٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
107
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بجواز النسخ عقبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما حسن منه الأمر والنهي لكونه مالكاً للخلق وهذا هو مذهب أصحابنا وإنه إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكاً للخلق مستولياً عليهم لا لثواب يحصل، أو لعقاب يندفع. قال القفال: ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمر القبلة، فإنه تعالى أخبرهم بأنه مالك السموات والأرض وأن الأمكنة والجهات كلها له وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض إلا من حيث يجعلها هو تعالى له، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستقبال القبلة إنما هو محض التخصيص بالتشريف، فلا مانع يمنع من تغيره من جهة إلى جهة، وأما الولي والنصير فكلاهما فعيل بمعنى فاعل على وجه المبالغة، ومن الناس من استدل بهذه الآية على أن الملك غير القدرة، فقال: إنه تعالى قال أولاً: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ثم قال بعده: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } فلو كان الملك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريراً من غير فائدة، والكلام في حقيقة الملك والقدرة قد تقدم في قوله: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة: 4].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ} جزم بلم، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل؛ وفتحت «أنّ» لأنها في موضع نصب. {لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي بالإيجاد والاختراع، والمُلك والسلطان، ونفوذ الأمر والإرادة. وٱرتفع «مُلْكُ» بالابتداء، والخبر «له» والجملة خبر «أن». والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد أمته؛ لقوله: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. وقيل: المعنى أي قل لهم يا محمد ألم تعلموا أن لله سلطان السموات والأرض وما لكم من دون الله من وَليّ؛ من وَليت أمر فلان، أي قمت به؛ ومنه وليّ العهد، أي القيّم بما عُهد إليه من أمر المسلمين. ومعنى {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} سوى الله وبَعدَ الله؛ كما قال أُمَيّة بن أبي الصَّلْت:شعر : يا نفسُ ما لكِ دونَ الله من واقِ وما على حَدَثانِ الدهر من باقِ تفسير : وقراءة الجماعة {وَلاَ نَصِيرٍ} بالخفض عطفا على «وَلِيّ» ويجوز «ولا نصيرٌ» بالرفع عطفاً على الموضع، لأن المعنى ما لكم من دون الله ولي ولا نصير.
البيضاوي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ} الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته، لقوله: {وَمَا لَكُمْ} وإنما أفرده لأنه أعلمهم، ومبدأ علمهم. {أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو كالدليل على قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } أو على جواز النسخ ولذلك ترك العاطف. {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم، والفرق بين الولي والنصير. أن الولي قد يضعف عن النصرة، والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأّرْضَ } يفعل فيهما ما يشاء {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره {مِنْ } زائدة {وَلِيُّ } يحفظكم {وَلاَ نَصِيرٍ } يمنع عذابه عنكم إن أتاكم؟.
ابن عطية
تفسير : الملك السلطان ونفوذ الأمر والإرادة، وجمع الضمير في {لكم} دال على أن المراد بخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطاب أمته، و"الولي" فعيل من ولي إذا جاور ولحق، فالناصر والمعين والقائم بالأمر والحافظ كلهم مجاور بوجه ما، و"النصير" فعيل من النصر، وهو أشد مبالغة من ناصر. وقوله تعالى: {أم تريدون}: قالت فرقة: {أم} رد على الاستفهام الأول، فهي معادلته. وقالت فرقة {أم} استفهام مقطوع من الأول، كأنه قال: أتريدون، وهذا موجود في كلام العرب. وقالت فرقة: {أم} هنا بمعنى بل وألف الاستفهام، قال مكي وغيره: وهذا يضعف لأن "أم" لا تقع بمعنى بل إلا اعترض المتكلم شك فيما يورده. قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال مكي رحمه الله، لأن "بل" قد تكون للإضراب عن اللفظ الأول لا عن معناه، وإنا يلزم ما قال على أحد معنيي "بل" وهو الإضراب عن اللفظ والمعنى، ونعم ما قال سيبويه: بل هي لترك كلام وأخذ في غيره. وقال أبو العالية: إن هذه الآية نزلت حين قال بعض الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ليت ذنوبنا جرت مجرى ذنوب بني إسرائيل بتعجيل العقوبة في الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد أعطاكم الله خيراً مما أعطى بني إسرائيل. وتلا: {أية : ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً} تفسير : [النساء:110]. قال القاضي أبو محمد: فتجيء إضافة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأمة على هذا حسب الأمر في نفسه وحسب إقرارهم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: إن رافع بن حريملة اليهودي سأل النبي صلى الله عليه وسلم تفجير عيون وغير ذلك، وقيل: إن كفار قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله جهرة، وقيل: سألوه أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً، وقال مجاهد: سألوه أن يرد الصفا ذهباً، فقال لهم: خذوا ذلك كالمائدة لبني إسرائيل، فأبوا ونكصوا. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فتجيء على هذه الأقوال إضافة الرسول إليهم حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم، و {كما سئلَ موسى} عليه السلام هو أن يرى الله جهرة. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وغيره "سِيل" بكسر السين وياء وهي لغة، يقال: سلت أسال، ويحتمل أن يكون من همز أبدل الهمزة ياء على غير قياس ثم كسر السين من أجل الياء، وقرأ بعض القراء بتسهيل الهمزة بين الهمزة والياء مع ضم السين، وكني عن الإعراض عن الإيمان والإقبال على الكفر بالتبدل، وقال أبو العالية: "الكفر هنا الشدة، والإيمان الرخاء". قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، إلا أن يريدهما مستعارتين، أي الشدة على نفسه والرخاء لها عبارة عن العذاب والتنعيم، وأما المتعارف من شدة أمور الدنيا ورخائها فلا تفسر الآية به، و {ضل} أخطأ الطريق، و"السواء" من كل شيء الوسط والمعظم، ومنه قوله تعالى {أية : في سواء الجحيم} تفسير : [الصافات: 55]. وقال عيسى بن عمر: كتبت حتى انقطع سوائي، وقال حسان بن ثابت في رثاء النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكر ابن إسحاق وغيره [الكامل]: شعر : يا ويح أنصار النبيِّ ورهطِهِ بَعْدَ المغيَّبِ في سواءِ الملحدِ تفسير : وقال أبو عبيد: هو في عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو عندي وهم منه، و {السبيل} عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله لعباده، لما كانت كالسبب إلى نيل رحمته كانت كالسبيل إليها. وقوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب}، {كثير} مرتفع بــ {ود}، وهو نعت لنكرة، وحذف الموصوف النكرة قلق، ولكن جاز هنا لأنها صفة متمكنة ترفع الإشكال بمنزلة فريق، قال الزهري عنى بـ {كثير} واحد، وهو كعب بن الأشرف، وهذا تحامل، وقوله تعالى {يردونكم} يرد عليه، وقال ابن عباس: المراد ابنا أخطب، حيي وأبو ياسر. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وفي الضمن الاتباع، فتجيء العبارة متمكنة، و {الكتاب} هنا التوراة، و {لو} هنا بمنزلة "إن" لا تحتاج إلى جواب، وقيل يتقدر جوابها في {ود}، التقدير لو يردونكم لودوا ذلك. قال القاضي أبو محمد: فـ"ود" دالة على الجواب، لأن من شرطه أن يكون متأخراً عن {لو}،و {كفاراً} مفعول ثان، ويحتمل أن يكون حالاً، و {حسداً} مفعول له، وقيل: هو مصدر في موضع الحال. واختلف في تعلق قوله {من عند أنفسهم}: فقيل يتعلق بـ {ود} لأنه بمعنى ودوا، وقيل: يتعلق بقوله {حسداً} فالوقف على قوله {كفاراً}، والمعنى على هذين القولين أنهم لم يجدوا ذلك في كتاب ولا أمروا به فهو من تلقائهم، ولفظة الحسد تعطي هذا، فجاء من عند أنفسهم تأكيداً وإلزاماً، كما قال تعالى: {أية : يقولون بأفواههم} تفسير : [آل عمران: 167]، و {أية : يكتبون الكتاب بأيديهم} تفسير : [البقرة: 79]، {أية : ولا طائر يطير بجناحيه} تفسير : [الأنعام: 38]، وقيل يتعلق بقوله {يردونكم}، فالمعنى أنهم ودوا الرد بزيادة أن يكون من تلقائهم أي بإغوائهم وتزيينهم. واختلف في سبب هذه الآية، فقيل: إن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس، فأراد اليهود صرفهم عن دينهم، فثبتا عليه ونزلت الآية، وقيل: إنما هذه الآية تابعة في المعنى لما تقدم من نهي الله عن متابعة أقوال اليهود في {أية : راعنا} تفسير : [البقرة: 104] وغيره، وأنهم لا يودون أن ينزل خير، ويودون أن يردوا المؤمنين كفاراً. و {الحق}: المراد به في هذه الآية نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وصحة ما المسلمون عليه، وهذه الآية من الظواهر في صحة الكفر عناداً، واختلف أهل السنة في جواز ذلك، والصحيح عندي جوازه غفلاً وبعده وقوعاً، ويترتب في كل آية تقتضيه أن المعرفة تسلب في ثاني حال من العناد، والعفو ترك العقوبة وهو من "عفت الآثار" والصفح الإعراض عن المذنب كأنه يولي صفحة العنق. وقال ابن عباس هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: {أية : قاتلوا الذين لا يؤمنون} تفسير : [التوبة: 29] إلى قوله {أية : صاغرون} تفسير : [التوبة: 29]، وقيل: بقوله {اقتلوا المشركين}، وقال قوم: ليس هذا حد المنسوخ، لأن هذا في نفس الأمر كان التوقيف على مدته. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا على من يجعل الأمر المنتظر أوامر الشرع أو قتل قريظة وإجلاء النضير، وأما من يجعله آجال بني آدم فيترتب النسخ في هذه بعينها، لأنه لا يختلف أن آيات الموادعة المطلقة قد نسخت كلها، والنسخ هو مجيء الأمر في هذه المقيدة، وقيل: مجيء الأمر هو فرض القتال، وقيل: قتل قريظة وإجلاء النضير، وقال أبو عبيدة في هذه الآية: إنها منسوخة بالقتال، لأن كل آية فيها ترك القتال فهي مكية منسوخة. قال القاضي أبو محمد: وحكمه بأن هذه الآية مكية ضعيف، لأن معاندات اليهود إنما كانت بالمدينة، وقوله تعالى: {إن الله على كل شيء قدير} مقتضاه في هذا الموضوع وعد للمؤمنين.
الخازن
تفسير : {ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض} يعني أنه تعالى هو المتصرف في السموات والأرض، وله سلطانهما دون غيره يحكم فيهما وفيما فيهما بما شاء من أمر ونهي ونسخ وتبديل هذا الخبر وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم لكن فيه تكذيب لليهود الذين أنكروا النسخ، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض، وأن الخلق كلهم عبيده وتحت تصرفه يحكم فيهم بما يشاء، وعليهم السمع والطاعة {وما لكم} يعني يا معشر الكفار عند نزول العذاب {من دون الله} أي مما سوى الله {من ولي} أي قريب وصديق، وقيل من وال وهو المقيم بالأمور {ولا نصير} أي ناصر يمنعكم من العذاب وقيل في معنى الآية، وليس لكم أيها المؤمنين بعد الله من قيم يأمركم ولا نصير يؤيدكم، ويقويكم على أعدائكم. قوله عز وجل: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} نزلت في اليهود، وذلك أنهم قالوا يا محمد ائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة، وقيل: إنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً كما سئل قوم موسى فقالوا: أرنا الله جهرة فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى أتريدون وقيل بل تريدون أن تسألوا رسولكم يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {كما سئل موسى من قبل} وذلك أن موسى سأله قومه فقالوا:أرنا الله جهرة ففي الآية منعهم ونهيهم عن السؤالات المقترحة بعد ظهور الدلالات والمعجزات وثبوت الحجج والبراهين على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. {ومن يتبدل} أي يستبدل {الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل} أي أخطأ قصد الطريق، وقيل: إن قوله ومن يتبدل الكفر بالإيمان خطاب للمؤمنين أعلمهم أن اليهود أهل غش وحسد، وأنهم يتمنون للمؤمنين المكاره فنهاهم الله تعالى أن يقبلوا من اليهود شيئاً ينصحونهم به في الظاهر، وأخبرهم أن من ارتد عن دينه فقد أخطأ قصد السبيل.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. مثل قوله تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : والجواب (كالجواب) أنه على تقدير أن يوجد ولي أو ناصر فلا يوجد إلا من هو في أنهى درجات الولاية والنصرة، فنفي ذلك (المعنى) المتوهم المقدر الوجود سواء.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآيةَ: المُلْك السلطانُ، ونفوذُ الأمرِ، والإِرادةِ، وجَمْع الضمير في {لَكُمْ} دالٌ علَىٰ أن المراد بخطاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم خطابُ أمته. وقوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ...} الآيةَ: قال أبو العالية: «حديث : إِن هذه الآية نزلَتْ حين قال بعض الصحابة للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْتَ ذُنُوبَنَا جَرَتْ مَجْرَىٰ ذُنُوبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً مِمَّا أَعْطَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ»»تفسير : ، وتَلاَ: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً }، تفسير : [النساء:110]، وقال ابنُ عَبَّاس: سَبَبُهَا أنَّ رافعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ اليهوديَّ سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم تفجيرَ عُيونٍ، وغير ذلك، وقيل غير هذا، وما سئل موسَىٰ - عليه السلام - هو أَنْ يرى اللَّه جهرةً. وكنى عن الإِعراض عن الإِيمان والإِقبال على الكفر بالتبدُّل، و {ضَلَّ}: أخطأ الطريق، والسواء مِنْ كل شيءٍ الوسَطُ، والمعظَمُ؛ ومنه: {فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} وقال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في رثاء النبيِّ صلى الله عليه وسلم [الكامل]: شعر : يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ تفسير : والسبيلُ: عبارة عن الشريعة التي أنزلها اللَّه تعالَىٰ لعباده.
