت أحد مفرديْنِ مستفهماً عن تعيين أحدهما استفهاماً حقيقياً أو مسوَّى بينهما في احتمال الحصول فهي بمعنى (أو) العاطفة ويسميها النحاة متصلة، وإذا وقعت عاطفة جملةً دلت على انتقال من الكلام السابق إلى استفهام فتكون بمعنى بل الانتقالية ويسميها النحاة منقطعة والاستفهام ملازم لما بعدها في الحالين. وهي هنا منقطعة لا محالة لأن الاستفهامين اللذين قبلها في معنى الخبر لأنهما للتقرير كما تقدم إلا أن وقوعهما في صورة الاستفهام ولو للتقرير يحسن موقع (أم) بعدهما كما هو الغالب والاستفهام الذي بعدهما هنا إنكار وتحذير، والمناسبة في هذا الانتقال تامة فإن التقريرالذي قبلها مراد منه التحذير من الغلط وأن يكونوا كمن لا يعلم والاستفهام الذي بعدها مراد منه التحذير كذلك والمحذر منه في الجميع مشترك في كونه من أحوال اليهود المذمومة ولا يصح كون (أم) هنا متصلة لأن الاستفهامين اللذين قبلها ليسا على حقيقتهما لا محالة كما تقدم. وقد جوز القزويني في «الكشف على الكشاف» كون (أم) هنا متصلة بوجه مرجوح وتبعه البيضاوي وتكلفا لذلك مما لايساعد استعمال الكلام العربي، وأفرط عبد الحكيم في «حاشية البيضاوي» فزعم أن حملها على المتصلة أرجح لأنه الأصل لا سيما مع اتحاد فاعل الفعلين المتعاطفين بأم ولدلالته على أنهم إذا سألوا سؤال قوم موسى فقد علموا أن الله على كل شيء قدير وإنما قصدوا التعنت وكان الجميع في غفلة عن عدم صلوحية الاستفهامين السابقين للحمل على حقيقة الاستفهام. وقوله: {تريدون} خطاب للمسلمين لا محالة بقرينة قوله: {رسولكم} وليس كونه كذلك بمرجح كون الخطابين اللذين قبله متوجهين إلى المسلمين لأن انتقال الكلام بعد (أم) المنقطعة يسمح بانتقال الخطاب. وقوله: {تريدون} يؤذن بأن السؤال لم يقع ولكنه ربما جاش في نفوس بعضهم أو ربما أثارته في نفوسهم شبه اليهود في إنكارهم النسخ وإلقائهم شبهة البداء ونحو ذلك مما قد يبعث بعض المسلمين على سؤال النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: {كما سئل موسى} تشبيهٌ وجهُه أن في أسئلة بني إسرائيل موسى كثيراً من الأسئلة التي تفضي بهم إلى الكفر كقولهم: {أية : اجعل لنا إلٰهاً كما لهم آلهة}تفسير : [الأعراف: 138] أو من العجرفة كقولهم: {أية : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}تفسير : [البقرة: 55] فيكون التحذير من تسلسل الأسئلة المفضي إلى مثل ذلك. ويجوز كونه راجعاً إلى أسئلة بني إسرائيل عما لا يعنيهم وعما يجر لهم المشقة كقولهم {أية : ما لونها}تفسير : [البقرة: 69] و{أية : ماهي}تفسير : [البقرة: 7]. قال الفخر: إن المسلمين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور لا خير لهم في البحث عنها ليعلموها كما سأل اليهود موسى اهـ. وقد ذكر غيره أسباباً أخرى للنزول، منها: أن المسلمين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر لما مروا بذات الأنواط التي كانت للمشركين أن يجعل لهم مثلها ونحو هذا مما هو مبني على أخبار ضعيفة، وكل ذلك تكلف لما لا حاجة إليه فإن الآية مسوقة مساق الإنكار التحذيري بدليل قوله: {تريدون} قصداً للوصاية بالثقة بالله ورسوله والوصاية والتحذير لا يقتضيان وقوع الفعل بل يقتضيان عدمه. والمقصود التحذير من تطرق الشك في صلاحية الأحكام المنسوخة قبل نسخها لا في صلاحية الأحكام الناسخة عند وقوعها. وقوله: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} تذييل للتحذير الماضي للدلالة على أن المحذر منه كفر أو يفضي إلى الكفر لأنه ينافي حرمة الرسول والثقة به وبحكم الله تعالى، ويحتمل أن المراد بالكفر أحوال أهل الكفر أي لا تتبدلوا بآدابكم تقلد عوائد أهل الكفر في سؤالهم كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث «الصحيحين»: «حديث : فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» تفسير : وإطلاق الكفر على أحوال أهله وإن لم تكن كفراً شائع في ألفاظ الشريعة وألفاظ السلف كما قالت جميلة بنت عبد الله بن أُبَيَ زوجةُ ثابتِ بن قيس: «إني أكره الكفر» تريد الزنا، فإذن ذكر جملة بعد جملة يؤذن بمناسبة بين الجملتين فإذا لم يكن مدلول الجملتين واضح التناسب علم المخاطب أن هنالك مناسبة يرمز إليها البليغ فهنا تعلم أن الارتداد عن الإيمان إلى