Verse. 112 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

مَا يَوَدُّ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا مِنْ اَھْلِ الْكِتٰبِ وَلَا الْمُشْرِكِيْنَ اَنْ يُّنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ۝۰ۭ وَاللہُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِہٖ مَنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ وَاللہُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيْمِ۝۱۰۵
Ma yawaddu allatheena kafaroo min ahli alkitabi wala almushrikeena an yunazzala AAalaykum min khayrin min rabbikum waAllahu yakhtassu birahmatihi man yashao waAllahu thoo alfadli alAAatheemi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين» من العرب عطف على أهل الكتاب ومن للبيان «أن يُنَزَّلَ عليكم من» زائدة «خير» وحي «من ربكم» حسداً لكم «والله يختص برحمته» نبوته «من يشاء والله ذو الفضل العظيم»

105

Tafseer

الرازي

تفسير : واعلم أنه تعالى لما بين حال اليهود والكفار في العداوة والمعاندة حذر المؤمنين منهم فقال: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } فنفى عن قلوبهم الود والمحبة لكل ما يظهر به فضل المؤمنين وههنا مسألتان: المسألة الأولى: "من" الأولى للبيان لأن الذين كفروا جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة: 1] والثانية: مزيدة لاستغراق الخير، والثالثة: لابتداء الغاية. المسألة الثانية: الخير الوحي وكذلك الرحمة، يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } تفسير : [الزخرف: 32] المعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحي إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي. ثم بين سبحانه أن ذلك الحسد لا يؤثر في زوال ذلك، فإنه سبحانه يختص برحمته وإحسانه من يشاء.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَوَدُّ} أي ما يتمّنى، وقد تقدّم. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} معطوف على «أهل». ويجوز: ولا المشركون، تعطفه على الذين؛ قاله النحاس. {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ} «من» زائدة، «خير» ٱسم ما لم يُسمّ فاعله. و «أن» في موضع نصب؛ أي بأن ينزل. {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} أي بنبوّته، خص بها محمداً صلى الله عليه وسلم. وقال قوم: الرحمة القرآن وقيل: الرحمة في هذه الآية عامّة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً؛ يقال: رَحِم يَرْحَم إذا رَقّ. وَالرُّحْمُ والمَرْحَمَة والرَّحمة بمعنىً؛ قاله ٱبن فارس. ورحمة الله لعباده: إنعامه عليهم وعفوه لهم. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} «ذو» بمعنى صاحب.

البيضاوي

تفسير : {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} نزلت تكذيباً لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير. والود: محبة الشيء مع تمنيه، ولذلك يستعمل في كل منهما، ومن للتبيين كما في قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة: 1] {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ} مفعول يود، ومن الأولى مزيدة للاستغراق، والثانية للابتداء، وفسر الخير بالوحي. والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة، ولعل المراد به ما يعم ذلك {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } يستنبئه ويعلمه الحكمة وينصره لا يجب عليه شيء، وليس لأحد عليه حق {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} إشعار بأن النبوة من الفضل، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله، بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ } من العرب عطف على (أهل الكتاب)، (ومن) للبيان، {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ } زائدة {خَيْرٍ} وحي {مِّن رَّبّكُمْ } حسداً لكم {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ } نبوّته {مَن يَشَاءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }.

ابن عطية

تفسير : التقدير ولا من المشركين، وعم الذين كفروا ثم بيّن أجناسهم من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان ليبين في الألف واللام في {الذين} أنها ليست للعهد يراد بها معين، ومعنى الآية أن ما أمرناكم به من أن تعظموا نبيكم خير من الله منحكم إياه، وذلك لا يودّه الكفار. ثم يتناول اللفظ كل خير غير هذا، و {أن} مع الفعل بتأويل المصدر، و {من} زائدة في قول بعضهم، ولما كان ود نزول الخير منتفياً، قام ذلك مقام الجحد الذي يلزم أن يتقدم {من} الزائدة على قول سيبويه والخليل، وأما الأخفش فيجيز زيادتها في الواجب، وقال قوم: {من} للتبعيض؛ لأنهم يريدون أن لا ينزل على المؤمنين من الخير قليل ولا كثير، ولو زال معنى التبعيض لساغ لقائل أن يقول: نريد أن لا ينزل خير كامل ولا نكره أن ينزل بعض، فإذا نفي ود نزول البعض فذلك أحرى في نزول خير كامل، والرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً، وقال قوم: الرحمة هي القرآن، وقال قوم: نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه أجزاء الرحمة العامة التي في لفظ الآية. وقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} الآية، النسخ في كلام العرب على وجهين: أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر، والثاني الإزالة، فأما الأول فلا مدخل له في هذه الآية، وورد في كتاب الله تعالى في قوله تعالى: {أية : إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} تفسير : [الجاثية:29]، وأما الثاني الذي هو الإزالة فهو الذي في هذه الآية، وهو منقسم في اللغة على ضربين: أحدهما يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم نسخت الشمس الظل، والآخر لا يثبت كقولهم "نسخت الريح الأثر"، وورد النسخ في الشرع حسب هذين الضربين، والناسخ حقيقة هو الله تعالى، ويسمى الخطاب الشرعي ناسخاً إذ به يقع النسخ، وحد الناسخ عند حذاق أهل السنة: الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت، بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه. والنسخ جائز على الله تعالى عقلاً لأنه ليس يلزم عنه محال ولا تغيير صفة من صفاته تعالى، وليست الأوامر متعلقة بالإرادة فيلزم من النسخ أن الإرادة تغيرت، ولا النسخ لطروّ علم، بل الله تعالى يعلم إلى أي وقت ينتهي أمره بالحكم الأول ويعلم نسخه بالثاني. والبداء لا يجوز على الله تعالى لأنه لا يكونه إلا لطروّ علم أو لتغير إرادة، وذلك محال في جهة الله تعالى، وجعلت اليهود النسخ والبداء واحداً، ولذلك لم يجوزوه فضلُّوا. والمنسوخ عند أئمتنا: الحكم الثابت نفسه: لا ما ذهبت إليه المعتزلة، من أنه مثل الحكم الثابت فيما يستقبل، والذي قادهم إلى ذلك مذهبهم في أن الأوامر مرادة، وأن الحسن صفة نفسية للحسن، ومراد الله تعالى حسن، وقد قامت الأدلة على أن الأوامر لا ترتبط بالإرادة، وعلى أن الحسن القبح في الأحكام إنما هو من جهة الشرع لا بصفة نفسية. والتخصيص من العموم يوهم أنه نسخ وليس به، لأن المخصص لم يتناوله العموم قط، ولو ثبت قطعاً تناول العموم لشيء ما ثم أخرج ذلك الشيء عن العموم لكان نسخاً لا تخصيصاً. والنسخ لا يجوز في الإخبار، وإنما هو مختص بالأومر والنواهي، وردّ بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال: أليس معناه: "واجب عليكم أن تفعلوا كذا"؟ فهذا خبر، والجواب أن يقال: إن في ضمن المعنى إلا أن أنسخه عنكم وأرفعه، فكما تضمن لفظ الأمر ذلك الإخبار كذلك تضمن هذا الاستثناء. وصور النسخ تختلف، فقد ينسخ الأثقل إلى الأخف كنسخ الثبوت لعشرة بالثبوت لاثنين، وقد ينسخ الأخف إلى الأثقل كنسخ يوم عاشوراء والأيام المعدودة برمضان، وقد ينسخ المثل بمثلة ثقلاً وخفة كالقبلة، وقد ينسخ الشيء لا إلى بدل كصدقة النجوى، والنسخ التام أن تنسخ التلاوة والحكم وذلك كثير، ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: "كنا نقرأ لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر"، وقد تنسخ التلاوة دون الحكم كآية الرجم، وقد ينسخ الحكم دون التلاوة كصدقة النجوى، وكقوله تعالى: {أية : وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} تفسير : [الممتحنة: 11]، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نسخ أحدهما دون الآخر. وينسخ القرآن بالقرآن، والسنة بالسنة، وهذه العبارة يراد بها الخير المتواتر القطعي، وينسخ خبر الواحد بخبر الواحد، وهذا كله متفق عليه، وحذاق الأئمة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجود في قوله صلى الله عليه وسلم: "لا وصية لوارث"، وهو ظاهر مسائل مالك رحمه الله، وأبى ذلك الشافعي رحمه الله، والحجة عليه من قوله إسقاطه الجلد في حد الزنى عن الثيب الذي يرجم، فإنه لا مسقط لذلك إلا السنة. فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حذاق الأئمة على أن السنة تنسخ بالقرآن، وذلك موجود في القبلة فإن الصلاة إلى الشام لم تكن قط في كتاب الله، وفي قوله تعالى: {أية : فلا ترجعوهن إلى الكفار} تفسير : [الممتحنة: 10]، فإن رجوعهن إنما كان يصلح النبي صلى الله عليه وسلم لقريش، والحذاق على تجويز نسخ القرآن بخبر الواحد عقلاً، واختلفوا هل وقع شرعاً، فذهب أبو المعالي وغيره إلى وقوعه في نازلة مسجد قباء في التحول إلى القبلة، وأبى ذلك قوم، ولا يصح نسخ نص بقياس إذ من شروط القياس أن لا يخالف نصاً، وهذا كله في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد موته واستقرار الشرع فأجمعت أنه لا نسخ. ولهذا كان الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ لأنه إنما ينعقد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا وجدنا إجماعاً يخالف نصاً فنعلم أن الإجماع استند إلى نص ناسخ لا نعلمه نحن. وقال بعض المتكلمين: "النسخ الثابت متقرر في جهة كل أحد علم الناسخ أو لم يعلمه"، والذي عليه الحذاق أنه من لم يبلغه الناسخ فهو متعبد بالحكم الأول، فإذا بلغه الناسخ طرأ عليه حكم النسخ، والحذاق على جواز نسخ الحكم قبل فعله، وهو موجود في كتاب الله تعالى في قصة الذبيح. وقرأ جمهور الناس "ما نَنْسخ" بفتح النون، من نسخ، وقرأت طائفة "نُنسخ"، بضم النون من "أنسخ"، وبها قرأ ابن عامر وحده من السبعة، قال أبو علي الفارسي: ليست لغة لأنه لا يقال نسخ وأنسخ بمعنى، لا هي لتعدية لأن المعنى يجيء ما نكتب من آية أي ما ننزل فيجيء القرآن كله على هذا منسوخاً، وليس الأمر كذلك، فلم يبق إلا أن يكون المعنى ما نجده منسوخاً، كما تقول: أحمدت الرجل وأبخلته بمعنى وجدته محموداً أو بخيلاً، قال أبو علي: وليس نجده منسوخاً إلا بأن ننسخه فتتفق القراءتان في المعنى وإن اختلفتا في اللفظ. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد خرج قرأة هذه القرءاة المعنى على وجهين أحدهما أن يكون المعنى ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله أي ذلك فعلنا فإنا نأتي بخير من المؤخر المتروك أو بمثله، فيجيء الضميران في {منها} و {مثلها} عائدين على الضمير في {ننسها}، والمعنى الآخر أن يكون {ننسخ} من النسخ بمعنى الإزالة ويكون التقدير ما ننسخك أي نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخها الله أباح لنبيه تركها بذلك النسخ، فسمى تلك الإباحة إنساخاً، و {ما} شرطية وهي مفعولة بــ {ننسخ}، و {ننسخ} جزم بالشرط. واختلف القراء في قراءة قوله {ننسها}، فقرأ نافع وحمزة والكسائي وعاصم وابن عامر وجمهور من الناس "نُنْسِها" بضم النون الأولى وسكون الثانية وكسر السين وترك الهمزة، وهذه من أنسى المنقول من نسي، وقرأت ذلك فرقة كما تقدم إلا أنها همزت بعد السين، فهذه بمعنى التأخير، تقول العرب أنسأت الدين وغيره أنسؤه إنساء إذا أخرته، وقرأت طائفة "أو نَنْسَها" بفتح النون الأولى وسكون الثانية وفتح السين، وهذه بمعنى الترك، ذكرها مكي ولم ينسبها، وذكرها أبو عبيد البكري في كتاب اللآلي عن سعد بن أبي وقاص، وأراه وهمَ، وقرأ سعد بن أبي وقاص "أو تَنْسَها" على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ونون بعدها ساكنة وفتح السين، هكذا قال أبو الفتح وأبو عمرو الداني، فقيل لسعد إن سعيد بن المسيب يقرؤها بنون أولى مضمومة وسين مكسورة فقال: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، وتلا {أية : سنقرئك فلا تنسى} تفسير : [الأعلى: 6]، {أية : واذكر ربك إذا نسيت} تفسير : [الكهف: 24]، وقرأ سعيد بن المسيب فيما ذكر عنه أيضاً " أو تُنْسَها" بضم التاء أولاً وفتح السين وسكون النون بينهما، وهذه من النسيان، وقرأ الضحاك بن مزاحم وأبو رجاء "نُنَسِّها" بضم النون الأولى وفتح الثانية وسين مكسورة مشددة، وهذه أيضاً من النسيان. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عباس وإبراهيم النخغي وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعبيد ابن عمير وابن كثير وأبو عمرو "نَنْسَأها" بنون مفتوحة وأخرى بعدها ساكنة وسين مفتوحة وألف بعدها مهموزة، وهذه من التأخير، تقول العرب: نسأت الإبل عن الحوض أَنْسَؤُها نَسْأَ أي أخرتها، وكذلك يقال: أنسأ الإبل إذا زاد في ظمئها يوماً أو يومين أو أكثر من ذلك بمعنى أخرها عن الورد، وقرأت فرقة مثل هذه القراءة إلا أنها بتاء مفتوحة أولاً على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم وإسناد الفعل إليه، وقرأ أبو حيوة مثل ذلك إلا أنه ضم التاء أولاً، وقرأ أبي بن كعب "أو نُنْسِك" بضم النون الأولى وسكون الثانية وسين مكسورة وكاف مخاطبة، وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة "أو ننسكها" مثل قراءة أبيّ إلا أنه زاد ضمير الآية. وقرأ الأعمش "ما ننسك من آية أو ننسخها نجىء بمثلها" وهكذا ثبتت في مصحف عبد الله بن مسعود. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه القراءات لا تخلو كل واحدة منها أن تكون من النسء أو الإنساء بمعنى التأخير، أو تكون من النسيان. والنسيان في كلام العرب يجيء في الأغلب ضد الذكر، وقد يجيء بمعنى الترك، فالمعاني الثلاثة مقولة في هذه القراءات، فما كان منها يترتب في لفظة النسيان الذي هو ضد الذكر. فمعنى الآية: ما ننسخ من آية أو نقدر نسيانك لها فتنساها حتى ترتفع جملة وتذهب فإنا نأتي بما هو خير منها لكم أو مثله في المنفعة. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى الترك فإن الآية معه تترتب فيها أربعة معان: أحدها: ما ننسخ على وجوه النسخ أو نترك غير منزل عليك فإنا لا بد أن ننزل رفقاً بكم خيراً من ذلك أو مثله حتى لا ينقص الدين عن حد كماله. والمعنى الثاني أو نترك تلاوته وإن رفعنا حكمه فيجيء النسخ على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الثالث أو نترك حكمه وإن رفعنا تلاوته فالنسخ أيضاً، على هذا رفع التلاوة والحكم. والمعنى الرابع أو نتركها غير منسوخة الحكم ولا التلاوة، فالنسخ على هذا المعنى هو على جميع وجوهه، ويجيء الضميران في {منها أو مثلها} عائدين على المنسوخة فقط، وكان الكلام إن نسخنا أو أبقينا فإنا نأتي بخير من المنسوخة أو مثلها. وما كان من هذه القراءات يحمل على معنى التأخير فإن الآية معه تترتب فيها المعاني الأربعة التي في الترك، أولها ما ننسخ أو نؤخر إنزاله، والثاني ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر حكمه وإن أبقينا تلاوته، والثالث ما ننسخ النسخ الأكمل أو نؤخر تلاوته وإن أبقينا حكمه، والرابع ما ننسخ أو نؤخره مثبتاً لا ننسخه، ويعود الضميران كما ذكرنا في الترك، وبعض هذه المعاني أقوى من بعض، لكن ذكرنا جميعها لأنها تحتمل، وقد قال "جميعها" العلماء إما نصاً وإما إشارة فكملناها. وقال الزجاج: إن القراءة "أو نُنْسِها" بضم النون وسكون الثانية وكسر السين لا يتوجه فيها معنى الترك لأنه لا يقال أنسأ بمعنى ترك، وقال أبو علي وغيره: ذلك متجه لأنه بمعنى نجعلك تتركها، وكذلك ضعف الزجاج أن تحمل الآية على النسيان الذي هو ضد الذكر، وقال: إن هذا لم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم ولا نسي قرآناً، وقال أبو علي وغيره: ذلك جائز وقد وقع ولا فرق بين أن ترفع الآية بنسخ أو بتنسئة، واحتج الزجاج بقوله تعالى: {أية : ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} تفسير : [الإسراء: 86]، أي لم نفعل، قال أبو علي معناه لم نذهب بالجميع. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: على معنى إزالة النعمة كما توعد، وقد حكى الطبري القول عن أقدم من الزجاج، ورد عليه، والصحيح في هذا أن نسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله، تعالى أن ينساه ولم يرد أن يثبت قرآناً جائز. فأما النسيان الذي هو آفة في البشر فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم منه قبل التبليغ وبعد التبليغ ما لم يحفظه أحد من أصحابه، وأما بعد أن يحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث حين أسقط آية، فلما فرغ من الصلاة قال: أفي القوم أبيّ؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: فلم لم تذكرني؟ قال: حسبت أنها رفعت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترفع ولكني نسيتها. ولفظة خير في الآية صفة تفضيل، والمعنى بأنفع لكم أيها الناس في عاجل إن كانت الناسخة أخف، وفي آجل إن كانت أثقل، وبمثلها إن كانت مستوية، وقال قوم "خير" في الآية مصدر و"من" لابتداء الغاية. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويقلق هذا القول لقوله تعالى {أو مثلها} إلا أن يعطف المثل على الضمير في {منها} دون إعادة حرف الجر، وذلك معترض. وقوله تعالى: {ألم تعلم أن} ظاهره الاستفهام ومعناه التقرير، والتقرير محتاج إلى معادل كالاستفهام المحض، فالمعادل هنا على قول جماعة {أية : أم تريدون} تفسير : [البقرة: 18]، وقال قوم {أم} هنا منقطعة، فالمعادل على قولهم محذوف تقديره أم علمتم، وهذا كله على أن القصد بمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبة أمته، وأما إن كان هو المخاطب وحده فالمعادل محذوف لا غير، وكلا القولين مروي. ومعنى الآية أن الله تعالى ينسخ ما يشاء ويثبت ما يشاء ويفعل في أحكامه ما يشاء، هو قدير على ذلك وعلى كل شيء، وهذا لإنكار اليهود النسخ. وقوله تعالى {على كل شيء} لفظ عموم معناه الخصوص، إذ لم تدخل فيه الصفات القديمة بدلالة العقل ولا المحالات لأنها ليست بأشياء، والشيء في كلام الموجود، و {قدير} اسم فاعل على المبالغة من "قَدَر" بفتح العين " يقدِر" بكسرها. ومن العرب من يقول قَدِرَ بكسر العين يقدَر بفتحها.

الخازن

تفسير : {ما يود} أي ما يحب {الذين كفروا من أهل الكتاب} يعني اليهود {ولا المشركين} يعني عبدة الأوثان لأن الكفر اسم جنس تحته نوعان أهل الكتاب وهم الذين بدلوا كتابهم وكذبوا الرسل وعبدة الأوثان وهم من عبدوا غير الله {أن ينزل عليكم من خير من ربكم} يعني ما أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم من الوحي والنبوة، وإنما كرهت اليهود وأتباعهم من المشركين ذلك حسداً وبغياً منهم على المؤمنين، وذلك أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ما هذا الذي تدعوننا إليه بخير مما نحن فيه ولوددنا لو كان خيراً فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيباً لهم {والله يختص برحمته من يشاء} يعني أنه تعالى يختص بنبوته ورسالته من يشاء من عباده، ويتفضل بالإيمان والهداية على من أحب من خلقه رحمة منه لهم {والله ذو الفضل العظيم} يعني أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه منه ابتداء وتفضلاً عليهم من غير استحقاق أحد منهم لذلك بل له الفضل والمنة على خلقه. قوله عز وجل: {ما ننسخ من آية أو ننسها} الآية. وسبب نزولها أن المشركين قالوا: إن محمداً يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ويقول: اليوم قولاً ويرجع عنه غداً ما يقول: إلا من تلقاء نفسه كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {أية : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما انت مفتر} تفسير : [النحل: 101] فأنزل ما ننسخ من آية فبين بهذه الآية وجه الحكمة في النسخ وأنه من عنده لا من عند محمد صلى الله عليه وسلم. وأصل النسخ في اللغة يكون بمعنى النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب، وهو أن ينقل من كتاب إلى كتاب آخر كذلك لا يقتضي إزالة الصورة الأولى بل يقتضي إثبات مثله في كتاب آخر، فعلى هذا المعنى يكون القرآن كله منسوخاً، وذلك أنه نسخ من اللوح المحفوظ ونزل جملة واحدة إلى سماء الدنيا، ويكون النسخ بمعنى الرفع والإزالة وهو إزالة شيء بشيء يعقبه كنسخ الشمس الظل، والشيب الشباب فعلى هذا المعنى يكون بعض القرآن منسوخاً وبعضه ناسخاً، وهو المراد من حكم هذه الآية وهو إزالة الحكم بحكم يعقبه. فصل في حكم النسخ: هو في اصطلاح العلماء، عبارة عن رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر عنه، والنسخ جائز عقلاً وواقع سمعاً خلافاً لليهود، فإن منهم من ينكره عقلاً لكنه منعه سمعاً، وشذت طائفة قليلة من المسلمين فأنكرت النسخ احتج الجمهور من المسلمين على جواز النسخ، ووقوعه بأن الدلائل قد دلت على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته لا تصح، إلا مع القول، بالنسخ وهو نسخ شرع من قبله فوجب القطع بالنسخ. ولنا على اليهود إلزامات: منها أن الله تعالى حرم عليهم العمل في يوم السبت، ولم يحرمه على من كان قبلهم، ومنها أنه قد جاء في التوراة أن الله تعالى قال لنوح عليه الصلاة والسلام عند خروجه من الفلك: إني جعلت كل دابة مأكولاً لك ولذريتك وأطلقت ذلك لكم. ثم إنه تعالى حرم على موسى عليه الصلاة والسلام وعلى بني إسرائيل كثيراً من الحيوانات. ومنها إن آدم عليه الصلاة والسلام كان يزوج الأخ للأخت وقد حرمه على من بعده وعلى موسى عليه الصلاة والسلام فثبت بهذا جواز النسخ، وحيث ثبت جواز النسخ فقد اختلفوا فيه على وجوه: أحدها أن القرآن نسخ جميع الشرائع والكتب القديمة كالتوراة والإنجيل وغيرهما. الوجه الثاني المراد من النسخ هو نسخ القرآن ونقله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا. الوجه الثالث، وهو الصحيح الذي عليه جمهور العلماء أن المراد من النسخ هو رفع حكم بعض الآيات بدليل آخر يأتي بعده وهو المراد بقوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} لأن الآية إذ أطلقت، فالمراد به آيات القرآن لأنه هو المعهود عندنا. مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة، واستدل بهذه الآية وهو أنه تعالى قال: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} وذلك يفيد أنه تعالى هو الآتي والمؤتي به هو من جنس القرآن، وما كان من جنس القرآن فهو قرآن. وقوله: نأت بخير منها يفيد أنه هو المنفرد بالإتيان بذلك الخير، وهو القرآن الذي هو كلام الله دون السنة ولأن السنة لا تكون خيراً من القرآن ولا مثله. واحتج الجمهور على جواز نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا وصية لوارث" تفسير : أجاب الشافعي رضي الله عنه: بأن هذا ضعيف لأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، وتقرير هذا وبسطه معروف في أصول الفقه. ثم النسخ في القرآن على وجوه: أحدها ما رفع حكمه وتلاوته كما روى عن أبي إمامة بن سهل: حديث : أن قوماً من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤوا سورة فلم يذكروا منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فغدوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك السورة رفعت بتلاوتها وحكمها" تفسير : أخرجه البغوي بغير سند. وقيل: إن سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة فرفع بعضها تلاوة وحكماً. الوجه الثاني، ما رفع تلاوته وبقي حكمه مثل آية الرجم روي عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها، ووعيناها وعقلناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف. أخرجه مسلم وللبخاري نحوه. والوجه الثالث ما رفع حكمه وثبت خطه وتلاوته وهو كثير في القرآن، مثل آية الوصية للأقربين نسخت بآية الميراث عند الشافعي وبالسنة عند غيره وآية عدة الوفاة بالحول، نسخت بآية أربعة أشهر وعشراً وآية القتال وهي قوله: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين} تفسير : [الأنفال: 65] الآية نسخت بقوله: {أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً} تفسير : [الأنفال: 66] الآية ومثل هذا كثير في القرآن. وأما معنى الاية فقوله: ما ننسخ من آية أي نرفعها أو نرفع حكمها أو ننسها قرئ بضم النون وكسر السين، ومعناها نثبتها على قلبك وقال ابن عباس: نتركها لا ننسخها. وقيل: معناه نأمر بتركها فعلى هذا يكون النسخ الأول رفع الحكم، وإقامة غيره مقامه والإنساء نسخ من غير إقامة غيره وقرئ ننسأها بفتح النون والسين وبالهمزة ومعناها: نؤخرها فلا ننزلها أو نرفع تلاوتها ونؤخر حكمها كآية الرجم فعلى هذا يكون النسخ الأول بمعنى رفع التلاوة، والحكم قال سعيد بن المسيب وعطاء: ما ننسخ من آية فهو ما نزل من القرآن جعلاه من نسخت الكتاب إذا نقلته إلى كتاب آخر وننسأها أن نؤخرها ونتركها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها {نأت بخير منها} أي بما هو أنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجوركم وليس معناه ان آية خير من آية لأن كلام الله تعالى كله واحد {أو مثلها} أي في المنفعة والثواب فما نسخ إلى الأيسر كان أسهل في العمل كالذي كان على المؤمنين من فرض قيام الليل، ثم نسخ ذلك فكان خيراً لهم في عاجلهم لسقوط التعب والمشقة عليهم، وما نسخ إلى الأشق كان أكمل في الثواب كالذي كان عليهم من صيام أيام معدودات في السنة فنسخ ذلك، وفرض صيام شهر رمضان فكان صوم شهر كامل في السنة أثقل على الأبدان، وأشق من صيام أيام معدودات فكان ثوابه أكمل وأكثر. أما المثل فكنسخ التوجه إلى بيت المقدس، وصرفه إلى المسجد الحرام واستواء الأجر في ذلك لأن على المصلي التوجه إلى حيث أمره الله تعالى: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} أي على النسخ والتبديل، والمعنى ألم تعلم يا محمد أني قادر على تعويضك مما نسخت من أحكامي، وغيرته من فرائضي التي كنت افترضها عليك ما أشاء مما هو خير لك ولعبادي المؤمنين وأنفع لك ولهم عاجلاً وآجلاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ...} مع أن الثابت في نفس الأمر أنهم ودّوا عدم نزول الخير، لكن ذلك مستفاد من السياق فلا يحتاج إلى التنصيص عليه.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ...} الآية: يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ: الرحمة القرآن. وقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ أَوْ نُنسِهَا...} الآية: النَّسْخُ؛ في كلام العرب، على وجهين: أحدهما: النَّقْل؛ كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالَىٰ في قوله: {أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [الجاثية:29]. الثاني: الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ: أحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ؛ كقولهم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ. والآخر: لا يثبت؛ كقولهم: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ. وورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن وحَدُّ «النَّاسِخ» عنْد حُذَّاق أهل السنة: الْخِطَابُ الدالُّ على ٱرتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتاً، مع تراخيه عنه. * ت *: قال ابن الحاجِبِ: والنَسْخُ؛ لغةً: الإِزالة، وفي الاصطلاح: رفع الحُكْمِ الشرعيِّ؛ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر. انتهى من «مختصره الكبير». والنسْخُ جائز على اللَّه تعالَىٰ عقلاً؛ لأنه لا يلزم عنه محالٌ، ولا تتغيرُ صفة من صفاته تعالَىٰ، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا النسخ؛ لطروء علْم، بل اللَّه تعالَىٰ يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاءُ لا يجوزُ على اللَّه تعالَىٰ؛ لأنه لا يكون إلا لطروءِ علْمٍ أو لتغيُّر إِرادة؛ وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالَىٰ، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاءَ واحداً، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا. والمنسوخُ؛ عند أئمتنا: الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنَّ الأوامر مرادةٌ، وأن الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالَىٰ حَسَنٌ، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس به؛ لأن المخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم، لكان نسخاً، والنسخ لا يجوز في الأخبار، وإِنما هو مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبراً؛ بأن قال: أليس معناه وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال: إِن في ضمن المعنَى: إِلاَّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك الإِخبار؛ كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلاً وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ؛ وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله - عليه السلام - «حديث : لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»تفسير : ، وهو ظاهر مسائل مالكٍ. * ت *: ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن الخَبَرَ المتواترَ القطعيَّ، وقد أشار إلى أن هذا الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالَىٰ: {أية : إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ }، تفسير : [البقرة:180]، واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى: {أَوْ نُنسِهَا } فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «نَنْسَأْهَا»؛ بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ: «نُنْسِهَا»؛ من النسيان، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ إِلاَّ أنها همزت بعد السين، فهذه بمعنى التأخير والنِّسْيَان في كلام العربِ يجــيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجـــيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به: ما ننسَخْ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لَهَا، فإنَّا نأتي بخيرٍ منها لكُمْ أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو علَىٰ معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ، ٱنْظُرْهَا، إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار. * ع *: والصحيح أن نسيان النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآناً - جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البَشَر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد بَلَّغَ، وأدَّى الأمانة؛ ومنه الحديثُ، "حديث : حِينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قَالَ: «أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟ قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهَا رُفِعَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا»".تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ }: معناه: التقرير، ومعنى الآية أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير علَىٰ ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله: {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} عمومٌ، معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ؛ بدليل العقل، ولا المحالاتُ؛ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب: الموجودُ، و {قَدِيرٌ}: اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ: وإِن من علم أن مولاه قديرٌ علَىٰ ما يريد، قَطَعَ رجاءه عن الأغيار؛ كما قال تعالَىٰ عن إِبراهيم - عليه السلام -: {أية : رَبَّنَا إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } تفسير : [إبراهيم:37] قال أهل الإِشارة: معناه: سهلت طريقهم إِليك، وقطَعْت رجاءهم عن سواك، ثم قال: {أية : لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ }، تفسير : [إبراهيم:37] أي: شغلتهم بخدمتك، وأنت أولَىٰ بهم، {أية : فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ }، تفسير : [إبراهيم:37]، أي: إِذا احتاجوا شيئاً، فذلل عبادك لهم، وأوصل بكرمك رعايتهم إليهم؛ فإِنك على ذلك قديرٌ، وإِن من لزم بابه أوصل إليه محابَّه، وكفاه أسبابه، وذلل لهُ كلَّ صعب، وأورده كلَّ سهل عذبٍ من غير قطعِ شُقَّة، ولا تحمل مشقة انتهى من «التحبير».

ابن عادل

تفسير : لما بين حال اليهود والكفار في العَدَاوة والمعاندة وصفهم بما يوجب الحَذَر منهم فقال: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} فنفى عن قلوبهم الودّ والمحبة لكلّ ما يظهر به فضل المؤمنين. قوله: {مِنْ أَهْلِ ٱلكِتَابِ}: في "من" قولان: أحدهما: أنها للتبعيض، فتكون هي ومجرورها في محلّ نصب على الحال، ويتعلّق بمحذوف أي: ما يودّ الذين كفروا كائنين من أهل الكتاب. والثاني: أنها لبيان الجنس، وبه قال الزمخشري؛ لأن "الذين كفروا" جنس تحته نوعان أهل الكتاب والمشركون بدليل قوله تعالى: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [البينة:1]. قوله: "وَلاَ الْمُشْرِكِينَ" عطف على "أهل" المجرور بـ "من" و "لا" زائدة للتوكيد؛ لأن المعنى: ما يود الذين كفورا من أهل الكتاب والمشركين كقوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [البينة:1] بغير زيادة "لا". وزعم بعضهم أنه مخفوض على الجوار، وأن الأصل ولا المشركون، عطفاً على الذين، وإنما خفض للمجاورة، نحو {أية : بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}تفسير : [المائدة:6] فى قراءة الجر، وليس بواضح. وقال النحاس: ويجوز: ولا المشركون بعطفه على "الذين" وقال أبو البقاء رحمه الله: وإن كان قد قرىء: "وَلاَ المُشْرِكُونَ" بالرفع فهو عطف على الفاعل، والظاهر أنه لم يقرأ بذلك وهذان القولان يؤيدان ادّعاء الخفض على الجوار. قوله: "أَن يُنَزَّلَ" ناصب ومنصوب في تأويل مصدر مفعول بـ "يودّ" أي: ما يود إنزاله من خير، وبني الفعل للمفعول للعمل بالفاعل؛ وللتصريح به في قوله: "مِنْ ربِّكُمْ"، وأتي بـ "ما" في النفي دون غيرها؛ لأنها لنفي الحال، وهم كانوا متلبّسين بذلك. قال القُرْطبي: و "أن" في موضع نصب، أي بأن ينزل. قوله: "مِنْ خَيْرٍ" هذا هو القائم مقام الفاعل، و "من" زائدة، أي: أن ينزل خير من ربكم. وحسن زيادتها هنا، وإن كان "ينزل" لم يباشره حرف النفي؛ لانسحاب النفي عليه من حيث المعنى؛ لأنه إذا نفيت الوَدَادَة انتفى متعلّقها، وهذا له نظائر في كلامهم نحو: "ما أظن أحداً يقول ذلك إلاَّّ زيد" برفع "زيد" بدلاً من فاعل "يقول" وإن لم يباشر النفي، لكنه في قوة: "ما يقول أحد ذلك إلاَّ زيد في ظني". وقوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ}تفسير : [الأحقاف:33] زيدت "الباء"؛ لأنه في معنى: أو ليس الله بقادر، وهذا على رأي سيبويه وأتباعه. وأما الكوفيّون والأخفش فلا يحتاجون إلى شيء من هذا. وقيل "من" للتبعيض، أي: ما يودون أن يُنَزَّل من الخير قليل ولا كثير، فعلى هذا يكون القائم مقام الفاعل: "عليكم"، والمعنى: أن ينزل عليكم بخير من الخُيُور. والمراد بالخير ـ هنا ـ الوَحْي. والمعنى: أنهم يرون أنفسهم أحقّ بأن يوحى إليهم فيحسدونكم، فبيّن سبحانه وتعالى أن حسدهم لا يؤثّر في زوال ذلك بقوله: {وَٱللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ}. قوله: "مِّن رَبِّكُمْ" في "من" أيضاً قولان: أحدهما: أنها لابتداء الغاية، فتتعلّق بـ "ينزّل". والثاني: أنها للتبعيض، ولا بد حينئذ من حَذْف مضاف تقديره: من خُيُور ربّكم، وتتعلق حينئذ بمحذوف، لأنها ومجرورها صفة لقوله: "من خير" أي: من خير كائن من خُيُور ربكم، ويكون في محلّها وجهان: الجر على اللفظ، والرفع على الموضع، لأن "من" زائدة في "خير"، فهو مرفوع تقديراً لقيامه مقام الفاعل كما تقدم. وتلخص مما تقدم أن في كل واحدة من لفظ "من" قولين: الأولى: قيل: إنها للتبعيض، وقيل: أو لبيان الجنس. وفي الثانية قولان: زائدة أو للتعبيض. وفي الثالثة: أيضاً قولان: لابتداء الغاية، أو التبعيض. قوله: {وَٱللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} هذه جملة ابتدائية تضمنت ردّ وَدَادَتهم ذلك. و "يختص" يحتمل أن يكون متعديًّا، وأن يكون لازماً، فإن كان متعدياً كان فيه ضمير يعود على الله تعالى، وتكون "من" مفعولاً به أي يختص الله الذي يشاؤه برحْمته، ويكون معنى "افتعل" هنا معنى المجرد نحو: كسب مالاً واكتسبه، وإن كان لازماً لم يكن فيه ضمير، ويكون فاعله "من" أي: والله يختصّ برحمته الشَّخص الذي يشاؤه، ويكون "افتعل" بمعنى فعل الفاعل بنفسه نحو: اضطراب، والاختصاص ضد الاشتراك، وبهذا [يتبين فساد] قول من زعم أنه هنا متعدّ ليس إلاّ. و "مَنْ" يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة، وعلى كلا التقديرين فلا بد من تقدير عائد، أي: يشاء اختصاصه. ويجوز أن يضمن "يشاء" معنى يختار، فحينئذ لا حاجة إلى حَذْف مضاف، بل تقدره ضميراً فقط أي: يشاؤه، و "يشاء" على القول الأول لا محلّ له لكونه صلةً، وعلى الثاني محلّه النَّصب، أو الرفع على [حسب] ما ذكر في موصوفه من كونه فاعلاً أو مفعولاً. فصل في تفسير الرحمة في الآية قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "يختصّ برحمته" أي بنبوّته، خص بها محمداً صلى الله عليه وسلم. وقيل: الرحمة القرآن. وقيل: هنا عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ‏{‏والله يختص برحمته من يشاء‏} ‏ قال‏:‏ القرآن والسلام‏.‏

القشيري

تفسير : كراهية الأعداء لانتظام صلاح الأولياء متصِلَةٌ مُستَدامةٌ، ولكن الحسود لا يسود، ولا يحصُل له مقصود. وخصائص الرحمة للأولياء كافية - وإنْ زَعَمَ مِنَ الأعداء أفَّاكٌ أنه انهدمت من أوطان فرحهم أكناف وأطراف.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما يود الذين كفروا} كان فريق من اليهود يظهرون للمؤمنين محبة ويزعمون انهم يودون لهم الخير فنزل تكذيبا لهم. والود حب الشئ مع تمنيه ونفى الود كناية عن الكراهة اى ما يحب الذين كفروا {من اهل الكتاب ولا المشركين} من للتبيين لان الذين كفروا جنس تحته نوعان اهل الكتاب والمشركون فكأنه قيل ما يود الذين كفروا وهم اهل الكتاب والمشركون فبين ان الذين كفروا باق على عمومه وان المراد كلا نوعيه جميعا والمعنى ان الكفار جميعا لم يحبوا {ان ينزل عليكم} اى على نبيكم لان المنزل عليه منزل على امته {من خير} هو قائم مقام فاعله ومن مزيدة لاستغراق الخير والخير الوحى والقرآن والنصرة {من ربكم} من لابتداء الغاية والمعنى انهم يرون انفسهم احق بان يوحى اليهم فيحسدونكم ويكرهون ان ينزل عليكم شئ من الوحى اما اليهود فبناء على انهم اهل الكتاب وابناء الانبياء الناشئون فى مهابط الوحى وانتم اميون واما المشركون فادلالا بما كان لهم من الجاه والمال زعما منهم ان رياسة الرسالة كسائر الرياسات الدنيوية منوطة بالاسباب الظاهرة ولذا قالوا {أية : لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} تفسير : [الزخرف: 31]. وهم كانوا يتمنون ان تكون النبوة فى احد الرجلين نعيم بن مسعود الثقفى بالطائف والوليد بن المغيرة بمكة ثم اجاب عن قول من يقول لم لم ينزل عليهم بقوله {والله يختص برحمته من يشاء} يقال خصه بالشئ واختصه به اذا افرده به دون غيره ومفعول من يشاء محذوف. والرحمة النبوة والوحى والحكمة والنصرة والمعنى يفرد برحمته من يشاء افراده بها ويجعلها مقصورة عليه لاستحقاقه الذاتى الفائض عليه بحسب ارادته عز وجل لا تتعداه الى غيره لا يجب عليه شئ وليس لاحد عليه حق وما وقع فى عبارة مشايخنا فى حق بعض الاشياء انه واجب فى الحكمة يعنون به انه ثابت متحقق لا محالة فى الوجود لا يتصور ان لا يكون لا انه يجب ذلك بإيجاب موجب {والله ذو الفضل العظيم} اى على من يختاره بالنبوة والوحى لابتدائه بالاحسان بلا علة وهو حجة لنا على المعتزلة فان المفضل عند الخلق هو الذى يعطى ويبذل ما ليس عليه لان الذى يعطى ما عليه يكون قاضيا لا مفضلا ولو كان يجب عليه فعل الاصلح لكان المناسب ان يكون ذو العدل بدل قوله ذو الفضل ثم فيه اشعار بان ايتاء النبوة من الفضل وان حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته فمن تعرض لرد ما من الله به على عباده المؤمنين فقد جهل بحقيقة الامر. وعباد الله المخلصون قسمان قوم اقامهم الحق لخدمته وهم العباد والزهاد واهل الاعمال والاوراد وقوم اختصهم بمحبته وهم اهل المحبة والوداد وكل فى خدمته وتحت طاعته اذ كلهم قاصد وجهه ومتوجه اليه والعبودية صفة العبد لا تفارقه ما دام حيا ومن حقائق العبودية اخراج الحسد من القلب. قال بعض الحكماء بارز الحاسد ربه من خمسة اوجه اولها انه ابغض كل نعمة ظهرت على غيره. والثانى انه يتسخط قسمته تعالى ويقول لربه لو قسمت هكذا والثالث ان فضل الله يؤتيه من يشاء وهو يبخل بفضله والرابع انه خذل ولى الله لانه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه والخامس انه اعان عدوه يعنى ابليس. واعلم ان حسدك لا ينفذ على عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك فى يقظة او منام لرأيت نفسك ايها الحاسد فى صورة من يرمى حجرا الى عدوه ليصيب به مقلته فلا يصيبه بل يرجع الى حدقته اليمنى فيقلعها فيزيد غضبه ثانيا فيعود ويرميه اشد من الاولى فيرجع على عينه اليسرى فيعميها فيزداد غضبه ثالثا فيعود ويرميه فيرجع الحجر على رأسه فيشجه وعدوه سالم فى كل حال وهو اليه راجع كرة بعد اخرى واعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون وهذا حال الحسود وسخرية الشياطين وقال بكر بن بن عبد الله كان رجل يأتى بعض الملوك فيقوم بحذائه ويقول احسن الى المحسن باحسانه فان المسيئ سيكفيه اساءته فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به الى الملك وقال ان هذا الرجل يزعم ان الملك ابخر فقال الملك وكيف يصح ذلك عندى قال ندعو به اليك فانظر فانه اذا دنا منك وضع يده على انفه ان لا يشم ريح البخر فخرج من عند الملك فدعا الرجل الى منزله فاطعمه طعاما فيه ثؤم فخرج الرجل من عنده فقام بحذاء الملك فقال على عادته مثل ما قال فقال له الملك ادن منى فدنا منه واضعا يده على فيه مخافة ان يشم الملك منه ريح الثؤم فصدق الملك فى نفسه قول الساعى قال وكان الملك لا يكتب بخطه الا لجائزة فكتب له كتابا بخطه الى عامل له اذا اتاك الرجل فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به الى فاخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذى سعى به فاستوهب منه ذلك الكتاب فاخذه منه بانواع التضرع والامتنان ومضى الى العامل فقال له العامل ان فى كتابك ان اذبحك واسلخك قال ان الكتاب ليس هو لى الله الله فى امرى حتى اراجع الملك قال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل كعادته فتعجب منه الملك فقال ما فعلت بالكتاب قال لقينى فلان فاستوهبه منى فوهبته قال الملك انه ذكر لى انك تزعم انى ابخر فقال كلا قال فلم وضعت يدك على انفك قال كان اطعمنى طعاما فيه ثؤم فكرهت ان تشمه قال ارجع الى مكانك فقد كفى المسيئ اساءته ونعم ما قيل شعر : هركه او نيك ميكند يابد نيك وبد هرجه ميكند يابد تفسير : اللهم احفظنا من مساوى الاخلاق.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الود: محبة الشيء مع تمنيه و {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ} بيانية كقوله: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}، و {أَن يُنَزَّلَ} معمول يود، و {مِّنْ خَيْرٍ} صلة، و {مِّن رَّبكُمْ} ابتدائية. يقول الحق جلّ جلاله: ما يتمنى {الذين كفروا من أهل الكتاب} إنزال خير عليكم {مِّن رَّبِّكُمْ} ولا المشركون حسداً منهم، بل يتمنون أن تبقوا على ضلالتكم وذُلِّكُمْ، {والله يختص برحمته} كالنوبة والولاية {من يشاء} من عباده. فلا يجب عليه شيء ولا يمتنع عليه ممكن، {وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، فَيَمُنُّ بالنبوة أو الولاية على مَن يشاء فضلاً وإحساناً. الإشارة: في الآية تنبيهان: أحدهما: أن من كان يحسد أهل الخصوصية وينكر عليهم، فيه نزعة يهودية، وخصلة من خصال المشركين، والثاني: أن حسد أهل الخصوصية والإنكار عليهم أمر شائع وسنة ماضية، فليوطن المريد نفسه على ذلك: وليعلم انه ما يقال له إلا ما قيل لمن قبله،{أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزَاب: 62]، وما من نعمة إلا وعليها حسود. وقال حاتم الطائي: شعر : ومِنْ حَسَدٍ يَجُورُ عَلَيَّ قَومي وأيُّ الدهر ذُو لَمْ يَحْسُدُوني تفسير : وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : معنى ما يود: ليس يحب. يقال منه: وده يوده ودا، ووداداً. والمودة المحبة. {ولا المشركين} في موضع جر بالعطف على اهل الكتاب. وتقديره، ولا من المشركين. وقوله: {أن ينزل} في موضع نصب بقوله: {يود}. وانما ذموا على ذلك ـ وان كان ذلك ميل الطباع، ـ لأن ذلك في دلالة على انهم فعلوا كراهية لذلك، وتعرضوا بذلك لعداوة المؤمنين. وكان الذم عليهم لذلك، ولو رفع {المشركين} عطفاً على {الذين كفروا} كان جائزا ولكن لم يقرأ به احد. ومثله في احتماله الامرين قوله: {أية : يا آيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء }. تفسير : بخفض الراء وفتحها ـ وقرىء بهما. و "من" في قوله: {من خير} زائدة مؤكدة، كقولك: ما جاءني من احد. وموضعها رفع قال ابو ذؤيب: شعر : جزيتك ضِعف الوّد لما استبنته وما ان جزاك الضعف من احد قبلي تفسير : واما "من" في قوله: {من ربكم} فلابتداء الغاية. والتي في قوله: {من أهل الكتاب} فللتنويع، مثل التي في قوله: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان}. تفسير : قوله: {يختص برحمته من يشاء}. المعنى: روي عن علي (ع) وابي جعفر الباقر (ع) انه أراد النبوة. وبه قال الحسن، وابو علي والرماني، والبلخي وغيرهم من المفسرين. وقال "يختص بها من يشاء" من عباده وروي عن ابن عباس انه اراد دين الاسلام. وهذا بعيد، لأنه تعالى وصف ذلك بالانزال، وذلك لا يليق الا بالنبوة. اللغة: والاختصاص بالشيء هو الانفراد به والاخلاص له مثله. وضد الاختصاص الاشتراك. ويقال خصّ خصوصاً، وتخصص: تخصصاً. وخصصه: تخصيصاً، وكلّمه خاصة من ذلك، وكلمة عامة ووسائط من ذلك. ويقال: خصه بالشيء، يخصّه خصا: اذا وصله به. وخصان الرجل. من يختصّه من اخوانه. والخصائص: الفرج والخصاصة: الحاجة. والخص شبه كوة تكون في قبة أو نحوها، اذا كان واسعا قدر الوجه. وقال الراجز: شعر : وان خصاص ليلهنّ استدا ركبن في ظلمائه ما اشتدا تفسير : شبه القمر بالخصاص. وكل خلل أو خروق تكون في السحاب او النخل، تسمى الخصاصة: والخصائص فرج بين الاثافي وأصل الباب: الانفراد بالشيء. فمنه الخصائص: الفرج لانه انفراد كل واحد عن الآخر من غير جمع بينهما. ويقال: اختصصته بالفائدة واختصصت بها انا، كقولك: افردته بها، وانفردت بها. وتقدير الآية ما يحّب الكافرون من اهل الكتاب، ولا المشركين بالله من عبدة الاوثان، ان ينزل عليكم شيئاً من الخير الذي عنده، والخير الذي تمنوه الا ينزله الله عليهم ما اوحى إلى نبيه، وانزله عليه من الشرائع، والقرآن بغيا منهم، وحسداً. {والله ذو الفضل العظيم} خير منه (تعالى) ان كل خيرنا له عباده في دينهم، ودنياهم، فانه من عنده ابتداء، وتفضلا منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه.

الهواري

تفسير : قوله: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الِكَتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ} أي: ولا من المشركين {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي: الوحي الذي يأتي رسول الله، لا يسرّهم ذلك، حسداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} قال الحسن: يعني النبوّة. {وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ}. قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنْسِهَا} [قال بعضهم]: ينسها رسولَه فيرفعها. يقول: قد نُسِّيَ رسول الله بعض ما كان نزل من القرآن فلم يثبت في القرآن. وقد نسخ بعض ما أثبت في القرآن. قال: ألا تراه يقول: (أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ) تفسير : [الأعلى:6-7] أن ينسى منه. وبعضهم يقرأها: ما ننسخ من آية أو نَنْسَأْهَا. أي: نؤخرها فلم تثبت في القرآن. وبعضهم يقرأها: أو ننسها فنتركها ولا ننسخها. وتفسير مجاهد: ما ننسخ أي: ما نمح من آية أو نبدل حكمها نأتِ بخير منها أو مثلها. قوله: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يقول: هذه الآية التي نسَخَت خير في زمانها هذا لأهلها، وتلك الأولى المنسوخة خير لأهلها في ذلك الزمان، وهي مثلها بعدُ في حقِّها وصدقها. قوله: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ} أي ذلك لتعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يحكم في خلقه بما يريد. كقوله: (أية : اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)تفسير : [الطلاق:12]. قوله: {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي يمنعكم إذا أراد بكم عذاباً.

اطفيش

تفسير : {مَّا يَوَدُّ}: ما يحب ويتمنى، فإن الرد محبة الشئ مع تمنيه، وقد يستعمل فى الحب وحده وفى التمنى وحده. {الذِينَ كَفَرُوا}: بمحمد، صلى الله عليه وسلم، والقرآن. {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}: اليهود والنصارى، ومن للبيان، وهم أهل الكتاب فإن الذين كفروا عام، فبينه بأهل الكتاب والمشركين، كما عطفهم على أهل الكتاب فى قوله: {وَلاَ المُشْرِكِينَ}: أى ولا من المشركين، والمراد بهم جميع المشركين من العرب والعجم. {أنْ يُنَزَّل}: فى تأويل مصدر مفعول يود. {عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ}: من صلة للتأكيد وخبر نائب ينزل وهو عام لكل خبر من الوحى. قرآناً وغيره، والعلم والنصر، ومن صحة الجسم ونفاذ القول والجاه والعافية والمال والماء والنبات وغير ذلك من نعم الله جل وعلا التى لا تحصى، فيحمل الإنزال على ما يعم ذلك مثل الإنعام. وقيل الخبر القرآن، قيل العلم والنصر والتحقيق ما ذكرته لك من العموم. {مِّنْ رَبِّكُمْ}: من للابتداء، زعم جمع من اليهود أنهم يحبون المؤمنين وأنهم يحبون لهم الخير والمودة، وأظهروا ذلك، فنزل تكذيباً لهم قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}. {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ}: هى النبوة والرسالة، وفسرها الحسن بالنبوة. {مَن يشَاءُ}: أن يرسله أو يستنبئه ويعلمه الحكمة، وينصره فضلا منه وعدلا وليس شئ منهُ جورا وليس شئ واجبا عليهِ. وقيل إن اليهود حسدوه، صلى الله عليه وسلم، على الوحى وحسدوا المؤمنين، وكرهوا نزوله فنزل قوله تعالى: {ما يود الذين كفروا...} الآية أو يبحث فيه بأنها لو نزلت فى شأن كراهتهم لكان الرد عليهم وفضحهم بمثل قولك إنهم حسدوهم، وكرهوا ذلك لأن نفى الود لا يستلزم الإنكار على ردهم وفضحكم لأنه يمكن أن يكون الإنسان غير كاره لشئ ولا واد له، بل غافل عنه مع علمه به أو مسيغ له بلا كراهة ولا وداد، فتبين أن سبب النزول ادعاؤهم أنهم يودون المؤمنين والموحى كما رويته فيما مر، وكما قيل إن المسلمين قالوا لخلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد، صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما هذا الذى تدعون إليه بخير مما نحن فيه، والله لنودن أن يكون خيرا مما نحن فيه، أو أنا نود ذلك، فأنزل الله جل وعلا: {ما يود الذين كفروا..} الآية اللهم إلا أن يقال عَبِّر بذلك ليبين أن من شاء الإيمان وأهله أن يوده أهل الكتاب وغيرهم. {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}: يتفضل بالنبوة والرسالة وغيرهما على من يشاء، ومن ضيق عليه فى معيشته أو صحة بدنه أو غيرهما فلحكمة علمها لا لضيق فضله، وعبر بالفضل إشعاراً بأن النبوة والرسالة من الفضل، وبأن كل نعمة فهى فضل منه لا وجوب واستحقاق.

الالوسي

تفسير : {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} الوَدّ محبة الشيء وتمني كونه، ويذكر ويراد كل واحد منهما قصداً والآخر تبعاً، والفارق كون مفعوله جملة إذا استعمل في التمني ومفرداً إذا استعمل في المحبة فتقول على الأول: وددت لو تفعل كذا، وعلى الثاني: وددت الرجل، ونفيه كناية عن الكراهة وأتي بـ (ما) للإشارة/ إلى أن أولئك متلبسون بها و {مِنْ} للتبيين، وقيل: للتبعيض وفي إيقاع الكفر صلة للموصول وبيانه بما بين وإقامة المظهر موضع المضمر إشعار بأن كتابهم يدعوهم إلى متابعة الحق إلا أن كفرهم يمنعهم وإن الكفر شر كله لأنه الذي يورث الحسد ويحمل صاحبه على أن يبغض الخير ولا يحبه كما أن الإيمان خير كله لأنه يحمل صاحبه على تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى، و (لا) صلة لتأكيد النفي وزيدت (له) هنا دون قوله: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ }تفسير : [البينة: 1] لما أن مبنى النفي الحسد، واليهود بهذا الداء أشهر لا سيما وقد تقدم ما يفيد ابتلاءهم به فلم يلزم من نفي ودادتهم هذه نفي ودادة المشركين لها ولم يكن ذلك في {لَمْ يَكُنِ}. وسبب نزول الآية أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقالوا: وددنا لو كان خيراً مما نحن عليه فنتبعه فأكذبهم الله تعالى بذلك، وقيل: نزلت تكذيباً لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين ويزعمون أنهم يودون لهم الخير وفصلت عما قبل، وإن اشتركا في بيان قبائح اليهود مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لاختلاف الغرضين فإن الأول لتأديب المؤمنين وهذا لتكذيب أولئك الكافرين، ولأجل هذا الاختلاف فصل السابق عن سابقه، ومما ذكرنا يعلم وجه تعلق الآية بما قبلها، والقول بأن ذلك من حيث إن القول المنهي عنه كثيراً ما كان يقع عند تنزيل الوحي المعبر عنه بالخير فيها فكأنه أشير إلى أن سبب تحريفهم له ـ إلى ما حكي عنهم لوقوعه في أثناء حصول ما يكرهونه من تنزيل الخير ـ مساق على سبيل الترجي وأظنه إلى التمني أقرب، وقرىء {وَلاَ ٱلْمُشْرِكُونَ} بالرفع عطفاً على {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم} في موضع النصب على أنه مفعول {يَوَدُّ} وبناء الفعل للمفعول للثقة بتعيين الفاعل وللتصريح به فيما بعد، وذكر التنزيل دون الإنزال رعاية للمناسبة بما هو الواقع من تنزيل الخيرات على التعاقب وتجددها لا سيما إذا أريد من {خَيْرٍ} في قوله تعالى: {مِنْ خَيْرٍ} الوحي وهو قائم مقام الفاعل، و (من) صلة وزيادة خير، والنفي الأول منسحب عليها، ولذا ساغت زيادتها عند الجمهور ولا حاجة إلى ما قيل: إن التقدير يود أن لا ينزل خير، وذهب قوم إلى أنه للتبعيض وعليه يكون عليكم قائماً ذلك المقام، والمراد من الخير إما الوحي أو القرآن أو النصرة أو ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المزايا أو عام في أنواع الخير كلها لأن المذكورين لا يودون تنزيل جميع ذلك على المؤمنين عداوة وحسداً وخوفاً من فوات الدراسة وزوال الرياسة، وأظهر الأقوال كما في «البحر» الأخير ولا يأباه ما سيأتي لما سيأتي. {مّن رَّبّكُمْ} في موضع الصفة للخير، و (من) ابتدائية والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية التنزيل والإضافة إلى ضمير المخاطبين لتشريفهم {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء} جملة ابتدائية سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخير والتنبيه على حكمته وإرغام الكارهين له، والمراد من الرحمة ذلك الخير إلا أنه عبر عنه بها اعتناء به وتعظيما لشأنه؛ ومعنى اختصاص ذلك على القول الأول ظاهر ولذا اختاره من اختاره، وعلى الأخير انفراد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بمجموعه وعدم شركة أولئك الكارهين فيه وعروّهم عن ترتب آثاره، وقيل: المراد من الآية دفع الاعتراض الذي يشير إليه الحسد بأن من له أن يخص لا يعترض عليه إذا عم، وفي إقامة لفظ ـ الله ـ مقام ضمير (ربكم) تنبيه على أن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض يلائم الألوهية كما أن إنزال الخير على العموم يناسب الربوبية، والباء داخلة على المقصور أي يؤتي رحمته، و (من) مفعول، وقيل: الفعل لازم، و (من) فاعل وعلى التقديرين العائد محذوف. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تذييل لما سبق/ وفيه تذكير للكارهين الحاسدين بما ينبغي أن يكون مانعاً لهم لأن المعنى على أنه سبحانه المتفضل بأنواع التفضلات على سائر عباده فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحداً، ويود عدم إصابة خير له، والكل غريق في بحار فضله الواسع الغزير كذا قيل: وإذا جعل الفضل عاماً؛ وقيل: بإدخال النبوة فيه دخولاً أولياً لأن الكلام فيها على أحد الأقوال: كان هناك إشعار بأن النبوة من الفضل لا كما يقوله الحكماء من أنها بتصفية الباطن، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته، وتصدير هذه الجملة بالاسم الكريم لمناسبة {ٱلْعَظِيمِ}.

ابن عاشور

تفسير : فصله عما قبله لاختلاف الغرضين، لأن الآية قبله في تأديب المؤمنين مع التعريض باليهود وهذه الآية لبيان حسد اليهود وغيرهم للمسلمين. ووجه المناسبة بين الآيتين ظاهر لاتحاد المآل ولأن الداعي للسب والأذى هو الحسد. وهذه الآية رجوع إلى كشف السبب الذي دعا لامتناع اليهود من الإيمان بالقرآن لما قيل لهم {آمنوا بما أنزل الله} فقالوا: {أية : نؤمن بما أنزل علينا}تفسير : [البقرة: 91] أي ليس الصارف لهم تمسكهم بما أنزل إليهم بل هو الحسد على ما أنزل على النبي والمسلمين من خير، فبين أدلة نفي كون الصارف لهم هو التصلب والتمسك بدينهم بقوله: {أية : قل فلم تقتلون أنبئاء الله}تفسير : [البقرة: 91] وما تخلل ذلك ونشأ عنه من المجادلات وبيان إعراضهم عن أوامر دينهم واتباعهم السحر وبين الآن حقيقة الصارف عن الإيمان بالقرآن والموجب للشتم وقول البهتان ليتخلص من ذلك إلى بيان النسخ. و(الود) بضم الواو المحبة ومن أحب شيئاً تمناه فليس الود هو خصوص التمني ولا المحبة المفرطة كما حققه الراغب. وذكر (الذين كفروا) هنا دون اليهود لقصد شمول هذا الحكم اليهود والنصارى معاً تمهيداً لما يأتي من ذكر حكمة النسخ ومن قوله: {أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 111] الآيات. ونبه بقوله: {الذين كفروا من أهل الكتاب} دون ما يود أهل الكتاب على أنهم لم يتبعوا كتابهم لأن كتبهم تأمرهم باتباع الحق حيثما وجدوه وبالإيمان بالنبي المقفي على آثارهم وفي التوراة والإنجيل مواضع كثيرة فيها أخذ الميثاق على ذلك فلما حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم على النبوءة وحسدوا المسلمين فقد كفروا بما أمرت به كتبهم وبهذا تخلص الكلام إلى الجمع بين موعظة النصارى مع موعظة اليهود. ولما كان ما اقتضاه الحال من التعبير بقوله: {الذين كفروا من أهل الكتاب} قد يوهم كون البيان قيداً وأن الكافرين من غير أهل الكتاب لا يحسدون المسلمين عطف عليه قوله: {ولا المشركين} كالاحتراس وليكون جمعاً للحكم بين الجميع فيكون له حظ في التمهيد لقوله فيما يأتي: {أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه}تفسير : [البقرة: 114] وقرأ الجمهور (أن ينزل) بتشديد الزاي مفتوحة. والتعبير بالتنزيل دون الإنزال لحكاية الواقع إذ القرآن نزل منجماً لتسهيل حفظه وفهمه وكتابته وللتيسير على المكلفين في شرع الأحكام تدريجاً. وقرأه ابن كثير وابن عمرو بتخفيف الزاي مفتوحة أيضاً وذلك على أن نفي ودادتهم متعلق بمطلق إنزال القرآن سواء كان دفعة أو منجماً. والخير النعمة والفضل، قال النابغة:شعر : فلست على خير أتاك بحاسد تفسير : وأراد به هنا النبوءة وما أيدها من الوحي والقرآن والنصر وهو المعبر عنه بالرحمة في قوله: {والله يختص برحمته}. وقوله: {والله يختص برحمته من يشاء} عطف على {ما يود} لتضمنه أن الله أراد ذلك وإن كانوا هم لا يريدونه. والرحمة هنا مثل الخير المنزل عليهم وذلك إدماج للامتنان عليهم بأن ما نزل عليهم هو رحمة بهم ومعنى الاختصاص جعلها لأحد دون غيره لأن أصل الاختصاص والتخصيص راجع إلى هذا المعنى أعني جعل الحكم خاصاً غير عام سواء خص واحداً أو أكثر. ومفعول المشيئة محذوف كما هو الشأن فيه إذا تقدم عليه كلام أو تأخر عنه أي من يشاء اختصاصه بالرحمة. والمشيئة هي الإرادة ولما كانت إرادة الله تتعلق بالمراد على وفق علمه تعالى كانت مشيئته أي إرادته جارية على وفق حكمته التي هي من كيفيات علم الله تعالى فهي من تعلقات العلم الإلاهي بإبراز الحوادث على ما ينبغي وقد تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: {أية : إنك أنت العليم الحكيم}تفسير : [البقرة: 32] فالله يختص برحمته من علم أنه حقيق بها لا سيما الرحمة المراد منها النبوءة فإن الله يختص بها مَن خلقه قابلاً لها فهو يخلقه على صفاء سريرة وسلامة فطرة صالحة لتلقي الوحي شيئاً فشيئاً قال تعالى: {أية : ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكماً وعلماً}تفسير : [يوسف: 22] وقال: {أية : الله يعلم حيث يجعل رسالاته}تفسير : [الأنعام: 124] ولذلك لم تكن النبوءة حاصلة بالاكتساب لأن الله يخلق للنبوءة من أراده لها لخطر أمرها بخلاف غيرها من الفضائل فهو ممكن الاكتساب كالصلاح والعلم وغيرهما فرب فاسق صلحت حاله ورب جاهل مطبق صار عالماً بالسعي والاكتساب ومع هذا فلا بد لصاحبها من استعداد في الجملة ثم وراء ذلك التوفيق وعناية الله تعالى بعبده. ولما كانت الاستعدادات لمراتب الرحمة من النبوءة فما دونها غير بادية للناس طوى بساط تفصيلها لتعذره ووكل إلى مشيئة الله التي لا تتعلق إلا بما علمه واقتضته حكمته سبحانه رفقاً بأفهام المخاطبين. وقوله: {والله ذو الفضل العظيم} تذييل لأن الفضل يشمل إعطاء الخير والمعاملة بالرحمة، وتنبيه على أن واجب مريد الخير التعرض لفضل الله تعالى والرغبة إليه في أن يتجلى عليه بصفة الفضل والرحمة فيتخلى عن المعاصي والخبائث ويتحلى بالفضائل والطاعات عسى أن يحبه ربه وفي الحديث الصحيح «حديث : تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة».

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 105- ولتعلموا أن هؤلاء الكافرين من اليهود والمشركين من عبدة الأصنام لا يرجون إلا ضرركم ولا يودون أن ينزل عليكم خير من ربكم، والله لا يقيم وزناً لما يرجون وما يكرهون. فالله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم. 106- ولقد طلبوا منك - يا محمد - أن تأتيهم بالمعجزات التى جاءهم بها موسى وأنبياء بنى إسرائيل، وحسبنا أننا أيدناك بالقرآن، وأننا إذا تركنا تأييد نبى متأخر بمعجزة كانت لنبى سابق، أو أنسينا الناس أثر هذه المعجزة فإننا نأتى على يديه بخير منها أو مثلها فى الدلالة على صدقه، فالله على كل شئ قدير. 107- وهو الذى بيده ملكوت السموات والأرض، وليس لكم - أيها الناس - من دونه ولى يعينكم، ولا سند ينصركم. 108- لعلكم تريدون باقتراحكم معجزات معينة على رسولكم - محمد - أن تحاكوا بنى إسرائيل المعاصرين لموسى، إذ طلبوا إليه معجزات خاصة. إن اقتراحكم هذا ليخفى وراءه العناد والجنوح إلى الكفر، كما كان يخفى ذلك اقتراح بنى إسرائيل على رسولهم. ومن يؤثر العناد والكفر على الإخلاص للحق والإيمان، فقد حاد عن الطريق السوى المستقيم. 109- ولقد تمنى كثير من اليهود أن يردوكم - أيها المسلمون - إلى الكفر بعد إيمانكم، مع أنه قد تبين لهم من كتابهم نفسه أنكم على الحق، وما ذلك إلا لأنهم يحسدونكم ويخشون أن ينتقل إليكم السلطان ويفلت من أيديهم، فأعرضوا عنهم، واعفوا واصفحوا حتى يأذن الله لكم بمسلك آخر حيالهم، فهو القادر على أن يمكنكم منهم، وهو على كل شئ قدير.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} (105) - إِنَّ الذِينَ عَرَفْتُمْ حَالَهُمْ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، هُمْ حَسَدَةٌ لَكُمْ لاَ يُرِيدُوُنَ أَنْ يُصِيبَكُمْ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلاَ أَنْ يَتَرَسَّخَ دِينُكُمْ، وَلاَ أَنْ تَتَثَبَّتَ أَرْكَانُهُ. وَالمُشْرِكُونَ مِثْلُ أَهْلِ الكِتَابِ فِي كُرْهِهِمْ لَكُمْ، وَحَسَدِهِمْ إِيَّاكُمْ، وَتَمَنِّيِهِمْ أَنْ تَدُورَ عَلَى المُسْلِمِينَ الدَّوائِرُ، وَأَنْ يَنْتَهِيَ أَمْرُ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ. وَحَسَدُ الحَاسِدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَاخِطٌ عَلَى رَبِّهِ، مُعْتَرِضٌ عَلَى حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ، لأَنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى المَحْسُودِ بِمَا أَنْعََمَ، وَاللهُ لاَ يُضِيرُهُ سَخَطُ السَّاخِطِينَ، وَلاَ يُحوِّلُ مَجَارَي نِعْمَتِهِ حَسَدُ الحَاسِدِينَ، فَهُوَ يَخْتَصُّ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ وَهُوَ صَاحِبُ الفَضْلِ العَظِيمِ عَلَى مَنِ اخْتَارَهُ لِلنُّبُوَّةِ، وَهُوَ صَاحِبُ الإِحْسَانِ وَالمِنَّةِ عَلَى عِبَادِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ثم كشف الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين العداوة التي يُكِنُّها لهم أهل الكتاب من اليهود والمشركين .. الذين كفروا لأنهم رفضوا الإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام .. فيلفتهم إلى أن اليهود والمشركين يكرهون الخير للمؤمنين .. فتشككوا في كل أمر يأتي منهم، واعلموا أنهم لا يريدون لكم خيراً .. قوله تعالى: "ما يود" .. أي ما يحب، والود معناه ميل القلب إلى من يحبه .. والود يختلف عن المعروف .. أنت تصنع معروفاً فيمن تحب ومن لا تحب .. ولكنك لا تود إلا من تحب .. لذلك قال الله تبارك وتعالى: {أية : لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ..} تفسير : [المجادلة: 22]. ثم بعد ذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليقول عن الوالدين: {أية : وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً ..} تفسير : [لقمان: 15]. يقول بعض المستشرقين إن هناك تناقضاً بين الآيتين .. كيف أن الله سبحانه وتعالى يقول: لا توادوا من يحارب الله ورسوله .. ثم يأتي ويقول إذا حاول أبواك أن يجعلاك تشرك بالله فصاحبهما في الدنيا معروفاً .. وطبعاً الوالدان اللذان يحاولان دفع ابنهما إلى الكفر إنما يحاربان الله ورسوله .. كيف يتم هذا التناقض؟. نقول إنكم لم تفهموا المعنى .. إن الإنسان يصنع المعروف فيمن يحب ومن لا يحب كما قلنا .. فقد تجد إنساناً في ضيق وتعطيه مبلغاً من المال كمعروف .. دون أن يكون بينك وبينه أي صلة .. أما الود فلا يكون إلاَّ مع من تحب. إذن: "ما يود" معناها حب القلب .. أي أن قلوب اليهود والنصارى والمشركين لا تحب لكم الخير .. إنهم يكرهون أن ينزل عليكم خير من ربكم .. بل هم في الحقيقة لا يريدون أن ينزل عليكم من ربكم أي شيء مما يسمى خيراً .. والخير هو وحي الله ومنهجه ونبوة رسول صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {مِّنْ خَيْرٍ} [البقرة: 105] .. أي من أي شيء مما يسمى خير .. فأنت حين تذهب إلى إنسان وتطلب منه مالاً يقول لك ما عندي مال .. أي لا أملك مالاً، ولكنه قد يملك جنيهاً أو جنيهين .. ولا يعتبر هذا مالاً يمكن أن يوفي بما تريده .. وتذهب إلى رجل آخر لنفس الغرض تقول أريد مالاً .. يقول لك ما عندي من مال .. أي ليس عندي ولا قرش واحد، ما عندي أي مبلغ مما يقال له مال حتى ولو كان عدة قروش. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نفهم أن أهل الكتاب والكفار والمشركين .. مشتركون في كراهيتهم للمؤمنين .. حتى إنهم لا يريدون أن ينزل عليكم أي شيء من ربكم مما يطلق عليه خير. وقوله تعالى: {مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 105] .. تدل على المصدر الذي يأتي منه الخير من الله .. فكأنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله .. وهو المنهج والرسالة. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 105] .. أي أن الخير لا يخضع لرغبة الكافرين وأمانيهم .. والله ينزل الخير لمن يشاء .. والله قد قسم بين الناس أمور حياتهم الدنيوية .. فكيف يطلب الكافرون أن يخضع الله منهجه لإرادتهم؟ واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [الزخرف: 31-32]. اعترض الكفار على نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقالوا لو نزل على رجل من القريتين عظيم .. فيرد عليهم سبحانه وتعالى .. أنتم لا تقسمون رحمة الله ولكن الله يقسم بينكم حياتكم في الدنيا. الحق تبارك وتعالى في الآية التي نحن بصددها يقول: {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 105] .. ساعة تقرأ كلمة يختص تفهم أن شيئاً خصص لشيء دون غيره .. يعني أنني خصصت فلاناً بهذا الشيء: {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} [البقرة: 105] .. أي يعطي الرحمة لمن يشاء لكي يؤدي مهمته أو ينزل رحمته على من يشاء، فليس لهؤلاء الكفار أن يتحكموا في مشيئة الله، وحسدهم وكراهيتهم للمؤمنين لا يعطيهم حق التحكم في رحمة الله .. ولذلك أراد الله أن يرد عليهم بأن هذا الدين سينتشر ويزداد المؤمنون به .. وسيفتح الله به أقطاراً ودولاً .. وسيدخل الناس فيه أفواجاً وسيظهره على الدين كله. ولو تأملنا أسباب انتصار أي عدو على من يعاديه لوجدنا أنها إما أسباب ظاهرة واضحة وإما مكر وخداع .. بحيث يظهر العدو لعدوه أنه يحبه ويكيد له في الخفاء حتى يتمكن منه فيقتله .. ولقد هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سراً .. لماذا؟ لأن الله أراد أن يقول لقريش لن تقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو بالمكر والخداع والتبييت .. هم بَيَّتُوا الفِتْية ليقتلوه .. وجاءوا من كل قبيلة بفتى ليضيع دمه بين القبائل .. وخرج صلى الله عليه وسلم ووضع التراب على رءوس الفتية .. الله أرادهم أن يعرفوا أنهم لن يقدروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمكر والتبييت والخداع ولا بالعداء الظاهر. قوله تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [البقرة: 105] .. الفضل هو الأمر الزائد عن حاجتك الضرورية .. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حديث : من كان معه فضل ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ). تفسير : وفضل مال يعني مال زائد على حاجته. هذا عن الفضل بالنسبة للبشر. أما بالنسبة لله سبحانه وتعالى فإن كل ما في كون الله الآن وفي الآخرة هو فضل لله لأنه زائد على حاجته؛ فالله غير محتاج لخلقه ولا لكل نعمه التي سبقت والتي ستأتي. ولذلك قال: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [البقرة: 105] .. أي ذو الفضل الهائل الزائد على حاجته؛ لأنه ربما يكون عندي فضل، ولكنني أبقيه لأنني سأحتاج إليه مستقبلاً. والفضل الحقيقي هو الذي من عند الله. لذلك فإن الله سبحانه وتعالى هو ذو الفضل العظيم؛ لأنه غير محتاج إلى كل خلقه أو كونه؛ لأن الله سبحانه كان قبل أن يوجد شيء، وسيكون بعد ألاَّ يوجد شيء. وهذا ما يسمى بالفضل العظيم.