ابن عادل
تفسير : قال ابن الخطيب: لما حكم بجواز النسخ عَقّبه ببيان أن ملك السموات والأرض له لا لغيره، وهذا هو التنبيه على أنه ـ سبحانه وتعالى ـ إنما حسن [منه الأمر والنهي لكونه مالكاً للخلق، وهذا هو مذهب أصحابنا، وأنه] إنما حسن التكليف منه لمحض كونه مالكاً للخلق مستولياً عليهم لا لثواب يحصل، أو لعقاب يندفع. فقال القفال رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون هذا إشارة إلى أمْر القِبْلَة، فإنه ـ تعالى ـ أخبرهم بأنه ملك السموات والأرض، وأن الأمكنة والجهات كلها له، وأنه ليس بعض الجهات أكبر حرمة من البعض، إلاَّ من حيث يجعلها هو تعالى له، وإذا كان كذلك وكان الأمر باستدلال القِبْلَة إنما هو مَحْضُ التخصيص بالتشريف، فلا مانع يمنع من تغييره من جهة إلى جهة. قوله: "أَلَمْ تعْلَمْ" جزم بـ "لم"، وحروف الاستفهام لا تغير عمل العامل، وقوله: "أَلَمْ تَعْلَمْ" خطاب للنبيّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمراد أمته، لقوله: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. وفي قوله: "مُلْك" وجهان: أحدهما: أنه مبتدأ، وخبره مقدم عليه، والجملة في محلّ رفع خبر لـ "أن". والثاني: أنه مرفوع بالفاعلية، رَفَعَهُ الجار قبله عند الأخفش، لا يقال: إن الجار هنا قد اعتمد لوقوعه خبراً لـ "أن"، فيرفع الفاعل عند الجميع؛ لأن الفائدة لم تتم به، فلا يجعل خبراً. والمُلْك بالضم الشيء المملوك، وكذلك هو بالكسر، إلا أنَّ المضموم لا يستعمل إلا فى مواضع السّعة وبسط السلطان. وتقدم الكلام في حقيقة الملك في قوله: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ}تفسير : [الفاتحة:4]. قوله: "وَمَا لَكُمْ" يجوز في "ما" وجهان. أحدهما: أن تكون تميمة، فلا عمل لها، فيكون "لكم" خبراً مقدماً، و "من ولِيّ" مبتدأ مؤخراً زيدت فيه "من"، فلا تعلّق لها بشيء. والثاني: أن تكون حجازية، وذلك عند من يجيز تقديم خبرها ظرفاً أو حرف جر، فيكون "لكم" في محلّ نصب خبراً مقدماً، و "مِنْ وَلِيّ" اسمها مؤخراً، و "من" فيه زائدة أيضاً. و {من دون الله} فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلّق بما تعلق به "لكم" من الاستقرار المقدر، و "من" لابتداء الغاية. والثاني: أنه في محلّ نصب على الحال من قوله: "من ولي أو نصير"؛ لأنه في الأصل صفة للنكرة، فلما قدم عليها انتصب حالاً قاله أبو البقاء رحمه الله تعالى. فعلى هذا يتعلّق بمحذوف غير الذي تعلّق به "لَكُمْ"، ومعنى "مِنْ دُونِ اللهِ" سِوَى الله؛ كما قال أمية بن أبي الصلت [البسيط] شعر : 729ـ يَا نَفْسُ مَا لَكِ دُونَ اللهِ مِنْ واقِ [وَمَا عَلَى حَدَثَانِ الدَّهْرِ مِنْ بَاقِ] تفسير : والولي: من وليت أمر فلان، أي قمت به، ومنه: وليّ العهد أي: المقيم بما عهد إليه من أمر المسلمين. "وَلاَ نَصِيرٍ" عطف على لفظ "وليّ" ولو قرىء برفعه على الموضع لكان جائزاً، وأتي بصيغة "فعيل" في "ولي" و "نصير"؛ لأنها أبلغ من فاعل، ولأن "ولياً" أكثر استعمالاً من "وَالٍ" ولهذا لم يجىء في القرآن إلا في سورة "الرعد". وأيضاً لتواخي الفواصل وأواخر الآي. وفي قوله: "لكم" التفاتٌ من خطاب الواحد لخطاب الجماعة، وفيه مناسبة، وهو أن المَنْفِيَّ صار نصّاً في العموم بزيادة "من" فناسب كون المنفي عنه كذلك فَجُمِعَ لذلك. فصل في أن الملك غير القدرة استدل بعضهم بهذه الآية على أن الملك غير القدرة. فقال: إنه ـ تعالى ـ قال أولاً: {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [البقرة:106] ثم قال بعده: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. فلو كان المُلْك عبارة عن القدرة لكان هذا تكريراً من غير فائدة، والكلام في حقيقة الملك.