الكفر معنى كلي عام يندرج تحته سؤالهم الرسول كما سأل بنو إسرائيل موسى فتكون تلك القضية كفراً وهو المقصود من التذييل المعرف في باب الإطناب بأنه تعقيب الجملة بجملة مشتملة على معناها تتنزل منزلة الحجة على مضمون الجملة وبذلك يحصل تأكيد معنى الجملة الأولى وزيادة فالتذييل ضرب من ضروب الإطناب من حيث يشتمل على تقرير معنى الجملة الأولى ويزيد عليه بفائدة جديدة لها تعلق بفائدة الجملة الأولى. وأبدعه ما أخرج مخرج الأمثال لما فيه من عُموم الحكم ووجيز اللفظ مثل هاته الآية، وقول النابغة:شعر : ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تُلِمُّه على شعَث أيُّ الرجال المهذب تفسير : والمؤكد بجملة: {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} هو مفهوم جملة {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} مفهوم الجملة التي قبلها لا منطوقها فهي كالتذييل الذي في بيت النابغة. والقول في تعدية فعل {يتبدل} مضى عند قوله تعالى: {أية : قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}تفسير : [البقرة: 61]. وقد جعل قوله: {فقد ضل} جواباً لمن الشرطية لأن المراد من الضلال أعظمه وهو الحاصل عقب تبدل الكفر بالإيمان ولا شبهة في كون الجواب مترتباً على الشرط ولا يريبك في ذلك وقوع جواب الشرط فعلاً ماضياً مع أن الشرط إنما هو تعليق على المستقبل ولا اقتران الماضي بقد الدالة على تحقق المضي لأن هذا استعمال عربي جيد يأتون بالجزاء ماضياً لقصد الدلالة على شدة ترتب الجزاء على الشرط وتحقق وقوعه معه حتى إنه عند ما يحصل مضمون الشرط يكون الجزاء قد حصل فكأنه حاصل من قبل الشرط نحو: {أية : ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى}تفسير : [طه: 81] وعلى مثل هذا يحمل كل جزاء جاء ماضياً فإن القرينة عليه أن مضمون الجواب لا يحصل إلا بعد حصول الشرط وهم يجعلون قد علامة على هذا القصد ولهذا قلما خلا جواب ماض لشرط مضارع إلا والجواب مقترن بقد حتى قيل: إن غير ذلك ضرورة ولم يقع في القرآن كما نص عليه الرضي بخلافه مع قد فكثير في القرآن. وقد يجعلون الجزاء ماضياً مريدين أن حصول مضمون الشرط كاشف عن كون مضمون الجزاء قد حصل أو قد تذكره الناس نحو {أية : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل}تفسير : [يوسف: 77] وعليه فيكون تحقيق الجزاء في مثله هو ما يتضمنه الجواب من معنى الانكشاف أو السبق أو غيرهما بحسب المقامات قبل أن يقدر فلا تعجب إذ قد سرق أخ له ويمكن تخريج هذه الآية على ذلك بأن يقدر ومن يتبدل الكفر بالإيمان فالسبب فيه أنه قد كان ضل سواء السبيل حتى وقع في الارتداد كما تقول من وقع في المهواة فقد خبط خبط عشواء إن أريد بالماضي أنه حصل وأريد بالضلال ما حف بالمرتد من الشبهات والخذلان الذي أوصله إلى الارتداد وهو بعيد من غرض الآية. والسواء الوسط من كل شيء قال بلعاء بن قيس:شعر : غَشَّيْتُه وهو في جَأَوَاءَ باسلة عَضْبَاً أصاب سواءَ الرأس فانفلقا تفسير : ووسط الطريق هو الطريق الجادة الواضحة لأنه يكون بين بنيات الطريق التي لا تنتهي إلى الغاية.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ}. لم يبين هنا هذا الذي سئله موسى من قبل ما هو؟ ولكنه بينه في موضع آخر. وذلك في قوله: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] الآية.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَن تَسْأَلُواْ} {كَمَا سُئِلَ} {بِٱلإِيمَانِ} (108) - نَهَى اللهُ المُؤْمِنينَ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ لِلْنَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) عَنِ الأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالاقْتِرَاحِ، كَمَا سَأَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى تَكْذِيباً وَعِنَاداً وَتَعَنُّتاً، فَقَالُوا لَهُ: أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً. وَشَبَّهَ اللهُ حَالَ الذِينَ عَدَلُوا عَنْ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ وَاتِّبَاعِهِمْ، وَالطَّاعَةِ لَهُمْ، إِلىَ مُخَالَفَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ وَالاقتراحِ عَلَيهِمْ بِالأَسْئِلَةِ التِي لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَيها، وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَ ذلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالكُفْرِ، بِحَالِ الذِي خََرَجَ مِنَ الإِيمَانِ إِلَى الكُفْرِ وَالضَّلاَلَةِ، فَضَلَّ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ. (يُروَى فِي سَبَبِ نُزُولِ هذِهِ الآيَةِ أَنَّ رَافِعَ بْنَ خُزَيْمَةَ وَوَهَبَ بْنِ زَيْدٍ قَالاَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : ائْتِنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرِ الأَنْهَارَ نَتْبَعْكَ). السُّؤَالُ - الاقْتِرَاحُ المَقْصُودُ بِهِ التَّعَنُّتُ. بَدَّلَ وَتَبَدَّلَ - جَعَلَ شَيْئاً مَوْضِعَ شَيءٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ثم ينقل الحق جل جلاله المسلمين بعد أن بين لهم أنه وليهم ونصيرهم .. ينقلهم إلى سلوك أهل الكتاب من اليهود مع رسلهم حتى يتفادوا مثل هذا السلوك فيقول جل جلاله: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [البقرة: 108] .. الحق يقول للمؤمنين أم تريدون أن تسألوا رسول الله كما سأل اليهود موسى .. ولم يشأ الحق أن يُشَبِّه المسلمين باليهود فقال: {كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [البقرة: 108] .. وكان من الممكن أن يقول أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل اليهود موسى .. ولكن الله لم يرد أن يشبه اليهود بالمؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهذا تكريم من الله للمؤمنين بأن ينزههم أن يتشبهوا باليهود .. وقد سأل اليهود موسى عليه السلام وقالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَاناً مُّبِيناً} تفسير : [النساء: 153]. وقد سأل أهل الكتاب والكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء: 90]. {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 92-93]. الله تبارك وتعالى يهيب بالمؤمنين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. كما سأله أهل الكتاب والكفار ويقول لهم إن اليهود قد سألوا موسى أكبر من ذلك .. فبعد أن رأوا المعجزات وشق الله البحر لهم .. وعبروا البحر وهم يشاهدون المعجزة فلم تكن خافية عنهم .. بل كانت ظاهرة لهم واضحة .. دالة دلالة دامغة على وجود الله سبحانه وتعالى وعلى عظيم قدراته .. ورغم هذا فإن اليهود قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة .. أي لم تكفهم هذه المعجزات .. وكأنما كانوا بماديتهم يريدون أن يروا في حياتهم الدنيوية من لا تدركه الأبصار .. وبمجرد أن عبروا البحر أرادوا أن يجعل لهم موسى صنماً يعبدونه وعبدوا العجل رغم كل الآيات التي شاهدوها. وقوله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 108] .. قلنا إن الباء في قوله تعالى: "بالإيمان" تدخل دائماً على المتروك .. كأن تقول اشتريت هذا بكذا درهم .. يعني تركت الدراهم وأخذت البضاعة .. ومعناها أن الكفر مأخوذ والإيمان متروك .. فقد أخذ اليهود الكفر وتركوا الإيمان حين قالوا لموسى: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] .. وقوله سبحانه: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 108]. ما هو الضلال؟ .. هو أن تسلك سبيلاً لا يؤدي بك إلى غايتك .. و"سواء السبيل" .. السواء هو الوسط .. و"سواء السبيل" .. هو وسط الطريق .. والله تبارك وتعالى يقول: {أية : فَٱطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55]. أي في وسط الجحيم .. أي أنه يكون بعيداً عن الحافتين بعداً متساوياً .. وسواء الطريق هو وسطه .. والسبيل أو الطريق كان قبل استخدام التكنولوجيا الحديثة تكون أطرافه وَعِرة من جنس الأرض قبل أن تمهد .. أي لا تصلح للسير .. ولذلك فإن السير في وسط الطريق يبعدك عن المتاعب والصعوبات ويريد الله من المؤمنين به أن يسيروا في الطريق الممهد أو في وسط الطريق لأنه أكثر أماناً لهم .. فهم فيه لن يضلوا يميناً ولا يساراً بل يسيروا على منهج الله والإيمان .. وطريق الإيمان دائماً ممهد لا يقودهم إلى الكفر.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} معناهُ وسَطَ السَّبيلِ. والسَّبيلُ: يُذكرُ ويؤنثُ.

