٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
19
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} شرطٌ وجوابه. وفيه ثلاثة أقوال: يكون خطاباً للكفار؛ لأنهم استفتحوا فقالوا: اللَّهُمّ أقطعُنا للرّحم وأظلَمُنا لصاحبه فٱنصره عليه. قاله الحسن ومجاهد وغيرهما. وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنُصرة العير. وقيل: قاله أبو جهل وقت القتال. وقال النّضر بن الحارث؛ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ٱئتنا بعذاب أليم. وهو ممن قتل ببدر. والاستفتاح: طلب النصر؛ أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم. أي فقد جاءكم ما بان به الأمر، وٱنكشف لكم الحق. {وَإِن تَنتَهُواْ} أي عن الكفر {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. {وَإِن تَعُودُواْ} أي إلى هذا القول وقتال محمد. {نَعُدْ} إلى نصر المؤمنين. {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ} أي عن جماعتكم {شَيْئاً}. {وَلَوْ كَثُرَتْ} أي في العدد. الثاني: يكون خطاباً للمؤمنين؛ أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وإن «تَنْتَهُوا» أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرىٰ قبل الإذن؛ «فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ». «وَإنْ تَعُودُوا» أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم. كما قال: {لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ} الآية. والقول الثالث: أن يكون {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} خطاباً للمؤمنين؛ وما بعده للكفار. أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر. القشيري: والصحيح أنه خطاب للكفار؛ فإنهم لما نَفَرُوا إلى نصرة العير تعلّقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم ٱنصر أهدى الطائفتين، وأفضل الدِّينين. المهدوِيّ: وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها، أي يستنصرون. قلت: ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين. {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} بكسر الألف على الاستئناف، وبفتحها عطف على قوله: «وَأَنَّ اللَّهُ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ». أو على قوله: «أَنِّي مَعَكُمْ». والمعنىٰ: ولأن الله؛ والتقدير لكثرتها وأن الله. أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى للكفار: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} أي: تستنصروا، وتستقضوا الله، وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين، فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال محمد بن إسحاق وغيره عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير: أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أقطع للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، وكان ذلك استفتاحاً منه، فنزلت: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} إلى آخر الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، يعني: ابن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق، حدثني الزهري عن عبد الله بن ثعلبة: أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، فكان المستفتح، وأخرجه النسائي في التفسير من حديث صالح بن كيسان عن الزهري به، وكذا رواه الحاكم في مستدركه من طريق الزهري به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، وروي نحو هذا عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة ويزيد بن رومان وغير واحد، وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة، فاستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين، فقال الله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} يقول: قد نصرت ما قلتم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو قوله تعالى إخباراً عنهم: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ} تفسير : [الأنفال: 32] الآية، وقوله: {وَإِن تَنتَهُواْ} أي: عما أنتم فيه من الكفر بالله، والتكذيب لرسوله، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي: في الدنيا والآخرة، وقوله تعالى: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ} كقوله: {أية : وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا} تفسير : [الإسراء: 8] معناه: وإن عدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والضلالة، نعد لكم بمثل هذه الواقعة. وقال السدي: {وَإِن تَعُودُواْ} أي: إلى الاستفتاح {نَعُدْ} أي: إلى الفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم والنصر له، وتظفيره على أعدائه، والأول أقوى، {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} أي: ولو جمعتم من الجموع ما عسى أن تجمعوا، فإن من كان الله معه، فلا غالب له، {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهم الحزب النبوي، والجناب المصطفوي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } أيها الكفار أي تطلبوا الفتح أي القضاء حيث قال أبو جهل منكم: اللهم أيُّنَا كان أقطعَ للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة: أي أهلكه {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ } القضاء بهلاك من هو كذلك وهو أبو جهل ومن قتل معه دون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين {وَإِن تَنتَهُواْ } عن الكفر والحرب {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ } لقتال النبي صلى الله عليه وسلم {نَعُدْ } لنصره عليكم {وَلَن تُغْنِىَ } تدفع {عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } جماعاتكم {شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بكسر «إن» استئنافاً وفتحها على تقدير اللام.
الشوكاني
.تفسير : الاستفتاح: طلب النصر، وقد اختلف في المخاطبين بالآية من هم؟ فقيل: إنها خطاب للكفار تهكماً بهم، والمعنى: إن تستنصروا الله على محمد فقد جاءكم النصر. وقد كانوا عند خروجهم من مكة سألوا الله أن ينصر أحق الطائفتين بالنصر، فتهكم الله بهم، وسمى ما حلّ بهم من الهلاك نصراً. ومعنى بقية الآية على هذا القول {وَإِن تَنتَهُواْ } عما كنتم عليه من الكفر والعداوة لرسول الله {فَهُوَ } أي: الانتهاء {خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ } إلى ما كنتم عليه من الكفر والعداوة {نَعُدُّ } بتسليط المؤمنين عليكم، ونصرهم كما سلطناهم ونصرناهم في يوم بدر {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } أي: جماعتكم {شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } أي: لا تغني عنكم في حال من الأحوال، ولو في حال كثرتها، ثم قال: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ومن كان الله معه، فهو المنصور، ومن كان الله عليه، فهو المخذول. قرىء بكسر "إن" وفتحها، فالكسر على الاستئناف، والفتح على تقدير: ولأن الله مع المؤمنين فعل ذلك. وقيل: إن الآية خطاب للمؤمنين، والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر في يوم بدر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم، وفداء الأسرى قبل الإذن لكم بذلك، فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم، كما في قوله: {أية : لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ } تفسير : [الأنفال: 68] الآية، ولا يخفى أنه يأبي هذا القول معنى {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً } ويأباه أيضاً {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وتوجيه ذلك لا يمكن إلا بتكلف وتعسف. وقيل إن الخطاب في {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } للمؤمنين، وما بعده للكافرين، ولا يخفى ما في هذا من تفكيك النظم وعود الضمائر الجارية في الكلام على نمط واحد إلى طائفتين مختلفتين. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، وابن منده، والحاكم وصححه، والبهيقي في الدلائل، عن ابن شهاب، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف، فأحنه الغداة، فكان ذلك استفتاحاً منه فنزلت {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } الآية. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن عطية، قال: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم انصر أهدى الفئتين، وأفضل الفئتين، وخير الفئتين، فنزلت الآية. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } يعني المشركين، أي إن تستنصروا فقد جاءكم المدد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } قال: كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه. ففتح بينهم يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن عكرمة، في قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السندي، في قوله: {وَإِن تَنتَهُواْ } قال: عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم، {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ } قال: إن تستفتحوا الثانية أفتح لمحمد {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: مع محمد وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ } يقول: نعد لكم بالأسر والقتل.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} في قولان: أحدهما: إن تستنصروا الله، فالفتح النصر، فقد جاءكم فضل الله بنصرنا، حكاه ابن الأنباري. والثاني: معناه إن تستنصروا الله، والفتح النصر، فقد جاءكم نصر الله لنا عليكم، وفي هذا الخطاب قولان. أحدهما: أنه خطاب للمشركين لأنهم استنصروا يوم بدر بأن قالوا: اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه، فنصر الله تعالى نبيه والمسلمين عليهم. ثم قال {وَإن تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيرٌ لَّكُمْ} لأن الاستنصار كان عليهم لا لهم. {وَإن تَعُودُواْ نَعُدْ} فيه وجهان: أحدهما: وإن تعودوا إلى مثل هذا التكذيب نعد إلى مثل هذا التصديق. والثاني: وإن تعودوا إلى مثل هذا الاستفتاح نعد إلى مثل هذا النصر. والقول الثاني: أنه خطاب للمؤمنين نصرهم الله تعالى يوم بدر حين استنصروه {وَإن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعني عما فعلتموه في الأسرى والغنيمة. {وإن تَعودوا نعد} فيه وجهان: أحدهما: وإن تعودوا إلى الطمع نعد إلى المؤاخذة. الثاني: وإن تعودوا إلى مثل ما كان منكم في الأسرى والغنيمة نعد إلى الإنكار عليكم.