ابو السعود
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} فإن عنوان الألوهية مدارُ أحكام ملكوتِهما، والجارُ والمجرورُ خبرٌ مقدم وملكُ السموات والأرض مبتدأ والجملة خبرُ لأن وإيثارُه على أن يقال: إن لله ملكَ السمواتِ والأرضِ للقصد إلى تقوّي الحُكم بتكرر الإسناد، وهو إما تكريرٌ للتقرير وإعادةٌ للاستشهاد على ما ذُكر وإنما لم يعطَفْ (أن) مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها وإما لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكلَ منهما وكفايتِه في الوقوف على ما هو المقصودُ وإما تقريرٌ مستقل للاستشهاد على قدرته تعالى على جميع الأشياء أي ألم تعلم أن الله له السلطانُ القاهرُ والاستيلاءُ الباهرُ المستلزِمان للقدرة التامة على التصرف الكليِّ فيهما إيجاداً وإعداماً وأمراً ونهياً حسبما تقتضيه مشيئتُه لا مُعارِضَ لأمره ولا معقِّبَ لحكمه فمن هذا شأنُه كيف يخرُج عن قدرته شيءٌ من الأشياء، وقولُه تعالى: {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ} معطوفةٌ على الجملة الواقعةِ خبراً (لأن) داخلةٌ معها تحت تعلقِ العلم المقرِّرِ، وفيه إشارة إلى تناول الخطابـين السابقين للأمة أيضاً، وإنما إفرادُه عليه السلام بهما لما أن علومَهم مستنِدةٌ إلى علمه عليه السلام، ووضعُ الاسم الجليل موضِعَ الضمير الراجع إلى اسم (أن) لتربـية المهابة والإيذانِ بمقارنة الولاية والنصرةِ للقوة والعزة، والمرادُ به الاستشهادُ بما تعلق به من العلم على تعلُّق إرادتِه تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ أو بمثله فإن مجرَّد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصولَه اْلبتة، وإنما الذي يستدعيه كونُه تعالى مع ذلك ولياً ونصيراً لهم فمن علم أنه تعالى وليُّه ونصيرُه على الاستقلال يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوِّضُ أمرَه إليه تعالى ولا يخطُر بباله ريبةٌ في أمر النسخ وغيرِه أصلاً، والفرق بـين الوليِّ والنصيرِ أن الوليَّ قد يضعُفُ عن النُصرة، والنصيرُ قد يكون أجنبـياً من المنصور. وما إما تميمية لا عمل لها ولكم خبرٌ مقدم ومن وليٍّ مبتدأ مؤخر زيدت فيه كلمة من للاستغراق وإما حجازية ولكم خبرها المنصوب عند من يُجيزُ تقديمَه واسمُها (من ولي) ومن مزيدة لما ذكر ومن دون الله في حيز النصب على الحالية من اسمها لأنه في الأصل صفة له فلما قدم انتصب حالاً ومعناه سوى الله، والمعنى أن قضية العلم بما ذكر من الأمور الثلاثة هو الجزمُ والإيقانُ بأنه تعالى لا يفعل بهم في أمر من أمور دينهم أو دنياهم إلا ما هو خيرٌ لهم، والعملُ بموجبه من الثقة به والتوكلِ عليه وتفويضِ الأمر إليه من غير إصغاءٍ إلى أقاويل الكفرةِ وتشكيكاتهم التي من جملتها ما قالوا في أمر النسخ.
القشيري
تفسير : سُنَّتُه - سبحانه - أن يجذب أولياءه عن شهود مُلْكِه إلى رؤية مِلْكِه، ثم يأخذهم من مُطالعةِ مِلْكه إلى شهود حقِّه، فيأخذهم من رؤية آياته إلى رؤية صفاته، ومن رؤية صفاته إلى شهود ذاته.
اسماعيل حقي
تفسير : {ألم تعلم} وخصه عليه السلام بالخطاب مع ان غيره داخل فى الخطاب ايضا حقيقة بناء على ان المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب بما ذكر ولا احد من البشر اعلم بذلك منه عليه السلام اذ قد وقف من اسرار ملكوت السموات والارض على ما لا يطلع عليه غيره وعلم غيره بالنسبة الى علمه عليه السلام ملحق بالعدم لان علم الاولياء من علم الانبياء بمنزلة قطرة من سبعة ابحر وعلم الانبياء من علم نبينا محمد عليه السلام بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة {ان الله له ملك السموات والأرض} فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو كالدليل على قوله {أية : إن الله على كل شئ قدير} تفسير : [البقرة: 109] والملك تمام القدرة واستحكامها وتخصيص السموات والارض بالذكر وان كان الله تعالى له ملك الدنيا والآخرة جميعا لكونهما اعظم المصنوعة واعجبها شأنا {وما لكم} ايها المؤمنون {من دون الله} اى سوى الله وهو فى حيز النصب على الحالية من الولى لانه فى الاصل صفة له فلما قدم انتصب حالا {من} زائدة للاستغراق {ولى} قريب وصديق وقيل وال وهو القيم بالامور {ولا نصير} اى معين ومانع والفرق بين الولى والنصير ان الولى قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون اجنبيا عن المنصور والمقصود التسكين لقلوب المؤمنين بان الله وليهم وناصرهم دون غيره فلا يجوز الاعتماد الا عليه ولا يصح الالتجاء الا اليه والمعنى ان قضية العلم بما ذكر من الامور الثلاثة وهو العلم بـ {أية : أن الله على كل شيء قدير} تفسير : [البقرة: 106] والعلم بـ {ان الله له ملك السموات والارض} والعلم بان ليس لهم{ من دون الله من ولى ولا نصير} هو الجزم والايقان بانه تعالى لا يفعل بهم فى امر من امور دينهم او دنياهم الا ما هو خير لهم والعمل بموجبه شئ من الثقة والتوكل عليه وتفويض الامر اليه من غير اصغاء الى اقاويل الكفرة وتشكيكاتهم التى هى من جملتها ما قالوا فى امر النسخ.
