٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
106
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من طعن اليهود في الإسلام، فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً وغداً يرجع عنه، فنزلت هذه الآية، والكلام في الآية مرتب على مسائل: المسألة الأولى: النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشيء، وقال القفال: إنه للنقل والتحويل لنا أنه يقال: نسخت الريح آثار القوم إذا عدمت، ونسخت الشمس الظل إذا عدم، لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه، وقال تعالى: {أية : إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [الحج: 52] أي يزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن لا يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك. فإن قيل: وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار، والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز، لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى، وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول: بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنه ينقله إليه أو ينقل حكايته، ومنه تناسخ الأرواح وتناسخ القرون قرناً بعد قرن، وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً عن الأول، وقال تعالى: {أية : هَـٰذَا كِتَـٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [الجاثية: 29] فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإبطال دفعاً للاشتراك، والجواب عن الأول من وجهين. أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح المؤثرتين في تلك الإزالة ويكونان أيضاً ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير. والثاني: أن أهل اللغة إنما أخطأوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فهب أنه كذلك، لكن متمسكنا إطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لاسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس، وعن الثاني: أن النقل أخص من الإبطال لأنه حيث وجد النقل فقد عدمت صفة وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدم يحصل عقيبه شيء آخر، وإذا دار اللفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى والله أعلم. المسألة الثانية: قرأ ابن عامر: (ما ننسخ) بضم النون وكسر السين والباقون بفتحهما، أما قراءة ابن عامر ففيها وجهان. أحدهما: أن يكون نسخ وأنسخ بمعنى واحد. والثاني: أنسخته جعتله ذا نسخ كما قال قوم للحجاج وقد صلب رجلاً. أقبروا فلاناً، أي اجعلوه ذا قبر، قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } تفسير : [عبس: 21]، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ننسأها) بفتح النون والهمزة وهو جزم بالشرط ولا يدع أبو عمرو الهمزة في مثل هذا، لأن سكونها علامة للجزم وهو من النسء وهو التأخير. ومنه: {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِىء زِيَادَةٌ فِى ٱلْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 37] ومنه سمي بيع الأجل نسيئة، وقال أهل اللغة: أنسأ الله أجله ونسأ في أجله، أي أخر وزاد، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من سره النسء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه»تفسير : . والباقون بضم النون وكسر السين وهو من النسيان، ثم الأكثرون حملوه على النسيان الذي هو ضد الذكر، ومنهم من حمل النسيان على الترك على حد قوله تعالى: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 155] أي فترك وقال: {أية : فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 51] أي نتركهم كما تركوا، والأظهر أن حمل النسيان على الترك مجاز، لأن المنسي يكون متروكاً، فلما كان الترك من لوازم النسيان أطلقوا اسم الملزوم على اللازم وقرىء ننسها وننسها بالتشديد، وتنسها وتنسها على خطاب الرسول، وقرأ عبد الله: ما ننسك من آية أو ننسخها، وقرأ حذيفة: ما ننسخ من آية أو ننسكها. المسألة الثالثة: «ما» في هذه الآية جزائية كقولك: ما تصنع أصنع وعملها الجزم في الشرط والجزاء إذا كانا مضارعين فقوله: (ننسخ) شرط وقوله: (نأت) جزاء وكلاهما مجزومان. المسألة الرابعة: اعلم أن التناسخ في اصطلاح العلماء عبارة عن طريق شرعي يدل على أن الحكم الذي كان ثابتاً بطريق شرعي لا يوجد بعد ذلك مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتاً، فقولنا: طريق شرعي نعني به القدر المشترك بين القول الصادر عن الله تعالى وعن رسوله، والفعل المنقول عنهما، ويخرج عنه إجماع الأمة على أحد القولين، لأن ذلك ليس بطريق شرعي على هذا التفسير، ولا يلزم أن يكون الشرع ناسخاً لحكم العقل، لأن العقل ليس طريقاً شرعياً. ولا يلزم أن يكون المعجز ناسخاً للحكم الشرعي لأن المعجز ليس طريقاً شرعياً ولا يلزم تقيد الحكم بغاية أو شرط أو استثناء، لأن ذلك غير متراخ، ولا يلزم ما إذا أمرنا الله بفعل واحد ثم نهانا عن مثله لأنه لو لم يكن مثل هذا النهي ناسخاً لم يكن مثل حكم الأمر ثابتاً. المسألة الخامسة: النسخ عندنا جائز عقلاً واقع سمعاً خلافاً لليهود، فإن منهم من أنكره عقلاً ومنهم من جوزه عقلاً، لكنه منع منه سمعاً، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ، واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه، لأن الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنسخ، وأيضاً قلنا: على اليهود إلزامان. الأول: جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك: «إني جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه»، ثم إنه تعالى حرم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان، الثاني: كان آدم عليه السلام يزوج الأخت من الأخ وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه السلام. قال منكرو النسخ: لا نسلم أن نبوة محمد عليه الصلاة والسلام لا تصح إلا مع القول بالنسخ لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى عليهما السلام أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك أمر الناس باتباع محمد عليه الصلاة والسلام فعند ظهور شرع محمد عليه الصلاة والسلام زال التكليف بشرعهما وحصل التكليف بشرع محمد عليه الصلاة والسلام، لكنه لا يكون ذلك نسخاً، بل جارياً مجرى قوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ} تفسير : [البقرة: 187] والمسلمون الذين أنكروا وقوع النسخ أصلاً بنوا مذهبهم على هذا الحرف وقالوا: قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى عليهما السلام قد بشرا في التوراة والإنجيل بمبعث محمد عليه الصلاة والسلام، وأن عند ظهوره يجب الرجوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ وهذا هو الاعتراض على الإلزامين المذكورين، واحتج منكروا النسخ بأن قالوا: إن الله تعالى لما بين شرع عيسى عليه السلام، فاللفظ الدال على تلك الشريعة، إما أن يقال: إنها دالة على دوامها أو لا على دوامها أو ما كان فيها دلالة على الدوام ولا على اللادوام، فإن بين فيها ثبوتها على الدوام، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذباً وإنه غير جائز على الشرع، وأيضاً، فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخاً، لأن أقصى ما في الباب أن يقول الشرع: هذه الشريعة دائمة ولا تصير منسوخة قط ألبتة، ولكنا إذا رأينا مثل هذا الكلام حاصلاً في شرع موسى وعيسى عليهما السلام مع أنهما لم يدوما زال الوثوق عنه في كل الصور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: ذكر اللفظ الدال على الدوام، ثم قرن به ما يدل على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نص على ذلك إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة؟ قلنا: هذا ضعيف لوجوه. أحدها: أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين، وإنه سفه وعبث، وثانيها: على هذا التقدير قد بين الله تعالى أن شرعهما سيصير منسوخاً، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضاً، لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضاً، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفر فيها الدواعي على نقله، وما كان كذلك وجب اشتهاره وبلوغه إلى حد التواتر، وإلا فلعل القرآن عورض، ولم تنقل معارضته ولعل محمداً صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع ولم ينقل، وإذا ثبت وجوب أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر فنقول: لو أن الله تعالى نص في زمان موسى وعيسى عليهما السلام على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهوراً لأهل التواتر، ومعلوماً لهم بالضرورة، ولو كان كذلك لاستحال منازعة الجمع العظيم فيه، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: إن الله تعالى نص على شرع موسى عليه السلام وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم. فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة لأهل التواتر، وأيضاً فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخاً، بل يكون ذلك انتهاء للغاية. وأما القسم الثالث: وهو أنه تعالى نص على شرع موسى عليه السلام ولم يبين فيه كونه دائماً أو كونه غير دائم فنقول: قد ثبت في أصول الفقه أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار وإنما يفيد المرة الواحدة، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة فقد خرج عن عهدة الأمر، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نسخاً للأمر الأول، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ محال. واعلم أنا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }، والاستدلال به أيضاً ضعيف، لأن «ما» ههنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: من جاءك فأكرمه لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى أن نعول في الإثبات على قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } تفسير : [النحل: 101] وقوله: {أية : يَمْحُو ٱللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 39] والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن، وقال أبو مسلم بن بحر: إنه لم يقع، واحتج الجمهور على وقوعه في القرآن بوجوه. أحدها: هذه الآية وهي قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا }، أجاب أبو مسلم عنه بوجوه. الأول: أن المراد من الآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله تعالى عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية، الوجه الثاني: المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب وهو كما يقال نسخت الكتاب. الوجه الثالث: أنا بينا أن هذه الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير منه، ومن الناس من أجاب عن الاعتراض الأول بأن الآيات إذا أطلقت فالمراد بها آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا، وعن الثاني: بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختص ببعض القرآن وهذا النسخ مختص ببعضه، ولقائل أن يقول على الأول: لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن، بل هو عام في جميع الدلائل، وعلى الثاني: لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن، بل التقدير والله أعلم ما ننسخ من اللوح المحفوظ فإنا نأتي بعده بما هو خير منه. الحجة الثانية للقائلين بوقوع النسخ في القرآن: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولاً كاملاً وذلك في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا وَصِيَّةً لأزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ } تفسير : [البقرة: 240] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } تفسير : [البقرة: 234] قال أبو مسلم: الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا ناسخاً، والجواب: أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر فجعل السنة العدة يكون زائلاً بالكلية. الحجة الثالثة: أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَـٰجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوٰكُمْ صَدَقَةً } تفسير : [المجادلة: 12] ثم نسخ ذلك، قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون من حيث لا يتصدقون عن المؤمنين، فلما حصل هذا الغرض سقط التعبد. والجواب: لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقاً وهو باطل لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي رضي الله عنه ويدل عليه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [المجادلة: 13]. الحجة الرابعة: أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى: {إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صَـٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } تفسير : [الأنفال: 65, 66]. الحجة الخامسة: قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَاء مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّـٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُواْ عَلَيْهَا } تفسير : [البقرة: 142] ثم إنه تعالى أزالهم عنها بقوله: {أية : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 144]. قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليها عند الإشكال أو مع العلم إذا كان هناك عذر. الجواب: أن على ما ذكرته لا فرق بين بيت المقدس وسائر الجهات، فالخصوصية التي بها امتاز بيت المقدس عن سائر الجهات قد زالت بالكلية فكان نسخاً. الحجة السادسة: قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } تفسير : [النحل: 101] والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم، فكيف كان فهو رفع ونسخ، وإنما أطنبنا في هذه الدلائل لأن كل واحد منها يدل على وقوع النسخ في الجملة واحتج أبو مسلم بأن الله تعالى وصف كتابه بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل. والجواب: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله ولا يأتيه من بعده أيضاً ما يبطله. المسألة السابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط أو التلاوة فقط أو هما معاً، أما الذي يكون المنسوخ هو الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات التي عددناها، وأما الذي يكون المنسوخ هو التلاوة فقط فكما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم» وروي: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب»، وأما الذي يكون منسوخ الحكم والتلاوة معاً، فهو ما روت عائشة رضي الله عنها أن القرآن قد نزل في الرضاع بعشر معلومات ثم نسخن بخمس معلومات، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم. ويروى أيضاً أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان فيه. المسألة الثامنة: اختلف المفسرون في قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } فمنهم من فسر النسخ بالإزالة ومنهم من فسره بالنسخ بمعنى نسخت الكتاب وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب، ومن قال بالقول الأول ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: ما ننسخ من آية وأنتم تقرءونه أو ننسها أي من القرآن ما قرىء بينكم ثم نسيتم وهو قول الحسن والأصم وأكثر المتكلمين فحملوه على نسخ الحكم دون التلاوة، وننسها على نسخ الحكم والتلاوة معاً، فإن قيل: وقوع هذا النسيان ممنوع عقلاً وشرعاً. أما العقل فلأن القرآن لا بد من إيصاله إلى أهل التواتر، والنسيان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع. وأما النقل فلقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] والجواب عن الأول من وجهين. الأول: أن النسيان يصح بأن يأمر الله تعالى بطرحه من القرآن وإخراجه من جملة ما يتلى ويؤتى به في الصلاة أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي أو إن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد فيصير لهذا الوجه منسياً عن الصدور، الجواب الثاني: أن ذلك يكون معجزة للرسول عليه الصلاة والسلام، ويروى فيه خبر: أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها، والجواب عن الثاني: أنه معارض بقوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأعلى: 6] وبقوله: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ } تفسير : [الكهف: 24]. القول الثاني: ما ننسخ من آية أي نبدلها، إما بأن نبدل حكمها فقط أو تلاوتها فقط أو نبدلهما، أما قوله تعالى: {أَوْ نُنسِهَا } فالمراد نتركها كما كانت فلا نبدلها، وقد بينا أن النسيان بمعنى الترك قد جاء، فيصير حاصل الآية أن الذي نبدله فإنا نأتي بخير منه أو مثله. القول الثالث: ما ننسخ من آية، أي ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها على قراءة الهمزة أي نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو يكون المراد نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال، فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة. القول الرابع: ما ننسخ من آية، وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معاً، أو ننسها، أي نتركها وهي الآية التي صارت منسوخة في الحكم ولكنها غير منسوخة في التلاوة، بل هي باقية في التلاوة، فأما من قال بالقول الثاني: ما ننسخ من آية، أي ننسخها من اللوح المحفوظ أو ننسأها، نؤخرها. وأما قراءة «ننسها» فالمعنى نتركها يعني نترك نسخها فلا ننسخها. وأما قوله: {مّنْ ءايَةٍ } فكل المفسرين حملوه على الآية من القرآن غير أبي مسلم فإنه حمل ذلك على التوراة والإنجيل وقد تقدم القول فيه. أما قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } ففيه قولان. أحدهما: أنه الأخف، والثاني: أنه الأصلح، وهذا أولى لأنه تعالى يصرف المكلف على مصالحه لا على ما هو أخف على طباعه. فإن قيل: لو كان الثاني أصلح من الأول لكان الأول ناقص الصلاح فكيف أمر الله به؟ قلنا: الأول أصلح من الثاني بالنسبة إلى الوقت الأول، والثاني بالعكس منه فزال السؤال. واعلم أن الناس استنبطوا من هذه الآية أكثر مسائل النسخ: المسألة الأولى: قال قوم: لا يجوز نسخ الحكم إلا إلى بدل، واحتجوا بأن هذه الآية تدل على أنه تعالى إذا نسخ لا بد وأن يأتي بعده بما هو خير منه أو بما يكون مثله، وذلك صريح في وجوب البدل. والجواب: لم لا يجوز أن يقال: المراد أن نفي ذلك الحكم وإسقاط التبعد به خير من ثبوته في ذلك الوقت، ثم الذي يدل على وقوع النسخ لا إلى بدل أنه نسخ تقديم الصدقة بين يدي مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى البدل. المسألة الثانية: قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه واحتجوا بأن قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } ينافي كونه أثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله. والجواب: لم لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة، ثم إن الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين عند قوم فنسخت بأربع في الحضر. إذا عرفت هذا فنقول: أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الصور المذكورة، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها. وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة. المسألة الثالثة: قال الشافعي رضي الله عنه: الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة واستدل عليه بهذه الآية من وجوه. أحدها: أنه تعالى أخبر أن ما ينسخه من الآيات يأت بخير منها وذلك يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه، كما إذا قال الإنسان: ما آخذ منك من ثوب آتيك بخير منه، يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وإذا ثبت أنه لا بد وأن يكون من جنسه فجنس القرآن قرآن، وثانيها: أن قوله تعالى: {نَأْتِى بِخَيْرٍ مّنْهَا } يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وذلك هو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة التي يأتي بها الرسول عليه السلام، وثالثها: أن قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } يفيد أن المأتي به خير من الآية، والسنة لا تكون خيراً من القرآن، ورابعها: أنه قال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } دل على أن الآتي بذلك الخير هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات وذلك هو الله تعالى. والجواب عن الوجوه الأربعة بأسرها: أن قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ، والذي يدل على تحقيق هذا الاحتمال أن هذه الآية صريحة في أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بهذا الخير لزم الدور وهو باطل، ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة لأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا لا وصية لوارث»تفسير : وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم. قال الشافعي رضي الله عنه: أما الأول: فضعيف لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، وأما الثاني: فضعيف أيضاً لأن عمر رضي الله عنه روى أن قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» كان قرآناً فلعل النسخ إنما وقع به، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه والله أعلم. أما قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلف تحت مشيئته وحكمه وحكمته، وأنه لا دافع لما أراد ولا مانع لما اختار. المسألة التاسعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن القرآن مخلوق من وجوه، أحدها: أن كلام الله تعالى لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين، لكن ذلك محال، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً، وأما المنسوخ فلأنه يجب أن يزول ويرتفع، وما ثبت زواله استحال قدمه بالإتفاق، وثانيها: أن الآية دلت على أن بعض القرآن خير من بعض، وما كان كذلك لا يكون قديماً، وثالثها: أن قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يدل على أن المراد أنه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإتيان بشيء آخر بدلاً من الأول، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً، أجاب الأصحاب عنه: بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الألفاظ والعبارات واللغات ولا نزاع في حدوثها، فلم قلتم إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث؟ قالت المعتزلة: ذلك المعنى الذي هو مدلول العبارات واللغات لا شك أن تعلقه الأول قد زال وحدث له تعلق آخر، فالتعلق الأول محدث لأنه زال والقديم لا يزول، والتعلق الثاني حادث لأنه حصل بعدما لم يكن، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات، وما لا ينفك عن هذه التعلقات (محدث) وما لا ينفك عن المحدث محدث والكلام الذي تعلقت به يلزم أن يكون محدثاً. أجاب الأصحاب: أن قدرة الله كانت في الأزل متعلقة بإيجاد العالم، فعند دخول العالم في الوجود هل بقي ذلك التعلق أو لم يبق؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق فيلزمكم حدوث قدرة الله على الوجه الذي ذكرتموه، وكذلك علم الله كان متعلقاً بأن العالم سيوجد، فعند دخول العالم في الوجود إن بقي التعلق الأول كان جهلاً، وإن لم يبق فيلزمكم كون التعلق الأول حادثاً، لأنه لو كان قديماً لما زال، وبكون التعلق الذي حصل بعد ذلك حادثاً فإذن عالمية الله تعالى لا تنفك عن التعلقات الحادثة، وما لا ينفك عن المحدث محدث فعالمية الله محدثة. فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية فهو جوابنا عن الكلام. المسألة العاشرة: احتجوا بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } على أن المعدوم شيء وقد تقدم وجه تقريره فلا نعيده، والقدير فعيل بمعنى الفاعل وهو بناء المبالغة.
القرطبي
تفسير : فيه خمس عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} «نُنْسِها» عطف على «ننسخ»، وحذفت الياء للجزم. ومن قرأ «نَنْسَأْها» حذف الضمة من الهمزة للجزم؛ وسيأتي معناه. {نَأْتِ} جواب الشرط، وهذه آية عظمى في الأحكام. وسببها أن اليهود لما حسدوا المسلمين في التوجّه إلى الكعبة وطعنوا في الإسلام بذلك، وقالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بشيء ثم ينهاهم عنه؛ فما كان هذا القرآن إلا من جهته، ولهذا يناقض بعضه بعضاً؛ فأنزل الله: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} تفسير : [النحل: 101] وأنزل «مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ». الثانية: معرفة هذا الباب أكيدة وفائدته عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتّب عليه من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البَخْتَرِيّ قال: دخل عليّ رضي الله عنه المسجد فإذا رجل يخوّف الناس؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يُذكّر الناس؛ فقال: ليس برجل يذكّر الناس! لكنه يقول أنا فلان ٱبن فلان فٱعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ٰ فقال: لا؛ قال: فٱخرج من مسجدنا ولا تُذكّر فيه. وفي رواية أُخرى: أعلمتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا؛ قال: هلكتَ وأهلكت. ومثله عن ٱبن عباس رضي الله عنهما. الثالثة: النسخ في كلام العرب على وجهين: أحدهما: النقل؛ كنقل كتاب من آخر. وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً؛ أعني من اللوح المحفوظ وإنزاله إلى بيت العِزّة في السماء الدنيا؛ وهذا لا مدخل له في هذه الآية؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنّاَ كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الجاثية: 29] أي نأمر بنسخه وإثباته. الثاني: الإبطال والإزالة، وهو المقصود هنا؛ وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما: إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه؛ ومنه نسخَتِ الشمسُ الظلَّ إذا أذهبته وحلّت محله؛ وهو معنى قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا}. وفي صحيح مسلم: «حديث : لم تكن نبوّة قطّ إلا تناسخت»تفسير : أي تحوّلت من حال إلى حال؛ يعني أمر الأمّة. قال ٱبن فارس: النّسخ نسخ الكتاب، والنّسخ أن تزيل أمراً كان من قبل يُعمل به ثم تنسخه بحاديث غيره؛ كالآية تنزل بأمر ثم ينسخ بأخرى. وكلّ شيء خلف شيئاً فقد ٱنتسخه؛ يقال: ٱنتسختِ الشمسُ الظلَّ، والشيبُ الشبابَ. وتناسُخِ الورثة: أن تموت ورثة بعد ورثة وأصل الميراث قائم لم يقسم؛ وكذلك تناسُخِ الأزمنة والقرون. الثاني: إزالة الشيء دون أن يقوم آخر مقامه؛ كقولهم: نسخت الريح الأثر؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: {أية : فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الحج: 52] أي يزيله فلا يتلى ولا يثبت في المصحف بدله. وزعم أبو عبيد أن هذا النسخ الثاني قد كان ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم السورة فتُرفع فلا تُتلى ولا تُكتب. قلت: ومنه ما روي عن أُبيّ بن كعب وعائشة رضي الله عنهما أن سورة «الأحزاب» كانت تعدل سورة البقرة في الطول؛ على ما يأتي مبيّناً هناك إن شاء الله تعالى. ومما يدل على هذا ما ذكره أبو بكر الأنباري حدّثنا أبي حدّثنا نصر بن داود حدّثنا أبو عبيد حدّثنا عبد اللَّه بن صالح عن اللّيث عن يونس وعقيل عن ٱبن شهاب قال: حدّثني أبو أمامة بن سهل ابن حُنيف في مجلس سعيد بن المسيّب «حديث : أن رجلاً قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها؛ فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: قمتُ الليلة يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء منها؛ فقام الآخر فقال: وأنا والله كذلك يا رسول الله؛ فقام الآخر فقال: وأنا والله كذلك يا رسول الله؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها مما نَسخ الله البارحة»»تفسير : . وفي إحدى الروايات: وسعيد بن المسيّب يسمع ما يحدّث به أبو أمامة فلا ينكره. الرابعة: أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه؛ وهم محجوجون بإجماع السَّلف السابق على وقوعه في الشريعة. وأنكرته أيضاً طوائف من اليهود؛ وهم محجوجون بما جاء في توراتهم بزعمهم أن الله تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة: إني قد جعلت كل دابة مأْكَلاً لك ولذريّتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العُشْب، ما خلا الدّم فلا تأكلوه. ثم قد حرّم على موسى وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان؛ وبما كان آدم عليه السلام يزوّج الأخ من الأخت؛ وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره، وبأن إبراهيم الخليل أمر بذبح ٱبنه ثم قال له: لا تذبحه؛ وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عَبَد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم؛ وبأن نبوّته غير متعبَّد بها قبل بعثه؛ ثم تُعبّد بها بعد ذلك، إلى غير ذلك. وليس هذا من باب البداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم؛ لضربٍ من المصلحة، إظهاراً لحكمته وكمال مملكته. ولا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء قُصد بها مصالح الخلق الدّينية والدنيويّة؛ وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالماً بمآل الأمور؛ وأما العالم بذلك فإنما تتبدّل خطاباته بحسب تبدّل المصالح؛ كالطبيب المراعي أحوال العليل؛ فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إلٰه إلا هو؛ فخطابه يتبدّل، وعلمه وإرادته لا تتغيّر، فإن ذلك محال في جهة الله تعالى. وجعلت اليهود النسخ والبداء شيئاً واحداً؛ ولذلك لم يجوّزوه فضَلُّوا. قال النحاس: والفرق بين النسخ والبداء أن النسخ تحويل العبادة من شيء إلى شيء قد كان حلالاً فيحرّم، أو كان حراماً فيُحلَّل. وأما البداء فهو ترك ما عزم عليه؛ كقولك: امض إلى فلان اليوم؛ ثم تقول لا تمض إليه؛ فيبدو لك العدول عن القول الأوّل؛ وهذا يلحق البشر لنقصانهم. وكذلك إن قلت: ازرع كذا في هذه السنة؛ ثم قلت: لا تفعل؛ فهو البداء. الخامسة: اعلم أن الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى، ويسمَّى الخطاب الشرعي ناسخاً تجوّزاً، إذ به يقع النسخ، كما قد يتجوّز فيسمّى المحكوم فيه ناسخاً، فيقال: صوم رمضان ناسخ لصوم عاشوراء؛ فالمنسوخ هو المزال، والمنسوخ عنه هو المتعبَّد بالعبادة المزالة، وهو المكلَّف. السادسة: اختلفت عبارات أئمتنا في حدّ الناسخ؛ فالذي عليه الحُذَّاق من أهل السُّنة أنه إزالة ما قد استقرّ من الحكم الشرعي بخطاب وارد متراخياً؛ هكذا حدّه القاضي عبد الوهاب والقاضي أبو بكر، وزادا: لولاه لكان السابق ثابتاً؛ فحافظا على معنى النسخ اللغوي، إذ هو بمعنى الرفع والإزالة، وتحرّزاً من الحكم العقلي، وذكر الخطاب ليعم وجوه الدلالة من النص والظاهر والمفهوم وغيره؛ وليخرج القياس والإجماع، إذ لا يتصوّر النسخ فيهما ولا بهما. وقيّدا بالتراخي؛ لأنه لو ٱتصل به لكان بياناً لغاية الحكم لا ناسخاً، أو يكون آخر الكلام يرفع أوّله؛ كقولك: قم لا تقم. السابعة: المنسوخ عند أئمتنا أهل السُّنة هو الحكم الثابت نفسه لا مثله؛ كما تقوله المعتزلة بأنه الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت فيما يستقبل بالنص المتقدّم زائل. والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحس صفة نفسيّة للحسن، ومراد الله حَسَن؛ وهذا قد أبطله علماؤنا في كتبهم. الثامنة: ٱختلف علماؤنا في الأخبار هل يدخلها النسخ؛ فالجمهور على أن النسخ إنما هو مختص بالأوامر والنواهي، والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقيل: إن الخبر إذا تضمّن حكماً شرعياً جاز نسخه؛ كقوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً}تفسير : [النحل: 67]. وهناك يأتي القول فيه إن شاء الله تعالى. التاسعة: التخصيص من العموم يُوهِم أنه نسخ وليس به؛ لأن المخصّص لم يتناوله العموم قطّ، ولو ثبت تناول العموم لشيء مّا ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخاً لا تخصيصاً؛ والمتقدّمون يطلقون على التخصيص نسخاً تَوَسُّعاً ومجازاً. العاشرة: اعلم أنه قد يرد في الشرع أخبار ظاهرها الإطلاق والاستغراق؛ ويرِد تقييدها في موضع آخر فيرتفع ذلك الإطلاق؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة: 186]. فهذا الحكم ظاهره خبر عن إجابة كل داعٍ على كل حال؛ لكن قد جاء ما قيّده في موضع آخر؛ كقوله: {أية : فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ}تفسير : [الأنعام: 41]. فقد يظنّ من لا بصيرة عنده أن هذا من باب النسخ في الأخبار وليس كذلك، بل هو من باب الإطلاق والتقييد. وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان في موضعها إن شاء الله تعالى. الحادية عشرة: قال علماؤنا رحمهم الله تعالى: جائز نسخ الأثقل إلى الأخف؛ كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين. ويجوز نسخ الأخف إلى الأثقل؛ كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان؛ على ما يأتي بيانه في آية الصيام. ويُنْسَخ المِثْل بمثْله ثِقلاً وخِفة، كالقِبلة. ويُنسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النَّجْوَى. ويُنسخ القرآن بالقرآن. والسُّنةُ بالعِبارة؛ وهذه العِبارة يراد بها الخبر المتواتر القطعي. ويُنسخ خبر الواحد بخبر الواحد. وحُذّاق الأئمة على أن القرآن يُنسخ بالسُّنة، وذلك موجود في قوله عليه السلام: «حديث : لا وصية لوارث»تفسير : . وهو ظاهر مسائل مالك. وأَبى ذلك الشافعي وأبو الفرج المالكي؛ والأوّل أصح، بدليل أن الكل حكم الله تعالى ومن عنده وإن ٱختلفت في الأسماء. وأيضاً فإن الجلد ساقط في حدّ الزنى عن الثيّب الذي يُرجم، ولا مسقط لذلك إلا السُّنة فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا بيّن. والحذّاق أيضاً على أن السُّنة تنسخ بالقرآن وذلك موجود في القِبلة، فإن الصلاة إلى الشام لم تكن في كتاب الله تعالى. وفي قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلْكُفَّارِ} تفسير : [الممتحنة: 10] فإن رجوعهن إنما كان بصلح النبيّ صلى الله عليه وسلم لقريش. والحذّاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلاً، وٱختلفوا هل وقع شرعاً؛ فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قُبَاء، على ما يأتي بيانه؛ وأبى ذلك قوم. ولا يصح نسخ نصّ بقياس؛ إذ من شروط القياس ألا يخالِف نصًّا. وهذا كله في مدّة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته وٱستقرار الشريعة فأجمعت الأمّة أنه لا نسخ؛ ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا يُنسخ به إذ ٱنعقاده بعد ٱنقطاع الوحي؛ فإذا وجدنا إجماعاً يخالف نصاً فيُعلم أن الإجماع ٱستند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن، وأن ذلك النصّ المخالف متروك العمل به، وأن مقتضاه نُسخ وبقي سنة يُقرأ ويُروى؛ كما آية عدّة السَّنة في القرآن تُتْلَى؛ فتأمّل هذا فإنه نفيس، ويكون من باب نسخ الحكم دون التلاوة؛ ومثله صدقة النَّجْوَى. وقد تُنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم. وقد تُنسخ التلاوة والحكم معاً؛ ومنه قول الصدّيق رضي الله عنه: كنا نقرأ «لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر» ومثله كثير. والذي عليه الحُذّاق أن من لم يبلغه الناسخ فهو متعبّد بالحكم الأوّل؛ كما يأتي بيانه في تحويل القبلة. والحُذّاق على جواز نسخ الحُكم قبل فعله، وهو موجود في قصة الذبيح، وفي فرض خمسين صلاة قبل فعلها بخمس؛ على ما يأتي بيانه في «الإسراء» و «الصافات»، إن شاء الله تعالى. الثانية عشرة: لمعرفة الناسخ طُرُق؛ منها: أن يكون في اللفظ ما يدل عليه؛ كقوله عليه السلام: «حديث : كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ونهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الأَدم فاشربوا في كل وعاء غير ألاّ تشربوا مُسْكِراً»تفسير : ونحوه. ومنها ـ أن يذكر الراوي التاريخ؛ مثل أن يقول: سمعت عام الخَنْدق، وكان المنسوخ معلوماً قبله. أو يقول: نُسخ حكم كذا بكذا. ومنها أن تجمع الأمة على حُكم أنه منسوخ وأن ناسخه متقدّم. وهذا الباب مبسوط في أصول الفقه، نبّهنا منه على ما فيه لمن ٱقتصر كفاية، والله الموفّق للهداية. الثالثة عشرة: قرأ الجمهور «مَا نَنْسَخ» بفتح النون، من نَسَخ، وهو الظاهر المستعمل على معنى: ما نرفع من حكم آية ونُبقي تلاوتها؛ كما تقدّم. ويحتمل أن يكون المعنى: ما نرفع من حكم آية وتلاوتها؛ على ما ذكرناه. وقرأ ٱبن عامر «نُنسخ» بضم النون، من أنسخت الكتاب؛ على معنى وجدته منسوخاً. قال أبو حاتم: هو غلط. وقال الفارسي أبو عليّ: ليست لغة؛ لأنه لا يقال: نَسَخ وأنسخ بمعنىً، إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخاً؛ كما تقول: أحمدت الرجل وأبخلته، بمعنى وجدته محموداً وبخيلاً. قال أبو عليّ: وليس نجده منسوخاً إلا بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى وإن ٱختلفتا في اللفظ. وقيل: «ما ننسخ» ما نجعل لك نسخه؛ يقال: نسخت الكتاب إذا كتبته، وٱنتسخته غيري إذا جعلت نسخة له. قال مَكيّ: ولا يجوز أن تكون الهمزة للتعدّي؛ لأن المعنى يتغيّر، ويصير المعنى ما ننسخك من آية يا محمد؛ وإنساخه إياها إنزالها عليه، فيصير المعنى ما ننزل عليك من آية أو ننسِها نأت بخير منها أو مثلها، فيؤول المعنى إلى أن كل آية أنزلت أتى بخير منها؛ فيصير القرآن كله منسوخاً وهذا لا يمكن؛ لأنه لم يُنسخ إلا اليسير من القرآن. فلما ٱمتنع أن يكون أفعل وفَعَل بمعنىً إذ لم يسمع، وٱمتنع أن تكون الهمزة للتعدّي لفساد المعنى، لم يبق ممكن إلا أن يكون من باب أحمدته وأبخلته إذا وجدته محموداً أو بخيلاً. الرابعة عشرة: قوله تعالى: {أَوْ نُنسِهَا} قرأ أبو عمرو وٱبن كَثير بفتح النون والسين والهمز، وبه قرأ عمر وٱبن عباس وعطاء ومجاهد وأُبَيّ بن كعب وعبيد بن عُمير والنَّخعِيّ وٱبن مُحَيْصِن، من التأخير؛ أي نؤخّر نسخ لفظها، أي نتركه في آخر أم الكتاب فلا يكون. وهذا قول عطاء. وقال غير عطاء: معنى أو ننسأها: نؤخرها عن النسخ إلى وقت معلوم؛ من قولهم: نسأت هذا الأمر إذا أخرته؛ ومن ذلك قولهم: بعثه نَسْأً إذا أخّرته. قال ٱبن فارس: ويقولون: نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك. وقد ٱنتسأ القوم إذا تأخّروا وتباعدوا، ونسأتهم أنا أخرتهم. فالمعنى نؤخّر نزولها أو نسخها على ما ذكرنا. وقيل: نذهبها عنكم حتى لا تقرأ ولا تذكر. وقرأ الباقون «ننسها» بضم النون، من النسيان الذي بمعنى الترك، أي نتركها فلا نبدّلها ولا ننسخها؛ قاله ٱبن عباس والسُّدى؛ ومنه قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب. وٱختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم، قال أبو عبيد: سمعت أبا نُعيم القارىء يقول: قرأت على النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام بقراءة أبي عمرو فلم يغيّر عليّ إلا حرفين؛ قال: قرأت عليه «أَرْنا» فقال: أَرِنا؛ فقال أبو عبيد: وأحسب الحرف الآخر «أو ننسأها» فقال: «أو ننسها». وحكى الأزهري «ننسها» نأمر بتركها؛ يقال: أنسيته الشيء أي أمرت بتركه؛ ونسيته تركته؛ قال الشاعر:شعر : إن عليّ عُقْبة أقضِيها لستُ بناسِيها ولا مُنْسِيها تفسير : أي ولا آمر بتركها. وقال الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجّه فيها معنى الترك؛ لا يقال: أنسى بمعنى ترك، وما روى عليّ بن أبي طلحة عن ٱبن عباس «أو ننسها» قال: نتركها لانبدّلها؛ فلا يصح. ولعل ٱبن عباس قال: نتركها؛ فلم يضبط. والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى «أو ننسها» نبح لكم تركها؛ من نسى إذا ترك، ثم تعدّيه. وقال أبو عليّ وغيره: ذلك مُتّجه؛ لأنه بمعنى نجعلك تتركها. وقيل: من النسيان على بابه الذي هو عدم الذكر، على معنى أو ننسكها يا محمد فلا تذكرها؛ نقل بالهمز فتعدّى الفعل إلى مفعولين: وهما النبيّ والهاء، لكن ٱسم النبيّ محذوف. الخامسة عشرة: قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} لفظة «بخير» هنا صفة تفضيل؛ والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجلٍ إن كانت الناسخة أخف، وفي آجلٍ إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية. وقال مالك: مُحْكَمة مكان منسوخة. وقيل: ليس المراد بأخير التفضيل؛ لأن كلام الله لا يتفاضل، وإنما هو مثل قوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا}تفسير : [النمل: 89] أي فله منها خير، أي نفع وأجر، لا الخير الذي هو بمعنى الأفضل، ويدلّ على القول الأوّل قوله: «أو مِثلِها».
البيضاوي
تفسير : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} نزلت لما قال المشركون أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه. والنسخ في اللغة: إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره، كنسخ الظل للشمس والنقل، ومنه التناسخ. ثم استعمل لكل واحد منهما كقولك: نسخت الريح الأثر، ونسخت الكتاب. ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها، أو الحكم المستفاد منها، أو بهما جميعاً. وإنساؤها إذهابها عن القلوب، وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية. وقرأ ابن عامر ما ننسخ من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها، أو نجدها منسوخة. وابن كثير وأبو عمرو «ننسأها» أي نؤخرها من النسء. وقرىء «ننسها» أي ننس أحداً إياها، و «ننسها» أي أنت، و «تنسها» على البناء للمفعول، و «ننسكها» بإضمار المفعولين {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } أي بما هو خير للعباد في النفع والثواب، أو مثلها في الثواب. وقرأ أبو عمرو بقلب الهمزة ألفاً. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ، أو بما هو خير منه. والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإِنزال إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة، وذلك لأن الأحكام شرعت، والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً من الله ورحمة، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص، كأسباب المعاش فإن النافع في عصر قد يضر في عصر غيره. واحتج بها من منع النسخ بلا بدل، أو ببدل أثقل. ونسخ الكتاب بالسنة، فإن الناسخ هو المأتي به بدلاً والسنة ليست كذلك والكل ضعيف، إذ قد يكون عدم الحكم، أو الأثقل أصلح. والنسخ قد يعرف بغيره، والسنة مما أتى به الله تعالى، وليس المراد بالخير والمثل ما يكون كذلك في اللفظ. والمعتزلة على حدوث القرآن فإن التغير والتفاوت من لوازمه. وأجيب: بأنهما من عوارض الأمور المتعلقة بالمعنى القائم بالذات القديم.
ابن كثير
تفسير : قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ}: ما نبدل من آية، وقال ابن جريج عن مجاهد: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} أي: ما نمحو من آية، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} قال: نثبت خطها، ونبدل حكمها، حدث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود رضي الله عنهم. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية ومحمد بن كعب القرظي نحو ذلك، وقال الضحاك: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ}: ما ننسك، وقال عطاء: أما {مَا نَنسَخْ}: فما نترك من القرآن. وقال ابن أبي حاتم: يعني: ترك، فلم ينزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وقال السدي {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ}: نسخها: قبضها. وقال ابن أبي حاتم: يعني: قبضها ورفعها، مثل قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة»، وقوله: «لو كان لابن آدم واديان من ذهب، لابتغى لهما ثالثاً» وقال ابن جرير: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ}: ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله ونغيره، وذلك أن نحول الحلال حراماً، والحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأماالأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، وأصل النسخ؛ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة إلى أخرى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره، إنما هو تحويله، ونقل عبارة إلى غيرها، وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول، فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب، لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء. ولحظ بعضهم أن رفع الحكم بدليل شرعي متأخر، فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى بدل، وأما تفاصيل أحكام النسخ، وذكر أنواعه وشروطه، فمبسوطة في أصول الفقه. وقال الطبراني: أخبرنا أبو سنبل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، أخبرنا أبي أخبرنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانا يقرأان بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها»تفسير : ، فكان الزهري يقرؤها: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا}، بضم النون الخفيفة، سليمان بن الأرقم ضعيف. وقد روى أبو بكر بن الأنباري عن أبيه عن نصر بن داود عن أبي عبيد الله عن عبد الله بن صالح عن الليث عن يونس وعقيل عن ابن شهاب عن أمامة بن سهل بن حنيف، مثله مرفوعاً، ذكره القرطبي. وقوله تعالى: {أَوْ نُنسِهَا}، فقرىء على وجهين: ننسأها، وننسها، فأما من قرأها بفتح النون والهمزة بعد السين، فمعناه: نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة: عن ابن عباس: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا}، يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها. وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: أو ننسأها: نثبت خطها، ونبدل حكمها، وقال عبد بن عمير ومجاهد وعطاء: أو ننسأها: نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: أو ننسأها: نؤخرها فلا ننسخها، وقال السدي: مثله أيضاً، وكذا الربيع بن أنس، وقال الضحاك: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا}، يعني الناسخ والمنسوخ. وقال أبو العالية: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} نؤخرها عندنا، وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، أخبرنا خلف، أخبرنا الخفاف، عن إسماعيل، يعني ابن أسلم، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خطبنا عمر رضي الله عنه، فقال: يقول الله عز وجل: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا}، أي: نؤخرها، وأما على قراءة: {أَوْ نُنسِهَا}، فقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا}، قال: كان الله عز وجل: ينسي نبيه صلى الله عليه وسلم ما يشاء، وينسخ ما يشاء. وقال ابن جرير: أخبرنا سواد بن عبد الله، أخبرنا خالد بن الحارث، أخبرنا عوف، عن الحسن أنه قال: في قوله: {أَوْ نُنسِهَا} قال: إِن نبيكم صلى الله عليه وسلم قرأ علينا قرآناً ثم نسيه. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا ابن نفيل، أخبرنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج، يعني الجزري، عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل، وينساه بالنهار، فأنزل الله عز وجل: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، قال ابن أبي حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جزري. وقال عبيد بن عمير: {أَوْ نُنسِهَا}: نرفعها من عندكم، وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، أخبرنا هشيم، عن يعلى بن عطاء عن القاسم بن ربيعة، قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: {أَوْ ننساها} قال: فقال سعد: إن القرآن، لم ينزل على المسيب، ولا على آل المسيب، قال: قال الله جل ثناؤه: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى: 6] {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : [الكهف: 24]، وكذا رواه عبد الرزاق عن هشيم، وأخرجه الحاكم في مستدركه، من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم عن شعبة عن يعلى بن عطاء به، وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب وقتادة وعكرمة نحو قول سعيد. وقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان الثوري: عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال عمر: عليّ أقضانا وأبيّ أقرؤنا، وإنا لندع من قول أبي، وذلك أن أبياً يقول: ما أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم والله يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، قال البخاري: أخبرنا يحيى أخبرنا سفيان عن حبيب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أبيّ، وأقضانا عليّ، وإِنا لندع من قول أبيّ، وذلك أن أبياً يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} وقوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} ويقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم. وقال أبو العالية: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} فلا نعمل بها {أو ننسأها}، أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها، وقال السدي: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه. وقال قتادة: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي. وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}، يرشد عباده تعالى بهذا، إلى أنه المتصرف في خلقه، بما يشاء، فله الخلق والأمر، وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره، واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم، لعنهم الله، في دعوى استحالة النسخ، إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً، قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد، أن لي ملك السموات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بماأشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي، بما أشاء إذ أشاء، وأقر فيهما ما أشاء، ثم قال: وهذا الخبر وإن كان خطاباً من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه جل ثناؤه تكذيب لليهود، الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته، وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه. (قلت): الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى، لأنه يحكم ما يشاء، كما أنه يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح، بعد خروجه من السفينة، أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حل بعضها، وكان نكاح الأختين مباحاً لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها، وأمر إبراهيم عليه السلام بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بني إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل، وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه، وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا يصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، وكما في كتبهم مشهوراً من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته، وسواء قيل: إن الشرائع المتقدمة مغيّاة إلى بعثته عليه السلام، فلا يسمى ذلك نسخاً؛ لقوله: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ}تفسير : [البقرة: 187]، وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم نسختها، فعلى كل تقدير، فوجوب متابعته متعين، لأنه جاء بكتاب، وهو آخر الكتب عهداً بالله تبارك وتعالى، ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، رداً على اليهود عليهم لعنة الله، حيث قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}تفسير : [الأعراف: 54] وقرىء في سورة آل عمران، التي نزل في صدرها خطاباً مع أهل الكتاب، وقوع النسخ في قوله تعالى: {أية : كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِـلاًّ لِّبَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَٰءِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ}تفسير : [آل عمران: 93] الآية، كما سيأتي تفسيره. والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى؛ لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وكلهم قال بوقوعه، وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن. وقوله ضعيف مردود مرذول، وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول، لم يجب عن ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة عن بيت المقدس لم يجب بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : ولما طعن الكفار في النسخ وقالوا إنّ محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً نزل: {مَا } شرطية {نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } أي: نُزِلْ حكمها إما مع لفظها أو لا وفي قراءة بضم النون من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها {أَوْ ننسها} نؤخرها فلانَزِلَ حكمها ونرفع تلاوتها أو نؤخرها في اللوح المحفوظ وفي قراءة بلا همز من النسيان: أي نُنْسِكها،أي نمحها من قلبك، وجواب الشرط { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا } أنفع للعباد في السهولة أو كثرة الأجر {أَوْ مِثْلِهَا } في التكليف والثواب. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } ومنه النسخ والتبديل والاستفهام للتقرير.
الشوكاني
تفسير : النسخ في كلام العرب على وجهين: أحدهما: النقل، كنقل كتاب من آخر، وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً، أعنى من اللوح المحفوظ، فلا مدخل لهذا المعنى في هذه الآية، ومنه: {أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الجاثية: 29] أي نأمر بنسخه. الوجه الثاني: الإبطال، والإزالة. وهو المقصود هنا. وهذا الوجه الثاني ينقسم إلى قسمين عند أهل اللغة. أحدهما: إبطال الشيء، وزواله، وإقامة آخر مقامه، ومنه نسخت الشمس الظل: إذا أذهبته، وحلت محله، وهو: معنى قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ } وفي صحيح مسلم: «حديث : لم تكن نبوّة قط إلا تناسخت»تفسير : أي: تحوّلت من حال إلى حال. والثاني إزالة الشيء دون أن يقوم مقامه آخر كقولهم: نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى {أية : فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَـٰنُ }تفسير : [الحج: 52] أي: يزيله. وروي عن أبي عبيد أن هذا قد كان يقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت تنزل عليه السورة، فترفع، فلا تتلى، ولا تكتب. ومنه ما روي عن أُبيّ، وعائشة، أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول. قال ابن فارس: النسخ نسخ الكتاب، والنسخ أن تزيل أمراً كان من قبل يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره، كالآية تنزل بأمر، ثم تنسخ بأخرى، وكل شيء خلف شيئاً، فقد انتسخه، يقال نسخت الشمس الظل، والشيب الشباب، وتناسخ الورثة أن يموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم، وكذا تناسخ الأزمنة والقرون. وقال ابن جرير: {مَا نَنسَخْ } ما ننقل من حكم آية إلى غيره، فنبدله، ونغيره، وذلك أن نحوّل الحلال حراماً، والحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي، والحظر والإطلاق والمنع، والإباحة، فأما الأخبار، فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى غيره وسواء نسخ حكمها، أو خطها، إذ هي في كلتي حالتيها منسوخة. انتهى. وقد جعل علماء الأصول مباحث النسخ من جملة مقاصد ذلك الفن، فلا نطول بذكره، بل نحيل من أراد الاستشفاء عليه. وقد اتفق أهل الإسلام على ثبوته سلفاً، وخلفاً، ولم يخالف في ذلك أحد إلا من لا يعتدَّ بخلافه ولا يؤبه لقوله. وقد اشتهر عن اليهود، أقمأهم الله إنكاره، وهم محجوجون بما في التوراة أن الله قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة: إني قد جعلت كل دابة مأكلاً لك، ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم، فلا تأكلوه، ثم وقد حرّم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى بني اسرائيل كثيراً من الحيوان، وثبت في التوراة أن آدم كان يزوّج الأخ من الأخت، وقد حرّم الله ذلك على موسى عليه السلام، وعلى غيره. وثبت فيها أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ابنه، ثم قال الله له لا تذبحه، وبأن موسى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل، ثم أمرهم برفع السيف عنهم، ونحو هذا كثير في التوراة الموجودة بأيديهم. وقوله: {أَوْ نُنسِهَا } قرأ أبو عمرو، وابن كثير بفتح النون، والسين، والهمز، وبه قرأ عمر، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد وأبيّ بن كعب، وعبيد بن عمير والنخعي، وابن محيصن، ومعنى هذه القراءة نؤخرها عن النسخ، من قولهم: نسأت هذا الأمر: إذا أخرته. قال ابن فارس: ويقولون: نسأ الله في أجلك، وأنسأ الله أجلك. وقد انتسأ القوم: إذا تأخروا، وتباعدوا، ونسأتهم أنا: أخرتهم. وقيل: معناه نؤخر نسخ لفظها؛ أي نتركه في أم الكتاب، فلا يكون. وقيل: نذهبها عنكم حتى لا تقرأ، ولا تذكر، وقرأ الباقون {نُنسِهَا } بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك، أي: نتركها، فلا نبدلها، ولا ننسخها، ومنه قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }تفسير : [التوبة: 67] أي تركوا عبادته، فتركهم في العذاب. واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، وحكى الأزهري أن معناه: نأمر بتركها يقال: أنسيته الشيء، أي أمرته بتركه، ونسيته تركته، ومنه قول الشاعر:شعر : إن عليّ عُقْبة أقْضِيها لستُ بناسِيها ولا مُنْسِيها تفسير : أي: ولا آمر بتركها. وقال الزجاج: إن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى بمعنى ترك؛ قال: وما روى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {أَوْ نُنسِهَا } قال: نتركها لا نبدلها، فلا يصح، والذي عليه أكثر أهل اللغة، والنظر أن معنى: {أَوْ نُنسِهَا } نبح لكم تركها، من نسي إذا ترك، ثم تعديه. ومعنى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } نأت بما هو: أنفع للناس منها في العاجل والآجل، أو في أحدهما، أو بما هو مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ، فقد يكون الناسخ أخفّ، فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر، فيكون أنفع لهم في الآجل، وقد يستويان، فتحصل المماثلة. وقوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } يفيد أن النسخ من مقدوراته، وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية، وهكذا قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ } أي: له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم. وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، والأشخاص، وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال. وقد أخرج ابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن عدي، وابن عساكر، عن ابن عباس، قال: كان مما ينزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل، وينساه بالنهار، فأنزل الله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } وفي إسناده الحجاج الرَّقِّي ينظر فيه. وأخرج الطبراني، عن ابن عمر، قال: «قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : إنها مما نسخ، أو نسي، فالهوا عنها» تفسير : وفي إسناده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس، في قوله: "مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ ننسأها" يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها: {نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم. وأخرج ابن أبي حاتم، عنه أنه قال: ننسأها نؤخرها. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ} قال: نثبت خطها ونبدل حكمها: "أَوْ ننساها" قال: نؤخرها. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } يقول فيها تخفيف فيها رخصة فيها أمر، فيها نهي. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن الأنباري في المصاحف، وأبو ذرّ الهروى في فضائله، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف؛ «أن رجلاً كانت معه سورة، فقام من الليل: فقام بها، فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأ بها، فلم يقدر عليها، وقام آخر، فلم يقدر عليها، فأصبحوا، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا عنده، فأخبروه، فقال: "حديث : إنها نسخت البارحة"تفسير : وقد روى نحوه عنه من وجه آخر. وقد ثبت في البخاري، وغيره عن أنس، أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة: «أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضى عنا، وأرضانا» ثم نسخ، وهكذا ثبت في مسلم، وغيره عن أبي موسى قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول، والشدّة ببراءة، فأنسيتُها، غير أني حفظت منها: «لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلا التراب» وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، أوّلها {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [الحديد: 1، الحشر: 1، الصف: 1] فأنسيناها، غير أني حفظت منها: «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألوا عنها يوم القيامة» وقد روى مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة، ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق، وأحمد، وابن حبان، عن عمر.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} في (معنى) نسخها ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه قبضها، وهو قول السدي. والثاني: أنه تبديلها، وهو قول ابن عباس. والثالث: أنه إثبات خطها وتبديل حكمها، وهو قول ابن مسعود. {أَوْ نُنسِهَا} فيه قراءتان: أحدهما: هذه، والثانية: {أو ننسأها}. فمن قرأ: {أو ننسها} ففي تأويله أربعة أوجه: أحدها: أنه بمعنى أو نمسكها، وقد ذكر أنها كانت في مصحف عبد الله ابن مسعود: {ما نُمْسِكُ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نَنْسَخْهَا نَجِيءُ بِخَيرٍ مِنْهَا أَو مِثْلِهَا} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يقرأ الآية، ثم يَنْسَى وَتُرْفَعُ، وكان سعد بن أبي وقاص يقرأ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ نَنَسَهَا}، بمعنى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون تقديره أو تنسى أنت يا محمد، وقال القاسم بن ربيعة لسعد بن أبي وقاص: فإن سعيد بن المسيب يقرأ: {أو ننسها}، فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيب، ولا على آل المسيب قال الله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى} تفسير : [الأعلى: 6] {أية : وآذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} تفسير : [الكهف: 24] وهذا معنى قول مجاهد وقتادة. والثاني: أن ذلك بمعنى الترك، من قوله تعالى: {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُم}، أي تركوه فتركهم، فيكون تقدير الكلام: {ما ننسخ من آية} يعني نَرفَعُها ونبدِّلُها، {أو نُنْسِهَا} أي نتركها ولا نبدلها ولا ننسخها، وهذا قول ابن عباس والسدي. والثالث: أن قوله ما ننسخ من آية أو ننسها قال: الناسخ والمنسوخ، وهذا قول الضحاك. والرابع: أن معنى ننسها أي نَمْحُها، وهذا قول ابن زيد. وأما من قرأ: {أو نَنْسَأُهَا} فمعناه نؤخرها، من قولهم نَسَأْتُ هذا الأمر، إذا أخرته، ومن ذلك قولهم: بعت بنسَاءٍ أي بتأخير، وهذا قول عطاء وابن أبي نجيح. {نَأْتِ بِخَيرٍ مِّنْها أو مِثْلِهَا} فيه تأويلان: أحدهما: أي خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم، وهذا قول ابن عباس: والثاني: أن معنى خير منها، أي أخف منها، بالترخيص فيها، وهذا معنى قول قتادة. فيكون تأويل الآية، ما نغير من حكم آية فنبدله، أو نتركه فلا نبدله، نأت بخير لكم أيها المؤمنون حكماً منها، إما بالتخفيف في العاجل، كالذي كان من نسخ قيام الليل تخفيفاً، وإما بالنفع بكثرة الثواب في الآجل، كالذي كان من نسخ صيام أيام معدودات بشهر رمضان. وقوله تعالى: {أَوَ مِثْلِهَا} يعني مثل حكمها، في الخفة والثقل والثواب والأجر، كالذي كان من نسخ استقبال بيت المقدس، باستقبال الكعبة، وذلك مثله في المشقة والثواب {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٌُ قَدِيرٌ}. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ} فإن قيل: أو كان النبي صلى الله عليه وسلم غير عالم بأن الله على كل شيء قدير، وأن الله له ملك السموات والأرض؟ قيل: عن هذا ثلاثة أجوبة: أحدها: أن قوله ألم تعلم بمعنى أعلمت. والثاني: أنه خارج مخرج التقرير، لا مخرج الاستفهام. كما قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ: اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَم أَنتَ قُلْتَ لِلْنَّاسِ: اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ} تفسير : [المائدة: 116] خرج مخرج التقرير لا مخرج الاستفهام. والثالث: أن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته، ألا تراه قال بعد ذلك: {وَمَا لَكُم مِّنْ دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا نَنسَخْ} نسخها: قبضها، أو تبديلها، أو تبديل حكمها مع بقاء رسمها. {أَوْ نُنسِهَا} ننسكنها، كان يقرأ الآية ثم ينسى وترفع، أو يريد به الترك: أي ما نرفع من آية، أو نتركها فلا نرفعها قاله ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ، "قلت: وفيه إشكال ظاهر"، أو يريد به نمحها {نَنْسَأَها} نؤخرها أنسأت أخرت، ومنه بيع النسيئة. {بِخَيْرٍ مِّنْهَآ} أنفع، وأرفق، وأخف، فيكون الناسخ أكثر ثواباً آجلاً، كنسخ صوم أيام معدودات برمضان، أو أخف عاجلاً، كنسخ قيام الليل. {أَوْ مِثْلِهَا} مثل حكمها في الخفة والثقل والثواب، كنسخ التوجه إلى القدس بالتوجه إلى الكعبة، فإنه مثله في المشقة والثواب. {أَلَمْ تَعْلَمْ} بمعنى أما علمت، أو هو تقرير وليس باستفهام، أو خوطب به والمراد أمته، ولذلك أردفه بقوله: {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ}.
النسفي
تفسير : {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا } تفسير النسخ لغة التبديل، وشريعة بيان انتهاء الحكم الشرعي المطلق الذي تقرر في أوهامنا استمراره بطريق التراخي فكان تبديلاً في حقنا بياناً محضاً في حق صاحب الشرع. وفيه جواب عن البداء الذي يدعيه منكروه ــ أعني اليهود ــ ومحله حكم يحتمل الوجود والعدم في نفسه لم يلحق به ما ينافي النسخ من توقيت أو تأبيد، ثبت نصاً أو دلالة. وشرطه التمكن من عقد القلب عندنا دون التمكن من الفعل خلافاً للمعتزلة. وإنما يجوز النسخ بالكتاب والسنة متفقاً ومختلفاً ويجوز نسخ التلاوة والحكم، والحكم دون التلاوة، والتلاوة دون الحكم ونسخ وصف بالحكم مثل الزيادة على النص فإنه نسخ عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله. والإنساء أن يذهب بحفظها عن القلوب «أو ننسأها» مكي وأبو عمرو أي نؤخرها من نسأت أي أخرت {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أي نأت بآية خير منها للعباد أي بآية العمل بها أكثر للثواب. {أَوْ مِثْلِهَا } في ذلك إذ لا فضيلة لبعض الآيات على البعض {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } أي قادر فهو يقدر على الخير وعلى مثله {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } فهو يملك أموركم ويدبرها وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ أو منسوخ. {وَمَا لَكُم مّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ } يلي أمركم {وَلاَ نَصِيرٍ } ناصر يمنعكم من العذاب {أَمْ تُرِيدُونَ } «أم» منقطعة وتقديره بل أتريدون { أَن تَسْـئَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} روي أن قريشاً قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً ووسع لنا أرض مكة فنهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه حين قالوا اجعل لنا إلهاً. {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَـٰنِ } ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة وشك فيها واقترح غيرها {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء ٱلسَّبِيلِ } قصده ووسطه. {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم } أن يردوكم {مِن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا } حال من «كم» أي يردونكم عن دينكم كافرين، نزلت حين قالت اليهود للمسلمين بعد واقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق لما هزمتم فارجـعوا إلى ديننا فهو خير لكم. {حَسَدًا } مفعول له أي لأجل الحسد وهو الأسف على الخير عند الغير {مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } يتعلق بـ «ودّ» أي ودوا من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق لأنهم ودوا ذلك {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ } أي من بعد علمهم بأنكم على الحق، أو بـ «حسداً» أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم. {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ } فاسلك بهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة {حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } بالقتال {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فهو يقدر على الانتقام منهم. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما {تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ } تجدوا ثوابه عنده {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فلا يضيع عنده عمل عامل. والضمير في {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ } لأهل الكتاب من اليهود والنصارى أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلفّ بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما صاحبه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء }؟ وهود جمع هائد كعائذ وعوذ وواحد اسم كان للفظ «من»، وجمع الخبر لمعناه. {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } أشير بها إلى الأماني المذكورة وهي أمنيتهم ألا ينزل على المؤمنين خير من ربهم وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم. والأمنية أفعولة من التمني مثل الأضحوكة. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ } هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة. وهات بمنزلة هاء بمعنى أحضر وهو متصل بقولهم«لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى» و«تلك أمانيهم» اعتراض. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في دعواكم. {بَلَىٰ } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة. {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره. {وَهُوَ مُحْسِنٌ } مصدق بالقرآن. {فَلَهُ أَجْرُهُ } جواب «من أسلم». و«هو» كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط و«بلى» رد لقولهم. {عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا...} تكلم ابن عطية هنا كلاما حسنا من جملته أن قال: المنسوخ عند أيمتنا هو الحكم الثابت نفسه لا ما ذهبت إليه المعتزلة من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل، وقادهم إلى ذلك مذهبهم من أن الأوامر مرادة، ثم قال: والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به لأن المخصص لا يتناوله العموم فقط. قال ابن عرفة: قالوا: وليس معناه أنه لم يكن (مرادا لئلا يلزم عليه كون الأمر غير الإرادة، وإنما معناه أنه لم يكن) متعلق الحكم، ومنهم من قال: رفع الحكم إن كان قبل العمل به فهو تخصيص وإن كان بعد العمل به فهو نسخ. قال ابن عطية: وقد ينسخ الأثقل بالأخف كنسخ قتال الواحد للعشرة. قال ابن عرفة: والثقل والخفة باعتبار المصالح، فقد يكون متعلق هذه المصلحة أرجح من متعلق المصلحة الأخرى أو مساويا لها. ولا شك أن وقوف الواحد للعشرة (ثوابه) يكون أعظم من ثواب ما هو أخف منه لكنه نادر، وليس بأكثري الوقوع فنسخ بما هو أخف منه وأقل ثوابا لكونه أكثري الوقوع، فيتعدد ثوابه ويكثر بتعدد وقوعه، والأخف بالأثقل كنسخ صوم عاشوراء/ بصيام رمضان. قال: وأجمعوا على جواز نسخ القرآن بخبر الواحد. قال أبو المعالي؛ إنه واقع في مسجد قباء لأنهم كانوا يصلون فيه العصر إلى بيت المقدس، فمر بهم بعض الصحابة، فأخبرهم أن القبلة حولت إلى مكة، فتحولوا في الصلاة. ومنع ذلك قوم، وقالوا: إنما نسخ بالقرآن. قال: ولا يصح نسخ النص بالقياس. وقال ابن عرفة: لأن النص المقيس عليه إما أن يكون موافقا لذلك (النص) المنسوخ أو مخالفا فإن كان (موافقا) فلا نسخ، وإن كان (مخالفا) فهو النّاسخ (لا) القياس. ولا ينسخ النص بالإجماع لأنه إنما يكون في حياة النّبي صلى الله عليه وسلم والإجماع إنما هو بعد وفاته. قيل لابن عرفة: قد حكى الأصوليون عن أبي مسلم أنه أنكر وقوع النسخ من أصله؟ فقال ابن عرفة: إنما ذلك في الفروع والأحكام الظنية، وأما باعتبار الملة فلا خلاف بين المسلمين في وقوعه وأنّه تنسخ ملة بملة. وإنما الكلام فيه باعتبار الشخص الواحد هل يصح نسخ الحكم في ملته (بحكم آخر أم لا) قولان. قوله تعالى؛ {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَا...}. الخير باعتبار المصالح الشرعية، فقد يكون متعلق الحكم يستلزم مصلحة أرجح (من مصلحة أو مثلها ومعنى {نُنسِها} أي نؤخرها فتعجيل نسخها أو تأخير نزولها إنما هو لتعجيل الإتيان بما مصلحته أرجح). وفيه تأخير البيان إلى وقت الحاجة. واحتج الفخر الرازي في المحصول بهذه الآية على جواز النسخ ووقوعه. ورد عليه السراج في التحصيل بأنها قضية شرطية لا تدل على وقوع ولا على إمكان الوقوع كقوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : وأجاب عنه ابن الخطيب شمس الدين الجزري بأن الاية خرجت مخرج المدح، والمدح لا يكون إلا بما (هو) واقع بالفعل لأن الله تعالى قال:{نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. فقد أثنى على نفسه جل وعلا بذلك. قال ابن عرفة: والتحقيق في هذا (أن) المدح دال على جواز النسخ وإمكانه لا وقوعه كما تقول: فلان قادر على أن يعطي ألف درهم وإن لم يعطها بالفعل، فالمدح بذلك دال على أن إعطاءه غير محال بل هو ممكن سواء وقع بالفعل أم لم يقع. قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قال ابن عطية: الهمزة (للتقرير). قال ابن عرفة: التقرير في حق المرضي عنه ليس (كالتقرير) في حق غيره. قال: فإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فالمعادل محذوف تقديره: أم علمت ذلك، وضعفه ابن عرفة وأبو حيان بأن المعادلة إنما يحتاج إليها إذا كان الاستفهام عن أمرين يكون المتكلم شاكا في أحدهما فيطلب تعيينه. وأما إذا كان الإستفهام للتقرير فليس على هو حقيقته فلا يحتاج إلى المعادلة بوجه. قال ابن عطية: وهو مخصوص بالقديم والمحال. قال ابن عرفة: أما القديم فظاهر لأن القدرة لا تتعلق به، وأما المحال (فلا) يتناوله اللّفظ (بوجه)، لأنه ليس بشيء ولا سيما المحال عقلا. ونقل بعض الطلبة عن شرح الأسماء الحسنى لابن (الدهاق) قولا بجواز تعلق القدرة بالمحال العقلي. ورده ابن عرفة بقول الإرشاد: العقل علوم ضرورية لجواز الجائزات واستحالة المستحيلات قال: فيلزم سقوط هذا القسم ولا قائل به. قال ابن عرفة: وتقدم لنا (في الختمة الأخرى) في الآية سؤال، وهو أن النسخ تبديل آية بآية أو حكم شرعي بحكم شرعي، والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين، وخطابه كلامه القديم الأزلي، فهو راجع إلى الكلام القديم، والقدرة لا تتعلق بالقديم بوجه، وإنما تتعلق بالحادث فكيف حسن بعده أن يقال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؟ وأجيب بأنه نسخ ما ثبت وتقرر في الأذهان على سبيل اعتقاد الدّوام، وقد تقرر في الأذهان دوام الحكم الشرعي الذي هو مضمون الكلام القديم، فالنّسخ عبارة عن ارتفاعه. وردّه ابن عرفة بأنّ ذلك الذي أنكر النسخ لم ينكره من حيث كونه تبديل اعتقاد باعتقاد، وإنّما أنكره لكونه يلزم عليه (البداء) لأن الحكم الأول كان مرادا لله فيصير غير مراد له وهو باطل. (قال ابن عرفة: وإنّما عادتهم يجيبون عن السّؤال) بأنه لما كان المتبادر للذهن أنّ الشيء لا يرتفع إلا بثبوت نقيضه، فإذا نسخ الحكم الشرعي المتضمن المصلحة إنما ينسخه حكم آخر يتضمن مفسدة فأخبر أن الله تعالى قادر على أن يصير الحكم الشرعي المتضمن للمصلحة، متضمنا لمفسدة باعتبار الأزمان فيكون الحكم في زمن متضمنا للمصلحة ثم يعود في زمن آخر متضمنا للمفسدة، (فحينئذ) ينسخه الله تعالى بحكم شرعي يتضمن مصلحة إما مثل الأولى أو أرجح منها. قال ابن عرفة: وجاء الترتيب في الآية على أحسن وجه، فبين أولا جواز تعلق القدرة بكل شيء، ثم بين وقوع ذلك الجائز بقوله تعالى: {أية : لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : ثم بين (بعده) أن ذلك خاص لا يشاركه فيه غيره بوجه. وقال ابن عرفة: والملك/ عبارة عن أهلية التصرف العام في جميع الأمور من المتملك، فمالك العبد ليس مالكا له حقيقة لأنه ليس له قتله ولا أن يضربه الضرب المبرح، فحقيقة الملك إنما هو لله تعالى.
ابن عادل
تفسير : اعلم أن المشركين طعنوا في الإسلام قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً، وغداً يرجع عنه، كما قال تعالى {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ}تفسير : [النحل:101] فنزلت هذه الآية. فى "ما" قولان: أحدهما ـ وهو الظاهر ـ أنها مفعول مقدم لـ "ننسخ"، وهي شرطية أيضاً جازمة لـ "ننسخ" ولكنها واقعة موصع المصدر، و "من آية" هو المفعول به، والتقدير: أي شيء ننسخ كقوله: {أية : أَيّاً مَّا تَدْعُواْ}تفسير : [الإسراء:110]، أو: أيَّ نَسْخ نَنْسَخ من آية، قاله أبو البقاء وغيره، وقالوا: مجيء "ما" مصدراً جائز؛ وأنشدوا: [الكامل] شعر : 726ـ نَعَبَ الغُرَابُ فَقُلْتُ بَيْنٌ عَاجِلٌ ما شِئْتَ إذْ ظَعَنُوا لِبَيْنٍ فَانْعَبِ تفسير : ورد هذا القول بشيئين: أحدهما: أنه يلزم خلوّ جملة الجزاء من ضمير يعود على اسم الشرط، وهو غير جائز، لما تقدم عند قوله: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ}تفسير : [البقرة:97]. والثاني: أن "مِنْ" لا تزاد في الموجب، والشرط موجب، [وهذا فيه خلاف لبعض] البصريين أجاز زيادتها في الشرط؛ لأنه يشبه النفي، ولكنه خلاف ضعيف. وقرأ ابن عامر: "نُنْسِخْ" بضم النون، وكسر السين من "أنسخ". قال أبو حاتم: "هو غلط" وهذه جُرْأة منه على عادته. وقال أبو علي: "ليست لغة"؛ لأنه لا يقال: نسخ وأنسخ بمعنى، ولا هي للتعدية؛ لأن المعنى يجيء: ما نكتب من آية، وما ننزل من آية، فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى: ما نَجِدْه منسوخاً كما يقال: أحمدته وأبخلته، أي: وجدته كذلك، ثم قال: "وليس نجده منسوخاً إلاّ بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى، وإن اختلفتا في اللفظ". فالهمزة عنده ليست للتعدية. وجعل الزمخشري، وابن عطية الهمزة للتعدية، إلا أنهما اختلفا في تقدير المفعول الأول المحذوف، وفي معنى الإنساخ، فجعل الزمخشري المفعول المحذوف جبريل عليه السّلام، والإنساخ هو الأمر بنسخها، أي: الإعلام به. وجعل ابن عطية المفعول ضمير النبي عليه السلام، والإنساخ إباحة النَّسْخ لنبيه، كأنه لما نسخها أباح له تركها، فسمى تلك الإباحة إنساخاً. وخرج ابن عطية القراءة على كون الهمزة للتعدية من وجه آخر، وهو من نسخ الكتاب، وهو نقله من غير إزالة له. قال: ويكون المعنى: ما نكتب وننزل من اللَّوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه، ونتركه فلا ننزله، أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في "منها" و "بمثلها" عائدين على الضمير في "نَنسَأْهَا". قال أبو حيان: وذهل عن القاعدة، هي أنه لا بد من ضمير يعود من الجزاء على اسم الشرط، و "ما" في قوله: "ما ننسخ" شرطية، وقوله: "أو ننسأها" عائد على الآية، وإن كان المعنى ليس عائداً عليها من حيث اللفظ والمعنى، بل إنما يعود عليها من حيث اللفظ فقط نحو: عندي درهم ونصفه، فهو في الحقيقة على إضمار "ما" الشرطية، التقدير: أو ما ننسأ من آية ضرورة أن المنسوخ غير المنسوء، ولكن يبقى قوله: ما ننسخ من آية مفلتاً من الجواب؛ إذ لا رابط يعود منه إليه، فبطل هذا المعنى الذي قاله. والنسخ في اللغة هو الإزالة من غير بدل يعقبه، يقال: نسخت الرِّيح الأثر، والشمسُ الظِّلَّ، وقال القَفَّال: "إنه للنقل والتحويل"، ومنه: نسخت الكتاب: إذا نقلته، وتناسخ الأرواح، وتناسخت القرون. وتناسخ المواريث إنما هو التحول من واحد إلى آخر بدلاً من الأول. دليل الأول أنه إذا نسخ الأثر والظّل، فهو إعدامه؛ لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر حتى يظن أنه انتقل إليه. وقال تعالى: {أية : فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ}تفسير : [الحج:52] أي: فيزيله ويبطله، والأصل في الكلام الحقيقة. وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب ألاَّ يكون حقيقة في النقل دفعاً للاشتراك. فإن قيل: الريح والشمس ليسا مزيلين للأثر والظل في الحقيقة، وإنما المزيل في الحقيقة هو الله ـ تعالى ـ وإذا كان ذلك مجازاً امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله، ثم نعارض ما ذكرتموه، [ويقال]: النسخ هو النقل والتحويل، [ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر، كأنه ينقله إليه، أو ينقل حكايته] كما قلنا في نسخ الكتاب والأرواح والقُرون والمواريث، فإنه تحويل من واحد إلى آخر. وإذا كان كذلك فيكون حقيقة في النقل مَجَاز في الإبطال دفعاً للاشتراك. [وأجيب] عن الأول من وجهين: أحدهما: أنه لا يمتنع أن يكون الله ـ تعالى ـ هو الناسخ لذلك من حيث إنه فعل الشمس والريح والمؤثرتين في تلك الإزالة، ويكونان ناسخين لكونهما مختصين بذلك التأثير. والثاني: أن أهل اللغة إنما أخطئوا في إضافة النسخ إلى الشمس والريح، فَهَبْ أنه كذلك، لكن تمسكنا بإطلاقهم لفظ النسخ على الإزالة لإسنادهم هذا الفعل إلى الريح والشمس. وعن الثاني: أن النقل أخصّ من الإبطال، لأنه حيث وجد النقل، فقد عدمت صفة، وحصل عقيبها صفة أخرى، فإن مطلق العدم أهم من عدمه يحصل عقيبه شيء آخر، وإذا دار اللَّفظ بين الخاص والعام كان جعله حقيقة في العام أولى. وقال آخر: [والنسخ: الإزالة، وهو في اللغة على ضربين: ضرب فيه إزالة شيء وإقامة غيره مقامه نحو: نسخت الشمس الظل، إذا أزالته وقامت مقامه. والثاني: أن يزيله كما تزيل الريح الأثر]. قوله: "مِنْ آيَةٍ" "من" للتبعيض، فهي متعلقة بمحذوف؛ لأنها صفة لاسم الشرط، ويضعف جعلها حالاً، والمعنى: أي شيء ننسخ من الآيات، فـ "آية:" مفرد وقع موقع الجمع، وكذلك تخريج كل ما جاء من هذا التركيب: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ}تفسير : [فاطر:2] {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل:53]، وهذا المجرور هو المخصص والمبين لاسم الشرط؛ وذلك أن فيه إبْهَاماً من جهة عمومه، ألا ترى أنك لو قلت: "من يكرم أكرم" تناول النساء والرجال. فإذا قلت: "من الرجال" بيّنت وخصّصت ما تناوله اسم الشرط. وأجاز أبو البقاء ـ رحمه الله تعالى ـ فيها وجهين آخرين: أحدهما: أنها في موضع نصب على التمييز، والمُمَيَّز "ما" والتقدير: أيَّ شيء ننسخ، قال: ولا يحسن أن تقدر: أي آية ننسخ، لأنك لا تجمع بين "آية"، وبين المميز بآية، لا تقول: أي آية ننسخ من آية، يعني أنك لو قدرت ذلك لاستغنيت عن التمييز. والثاني: أنها زائدة و "آية" حال، والمعنى: أي شيء ننسخ قليلاً أو كثيراً، وقد جاءت "آية" حالاً في قوله: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً}تفسير : [الأعراف:73] أي: "علامة" وهذا فاسد؛ لأن الحال لا تجر بـ "من"، وقد تقدم أنه مفعول بها، و "من" زائدة على القول بجعل "ما" واقعة موقع المصدر، فهذه أربعة أوجه. قوله تعالى: "أوْ نُنْسِهَا" "أو" [هنا للتقسيم]، و "نُنْسِهَا" مجزوم عطفاً على فعل الشرط قبله. وفيها ثلاث عشرة قراءة: "نَنْسَأَهَا" بفتح حرف المضارعةن وسكون النون، وفتح السين مع الهمزة، وبها قرأ أبو عمرو وابن كثير. الثانية: كذلك إلا أنه بغير همز، ذكرها أبو عبيد البكري عن سعد بن أبي وَقّاص رضي الله عنه. قال ابن عطية: "وأراه وهم". الثالثة: "تَنْسَها" بفتح التاء التي للخطاب، بعدها نون ساكنة وسين مفتوحة من غير همز، وهي قراءة الحسن، وتروى عن ابن أبي وقاص، فقيل لسعد بن أبي وقاص: "إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال: إن القرآن لم ينزل على المسيب، ولا على ابن المسيب" وتلا: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى:6] {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : [الكهف:24] يعني سعد بذلك أن نسبة النسيان إليه ـ عليه الصلاة والسلام ـ موجودة في كتاب الله، فهذا مثله. الرابعة: كذلك إلا أنه بالهمز. الخامسة: كذلك إلا أنه بضم التاء، وهي قراءة أبي حيوة. السادسة: كذلك إلا أنه بغير همز، وهي قراءة سعيد ابن المسيب. السابعة: "نُنْسِهَا" بضم حرف المضارعة وسكون النون وكسر السين من غير همز، وهي قراءة باقي السبعة. الثامنة: كذلك إلا أنه بالهمزة. التاسعة: نُنَسِّها بضم حرف المضارعة وفتح النون وكسر السين [مشددة، وهي قراءة الضَّحاك، وأبي رجاء. العاشرة: "نُنْسِك"، بضمّ حرف المضارعة، وسكون النون، وكسر السين، وكاف بعدها للخطاب. الحادية عشرة:] كذلك إلا أنه بفتح النون الثانية، وتشديد السين مكسورة، وتروى عن الضحاك، وأبي رجاء أيضاً. الثانية عشرة: كذلك إلاَّ أنه بزيادة ضمير الآية بعد الكاف "نُنَسِّكَها" وهي قراءة حذيفة، وكذلك هي في مصحف سالم مولاه. الثالثة عشرة: "ما نُنْسِك من آية أو نَنْسَخْها فَجِىءْ بمثلها" وهي قراءة الأعمش، وهكذا ثبت في مصحف عبد الله. فأما قراءة الهَمْز على اختلاف وجوهها، فمعناها التأخير من قولهم: نَنَسأَ الله، وأنسأ الله في أَجَلك أي: أَخَّرَهُ، وبِعْتُه نَسِيئَةً أي متأخراً. وتقول العرب: نَسَأْت الإبل عن الحوض أنْسَؤُهَا نَسْئاً، وأنسأ الإبل: إذا أخرها عن ورودها يومين فأكثر، فمعنى الآية على هذا فيه ثلاثة أقوال: أحدها: نؤخر نسخها، ونزولها، وهو قول عطاء. الثاني: نمحها لفظاً وحكماً، وهو قول ابن زيد. الثالث: نُمضها فلا نَنْسَخْها، وهو قول أبي عبيد، [قال الشاعر: [الطويل] شعر : 727ـ أَمُونٍ كَألوَاحِ الإِرَانِ نَسَأْتُهَا عَلَى لاَحِبٍ كَأَنَّهُ ظَهْرُ] تفسير : وهو ضعيف لقوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا}؛ لأن ما أُمْضِي وأُقِرَّ لا يقال فيه: فَأْت بخير منه. وأما قراءة غير الهمز على اختلاف وجوهها أيضاً ففيها احتمالان: أظهرهما: أنها من النِّسْيَان، وحينئذ يحتمل أن يكون المراد به في بعض القراءات ضدّ الذكر، وفي بعضها الترك. فإن قيل: وقوع هذا النسيان [يتمنع] عقلاً ونقلاً. أما العقل فلأن القرآن لا بدّ من انتقاله إلى أهل التواتر، والنيسان على أهل التواتر بأجمعهم ممتنع. وأما النقل فلقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}تفسير : [الحجر:9]. والجواب عن الأول من وجهين: الأول: أن النسيان يصح بأن يأمر الله ـ تعالى ـ بطرحه من القرآن، وإخراجه من جلمة ما يتلى، ويؤتى به في الصَّلاة ويحتج به، فإذا زال حكم التعبُّد به قال: العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فيصير لهذا الوجه منسياً من الصدور، وأيضاً روي: أنهم كانوا يقرءون السورة، فيصبحون وقد نسوها. وعن الثاني أنه معارض بقوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأعلى:6 ـ 7] وبقوله: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : [الكهف:24]. والثاني: أن أصله الهمز من النَّسِيء، وهو التأخير، إلا أنه أبدل من الهمزة ألف فحينئذ تتحد القراءتان. ثم من قرأ من القراء: "ننساها" من الثلاثي فواضح. وأما من قرأ منهم من "أَفْعَل"، وهم نافع وابن عامر والكوفيون، فمعناه عندهم: "نُنْسِكها"، أي: نجعلك ناسياً لها، أو يكون المعنى نأمر بتركها، يقال: أنسيته الشيء، أي: أمرته بتركه، ونَسِيتُهُ: تَرَكْتُهُ؛ وأنشدوا: [الرجز] شعر : 728ـ إنَّ عَلَيَّ عُقْبَةً أَقْضِيهَا لَسْتُ بِنَاسِيهَا وَلاَ مُنْسِيهَا تفسير : أي: لا تاركها ولا آمراً بتركها. وقال الزجاج: "هذه القراءة لا يتوجّه فيها معنى الترك، لا يقال: أنسى بمعنى ترك". قال الفارسي وغيره: "ذلك متّجه؛ لأنه بمعنى نجعلك تتركها"، وضعف الزجاج أيضاً تحمل الآية على معنى النسيان ضد الذكر وقال: إن هذا لم يكن له ـ عليه السلام ـ ولا نسي قرآناً. [بدليل] قوله تعالى: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ}تفسير : [الإسراء:86]، أي: لم نفعل شيئاً من ذلك. وأجاب الفارسي بأن معناه لم نذهب بالجميع. قوله تعالى: "نَأْتِ" هو جواب الشرط، وجاء فعل الشرط والجزاء مضارعين، وهذا التركيب أفصح التراكيب، أعني: مجيئهما مضارعين. قوله: "بِخَيْرٍ مِنْهَا" متعلّق بـ "نَأْتِ"، وفي "خير" هنا قولان: الظاهر منهما: أنها على بابها من كونها للتفضيل، وذلك أن الآتي به إن كان أخفّ من المنسوخ، أو المنسوء، فخيريته بالنسبة إلى سقوط أعباء التكليف، وإن كان أثقل فخيرته بالنسبة إلى زيادة الثواب. وقوله تعالى: "أو مثلها" أي: في التكليف والثواب، وهذا واضح. والثاني: أن "خيراً" هنا مصدراً، وليس من التفضيل في شيء، وإنما هو خير من الخُيُور، كخير في قوله: {أية : أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ}تفسير : [البقرة:105] و "من" لابتداء الغاية، والجار والمجرور صفة لقوله "خير" أي: خير صادر من جهتها، والمعنى عند هؤلاء: ما ننسخ من آية أو نؤخّرها نَأْت بخير من الخيور من جهة المَنْسوخ أو المنسوء. وهذا بعيد جدّاً لقوله بعد ذلك: "أوْ مِثْلِهَا" فإنه لا يصح عطفه على "بخير" على هذا المعنى، اللَّهم إلا أن يقصد بالخير عدم التكليف، فيكون المعنى: نأت بخير من الخُيُور، وهو عدم التكليف، أو نأت بمثل المنسوخ أو المنسوء. وأما عطف "مثلها" على الضمير في "منها"، فلا يجوز إلاَّ عند الحكوفيين لعدم إعادة الخافض. وقوله: "مَا نَنْسَخْ" فيه التفات من غَيْبة إلى تكلم، ألا ترى أن قبلة "وَاللهُ يَخْتَصُّ" "واللهُ ذُو الفَضْلِ". فصل في بيان معنى النسخ قال ابن الخطيب: الناسخ عبارة عن طريق شرعي يدلّ على إزالة الحكم الذي كان ثابتاً بطريق شرعي. والنسخ جائز عقلاً واقع سمعاً، ومن اليهود من أنكره عقلاً، ومنهم من جَوّزه عقلاً، ومنع منه سمعاً. ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ. واحتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الدلائل دلّت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصحّ إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنَّسْخِ. على اليهود إلزامان. الأول: جاء في التوراة أن الله ـ تعالى ـ قال لنوح ـ عليه الصلاة والسلام، عند خروجه من الفلك: "إني جعلت كل دابة مأكلاً لك، ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب وما خلا الدّم فلا تأكلوه". ثم إنه ـ تعالى ـ حرم على موسى، وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوان. الثاني: كان آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ يزوج الأخت من الأخ، وقد حرمه بعد ذلك على موسى عليه الصلاة والسلام وعلى غيره. قال منكرو النَّسخ: لا نسلم أن نبوة محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ لا تصح إلاَّ مع القول بالنسخ، لأن من الجائز أن يقال: إن موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ [أمر الناس بشرعهما إلى زمان ظهور شرع محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ثم بعد ذلك أمر النَّاس باتّباع محمد عليه الصلاة السلام، فعند ظهور شرع محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ زال التكليف بشرعهما، وحصل التكليف بشرع محمد ـ عليه الصلاة السلام ـ لكنه] لا يكون ذلك نَسْخاً، بل جارياً مجرى قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيْلِ}تفسير : [البقرة:187] ومن أنكر وقوع النسخ من المسلمين بنوا مذهبهم على هذا الحرف، وقالوا: قد ثبت في القرآن أن موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ قد بشرا في التَّوْرَاة والإنجيل بمبعث محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأن عند ظهوره يجب الرُّجُوع إلى شرعه، وإذا كان الأمر كذلك فمع قيام هذا الاحتمال امتنع الجزم بوقوع النسخ. فصل في حجج منكري النسخ احتج منكرو النَّسْخ بأن قالوا: إن الله ـ تعالى ـ لما بيّن شرع عيسى عليه الصلاة والسلام، فاللفظ الدال على تلك الشريعة، إما أن يقال: إنها دالة على دوامها، أو لا يدل على دوامها، أو [لم يكن] فيها دلالة على الدوام، ولا على [عدم الدوام]، فإن بيّن فيها ثبوتها على الدوام، ثم تبين أنها ما دامت كان الخبر الأول كذباً؛ لأنه غير جائز على الشرع، وأيضاً فلو جوزنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى العلم بأن شرعنا لا يصير منسوخاً في شرع موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ مع أنهما لم يدوما، زال الوثوق عنه في كل الصور. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: ذكر اللفظ الدَّال على الدوام، ثم قرن به ما يدلّ على أنه سينسخه أو ما قرن به إلا أنه نصّ على ذلك، إلا أنه لم ينقل إلينا في الجملة؟ قلت: هذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن التنصيص على اللفظ الدال على الدوام مع التنصيص على أنه لا يدوم جمع بين كلامين متناقضين. وثانيها: على هذا التقدير قد بين الله ـ تعالى ـ أن شرعهما سيصير منسوخاً، فإذا نقل شرعه وجب أن ينقل هذه الكيفية أيضاً؛ لأنه لو جاز أن ينقل أصل الشرع بدون هذه الكيفية لجاز مثله في شرعنا أيضاً، وحينئذ لا يكون لنا طريق إلى القطع بأن شرعنا غير منسوخ؛ لأن ذلك من الوقائع العظيمة التي تتوفّر فيها الدواعي على نقله، وما كان كذلك وجب اشتهاره، وبلوغه إلى حَدّ التواتر، وإلا فلعلّ القرآن عورض، ولم تنقل معارضته، ولعلّ محمداً صلى الله عليه وسلم غير هذا الشرع عن هذا الوضع، ولم ينقل، [وإذا كان ذلك غير جائز وجب] أن تنقل هذه الكيفية على سبيل التواتر، فنقول: لو أن الله ـ تعالى ـ نصّ في زمان موسى وعيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ على أن شرعيهما سيصيران منسوخين لكان ذلك مشهوراً لأهل التواتر، وكان معلوماً لهم بالضرورة، ولو كان كذلك لاستحال مُنَازعة الجمع العظيم فيه، فحيث رأينا اليهود والنصارى مطبقين على إنكار ذلك علمنا أنه لم يوجد التنصيص على أن شرعيهما يصيران منسوخين. وأما القسم الثاني: وهو أن يقال: [إن الله ـ تعالى ـ نص على شرع موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وقرن به ما يدل به على أنه منقطع غير دائم]. فهذا باطل لما ثبت أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة لأهل التواتر. وأيضاً فبتقدير صحته لا يكون ذلك نسخاً، بل يكون ذلك انتهاء للغاية. وأما القسم الثالث: وهو أنه [ـ تعالى ـ نص على شرع موسى ـ عليه الصلاة السلام ـ ولم يبيّن فيه كونه دائماً، أو كونه غير دائم] فنقول: إنه ثبت في أصول الفقة أن مجرد الأمر لا يفيد التكرار، وإنما يفيد المرة الواحدة، فإذا أتى المكلف بالمرة الواحدة، فقد خرج عن عُهْدة الأمر، فورود أمر آخر بعد ذلك لا يكون نَسْخاً للأمر الأول، فثبت بهذا التقسيم أن القول بالنسخ مُحَال. فصل في تحرير محلّ الاستدلال بالآية قال ابن الخطيب: والاستدلال بهذه الآية على وقوع النَّسخ ضعيف؛ لأن "ما" هاهنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وَجَبَ الإكرام،، فكذا هذه الآية لا تدلّ على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى أن تعوّل في الإثبات على قوله تعالى {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ}تفسير : [النحل:101] وقوله: {أية : يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ}تفسير : [الرعد:39]. فصل في فوائد معرفة النسخ قال القرطبي رحمه الله تعالى: معرفة هذا الباب أكيدةٌ عظيمة، لا يستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجَهَلة؛ لما يترتب عليه من الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام. روى أبو البختري قال: دخل علي ـ رضي الله عنه ـ المسجد، فإذا رجل يخوف الناس؛ فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس؛ فقال: ليس برجل يذكر الناس! لكنه يقول: أنا فلان ابن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟! فقال: لا؛ قال: فأخرج من مسجدنا ولا تُذكِّر فيه. وفي رواية أخرى: أَعَلِمْتَ الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا؛ قال: قد هلكت وأهلكت!. ومثله عن ابن عباس رضى الله عنهما. فصل في أن للناسخ حقيقة هو الله اعلم أن الناسخ في الحقيقة هو الله تعالى، وسمي الخطاب الشرعي ناسخاً تجوزاً. واحتجوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية. وأجاب عنها أبو مسلم بوجوه: الأول: أن المراد بالآيات المنسوخة هي الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، كالسَّبْت، والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله ـ تعالى ـ وتعبّدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون: لا تأمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله عليهم ذلك بهذه الآية. الوجه الثاني: المراد من النسخ نَقْلهُ من اللوح المحفوظ، [وتحويله عنه] إلى سائر الكتب وهو كما يقال: نسخت الكتاب. الوجه الثالث: أنا بينا أن هذه الآية لا تدلّ على وقوع النسخ، بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خير. [ومن الناس من أجاب عن الاعتراض] الأول بأن الآية إذا أطلقت، فالمراد بها آيات القرآن؛ لأنه هو المعهود عندنا. وعن الثاني بأن نقل القرآن من اللوح المحفوظ لا يختصّ ببعض القرآن، وهذا النسخ مختص ببعضه. ولقائل أن يقول على الأول: لا نسلم أن لفظ الآية مختص بالقرآن، بل هو عام في جميع الدلائل. وعلى الثاني لا نسلم أن النسخ المذكور في الآية مختص ببعض القرآن، بل التقدير ـ والله أعلم ـ: ما ننسخ من اللوح المحفوظ، فإنا نأتي بعده بما هو خير منه. الحجة الثانية: [للقائلين بوقوع النسخ في القرآن] أن الله ـ تعالى ـ أمر المرأة المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولاً كاملاً، وذلك في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَِزْوَاجِهِم مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ}تفسير : [البقرة:240] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، كما قال {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً}تفسير : [البقرة:234]. قال أبو مسلم: الاعتداد بالحَوْل ما زال بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا ناسخاً. والجواب أن مدة عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل، سواء حصل وضع الحمل بِسَنَةٍ أو أقل أو أكثر، فجعل السّنة العدة يكون زائلاً بالكلية. الحجة الثالثة: أمر الله بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول بقوله تعالى {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً}تفسير : [المجادلة:12]، ثم نسخ ذلك. قال أبو مسلم: إنما زال ذلك لزوال سببه؛ لأن سبب التعبّد بها أن يتماز المنافقون من حيث إنهم لا يتصدقون عن المؤمنين، فلما حصل هذا العرض سقط التعبد. والجواب: لو كان كذلك لكان من لم يتصدق منافقاً وهو باطل؛ لأنه روي أنه لم يتصدق غير علي ـ رضي الله عنه ـ ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [المجادلة:13]. الحجة الرابعة: أنه ـ تعالى ـ أمر بثبات الواحد للعشرة بقوله تعالى: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ}تفسير : [الأنفال:65]، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ}تفسير : [الأنفال:66]. الحجة الخامسة: قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}تفسير : [البقرة:142] ثم أزالهم عنها بقوله: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [البقرة:144] قال أبو مسلم: "حكم تلك القبلة ما زال بالكلية جواز التوجيه إليها عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر". الجواب: أن على ما ذكرته لا فرق بين "بيت المقدس"، وسائر الجهات، فالخصوصية التي امتاز بها "بيت المقدس" عن سائر الجهات قد زالت بالكلية، فكان نسخاً. الحجة السادسة: قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ}تفسير : [النحل:101] والتبديل يشتمل على رفع إثبات، والمرفوع: إما التلاوة، وإما الحكم فكيف كان فهو رفع ونسخ. واحتجّ أبو مسلم بأن الله ـ تعالى ـ وصف كتابه بأنه {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}تفسير : [فصلت:42] فلو نسخ لكان قد أتاه الباطل. والجواب: أن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله ما يبطله، ولا يأتيه من بعده أيضاً ما يبطله. فصل في أنواع النسخ تارة ينسخ الحكم، وتارة التلاوة، وتارة هما معاً، فأما نسخ الحكم دون التلاوة فكهذه الآيات. وأما نسخ التلاوة دون الحكم، فكما يروى عن عمر رضي الله عنه ـ قال: كنا نقرأ "حديث : الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيا فَارُجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللهِ واللهُ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ ". تفسير : وروي: "حديث : لَوْ كَانَ لابْنِ آدَمَ واديَان مِنْ مالٍ لاَبْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثاً، وَلاَ يَمْلاًُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلاَّ التُّرَابُ، وَيتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ ". تفسير : وأما نسخ الحكم والتلاوة معاً، فكما روت عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: "حديث : أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنُسِخْن بخمس معلومات"تفسير : ، فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة ثابت الحكم. ويروى أيضاً أن سورة "الأحزاب" كانت بمنزلة السبع الطوال، أو أزيد، ثم انتقص منها. [وروى ابن شهاب، قال: حدثني أبو أمامة في مجلس سعيد بن المسيب حديث : أن رجلاً قام من الليل ليقرأ سورة من القرآن، فلم يقدر على شيء منها، وقام آخر فلم يقدر على شيء منها فغدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم: قمت الليل يا رسول الله لأقرأ سورة من القرآن فلم أقدر على شيء، فقام الآخر، فقال: وأنا كذلك يا رسول الله، فقال الآخر: فإنا والله كذلك يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّهَا مِمَّا نَسَخَ اللهُ البَارِحَةَ" تفسير : وسعيد بن المسيّب يسمع ما يحدث به أبو أمامة، فلا ينكره. فصل في بيان أنه ليس شرطاً البدل في النسخ قال قوم: لا يجوز نسخ الحكم إلاَّ إلى بدل واحتجوا بهذه الآية. وأجيبوا بأن نفي الحكم، وإسقاط التعبُّد به خير من ثبوته في ذلك الوقت، وقد نُسِخَ تقديم الصدقة بين يدي الرسول لا إلى بدل]. فصل في جواز النسخ بالأثقل قال قوم: لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقل منه، واحتجوا بأن قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ينافي كونه أثقل؛ لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله. وأجيب: بأن المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة، ثم إن الذي يدلّ على وقوعه أن الله ـ سبحانه ـ نسخ في حقّ الزناة الحبس في البيوت إلى الجلد والرجم، ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصَّلاة ركعتين عند قوم، فنخست بأربع فى الحضر. وأما نسخه إلى الأخف، فكنسخ العدّة من حَوْل إلى أربعة أشهر وعشرة، وكنسخ صلاة اللَّيل إلى التخيير فيها. وأما نسخ الشيء إلى المثل فتحويل القِبْلَة. فصل: الكتاب لا ينسخ بالسُّنَّة المتواترة قال الشافعي رضي الله عنه: الكتاب لا ينسخ بالسُّنة المتواترة، واستدل بهذ الآية قال: لأنه قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} يفيد أنه يأتي بما هو من جنسه خير منه، كما إذا قال الإنسان: ما أخذ منك من ثواب آتيك بخير منه، وجنس القرآن قرآن، وأيضاً المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن الذي هو كلام الله تَعَالى. وأيضاً فإن [السُّنة لا تكون خيراً من القرآن]. وروى الدَّارقطني عن جابر أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : القُرْآنُ يَنْسَخُ حَدِيْثِي وحَدِيْثِي لا يَنْسَخُ القُرْآنَ ". تفسير : وأجيب عن قوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ}تفسير : [النجم:3-4] وقوله: {أية : وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ}تفسير : [الحشر:7] وإذا ثبت أن الكل من عند الله، فالناسخ في الحقيقة هو الله تعالى [أقصى ما فيه أنَّ الوحي ينقسم إلى قسمين متلوّ، وغير متلو] وقد نسخت الوصية للأقربين، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ ". تفسير : ونسخ حبس الزَّاني في البيوت بخبر الرجم. والجواب: استدل به الشافعي ـ رضي الله عنه ـ من الآية، وأما الوصية فإنها نسخت بأية المواريث قاله عمر وابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ وأشار النبي صلى الله عليه وسلم ـ إلى هذا بقوله: "حديث : إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلاَ وَصِيَّة لِوَارِثٍ ". تفسير : وأما حبس الزاني، فإنما هو أمر بإمساكهن إلى غاية، وهي إلى {أية : أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}تفسير : [النساء:15] فبيّن صلى الله عليه وسلم ما هو وليس بنسخ. وروي أيضاً أن قوله: "حديث : الشَّيخ والشيخة إذا زينا، فارجموهما ألبتة" تفسير : كان قرآناً، فلعل النسخ إنما وقع به. فصل هل يدخل النسخ في الأخبار؟ اختلفوا في الأخبار هل يدخلها النسخ؟ فالجمهور على أن النسخ لا يدخل الخبر، لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقيل: إن الخبر إذا تضمّن حكماً شرعيّاً جاز نسخه، كقوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً}تفسير : [النحل:67]. فصل هل يجوز حمل الجنب للقرآن الكريم؟ القرآن المنسوخ التلاوة يجوز للجنب حمله، ولو صلى به لم تصح صلاته. فصل في استدلال المعتزلة بهذه الآية على خلق القرآن استدلت المعتزلة بهذه الآية على [خلق القرآن] من وجوه: أحدها: أن كلام الله ـ تعالى ـ لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديمين وذلك مُحَال؛ لأن الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المَنْسُوخ، والمتأخر يستحيل قدمه، والمنسوخ يجب زواله وارتفاعه، وما ثبت زواله استحال قدمه. وثانيها: أن الآية دلّت على أن بعض الآيات خير من بعض، وما كان كذلك لا يكون قديماً. وثالثها: قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يدل على أنه القادر على نسخ بعضها، وإتيانه بشيء آخر بدلاً من الأول، وما كان داخلاً تحت القدرة، وكان فعلاً كان محدثاً. وأجيب عنه: بأن كونه ناسخاً ومنسوخاً إنما هو من عوارض الأَلْفَاظ، ولا نزاع في حدوثها، فلما قلتم: إن المعنى الحقيقي الذي هو مدلول العبارات والاصطلاحات محدث بها. قالت المعتزلة: لا شكّ أن تعلقه الأول قد زال، وحدث له تعلق آخر، فالتعلق الأول محدث؛ لأنه زال، والقديم لا يزول، والتعلق الثاني حادث، لأنه حصل بعد أن لم يكن، والكلام الحقيقي لا ينفك عن هذه التعلقات، وما لا ينفك [عن الحدث] محدث. والجواب: أن قدرة الله ـ تعالى ـ كانت في الأَزَلِ متعلّقة بإيجاد العالم، فعند دخول العالم في الوجود، هل يبقى ذلك التعلّق أو لم يبق؟ فإن بقي يلزم أن يكون القادر قادراً على إيجاد الموجود وهو محال، وإن لم يبق فقد زال ذلك التعلق، فألزمكم حدوث قدرة الله ـ تعالى ـ على ما ذكرتم، وكذلك علم الله ـ تعالى ـ كان متعلقاً بأن العالم سيوجد، فعند دخول هذا العالم في الوجود إن بقي التعلّق الأول كان جَهْلاً، وإن لم يَبْقَ يلزمكم كون التعلق الأول حادثاً؛ لأنه لو كان قديماً لما زال، وكون التعلّق الذي حصل بعد ذلك حدثاً فإِذاً عالمية الله ـ تعالى ـ لا تنفكّ عن التعلّقات الحادثة، وما لا ينفك عن المحدث [ محدث] فعالمية الله محدثة، فكل ما تجعلونه جواباً عن العالمية والقادرية هو جوابنا عن الكلام. قوله: "أَلَم تَعْلَمْ" هذا استفهام معناه التقرير، فلذلك لم يحتج إلى معادل يعطف عليه بـ "أم"، و "أم" في قوله: {أية : أَمْ تُرِيْدُونَ}تفسير : [البقرة:108] منقطعة هذا هو الصحيح في الآية. قال ابن عطية: ظاهره الاستفهام المَحْضُ، فالمعادل هنا على قول جماعة: "أم تريدون"، وقال قوم: "أم" منقطعة، فالمعادل محذوف تقديره: أم علمتم، هذا إذا أريد بالخطاب أمته عليه السلام. أما إذا أريد هو به، فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي انتهى. وهذا فيه نظر؛ لما مرَّ أن المراد به التقرير، فهو كقوله: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ}تفسير : [الزمر:36] {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}تفسير : [الشرح:1]. والاستفهام بمعنى التقرير كثير جدّاً لا سيما إذا دخل على نفي كما مثلته لك. وفي قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ} التفاتان. أحدهما: خروج من خطاب جماعة، وهو "خير من ربكم". والثاني: خروج من ضمير المتكلّم المعظم نفسه إلى الغيبة بالاسم الظاهر، فلم يقل: ألم تعلموا أننا، وذلك لما لا يخفى من التعظيم والتَّفخْيم. و {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} "أن" وما في حَيِّزها، إما سادة مسدّ مفعولين كما هو مذهب الجمهور، أو واحد، والثاني محذوف كما هو مذهب الأخفش.
البقاعي
تفسير : ولما حرم سبحانه قوله {راعنا} بعد حله وكان ذلك من باب النسخ وأنهى ما يتعلق به بالوصف بالفضل العظيم بعد التخصيص الذي من مقتضاه نقل ما يكون من المنافع من ملك أو دين أو قوة أو علم من ناس إلى ناس، وكان اليهود يرون أن دينهم لا ينسخ، فكان النسخ لذلك من مطاعنهم في هذا الدين وفي كون هذا الكتاب هدى للمتقين، لأنه على زعمهم لا يجوز على الله، قالوا: لأنه يلزم منه البدا - أي بفتح الموحدة مقصوراً - وهو أن يبدو الشيء أي يظهر بعد أن لم يكن، وذلك لا يجوز على الله تعالى، هذا مع أن النسخ في كتابهم الذي بين أظهرهم، فإن فيه أنه تعالى أمرهم بالدخول إلى بيت المقدس بعد مقاتلة الجبارين، فلما أبوا حرم عليهم دخولها ومنعهم منه ومن القتال بالقدرة والأمر، كما ستراه عن نص التوراة في سورة المائدة إن شاء الله تعالى، وأمرهم بالجمعة فاختلفوا فيه، كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي في قوله تعالى: { أية : إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } تفسير : [النحل: 124] واختاروا السبت، ففرض عليهم وشدد عليهم فيه وأحل لهم جميع اللحوم والشحوم، لما اتخذوا العجل حرم عليهم الشحوم؛ وأعظم من ذلك تعاطيهم من النسخ ما لم يأذن به الله في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وتحريم الأحبار والرهبان وتحليلهم لهم ما شاؤوا من الأحكام التي تقدم عد جملة منها أصولاً وفروعاً، كما قال تعالى: { أية : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله } تفسير : [التوبة: 31]، ولما قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله! إنهم لم يكونوا يعبدونهم، قال: أليسوا يحلون لهم ويحرمون؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم لهم" كما هو مبين في السيرة في وفادة عدي؛ وكما فعلوا في إبدال الرجم في الزنا بالتحميم والجلد؛ وفي اتباع ما تتلو الشياطين مع أن فيه إبطال كثير من شرعهم؛ وفي نبذ فريق منهم كتاب الله؛ وفي قولهم: { أية : سمعنا وعصينا } تفسير : [البقرة: 93]، وفي اتخاذهم العجل مع النهي عن ذلك - وكل ما شاكله في كثير من فصول التوراة وفيما أشير إليه بقوله: { أية : أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } تفسير : [البقرة: 85] إلى غير ذلك، لما كان ذلك قال تعالى جواباً عن طعنهم سابقاً له في مظهر العظمة معلماً أنه قد ألبس العرب المحسودين ما كان قد زين به أهل الكتاب دهوراً فابتذلوه ودنسوا محياه ورذلوه وغيروه وبدّلوه إشارة إلى أن الحسد لكونه اعتراضاً على المنعم يكون سبباً لإلباس المحسود ثوب الحاسد: {ما ننسخ} والنسخ قال الحرالي: نقل بادٍ من أثر أو كتاب ونحوه من محله بمعاقب يذهبه. أو باقتباس يغني عن غيبته وهو وارد الظهور في المعنيين في موارد الخطاب؛ والمعاقبة في هذا أظهر - انتهى. وساقها بغير عطف لشدة التباسها بما قبلها لاختصاصنا لأجل التمشية على حسب المصالح بالفضل والرحمة، لأنه إن كان المراد نسخ جميع الشرائع الماضية بكتابنا فلما فيه من التشريف بالانفراد بالذكر وعدم التبعية والتخفيف للأحمال التي كانت، وإن كان المراد نسخ ما شرع لنا فللنظر في المصالح الدنيوية والأخروية بحسب ما حدث من الأسباب {من آية} أي فنرفع حكمها، أو تلاوتها بعد إنزالها، أو نأمر بذلك على أنها من النسخ على قراءة ابن عامر، سواء كانت في شرع من قبل كاستقبال بيت المقدس أو لم تكن؛ وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا به مثلاً ولا خيراً، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم الخاص بهم وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول فرحاً بجديد أو اغتباطاً بما هو خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن خير لاحق وجدِّته - قاله الحرالي: {أو ننسأها} أي نؤخرها، أي نترك إنزالها عليكم أصلاً، وكذا معنى {أو نُنسها} من أنسى في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو، أي نأمر بترك إنزالها {نأت بخير منها أو مثلها} كما فعلنا في {راعنا} وغيرها. أو يكون المعنى {ما ننسخ من آية} فنزيل حكمها أو لفظها عاجلاً كما فعلنا في {راعنا} أو {ننسأها} بأن نؤخر نسخها أو نتركه - على قراءة {ننسها} زمناً ثم ننسخها كالقبلة {نأت} عند نسخها {بخير منها أو مثلها}، ، وقال الحرالي: وهو الحق إن شاء الله تعالى. والنسء تأخير عن وقت إلى وقت، ففيه مدار بين السابق واللاحق بخلاف النسخ، لأن النسخ معقب للسابق والنسء مداول للمؤخر، وهو نمط من الخطاب عليٌ خفي المنحى، لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه المداولة. ومن أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الأضاحي فتقبله الذين آمنوا نسخاً، وإنما كان إنساء وتأخيراً لحكم الاستمتاع بها بعد ثلاث إلى وقت زوال الدافّة التي كانت دفت عليهم من البوادي، فلم يلقن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى فسره فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة"، ففي متسع فقهه أن أحكاماً تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنَسء متراجعة. ومنه المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف عن المقاومة هو من أحكام المنسء، وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى مّا ثم يعود في وقت لزوال ذلك المعنى فهو من المنَسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما؛ فبحق أن هذه الآية من جوامع آي الفرقان، فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة. قلت: وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى وقت آخر وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة براءة عند { أية : إنما النسيء زيادة في الكفر } تفسير : [التوبة: 37] قال: وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء وهو ما يظهره الله من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ينسء كالسنن التي أبداها النبي صلى الله عليه وسلم عن تنسيته كما ورد من قوله: إني لأُنَسَّى لأسُنَّ. وقال عليه الصلاة والسلام في إفصاح القول فيه: " حديث : بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت، بل هو نُسي " تفسير : ومنه قيامه من اثنتين وسلامه من اثنتين حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته، وكانت تلك الصلاة بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي مثلها أو خير؛ ومن نحوه منامه عن الصلاة حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر كما كان قد أظهرها بالوقت الزماني، فصار لها وقتان: وقت نور عياني من مدارها مع الشمس، ووقت نور وجداني من مدارها مع الذكر، ولصحة وقوعها للوقتين كانت الموقتة بالذكر أداء بحسبه، قضاء بحسب فوت الوقت الزماني؛ فللّه تعالى على هذه الأمة فضل عظيم فيما يكمل لها على طريق النسخ وعلى سبيل النسء وعلى جهة النسيان الذي ليس عن تراخ ولا إهمال وإنما يوقعه إجباراً مع إجماع العزم، وفي كل ذلك إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك الأمر الذي كان يقع على إجماع ورعاية لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع تقلبات أنفسها، كل ذلك من اختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى. واستدل سبحانه على إتيانه بذلك بقدرته، والقدرة الشاملة التامة مستلزمة للعلم أي وليس هو كغيره من الملوك إذا أمر بشيء خاف غائلة أتباعه ورعاياه في نقضه، واستدل على القدرة بأن له جميع الملك وأنه ليس لأحد معه أمر، وحاصل ذلك أنه لما ذكر سبحانه هذا الكتاب وأكد أمره مراراً وكان ناسخاً لفروع شريعتهم ولا سيما ما فيها من الآصار والأغلال أشار سبحانه إلى أن من أعظم ضلالهم وغيهم ومحالهم، ادعاؤهم أن النسخ لا يجوز على الله، فمنعوا من { أية : لا يسأل عما يفعل } تفسير : [الأنبياء: 23] مما هو موجود في كتابهم كما أمر آنفاً، ومما سوغوه لأنفسهم بالتحريف والتبديل، ولزم من ذلك تكذيب كل رسول أتاهم بما لا تهوى أنفسهم، وفعلوا خلاف حال المؤمنين المصدقين بما أنزل إلى نبيهم وما أنزل إلى غيره، وضمن ذلك عيبهم بالقدح في الدين بالأمر بالشيء اليوم والنهي عنه غداً، وأنه لو كان من عند الله لما تغير لأنه عالم بالعواقب، ولا يخلو إما أن يعلم أن الأمر بذلك الشيء مصلحة فلا ينهى عنه بعدُ، أو مفسدة فلا يأمر به اليوم، جوابهم عن ذلك معرضاً عن خطابهم تعريضاً بغباوتهم إلى خطاب أعلم الخلق بقوله: {ألم تعلم أن الله} أي الحائز لجميع أوصاف الكمال {على كل شيء قدير} على وجه الاستفهام المتضمن للإنكار والتقرير المشار فيه للتوعد والتهديد، فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في وقت مصلحة وفي وقت آخر مفسدة لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم. ويقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر. ولو أراد لجعل الأمر على سنن واحد والناس على قلب رجل واحد { أية : ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً } تفسير : [يونس: 99] { أية : لجعل الناس أمة واحدة } تفسير : [هود: 118] ولكنه مالك الملك وملك السماوات والأرض، يتصرف على حسب ما يريد، لا راد لأمره ولا معقب لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه، وهل يجوز أن يعترض العبد الذي لا ينفك أصلاً من الرق على السيد الثابت السودد على أنه لا يلزمه شيء أصلاً فلا يلزمه الأمر على حسب المصالح؛ ثم أتبع ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة فقال: {ألم تعلم أن الله} الجامع لأنواع العظمة {له ملك السماوات والأرض} يفعل في ذواتهما وأحوالهما ما يشاء. قال الحرالي: فهو بما هو على كل شيء قدير يفصل الآيات، وهو بما له ملك السماوات والأرض يدبر الأمر - انتهى. ولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه وعظمته بالاسم العلم الذي هو أعظم من مظهر العظمة في ننسخ وننسا بالإقبال على خطاب من لا يعلم ذلك حق علمه غيره فتهيأت قلوب السامعين وصغت لفت الخطاب إليهم ترهيباً في إشارة إلى ترغيب فقال: {وما لكم من دون الله} المتصف بجمع صفات العظمة {من ولي} يتولى أموركم، وهو من الولاية، قال الحرالي: وهي القيام بالأمر عن وصلة واصلة {ولا نصير} فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه ولا تلفتوها عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة المؤمنين من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائناً ما كان لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود نحواً مما لقنت ظواهر ألسنتهم، بأن تستمسك بسابق فرقانها فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعاً لكثرة أهل الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام كتابها - أفاده الحرالي وقال: وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأحوال بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر السورة المشتمل على جامع ضرب الأمثال في قوله تعالى: { أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما } تفسير : [البقرة: 26] الآية، وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن الجامعة لجميع ما تفصّل فيه؛ وهي سنام القرآن، وسنام الشيء أعلاه؛ وهي سيدة سور القرآن؛ ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض أثر تفاصيله خلالها في سنامية معانيها وسيادة خطابها نحواً من انتظام آي سورة الفاتحة المنتظمة من غير تفصيل وقع أثناءها ليكون بين المحيط الجامع والابتداء الجامع مشاكلة مّا - انتهى. ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته وعظيم مملكته وما أظهر لذاته المقدس من العظم بتكرير اسمه العلَم وإثبات أن ما سواه عدم فتأهلت القلوب للوعظ صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد فقال: {أم} أي أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ أم {تريدون أن} تتخذوا من دونه إلهاً لا يقدر على شيء بأن {تسألوا رسولكم} أن يجعل لكم إلهاً غيره {كما سئل موسى} ذلك. ولما كان سؤالهم ذلك في زمن يسير أثبت الجار فقال: {من قبل} أي قبل هذا الزمان إذ قال قومه بعد ما رأوا من الآيات وقد مرّوا بقوم يعكفون على أصنام لهم: { أية : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة } تفسير : [الأعراف: 138] وقالوا: { أية : أرنا الله جهرة } تفسير : [النساء: 153]. وقالوا: { أية : لن نصبر على طعام واحد } تفسير : [البقرة: 61] وكانوا يتعنتون عليه في أحكام الله بأنواع التعنتات كما تقدم. و "الإرادة" في الخلق نزوع النفس لباد تستقبله - قاله الحرالي. وأدل دليل على ما قدرته قوله عطفاً على ما تقديره: فيكفروا فإنه من سأل ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} أي يأخذ الكفر بدلاً من الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها أو التمسك بما نسخ منه، وعبر بالمضارع استجلاباً لمن زل بسؤال شيء من ذلك إلى الرجوع بالتوبة ليزول عنه الاستمرار فيزول الضلال {فقد ضل سواء السبيل} أي عدله ووسطه فلم يهتد إليه وإن كان في بينات منه، فإن من حاد عن السواء أوشك أن يبعد بعداً لا سلامة معه { أية : وإن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } تفسير : [الأنعام: 153] وكثيراً ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل الآيات وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع في النفس من تثاقل عنه أو تحامل على قبوله يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل؛ وفيه إشعار بأن الخطاب للذين آمنوا، لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان الكفر، لأن أحداً لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه { أية : فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها } تفسير : [البقرة: 256] { أية : ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى } تفسير : ؛ [لقمان: 22] وقال عليه الصلاة والسلام: " حديث : إن الله لا ينتزع العلم انتزاعاً بعد أن أعطاكموه " تفسير : فبذلك يتضح مواقع خطاب القرآن مع المترتبين في أسنان القلوب بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان - قاله الحرالي. وعرف {السبيل} بأنه المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له من نحو الرعي والسقي وشبهه، والسواء بأنه من الشيء أسمحه بالأمر الذي قصد له، قال: ويقال هو وسطه وخياره. ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام قال تعالى مخاطباً للمؤمنين وهم في غمارهم تنفيراً لهم عن الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن ينفر عنه فكيف وهو شماتة العدو وبتخييله وودادته تحذيراً لهم من مخالطتهم: {ود كثير} وهو تعليل لمعنى الكلام وهو: فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان، بعد تعليله بالضلال؛ وذلك كما مضى في { أية : ما يود الذين كفروا } تفسير : [البقرة: 105] سواء. ولما كان المشركون عرباً عالمين بأن طبع العرب الثبات لم يدخلهم معهم في هذا الود وقال: {من أهل الكتاب} فأنبأ أن المصافي منهم قليل وبشر سبحانه بأن ما يودونه من قسم المحال بسوقه سوق المتمني فقال: {لو يردونكم} أي بأجمعكم؛ ثم حقق أمر التمني في كونه محالاً مشيراً بإثبات الجار إلى قناعتهم به ولو في زمن يسير فقال: {من بعد إيمانكم} أي الراسخ {كفاراً} أي لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار {حسداً} على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة، والحسد قلق النفس من رؤية النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد إلى غاية لا حيلة معها في تركه بقوله: {من عند أنفسهم} أي إنه راسخ في طبائعهم فلا تطمعوا في صرفه بشيء، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم، ثم زاده تأكيداً بقوله مشيراً بإثبات الجار إلى ذمهم بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه وقهرهم عرفانه، ثم لم يرجعوا إليه؛ وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه {من بعد ما تبين} أي بياناً عظيماً بوضوحه في نفسه {لهم الحق} أي من صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين المرسل إلى الناس كافة بشهادة ما طابقه من التوراة، ومن أنهم خالدون في النار، لأنهم ممن أحاطت به خطيئته بما دل عليه سبحانه في جميع هذه الآيات إبطالاً لدعواهم في مس النار لهم أياماً معدودة. ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسبباً عن الإخبار بأن ودهم محال وبعدم رجوعهم: {فاعفوا} أي عاملوهم معاملة العافي بأن لا تذكروا لهم شيئاً مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم، {واصفحوا} أي أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك، وأصل معناه من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء كأنه لم يره، وأمرهم بمطلق الصفح ولم يفيده بالجميل الذي اختص به خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله: {أية : فاصفح الصفح الجميل} تفسير : [الحجر: 85] لتنزل الخطاب على مراتبه ومستحق مواقعه. وحثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتماداً على تفريجه سبحانه بقوله: {حتى يأتي الله} الذي لا أمر لأحد معه {بأمره} فبشرهم بذلك بظهورهم على من أمروا بالصفح والعفو عنهم، وقد كان مبدأ ذلك ويتم في زمن عيسى عليه السلام.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والحاكم في الكنى وابن عدي وابن عساكر عن ابن عباس قال "حديث : كان مما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}. وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قرأ رجلان من الأنصار سورة أقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يقرآن بها، فقاما يقرآن ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنها مما نسخ أو نسي فالهوا عنه، فكان الزهري يقرأها {ما ننسخ من آية أو ننسها} بضم النون خفيفة ". تفسير : وأخرج البخاري والنسائي وابن الأنباري في المصاحف والحاكم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال عمر: اقرأنا أبي، واقضانا علي، وإنا لندع شيئاً من قراءة أبي، وذلك أن أبياً يقول: لا أدع شيئاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله (ما ننسخ من آية أو ننساها). وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابنه في المصاحف والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعد بن أبي وقاص أنه قرأ (ما ننسخ من آية أو ننساها) فقيل له: إن سعيد بن المسيب يقرأ {ننسها} قال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا آل المسيب، قال الله {أية : سنقرئك فلا تنسى}تفسير : [الأعلى: 6]. {أية : واذكر ربك إذا نسيت}تفسير : [الكهف: 24]. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله (ما ننسخ من آية أو ننساها) يقول: ما نبدل من آية أو نتركها لا نبدلها {نأت بخير منها أو مثلها} يقول: خير لكم في المنفعة وأرفق بكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: خطبنا عمر فقال: يقول الله (ما ننسخ من آية أو ننساها} أي نؤخرها. وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد، أنه قرأ (أو ننساها). وأخرج أبو داود في ناسخه عن مجاهد قال في قراءة أبي (ما ننسخ من آية أو ننسك). وأخرج آدم بن أبي أياس وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد عن أصحاب ابن مسعود في قوله {ما ننسخ من آية} قال: نثبت خطها ونبدل حكمها (أو ننساها) قال: نؤخرها عندنا. وأخرج آدم وابن جرير والبيهقي عن عبيد بن عمير الليثي في قوله {ما ننسخ من آية أو ننساها} يقول: أو نتركها، نرفعها من عندهم. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك قال: في قراءة ابن مسعود (ما ننسك من آية أو ننسخها). وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن قتادة قال: كانت الآية تنسخ الآية، وكان نبي الله يقرأ الآية والسورة وما شاء الله من السورة ثم ترفع فينسيها الله نبيه، فقال الله يقص على نبيه {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} يقول: فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي. وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} ثم قال {أية : وإذا بدلنا آية مكان آية}تفسير : [النحل: 101] وقال {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت} تفسير : [الرعد: 39]. وأخرج أبو داود وابن جرير عن أبي العالية قال: يقولون (ما ننسخ من آية أو ننساها) كان الله أنزل أموراً من القرآن ثم رفعها. فقال {نأت بخير منها أو مثلها} . وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {أو ننسها} قال: إن نبيكم صلى الله عليه وسلم أقرىء قرآناً ثم أنسيه، فلم يكن شيئاً ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه. وأخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف وأبو ذر الهروي في فضائله عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف "حديث : إن رجلاً كانت معه سورة فقام من الليل فقام بها فلم يقدر عليها، وقام آخر بها فلم يقدر عليها، وقام آخر بها فلم يقدر عليها، فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمعوا عنده فأخبروه، فقال: إنها نسخت البارحة ". تفسير : وأخرج أبو داود في ناسخه والبيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أبي أمامة "حديث : أن رهطاً من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أخبروه أن رجلاً قام من جوف الليل يريد أن يفتتح سورة كان قد وعاها، فلم يقدر منها على شيء إلا بسم الله الرحمن الرحيم، ووقع ذلك لناس من أصحابه، فأصبحوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السورة، فسكت ساعة لم يرجع إليهم شيئاً ثم قال: نسخت البارحة فنسخت من صدورهم ومن كل شيء كانت فيه ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال: أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد أن بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا. وأخرج مسلم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الدلائل عن أبي موسى الأشعري قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة فأنسيتها، غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوفه إلا التراب. وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات، أولها سبح لله ما في السموات فأنسيناها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. فتكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. وأخرج أبو عبيد في فضائله وابن الضريس عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة شديدة نحو براءة في الشدة ثم رفعت، وحفظت منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم. وأخرج ابن الضريس: ليؤيدن الله هذا الدين برجال ما لهم في الآخرة من خلاق، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، إلا من تاب فيتوب الله عليه والله غفور رحيم. وأخرج أبو عبيد وأحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي واقد الليثي قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوحى إليه أتيناه فعلمنا ما أوحي إليه، قال: فجئته ذات يوم فقال : إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإِقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم وادياً لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان له الثاني لأحب أن يكون إليهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". تفسير : وأخرج أبو داود وأحمد وأبو يعلى والطبراني عن زيد بن أرقم قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو كان لابن آدم واديان من ذهب وفضة لابتغى الثالث ولا يملأ بطن ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب". وأخرج أبو عبيد وأحمد عن جابر بن عبدالله قال: كنا نقرأ: لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب إليه مثله، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وأخرج أبو عبيد والبخاري ومسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول"حديث : لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن له إليه مثله، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. قال ابن عباس: فلا أدري أمن القرآن هو أم لا ". تفسير : وأخرج البزار وابن الضريس عن بريدة"حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة: لو ان لابن آدم وادياً من ذهب لابتغى إليه ثانياً، ولو أعطي ثانياً لابتغى ثالثاً، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب ". تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن أبي ذر قال: في قراءة أبي بن كعب: ابن آدم لو أعطي وادياً من مال لابتغى ثانياً ولالتمس ثالثاً، ولو أعطي واديين من مال لالتمس ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وأخرج ابن الضريس عن ابن عباس قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، وإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم. وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر بن الخطاب قال "إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل معه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فرجم ورجمنا بعده، ثم قال: قد كنا نقرأ: ولا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم". وأخرج الطيالسي وأبو عبيد والطبراني عن عمر بن الخطاب قال: كنا نقرأ فيما نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد بن ثابت: أكذلك يا زيد؟ قال: نعم. وأخرج ابن عبد البر في التمهيد من طريق عدي بن عدي بن عمير بن قزوة عن أبيه عن جده عمير بن قزوة. أن عمر بن الخطاب قال لأبي: أو ليس كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: إن انتفاءكم من آبائكم كفر بكم؟ فقال: بلى. ثم قال: أو ليس كنا نقرأ: الولد للفراش وللعاهر الحجر. فيما فقدنا من كتاب الله؟ فقال أبي: بلى. وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. فإنا لا نجدها؟ قال: أسقطت فيما أسقط من القرآن. وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وابن الأنباري في المصاحف عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله، ما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير ولكن ليقل: قد أخذت ما ظهر منه. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن الأنباري والبيهقي في الدلائل عن عبيدة السلماني قال: القراءة التي عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الذي قبض فيه هذه القراءة التي يقرأها الناس، التي جمع عثمان الناس عليها. وأخرج ابن الأنباري وابن اشتة في المصاحف عن ابن سيرين قال: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قبض فيه عارضه مرتين، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة. وأخرج ابن الأنباري عن أبي ظبيان قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟ قلنا: قراءة عبدالله وقراءتنا هي الأخيرة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : كان يعرض عليه جبريل القرآن كل سنة مرة في شهر رمضان، وأنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين، فشهد منه عبدالله ما نسخ وما بدل ". تفسير : وأخرج ابن الأنباري عن مجاهد قال: قال لنا ابن عباس: أي القراءتين تعدون أول؟ قلنا: قراءة عبدالله. قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعرض القرآن على جبريل مرة، وإنه عرضه عليه في آخر سنة مرتين، فقراءة عبدالله آخرهن. وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: كان جبريل يعارض النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن في كل سنة مرة، وأنه عارضه بالقرآن في آخر سنة مرتين، فأخذته من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك العام. وأخرج ابن الأنباري عن ابن مسعود قال: لو أعلم أحداً أحدث بالعرضة الأخيرة مني لرحلت إليه. وأخرج الحاكم وصححه عن سمرة قال: عرض القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عرضات، فيقولون: إن قراءتنا هذه هي العرضة الأخيرة. وأخرج أبو جعفر النحاس في ناسخه عن أبي البختري قال: دخل علي بن أبي طالب المسجد فإذا رجل يخوّف فقال: ما هذا؟! فقالوا: رجل يذكر الناس. فقال: ليس برجل يذكر الناس ولكنه يقول أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا. قال: فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ والمنسوخ والبيهقي في سننه عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: مر علي بن أبي طالب برجل يقص فقال: أعرفت الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. وأخرج النحاس والطبراني عن الضحاك بن مزاحم قال: مر ابن عباس بقاص يقص فركله برجله وقال: أتدري الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. وأخرج الدارمي في مسنده والنحاس عن حذيفة قال: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل يعلم ناسخ القرآن من منسوخه وذلك عمر، ورجل قاض لا يجد من القضاء بداً، ورجل أحمق متكلف، فلست بالرجلين الماضيين، فأكره أن أكون الثالث.
ابو السعود
تفسير : {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان سرِّ النسخِ الذي هو فردٌ من أفراد تنزيلِ الوحي وإبطالِ مقالةِ الطاعنين فيه إثْرَ تحقيقِ حقيقةِ الوحي وردِّ كلامِ الكارهين له رأساً، قيل: نزلت حين قال المشركون أو اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمُر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمُر بخلافه، والنسخُ في اللغة الإزالةُ والنقلُ يقال: نسخَت الريحُ الأثرَ أي أزالته ونسخْتُ الكتابَ أي نقلتُه ونسخُ الآيةِ بـيانُ انتهاءِ التعبّدِ بقراءتها، أو بالحكم المستفادِ منها أو بهما جميعاً، وإنساؤُها إذهابُها من القلوب، وما شرطيةٌ جازمة لننسَخْ منتصبةٌ به على المفعولية وقرىء نُنْسِخْ من أنسخ أي نأمرُك أو [نأمر] جبريلَ بنسخها أو تجدها منسوخة، ونَنْسأْها من النَّسء أي نؤخّرْها، ونُنَسِّها بالتشديد وتَنْسَها وتُنْسِها على خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم مبنياً للفاعل وللمفعول وقرىء ما ننسخ من آية أو نُنْسِكْها وقرىء ما نُنْسِكَ من آية أو نَنْسَخها والمعنى أن كل آيةٍ نذهب بها على ما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة من إزالة لفظِها أو حكمِها أو كليهما معاً إلى بدل أو إلى غير بدل {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا} أي نوع آخرَ هو خيرٌ للعباد وبحسب الحال في النفع والثوابِ من الذاهبة، وقرىء بقلب الهمزة ألفاً {أَوْ مِثْلِهَا} أي فيما ذكر من النفع والثواب، وهذا الحكمُ غيرُ مختصٍّ بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جارٍ فيما دونها أيضاً، وتخصيصُها بالذكر باعتبار الغالب، والنصُّ كما ترى دالٌّ على جواز النسخ كيف لا وتنزيلُ الآيات التي عليها يدور فلَكُ الأحكام الشرعية إنما هو بحسب ما يقتضيه من الحِكَم والمصالح وذلك يختلف باختلاف الأحوال ويتبدّل حسب تبدل الأشخاص والأعصار كأحوال المعاش، فرب حكمٍ تقتضيه الحكمةُ في حال تقتضي في حالٍ أخرى نقيضَه، فلو لم يُجزِ النسخُ لاختل ما بـين الحِكمة والأحكام من النظام {أَلَمْ تَعْلَمْ} الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه: {أية : أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ } تفسير : [الزمر، الآية 36] وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ }تفسير : [الشرح، الآية 1] والخطابُ للنبـي عليه الصلاة والسلام وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} سادٌّ مسَدَّ مفعوليْ تعلم عند الجمهور، ومسدَّ مفعولِه الأول، والثاني محذوفٌ عند الأخفش، والمرادُ بهذا التقرير الاستشهادُ بعلمه بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خيرٌ من المنسوخ وبما هو مثله لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورةِ تحت قدرته سبحانه فمِنْ علم شمولِ قدرتِه تعالى لجميع الأشياء علمُ قدرته على ذلك قطعاً، والالتفاتُ بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربـية المهابة والإشعارِ بمناط الحكم فإن شمولَ القدرة لجميع الأشياء من أحكام الألوهية وكذا الحال في قوله عز سلطانه:
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [الآية: 106]. ما نقلتك من حالة إلا أوصلناك إلى مقام أشرف منها وأعلى إلى أن تنتهى بك الأحوال إلى محل الندامى والخطاب من غير واسطةٍ بقوله { أية : دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ } تفسير : [النجم: 8-10].
القشيري
تفسير : النسخُ الإزالة أي ما ينقلك من حال إلى ما هي فوقها وأعلى منها، فغُصنُ وَصْلِك أبداً ناضر، ونجمُ عِزِّكَ أبداً ظاهر، فلا ننسخُ من آثار العبادةِ شيئاً إلا وأبدلنا عنه أشياء من أنوار العبودية، ولا نسخنا من أنوار العبودية أشياء إلا أقمنا مكانها أشياء من أقمار العبودةِ. فأبداً سِرُّك في الترقي، وقدرك في الزيادة بحسن التَوَلِّي. وقيل ما رقَّاكَ عن محل العبودية إلا سَلكَكَ بساحات الحرية، وما رَفَعَ شيئاً من صفات البشرية إلا أقامك بشاهدٍ من شواهد الألوهية.
البقلي
تفسير : {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ} ى ما نسخت من صفاتك شيئاً عن ديوان معنانى وهو قليلٌ الا رقمت فيه من صفاتى وما رأيتك شيئاً من عجائب على الارائك ما هو الشرف منه قال الله تعالى ولو انّما في الارض من شجرةٍ اقلامٌ والبحر عدّه من بعده سبعة ابحرٍ ما نفدت كلمات الله وقيل ما نقلب من حالة الا توصلك الى مقامٍ اشرف منها واعىل الى اَنْ ينتهى بك الاحوال الى محل التدانى والخطاب من غير واسطة بقوله دَنَا قد لى فاوحى الى عيده ما اوحى.
