٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو {مُوهِنُ } بتشديد الهاء من التوهين {كَيْدَ } بالنصب، وقرأ حفص عن عاصم {مُوهِنُ كَيْدِ } بالإضافة، والباقون {مُوهِنُ } بالتخفيف {كَيْدَ } بالنصب، ومثله قوله: {أية : كَـٰشِفَـٰتُ ضُرّهِ } تفسير : [الزمر: 38] بالتنوين وبالإضافة. المسألة الثانية: الكلام في ذلك ومحله من الإعراب كما في قوله: {أية : ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ } تفسير : [الأنفال: 14]. المسألة الثالثة: توهين الله تعالى كيدهم. يكون بأشياء بإطلاع المؤمنين على عوراتهم، وإلقاء الرعب في قلوبهم، وتفريق كلمتهم، ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم. قال ابن عباس ينبىء رسول الله ويقول: إني قد أوهنت كيد عدومك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم. أما قوله تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } فيه قولان: القول الأول: وهو قول الحسن ومجاهد والسدي أنه خطاب للكفار، روي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم انصر أفضل الدينين وأحقه بالنصر، وروي أنه قال: اللهم أينا كان أقطع للرحم وأفجر، فأهلكه الغداة، وقال السدي: إن المشركين لما أرادوا الخروج إلى بدر أخذوا أستار الكعبة وقالوا اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين، فأنزل الله هذه الآية، والمعنى: إن تستفتحوا أي تستنصروا لأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، فقد جاءكم النصر. وقال آخرون: أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. والقول الثاني: أنه خطاب للمؤمنين، روي أنه عليه السلام لما رأى المشركين وكثرة عددهم استغاث بالله، وكذلك الصحابة وطلب ما وعده الله به من إحدى الطائفتين وتضرع إلى الله فقال: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } والمراد أنه طلب النصرة التي تقدم بها الوعد، فقد جاءكم الفتح، أي حصل ما وعدتم به فاشكروا الله والزموا طاعته. قال القاضي: وهذا القول أولى لأن قوله: {فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } لا يليق إلا بالمؤمنين، أما لو حملنا الفتح على البيات والحكم والقضاء، لم يمتنع أن يراد به الكفار. أما قوله: {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فتفسير هذه الآية، يتفرع على ما ذكرنا من أن قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } خطاب للكفار أو للمؤمنين. فإن قلنا: إن ذلك خطاب للكفار، كان تأويل هذه الآية إن تنتهوا عن قتال الرسول وعداوته وتكذيبه فهو خير لكم، أما في الدين فبالخلاص من العقاب والفوز بالثواب. وأما في الدنيا فبالخلاص من القتل والأسر والنهب. ثم قال: {وَإِن تَعُودُواْ } أي إلى القتال {نَعُدُّ } أي نسلطهم عليكم، فقد شاهدتم ذلك يوم بدر وعرفتم تأثير نصرة الله للمؤمنين عليكم {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } أي كثرة الجموع كما لم يغن ذلك يوم بدر. وأما إن قلنا إن ذلك خطاب للمؤمنين كان تأويل هذه الآية وإن تنتهوا عن المنازعة في أمر الأنفال وتنتهوا عن طلب الفداء على الأسرى فقد كان وقع منهم نزاع يوم بدر في هذه الآشياء حتى عاتبهم الله بقوله: {أية : لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ }تفسير : [الأنفال: 68] فقال تعالى: {إِن تَنتَهُواْ } عن مثله {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ } إلى تلك المنازعات {نَعُدُّ } إلى ترك نصرتكم لأن الوعد بنصرتكم مشروط بشرط استمراركم على الطاعة وترك المخالفة، ثم لا تنفعكم الفئة والكثرة، فإن الله لا يكون إلا مع المؤمنين الذين لا يرتكبون الذنوب. واعلم أن أكثر المفسرين حملوا قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } على أنه خطاب للكفار، واحتجوا بقوله تعالى: {وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ } فظنوا أن ذلك لا يليق إلا بالقتال، وقد بينا أن ذلك يحتمل الحمل على ما ذكرناه من أحوال المؤمنين، فسقط هذا الترجيح. وأما قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ } فقرأ نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم {ٱلاْرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ } بفتح الألف في أن والباقون بكسرها. أما الفتح فقيل: على تقدير، ولأن الله مع المؤمنين، وقيل هو معطوف على قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وأما الكسر فعلى الابتداء. والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكُمْ } الإِبلاء حقّ {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ } مضعف {كَيْدِ ٱلْكَٰفِرِينَ }.