الطوسي
تفسير : المعنى: "الولي" في الآية: هو القيم بالامر. من وليه الشيء. ومنه ولي عهد المسلمين. ومعنى قوله: {من دون الله} سوى الله. قال امية بن ابي الصلت: شعر : يا نفس ما لك دون الله من واقي وما على حدثان الدهر من باقي تفسير : وفي قوله: {ما لكم من دون الله من ولي ولا نصير} ثلاثة اوجه: احدها ـ التحذير من سخط الله وعقابه اذ لا احد يمنع منه. والثاني ـ التسكين لنفوسهم: ان الله ناصرهم دون غيره، اذ لا يعتد بنصر احد مع نصره. والثالث ـ التفريق بين حالهم، وحال عبّاد الاوثان. مدحاً وذماً لاؤلئك. وبهذا قال ابو علي الجبائي، وإنما قال للنبي "صلى الله عليه وسلم" {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} وان كان النبي "صلى الله عليه وسلم" عالماً بان له ملك كله، لامرين: احدهما ـ التقرير والتنبيه الذي يؤول إلى معنى الايجاب كما قال جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح؟ تفسير : وانكر الطبري ان يدخل حرف الاستفهام على حرف الجحد بمعنى الاثبات والبيت الذي انشدناه، يفسد ما قاله، وايضاً قوله: {أية : أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } تفسير : وقوله: {أية : أليس الله بكاف عبده}تفسير : وغير ذلك يفسد ما قاله. والوجه الثاني ـ انه خطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم) والمراد به امته كما قال: {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } تفسير : وقال جميل بن معمر: شعر : ألا ان جيراني العشية رائح دعتهم دواع من هوى ومنادح تفسير : وانما يحسن ذلك، لأن غرضه الخبر عن واحد فلذلك قال: رائح وقال ايضاً: شعر : خليلي فيما عشتما هل رأيتما قتيلا بكى من حب قاتله قبلي تفسير : يريد قاتلته، فكنى بالمذكر بالمذكر عن المؤنث. قال الكميت: شعر : إلى السراج المنير احمد لا يعدلني رغبة ولا رهب عنه إلى غيره ولو رفع النـ ـاس الي العيون وارتقبوا وقيل افرطت بل قصدت ولو عنفنى القائلون او ثلبوا لجَّ بتفضيلك اللسان ولو اكثر فيك الضجاج واللجب انت المصفى المحض المهذب في النـ سبة إن نص قومك النسب تفسير : قالوا: انما خرج كلامه على وجه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وسلم)، واراد به أهل بيته بدلالة قوله: ولو اكثر فيك الضجاج واللجب، لأنه لا أحد يوصف من المسلمين بتعنيف مادح النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا باكثار الضجاج واللجب في إطناب القول فيه، وانما قال: {له ملك السماوات} ولم يقل ملك، لأنه اراد ملك السلطان والملكة دون الملك. يقال من ذلك: ملك فلان على هذا الشيء يملكه مُلكاً ومَلكا ومِلكا. والنصير فعيل من قولك: نصرتك انصرك فأنا ناصر ونصير، وهو المؤيد والمقوي.
الجنابذي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فيتصرّف فيهما على ما اقتضته حكمته {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} بنفسه بحسب نفس الأمر وبتوسّط خلفائه بحسب ظاهر الأمر او من دون ذاته بحسب التّكوين ومن دون خلفائه بحسب التّكليف، او من دون الله فى مظاهره العالية والدّانية تكويناً وتكليفاً {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}. تحقيق الولىّ والنّصير اعلم انّ الانسان خلق محتاجاً فى بقائه واستكماله فى ذاته وصفاته ومعرضاً لما يفنى ذاته وكمالاته الحاصلة ولما يمنعه عن الوصول الى كمالاته المترقّبة له فاحتاج الى ما يجذب اليه ما يحتاج اليه فى بقائه واستكماله، والى ما يدفع عنه ما يفنيه ويمنعه عن كماله وكانت سنّة الله ان يجرى الاشياء بالاسباب فخلق تعالى فيه قوّة شوقيّة خادمة للشهويّة والغضبيّة الخادمتين للمدركة المنشعبة الى قوىً عديدةٍ باعثة على الحركة مستخدمة للقوّة المحرّكة المودعة فى الاعصاب المستخدمة للاعصاب والرّباطات وبتوسّطها للاعضاء فتجذب بسبب الاعضاء وحكم القوّة الشّهويّة ما يلائمة وتدفع بسبب الاعضاء والقوّة الغضبيّة ما يضرّه؛ هذا بحسب مقام جسمه، وأمّا بحسب مقام روحه فله ما ينفعه وما يضرّه واصل النّافعات الملك الزّاجر الموكّل عليه من الله، واصل الضّارّات الشّيطان المغوى الموكّل عليه فجعل الله تعالى له حكمة نظريّةً يبصر بها ببصيرته تصرّف الملك وزجره، وتصرّف الشّيطان واغوائه، وحكمة عمليّة تخدم القوّتين اللّتين بهما الحبّ فى الله والبغض فى الله بازاء الشّهويّة والغضبيّة وهما تخدمان الحكمة النّظريّة، ولمّا جعل العالم الصّغير نسخة موجزة عن الكبير وحاكية عمّا فى الكبير والتّكليف مطابقاً للتّكوين كان فى الكبير لا محالة قوّة جاذبة لنافع الانسان وقوّة رادعة لضارّه سواء كانت تلك القوّتان فى شخصٍ واحدٍ او فى شخصين، والولىّ هو الّذى يكون مربّياً بجذب ما ينفع المولّى عليه فى بقاء ذاته وحصول كمالاته، والنّصير هو الّذى يكون دافعاً عنه ما يضرّه وبوجهٍ آخر الولىّ من يكون داخلاً فى ملكه، والنصير من يكون خارجاً حامياً، والقوّة الشهويّة والقوّة المورثة للحبّ فى الله فى الدّاخل كالولىّ فى الخارج، والقوّة الغضبيّة والقوّة الموجبة للبغض فى الله كالنّصير، وكلّ رسول بولايته ولىّ لأمّته وبرسالته نصير؛ وهكذا كان حال الاوصياء فانّهم كانوا بولايتهم اولياء وبخلافتهم أنصاراً وكلّ رسول فى زمانه كان وليّاً وخليفته نصيراً فانّ الرّسول (ص) فى زمانه مربٍّ وخليفته حام فمحمّد (ص) فى حياته كان اماماً ناطقاً بشيراً وليّاً هادياً مربّياً رحيماً، وعلىّ (ع) اماماً صامتاً منذراً نصيراً حامياً قتّالاً؛ ولذا قال (ص): "حديث : أنا وعلىّ أبوا هذه الامّة، وقوله (ص): أنا المنذر وعلىٌّ الهاد"تفسير : ؛ اشارةٌ الى حيثيّة رسالته وولاية علىٍّ (ع)؛ انّما انت منذرٌ باعتبار شأن الرّسالة، ولكلّ قومٍ هاد: باعتبار شأن الولاية، ولاقتضاء تعدّد العنوان تعدّد المظهر كانت الدّعوة فى الاغلب بتظاهر نفسين احداهما مظهر عنوان الولىّ والاخرى مظهر عنوان النّصير.