اسماعيل حقي
تفسير : {ما} شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية اى أى شئ {ننسخ} ومحل قوله {من آية} نصب تمييز لما. والنسخ فى اللغة الازالة والنقل يقال نسخت الريح الاثر اى ازالته ونسخت الكتاب اى نقلته من نسخة الى نسخة ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها او بالحكم المستفاد منها او بهما جميعا. اما الاول فكآية الرجم كما روى ان مما يتلى عليكم فى كتاب الله [الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة] فهو منسوخ التلاوة دون الحكم ومعنى النسخ فى مثلها انتهاء التكليف بقراءتها عند نسخ تلاوتها. واما الثانى فكآية عدة الوفاة بالحول قال تعالى {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج} تفسير : [البقرة: 240] نسخت باربعة اشهر وعشرا لقوله تعالى {أية : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} تفسير : [البقرة: 234]. وكمصابرة الواحد لعشرة فى القتال نسخت بمصابرة الواحد للاثنين فهو منسوخ الحكم دون التلاوة وهو المعروف من النسخ فى القرآن فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين فى التلاوة الا ان المنسوخة لا يعمل بها ومعنى النسخ فى مثلها بيان انتهاء التكليف بالحكم المستفاد منها عند نزول الآية المتأخرة عنها وحسن بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه ليبقى حصول الثواب بقراءتها فان القرآن كما يتلى لحفظ حكمه لتيسير العمل به يتلى ايضا لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه. واما الثالث فكما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت كان مما يتلى فى كتاب الله [عشر رضعات يحرمن] ثم نسخ [بخمس رضعات يحرمن] فهو منسوخ الحكم والتلاوة جميعا ومعنى النسخ فى مثلها بيان انتهاء التكليف بقراءتها وبالحكم المستفاد منها عند نسخها. قال القرطبى الجمهور على ان النسخ انما هو مختص بالاوامر والنواهى والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى {او ننسها} انساء الآية اذهابها من القلوب كما حديث : روى ان قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤا سورة فلم يذكروا منها الا البسملة فغدوا الى النبى عليه السلام واخبروه فقال صلى الله عليه وسلم "تلك سورة رفعت بتلاوتها واحكامها ". تفسير : روى ان المشركين او اليهود قالوا ألا ترون الى محمد يأمر اصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقول الا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما امر فى حد الزنى بايذائهما باللسان حيث قال {أية : فآذوهما} تفسير : [النساء: 16]. ثم جعله منسوخا وامر بامساكهن فى البيوت {أية : حتى يتوفاهن الموت} تفسير : [النساء: 15]. ثم جعله منسوخا بقوله {أية : فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} تفسير : [النور: 2]. يريدون بذلك الطعن فى الاسلام ليضعفوا عزيمة من اراد الدخول فيه فبين الله الحكمة فى النسخ بهذه الآية والمعنى ان كل آية تذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من ازالة لفظها او حكمها او كليهما معا الى بدل او الى غير بدل {نأت بخير} اى بآية هى خير {منها} للعباد بحسب الحال فى النفع والثواب من الذاهبة وليس المقصود ان آية خير من آية لان كلام الله واحد وكله خير فلا يتفاضل بعض الآيات على بعض فى انفسها من حيث انه كلام الله ووحيه وكتابه بل التفاضل فيها انما هو بحسب ما يحصل منها للعباد {او مثلها} فى المنفعة والثواب فكل ما نسخ الى الايسر فهو اسهل فى العمل وما نسخ الى الاشق فهو فى الثواب اكثر اما الاول فكنسخ الاعتداد بحول ونقله الى الاعتداد باربعة اشهر وعشرا واما الثانى فكنسخ ترك القتال بايجابه وقد يكون النسخ بمثل الاول لا اخف ولا اشق كنسخ التوجه الى بيت المقدس بالتوجه الى الكعبة وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار فيما دونها ايضا وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب. واعلم ان الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ويسمى الخطاب الشرعى ناسخا تجوزا فى الاسناد بناء على ان النسخ يقع به والمنسوخ هو الحكم المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف والحكمة فى النسخ ان الطبيب المباشر لاصلاح البدن يغير الاغذية والادوية بحسب اختلاف الامزجة والازمنة كذلك الانبياء المباشرون لاصلاح النفوس يغيرون الاعمال الشرعية والاحكام الخلقية التى هي للنفوس بمنزلة العقاقير والاغذية للابدان فان اغذية النفوس وادويتها هى الاعمال الشرعية والاخلاق المرضية فيغيرها الشارع على حسب تغير مصالحها فكما ان الشئ يكون دواء للبدن فى وقت ثم قد يكون داء فى وقت آخر كذلك الاعمال قد تكون مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت وقس عليه حال المرشد والمسترشد فان التربية على القاعدة التسليكية بحسب احوال المشارب ولا يلقاها من المرشدين الا ذو حظ عظيم: قال فى المثنوى شعر : رمز ننسخ آية او ننسها نأت خيرا درعقب مى دان مها هرشريعت راكه حق منسوخ كرد او كيا برد وعوض آورده ورد اندرين شهر حوادث ميراوست در ممالك مالك تدبير او ست آنكه داند دوخت اوداند دريد هرجه رابفروخت نيكوتر خريد تفسير : {ألم تعلم} الخطاب للنبى عليه السلام ومعنى الاستفهام تقرير اى انك تعلم {ان الله على كل شئ قدير} فيقدر على النسخ والاتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: النسخ في اللغة يطلق على معنيين؛ أحدهما: التغيير والتحويل، يقال: مسخه الله قرداً ونسخه. قال الفراء: ومنه نسخ الكتاب، والثاني: بمعنى رفع الشيء وإبطاله. يقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظلَّ، أي: ذهبت به وأبطلته، وهو المراد هنا. والإنساء هو الترك والإذهاب، والنساء هو التأخر. و {مَا} شريكة منصوبة بشرطها مفعولاً به. و {نَأْتِ} جوابها. يقول الحقّ جلّ جلاله: في الرد على اليهود حيث قالوا: انظروا إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، فأجاب الله عنهم بقوله: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} أي: نزيل لفظها أو حكمها أو هما معاً، {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} في الخفة أو في الثواب، {أَوْ نُنسِهَا} من قلب النبيّ - عليه الصلاة والسلام - بإذن الله، أو نتركها غير منسوخة، أو نؤخر إنزالها أو نسخها. باعتبار القراءات، {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلَهَا أَلَمْ تَعْلَمْ} يا محمد {أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ} لا يعجزه نسخ ولا غيره {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ} يتصرف فيهما كيف يشاء، لا راد لما قضى ولا مُعقِّب لما حكم به وأمضى، ينسخ من شرائع أحكامه ما يشاء، يثبت فيها ما شاء، بحسب مصالح العباد، وما تقضيه الرأفة والوداد. وهو جائز عقلاً وشرعاً، فكما نسخت شريعتهم ما قبلها نسخها ما بعدها، فمن تحكم على الله، أو رد على أصفياء الله ممن اطصفاهم لرسالته، فليس له {مِّن دُونِ اللّه مِن وَلِيٍّ} يمنع من عذاب الله، {وَلا نَصِيرٍ} ينصره من غضب الله. والنسخ إنما يكون في الأوامر والنواهي دون الأخبار، لأنه يكون كذباً، ومعنى النسخ: انتهاء العمل بذلك الحكم، ونقل العباد من حكم إلى حكم لمصلحة، فلا يلزم عليه البَدَاءُ كما قالت اليهود، والنسخ عندنا على ثلاثة أقسام: نسخ اللفظ والمعنى: كما كان يُقْرَأُ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر"، ثم نُسخ، ونسخ اللفظ دون المعنى:"كالشيخ والشيخة إذا زينا فرجموهما البتة" ثم نسخ لفظه، وبقي حكمه وهو الرجم، ونسخ المعنى دون اللفظ: كآية السيف بعد الأمر بالمهادنة مع الكفار. الله تعالى أعلم. الإشارة: قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في تفسيرها: ما نذهب من بدل إلا ونأت بخير منه أو مثله. هـ. ومعناه: ما نذهب بولي إلا ونأت بخير منه أو مثله إلى يوم القيامة، وبهذا يُرَدّ على مَن زعم أن شيخ التربية انقطع؛ فإن قدرة الله عامة، وملك الله قائم، والأرض لا تخلو ممن يقوم بالحجة حتى يأتي أمر الله. قال في لطائف المنن: وقد سئل بعض العارفين عن أولياء المدد: أينقُضون في زمن؟ فقال: لو نقص منهم واحد ما أرسلت السماء قطرها، ولا أبرزت الأرض نباتها، وفساد الوقت لا يكون بذهاب أعدادهم، ولا بنقص إمدادهم، ولكن إذا فسد الوقت كان مراد الله وقوع اختفائهم مع وجود بقائهم، ثم قال: وقد قال عليّ - كرّم الله وجهه - في مخاطبته لكميل: اللهم لا تخلو الأرض من قائم لك بحجتك، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، قلوبهم معلقة بالمحل الأعلى. أولئك خلفاء الله في بلاده وعباده، واشوقاه إلى رؤيتهم. وروى الترمذي الحكيم عن ابن عمر رضي الله عنه يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أمتي كالمَطَرِ لا يُدْرَى أَولهُ خيرٌ أم آخِرُه"تفسير : . وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر، الا الداحوني عن هشام "ما ننسخ" بضم النون وكسر السين. الباقون يفتحها. وقرأ ابن كثير وابو عمرو "ننساها" بفتح النون، والسين، واثبات الهمزة الساكنة بعد السين. الباقون ـ بضم النون، وخفض السين بلا همزة. اللغة: النسخ والبدل والخلف نظائر. يقال: نسخ نسخاً، وانتسخ انتساخاً، واستنسخ استنساخاً، وتناسخوا تناسخاً، وناسخ مناسخة. قال ابن دريد: كل شيء خلف شيئاً، فقد انتسخه، ونسخت الشمس الظل، وانتسخ الشيب الشباب. وقال صاحب العين: النسخ ان تزيل امراً كان من قبل يعمل به، ثم تنسخه بحادث غيره. كالآية نزل فيها امر، ثم يخفف الله عن العباد بنسخها بآية اخرى، فالآية الاولى منسوخة، والثانية ناسخة. وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة واصل الميراث قائم لم يقسم، وكذلك تناسخ الازمنة من القرون الماضية. واصل الباب: الابدال من الشيء غيره. وقال الرماني: النسخ الرفع، لشيء قد كان يلزمه العمل به إلى بدل، وذلك كنسخ الشمس بالظل لانه يصير بدلا منها ـ في مكانها ـ وهذا ليس بصحيح، لانه ينتقض بمن تلزمه الصلاة قائما ثم يعجز عن القيام، فانه يسقط عنه القيام لعجزه. ولا يسمى العجز ناسخاً، ولا القيام منسوخاً، وينتقض بمن يستبيح بحكم العقل عند من قال بالاباحة، فاذا ورد الشرع يحظره، لا يقال الشرع نسخ حكم العقل، ولا حكم العقل يوصف بانه منسوخ، فاذاً الاولى في ذلك ما ذكرناه في اول الكتاب: وهو ان حقيقة كل دليل شرعي دلّ على ان مثل الحكم الثابت بالنص الاول غير ثابت فيما بعد على وجه لولاه لكان ثابتاً بالنص الاول مع تراخيه عنه، فاذا ثبت ذلك، فالنسخ في الشرع: على ثلاثة اقسام. نسخ الحكم دون اللفظ، ونسخ اللفظ دون الحكم، ونسخهما معاً. فالاول ـ كقوله: {أية : يا أيها النبي حرّض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبون مائتين}تفسير : إلى قوله: {أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبون مائتين }، تفسير : فكان الفرض الاول وجوب ثبات الواحد للعشرة، فنسخ بثبوت الواحد للاثنين، وغير ذلك من الاي المنسوخ، حكمها، وتلاوتها ثابتة، كآية العدة، واية حبس من يأتي بالفاحشة، وغير ذلك والثاني ـ كآية الرجم. قيل انها كانت منزلة فرفع لفظها وبقي حكمها. والثالث ـ هو مجوّز وان لم يقطع بانه كان. وقد روي عن ابي بكر انه كان يقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر المعنى: واختلفوا في كيفية النسخ على أربعة اوجه: قال قوم: يجوز نسخ الحكم والتلاوة من غير افراد واحد منهما عن الآخر. وقال آخرون: يجوز نسخ الحكم دون التلاوة. وقال آخرون: يجوز نسخ القرآن من اللوح المحفوظ، كما ينسخ الكتاب من كتاب قبله. وقالت فرقة رابعة: يجوز نسخ التلاوة وحدها، والحكم وحده، ونسخهما معاً ـ وهو الصحيح ـ وقد دّللنا على ذلك، وافسدنا سائر الاقسام في العدة في اصول الفقه. وذلك ان سبيل النسخ سبيل سائر ما تعبد الله تعالى به، وشرّعه على حسب ما يعلم من المصلحة فيه فاذا زال الوقت الذي تكون المصلحة مقرونة به، زال بزواله. وذلك مشروط بما في المعلوم من المصلحة به، وهذا القدر كاف في ابطال قول من ابى النسخ ـ جملة ـ واستيفاؤه في الموضع الذي ذكرناه. وقد انكر قوم جواز نسخ القرآن، وفيما ذكرناه دليل على بطلان قولهم، وقد جاءت اخبار متظافرة بانه كانت اشياء في القرآن نسخت تلاوتها، فمنها ما روي عن ابي موسى: انهم كانوا يقرؤون لو ان لابن آدم واديين من مال لابتغى اليهما ثالث، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب. ثم رفع. وروي عن قتادة قال: حدثنا انس بن مالك أن السبعين من الانصار الذين قتلوا ببئر معونة: قرأنا فيهم كتابا ـ بلغوا عنّا قومنا انا لقينا ربنا، فرضي عنا وارضانا، ثم ان ذلك رفع. ومنها الشيخ والشيخة ـ وهي مشهورة ـ. ومنها ما روي عن ابى بكر انه قال: كنا نقرأ: لا ترغبوا عن آبائكم فانه كفر. ومنها ما حكي: ان سورة الاحزاب كانت تعادل سورة البقرة ـ في الطول ـ وغير ذلك من الاخبار المشهورة بين اهل النقل. والخبر على ضربين: احدهما ـ يتضمن معنى الامر بالمعروف ـ فما هذا حكمه ـ يجوز دخول النسخ فيه. والآخر يتضمن الاخبار عن صفة الامر. لا يجوز تغييره في نفسه، ولا يجوز ان يتغير من حسن إلى قبح أو قبح إلى حسن، فان ذلك لا يجوز دخول النسخ فيه. وقد بينا شرح ذلك في العدة. والافعال على ثلاثة اقسام ـ احدها ـ لا يكون إلا حسناً. وثانيها ـ لا يكون إلا قبيحاً. وثالثها ـ يحتمل الحسن والقبح بحسب ما يقع عليه من الوجوه: فالاول ـ كارادة الافعال الواجبة، أو المندوبة التي لا يجوز تغيرّها، كشكر المنعم، ورد الوديعة، والاحسان الخالص وغير ذلك. والثاني ـ كارادة القبيح، وفعل الجهل. والثالث ـ كسائر الافعال التي تقع على وجه، فتكون حسنة، وعلى آخر فتصير قبيحة. فالاول، والثاني لا يجوز فيه النسخ. والثالث يجوز فيه النسخ. ومن قرأ ننسخ ـ بفتح النون ـ فمن نسخت الكتاب. فانا ناسخ، والكتاب منسوخ. ومن قراء ـ بضم النون، وكسر السين ـ فانه يحتمل فيه امرين: احدهما ـ قال ابو عبيدة: ما ننسخك يا محمد. يقال نسخت الكتاب، وانسخه غيري. والاخر ـ نسخته جعلته ذا نسخ. كما قال قوم للحجاج ـ وقد قتل رجلا ـ: أقبرنا فلاناً أي جعله ذا قبر يقال قبرت زيداً: اذا دفنته واقبره الله: جعله ذا قبر كما قال: {أية : ثم أماته فأقبره} تفسير : وقوله {أو ننسأها} فالنسء التأخير ونقيضه التقديم، يقال انسأت الابل عن الحوض أنسأها نسأ: اذا اخرتها عنه، وانتسأت عن الشيء ـ: اذا تباعدت عنه ـ انتساء ونسأت الابل في ظمئها فانا أنسؤها نسأ: اذا زدتها في ظمئها يوماً أو يومين، أو اكثر من ذلك. وظمؤها: منعها الماء. ونسأت الماشية تنسأ نسأ: اذا سمنت. وكل سمين ناسىء، تأويلها ان جلودها نسأت اي تأخرت عن عظامها، قاله الزجاج، وقال غيره: انما قيل ذلك لأنها تأخرت في المرعى حتى سمنت، ونسأت المرأة تنسىء نسأ اذا تأخر حيضها عن وقته، ورجي حملها، ويقال: انسأت فلاناً البيع ونسأ الله في اجل فلان، وانسأ الله اجله اذا أخر اجله. والنسيء تأخر الشيء، ودفعه عن وقته، ومنه قوله تعالى: {أية : إنما النسيء زيادة في الكفر}تفسير : وهو ما كانت العرب تؤخر من الشهر الحرام في الجاهلية. ونسأت اللبن أنسؤه نسأ اذا اخذت حليباً وصببت عليه الماء، واسم ذلك: النسيء، والنسيء هذا سمي بذلك، لأنه اذا خالطه الماء أخر بعض اجزاء اللبن عن بعض قال الشاعر: شعر : سقوني النسء ثم تكنفوني عداة الله من كذب وزور تفسير : ويقال للعصاة المنساة، لانها ينسأ بها، أي يؤخر بها ما يساق عن مكانه، ويدفع بها الانسان عن نفسه ونسأت ناقتي اذا رفعتها في السير واصل الباب التأخير. المعنى: وقال الحسن في قوله: {ما ننسخ من آية أو ننسها} ان نبيكم (صلى الله عليه وسلم) أقرىء قرآنا ثم نسيه، فلم يكن شيئاً. ومن القرآن ما قد نسخ وأنتم تقرأونه. وقال ابن عباس {ما ننسخ من آية} أي ما نبدل من آية، ومن قرأ ننسأها بالهمز فان معناه نؤخرها من قولك هذا الامر أنسؤه نساء اذا أخرته وبعته بنسأ أي بتأخير، وهو قول عطا وابن ابي نجيح، ومجاهد، وعطية وعبيد بن عمير. وعلى هذا يحتمل نؤخرها امرين. احدهما فلا ننزلها وننزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة، أو ما يكون اصلح للعباد منها. وهذا ضعيف لأنه لا فائدة في تأخير ما لا يعرفه العباد، ولا علموه ولا سمعوه. والثاني ـ نؤخرها إلى وقت ثان، فنأتي بدلا منها في الوقت المقدم، بما يقوم مقامها. فاما من حمل ذلك، على معنى يرجع إلى النسخ، فليس يحسن لأنه يصير تقديرها، ما ننسخ من اية او ننسخها. وهذا لا يجوز. ومعنى قوله: {نأت بخير منها أو مثلها}. المعنى: قيل فيه قولان: احدهما ـ قال ابن عباس نأت بخير منها لكم في التسهيل والتيسير، كالامر بالقتال الذي سهل على المسلمين بدلالة قوله {أية : الآن خفف الله عنكم} تفسير : او مثلها كالعبادة بالتوجه إلى الكعبة بعد ما كان إلى بيت المقدس. والوجه الثاني بخير منها في الوقت الثاني، اي هي لكم خير من الاولى في باب المصلحة، او مثلها في ذلك. وهو قول الحسن وهذا الوجه اقوى، وتقديره كأن الآية الاولى في الوقت الثاني في الدعاء إلى الطاعة، والزجر عن المعصية، مثل الآية الاولى في وقتها. فيكون اللطف بالثانية، كاللطف بالاولى الا انه في الوقت الثاني يسهل بها دون الاولى. وقال ابو عبيدة معنى "ننساها" اي نمضيها فلا ننسخها قال طرفة: شعر : امون كألواح الاران نسأتها على لاحب كانه ظهر برجد تفسير : يعني امضيتها ومن قرأ "ننسها" بضم النون، وكسر السين يحتمل امرين: احدهما ـ ان يكون مأخوذا من النسيان إلا انه لا يجوز أن يكون ذلك من النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنه لا يجوز ذلك من حيث ينفر عنه، ويجوز ذلك على الأمة بان يؤمروا بترك قراءتها، وينسونها على طول الايام. ويجوز ان ينسيهم الله (تعالى) ذلك وان كانوا جمعا كثيرا، ويكون ذلك معجزا بمعنى الترك من قوله: {أية : نسوا الله فنسيهم }تفسير : والاول عن قتادة، والثاني عن ابن عباس وقال معناه: نتركها لا نبدلها. وقال الزجاج: ننسها بمعنى نتركها خطأ، انما يقال: نسيت بمعنى تركت، ولا يقال انسيت بمعنى تركت وانما معنى ننساها نتركها، اي ان نامركم بتركها. قال الرماني: انما فسر المفسرون على ما يؤول اليه المعنى لانه اذا امر بتركها، فقد تركها. فان قيل: اذا كان نسخ الاية رفعها، وتركها فما معنى ذلك إلا ان يترك، ولم جمع بينهما؟ قيل: ليس معنى تركها الا ان يترك، وقد غلط الزجاج في توهمه ذلك، وانما معناه اقرارها، فلا ترفع، كما قال ابن عباس: يتركها، ولا نبدلها وانما قال: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} تنبيهاً على انه يقدر على ايات وسور مثل القرآن ينسخ بها امره لنا فيه بما امرنا، فيقوم في النفع مقام المنسوخ. او اكثر. وقال بعضهم: معنى "أو" في الآية الواو، كان قال: ما ننسخ من ايه وننساها نات بخير منها، فعلى هذا زالت الشبهة. فان قيل: اي تعلق بين هذه الآية وبين التي قبلها؟ قلنا: لما قال في الآية الاولى {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} دل في هذه الآية على انه جل وعز، لا يخليهم من إنزال خير اليهم، خلاف ما يود اعداؤه لهم: فان قيل: هل يجوز نسخ القرآن بالسنة أم لا؟ قلنا فيه خلاف بين الفقهاء، ذكرناه في اصول الفقه، وبين اصحابنا ايضاً فيه خلاف، إلا ان يقوى في النفس جواز ذلك. وقد ذكرنا ادلة الفريقين، والشبه فيها في اصول الفقه ـ لا يحتمل ذكرها هذا المكان. وانما اخرنا ذلك، لأن تلاوة القرآن، والعمل بما فيه تابع للمصلحة، ولا يمتنع ان تتغير المصلحة، تارة في التلاوة فتنسخ، وتارة في الحكم فينسخ، وتارة فيهما فينسخان. وكذلك لا يمتنع ان تكون المصلحة في ان تنسخ، تارة بقرآن، وتارة بالسنة المقطوع بها. فذلك موقوف على الادلة. وقوله: {نأت بخير منها} لا يدل على ان السنة خير من القرآن، لأن المراد بذلك نأت بخير منها من باب المصلحة. على ان قوله: {نأت بخير منها} فمن اين ان ذلك الخبر يكون ناسخاً. فلا متعلق في الآية يمنع من ذلك. والاولى جوازه. على ان هذا وان كان جائزاً، فعندنا انه لم يقع، لانه لا شيء من ظواهر القرآن يمكن ان يدعى انه منسوخ بالسنة اجماعاً، ولا بدليل يوجب العلم. واعيان المسائل فيها خلاف، نذكر ما عندنا فيه ـ اذا مررنا بتاويل ذلك. واما ما روي عن ابن سعيد ابن المسيب من انه كان يقرأ "أو تنسها" بالتاء المعجمة من فوق، وفتح السين ـ فشاذ، لا نلتفت اليه، لانا قد بينا ان النبي "صلى الله عليه وسلم" لا يجوز عليه ان ينسى شيئاً من وحي الله. وكذلك ما روي عن ابي رحا العطاردي "ننسها" بضم النون الاولى، وفتح الاخرى، وتشديد السين ـ ذكرها شاذة. وفي الآية دليل على ان القرآن غير الله، وان الله هو المحدث له، والقادر عليه، لأن ما كان بعضه خيراً من بعض، او شراً من بعض، فهو غير الله لا محالة. وفيها دليل ان الله قادر عليه، وما كان داخلا تحت القدرة، فهو فعل، والفعل لا يكون إلا محدثاً، ولانه لو كان قديماً لما صح وجود النسخ فيه، لأنه اذا كان الجميع حاصلا فيما لم يزل، فليس بعضه بان يكون ناسخاً، والاخر منسوخاً باولى من العكس. فان قيل: لم قال: {ألم تعلم أن الله} او ما كان النبي "صلى الله عليه وسلم" عالماً بان الله على كل شيء قدير؟ قلنا عنه جوابان: احدهما ـ ان معنى قوله: {ألم تعلم} اما علمت؟ والثاني ـ انه خرج ذلك مخرج التقرير، كما قال: {أية : أأنت قلت للناس}. تفسير : وفيه جواب ثالث ـ انه خطاب للنبي "صلى الله عليه وسلم" والمراد امته، بدلالة قوله بعد ذلك: {وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}.
الجنابذي
تفسير : بيان النّسخ واقسامه {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} النّسخ لغة الازالة والتّغيير والابطال واقامة شيءٍ آخر مقام المبطل والمسخ، ونسخ الكتاب وانتسخه واستنسخه كتبه، وشرعاً رفع حكم ثابت فى الشّريعة بعد العمل به سواء كان النّاسخ والمنسوخ من شريعتين أو من شريعةٍ واحدٍ، وسواء كان بالنسبة الى عامّة الخلق او بالنّسبة الى أشخاصٍ مخصوصين، او بالنّسبة الى شخصٍ واحدٍ بحسب أحواله المختلفة؛ والاوّل هو النّسخ الكلّىّ والثّانى والثّالث النّسخ الجزئىّ والنّسخ فى الكتاب هو النّسخ الكلّىّ والنّسخ فى الاخبار الولويّة نسخ جزئىّ بحسب الاشخاص، او بحسب أحوال شخصٍ واحدٍ، والنّسخ فى الاخبار النّبويّة يجوز فيه الامران لانّ الكتاب الالهىّ مشرع كلّ الامّة وأحكامه المنصوصة مشرع للكلّ، ومنسوخه منسوخ عن الكلّ وناسخه ناسخ للكلّ، وما يجرى فيه النّسخ الجزئىّ من الآيات فهو لا يعدّ من النّاسخ والمنسوخ بل يعدّ من المتشابهات، وامّا الاخبار الولويّة فالنّسخ المذكور فيها لا يجوز ان يكون نسخاً بالنّسبة الى كلّ الأمّة والاّ لزم ان يكون الائمّة مؤسّسين للشريعة لا حافظين لشريعة محمّدٍ (ص) والحال أنّهم حافظون للشريعة، والنّسخ الجزئىّ عبارة عن رفع حكمٍ عن شخصٍ كان ذلك الحكم ثابتاً له بأمرٍ شرعىٍّ، او رفع حكمٍ ثابتٍ بالامر الشّرعىّ من الحافظين للشريعة او من الشّارع لشخصٍ او لجمعٍ عن شخص آخر او عن جماعة أخرى. وفى الاخبار اشاراتٌ وتصريحاتٌ بذلك ونذكر شطراً منها لمزيد الاستبصار؛ فنقول: روى فى الكافى عن سليم بن قيس الهلالى انّه قال، قلت لامير المؤمنين (ع): انّى سمعت من سلمان والمقداد وأبى ذرّ رحمهم الله شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبىّ الله (ص) غير ما فى أيدى النّاس ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت فى أيدى النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن وأحاديث عن نبىّ الله (ص) أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أنّ ذلك كلّه باطل أفترى النّاس يكذبون على رسول الله (ص) متعمّدين؟ ويفسّرون القرآن بآرائهم؟ - قال: فاقبل علىّ فقال: قد سألت فافهم الجوابٍ؛ انّ فى ايدى النّاس حقّاً وباطلاً وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً وعامّاً وخاصّاً ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً وقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتّى قام خطيباً فقال: "حديث : ايّها النّاس قد كثرت علىّ الكذّابة فمن كذب علىّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النّار"تفسير : ثمّ كذب عليه من بعده وانّما أتاكم الحديث من أربعةٍ ليس لهم خامس؛ رجل منافق يظهر الايمان متصنّع بالاسلام لا يتأثّم ولا يتحرّج ان يكذب على رسول الله (ص) متعمّداً فلو علم النّاس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه ولم يصدّقوه ولكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول الله (ص) وراءه وسمع منه؛ وأخذوا عنه وهم لا يعرفون حاله وقد أخبره الله عن المنافقين بما أخبرهم ووصفهم فقال تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} تفسير : [المنافقون: 4]، ثمّ بقوا بعده فتقرّبوا الى ائمّة الضّلالة والدّعاة الى النّار بالزّور والكذب والبهتان فولّوهم الأعمال وحملوهم على رقاب النّاس وأكلوا بهم الدّنيا وانّما النّاس مع الملوك والدّنيا الاّ من عصم الله؛ فهذا أحد الاربعة، ورجل سمع من رسول الله (ص) شيئاً لم يحفظه على وجهه ووهم فيه ولم يتعمّد كذباً فهو فى يده يقول به ويعمل به ويرويه فيقول: أنا سمعته من رسول الله (ص) فلو علم المسلمون أنّه وهم لم يقبلوه؛ ولو علم هو أنّه وهم لرفضه، ورجل ثالث سمع من رسول الله (ص) شيئاً أمر به ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم؛ او سمعه ينهى عن شيءٍ ثمّ أمر به وهو لا يعلم فحفظ منسوخه ولم يحفظ النّاسخ؛ فلو علم أنّه منسوخ لرفضه؛ ولو علم المسلمون اذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه، وآخر رابع لم يكذب على رسول الله (ص) مبغضٌ للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله (ص) لم ينسه بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به كما سمع لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم النّاسخ من المنسوخ فعمل بالنّاسخ ورفض المنسوخ فانّ أمر النّبىّ (ص) مثل القرآن ناسخ ومنسوخ، وخاصّ وعامّ، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله (ص) الكلام له وجهان وكلام عامّ وكلام خاصّ مثل القرآن وقال الله تعالى فى كتابه: {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر:7]؛ فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله ليس كلّ أصحاب رسول الله (ص) كان يسأله عن الشيء فيفهم وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتّى ان كانوا ليحبّون ان يجيء الاعرابى والطارئ فيسأل رسول الله (ص) حتّى يسمعوا وقد كنت أدخل على رسول الله (ص) كلّ يوم دخلة وكلّ ليلة دخلة فيخلّينى فيها ادور معه حيث دار وقد علم أصحاب رسول الله (ص) انّه لم يصنع ذلك بأحد من النّاس غيرى فربّما كان فى بيتى يأتينى رسول الله (ص) اكثر ذلك فى بيتى وكنت اذا دخلت عليه بعض منازله اخلانى وأقام عنّى نساءه فلا يبقى عنده غيرى واذا اتانى للخلوة معى فى منزلى لم يقم عنّى فاطمة (ع) ولا أحداً من بنىّ، وكنت اذا سألته (ص) أجابنى واذا سكتّ عنه وفنيت مسائلى ابتدأنى، فما نزلت على رسول الله (ص) آية من القرآن الاّ أقرأنيها وأملاها علىّ فكتبتها بخطّى وعلّمنى تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصّها وعامّها ودعا الله ان يعطينى فهمها وحفظها فما نسيت آيةً من كتاب الله تعالى ولا علماً أملاه علىّ وكتبته منذ دعا الله لى بما دعا، وما ترك شيئاً علّمه الله من حلالٍ ولا حرامٍ ولا أمرٍ ولا نهىٍ كان او يكون ولا كتابٍ منزلٍ على أحد قبله من طاعةٍ او معصيةٍ الاّ علّمنيه وحفظته فلم أنس حرفاً واحداً ثمّ وضع (ص) يده (ص) على صدرى ودعا الله لى ان يملأ قلبى علماً وفهماً وحكماً ونوراً، فقلت: يا نبىّ الله بأبى انت وامّى منذ دعوت الله لى بما دعوت لم أنس شيئاً ولم يفتنى شيء لم اكتبه أفتخوّف علىّ النّسيان فيما بعد؟ - فقال: "حديث : لا لست أتخوّف عليك النّسيان والجهل ". تفسير : وقد دلّ هذا الخبر على انّ فى أخبار الرّسول (ص) مثل القرآن ناسخاً ومنسوخاً وعامّاً وخاصّاً ومحكماً ومتشابهاً وقلّ من يعرف النّاسخ والمنسوخ والعامّ من الخاصّ وموارد ورود الخاصّ والمحكم من المتشابه وتأويل المتشابه، وموارد تعلّق النّاسخ وموارد ارتفاع المنسوخ، وليس الاّ من كان له بصيرة بمراتب الرّجال واختلاف أحوالهم واقتضاء أحوالهم الاحكام الّلائقة بها، وفى الاخبار الدّالّة على تفويض أمر العباد الى رسول الله (ص) ثمّ اليهم اشعار بأنّهم ينظرون الى أحوال العباد فيأمرونهم بحسب أحوالهم، وفى نسبة ايقاع الخلاف بين أتباعهم الى أنفسهم دلالة على ذلك وقال محمّد بن مسلم: قلت لأبى عبد الله (ع): ما بال أقوام يروون عن فلان وفلان عن رسول الله (ص) لا يتّهمون بالكذب فيجيئنى منكم خلافه؟ - فقال (ع) انّ الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن. وقال منصور بن حازم قلت لأبى عبد الله (ع): ما بالى أسألك عن مسئلةٍ فتجيبنى فيها بالجواب ثمّ يجيئك غيرى فتجيبه فيها بجوابٍ آخر؟ - فقال: انّا نجيب النّاس على الزّيادة والنّقصان، قال قلت: فأخبرنى عن أصحاب رسول الله (ص) صدقوا على محمّدٍ (ص) ام كذبوا؟ - قال: بل صدقوا، قلت: فما بالهم اختلفوا؟ - قال: اما تعلم انّ الرّجل كان يأتى رسول الله (ص) فيسأله عن المسئلة فيجيبه فيها بالجواب ثمّ يجيئه بعد ذلك ما ينسخ ذلك الجواب فنسخت الأحاديث بعضها بعضاً. وعن أبى عبد الله (ع) انّه قال: انّ الله رفيق يحبّ الرّفق فمن رفقه بعباده تسليله أضغانهم ومضادّتهم لهواهم وقلوبهم، ومن رفقه بهم انّه يدعهم على الامر يريد ازالتهم عنه رفقاً بهم لكى يلقى عليهم عُرى الايمان ومثاقلته جملة واحدة فيضعفوا فاذا اراد ذلك نسخ الامر بالآخر فصار منسوخاً. وعن زرارة؛ أنّه قال سألت أبا جعفر (ع) عن مسئلةٍ فأجابنى ثمّ جاء رجل فسئله عنها فأجابه بخلاف ما أجابنى ثمّ جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابنى وأجاب صاحبى، فلمّا خرج الرّجلان قلت: يابن رسول الله (ص) رجلان من اهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد بغير ما أجبت به صاحبه؟! فقال: يا زرارة، انّ هذا خيرٌ لنا ولكم ولو اجتمعتم على أمرٍ واحدٍ لصدّقكم النّاس علينا وكان اقلّ لبقائنا وبقائكم. وعن أبى جعفرٍ (ع) انّ المؤمنين على منازل منهم على واحدة، ومنهم على اثنتين؛ وقال هكذا الى سبعٍ، فلو ذهبت تحمّل على صاحب الواحدة اثنتين لم يقو؛ وهكذا الى السّبع. وفى بعض الأخبار عبّر عن المراتب بعشر وعبّر فى خبر بتسعة وأربعين جزءً كلّ جزء عشرة أجزاءً، وكلّ هذه يدلّ على اختلاف الاحكام باختلاف الاشخاص وأنّهم يأمرون وينهون على حسب أحوال النّاس، او على حسب أحوال شخص واحدٍ لانّهم أطبّاء النّفوس والطّبيب يراعى أمراض المرضى وأحوالهم، وبحسب أمراضهم وأحوالهم يجيب مسائلهم ويدبّر غذاءهم ودواءهم. وقوله تعالى: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108] يدلّ على ذلك فانّ معنى البصيرة الرّؤية الباطنة والرّؤية الباطنة مرئيّها أحوال المدعوّ والدّعوة الّلائقة بحاله والمدعوّ اليه، والطّريق الّذى يكون السّلوك عليه. والآية فعلة بالسّكون او بالتّحريك او هى مخفّفة فاعلة بمعنى العلامة جمعها آيات وآىٌ وآياء وزن أفعال، وتطلق على آيات الكتاب التّدوينىّ فانّها علاماته تعالى وعلامات رسالة رسوله، وعلى أحكام الرّسالة والنّبوّة فانّها ايضاً علاماته وعلامات الرّسالة والرّسول، وعلى آيات الآفاق والانفس فانّها أيضاً علاماته تعالى وخصوصاً الآيات العظمى فانّها علاماته الّتى تحاكى تمام أسمائه وصفاته تعالى ولا اختصاص للنّسخ بالآيات التّدوينيّة والاخبار النّبويّة والولاية فانّه كما يجرى فى تلك بمعنى رفع الحكم المستفاد منها يجرى فى آيات الآفاق بمعنى رفعها وازالتها او تغييرها لكنّ النّسخ لا يجرى الاّ فى الآيات النّازلة الى عالم الطّبع سواء فيه تدوينيّاتها وتكوينيّاتها فانّها آيات متشابهات يجرى فيها النّسخ لا الآيات العلويّة فانّها محكمات هنّ أمّ الكتاب وقوله تعالى {أَوْ نُنسِهَا} من باب الافعال وقرء ننسخ من باب الافعال وننسها بفتح النون والسّين والانساء عبارة عن محوها عن القلوب مع بقائها فى الواقع او محو آثارها عن القلوب مع بقائها او بقاء حكمها فى الواقع {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} لا اشكال فى اتيانه تعالى بخيرٍ منها او مثلها فى الآيات التّدوينيّة وأحكام الرّسالة والآيات الصّغرى الآفاقيّة وأمّا الآيات العظمى فانّ الاتيان بالخير او المثل لا يتصوّر فى الانبياء بطريق الكلّيّة فانّه كان بمضمون تلك الرّسل {أية : فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ} تفسير : [البقرة: 253] اكثر الاخلاف أدنى مرتبة من الاسلاف فانّ كلّ من يأتى بعد اولى العزم لم يكن فى مرتبتهم لكن نقول خيريّة الآيات انّما هى بالاضافة الى من تكون آياتٍ لهم ولا شكّ فى اختلاف الازمان وأهلها وانّ بعضهم أقوياء يقدرون على قبول الأحكام من نبىٍّ اقوى وبعضهم ضعفاء لا يقدرون على قبول الاحكام الاّ من نبىٍّ أضعف فخيريّة نبىٍّ فى نفسه لا ينافى عدم خيريّته بالاضافة الى أمّة نبىٍّ آخر؛ ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه: شعر : بس بهر دورى وليّى قائم است تا قيامت آزمايش دائم است او جو نوراست و خرد جبريل او آن ولىِّ كم از او قنديل او وآنكه زين قنديل كم مشكوة ماست نور را در مرتبت ترتيبهاست زانكه هفصد برده دارد نور حق برده هاىِ نور دان جندين طبق از بس هر برده قومى را مقام صف صفند اين برده هاشان تاامام اهل صفّ آخرين از ضعف خويش جشمشان طاقت ندارد نور بيش وان صف بيش از ضعيفىّ بصر تاب نارد روشنائى بيشتر تفسير : وفى تفسير الامام عليه السّلام اشارة الى ما ذكرنا {أَلَمْ تَعْلَمْ} يا محمّد (ص)، او يا منكر النّسخ ومستغربه من الله، او المراد كلّ من يتأتّى منه الخطاب {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وسبب نزول الآية كما فى الاخبار انّ الرّسول (ص) كان يتوجّه الى بيت المقدّس فى صلاته مدّة اقامته بمكّة ثلاث عشر سنة وبعد هجرته الى المدينة الى سبعة عشر شهراً وجعل قوم من مردة اليهود يعيّرونه باستقبال بيت المقدّس فاشتدّ ذلك عليه (ص) وكره قبلتهم فصعد جبرئيل (ع) بعد اخباره ايّاه بذلك ثمّ عاد فقال اقرأ: {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ} (الآيات) فقالت اليهود: {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} فأجاب تعالى بقوله: {قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} فعيّروه بأنّه ان كان الاولى حقّةً فالثّانية باطلة، وان كان الثّانية حقّةً فالاولى كانت باطلة، فنزلت هذه الآية يعنى انّ الله يقدر على نسخ حكمٍ والاتيان بحكمٍ آخر يكون أصلح لكم وانفع بحالكم.
الأعقم
تفسير : {ما ننسخ من آية أو ننسها} روي ان المشركين قالوا: ألا ترون الى محمد يأمر اصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأتي بخلافه من تلقاء نفسه، فنزلت الآية، ونسخ الآية ازالتها بانزال اخرى مكانها، وهو أن يأمر جبريل أن يجعلها منسوخة بالاعلام. {بخير منها} للعباد أي بآية العمل بها اكثر للثواب {أو مثلها} في ذلك، واجماع المسلمين على ان في القرآن ناسخاً ومنسوخاً، والكلام فيه يطول. والمعهود انه يأتي على ثلاثة أوجه: احدها: ما نُسِخَ حكمه وبقي لفظه وهو كثير في القرآن، وقد قيل ان آية السيف وهي قوله تعالى: {أية : اقتلوا المشركين} تفسير : [التوبة: 5] الى آخرها، نسخت كذا آية قيل: مائة وأربعة وعشرين آية. الثاني: ما نُسِخَ لفظه وبقي حكمه، وذلك ما روي عن عمر أنه قال: الشيخ والشيخة اذا زنيَا فارجموهما البتَّة بما قضيا من اللذة نكالاً من الله والله تعالى عزيز حكيم. روي ايضاً: انه كان في القرآن لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً، ولا على خوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب. والثالث: ما نسخ لفظه وحكمه والله اعلم. والنسخ برفعك لشيء قد كان يلزم العمل به من قول العرب: نسخت الشمس الظل، أي أزالته وقرأ ابن كثير وابو عمرو أو ننساؤها بالفتح والهمزة، ومعنى ننسها نذهبها من قلبك من النسيان، ومن همزها فمعناه نؤخرها ولا ننسخها، وقيل: ما ننسخ من آية من اللوح المحفوظ للانزال عليك، أو نؤخر انزالها، {نأت بخير منها} ذكره في الغرائب. {له ملك السموات والارض} فهو يملك امرهم. {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئِل موسى} الآية: نزلت في عبد الله بن أُميّة المخزومي، وفي رهط من قريش قالوا: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهباً، ووسع لنا ارض مكة، وفجر الانهار تفجيراً نؤمن لك، فنزلت الآية {كما سئِل موسى} سأله قومه فقالوا: {أية : أرنا الله جهرةً} تفسير : [النساء: 153] وقيل: انهم يا محمد آتينا بكتاب من السماء جملة واحدة، كما نزلت التوراة نؤمن بك. {ود كثير من اهل الكتاب لو يردونكم} الآية: نزلت في حيي بن أخطب واخيه ياسر دخلا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين قدم المدينة، فلما خرجا من عنده قال حيي لأخيه أهو نبي؟ قال: هو نبي، قال: فما له عندك؟ قال: العداوة الى الموت، وهو الذي أثار الحرب يوم الأحزاب عن ابن عباس، وقيل: "حديث : في قوم من اليهود قالوا لعمار وحذيفة بعد يوم أُحُد: لو كان دين محمد حقاً ما اصابه هذا فارجعا الى ديننا، فقال عمار: رضيت بالله رباً وبمحمدٍ نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن اماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين اخواناً، وقيل: هو حذيفة الذي قال ذلك، ثم آتيا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخبراه بذلك، فقال: أصبتما الخير"تفسير : ، فنزلت الآية. {حتى يأتي الله بأمره} الذي هو قتل بني قريظة، واجلاء بني النضير واذلالهم بضرب الجزية عليهم.