الأندلسي

تفسير : و{أَمْ} منقطعة تقدير ببل، والهمزة وهو استفهام على معنى الانكار، وأبرز ذلك في صورة الانكار بصيغة المستقبل وإن كان قد وقع ذلك منهم استبعاداً لوقوعه ولإِرادته. {كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} من نحو قولهم: اجعل لنا إلَهاً لما لهم آلهة ولن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. وما مصدرية في كما. وقرىء: سئل بإِخلاص الضم وبالاشمام وبالياء وبتسهيل الهمزة بين بين وضم السين وبكسرها وبالياء ومن قبل تأكيد لأن سؤال اليهود موسى متقدم. {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ} هذه كناية عن الإِعراض عن الإِيمان والاقبال على الكفر، إذ لم يكن لهم إيمان سابق تبدلوا به الكفر. {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي وسطه واعتداله وأبرز ذلك في صورة الشرط وكأنه لم يقع تنفيراً لهم وتبعيداً عن ذلك. {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} هم اليهود. والكتاب: التوراة. وتقدم الكلام في {لَوْ} عند قوله: يود أحدهم لو يعمر. ومن جعل لِلَوْ جواباً قدره لسروا بذلك أو لفرحوا وقول من قدره لودّوا ذلك مناقض لقوله ودّ ويودّ بمعنى تصير. و{حَسَداً} مفعول من أجله وانتصابه على أنه مصدر لفعله المحذوف أو مصدر في موضع الحال ليس بجيد. {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أي كائناً من عند أنفسهم أي الحامل لهم على الحسد هو أنفسهم الخبيثة الأمارة بالسوء. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} أي كفرهم عناد والحق وضوح رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعجزاته. {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} هذا موادعة. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} من قتالهم وتمكينه منهم ونصره عليهم. ثم أنّس المؤمنين بذكر قدرته على كل شيء وبمخاطبتهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهما قوام الدين.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : ينهى الله المؤمنين، أو اليهود، بأن يسألوا رسولهم { كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ } والمراد بذلك، أسئلة التعنت والاعتراض، كما قال تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنزلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً } . تفسير : وقال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } تفسير : فهذه ونحوها، هي المنهي عنها. وأما سؤال الاسترشاد والتعلم، فهذا محمود قد أمر الله به كما قال تعالى {أية : فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } تفسير : ويقررهم عليه، كما في قوله {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } تفسير : و {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى } تفسير : ونحو ذلك. ولما كانت المسائل المنهي عنها مذمومة، قد تصل بصاحبها إلى الكفر، قال: { وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } . ثم أخبر عن حسد كثير من أهل الكتاب، وأنهم بلغت بهم الحال، أنهم ودوا { لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا } وسعوا في ذلك، وأعملوا المكايد، وكيدهم راجع عليهم [كما] قال تعالى: {أية : وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } تفسير : وهذا من حسدهم الصادر من عند أنفسهم. فأمرهم الله بمقابلة من أساء إليهم غاية الإساءة بالعفو عنهم والصفح حتى يأتي الله بأمره. ثم بعد ذلك، أتى الله بأمره إياهم بالجهاد، فشفى الله أنفس المؤمنين منهم، فقتلوا من قتلوا، واسترقوا من استرقوا، وأجلوا من أجلوا { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } . ثم أمرهم [الله] بالاشتغال في الوقت الحاضر، بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة وفعل كل القربات، ووعدهم أنهم مهما فعلوا من خير، فإنه لا يضيع عند الله، بل يجدونه عنده وافرا موفرا قد حفظه { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } . __________