Verse. 111 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰۗاَيُّہَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَا تَقُوْلُوْا رَاعِنَا وَقُوْلُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوْا۝۰ۭ وَلِلْكٰفِرِيْنَ عَذَابٌ اَلِــيْمٌ۝۱۰۴
Ya ayyuha allatheena amanoo la taqooloo raAAina waqooloo onthurna waismaAAoo walilkafireena AAathabun aleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين أمنوا لا تقولوا» للنبي «راعنا» أمر من المراعاة وكانوا يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من الرعونة فسُرُّوا بذلك وخاطبوا بها النبي فنُهى المؤمنون عنها «وقولوا» بدلها «انظرنا» أي انظر إلينا «واسمعوا» ما تؤمرون به سماع قبول «وللكافرين عذاب أليم» مؤلم هو النار.

104

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله تعالى لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد عليه الصلاة والسلام أراد من ههنا أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه وهذا هو النوع الأول من هذا الباب وههنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين بقوله تعالى: {ياأيها الذين آمنوا } في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن. قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها المساكين فكأنه سبحانه وتعالى لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت المسكنة لهم آخراً حيث قال: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ } تفسير : [البقرة: 61]، وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أولاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب في النيران يوم القيامة، وأيضاً فاسم المؤمن أشرف الأسماء والصفات، فإذا كان يخاطبنا في الدنيا بأشرف الأسماء والصفات فنرجو من فضله أن يعاملنا في الآخرة بأحسن المعاملات. المسألة الثانية: أنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من أحدهما ويأذن في الأخرى، ولذلك فإن عند الشافعي رضي الله عنه لا تصلح الصلاة بترجمة الفاتحة سواء كانت بالعبرية أو بالفارسية، فلا يبعد أن يمنع الله من قوله: {رٰعِنَا } ويأذن في قوله: {ٱنظُرْنَا } وإن كانتا مترادفتين ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قوله: {رٰعِنَا } لاشتمالها على نوع مفسدة ثم ذكروا فيه وجوهاً، أحدها: كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تلا عليهم شيئاً من العلم: راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي «راعينا» ومعناها: اسمع لا سمعت، فلما سمعوا المؤمنين يقولون: راعنا إفترضوه وخاطبوا به النبي وهم يعنون تلك المسبة، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي قوله: {ٱنظُرْنَا }، ويدل على صحة هذه التأويل قوله تعالى في سورة النساء: {أية : وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدّينِ } تفسير : [النساء: 46]، وروي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية، وثانيها: قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز ما كانوا يقولونها إلا عند الهزؤ والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها، وثالثها: أن اليهود كانوا يقولون: راعينا أي أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها، ورابعها: أن قوله: «راعنا» مفاعلة من الرعي بين اثنين، فكان هذا اللفظ موهماً للمساواة بين المخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا، فنهاهم الله تعالى عنه وبين أن لا بد من تعظيم الرسول عليه السلام في المخاطبة على ما قال: {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بَعْضاً } تفسير : [النور: 63]. وخامسها: أن قوله: «راعنا» خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في «انظرنا» إلا سؤال الانتظار كأنهم قالوا له توقف في كلامك وبيانك مقدار ما نصل إلى فهمه، وسادسها: أن قوله: «راعنا» على وزن عاطنا من المعاطاة، ورامنا من المراماة، ثم إنهم قلبوا هذه النون إلى النون الأصلية وجعلوها كلمة مشتقة من الرعونة وهي الحق، فالراعن اسم فاعل من الرعونة، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر. كقولهم: عياذاً بك، أي أعوذ عياذاً بك، فقولهم: راعنا: أي فعلت رعونة. ويحتمل أنهم أرادوا به: صرت راعنا، أي صرت ذا رعونة، فلما قصدوا هذه الوجوه الفاسدة لا جرم نهى الله تعالى عن هذه الكلمة. وسابعها: أن يكون المراد لا تقولوا قولاً: راعنا أي: قولاً منسوباً إلى الرعونة بمعنى راعن: كتامر ولابن. أما قوله تعالى: {وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا } ففيه وجوه. أحدها: أنه من نظره أي انظره، قال تعالى: {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } تفسير : [الحديد: 13] فأمرهم تعالى بأن يسألوه الإمهال لينقلوا عنه، فلا يحتاجون إلى الاستعاذة. فإن قيل: أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتى يقولون هذا؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه: اسمع أو سمعت. الثاني: أنهم فسروا قوله تعالى: {لاَ تُحَرّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ } أنه عليه السلام كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل عليه السلام حرصاً على تحصيل الوحي وأخذ القرآن، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به فلا يبعد أن يعجل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام، وثانيها: «انظرنا» معناه «انظر» إلينا إلا أنه حذف حرف «إلى» كما في قوله: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ } تفسير : [الأعراف: 155] والمعنى من قومه، والمقصود منه أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كان إيراده للكلام على نعت الإفهام والتعريف أظهر وأقوى. وثالثها: قرأ أبي بن كعب «أنظرنا» من النظرة أي أمهلنا. أما قوله تعالى: {وَٱسْمَعُواْ } فحصول السماع عند سلامة الحاسة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة، أحدها: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي عليه السلام حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة، وثانيها: اسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن سماعكم سماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا، وثالثها: اسمعوا ما أمرتم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصغاء إلى ما يقول والتفكر فيما يقول، ومعنى «العذاب الأليم» قد تقدم.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} ذكر شيئاً آخر من جهالات اليهود؛ والمقصود نهي المسلمين عن مثل ذلك. وحقيقةُ «رَاعِنَا» في اللغة أَرْعِنَا ولْنَرْعَك؛ لأن المفاعلة من ٱثنين؛ فتكون من رعاك الله، أي ٱحفظنا ولنحفظك، وٱرْقُبْنَا ولنرقبك. ويجوز أن يكون من أرعنا سمعك؛ أي فرّغ سمعك لكلامنا. وفي المخاطبة بهذا جفاء؛ فأمر المؤمنين أن يتخيّروا من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أرقّها. قال ٱبن عباس: كان المسلمون يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم: راعنا. على جهة الطلب والرّغبة ـ من المراعاة ـ أي ٱلتفِت إلينا؛ وكان هذا بلسان اليهود سَبًّا، أي ٱسمع لا سمِعتَ؛ فٱغتنموها وقالوا: كنا نَسُبّه سِراًّ فالآن نَسُبّه جهراً؛ فكانوا يخاطبون بها النبي صلى الله عليه وسلم ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم؛ فقال لليهود: عليكم لعنة الله! لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبيّ صلى الله عليه وسلم لأضربنّ عنقه؛ فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونُهُوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. الثانية: في هذه الآية دليلان: أحدهما ـ على تجنّب الألفاظ المحتملة التي فيهّا التعريض للتنقيص والغَضّ، ويخرج من هذا فهم القذف بالتعريض، وذلك يوجب الحدّ عندنا خلافاً لأبي حنيفة والشافعي وأصحابهما حين قالوا: التعريض محتمل للقذف وغيره، والحدّ مما يسقط بالشبهة. وسيأتي في «النور» بيان هذا، إن شاء الله تعالى. الدليل الثاني: التمسّك بسدّ الذرائع وحمايتها وهو مذهب مالك وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية عنه؛ وقد دلّ على هذا الأصل الكتابُ والسُّنة. والذَّرِيعة عبارةٌ عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ٱرتكابه الوقوع في ممنوع. أما الكتاب فهذه الآية، ووجه التمسك بها أن اليهود كانوا يقولون ذلك وهي سَبّ بلغتهم؛ فلما علم الله ذلك منهم منع من إطلاق ذلك اللفظ؛ لأنه ذريعة للسبّ، وقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الأنعام: 108] فمنع مِن سبّ آلهتهم مخافةَ مقابلتهم بمثل ذلك، وقوله تعالى: {أية : وَاسْئَلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ} تفسير : [الأعراف: 163] الآية؛ فحرّم عليهم تبارك وتعالى الصيد في يوم السبت؛ فكانت الحِيتان تأتيهم يوم السبت شُرّعاً، أي ظاهرة، فسدّوا عليها يوم السبت وأخذوها يوم الأحد، وكان السّدّ ذَرِيعة للاصطياد؛ فمسخهم الله قِردة وخنازير؛ وذكر الله لنا ذلك في معنى التحذير عن ذلك؛ وقوله تعالى لآدم وحوّاء: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}تفسير : [البقرة: 35] وقد تقدّم. وأمّا السُّنة فأحاديث كثيرة ثابتة صحيحة، منها حديث عائشة رضي الله عنها أن "حديث : أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهنّ ذكرتا كنيسة رأياها بالحبشة فيها تصاوير (فذكرتا ذلك) لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنَوْا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصُّوَر أولئك شرار الخلق عند الله»»تفسير : . أخرجه البخاري ومسلم. قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنّسوا برؤية تلك الصُّوَر ويتذكّروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم أنهم خَلَف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها؛ فحذّر النبيّ صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك، وشدّد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسدّ الذرائع المؤدّية إلى ذلك فقال: «حديث : اشتدّ غضب الله على قوم ٱتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد»تفسير : . وقال: «حديث : اللَّهُمّ لا تجعل قبري وَثَناً يُعبد»تفسير : . وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : الحلال بَيّن والحرام بَيْن وبينهما أمور متشابهات فمن ٱتقى الشبهات ٱستبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يَرْعَى حَوْل الحِمَى يوشِك أن يقع فيه»تفسير : . الحديث. فمنع من الإقدام على الشبهات مخافة الوقوع في المحرّمات؛ وذلك سَدًّا للذريعة. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يَدَعَ ما لا بأس به حذراً مما به البأس»تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن من الكبائر شتم الرجل والديه» قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم يَسُبُّ أبا الرجل فيَسُبُّ أباه ويسبُّ أُمَّه فيسبُّ أمهّ»تفسير : . فجعل التعرّض لسب الآباء كسب الآباء. وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا تبايعتم بالعِينَة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذُلاًّ لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم»تفسير : . وقال أبو عبيد الهَرَوي: العِينَة هو أن يبيع الرجل من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مُسَمًّى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. قال: فإن ٱشترى بحضرة طالب العِينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العِينة بثمن أكثر مما ٱشتراه إلى أجل مسمىًّ ثم باعها المشتري من البائع الأوّل بالنقد بأقل من الثمن فهذه أيضاً عِينة، وهي أهون من الأولى، وهو جائز عند بعضهم. وسُمّيت عِينة لحصول النقد لصاحب العِينة؛ وذلك لأن العَيْن هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعَيْن حاضر يصل إليه من فوره. وروى ٱبن وهب عن مالك أن أمّ ولد لزيد بن الأَرْقَم ذكرت لعائشة رضي الله عنها أنها باعت من زيد عبداً بثمانمائة إلى العطاء ثم ٱبتاعته منه بستمائة نقداً؛ فقالت عائشة: بئس ما شَرَيتِ، وبئس ما ٱشتريت! أبلِغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يَتُب. ومثل هذا لا يقال بالرأي؛ لأن إبطال الأعمال لا يتوصّل إلى معرفتها إلا بالوَحْي؛ فثبت أنه مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: دَعُوا الربا والرِّيبة. ونهى ابن عباس رضي الله عنهما عن دراهم بدراهم بينهما حريزة. قلت: فهذه هي الأدلة التي لنا على سدّ الذرائع، وعليه بنى المالكية كتاب الآجال وغيره من المسائل في البيوع وغيرها. وليس عند الشافعية كتاب الآجال؛ لأن ذلك عندهم عقود مختلفة مستقلة، قالوا: وأصل الأشياء على الظواهر لا على الظنون. والمالكية جعلوا السِّلعة محلّلة ليُتَوَصَل بها إلى دراهم بأكثر منها، وهذا هو الربا بعينه؛ فٱعلمه. الثالثة: قوله تعالى: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} نهيٌ يقتضي التحريم، على ما تقدّم. وقرأ الحسن «راعناً» منوّنة. وقال: أي هُجْراً من القول، وهو مصدر ونصبه بالقول؛ أي لا تقولوا رُعُونة. وقرأ زِرّ بن حُبَيش والأعمش «راعونا»؛ يقال لِما نَتَأ من الجبل: رَعْنٌ؛ والجبل أَرْعَن. وجَيْش أَرْعَن؛ أي متفرّق. وكذا رجل أَرْعن؛ أي متفرّق الحجج وليس عقله مجتمعاً؛ عن النحاس. وقال ٱبن فارس: رَعُن الرجل يَرْعُن رَعْناً فهو أرْعَن؛ أي أهْوَج. والمرأة رَعْناء. وسُمِّيت البصرة رَعْناء لأنها تُشَبّه برَعْن الجبل؛ قال ٱبن دُرَيْد ذلك، وأنشد للفَرَزْدَق:شعر : لولا ٱبن عتبة عمرو والرجاء له ما كانت البصرة الرّعناء لي وطنا تفسير : الرابعة: قوله تعالى: {وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا} أُمِروا أن يخاطبوه صلى الله عليه وسلم بالإجلال؛ والمعنى أَقبل علينا وٱنظر إلينا؛ فحذف حرف التعدية؛ كما قال:شعر : ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر الأراكَ الظِّبَاءُ تفسير : أي إلى الأراك. وقال مجاهد: المعنى فَهِّمْنا وبَيِّن لنا. وقيل: المعنى ٱنتظرنا وتأنّ بنا؛ قال: شعر : فإنكما إن تنظرانِي ساعةً من الدهر ينفعني لَدَى أُمِّ جُنْدَب تفسير : والظاهر ٱستدعاء نظر العين المقترن بتدبّر الحال؛ وهذا هو معنى راعنا، فبدّلت اللفظة للمؤمنين وزال تعلق اليهود. وقرأ الأعمش وغيره «أَنْظرنا» بقطع الألف وكسر الظاء، بمعنى أخِّرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك ونتلقّى منك؛ قال الشاعر:شعر : أبا هندٍ فلا تعجل علينا وأَنْظِرنا نخبِّرك اليقينا تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {وَٱسْمَعُواْ} لما نهى وأمر جل وعز، حضّ على السمع الذي في ضمنه الطاعة. وأعلم أن لمن خالف أمره فكفر عذاباً أليماً.

البيضاوي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا} الرعي حفظ الغير لمصلحته، وكان المسلمون يقولون للرسول عليه الصلاة والسلام راعنا أي راقبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه، وسمع اليهود فافترصوه وخاطبوه به مريدين نسبته إلى الرعن، أو سبه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابون بها وهي راعينا، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يقبل التلبيس، وهو انظرنا بمعنى انظر إلينا. أو انتظرنا من نظره إذا انتظره. وقرىء أنظرنا من الإنظار أي أمهلنا لنحفظ. وقرىء راعونا على لفظ الجمع للتوقير، وراعنا بالتنوين أي قولاً ذا رعن نسبة إلى الرعن وهو الهوج، لما شابه قولهم راعينا وتسبب للسب. {وَٱسْمَعُواْ} وأحسنوا الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه. {وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني الذين تهاونوا بالرسول عليه الصلاة والسلام وسبوه.

ابن كثير

تفسير : نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية؛ لما يقصدونه من التنقيص، عليهم لعائن الله، فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا، يقولون: راعنا، ويورون بالرعونة؛ كما قال تعالى: {أية : مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِى ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [النساء: 46]، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم بأنهم كانوا إذا سلموا إنما يقولون: السام عليكم، والسام هو الموت، ولهذا أمرنا أن نرد عليهم بـ «وعليكم»، وإِنما يستجاب لنا فيهم، ولا يستجاب لهم فينا، والغرض أن الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولاً وفعلاً، فقال {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُواْ وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وقال الإمام أحمد: أخبرنا أبو النضر أخبرنا عبد الرحمن بن ثابت أخبرنا حسان بن عطية، عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم»تفسير : ، وروى أبو داود عن عثمان بن أبي شيبة عن أبي شيبة عن أبي النضر هاشم أخبرنا ابن القاسم به: «حديث : من تشبه بقوم فهو منهم»تفسير : ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا، ولا نقر عليها. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي أخبرنا نعيم بن حماد أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا مسعر عن معن وعون أو أحدهما: أن رجلاً أتى عبد الله بن مسعود، فقال: اعهد إلي، فقال: إذا سمعت الله يقول: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فأرعها سمعك؛ فإنه خير يأمر به، أو شر ينهى عنه. وقال الأعمش عن خيثمة قال ما تقرؤون في القرآن {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فإِنه في التوراة: ياأيها المساكين. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس {رَٰعِنَا} أي: أرعنا سمعك. وقال الضحاك: عن ابن عباس {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا} قال: كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أرعنا سمعك، وإنما راعنا كقولك: عاطنا. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية وأبي مالك والربيع بن أنس، وعطية العوفي وقتادة نحو ذلك، وقال مجاهد: {لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا} لا تقولوا خلافاً، وفي رواية: لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك. وقال عطاء: لا تقولوا {رَٰعِنَا}، كانت لغة تقولها الأنصار، فنهى الله عنها، وقال الحسن: {لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا}، قال: الراعن من القول: السخري منه، نهاهم الله أن يسخروا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدعوهم إليه من الإسلام. وكذا روي عن ابن جريج أنه قال مثله، وقال أبو صخر: {لاَ تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا} قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدبر، ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فيقول: أرعنا سمعك، فأعظم الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقال ذلك له. وقال السدي: كان رجل من اليهود من بني قينقاع يدعى رفاعة بن زيد يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فإِذا لقيه فكلمه، قال: أرعني سمعك، واسمع غير مسمع، وكان المسلمون يحسبون أن الأنبياء كانت تفخم بهذا، فكان ناس منهم يقولون: اسمع غير مسمع غير صاغر، وهي كالتي في سورة النساء، فتقدم الله إلى المؤمنين أن لا يقولوا راعنا. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بنحو من هذا. قال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله تعالى نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم راعنا؛ لأنها كلمة كرهها الله تعالى أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تقولوا للعنب: الكرم، ولكن قولوا: الحبلة، ولا تقولوا: عبدي، ولكن قولوا: فتاي»تفسير : وما أشبه ذلك. وقوله تعالى: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} يبين بذلك تعالى شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، الذين حذر الله تعالى من مشابهتهم، للمؤمنين، ليقطع المودة بينهم وبينهم، ونبه تعالى على ما أنعم به على المؤمنين من الشرع التام الكامل الذي شرعه لنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول تعالى: {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ } للنبي {رٰعِنَا } أمر من (المراعاة) وكانوا يقولون له ذلك وهي بلغة اليهود سب من (الرعونة) فسُرُّوا بذلك وخاطبوا بها النبيَّ فنُهي المؤمنون عنها {وَقُولُواْ } بدلها {ٱنظُرْنَا } أي انظر إلينا {وَٱسْمَعُواْ } ما تؤمرون به سماع قبول {وَلِلكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم هو النار.

الشوكاني

تفسير : قوله: {رَاعِنَا} أي: راقبنا، واحفظنا، وصيغة المفاعلة تدل على أن معنى {رَاعِنَا}: ارعنا ونرعاك، واحفظنا ونحفظك، وارقبنا ونرقبك، ويجوز أن يكون من: أرعنا سمعك، أي: فرغه لكلامنا، وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً، قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت؛ وقيل غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبيّ صلى الله عليه وسلم راعنا؛طلباً منه أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السبّ الذي هو: معنى هذا اللفظ في لغتهم وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسبّ، والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سداً للذريعة ودفعاً للوسيلة، وقطعاً لمادة المفسدة، والتطرق إليه، ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص، ولا يصلح للتعريض، فقال: {وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا } أي: أقبل علينا، وانظر إلينا، فهو، من باب الحذف، والايصال، كما قال الشاعر:شعر : ظَاهِراتُ الْجَمَال والحَسُنِ يَنْظُر نَ كَمَا يَنْظُر الأرَاكَ الظِّباءُ تفسير : أي: إلى الأراك. وقيل: معناه: انتظرنا وتأنّ بنا، ومنه قول الشاعر:شعر : فإنكما إن تنظراني ساعةً من الدهر تنفعني لَدَى أمِّ جُنْدبَ تفسير : وقرأ الأعمش "ٱنظُرْنَا" بقطع الهمزة، وكسر الظاء، بمعنى أخرنا وأمهلنا، حتى نفهم عنك، ومنه قول الشاعر:شعر : أبا هندٍ فلا تعجل علينا وأنظرنا نخبرِّك اليقينا تفسير : وقرأ الحسن: "رٰعِنَا" بالتنوين، وقال: الراعن من القول السخريِّ. منه. انتهى. وأمرهم بعد هذا النهي، والأمر بأمر آخر وهو قوله: {وَٱسْمَعُواْ } أي: اسمعوا ما أمرتم به ونهيتم عنه، ومعناه: أطيعوا الله في ترك خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك اللفظ، وخاطبوه ما أمرتم به، ويحتمل أن يكون معناه: اسمعوا ما يخاطبكم به الرسول من الشرع، حتى يحصل لكم المطلوب بدون طلب للمراعاة، ثم توعد اليهود بقوله: {وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ويحتمل أن يكون وعيداً شاملاً لجنس الكفرة. قال ابن جرير: والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم: {رٰعِنَا } لأنها كلمة كرهها الله أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا تقولوا للعنب الكرم، ولكن قولوا الحَبَلَة، ولا تقولوا عبدي، ولكن قولوا فتاي»تفسير : وما أشبه ذلك. وقوله: {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } الآية، فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودّون إنزال الخير عليهم من الله سبحانه. ثم ردّ الله سبحانه ذلك عليهم، فقال: {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } الآية. وقوله: {أَن يُنَزّلَ} في محل نصب على المفعولية، و«من» في قوله: {مّنْ خَيْرٍ } زائدة، قاله النحاس، وفي الكشاف أن «من» في قوله: {مّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ } بيانية، وفي قوله: {مّنْ خَيْرٍ } مزيدة لاستغراق الخير، وفي قوله: {مّن رَّبّكُمْ } لابتداء الغاية، وقد قيل بأن الخير الوحي. وقيل غير ذلك، والظاهر أنهم لا يودّون أن ينزل على المسلمين أيّ خير كان، فهو لا يختص بنوع معين، كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي، وتأكيد العموم بدخول «من» المزيدة عليها، وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض، فذلك لا يوجب التخصيص. والرحمة قيل: هي القرآن. وقيل النبوّة. وقيل: جنس الرحمة من غير تعيين كما يفيد ذلك الإضافة إلى ضميره تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ } أي: صاحب الفضل العظيم، فكيف لا تودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده. وقد أخرج سعيد بن منصور في سننه، وأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود؛ أن رجلاً أتاه، فقال: اعهد إلىَّ، فقال: إذا سمعت الله يقول: فأوعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شرّ ينهي عنه. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عن ابن عباس قال: {رٰعِنَا } بلسان اليهود: السبّ القبيح، وكان اليهود يقولون ذلك لرسول الله سرّاً، فلما سمعوا أصحابه يقولون ذلك أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك، ويضحكون، فيما بينهم، فأنزل الله الآية. وأخرج أبو نعيم في الدلائل، عنه أنه قال المؤمنون بعد هذه الآية: من سمعتموه يقولها، فاضربوا عنقه. فانتهت اليهود بعد ذلك. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن السدي قال: كان رجلان من اليهود: مالك بن الصيف، ورفاعة بن زيد، إذا لقيا النبيّ صلى الله عليه وسلم قالا له، وهما يكلمانه: راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، فظنّ المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم فأنزل الله الآية. وأخرج ابن المنذر، وابن أبـي حاتم عن أبـي صخر قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فقالوا: ارعنا سمعك، فأعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا: {ٱنظُرْنَا } ليعزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويوقروه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم، عن قتادة: أن اليهود كانت تقول ذلك استهزاءً، فكره الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم، وأخرج ابن حاتم، عن مجاهد قال: الرحمة القرآن والإسلام.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} فيه تأويلان: أحدهما: معناه لا تقولوا... وهو قول عطاء. والثاني: يعني ارعنا سمعك، أي اسمع منا ونسمع منك، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد. واختلفوا لِمَ نُهِي المسلمون عن ذلك؟ على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها كلمة كانت اليهود تقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الاستهزاء والسب؛ كما قالوا سمعنا وعصينا، واسمع غير مسمع، وراعنا ليّاً بألسنتهم، فَنُهِيَ المسلمون عن قولها، وهذا قول ابن عباس وقتادة. والثاني: أن القائل لها، كان رجلاً من اليهود دون غيره، يقال له رفاعة بن زيد، فَنُهِيَ المسلمون عن ذلك، وهذا قول السدي. والثالث: أنها كلمة، كانت الأنصار في الجاهلية تقولها، فنهاهم الله في الإسلام عنها. {وَقُولُوا انظُرْنَا} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه أَفْهِمْنَا وبين لنا، وهذا قول مجاهد. والثاني: معناه أَمْهِلْنا. والثالث: معناه أَقْبِلْ علينا وانظر إلينا. {وَاسْمَعُوا} يعني ما تؤمرون به.