الخازن
تفسير : وقوله تعالى: {ذلكم} يعني الذين ذكرت من أمر القتل والرمي والبلاء الحسن من الظفر بهم والنصر عليهم فعلنا ذلك الذي فعلنا {وأن الله} يعني واعملوا أن الله مع ذلك {موهن} أي مضعف {كيد الكافرين} يعني مكرهم وكيدهم قوله عز وجل: {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} هذا خطاب مع المشركين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر، لما التقى الجمعان: اللهم أينا كان أفخر يعني نفسه ومحمداً صلى الله عليه وسلم قاطعاً للرحم فأحنه اليوم. وقيل: إنه قال: اللهم أينا كان خيراً عندك فانصره. وقيل: قال: اللهم انصر أهدى الفئتين وخير الفريقين وأفضل الجمعين اللهم من كان أفخر وأقطع لرحمه فأحنه اليوم فأنزل الله عز وجل إن تستفتحوا ومعنى الآية إن تستحكموا الله على أقطع الفريقين للحرم وأظلم الفئتين فينصر المظلوم على الظالم والمحق على المبطل والمقطوع على القاطع (ق). حديث : عن عبد الرحمن بن عوف قال: إني لواقف في الصف يوم بدر. فنظرت عن يميني وعن شمالي، فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال أي عم هل تعرف أبا جهل قلت نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي. قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا فتعجبت لذلك قال: وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت: ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه قال فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مسحتما سيفيكما؟ فقالا: لا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السيفين فقال كلاكما قتله وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلبه لهما والرجلان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء تفسير : (ق). عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل" فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد قال فأخذ بلحيته فقال أنت أبو جهل تفسير : وفي كتاب البخاري أنت أبو جهل هكذا قاله أنس فقال وهل فوق رجل قتلتموه أو قال قتله قومه وفي رواية فقال أبو جهل فلو غير أكار قتلني" عن عبد الله بن مسعود قال: مررت فإذا أبو جهل صريع قد ضربت رجله فقلت يا عدو الله يا أبا جهل قد أخزى الله الآخر قال: ولا أهابه عند ذلك فقال أعمد من رجل قتله قومه فضربته بسيف غير طائل فلم يغن شيئاً حتى سقط سيفه من يده فضربته حتى برد أخرجه أبو داود وأخرجه البخاري مختصراً. قال: إنه أتى أبا جهل يوم بدر وبه رمق فقال: هل أعمد من رجل قتلتموه. وقال عكرمة: قال المشركون والله ما نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فأنزل الله عز وجل إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح يعني إن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. وقال السدي والكلبي: كان المشركون لما خرجوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين ففيه نزلت: إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح. يعني: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر. وهو على ما سألوه فكان النصر لأهدى الفئتين وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر قال: قال معاذ بن عمرو بن الجموح: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بدر أمر بأبي جهل بن هشام أن يلتمس في القتلى فقال: اللهم لا يعجزك، فلما سمعتها جعلته من شأني فعمدت نحوه فضربته ضربة طيرت قدمه بنصف ساقه قال: وضربني ابنة عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلده وأجهضني القتال عنه فلقد قاتلت عامة يومي وإني لأسحبها خلفي فلما آذتني جعلت عليها قدمي ثم تمطيت بها حتى طرحتها ثم مر بأبي جهل وهو عفير معاذ بن عفراء فضربه حتى أتبته وتركه وبه رمق فمر به عبد الله بن مسعود قال عبد الله وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه فقلت هل أخزاك الله يا عدو الله قال وبماذا أخزاني أعمد من رجل قتلتموه أخبرني لمن الدبرة قلت لله ولرسوله. روي عن ابن مسعود أنه قال: قال لي أبو جهل لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعباً ثم احتززت رأسه ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبي جهل قال: آلله الذي لا إله غيره فقلت نعم والذي لا إله غيره ثم ألقيته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله. وقال أبي بن كعب: هذا خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل للمسلمين إن تستفتحوا أي تستنصروا فقد جاءكم الفتح أي النصر (خ) عن خباب بن الأرت قال:"حديث : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون"تفسير : قلت: استدل البغوي بهذا الحديث على ما فسر به أبي بن كعب الآية وفيه نظر، لأن هذه الواقعة المذكورة في الحديث كانت بمكة والآية مدنية، فلا تعلق للحديث بتفسير الآية والله أعلم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لما دعا الله ببدر وسأله إنجاز ما وعده من إحدى الطائفتين وألح في الدعاء والمسألة حتى سقط رداؤه وقال الله سبحانه وتعالى مجيباً له إن تستفتحوا يعني تطلبوا النصر وإنجاز ما وعدكم الله به فقد جاءكم الفتح يعني فقد حصل لكم ما طلبتم فاشكروا الله على ما أنعم به عليكم من إجابة دعائكم وإنجاز ما وعدكم به وهذا القول أولى لأن قوله فقد جاءكم الفتح لا يليق إلا بالمؤمنين. هذا إذا فسرنا الفتح بالنصر والظفر على الأعداء. أما إذا فسرناه بالقضاء والحكم لم يمتنع أن يراد به الكفار. أما قوله سبحانه وتعالى: {وإن تنتهوا فهو خير لكم} فهو خطاب للكفار يعني وإن تنتهوا عن قتال محمد صلى الله عليه وسلم وعن تكذيبه فهو خير لكم في الدين والدنيا أما في الدين بأن تؤمنوا به وتكفوا عنه فيجعل لكم بذلك الفوز بالثواب والخلاص من العقاب. وأما في الدنيا فهو الخلاص من القتل والأسر {وإن تعودوا نعد} يعني وإن تعودوا لقتال محمد صلى الله عليه وسلم نعد بتسليطه عليكم ونصره عليكم {ولن تغني عنكم فئتكم} يعني جماعتكم {شيئاً} يعني لا تغني عنكم شيئاً {ولو كثرت} يعني جماعتكم {وأن الله مع المؤمنين} يعني بالنصر لهم عليكم يا معشر الكفار.
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى البلاء الحسنِ ومحلُّه الرفعُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ وقوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} بالإضافة معطوفٌ عليه أي المقصِدُ إبلاءُ المؤمنين وتوهينُ كيدِ الكافرين وإبطالُ حِيلِهم، وقيل: المشارُ إليه القتلُ والرميُ والمبتدأ الأمر، أي القتل فيكون قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ} الآية، من قبـيل عطفِ البـيانِ، وقرىء مُوهِّن بالتنوين مخففاً ومشدداً ونصبِ كيد الكافرين. {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} خطابٌ لأهل مكةَ على سبـيل التهكم بهم وذلك أنهم حين أرادوا الخروجَ تعلقوا بأستار الكعبةِ وقالوا: اللهم انصُرْ أعلى الجُندَيْن وأهدي الفئتين وأكرمَ الحِزبـين، أي إن تستنصروا لأعلى الجندين {فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ} حيث نصَر أعلاهما وقد زعمتم أنكم الأعلى فالتهكمُ في المجيء، أو فقد جاءكم الهزيمةُ والقهرُ فالتهكم في نفس الفتحِ حيث وضع موضعَ ما يقابله {وَإِن تَنتَهُواْ} عما كنتم عليه من الحِراب ومعاداةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم {فَهُوَ} أي الانتهاء {خَيْرٌ لَّكُمْ} أي من الحِراب الذي ذُقتم غائلته لِما فيه من السلامة من القتل والأسرِ، ومبنى اعتبارِ أصلِ الخيرية في المفضل عليه هو التهكم {وَإِن تَعُودُواْ} أي إلى حِرابه عليه الصلاة والسلام {نَعُدُّ} لما شاهدتموه من الفتح {وَلَن تُغْنِىَ} بالتاء الفوقانية وقرىء بالياء التحتانية لأن تأنيثَ الفئةِ غيرُ حقيقي وللفصل أي لن تَدفعَ أبداً {عَنكُمْ فِئَتُكُمْ} جماعتُكم التي تجمعونهم وتستعينون بهم {شَيْئاً} أي من الإغناء أو من المضاربة وقوله تعالى: {وَلَوْ كَثُرَتْ} جملةٌ حالية وقد مر التحقيق {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ولأن الله معينُ المؤمنين كان ذلك، أو والأمرُ أن الله مع المؤمنين، ويقرب منه بحسب المعنى قراءةُ الكسر على الاستئناف، وقيل: الخطاب للمؤمنين والمعنى إن تستنصِروا فقد جاءكم النصرُ وإن تنتهوا عن التكاسل والرغبةِ عما يرغّب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو خير لكم من كل شيء لما أنه مناطٌ لنيل سعادة الدارين وإن تعودوا إليه نعُدْ عليكم بالإنكار وتهيـيجِ العدو ولن تغنيَ حينئذٍ كثرتُكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر والأمرُ أن الله مع الكاملين في الإيمان. {يا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ} بطرح إحدى التاءين وقرىء بإدغامها {عَنْهُ} أي لا تتولوا عن الرسول، فإن المرادَ هو الأمرُ بطاعته والنهيُ عن الإعراض عنه، وذكرُ طاعتِه تعالى للتمهيد والتنبـيه على أن طاعتَه تعالى في طاعة رسولِه عليه الصلاة والسلام {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ } تفسير : [النساء: 80] وقيل: الضمير للجهاد وقيل: للأمر الذي دل عليه الطاعة وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} جملةٌ حالية واردةٌ للتأكيد بوجوب الانتهاء عن التولي مطلقاً كما في قوله تعالى: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ }تفسير : [البقرة: 22] لا لتقيـيد النهي عنه بحال السماع كما في قوله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ }تفسير : أي لا تتولوا عنه والحال أنكم تسمعون القرآن الناطق بطاعتِه والمواعظ الزاجرة عن مخالفته أي سماعَ فهمٍ وإذعان.