ابن عطية
تفسير : قال بعض المتأولين: هذه الآية مخاطبة للمؤمنين الحاضرين بوم بدر، قال الله لهم: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} وهو الحكم بينكم وبين الكافرين فقد جاءكم، وقد حكم الله لكم، {وإن تنتهوا} عما فعلتم من الكلام في أمر الغنائم وما شجر بينكم فيها وعن تفاخركم بأفعالكم من قتل وغيره فهو خير لكم {وإن تعودوا} لهذه الأفعال نعد لتوبيخكم، ثم أعلمهم أن الفئة وهي الجماعة لا تغني وإن كثرت إلا بنصر الله تعالى ومعونته، ثم أنسهم بقوله وإيجابه، أنه مع المؤمنين، وقال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة للكفار أهل مكة، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يدعو أبداً في محافل قريش، ويقول اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعرف فأهلكه واجعله المغلوب، يريد محمداً صلى الله عليه وسلم وإياهم، وروي أن قريشاً لما عزموا على الخروج إلى حماية العير تعلقوا بأستار الكعبة واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أحب الفئتين إليك وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فاحنه الغداة، ونحو هذا فقال لهم الله، إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم أي كما ترونه عليكم لا لكم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا توبيخ، ثم قال لهم {وإن تنتهوا} عن كفركم وغيكم {فهو خير لكم} ثم أخبرهم أنهم إن عادوا للاستفتاح عاد بمثل الوقعة يوم بدر عليهم، ثم أعلمهم أن فئتهم لا تعني شيئاً وإن كانت كثيرة، ثم أعلمهم أنه مع المؤمنين. وقالت فرقة من المتأولين: قوله {وإن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} ، هي مخاطبة للمؤمنين، وسائر الآية مخاطبة للمشركين، كأنه قال وأنتم إن تنتهوا فهو خير لكم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وأبي عمرو وحمزة والكسائي "وإن الله" بكسر الهمزة على القطع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص "وأن" بفتح الألف، فإما أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محتمل المعنى، وفي قراءة ابن مسعود: "ولو كثرت والله مع المؤمنين". وهذا يقوي قراءة من كسر الألف، من "إن" وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله} الآية، الخطاب للمؤمنين المصدقين، جدد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ونهوا عن التولي عنه، وهذا قول الجمهور، ويكون هذا متناصراً مع قول من يقول: إن الخطاب بقوله {وإن تنتهوا} هو للمؤمنين، فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه، وأما على قول من يقول إن المخاطبة بـ {إن تنتهوا} هي للكفار فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النفل ومجادلتهم في الحق وكراهيتهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم، وقالت فرقة: الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط. قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان محتملاً على بعد فهو ضعيف جداً لأجل أن الله وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان، والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء، وقيل إن بالفعل المستقبل فحذفت الواحدة، والمحذوفة هي تاء تفعل، والباقية هي تاء العلامة، لأن الحاجة إليها هنا أمس ليبقى الفعل مستقبلاً، وقوله {وأنتم تسمعون} يريد دعاءه لكم بالقرآن والمواعظ والآيات، وقوله {كالذين قالوا} يريد الكفار، فإما من قريش لقولهم {أية : سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا} تفسير : [الأنفال:8] وإما الكفار على الإطلاق الذين يقولون سمعنا القرآن وعلمنا أنه سحر أو شعر وأساطير بحسب اختلافهم، ثم أخبر الله عنهم خبراً نفى به أنهم سمعوا أي فهموا ووعوا، لأنه لا خلاف أنهم كانوا يسمعون التلاوة بآذانهم ولكن صدورهم مطبقة لم يشرحها الله عز وجل لتلقي معاني القرآن والإيمان به.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} أيها المشركون تستقضوا {فَقَدْ جَآءَكُمُ} قضاؤنا بنصر الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم. أو الفتح: النصر، فقد جاء نصر الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم، قالوا يوم بدر: اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصر عليه فنصر المسلمون. {وَإِن تَعُودُوا} إلى الاستفتاح {نَعُدْ} إلى نصر الرسول صلى الله عليه وسلم أو إن تعودوا إلى التكذيب نعد إلى مثل هذا التصديق. أو إن تستفتحوا أيها المسلمون فقد جاءكم النصر لأنهم استنصروا فنصروا. {وَإِن تَنتَهُواْ} عما فعلتموه في الأسرى والغنيمة، {وَإِن تَعُودُواْ} إلى الطمع {نَعُدْ} إلى المؤاخذة، أو إن تعودوا إلى ما كان منكم في الأسرى والغنيمة نعمد إلى الإنكار عليكم.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} قال الحسنُ، ومجاهد، والسُّدِّي: إنه خطابٌ للكافرين، وذلك أنَّ أبا جهل قال يوم بدر: اللَّهم، انصر أفضل الفريقين وأحقَّه بالنَّصْر. وروي أنه قال: اللَّهم، أينا كان أقطع للرَّحمِ وأفجر؛ فأهلكه الغداة. وقال السدي: "لمَّا أراد المشركون الخروج إلى بدر تعلَّقُوا بأستار الكعبة وقالوا: اللَّهُمَّ انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} أي: تستنصروا لإحدى القبيلين، فقد جاءكم النصر". وقال آخرون: المعنى: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. قال عبد الرحمن بن عوف: إني لَفِي الصَّف يوم بدر، فالتفت، فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السِّنِّ وكأني لم آمن لمكانهما، فتمنيت أن أن أكون بين أضلع منهما، إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه، أي عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي ما تصنعُ به؟. قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله، أو أموت دونه، وقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله، فما سَرَّني أنني بين رجلين مكانهما فأشرت لهما عيله، فشدَّا عليه مثل الصقرين حتَّى ضرباهُ، وهما ابنا عفراء. وقال عكرمةُ: قال المشركون: والله ما نعرف ما جاء به فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} الآية، أي: إن تسْتَفتِحُوا فقد جاءكم القضاء. وقال أبيّ بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله للمسلمين: {إِنْ تَسْتَفْتِحُواْ} أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح والنصر. روى قيس عن خباب قال: حديث : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تدعو الله لنا، ألا تستنصر لنا، فجلس مُحْمرّ الوجه، فقال لنا: "لقَد كانَ مَنْ قَبْلكُم يُؤخَذُ الرجلُ فيُحْفَر لهُ في الأرضِ ثُمَّ يُجاءُ بالمنشَارِ فيجعلُ فوق رأسِهِ ثُمَّ يُجعَلُ نِصفيْنِ ما يَصْرفهُ عنْ دينهِ، ويُمَشَّطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ ما يصرفهُ عن دينهِ، والله ليُتمَّنَّ الله هذا الأمر حتَّى يسير الرَّاكبُ مِنْكُم من صنعاء إلى حضْرموت لا يخافُ إلا اللَّه، ولكنَّكُم تَسْتَعْجِلُونَ" . تفسير : قال القاضي: وهذا القول أوْلَى؛ لأن قوله {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} لا يليق إلا بالمؤمنين اللهم إلاَّ أن يحمل الفتحُ على الحكم والقضاء، فيمكن أن يراد به الكفار. قوله: {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. فإن قلنا: إن ذلك الخطاب للكفار، كان المعنى وإن تنتهوا عن قتال الرَّسول وعداوته؛ فهو خير لكم في الدّين بالخلاص من العقاب، وفي الدّنيا بالخلاص من القتل والأسر والنَّهْبِ. "وإن تَعُودُوا" إلى القتال: "نَعُدْ" أي: إلى تسليطه عليكم: {وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ} كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر. وإن قلنا ذلك خطاب للمؤمنين كان المعنى: إن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسْرَى، فقد كان وقع بينهم نزاع يوم بدر في هذه الأشياء حتى عاتبهم اللَّهُ بقوله: {أية : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ}تفسير : [الأنفال: 68]. فقال تعالى: {وَإِن تَنتَهُواْ} عن مثله: {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ} أنتم إلى تلك المنازعات "نَعُدْ" إلى ترك نصرتكم؛ لأن الوعد بنصركم مشروط بشرط استمراركم على الطَّاعة، وترك المخالطة ثمَّ لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإنَّ الله لا يكون إلاَّ مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب. قوله: "ولَن تُغْنِيَ" قرأ الجمهورُ بالتَّاءِ من فوق، لتأنيث الفئة. وقرىء "ولن يُغْنِيَ" بالياء من تحت لأن تأنيثه مجازي، وللفصل أيضاً: "ولو كَثُرَتْ" هذه الجملة الامتناعية حالية، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينََ} قرأ نافعٌ، وابن عامر، وحفصٌ عن عاصم، بالفتح. والباقون: بالكسر، فالفتحُ من أوجه: أحدها: أنه على لام العلَّة تقديره: ولأنَّ الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثَّاني: أن التقدير: ولأنَّ اللَّهَ مع المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف أي: والأمر أنَّ الله مع المؤمنين، وهذا الوجهُ الأخيرُ يقربُ في المعنى من قراءة الكسر لأنه استئناف.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن منده والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن شهاب عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير. أن أبا جهل قال حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم وأتانا بما لا نعرف فاحنه الغداة. فكان ذلك استفتاحاً منه، فنزلت {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} الآية. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {إن تستفتحوا} يعني المشركين، إن تستنصروا فقد جاءكم المدد. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه قال: قال أبو جهل يوم بدر: اللهم انصر إحدى الفئتين، وأفضل الفئتين، وخير الفئتين. فنزلت {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} . وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ "إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنهم فئتهم من الله شيئاً ". وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} قال: كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ففتح بينهم يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} قال: إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء في يوم بدر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في قوله {وإن تنتهوا} قال: عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم {وإن تعودوا نعد} قال: إن تستفتحوا الثانية افتح لمحمد صلى الله عليه وسلم {وأن الله مع المؤمنين} قال: مع محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {وإن تعودوا نعد} يقول: نعد لكم بالأسر والقتل.