ابن عبد السلام

تفسير : {رَاعِنَا} لا تقولوا: خلافاً، أو ارعنا سمعك أي اسمع منا ونسمع منك. كانت الأنصار تقولها في الجاهلية فنهوا عنها في الإسلام، أو قالتها اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم على وجه الاستهزاء والسب، أو قالها رفاعة بن زيد وحده ـ فنهي المسلمون عنها. {انظُرْنَا} أفهمنا وبيّن لنا، أو أمهلنا، أو أقبل علينا وانظر إلينا، {وَاسْمَعُواْ} ما تؤمرون به.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا...} اختلف الأصوليون في صيغة افعل هل هو من قسم المركب أو من قسم المفرد؟ حكاه الأنباري في شرح المحصول. وقال صاحب الجمل: واللّفظ المركب إن دلّ بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرا ومع الخضوع سؤالا ومع التساوي التماسا وإلا كان تنبيها إن لم يحتمل الصدق والكذب، وإن احتملهما كان خبرا وقضية (جعلها) من قسم المركب، فهل الآية حجة لأحد المذهبين أم لا؟ من ناحية أن القول إنما (يحكى) به الجمل لا المفردات؟ قال: لا دليل فيها لأن "رَاعِنَا" (قد) اتّصل به ضمير المفعول فهو مركب (هنا) بلا شك. وقرئ "رَاعِناً" بالتنوين على أنه نعت لمصدر محذوف أي قولا راعِنا. فعلى هذا المراد بذلك نفس القول وعلى (القراءة) الأخرى المقول له.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ما ننسخ} بضم النون وكسر السين: ابن ذكوان {ننسأها} مهموزاً: ابن كثير وأبو عمرو غير أوقية، وروى أوقية بغير همز، الباقون: ننسها من الإنساء {نأت بخير} بغير همز: أبو عمرو غير إبراهيم بن حماد ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف، الباقون وإبراهيم بن حماد بالهمزة لأنه جواب الشرط، ومن شرطه أن يهمز كل ما كان نسقاً أي عطفاً على المجزوم أو جواباً للمجزوم كل القرآن مثل قوله عز وجل {إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم} وقوله {ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها} وأشباه ذلك {فقد ضل} بالإظهار: حجازي غير ورش وعاصم غير الأعشى، وكذلك يظهرون الدال عند الذال والظاء حيث وقعتا مثل قوله تعالى: {فقد ظلم} {ولقد ذرأنا} وأشباه ذلك. الوقوف: {واسمعوا} (ط) {أليم} (ه) {من ربكم} (ط) {من يشاء} (ط) {العظيم} (ه) {أو مثلها} (ط) {قدير} (ه) {والأرض} (ط) {ولا نصير} (ه) ربع الجزء {ومن قبل} (ط) {السبيل} (ه). التفسير: لما شرح الله تعالى قبائح أفعال السلف من اليهود، شرع في قبائح أخلاق المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجدّهم واجتهادهم في القدح فيه والطعن في دينه، واعلم أن الله تعالى خاطب المؤمنين في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن. قال ابن عباس: وكان يخاطب في التوراة بـ "يا أيها المساكين" فكأنه سبحانه لما خاطبهم أولاً بالمساكين أثبت لهم المسكنة آخراً حيث قال {أية : وضربت عليهم الذلة والمسكنة} تفسير : [البقرة: 61] وهذا يدل على أنه تعالى لما خاطب هذه الأمة بالإيمان أوّلاً فإنه تعالى يعطيهم الأمان من العذاب آخراً {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} تفسير : [الأحزاب: 47]، ولا سيما فإن المؤمن اسم من أسمائه العظام، ففيه دليل على أنه تعالى يقرّبهم منه في دار السلام. وقيل: آمنوا على الغيبة نظراً إلى المظهر وهو "الذين" ولو قيل آمنتم نظراً إلى النداء جاز من حيث العربية، ثم إنه لا يبعد في الكلمتين المترادفتين أن يمنع الله من إحداهما ويأذن في الأخرى ومن هنا قال الشافعي: لا تصح الصلاة بترجمة الفاتحة عربية كانت أو فارسية. فلا يبعد أن يمنع الله من قول {راعنا} ويأذن في قول {انظرنا} وإن كانا مترادفين. ولكن جمهور المفسرين على أنه تعالى إنما منع من قول {راعنا} لاشتماله على مفسدة. ثم ذكروا وجوهاً منها: أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم راعنا يا رسول الله، واليهود كانت لهم كلمة عبرانية يتسابون بها تشبه هذه الكلمة وهي "راعينا" ومعناها "اسمع لا سمعت" كما صرح بذلك في سورة النساء {أية : ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا} تفسير : [النساء: 46] فإن الجميع كأنها متقاربة فلما سمعوا المسلمين يقولون "راعنا" افترصوه وخاطبوا به الرسول وهم يعنون المسبة، فنهى المؤمنون عنها وأمروا بلفظة أخرى وهي {انظرنا}. روي أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده إن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت، ومنها قال قطرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى إلا أن أهل الحجاز كانوا يقولونها عند الهزء والسخرية فلا جرم نهى الله عنها، وقيل: إن اليهود كانوا يقولون "راعينا" أي أنت راعي غنمنا فنهاهم عنه. وقيل: إن هذه اللفظة لكونها من باب المفاعلة، تدل علىالمساواة بين المتخاطبين كأنهم قالوا: أرعنا سمعك لنرعيك أسماعنا فنهوا عنه {أية : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً}تفسير : [النور: 63] وقيل: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء أي راع كلامي ولا تغفل عنه ولا تشتغل بغيره، وليس في {انظرنا} إلا سؤال الانتظار. وقيل: إنها تشبه اسم الفاعل من الرعونة والحمق، فيحتمل أنهم أرادوا به المصدر كقولهم "عائذاً بك" أي أعوذ عياذاً. فقولهم {راعنا} أي فعلت رعونة، ويحتمل أنهم أرادوا صرت راعنا أي ذا رعونة، فلمكان هذه الوجوه الفاسدة نهى الله عنها، وقيل: المراد لا تقولوا قولاً راعناً أي منسوباً إلى الرعن كدارع ولابن، ومنه قراءة الحسن {راعناً} بالتنوين. وانظرنا من نظره إذا انتظره {أية : انظرونا نقتبس من نوركم} تفسير : [الحديد: 13] أمرهم الله تعالى أن يسألوه صلى الله عليه وسلم الإمهال لينقلوا عنه فلا يحتاجون إلى الاستعادة كأنهم قالوا له: توقف في كلامك وبيانك مقدار ما يصل إلى أفهامنا. وهذا القدر غير خارج عن قانون الأدب فقد يلتمسه المتعلم حرصاً منه على أن لا يفوت منه شيء من الفوائد وإن كان المعلم غير مهمل دقائق التفهيم والإرشاد من التثبت والتأني والإعادة إن احتيج إليها ونحو ذلك. وقيل: انظرنا معناه انظر إلينا مثل {أية : واختار موسى قومه} تفسير : [الأعراف: 155] أي من قومه. والغرض أن المعلم إذا نظر إلى المتعلم كانت إفاضته عليه أظهر وأقوى. وفي قراءة أبيّ {انظرنا} من النظرة أي أمهلنا حتى نحفظه. {واسمعوا} معناه أحسنوا سماع كلام نبيكم بآذان واعية وأذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة، أو اسمعوا سماع قبول وطاعة لا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا ما أمرتم به ولا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه من قول راعنا، وللكافرين ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه عذاب أليم قوله {ما يود} الآية. "من" الأولى للبيان، لأن {الذين كفروا} جنس تحته نوعان: أهل الكتاب والمشركون. كقوله {أية : لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين} تفسير : [البينة: 1] "ولا" مزيدة لتأكيد النفي وقرئ {ولا المشركون} والثانية مزيدة لاستغراق الخير فـ {أن ينزل} في سياق النفي: فمعنى ما يود أن ينزل يود أن لا ينزل. والثالثة لابتداء الغاية، والخير الوحي وكذلك الرحمة {أية : أهم يقسمون رحمة ربك} تفسير : [الزخرفة: 32] والمعنى أنهم يرون أنفسهم أحق بأن يوحى إليهم فيحسدونكم وما يحبون أن ينزل عليكم شيء من الوحي، ولا أثر لهذا الحسد فإن الله يختص بالنبوة من يشاء ولا يكون إلا ما يشاء، وما يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة. {والله ذو الفضل العظيم} والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة، والإفضال والإحسان، وفيه إشعار بأن إيتاء النبوة من غاية الإحسان وأنهار شحة من بحار كماله {أية : إن فضله كان عليك كبيراً} تفسير : [الإسراء: 87]. قوله عز من قائل {وما ننسخ من آية} نوع ثان من تقرير مطاعن اليهود خذلهم الله في الإسلام. روي أنهم قالوا: ألا ترون إلى محمد صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً فنزلت. وفي الآية مسائل: الأولى: النسخ لغة هو الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته. والنقل أيضاً وهو أ ن يغير الشيء في صفته وحاله مع بقائه في نفسه، ومنه نسخت الكتاب، والمناسخات في المواريث لانتقال التركة من قوم إلى قوم. فقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في الأول مجاز في الثاني، وقيل بالعكس. وفي الاصطلاح: هو رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر، فيخرج المباح بحكم الأصل إذا ورد الشرع بضده رافعاً لإباحته فإنه لا يسمى نسخاً إذ ليس رفع حكم شرعي ويخرج أيضاً الرفع بالنور والغفلة لأن ذلك الرفع ليس بمجرد الدليل الشرعي وهو "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" ونحوه، بل يقتضيه العقل أيضاً بخلاف الرفع بنحو "دعي الصلاة أيام أقرائك" فإنه لا مجال للعقل فيه. ويخرج الرفع بنحو "صم إلى آخر الشهر" فإن "إلى" أوجبت مخالفة حكم ما بعدها لما قبلها إلا أنها لا تسمى نسخاً لأنه ليس متأخراً، ويمكن أن يقال: إن قيد متأخر إنما ينبغي أن يذكر لأن دليل النسخ لا يكون إلا كذلك. ونحو "صم إلى كذا" وأمثاله من أنواع التخصيص متصلاً كان أو منفصلاً، إنما خرج بقيد الرفع لأن رفع الحكم إنما يكون بعد إرادة حصوله على المكلف، والتخصيص ليس كذلك لأن صورة التخصيص غير مرادة من اللفظ بل التخصيص مبين لمراد الشارع من العام. ونعني بالحكم ههنا ما يحصل على المكلف بعد أن لم يكن، فإن الوجوب المشروط بالعقل الذي هو مناط التكليف لم يكن حاصلاً عند انتفاء العقل والموقوف على الحادث حادث. وإذا كان المراد بالحكم هذا فلا يرد قول المعتزلة الحكم عندكم قديم فكيف يرتفع؟ وذلك أنا عنينا بالحكم تعلق الخطاب بعدما لم يتعلق وهذا محدث يرتفع. وأيضاً نقطع بأنه إذا ثبت تحريم شيء بعد وجوبه انتفى الوجوب الثابت أولاً وهو المعنى بالرفع، ويحسن أيضاً أن يقال: النسخ بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ، فيخرج بقولنا "شرعي" بيان انتهاء حكم عقلي كالبراءة الأصلية، و"بطريق شرعي" يخرج به بيان انتهاء الحكم الشرعي بطريق عقلي كانتساخ القيام عمن ينكسر رجله. وقولنا "متراخ" ليخرج التخصيص بالغاية. ومن هذا يعلم تعريف الناسخ والمنسوخ، ومعنى بيان انتهاء الحكم أن الخطاب السابق له غاية في علم الله تعالى، فإذا انتهى إلى تلك الغاية زال بذاته، ثم ورد الخطاب اللاحق بياناً لذلك. المسألة الثانية: انعقد الإجماع من أكثر أرباب الشرائع ومن المسلمين خاصة على جواز النسخ عقلاً وعلى الوقوع شرعاً، وخالف اليهود في الجواز، وأبو مسلم الأصفهاني من المسلمين في الوقوع لا الجواز. لنا القطع بالجواز ضرورة فإن له تعالى أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير النظر إلى حكمة ومصلحة، وإن اعتبرت المصالح فالقطع أن المصلحة قد تختلف باختلاف الأوقات فهذا ما يدل على جواز النسخ. وفي التوراة أنه أمر آدم بتزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده باتفاق، وهذا ما يدل على وقوعه، وكيف لا وقد ثبت بالدلائل القاطعة والمعجزات الباهرة نبوته محمد صلى الله عليه وسلم، وبصحة نبوته يلزم نسخ شرع من قبله. ولم يكن لليهود والنصارى نص صريح يعلم منه أمد شرعهم على التعيين حتى يلزم أن يكون شرع نبينا انتهاء غاية لا نسخاً. حجة اليهود لو نسخت شريعة موسى لبطل قول موسى المتواتر "هذه شريعة مؤبدة عليكم بها ما دامت السموات والأرض" وأيضاً إن كان نسخ الحكم الشرعي لحكمة ظهرت له تعالى لم تكن ظاهرة فهو البداء وإلا فعبث وكلاهما محال على الله تعالى، إذ البداء عبارة عن الظهور بعد الخفاء والعبث فعل لا يستتبع غاية. والجواب عن الأول المنع من أنه قول موسى عليه السلام، ويؤكده أنه لو كان هذا القول صحيحاً عندهم لقضت العادة بقوله لرسولنا صلى الله عليه وسلم ولحاجوه بذلك، لكن اليهود لم يتمسكوا به في عهده فدل ذلك على أنه إفك افتراه المتأخرون منهم. وعن الثاني بعد تسليم اعتبار المصالح أنها تختلف باختلاف الأزمان والأحوال كمنفعة شرب دواء في حال وضرره في آخر، بل الزمان الممتد من الأزل إلى الأبد قد وزع أجزاؤه فيما لم يزل على الجزئيات الواقعة فيها الصادرة شيئاً فشيئاً بحسب وقت وقت لا لمصلحة تعود إليه تعالى بل لما هو أصلح بالنسبة إلى المتزمنات. فالظهور والخفاء والسابق واللاحق، والإعدام والإيجاد، كلها بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إلى حضرة الواجب جل ذكره فقد جف القلم بما هو كائن إلى يوم الدين. والحاصل أن كل حكم فله غاية في علم الله تعالى، ولكن قد يظن المكلف استمراره في الاستقبال من قرائن الأحوال، فإذا ورد ما يبين أمده ونص له على زواله فذلك الوارد ناسخ والأول منسوخ والورود نسخ، وكل هذه التجددات بالنسبة إلى المكلف، وأما بالإضافة إليه تعالى فكل من الحكمين موجود في وقته الذي قدر له فيه الظهور متقدماً أحدهما ومتأخراً الآخر. وليس هذا في الأحكام فقط وإنما ذلك في كل حادث، فمن تأمل نسخة الوجود ونسب الحوادث المتفاوتة بعضها إلى بعض بالتقدم والتأخر والمعية، وجد وجوداتها المترتبة أشبه شيء بكتاب يقرؤه القارئ سطراً بعد سطر، وكلمة تلو كلمة، إذا انقضى مجموع من ذلك تلاه مجموع آخر حسب ما رتبه الحكيم العليم بمبادئه ومقاطعه، فالمنقضي في حكم المحو، والتالي في حكم الإثبات، والهيئة الاجتماعية بدون اعتبار التلاوة المستلزمة لانقضاء شيء وظهور ما يعقبه هي أم الكتاب، وهذا سر قوله عز من قائل {أية : يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب}تفسير : [الرعد: 39] ولك أن تعبر عن المجموع الدفعي بالقضاء وعن ظهوره التدريجي بالقدر وفي هذا القدر كفاية للفطن المستبصر. المسألة الثالثة: اتفقوا على وقوع النسخ في القرآن بوجوه: أحدها: هذه الآية أعني ما ننسخ من آية. وأجاب أبو مسلم بأن المراد بالآيات المنسوخة الشرائع التي في الكتب القديمة من التوراة والإنجيل كالسبت والصلاة إلى المشرق والمغرب مما وضعه الله عنا وتعبدنا بغيره، فإن اليهود والنصارى كانوا يقولون لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، فأبطل الله ذلك عليهم بهذه الآية. وأيضاً لعل المراد من النسخ نقله من اللوح المحفوظ وتحويله عنه إلى سائر الكتب. وأيضاً إن ما ههنا يفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه وثانيها: الاعتداد بالحول في قوله {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول} تفسير : [البقرة: 240] نسخ بأربعة أشهر وعشر في قوله {أية : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً}تفسير : [البقرة: 234] أجاب أبو مسلم بأن الاعتداد بالحول ما زال بالكلية لأنها لو كانت حاملاً ومدة حملها حول كامل لكانت عدتها حولاً كاملاً، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان ذلك تخصيصاً لا نسخاً. ورد بأن عدة الحمل تنقضي بوضع الحمل سواء حصل وضع الحمل بسنة أو أقل أو أكثر، فجعل السنة مدة للعدة يكون زائلاً بالكلية. وثالثها: {أية : إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة} تفسير : [المجادلة: 12] منسوخة بالاتفاق، أجاب بأنه زال لزوال سببه، لأن سبب التعبد بها أن يمتاز المنافقون عن المؤمنين. ورد بأنه يلزم منه أن من لم يتصدق كان منافقاً وهو باطل، لما روي أنه لم يتصدق غير علي عليه السلام، وبدليل {أية : فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم}تفسير : [المجادلة: 13] ورابعها: الأمر بثبات الواحد للعشرة في قوله {أية : فإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}تفسير : [الأنفال: 65] ثم نسخ ذلك بقوله {أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} تفسير : [الأنفال: 66] وخامسها: تحويل القبلة. قال أبو مسلم: حكم تلك القبلة ما زال بالكلية لجواز التوجه إليه عند الإشكال، أو مع العلم إذا كان هناك عذر. ورد بأن بيت المقدس وسائر الجهات في ذلك سواء. وسادسها: {أية : وإذا بدلنا آية مكان آية} تفسير : [النحل: 101] والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة وإما الحكم. وكيفما كان فهو رفع ونسخ، فهذه الدلائل وأمثالها تدل على وقوع النسخ في الجملة. حجة أبي مسلم {أية : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه}تفسير : [فصلت: 42] والجواب أن الضمير للمجموع، وأيضاً نسخة بالنسبة إلى المكلف لا ينافي حقيته في نفسه وكونه قرآناً عربياً. المسألة الرابعة: المنسوخ إما أن يكون هو الحكم فقط كالآيات المعدودة، أو التلاوة فقط كما يروى عن عمر أنه قال: كنا نقرأ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وروي "لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب"، أو الحكم والتلاوة معاً كما روي عن عائشة "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات ثم نسخن بخمس" فالعشر مرفوع التلاوة والحكم جميعاً، والخمس مرفوع التلاوة باقي الحكم. ويروى أن سورة الأحزاب كانت بمنزلة السبع الطوال أو أزيد ثم وقع النقصان. ولنرجع إلى تفسير الآية {ما ننسخ} محمول على نسخ الحكم وإزالته دون التلاوة، أو ننسها على نسخ الحكم والتلاوة جميعاً. وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب وذلك بأن تخرج من جملة ما يتلى ويقرأ في الصلاة، أو يحتج به، فإذا زال حكم التعبد به وطال العهد نسي، وإن ذكر فعلى طريق ما يذكر خبر الواحد، فتصير بهذا الوجه منسية من الصدور أو يكون ذلك معجزة له صلى الله عليه وسلم كما يروى أنهم كانوا يقرأون السورة فيصبحون وقد نسوها. قال عز من قائل {أية : سنقرئك فلا تنسى. إلا ما شاء الله}تفسير : [الأعلى: 6 - 7] وإنساخ الآية الأمر بنسخها وهو أن يأمر جبريل بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها، ونسؤها تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل. وقيل: ما ننسخ من آية أي نبدلها إما بأن نبدل حكمها فقط، أو تلاوتها فقط، أو نبدلهما، أو ننسها نتركها كما كانت ولا نبدلها، لأن النسيان قد يجيء بمعنى الترك. وقيل: ما ننسخ من آية ما نرفعها بعد إنزالها أو ننسأها بالهمزة نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، أو نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال فإنا ننزل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة. ولا يخفى أن قوله {نأت بخير منها أو مثلها} لا ينطبق على هذين القولين كما ينبغي. ومعنى الآية عند جمهور المفسرين آية القرآن، وعند أبي مسلم التوراة والإنجيل كما مر. وقد عرفت أنه يمكن حملها على معنى أعم، فكل مجموع من الوجود في كل زمان من الأزمنة آية من صحيفة المخلوقات، وكل فرد من ذلك المجموع كلمة من كلمة الله {أية : قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي} تفسير : [الكهف: 109] ومعنى {نأت بخير منها أو مثلها} إن حملنا الآية على ما يتضمن حكماً على المكلف أن الثاني أخف أو أصلح بالنسبة إلى وقته كما أن الأول كان أصلح بالإضافة إلى وقته. فالثاني خير بالنسبة إلى وقته، ومثل الأول بالنسبة إلى وقته، أو يراد أن العمل بالثاني أكثر ثواباً من العمل بالأول أو مساوٍ له، فكل منهما قد تقتضيه الحكمة دون ما هو أقل ثواباً، وإن حملنا الآية على غير ذلك فيتعين الأصلح. قال أهل الإشارة أراد بالنسخ نقل السالك وترقيه من حال إلى حال أعلى منه، وإن غصن استكمالهم أبداً ناضر، ونجم وصالهم دائماً زاهر، فلا ينسخ من آثار عباداتهم شيء إلا أبدل منها أشياء من أنوار العبودية، ولا ينسخ شيء من أنوار العبودية إلا أقيم مكانها أشياء من أقمار الربوبية. وأيضاً إنهم يشاهدون بعض الوقائع الشريفة في الصور اللطيفة كسبتها المتخيلة بحسب صفاء الوقت وعلو المقام، فلما ارتقوا إلى مقام آخر لا يشاهدون ذلك بتلك المشاهدة، فيظن السالك الغر أنه حجب عن ذلك المقام أو الحال، فقيل: ما ننسخ من آية من آيات المقامات، أو ننسها بأن نمحوها من إدراك الخيال، نأت بخير من تلك المشاهدة أو مثلها. ثم الأئمة استنبطوا من الآية مسائل: الأولى: زعم قوم أنه لا يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل لقوله {نأت بخير منها أو مثلها} والجمهور على خلافه لأن الآية لا تدل إلا على وجوب الإتيان بآية أخرى، أما على وجوب الإتيان بحكم آخر فلا. سلمنا لكنه مخصوص بنسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى، وبنسخ وجوب الإمساك بعد الفطر من غير بدل. سلمنا عدم تخصيصه لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك البدل عدم الحكم الذي رفع بالنسخ ويكون نسخه بغير بدل وجودي خيراً للمكلف لمصلحة علمت. الثانية: زعم قوم أن النسخ لا يجوز بأثقل، لأن الأثقل لا يكون خيراً منه ولا مثله. وردّ الجمهور عليهم بأن المراد كثرة الثواب وذلك لا ينافي كونه أثقل "أجرك على قدر نصبك" وأيضاً قد وقع كنسخ التخيير بين الصوم والفدية بالصوم حتماً، وصوم عاشوراء برمضان، والحبس في البيوت للزاني بالحد. وأما النسخ إلى الأخف فكنسخ العدة من الحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ صلاة الليل إلى التخيير فيها. وأما نسخ الشيء إلى المثل فكالتحويل من بيت المقدس إلى الكعبة. الثالثة: عن الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة لقوله {نأت بخير منها} وذلك يدل على أن المأتي به من جنسه كما إذا قال الإنسان "ما آخذ منك من ثوب آتك بخير منه" يفيد أنه يأتيه بثوب من جنسه خير منه، وجنس القرآن قرآن. وأيضاً {نأت} يدل على أن الآتي هو الله لا الرسول. وأيضاً المأتي به خير والسنة لا تكون خيراً من القرآن. وأيضاً قوله {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} دل على أن الآتي بذلك الخير هو القادر على جميع الخيرات وعلى تصريف المكلف تحت مشيئته وإرادته، لا دافع لما أراد ولا مانع لما شاء وذلك هو الله تعالى. وأجيب بأن قوله {نأت بخير منها} ليس فيه أن ذلك الخير يجب أن يكون ناسخاً، بل لا يمتنع أن يكون ذلك الخير شيئاً مغايراً للناسخ يحصل بعد حصول النسخ وذلك أن الإتيان بذلك الخير مرتب على نسخ الآية الأولى، فلو كان نسخ تلك الآية مرتباً على الإتيان بذلك الخير لزم الدور. قلت: ويمكن دفع الدور بأن يقال: المراد ما أردنا نسخها من آية نأت بخير منها حتى ننسخها. ثم احتج الجمهور على وقوع نسخ الكتاب بالسنة بأن آية الوصية للأقربين منسوخة بقوله "حديث : ألا لا وصية لوارث" تفسير : وبأن آية الجلد صارت منسوخة بخبر الرجم. أجاب الشافعي: بأن كون الميراث حقاً للوارث يمنع من صرفه إلى الوصية، فثبت أن آية الميراث مانعة من الوصية، ولعل الرجم إنما ثبت بقوله تعالى "الشيخ والشيخة" الخ. {له ملك السموات والأرض} فهو يدبر الأمور ويجريها على حسب المصالح، وهو أعلم بما يتعبد المكلفين به من ناسخ ومنسوخ. والخطاب في {ألم تعلم} إما للنبي صلى الله عليه وسلم فتدخل الأمة تبعاً، أو لكل من له أهلية الخطاب. ومعنى الاستفهام فيه التقرير والإثبات لظهور آثار قدرته ووضوح آيات ملكه وسلطانه. وقيل: إشارة إلى ما شاهد ليلة المعجزات بعين اليقين ثم علمها حق اليقين، فترقى من رؤية الآيات إلى كشف الصفات، ومن كشف الصفات إلى عيان الذات، ثم نسخت عن الخيال وأثبتت في العيان. والولي ضد العدو، وكل من ولي أمر واحد فهو وليه، فعيل بمعنى فاعل وكذا النصير. والواو في {وما لكم} يحتمل أن تكون للاعتراض فلا محل للجملة، ويحتمل أن تكون للعطف على {له ملك السموات} فيدخل تحت الاستفهام، ويكون قوله {من دون الله} من وضع الظاهر موضع الضمير ولا يوقف على {والأرض}. {أم تريدون} قيل: الخطاب للمسلمين لقوله {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} وهذا لا يصح إلا في حق المؤمنين، ولأن "أم" للعطف ولا معطوف ظاهراً. فالتقدير: وقولوا انظرنا واسمعوا، فهل تفعلون هذا كما أمرتم {أم تريدون أن تسألوا رسولكم} ولأنه سأل قوم من المسلمين أن يجعل صلى الله عليه وسلم لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ذات أنواط وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب كما سألوا موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة وهذا قول الأصم والجبائي وأبي مسلم. وقيل: إنه خطاب لأهل مكة وهو قول ابن عباس ومجاهد إن عبد الله بن أمية المخزومي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قريش فقال: يا محمد، ما أؤمن بك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل وعنب، أو يكون لك بيت من زخرف، أو ترقى في السماء، ولن نؤمن لرقيك بعد ذلك حتى تنزل علينا كتاباً من الله إلى عبد الله بن أمية أن محمداً رسول الله فاتبعوه. فقال له بقية الرهط: فإن لم تستطع ذلك فأتنا بكتاب من عند الله جملة واحدة فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض كما جاء موسى إلى قومه بالألواح من عند الله كما سأله السبعون، وعن مجاهد: أن قريشاً سألت محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً. فقال: نعم هو لكم كالمائدة لبني إسرائيل فأبوا ورجعوا. وقيل: المراد اليهود لأن هذه السورة من أول قوله {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} حكاية عنهم ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يتبدل كفراً بإيمان، وليس في ظاهر الآية أنهم أتوا بالسؤال فضلاً عن كيفية السؤال، بل المرجع فيه إلى الروايات المذكورة. وههنا بحث وهو أن السؤال الذي ذكروه إن كان طلباً للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل علىالشيء لا يكون كفراً وإن كان ذلك طلباً لوجه الحكمة التفصيلية في نسخ الأحكام، فهذا أيضاً لا يكون كفراً فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلق البشر ولم يكن ذلك كفراً. فالتفكير إما لأنهم طلبوا منه صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، وإما لأنهم طلبوا المعجزات على وجه التعنت واللجاج. قلت: والأصوب في الآية أن يكون {أم تريدون} معطوفاً على {ألم تعلم} على أنه خطاب لكل مكلف، فيكون في معنى الجمع. ثم "أم" إما أن تكون متصلة على معنى أي الأمرين كائن فإن العلم واقع بكون أحدهما لأنه إما أن لا يعلم نفوذ علمه وقدرته وأن الكل تحت قدرته وقهره وتسخيره، وإما أن يعلم فيسأل وجه الحكمة في النسخ وغيره على سبيل العناد وكلا الأمرين يوجب التكفير. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأن المعترف بحكمته البالغة وعنايته الشاملة ورأفته الكاملة وقدرته الظاهرة من حقه أن يقتصر على علمه الإجمالي ولا يتخطى مقام الأدب في البحث والتفتيش عن تفاصيل حكمته التي لا تكاد تنحصر. ويوهم أن السائل في شك مما أمر به أو نهي عنه، وعلى هذا لا يوقف على نصير. وإما منقطعة على أنه أضرب عن الاستفهام الأول واستأنف استفهاماً ثانياً، ويحتمل أن لا يكون قوله {ومن يتبدل الكفر بالإيمان} حكماً بتكفيرهم بسبب السؤال بل يكون تنبيهاً للمكلفين، على أن السؤال عما لا يهم لهم مما قد ينجر إلى الغواية لكثرة عروض الشكوك والشبهات حتى يقفوا على الاعتقاد الحق والتقليد الصرف فيما لا سبيل إلى درك تفاصيله أو لا يهم معرفتها. وسواء السبيل وسطه وهو الصراط المستقيم الذي مر تفسيره.

ابن عادل

تفسير : اعلم أن الله ـ تعالى ـ لما شرح قبائح أفعالهم قبل مبعث محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ أراد أن يشرح قبائح أفعالهم عند مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وجدّهم واجتهادهم في القَدْحِ فيه والطعن في دينه. واعلم أنّ الله ـ تعالى ـ خاطب المؤمنين بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن. قال ابن عباس رضي الله عنه: "وكان يخاطب في التوراة بقوله: يا أيها المَسَاكين". فصل في لفظ راعنا روي أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا يا رسول الله من المُرَاعاة، أي: راعنا سمعك أي فَرّغ سمعك لكلامنا، يقال: رعى إلى الشيء وَرَعَاه، أي: أَصْغى إليه وأسمعه، وكانت هذه اللفظة شيئاً قبيحاً بلغة اليهود. وقيل: معناه عندهم اسمع لا سمعت. وقيل: هو من الرُّعونة، وإذا أرادوا أن يحمقوا إنساناً قالوا: راعنا بمعنى يا أحمق، فلما سمع اليهود هذه اللفظة من المسلمين قالوا فيما بينهم: كنا نسبُّ محمداً سرًّا، فأعلنوا به الآن، فكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد، ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن مُعَاذٍ، ففطن لها، وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: لئن سمعتها من أحد منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عُنُقه قالوا: أو لستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: {يَا أيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولوا: رَاعِنَا} لكي لا يتخذ اليهود ذلك سبيلاً إلى شَتْم رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا} ويدلّ على هذا قوله تعالى في سورة "النساء": {أية : وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي ٱلدِّينِ}تفسير : [النساء:46]. قال قُطْرب: هذه الكلمة وإن كانت صحيحة المعنى، إلاّ أن أهل "الحجاز" ما كانوا يقولونها إلاّ عند الهَزْل والسخرية، فلا جرم نهى الله عنها. وقيل: إن اليهود كانوا يقولون: راعنا أي: أنت راعي غنمنا فنهاهم الله عنها. وقيل: قوله: "راعنا" خطاب مع الاستعلاء كأنه يقول: راعِ كلامي فلا تغفل عنه، ولا تشتغل بغيره، وليس في قوله: "انظرنا" إلا سؤال الانتظار إلى مقدار ما يصل إلى فهم كلامه. والجمهور على أن "راعنا" أمر من المُرَاعاة، وهي النظر في مصالح الإنسان، وتدبر أموره، و "راعنا" يقتضي المشاركة؛ لأن معناه: ليكن منك رعاية لنا، وليكن منا رعاية لك، فنهوا عن ذلك؛ لأن فيه مساواتهم به عليه الصلاة والسلام. وبين أنه لا بد من تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم في المُخَاطبة كما قال تعالى: {أية : لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضاً}تفسير : [النور:63]. وقرأ الحسن وأبو حيوة: "رَاعِناً" بالتنوين، ووجهه أنه صفة لمصدر محذوف، أي: قولاً راعناً، وهو على طريق النسب كـ "لابنٍ" و "تامِرٍ"، والمعنى: لا تقولوا قولاً ذا رُعونَةٍ. والرعونة: الجهل والحُمْقُ والهَوَج، وأصل الرعونة: التفرُّق، ومنه: "جيشٌ أرْعَنُ" أي: متفرِّق في كل ناحية، ورجلٌ أَرْعَنُ: أي ليس له عَقْل مجتمع، وامرأة رَعْنَاء. وقيل للبَصْرَة: الرعْنَاء؛ قال: [البسيط] شعر : 722ـ لَوْلاَ ابْنُ عُتْبَةَ عَمْرٌو والرَّجَاءُ لَهُ مَا كَانَتِ البَصْرَةُ الرَّعْنَاءُ لِي وَطَنَا تفسير : قيل: سميت بذلك لأنها أشبهت "رعن الجَبَل" وهو النَّاتىء منه. وقال ابن فارس: يقال: "رَعُنَ الرجل يَرْعُنَ رَعْناً". وقرأ أُبيّ، وزرُّ بن حُبَيش، والأعمش ذكرها القرطبي "راعونا"، وفي مصحف عبد الله كذلك، خاطبوه بلفظ الجمع تعظيماً، وفي مصحف عبد الله أيضاً "ارعونا" لما تقدم. والجملة في محل نصب بالقول، وقدم النهي على الأمر؛ لأنه من باب التروك فهو أسهل. فإن قيل: أفكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجل عليهم حتَّى يقولوا هذا؟ فالجَوَاب من وجهين: أحدهما: أن هذه اللفظة قد تقال في خلال الكلام، وإن لم تكن هناك عجلة تحوج إلى ذلك كقول الرجل في خلال حديثه: اسمع أو سمعت. الثاني: أنهم فسروا قوله تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}تفسير : [القيامة:16] أنه ـ عليه السلام ـ كان يعجل قول ما يلقيه إليه جبريل ـ عليه السلام ـ حرصاً على تحصيل الوَحْي، وأخذ القرآن، فقيل له: لا تحرّك به لسانك لتعجل به، فلا يبعد أن يجعل فيما يحدث به أصحابه من أمر الدين حرصاً على تعجيل أفهامهم، فكانوا يسألونه في هذه الحالة أن يمهلهم فيما يخاطبهم به إلى أن يفهموا كل ذلك الكلام. قوله: "انْظُرْنَا" الجملة أيضاً في محلّ نصب بالقول، والجمهور على انظرنا [بالوصل في] الهمزة، وضم الظاء أمراً من الثلاثي، وهو نَظَر من النَّظِرَة، وهي التأخير، أي: أخرنا وتأَنَّ عَلْينا؛ قال امرؤ القَيْسِ: [الطويل] شعر : 723ـ فَإنّكُمَا إنْ تَنْظُرَانِيَ سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ يَنْفَعْنِي لَدَي أُمِّ جُنْدَبِ تفسير : وقيل: هو من نظر أي: أَبْصَرَ، ثم اتُّسع فيه، فعدّي بنفسه؛ لأنه في الأصل يتعدى بـ "إلَى"؛ ومنه: [الخفيف] شعر : 724ـ ظَاهِرَاتُ الجَمَالِ وَالحُسْنِ يَنْظُرْ نَ كَمَا يَنْظُرُ الأَرَاكَ الظِّبَاءُ تفسير : أي: إلى الأراك. وقيل: من نظر أي: تفكر ثم اتسع فيه أيضاً، فإن أصله أن يتعدّى بـ "في"، ولا بد من حذف مضاف على هذا أي: انظر في أمرنا، وقرأ أبيّ والأعمش: "أنْظِرْنَا" بفتح الهمزة وكسر الظاء أمراً من الرباعي بمعنى: أَمْهِلْنَا وأَخِّرْنَا؛ قال: [الوافر] شعر : 725ـ أَبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا وأنْظِرْنَا نُخَبِّرْكَ اليَقِينَا تفسير : أي: أمهل علينا، وهذه القراءة تؤيد أن الأول من النَّظِرَةِ بمعنى التأخير، لا من البَصَر، ولا من البَصِيرَة، وهذه الآية نظير [آية] الحديد {أية : ٱنظُرُونَا نَقْتَبِسْ}تفسير : [الحديد:13] فإنها قرئت بالوجهين. قوله: "وَاسْمَعُوا" حصول السماع عند سلامة الحاسّة أمر ضروري خارج عن قدرة البشر، فلا يجوز وقوع الأمر به، فإذن المراد منه أحد أمور ثلاثة: أحدها: فرغوا أسماعكم لما يقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة. [وثانيها: اسمعوا سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم كسماع اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا]. وثالثها: اسمعوا ما أمرتكم به حتى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه تأكيداً عليهم، ثم إنه تعالى بين ما للكافرين من العذاب الأليم إذا لم يسلكوا مع الرسول هذه الطريقة من الإعظام والتبجيل والإصْغَاء إلى ما يقول. وتقدم الكلام على معنى "العذاب الأليم".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المبارك في الزهد وأبو عبيد في فضائله وسعيد بن منصور في سننه وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس‏.‏ أن رجلاً أتاه فقال‏:‏ اعهد إلي‏.‏ فقال‏:‏ إذا سمعت الله يقول ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا‏} ‏فأوعها سمعك، فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن خيثمة قال‏:‏ ما تقرأون في القرآن ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ فإنه في التوراة يا أيها المساكين‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن خيثمة قال‏:‏ ما كان في القرآن ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏} ‏ فهو في التوراة والإِنجيل يا أيها المساكين‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال ‏ {‏راعنا‏} ‏ بلسان اليهود السب القبيح، فكان اليهود يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم سراً، فلما سمعوا أصحابه يقولون أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله الآية‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال ‏ {‏لا تقولوا راعنا‏}‏ وذلك أنها سبة بلغة اليهود‏.‏ فقال تعالى ‏ {‏قولوا انظرنا‏} ‏ يريد اسمعنا، فقال المؤمنون بعدها‏:‏ من سمعتموه يقولها فاضربوا عنقه، فانتهت اليهود بعد ذلك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن عباس في قوله ‏ {‏لا تقولوا راعنا‏}‏ قال‏:‏ كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم ارعنا سمعك، وإنما راعنا كقولك اعطنا‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال‏ ‏"‏ كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبي صلى الله عليه وسلم قالا له وهما يكلمانه‏:‏ راعنا سمعك واسمع غير مسمع، فظن المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبياءهم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فأنزل الله ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا‏.‏‏.‏‏.‏‏} الآية‏‏".‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي صخر قال ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدبر ناداه من كانت له حاجة من المؤمنين، فقالوا‏:‏ ارعنا سمعك فاعظم الله رسوله أن يقال له ذلك، وأمرهم أن يقولوا انظرنا ليعزروا رسوله ويوقروه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن قتادة في قوله ‏{‏لا تقولوا راعنا‏}‏ قال‏:‏ قولا كانت اليهود تقوله استهزاء فكرهه الله للمؤمنين أن يقولوا كقولهم‏.‏ وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الدلائل عن عطية في قوله ‏ {‏لا تقولوا راعنا‏}‏ قال‏:‏ كان أناس من اليهود يقولون‏:‏ راعنا سمعك حتى قالها أناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله ‏{‏لا تقولوا راعنا‏}‏ أي ارعنا سمعك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏لا تقولوا راعنا‏}‏ قال‏:‏ خلافا‏ً.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله ‏{‏لا تقولوا راعنا‏}‏ لا تقولوا اسمع منا ونسمع منك ‏{‏وقولوا انظرنا‏}‏ أفهمنا، بين لنا‏.‏ وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال‏:‏ إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضاً يقول أحدهم لصاحبه‏:‏ ارعني سمعك‏.‏ فنهوا عن ذلك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والنحاس في ناسخه عن عطاء في قوله ‏{‏لا تقولوا راعنا‏} ‏ قال‏:‏ كانت لغة في الأنصار في الجاهلية ونهاهم الله أن يقولوها، وقال ‏{‏قولوا انظرنا واسمعوا‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ‏:‏ راعناً، وقال‏:‏ الراعن من القول السخري منه‏.‏ وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ‏ {‏واسمعوا‏}‏ قال‏:‏ اسمعوا ما يقال لكم‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ما أنزل الله آية فيها ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ إلا وعليّ رأسها وأميرها‏‏"‏‏.تفسير : قال أبو نعيم‏:‏ لم نكتبه مرفوعاً إلا من حديث ابن أبي خيثمة، والناس رأوه موقوفاً.‏

ابو السعود

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} خطابٌ للمؤمنينً فيه إرشادٌ لهم إلى الخير وإشارةٌ إلى بعض آخر من جنايات اليهود {لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا} المراعاةُ المبالغةُ في الرعي وهي حِفظُ الغير وتدبـيرُ أموره وتدارُكُ مصالحِه، وكان المسلمون إذا ألقىٰ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً من العلم يقولون راعنا يا رسول الله أي راقبْنا وانتظِرْنا وتأنَّ بنا حتى نفهمَ كلامَك ونحفظَه وكانت لليهود كلمةٌ عبرانية أو سريانيةٌ يتسابُّون بها فيما بـينهم وهي راعينا قيل: معناها اسمعْ لا سمِعْت فلما سمعوا بقول المؤمنين ذلك افترصوه واتخذوه ذريعةً إلى مقصِدهم فجعلوا يخاطبون به النبـيَّ صلى الله عليه وسلم يعنون به تلك المسبةَ أو نسبتَه صلى الله عليه وسلم إلى الرَعَن وهو الحمَقُ والهوَج. روي أن سعد بن عبادة رضي الله عنه سمعها منهم فقال: يا أعداءَ الله عليكم لعنةُ الله والذي نفسي بـيده لئن سمعتُها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عُنقَه قالوا: أولستم تقولونها فنزلت الآية ونُهيَ فيها المؤمنون عن ذلك قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس، وأُمروا بما في معناها ولا يقبل التلبـيس فقيل: {وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا} أي انظر إلينا بالحذف والإيصال أو انتظرنا على أنه من نظرَه إذا انتظروه وقرىء أنظِرْنا من الإنظار، أي أمهلنا حتى نحفظ وقرىء راعونا على صيغة الجمع للتوقير وراعنا على صيغة الفاعل أي قولا ذا رَعَنٍ كدارعٍ ولابنٍ لأنه لما أشبه قولَهم راعينا وكان سبباً للسب بالرَعَن اتَّصفَ به {وَٱسْمَعُواْ} وأحسنوا سماع ما يكلمكم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وما يلقي إليكم من المسائل بآذان واعية وأذهانٍ حاضرةٍ حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلبِ المراعاة أو واسمعوا ما كُلفتموه من النهي والأمر بجدٍّ واعتناء حتى لا ترجِعوا إلى ما نهيتم عنه أو واسمعوا سماعَ طاعةٍ وقَبول ولا يكن سماعُكم مثل سماعِ اليهود حيث قالوا: سمعنا وعصينا {وَلِلْكَـٰفِرِينَ} أي اليهود الذين توسلوا بقولكم المذكور إلى كفرياتهم وجعلوه سبباً للتهاون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له ما قالوا {عَذَابٌ أَلِيمٌ} لما اجترءوا عليه من العظيمة، وهو تذيـيلٌ لما سبق فيه وعيدٌ شديد لهم ونوعُ تحذيرٍ للمخاطبـين عما نُهُوا عنه. {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الوُدُّ حبُّ الشيءِ مع تمنِّيه، ولذلك يستعمل في كلَ منهما، ونفيُه كنايةٌ عن الكراهة، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ لعدم وُدِّهم، ولعل تعلقَه بما قبله من حيث إن القولَ المنهيَّ عنه كثيراً ما كان يقع عند تنزيل الوحْي المعبَّرِ عنه في هذه الآية بالخير، فكأنه أُشير إلى أن سببَ تحريفِهم له إلى ما حُكي عنهم لوقوعه في أثناء حصولِ ما يكرهونه من تنزيلِ الخير وقيل: كان فريق من اليهود يُظهرون للمؤمنين محبةً ويزعُمون أنهم يَودُّون لهم الخير فنزلت تكذيباً لهم في ذلك، و(من) في قوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} للتبـيـين كما في قوله عز وعلا: {أية : لَمْ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ } تفسير : [البينة، الآية 1] و(لا) مزيدةٌ لما ستعرفه {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم} في حيز النصب على أنه مفعولُ (يود)، وبناءُ الفعل للمفعول للثقة بتعيُّن الفاعل، والتصريحُ الآتي في قوله تعالى: {مّنْ خَيْرٍ} هو القائمُ مقامَ فاعلِه ومن مزيدة للاستغراق، والنفيُ وإن لم يباشرْه ظاهراً لكنه منسحبٌ عليه معنىً، والخيرُ الوحيُ، وحملُه على ما يعمّه وغيره ــ من العلم والنُّصرة ــ كما قيل: يأباه وصفُه فيما سيأتي بالاختصاص، وتقديم هو عليكم والأصل: أن ينزل من خير عليكم الظرف عليه مع أن حقه التأخرُ عنه لإظهار كمال العنايةِ به، لأنه المدارُ لعدم ودِّهم، ومن في قوله تعالى: {مّن رَّبّكُمْ} ابتدائية، والتعرُّضُ لعنوان الربوبـية للإشعار بعليته لتنزيل الخيرِ والإضافة إلى ضمير المخاطبـين لتشريفهم، وليست كراهتُهم لتنزيله على المخاطبـين من حيث تعبُّدُهم بما فيه وتعريضُهم بذلك لسعادة الدارين كيف لا وهم من تلك الحيثية من جملة مَنْ نزَلَ عليهم الخيرُ بل من حيث وقوعُ ذلك التنزيلِ على النبـي صلى الله عليه وسلم، وصيغةُ الجمعِ للإيذان بأن مدارَ كراهتهم ليس معنى خاصاً بالنبـي صلى الله عليه وسلم بل وصفٌ مشترك بـين الكل وهو الخلوُّ عن الدراسة عند اليهود وعن الرياسة عند المشركين، والمعنى أنهم يرَوْن أنفسَهم أحقَّ بأن يُوحىٰ إليهم ويكرهونكم فيحسُدونكم أن ينْزِل عليكم شيء من الوحي، أما اليهودُ فبناءً على أنهم أهلُ الكتاب وأبناءُ الأنبـياءِ الناشئون في مهابط الوحي وأنتم أُميِّوّن، وأما المشركون فإدلالاً بما كان لهم من الجاه والمال زعماً منهم أن رياسةَ الرسالةِ كسائر الرياساتِ الدنيويةِ منوطةٌ بالأسباب الظاهرة ولذلك قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ عَلَىٰ رَجُلٍ مّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف، الآية 31] ولما كانت اليهودُ بهذا الداء أشهرَ لا سيما في أثناء ذكرِ ابتلائِهم به لم يلزَمْ من نفي ودادتِهم لما ذكِرَ نفيُ ودادةِ المشركين له، فزيدت كلمةُ لا لتأكيد النفي {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} جملة ابتدائية سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخيرِ والتنبـيه على حكمتِه وإرغامِ الكارهين له، والمرادُ برحمته الوحيُ كما في قوله سبحانه: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } تفسير : [الزخرف، الآية 32] عبّر عنه باعتبار نزولِه على المؤمنين بالخير وباعتبار إضافتِه إليه تعالى بالرحمة قال علي رضي الله عنه: بنبوته، خَصَّ بها محمداً صلى الله عليه وسلم، فالفعلُ متعدٍ وصيغة الافتعال للإنباء عن الاصطفاء، وإيثارُه على التنزيل المناسبِ للسياق الموافقِ لقوله تعالى: {أية : أَن يُنَزّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاء }تفسير : [البقرة، الآية 90] لزيادة تشريفِه صلى الله عليه وسلم وإقناطِهم مما علّقوا به أطماعَهم الفارغةَ، والباءُ داخلةٌ على المقصور أي يؤتي رحمته {مَن يَشَآء} من عباده ويجعلها مقصورةً عليه لاستحقاقه الذاتي الفائضِ عليه بحسب إرادتِه عز وعلا تفضّلاً لا تتعداه إلى غيره، وقيل: الفعلُ لازمٌ ومَنْ فاعله والضميرُ العائد إلى مَنْ محذوفٌ على التقديرين، وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} تذيـيلٌ لما سبق مقررٌ لمضمونه وفيه إيذان بأن إيتاءَ النبوةِ من فضله العظيم كقوله تعالى: {أية : إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } تفسير : [الإسراء، الآية 87] وأن حِرمان من حُرم ذلك ليس لضيق ساحةِ فضلِه بل لمشيئته الجاريةِ على سَننِ الحِكْمةِ البالغةِ، وتصديرُ الجملتين بالاسم الجليل للإيذان بفخامة مضمونَيْهما، وكونِ كلٍّ منهما مستقلةً بشأنها، فإن الإضمارَ في الثانية مُنبىءٌ عن توقُّفِها على الأولى.

القشيري

تفسير : قصودُ الأعداء في جميع أَحوالهم - من أعمالهم وأقوالهم - قصودٌ خبيثة؛ فهم - على مناهجهم - يبنون فيما يأتون ويَذَرُون. فسبيلُ الأولياء التَّحرزُ عن مشابهتهم. والأخذ في طريق غير طريقهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا} لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ارشاد للمؤمنين الى الخير {راعنا} المراعاة المبالغة فى الرعى وهو حفظ الغير وتدبير اموره وتدارك مصالحه كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اذا القى عليهم شيأ من العلم راعنا يا رسول الله اى راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك وكانت لليهود كلمة عبرانية او سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهى راعنا فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبو به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها قطعا لألسنة اليهود عن التلبيس وامروا بما هو فى معناها ولا يقبل التلبيس فقيل {وقولوا انظرنا} اى انتظرنا من نظره اذا انتظره {واسمعوا} واحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقى عليكم من المسائل باذان واعية واذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا الى الاستعادة وطلب المراعاة {وللكافرين} اى ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه {عذاب اليم} وجيع لما اجترؤا عليه من المسبة العظيمة. وفى هذه الآية دليلان احدهما على تجنب الالفاظ المحتملة التى فيها التعريض واما قولهم لا بأس بالمعاريض وهو ان يتكلم لرجل بكلمة يظهر من نفسه شيأ ومراده شىء آخر فانما ارادوا ذلك اذا اضطر الانسان الى الكذب فاما اذا لم يكن حاجة ولا ضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بان لا يتعرض لهم بما حرم من دمائهم واعراضهم ". تفسير : وقدم اللسان فى الذكر لان التعرض به اسرع وقوعا واكثر وخص اليد بالذكر لان معظم الافعال يكون بها: قال فى المثنوى شعر : اين زبان جون سنك وهم آهن وشيست وانجه بجهد از زبان جون آنشيست سنك وآهن رامزن برهم كزاف كه زروى نقل وكه ازروى لاف زانكه تاريكست وهر سوبنبه زار درميان ينبه جون باشد شرار عالمى رايك سخن ويران كند روبهان مرده را شيران كند تفسير : والثانى التمسك بسد الذرائع وحمايتها والذريعة عبارة عن امر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع فى ممنوع. ووجه التمسك بها ان اليهود كانوا يقولون ذلك وهى سب بلغتهم فلما علم الله تعالى ذلك منهم منع من اطلاق ذلك اللفظ لانه ذريعة للسب قال تعالى {أية : ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} تفسير : [الأَنعام: 108]. فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك وقال تعالى {أية : وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر} تفسير : [الأعراف: 63] الآية. فحرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت فكان الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا اى ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت واخذوها يوم الاحد وكان السد ذريعة للاصطياد فمسخهم الله قردة وخنازير. وعن عائشة رضى الله عنها حديث : ان ام حبيبة وام سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله عليه السلام "ان اولئك اذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور اولئك شرار الخلق عند الله ". تفسير : قال العلماء ففعل ذلك اوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا احوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم فمضت لهم بذلك ازمان ثم انهم خلف من بعدهم خلف جهلوا اغراضهم ووسوس لهم الشيطان ان آباءكم واجدادكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فحذر النبى عليه الصلاة والسلام عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية الى ذلك فقال عليه السلام "حديث : اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد ". تفسير : وقال "حديث : اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ". تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس ". تفسير : وقال عليه السلام "حديث : ان من الكبائر شتم الرجل والديه" قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال "نعم يسب ابا الرجل فيسب اباه ويسب امه فيسب امه ". تفسير : فجعل التعرض لسب الآباء والامهات كسب الآباء والامهات وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك ان يقع فيه ". تفسير : فمنع عليه السلام من الاقدام على الشبهات مخافة الوقوع فى المحرمات وفى الحديث "حديث : اذا تبايعتم بالعينة واخذتم اذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا الى دينكم ". تفسير : والعينة هو ان يبيع رجل من رجل سلعة بثمن معلوم الى اجل مسمى ثم يشتريها منه باقل من الثمن الذى باعها به وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة وذلك ان العينة هو الحال الحاضر والمشترى انما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل اليه من فوره وفى هذا الحديث ذم للزراع اذا كان زراعتهم ذريعة لترك الجهاد قال عليه الصلاة والسلام حين رأى آلة الحراثة فى دار قوم "حديث : ما دخل هذا بيت قوم الا ذلوا ". تفسير : وذلك لان الزراعة عمارة الدنيا واعراض عن الجهاد فيستحق به الذل وعمارة الدنيا اصل فى حق الكفار عارض فى حق المسلمين فان المسلمين يجعلونها وسيلة الى الآخرة واما الكفار فيعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن آخرتهم غافلون وقد قال عليه السلام "حديث : الدنيا سجن المؤمن ". تفسير : اى بالنسبة الى ما اعدله من ثواب النعيم "حديث : وجنة الكافر ". تفسير : اي بالاضافة الى ما هيئ له من عذاب الآخرة والقطعية والهجران.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: يقال راعى الشيء يراعيه مراعاة: انتظره أو التفت إليه. ويقال: رَعَى إلى الشيء، وراعاه وأرعاه: إذا أصغى إليه واستمعه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا} للرسول صلى الله عليه وسلم: {رَاعِنَا} أي: انتظرنا أو أمهل علينا لأن في ذلك ذريعة لسب اليهود، أو قلة أدب، وقولوا: {انظُرْنَا} أي: انتظرنا {وَلِلْكَافِرِينَ} المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع. الإشارة: حسنُ الخطاب من تمام الآداب، وتمام الآداب هو السبب الموصل إلى عين الصواب، فمن لا أدب له لا تربية له، ومن لا تربية له لا سَيْر له، ومن لا سير له لا وصول له، فمن لا يتربى على أيدي الرجال لا يُربى الرجال، وقد قالوا: من أساء الأدب مع الأحباب طُرد إلى الباب، ومن أساء الأدب في الباب طرد إلى سياسة الدواب. وقالوا أيضاً: اجعل عملك ملحاً، وأدبك دقيقاً. وقال آخر: إن الإنسان ليبلغ بالخلق وحسن الأدب إلى عظيم الدرجات وهو قليل العمل، ومن حرم الأدب حُرم الخيرَ كله، ومن أُعطي الأدب فقد مُكن من مفاتيح القلوب. قال أبو عثمان رضي الله عنه: الأدب عند الأكابر وفي مجالس السادات من الأولياء يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلا والخير في الدنيا والعقبى. وقال أبو حفص الحداد رضي الله عنه: التصوّف كله آدب، لكل وقت أدب، ولكل حال أدب، ولكل مقام أدب، فمن لازم الأدب بلغ مبلغ الرجال، ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب، مردود من حيث يرجوا الوصول. وقال ذو النون المصري رضي الله عنه: (إذا خرج المريد عن استعمال الأدب فإنه يرجع من حيث جاء). وقيل: من لم يتأدب لوقت فوقته مقت. وقيل: من حَبَسه النسب أطلقه الادب، ومن قل أدبه كثر شغبه. وقيل: الأدب سند الفقراء، وزينة الأغنياء. هـ. وبالله التوفيق.

الطوسي

تفسير : اللغة: المراعاة: التفقد للشيء في نفسه، أو احواله. والمراعاة، والتحفظ، والمحافظة، والمراقبة: نظائر. ونقيض المراعاة الاغفال: يقال رعى يرعى رعياً، والرعي: ما تأكله الماشية من نبات الارض. ورعى الله فلاناً اذا حفظه. ورعيت له عهده وحقه بعده، أو في من خلّف. وارعيته سمعي اذا اصغيت اليه. وراعيته نفسي: اذا لاحظته. وجمع الراعي: رعاء ورعاة ورعيان. والرعاية: فعل الراعي، ويرعاها رعاية: اذا ساقها، وسرّحها، وأراحها، فقد رعاها، وكل من ولي قوماً فهو راعيهم ـ وهم رعيته ـ والمرعي من الناس: المسوس. والراعي: السائس ويقال: فلان يراعي كذا: معناه ينظر إلى ما يصير اليه أمره. ورعيت النجوم: أي رقبتها، واسترعاه الله خلقه، أي ولاه أمرهم ليرعاهم. والارعاء: الابقاء على اخيك. وتقول اراعينى سمعك أي اسمع يا فلان. وكان المسلمون يقولون: يا رسول الله راعنا: أي استمع منا، فحرفت اليهود، فقالوا: يا محمد راعنا ـ وهم يلحدون إلى الرعونة ـ يريدون به النقيصة، والوقيعة، فلما عوتبوا قالوا: نقول كما يقول المسلمون، فنهى الله عن ذلك فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا} ورجل ترعية: الذي لم تزل صنعته وصنعة آبائه الرعاية. قال الشاعر: شعر : يسوقها ترعية جاف فُضُل إن رتعت صلى وإلا لم يصل تفسير : واصل الباب: الرعي: الحفاظ. المعنى: وأما الآية فللمفسرين فيها ثلاثة أقوال: قال ابن عباس ومجاهد: {لا تقولوا راعنا}، أي لا تقولوا: اسمع منا ونسمع منك. وقال عطاء: {لا تقولوا راعنا}، أي لا تقولوا خلافاً. وروي ذلك ايضاً عن مجاهد. وهذا الاوجه له ـ إلا ان يراد (راعنا) بالتنوين. ـ وقيل: معناه ارقبنا. قال الاعشى: شعر : يرعي إلى قول سادات الرجال اذا ابدوا له الحزم أو ما شاءه ابتدعا تفسير : يعني يصغي. وقال الاعشى ايضاً: شعر : فظلت أرعاها وظل يحوطها حتى دنوت اذا الظلام دنا لها تفسير : والسبب الذي لأجله وقع النهي عن هذه الكلمة، قيل فيه خمسة أقوال: احدها ـ ما قاله قتادة وعطية: انها كلمه كانت تقولها اليهود على وجه الاستهزاء. [الثاني] ـ وقال عطاء هي كلمة كانت الانصار تقولها في الجاهلية، فنهوا عنها في الاسلام. [الثالث] ـ وقال ابو العالية: ان مشركي العرب كانوا اذا حدّث بعضهم بعضاً، يقول احدهم لصاحبه ارعنا سمعاً فنهوا عن ذلك. [الرابع] ـ وقال السدي: كان ذلك كلام يهودي بعينه، يقال له: رفاعة ابن زيد. يريد بذلك الرعونة فنهي المسلمون عن ذلك. [الخامس] ـ وقال ابو علي قد بين الله عز وجل، انها كلمة كانت اليهود تلوي بها السنتهم ـ في قوله: ـ {أية : من الذين هادوا يحرِّفون الكلم عن مواضعه}. {أية : ويقولون سمعنا وعصينا} {أية : اسمع غير مسمع وراعنا لياً بألسنتهم وطعناً في الدين } تفسير : وهو قول ابن عباس، وقتادة وقيل: {لا تقولوا راعنا} من المراعاة والمكافأة. فامروا أن يخاطبوا النبي (صلى الله عليه وسلم) بالتوقير والتعظيم، اي لا تقولوا: راعنا سمعك، حتى نفهمك وتفهم عنا. وقال ابو جعفر (ع) هذه الكلمة: سبّ بالعبرانية ـ اليه كانوا يذهبون ـ قال الحسين بن علي المغربي فبحثتهم عن ذلك فوجدتهم يقولون راع رن قال: على معنى الفساد والبلاء، ويقولون: (انا) بتفخيم النون، واشمامها بمعنى، لأن مجموع اللفظين واللفظتين فاسد، لان فلما عوتبو على ذلك قالوا إنّا نقول: كما يقول المسلمون. فنهي المسلمون عن ذلك. ولما كان معنى {راعنا} يراد به النظر قال: قولوا عوضها انظرنا، اي انظرنا الينا. {واسمعوا}: ما يقوله لكم الرسول. القراءة: وروي عن الحسن انه كان يقرأ "راعنا " بالتنوين بمعنى لا تقولوا: قولا راعنا يعني من الرعونة، وهي الحمق، والجهل، وهذا شاذ لا يؤخذ به، وفي قراءة ابن مسعود "راعنا " خطاب من جماعة لجماعة بمراعاتهم وهذا ايضاً شاذ. المعنى: ومعنى انظرنا يحتمل امرين: احدهما ـ انتظرنا نفهم ونتبين ما تعلمنا. والثاني ـ قال مجاهد: معناه ففهمنا، بين لنا يا محمد يقال منه: نظرت الرجل انظره نظرة، بمعنى انتظرته وارتقبته. ومنه قوله: {أية : انظرونا نقتبس } تفسير : اي انتظرونا وقيل معناه: اقبل علينا. وقوله: {واسمعوا} يحتمل امرين: احدهما ـ قال الحسن والسدي: إن معناه اسمعوا ما ياتيكم به الرسول. والثاني ـ ما قال ابو علي: معناه اقبلوا ما يامركم به الرسول من قوله: سمع ألله لمن حمده، وسمع الله دعاك، وقبله. وقال علقمة والحسن والضحاك: كل شيء من القرآن: {يا أيها الذين آمنوا} فانه نزل بالمدينة.

الجنابذي

تفسير : {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ والبيعة العامّة روى أنّه ليس فى القرآن {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الاّ وهى فى التّوراة يا أيّها المساكين {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} كانوا يقولون للنّبىّ (ص): راعنا اى لاحظنا محسناً الينا، او استمع لمقالنا، وكان تلك الكلمة سبّاً فى لغة اليهود بمعنى اسمع لا سمعت كما فى الصّافى فكان اليهود يتوسّلون بتلك الكلمة الى شتم رسول الله (ص) فنهى الله المؤمنين عن تلك الكلمة {وَ} قال: {قُولُواْ ٱنْظُرْنَا} فانّها ليست شتماً فى لغتهم حتّى يتوسّلوا بها الى شتم الرّسول (ص) {وَٱسْمَعُواْ} اذ قال لكم رسول الله (ص) قولاً وأطيعوا، او المعنى: واسمعوا نهيهُ لكم عن هذا القول، وأمرى لكم بهذا القول، {وَلِلكَافِرِينَ} يعنى اليهود الشّاتمين {عَذَابٌ أَلِيمٌ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ابتداء كلام لبيان مرامٍ آخر ولذا قطعه عمّا قبله {مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} اليهود والنصارى {وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} ولا من المشركين الّذين منهم النّواصب والمنافقون بمحمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) او منافقوا الامّة داخلون فى اهل الكتاب {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} من الآيات المزيّدات فى شرف محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وآلهما الطّيّبين (ع) او من نعمة من نعم الدّنيا، او من غلبة وغنيمة من الخصم {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ} يميز {بِرَحْمَتِهِ} اى ولاية علىٍّ (ع) فانّها رحمته تعالى او نبوّته او تصديق نبيّه او ولايته وامامته {مَن يَشَآءُ} ودّوا ذلك او كرهوا {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} على من يختصّه برحمته.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ مُحمّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ الحَكَمِ الحِبَريُّ، قالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الحَمِيْدِ، قالَ: حَدَّثَنا عِيْسى بنُ رَاشِدٍ، عن عليٍّ بن بَذِيْمَةَ، عن عِكْرِمَة، عَن: ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ: ما نَزَلَ في القُرْآنِ: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. ألاَّ وَعلِيٌّ شَرِيفُهَا وأَمِيرُها.

اطفيش

تفسير : {يأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا}: لرسول الله صلى الله عليه وسلم {رَاعِنَا}: احفظنا لمصلحتنا، فإن الرعى حفظ الغير لمصلحته، والمراد: راقبنا وتمهل فيما تقول لنا حتى نفهمه، أو راقبنا فيما تقول، وفرغ سمعك لكلامنا فى السؤال والاستفهام، ولما سمع اليهود أن المؤمنين يقولون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ راعنا فرحوا واغتنموا، قالوا كنا نسب محمداً سرا فالآن قد أعلن أصحابه بسبه، فنحن نعلن به، فكانوا يأتونه ليقولوا لهُ راعنا، ولو لم تكن لهم حاجة سوى أن يقولوا ذلك، فكانوا يقولون لهُ ذلك ويضحكون فيما بينهم، فسمعهم سعد بن معاذ ـ رضى الله عنه ـ ففطن لذلك وكان يعرف لغتهم فقال لهم: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذى نفسى بيده لئن سمعت ذلك من أحد منكم يقوله لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأضربن عنقه، فقالوا أو لستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا..} الآية لئلا يجد اليهود سبيلا إلى شتم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. وقال المؤمنون: من سمعناه منكم يقولها أوجعناه ضرباً فكفوا، وكان راعنا فى لغتهم العبرانية أو السريانية وجزم بعض بالعبرانية قبحهم الله سبا قبيحاً بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل من الرعونة وهى الجهل والحماقة إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا، أعنى أن ينسبوه إلى الحماقة قالوا راعنا، وهى فى لغتهم كلمة واحدة، وقيل يقولون راعنا على أنه اسم فاعل عندهم خذفوا ياءه تخفيفاً أو لحناً ليوصلوا إلى السب، بمعنى راعينا بالياء من رعى الإبل ونحوها، يخاطبونه أنه راع للإبل أو نحوها، ويضيفونه لأنفسهم، وعلى الأول راعنا فى عنايتهم كلمة واحدة وعلى الثانى مضاف ومضاف إليه، وأما فى الآية فكلمتان أيضاً فعل ومفعول وهو مفاعلة من الرعى بمعنى الحفظ، وليست على بابها بل هى المبالغة بمعنى ارعنا، وقد قيل إنهُ مفاعلة على بابها بمعنى ارعنا ونرعاك، وأنهم نهوا لأن فى هذا المعنى جفاء له، صلى الله عليه وسلم، وقد حض الله تعالى على توقيره ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقرأ الحسن: راعناً بالتنوين، أى لا تقولوا قولا راعناً أى منسباً للرعونة، وهو قولهم راعنا بغير تنوين، أى أفظنا فإن قولهم راعنا بغير تنوين يوقع فى تلبيس اليهود المراعاة بالرعونة، فهو على هذه القراءة فاعل للنسب، أى ذا راعن كلابن وتامر، وقرأ ابن مسعود رضى الله عنه: راعونا بواو الجماعة تعظيما لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. {وَقُولُوا}: بدل قولكم راعنا لتفيدوا المقصود وتخرجوا عما يتذرع به اليهود إلى السب والتلبس. {انْظُرْنَا}: أى انظر إلينا ولا تعرض عنا لنفهم ونتعلم نظر قلب ومحافظة وتفقد الأحوال، أو نظر العين المؤدى إلى ذلك، أو انتظرنا أو أمهل لنا حتى نفهم، يقال نظره بمعنى انتظره، ويويده قراءة أبى: انظرنا بفتح الهمزة ثابتة وكسر الظاء من الإنظار وهو الإمهال، طلبوا منهُ ذلك ليحفظوا ويفهموا. {وَاسْمَعُوا}: أحسنوا الاستماع لئلا تحتاجوا إلى قولكم راعنا، فإنهُ لا معنى لطلب المراعاة فى مسألة بعد فهمها، فإذا لم تحتاجوا إليه لم تذكروه فلم تلبس اليهود به. أو اسمعوا سماع قبول ما يأمركم به وما ينهاكم عنه لا كسماع اليهود، قالوا سمعنا وعصينا، أو اسمعوا بجد ما أمرتكم به وهو أن تقولوا انظرنا حتى لا تعودوا إلى قولكم راعنا، وكأنه قيل إياكم أن ترجعوا إلى قولكم راعنا، وجملة اسمعوا معطوفة على جملة قالوا لا على جملة انظرنا. {وللكَافِرِينَ}: اليهود الذين يقولون لرسول الله، صلى الله عليه وسلم راعنا مريدين الطعن، أو اليهود الكفار، أو جملة الكفار. {عَذَابٌ أَلِيمٌ}: أى مؤلم فى الدنيا كالقتل والسلب والإجلاء، فى الآخرة والقبر.

اطفيش

تفسير : {يَٰأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ} للنبى صلى الله عليه وسلم {رَاعِنَا} اعتبرنا وانظر أحوالنا، وتدبرها، وتدارك مصالحنا، وتأنّ بنا حتى نفهم ما تقول، هذا مرادهم، رحمهم الله، ومن ذلك رعى الغنم ونحوها، والمفاعلة للمبالغة هنا، وهى بلغة اليهود سب، لما سمعوا المؤمنين يقولونها قالوها له صلى الله عليه وسلم سبّاً فى لغتهم، عبرية أو سريانية، يتسابون بها بينهم، فكانوا يسبون بها النبى صلى الله عليه وسلم، وليست من الرعونة بمعنى الحمق، وإن كانت منها فمما توافق فيه لغة العرب والعجم، وقد يكون بين لفظ العرب ولفظهم مغايرة فيزيلونها ليوافقوا كلام العرب خداعاً للسب. وقد قيل، معناها، اسمع لا سمعت، وقالوا، كنا نسب محمداً سرّاً فأعلنوا به الآن، فيقولون، يا محمد راعنا، ويضحكون فيما بينهم، ويقال، كان مالك بن صيف، ورفاعة بن زيد إذا لقيا النبى صلى الله عليه وسلم قالا وهما يكلمانه، راعنا سمعك، واسمع غير مسمع، فظن المسلمون، أن هذا شىء يعظمون به الأنبياء فنزلت الآية. ويقال، كان ذلك لغة للأنصار فى الجاهلية، وكان سعد بن معاذ، أو سعد ابن عبادة يعرف لغتهم، فسمعهم يقولونها للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، والذى نفسى بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا، أو لستم تقولونها؟ فنزلت الآية قطعاً لألسنة اليهود عن التدليس، ويحتمل أن يريد أنت راعن، أو يا راعن، أى أحمق، فزادوا الألف وفتحوا، أو أنت راعينا لا نبى، فحذفوا الياء أو اختلسوها {وَقُولُوا انْظُرْنَا} اعتبرنا حتى نفهم، أو أمهلنا، فإنه يقال، نظره بمعنى أمهله فلا حادة إلى تقدير انظر إلينا {وَاسْمَعُواْ} من رسول الله صلى الله عليه وسلم قبول وعمل وانتهاء بجد، بحيث لا تحتاجون إلى الإعادة وطلب المراعاة، لا كقول اليهود سمعنا وعصينا، السابين براعينا، ولا تكونوا أيها المسلمون مثلهم فى طلبكم الإعادة {وَلِلْكَافِرِينَ} اليهود السابين براعنا. أو جعله للكافرين. فدخل اليهود، وذلك السب كفر {عَذَابٌ أَلِيمٌ} زعم طائفة من اليهود أنها يودون الخير للمؤمنين فكذبهم الله عز وجل بقوله: {مَّا يَوَدُّ} يحب، أو يتمنى حسداً {الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَٰبِ} أى، وهم أهل الكتاب، وكلهم كفرة، إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا من آمن، كعبدالله بن سلامن وإن جعلناها للتبعيض فالمراد البعض الأكثر، وهو خلاف الظاهر {وَلاَ الْمُشْرِكِينَ} من العرب، والكلام جاء فيهم عطف على أهل الكتب، وذكرهم اتباعا لليهود، وهم لم يدعوا ود الخير للمؤمنين، ولذلك أخرهم {أَنْ يُنَزَّلَ} أى أن ينزل الله {عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ} نائب فاعل ينزل، فمن صلة للتأكيد والاستغراق، وصح ذلك مع أن قوله ينزل مثبت لانسحاب نفى الود إليه، والمراد بالخير الوحى والعلم والنصر، وغير ذلك من أنواع الخير، وكراهتهم تعم كل خير. روى أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود، آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: وددنا لو كان خيراً مما نحن فيه فنتبعه، فنزلت الآية تكذيباً لهم، ومعنى تكذيبهم، أنه صلى الله عليه وسلم على خير مما هم فيه، ولم يؤمنوا، وقيل: نزلت تكذيباً لجماعة من اليهود، يظهرون أنهم يحبون المؤمنين، وإنما قال عليكم مع أن الوحى على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنا متعبدون بما أنزل إليه، فهو خطاب متوجه إلينا، وواقع علينا بواسطة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبلغ من تقدير مضاف، أى ينزل على نبيكم، ولا تنزيل إلا من الله، ومع ذلك قال {مِّن رَّبِّكُمْ} إغاظة للكفار، وتحبيباً لنفسه إلينا، وتذكيراً لنعمة التربية منه، والعبودية منا له {وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ} أى السعادة والجنة، أو النبوة، أو هى الخير المذكور، ذكره بالاسم الظاهر تصريحاً بأنه رحمة من الله، وفضل لا واجب عليه، ولا يوجبه عمل عامل، أو أراد بالرحمة مطلقها فى الأمة وسائر الأمم {مَنْ يَشَآء} هو النبى صلى الله عليه وسلم وأمته دون اليهود والمشركين والمنافقين، وهو العموم {وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} كل خير دينى أو دنيوى أو أخروى منة من الله عز وجل، ولما قال اليهود والمشركون من العرب: محمد يقول من عنده لا من الله، لأنه يأمر بأمر ثم ينهى عنه نزل: {مَا نَنْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ} نرفع حكمها ولفظها، أو نرفع حكمها، ونبقى لفظها، أو نرفع لفظها ونبقى حكمها {أَوْ نُنْسِهَا} نرفعها من قلبك، ونمحها منه ومن قلوب أصحابك فلا يدركون لفظها ولا معناها، ولا العمل بها، وهذا قسم آخر، لأنه قد يكون فى الأخبار، وقد يكون فى غيرها، فإما أن يكون معناها فى آية أخرى، أولا، فيكون قد رفع التكليف بها، وهو شامل النبى صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: "أية : سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله" تفسير : [الأعلى: 6] وأما الامتناع فى قوله تعالى: "أية : ولئِن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك" تفسير : [الإسراء: 86] فباعتبار مالا يجوظ نسخه، أو باعتبار الكل، وبين النسخ والإنساء عموم وخصوص يجتمعان فى الرفع عن القلوب، ويختص النسخ بمنسوخ الحكم مع بقاء التلاوة، وبالعكس، ويختص الإناء بالأخباء التى أذهبت عن القلوب {فَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ} ثواباً أو سهولة فى الامتثال {أَوْ مِثْلِهَآ} فى ذلك، كما قال: "أية : وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر" تفسير : [النحل: 101]. روى أن جماعة من الصحابة قاموا ليلة ليقرأوا سورة، فلم يبق لهم منها إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فأخبروه صلى الله عليه وسلم غدوة الليلة، فقال: رفعت تلاوتها وحكمها، ومما نسخ لفظه وحكمه: عشر رضعات معلومات يحرمن، وكثير من سورة الأحزاب، وكانت كالبقرة، إلا أنه يحتمل بقاء بعض حكمها فى سورة أخرى. قال بعض الصحابة: كنا نقرأ سورة تشبهها فى الطول والشدة ببراءة، فأنسبتها، غير أنى حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى إليهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا تراب، وكنا نقرأ سورة تشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها غير أنى حفظت منها "أية : يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون" تفسير : [الصف: 2] فتكتب شهادتها فى أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة. ومما نسخ لفظه فقط آية الرجم: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما... الآية، قال عمر: قرأناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا، إذا كانت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وكانت فى سورة الأحزاب، وقيل فى النور، وقوله تعالى: خروجكم عن آبائكم كفر، يعنى انتسابكم إلى غيرهم. ومما نسخ حكمه فقط آية عدة الوفاء بالسنة، نسخت بآية العدة بأربعة أشهر وعشر، وآية وجوب ثبوت واحدة لعشرة بآية ثبوت واحد لاثنين. ويكون النسخ بالإبدال إلى أخف كالأربعة الأشهر، والمصابرة لأقل من ثلاثة، وإلى أثقل كوجوب الصوم بعد التخيير بينه وبين الإطعام، وكترك القتال حتما إلى وجوبه فيما قيل، ونسخ الإباحة إلى التحريم، كتحريم الخمر بعد إباحتها، وإلى مساو كنسخ الصلاة إلى القدس بالصلاة إلى الكعبة، وبلا إبدال، وحمل عليه قوله عز وعلا: "أو ننسها" فالمعنى نأت بغيرها فى غير شأنها، وأما نسخ وجوب صوم عاشوراء إلى الندب بصوم ثلاثة أيام من كل شهر، أو برمضان أو صوم الثلاثة برمضان فموجود، إلا أنه لا يوجد المنسوخ فى القرآن صراحا، بل بتأويل. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} زيادة تثبيت للنبى صلى الله عليه وسلم، وأمته تبع له، أو الخطاب لكل من يصلح له، يعلمون أن الله لا يعجزه شىء، فقد نسخهم قردة وخنازير بعد أن كانوا فى صورة البشر، وليس ذلك بداوة، بل قضى الله الأزل، أن بقاءهم فى صورة البشر إلى وقت مخصوص، فكذلك قضى الله فيه، أن الآية تبقى إلى كذا، ثم إنه إن كان النسخ إلى أخف فالخيرية فى النفع، أو إلى أثقل فالخيرية فى الثواب، هذا فى الحكم، وإن كان النسخ فى اللفظ إلى أخصر فالخيرية فى النفع، أو إلى أطول نفى الثواب، وإن كان فى اللفظ والحكم إلى أخف حكما وأخصر لفظاً فالخيرية فى النفع، أو إلى أثقل حكما وأطول لفظا فالخيرية فى الثواب، أو إلى أخف حكما وأطول لفظا فالخيرية فى النفع والثواب، أو إلى أثقل حكما وأخصر لفظا فالخيرية فى الثواب بالنسبة للحكم، وفى النفع بالنسبة إلى اللفظ، منه بعضهم النسخ إلى أثقل. والنسخ دليل على أن القرآن حادث مخلوق، ولا نثبت الكلام النفسى، فضلا عن أن يقال: التعبير من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسى، وهى الأفعال، فى الأمر والنهى، والنسب الخبرية فى الخبر، وفى إثبات الكلام النفسى إثبات كون الله ظرفا ومتحيزا، وإن رجع ذلك إلى العلم لزم أن كل ما علمه قديم، والقرآن هو هذه الألفاظ، لا غيرها.

الالوسي

تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رٰعِنَا} الرعي حفظ الغير لمصلحته سواء كان الغير عاقلاً أو لا، وسبب نزول الآية ـ كما أخرج أبو نعيم في «الدلائل» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ أن اليهود كانوا يقولون ذلك سراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سب قبيح بلسانهم، فلما سمعوا أصحابه عليه الصلاة والسلام يقولون: أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه سمعها منهم، فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا: أوَلستم تقولونها؟ فنزلت الآية ونهي المؤمنون سداً للباب، وقطعاً للألسنة وإبعاداً عن المشابهة. وأخرج عبيد وابن جرير والنحاس عن عطاء قال: كانت (راعنا) لغة الأنصار في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عنها في الإسلام، ولعل المراد أنهم يكثرونها في كلامهم/ واستعملها اليهود سباً فنهوا عنها، وأما دعوى أنها لغة مختصة بهم فغير ظاهر لأنها محفوظة في لغة جميع العرب منذ كانوا، وقيل: ومعنى هذه الكلمة عند اليهود لعنهم الله تعالى اسمع ـ لا سمعت ـ وقيل: أرادوا نسبته صلى الله عليه وسلم وحاشاه إلى الرعن، فجعلوه مشتقاً من الرعونة وهي الجهل والحمق، وكانوا إذا أرادوا أن يحمقوا إنساناً قالوا: راعنا، أي يا أحمق ـ فالألف حينئذ لمد الصوت ـ وحرف النداء محذوف ـ وقد ذكر الفراء أن أصل يا زيد يا زيدا ـ بالألف ـ ليكون المنادى بين صوتين، ثم اكتفى بيا ونوى الألف، ويحتمل أنهم أرادوا به المصدر، أي ـ رعنت رعونة ـ أو أرادوا صرت راعنا وإسقاط ـ التنوين ـ على اعتبار الوقف. وقد قرأ الحسن وابن أبـي ليلى وأبو حيوة وابن محيصن ـ بالتنوين ـ وجعله الكثير صفة لمصدر محذوف، أي قولاً: راعنا وصيغة فاعل حينئذ للنسبة ـ كلابن وتامر ـ، ووصف القول به للمبالغة كما يقال: كلمة حمقاء، وقرأ عبد الله وأبيّ {راعونا} على إسناد الفعل لضمير الجمع للتوقير ـ كما أثبته الفارسي ـ وذكر أن في مصحف عبد الله (ارعونا) وذهب بعض العلماء أن سبب النهي أن لفظ المفاعلة يقتضي الاشتراك في الغالب ـ فيكون المعنى عليه ـ ليقع منك رعي لنا ومنا رعي لك، وهو مخل بتعظيمه صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى بُعده عن سبب النزول بمراحل. {وَقُولُواْ ٱنظُرْنَا} أي انتظرنا وتأن علينا، أو انظر إلينا، ليكون ذلك أقوى في الإفهام والتعريف، وكان الأصل أن يتعدى الفعل بإلى، لكنه توسع فيه فتعدى بنفسه على حد قوله:شعر : ظاهرات الجمال والحسن ينظر ن كما ينظر (الأراك.. الظباء) تفسير : وقيل: هو من نظر البصيرة، والمراد به التفكر والتدبر فيما يصلح حال المنظور في أمره والمعنى تفكر في أمرنا وخير الأمور عندي أوسطها إلا أنه ينبغي أن يقيد نظر العين بالمقترن بتدبير الحال لتقوم هذه الكلمة مقام الأولى خالية من التدليس، وبدأ بالنهي لأنه من باب التروك فهو أسهل ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس قبل بالنهي، وقرأ أبـيّ والأعمش (أنظرنا) بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار ومعناه أمهلنا حتى نتلقى عنك ونحفظ ما نسمعه منك، وهذه القراءة تشهد للمعنى الأول على قراءة الجمهور إلا أنها على شذوذها لا تأبى ما اخترناه. {وَٱسْمَعُواْ} أي ما أمرتكم به ونهيتكم عنه بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتكم عنه ولا تتركوا ما أمرتكم به، أو هو أمر بحسن الاستماع بأن يكون باحضار القلب وتفريغه عن الشواغل حتى لا يحتاج إلى طلب صريح المراعاة ففيه تنبيه على التقصير في السماع حتى ارتكبوا ما تسبب للمحذور، والمراد سماع القبول والطاعة فيكون تعريضاً لليهود حيث قالوا: {أية : سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا } تفسير : [البقرة: 93] وإذا كان المراد سماع هذا الأمر والنهي يكون تأكيداً لما تقدم. {وَلِلكَـٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} اللام للعهد فالمراد بالكافرين اليهود الذين قالوا ما قالوا تهاونا بالرسول صلى الله عليه وسلم المعلوم مما سبق بقرينة السياق ووضع المظهر موضع المضمر إيذاناً بأن التهاون برسول الله صلى الله عليه وسلم كفر يوجب أليم العذاب، وفيه من تأكيد النهي ما فيه، وجعلها للجنس ـ فيدخل اليهود كما اختاره أبو حيان ـ ليس بظاهر على ما قيل: لأن الكلام مع المؤمنين فلا يصلح هذا أن يكون تذييلاً.

سيد قطب

تفسير : يمضي هذا الدرس في كشف دسائس اليهود وكيدهم للإسلام والمسلمين؛ وتحذير الجماعة المسلمة من ألاعيبهم وحيلهم، وما تكنه نفوسهم للمسلمين من الحقد والشر، وما يبيتون لهم من الكيد والضر؛ ونهى الجماعة المسلمة عن التشبه بهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب في قول أو فعل؛ ويكشف للمسلمين عن الأسباب الحقيقية الدفينة التي تكمن وراء أقوال اليهود وأفعالهم، وكيدهم ودسهم، وألاعيبهم وفتنهم، التي يطلقونها في الصف الإسلامي. ويبدو أن اليهود كانوا يتخذون من نسخ بعض الأوامر والتكاليف، وتغييرها وفق مقتضيات النشأة الإسلامية الجديدة، والظروف والملابسات التي تحيط بالجماعة المسلمة.. يبدو أنهم كانوا يتخذون من هذا ذريعة للتشكيك في مصدر هذه الأوامر والتكاليف؛ ويقولون للمسلمين: لو كانت من عند الله ما نسخت ولا صدر أمر جديد يلغي أو يعدل أمراً سابقاً. واشتدت هذه الحملة عند تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة بعد ستة عشر شهراً من الهجرة. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اتجه بالصلاة - عقب الهجرة - إلى بيت المقدس - قبلة اليهود ومصلاهم - فاتخذ اليهود من هذا التوجه حجة على أن دينهم هو الدين، وقبلتهم هي القبلة؛ مما جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرغب ولا يصرح في التحول عن بيت المقدس إلى الكعبة، بيت الله المحرم. وظلت هذه الرغبة تعتمل في نفسه حتى استجاب له ربه فوجهه إلى القبلة التي يرضاها - كما سيجيء في سياق السورة - ونظراً لما يحمله هذا التحول من دحض لحجة بني إسرائيل فقد عز عليهم أن يفقدوا مثل هذه الحجة، فشنوها حملة دعاية ماكرة في وسط المسلمين، بالتشكيك في مصدر الأوامر التي يكلفهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي صحة تلقيه عن الوحي.. أي إنهم وجهوا المعول إلى أساس العقيدة في نفوس المسلمين! ثم قالوا لهم: إن كان التوجه إلى بيت المقدس باطلاً فقد ضاعت صلاتكم وعبادتكم طوال هذه الفترة. وإن كان صحيحاً. ففيم التحول عنه؟ أي أنهم وجهوا المعول إلى أساس الثقة في نفوس المسلمين برصيدهم من ثواب الله، وقبل كل شيء في حكمة القيادة النبوية! ويبدو أن هذه الحملة الخبيثة الماكرة آتت ثمرتها الكريهة في بعض نفوس المسلمين. فأخذوا يسألون الرسول - صلى الله عليه وسلم - في قلق وزعزعة؛ ويطلبون البراهين والأدلة، الأمر الذي لا يتفق مع الطمأنينة المطلقة إلى القيادة، والثقة المطلقة بمصدر العقيدة. فنزل القرآن يبين لهم أن نسخ بعض الأوامر والآيات يتبع حكمة الله الذي يختار الأحسن لعباده؛ ويعلم ما يصلح لهم في كل موقف. وينبههم في الوقت ذاته إلى أن هدف اليهود هو ردهم كفاراً بعد إيمانهم؛ حسداً من عند أنفسهم على اختيار الله لهم، واختصاصهم برحمته وفضله، بتنزيل الكتاب الأخير عليهم، وانتدابهم لهذا الأمر العظيم. ويكشف لهم ما وراء أضاليل اليهود من غرض دفين! ويفند دعواهم الكاذبة في أن الجنة من حقهم وحدهم. ويقص عليهم التهم المتبادلة بين فريقي أهل الكتاب إذ يقول اليهود: ليست النصارى على شيء، وتقول النصارى ليست اليهود على شيء؛ وكذلك يقول المشركون عن الجميع! ثم يفظع نيتهم التي يخفونها من وراء قصة القبلة؛ وهي منع الاتجاه إلى الكعبة بيت الله ومسجده الأول، ويعده منعا لمساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعياً في خرابها. ويمضي السياق في هذا الدرس على هذا النحو، حتى ينتهي إلى أن يضع المسلمين وجهاً لوجه أمام الهدف الحقيقي لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.. إنه تحويل المسلمين من دينهم إلى دين أهل الكتاب ولن يرضوا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يتبع ملتهم، وإلا فهي الحرب والكيد والدس إلى النهاية! وهذه هي حقيقة المعركة التي تكمن وراء الأباطيل والأضاليل، وتتخفى خلف الحجج والأسباب المقنعة!!! {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا: راعنا. وقولوا: انظرنا، واسمعوا، وللكافرين عذاب أليم. ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم، والله يختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير؟ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير. أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل؟ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل. ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق، فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره، إن الله على كل شيء قدير وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله، إن الله بما تعملون بصير}.. يتجه الخطاب في مطلع هذا الدرس إلى {الذين آمنوا} يناديهم بالصفة التي تميزهم، والتي تربطهم بربهم ونبيهم، والتي تستجيش في نفوسهم الاستجابة والتلبية. وبهذه الصفة ينهاهم أن يقولوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {راعنا} - من الرعاية والنظر - وأن يقولوا بدلاً منها مرادفها في اللغة العربية: {أنظرنا}.. ويأمرهم بالسمع بمعنى الطاعة، ويحذرهم من مصير الكافرين وهو العذاب الأليم: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا: راعنا وقولوا انظرنا. واسمعوا. وللكافرين عذاب أليم}. وتذكر الروايات أن السبب في ذلك النهي عن كلمة {راعنا}.. أن سفهاء اليهود كانوا يميلون ألسنتهم في نطق هذا اللفظ، وهم يوجهونه للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يؤدي معنى آخر مشتقاً من الرعونة. فقد كانوا يخشون أن يشتموا النبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة، فيحتالون على سبه - صلوات الله وسلامه عليه - عن هذا الطريق الملتوي، الذي لا يسلكه إلا صغار السفهاء! ومن ثم جاء النهي للمؤمنين عن اللفظ الذي يتخذه اليهود ذريعة، وأمروا أن يستبدلوا به مرادفه في المعنى، الذي لا يملك السفهاء تحريفه وإمالته. كي يفوتوا على اليهود غرضهم الصغير السفيه! واستخدام مثل هذه الوسيلة من اليهود يشي بمدى غيظهم وحقدهم، كما يشي بسوء الأدب، وخسة الوسيلة، وانحطاط السلوك. والنهي الوارد بهذه المناسبة يوحي برعاية الله لنبيه وللجماعة المسلمة، ودفاعه - سبحانه - عن أوليائه، بإزاء كل كيد وكل قصد شرير من أعدائهم الماكرين. ثم يكشف للمسلمين عما تكنه لهم صدور اليهود حولهم من الشر والعداء، وعما تنغل به قلوبهم من الحقد والحسد، بسبب ما اختصهم به الله من الفضل. ليحذروا أعداءهم، ويستمسكوا بما يحسدهم هؤلاء الأعداء عليه من الإيمان، ويشكروا فضل الله عليهم ويحفظوه: {ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم. والله يختص برحمته من يشاء. والله ذو الفضل العظيم}.. ويجمع القرآن بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر.. وكلاهما كافر بالرسالة الأخيرة فهما على قدم سواء من هذه الناحية؛ وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن، ولا يود لهم الخير. وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين. هو أن يختارهم الله لهذا الخير وينزل عليهم هذا القرآن، ويحبوهم بهذه النعمة، ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض، وهي الأمانة الكبرى في الوجود. ولقد سبق الحديث عن حقدهم وغيظهم من أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده، حتى لقد بلغ بهم الغيظ أن يعلنوا عداءهم لجبريل - عليه السلام - إذ كان ينزل بالوحي على الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {والله يختص برحمته من يشاء}.. فالله أعلم حيث يجعل رسالته؛ فإذا اختص بها محمداً - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين به، فقد علم - سبحانه - أنه وأنهم أهل لهذا الاختصاص. {والله ذو الفضل العظيم}.. وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة؛ وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه. وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، وفي التقرير الذي سبقه عما يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد.. وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها - ويقودها - اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين، وهي الخير الضخم الذي ينفسونه على المسلمين! وكانت الحملة - كما أسلفنا - تتعلق بنسخ بعض الأوامر والتكاليف. وبخاصة عند تحويل القبلة إلى الكعبة. الأمر الذي أبطل حجتهم على المسلمين: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها}.. وسواء كانت المناسبة هي مناسبة تحويل القبلة - كما يدل سياق هذه الآيات وما بعدها - أم كانت مناسبة أخرى من تعديل بعض الأوامر والتشريعات والتكاليف، التي كانت تتابع نمو الجماعة المسلمة، وأحوالها المتطورة. أم كانت خاصة بتعديل بعض الأحكام التي وردت في التوراة مع تصديق القرآن في عمومه للتوراة.. سواء كانت هذه أم هذه أم هذه، أم هي جميعاً المناسبة التي اتخذها اليهود ذريعة للتشكيك في صلب العقيدة.. فإن القرآن يبين هنا بياناً حاسماً في شأن النسخ والتعديل؛ وفي القضاء على تلك الشبهات التي أثارتها يهود، على عادتها وخطتها في محاربة هذه العقيدة بشتى الأساليب. فالتعديل الجزئي وفق مقتضيات الأحوال - في فترة الرسالة - هو لصالح البشرية، ولتحقيق خير أكبر تقتضيه أطوار حياتها. والله خالق الناس، ومرسل الرسل، ومنزل الآيات، هو الذي يقدر هذا. فإذا نسخ آية القاها في عالم النسيان - سواء كانت آية مقروءة تشتمل حكماً من الأحكام، أو آية بمعنى علامة وخارقة تجيء لمناسبة حاضرة وتطوى كالمعجزات المادية التي جاء بها الرسل - فإنه يأتي بخير منها أو مثلها! ولا يعجزه شيء، وهو مالك كل شيء، وصاحب الأمر كله في السماوات وفي الأرض.. ومن ثم تجيء هذه التعقيبات: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير؟ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض؟ وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير}.. والخطاب هنا للمؤمنين يحمل رائحة التحذير، ورائحة التذكير بأن الله هو وليهم وناصرهم وليس لهم من دونه ولي ولا نصير.. ولعل هذا كان بسبب انخداع بعضهم بحملة اليهود التضليلية؛ وبلبلة أفكارهم بحججهم الخادعة؛ وإقدامهم على توجيه أسئلة للرسول - صلى الله عليه وسلم - لا تتفق مع الثقة واليقين. يدل على هذا ما جاء في الآية التالية من صريح التحذير والاستنكار: {أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل؟ ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل}.. فهو استنكار لتشبه بعض المؤمنين بقوم موسى في تعنتهم وطلبهم للبراهين والخوارق وإعناتهم لرسولهم كلما أمرهم بأمر أو أبلغهم بتكليف، على نحو ما حكى السياق عنهم في مواضع كثيرة.. وهو تحذير لهم من نهاية هذا الطريق، وهي الضلال، واستبدال الكفر بالإيمان، وهي النهاية التي صار إليها بنو إسرائيل. كما أنها هي النهاية التي يتمنى اليهود لو قادوا إليها المسلمين! {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً، حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}.. وذلك ما يفعله الحقد اللئيم بالنفوس.. الرغبة في سلب الخير الذي يهتدي إليه الآخرون.. لماذا؟ لا لأن هذه النفوس الشريرة لا تعلم. ولكنها لأنها تعلم! {حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق}.. والحسد هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين، وما زالت تفيض، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال. وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم؛ وردهم بعد ذلك إلى الكفر الذي كانوا فيه، والذي أنقذهم الله منه بالإيمان، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود! وهنا - في اللحظة التي تتجلى فيها هذه الحقيقة، وتنكشف فيها النية السيئة والحسد اللئيم - هنا يدعو القرآن المؤمنين إلى الارتفاع عن مقابلة الحقد بالحقد، والشر بالشر، ويدعوهم إلى الصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره، وقتما يريد: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره. إن الله على كل شيء قدير}.. وامضوا في طريقكم التي اختارها الله لكم، واعبدوا ربكم وادخروا عنده حسناتكم: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله. إن الله بما تعملون بصير}.. وهكذا.. يوقظ السياق القرآني وعي الجماعة المسلمة ويركزه على مصدر الخطر، ومكمن الدسيسة؛ ويعبىء مشاعر المسليمن تجاه النوايا السيئة والكيد اللئيم والحسد الذميم.. ثم يأخذهم بهذه الطاقة المعبأة المشحونة كلها إلى جناب الله؛ ينتظرون أمره، ويعلقون تصرفهم بإذنه.. وإلى أن يحين هذا الأمر يدعوهم إلى العفو والسماحة، لينقذ قلوبهم من نتن الحقد والضغينة. ويدعها طيبة في انتظار الأمر من صاحب الأمر والمشيئة.. ثم يمضي في تفنيد دعاوى أهل الكتاب عامة: اليهود والنصارى، وقولهم: إنهم هم المهتدون وحدهم! وإن الجنة وقف عليهم لا يدخلها سواهم! على حين يجبه كل فريق منهم الآخر بأنهم ليسوا على شيء! ويقرر في ثنايا عرض هذه الدعاوى العريضة حقيقة الأمر، ويقول كلمة الفصل في العمل والجزاء: {وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى. تلك أمانيهم. قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى! من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء - وهم يتلون الكتاب - كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم. فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. والذين كانوا يواجهون المسلمين في المدينة كانوا هم اليهود؛ إذ لم تكن هناك كتلة من النصارى تقف مواقف اليهود. ولكن النص هنا عام يواجه مقولات هؤلاء وهؤلاء. ثم يجبه هؤلاء بهؤلاء! ويحكي رأي المشركين في الطائفتين جميعاً! {وقالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى}.. وهذه حكاية قوليهم مزدوجة. وإلا فقد كانت اليهود تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً - أي من يهود - وكانت النصارى تقول: لن يدخل الجنة إلا من كان من النصارى.. وهذه القولة كتلك، لا تستند إلى دليل، سوى الادعاء العريض! ومن ثم يلقن الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يجبههم بالتحدي وأن يطالبهم بالدليل: {قل:هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.. وهنا يقرر قاعدة من قواعد التصور الإسلامي في ترتيب الجزاء على العمل بلا محاباة لأمة ولا لطائفة ولا لفرد. إنما هو الإسلام والإحسان، لا الاسم والعنوان: {بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن، فله أجره عند ربه، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. ومن قبل قرر هذه القاعدة في العقاب ردا على قولهم: {لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة}.. فقال: {بلى! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. إنها قاعدة واحدة بطرفيها في العقوبة والمثوبة. طرفيها المتقابلين: {من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته}.. فهو حبيس هذه الخطيئة المحيطة، في معزل عن كل شيء وعن كل شعور وعن كل وجهة إلا وجهة الخطيئة.. و{من أسلم وجهه لله وهو محسن}.. فأخلص ذاته كلها لله، ووجه مشاعره كلها إليه، وخلص لله في مقابل خلوص الآخر للخطيئة.. {من أسلم وجهه لله}.. هنا تبرز سمة الإسلام الأولى: إسلام الوجه - والوجه رمز على الكل - ولفظ أسلم يعني الاستسلام والتسليم. الاستسلام المعنوي والتسليم العملي. ومع هذا فلا بد من الدليل الظاهر على هذا الاستسلام: {وهو محسن}.. فسمة الإسلام هي الوحدة بين الشعور والسلوك، بين العقيدة والعمل، بين الإيمان القلبي والإحسان العملي.. بذلك تستحيل العقيدة منهجا للحياة كلها؛ وبذلك تتوحد الشخصية الإنسانية بكل نشاطها واتجاهاتها؛ وبذلك يستحق المؤمن هذا العطاء كله: {فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. الأجر المضمون لا يضيع عند ربهم.. والأمن الموفور لا يساوره خوف، والسرور الفائض لا يمسه حزن.. وتلك هي القاعدة العامة التي يستوي عندها الناس جميعاً. فلا محسوبية عند الله سبحانه ولا محاباة! ولقد كانوا - يهوداً ونصارى - يطلقون تلك الدعوى العريضة، بينما يقول كل منهما عن الفريق الآخر إنه ليس على شيء؛ وبينما كان المشركون يجبهون الفريقين بالقولة ذاتها: {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء - وهم يتلون الكتاب - كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.. والذين لا يعلمون هم الأميون العرب الذين لم يكن لهم كتاب؛ وكانوا يرون ما عليه اليهود والنصارى من الفرقة ومن التقاذف بالإتهام، ومن التمسك بخرافات وأساطير لا ترتفع كثيراً على خرافات العرب وأساطيرهم في الشرك ونسبة الأبناء - أو البنات - لله سبحانه؛ فكانوا يزهدون في دين اليهود ودين النصارى ويقولون:إنهم ليسوا على شيء! والقرآن يسجل على الجميع ما يقوله بعضهم في بعض؛ عقب تفنيد دعوى اليهود والنصارى في ملكية الجنة! ثم يدع أمر الخلاف بينهم إلى الله: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}. فهو الحكم العدل، وإليه تصير الأمور.. وهذه الإحالة إلى حكم الله هي وحدها المجدية في مواجهة قوم لا يستمدون من منطق، ولا يعتمدون على دليل، بعد دحض دعواهم العريضة في أنهم وحدهم أهل الجنة، وأنهم وحدهم المهديون! ثم يعود إلى ترذيل محاولتهم تشكيك المسلمين في صحة الأوامر والتبليغات النبوية - وبخاصة ما يتعلق منها بتحويل القبلة - ويعدها سعيا في منع ذكر الله في مساجده، وعملا على خرابها: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها؟ أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين. لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم}.. وأقرب ما يتوارد إلى الخاطر أن هاتين الآيتين تتعلقان بمسألة تحويل القبلة؛ وسعي اليهود لصد المسلمين عن التوجه إلى الكعبة.. أول بيت وضع للناس وأول قبلة.. وهناك روايات متعددة عن أسباب نزولهما غير هذا الوجه.. وعلى أية حال فإن إطلاق النص يوحي بأنه حكم عام في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، والسعي في خرابها. كذلك الحكم الذي يرتبه على هذه الفعلة، ويقرر أنه هو وحده الذي يليق أن يكون جزاء لفاعليها. وهو قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين}.. أي أنهم يستحقون الدفع والمطاردة والحرمان من الأمن، إلا أن يلجأوا إلى بيوت الله مستجيرين محتمين بحرمتها مستأمنين (وذلك كالذي حدث في عام الفتح بعد ذلك إذ نادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح: من دخل المسجد الحرام فهو آمن.. فلجأ إليها المستأمنون من جبابرة قريش، بعد أن كانوا هم الذي يصدون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه ويمنعونهم زيارة المسجد الحرام!). ويزيد على هذا الحكم ما يتوعدهم به من خزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة: {لهم في الدنيا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم}.. وهناك تفسير آخر لقوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين}.. أي أنه ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا في خوف من الله وخشوع لجلالته في بيوته. فهذا هو الأدب اللائق ببيوت الله، المناسب لمهابته وجلاله العظيم.. وهو وجه من التأويل جائز في هذا المقام. والذي يجعلنا نرجح أن الآيتين نزلتا في مناسبة تحويل القبلة، هو الآية الثانية منهما: {ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله، إن الله واسع عليم}. فهي توحي بأنها جاءت رداً على تضليل اليهود في ادعائهم إن صلاة المسلمين إذن إلى بيت المقدس كانت باطلة، وضائعة ولا حساب لها عند الله! والآية ترد عليهم هذا الزعم، وهي تقرر أن كل اتجاه قبلة، فثم وجه الله حيثما توجه إليه عابد. وإنما تخصيص قبلة معينة هو توجيه من عند الله فيه طاعة، لا أن وجه الله - سبحانه - في جهة دون جهة. والله لا يضيق على عباده، ولا ينقصهم ثوابهم، وهو عليم بقلوبهم ونياتهم ودوافع اتجاهاتهم. وفي الأمر سعة. والنية لله {إن الله واسع عليم}... بعد ذلك يستعرض السياق ضلال تصورهم لحقيقة الألوهية، وانحرافهم عن التوحيد الذي هو قاعدة دين الله، وأساس التصور الصحيح في كل رسالة. ويقرن تصورهم المنحرف إلى تصورات الجاهلية عن ذات الله - سبحانه - وصفاته. ويقرر التشابه بين قلوب المشركين من العرب وقلوب المشركين من أهل الكتاب، ويصحح للجميع انحرافهم إلى الشرك، ويوضح لهم قاعدة التصور الإيماني الصحيح: {وقالوا:اتخذ الله ولداً. سبحانه! بل له ما في السماوات والأرض، كل له قانتون. بديع السماوات والأرض، وإذا قضى أمرا فإنما يقول له: كن. فيكون. وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية. كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم. تشابهت قلوبهم. قد بينا الآيات لقوم يوقنون}.. وهذه المقولة الفاسدة: {اتخذ الله ولداً}.. ليست مقولة النصارى وحدهم في المسيح، فهي كذلك مقولة اليهود في العزير. كما كانت مقولة المشركين في الملائكة. ولم تفصل الآية هنا هذه المقولات، لأن السياق سياق إجمال للفرق الثلاث التي كانت تناهض الإسلام يومئذ في الجزيرة - ومن عجب أنها لا تزال هي التي تناهضه اليوم تماما، ممثلة في الصهيونية العالمية والصليبية العالمية، والشيوعية العالمية، وهي أشد كفراً من المشركين في ذلك الحين! - ومن هذا الإدماج تسقط دعوى اليهود والنصارى في أنهم وحدهم المهتدون؛ وها هم أولاء يستوون مع المشركين! وقبل أن يمضي إلى الجوانب الفاسدة الأخرى من تصورهم لشأن الله - سبحانه - يبادر بتنزيه الله عن هذا التصور، وبيان حقيقة الصلة بينه وبين خلقه جميعاً: {سبحانه! بل له ما في السماوات والأرض، كل له قانتون. بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن. فيكون}.. هنا نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن الله سبحانه، وعن نوع العلاقة بين الخالق وخلقه، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق، وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعاً.. لقد صدر الكون عن خالقه، عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة: {كن، فيكون}.. فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على الصورة المقدرة له، بدون وسيط من قوة أو مادة.. أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا نعرف كنهها، بذلك الكائن المراد صدوره عنها، فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه، لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه. وهي غير مهيأة لإدراكه لأنه لا يلزمها في وظيفتها التي خلقت لها وهي خلافة الأرض وعمارتها.. وبقدر ما وهب الله للإنسان من القدرة على كشف قوانين الكون التي تفيده في مهمته، وسخر له الانتفاع بها، بقدر ما زوى عنه الأسرار الأخرى التي لا علاقة لها بخلافته الكبرى.. ولقد ضربت الفلسفات في تيه لا منارة فيه، وهي تحاول كشف هذه الأسرار؛ وتفترض فروضاً تنبع من الإدراك البشري الذي لم يهيأ لهذا المجال، ولم يزود أصلاً بأدوات المعرفة فيه والارتياد. فتجيء هذه الفروض مضحكة في أرفع مستوياتها. مضحكة إلى حد يحير الإنسان: كيف يصدر هذا عن "فيلسوف"! وما ذلك إلا لأن أصحاب هذه الفلسفات حاولوا أن يخرجوا بالإدراك البشري عن طبيعة خلقته، وأن يتجاوزوا به نطاقه المقدور له! فلم ينتهوا إلى شيء يطمأن إليه؛ بل لم يصلوا إلى شيء يمكن أن يحترمه من يرى التصور الإسلامي ويعيش في ظله. وعصم الإسلام أهله المؤمنين بحقيقته أن يضربوا في هذا التيه بلا دليل، وأن يحاولوا هذه المحاولة الفاشلة، الخاطئة المنهج ابتداء. فلما أن أراد بعض متفلسفتهم متأثرين بأصداء الفلسفة الإغريقية - على وجه خاص - أن يتطاولوا إلى ذلك المرتقى، باءوا بالتعقيد والتخليط، كما باء أساتذتهم الإغريق! ودسوا في التفكير الإسلامي ما ليس من طبيعته، وفي التصور الإسلامي ما ليس من حقيقته.. وذلك هو المصير المحتوم لكل محاولة العقل البشري وراء مجاله، وفوق طبيعة خلقته وتكوينه.. والنظرية الإسلامية: أن الخلق غير الخالق. وأن الخالق ليس كمثله شيء.. ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة: "وحدة الوجود" على ما يفهمه غير المسلم من هذا الاصطلاح - أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة - أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده.. أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس.. والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى آخر: وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه في عبادة وخشوع: {بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون}.. فلا ضرورة لتصور أن له من بين ما في السماوات والأرض ولداً.. فالكل من خلقه بدرجة واحدة، وبأداة واحدة: {بديع السماوات والأرض. وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون}.. وتوجه الإرادة يتم بكيفية غير معلومة للإدراك البشري، لأنها فوق طاقة الإدراك البشري. فمن العبث إنفاق الطاقة في اكتناه هذا السر، والخبط في التيه بلا دليل! وإذ ينتهي من عرض مقولة أهل الكتاب في ادعاء الولد لله - سبحانه - وتصحيح هذه المقولة وردها، يتبعها بمقولة للمشركين فيها من سوء التصور ما يتسق مع سوء التصور عن أهل الكتاب: {وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية! كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم}. والذين لا يعلمون هم الأميون الذين كانوا مشركين؛ إذ لم يكن لديهم علم من كتاب. وكثيراً ما تحدوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكلمهم الله أو أن تأتيهم خارقة من الخوارق المادية.. وذكر هذه المقولة هنا مقصود لبيان أن الذين من قبلهم - وهم اليهود وغيرهم - طلبوا مثل هذا من أنبيائهم. فلقد طلب قوم موسى أن يروا الله جهرة، وطلبوا وتعنتوا في طلب الخوارق المعجزة. فبين هؤلاء وهؤلاء شبه في الطبيعة، وشبه في التصور، وشبه في الضلال: {تشابهت قلوبهم}.. فلا فضل لليهود على المشركين. وهم متشابهو القلوب في التصور والعنت والضلال: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون}.. والذي يجد راحة اليقين في قلبه يجد في الآيات مصداق يقينه، ويجد فيها طمأنينة ضميره. فالآيات لا تنشىء اليقين، إنما اليقين هو الذي يدرك دلالتها ويطمئن إلى حقيقتها. ويهيئ القلوب للتلقي الواصل الصحيح. وإذا انتهت مقولاتهم، وفندت أباطيلهم، وكشفت الدوافع الكامنة وراء أضاليلهم، يتجه الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبين له وظيفته، ويحدد له تبعاته، ويكشف له عن حقيقة المعركة بينه وبين اليهود والنصارى، وطبيعة الخلاف الذي لا حل له إلا بثمن لا يملكه ولا يستطيعه! ولو أداه لتعرض لغضب الله مولاه؛ وحاشاه! {إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً، ولا تسأل عن أصحاب الجحيم. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم. قل: إن هدى الله هو الهدى، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير. الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته. أولئك يؤمنون به. ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون}.. {إنا أرسلناك بالحق}.. وهي كلمة فيها من التثبيت ما يقضي على شبهات المضللين، ومحاولات الكائدين، وتلبيس الملفقين. وفي جرسها صرامة توحي بالجزم واليقين. {بشيراً ونذيراً}.. وظيفتك البلاغ والأداء، تبشر الطائعين وتنذر العصاة، فينتهي دورك. {ولا تسأل عن أصحاب الجحيم}.. الذين يدخلون الجحيم بمعصيتهم، وتبعتهم على أنفسهم. وسيظل اليهود والنصارى يحاربونك، ويكيدون لك، ولا يسالمونك ولا يرضون عنك، إلا أن تحيد عن هذا الأمر، وإلا أن تترك هذا الحق، وإلا أن تتخلى عن هذا اليقين، تتخلى عنه إلى ما هم فيه من ضلال وشرك وسوء تصور كالذي سبق بيانه منذ قليل: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}.. فتلك هي العلة الأصيلة. ليس الذي ينقصهم هو البرهان؛ وليس الذي ينقصهم هو الاقتناع بأنك على الحق، وأن الذي جاءك من ربك الحق. ولو قدمت إليهم ما قدمت، ولو توددت إليهم ما توددت.. لن يرضيهم من هذا كله شيء، إلا أن تتبع ملتهم وتترك ما معك من الحق. إنها العقدة الدائمة التي نرى مصداقها في كل زمان ومكان.. إنها هي العقيدة. هذه حقيقة المعركة التي يشنها اليهود والنصارى في كل أرض وفي كل وقت ضد الجماعة المسلمة.. إنها معركة العقيدة هي المشبوبة بين المعسكر الإسلامي وهذين المعسكرين اللذين قد يتخاصمان فيما بينهما؛ وقد تتخاصم شيع الملة الواحدة فيما بينها، ولكنها تلتقي دائما في المعركة ضد الإسلام والمسلمين! إنها معركة العقيدة في صميمها وحقيقتها. ولكن المعسكرين العريقين في العداوة للإسلام والمسلمين يلونانها بألوان شتى، ويرفعان عليها أعلاماً شتى، في خبث ومكر وتورية. إنهم قد جربوا حماسة المسلمين لدينهم وعقيدتهم حين واجهوهم تحت راية العقيدة. ومن ثم استدار الأعداء العريقون فغيروا أعلام المعركة.. لم يعلنوها حربا باسم العقيدة - على حقيقتها - خوفا من حماسة العقيدة وجيشانها. إنما أعلنوها باسم الأرض، والاقتصاد، والسياسة، والمراكز العسكرية.. وما إليها. وألقوا في روع المخدوعين الغافلين منا أن حكاية العقيدة قد صارت حكاية قديمة لا معنى لها! ولا يجوز رفع رايتها، وخوض المعركة باسمها. فهذه سمة المتخلفين المتعصبين! ذلك كي يأمنوا جيشان العقيدة وحماستها.. بينما هم في قرارة نفوسهم: الصهيونية العالمية والصليبية العالمية - بإضافة الشيوعية العالمية - جميعاً يخوضون المعركة أولاً وقبل كل شيء لتحطيم هذه الصخرة العاتية التي نطحوها طويلاً، فأدمتهم جميعاً!!! إنها معركة العقيدة. إنها ليست معركة الأرض. ولا الغلة. ولا المراكز العسكرية. ولا هذه الرايات المزيفة كلها. إنهم يزيفونها علينا لغرض في نفوسهم دفين. ليخدعونا عن حقيقة المعركة وطبيعتها، فإذا نحن خدعنا بخديعتهم لنا فلا نلومن إلا أنفسنا. ونحن نبعد عن توجيه الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ولأمته، وهو - سبحانه - أصدق القائلين: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}.. فذلك هو الثمن الوحيد الذي يرتضونه. وما سواه فمرفوض ومردود! ولكن الأمر الحازم، والتوجيه الصادق: {قل: إن هدى الله هو الهدى}.. على سبيل القصر والحصر. هدى الله هو الهدى. وما عداه ليس بهدى. فلا براح منه، ولا فكاك عنه، ولا محاولة فيه، ولا ترضية على حسابه، ولا مساومة في شيء منه قليل أو كثير، ومن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. وحذار أن تميل بك الرغبة في هدايتهم وإيمانهم، أو صداقتهم ومودتهم عن هذا الصراط الدقيق. {ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير}.. بهذا التهديد المفزع، وبهذا القطع الجازم، وبهذا الوعيد الرعيب.. ولمن؟ لنبي الله ورسوله وحبيبه الكريم! إنها الأهواء.. إن أنت ملت عن الهدى.. هدى الله الذي لا هدى سواه.. وهي الأهواء التي تقفهم منك هذا الموقف؛ وليس نقص الحجة ولا ضعف الدليل. والذين يتجردون منهم من الهوى يتلون كتابهم حق تلاوته، ومن ثم يؤمنون بالحق الذي معك؛ فأما الذين يكفرون به فهم الخاسرون، لا أنت ولا المؤمنون! {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته. أولئك يؤمنون به. ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون}.. وأي خسارة بعد خسارة الإيمان، أعظم آلاء الله على الناس في هذا الوجود؟ وبعد هذا التقرير الحاسم الجازم ينتقل السياق بالخطاب إلى بني إسرائيل. كأنما ليهتف بهم الهتاف الأخير، بعد هذه المجابهة وهذ الجدل الطويل، وبعد استعراض تاريخهم مع ربهم ومع أنبيائهم، وبعد الالتفات عنهم إلى خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخطاب المؤمنين.. هنا يجيء الالتفات إليهم كأنه الدعوة الأخيرة، وهم على أبواب الإهمال والإغفال والتجريد النهائي من شرف الأمانة.. أمانة العقيدة.. التي نيطت بهم من قديم.. وهنا يكرر لهم الدعوة ذاتها التي وجهها إليهم في أول الجولة.. يا بني إسرائيل.. {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأني فضلتكم على العالمين. واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها عدل، ولا تنفعها شفاعة، ولا هم ينصرون}..

ابن عاشور

تفسير : يتعين في مثل هذه الآية تطلب سبب نزولها ليظهر موقعها ووجه معناها، فإن النهي عن أن يقول المؤمنون كلمة لا ذم فيها ولا سخف لا بد أن يكون لسبب، وقد ذكروا في سبب نزولها أن المسلمين كانوا إذا ألقى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم الشريعة والقرآن يتطلبون منه الإعادة والتأني في إلقائه حتى يفهموه ويعوه فكانوا يقولون له راعنا يا رسول الله أي لا تتحرج منا وارفق وكان المنافقون من اليهود يشتمون النبي صلى الله عليه وسلم في خلواتهم سراً وكانت لهم كلمة بالعبرانية تشبه كلمة راعنا بالعربية ومعناها في العبرانية سب، وقيل معناها لا سمعت، دعاء فقال بعضهم لبعض: كنا نسب محمداً سرّاً فأعلنوا به الآن أو قالوا هذا وأرادوا به اسم فاعل من رعن إذا اتصف بالرعونة وسيأتي، فكانوا يقولون هاته الكلمة مع المسلمين ناوين بها السب فكشفهم الله وأبطل عملهم بنهي المسلمين عن قول هاته الكلمة حتى ينتهي المنافقون عنها ويعلموا أن الله أطلع نبيه على سرهم. ومناسبة نزول هاته الآية عقب الآيات المتقدمة في السحر وما نشأ عن ذمه، أن السحر كما قدمنا راجع إلى التمويه، وأن من ضروب السحر ما هو تمويه ألفاظ وما مبناه على اعتقاد تأثير الألفاظ في المسحور بحسب نية الساحر وتوجهه النفسي إلى المسحور، وقد تأصل هذا عند اليهود واقتنعوا به في مقاومة أعدائهم. ولما كان أذى الشخص بقول أو فعل لا يعلم مغزاهما كخطابه بلفظ يفيد معنى ومقصود المتكلم منه أذى، أو كإهانة صورته أو الوطء على ظله، كل ذلك راجعاً إلى الاكتفاء بالنية والتوجه في حصول الأذى، كان هذا شبيهاً ببعض ضروب السحر ولذلك كان من شعار من استهواهم السحر واشتروه ناسب ذكر هاته الحالة من أحوالهم عقب الكلام على افتتانهم بالسحر وحبه دون بقية ما تقدم من أحوالهم وهاته المناسبة هي موجب التعقيب في الذكر. وإنما فصلت هذه الآية عما قبلها لاختلاف الغرضين لأن هذه في تأديب المؤمنين ثم يحصل منه التعريض باليهود في نفاقهم وأذاهم والإشعار لهم بأن كيدهم قد أطلع الله عليه نبيه. وقد كانوا يعدون تفطن المسحور للسحر يبطل أثره فأشبهه التفطن للنوايا الخبيثة وصريح الآيات قبلها في أحوالهم الدينية المنافية لأصول دينهم ولأن الكلام المفتتح بالنداء والتنبيه ونحوه نحو {يا أيها الناس} ويا زيد وألا ونحوها لا يناسب عطفه على ما قبله وينبغي أن يعتبر افتتاح كلام بحيث لا يعطف إلا بالفاء إذا كان مترتباً عما قبله لأن العطف بالفاء بعيد عن العطف بالواو وأوسع من جهة التناسب. و{راعنا} أمر من راعاه يراعيه وهو مبالغة في رعاه يرعاه إذا حرسه بنظره من الهلاك والتلف وراعى مثل رعى قال طرفة:شعر : خذول تراعى ربربا بخميلة تفسير : وأطلق مجازاً على حفظ مصلحة الشخص والرفق به ومراقبة نفعه وشاع هذا المجاز حتى صار حقيقة عرفية ومنه رعاك الله ورعى ذمامه، فقول المسلمين للنبي صلى الله عليه وسلم (راعنا) هو فعل طلب من الرعي بالمعنى المجازي أي الرفق والمراقبة أي لا تتحرج من طلبنا وارفق بنا. وقوله: {وقولوا انظرنا} أبدلهم بقولهم: {راعنا} كلمة تساويها في الحقيقة والمجاز وعدد الحروف والمقصود من غير أن يتذرع بها الكفار لأذى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من أبدع البلاغة فإنَّ نَظَرَ في الحقيقة بمعنى حَرَسَ وصار مجازاً على تدبير المصالح، ومنه قول الفقهاء هذا من النظر، والمقصود منه الرفق والمراقبة في التيسير فيتعين أن قوله: {انظرنا} بضم همزة الوصل وضم الظاء وأنه من النظر لا من الانتظار. وقد دلت هذه الآية على مشروعية أصل من أصول الفقه ـــ وهو من أصول المذهب المالكي ـــ يلقب بسد الذرائع وهي الوسائل التي يتوسل بها إلى أمر محظور. وقوله تعالى: {واسمعوا} أريد به سماع خاص وهو الوعي ومزيد التلقي حتى لا يحتاجوا إلى طلب المراعاة أوالنظر وقيل: أراد من (اسمعوا) امتثلوا لأوامر الرسول قاله ابن عطية وهو أظهر. وقوله: {وللكافرين عذاب أليم} التعريف للعهد. والمراد بالكافرين اليهود خاصة أي تأدبوا أنتم مع الرسول ولا تتأسوا باليهود في أقوالهم: فلهم عذاب أليم، والتعبير بالكافرين دون اليهود زيادة في ذمهم. وليس هنا من التذييل لأن الكلام السابق مع المؤمنين فلا يصلح ما بعده من تعميم حكم الكافرين لتذييل ما قبله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: راعنا: أمهلنا وانظرنا حتى نعي ما تقول. انظرنا: أمهلنا حتى نفهم ما تقول ونحفظ. الكافرين: الجاحدين المكذبين لله ورسوله المستهزئين بهما أو بأحدهما. أليم: كثير الألم شديد الإِيجاع. من أهل الكتاب ولا المشركين: اليهود والنصارى والوثنيين من العرب وغيرهم. من خير من ربكم: من الوحي الإِلهي المشتمل على التشريع المتضمن لكل أنواع الهداية وطرق الإسعاد والإِكمال في الدارين. الفضل: ما كان من الخير غير محتاج إليه صاحبه، والله عز وجل هو صاحب الفضل إذ كل ما يمن به ويعطيه عباده من الخير هو في غنى عنه ولا حاجة به إليه أبداً. معنى الآيتين: أما الآية الأولى [104] فقد أمر الله تعالى المؤمنين أن يُراعوا الأدبْ في مخاطبة نبيّهم صلى الله عليه وسلم تجنباً للكلمات المشبوهة ككلمة راعنا، إذ قد تكون من الرعونة، ولما تدل عليه صيغة المفاعلة إذ كأنهم يقولون راعنا نُرَاعِكَ، وهذا لا يليق أن يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم. وأرشدهم تعالى إلى كلمة سليمة من كل شبهة تنافي الأدب وهي انظرنا، وأمرهم أن يسمعوا لنبيّهم إذا خاطبهم حتى لا يضطروا إلى مراجعته؛ إذ الاسْتِهْزَاءُ بالرسول والسخرية منه ومخاطبته بما يفهم الاستخفاف بحقه وعلوّ شأنه وعظيم منزلته كفر بواح. وفي الآية الثانية [105] أخبر تعالى عباده المؤمنين بأن الكافرين من أهل الكتاب ومن غيرهم من المشركين الوثنيين لا يحبون أن يُنزل عليكم من خير من ربكم وسواء كان قرآناً يحمل أسمى الآداب وأعظم الشرائع وأهدى سبل السعادة والكمال، أو كان غير ذلك من سائر أنواع الخيرات، وذلك حسداً منهم للمؤمنين كما أخبرهم أنه تعالى يختص برحمته من يشاء من عباده فحسد الكافرين لكم لا يمنع فضل الله عليكم ورحمته بكم متى أرادكم بذلك. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- وجوب التأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخاطبته بعدم استعمال أي لفظة قد تفهم غير الإِجلال والإِكبار له صلى الله عليه وسلم. 2- وجوب السماع لرسول الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، وعند مخاطبته لمن أكرمهم الله تعالى بمعايشته والوجود معه. 3- التحذير من الكافرين كتابيين أو مشركين لأنهم أعداء حسدة للمؤمنين فلا يحل الركون إليهم والإِطمئنان إلى أقوالهم وأفعالهم، إذ الريبة لا تفارقهم.

القطان

تفسير : يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم من هؤلاء اليهود فلا تقولوا حينما يتلو الرسول عليكم الوحي (راعنا) رغبة في أن يجعلكم موضع رعايته، ويتمهل عليكم في تلاوته حتى تعوا القرآن وتحفظوه، لأن خبثاء اليهود يتظاهرون في ذلك ويستعملون كلمة "راعنوا"، ومعناها "شرّنا أو شرير"، فيلوون ألسنتهم بهذه الكلمة حتى تصير مطابقة للفظ شتيمةٍ ويوجهونها للرسول الكريم ليسخروا منه فيما بينهم. ولكن اسعمِلوا كلمة اخرى لا يجد اليهود فيها مجالاً لخبثهم وسخريتهم فقولوا: "أنظرنا". واسمعوا جيداً لما يتلوه عليكم. وللكافرين يوم القيامة عذاب أليم. واعلموا ان هؤلاء الكافرين والمشركين لا يحبون ان يأتيكم أي خير من ربكم. والله سبحانه وتعالى يختص برحمته من يشاء من عباده. وقد خصكم بهذا الكتاب العظيم الذي جمع به شملكم، وطهر عقولكم من زيغ الوثنية، والله ذو الفضل العظيم.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {رَاعِنَا} {وَلِلكَافِرِينَ} {يَاأَيُّهَا} (104) - كَانَ الأنْصَارُ يَقُولُونَ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم حِينَمَا يَتْلُو عَلَيهِمِ الوَحْيَ: رَاعِنَا (أيْ تَمَهَّلْ عَلَينا في التّلاوَةِ حَتّى نَعِيَ مَا تَقْرَؤُهُ عَلَينا). وَكَانَ اليَهُودُ يَسْتَعْمِلُونَ هذا التَّعْبيرَ في مُخَاطَبَتِهِمْ لِلرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ يَتَظَاهَرُونَ بِأَنَّهُمْ يَريدُونَ أنْ يَقُولُوا لَهُ: (ارْعِنَا سَمْعَكَ). وَلكِنَّهُمْ كَانُوا يُمِيلُونَ الكَلِمَاتِ بَعْضَ الشَّيءِ، وَيُورُونَ بِها عَنِ الرُّعُونَةِ. (وَرَاعِينُو فِي العِبْرِيَّةِ مَعْنَاهَا شِرِّيرٌ). فَنَبَّهَ اللهُ تَعَالى رَسُولَهُ وَالمُؤمِنينَ إلى ذَلِكَ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اسْتِعْمَالِ هذِِهِ الكَلِمَةِ في مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ. وَأمَرَهُمْ بِأنْ يَسْتَعْمِلُوا بَدَلاً مِنْ كَلِمَةِ (رَاعِنَا)، كَلِمَةَ (انْظُرْنا). وَيَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى اليَهُودَ الكَافِرينَ بِالعَذَابِ الأليمِ الذِي أعَدَّهُ لَهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وِسُوءِ أدَبِهِمْ بِحَقِّ الرَّسُولِ الكَرِيمِ. رَاعِنا - ارْعِنا سَمعَكَ، أوْ تَمَهَّل عَلَينا. انْظُرْنَا - انْظُرْ إلَينَا أوِ انْتَظِرْنَا أوْ تَأنَّ عََلَينَا.