اطفيش
تفسير : {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: نزل حكمها ولفظها أو حكمها فقط أو لفظها فقط، فإن من معانى النسخ الإزالة، والآية من هذا المعنى كنسخ الليل والنهار والنهار والليل، والظل والشمس والشمس الظل، والشيب الشباب، فبعض القرآن منسوخ وأكثره غير منسوخ، ويطلق مع بقاء الناسخ فى موضع المنسوخ وبدون بقائه كنسخ الأثر بالريح، ومواضع فى القرآن مثل نسخ الناسخ، ويطلق النسخ أيضاً على تحويل الشئ من موضع لآخر، تقول: نسخت تراب الدار، أى نقلته إلى المزبلة، وفى هذا المعنى إزالة لكن من موضع لآخر بلا إفناء، بخلاف الإزالة فى المعنى الأول فإنها بمعنى الإفناء، وليس شئ من القرآن بهذا المعنى منسوخا، ويطلق النسخ أيضا على النقل مع الإبقاء لأصل المنقول منه، فالقرآن على هذا كله منسوخ، لأنه كله منسوخ من اللوح المحفوظ، ولا يطلق عليه هذا النسخ إلا ببيان أنهُ من اللوح المحفوظ، وهو فى المصاحف مشابه به لا فى اللوح المحفوظ لفظا وخطا. وقد ذكر منه فى القرآن {أية : إِنّا كُنّا نَستَنسِخُ ما كُنتُم تَعمَلُونَ}تفسير : وقال مكى: إنه لا يصح هذا الوجه فى القرآن، لأن الناسخ لا يأتى بلفظ المنسوخ، بل بلفظ آخر ويرده قوله تعالى: {أية : وإنه فى أم الكتاب لدينا لعلى حكيم}تفسير : ، وقوله: {أية : فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون}تفسير : ، وأصل النسخ فى اللغة هو المعنى الأول، وحقيقة النسخ الشرعى بيان انتهاء التعبد بقراءة الآية، وبالحكم المستفاد منهما أو بهما جميعا، وقال ابن الحاجب: رفع حكم شرعى بدليل شرعى متأخر عنه، ويخالف التخصيص بأن التخصيص يقع بشئ ثالث بين شيئين، والنسخ يقع بشئ على شئ أو بلا شئ، وبأن التخصيص يقع فى غير النص وفيه، والنسخ فى النص وبأن التخصيص يفيد أن العموم فى المخصص بفتح الصاد انتفاء إرادته من أول مرة، والمنسوخ مراد ظاهره ومعناه إلى وقت علمه الله علما أزليا ينتهى فيه. واختلفوا هل النسخ رفع لتعلق الحكم بالمكلف أو بيان الانتهاء أمده؟ والمختار الأول لشموله قبل التمكن من الفعل، ولا يشمله التعريف الثانى وذلك كنسخ ما زاد على خمس صلوات من الخمسين ليلة الإسراء، فإنه قبل التمكن وقيل دخول الوقت، وقد يبحث بأن التعريف الثانى شامل له أيضا لأنه لابد من وجود أصل التكليف، وإنما يتحقق بالتعلق وبيان انتهاء التعلق يصدق بانتهائه بعد التمكن من الفعل وقبله، وإذا قلنا المراد بالانتهاء انتهاء أمد المكلف به لم يرد هذا البحث، وذكر الغزالى فى المصطفى والباقلانى قبله: أن الفعل إذا أمر به فى وقت واحد يجوز نسخه قبل التمكن من الامتثال وقبل وقته فلا يكون بيانا لانقطاع مدة العبادة، فليس النسخ عبارة عن انتهاء مدة العبادة، لأن بيان انتهائها إنما يكون بعد حصول المدة، فقبل حصولها يستحيل بيان انتهائها، والمراد برفع الحكم رفع الحكم الشرعى بخطاب، فخرج بالشرعى رفع الإباحة الأصلية وهى براءة الذمة المأخوذة من العقل، لكن هذا على قول المعتزلة بأن ما يحسنه العقل فهو حسن، وما يقبحه فقبيح، وخرج الرفع بما يغذر به كالموت والجنون والنسيان والغفلة والغلط، وقيل بتكليف الغافل، وصححوا هذا القول. وقيل المنع للحائض والنفساء والجنب من القراءة والصلاة ومس المصحف من النسخ، لأن ذلك حكم، وخرج بالخطاب العقل والإجماع فلا نسخ بها، وأما قول الفخر فى مباحث التخصيص أن من سقط رجلاه نسخ غسلهما وأن ذلك عرف بالعقل فمعيب، لأنه جعل رفع وجوب الغسل بالعقل لسقوط محله نسخاً، ولوجوب ما ثبت فى أول الأمر لا مشروطا بقدرة واستطاعة، وبقاء المحل ودوام الحياة وعدم الحكم عند عدم شرطه ليس نسخا، وقال فى باب النسخ لا يلزم أن يكون العجز ناسخا للحكم الشرعى، لأن العجز ليس بطريق شرعى فيناقض كلامه، والظاهر أنه أراد حقيقة النسخ إلا أن يقال جمعاً بين كلامه أنه تساهل فى تسمية سقوط الغسل عند التعذر نسخا وهو تساهل بعيد، ويقر به بعض فرب أنه ذكره فى باب التخصيص، وذكر ما هو الحق فى باب النسخ، وإنما لم يثبت النسخ بالإجماع لأنه ينعقد بعد وفاته، وأما فى حياته فالحجة فى قوله ولا نسخ بعد وفاته، ولكن إذا وقع الإجماع على خلاف النص دلت مخالفة الإجماع له على وجود ناسخ هو مسند الإجماع، لكنا لم نعرفه وكذا لا تخصيص بالإجماع، لكن إذا خصص الإجماع نصا علمنا بوجود مخصص من الكتاب أو السنة ولو لم نعرفه وخرج بالخطاب أيضاً الفعل فإنه لا نسخ به خلافا للتفتزانى، قيل كان وضوء الصلاة مما مسته النار واجباً ونسخ بأكله صلى الله عليه وسلم لحم شاة مسته النار ولم يتوضأ، وقد يجاب بأنه دل على نسخ سابق وليس فعله هو الناسخ، ولا يصح قول بعض أنهم تركوا ذكر النسخ بالفعل، لأنه مفهوم بالأولى لأنه أقوى من القول، لأنا نقول لا يكتفى فى التعاريف بالمفهوم ولو مفهوم الأولوية، ولأنا لا نسلم أن الفعل أقوى من القول، بل القول أقوى فى الدلالة وهو محط الكلام، والفعل أقوى فى الدلالة على الكيفية، والنسخ من قبيل القول فوصف الصلاة بفعلها والجواز عليها أدل فى بيانها من وصفها بالقول، لأن فيه المشاهدة واستفادة الوقوع على جهة معينة، ووصفها بالقول أدل فى وجوبها وصحتها وفسادها، وما شرطية جازمة لننسخ منصوبة به على المفعولية، ومن آية: متعلق بمحذوف نعت لما أو حال لها، والمسوغ العموم وليست من زائدة، وآية تمييزاً لما كما قال بعض. وقرأ ابن عامر: ننسخ بضم النون الأولى وكسر السين من قولك أنسخت المتعدى لاثنين بالهمزة، فما على هذه القراءة مفعول ثان والأول محذوف، أى ما ننسخك أو ينسخ جبريل، أى نصيرك أو نصيره ناسخاً أو من أنسخ بمعنى الأمر بالنسخ كذلك فى التعدى، أو من أنسخ من قراءة أبى عمرو يتعدى تنسخ لواحد كقراءة الجمهور، على الوجهين منها قبله يتعدى لاثنين كما مر، والمعنى عليهما أن محمداً أو جبريل صلى الله وسلم عليهما ينسخان الآية بمعنى يعلم غيره بنسخها، فجبريل يعلم محمداً بنسخها، ومحمد يعلم الناس بنسخها ومعنى قراءة أبى عمرو وقراءة الجمهور كلتيهما فى نسخ الآية وهو إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما. {أَوْ نُنْسِها}: من النسيان لكن أدخلت الهمزة ليتعدى إلى اثنين أى نجعلك ناسيا إياها بأن نمحوها من قبلك، فالمفعول الأول محذوف أى ننسيكها أو ننسيكموها، وقد قرأ حذيفة بإثباته ننسكها، وقرأ عبدالله بن مسعود: (ما ننسك من آية أو ننسخها)، فذكر أيضا المفعول الأول وهو الكاف كحذيفة. والثانى فى قراءة ما وفى قراءة حذيفة ها وقرئ ننسها بضم النون الأولى وفتح الثانية وتشديد السين للتعدية، وحذف المفعول الأول. وقرئ (تنسها) بضم التاء وفتح النون وتشديد السين مفتوحة على البناء للمفعول والخطاب، والنائب ضمير مستتر عائد إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو المفعول الأول، وقرئ تنسها بفتح التاء والسين وإسكان النون بينهما خطابا له صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك من النسيان تمحى من القلوب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ننسها) بفتح النون الأولى والسين، وإسكان النون بينهما والهمزة بعد السين، وكذا قرأ عمر فى رواية ابن عباس، أى نؤخرها، ومعنى تأخيرها إذهابها عن القلوب بعد إذ كانت فيها. ونسب للحسن وضعفه بعض، وقال إنه لا مفعول عليه أو عدم إنزال حكمها أو تركها فى اللوح المحفوظ، وزعم بعض أن معناه ترك نسخها، ونسب لابن عباس ويرده قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} إلا أن يقال بتكلف الإتيان بخير منها أو مثلها لا يستلزم إذهابها، بل يحتمل إبقاؤها، وقيل معناه إذهابها بلا بدل من معناها، بل ببدل من غيره، كآية الزكاة أو قطع اليد بآية الرجم، والصحيح عصمته صلى الله عليه وسلم من نسيان الشرع قبل تبليغه إلا ما أريد نسخه قبل تبليغه، والظاهر أنه جائز، وإذا بلغ لواحد من أصحابه جاز نسيانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ حديث : وقد أسقط فى الصلاة آية، ولما فرغ من الصلاة قال: "أفى القوم أبى"؟قال: نعم يا رسول الله. قال: "فَلِمَ لَم تذكِّرنى؟" قال: حسبت أنها رفعت، فقال، صلى الله عليه وسلم: "لم ترفع، ولكنى نسيتها" تفسير : وفى الآية رد على اليهود إذ أنكروا النسخ، وكذا أنكره المشركون، وقالوا هم أو اليهود أو كلهم إن محمداً يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا ما يقول إلا من تلقاء نفسه، كما قال الله علا شأنه وعظمت آياته: {أية : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل..}تفسير : الآية فنزل: {ما ننسخ من آية أو ننسها..} الآية. وأقول بدل على ثبوت النسخ أن الله ـ عز وعلا ـ حرم عليهم العمل فى يوم الجمعة، فاختاروا السبت فحكم عليهم به، أو حرم فى يوم عموما عليهم فعينوا السبت إذ وكل الأمر إلى اختيارهم، أو حرم عليهم السبت خضوعا وتعيينا، ولم يحرم على من قبلهم يوم من ذلك، وأن الله ـ عز وعلا ـ أحل لنوح حين خرج من السفينة، ,لمن معه ولذريته كل دابة ولم يحرم عليهم الخنزير، ثم حرم يعقوب على نفسه الجمل، فكان حراما، وحرم على اليهود كل ذى ظفر وشحوم البقر والغنم إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، وأن الله ـ جل وعلا ـ أحل للأخ نكاح الأخت على عهد آدم عليه السلام وحرم بعد قال: شعر : أو ما حرم الإله نكاح الـ أخت بعد التحليل فهو الزنا تفسير : وأقول من أعظم الأدلة على ثبوت النسخ مسخهم قردة وخنازير، قال البوصيرى: شعر : جوزوا النسخ مثل ما جوزوا الــ مسخ عليهم لو أنهم عقلاء تفسير : يعنى لو كانوا عقلاء لجوزوا النسخ ما أقروا بمسخ طائفة منهم، وزعموا أن النسخ بداء والبداء محال فى حق الله عز وجل، لأنه يستلزم الجهل، لأنهُ ظهور ما كان خفيا وليس كما زعموا، بل النسخ إبطال الشئ فى وقت قد علم فى الأزل أنهُ سيبطله فى ذلك الوقت بعد أن لم يبطله. كما قال: شعر : هو إلا أن يرفع الحكم بالحكــــ ـم وخلق فيه وأمر سواء تفسير : يعنى إيجادا فى الشئ المنسوخ، قال: شعر : ولحكم من الزمان انتهاء ولحكم من الزمان ابتداء تفسير : فكما أراد الله إبقاءهم على صورهم إلى وقت مخصوص، ثم مسخهم. كذلك النسخ كما قال أيضاً: شعر : فسلوهم أكان فى مسخهم نسخ لآيات الله أم إنشاء تفسير : يعنى بآيات الله أجسام الممسوخين إذا سئلوا، فلابد أن يقولوا هى الصور الأولى مسخت لا صور أخر أنشئت، ووقعوا فى إثبات البداء إذ قالوا ندم الله على خلق آدم، ومن الأدلة عليهم محو القمر، وقد كان كالشمس، قال: شعر : أم محا الله آية الليل ذكرا بعد سهو ليوجد الإمساء تفسير : وكذا فداء إسحاق بالكبش فى زعمهم أنهُ المفدى، والصحيح أنهُ إسماعيل. قال بانيا على زعمهم: شعر : أم بدا للإله فى ذبح إسحا ق وقد كان الأمر فيهِ مضاء تفسير : وزعمت طائفة من اليهود أن النسخ جائز عقلا غير وارد سمعا. وهو خطأ لصحة وروده كما مر فيرد عليهم بوروده، وعلى من أنكر جوازه عقلا ووروده سمعا بما يعلم مما مر من وروده، ومن أنه بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة، والإماتة بعد الإحياء، والمرض بعد الصحة، والصحة بعد المرض، والفقر بعد الغنى، والغنى بعد الفقر، ونحو ذلك، ولا بدء فى ذلك ولا تغير إرادة، لأن الله ـ جل وعلا ـ ما أراد المنسوخ إلا إلى وقت نسخة، وزعم طائفة من الموحدين أنه لا نسخ فى القرآن، ولكنه ناسخ لغيره وغيره نسخ بعضه بعضا، وحمل الآية على هذا المعنى، ووجه آخر حملها على النسخ من اللوح المحفوظ، ويرد على الوجه الأول أن الآية إذا أطلقت انصرفت إلى آية القرآن، وقد قال الله عز وجل: {ما ننسخ من آية} وليس عندى من المنسوخ آية العفو والصفح، والأمر بالتولى عنه والأمر بتركهم والإعراض عنهم، وزعم غيرى أنهن منسوخات بأية السيف، فكثر بها عدد المنسوخ مع أنهن ليست منه كما سأبينه فى مواضعه، وما زلت أعتقد هذا مخالفا للعلامة الأندلسى، للقاضى أبى بكر بن العربى تليمذ الغزالى من المسجد الحرام حتى رأيته للعلامة الحافظ السيوطى، كما زعم بعض أن {أية : أليس الله بأحكم الحاكمين} تفسير : منسوخ بآية السيف، وليس كذلك فإنه تعالى أبدا أحكم الحاكمين، ولكنه أراد إنما بضمنته من الترك لقتالهم منسوخ بآية القتال ولا حاجة إلى ذلك، بل المراد التفويض وترك المعاقبة، وكذا، وقولوا للناس حسناً عده بعض فى المنسوخ لما تضمنه من الملاينة ولا حاجة لذلك، مع أنه مما أمر به بنو إسرائيل، والخطاب لهم محكى، وكذا زعم بعض فى استثناءات القرآن وتخصيصاته أنهن نسخ، وليس كذلك، بل تخصيص فإن المخصص لم يتناوله العموم فى الحكم والإرادة ولو تناوله اللفظ مثل: {أية : إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا} تفسير : ومثل: {أية : فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره} تفسير : ومثل: {أية : ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} تفسير : فإنه مخصوص بقوله تعالى: {أية : والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} تفسير : لا منسوخ به، وليس منه ما كان فى أول الإسلام بدون أن ينزل فيه القرآن، أو كان فى شرع من قبلنا أو فى الجاهلية، ثم نزل القرآن بإبطاله إذ لو عددنا ذلك نسخا لعد أكثر القرآن ناسخاً، ولو كان ذلك أقرب إلى النسخ، ولكن عدم عده أقوى بالنظر إلى النسخ المصطلح عليه، وهو نسخ بعض القرآن ببعضه أو بحديث متواتر، وكذلك ليست آية الزكاة ناسخة بكل صدقة فى القرآن كما قيل، بل الصدقة فيه صدقة نفل غير الزكاة إلا ما دل دليل على أنها الزكاة، وذلك مثل قوله تعالى: {أية : ومما رزقناهم ينفقون}تفسير : فإنهُ مدح بالإنفاق المحتمل للزكاة وغيرها كما مر وقوله عز وعلا: {أية : وأنفقوا مما رزقناكم} تفسير : فإنهُ يحتمل نفس الزكاة، وإذا تحقق ذلك ظهر أن المنسوخ فى القرآن قليل يحصره العد ويغنى عن كتاب الناسخ والمنسوخ المشهور، الذى هو لبعض البغداديين الذين دخل فيه بعض أصحابنا المشارقة بقوله ومن غيره، ثم يرجع بعد زيادة ما زاد إلى كلام البغدادى فأنا أذكر المنسوخ الحقيق بما فيه من بعض الخلاف مجموعاً، ويأتى مفرشا فى مواضعه، فمن ذلك قوله تعالى عز وجل: {أية : كتب عليكم إذا حضر...} تفسير : الآية نسخ منه الإيصاء للوالدين بآية الإرث، وقيل بحديث: "حديث : لا وصية لوارث" تفسير : وقيل بالإجماع. حكاه ابن العربي ولكنه أدخل فى النسخ وصية الأقرب وليست منسوخة عندنا، وذكر أبو عبد الله محمد بن عمر، وابن أبى ستة أبحاثا فى حاشية الترتيب، وقوله عز وجل: {أية : وعلى الذين يطيقونه فدية}تفسير : قيل نسخ بقوله سبحانه وتعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه} تفسير : وقيل غير منسوخ لكن بتقدير حرف النفى، أى على الذين لا يطيقونه وقوله عز وجل: {أية : كما كتب على الذين من قبلكم} تفسير : فإنه قيل منسوخ بقوله: {أية : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}، تفسير : لأن مقتضاه الموافقة فيما كان عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم، وقيل نسخ لما كان بالنسبة. وقوله عز وجل: {أية : يسألونك عن الشهر الحرام}تفسير : زعم الطبرى عن عطاء ابن ميسرة أنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : قاتلوا المشركين كافة} تفسير : وليس كذلك عندى، وقوله عز وجل: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول} تفسير : فإنه منسوخ بقوله: {أية : يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً} تفسير : والوصية إن قلنا إنها وصية بالمال منسوخة بالميراث والسكنى ثابتة عندنا منسوخة عند بعض قومنا، لحديث ولا سكنا وقوله عز وجل: {أية : إن تبدو ما فى أنسكم أو تخفوه} تفسير : فإنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}تفسير : ، فيما قيل، وقوله عز وجل: {أية : اتقوا الله حق تقاته}تفسير : قيل إنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : فاتقوا الله ما استطعتم} تفسير : وقيل: ليس على طريق ما ينسخ بل على معنى ثابت، وقوله عز وجل: {أية : والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم}، تفسير : فإنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض}، تفسير : وقوله تعالى: {أية : وإذا حضر القسمة أولوا القربى..} تفسير : الآية قيل منسوخة، وقيل لا، ولكن تهاون الناس فى العمل بها، واختاره السيوطى. وقوله عز وجل: {أية : واللاتى يأتين الفاحشة}، تفسير : فإنه منسوخ بآية النور، وقوله عز وجل: {أية : ولا الشهر الحرام} تفسير : فإنه منسوخ بإباحة القتال فيه، وقوله تعالى عز وجل: {أية : فإن جاءوك فاحكم بينهم وأعرض عنهم}، تفسير : فإنه منسوخ بقوله تعالى عز وجل: {أية : وأن أحكم بينهم بما أنزل الله}، تفسير : وقوله عز وجل: {أية : أو آخران من غيركم}، تفسير : فإنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : وأشهدوا ذوى عدل منكم}، تفسير : وقوله عز وجل: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون..} تفسير : الآية فإنه منسوخ بالآية بعده، وقوله عز وجل: {أية : انفروا خفافاً وثقالا}تفسير : فإنه منسوخ بآية النور وهى قوله تعالى: {أية : ليس على الأعمى حرج..} تفسير : الآية وقوله تعالى: {أية : ليس على الضعفاء..} تفسير : الآيتين وبقوله تعالى: {أية : وما كان المؤمنون لينفروا كافة}، تفسير : وقوله عز وجل: {أية : الزانى لا ينكح إلا زانية}، تفسير : فإنه منسوخ بقوله: {أية : وانكحوا الأيامى منكم} تفسير : فللزانى أن ينكح غير الزانية، وللزانية أن تنكح غير الزانى، ولا يحل له أن يتزوج أو يتسرى من زنى هو بها، وكذلك هى، وقوله تعالى: {أية : ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم..}، تفسير : الآية زعم بعض أنها منسوخة، والصحيح أنها غير منسوخة، لكن الناس تهاونوا بالعمل بها، وقوله عز وجل {أية : لا يحل لك النساء من بعد..} تفسير : الآية فإنه منسوخ بقوله تعالى: {أية : إنا أحللنا لك أزواجك..} تفسير : الآية وقوله تعالى: {أية : إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة}، تفسير : فإنه منسوخ بما بعده، وقوله عز وجل: {أية : فآتوا الذين ذهبت أزواجهم}، تفسير : فقيل منسوخ بآية السيف، وقيل بآية الغنيمة، وقيل غير منسوخ، وقوله عز وجل: {أية : قم الليل إلا قليلا}تفسير : ، قيل نسخ بآخر السورة ثم أخرها بالصلوات الخمس، وقوله عز وجل: {أية : فأين ما تولوا فثم وجه الله} تفسير : فإنه منسوخ عند ابن عباس بقوله: {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام}.تفسير : والله أعلم. والمنسوخ هو الحكم الثابت نفسه، وقيل إنها مثل الحكم الثابت فيما يستقبل ونسب للمعتزلة والذى قادهم إلى ذلك مذهبهم فى أن الأوامر مراده، وأن الحسن صفة نفسية للحسن، ومراد الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة، وأن الحسن والقبيح فى الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية والله أعلم. وإذا أعددنا ما فى القرآن من الصفح والتولى والإعراض عن الكفار والكف عنهم منسوخا بآية السيف، وهى: {أية : فإذا انسلخ الأشهر الحرام فاقتلوا المشركين..}تفسير : الآية كان المنسوخ بها مائة وأربعا وعشرية آية، ثم نسخ آخرها أولها قاله أبو بكر بن العربى، وليس ذلك بنسخ عندى كما مر، وقال أيضا من عجيب المنسوخ قوله تعالى: {أية : خذ العفو..} تفسير : الآية فإن أولها وآخرها وهو: {أية : وأعرض عن الجاهلين} تفسير : منسوخ ووسطها غير منسوخ وهو {أية : وأمر بالعرف} تفسير : انتهى. وقد علمت من كلامى أنها كلها محكمة، أعنى أنها غير منسوخة، قال ومن عجبيه أيضا آية أولها منسوخ وآخرها ناسخ ولا نظير لها، وهو قوله: {أية : عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}، تفسير : يعنى اهتديتم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهذا ناسخ لقوله تعالى: {أية : عليكم أنفسكم} تفسير : وهذا عندى تخصيص لا نسخ، لأن المعنى: الزموا أنفسكم ولا يضركم لزومها إذا اهتديتم. وقال السعيدى لم يمكث منسوخ أكثر من قوله تعالى: {أية : قل ما كنت بدعا من الرسل} تفسير : فإنه مكث ستة عشر عاما فنسخها أول الفتح عام الحديبية، انتهى. قلت: ليس ذلك نسخا بل كان ما درى ما يفعل به ولا بهم، ثم علم بالفتح، وذكر هبة الله بن سلامة الضرير أنه قال فى قوله: {أية : ويطعمون الطعام على حبه..} تفسير : الآية أن المنسوخ من هذه الجملة {وأسيرا}، والمراد وأسير المشركين، فقرئ عليهم الكتاب وابنته تسمع، فلما انتهى إلى هذا الموضع قالت له: أخطأت يا أبت، قال: وكيف؟ قالت: أجمع المسلمون على أن الأسير يطعم ولا يقتل جوعاً، فقال: صدقت. ويجوز نسخ الناسخ فيصير منسوخا ومثل له شيد له بقوله تعالى: {أية : لكم دينكم ولى دين}، تفسير : نسختها آية السيف، ويرده عندى أن هذا ليس نسخا فإن لهم دينهم ولنا ديننا سواء أمر بقتالهم أم لم يؤمر، قيل إنه إذا نظرنا إلى ما يفهمه من ترك قتالهم قلنا إنه مخصوص بقوله تعالى: {أية : حتى يعطوا الجزية}، تفسير : وهذا على أن الكافرين فى سورة الكافرين أهل الكتاب أو هم ومشركوا العرب وغيرهم، والمشهور أنهم مشركوا العرب، ومثل السيوطى لذلك بآخر سورة المزمل، فإنه ناسخ لأولها منسوخ بفرض الصلوات الخمس، وقوله عز وجل: {أية : انفروا خفافا وثقالا}،تفسير : فإنه ناسخ لآية الكف منسوخ بآية العذر، ويبحث فيه بأن آيات الكف عن القتال ليست منسوخة، لأنها سيقت لمجرد اللين وترك الانتقام كما مر، وأن آية العذر مخصصة لقوله: (ثقالا) فالثقل الذى أمروا فيه بالنفار دون العذر الذى يسقط به النفار. وأخرج أبو عبيد عن الحسن وأبى ميسرة ليس فى المائدة منسوخ، ويبحث فيه، بما فى المستدرك عن ابن عباس أن قوله: {أية : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم}تفسير : منسوخ بقوله: {أية : وأن احكم بينهم بما أنزل الله}، تفسير : وأخرج أبو عبيد وغيره عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن شأن القبلة، وأخرج أبو داود عنهُ من وجه آخر أول آية نسخت للقبلة ثم الصيام الأول. قال مكى وعلى هذا فلم يقع فى المكّى ناسخ. قال: وقد ذكر أنهُ وقع منهُ آيات منها قولهُ تعالى فى سورة غافر: {أية : والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا} تفسير : فإنه ناسخ لقوله: {أية : ويستغفرون لمن فى الأرض} تفسير : ويبحث فيه عندى بأن هذا إخبار والإخبار الذى ليس بمعنى الأمر أو النهى لا يدخله نسخ، ففى لفظ عمنا موسى بن عامر ـ رحمهما الله ـ من أجاز النسخ فى الإخبار كفر. انتهى. لأن القول بهِ يستلزم نسبة الكذب أو البداء على الله سبحانه، ولا مانع عندنا من جواز نسخ الإخبار الذى بمعنى الأمر أو النهى، وكذا قال الضحاك بن مزاحم، ومنع مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة نسخ الإخبار ولو كان بمعنى الأمر أو النهى، وأجازه عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم ولو لم يكن بمعنى الأمر أو النهى، وتبعهُ جماعة بل ذلك تخصيص، كأنه قيل يستغفرون لمن فى الأرض من المؤمنين. نعم تقدم نسخ قيام الليل فى أول سورة المزمل ـ عليه الصلاة والسلام ـ بآخرها أو بإيجاب الصلوات الخمس. وذلك بمكة اتفاقاً، وليس فى القرآن ناسخ إلا والمنسوخ قبله فى ترتيب الآيات والسور كما فى النزول، إلا آية العدة فى البقرة، وقولهُ: {أية : لا يحل لك النساء} تفسير : وآية الفئ فى الحشر على القول بأنها نسخت بآية الأنفال: {أية : واعلموا أنما غنمتم من شئ} تفسير : وقوله: {أية : خذ العفو} تفسير : يعنى الفضل من أموالهم على القول بأنها نسخت بآية الزكاة. والله أعلم. وإنما يرجع فى النسخ إلى نقل صريح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو عن صحابى يقول: آية كذا نسخت آية كذا، وقد يحكم بالنسخ عند وجود التعارض المقطوع به مع علم التاريخ ليعرف المقدم والمتاخر، ولا يعتمد فى النسخ قول عامة المفسرين المجتهدين ولا غيرهم من غير نقل صحيح ولا معارضة، لأن النسخ يتضمن رفع الحكم وإثبات حكم تقرر فى عهده ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال بعض: يكتفى فيه بقول مفسراً ومجتهداً، وقال بعض: لا يقبل فيه الآحاد بل يؤخذ بالتواتر، وبه قال ابن العربى والله أعلم. وقد مر أن النسخ إما اللفظ أو الحكم، وإما لأحدهما، فأما نسخ اللفظ والحكم فمنه ما روى البغوى بلا سند عن أبى أمامة بن سهل: حديث : أن قوماً من الصحابة قاموا ليلة ليقرءوا سورة، فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فغدوا إلى النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبروه، فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "تلك السورة رفعت تلاوتها وحكمها"، تفسير : وقيل إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة، فرفع بعضها تلاوة وحكماً. وعن عائشة ـ رضى الله عنها: كان فيما أنزل عشر رضعات معلومات، فنخست بخمس معلومات فتوفى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهن مما يُقرأ من القرآن، رواه البخارى ومسلم، والمعنى أنهُ قارب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوفاة وقد نسخت التلاوة ولم يبلغ نسخها بعض الناس، فكان يقرؤها بعد نسخها. وبعض بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقال أبو موسى الأشعرى: نزلت ثم رفعت، وقال مكى: هذا المثال فيه المنسوخ غير متلو ولا أعلم له نظيراً، وانتهى النسخ فى الخمس المعلومات عند الشافعى، وقال مالك: نسخت الخمس، وكذا نقول معشر الإباضية الوهبية، كما قلنا إن التحريم يقع ولو بقطره، والفائدة مع نسخ اللفظ والحكم مما الثواب على الفعل، لو بقى والعزم على فعله لو بقى وامتثاله، وأما ما نسخ حكمه دون لفظه فقد تقدم ذكره، وذكر ما ورد عنه، وتقدم أنهُ ليس من النسخ آيات القتال لآيات الصفح والإعراض ولو عد ذلك كثير نسخاً وسماه بعضهم منسئا. قال السيوطى: ما أمر بهِ لسبب ثم يزول السبب ليس نسخاً بل منسئا أى مؤخر كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح، ثم أوجب القتال لما زال الضعف وهو الأمر الذى ورد ووجب امتثاله فى وقت ما لعلة تقتضيه، ثم ينتقل بانتقال العلة إلى حكم آخر، وإنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله. قال مكى: ذكر جماعة إنما ورد من الخطاب مشعرا بالتوقيت مثل: {أية : فاعفوا واصفحوا حتى يأتى الله بأمره} تفسير : محكم غير منسوخ، لأنهُ مؤجل والمؤجل لا نسخ فيهِ، والحكمة فى رفع الحكم وبقاء اللفظ أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم يعمل به، كذلك يتلى لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه، فأبقى اللفظ لذلك، وأن النسخ غالبا يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيراً للنعمة ورفع المشقة والعزم على العمل قبل النسخ، وقيل لا يكون النسخ حتى يرفع التلاوة ويرده ما نسخ بالقرآن من التوراة وهما متلوان، وأما نسخ اللفظ وبقاء الحكم فمثل ما أخرجه مسلم والبخارى عن ابن عباس، واللفظ لمسلم، أن عمر بن الخطاب قال على منبر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليهِ آية الرجم فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم فى كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وأن الرجم فى كتاب الله عز وجل على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحمل أو الاعتراف، فإن قلت فى أى سورة؟ قلت: فى الأحزاب؟ قال أبو عبيدة: حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن المبارك بن فضالة، عن عاصم ابن أبى النجود، عن زر بن حبيش قال: قال لى أبى بن كعب كم آى تعد سورة الأحزاب؟ قال اثنين وسبعين آية أو ثلاثا وسبعين آية، قال إن كانت لتعدل سورة البقرة وإن كنا لنقول فيها الرجم، وما آية الرجم؟ قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهم البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. وقال: حدثنا عبدالله بن صالح، عن الليث، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبى هلال عن مروان بن عثمان، عن أبى أمامة بن سهل أن خالته قالت لقد أقرأنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا ارجموهما البتة بما قضيا من اللذة، وقال حدثنا حجاج عن ابن جريع أخبرنى ابن أبى حميدٍ عن حميدة بنت أبى يونس، قالت: قرأ على أبى وهو ابن ثمانين سنة فى مصحف عائشة ـ رضى الله عنها ـ وأن الله وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما، وعلىّ الذين يصلون الصفوف الأول. قالت: قبل أن يغير عثمان المصاحف، وقال حدثنا عبدالله بن صالح، عن الليث، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن أبى واقد الليث، قال: حديث : كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أوحى إليه آتيناه فعلمنا ما أوحى إليه، فجئت ذات يوم فقال: إن الله يقول: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو أن لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون إليه الثانى، ولو كان له الثانى لأحب أن يكون إليهما الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب،تفسير : وإن قلت فى أى سورة؟ قلت فى سورة لم يكن. لما أخرجه الحاكم فى المستدرك حديث : عن أبى بن كعب، قال: قال لى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن فقرأ" {لم يكن الذين كفروا} فقرأ فيها لو أن ابن آدم سأل واديا من مال فأعطيه، سأل ثانياً، فلو أعطيه سأل ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب، وأن ذات الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية والنصرانية، ومن يعمل خيراً فلن يكفره تفسير : قال أبو عبيدة: حدثنا حجاج، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن أبى حرب بن أبى الأسود، عن أبى موسى الأشعرى قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها أن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. وأخرج ابن أبى حاتم عن أبى موسى الأشعرى قال: كنا نقرأ سورة شبهها بإحدى المسبحات فأنسيناها غير أنى قد حفظت منها: {أية : يا أيها الذين آمنوا لما تقولون ما لا تفعلون} تفسير : فتكتب شهادة فى أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة وقال أبو عبيدة: حدثنا حجاج، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن عدى بن عدى قال: قال عمر: كنا نقرأ إلا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، ثم قال لزيد بن ثابت أكذلك؟ قال: نعم. وقال: حدثنا ابن أبى مريم، عن نافع بن عمر الجنحى حدثنى أبى بن أبى مليكة، عن المسور بن محرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم تجد فيما أنزل علينا جاهدوا كما جاهدتم أول مرة فأنا لا نجدها. قال أسقطت فيما أسقط من القرآن، وقال: حدثنا ابن أبى مريم، عن أبى لهيعة، عن زيد بن عمر والمغافرى، عن أبى سفيان الكلاعى، أن مسلمة بن مخلد الأنصارى قال لهم ذات يوم: أخبرونى بآيتين من القرآن لم تكتبا فى المصحف؟ فلم يجبروه وعندهم أبو الكنود سعد بن مالك، فقال مسلمة: إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ألا أبشروا وأنتم المفلحون. والذين آووا ونصروهم وجادلوا عنهم القوم الذين غضب الله عليهم أولئك لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون. وأخرج الطبرانى فى الكبير حديث : عن ابن عمر قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف، فأصبحا غاديين على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فذكرا ذلك لهُ فقال: إنها مما نسخ فالهوا عنها.تفسير : وفى صحيح البخارى ومسلم عن أنس فى قصة أصحاب بئر معونة الذين قتلوا وقف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو على قاتليهم قال أنس ونزل فيهم قرآن قرأناه حتى رفع بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا. وروى الحاكم فى المستدرك عن حذيفة ما تقرأون ربعها يعنى براءة. قال أبو الحسن عن المنادى: ومما رفع رسمه من القرآن ولم يرفع من القلوب حفظ سورتا القنوت فى الوتر وتسميان سورتى الحفد والخلع، وعن عمر رضى الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد عمر فى كتاب الله لكتبتها، يعنى آية الرجم. قال الزركشى فى البرهان: ظاهره أن كتابتها جائزة وإنما منعه قول الناس، والجائز فى نفسه قد يقوم من خارج ما يمنعه، وإذا كانت جائزة لزم أن تكون ثابتة، لأن هذا شأن المكتوب، وقد يقال لو كانت التلاوة باقية لبادر عمر ولم يعرج على مقالة الناس، إذ لا تصلح مانعا وبالجملة فهى ملازمة مشكلة، ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد، والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر فى الينبوع عد هذا مما نسخ تلاوته، قال: لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن، قال: وإنما هذا من النساء لا من النسخ وهما مما يلتبسان، والفرق بينهما أن المنسا لفظة قد يعلم حكمه، وقوله: لعله كان يعتقد أنه خبر واحد مردود، فقد صح أنه تلقاها من النبى صلى الله عليه وسلم، أخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت: كان زيد بن ثابت وسعيد بن القاضى يكتبان المصحف فمرا على هذه الآية، فقال زيد: حديث : سمعنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة، فقال عمر: لما نزلت أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلقت أكتبها فكأنهُ كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحْصن رجم، تفسير : قال ابن حجر فى شرح البخارى: يستفاد من هذا الحديث السبب فى نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها، ويحتمل أن يكون مراد عمر لكتبتها منبهاً على أن تلاوتها قد نسخت، ليكون فى كتابتها الأمن من نسيانها، لكن قد تكتب بلا تنبيه فى بعض المصاحف غفلة من الناسخ، فيقول الناس: زاد فى كتاب الله فترك كتابتها بالكلية دفعاً لأعظم المفسدتين بأخفهما، قال السيوطى: وخطر لى فى ذلك نكتة حسنة وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم إشهار تلاوتها وكتابتها فى المصحف، وإن كان حكمها باقيا، لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود، وفيه الإشارة إلى ندب الستر. وأخرج النسائى أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت: ألا كتبتها فى المصحف؟ قال: لا، ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، ولقد ذكرنا ذلك، فقال عمر: أنا أكفيكم. فقال: يا رسول الله أكتبنى آية الرجم. قال: لا أستطيع. قوله: أكتبنى أى ائذن لى فى كتابتها ومكنّى من ذلك. وأخرج ابن الضريس فى فضائل القرآن عن يعلى بن حكيم، عن زيد بن أسلم: أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوا فى آية الرجم فإنه حق، ولقد هممت أن أكتبها فسألت أبى بن كعب فقال ليس أتيتنى وأنا أستقرؤها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فدفعت فى صدرى وقلت: أستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر.. قال ابن حجر: وفيه إشارة إلى بيان السبب فى رفع تلاوتها وهو الاختلاف، وقد أنكر أقوام نسخ اللفظ والحكم معا، وأثبتوا نسخ اللفظ وحده والحكم وحده، لأن الأخبار فى نسخهما معها أخبار آحاد، قالوا: ولا يجوز القطع على إنزال القرآن ونسخه بأخبار آحاد لا حجة فيها. وقال الرازي: نسخ الرسم والتلاوة إنما يكون بأن ينسيهم الله إياه ويرفعه من أوهامهم ويأمرهم بالإعراض عن تلاوته وكتبه فى المصحف، فيندرس على أيام كسائر كتب الله القديمة التى ذكرها فى قوله سبحانه وتعالى: {أية : إن هذا لفى الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} تفسير : وكلما نسخ فقد نسخ قبل موته ـ صلى الله عليهِ وسلم ـ ولا نسخ بعده والله أعلم. وفائدة نسخ اللفظ دون الحكم، مع أن فى بقاء اللفظ جمع ثواب العمل والتلاوة أن يظهر مقدار طاعة هذه الأمة فى المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال الطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شئ كما سرع الخليل بذبح ولده، والمنام أدنى طريق الوحى، ومما نسخ لفظه بعض الأحزاب، ولكن لا يدرى حكمه كله. قال أبو عبيدة: حدثنا ابن أبى مريم، عن أبى لهيعة، عن أيوب الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ فى زمان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائتى آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر إلا على ماهو الآن. ويتحصل إنما نسخ لفظه إما معروف الحكم وإما مجهوله، وأن النسخ إما بالوحى وإما بالإزالة من الحفظ ومن الموضع المكتوب فيه، وإما بإنزال ما يخالفه وإما بالاندراس وفى هذا الأخير عندى ضرر، لأنه يكون ممكنا ولو بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كما فى الرواية المذكورة آنفا عن عائشة، مع أنهُ لا نسخ بعده، ولعل ذلك لم يصح عنها، ولأن ذلك ينافى قوله تعالى: {أية : وإنا له لحافظون} تفسير : لا أن يتكلف بأن المراد حفظه عن التبديل. والله أعلم. قال بعضهم: النسخ إما قبل الامتثال وهو النسخ على الحقيقة. قلت ذلك مثل قوله تعالى: {أية : إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة}،تفسير : وقيل إن على بن أبى طالب عمل بها قبل أن تنسخ وأما بعد الامتثال وهو كثير. والنسخ إما لما فى القرآن وهو النسخ حقيقة، وإما لما فى أول الإسلام أو فى شرع من قبلنا، وتسمية ذلك نسخا مجاز كآية شرع القصاص والدية، وكان أمر به إجمالا، وكنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالكعبة، وصوم عاشوراء برمضان، والنسخ إما نسخ فرض بفرض، لا يجوز العمل بالأول كنسخ حبس الزوانى بالحد، وأما نسخ فرض بفرض يجوز العمل بالأول كآية المصابرة فى الأنفال، فإنهُ يجوز حمل الواحد على مائة إذا رجا منفعة، وأما نسخ ندب بفرض كالقتال كان ندبا ثم كان فرضا، وأما نسخ فرض بندب كنسخ قيام الليل بقراءة ما تيسر من القرآن. والله أعلم. قال أبو عبيدة: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله وما يدريه مأكله قد ذهب منه قرآن كثير، ولكن ليقل قد أخذت منه ما ظهر، وكلما ثبت الآن من القرآن ولم ينسخ فهو بدل مما قد نسخت تلاوته، فكلما نسخه الله من القرآن مما لا نعلمه الآن فقد أبدله بما علمناه وتواتر لفظه ومعناه، فلم يقع نسخ إلى غير بدل فلم يناف ذلك قوله عز وجل: {نَأتِ بِخَير مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}: أى نأت بآية أو آيتين أو ثلاث أو أكثر من ذلك، أنفع لكم أو أسهل عليكم فى الامتثال، أو أكثر لأجوركم من الآية المنسوخة أو بمثلها فى النفع أو السهولة أو الأجر، ويجوز أن يراد بالمثل أمثال، وإنما قلت هذا وأجزت أن يكون خيراً شاملا لآية فصاعداً لما فى أثر عن ابن الخصار: أن كلما ثبت من القرآن فهو بدل مما نسخ لفظه، لكن ليس متعينا لإمكان أن يراد آية بآية فقط، بل هذا هو المتبادر من الآية. وقرأ أبو عمرو نات بقلب الهمزة ألفاً، كما نقرأ عن ورش عن نافع، والخيرية إنما هى باعتبار النفع أو السهولة أو كثرة الأجر، وليس المراد أن آية فى ذاتها خير من أخرى، إذ لا نقص فى كلام الله، وكل منه فى غاية الكمال، وأجاز بعضهم التفاضل بين الآيات والسور من غير اعتقاد نقص أو ذم، وهو عندى غير بعيد لأن القرآن مخلوق كسائر ما خلق الله، كما فضل بعض الرسل على بعض، وما نسخ إلى السهولة كان أسهل فى العمل، كنسخ فرض قيام الله على المؤمنين، فذلك خير لهم فى الدنيا لسقوط التعب عنهم وما نسخ إلى الأشق كان أكمل فى الثواب كنسخ وجوب صوم عاشوراء بوجوب صوم رمضان أو الأيام المعدودات برمضان على القول بأنهن غيره، فذلك خير أيضاً، لأنه أكثر ثواباً فهو خير للآخرة، وأما نسخ المثل بالمثل فكنسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، فإنه لا مشقة فى أحدهما زائدة على الآخر والأجر على الامتثال سواء، ولكن تقدم أن تسوية مثل هذا نسخا تجوز، لأنه لم يكن التوجه إلى بيت المقدس آية فى القرآن، ومن النسخ إلى الأسهل نسخ عدة الحول بعدة أربعة أشهر وعشر، ومن النسخ إلى الأثقل نسخ وصية الأقرب بآية الإرث على زعم الشافعى أنها منسوخة، فإن الحصر للمال فى ورثة مخصوصين ثقيل على الموصى، والسهولة له تصرفه فى الوصية بما شاء لمن شاء، هذا ما ظهر لى، والحق أن وصية الأقرب ثابتة للأقرب الذى ليس وارثا، هذا مذهبنا خلافا لما روى عن الشافعى من أن وصية الأقرب على الإطلاق منسوخة بآية الإرث. ولما قال غيره إنها منسوخة بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا وصية لوارث"، تفسير : والجمهور على جواز نسخ القرآن بالحديث المتواتر، مستدلين بالحديث المذكور أنه ناسخ، وأجاب الشافعى بأن ذلك ضعيف، لأن كون الميراث حقا للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، وبأن الحديث لا يكون خيراً من القرآن ولا مثله، ولو كان وحْياً، لأن القرآن كلامه، والوحى ولو كان كلامه لكن جعل درجة قراءته أعظم بحيث جعله يتلى بلفظ مخصوص لا يبدل، ومدحه فى آياته، وقد قال:{أية : نأت بخير منها أو مثلها} تفسير : فعلمنا أن المأتى به هو القرآن، فيكون من جنس المنسوخ كما هو المتبادر، وقيل: إن كانت السنة بوحى جاز نسخ القرآن بها وإلا فلا، فإذا كانت باجتهاد فلا ينسخ بها، وأنا أعجب ممن أجاز نسخه بالسنة مطلقاً، وإنما يقرب كلامه من الجواز لو كان يقول السنة كلها وحى، كما استدل بعض بقوله تعالى{أية : إن هو إلا وحى يوحى} تفسير : ويأتى تفسير هذه الآية فى محلها إن شاء الله، سبحانه وتعالى، ومحل تطويل مباحث النسخ أصول الفقه ولى فيه بسط يأتى قريباً، بإذن الله، إذا رأيته أغناك عن غيره إن شاء الله. {ألمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ}: فهو قادر على نسخ ما كان وإيجاد ما لم يكن مما هو أنفع لكم أو أسهل أو أعظم أجرا، وما هو مثل المنسوخ، والاستفهام للتقرير. قال القاضى: الآية يعنى (ما ننسخ) إلخ، دلت على جواز النسخ وتأخير الإنزال لأن الأصل اختصاص أدوات الشرط بالأمور المحتملة، وإنما جاز النسخ لأن الأحكام شرعت والآيات نزلت لمصالح العباد، وتكميل نفوسهم فضلا من الله ورحمة، ولا يخفى أن شرع الأحكام وإنزال الآيات للمصلحة والتكميل تختلف باختلاف الأعصار والأشخاص، فإن النافع فى عصر قد يضر فى آخر، واحتج بالآية من منع النسخ بلا بدل أو ببدل أثقل، ونسخ الكتاب بالسنة، فإن الناسخ هو المأتى به بدلا، والسنة ليست كذلك، والكل ضعيف. فأما وجه ضعف منع النسخ بلا بدل فإنهُ قد يكون عدم الحكم أصلح، والنسخ قد يعرف بغير القرآن، وأما وجه ضعف منع النسخ بالأثقل فإنه قد يكون الأثقل أصلح، وأما وجه ضعف منع نسخ الكتاب بالسنة فإن السنة مما أتى به الله، والنسخ قد يعرف بغير القرآن، كما مر آنفا، وأما وجه ضعف الاستدلال، لأن الناسخ هو والمأتى به بدلا، والسنة ليست كذلك، فإنه ليس المراد بالخير، والمثل ما يكون كذلك فى اللفظ. انتهى بتصرف وإيضاح. وذلك مذهب الجمهور. وخالفهم الشافعى. فمنع نسخ القرآن بالسنة بحديث البيهقى: "حديث : كلامى لا ينسخ كلام الله" تفسير : وكلام الله ينسخ بعضه بعضا ولأن الذى يأتى بخير أو مثل هو الله كما فى الآية، لا النبى. ويجاب بأن ما أتى بهِ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو ما أتى به الله جل وعلا، كما قال : {أية : إن هو إلا وحى يوحى}تفسير : ولأن السنة لا تكون خيراً من القرآن أو مثله، ويجاب بأن محط الخيرية والمثلية الحكم لا اللفظ، ولا يبعد كون حكمها خيراً من حكمه أو مثلا له، باعتبار كونه أسهل أو أنفع أجراً. وقيل: يجوز كون مراد الشافعى أنه لا ينسخ بمجرد السنة، بل مع ما يعضدها من القرآن وأنه لا تنسخ به إلا مع سنة تعضده، وإنما قيل يجوز أن يقال تعضده السنة مع أنهُ قوى نفسه لأنه غير السنة، فناسب حضور سنة أخرى معهُ، وفى نسخ بعض القرآن دليل على حدوث القرآن، إذا التفاوت والتغاير من لوازم الحدوث، ولكن لا أظن عاقلا يقول إن ألفاظ القرآن قديمة، فحقيقة الخلاف فى إثبات الكلام النفسى فأثبته المخالفون ونفيناه، لأن فيه تشبيهاً، تعالى الله عنه، وزعم المخالفون أن التفاوت والتغاير من عوارض الألفاظ المتعلقة بالمعنى القائم بالذات. وأجاز بعضهم عقلا نسخ جميع القرآن، وقيل: يجوز نسخ جميع الشريعة عقلاً، قلت: لا يجوز هذا إلا فى بادئ العقل، وأما عند التدقيق للنظر فلا يجوز ذلك عقلا، كما لا يجوز شرعا، وقيل لا يجوز فى البعض نسخ اللفظ دون الحكم، ولا العكس، لأن الحكم هو ما دل عليه اللفظ، فإذا قدر انتفاء أحدهما لزم انتفاء الآخر، فإذا نسخ اللفظ نسخ الحكم، وإذا نسخ الحكم نسخ اللفظ، فلا يجوز إلا نسخ اللفظ والحكم معاً، ويجيب معشر من أجاز نسخ أحدهما إنما يلزم من انتفاء أحدهما انتفاء الآخر لو كنا قد لاحظنا فى الحكم كونه مدلولا للفظ، وفى اللفظ كونه دالا على الحكم، إذ المدلول باعتبار كونه مدلولا ليس يوجد بدون الدال عليهِ، والدال باعتبار كونه دالا ليس يوجد بدون المدلول، لكن لم نلاحظ ذلك فلا يلزم ما ذكر، فإن بقاء الحكم دون اللفظ ليس بوصف لكون الحكم مدلولا بلفظ، وإنما هو مدلول لما دل عليه بقاؤه وهو الناسخ، كأمره ـ صلى الله عليه وسلم ـ برجم ماعز كما فى صحيح البخارى ومسلم، وانتفاء الحكم دون اللفظ ليس بوصف كونه مدلولا له، فإن دلالة اللفظ على الحكم وصفية لا تزول، سواء نسخ أو لا، وإنما يرفع النسخ العمل به. والله أعلم. ونسخ اللفظ قسمان إما إفناؤه من المصاحف والقلوب، وإما إزالته من أحكام القرآن، فيجوز للجنب والحائض والنفساء قراءته ومسه، ودلالته على معناه أمر وضعى ليس مشروطاً ببقاء هذه الأحكام، فموضع نسخ يفهم منه معناه، ونسخ الحكم ليس معناه عدمه، فإنه معنى ثابت مفهوم من اللفظ بل معناه عدم العمل به. وقد يقال لا مانع من كون بقاء الحكم دون اللفظ هو بوصف كونه مدلولا، فإن اللفظ ولو نسخ هو دال على ذلك الحكم، وذلك الحكم مدلول لهُ ومفهوم منه. والله أعلم. وتقدم جواز النسخ قبل الامتثال، ويجوز على الصحيح قبل التمكن من الامتثال بأن لم يدخل وقته أو دخل ولم يمض منه ما يسعه أم أمر به على الفور بلا وقت معين. وقيل لا يجوز لعدم استقرار التكليف. ورد بأن الاستقرار يتحقق بدخول الوقت وإن لم يمض ما يسع الفعل، واستقرار التكليف هو حصول التعلق التنجيزى، فالدليل لا يشمل المدعى بشقيه، ويجاب بعدم تسليم كون استقرار التكليف هو حصول التعلق التنجيزى، لأن حصول التعلق التنجيزى أصل التكليف لا استقراره، لأن التكليف إلزام ما فيه كلفة أو طلبه وهو الأمر والنهى، ولا إلزام ولا طلب قبل الوقت، بل لا يتحقق إلا بعد دخول الوقت، ثم إن الأمر أو النهى يتعلق بالفعل قبل المباشرة بعد دخول وقته إلزاماً وقبله إعلاما، والتعلق الإعلامى ليس تكليفا، ولذا صرح المخالفون بجواز النوم قبل الوقت، وإن علم أنه يستغرق الوقت. وفسروه بأنه غير مكلف، ولا نقول بجواز النوم قبله لمن علم بالاستغراق، لأن ما يؤدى إلى حرام حرام، وما يؤدى إلى واجب واجب، فترك النوم لمن لم يطمع فى الانتباه قبل فوت الوقت من تعلقات التكليف، وهو مكلف بتركه، ولك تفسير الاستغراق بدخول الوقت، ومضى زمان يسع الفعل، ويصح الرد على مانع النسخ بأنه يكفى النسخ وجود أصل التكليف وهو أوله، كما تقول لعبدك افعل كذا وتأمره على الفور بتركه رحمة له، فينقطع التكليف بالنسخ، وقيل وقد وقع النسخ قبل التمكن فى قصة ذبح إسماعيل إذ فداه الله ـ جل وعلا ـ بذبح عظيم، قيل: وضع السكين على منحره ويبعد أن يكون النسخ فيه بعد التمكن لمبادرة الأنبياء إلى امتثال الأمر ولو كان موسعاً. ألا ترى أن إبراهيم ـ صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعليه ـ لما أمر بالاختتان اختتن بالقدوم، فتألم مدة مديدة، فشكى إلى الله ذلك التألُّم، فأوحى الله إليه: تعجلت قبل أن أخبرك بالآلة، فقال امتثالا لأمرك يا رب والله أعلم. وقيل لا يجوز نسخ بعض السنة ببعض القرآن لقوله تعالى:{أية : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}تفسير : فجعل النبى ـ صلى الله عليهِ وسلم ـ مبيناً للقرآن، فلا يكون القرآن مبيناً لسنته، ومذهبنا كالشافعية والجمهور الجواز، لأن الذكر المنزل يعم القرآن والسنة، لأنها وحى يوحى، فالقرآن منزل لفظاً ومعنى، والسنة معنى، وسنته الاجتهادية لا تنسخ بعض القرآن، فإن الصحيح أنه يجتهد ولا يوافق إلا الصواب، ولقوله تعالى: {أية : ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شئ}، تفسير : إذ السنة شئ من كل الأشياء، وإن خص من عمومه ما نسخ بغير القرآن، وإن قلت أراك جعلت التبيين نسخاً؟ قلت: نعم هو شامل للنسخ، لأن فى النسخ بياناً لانتهاء أمد المنسوخ، وتجديد حكم الناسخ ثم أقول يحتمل أن يكون معنى قوله: {وأنزلنا إليك..} إلخ. أنزلناه إليك لتبلغه للناس، فإن تبليغه تبييناً لهُ بعد خفائِه عنهم، فلا تتعين الآية لنا دليلا. والله أعلم. وتقدم اختيار أن سنة الآحاد لا تنسخ القرآن، واختار ابن مكى أنه يجوز النسخ بها، لكن لم يقع، وأنه لم يقع إلا بالمتواترة، واحتج من منع النسخ ولو بالمتواترة بقوله تعالى: {أية : قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى} تفسير : والنسخ بالسنة تبديل منه، وأجيب بأنها من الله لا من تلقائه، وأنها وحى. وبقوله: {أية : لتبين للناس ما نزل إليهم}، تفسير : وإن كان يجتهد وكان النسخ بالنسة الاجتهادية، فالأمر بالنسخ بها وارد من الله إليه بالوحى، وحجة مانع النسخ بسنة الآحاد القرآن مقطوع به، وحديث الآحاد مضنون، وجاب بأن النسخ بسنة الآحاد للحكم لا للفظ، ودلالة القرآن على الحكم ظنية، واستدل مجيز ذلك بحديث الترمذى وغيره: "حديث : لا وصية لوارث" تفسير : على أنه ناسخ لوصية الوالدين والأقربين، ورد بأن هذا الحديث متواتر للمجتهدين الحاكمين بالنسخ لقربهم من زمان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن التواتر قد يحصل لقوم دون قوم، قال الشافعى فى رسالته: لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، ثم قال: وهكذا سنة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لا ينسخها إلا سنته و. لو أحدث الله فى أمر غير ما سن فيه رسوله لسن رسوله ما أحدث الله، حتى يتبين للناس أن له سنة ناسخة لسنته موافقة لكتاب الناسخ لها، إلا إذ شك فى موافقته صلى الله عليه وسلم للكتاب، وذلك كنسخ التوجه لبيت المقدس الثابت بفعله، صلى الله عليه وسلم، بقوله تعالى: {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : وفهم السبكى كلام الشافعى على أنه حيث وقع نسخ القرآن بالسنة فمعها قرآن عاضد لها يبين توافق الكتاب والسنة، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة له تبين توافقهما، وأنكر على الشافعى جماعة من العلماء قوله: واستعظموه، وفهم نسخ السنة بالقرآن ظاهر من كلامه، وأما نسخه بها فمقبس فى الفهم من كلامه على نسخها به كنسخ وصية الوالدين والأقربين من سورة البقرة فى زعمهم بحديث: "حديث : لا وصية لوارث"تفسير : بواسطة معاضدة قوله تعالى: {أية : يوصيكم الله فى أولادكم..} تفسير : الآية للحديث. ويحتمل أن الشافعى لم يذكر ما يفهم منه نسخ القرآن بالسنة، لأن ظاهره بشع، وإن كان لا بشاعة بالنظر إلى أن الكل من الله وهو المحدث حقيقة، والرسول لا ينطق عن الهوى. وحكى أصحاب الشافعى عنه أنه لا تنسخ السنة بالكتاب فى أحد القولين، وهو المشهور عنه، ولا الكتاب بالسنة قيل جزماً وقيل فى أحد القولين، ثم اختلفوا أيضاً عنه، هل عدم جواز نسخ الكتاب بالسنة والعكس، بالسمع أو بالعقل فلم يجز ولم يقع وبعض استعظم منه منع نسخ أحدهما بالآخر. وما مر عن ابن السبكى دافع لمحل الاستعظام وهو الحكم بعدم نسخ كل للآخر، والاستعظام إنكار ذلك الحكم، ويجوز نسخ السنة بالسنة مطلقاً على الصحيح، وقيل سنة الآحاد لا تنسخ سنة التواتر، ومن نسخ السنة بالسنة نسى حديث مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قيل له: الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا يجب عليه؟ فقال: "حديث : إنما الماء من الماء" تفسير : بحديث مسلم والبخارى "حديث : إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل" تفسير : زاد مسلم فى رواية: "حديث : وإن لم ينزل".تفسير : والشعب الأربع الساقان والفخذان، أو اليدان والرجلان، أو نواحى فرجها الأربع، ومعنى جهدها جامعها وهو (بفتح الجيم والهاء) واحد الجهد المشقة، كنى به عن الجماع لما يلزم عادة من الحركة التى شأنها المشقة، ويعنى أن الغسل واجب بمجرد الجماع ولو لم ينزل، وإنما قلنا بأن الثانى ناسخ للأول لما صح عن جابر رحمه الله أن الأول متقدم فى أول الإسلام، وكذا روى أبو داود وغيره عن أبى بن كعب أن الفتية (بضم الهاء) التى كانوا يقولون الماء من الماء رخصة رخصها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى أول الإسلام ثم أمر بالغسل بعدها. وقيل: إن الماء من الماء فى الرؤيا، ولا يجوز نسخ النص بالقياس عندنا حذرا من تقديم القياس على النص الذى هو أصل له فى غير المسألة التى يدعى المدعى نسخها بالقياس مع أنها بالنص، فلتكن مسألة دعواه كذلك أصلا للقياس الذى يدعيه فلا تنسخ به، وقيل: يجوز نسخ النص من حديث أو قرآن بالقياس، وصححته جماعة الشافعية لاستناد القياس إلى النص، فكأن النص هو الناسخ، بل زعم بعض أن النص هو الناسخ، ونقول ببطلان ذلك، لأن النص مقطوع به والقياس مظنون، ولو استند إلى النص ثم رأيت المنع للقاضى حسين من الشافعية، وأنه المعتمد فى مذهب الشافعية، وأنه مذهب أكثر الشافعية على وفق ما قلنا، ومثل له بعض الشافعية بما لو فرضها، وورد نص بيع الأرز متفاضلا، ثم ورد النهى عن الربا فى المطعومات، فإنه يقاس الأرز على غيره من بقية المطعومات، لاستنادة إلى نص وهو النهى عن بيع الربويات، وهذا على مذهبهم فى الربا، وقيل: إن كان القياس جليا جاز نسخ النص به إلا إن كان خفيا لضعفه، والقياس الجلى ما قطع فيه بنفى الفارق من المقيس، والمقيس عليه والخفى بخلافه، ومثل الصبان للجلى بما لو فرض وورد النص بجواز الربا فى القرآن، ثم ورد نص بتحريم الربا فى العدس، فيقاس على العدس الفول لوجود اتخاذ الناس له طعاما وادخاره كالعدس، بل أكثر فى ذلك فيكون الحكم الثابت له بالقياس على العدس ناسخاً لحكمه الأول، ومثل للخفى بما لو ورد النص بحرمة الربا فى العدس، ثم ورد بعد ذلك نص بجواز الربا فى الجلبان مثلا، فلو قيس عليه العدس لكان القياس خفيا لوجود الفرق بينهما فى عموم استعمال العدس دون الجلبان، وقيل: يجوز نسخ النص بالقياس إن كان القياس فى زمانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكانت العلة منصوصة، ومثل له الصبان بما لو ورد النص بجواز الربا فى الفول، ثم ورد بعد ذلك نص بحرمة الربا فى الحمص لأنه يستعمل مطبوخاً فيقاس عليه الفول لوجود العلة فيه، ويكون الحكم الثابت له بالقياس ناسخا لحكمه الأول، ومثل له بعض بما لو ورد بيعوا الأرز بالأرز متفاضلا لأنه مطعوم، ثم ورد النهى عن الربا فى المطعومات، وهذه الأمثلة كلها على مذهب الشافعية فى الربا، وإن كانت العلة مستنبطة غير منصوصة لم يجز نسخ القياس للنص، لضعف القياس الذى علته مستنبطة، وكذا إن كان القياس بعد زمانه صلى الله عليه وسلم، لانتفاء النسخ بعده ـ صلى الله عليه وسلم وقيل: يجوز ولو كان بعده، لأنه يتبين بالقياس أن مخالفه وهو النص كان منسوخاً فى زمانه، صلى الله عليه وسلم، بالنص الذى استند إليه القياس، ولا يجوز نسخ القياس الموجود فى زمانه، صلى الله عليه وسلم، أو بالنص قياس بعده، لأنه مستند إلى نص فيدوم بدوام النص. وقيل: يجوز. وصححه ابن السيكى والمحلى قائلا: لا نسلم لزوم دوام القياس بدوام نصه كمالا يلزم دوام حكم النص، فإنه يزول بالنسخ يعنى فإذا كان النص لا يدوم حكمه لأنه ينسخ فالقياس أولى بعدم الدوام، ومثل الصبان لنسخ القياس الموجود فى زمانه، صلى الله عليه وسلم، بنص بأن يرد نص فى زمانه، صلى الله عليه وسلم، بتحريم الربا فى الذرة فيقاس عليها الأرز، ثم يأتى نص بجواز الربا فى الأرز، ومثل نسخه بالقياس بأن يرد بعد النص على تحريم الربا فى الذرة المذكورة، وقياس الأرز عليها نص آخر بجواز الربا فى البر، فيقاس عليه الأرز فيكون الحكم الثابت للأرز بقياسه على الربا ناسخا للحكم الثابت له بقياسه على الذرة، وبشرط نسخ القياس الموجود فى زمانه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالقياس أن يكون القياس الناسخ أجلى من القياس المنسوخ عند العجز لانتفاء المرجح فى المساوى، وأجازه الآمدى بالمساوى، لأن تأخير نسخ القياس الناسخ مرجح، إذ لا بد من تأخر نص القياس عن نص القياس المنسوخ بالقياس، وعن النص المنسوخ بالقياس، ولا ينسخ بالأدنى لانتفاء المقاومة فضلا عن الترجيح، وفسر الزركشى الأجلى بأن تكون الأمارة الدالة على عليه المشترك بين الأصل والفرع، وذلك كقياس الأرز على الذرة وعلى البر، فإن قياسه على البر أجلى من قياسه على الذرة لذلك، ويشكل هذا الشرط بما تقدم من أن القياس ينسخ النص الأقوى، لكن الإشكال عند القائل بنسخ النص بالقياس إلا أن يشترط هنا كون العلة مستنبطة، وثم كونها منصوصة، فتكون منصوصيتها ثم مقابلا للجلاء هنا، ورجح بعضهم مذهب الآمدى بأن الناسخ فى الحقيقة هو النص الذى استند إليه القياس، والنص ينسخ المساوى إذا تأخر عنه ويبحث بأن النص ينسخ الأجلى إذا تأخر عنه أيضا مع عدم نسخ القياس الأدون جزماً فالترجيح المذكور لا يتم فلا يكفى الأدون جزما. وقال ابن القاسم فى الآيات البينات عدم كفاية الأدون سواء كان مجزوماً به أم لا، مشكل لأن القياس بمنزلة النص، ولذا صح نسخ به، والنص يجوز أن يسنخ نصاً آخر، أو إن كان النص ناسخاً دون النص المنسوخ متنا ودلالة مثل أن يكون المنسوخ قطعى المتن واضح الدلالة، والناسخ ظنى المتن خفى الدلالة، فكذا ما هو بمنزلته، ويجاب بأنه ليس بمنزلته من كل وجه لأن النص مطلقا دال على الحكم بخلاف القياس، إذ لا دلالة له على الحكم إلا بواسطة العلة وهى تحتمل الخطأ لفوات شئ من متغيراتها احتمالا قريبا، وهذا الاحتمال قوى جداً فى الأدون، فلا يقوى على نسخ الأعلى، ومن هنا يظهر وجه المنع فى المساوى أيضا، فإنه لا مرجح حينئذ لأحد القياسين على الآخر مع احتمال الخطأ فيه احتمالاً قريباً بخلاف الأجلى لوجود المزية مع ضعف احتمال الخطأ فيه. والله أعلم. ويجوز نسخ مفهوم الموافقة الذى هو أولى بالحكم والذى يساوى المنطوق، وبقاء المنطوق، ويجوز نسخ المنطوق وبقاء المفهوم، لأن المفهوم وأصله وهو المنطوق مدلولان متغايران فلا مانع من نسخ أحدهما وبقاء الآخر، كما لو نسخ تحريم ضرب الوالدين وهم المفهوم، ولم يحرم قول أف وهو المنطوق أو بالعكس، ولا مانع من أن يقول ذو العرض الصحيح لا تشتم زيداً ولكن اضربه. ولا لزوم بينهما حقيقياً فلا ارتباط بينهما عقلا فضلا عن أن يمتنع رفع أحدهما دون الآخر، ولو سلم فالمنافى للزوم إنما هو نسخ اللازم دون الملزوم لتضمنه وجود الملزوم بدون اللازم، وهو محال. بخلاف العكس، إذ لا يمتنع وجود اللازم بدون الملزوم، حيث لم يكن مساويا ملزومه كالمثال بخلاف اللازم المساوى وهو المتحد مع ملزومه ما صدقا، فإنهُ يلزم من نفى الملزوم نفيه كقبول العلم والكتابة للإنسان، فبطل قول من قال إنهُ لا ينسخ المفهوم، ويبقى الأصل ولا العكس، مدعيا أنه لازم لأصله، وقيل: يمتنع نسخ المفهوم مع بقاء الأصل، واختاره ابن الحاجب لامتناع بقاء الملزوم وهو هنا الأصل وهو المنطوق مع نفى اللازم، وهو المفهوم هنا بخلاف نسخ الأصل، وبقاء المفهوم لجواز بقاء اللازم مع نفى الملزوم، وقيل: يجوز نسخ الأصل وبقاء المفهوم، واتفقوا على جواز نسخ المفهوم والأصل معاً. ويجوز النسخ بالمفهوم اتفاقا على ما قال الفخر والآمدى، وقال أبو إسحاق الشيرازى: إنهُ قد قال بعض بالمنع بناء على أنهُ قياس وأن القياس لا يكون ناسخاً، ومثال النسخ بالمفهوم أن يقال: اضربوا آباءكم، ثم يقال لا تقولوا لهم أف، وأكثر العلماء أن نسخ المفهوم أو أصله يستلزم نسخ الآخر، لأن المفهوم لازم لأصله وتابع له، ورفع اللازم وهو هنا المفهوم يستلزم رفع الملزوم، وهو هنا المنطوق ورفع المتبوع لا يستلزم رفع التابع، والمنطوق متبوع والمفهوم تابع، وقيل: لا يستلزم نسخ واحد منهما الآخر، لأن رفع التابع لا يستلزم رفع المتبوع، ورفع المتبوع لا يستلزم رفع اللازم، واختاره ابن السبكى. وقيل: نسخ المفهوم لا يستلزم نسخ المنطوق، لأنه تابع، ونسخ المنطوق يستلزم نسخ المفهوم، وقيل: عكس هذا لأن المنطوق ملزوم واختاره ابن الحاجب، ويجوز نسخ مفهوم المخالفة مع المنطوق، ومع بقاء المنطوق لا نسخ المنطوق مع بقائه، لأنهُ تابع للمنطوق فيرتفع بارتفاعه، ولا يرتفع المنطوق بارتفاعه، وقد يبحث بأنه يتبع المنطوق فى الدلالة فقط لا فى الثبوت، والدلالة باقية قطعا فإن دلالة اللفظ لا تزول بنسخ حكمه، ولو سلم زوال الدلالة فلا يلزم من زوالها زوال المدلول، ولا سيما بعد فهمه من الدال وثبوته، ويبحث أيضا بأن مفهوم الموافقة تابع للمنطوق فى الثبوت بمثل الطريق الذى بين به تبعية مفهوم المخالفة لأصله، وقيل: يجوز نسخ المنطوق مع بقاء مفهوم المخالفة، وتبعيته للمنطوق إنما هى من حيث دلالة اللفظ على مفهوم المخالفة مع المنطوق، ولا من حيث ذات المنطوق ودلالة اللفظ على حكم المنطوق لم ترفع، وإن ارتفع الحكم بدليل منفصل، ويجاب بأنهُ متى ارتفع تعلق حكم المنطوق سقط اعتبار دلالة اللفظ عليه، فسقط ما يترتب على اعتبارها من فهم الحكم، ويبحث فى هذا الجواب بأنا لا نسلم سقوط اعتبار الدلالة، بل يجوز اعتبارها، وفائدة اعتبارها إفادة حكم المفهوم بل لو سلمنا سقوط اعتبارها لم يضرنا، لأن الذى قلناه هو التبعية فى الدلالة لا فى اعتبارها، ولا يلزم من سقوط الدلالة سقوط نفسها، وفهم الحكم مترتب على نفسها لا على اعتبارها، وغاية ما يدفع الإشكال الفرق بأن مفهوم الموافقة أقوى من مفهوم المخالفة، لأنك إن قلت إنهُ منطوق كما هو قول ظاهر، لأنه حينئذ مدلول مطابقى ولا تبعية لهُ لشئ، وإن قلت: إنهُ قياس كما هو قول فيكفى فى الدلالة على أنه أقوى أنه قيل بأنه منطوق دون مفهوم المخالفة، ولأنه مفهوم من العلة لا من مجرد الأصل، فلهُ من الاستقلال ما ليس لمفهوم المخالفة، فجاز نسخ الأصل مع بقائه، والأصل أعنى بهِ المنطوق، وإن لم يجز نسخ المنطوق دون مفهوم المخالفة، ذكر ذلك ابن قاسم قال: ومع ذلك فالأوجه التسوية فى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة، كما أن الأوجه جواز النسخ بالمخالفة وفاقا لما صححه الشيخ أبو اسحاق، فليتأمل. انتهى. ومثال نسخ مفهوم المخالفة دون المنطوق نسخ حديث إنما الماء من الماء، فإن مفهومه وهو عدم الغسل عند عدم الإنزال منسوخ، بحديث إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل، ومثال نسخ المنطوق ومفهوم المخالفة أن ينسخ على سبيل الفرض والتقدير وجوب الزكاة فى السائمة، وينسخ وجوب الزكاة فى المعلوفة، ففى الحديث: "حديث : فى الغنم السائمة زكاة"تفسير : ومفهوم المخالفة أنه لا زكاة فى غير السائمة، فلو نسخ الحديث والمفهوم لقيل مثلا: لا زكاة فى السائمة ووجبت الزكاة فى غير السائمة، أو نحو ذلك من الألفاظ، ولا يجوز النسخ بمفهوم المخالفة لضعفه عن مقاومة النص، وصحح أبو إسحاق الشيرازى الجواز لأنهُ فى معنى النطق، ويجوز نسخ الإنشاء ولو كان لفظ القضاء وما يتصرف منه، فإن قول الله ـ جل وعلا ـ قضيت كذا إخبار أريد به الإنشاء، وكأنه قيل افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا. وقيل: لا ينسخ من الإنشاء ما كان بلفظ القضاء، وما تصرف منه لأن لفظ القضاء إنما يستعمل فيما لا يتغير حكمه نحو: {أية : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} تفسير : أى أمر فإنه لا ينسخ إلى جواز عبادة غير الله، وقد لا نسلم أن لفظ القضاء لا يستعمل إلا فيما يتغير حكمه، إذ لا مانع من أن يقال قضى الله كذا إلى وقت كذا، فيجوز أن يقول قضيت كذا ثم بعد ذلك يبطله، فيكون بمنزلة قضيت كذا إلى وقت كذا، وتقدم أنه يجوز نسخ ما هو إنشاء، ولفظه خبر كما لو فرض نسخ قوله تعالى: {أية : والمطلقات يتربّصن بأنفسهن ثلاثة قروء}، تفسير : ومثل الشيخ خالد صاحب التصريح بقوله تعالى: {أية : والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين}، تفسير : قال نسخت بقوله تعالى: {أية : فستُرضع له أخرى}،تفسير : قلت: ليس نسخاً بل تخصيص ومنه الدقاق نسخ ما لفظه أخبار نظر إلى لفظ الأخبار والأخبار لا تنسخ، ويبحث فيه بأنه فى حكم الإنشاء معنى، والمبحث فى نسخ الحكم، وأما نسخ اللفظ وحده أو مع الحكم فالظاهر عندى الجواز، ولو فيما هو خبر لفظاً ومعنى، ويجوز نسخ ما قيد بالتأييد أو نحوه، نحو: صوموا أبدا صوموا حتما، لأن التأييد يختلف استعماله فتارة يستعمل بمعنى الدوام الذى لا غاية لهُ نحو الله حى أبدا، وبمعنى الدوام المنتهى بعمر الدنيا نحو: هذه الجبال خالدة أبدا، وبمعنى دوام زمان مخصوص نحو: لازم غريمه المؤسر أبدا، أى ما دام غريماً لك بأن لم يقضك حقك، فيتبين الانتهاء والتخصيص بالنسخ، فإذا نسخ ما تأبد ظهر أن المراد به افعلوا إلى وقت كذا فبطل قول مدعى عدم جواز نسخ ما قرن بالأبدية أو نحوها، وادعاؤه أن النسخ ينافى الأبدية ونحوها، ويجوز نسخ قولك الصوم واجب مستمر أبدا إذا قيل على معنى الإنشاء، ومنع ابن الحاجب نسخه وأجاز نسخ صوموا أبدا لأن التأييد فيه قيد للفعل، وفى قولك الصوم واجب.. إلخ: قيد للوجوب والاستمرار، ويبحث فيه بأنه لا فرق لأن التقييد حقيقة فى الثانى، وإنما هو فى الفعل كالأول لا فى الوجوب، وكذا الخلاف لو أسقط لفظ واجب أو لفظ مستمر، ويجوز نسخ إيجاب الإجبار بشئ بإيجاب الإخبار بنقيضه، مثل أن يوجب الشارع الإخبار بقيام زيد تم بعدم قيامه قبل الإخبار بقيامه لجواز أن يتغير حاله من القيام إلى عدمه، فيقال أخبروا بقيام زيد، ثم يقال أخبروا بعدم قيامه قبل أن يخبروا بقيامه، وأما بعده فلا يتأتى النسخ وإن كان المخبر به مما لا يتغير كحدوث العالم، منعت المعتزلة جواز هذا النسخ فيه لأنه تكليف بالكذب، فينزه البارى عنه، وأجازته الشافعية قائلين: إنه قد يدعو إلى الكذب عرض صحيح فلا يكون التكيف به نقصاً، وقد ذكر العلماء أماكن يجب فيها الكذب منها: إذا طلبه ظالم بالوديعة أو بمظلوم ستره فينكر ذلك، ومنع المعتزلة ذلك مبنى على قاعدتهم من التحسين والتقبيح العقليين، وإن قالوا قبح الكذب بالعقل متفق عليه، فكيف جاز التكليف به؟ قالت الشافعية: لا نسلم ذلك على إطلاقه لما فيه من حسن منفعته، ولو سلمناه لنقولن قبحه باعتبار فاعله لا باعتبار التكليف به، ولا مانع عقلا من أن يبيحه الشرع لفرض المكلف من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، ويدل على أنه لا تكليف لا نقض ولا نقص ولا قبح فى التكليف بالكذب أن الله تعالى أباح للمكره التلفظ بلفظ الكفر، وأيضاً لا نسلم أن التكليف تابع للمصلحة، فإن الله ـ جل وعلا ـ لا يسأل عما يفعل. والله أعلم. وتقدم أن نسخ لفظ الإخبار جائز لا حكمه ولو مما يتغير لأنه يوهم الكذب، وإن قلت نسخ حكم الطلب يوهم البداء، قلت: لا بل يفيد التخفيف أو زيادة النفع فلا يتبادر البداء، وأيضا الذى فى نسخ الأمر هو الإيهام المقابل للتحقق، والذى فى نسخ الخبر الإيهام المجامع للتحقق. وإن قلت النسخ للخبر دال على أن الخبر المنسوخ لم يتناول تلك الصورة، كما أن النهى الذى ينسخ الأمر دال على أن الأمر لم يتناول ذلك الوقت فهما سواء، فالجواب ما ذكرته من أن الإيهام الذى نسخ الأمر والذى فى نسخ الخبر متخالفان، وكذا يكون جوابا للاعتراض بأن الواقع تحقق الكذب لا إيهامه، فإن المراد بالإيهام الإيقاع فى الوهم أى الذهن فيصدق بالتحقق لا مقابل التحقق، وقال البيضاوى وغيره: يجوز نسخ مدلول الخبر إن كان خبراً عن مستقبل قابلا للتغير، قال الشافعية بجواز المحو لله فيما يقدره فى الأزل قال الله تعالى: {أية : يمحو الله ما يشاء ويثبت}، تفسير : والإخبار يتبع المحو بخلاف الخبر عن ماض، ويبحث بأنه ليس المراد كما زعموا من محو الشقاوة إلى السعادة والعكس، وتأخير من بلغ أجله ونحو ذلك، فإن الله عز وجل قال: {أية : ما يبدل القول لدى}، تفسير : بل المراد النسخ والإحكام ومحو الذنوب من صحيفة من يشاء وإثباتها فى صحيفة من يشاء ونحو ذلك مما يأتى إن شاء الله. وقال الفخر والآمدى يجوز نسخ مدلول الخبر أيضا، ولو كان خبراً عن ماض لجواز أن يقول الله تبارك وتعالى: (لبث نوح فى قومه ألف سنة) ثم يقول: (لبث ألف سنة إلا خمسين عاماً). قلت: ليس هذا نسخاً بل تخصيص. وتقدم جواز النسخ بالأثقل ومنعه بعض المعتزلة لأنه لا مصلحة فى العسر، ويرده ما تقدم من كثرة الثواب، ويأتى بحث، إن شاء الله، فى سورة النحل، وتقدم أن اليهود أنكروا النسخ مطلقا، لكن الشمعونية منهم قالوا غير جائز غير واقع، والعتابية منهم قالوا جائز غير واقع، وأجاز العيسوية منهم وقوعه وقالوا إنه واقع، وهم أصحاب أبى عيسى الأصبهانى المعترفون ببعثة نبينا، صلى الله عليه وسلم، إلى بنى إسماعيل خاصة وهم العرب. قلنا: ليس على وجه الأرض من يجهل أنه، صلى الله عليه وسلم، قال: "بعثت إلى الكافة" ومن ثبتت رسالته ولو إلى إنسان واحد بحيث ينضم فى جملة الأنبياء لا يتصف بالكذب فلا كذب فى قوله: "بعثت إلى الكافة" وسماه أبو مسلم الأصبهانى من المعتزلة تخصيصاً، أعنى النسخ. ووجهه أنه قصر للحكم أو التلاوة أو لهما على بعض الأزمان فهو تخصيص فى الأزمان كالتخصيص فى الأشخاص، فما ذكره الآمدى عنه من نفى النسخ وهم أو خلف لفظى إذ أثبته ولم يسمه نسخا، وجعل المغيا فى علم الله سبحانه إلى الوقت كالمغيا لفظا، فسمى الكل تخصيصا وأجازت الروافض النسخ وعللوه بجواز البداء على الله، وكفروا بتجويز البداء عليه تعالى، ونسخ حكم الأصل لا يبقى معه حكم الفرع، لانتفاء اعتبار العلة الموجبة للقياس لما انتهى اعتبارها فى الأصل المنتفى حكمه. مثل أن يرد النص بحرمة الربا فى القمح فيقاس عليه الأرز وغيره بجامع المثل بالمثل إلا يداً بيد ثم يرد النص على سبيل الفرض والتقدير بجواز الربا فى القمح، وقالت الحنفية يبقى لأن القياس مظهر له لا مثبت لأنه ثابت فى نفسه، وإنما القياس أظهره. ويجاب بأنه كما أنه مظهر لحكم الفرع مظهر لاعتبار معنى العلة فيه، إذ لولا الارتباط بينهما ما كان القياس مظهراً لحكم الفرع ولا دالا عليه، ويجوز عقلا نسخ كل حكم شرعى ونسخ بعض دون بعض عند الشافعية، والحق منع نسخ الكل إلا إلى شرع آخر، إذ لا يبقى المكلف سدى وإلا معرفة الله ـ جل وعلا ـ فإن العقل يحكم إذا دقق بعدم جواز إبقاء الإنسان أو غيره من المكلفين سدى، وبعدم جواز ألا يعرف الله. ألا ترى أن أهل الفترة لا يعذرون فى عدم المعرفة، وأن الله جل وعلا يقول: {أية : إن فى خلق السمٰوات والأرض... لآيات} تفسير : كذا ظهر لى، ومنعت المعتزلة والغزالى نسخ جميع التكاليف، لتوقف العلم بنسخ جميع التكاليف، بتقدير وقوعه على معرفة النسخ والناسخ، والمعرفة من التكاليف، ولا يمكن نسخها، واجيب بأنه بحصول معرفة النسخ والناسخ ينتهى التكليف بالمعرفة، فلا نزاع فى المعنى، لأن القائل بنسخ جميع التكاليف مراده أنه يجوز عقلا ألا يبقى تكليف، وإن كان فيما عدا معرفة الله ورسوله بطريق النسخ وفيهما بطريق الانتهاء، ومراد القائل بعدم الجواز أنهُ لا يجوز عقلا ارتفاعها كلها بطريق النسخ، وإن جاز انقطاع التكليف فى البعض بانتهائه وانقضائه، ومنعت المعتزلة نسخ وجوب معرفة الله تعالى أيضاً وهو الحق كما مر، والعلة عندنا ما ذكرته، وعندهم العلة أن المعرفة حسنة بالذات، وهى معرفة الله لا تتغير بتغير الأزمان فلا يقبل حكمها النسخ، وأجاب الشافعية بأن الحسن الذاتى باطل ومثلهم المالكية والحنفية والحنبلية، وأجمعنا نحن وهم والمعتزلة على عدم وقوع ذلك، وإذا وقع النسخ بعد البلوغ لجبريل وقبل النزول إلى الأرض أو بعد النزول وقبل البلوغ إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو بعد البلوغ إليه وقبل تبليغه الأمة فليس ذلك نسخاً فى حق الأمة لعدم علمهم به وكذا ما نسخ قبل بلوغه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبس نسخاً فى حقه، ولو وقع علمهم أو علمه بعد النسخ، هذا مختار الشافعية، وقيل: ذلك نسخ فى حقه وحقهم فهو مستقر فى الذمة لا بمعنى طلب الامتثال كما فى النائم وقت الصلاة فإنه - ولو لم يخاطب - لكن استقر الفرض فى ذمته فى الجملة فيجب القضاء بالناسخ، وقيل: القضاء وجب بأمر جديد وإن اقتضى الناسخ التحريم ثبت أثره فى الذمة كالضمان حيث اقتضاء التحريم، وإن لم يثبت الإثم لعدم العلم، وإن اقتضى الإباحة بعد التحريم سقط الضمان فيجرى الخلاف فى ذلك كله، ومثله التخصيص وكذا بعد بلوغه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل النزول إلى الأرض كرفع خمسين صلاة بخمس صلوات ليلة الإسراء. وقال الصفى الهندى: الخلاف بعد وصول الناسخ له صلى الله عليه وسلم لا قبله، وإن وصل لجبريل واستدل العضد على ذلك القول المحتار بأنهُ لو ثبت حكمه قبل تبليغ الرسالة لثبت قبل تبليغ جبريل، واللازم باطل إذ هما سواء فى وجود الناسخ وعدم علم المكلف به. وقد يقال وجوده مقتضى لحكمه وعدم علم المكلف لا يصلح مانعاً، فثبت حكمه عملا بمقتضى السالم من المعارض. والله أعلم. وبعد التبليغ يثبت فى حق من بلغه ومن لم يبلغه ممن تمكن من علم التبليغ، فيعصى بعدم تعلمه وإن لم يتمكن من فعلى الخلاف، وليست الزيادة على النقص نسخا خلافا للحنفية كزيادة ركعة أو صفة فى رقبة الكفارة كالإيمان ومنشأ الخلاف هل رفعت الزيادة حكماً شرعيا؟ فنقول نحن والشافعية: لا فليست بنسخ وتقول الحنفية: نعم. نظراً إلى أن الأمر دونها بما استلزم تركها، فهى رافعة لحكم ذلك الترك المقنضى، فنجيب بأن الذى يقتضى تركها البراءة الأصلية لا الأمر بما دونها، فإنما زاد على المأمور به مستند إلى البراءة الأصلية، ورفع ما استند إلى البراءة الأصلية ليس بنسخ، وقيل إن غيرت الزيادة المزيد عليه بحيث لو اقتصر عليه وجب استئنافه، كزيادة ركعة فى المغرب مثلا، فهى نسخ، وإلا كزيادة الجلدة على مائة جلدة لو زيدت فلا، وقيل إن اتصلت الزيادة بالمزيد على اتصال اتحاد كزيادة ركعتين فى الصبح فهى نسخ، وإلا كزيادة الجلدة على المائة فلا، وكذلك الخلاف فى نقص جزء عبادة كنقص ركعة أو شرط كنقص الوضوء، هل هو نسخ للعبادة الكاملة؟ قيل: نسخ منتهى إلى ذلك الناقص لجوازه أو وجوبه بعد تحريمه، وقلنا نحن وجمهور الشافعية: غير نسخ وإنما النسخ للجزء أو الشرط فقط، لأنه هو الذى يترك، وقيل نقص الجزء نسخ بخلاف نقص الشرط، وقيل نسخ المتصل نسخ وذلك كالاستقبال فإنه متصل بالصلاة، ونقص المنفصل ليس نسخاً كالوضوء، فإنه منفصل عنها وطريق العلم بالناسخ كما مر الإجماع على تأخير الناسخ، وقوله صلى الله عليه وسلم: هذا ناسخ لذاك بعد ذاك، أو كنت نهيت عن كذا فافعلوه. كحديث مسلم: "حديث : كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" تفسير : وذكر الشئ على خلاف ما ذكر فيه أولا، مثل أن يباح شئ ثم يوجب، وقول الراوى: هذا سابق على ذاك، ولا يقبل قول القائل هذا ناسخ. لأن دعوى السبق لا تكون عادة إلا من طريق صحيح، بخلاف دعوى النسخ فإنها قد تكون عن اجتهاد واعتماد قرائن قد تخطّأ، وقد لا يقول بها غير الراوى، وكلما يفيد الترتيب فهو مثل قوله: هذا سابق ولا تتأثر موافقة أحد النصين للبراءة الأصلية فى أن يكون متأخراً عن المخالف لها، خلافا لما قال بذلك، نظراً إلى أن الأصل مخالفة الشرع لها فيكون المخالف هو السابق، فيكون الموافق للبراءة هو الناسخ على هذا القول المرجوح لتأخره، إذ لو تقدم ليكون منسوخا لم يفد إلا ما كان حاصلا قبله، فيعرى عن الفائدة. وقال الزركشى ومن تبعه: إن الناسخ هو المخالف، لأن الانتقال من البراءة إلى اشتغال الذمة يقين، والعود إلى الإباحة ثانيا شك، ويبحث فى ذلك بأن عود الموافق إلى الإباحة يقين، وتأخر المخالف شك، مع أن ما قالوه يستلزم عرو الموافق عن الفائدة، وإن قلت: لا يلزم ذلك لجواز العكس، فيكون الموافق هو السابق، قلت: يكفى أن الظاهر هو سبق المخالف، والنسخ يكفى فيه الظاهر، بدليل أنه قيل بثبوت النسخ بخبر الإحاد، ولا يدل التأخير فى المصحف على المتأخر فى النزول خلافاً لمن يستدل به، نظراً إلى أن الأصل موافقة الوضع للنزول. قالت الشافعية هذا غير لازم لجواز المخالفة، إذ كم آية متقدمة الوضع متأخرة النزول، وبالعكس. والتحقيق أنه إذا صير إلى النسخ ولا يد إذ لم يمكن الجمع فإن تبين المتأخر فى النزول بدليل فهو الناسخ وإلا تمسكنا بالأصل وهو تقديم المتقدم فى الوضع، وتأخير المتأخر فيه، ولا يؤثر تأخير إسلام الراوى فى تأخير مرويه عما رواه متقدم الإسلام عليه، خلاف لبعض إذ قال بتأثير ذلك نظراً إلى أنه الظاهر، قال المحلى قلنا لكنه على تقدير تسليمه غير لازم لجواز العكس، ولا أثر لقول الراوى هذا ناسخ فى ثبوت النسخ خلافاً لمن زعمه، نظراً إلى أنهُ لعدالته لا تقول لك إلا إذا ثبت عنده، قلنا ثبوته عنده يجوز أن يكون باجتهاد لا يوافق عليه، وإن قال الراوى فيما علم أنه منسوخ أن ناسخه كذا ولم يعلم خلافه جاز قوله للعلم بالمنسوخ بدون قوله لكن لم يعلم عين الناسخ إلا من قوله وضعف احتمال كونه عن اجتهاد، بخلاف ما إذا أفاد أصل النسخ، فإنه يقرب أن يكون عن اجتهاد، وإذ قال هذا ناسخ لكذا أفادنا كلامه أن كذا منسوخ وكان كلامه موضوعاً لأفادة ذلك، ولأفادة أن نسخه وقع بكذا فبطل اعتراض ابن القاسم بقوله: قد يقال حيث كان الغرض العلم بأنه منسوخ، فينبغى أن يكون قوله هذا ناسخ لكذا، كقوله فيما كان معلوم النسخ إن ناسخه كذا. والله أعلم.
الالوسي
تفسير : {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا} نزلت لما قال المشركون أو اليهود: ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً، ما هذا القرآن إلا كلام محمد عليه الصلاة والسلام يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً ـ والنسخ ـ في اللغة إزالة الصورة ـ أو ما في حكمها ـ عن الشيء، وإثبات مثل ذلك في غيره سواء كان في الاعراض أو في الأعيان ـ ومن استعماله في المجموع التناسخ ـ وقد استعمل لكل واحد منهما مجازاً ـ وهو أولى من الاشتراك ـ ولذا رغب فيه الراغب، فمن الأول نسخت الريح الأثر أي أزالته، ومن الثاني نسخت الكتاب إذا أثبت ما فيه في موضع آخر، ونسخ الآية ـ على ما ارتضاه بعض الأصوليين ـ بيان انتهاء التعبد بقراءتها كآية: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالاً من الله والله عزيز حكيم) أو الحكم المستفاد منها كآية:{أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوٰجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ }تفسير : [البقرة: 240] أو بهما جميعاً كآية (عشر رضعات معلومات يحرمن) وفيه رفع التأبيد المستفاد من إطلاقها، ولذا عرفه بعضهم برفع الحكم الشرعي، فهو بيان بالنسبة إلى الشارع، ورفع بالنسبة إلينا، وخرج بقيد التعبد الغاية، فإنها بيان لانتهاء مدة نفس الحكم ـ لا للتعبد به ـ واختص التعريف بالأحكام إذ لا تعبد في الأخبار أنفسها. وإنساؤها إذهابها عن القلوب بأن لا تبقى في الحفظ ـ وقد وقع هذا ـ فإن بعض الصحابة أراد قراءة بعض ما حفظه فلم يجده في صدره، فسأل النبـي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : نسخ البارحة من الصدور»تفسير : وروى مسلم عن أبـي موسى: «إنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها غير أني حفظت منها (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب) وكنا نقرأ بسورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة) وهل يكون ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان لغيره أو لا؟ فيه خلاف، والذاهبون إلى الأول استدلوا بقوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ * إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ }تفسير : [الأعلى: 6ـ7] وهو مذهب الحسن، واستدل الذاهبون إلى الثاني بقوله تعالى: {أية : وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ }تفسير : [الإسراء: 86] فإنه يدل على أنه لا يشاء أن يذهب بما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم ـ وهذا قول الزجاج ـ وليس بالقوي لجواز حمل (الذي) على ما لا يجوز عليه ذلك من أنواع الوحي، وقال أبو علي: المراد لم نذهب بالجميع، وعلى التقديرين لا ينافي الاستثناء، وسبحان من لا ينسى. وفسر بعضهم ـ النسخ ـ بإزالة الحكم سواء ثبت اللفظ أو لا ـ والإنساء ـ بإزالة اللفظ ثبت حكمه أو لا، وفسر بعض آخر الأول: بالإذهاب إلى بدل للحكم السابق والثاني: بالإذهاب لا إلى بدل، وأورد على كلا الوجهين أن تخصيص ـ النسخ ـ بهذا المعنى مخالف للغة والاصطلاح، وأن ـ الإنساء حقيقة في الإذهاب عن القلوب، والحمل على المجاز ـ بدون تعذر الحقيقة ـ تعسف، ولعل ما يتمسك به لصحة هذين التفسيرين من الرواية عن بعض الأكابر لم يثبت. و(ما) شرطية جازمة لـ (ننسخ) منتصبة به على المفعولية، ولا تنافي بين كونها عاملة/ ومعمولة لاختلاف الجهة، فبتضمنها الشرط عاملة، وبكونها اسماً معمولة ـ ويقدر لنفسها جازم ـ وإلا لزم توارد العاملين على معمول واحد، وتدل على جواز وقوع ما بعدها، إذ الأصل فيها أن تدخل على الأمور المحتملة، واتفقت أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه؛ وخالفت اليهود غير العيسوية في جوازه وقالوا: يمتنع عقلاً، وأبو مسلم الأصفهاني في وقوعه فقال: إنه وإن جاز عقلاً لكنه لم يقع ـ وتحقيق ذلك في الأصول. و {مّنْ آيَةٍ} في موضع النصب على التمييز والمميز {مَا} أي: أيُّ شيء ننسخ من آية واحتمال زيادة (من) وجعل (آية) حالاً ـ ليس بشيء ـ كاحتمال كون (ما) مصدرية شرطية و (آية) مفعولاً به أي أي نسخ ننسخ آية بل هذا الاحتمال أدهى وأمر ـ كما لا يخفى ـ والضمير المنصوب عائد إلى آية على حد ـ عندي درهم ونصفه ـ لأن المنسوخ غير المنسي، وتخصيص ـ الآية ـ بالذكر باعتبار الغالب، وإلا فالحكم غير مختص بها، بل جار فيما دونها أيضاً على ما قيل. وقرأ طائفة وابن عامر من السبعة {نَنسَخْ} من باب الأفعال ـ والهمزة ـ كما قال أبو علي: للوجدان على صفة نحو أحمدته ـ أي وجدته محموداً ـ فالمعنى ما نجده منسوخاً وليس نجده كذلك إلا بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى ـ وإن اختلفا في اللفظ ـ وجوّز ابن عطية كون ـ الهمزة ـ للتعدية، فالفعل حينئذ متعد إلى مفعولين، والتقدير: ما ننسخك من آية أي ما نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخها الله تعالى أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم تركها بذلك النسخ فسمي تلك الإباحة إنساخاً وجعل بعضهم ـ الإنساخ ـ عبارة عن الأمر بالنسخ والمأمور هو النبـي صلى الله عليه وسلم، أو جبرائيل عليه السلام، واحتمال أن يكون من نسخ الكتاب، أي ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، والضميران الآتيان بعد عائدان على ما عاد إليه ضمير {نُنسِهَا} ناشيء عن الذهول عن قاعدة أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه. وقرأ عمر وابن عباس والنخعي وأبو عمرو وابن كثير وكثير {ننسأها} ـ بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة ـ وطائفة كذلك إلا أنه ـ بالألف من غير همز ـ ولم يحذفها للجازم لأن أصلها ـ الهمزة ـ من ـ نسأ ـ بمعنى أخر، والمعنى في المشهور نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها أو نبعدها عن الذهن بحيث لا يتذكر معناها ولا لفظها، وهو معنى ننسها فتتحد القراءتان، وقيل: ولعله ألطف: إن المعنى نؤخر إنزالها، وهو في شأن الناسخة حيث أخر ذلك مدة بقاء المنسوخة فالمأتية حينئذ عبارة عن المنسوخة كما أنه حين النسخ عبارة عن الناسخة فمعنى الآية عليه أن رفع المنسوخة بإنزال الناسخة وتأخير الناسخة بإنزال المنسوخة كل منهما يتضمن المصلحة في وقته. وقرأ الضحاك وأبو الرجاء {نُنسِهَا} على صيغة المعلوم للمتكلم مع الغير من التنسية، والمفعول الأول محذوف يقال: أنسانيه الله تعالى ونسانيه تنسية بمعنى أي ننس أحداً إياها، وقرأ الحسن وابن يعمر (تنسها) بفتح التاء من النسيان؛ ونسبت إلى سعد بن أبـي وقاص، وفرقة كذلك إلا أنهم همزوا، وأبو حيوة كذلك إلا أنه ضم التاء على أنه من الإنساء، وقرأ معبد مثله، ولم يهمز، وقرأ أبـيّ ـ (ننسك) ـ بضم النون الأولى وكسر السين من غير همز وبكاف الخطاب. وفي مصحف سالم مولى أبـي حذيفة ـ (ننسكها) ـ بإظهار المفعولين؛ وقرأ الأعمش (ما ننسك من آية أو ننسخها نجيء بمثلها). ومناسبة الآية لما قبلها أن فيه ما هو من قبيل النسخ حيث أقر الصحابة رضي الله تعالى عنهم مدة على قول راعنا واقراره صلى الله عليه وسلم على الشيء منزل منزلة الأمر به والإذن فيه، ثم إنهم نهوا عن ذلك فكان مظنة لما يحاكي ما حكي في سبب النزول، أو لأنه تعالى لما ذكر أنه ذو الفضل العظيم كاد ترفع الطغام رءوسها وتقول: إن من الفضل عدم النسخ/ لأن النفوس إذا داومت على شيء سهل عليها فأتى سبحانه بما ينكس رءوسهم ويكسر ناموسهم ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم وجوده العميم، أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقية الوحي ورد كلام الكارهين له رأساً عقبه بما يبين سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر. {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أي بشيء هو خير للعباد منها أو مثلها حكماً كان ذلك أو عدمه، وحياً متلواً أو غيره، والخيرية أعم من أن تكون في النفع فقط أو في الثواب فقط أو في كليهما، والمثلية خاصة بالثواب على ما أشار إليه بعض المحققين، وفصله بأن الناسخ إذا كان ناسخاً للحكم سواء كان ناسخاً للتلاوة أو لا بد أن يكون مشتملاً على مصلحة خلا عنها الحكم السابق لما أن الأحكام إنما تنوعت للمصالح، وتبدلها منوط بتبدلها بحسب الأوقات فيكون الناسخ خيراً منه في النفع سواء كان خيراً منه في الثواب أو مثلاً له أو لا ثواب فيه أصلاً كما إذا كان الناسخ مشتملاً على الإباحة أو عدم الحكم وإذا كان ناسخاً للتلاوة فقط لا يتصور الخيرية في النفع لعدم تبدل الحكم السابق والمصلحة فهو إما خير منه في الثواب أو مثل له، وكذا الحال في الإنساء فإن المنسي إذا كان مشتملاً على حكم يكون المأتي به خيراً في النفع سواء كان النفع لخلوه عن الحكم مطلقاً أو لخلوه عن ذلك الحكم واشتماله على حكم يتضمن مصلحة خلا عنها الحكم المنسي مع جواز خيريته في الثواب ومماثلته أيام خلوه عنه، وإذا لم يكن مشتملاً على حكم فالمأتي به بعده إما خير في الثواب أو مثل له، والحاصل أن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير تبدل الحكم تتبدل المصلحة فيكون خيراً منه، وعلى تقدير عدم تبدله المصلحة الأولى باقية على حالها انتهى. ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الكتاب بالسنة ـ وهو المذهب المنصور ـ ومن الناس من منع ذلك ومنع النسخ ببدل أثقل أيضاً، واحتج بظاهر الآية، أما على الأول: فلأنه لا يتصور كون المأتي به خيراً أو مثلاً إلا في بدل، وأما على الثاني: فلأن الناسخ هو المأتي به بدلاً وهو خير أو مثل، ويكون الآتي به هو الله تعالى، والسنة ليست خيراً ولا مثل القرآن ولا مما أتى به سبحانه وتعالى، وأما على الثالث: فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلاً له، ورد ذلك ـ أما الأول والثالث ـ فلأنا لا نسلم أن كون المأتي به خيراً أو مثلاً لا يتصور إلا في بدل وأن الأثقل لا يكون خيراً من الأخف إذ الأحكام إنما شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً منه تعالى ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به الأدواء فإن النافع في عصر قد يضر في غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة سواه فأذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح في انتظام المعاش وأنظم في إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم. ولا يرد أن المتبادر من {نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا} بآية خير منها وإن عدم الحكم ليس بمأتي به لما أن الخلاف في جواز النسخ بلا بدل ليس في إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل في الحكم كما لا يخفى على من راجع الأصول ـ وأما الثاني ـ فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن يعرف النسخ بغير المأتي به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم الإتيان بما هو خير منها أو مثل لها، ولا يلزم منه أن يكون ذلك هو الناسخ فيجوز أن يكون أمراً مغايراً يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن يكون الناسخ سنة والمأتي به الذي هو خير أو مثل آية أخرى، وأيضاً السنة مما أتى به الله سبحانه لقوله تعالى: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ }تفسير : [النجم: 3ـ4] وليس المراد بالخيرية والمماثلة في اللفظ حتى لا تكون السنة كذلك بل في النفع والثواب فيجوز أن يكون ما اشتملت عليه السنة خيراً في ذلك. واحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفاد/ من النسخ، والتفاوت المستفاد من الخيرية في وقت دون آخر من روادف الحدث وتوابعه فلا يتحقق بدونه، وأجيب بأن التغير والتفاوت من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي القديم وهي الأفعال في الأمر والنهي والنسب الخبرية في الخبر وذلك يستدعيهما في تعلقاته دون ذاته؛ وأجاب الإمام الرازي بأن الموصوف بهما الكلام اللفظي، والقديم عندنا الكلام النفسي، واعترض بأنه مخالف لما اتفقت عليه آراء الأشاعرة من أن الحكم قديم والنسخ لا يجري إلا في الأحكام، وقرأ أبو عمرو ـ نات ـ بقلب الهمزة ألفاً. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} الاستفهام قيل: للتقرير وقيل: للإنكار، والخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وأريد بطريق الكناية هو وأمته المسلمون وإنما أفرده لأنه صلى الله عليه وسلم أعلمهم ومبدأ علمهم، ولإفادة المبالغة مع الاختصار، وقيل: لكل واقف عليه على حد «بشر المشائين» وقيل: لمنكري النسخ، والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته عز وجل على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعاً، والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة، ولأنه الاسم العلم الجامع لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم، وكذا الحال في قوله عز شأنه: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ...}.
ابن عاشور
تفسير : مناسبة هذه الآية للآيات قبلها أن اليهود اعتذروا عن إعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم بقولهم: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] وأرادوا به أنهم يكفرون بغيره، وهم في عذرهم ذلك يدعون أن شريعتهم لا تنسخ ويقولون إن محمداً وصف التوراة بأنها حق وأنه جاء مصدقاً لها فكيف يكون شرعه مبطلاً للتوراة ويموهون على الناس بما سموه البداء وهو لزوم أن يكون الله تعالى غير عالم بما يحسن تشريعه وأنه يبدو له الأمر ثم يعرض عنه ويبذل شريعة بشريعة. وقد قدمنا أن الله تعالى رد عليهم عذرهم وفضحهم بأنهم ليسوا متمسكين بشرعهم حتى يتصلبوا فيه وذلك من قوله: {أية : قل فلم تقتلون أنبئاء الله من قبل}تفسير : [البقرة: 91] وقوله: {أية : قل إن كانت لكم الدار الآخرة}تفسير : [البقرة: 94] إلخ وبأنهم لا داعي لهم غير الحسد بقوله: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب} إلى قوله: {أية : ذو الفضل العظيم}تفسير : [البقرة: 105] المنبىء أن العلة هي الحسد، فلما بين الرد عليهم في ذلك كله أراد نقض تلك السفسطة أو الشبهة التي راموا ترويجها على الناس بمنع النسخ. والمقصد الأصلي من هذا هو تعليم المسلمين أصلاً من أصول الشرائع وهو أصل النسخ الذي يطرأ على شريعة بشريعة بعدها ويطرأ على بعض أحكام شريعة بأحكام تبطلها من تلك الشريعة. ولكون هذا هو المقصد الأصلي عدل عن مخاطبة اليهود بالرد عليهم. ووجه الخطاب إلى المسلمين كما دل عليه قوله: {ألم تعلم} وعطفه عليه بقوله: {أية : أم تريدون أن تسألوا رسولكم}تفسير : [البقرة: 108] ولقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} ولم يقل من شريعة. وفي هذا إعراض عن مخاطبة اليهود لأن تعليم المسلمين أهم وذلك يستتبع الرد عى اليهود بطريق المساواة لأنه إذا ظهرت حكمة تغيير بعض الأحكام لمصلحة تظهر حكمة تغيير بعض الشرائع. وقد ذكر بعض المفسرين لهاته الآية سبب نزول، ففي «الكشاف» و«المعالم»: نزلت لما قال اليهود: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، وفي «تفسير القرطبي» أن اليهود طعنوا في تغيير القبلة وقالوا إن محمداً يأمر أصحابه بشيء وينهاهم عنه فما كان هذا القرآن إلا من جهته ولذلك يخالف بعضه بعضاً. وقرأ الجمهور (ننسخ) بفتح النون الأولى وفتح السين وهو أصل مضارع نسخ، وقرأه ابن عامر بضم النون الأولى وكسر السين على أنه مضارع أنسخ مهموزاً بهمزة التعدية أي نأمر بنسخ آية. و(ما) شرطية وأصلها الموصولة أشربت معنى الشرط فلذلك كانت اسماً للشرط يستحق إعراب المفاعيل وتبين بما يفسر إبهامها وهي أيضاً توجب إبهاماً في أزمان الربط لأن الربط وهو التعليق لما نيط بمبهم صار مبهماً فلا تدل على زمن معين من أزمان تعليق الجواب على الشرط وربطه به. و(من آية) بيان لما. والآية في الأصل الدليل والشاهد على أمر. قال الحرث بن حلزة:شعر : مَن لنا عنده مِن الخير آيا تٌ ثلاثٌ في كلِّهن القضاءُ تفسير : ووزنها فعلة بتحريك العين عند الخليل وعينها ياء أو واو قلبت ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها والنسبة إليها آييّ أو آوي. ثم أطلقت الآية على المعجزة لأنها دليل صدق الرسول قال تعالى: {أية : وما نرسل بالآيات إلا تخويفاً}تفسير : [الإسراء: 59]. وتطلق الآية على القطعة من القرآن المشتملة على حكم شرعي أو موعظة أو نحو ذلك وهو إطلاق قرآني قال تعالى: {أية : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون}تفسير : [النحل: 101] ويؤيد هذا أن من معاني الآية في كلام العرب الأمارة التي يعطيها المرسل للرسول ليصدقه المرسل إليه وكانوا إذا أرسلوا وصاية أو خبراً مع رسول أرفقوه بأمارة يسمونها آية لا سيما الأسير إذا أرسل إلى قومه برسالة كما فعل ناشب الأعور حين كان أسيراً في بني سعد بن مالك وأرسل إلى قومه بلعنبر رسالة وأراد تحذيرهم بما يبيته لهم أعداؤهم الذين أسروه فقال للرسول: قل لهم كذا بآية ما أكلت معكم حيساً. وقال سحيم العبد:شعر : ألِكني إليها عمرَك اللَّهَ يا فتى بآية ما جاءت إلينا تَهاديا تفسير : ولذا أيضاً سموا الرسالة آية تسمية للشيء باسم مجاوره عرفاً. والمراد بالآية هنا حكم الآية سواء أزيل لفظها أم أبقى لفظها لأن المقصود بيان حكمة إبطال الأحكام لا إزالة ألفاظ القرآن. والنسخ إزالة الشيء بشيء آخر قاله الراغب، فهو عبارة عن إزالة صورة أو ذات وإثبات غيرها عوضها تقول نسخت الشمس الظل لأن شعاعها أزال الظل وخلفه في موضعه ونسخ الظل الشمس كذلك لأن خيال الجسم الذي حال بين الجسم المستنير وبين شعاع الشمس الذي أناره قد خلف الشعاع في موضعه ويقال نسخت ما في الخلية من النحل والعسل إلى خلية أخرى، وقد يطلق على الإزالة فقط دون تعويض كقولهم نسخت الريح الأثر وعلى الإثبات لكن على إثبات خاص وهو إثبات المزيل، وأما أن يطلق على مجرد الإثبات فلا أحسبه صحيحاً في اللغة وإن أوهمه ظاهر كلام الراغب وجعل منه قولهم نسخت الكتاب إذا خططت أمثال حروفه في صحيفتك إذ وجدوه إثباتاً محضاً لكن هذا توهم لأن إطلاق النسخ على محاكاة حروف الكتاب إطلاق مجازي بالصورة أو تمثيلية بتشبيه الحالة بحالة من يزيل الحروف من الكتاب الأصلي إلى الكتاب المنتسخ ثم جاءت من ذلك النسخة قال تعالى: {أية : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون}تفسير : [الجاثية: 29] وقال: {أية : وفي نسختها هدى ورحمة}تفسير : [الأعراف: 154] وأما قولهم الولد نسخة من أبيه فمجاز على مجاز. ولا يطلق النسخ على الزوال بدون إزالة فلا تقول نسخ الليل النهار لأن الليل ليس بأمر وجودي بل هو الظلمة الأصلية الحاصلة من انعدام الجرم المنير. والمراد من النسخ هنا الإزالة وإثبات العوض بدليل قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} وهو المعروف عند الأصولين بأنه رفع الحكم الشرعي بخطاب فخرج التشريع المستأنف إذ ليس برفع، وخرج بقولنا الحكم الشرعي رفع البراءة الأصلية بالشرع المستأنف. إذ البراءة الأصلية ليست حكماً شرعياً بل هي البقاء على عدم التكليف الذي كان الناس عليه قبل مجيء الشرع بحيث إن الشريعة لا تتعرض للتنصيص على إباحة المباحات إلا في مظنة اعتقاد تحريمها أو في موضع حصر المحرمات أو الواجبات. فالأول نحو قوله: {أية : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}تفسير : [البقرة: 198] في التجارة في الحج حيث ظن المسلمون تحريم التجارة في عشر ذي الحجة كما كانت عليه الجاهلية بعد الانصراف من ذي المجاز كما سيأتي. ومثال الثاني قوله تعالى: {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم}تفسير : [النساء: 24] بعد ذكر النساء المحرمات وقوله: {أية : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم}تفسير : [البقرة: 187] لحصر وجوب الإمساك في خصوص زمن النهار. وفهم من قولهم في التعريف رفع الحكم أن ذلك الحكم كان ثابتاً لولا رفعه وقد صرح به بعضهم ولذلك اخترنا زيادة قيد في التعريف وهو رفع الحكم الشرعي المعلوم دوامه بخطاب يرفعه ليخرج عن تعريف النسخ رفع الحكم الشرعي المغيّى بغاية عند انتهاء غايته ورفع الحكم المستفاد من أمر لا دليل فيه على التكرار. وحيث تبينت حكمة نسخ الآيات علم منه حكمة نسخ الشرائع بعضها ببعض وهو الذي أنكروه وأنكروا كون الإسلام قد نسخ التوراة وزعموا أن دوام التوراة مانع من الإيمان بالإسلام كما قالوا {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] وهو أحوال: الأول مجيء شريعة لقوم مجيئاً مؤقتاً لمدة حياة الرسول المرسل بها فإذا توفي ارتفعت الشريعة كشريعة نوح وإبراهيم وشريعة يوسف وشريعة شعيب قال تعالى: {ولقد جاءكم يوسف} إلى قوله: {أية : إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً}تفسير : [غافر: 34] وبقي الناس في فترة وكان لكل أحد يريد الاهتداء أن يتبع تلك الشريعة أو بعضها كما كانوا يتبعون شريعة إبراهيم فإذا جاءت شريعة بعدها فليست الثانية بناسخة للأولى في الحقيقة ولكنها نسخ يخير الناس في متابعتها الذي كان لهم في زمن الفترة كما إذا كانت عَبْس مثلاً يجوز لها اتباع شريعة إبراهيم فلما جاءهم خالد بن سنان بشريعته تعين عليهم اتباعه. الثاني أن تجيء شريعة لقوم مأمورين بالدوام عليها كشرع موسى ثم تجيء بعدها شريعة ليست رافعة لتلك الشريعة بأسرها ولكنها ترفع بعض أحكامها وتثبت بعضاً كشريعة عيسى فهذه شريعة ناسخة في الجملة لأنها تنسخ بعضاً وتفسر بعضاً، فالمسيح رسول نسخ بعض التوراة وهو ما نص على نسخه وأما غيره فباق على أحكام التوراة فهو في معظمها مبين ومذكر ومفسر كمن سبقه من أنبياء بني إسرائيل مثل أشعياء وأرمياء وزكرياء الأول ودانيال وأضرابهم ولا يخالف هذا النوع نسخ أحكام شريعة واحدة إلا بكونه بواسطة رسول ثان. الثالث مجيء شريعة بعد أخرى بحيث تبطل الثانية الأولى إبطالاً عاماً بحيث تعد تلك الشريعة باطلة سواء في ذلك الأحكام التي نصت الشريعة الثانية فيها بشيء يخالف ما في الأولى أم فيما سكتت الشريعة الثانية عنه وهذا هو الإسلام بالنسبة لما تقدمه من الشرائع فإنه رفع الشرائع كلها بحيث لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتلقى شيئاً من الشرائع السالفة فيما لم يتكلم الإسلام فيه بشيء بل يأخذ أحكام ذلك بالاستنباط والقياس وغير ذلك من طرق أصول الإسلام، وقد اختلف في أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، لكن ذلك الخلاف ناظر إلى دليل آخر وهو قوله تعالى: {أية : فبهداهم اقتده}تفسير : [الأنعام: 90]. وقوله: {أو ننسها} قرأه نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وأبو جعفر وخلف (ننسها) بنون مضمومة في أوله وبسين مكسورة ثم هاء. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو (ننسأها) بنون مفتوحة في أوله وبسين مفتوحة وبعدها همزة ساكنة ثم هاء فعلى قراءة ترك الهمز فهو من النسيان والهمزة للتعدية ومفعوله محذوف للعموم أي ننس الناس إياها وذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترك قراءتها حتى ينساها المسلمون، وعلى قراءة الهمز فالمعنى أو نؤخرها أي نؤخر تلاوتها أو نؤخر العمل بها والمراد إبطال العمل بقراءتها أو بحكمها فكنى عنه بالنسء وهو قسم آخر مقابل للنسخ وهو أن لا يذكر الرسول الناس بالعمل بحكم مشروع ولا يأمر من يتركه بقضائه حتى ينسى الناس العمل به فيكون ذلك إبطالاً للحكم لأنه لو كان قائماً لما سكت الرسول عن إعادة الأمر به ولما أقر تاركه عند موجب العمل به ولم أجد لهذا مثالاً في القرآن ونظيره في السنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا يمنع أحدكم جاره أن يضع خشبة في جداره»تفسير : عند من يقول إن النهي فيه للتحريم وهو قول أبي هريرة ولذلك كان يذكر هذا الحديث ويقول مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أظهركم. ومعنى النسء مشعر بتأخير يعقبه إبرام وحينئذ فالمعنى بقاء الحكم مدة غير منسوخ أو بقاء الآية من القرآن مدة غير منسوخة. أو يكون المراد إنساء الآية بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوع ذلك بعد حين والاحتمالات المفروضة في نسخ حكم من الشريعة تتأتى في نسخ شريعة بشريعة وإنسائها أو نسئها. وقوله: {نأت بخير منها أو مثلها} جواب الشرط وجعله جواباً مشعر بأن هذين الحالين وهما النسخ والإنساء أو النسء لا يفارقان حالين وهما الإتيان في وقت النسخ ووقت الإنساء بشيء هو خير من المنسوخ أو مثله أو خير من المنسي أو المنسوء أو مثله فالمأتي به مع النسخ هو الناسخ من شريعة أو حكم والمأتي به مع الإنساء من النسيان هو الناسخ أيضاً من شريعة أو حكم أو هو ما يجيء من الأحكام غير ناسخ ولكنه حكم مخالف ينزل بعد الآخر والمأتي به مع النسء أي التأخير هو ما يقارن الحكم الباقي من الأحكام النازلة في مدة عدم النسخ. وقد أجملت جهة الخيرية والمثلية لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن فتجده مراداً إذ الخيرية تكون من حيث الاشتمال على ما يناسب مصلحة الناس، أوما يدفع عنهم مضرة، أو ما فيه جلب عواقب حميدة، أو ما فيه ثواب جزيل، أوما فيه رفق بالمكلفين ورحمة بهم في مواضع الشدة وإن كان حملهم على الشدة قد يكون أكثر مصلحة. وليس المراد أن كل صورة من الصور المفروضة في حالات النسخ والإنساء أو النسء هي مشتملة على الخير والمثل معاً وإنما المراد أن كل صورة منهما لا تخلو من الاشتمال على الخير منها أو المثل لها فلذلك جيء بأو في قوله: {بخير منها أو مثلها} فهي مفيدة لأحد الشيئين مع جواز الجمع. وتحقيق هاته الصور بأيديكم، ولنضرب لذلك أمثالاً ترشد إلى المقصود وتغني عن البقية مع عدم التزام الدرج على القول الأصح فنقول: (1) نسخ شريعة مع الإتيان بخير منها كنسخ التوراة والإنجيل بالإسلام. (2) نسخ شريعة مع الإتيان بمثلها كنسخ شريعة هود بشريعة صالح فإن لكل فائدة مماثلة للأخرى في تحديد أحوال أمتين متقاربتي العوائد والأخلاق فهود نهاهم أن يبنوا بكل ريع آية يعبثون وصالح لم ينه عن ذلك ونهى عن التعرض للناقة بسوء. (3) نسخ حكم في شريعة بخير منه مثل نسخ كراهة الخمر الثابتة بقوله: {أية : قل فيهما إثم كبير ومنافع}تفسير : [البقرة: 219] بتحريمها بتاتاً فهذه الناسخة خير من جهة المصلحة دون الرفق وقد يكون الناسخ خيراً في الرفق كنسخ تحريم الأكل والشرب وقربان النساء في ليل رمضان بعد وقت الإفطار عند الغروب إذا نام الصائم قبل أن يتعشى بقوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} إلى قوله: {أية : من الفجر}تفسير : [البقرة: 187] قال في الحديث في «صحيح البخاري» ففرح المسلمون بنزولها. (4) نسخ حكم في الشريعة بحكم مثله كنسخ الوصية للوالدين والأقربين بتعيين الفرائض والكل نافع للكل في إعطائه مالاً، وكنسخ فرض خمسين صلاة بخمس صلوات مع جعل ثواب الخمسين للخمس فقد تماثلتا من جهة الثواب، وكنسخ آية {أية : وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين}تفسير : [البقرة: 184] بقوله تعالى: {أية : فمن شهد منكم الشهر فليصمه}تفسير : [البقرة: 185] إلى قوله: {أية : وأن تصوموا خير لكم}تفسير : [البقرة: 184] فأثبت كون الصوم خيراً من الفدية. (5) إنساء بمعنى التأخير لشريعة مع مجيء خير منها، تأخير ظهور دين الإسلام في حين الإتيان بشرائع سبقته كل واحدة منها هي خير بالنسبة للأمة التي شرعت لها والعصر الذي شرعت فيه فإن الشرائع تأتي للناس بما يناسب أحوالهم حتى يتهيأ البشر كلهم لقبول الشريعة الخاتمة التي هي الدين عند الله فالخيرية هنا ببعض معانيها وهي نسبية. (6) إنساء شريعة بمعنى تأخير مجيئها مع إرادة الله تعالى وقوعه بعد حين ومع الإتيان بمثلها كتأخير شريعة عيسى في وقت الإتيان بشريعة موسى وهي خير منها من حيث الاشتمال على معظم المصالح وما تحتاج إليه الأمة. (7) إنساء بمعنى تأخير الحكم المراد مع الإتيان بخير منه كتأخير تحريم الخمر وهو مراد مع الإتيان بكراهته أو تحريمه في أوقات الصلوات فقط فإن المأتي به خير من التحريم من حيث الرفق بالناس في حملهم على مفارقة شيء افتتنوا بمحبته. (8) إنساء شريعة بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها أي أوسع وأعم مصلحة وأكثر ثواباً لكن في أمة أخرى أو بمثلها كذلك. (9) إنساء آية من القرآن بمعنى بقائها غير منسوخة إلى أمد معلوم مع الإتيان بخير منها في باب آخر أي أعم مصلحة أو بمثلها في باب آخر أي مثلها مصلحة أو ثواباً مثل تحريم الخمر في وقت الصلوات وينزل في تلك المدة تحريم البيع في وقت صلاة الجمعة. (10) نسيان شريعة بمعنى اضمحلالها كشريعة آدم ونوح مع مجيء شريعة موسى وهي أفضل وأوسع وشريعة إدريس مثلاً وهي مثل شريعة نوح. (11) نسيان حكم شريعة مع مجيء خير منه أو مثله، كان فيما نزل عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات ثم نسيا معاً وجاءت آية {أية : وأخواتكم من الرضاعة}تفسير : [النساء: 23] على الإطلاق والكل متماثل في إثبات الرضاعة ولا مشقة على المكلفين في رضعة أوعشر لقرب المقدار. وقيل: المراد من النسيان الترك وهو حينئذ يرجع معناه وصوره إلى معنى وصور الإنساء بمعنى التأخير. والمقصد من قوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} إظهار منتهى الحكمة والرد عليهم بأنهم لا يهمهم أن تنسخ شريعة بشريعة أو حكم في شريعة بحكم آخر ولا يقدح ذلك في علم الله تعالى ولا في حكمته ولا ربوبيته لأنه ما نسخ شرعاً أو حكماً ولا تركه إلا وهو قد عوض الناس ما هو أنفع لهم منه حينئذ أو ما هو مثله من حيث الوقت والحال، وما أخر حكماً في زمن ثم أظهره بعد ذلك إلا وقد عوض الناس في إبان تأخيره ما يسد مسده بحسب أحوالهم، وذلك مظهر الربوبية فإنه يرب الخلق ويحملهم على مصالحهم مع الرفق بهم والرحمة، ومراد الله تعالى في تلك الأزمنة والأحوال كلها واحد وهو حفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم أحوالهم من الاختلال بحسب العصور والأمم والأحوال إلى أن جاء بالشريعة الخاتمة وهي مراد الله تعالى من الناس ولذلك قال: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19] وقال أيضاً: {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً}تفسير : [الشورى: 13] الآية. والظاهر أن الإتيان بخير أو بمثل راجع إلى كل من النسخ والإنساء فيكون الإتيان بخير من المنسوخة أو المنساة أو بمثلها وليس الكلام من اللف والنشر. فقوله تعالى: {نأت بخير منها أو مثلها} هو إما إتيان تعويض أو إتيان تعزيز. وتوزيع هذا الضابط على الصور المتقدمة غير عزيز. والمعنى أنا لم نترك الخلق في وقت سدى، وأن ليس في النسخ ما يتوهم منه البداء. وفي الآية إيجاز بديع في التقسيم قد جمع هاته الصور التي سمعتموها وصوراً تنشق منها لا أسألكموها لأنه ما فرضت منها صورة بعد هذا إلا عرفتموها. ومما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى: {ننسها} أنه إنساء الله تعالى المسلمين للآية أو للسورة، أي إذهابها عن قلوبهم أو إنساؤه النبي صلى الله عليه وسلم إياها فيكون نسيان الناس كلهم لها في وقت واحد دليلاً على النسخ واستدلوا لذلك بحديث أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر قال حديث : قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاما ذات ليلة يصليان فلم يقدرا منها على حرف فغديا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له فقال لهما: "إنها مما نسخ وأنسي فالهوا عنها"تفسير : . قال ابن كثير هذا الحديث في سنده سليمان بن أرقم وهو ضعيف وقال ابن عطية هذا حديث منكر أغرب به الطبراني وكيف خفي مثله على أئمة الحديث. والصحيح أن نسيان النبي ما أراد الله نسخه ولم يرد أن يثبته قرآناً جائز، أي لكنه لم يقع فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي معصوم عنه قبل التبليغ، وأما بعد التبليغ وحفظ المسلمين له فجائز وقد روي أنه أسقط آية من سورة في الصلاة فلما فرغ قال لأبيّ لم لم تذكرني قال حسبت أنها رفعت قال: لا ولكني نسيتها اهـ. والحق عندي أن النسيان العارض الذي يُتذكر بعده جائز ولا تحمل عليه الآية لمنافاته لظاهر قوله: {نأت بخير منها أو مثلها} وأما النسيان المستمر للقرآن فأحسب أنه لا يجوز. وقوله تعالى: {أية : سنقرئك فلا تنسى}تفسير : [الأعلى: 6] دليل عليه وقوله: {أية : إلا ما شاء الله}تفسير : [الأعلى: 7] هو من باب التوسعة في الوعد وسيأتي بيان ذلك في سورة الأعلى. وأما ما ورد في «صحيح مسلم» عن أنس قال: كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول ببراءة فانسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثاً وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب اهـ. فهو غريب وتأويله أن هنالك سورة نسخت قراءتها وأحكامها، ونسيان المسلمين لما نسخ لفظه من القرآن غير عجيب على أنه حديث غريب اهـ. وقد دلت هذه الآية على أن النسخ واقع، وقد اتفق علماء الإسلام على جواز النسخ ووقوعه ولم يخالف في ذلك إلا أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بحر فقيل: إن خلافه لفظي وتفصيل الأدلة في كتب أصول الفقه. وقد قسموا نسخ أدلة الأحكام ومدلولاتها إلى أقسام: نسخ التلاوة والحكم معاً وهو الأصل ومثلوه بما روى عن أبي بكر كان فيما أنزل لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة وهذا واقع لأن إبقاء التلاوة يقصد منه بقاء الإعجاز ببلاغة الآية ومثاله آية: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون}تفسير : [الأنفال: 65] إلى آخر الآيات. ونسخ التلاوة وبقاء الحكم ومثلوه بما روي عن عمر: كان فيما يتلى الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وعندي أنه لا فائدة في نسخ التلاوة وبقاء الحكم وقد تأولوا قول عمر كان فيما يتلى أنه كان يتلى بين الناس تشهيراً بحكمه. وقد كان كثير من الصحابة يرى أن الآية إذا نسخ حكمها لا تبقى كتابتها في المصحف ففي البخاري في التفسير قال ابن الزبير قلت لعثمان: {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً}تفسير : [البقرة: 234] نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه. مسوق لبيان حكمة النسخ والإتيان بالخير والمثل بياناً غير مفصل على طريقة الأسلوب الحكيم، وذلك أنه بعد أن فرغ من التنبيه على أن النسخ الذي استبعدوه وتذرعوا به لتكذيب الرسول هو غير مفارق لتعويض المنسوخ بخير منه أو مثله أو تعزيز المبقى بمثله أريد أن ينتقل من ذلك إلى كشف ما بقي من الشبهة وهي أن يقول المنكر وما هي الفائدة في النسخ حتى يحتاج للتعويض؟ وكان مقتضى الظاهر أن يتصدى لبيان اختلاف المصالح ومناسبتها للأحوال والأعصار ولبيان تفاصيل الخيرية والمثلية في كل ناسخ ومنسوخ. ولما كان التصدي لذلك أمراً لم تتهيأ له عقول السامعين لعسر إدراكهم مراتب المصالح وتفاوتها، لأن ذلك مما يحتاج إلى تأصيل قواعد من أصول شرعية وسياسية، عدل بهم عن بيان ذلك وأجملت لهم المصلحة بالحوالة على قدرة الله تعالى التي لا يشذ عنها ممكن مراد، وعلى سعة ملكه المشعر بعظيم علمه، وعلى حاجة المخلوقات إليه إذ ليس لهم رب سواه ولا ولي دونه وكفى بذلك دليلاً على أنه يحملهم على مصالحهم في سائر الأحوال. ومما يزيد هذا العدول توجيهاً أن التصدي للبيان يفتح باب الجدال في إثبات المصلحة وتفاوت ذلك بحسب اختلاف القرائح والفهوم. ولأن أسباب التشريع والنسخ أقسام، منه ما ظهر وجهه بالنص فيمكن إفهامهم إياه نحو قوله: {أية : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر}تفسير : [المائدة: 91] الآية بعد قوله: {أية : لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}تفسير : [النساء: 43] الآية ونحو {أية : وعلم أن فيكم ضعفاً}تفسير : [الأنفال: 66] الآية. ومنها ما يعسر إفهامهم إياه لأنه يحتاج إلى علم وتفصيل من شأن المشرعين وعلماء الأصول كالأشياء التي عرفت بالقياس وأصول التشريع. ومنها ما لم يطلع على حكمته في ذلك الزمان أو فيما يليه، ولما كان معظم هاته التفاصيل يعسر أو يتعذر إفهامهم إياه وقع العدول المذكور. ولكون هاته الجملة تتنزل منزلة البيان للأولى فصلت عنها. والخطاب في {تعلم} ليس مراداً منه ظاهره الواحد وهو النبي صلى الله عليه وسلم بل هو إما خطاب لغير معين خارج على طريقة المجاز بتشبيه من ليس حاضراً للخطاب وهو الغائب منزلة المخاطب في كونه بحيث يصير مخاطباً لشهرة هذا الأمر والمقصد من ذلك ليعم كل مخاطب صالح له وهو كل من يظن به أو يتوهم منه أنه لا يعلم أن الله على كل شيء قدير ولو بعدم جريانه على موجب علمه، وإلى هذه الطريقة مال القطب والطيبي من شراح «الكشاف» وعليها يشمل هذا الخطاب ابتداء اليهود والمشركين ومن عسى أن يشتبه عليه الأمر وتروج عليه الشبهة من ضعفاء المسلمين، أما غيرهم فغني عن التقرير في الظاهر وإنما أدخل فيه ليسمع غيره. وإما مراد به ظاهره وهو الواحد فيكون المخاطب هو النبي صلى الله عليه وسلم لكن المقصود منه المسلمون فينتقل من خطاب النبي إلى مخاطبة أمته انتقالاً كنائياً لأن علم الأمة من لوازم علم الرسول من حيث إنه رسول لزوماً عرفياً فكل حكم تعلق به بعنوان الرسالة فالمراد منه أمته لأن ما يثبت له من المعلومات في باب العقائد والتشريع فهو حاصل لهم فتارة يراد من الخطاب توجه مضمون الخطاب إليه ولأمته وتارة يقصد منه توجه المضمون لأمته فقط على قاعدة الكناية في جواز إرادة المعنى الأصلي مع الكنائي، وههنا لا يصلح توجه المضمون للرسول لأنه لا يقرر على الاعتراف بأن الله على كل شيء قدير فضلاً عن أن ينكر عنه وإنما التقرير للأمة، والمقصد من تلك الكناية التعريض باليهود. وإنما سلك هذا الطريق دون أن يؤتى بضمير الجماعة المخاطبين لما في سلوك طريق الكناية من البلاغة والمبالغة مع الإيجاز في لفظ الضمير. والاستفهام تقريري على الوجهين وهو شأن الاستفهام الداخل على النفي كما تقدم عند قوله: {أية : ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض}تفسير : [البقرة: 33] أي إنكم تعلمون أن الله قدير وتعلمون أنه مالك السماوات والأرض بما يجري فيهما من الأحوال، فهو ملكه أيضاً فهو يصرف الخلق كيف يشاء. وقد أشار في «الكشاف» إلى أنه تقريري وصرح به القطب في «شرحه» ولم يسمع في كلام العرب استفهام دخل على النفي إلا وهو مراد به التقرير. وقوله: {ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} قال البيضاوي: هو متنزل من الجملة التي قبله منزلة الدليل لأن الذي يكون له ملك السماوات والأرض لا جرم أن يكون قديراً على كل شيء ولذا فصلت هذه الجملة عن التي قبلها. وعندي أن موجب الفصل هو أن هاته الجملة بمنزلة التكرير للأولى لأن مقام التقرير ومقام التوبيخ كلاهما مقام تكرير لما به التقرير والإنكار تعديداً على المخاطب.
الواحدي
تفسير : {ما نَنْسَخْ من آية أو نُنْسِها} أَيْ: ما نرفع آيةً من جهة النَّسخ بأن نُبطل حكمها، أو بالإِنساءِ لها بأنْ نمحوها عن القلوب {نأت بخير منها} أَيْ: أصلح لمن تُعبِّد بها، وأنفع لهم وأسهل عليهم، وأكثر لأجرهم {أو مثلها} في المنفعة والمثوبة {ألم تعلم أنَّ الله على كلِّ شيءٍ} من النِّسخِ والتَّبديل وغيرهما {قدير} : نزلت هذه الآية حين قال المشركون: إنَّ محمداً يأمر أصحابه بأمرٍ، ثمَّ ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً. ما هذا القرآن إلاَّ كلام محمد، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقولَهُ: {أية : وإذا بدَّلنا آية مكان آيةٍ...} تفسير : الآية. {ألم تعلم أنَّ الله له ملك السموات والأرض } يعمل فيهما ما يشاء، وهو أعلم بوجه الصَّلاح فيما يتعبَّدهم به من ناسخٍ ومنسوخٍ {ومالكم من دون الله من ولي} أَيْ: والٍ يلي أمركم ويقوم به {ولا نصير} ينصركم، وفي هذا تحذيرٌ من عذابه إذ لا مانع منه. {أم تريدون} أَيْ: بل أتريدون {أن تسألوا رسولكم} محمداً صلى الله عليه وسلم {كما سئل موسى من قبل} وذلك أنَّ قريشاً قالوا: يا محمَّدُ، اجعل لنا الصَّفا ذهباً، ووسِّعْ لنا أرض مكَّة، فَنُهوا أن يقترحوا عليه الآيات كما اقترح قوم موسى عليه السَّلام حين قالوا: {أية : أرنا الله جهرة } تفسير : وذلك أنَّ السُّؤال بعد قيام البراهين كفرٌ، ولذلك قال: {ومن يتبدل الكفر بالإِيمان فقد ضلَّ سواء السبيل} قصده ووسطه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ننسخ: نبدّل أو نزيل. من آية: من آيات القرآن: جملة كلمات تحمل معنى صحيحاً كالتحريم أو التحليل، أو الإِباحة. ننسها: نمحها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم. ألم تعلم: الاستفهام للتقرير. وليّ: حافظ يحفظكم بتولي أموركم. نصير: ناصر يدفع عنكم المكروه. أم تريدون: بل أتريدون، إذ أم هنا للإِضراب الانتقالي فهي بمعنى بل والهمزة، وما سئله موسى هو قول بني إسرائيل له: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً}تفسير : [النساء: 153]. سواء السبيل: وسط الطريق الآمن من الخروج عن الطريق. معنى الآيات: يخبر تعالى راداً على الطاعِنين في تشريعه الحكيم الذين قالوا إن محمداً يأمر أصحابه اليوم بأمر وينهى عنه غداً أنه تعالى ما ينسخ من آية تحمل حكماً شاقاً على المسلمين إلى حكم أخف كنسخ الثبوت لعشرة في قتال الكافرين إلى الثبوت إلى إثنين. أو حكماً خفيفاً إلى شاق زيادة في الأجر كنسخ يوم عاشوراء بصيام رمضان، أو حكماً خفيفاً إلى حكم خفيف مثله كنسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، أو حكماً إلى غير حكم آخر كنسخ صدقة من أراد أن يناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الحكم رفع ولم يشرع حكم آخر بدلاً عنه، أو نسخ الآية بإزالتها من التلاوة ويبقى حكمها كآية الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله فقد نسخ اللفظ من التلاوة وبقي الحكم. أو بنسخ الآية وحكمها. وهذا معنى قوله أو ننسها وهي قراءة نافع، فقد ثبت أن قرآناً نزل وقرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ثم نسخه الله تعالى لفظاً ومعنى فمحاه من القلوب بالمرة فلم يقدر على قراءته أحد. وهذا مظهر من مظاهر القدرة الإِلهية الدال عليه قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وهو أيضاً مظهر من مظاهر التصرف الحكيم الدال عليه قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} فهو تعالى يتصرف فينسخ ويبقي ويأتي بخير مما نسخ أو بمثله بحسب حاجة الأمة ومتطلبات حياتها الروحية والمادية. فسبحانه من إله قدير حكيم: ينسي ما يشاء وينسخ ما يريد. أما قوله تعالى في آية [108]: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ}، فهو توبيخ لمن طالب الرسول صلى الله عليه وسلم بأمور ليس في مكنته، وإعلام بأن من يجري على أسلوب التعنت وسوء الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم قد يصاب بزيغ القلب فيكفر، دلّ على هذا قوله تعالى: {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- ثبوت النسخ في القرآن الكريم، كما هو ثابت في السنة، وهما أصل التشريع ولا نسخ في قياس ولا إجماع. 2- رأفة الله تعالى بالمؤمنين في نسخ الأحكام وتبديلها بما هو نافع لهم في دنياهم وآخرتهم. 3- وجوب التسليم لله والرضا بأحكامه، وعدم الاعتراض عليه تعالى. 4- ذم التنطع في الدين وطرح الأسئلة المحرجة والتحذير من ذلك.
القطان
تفسير : النسخ في اللغة الازالة، يقال: نسخت الشمس الظل: أزالته. الإنساء: اذهاب الشيء من الذاكرة. الولي: الصديق. النصير: المعين. يتبدل: يُبدل. يستبدل. ضل: حاد عن الطريق المستقيم. السواء، من كل شيء: الوسط. السبيل: الطريق. في هذه الآيات ردٌّ على اليهود الذين كانوا يطعنون في الاسلام والقرآن والنبي عليه الصلاة والسلام. وكانوا لا يتركون فرصة دون أن يعترضوا ويحاولوا تشويه الحقائق. فكانوا يقولون: ما بال هذا النبي يأمر قومه بأمر ثم يبدله بعد ذلك؟ فردّ الله تعالى عليهم بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} أي ما نغير حكم آية او نؤخرها الا أتينا بما هو خير منها. وذلك لمصلحة الناس واظهار الدِّين. وكل هذا من الله. القادر على كل شيء والذي له ملك السماوات والارض، يتصرف فيه كيف يشاء، وحسب مصلحة عباده. فلا تتعنتوا كما فعل اليهود من قبلكم حين سألوا رسولهم موسى ان يأتيهم بأشياء مستحيلة. وفي هذا نصيحة وتأديب للمسلمين ان يعملوا بما يأمرهم به نبيهم الكريم، وينتهوا عما ينهاهم عنه. أما من لا يتأدب. بل يترك الثقة بالبينات المنزلة حسب المصلحة، ويطلب غيرها ـ فقد اختار الكفر واستحبَ العمى على الهدى. القراءات: قرأ ابن عامر: ما نُنسخ مِن أنسخ الرباعي. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "ننسأها" اي نؤخرها. وقرىء "تنسها". و"تنسها" بالبناء للمفعول. وقرأ ابو عمرو "ناتِ" بدون همزة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَةٍ} (106) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيءِ، لِمَا يَعْلَمُهُ فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ لِمَا يَرَى فِي ذلِكَ مِنَ الخَيْرِ حِينئِذٍ، فَهُوَ لاَ يُبَدِّلُ حُكْماً مِنَ الأَحْكَامِ المُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ أَوْ يَمْحُوهُ إِلا جَاءَ بِحُكْمٍ أَرْفقَ مِنَ الحُكْمِ المَنْسُوخِ بِالمُكَلَّفِينَ، وَخَيْرٍ لَهُمْ فِي المَنْفِعَةِ أَوْ مِثْلِهِ. وَيُنَبِّه اللهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وسلم إِلى أَنَّه تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَهُوَ المُتَصَرِّفُ المُطْلَقُ فِي الكَوْنِ وَمَا فِيهِ، فَيُحِلُّ مَا يَشَاءُ، وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الذِي يَحْكُمُ بِمَا يُرِيدُ وَلاَ مُعَقِّبَ عَلَى حُكْمِهِ، وَعَلَى المُؤْمِنِينَ إِطاعَةُ أَمْرِ رَبِّهِم، وَاتِّبَاعُ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ. (نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ رَدّاً عَلَى المُشْرِكِينَ وَاليَهُودِ حِينَ قَالُوا: أَلاَ تَرَوْنَ إِلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أَصْحَابَهُ بِأَمْرٍ ثُمَّ يَنْهَاهُمْ عَنْهُ وَيَأْمُرُهُمْ بِخِلافِهِ، وَيَقُولُ اليَوْمَ قَوْلاً وَيَرْجِعُ عَنْهُ غَداً)؟ النَّسْخُ - الإِزَالَةُ. الإِنْسَاءُ - إِذْهَابُ الآيَةِ مِنْ ذَاكِرَةِ النَّبِيِّ بَعْدَ تَبْلِيغِها إِلَيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيراً للمؤمنين في دينهم؛ لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم .. وخير مما جاء به عيسى في زمن محمد صلى الله عليه وسلم وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون .. لكننا نؤكد أن الرسل السابقين جاءوا في أزمانهم بخير ما وُجد في هذه الأزمان .. فكل رسالة من الرسالات التي سبقت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. جاءت لقوم محدّدين ولزمن محدّد .. ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين وزمن محدّد .. واقرأ قول عيسى عليه السلام حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ} تفسير : [آل عمران: 50]. فكأن عيسى عليه السلام جاء لينسخ بعض أحكام التوراة .. ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله؛ لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم القيامة. وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون من خير إلى خير .. وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا الخير .. وذلك فيما يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج الحياة .. هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق .. سبحانه في ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله .. كل ذلك قدر الرسالات فيه مشترك .. ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة في العصر الذي سبق .. فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى .. فإنها لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما عدا الإسلام .. لأنه جاء ديناً خاتماً لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة .. على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله سبحانه وتعالى: {أية : شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحاً وَٱلَّذِيۤ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ٱللَّهُ يَجْتَبِيۤ إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} تفسير : [الشورى: 13]. نقول إن هذا يأتي في شيء واحد .. يتعلق بالأمر الثابت في رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد .. أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاماً في هذه الحركة حسب ما طرأ عليها من توسعات .. ولذلك عندما جاء محمد صلى الله عليه وسلم أعطى أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين. يقول الله تبارك وتعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] .. كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلاً منها .. كما يقال نسخت الشمس الظل .. أي أن الظل كان موجوداً وجاءت الشمس فمحته وحلت هي مكانه .. ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب الشباب أي أصبح الشاب شيخاً. وقوله تعالى "ننسها" لها معان متعددة .. قد يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها .. فتضيع من ذاكرته أو يتركها إلى غيرها .. والعلماء اختلفوا في هذه المسألة .. وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظاً وغيره يلحظ ملحظاً آخر وكلاهما يريد الحق .. نأتي للنسخ في القرآن الكريم .. قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبداً .. لماذا؟ لأن النسخ بداء على الله .. ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم .. وهذا محال بالنسبة لله سبحانه وتعالى .. نقول لهم طبعاً هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله تبارك وتعالى .. ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر .. ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولاً فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد .. ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج .. وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم .. إن هذا غير صحيح. لماذا؟ .. لأنه ساعة حكم الله أولاً كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة .. ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد .. وليس هذا كواقع البشر .. فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع .. لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء .. فجاء الواقع ليظهر ما خفي وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل .. ولكن الأمر مع الله سبحانه وتعالى ليس كذلك .. أمر الله جعل الحكم موقوتاً ساعة جاء الحكم الأول. مثلاً حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس .. أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له سبحانه وتعالى أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا .. لم تكن هذه هي الصورة .. ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولاً إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة. إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة .. وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سَيُغَيِّر القبلة بعد فترة إلى الكعبة .. ولعل لذلك هدفاً إيمانياً في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهداً إيمانياً إضافياً .. ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فنفس الجهد الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله .. فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس اتجهنا .. فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا .. ولا قدسية لشيء في ذاته .. ولكن القدسية لأمر الله فيه. والله تبارك وتعالى حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم. والله سبحانه وتعالى اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجداً له في الأرض .. واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها .. وكل مساجد الأرض هي بيوت الله باختيار خلق الله .. ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله باختيار الله هو الكعبة .. ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق الله .. أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله .. ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية. فإذا قال الله سبحانه وتعالى الصلاة خمس مرات في اليوم .. فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ فلننقص منها .. دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج .. كلها تتم طاعة لله .. وهكذا تغيير القبلة تم اختباراً للطاعة الإيمانية لله .. فالله موجود في كل مكان .. فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟ وهل الله ليس موجوداً إلا في الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان .. ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة .. ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله تبارك وتعالى موجود في هذا المكان فقط .. ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة. ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات .. لماذا؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو تَجِدْ وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعباً أو محوطاً بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن الله سبحانه وتعالى شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة. إذن فكل آية نسخت كان في علم الله سبحانه وتعالى أنها ستطبق لفترة معينة ثم بعد ذلك سَتُعَدَّلُ .. وكان كل من الحكم الذي سينسخ، والوقت الذي سيستغرقه، والحكم الذي سيأتي بعده معلوماً عند الله تبارك وتعالى ومقرراً منذ الأزل وقبل بداية الكون .. وأيضاً فإن الله أراد أن يلفتنا بالتوجه إلى بيت المقدس أولاً .. لأن الإسلام دين يشمل كل الأديان، وأن بيت المقدس سيصبح من مقدسات الإسلام .. وأنه لا يمكن لأحد أن يَدَّعي أن المسلمين لن يكون لهم شأن في بيت المقدس، لذلك أسرى الله سبحانه وتعالى برسوله لله من مكة إلى بيت المقدس .. ليثبت أن لبيت المقدس قداسة في الإسلام وأنه من المقدسات عند الله .. ومن هنا كان التوجه إلى بيت المقدس كقبلة أولى، ثم نسخ الله القبلة إلى الكعبة .. فالحق جل جلاله يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ..} [البقرة: 106] .. أي أن النسخ يكون إما أن يأتي الله سبحانه وتعالى بخير من هذه الآية أو يأتي بمثلها .. وهل الآية المنسوخة كان هناك خير منها ولم ينزله الله؟ نقول لا .. المعنى أن الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها .. والحكم الثاني كان زيادة في الخير بعد فترة من الزمن .. كلاهما خير في زمنه وفي أحكامه .. والله تبارك وتعالى أنزل الآية الكريمة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ} تفسير : [آل عمران: 102]. ولكن من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته .. ذلك صعب على المسلمين .. ولذلك عندما نزلت الآية قالوا ليس منا من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته .. فنزلت الآية الكريمة: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ وَٱسْمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [التغابن: 16]. الذي يتقي الله حق تقاته خير، أم الذي يتقي الله ما استطاع؟ طبعاً حق تقاته خير من قدر الاستطاعة .. ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} [البقرة: 106] .. نقول إنك لم تفهم عن الله .. {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] في الآية الأولى أو {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] في الآية الثانية .. أي الحالتين أحسن؟ نقول إن العبرة بالنتيجة .. عندما تريد أن تُقَيِّم شيئاً لابد أن تبحث عن نتيجته أولاً. ولنقرب المعنى للأذهان سنضرب مثلاً ولله المثل الأعلى .. نفرض أن هناك تاجراً يبيع السلع بربح خمسين في المائة .. ثم جاء تاجر آخر يبيع نفس السلع بربح خمسة عشر في المائة .. ماذا يحدث؟ سيقبل الناس طبعاً على ذلك الذي يبيع السلع بربح خمسة عشر في المائة ويشترون منه كل ما يريدون، والتاجر الذي يبيع السلع بربح خمسين في المائة يحقق ربحاً أكبر .. ولكن الذي يبيع بربح خمسة عشر في المائة يحقق ربحاً أقل ولكن بزيادة الكمية المبيعة .. يكون الربح في النهاية أكبر. والذي يطبق الآية الكريمة: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران: 102] يحقق خيراً أكبر في عمله .. ولكنه لا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته إلا في أعمال محدودة جداً. إذن الخير هنا أكبر ولكن العمل الذي تنطبق عليه الآية محدود. أما قوله تعالى: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسْتَطَعْتُمْ} تفسير : [التغابن: 16] فإنه قد حدد التقوى بقدر الاستطاعة .. ولذلك تكون الأعمال المقبولة كثيرة وإن كان الأجر عليها أقل. عندما نأتي إلى النتيجة العامة .. أعمال أجرها أعلى ولكنها قليلة ومحدودة جداً .. وأعمال أجرها أقل ولكنها كثيرة .. أيهما فيه الخير؟ طبعاً الأعمال الكثيرة ذات الأجر الأقل في مجموعها تفوق الأعمال القليلة ذات الأجر المرتفع. إذن فقد نسخت هذه الآية بما هو خير منها .. رغم أن الظاهر لا يبدو كذلك، لأن اتقاء الله حق تقاته خير من اتقاء الله قدر الاستطاعة .. ولكن في المحصلة العامة الخير في الآية التي نصت على الاستطاعة .. نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى: {أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] .. هنا توقف بعض العلماء: قد يكون مفهوماً أن ينسخ الله آية بخير منها، ولكن ما هي الحكمة في أن ينسخها بمثلها؟ إذا كانت الآية التي نسخت مثل الآية التي جاءت .. فلماذا تم النسخ؟ نقول إننا إذا ضربنا مثلاً لذلك فهو مثل تغيير القبلة .. إن الله تبارك وتعالى حين أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة بدلاً من بيت المقدس نسخ آية بمثلها .. لأن التوجه إلى الكعبة لا يكلف المؤمن أية مشقة أو زيادة في التكليف .. فالإنسان يتوجه ناحية اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف وهو نفس الجهد .. والله سبحانه وتعالى كما قلنا موجود .. وهنا تبرز الطاعة الإيمانية التي تحدثنا عنها وأن هناك أفعالاً نقوم بها لأن الله قال .. وهذه تأتي في العبادات لأن العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود .. والله تبارك وتعالى يريد أن نثبت العبودية له عن حب واختيار .. فإن قال افعلوا كذا فعلنا .. وإن قال لا تفعلوا لا نفعل .. والعلة في هذا أننا نريد اختياراً أن نجعل مراداتنا في الكون خاضعة لمرادات الله سبحانه وتعالى .. إذن مثلها لم تأت بلا حكمة بل جاءت لحكمة عالية. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] ما معنى ننسها؟ قال بعض العلماء إن النسخ والنسيان شيء واحد .. ولكن ساعة قال الله الحكم الأول كان في إرادته ومشيئته وعلمه أن يأتي حكم آخر بعد مدة .. ساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم الثاني في مشيئته قدراً من الزمن حتى يأتي موعد نزوله. إذن فساعة يأتي الحكم الأول .. يكون الحكم مرجأ ولكنه في علم الله. ينتظر انقضاء وقت الحكم الأول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106]هي الآية المنسوخة أو التي سيتم عدم العمل بها: {أَوْ نُنسِهَا} [البقرة: 106] .. أي لا يبلغها الله للرسول والمؤمنين عن طريق الوحي مع أنها موجودة في علمه سبحانه .. ويجب أن نتنبه إلى أن النسخ لا يحدث في شيئين: الأول: أمور العقائد فلا تنسخ آية أخرى في أمر العقيدة .. فالعقائد ثابتة لا تتغير منذ عهد آدم حتى يوم القيامة .. فالله سبحانه واحد أحد لا تغيير ولا تبديل، والغيب قائم، والآخرة قادمة والملائكة يقومون بمهامهم .. وكل ما يتعلق بأمور العقيدة لا ينسخ أبداً .. والثاني: الإخبار من الله عندما يعطينا الله تبارك وتعالى آية فيها خبر لا ينسخها بآية جديدة .. لأن الإخبار هو الإبلاغ بشيء واقع .. والحق سبحانه وتعالى إخباره لنا بما حدث لا ينسخ لأنه بلاغ صدق من الله .. فلا تروى لنا حادثة الفيل ثم تنسخ بعد ذلك وتروى بتفاصيل أخرى لأنها أبلغت كما وقعت .. إذن لا نسخ في العقائد والإخبار عن الله .. ولكن النسخ يكون في التكليف .. مثل قول الحق تبارك وتعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} تفسير : [الأنفال: 65]. كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم .. ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين .. ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر طاقتنا .. فنزلت الآية الكريمة: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 66]. والحق سبحانه وتعالى علم أن المؤمنين فيهم ضعف .. لذلك لن يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم .. فنقلها إلى خير يسير يقدر عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار .. وهذا حكم لا يدخل في العقيدة ولا في الإخبار .. وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها في البيت لا تخرج منه حتى تموت .. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 15]. وبعد أن شاع الإسلام وامتلأت النفوس بالإيمان .. نزل تشريع جديد هو الرجم أو الجلد .. ساعة نزل الحكم الأول بحبسهن كان الحكم الثاني في علم الله .. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} .. وقوله سبحانه: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ..} تفسير : [البقرة: 109]. وقوله تعالى حتى يأتي الله بأمره .. كأن هناك حكماً أو أمراً في علم الله سيأتي ليعدل الحكم الموجود .. إذن الله حين أبلغنا بالحكم الأول أعطانا فكرة .. أنَّ هذا الحكم ليس نهائياً وأن حكما جديداً سينزل .. بعد أن تتدرب النفوس على مراد الله من الحكم الأول .. ومن عظمة الله أن مشيئته اقتضت في الميراث أن يعطي الوالدين اللذين بلغا أرذل العمر فقال جل جلاله: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 180]. وهكذا جعلها في أول الأمر وصية ولم تكن ميراثاً .. لماذا؟ لأن الإنسان إن مات فهو الحلقة الموصولة بأبيه .. أما أبناؤه فحلقة أخرى .. ولما استقرت الأحكام في النفوس وأقبلت على تنفيذ ما أمر به الله .. جعل سبحانه المسألة فرضاً .. فيستوفى الحكم. ويقول جل جلاله: {أية : يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} تفسير : [النساء: 11]. وهكذا بعد أن كان نصيب الوالدين في تركة الإبن وصية .. إن شاء أوصى بها وإن شاء لم يُوصِ أصبحت فرضاً .. وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] .. أي كل شيء يدخل في إرادة الله وقدرته سبحانه .. إذا قلنا إذا جاء الله بحكم لعصر فهذا هو قمة الخير .. لأنه إذا عُدل الحكم بعد أن أدى مهمته في عصره، فإن الحكم الجديد الذي يأتي هو قمة الخير أيضاً .. لأن الله على كل شيء قدير، يواجه كل عصر بقمة الخير للموجودين فيه .. ولذلك فمن عظمة الله أنه لم يَأتِ بالحكم خبراً من عنده ولكنه أشرك فيه المخاطب .. فلم يقل سبحانه "إن الله على كل شيء قدير" .. ولكنه قال: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] .. لأنه واثق أن كل من يسمع سيقول نعم .. وهذا ما يعرف بالاستفهام الإنكاري أو التقريري.
الصابوني
تفسير : [2] النسخ في القرآن التحليل اللفظي {نَنسَخْ}: النسخُ يأتي بمعنى (الإزالة) تقول العرب: نسخت الشمسُ الظلّ أي أزالته، ومنه قوله تعالى: {أية : فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ} تفسير : [الحج: 52] أي يزيل ما يلقيه الشيطان. ويأتي بمعنى (النقل) من موضع، ومنه قولهم: نسختُ الكتاب أي نقلت ما فيه من مكان إلى مكان أي نقلته إلى كتاب آخر، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 29]. ويأتي بمعنى (التبديل) تقول: نسخَ القاضي الحكم أي بدّله وغيّره، ونسخ الشارع السورة أو الآية أي بدّلها بآية أخرى، وإليه يشير قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} تفسير : [النحل: 101]. ويأتي بمعنى (التحويل) كتناسخ المواريث من واحد إلى واحد، هذا من حيث اللغة. وأما في الشرع: فهو انتهاء الحكم المستنبط من الآية وتبديله بحكم آخر، وقد عرّفه الفقهاء والأصوليون بتعريفات كثيرة نختار منها أجمعها وأخصرها، وهو ما اختاره ابن الحاجب حيث قال رحمه الله: "النسخ: هو رفع الحكم الشرعي، بدليل شرعيّ متأخر". {نُنسِهَا}: نُنسها من النسيان الذي هو ضد الذكر أي نمحها من القلوب، فالنسيان بمعنى الذهاب من الذاكرة وهو مروي عن قتادة. وقيل: من النسيان بمعنى الترك على حدّ قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] أي تركوا أمره فتركهم في العذاب. ومنه قوله تعالى: {أية : قَالَ كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه: 126] وهو مروي عن ابن عباس. قال ابن عباس: أي نتركها فلا نبدّلها ولا ننسخها. وحكى الأزهري: نُنْسها: أي نأمرُ بتركها، يقال: أنسيتُه الشيء أي أمرتُ بتركه، ونسيتُه تركته، قال الشاعر: شعر : إنّ عليّ عُقْبَة أقضيها لستُ بناسِيْها ولا مُنْسِيها تفسير : وأما قراءة (نَنْسَأها) بالهمز، فهو من النسأ بمعنى التأخير، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلنَّسِيۤءُ زِيَادَةٌ فِي ٱلْكُفْرِ} تفسير : [التوبة: 37] ومنه سمي بيع الأجل نسيئة. وقال أهل اللغة: أنسأ الله أجله، ونسأ في أجله، أي أخرّ وزاد. قال الألوسي: "وقرئ (ننسأها) وأصلها من نسأ بمعنى أخّر، والمعنى نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها، أو نُبعدها عن الذهن بحيث لا يتذكر معناها ولا لفظها، وهو معنى (نُنْسها) فتتحّد القراءتان". {بِخَيْرٍ مِّنْهَا}: أي بأفضل منها، ومعنى فضلها: سهولتها وخفتها. والمعنى: نأت بشيء هو خير للعباد منها، أو أنفع لهم في العاجل والآجل. قال القرطبي: لفظة "خير" هنا صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية. {وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}: الوليّ معناه القريب والصديق، مأخوذ من قولهم: وليتُ أمر فلان أي قمتُ به، ومنه وليّ العهد: أي القيّم بما عهد إليه من أمر المسلمين. والنصيرُ: المعين مأخوذ من قولهم: نصره إذا أعانه. قال الإمام الفخر: وأمّا الولي والنصير فكلاهما (فعيل) بمعنى (فاعل) على وجه المبالغة. والمعنى: ليس لكم ناصر يمنعكم من العذاب. {أَمْ تُرِيدُونَ}: "أم" تأتي: متصلة، ومنقطعة، فالمتصلة هي التي تقدمها همزة استفهام كقوله تعالى: {أية : سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} تفسير : [البقرة: 6] وأما المنقطعة فهي بمعنى (بل) كقول العرب (إنها لإبل أم شاء) كأنه قال: بل هي شاء، ومنه قوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} تفسير : [السجدة: 3] أي بل يقولون. ومثله قول الأخطل: شعر : كذبتكَ عينكَ أم رأيت بواسطٍ غلسَ الظَّلام من الربَابِ خيَالاً تفسير : قال القرطبي: "هذه (أم) المنقطعة التي بمعنى بل، أي بل أتريدون ومعنى الكلام التوبيخُ". {يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ}: يقال: بدّل، وتبدّل، واستبدل أي جعل شيئاً موضع آخر، والمراد اختيار الكفر بدل الإيمان كما قال تعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [البقرة: 175]. {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ}: السواءُ من كل شيء: الوسطُ، ومنه قوله تعالى: {أية : فَرَآهُ فِي سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الصافات: 55] أي وسط الجحيم. والسبيلُ في اللغة: الطريقُ، والمراد به طريق الاستقامة. ومعنى الآية: من يختر الكفر والجحود بالله ويفضله على الإيمان، فقد حاد عن الحق، وعدل عن طريق الاستقامة، ووقع في مهاوي الردي. وجه الارتباط بالآيات السابقة بعد أن بيّن سبحانه وتعالى حقيقة الوحي، ورق على المكذّبين به والكارهين له جملةً وتفصيلاً، ذكر هنا سرَّ النسخ، وأبطل مقال الطاعنين فيه، بأنه تعالى يأمر بالشيء لما يكون فيه من المصلحة للعباد، ثمّ ينهى عنه لما يرى فيه من الخير لهم، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبّدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة والأشخاص، فينبغي تسليم الأمر لله، وعدم الاعتراض عليه، لأنه هو الحكيم العليم. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}: أي ما نبدّل من حكم آية فنغيّره، أو نترك تبديله فنقره بحاله، نأت بخير لكم منها - أيها المؤمنون - في العاجل أو الآجل إمّا برفع مشقة عنكم، أو بزيادة الأجر لكم والثواب، أو بمثلها في الفائدة للعباد، ألم تعلموا أيها الناس أن الله عليم، حكيم، قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان، وأنه - جل وعلا - شرع هذه الملة الحنيفية السمحة، ليرفع عن عباده الأغلال والآصار؟! فلا تظنّوا أنّ تبديله للأحكام لعجزٍ في القدرة، أو جهل في المصلحة، وإنما تغييرها يرجع إلى منفعة العباد، فهو المالك المتصرف في شؤون الخلق، يحكم بما شاء، ويأمر بما شاء، ويبدّل وينسخ الأحكام حسب ما يريد، وما لكم أيها الناس سوى وليّ يرعى شؤونكم، أو ناصر ينصركم، فلا تثقوا بغيره، ولا تعتمدوا إلا عليه، فهو نعم الناصر والمعين. أتريدون - أيها المؤمنون - أن تسألوا رسولكم، نظير ما سأل قوم موسى من قبل؟! فتضلّوا كما ضلّوا، ويكون مثلكم مثل اليهود الذين سألوا نبيّهم تعنتاً واستكباراً فقالوا: {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] وطلبوا منه ما لا يسوغ طلبه حيث قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138] فهل يليق بكم أن تتعنتوا مع نبيكم، وتقترحوا عليه ما تشتهون، فتصبحوا كاليهود الضالين؟! ومن يستبدل الكفر بالإيمان، والضلالة بالهدى، فقد حاد عن الجادة، وعدل عن طريق الاستقامة، وتردّى في مهاوي الهلاك، وخسر نفسه حيث عرّضها لعذاب الله الأليم. سبب النزول أ - روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمد!؟ يأمر أصحابه بأمرٍ ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً، فما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضاً فنزلت {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا...} الآية. ب - روي الفخر الرازي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقالوا يا محمد: والله لا نؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك حتى تنزّل علينا كتاباً من الله أنك رسوله فأنزل الله تعالى: {أية : أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ...} تفسير : [البقرة: 108]. ج - وروي عن مجاهد أن قريشاً سألت محمداً عليه الصلاة والسلام أن يجعل لهم الصفا ذهباً فقال: نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا فأنزل الله {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ...}. وجوه القراءات 1- قرأ الجمهور {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} بفتح النون من نسخ الثلاثي، وقرأ ابن عامر (نُنْسخ) بضم النون وكسر السين من أنسخ الرباعي. قال الطبرسي: "لا يخلو من أن يكون (أَفْعل) لغة في (فَعَل) نحو بدأ وأبدأ، وحلّ من إحرامه وأحلّ، أو تكون الهمزة للنقل نحو ضرب وأضربته، والوجه الصحيح هو الأول وهو أن يكون نسخ وأنسخ لغتين متفقتين في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ، وقول من فتح النون (نَنْسخ) أبينُ وأوضح. 2 - قرأ الجمهور (نُنْسِها) بضم النون الأولى وكسر السين من النسيان الذي هو ضد الذكر، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (نَنْسأها) بفتح النون والسين وإثبات الهمزة من النسأ وهو التأخير من قولهم: نسأتُ الإبل عن الحوض إذا أخرتها، ومنه قولهم: أنسأ الله أجلك. وجوه الأعراب 1 - قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا}. قال ابن قتيبة: أراد أو (نُنْسكها) من النسيان. (ما) شرطية جازمة و (ننسخ) مجزوم لأنه فعل الشرط، و(مِنْ) صلة تأدباً، و(آية) مفعول لـ (ننسخ) والمعنى: ما ننسخ آيةً قال ابن مالك: شعر : وزيدَ في نفي وشبهِهِ فجَرّ نكرةً كما لباغٍ من مفر تفسير : و (نُنسها) معطوف على (ننسخ) والمعطوف على المجزوم مجزوم، و (نأت) جواب الشرط حذف منه حرف العلة، و(بخيرٍ) جار ومجرور متعلق بنأت. قال العكبري: ومن قرأ بضم النون (نُنْسها) حمله على معنى نأمرك بتركها وفيه مفعول محذوف والتقدير: نُنْسكها. 2 - قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. الهمزة للتقرير كما في قوله سبحانه: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1] والخطابُ للنبي عليه الصلاة والسلام، وقوله تعالى: {أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} سادّ مسدّ مفعولي (تعلم) عند الجمهور، ومحل المفعول الأول عند الأخفش، والمفعول الثاني محذوف. 3 - قوله تعالى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} أم منقطعة للإضراب ومعناها (بل) والتقدير: بل أتريدون، {كَمَا سُئِلَ} الكاف في موضع نصب صفة لمصدر محذوف أي سؤالاً كسؤال، و(ما) مصدرية. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: ذكر الله تعالى النسخ في القرآن، وبيّن حكمته، وهو الإتيان بما هو خير للعباد، والخيرية تحتمل وجهين: الأول: ما هو أخف على البشر من الأحكام. الثاني: ما هو أصلح للناس من أمور الدنيا والدين. قال القرطبي: والثاني أولى لأنه سبحانه يصرّف المكلّف على مصالحه، لا على ما هو أخف على طباعه، فقد ينسخ الحكم إلى ما هو أشد وأثقل، كنسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وذلك لخير العباد، لأنه يكون أكثر ثواباً، وأعظم جزاءً، فتبيّن أنّ المراد بالخيرية ما هو أصلح للعبد. اللطيفة الثانية: أنكر بعض العلماء أن تحمل الآية (أو نُنْسها) على النسيان ضد الذكر، لأنّ لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم حيث تكفّل الله جلت قدرته بأن يقرئه فلا ينسى {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6]، فهذه الآية تعارض التفسير السابق الذي ذهب إليه المفسّرون. والجواب كما قال ابن عطية: أن هذا النسيان من النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله أن ينساه جائز شرعاً وعقلاً، وأمّا النسيان الذي هو آفة البشر فالنبي معصوم منه قبل التبليغ وبعده حتى يحفظه بعض الصحابة، ومن هذا ما روي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط آية في الصلاة، فلما فرغ منها قال: أفي القوم أُبيّ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فلِمَ لم تذكرني؟ قال: خشيت أن تكون قد رفعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترفع ولكني نسيتها . تفسير : اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} المراد بالخيرية هنا الأفضلية يعني في (السهولة والخفة) وليس المراد الأفضلية في (التلاوة والنظم) لأن كلام الله تعالى لا يتفاضل بعضه عن بعض، إذ كلّه معجز وهو كلام ربّ العالمين. قال القرطبي: "لفظة (خير) هنا صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كان مستوية، وليس المراد بـ (أخير) التفضيل، لأن كلام الله لا يتفاضل وإنما هو مثل قوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا} تفسير : [النمل: 89] أي فله منها خير أي نفع وأجر". وقال أبو بكر الجصاص: "(بخيرٍ منها) في التسهيل والتيسير كما روي عن ابن عباسٍ وقتادة، ولم يقل أحد من العلماء خير منها في التلاوة، إذ غير جائز أن يقال: إنّ بعض القرآن خير من بعض في معنى التلاوة والنظم، إذ جميعه معجز كلام الله". اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؟ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته بدليل قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أو المراد هو وأمته وإنمّا أفرد عليه السلام لكونه إمامهم، وقدوتهم، كقوله تعالى: {أية : يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} تفسير : [الطلاق: 1] فتخاطب الأمة في شخص نبيّها الكريم باعتباره الإمام والقائد. ووضعُ الاسم الجليل موضع الضمير (أنّ الله) و(من دون الله) لتربية الروعة والمهابة في نفوس المؤمنين، والإشعار بأن شمول القدرة من مظاهر الألوهية والعظمة الربانية، وكذا الحال في قوله جل وعلا {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}. قال العلامة أبو السعود: والمعنى: ألم تعلم أن الله له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي فيهما إيجاداً وإعداماً، وأمراً ونهياً، حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقّب لحكمه. اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} معنى {دُونِ ٱللَّهِ} أي سوى الله كما قال أمية بن أبي الصلت: شعر : يا نفسُ مالكِ دونَ اللهِ من واق وما على حدثان الدهر من باق تفسير : قال في "الفتوحات الإلٰهية": "وقوله: {مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أتى بصيغة فعيل في {وَلِيٍّ} و{نَصِيرٍ} لأنها أبلغ من فاعل والفرقُ بين الولي والنصير، أن الوليّ قد يضعف عن النّصرة، والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور، فبينهما عموم وخصوص من وجه". اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} السّواء: هو الوسط من كل شيء، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الطريق المستوي يعني المعتدل، ومعنى (ضل) أي أخطأ، وفي هذا التعبير نهاية التبكيت والتشنيع لمن ظهر له الحق فعدل عنه إلى الباطل، وأنه كمن كان على وضح الطريق فتاه فيه. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل النسخ جائز في الشرائع السماوية؟ قال الإمام الفخر: النسخ عندنا جائز عقلاً، واقع سمعاً، خلافاً لليهود، فإنّ منهم من أنكره عقلاً ومنهم من جوّزه عقلاً، لكنْ منع منه سمعاً، ويروى عن بعض المسلمين إنكار النسخ. واحتج الجمهور: من المسلمين على جواز النسخ ووقوعه، أنّ الدلائل دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّتُه لا تصح إلا مع القول بنسخ شرع من قبله، فوجب القطع بالنسخ. وأما الوقوع فقد حصل النسخ في الشرائع السابقة، وفي نفس شريعة اليهود، فإنه جاء في التوراة أن آدم عليه السلام أمر بتزويج بناته من بنيه، وقد حرم ذلك باتفاق. قال الجصاص في تفسيره "أحكام القرآن": (زعم بعض المتأخرين من غير أهل الفقة، أنه لا نسخ في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما ذكر فيها من النسخ فإنما المراد به نسخ شرائع الأنبياء المتقدمين، كالسبت، والصلاة إلى المشرق والمغرب، قال لأن نبينا عليه السلام آخر الأنبياء، وشريعته باقية البتة إلى أن تقوم الساعة، وقد بعد هذا القائل من التوفيق بإظهار هذه المقالة، إذ لم يسبقه إليها أحد، بل قد عقلت الأمة سلفُها وخلفها من دين الله وشريعته نسخ كثير من شرائعه، ونقل ذلك إلينا نقلاً لا يرتابون به، ولا يجيزون فيه التأويل، وقد ارتكب هذا الرجل في الآي المنسوخة والناسخة وفي أحكامها أموراً خرج بها عن أقاويل الأمة، مع تعسف المعاني واستكراهها، وأكثر ظني فيه أنه إنما أُتي به من قلة علمه بنقل الناقلين لذلك، واستعمال رأيه من غير معرفة منه بما قد قال السلف فيه، ونقلته الأمة...). دليل أبي مسلم: أ - احتجّ أبو مسلم بأنّ الله تعالى وصف كتابه العزيز بأنه {أية : لاَّ يَأْتِيهِ ٱلْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ} تفسير : [فصلت: 42] فلو جاز النسخ لكان قد أتاه الباطل. ب - كما تأول الآية الكريمة {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} على أن المراد بها نسخ الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل، أو المراد بالنسخ النقلُ من اللوح المحفوظ وتحويله إلى سائر الكتب. جـ - وقال: إن الآية السابقة لا تدل على وقوع النسخ بل على أنه لو وقع النسخ لوقع إلى خيرٍ منه. والجواب عن الأول: أن المراد أن هذا الكتاب لا يدخل إليه التحريف والتبديل، ولا يكون فيه تناقض أو اختلاف {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً}تفسير : [النساء: 82]. وأما الثاني والثالث: فإنه تأويل ضعيف لا تقوم به حجة، ويناقض الواقع فقد نسخت كثيراً من الأحكام الشرعية بالفعل كنسخ القبلة، ونسخ عدة المتوفى عنها زوجها إلى آخر ما هنالك مما سنبينه إن شاء الله من التفضيل. أدلة الجمهور: واستدل الجمهور على وقوع النسخ بحجج كثيرة نوجزها فيما يلي: الحجة الأولى: قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا...} فهذه الآية صريحة في وقوع النسخ. الحجة الثانية: قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ...} تفسير : [النحل: 101] قالوا: إن هذه الآية واضحة كل الوضوح في تبديل الآيات والأحكام، والتبديلُ يشتمل على رفعٍ وإثبات، والمرفوع إمّا التلاوة، وإمّا الحكم، وكيفما كان فإنه رفع ونسخ. الحجة الثالثة: قوله تعالى: {أية : سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا...} تفسير : [البقرة: 142] ثم قال تعالى: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 144] فقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، ثمّ نسخ ذلك وأُمروا بالتوجه إلى المسجد الحرام. الحجة الرابعة: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولاً كاملاً في قوله جلّ ذكره {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ...} تفسير : [البقرة: 240] ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً} تفسير : [البقرة: 234]. الحجة الخامسة: أنه تعالى أمر بثبات الواحد للعشرة في قوله تعالى: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} تفسير : [الأنفال: 65] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} تفسير : [الأنفال: 66] فهذه الآيات وأمثالها في القرآن كثير تدل على وقوع النسخ فلا مجال للإنكار بحالٍ من الأحوال، ولهذا أجمع العلماء على القول بالنسخ، حتى روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال لرجلٍ: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هلكتَ وأهلكت الناس. قال العلامة القرطبي: (معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا تستغني عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء، لما يترتب عليه في النوازل من الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام، وقد أنكرت طوائف من المنتمين للإسلام المتأخرين جوازه، وهم محجوجون بإجماع السلف السابق على وقوعه في الشريعة). ثم قال: "لا خلاف بين العقلاء أن شرائع الأنبياء، قُصد بها مصالح الخلق الدينية والدنيوية، وإنما كان يلزم البداء لو لم يكن عالماً بمآل الأمور، وأمّا العالم بذلك فإنما تتبدل خطاباته بحسب تبدل المصالح، كالطبيب المراعي أحوال العليل، فراعى ذلك في خليقته بمشيئته وإرادته، لا إلٰه إلا هو، فخطابه يتبدل، وعلمه وإرادته لا تتغيّر، فإنّ ذلك محال في جهة الله تعالى". الحكم الثاني: ما هي أقسام النسخ في القرآن الكريم؟ ينقسم النسخ إلى ثلاثة أقسام: الأول: نسخ التلاوة والحكم معاً. الثاني: نسخ التلاوة مع بقاء الحكم. الثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة. أما الأول: وهو (نسخ التلاوة والحكم) فلا تجوز قراءته، ولا العمل به، لأنه قد نسخ بالكلية فهو كآية التحريم بعشر رضعات.. روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان فيما نزل من القرآن "عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يحرّمن" فنسخن بخمس رضعات معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مما يقرأ من القرآن). قال الفخر الرازي: فالجزء الأول منسوخ الحكم والتلاوة، والجزء الثاني، وهو الخمس منسوخ التلاوة باقي الحكم عند الشافعية. وأما الثاني: (نسخ التلاوة وبقاء الحكم) فهو كما قال الزركشي في "البرهان": يُعمل به إذا تلقته الأمة بالقبول، كما روي أنه كان في سورة النور (الشيخُ والشيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالاً من الله والله عزيز حكيم). ولهذا قال عمر: (لولا أن يقال الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتُها بيدي). وأخرج ابن حيان: في "صحيحه" عن (أُبيّ بن كعب) رضي الله عنه أنه قال: "كانت سورة الأحزاب توازي سورة النور - أي في الطول - ثمّ نسخت آيات منها". وهذان النوعان: (نسخ الحكم والتلاوة) و(نسخ التلاوة مع بقاء الحكم) قليل في القرآن الكريم، ونادر أن يوجد فيه مثل هذا النوع، لأن الله سبحانه أنزل كتابه المجيد ليتعبّد الناس بتلاوته، وبتطبيق أحكامه. وأما الثالث: (نسخ الحكم وبقاء التلاوة) فهو كثير في القرآن الكريم، وهو كما قال (الزركشي) في ثلاث وستين سورة.. ومن أمثلة هذا النوع آية الوصية، وآية العدة، وتقديم الصدقة عند مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والكف عن قتال المشركين.. الخ. وقد ألّف الشيخ هبة الله بن سلامة "رسالة في الناسخ والمنسوخ" جاء فيها ما نصه: "اعلم أن أول النسخ في الشريعة أمرُ الصلاة، ثم أمرُ القبلة، ثم الصيام الأول، ثم الإعراض عن المشركين، ثم الأمر بجهادهم، ثم أمره بقتل المشركين، ثم أمره بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، ثم ما كان أهل العقود عليه من المواريث، ثم هدر منار الجاهلية لئلا يخالطوا المسلمين في حجّهم" الخ. فائدة هامة: ما الحكمة من نسخ الحكم وبقاء التلاوة؟ قال العلامة الزركشي: "وهنا سؤال وهو أن يسأل: ما الحكمة في رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه، والعمل به، فإنه كذلك يُتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه فتركت التلاوة لهذه الحكمة. وثانيها: أن النسخ غالباً يكون للتخفيف فأبقيت التلاوة تذكيراً بالنعمة، ورفع المشقة حتى يتذكر المسلم نعمة الله عليه. الحكم الثالث: هل ينسخ القرآن بالسنّة؟ اتفق العلماء على أنّ القرآن ينسخ بالقرآن، وأن السنة تنسخ بالسنة، والخبر المتواتر ينسخ بمثله، ولكن اختلفوا: هل ينسخ القرآن بغير القرآن، والخبر المتواتر بغير المتواتر؟ فذهب الشافعي: إلى أن الناسخ للقرآن لا بدّ أن يكون قرآناً مثله، فلا يجوز نسخ القرآن بالسنة عنده. وذهب الجمهور: إلى جواز نسخ القرآن بالقرآن، وبالسنّة المطهرّة أيضاً، لأن الكل حكم الله تعالى ومن عنده. دليل الشافعي: استدل الإمام الشافعي على منع نسخ القرآن بالسنة بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} ووجه الاستدلال عنده من وجوه: الأول: أنه قال: {نَأْتِ} وأسند الإتيان إلى نفسه، وهو لا يكون إلا إذا كان الناسخ قرآناً. الثاني: أنه قال: {بِخَيْرٍ مِّنْهَا} ولا يكون الناسخ خيراً إلاّ إذا كان قرآناً لأن السنة لا تكون خيراً من القرآن. الثالث: أنه قال في الآية: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؟ فقد دلت على أن الآتي بذلك الخير، هو المختص بالقدرة على جميع الخيرات، وذلك هو الله ربّ العالمين. الرابع: قوله تعالى: {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} تفسير : [النحل: 101] حيث أسند التبديل إلى نفسه، وجعله في الآيات وهذا أقوى أدلته. أدلة الجمهور: احتج الجمهور على جواز نسخ الكتاب بالسنة بعدة أدلة نوجزها فيما يلي: أ - نسخ آية الوصية وهي قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ} تفسير : [البقرة: 180] فقد نسخت هذه الآية بالحديث المستفيض وهو قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ألا لا وصية لوارث" تفسير : ولا ناسخ إلا السنّة. ب - نسخُ الجلد عن الثيب المحصن في قوله تعالى: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} تفسير : [النور: 2] ولا مسقط لذلك إلا فعلُه صلى الله عليه وسلم حيث أمر بالرجم فقط. جـ - وقالوا إنْ ما ورد في الكتاب أو السنة، كلّه حكم الله تعالى ومن عنده وإن اختلفت الأسماء، لأن الله تعالى يقول: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4]. د - وأجابوا عمّا استدل به الشافعي رحمه الله بأنه استدلال غير واضح. لأن الخيريّة إنما تكون بين الأحكام، فيكون الحكم الناسخ خيراً من الحكم المنسوخ، بحسب ما علم الله من اشتماله على مصالح العباد بحسب أوقاتها وملابساتها، ولا معنى لأن يكون لفظ الآية خيراً من لفظ آية أخرى، وإذا كان الأمر كذلك، فالمدارُ على أن يكون الحكم الناسخ خيراً من المنسوخ، أيّاً كان الناسخ قرآناً، أو سنة، لأنّ الكل تشريع الحكيم العليم. الترجيح: ومن هنا يترجح رأي الجمهور، لأن الخيرية والأفضلية إنما هي بحسب اختلاف الأحكام شدة وتيسيراً وتمام الأبحاث مستوفى في علم الأصول. الحكم الرابع: هل يجوز النسخ إلى ما هو أشقّ وأثقل؟ قال الإمام الفخر: قال قوم لا يجوز نسخ الشيء إلى ما هو أثقلُ منه، واحتجوا بأن قوله تعالى: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ينافي كونه أثقل، لأنّ الأثقل لا يكون خيراً منه، ولا مثله. والجواب: لمَ لا يجوز أن يكون المراد بالخير ما يكون أكثر ثواباً في الآخرة؟. ثم إنَّ الذي يدل على وقوعه أن الله سبحانه نسخ في حق الزناة الحبس في البيوت، إلى (الجلد والرجم) ونسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، وكانت الصلاة ركعتين فنسخت بأربع في الحضر. إذا عرفت هذا فنقول: أما نسخ الشيء إلى الأثقل فقد وقع في الأمثلة المذكورة، وأما نسخه إلى الأخف فكنسخ العدة من حول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها، وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة. الحكم الخامس: هل يقع النسخ في الأخبار؟ جمهور العلماء على أن النسخ مختصّ بالأوامر والنواهي، والخبرُ لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى. وقيل: إن الخبر إذا تضمن حكماً شرعياً جاز نسخه كقوله تعالى: {أية : وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً} تفسير : [النحل: 67]. قال ابن جرير الطبري: "يعني جل ثناؤه بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} أي ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدّله ونغيّره، وذلك أن يُحوّل الحلال حراماً، والحرام حلالاً، والمباح محظوراً، والمحظور مباحاً.. ولا يكون ذلك إلاّ في الأمر والنهي، والحضر والإطلاق، والمنع والإباحة، فأمّا الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ". وقال القرطبي: والنسخ كله إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأما بعد موته واستقرار الشريعة فأجمعت الأمة أنه لا نسخ، ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا يُنْسخ به إذ انعقاده بعد انقطاع الوحي، فتأمل هذا فإنه نفيس. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - نسخ الأحكام جائز بالإجماع كما دلّ على ذلك الكتاب والسنة. 2 - راعت الشريعة الغرَّاء مصالح العباد، ولذا وقع النسخ في بعض الأحكام. 3 - النسخ لا يكون في الأخبار والقصص، إنما يكون في الأحكام التي فيها حلال وحرام. 4 - الأحكام مرجعها إلى الله تعالى، الذي يشرع لعباده ما فيه خيرهم وسعادتهم. 5 - الله جل جلاله مالك الملك فيجب الاستسلام لحكمه وأمره مع الاطمئنان. 6 - ليس من شأن المسلم أن يسأل نبيّه سؤال تعنت كما فعل اليهود مع أنبيائهم. 7 - الانحراف عن طريق الاستقامة، وسلوك سبيل الضالين سبب الشقاوة. خاتمة البحث: حكمة التشريع جاءت الشريعة الإسلامية الغراء محققة لمصالح الناس، متمشية مع تطور الزمن، صالحة لكل زمان ومكان.. وكان من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده أن سنّ لهم "سنة التدرج" في الأحكام، لتبقى النفوس على أتم الاستعداد لتقبّل تلك التكاليف الشرعية، فلا تشعر بملل أو ضجر، ولا تحسّ بمشقة أو شدة.. ولتظلّ الشريعة الغراء - كما أرادها الله - شريعةً سمحة، سهلة لا عسر فيها ولا تعقيد، ولا شطط فيها ولا إرهاق. ومن المعلوم: أن الأحكام ما شرعت إلا لمصلحة الناس، وهذه المصلحة تختلف باختلاف الزمان والمكان، فإذا شُرع حكمٌ في وقت من الأوقات كانت الحاجة ملحّة إليه، ثم زالت تلك الحاجة، فمن الحكمة نسخه وتبديله بحكم يوافق الوقت الآخر، فيكون هذا التبديل والتغيير أقرب للمصلحة، وأنفع للعباد.. وما مثل ذلك إلا كمثل الطبيب الذي يغيّر الأغذية والأدوية للمريض، باختلاف الأمزجة، والقابلية، والاستعداد. والأنبياء صلوات الله عليهم هم (أطباء القلوب) ومصلحو النفوس، لذلك جاءت شرائعهم مختلفة، تبعاً لاختلاف الأزمنة والأمكنة، وجاءت بسنة "التدرج" في الأحكام، لأنها بمثابة الأدوية والعقاقير للأبدان، فما يكون منها في وقت مصلحة، قد يكون في وقت آخر مفسدة، وما يصلح لأمة لا يصلح لأخرى، ذلك حكم العليم الحكيم. جاء في تفسير "محاسن التأويل" ما نصه: "إن الخالق تبارك وتعالى ربّى الأمة العربية، في ثلاث وعشرين سنة تربيةً تدريجية، لا تتم لغيرها - بواسطة الفواعل الاجتماعية - إلاّ في قرون عديدة.. لذلك كانت عليها الأحكام على حسب قابليتها، ومتى ارتقت قابليتها بدّل الله لها ذلك الحكم بغيره، وهذه سنة الخالق في الأفراد، والأمم، على حد سواء. فإنك لو نظرتَ: في الكائنات الحية، لرأيت أن النسخ ناموسٌ طبيعي محسوس، في الأمور المادية والأدبية معاً، فإن انتقال الخلية الإنسانية إلى جنين، ثم إلى طفل، فيافع، فشاب، فكهل، فشيخ، وما يتبع كل دورٍ من هذه الأدوار يريك بأجلى دليل، أن التبدل في الكائنات ناموس طبيعي محقق. وإذا كان هذا النسخ: ليس بمستنكر في الكائنات، فكيف يُستنكر نسخُ حكم وإبداله بحكم آخر في الأمة، وهي في حالة نمو وتدرّج من أدنى إلى أرقى؟ هل يرى إنسان له مُسْكةٌ من عقل، أنّ من الحكمة تكليف العرب - وهم في مبدأ أمرهم - بما يلزم أن يتصفوا به وهم في نهاية الرقي الإنساني، وغاية الكمال البشري؟! وإذا كان هذا لا يقول به عاقل في الوجود، فكيف يجوز على الله - وهو أحكم الحاكمين - بأن يكلّف الأمة وهي في دور (طفوليتها) بما لا تتحمله إلا في دور (شبوبيتها) وكهولتها..؟ وأيّ الأمرين أفضل: أشرعُنا الذي سنّ الله لنا حدوده بنفسه، ونسخ منه ما أراد بعلمه، وأتمّه بحيث لا يستطيع الإنسُ والجن أن يُنقصوا حرفاً منه، لانطباقه على كل زمان ومكان، وعدم مجافاته لآية حالةٍ من حالات الإنسان؟ أم شرائع دينية أخرى، حرّفها كهّانها، ونسخ الوجود أحكامها - بحيث يستحيل العمل بها - لمنافاتها لمقتضيات الحياة البشرية من كل وجه..؟!"
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر تعالى عن كمال فضله في حق عباده بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106]، الآيتين والإشارة فيهما أن تبدل أحوال أهل العناية في أثناء السلوك ومقام الوصول لترقيهم من مقام إلى فوقه وتقلبهم من حال إلى حال أعلى منه، فتحن باطنهم أبداً خبره، ويختم وصلهم أبداً ظاهره، فلا ننسخ من آثار عبادتهم شيئاً إلا بدلنا منها شيئاً من أقمار الربوبية قائداً أسرارهم في الترقي وأقدارهم في الزيادة بحسن القبول، بل ترقيهم عن محل العبودية إلا أقمناهم يشاهدون من شواهد الألوهية، وفيه إشارة إخرى وهي: أن أرباب السلوك عند الترقي من مقام إلى مقام ربما يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في صورة لطيفة كستهما للتحلية بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون تلك المشاهدة فيه فيظن لك العزيز أنه حجب عن ذلك المقام والحال فأشار بقوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] من آيات المقام {أَوْ نُنسِهَا} بأن نمحوها من إدراك خيالك إلا {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} من تلك المشاهدة {أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 106] أي: قادر على أمثال هذا {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 107]، يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ألم تعلم؛ إذ شاهدت ليلة المعراج بعين اليقين وكوشفت بحق اليقين أنه سبحانه كيف يجذب أوليائه عن شهود ملكه إلى رؤية ملكه، ثم يأخذ من مطالعة ملكه لشهود فيأخذهم من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عين الذات ثم يمحوهم عن العيان وسيمتهم {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ} [البقرة: 107]، يتوله لكم أمثال هذا {وَلاَ نَصِيرٍ} [البقرة: 107]، ينصركم على هذا. ثم أخبر عن مكائدة المشركين واليهود وافترائهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [البقرة: 108]، والإشارة فيها أن طبيعة الإنسان تنافي اللطف الرباني حتى لو وكل الأولون والآخرون إلى أنفسهم لا يؤمن منهم أحد أبد؛ لأن الإيمان نور {أية : يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [النور: 35] وكان قوم موسى عليه السلام في الأولين يؤذون موسى عليه السلام بكثرة السؤال مع ظهور الآيات ورؤية المعجزات، وكان قوم محمد صلى الله عليه وسلم في الآخر يؤذونه مع نزول الآيات الواضحات بسؤالات المجادلات، إلا أن الله تعالى خاطب مستعدي الإيمان في الأزل بخطاب {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ}تفسير : [الأحزاب: 69]، كما خاطب النار: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69]، فكانت كما أمرت فكذلك آمنوا، وما كانوا يؤذون رسوله بالسؤال وغيره فأما مستعدي الكفر، فما أدركهم الخطاب والا لسان الكتاب وبدلوا الكفر بالإيمان وضلوا عن سواء صراط الله تعالى، وتاهوا في بيداء طبيعة الإنسان بقدم تمتعات الحيوان، فلم يقدروا على الرجوع بقدم العبودية إلى عالم الربوبية. ثم أخبر تعالى عن حسد اليهود والحسد لا يسود بقوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} [البقرة: 109]، والإشارة فيهما أن من أدركه الخذلان ولحقه الخسران، وإن يرد أهل الإيرادات عن طريق إمكان ويقطع عليهم سبيل التهمة ويوردهم مورد السلامة، وهذا من نتائج الحسد كما كان لإبليس فلما طرد عن الباب سعى في إخراج آدم من الجنة وأزله وأضله عن طريق الصواب، فمن أفل له كوكب عنايته كيف يرضى لأحد بطلوع شمس الهداية؟ ولكن الله ولي كفاية لأهل الولاية وكذلك حال المريد في البداية لو شمر عن ساق الطلب سيف العناية مما أن لم يساعده التوفيق في سلوك هذا الطريق عيانوا سر التعيين بالظواهر من أهل علم القال المحرومين من أنواع علوم الحال يمنعون هؤلاء من السلوك بتمويهات الشكوك، فلا يزالون يخاطبونهم بلسان النصح والتخويف والفجر والتهديد بالفقر حتى يقلبوهم إلى سبيل الطغيان يقوم الكفران من بعد ما تبين لهم حقيقة الدين يكاشفه نور اليقين، فطريق أهل الحقيقة أن يعفوا عنهم لأنهم معذورون إذا لم يذوقوا حلاوة ما أذاقهم الله تعالى، وتصفحوا عن مساوئ أخلاقهم وعلى قلوبهم ومعاريض كلامهم، فإنهم معذورون إذ لم يهتدوا بأنوار ما هداهم الله حتى يأتي الله بأمره فيهم من الهدى والرد، إن الله قادر على كل أمر من قبل المريد إلى الثبات على قدم الصدق بالعبودية مع الحق واستعمال الخلق وبذل المجهود في طلب المقصود، فإن من يبذل جهده فعن قريب يفتح الله عليه طريقه. كما أخبر تعالى بقوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} [البقرة: 110]، والإشارة فيها أن كل من كان مشاراً إليه في علم الله تعالى عند الخطاب {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} في الأزل أقام الصلاة وأتى الزكاة الآن {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ} [البقرة: 110]، كل طاعة بدنية وقلبية ومالية {عِندَ ٱللَّهِ} [البقرة: 110]، في أم الكتاب مبرماً أزلياً ليقضي الله أمراً كان مفعولاً يدل على هذا المعنى قوله تعالى: {أية : كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً}تفسير : [الإسراء: 58]، وفيه معنى آخر تجدوه عند الله أي: تجدوا تلك الطاعات والخيرات موجبة لكم القربات في مراتب العندية في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وفيه معنى آخر {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم} أي: تقربتم به إلى الله تجدوه عند الله بتقربه إليك كما قال: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقريب إليه ذراعاً"،تفسير : فالواجب على المريد إقامة المواصلات وإدامة التوسل بفنون القربات واتقاء بأن ما يقدمه من جياد المجاهدات يرى ثمرته في آخر الحالات، فإن المجاهدات تورث المشاهدات. ثم أخبر تعالى عن دعاوي باطلة لليهود وبقوله تعالى: {وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} [البقرة: 111]، الآيتين الإشارة فيهما أن كل ممكور مغرور يظن النجاة نفسه، ونيل الدرجات سهمه، وهو مُصر على حسابه أن ليس أحد في نصابه {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} [البقرة: 111]، الكاذبة وشهواتهم الغالبة {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ} [البقرة: 111]، من الأعمال الظاهرة والأحوال الباطلة {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111]، في دعواكم بإتيان البرهان من إظهار معناكم، فإن مجرد الإحسان دون تحقيق البرهان لا يأتي بحاصل ولا يجود بطائل، ثم بين برهان أهل الحق ودعوى الصدق بقوله: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} يعني: أهل الحق من يكون توجهه بالكلية إلى الله خالصاً لله لا لطمع الجنة ولا لخوف النار لقوله تعالى: ولكل وجهة هو موليها ما {وَهُوَ مُحْسِنٌ}، في توجهه بمزاولة الحسنات القالبية والقلبية ويكون نظره في جميع الحالات يرى في تعبده التوفيق من الله تعالى وذهابه إليه وفي الهداية إليه والهدايات منه، فإن "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه"تفسير : وقال الخليل عليه السلام: {أية : وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ}تفسير : [الصافات: 99]، {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ} [البقرة: 112]، فله الوصول إلى مقام عندية الرب {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 112]، على مخلصي الحق في توجههم إلى الله تعالى من قطاع الطريق كقوله: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ}تفسير : [الحجر: 40]، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112]، على ما فاتهم في طلب عند وجدان الحق.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : النسخ: هو النقل، فحقيقة النسخ نقل المكلفين من حكم مشروع، إلى حكم آخر، أو إلى إسقاطه، وكان اليهود ينكرون النسخ، ويزعمون أنه لا يجوز، وهو مذكور عندهم في التوراة، فإنكارهم له كفر وهوى محض. فأخبر الله تعالى عن حكمته في النسخ، وأنه ما ينسخ من آية { أَوْ نُنْسِهَا } أي: ننسها العباد، فنزيلها من قلوبهم، { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا } وأنفع لكم { أَوْ مِثْلِهَا } . فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول؛ لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة، التي سهل عليها دينها غاية التسهيل. وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } . فإذا كان مالكا لكم، متصرفا فيكم، تصرف المالك البر الرحيم في أقداره وأوامره ونواهيه، فكما أنه لا حجر عليه في تقدير ما يقدره على عباده من أنواع التقادير، كذلك لا يعترض عليه فيما يشرعه لعباده من الأحكام. فالعبد مدبر مسخر تحت أوامر ربه الدينية والقدرية، فما له والاعتراض؟ وهو أيضا، ولي عباده، ونصيرهم، فيتولاهم في تحصيل منافعهم، وينصرهم في دفع مضارهم، فمن ولايته لهم، أن يشرع لهم من الأحكام، ما تقتضيه حكمته ورحمته بهم. ومن تأمل ما وقع في القرآن والسنة من النسخ، عرف بذلك حكمة الله ورحمته عباده، وإيصالهم إلى مصالحهم، من حيث لا يشعرون بلطفه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [106] 15- أنا عمرو بن علي، نا يحيى، نا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قال عُمر: أقرؤُنا أُبَي، وأقضانا علي، وإنا لندع/ من قول أُبَي، وذلك أنه يقول: لا تدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله عز وجل: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. 16- أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا النضر، أنا شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: قلت لسعد بن مالك إن سعيد بن المسيِّب يقرأ ما ننسخ من آية أو نُنسها قال: إن القرآن لم يقرأه الله على المسيِّب [ولا على ابنه] وإنه إنما ننسخ من آية أو ننساها يا محمد قال: {وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}.
همام الصنعاني
تفسير : 104- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معْمر، عن قتادة والكلبي في قوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا}: [الآية: 106]، قال: كان الله يُنسي نبيه ما شاء وينسخ ما شاء. 105- عبد الرزّاق، قال: معمر، وقالَ قتادة، وأما قوله: { نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}: [الآية: 106]، فيقول: أية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي. 106- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا هشيم، قال: أخبرني يَعْلى بن عطاء قال: حدثني القاسم بن ربيعة بن قايف الثقفي، قال: سمعت سعد بن أبي وقّاص يقول: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ [نُنسِهَا]}، قال: فقلت: إن سعيد بن المسيّب يقرؤها: (أو تُنسها)، قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على ابن المسيّب، ولا على آل المسيّب! قال الله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : : [الأعلى: 6]، وقال: {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ}تفسير : : [الكهف: 23].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):