اطفيش
تفسير : {ألَمْ تَعْلَمْ}: الخطاب لكل من يصلح لأن يعلم، كما تدل له صيغة الجماعة فى قوله: {وما لكم من دون الله...} إلخ والنبى صلى الله عليه وسلم داخل فى الخطابين غير داخل فى الخطاب الثالث الذى هو قوله: {أم تريدون} وما بعده. ويحتمل أن يكون الخطاب فى قوله: {ألم تعلم} للنبى صلى الله عليه وسلم لفظاً. والمراد هو وأمته بدليل صيغة الجماعة، بعد. ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ خص به لفظا لأنهُ أعلمهم، ومنشئ علمه، ويجوز أن يكون الخطاب فى {ألم تعلم} له وحده، صلى الله عليه وسلم ـ وفى {وما لكم} لأمته، أو له ولها، وكذا الوجوه فى قوله:{أية : ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير}تفسير : والاستفهام فيها للتقرير أو التوبيخ، وجعل ابن هشام الخطاب لمنكر النسخ، قال اعتذر عن الزمخشرى فى جعله الاستفهام للتقرير بأن مراده التقرير بما عدا النفى، لا التقرير بالنفى، والأولى أن تحمل الآية على الإنكار التوبيخى أو الإبطالى، أى ألم تعلم أيها المنكرِ للنسخ؟ انتهى. {أنّ اللهَ له مُلْكُ السَّمٰواتِ والأرْضِ}: فله التصرف فيهن، وفى كل ما فيهن بما يشاء من زيادة ونقص وتبديل، وأمر ونهى ونسخ. وأحكام وإرسال من يشاء من بنى آدم والملائكة، وإنزال ما يشاء. ففى ذلك رد على اليهود فى إنكار النسخ، والقرآن والإنجيل ومحمد وعيسى ـ صلى الله عليهما وسلم ـ يقال لزيد ملك هذا الدار، إذا ملكها وملك ما فيها، وحقيق على من علم أن مولاه قادر على كل شئ قدير، وأن له ملك السماوات والأرض أن يقطع رجاء عن غيره تعالى، وإن كل ما يأتيه على يد مخلوق فرسالة من الله المالك إليه. وإن قلت: هل يتصف الله بالقدرة على الصفات الفعلية والذاتية والمحال؟ قلت: يتصف بالقدرة على الصفات الفعلية بلا إشكال، ويتصف بالقدرة على الصفات الذاتية على معنى اتصافه بوجودها بلا أول ولا نهاية، لا على معنى فقدها والقدرة على إيجادها لمنافاة ذلك قدمها، ولا يتصف بالقدرة على المحال فى حقه، لأن اتصافه بها يستلزم جوازه فى حقه تعالى، ولأن لفظ شئ لا يشمل المحال وهو يقول: {أية : والله على كل شئ قدير} تفسير : ويدل كونه مالك السماوات والأرض على كونه قديراً على كل شئ، ولذا لم يعطف هذه الجملة على الجملة قبلها. {وَمَا لَكُم مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِىٍّ ولا نَصِيرٍ}: الخطاب للأمة مؤمنها وكافرها أو معه، صلى الله عليه وسلم، بمعنى أن وجه الله إليكم العقاب لم يكن لكم عنه ولى ولا نصير تجدونه غير الله الذى وجهه إليكم، وليس هذا أعظم من قوله عز وعلا: {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك}، تفسير : أو للكفار وحدهم، بمعنى أنهُ لاولى لهم ولا نصير ينجيهم من العقاب إذا وجهه إليهم أو للمؤمنين، أو معه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بمعنى أنه تعالى هو الذى يملك أموركم ويجريها على مصالحكم من تقويه ونصر على أعدائكم وغيرها، ومعنى الولى الذى يلى الإنسان لقربه إليهِ بالنسب، أو لكونه صديقاً له، وقيل الولى هو القيم بالأمور وهو والى البلدة ونحوها، وقيل الولى قريب النسب، ومعنى النصير الذى يمنع من المضرة، فبين الولى والنصير عموم من وجه وخصوص من وجه،فإن الولى قد يضعف عن النصر وقد ينصر سواءً بمعنى قريب النسب أو الصديق، فهذا عمومه ولا يكون إلا قريباً أو صديقاً، والولاء لحمة كلحمة النسب، أى قرابة النسب وهذا خصوصه، والنصر يكون قريباً أو صديقاً أو أجنبياً غير صديق لا ذا ولاء، وهذا عمومه ولا يكون إلا ناصراً سواء تأثر نضره أو لم يتأثر، وهذا خصوصه.
اطفيش
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السَّمَٰوٰتِ وَالأَرْضِ} له التصرف فيهما بالزيد والنقص والتغيير،ومن له ذلك فكيف وله أضعافها: العرش والكرسى وغيرهما، فله التصرف بالنسخ، وكل ذلك على ما سبق به قضاؤه الأزلى، ولم تعطف هذه الجملة لأنه إيضاح لما قبلها، وتأكيد فى المعنى، وللإشعار بأنها مستقلة فى الاحتجاج {وَمَا لَكُمْ} الخطاب لكفار العرب وغيرهم {مِّن دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ} يحفظكم عن توجه العذاب إليكم {وَلاَ نَصِيرٍ} يدفعه عنكم إذا أتاكم، وقد يضعف الولى عن النصرة، وقد يكون النصير أجنبياً، فبينهما عموم وخصوص من وجه، فعموم الولى فى النصر وعدمه، وخصوصه فى القرابة، وعموم النصر فى القرابة، وعدمها، وخصوصه فى إيقاع النصر جزءاً، ومن وليه الله لا يجد إلا خيراً فى أمر السنخ وغيره، ولا يرتب، والمراد بالولى الولى من حيث الدفع، وإلا فلكل أحد ولىّ، وما حجازية لم تعمل لتقدم الخير، ويجوز أن يكون اسمها اسم فاعل، تاب عنه لكم، وولى فاعل له، أغنى عن خبرها، أى ما ثابت لكم ولى ولا نصير، كما تقول، ما قائم الزيدان.