الثعلبي

تفسير : {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} الآية: وذلك إنّ المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة، وكانت هذه اللفظة سبّاً مبيحاً بلغة اليهود، وقيل: كان معناه عندهم: اسمع لا سمعت، وقيل: هو إلحاد إلى الرعونة لما سمعتها اليهود اغتنموها، وقالوا فيما نسب بعضهم إلى محمّد سراً. فاعلنوا الآن بالشّتم، وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمّد ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها، وكان يعرف لغتهم. فقال لليهود: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يامعشر اليهود إن سمعنا من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لضربت عنقه. فقالوا: أولستم تقولونها؟ فأنزل الله تعالى {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلاً إلى شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي هذه اللفظة ثلاث قرآت: قرأ الحسن راعناً بالتنوين أراد قولاً راعناً: أي حقاً من الرعونة فحذف الاسم وأبقى الصّفة. كقول الشاعر: شعر : ولا مثل يوم في قدار ظله كأني وأصحابي على قرن أعفرا تفسير : اراد قرن ظبي أعفر. حذف الاسم وابقى النعت. وقرأ أُبي بن كعب: راعونا بالجمع. وقرأت العامّة: راعنا بالواحد من المراعاة. يُقال: أرعى إلى الشيء وارعاه وراعاه. إذا أصغى إليه واستمعه. مثل قولهم: عافاه الله واعفاه. قال مجاهد: لا تقولوا راعنا: يعني خلافاً. يمان: هجراً. الكسائي: شرّاً. {وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا} قال أُبي بن كعب: انظرنا بقطع الألف أي أخرنا، وقرأت العامّة موصولة أي انظر إلينا. فحذف حرف التعدية كقول قيس بن الخطيم: شعر : ظاهرات الجمال والحسن ينظرن كما ينظر الأراك الظبّا تفسير : أي إلى الأراك، وقيل: معناه انتظرنا وتأننا. كقول امرؤ القيس: شعر : فانكما أن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى ام جندب تفسير : وقال مجاهد: معناه فهَّمنا، وقال يمان: بيّن لنَّا. {وَٱسْمَعُواْ} ما تؤمرون به، والمراد به اطيعوا لأنّ الطّاعة تحت السّمع. {وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني اليهود. {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} الآية: وذلك إنّ المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمّد قالوا: ما هذا الّذي تدعوننا إليه بخير مما نحن عليه ولو [هدانا] لكان خيراً. فأنزل الله تعالى تكذيباً لهم (ما يودّ): يريد ويتمنى الّذين كفروا من أهل الكتاب يعني اليهود. {وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ} مجرور في اللفظ بالنسق على من مرفوع المعنى بفعله كقوله عزّ وجلّ {أية : وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} تفسير : [الأنعام: 38] {أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ} أي خبر كما نقول: ما أتاني من أحد من فيه، وفي جوابها صلة، وهي كثيرة في القرآن. {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ} والاختصاص أوكد من الخصوص لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك. {بِرَحْمَتِهِ} بنبوّته. {مَن يَشَآءُ} يخص بها محمّداً صلى الله عليه وسلم. {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} [أي ابتداء لعلى... خبر علة أو المراد من الرحمة الإسلام والهداية] {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} الآية وذلك إنّ المشركين قالوا: ألاّ ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر لم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولاً ويرجع فيه غداً، ما هذا القرآن إلاّ كلام محمّد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضاً. فأنزل الله {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} تفسير : [النحل: 101]، وأنزل أيضاً {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} ثمّ بيّن وجه الحكمة في النسّخ بهذه الآية. وأعلم إنّ النسخ في اللغة شيئان: الوجه الأول: بمعنى التغيير والتحويل قال الفراء: يُقال: مسخه الله قرداً ونسخه قرداً، ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فينقل ما فيه إليه قال الله تعالى {أية : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الجاثية: 29]: أي نأمر الملائكة بنسخها. قال ابن عبّاس في هذه الآية: ألسْتم قوماً عرباً هل يكون نسخه إلاّ من أصل كان قبل ذلك؟ وعلى هذا الوجه القرآن كلّه منسوخ؛ لأنّه نسخ من اللوح المحفوظ فأنزل على النبيّ صلى الله عليه وسلم. روى عبد الوهاب بن عطاء عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدُّنيا ثمَّ أنزله جبرائيل على محمّد آياً بعد آي، وكان فيه ما قال المشركون وردّ عليهم. والوجه الثاني: بمعنى رفع الشيء وابطاله يُقال: نسخت الشمّس الظل: أي ذهبت به وأبطلته [...] عنّى بقوله ما ننسخ من آية وعلى هذا الوجه يكون بعض القرآن ناسخاً ومنسوخاً وهي ما تعرفه الأمّة من ناسخ القرآن ومنسوخه وهذا أيضاً يتنوّع نوعين: أحدهما: إن يثبت خط الآية، وينسخ علمها والعمل بها. كقول ابن عبّاس في قوله {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} قال: ثبت خطها وتبدل حكمها. ومنها رفع تلاوتها وبقاء حكمها مثل آية الرجم. الثاني: أنّ تُرفع الآية أصلاً أي تلاوتها وحكمها معاً فتكون خارجة من خط الكتاب، وبعضها من قلوب الرّجال أيضاً، والشّاهد له ما روي أبو أمامة سهل بن حنيف في مجلس سعيد ابن المسيب: حديث : إنّ رجلاً كانت معه سوّر. فقام يقرأها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها. فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها. فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم: يا رسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله ما جئت إلاّ لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّها نُسخت البارحة ". تفسير : ثمَّ إعلم أنّ النّسخ إنّما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار؛ إذا نُسخ صار المخُبر كذاباً، وإنّ اليهود حاولوا نسخ الشرائع وزعموا إنّه بداء فيُقال لهم: أليس قد أباح الله تزويج الاخت من الأخ ثمّ حظره وكذلك بنت الأخ وبنت الأخت؟ أليس قد أمر إبراهيم عليه السلام بذبح إبنه، ثمّ قال له لا تذبحه؟ أليس قد أمر موسى بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد العجل منهم وأمرهم برفع السّيف عنهم؟ أليست نبوة موسى غير متعبد بها، ثمّ تُعبّد بذلك؟ أليس قد أمر حزقيل النبيّ بالختان، ثمّ نهاه عنه؟ فلِما لَم يلحقه بهذه الأشياء بداء فكذلك في نسخ الشرائع لم يلحقه بداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم؛ لضرب من المصلحة إظهار لحكمته وكمال مملكته وله ذلك وبه التوفيق. فهذه من علم النّسخ وهو نوع كثير من علوم القرآن، لا يسع جهله لمن شرع إلى التفسير. وعن أبي عبد الرحمن السّلمي: إنّ علياً عليه السلام مرّ بقاص يقصُّ في جامع الكوفة بباب كندة فقال: هل تعلم النّاسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت. وأمّا معنى الآية لقوله {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} قرأت العامّة بفتح النون والسين من النّسخ. وقرأ ابن عامر: بضم النون وكسر السّين. قال أبو حاتم: هو غلط وقال: بعضهم له وجهان، أحدهما نجعله نسخه من قولك نسخت الكتاب إذا كتبته وأنسخته غيري إذا جعلته نسخة له ومعناها ما مسختك. والوجه الثاني: تجعله في جملة المنسوخ كقولك: طردت الرّجل إذا نفيته وأطردته جعلته طريداً. قال الشاعر: شعر : طردتني حسد الهجاء حيفاء واللاّت والأصنام ما قالوا تنل تفسير : أو ننسها: فيه تسع قراءات: قرأ سعيد بن المسيب وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب: ننسها بضّم النون وكسر السّين. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم أي: نُنسها نسياً قاله أكثر المفسرين. قال الحسن: هو ما أنسى الله رسوله صلى الله عليه وسلم. قال ابن عبّاس: أي تتركها ولا نبدّلها قال الله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَاهُمْ} تفسير : [الحشر: 19] وقال الله تعالى: {أية : كَذٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ} تفسير : [طه: 126]. كلّ هذا من التّرك كانّه جعل أنسى ونسي بمعنى واحد. قال الكلبي وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: معناه أو نأمر بتركها يقال أنسيت الشيء أي أمرت بتركه. قال الشّاعر: شعر : جرت عليّ قصة أقصيتها لست بنا سيها مَجمع ولا منسيها تفسير : أي ولا آمر بتركها. وقرأ أُبي بن كعب: أو ننسيك. وقرأ عبد الله: ننسيك من آية أو ننسخها. قرأ سالم مولى حذيفة: أو ننسكّها. وقرأ أبو رجاء: أو ننّسها بالتشديد، وقرأ الضحّاك: أو ننسها بضم التاء وفتح السين على مجهول، وقرأ سعد بن أبي وقّاص: أو ننسها بتاء المفتوحة من النسيان، وعن القاسم بن الربيع ابن فائق؛ قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: بالنسخ من آية أو ننسها. قال: فقلت له: إنّ سعيد بن المسيّب يقرأ: ننسها. قال: إنّ القرآن لم ينزل على آل المسيّب. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ} تفسير : [الأعلى: 6] {أية : وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} تفسير : [الكهف: 24]. وقرأ مجاهد: (أو ننسها) بفتح النون مخففه أي نتركها. وقرأ عمر بن الخطّاب وابن عبّاس وعبيد بن عمير وعطاء وابن كثير وابو عمرو والنخعي: أو ننساها بفتح النون الأول وفتح السين مهموزة فلا نؤخرها فلا نبدّلها ولا ننسخها، يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، ومنه النسيئه في البيع. وقال أبو عبيد: ننسبأها مجازه نمضيها لذكر ما فيه، قال طرفة: شعر : أمون كألواح الاران نسأتها على لا حب كأنّه ظهر برجد تفسير : أي لسقتها وأمضيتها، وقال سعيد بن المسيب وعطاء: أما ما ننسخ من آية فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة، أو ننساها نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزّل. {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا} أيّ بما هو أجدى وأنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم لا أنّ آية خير من آية؛ لأن كلام الله عزّ جلّ واحد ولكنّها في المنفعة المثوبة وكلّه خير. {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} قادر قال الزجاج: لفظه استفهام ومعناه توفيق وتقرير.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا نداء للمؤمنين .. لأن الآية الكريمة تبدأ: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 104] .. وعندما ينادي الحق المؤمنين بقوله: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 104] .. نعرف أن الإيمان هنا هو سبب التكليف .. فالله لا يكلف كافراً أو غير مؤمن .. ولا يأمر بتكليف إلا لمن آمنوا .. فما دام العبد قد آمن فقد أصبحت مسئولية حركته في الحياة عند ربه .. ولذلك يوحي إليه بمنهج الحياة .. أما الكافر فلا يكلفه الله بشيء. إذن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 104] .. أمر لمن آمن بالله ورضي به إلهاً ومشرعاً .. قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 104] .. نداء للمؤمنين وقوله: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} [البقرة: 104] .. نهي .. وكأن راعنا كانت مقولة عندهم يريد الله أن ينهاهم عنها .. والإيمان يلزمهم أن يستمعوا إلى نهي الله. ما معنى راعنا؟ نحن نقول في لغتنا الدارجة (راعينا) .. يعني احفظنا وراقبنا وخذ بيدنا وكلها مأخوذة من مادة الرعاية والراعي .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ). تفسير : وأصل المادة مأخوذة من راعي الغنم .. لأن راعي الغنم لابد أن يتجه بها إلى الأماكن التي فيها العشب والماء .. أي إلى أماكن الرعي .. وأن يكون حارساً عليها حتى لا تشرد واحدة أو تضل فتفتك بها ذئاب الصحاري .. وأن يوفر لها الراحة حتى لا تتعب وتَنْفَق في الطريق .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : كنتُ أَرْعى الغنم على قراريط لأهل مكة ). تفسير : ولكن لماذا استبدل الحق سبحانه وتعالى كلمة راعنا بكلمة انظرنا؟ إن عند اليهود في العبرانية والسريانية كلمة راعنا ومعناها الرعونة .. ولذلك كانوا إذا سمعوا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة راعنا .. اتخذوها وسيلة للسباب بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. والمسلمون لا يدرون شيئاً .. لذلك أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتركوا هذه الكلمة .. حتى لا يجد اليهود وسيلة لستر سبابهم، وأمرهم بأن يقولوا: انظرنا. ثم قال الحق سبحانه وتعالى: "واسمعوا" .. والله هنا يشير إلى الفرق بين اليهود والمؤمنين .. فاليهود قالوا سمعنا وعصينا، ولكن الله يقول للمؤمنين اسمعوا سماع طاعة وسماع تنفيذ. سعد بن معاذ سمع واحداً من اليهود يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم - راعنا - وسعد كان من أحبار اليهود ويعرف لغتهم - فلما سمع ما قاله فَهِمَ مراده. فذهب إلى اليهودي وقال له لو سمعتها منك مرة أخرى لضربت عنقك .. وقال اليهودي أو لستم تقولونها لنبيكم؟ أهي حرام علينا وحلال لكم؟ فنزلت الآية الكريمة تقول: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا} [البقرة: 104] .. ولو تأملنا كلمة (راعنا) وكلمة (انظرنا) لوجدنا المعنى واحداً .. ولكن (انظرنا) تؤدي المعنى وليس لها نظير في لغة اليهود التي تعني الإساءة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .. وقوله تعالى: {وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 104] .. أي من يقولون راعنا إساءةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم لهم عذاب أليم.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا / 3ظ / إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} [الآية: 104]. يقول: خلافاً {وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا}. يقول: قولوا أَفهمنا يا محمد بيّن لنا. أَنا عبد الرحمن، قال نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن عبيد بن عمير الليثي، في قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} [الآية: 106]. يقول أَو نتركها نرفعها من عندكم فنأْتي بمثلها أَو بخير منها. انبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم: نا آدم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن أَصحاب ابن مسعود، في قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [الآية: 106]. أَي نثبت خطها، ونبدل حكهما [الآية: 106]: أَي نرجئها عندنا نأْت بها أَو بغيرها. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} [الآية: 108] قال: سأَلوا موسى أَن يريهم الله جهرة، و حديث : سأَلت قريش محمداً، صلى الله عليه وسلم، أَن يجعل لهم الصفا ذهباً، فقال لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم: نعم وهو لكم كمائدة بني إِسرائيلتفسير : : فأَبوا ورجعوا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، في قوله: {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} [الآية: 114]. قال النصارى كانوا يطرحون الأَذي في بيت المقدس ويمنعون الناس أَن يصلوا فيه. انبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، [قال: نا آدم قال: نا] ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [الآية: 116]. أَي كل له مطيعون. فطاعة الكافر في سجود ظله. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [الآية: 118]. قال: النصارى تقوله. يقول الله: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} [الآية: 118]. يعني اليهود.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قبائح اليهود، وما اختصوا به من ضروب السحر والشعوذة، أعقبه ببيان نوع آخر من السوء والشر، الذي يضمرونه للنبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين، من الطعن والحقد والحسد، وتمني زوال النعمة عن المؤمنين، واتخاذهم الشريعة الغراء هدفاً للطعن والتجريح بسبب النسخ لبعض الأحكام الشرعية. اللغَة: {رَاعِنَا} من المراعاة وهي الإِنظار والإِمهال، وأصلها من الرعاية وهي النظر في مصالح الإِنسان، وقد حرفها اليهود فجعلوها كلمة مسبة مشتقة من الرعونة وهي الحُمْق ولذلك نهي عنها المؤمنون {ٱنْظُرْنَا} من النظر والانتظار تقول: نظرتُ الرجل إِذا انتظرته وارتقبته أي انتظرنا وتأنَّ بنا {يَوَدُّ} يتمنى ويحب {نَنسَخْ} النسخ في اللغة: الإِبطال والإِزالة يقال: نسخت الشمس الظل أي أزالته وفي الشرع: رفع حكم شرعي وتبديله بحكم آخر {نُنسِهَا} من أنسى الشيءَ جعله منسياً فهو من النسيان الذي هو ضد الذكر أي نمحها من القلوب {وَلِيٍّ} الولي: من يتولى أمور الإِنسان ومصالحه {نَصِير} النصير: المعين مأخوذ من قولهم نصره إِذا أعانه {أَمْ} بمعنى بل وهي تفيد الانتقال من جملة إِلى جملة كقوله تعالى {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ} تفسير : [يونس: 38] أي بل يقولون {يَتَبَدَّلِ} يقال: بدّل وتبدل واستبدل أي جعل شيئاً موضع آخر، وتبدل الكفر بالإِيمان معناه أخذه بدل الإِيمان {سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي وسط الطريق، والسواء من كل شيء: الوسط، والسبيل معناه الطريق {فَٱعْفُواْ} العفو: ترك المؤاخذة على الذنب {وَٱصْفَحُواْ} والصفح: ترك التأنيب عنه. سَبَبُ النّزول: روي أن اليهود قالوا: ألا تعجبون لأمر محمد؟! يأمر أصحابه بأمرٍ ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً، فما هذا القرآن إِلا كلام محمد يقوله من تلقاء نفسه، يناقض بعضه بعضاً فنزلت {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ}. التفسِير: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} هذا نداء من الله جل شأنه للمؤمنين يخاطبهم فيه فيقول {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} أي راقبنا وأمهلنا حتى نتمكن من حفظ ما تلقيه علينا {وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا} أي انتظرنا وارتقبنا {وَٱسْمَعُواْ} أي أطيعوا أوامر الله ولا تكونوا كاليهود حيث قالوا سمعنا وعصينا {وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي ولليهود الذين نالوا من الرسول وسبّوه، عذاب أليم موجع {مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَلاَ ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} أي ما يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزّل عليكم شيء من الخير، بغضاً فيكم وحسداً لكم {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ} أي يختص بالنبوة والوحي والفضل والإِحسان من شاء من عباده {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ} والله واسع الفضل والإِحسان ثم قال تعالى رداً على اليهود حين طعنوا في القرآن بسبب النسخ {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا} أي ما نبدّل من حكم آية فنغيره بآخر أو ننسها يا محمد أي نمحها من قلبك {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} أي نأت بخير لكم منها أيها المؤمنون بما هو أنفع لكم في العاجل أو الآجل، إِما برفع المشقة عنكم، أو بزيادة الأجر والثواب لكم {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي ألم تعلم أيها المخاطب أن الله عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إِلا كل خير وإِحسان للعباد!! {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي ألم تعلم أن الله هو المالك المتصرف في شئون الخلق يحكم بما شاء ويأمر بما شاء؟ {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ما لكم وليٌّ يرعى شئونكم أو ناصر ينصركم غير الله تعالى فهو نعم الناصر والمعين {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ} أي بل أتريدون يا معشر المؤمنين أن تسألوا نبيكم كما سأل قوم موسى نبيهم من قبل ويكون مثلكم مثل اليهود الذين قالوا لنبيهم {أية : أَرِنَا ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] فتضلوا كما ضلوا {وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ} أي يستبدل الضلالة بالهدى ويأخذ الكفر بدل الإِيمان {فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} أي فقد حاد عن الجادة وخرج عن الصراط السوي {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ} أي تمنى كثير من اليهود والنصارى {لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً} أي لو يصيّرونكم كفاراً بعد أن آمنتم {حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} أي حسداً منهم لكم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة {مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ} أي من بعد ما ظهر لهم بالبراهين الساطعة أن دينكم هو الحق {فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ} أي اتركوهم وأعرضوا عنهم فلا تؤاخذوهم {حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ} أي حتى يأذن الله لكم بقتالهم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي قادر على كل شيء فينتقم منهم إِذا حان الأوان {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي حافظوا على عمودي الإِسلام وهما "الصلاة والزكاة" وتقربوا إِليه بالعبادة البدنية والمالية {وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ} أي ما تتقربوا إِلى الله من صلاة أو صدقة أو عمل صالح فرضاً كان أو تطوعاً تجدوا ثوابه عند الله {إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي رقيب عليكم مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها يوم الدين. البَلاَغَة: 1- الإِضافة في قوله {مِّن رَّبِّكُمْ} للتشريف. وفيها تذكير للعباد بتربيته لهم. 2- تصدير الجملتين بلفظ الجلالة {وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ} {وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ} للإِيذان بفخامة الأمر. 3- {أَلَمْ تَعْلَمْ} الاستفهام للتقرير والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته بدليل قوله تعالى {وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ}. 4- وضع الاسم الجليل موضع الضمير {إِنَّ ٱللَّهَ} و {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} لتربية الروعة والمهابة في النفوس. 5- {ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ} من إضافة الصفة للموصوف أي الطريق المستوي، وفي التعبير به نهاية التبكيت والتشنيع لمن ظهر له الحق فعدل عنه إِلى الباطل. الفوَائِد: الأولى: خاطب الله المؤمنين بقوله تعالى {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في ثمانية وثمانين موضعاً من القرآن، وهذا أول خطاب خوطب به المؤمنون في هذه السورة بالنداء الدال على الإِقبال عليهم، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأن الإِيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقى أوامر الله ونواهيه بحسن الطاعة والامتثال. الثانية: نهي المسلمون أن يقولوا في خطاب النبي عليه السلام {رَاعِنَا} وأمروا بأن يقولوا مكانها {ٱنْظُرْنَا} وفي ذلك تنبيه لأدبٍ جميل هو أن الإِنسان يتجنب في مخاطباته الألفاظ التي توهم الجفاء أو التنقيص في مقام يقتضي إِظهار المودة أو التعظيم. الثالثة: كانت اليهود تستعمل كلمة {رَاعِنَا} يعنون بها المسبة والشتيمة وروى أن سعد بن معاذ سمعها منهم فقال يا أعداء الله: عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله لأضربنَّ عنقه فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت هذه الآية {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا}.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} قالَ زيدُ بن علي عليهما السّلامُ معناهُ خلاف وهي لُغةُ الأَنصارِ وبلُغةِ اليهودِ، هو شَتمٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كان المسلمون يقولون حين خطابهم للرسول عند تعلمهم أمر الدين: { رَاعِنَا } أي: راع أحوالنا، فيقصدون بها معنى صحيحا، وكان اليهود يريدون بها معنى فاسدا، فانتهزوا الفرصة، فصاروا يخاطبون الرسول بذلك، ويقصدون المعنى الفاسد، فنهى الله المؤمنين عن هذه الكلمة، سدا لهذا الباب، ففيه النهي عن الجائز، إذا كان وسيلة إلى محرم، وفيه الأدب، واستعمال الألفاظ، التي لا تحتمل إلا الحسن، وعدم الفحش، وترك الألفاظ القبيحة، أو التي فيها نوع تشويش أو احتمال لأمر غير لائق، فأمرهم بلفظة لا تحتمل إلا الحسن فقال: { وَقُولُوا انْظُرْنَا } فإنها كافية يحصل بها المقصود من غير محذور، { وَاسْمَعُوا } لم يذكر المسموع، ليعم ما أمر باستماعه، فيدخل فيه سماع القرآن، وسماع السنة التي هي الحكمة، لفظا ومعنى واستجابة، ففيه الأدب والطاعة. ثم توعد الكافرين بالعذاب المؤلم الموجع، وأخبر عن عداوة اليهود والمشركين للمؤمنين، أنهم ما يودون { أَنْ يُنزلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ } أي: لا قليلا ولا كثيرا { مِنْ رَبِّكُمْ } حسدا منهم، وبغضا لكم أن يختصكم بفضله فإنه { ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } ومن فضله عليكم، إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فله الحمد والمنة.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 29 : 86 - سفين عن عبد الملك بن أبي سليمن عن عطآء قال {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا} قال، خلافاً. [الآية 104]. 30 : 38 - سفين عن مجاهد في قول الله: {رَاعِنَا} قال، سمعنا. [الآية 104].

همام الصنعاني

تفسير : 103- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر والكلبي، في قوله تعالى: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا}: [الآية: 104]. [قالَ كانُوا يَقُولُون: راعِنَا سمعك! قال: فكان اليهود يقولون مِثْل ذلِكَ. أ يّ كانُوا يستَهْزِئُون، فقال الله: {لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ ٱنْظُرْنَا} [الآية: 104].