التستري
تفسير : وقوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}[19] وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين عندك، وأرضاهما لديك، فنزل: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ}[19] يعني تستنصرون. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين أي يستنصر بفقرائهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}. قال المشركون - يوم بدر - اللهم انصرْ أََحَبَّ الفِئتين إليك، فاستجابَ دعاءَهم ونصر أحبَّ الفئتين إليه.. وهم المسلمون، فسألوا بألسنتهم هلاكَ أنفسِهم، وذلك لانجرارهم في مغاليط ما يُعَلِّقون من ظنونهم، فهم توهَّموا استحقاق القربة، وكانوا في عين الفرقة وحُكْمِ الشِّقْوَةِ، موسومين باستيجاب اللعنة بدعائهم، والوقوع في شقائهم؛ فاختيارهم مُنُوا ببَوارِهم. ويقال ظنوا أنهم من أهل الرحمة فَزَلُّوا، فلما كُشِفَ السترُ خابوا وذَلُّوا، فعند ذلك علموا أنهم زاغوا في ظنهم وضلوا. قوله جلّ ذكره: {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}. فيغفر لكم ما قد سَلَفَ من خلاف محمد صلى الله عليه وسلم. {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} ليس المراد منه المبالغة؛ لأنه يقال هذا خير لك من هذا إذا كان الثاني ليس في شر، وترك موافقتهم للرسول صلى الله عليه وسلم - بكل وجهٍ - هو شرٌّ لهم، ولكنه أراد به في الأحوال الدنيوية، وعلى موجب ظنِّهم. قوله جلّ ذكره: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ}. يعني إنْ عُدْتُم إلى الجميل من السيرة عُدْنا عليكم بجميل المِنَّة، وإنْ عاودتم الإقدام على الشَّرِّ أَعَدْنا عليكم ما أذقناكم من الضُّرِّ. قوله جلّ ذكره: {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. مَنْ غَلَبَتْهُ قدْرُة الأحد لم تغْنِ عنه كثرة العدد.
اسماعيل حقي
تفسير : {إن تستفتحوا} الخطاب لاهل مكة على سبيل التهكم بهم وذلك انهم حين ارادوا الخروج الى بدر تعلقوا باستار الكعبة وقالوا اللهم انصر اعلى الجندين واهدى الفئتين واكرم الحزبين وافضل الدين - وروى- ان ابا جهل قال يوم بدر اللهم انصر افضل الفريقين واحقهما بالنصر اللهم اينا اقطع للرحم وافسد للجماعة فاهلكه دعا على نفسه لغاية حماقته فاستجاب الله دعائه حيث ضربه ابنا عفراء عوذ ومعاذ واجهز عليه ابن مسعود رضى الله عنه. فالمعنى ان تستنصروا يا اهل مكة لا على الجندين {فقد جاءكم الفتح} حيث نصر اعلاهما وقد زعمتم انكم الاعلى فالتهكم فى المجئ او فقد جاءكم الهزيمة والقهر والخزى فالتهكم فى نفس الفتح حيث وضع موضع ما يقابله {وإن تنتهوا} عن الكفر ومعاداة الرسول {فهو} اى الانتهاء {خير لكم} اى من الحراب الذي ذقتم غائلته لما فيه من السلامة من القتل والاسر ومبنى اعتبار اصل الخيرية فى المفضل عليه هو التهكم {وإن تعودوا} لمحاربته {نعد} لنصره {ولن تغنى} اى لن تدفع ابدا {عنكم فئتكم} اى جماعتكم التى تجمعونهم وتستغيثون بهم {شيئاً} اى من الاغناء فنصب شيئاً على المصدر او من المضار فتصبه على المفعولية {ولو كثرت} فئتكم فى العدد {وإن الله مع المؤمنين} اى ولان الله مع المؤمنين بالنصر والمعونة فعل ذلك. وفى الآية اشارة الى ان النجاة فى الايمان والاسلام والتسليم لامر الله الملك العلام وان غاية الباطل هو الزوال والاضمحلال وان ساعده الامهال: قال الحافظ شعر : اسم اعظم بكند كار خوادى دل خوش باش كه بتلبيس وحيل ديو سليمان نشود تفسير : واعلم ان المحاربة مع الاولياء الكرام كالمحاربة مع الانبياء العظام وكل منهم منصور على اعدائه لان الله معهم وهو لا ينساهم ولا يتركهم بحال -حكى- ان دانيال عليه السلام طرح فى الجب والقيت عليه. السباع فجعلت السباع تلحسه وتتبصبص اليه فاتاه رسول فقال يا دانيال فقال من انت قال انا رسول ربك اليك ارسلني اليك بطعام فقال الحمد لله الذى لا ينسى من ذكره شعر : واذا السعادة لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن امان واصطد بها العنقاء فهى حبالة واقتد بها الجوزاء فهى عنان تفسير : -وحكى- الماوردى فى كتاب ادب الدنيا والدين ان الوليد بن يزيد بن عبد الله تفاءل يوما فى المصحف فخرج له قوله تعالى {أية : واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} تفسير : [إبراهيم: 15] فمزق المصحف وانشأ يقول شعر : أتوعد كل جبار عنيد فها انا ذاك جبار عنيد اذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب مزقنى الوليد تفسير : فلم يلبث اياما حتى قتل شر قتلة وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده. جزم القاضى ابو بكر فى الاحكام فى سورة المائدة بتحريم اخذ الفأل من المصحف. ونقله القرافى عن الطرطوشى واقره واباحه ابن بطة من الحنابلة. وقال بعضهم بكراهته كذا فى حياة الحيوان للامام الدميرى. والاشارة فى الآية {إِن تستفتحوا} ابواب قلوبكم بمفتاح الصدق والاخلاص وترك ما سوى الله تعالى فى طلب التجلى {فقد جاءكم الفتح} بالتجلى فان الله تعالى متجل فى ذاته ازلا وابدا فلا تغير له وانما التغير فى احوال الخلق فانهم عند انغلاق ابواب قلوبهم الى الله محرومون من التجلى وعند انفتاح ابوابها محفوفون به {وان تنتهوا} اى عن غير الله فى طلب الله فهو خير لكم مما سواه {وان تعودوا} الى الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها وزخارفها والى ما سوى الله تعالى {نعد} الى خذلانكم الى انفسكم وهواها ودواعيها وغلبات صفاتها {ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً} اى تقوم لكم الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شئ من مواهب الله والطافه ولو كثرت يعنى وان كثرت نعم الله من الدنيوية والاخروية فلا توازى شيئاً مما انعم الله على اهل الله وخاصته وان الله باصناف الطافه مع المؤمنين بهذه المقامات وطالبيها ليبلغهم اليها ورحمته لا بحولهم وقوتهم كذا فى التأويلات النجمية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله لكفار مكة على جهة التهكم: {إن تستفتحوا} أي: تطلبواالفتح، أي: الحكم على أهْدى الفئتين وأعلى الجندين وأكرم الحزبين {فقد جاءكم} الحكم كما طلبتم، فقد نصر الله أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، وهو محمد صلى الله عليه وسلم وحزبه، {وإن تنتهوا} عن الكفر ومعاداة الرسول، {فهو خيرٌ لكم}؛ لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين، {وإن تعودوا} لمحاربته {نعد} لنصره، {ولن تغني}؛ تدفع {عنكم فئتكم}؛ جماعتكم {شيئاً} من المضار {ولو كثُرت} فئتكم، إذ العبرة بالنصرة لا بالكثره، {وإن الله مع المؤمنين} بالنصر والمعونة. ومن قرأ بالفتح؛ فعلى حذف الجار، أي: ولأن الله مع المؤمنين، وقيل: الخطاب للمؤمنين، والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال، والرغبة عما يختاره الرسول، فهو خير لكم، وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار، أو تهييج العدو، ولن تغني، حينئذٍ عنكم كثرتكم؛ إذ لم يكن الله معكم بالنصر، فإنه مع الكاملين في إيمانهم. قال البيضاوي. الإشارة: إن تستفتحوا أيها المتوجهون، أي؛ تطلبوا الفتح من الله في معرفته، فقد جاءكم الفتح، حيث صح توجهكم وتركتم حظوظكم وعلائقكم، لأن البدايات مَجْلاَةُ النهايات، من وجد ثمرة عمله عاجلاً فهو علامة القبول آجلاً، وإن تنتهوا عن حظوظكم وعوائقكم فهو خير لكم، وبه يقرب فتْحُكُم، وإن تعودوا إليها نعد إليكم بالتأديب والإبعاد، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئاً في دفع التأديب، أو البعد ولو كثرت، وأن الله مع المؤمنين الكاملين في الإيمان؛ بالنصر والرعاية. ثم أمر بالسمع والطاعة، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ}.