الالوسي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قد علمت أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي ـ إيجاداً وإعداماً، وأمراً ونهياً ـ حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقب لحكمه، فمن هذا شأنه كيف يخرج عن قدرته شيء من الأشياء؟! فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان، فيكون منزلاً منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريراً للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر، وإنما لم تعطف {أن} مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها رَوْماً لزيادة التأكيد وإشعاراً باستقلال العلم بكل منهما وكفاية في الوقوف على ما هو المقصود، وخص السمٰوات والأرض ـ بالملك ـ لأنهما من أعظم المخلوقات الظاهرة، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه، وبدأ سبحانه بالتقرير على وصف القدرة لأنه منشئاً لوصف الاستيلاء والسلطان، ولم يقل جل شأنه: إن لله ملك الخ قصداً إلى تقوي الحكم بتكرير الإسناد. {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } عطف على الجملة الواقعة خبراً لـ (أن) داخل معها حيث دخلت، وفيه إشارة إلى تناول الخطاب فيما قبل للأمة أيضاً، و {مِنْ} الثانية صلة فلا تتعلق بشيء، و {مِنْ} الأولى: لابتداء الغاية وهي متعلقة بمحذوف وقع حالاً من مدخول {مِنْ} الثانية: ـ وهو في الأصل صفة له ـ فلما قدم انتصب على الحالية وفي «البحر» أنها متعلقة بما تعلق به {لَكُمْ} وهو في موضع الخبر؛ ويجوز في: (ما) أن تكون تميمية وأن تكون حجازية على رأي من يجيز تقدم خبرها إذا كان ظرفاً أو مجروراً ـ والولي ـ المالك، و ـ النصير ـ المعين، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل، والمعين قد يكون مالكاً وقد لا يكون ـ بل يكون أجنبياً ـ. والمراد من الآية الاستشهاد على تعلق إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله، فإن مجرد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصوله البتة، وإنما الذي يستدعيه كونه تعالى مع ذلك ولياً نصيراً لهم، فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره لا ولي ولا نصير له سواه يعلم قطعاً أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض أمره إليه تعالى، ولا يخطر بباله ريبة في أمر النسخ وغيره أصلاً.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (107) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى نَبِيّه صلى الله عليه وسلم إِلَى أنَّهُ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض، وَلَيْسَ لِلنَّاسِ مِنْ دُونِهِ مِنْ نَاصِرٍ، وَعَلَى الخَلْقِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لأَِمْرِهِ وَنَهْيهِ، لَهُ أَنْ يَنْسَخَ مَا يَشَاءُ مِنَ الأَحْكَامِ، وَيُبْطِلُهَا، لأَِنَّ الأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ، وَالأَحْكَامَ الخُلُقِيَّةَ قَدْ تَكُونُ فِيها مَصْلَحَةٌ فِي وَقْتٍ، وَتَكُونُ مَفْسَدَةً فِي وَقْتٍ آخَرَ. الوَلِيُّ - القَريبُ والصَّدِيقُ. النَّصِيرُ - المُعِينُ.
الثعلبي
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ} يا معشر الكفّار عند نزول العذاب. {مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} قريب وصديق. {وَلاَ نَصِيرٍ} ناصر يمنعكم من العذاب. {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ} الآية. قال ابن عبّاس: نزلت في عبد الله بن أُميّة المخزومي ورهط من قريش قالوا: يا محمّد أجعل لنا الصّفا ذهباً ووسّع لنّا أرض مكّة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك. فأنزل الله عزّ وجلّ {أَمْ تُرِيدُونَ} يعني أتريدون والميم صلة لأنّ أم إذا كان بمعنى العطف لا تكون أبتداء ولا تأتي إلاّ مردودة على استفهام قبلها، وقيل معناه: بل يريدون كقول الشّاعر: شعر : بدت مثل قرن الشّمس في رونق الضحّى وصورتها أم أنت في العين أملح تفسير : أي بل أنت. {أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ} محمّداً. {كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} سأله قومه فقالوا: أرنا الله جهرة، وقال مجاهد: لمّا قالت قريش هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : نعم وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن لم تؤمنوا عُذّبتم" تفسير : فأبوا ورجعوا، والصّحيح أن شاء الله إنها نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمّد أئتنا بكتاب من السّماء تحملهُ، كما أتى موسى بالتوراة، لأنّ هذه السّورة مدنية، وتصديق هذا القول قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ} تفسير : [النساء: 153] في سُئل ثلاث قراءات: بالهمز: وهي قراءة العامّة، و(سُئل) بتليين الهمزة وهي قراءة أبي جعفر و(سُئل) مثل (قيل) وهي قراءة الحسن. {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أخطأ وسط الطريق. {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} الآية نزلت في نفر من اليهود منهم: فنحاص بن عازورا وزيد ابن قيس؛ وذلك إنّهم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أُحد: ألم تريا ما أصابكم ولو كنتم على الحقّ ماهزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً. فقالوا لهم: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد. قال: فإني قد عاهدتُ ألاّ أكفر بمحمّد صلى الله عليه وسلم ما عشتُ. فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبر، وقال حُذيفة: وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربّاً وبمحمّد نبيّاً وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين أخواناً. ثمَّ أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه بذلك فقال: "حديث : أصبتما الخير وأفلحتما"تفسير : . فأنزل الله تعالى {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي تمنى وأراد كثير من اليهود. {لَوْ يَرُدُّونَكُم} يا معشر المؤمنين. {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} في انتصابه وجهان قيل: بالردّ وقيل: بالحال. {حَسَداً} وفي نصبه أيضاً وجهان: قيل على المصدر أي يحسدونكم حسداً، وقيل: بنزع حرف الصلة تقديره للحسد. وأصل الحسد في اللغة الالظاظ بالشيء حتّى يخدشه وقيل: للمسحاة محسد وللغراد حسدل زيدت فيه اللاّم كما يقال للعبد: عبدل. {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أي من تلقاء أنفسهم لم يأمر الله عز وجل بذلك. {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} في التوراة إنّ محمّداً صادق ودينه حقّ. {فَٱعْفُواْ} فاتركوا. {وَٱصْفَحُواْ} وتجاوزوا. {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} بعذابه القتل والسبّي لبني قريظة والجلاء والنفي لبني النظير قاله ابن عبّاس. وقال قتادة: هو أمره بقتالهم في قوله تعالى: {أية : قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تفسير : إلى {أية : وَهُمْ صَاغِرُونَ} تفسير : [التوبة: 29]. وقال ابن كيسان: بعلمه وحكمه فيهم حكم بعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي والجزية، وقيل: أراد به القيامة فيجازيهم بأعمالهم. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وبعد أن بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى لنا أن هناك آيات نسخت في القرآن .. أراد أن يوضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في كونه يفعل ما يشاء .. ولذلك بدأ الآية الكريمة: {أَلَمْ تَعْلَمْ} [البقرة: 107] .. وهذا التعبير يسمى الاستفهام الاستنكاري أو التقريري .. لأن السامع لا يجد إلا جواباً واحداً بأنه يقر ما قاله الله تبارك وتعالى .. ويقول نعم يا رب أنت الحق وقولك الحق. قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 107] .. الملك يقتضي مالكاً ويقتضي مملوكاً .. ويقتضي قدرة على استمرار هذا الملك وعدم زواله .. فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أنه يقدر ويملك المقدرة .. والإنسان ليست له قدرة التملك ولا المقدرة على استبقاء ما يملكه .. والإنسان لا يملك الفعل في الكون .. إن أراد مثلاً أن يبني عمارة قد لا يجد الأرض .. فإن وجد الأرض قد لا يجد العامل الذي يبني .. فإن وجده قد لا يجد مواد البناء .. فإن وجد هذا كله قد تأتي الحكومة أو الدولة وتمنع البناء على هذه الأرض .. أو أن تكون الأرض ملكاً لإنسان آخر فتقام القضايا ولا يتم البناء. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 107] .. أي أن كل شيء في الوجود هو ملك لله وهو يتصرف بقدرته فيما يملك .. ولذلك عندما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .. كان اليهود يملكون المال ولهم معرفة ببعض العلم الدنيوي لذلك سادوا المدينة .. وبدأوا يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين .. والله تبارك وتعالى طمأن رسوله بأن طلاقة القدرة في الكون هي لله وحده .. وأنه إذا كان لهم ملك فإنه لا يدوم لأن الله ينزع الملك ممن يشاء ويعطيه لمن يشاء .. ولذلك حينما يأتي يوم القيامة ويُهلك الله الأرض ومن عليها .. يقول سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ ..} تفسير : [غافر: 16]. ويرد جل جلاله بشهادة الذات للذات فيقول: {أية : لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. وما دام الله هو المالك وحده .. فإنه يستطيع أن ينزع من اليهود وغيرهم ومن الدنيا كلها ما يملكونه .. ويحدثنا العلماء أن العسَسَ وهم الجنود الذين يسيرون ليلاً لتفقد أحوال الناس وجدوا شخصاً يسير ليلاً .. فلما تقدموا منه جرى فجروا وراءه إلى أن وصل إلى مكان خرب ليستتر فيه .. تقدم العسس وأمسكوا به وإذا بهم يجدون جثة قتيل في المكان .. فقالوا له أنت القاتل لأنك جريت حين رأيتنا ولأنك موجود الآن في المكان الذي فيه جثة القتيل .. فأخذوه ليحاكموه فقال لهم أمهلوني لأصلي ركعتين لله .. فأمهلوه فصلى ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنك تعلم أنه لا شاهد على براءتي إلا أنت .. وأنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة فأسألك ذلك في نفسك .. فبينما هم كذلك إذا أقبل رجل فقال .. أنا قاتل هذا القتيل وأنا أقر بجريمتي .. فتعجب الناس وقالوا لماذا تقر بجريمتك ولم يرك أحد ولم يتهمك أحد .. فقال لهم والله ما أقررت إنما جاء هاتف فأجرى لساني بما قلت .. فلما أقر القاتل بما فعل وقام ولي المقتول وهو أبوه فقال .. اللهم إني أشهدك إني قد أعفيت قاتل ابني من دينه وقصاصه. انظر إلى طلاقة قدرة الحق سبحانه وتعالى .. القاتل أراد أن يختفي ولكن انظر إلى دقة السؤال من السائل أو المتهم البريء .. وقد صلى ركعتين لله .. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أنه إذا حزبنا أمر قمنا إلى الصلاة فليس أمامنا إلا هذا الباب .. وبعد أن صلى سأل الله أنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة ولا يشهد ببراءتي أحد إلا أنت فأسألك ذلك في نفسك وبعد ذلك كان ما كان. وهذه القصة تدلنا على أننا في قبضة الله .. أردنا أو لم نرد .. بأسباب أو بغير أسباب .. لماذا؟ .. لأن الله له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير .. وقوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 107] .. الولي هو من يواليك ويحبك .. والنصير هو الذي عنده القدرة على أن ينصرك وقد يكون النصير غير الولي .. الحق تبارك وتعالى يقول أنا لكم وليٌّ ونصير أي محب وأنصركم على من يعاديكم.
الجيلاني
تفسير : {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يتصرف فيهما كيف يشاء، كما يشاء، متى يشاء بلا فتورٍ ولا فطور، هذا في الآفاق {وَ} ارجعوا إلى أنفسكم، واعلموا أنه {مَا لَكُمْ} في ذواتكم وهوياتكم {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} المحيط بكم وبجميع أوصافكم {مِن وَلِيٍّ} يولي أموركم {وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 107] يعين عليكم من دونه بل هو محيط هوياتكم وماهياتكم كما أخبر به سبحانه في قوله: "حديث : كنت سمعه... وبصره... ويده... ورجله... ". تفسير : أتسلمون وتفوضون أموركم إلى الله ورسوله أيها المؤمنون المسلمون، وتقبلون دين الإسلام تعبداً {أَمْ تُرِيدُونَ} وتقصدون {أَن تَسْأَلُواْ} وتقترحوا عن سرائر الآيات النازلة عليكم لإصلاحكم حالكم عناداً ومكابرة {رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} عن الآيات النازلة لإصلاح بني إسرائيل مما نزل من آيةٍ إلا ويسألوه على وجه الإلحاح والاقتراح، فيجازيهم الله على مقتضى اقتراحهم، وإن اقترحتم كما اقترحوا يجازيكم الله كما جازاهم {وَ} اعلموا أن {مَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ} الموهوم المذموم {بِٱلإِيمَانِ} المحقق المجزوم {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} [البقرة: 108] طريق الحق المستقيم الموصل إلى التوحيد كما ضل بنو إسرائيل بمخالفة كتاب الله وتكذيب رسله. ثم اعلموا أيها المؤمنون أنه {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} خصوصاً اليهود والنصارى {لَوْ يَرُدُّونَكُم} بأنواع الحيل والنفاق {مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ} بالله وكتبه ورسله {كُفَّاراً} مردين واجب القتل والمقت عند الله، وليس ودادتهم كفركم لغايى تصلبهم في دينهم ونهاية غيرتهم عليه بل {حَسَداً} لكم ناشئاً {مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} من غاية عداوتهم معكم {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} ظهر {لَهُمُ} أن دينكم {ٱلْحَقُّ} المطابق للواقع بشهادة كتابهم ونبيهم، وإذا فهمتم أمرهم وعرفتم عداوتهم {فَٱعْفُواْ} عن الانتقام والعقوبة {وَٱصْفَحُواْ} أعرضوا عن التعبير في التقريع واصبروا {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ} باسمه المنتقم {بِأَمْرِهِ} المبرم من ضرب الذلة والمسكنة والغضب عليهم دائما {إِنَّ ٱللَّهَ} المتجلي باسم المنتقم {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 109] من أنواع الانتقامات قدير على الوجه الأصعب الأشد.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):