الطوسي
تفسير : قرأ نافع وابن عامر وحفص {وأن الله} بفتح الالف. الباقون بالكسر، من فتح الهمزة فوجهه {ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت} ولأن الله مع المؤمنين اي لذلك لا تغني عنكم فئتكم شيئاً. ومن كسر قطعه عما قبله واستأنفه، وقوي ذلك لما روي ان في قراءة ابن مسعود {والله مع المؤمنين}. والكسر اختيار الفراء، ومن نصب فعلى ان موضعه نصب بحذف حرف الجر، ويجوز ان يكون عطفاً على قوله {وأن الله موهن}. والاستفتاح طلب النصرة التي بها يفتح بلاد العدو كأنه قال ان تستنصروا على اعدائكم فقد جاءكم النصر بالنبي صلى الله عليه وآله. وقال الزجاج: يجوز ان يكون المراد استحكموا لأن الاستفتاح الاستقضاء. ويقال للقاضي: الفتاح، والمعنى فقد جاءكم الحكم من عند الله، وهو قول الضحاك وعكرمة ومجاهد والزهري، والأول قول ابن عباس وغيره، والمعنيان متقاربان. وقيل في معنى الاية قولان: أحدهما - قال الحسن ومجاهد والزهري والضحاك والسدي والفراء: انه خطاب للمشركين لانهم استنصروا بان قالوا: اللهم اقطعنا للرحم، واظلمنا لصاحبه فانصرنا عليه روي ان ابا جهل قال ذلك. الثاني - قال ابو علي: هو خطاب للمؤمنين والمعنى وان تعودوا إلى مثل ما كان منكم يوم بدر في الأشر والبطر بالنعمة بعد الانكار عليكم. وقال الحسن وان تعودوا لقتال محمد صلى الله عليه وآله نعد عليكم بالقتل والاسر يا معشر قريش وجماعة الكفار وان تنتهوا عن الكفر بالله العظيم ورسوله وعن قتال نبيه فهو خير لكم وانفع لكم واقرب إلى مرضاة الله. والانتهاء ترك الفعل لاجل النهي عنه، تقول نهيته عن كذا فانتهى، وامرتة فاتمر، على فعل المطاوع وقد يطاوع بأن يقال: كسرته فانكسر، وقد يكون الانتهاء بمعنى بلوغ الغاية. وقوله تعالى {ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً} معناه انه لن يغني عنكم جمعكم في الدفاع عنكم والنصرة - وان كانوا كثيرين - وإن الله مع المؤمنين بالنصرة لهم والمعونة.
الجنابذي
تفسير : {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} ايّها الكافرون على ان يكون الخطاب لمشركى مكّة كما قيل: انّهم وقت الخروج من مكّة لغزو بدرٍ تعلّقوا بأستار الكعبة وطلبوا الفتح والنّصرة على محمّدٍ (ص) ونقل ايضاً انّ ابا جهلٍ استفتح يوم بدر وطلب النّصرة من الله وقيل الخطاب للمؤمنين {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} تهكّماً {وَإِن تَنتَهُواْ} عن معاداة الرّسول (ص) وجحوده {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} يعنى هو المختار وليس المقصود اعتبار التّفضيل، او التّفضيل مقصود بالنّسبة الى اعتقادهم {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً} اى اغناءً او ضرّاً كما لم تغن هذه الكثرة {وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الجملة حاليّة على قراءة انّ بالكسر، وعلى قراءة انّ بالفتح فهى معطوفة على شيئاً يعنى لن تغنى عنكم فئتكم ضرّاً ولا كون الله مع المؤمنين الّذى هو سبب هزيمتكم وضرّكم.
اطفيش
تفسير : {إنْ تَسْتفتحوا فقَدْ جَاءكُم الفتْحُ} إن تطلبوا الفتح يا كفار فقد جاءكم الفتح وهو النصر، والحكم بينهم وبين المؤمنين، وذلك تهكم بالكفار، لأن الفتح جاءهم لكن عليهم لا لهم، وكان أبو جهل يدعو فى محافل قريش ويقول: اللهم أقطعنا للرحم أتانا بما لا يعرف فأهلكه واجعله المغلوب، يريد محمدا وإياهم، وروى أنهم لما عزموا أن يخرجوا إلى حماية العير تعلقوا بأستار الكعبة، واستفتحوا. وروى أن أبا جهل قال صبيحة يوم بدر: اللهم انصر أحب الفئتين إليك، وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فأحنه الغداة أى أهلكه فى هذه الصبيحة، وروى أنه قال يوم بدر عند التقاء الجمعين: اللهم أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحِنْه اليوم، وروى أنهم لما أرادوا الخروج لمنع العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، وأفكنا للعانى، إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على حق فانصرنا. وروى أنهم قالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، واستفتحوا أيضا حين تصافوا للقتال، فجاء الأمر على طريق ألزموها أنفسهم، إذ نصر الله المحق على المبطل، وعن عكرمة: قال المشركون: والله ما نعرف ما جاء به محمد، فافتح بيننا وبينه، ونزل فى ذلك: {إن تستفتحوا} الخ. {وإنْ تنْتَهوا} عن الكفر والمعاداة والقتال أو عن الاستفتاح فإنه من لازم الكفر والمعاداة {فَهُو} أى الانتهاء {خَيرٌ لكُم} لتضمنه السلامة من القتل والأسر وعذاب النار، والفوز بالجنة {وإنْ تَعُودوا} للكفر والمعاداة والقتال {نَعُدْ} لنصره عليكم {ولَن تُغْنى} تكفى، وقرئ بالياء، لأن تأنيث الفاعل مجازى وهو فاعل ظاهر، ولأنه مفصول {عنْكُم فِئتُكُم} جماعتكم {شَيئاً} من المضار، أو لن تغنى عنكم فئتكم مضار شيئا من الإغناء {ولَوْ كثُرتْ}. وقيل: الخطاب للمؤمنين، أى تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن الكسل فى القتال والرغبة عن أمر الله فى الغنائم، وتنتهوا عن التفاخر بما فعلتم من قبل وغيره فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى ذلك نعد عليكم بالإنكار والتوبيخ أو بتهييج العدو، ولن تغنى كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر، وقيل: إن تستفتحوا خطاب للمؤمنين وإن تنتهوا خطاب للكفار مع ما بعده. وروى حديث : أن خبابا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متوسد بردة فى ظل الكعبة: الا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: "قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له حفرة فى الأرض ويجعل فيها، ويوضع المنشار على رأسه فيشق نصفين، ويمشط لحم الرجل بأمشاط الحديد لما يصده ذلك عن ذلك، وليتمنى الرجل هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" تفسير : ووجه تصديق هذه الرواية بالآية كما فعل البغوى أن المعنى أن تطلبوا النصر قبل هذا فى أى وقت، فلا نظر فيما فعل البغوى خلافا لمن توهم، والاستقبال فى تستفتحوا منظور فيه إلى الحال الماضية قبل الاستفتاح، ويجوز أن يكون الاستقبال حقيقيا منظورا فيه إلى وقت النزول، فيكون ذلك مثالا لفعلهم، وتذكيرا به. {وأنَّ اللهَ مَعَ المؤمنين} بالنصر والعون، عطف على أن الله موهن كيد الكافرين بتقدير اعملوا {ان الله موهن كيد الكافرين}، {وأن الله مع المؤمنين} أو عطف على ما عطف عليه {وأن الله موهن كيد الكافرين} أو يقدر اللام ويعلق لمحذوف، أى وكان ذلك لأن الله مع المؤمنين، أو فعل ذلك، لأن الله مع المؤمنين، وقرأ غير نافع، وابن عامر، وحفص بالكسر على الاستئناف، ويؤيده قراءة ابن مسعود: والله مع المؤمنين بالجملة الاسمية مع إسقاط أن، وبدل على أن الخطاب فى {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا} الخ للمؤمنين، قوله تعالى: {يا أيُّها الذين آمنوا...}
الالوسي
تفسير : {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} خطاب للمشركين على سبيل التهكم فقد روي أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدي الفئتين وأكرم الحزبين. وفي رواية أن أبا جهل قال حين التقى الجمعان: اللهم ربنا ديننا القديم ودين محمد الحديث فأي الدينين كان أحب إليك وأرضى عنك فانصر أهله اليوم. والأول مروي عن الكلبي والسدي، والمعنى إن تستنصروا لأعلى الجندين وأهداهما {فَقَدْ جَاءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} حيث نصر أعلاهما وأهداهما وقد زعمتم أنكم الأعلى والأهدى فالتهكم في المجيء أو فقد جاءكم الهلاك والذلة فالتهكم في نفس الفتح حيث وضع موضع ما يقابله {وَإِن تَنتَهُواْ} عن حراب الرسول عليه الصلاة والسلام ومعاداته {فَهُوَ} أي الانتهاء {خَيْرٌ لَّكُمْ} من الحراب الذي ذقتم بسببه ما ذقتم من القتل والأسر، ومبنى اعتبار أصل الخيرية في المفضل عليه هو التهكم {وَإِن تَعُودُواْ} أي إلى حرابه عليه الصلاة والسلام {نَعُدْ} لما شاهدتموه من الفتح {وَلَن تُغْنِىَ} أي لن تدفع / {عَنكُمْ فِئَتُكُمْ} جماعتكم التي تجمعونها وتستغيثون بها {شَيْئاً} من الإغناء أو المضار {وَلَوْ كَثُرَتْ} تلك الفئة وقرىء {ولن يغني} بالياء التحتانية لأن تأنيث الفئة غير حقيقي وللفصل ونصب {شيئاً} على أنه مفعول مطلق أو مفعول به، وجملة {وَلَوْ كَثُرَتْ} في الموضع الحال {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ولأن الله تعالى معين المؤمنين كان ذلك أو والأمر أن الله سبحانه معهم، وقرأ الأكثر {وإن} بالكسر على الاستئناف، قيل: وهي أوجه من قراءة الفتح لأن الجملة حينئذ تذييل، كأنه قيل: القصد إعلاء أمر المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وكيت وكيت، وإن سنة الله تعالى جارية في نصر المؤمنين وخذلان الكافرين، وهذا وإن أمكن إجراؤه على قراءة الفتح لكن قراءة الكسر نص فيه، ويؤيدها قراءة ابن مسعود {والله مع المؤمنين}، وروي عن عطاء وأبـي بن كعب، وإليه ذهب أبو علي الجبائي أن الخطاب للمؤمنين، والمعنى إن تستنصروا فقد جاءكم النصر وإن تنتهوا عن التكاسل والرغبة عما يرغب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خير لكم من كل شيء لما أنه مدار لسعادة الدارين وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار وتهييج العدو ولن تغني عنكم حينئذ كثرتكم إذ لم يكن الله تعالى معكم بالنصر والأمر ان الله سبحانه مع الكاملين في الإيمان، ويفهم كلام بعضهم أن الخطاب في {تَسْتَفْتِحُواْ} و {جَاءَكُمْ} للمؤمنين، وفيما بعده للمشركين ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً، وأيد كون الخطاب في الجميع للمؤمنين بقوله تعالى: {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ...}.
ابن عاشور
تفسير : جمهور المفسرين جعلوا الخطاب موجهاً إلى المشركين، فيكون الكلام اعتراضاً خوطب به المشركون في خلال خطبات المسلمين بمناسبة قوله: {أية : ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين}تفسير : [الأنفال: 18] والخطاب التفات من طريق الغيبة الذي اقتضاه قوله: {أية : وأن الله موهن كيد الكافرين}تفسير : [الأنفال: 18] وذكر المفسرون في سبب نزولها أن أبا جهل وأصحابه لما أزمعوا الخروج إلى بدر استنصروا الله تجاه الكعبة، وأنهم قبل أن يشرعوا في القتال يومَ بدر استنصروا الله أيضاً وقالوا ربنا افتح بيننا وبين محمد وأصحابه، فخوطبوا بأن قد جاءهم الفتح على سبيل التهكم أي الفتح الذي هو نصر المسلمين عليهم. وإنما كان تهكماً لأن في معنى {جاءكم الفتح} استعارة المجيء للحصول عندهم تشبيهاً بمجيء المُنجد لأن جعل الفتح جاءيا إياهم. يقتضي أن النصر كان في جانبهم ولمنفعتهم، والواقع يخالف ذلك، فعُلم أن الخبر مستعمل في التهكم بقرينة مخالفته الواقع بمسمع المخاطبين ومرآهم. وحَمل ابن عطية فعل {جاءكم} على معنى: فقد تبين لكم النصر ورأيتموه أنه عليكم لا لكم، وعلى هذا يكون المجيء بمعنى الظهور: مثل {أية : وجاء ربك}تفسير : [الفجر: 22] ومثل {أية : جاء الحق وزهق الباطل}تفسير : [الإسراء: 81] ولا يكون في الكلام تهكم. وصيغ {تستفتحوا} بصيغة المضارع مع أن الفعل مضى لقصد استحضار الحالة من تكريرهم الدعاء بالنصر على المسلمين، وبذلك تظهر مناسبة عطف {وإن تنتهوا فهو خير لكم} ـ إلى قوله ـ {وأن الله مع المؤمنين} أي تنتهوا عن كفركم بعد ظهور الحق في جانب المسلمين. وعطف الوعيدُ على ذلك بقوله: {وإن تَعُودوا نعد} أي: إن تعودوا إلى العناد والقتال نعد، أي نعد إلى هزمكم كما فعلنا بكم يوم بدر. ثم أيْأسهم من الانتصار في المستقبل كله بقوله: {ولن تُغني عنكم فئتكم شيئاً ولو كثرت} أي لا تنفعكم جماعتكم على كثرتها كما لم تغن عنكم يوم بدر، فإن المشركين كانوا يومئذٍ واثقين بالنصر على المسلمين لِكثرة عَددهم وعُدَدهم. والظاهر أن جملة: {إن تعودوا} معطوفة على جملة الجزاء وهي: {فقد جاءكم الفتح}. و{لو} اتصالية أي {لن} تغني عنكم في حال من الأحوال ولو كانت في حال كثرة على فئةِ أعدَائِكم، وصاحب الحال المقترنة بـ(لو) الاتصالية قد يكون متصفاً بمضمونها، وقد يَكون متصفاً بنقيضه، فإن كان المراد من العَود في قوله: {وإن تعودوا} العود إلى طلب النصر للمُحق فالمعنى واضح، وإن كان المراد منه العود إلى محاربة المسلمين فقد يشكل بأن المشركين انتصروا على المسلمين يومَ أُحُد فلم يتحقق معنى نَعُد ولا موقع لجملة: {ولن تغني عنكم فئتكم} فإن فئتهم أغنت عنهم يوم أُحُد. والجواب عن هذا إشكال أن الشرط لم يكن بأداة شرط مما يفيد العموم مثل (مَهْما) فلا يُبطله تخلف حصول مضمون الجزاء عن حصول الشرط في مرة، أو نقول إن الله قضى للمسلمين بالنصر يوم اُحُد، ونصرهم وعلم المشركون أنهم قد غُلبوا ثم دارت الهزيمة على المسلمين؛ لأنهم لم يمتثلوا لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبرَحوا عن الموضع الذي أمرهم أن لا يبرحوا عنه طلباً للغنيمة فعوقبوا بالهزيمة كما قال: {أية : وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله}تفسير : [آل عمران: 166] ـ وقال ـ {أية : إن الذين تَولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا}تفسير : . وقد مضى ذلك في سورة [آل عمران: 155]، وبعدُ ففي هذا الوعيد بشارة أن النصر الحاسم سيكون للمسلمين وهو نصر يوم فتح مكة. وجملة: وأن الله مع المؤمنين على هذا التفسير زيادة في تأييس المشركين من النصر، وتنويه بفضل المؤمنين بأن النصر الذي انتصروه هو من الله لا بأسبابهم فإنهم دون المشركين عدداً وعُدة. ومن المفسرين من جعل الخطاب بهذه الآية للمسلمين، ونسب إلى أُبيّ بن كعب وعطاء، لكون خطاب المشركين بعد الهجرة قد صار نادراً، لأنهم أصبحوا بُعداء عن سماع القرآن، فتكون الجملة مستأنفة استينافاً بيانياً فإنهم لما ذُكروا باستجابة دعائهم بقوله: {أية : إذ تستغيثون ربكم}تفسير : [الأنفال: 9] الآيات، وأمروا بالثبات للمشركين، وذكروا بنصر الله تعالى إياهم يوم بدر بقوله: {أية : فلم تقتلوهم}تفسير : [الأنفال: 17] إلى قوله {أية : مُوهن كيد الكافرين}تفسير : [الأنفال: 18] كان ذلك كله يثير سؤالاً يختلج في نفوسهم أن يقولوا أيكون كذلك شأننا كلما جاهدنا أم هذه مزية لوقعة بدر، فكانت هذه الآية مفيدة جواب هذا التساؤل. فالمعنى: إن تستنصروا في المستقبل قوله فقد جاءكم الفتح، والتعبير بالفعل الماضي في جواب الشرط للتنبيه على تحقيق وقوعه، ويَكون قوله {فقد جاءكم الفتح} دليلاً على كلام محذوف، والتقدير: إن تستنصروا في المستقبل ننصركم فقد نصرناكم يوم بدر. والاستفتاح على هذا التفسير كناية عن الخروج للجهاد، لأن ذلك يستلزم طلب النصر ومعنى {وإن تنتهوا فهو خير لكم} أي إن تمسكوا عن الجهاد حيث لا يتعين فهو أي الإمساك، خير لكم لتستجمعوا قوتكم وأعدادكم، فأنتم في حال الجهاد منتصرون، وفي حال السلم قائمون بأمر الدين وتدبير شؤونكم الصالحة، فيكون كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا تمنّوا لقاء العدو، وقيل المراد وإن تنتهوا عن التشاجر في أمر الغنيمة أو عن التفاخر بانتصاركم يوم بدر فهو خير لكم من وقوعه. وأما قوله: {وإن تعودوا نعد} على هذا التفسير فهو إن تعودوا إلى طلب النصر نعد فننصركم أي لا يُنقص ذلك من عطائنا كما قال زهير: شعر : سألنا فأعطيتكم وعدنا فعُدْتُم ومن أكثر التَسآل يوماً سيُحرم تفسير : يُعلّمهم الله صدق التوجه إليه، ويكون موقع {ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً} زيادة تقرير لمضمون {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} وقوله: {وإن تعودوا نعد} أي لا تعتمدوا إلاّ على نصر الله. فموقع قوله: {ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً} بمنزلة التعليل لتعليق مجيء الفتح على أن {تستفتحوا} المشعر بأن النصر غير مضمون الحصول إلاّ إذا استنصروا بالله تعالى وجملَه {ولو كثرت} في موضع الحال، و{لو} اتصالية، وصاحب الحال متصف بضد مضمونها، أي: ولو كثرت فكيف وفئتكم قليلة، وعلى هذا الوجه يكون في قوله: {وأن الله مع المؤمنين} إظهار في مقام الإضمار، لأن مقتضى الظاهر أن يقال: وإن الله معكم، فعدل إلى الاسم الظاهر للإيماء إلى أن سبب عناية الله بهم هو إيمانهم. فهذان تفسيران للآية والوجدان يكون كلاهما مراداً. والفتح حقيقته إزالة شيء مجعول حَاجزاً دون شيء آخر، حفظاً له من الضياع أو الافتكاك والسرقة، فالجدار حاجز، والباب حاجز، والسد حاجز، والصندوق حاجز، والعِدل تجعل فيه الثياب والمتاع حاجز، فإذا أزيل الحاجز أو فرج فيه فرجة يسلك منها إلى المحجوز سميت تلك الإزالة فتحاً، وذلك هو المعنى الحقيقي، إذ هو المعنى الذي لا يخلو عن اعتباره جميع استعمال مادة الفتح وهو بهذا المعنى يستعار لإعطاء الشيء العزيز النوال استعارةً مفردةً أو تمثيلية وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء}تفسير : [الأنعام: 44] وقوله تعالى: {أية : ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات}تفسير : الآية في سورة [الأعراف: 96] فالاستفتاح هنا طلب الفتح أي النصر، والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر. وكثر إطلاق الفتح على حلول قوم بأرض أو بلدِ غيرهم في حرب أو غارة، وعلى النصر، وعلى الحُكْم، وعلى معان أُخر، على وجه المجاز أو الكناية وقوله: {وأن الله مع المؤمنين} وقرأه نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر، بفتح همزة {أن} على تقدير لام التعليل عطفاً على قوله: {أية : وأن الله موهن كيد الكافرين}تفسير : [الأنفال: 18] وقرأه الباقون بكسر الهمزة، فهو تذييل للآية في معنى التعليل، لأن التذييل لما فيه من العموم يصلح لإفادة تعليل المذيّل، لأنه بمنزلة المقدمة الكبرى للمقدمة الصغرى.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} الآية. المراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء: الحكم وذلك أن قريشاً لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة، وزعموا أنهم قطان بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج، ونحو ذلك، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم: فرق الجماعة، وقطع الرحم، وسفه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا الله أن يحكم بينهم، وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم، بأن يهلك الظالم منهم، وينصر المحق. فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره، وأنزل الآية، ويدل على أن المراد بالفتح هنا الحكم. أنه تعالى أتبعه مما يدل على أن الخطاب لكفار مكة، وهو قوله: {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ}، وبين ذلك إطلاق الفتح بمعنى الحكم في القرآن في قوله عن شعيب وقومه: {أية : عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 89] أي احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين، ويدل لذلك قوله تعالى: عن شعيب في نفس القصة {أية : وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِٱلَّذِيۤ أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَٱصْبِرُواْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [الأعراف: 87]، وهذه لغة حمير لأنهم يسمون القاضي فتاحاً والحكومة فتاحة، ومنه قول الشاعر: شعر : ألا أبلغ بني عمرو رسولا بأني عن فتاحتكم غني تفسير : أي عن حكومتكم وقضائكم، أما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الخطاب في قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} للمؤمنين. أي تطلبوا الفتح والنصر من الله، وأن الخطاب في قوله بعده: {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} للكافرين. فهو غير ظاهر، كما ترى.
د. أسعد حومد
تفسير : (19) - قَالَ أَبُو جَهْلٍ فِي بِدْءِ المَعْرَكَةِ: (اللَّهُمّ أقْطَعُنَا لِلرَّحْمِ، وَآتَانَا بِمَا لاَ نَعْرِفُ، فَأَحِنْهُ الغَدَاةَ). فَكَانَ هُوَ المُسْتَفْتِحَ بِاللهِ وَالمُسْتَنْصِرَ بِهِ. وَقِيلَ أَيْضاً إِنَّ قُرَيْشاً، قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى بَدْرٍ، طَافَتْ بِالكَعْبَةِ وَأَخَذَتْ بِأَسْتَارِهَا، فَاسْتَنْصَرُوا بِاللهِ وَقَالُوا: (اللَّهُمَّ انْصُرْ أَعَلَى الجُنْدَينِ، وَأَكْرَمَ الفِئَتَينِ، وَخَيْرَ القبْلَتَيْنِ). فَرَدَّ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ وَمَعْنَاهَا: إِنْ تَسْتَنْصِرُوا بِاللهِ، وَتَسْتَحْكِمُوهُ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِكُمُ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ جَاءَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ. وَإِنْ تَنْتَهُوا عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ، وَالتَّكْذِيبِ لِرَسُولِهِ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ عُدْتُمْ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيهِ مِنَ الكُفْرِ وَالضَّلاَلِ وَمُحَارَبَةِ النَّبِيِّ وَالمُؤْمِنينَ وَعَدَاوَتِهِمْ، نَعُدْ لَكُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ، وَلَنْ تَنْفَعَكُمْ وَلَنْ تُفِيدَكُمْ (تُغْنِيَ عَنْكُمْ) جُمُوعُكُمْ شَيْئاً، وَلَنْ تُحَقِّقَ لَكُمُ النَّصْرَ، فَإِنَّ اللهَ مَعَ رَسُولِهِ وَمَعَ المُؤْمِنينَ، وَمَنْ كَانَ مَعَ اللهِ فَلاَ غَالِبَ لَهُ. إِنْ تَسْتَفْتِحُوا - إِنْ تَطْلُبُوا النَّصْرَ لإِحْدَى الفِئَتَينِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"تستفتحوا" من الاستفتاح وهو طلب الفتح؛ لأن الألف والسين والتاء تأتي بمعنى الطلب، فنقول: استفهم أي طلب الفهم، و"إن تستفتحوا"، أي تطلبوا الفتح، ونعلم أن المعنويات مأخوذة كلها من الأمر الحسيّ؛ لأن أول إلف للإنسان في المعلومات جاء من الأمور الحسّية؛ ثم تتكون للإنسان المعلومات العقلية. ومثال ذلك قولنا: "إن النار محرقة"، وعرفنا هذا القول من تجربة حسّية مرت بأكثر من إنسان ثم صارت قضية عقلية يعرفها الإنسان وإن لم ير ناراً وإن لم ير إحراقاً. وعندما تجتمع المحسات تتكون عند الإنسان خمائر معنوية وقضايا كلية يدير بها شئونه العامة، ومثال ذلك: إننا نعرف جميعاً أن المجتهد ينجح، وأخذنا هذه الحقيقة من الواقع، تماماً كما أخذنا الحقيقة القائلة: إن المقصر والمهمل كل منهما يرسب. وسبحانه وتعالى ينبهنا إلى هذه فيقول: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً}تفسير : [النحل: 78]. أي أن الإنسان منا مخلوق وهو خالي الذهن، وخلو الذهن يطلب الامتلاء، وكل معلومة يتلقاها الذهن الصغير يستطيع أن يستظهرها فوراً، ولذلك نجد التلمذ الصغير أقدر على حفظ القرآن الكريم من الشاب الكبير؛ لأن هذا الشاب الكبير قد يزدحم ذهنه بالمعلوم العقلي. وقد شرح لنا علماء النفس هذه المسألة حين قالوا: إن لكل شعور بؤرة هي مركز الشعور. والأمر الذي تفكر فيه تجد المعلومات الخاصة به في ذهنك فوراً. وقد تتزحزح هذه المعلومات من ذاكرتك إذا فكرت في موضوع آخر، كما تتزحزح المعلومات الخاصة بالموضوع السابق إلى حافة الشعور لتحل مكانها المعلومات الخاصة بالموضوع الجديد في بؤرة الشعور. والحيز في المعنويات مثله مثل الحيز في الحسِّيات، فأنت حين تملأ زجاجة بالمياه لا بد أن تكون فوهة الزجاجة متسعة لتدخل فيها المياه ويخرج الهواء الذي بداخل الزجاجة. لكن إن كانت فوهة الزجاجة ضيقة كفوهة زجاجة العطر مثلا فهذه يصعب ملؤها بالمياه إلا بواسطة أداة لها سن رفيع كالسرنجة الطيبة حتى يمكن إدخال المياه وطرد الهواء الموجود بداخل الزجاجة ذات الفوهة الضيقة. وهكذا نرى أن الحيز في الأمور المحسة لا يسع كميتين مختلفتي النوعية، ويكون حجم كل منهما مساوياً لحجم الحيز. وتقترب المسألة في المخ من هذا الأمر أيضاً، فأنت لا تتذكر المعلومات الخاصة بموضوع معين إلا إذا كان الموضوع في مركز الشعور، فإذا ما ابتعد الموضوع عن تفكيرك بعدت المعلومات الخاصة به إلى حاشية الشعور البعيدة. والطفل الصغير يكون خالي الذهن لذلك يستقبل المعلومات بسرعة ويكون مستحضرا لها. ولذلك لا يجب أن نتهم إنساناً بالغباء وآخر بالذكاء لمجرد قدرة واحد على سرعة التَّذكر وعجز الآخر عن مجاراة زميله في ذلك، فالذكاء له مقاييس متعددة ما زال العلماء إلى الآن يختلفون حولها. لكن في موضوع التذكر اتفق جانب كبير من العلماء على أن الذهن كآلة التصوير يأخذ المعلومة من أول لقطة شريطة أن تكون بؤرة الشعور خالية لهذه المعلومة. أما إن كانت بؤرة الشعور مشغولة بأمر آخر فهي لا تلتقط المعلومة. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلْسَّمْعَ وَٱلأَبْصَارَ وَٱلأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تفسير : [النحل: 78]. والسمع والأبصار هما عمدة الحواس، نأخذ بهما محسّات ونُكَوّنُ منها معلومات عقلية. والحق تبارك وتعالى هنا يقول: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19]. والفتح يُطلق إطلاقات متعددة، منها الحسّي، مثل فتح الباب أو فتح الكيس ويقصد إزالة إغلاق شيء يصون شيئاً، مثل فتح الباب، والباب إنما يصون ما بداخل الغرفة. والفتح الحسّي يمثله القرآن الكريم بقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ}تفسير : [يوسف: 65]. أي إن إخوة يوسف حين فتحوا الأخراج - وكانت هي بديلة الحقائب - وجدوا البضاعة التي كانوا قد أخذوها معهم ليستبدلوا بها سلعاً أخرى. وهذا هو الفتح الحسّي. وقد يكون الفتح في الأمور المعنوية كالفتح في الخير وفي العلم مثل قول الحق تبارك وتعالى: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} تفسير : [فاطر: 2]. إذن ففتح الرحمة فتح معنوي. وقد يكون الفتح في الحكم؛ لأن الحكم يكون بين أطراف مشتبكة في قضية، وكل طرف يدّعي على الآخر، ويأتي الحكم ليزيل خفاء القضية ويَفْتَحها. ومثال ذلك ما حدث بين سيدنا نوح عليه السلام وقومه. فقومه قالوا: {أية : لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمَرْجُومِينَ} تفسير : [الشعراء: 116]. فماذا قال سيدنا نوح عليه السلام؟: {أية : قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَٱفْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 117 - 118]. أي أن سيدنا نوحاً عليه السلام قد دعا الله أن يفصل في القضية التي بينه وبين قومه بالحق وهو يعلم أن الله تعالى معه. لذلك طلب منه النجاة لنفسه ولمن معه من المؤمنين. وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد أن الفتح يأتي بمعنى الحكم الذي يفصل بين المتنازعين، وهو صلب حكم يفصل بين فريقين، فريق الهدى والداعي إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعه من المؤمنين، وفريق الضلال وهم كفار قريش. وقد استفتح الفريقان، فقد قال أبو جهل حين التقى القوم: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة". لقد ظن أبو جهل أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم يقطع رحمهم، ويجعل الولد يترك أباه وأمه، وأيضاً كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: "اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم الفئتين وخير القبيلتين" هكذا كان دعاء الكفار. أما دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو قوله: "حديث : يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً ". تفسير : والاستفتاح من الطرفين يدل على أن كلا منهما مجهد بأمر الآخر، فلو كان أحدهما مرتاحاً والآخر متعباً لطلب المتعب الفتح وحده. وجاء الحكم من الله سبحانه وتعالى في القضية هذه، حيث حكم تبارك وتعالى على الكافرين بأن يُسلبوا ويقتلوا ويصبحوا مثار السخرية من أنفسهم وممن يرونهم وقد استحقوا ذلك بسبب كفرهم وضلالهم وعنادهم ومحاربتهم للحق، والذي رجح أن الفتح جاء أيضاً من المؤمنين أن الحق قال: {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} [الأنفال: 19]. أي إن كنتم قد استفتحتم وطلبتم الفصل والحكم فقد جاءكم الفتح، وهذا الفتح كان في صالح المؤمنين، وأيضاً في صالح دعاء الكافرين، إنه جاء في الأمرين الاثنين؛ فتح للمؤمنين، وفي صالح دعاء الكفار. فأنتم - أيها الكافرون - قد دعوتم، فإما أن تكونوا قد دعوتم والله أجاب دعاءكم وهو شر عليكم، وهذا دليل على أنكم أغبياء في الدعاء، وما دام الفتح قد جاء، كان الواجب أن ينتهي كل فريق عند الحد الذي وقع، وكان على الكافرين أن يقتنعوا بأنهم انهزموا، وعلى المؤمنين أن يقتنعوا بأنهم انتصروا. {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 19]. و"تنتهوا" هذه صالحة أولاً بظاهرها للكفار، أي إن تنتهوا عن معاداة الرسول وخصومته، واللجج في أنكم جعلتموه عدوا، وتتكتلون وتتآمرون عليه، فإن تنتهوا فهذا خير لكم في دنياكم لأنكم قد رأيتم النتيجة. حيث قتل البعض من صناديدكم، وأسر البعض الآخر، وأخذت منكم الأسلاب والغنائم. فإن انتهيتم عن العمل الذي سبب هذا فهو خير لكم في دنياكم، وخير لكم أيضاً في أخراكم؛ إذا كان الانتهاء سيئول بكم إلى أن تنتهوا عن مخاصمة الدين الذي تخاصمونه وتصبحوا من المنتمين إليه. ويتابع سبحانه وتعالى قوله: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} [الأنفال: 19]. وإن لم تنتهوا وعدتم إلى العداء ومحاربة هذا الدين فسنعود لنصرة المؤمنين، وإياكم أن تقولوا إنكم فئة كثيرة؛ ففئتكم لن تغني من الله عنكم شيئاً، والدليل على ذلك أنكم هزمتم في بدر وأنتم كثرة، وأصحاب عدد، وأصحاب عدة. فما أغنت عنكم كثرتكم ولا عدتكم شيئا. {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19]. وكان المؤمنون قلة ورغم ذلك كانوا هم الغالبين. وما تقدم إنما يعني الكلام بالنسبة للكفار، فماذا إذا كان الكلام والاستفتاح بالنسبة للمؤمنين، ففي أي شيء ينتهون؟. إن عليهم أن ينتهوا عن اللجاج والخلاف في الغنائم، الذي جاء فيه قول الحق تبارك وتعالى: {أية : قُلِ ٱلأَنفَالُ للَّهِ وَٱلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 1]. وهم قد اضطروا أن يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه، فإن عادوا للنزاع والجدل فيما بينهم وكأنهم فريقان متعارضان غير مجموعين على إيمان، فلن تغني فئة عن أخرى شيئا، وعليكم أن تعلموا يا أهل الإيمان أنه إن عزت طائفة منكم، فلتهن أمامها الطائفة الأخرى، ولا تظنوا أنكم بالنصر قد صرتم كثيراً لأن النصر لم يكن لا بالفئة ولا بالملائكة، ولكن النصر كان من عند الله العزيز الحكيم. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} معناه انْ تَستَنصُرُوا فقدْ جاءكُمْ النَّصرُ. ويقال: إنْ تَستَقضُوا فَقدْ جَاءكم القَضاءُ. تفسير : وقوله تعالى: {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً} معناهُ جَمَاعَاتُكُمْ.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ قال سبحانه على سبيل التهكم للكافرين الذين كانوا إذا أقبل عليهم المؤمنون للقتال يطوفون حول الكعبة مشبثين بأستارها متضرعين مستفتخحين من الله، قائلين: اللهمَّ انصر أعلت الجندين وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} أيها ا لهالكون في تيه الضلال؛ لمقاتلة نبينا ومن تبعه من المؤمنين {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} بقتلكم وسبيكم؛ أي: غلبة المؤمنين عليكم {وَإِن تَنتَهُواْ} عن مقاتلتهم ومعاداتهم، وعن الاستفتاح لها، بل آمنوا كما آمن هؤلاء لنبينا عن ظهر القلب {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} في أولاكم وأخراكم {وَإِن} صالحوا معهم وآمنوا نفاقاً، ثمَّ ارتدوا، بأن {تَعُودُواْ} إلى مقاتلتهم ومعاداتهم {نَعُدْ} إلى نصرهم وتأييدهم إلى أن يستأصلوكم ويخرجوكم من دياركم. {وَ} لا تغتر بكثرة عددكم وعددكم؛ إذ {لَن تُغْنِيَ} وترفع {عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ} التي تستظهرون بها {شَيْئاً} من غلبة المؤمنين وظفهرم {وَلَوْ كَثُرَتْ} فئتكم {وَ} كيف تغني فئتكم شيئاً منهم {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر بالقدرة الكاملة {مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] المجاهدين في سبيله؛ لإعلاء كلمة توحيده، ونصر دينه ونبيه ينصرهم ويعين عليهم. ثمَّ قال سبحانه منادياً للمؤمنين توصيةً: وتذكروا {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} إطاعة الله {وَ} إطاعة {رَسُولَهُ} المبلغ لكم أحكام الحق وشعائر دينه وتوحيده {وَ} عليكم أن {لاَ تَوَلَّوْا} أي: لا تتولوا معرضين {عَنْهُ} عن رسوله حتى لا تنحطوا عن رتبة الخلافة، وكيف لا تطيعون رسوله {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] كلمة الحق منه سمعاً وطاعةً؟!. {وَلاَ تَكُونُواْ} في عدم الإطاعة والانقياد له {كَالَّذِينَ قَالُوا} كفراً ونفاقاً: {سَمِعْنَا} ما تلوت علينا {وَهُمْ} من غاية بغضهم ونفاقهم {لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] سمع إطاعة وتسليم، فكأنهم لم يسمعوا أصلاً، بل لا يتأتى منهم السماع لانحطاطهم عن رتبة العقلاء، ولحقوا بالبهائم في عدم الفطنة، بل أسوأ حالاً منها. {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ} عن استماع كلمة الحق عن ألسنة الرسل والإطاعة بها {ٱلْبُكْمُ} عن التكلم بها بعدما فهموه، ولاحت عندهم حقيقتها، وبالجملة: هؤلاء هم {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] أي: ليسوا من زمرة العقلاء وإن ظهروا على صورتهم وشكلهم. {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ} أي: من استعداد هؤلاء السفهاء المنحطين عن مرتبة العقلاء {خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} كلمة الحق سمعَ طاعة {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} مع أنهم ليسوا مستعدين له {لَتَوَلَّواْ} وانصرفوا؛ من خبث طينتهم عنها {وَّهُمْ} في أصل فطرتهم {مُّعْرِضُونَ} [الأنفال: 23] مجبولون على الأعراض، ولا يرجى منهم الإطاعة أصلاً.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} [19] 221- أنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد، نا عمي، نا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب قال: حدثني عبد الله بن ثعلبة بن صُعير قال: كان المُسْتَفْتح / يوم بدر أبو جهل، وإنه قال حين التقى القوم: اللهم أيُّنا كان أقطع للرحم، وآتى لما لا نعرف فافتح الغد، وكان ذلك استِفتاحه، فأنزل الله {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}. قوله تعالى: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ} [19] 222- أنا بشر بن خالد، أنا غُندر، عن شعبة، عن سليمان، ومنصور، عن أبي الضُّحى، عن مسروق قال: قال عبد الله: حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشا قد اسْتَعصوا قال: اللهم أعني بسبعٍ كسبع يوسف، فأخذتهم السَّنَة حتى حصت كلَّ شي حتى أكلوا الجلود، وجعل يخرج من الأرض كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان، فقال: أي محمد، إن قومك قد هلكوا، فادعُ الله أن يكشف عنهم فدعا وقال: تعُودُ نَعُدْ - هذا في حديث منصور - ثم قرأ هذه الآية {فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ} تفسير : قال: عذاب الآخرة فقد مضى الدخان والبطشة واللِّزام، وقال أحدهما: القمر، وقال الآخر: والرُّوم.
همام الصنعاني
تفسير : 999- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، في قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}: [الآية: 19]، قال: اسْتَفْتَحَ أبو جهل بن هشام فقال: اللهم أينا كان أفجر بك وأقطع للرحم، فأحنه اليوم يعني محمداً ونسه، فقال الله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}: [الآية: 19]، فضربه ابنا عفراء: عوذ، ومعوذ، وأَجْهَزَ عليه عبد الله بن مسعود.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):