القشيري
تفسير : موهن كدهم: بتقوية قلوب المؤمنين بنور اليقين، والثبات على انتظار الفضل من قِبَلِ الله، وموهن كيدهم: بأن يأخذَ الكافرين من حيث لا يشعرون، ويظفر جندُ المسلمين عليهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلكم} اشارة الى البلاء الحسن ومحله الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف وقوله تعالى {وإن الله موهن كيد الكافرين} معطوف على ذلكم اى المقصود ابلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وابطال حيلهم. والايهان [سست كردن] والنعت موهون كذا فى تاج المصادر. والوهن الضعف والكيد المكر والحيلة والحرب. وفى الآية اشارة الى ان التأثير من الله تعالى والعبد آلة فى البين فينبغى للمرء ان لا يعجب بنفسه وعمله ولذا قال الله تعالى {أية : فلم تقتلوهم} تفسير : [الأنفال: 17]. واظهر منته عليهم والعجب استعظام العمل الصالح من غير ذكر التوفيق قال المسيح عليه السلام يا معشر الحواريين كم من سراج قد اطفأته الريح وكم من عابد قد افسده العجب. واعلم ان الناس فى العجب ثلاثة اصناف. صنف هم معجبون بكل حال وهم المعتزلة والقدرية الذين لا يرون الله تعالى عليهم منة فى افعالهم وينكرون العون والتوفيق الخاص واللطف وتلك الشبهة استولت عليهم. وصنف هم الذاكرون المنة بكل حال وهم المستقيمون لا يعجبون بشئ من الاعمال وذلك لبصيرة اكرموا بها وتأييد خصوا به. والصنف الثالث المخلطون وهم عامة اهل السنة تارة ينتبهون فيذكرون منة الله تعالى وتارة يغفلون فيعجبون وذلك لمكان الغفلة العارضة والفترة فى الاجتهاد والنقص فى البصيرة فحق للعاقل ان يرى حقارة عمله وقلة مقداره من حيث هو وان يرى ان منة الله عليه اشرف من قدر عمله واعظم من جزائه وان يحذر على فعله من ان يقع على وجه لا يصلح لله تعالى ولا يقع منه موقع الرضى فتذهب عنه القيمة التى حصلت له ويعود الى ما كان فى الاصل من الثمن الحقير من دراهم او دوانق ومثاله ان العنقود من العنب او الاضبارة من الريحان تكون قيمته فى السوق دانقا فاذا اهداه واخد الى الملك دستجة فوقع منه موقع الرضى يهب له على ذلك الف دينار فصار ما قيمته حبة بالف دينار فاذا لم يرضه الملك اورده عليه رجع الى قيمته الخسيسة من حبة او دانق فكذلك ما نحن فيه. قال وهب كان فيمن قبلكم رجل عبد الله سبعين سنة يفطر من سبت الى سبت فطلب من الله حاجة فلم يقض فاقبل على نفسه وقال لو كان عندك خير قضيت حاجتك فانزل الله تعالى ملكا فقال يا ابن آدم ساعتك التى ازريت بنفسك فيها خير من عبادتك التى مضت: ونعم ما قال الحافظ الشيرازى شعر : در راه ما شكسته دلى ميخرند وبس بازار خودفروشى ازان سوى ديكرست تفسير : اللهم اجعلنا من اهل التوفيق ومن السالكين بطريق التحقيق
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: {موهن} خفيفة منونة. وقرا ابو عمرو وابن كثير ونافع شديدة. وقرأ حفص عن عاصم خفيفة مضافة وخفض {كيد}. وقرأ الباقون بنصب كيد. تقول: وهن الشيء واوهنته انا كما تقول: فرح وافرحته، وخرج واخرجته فمن قرأ {موهن} مخففاً فمن اوهن اي جعله واهناً، ومن شدد فمن قولهم: وهنته كما تقول خرج وخرجته وعرف وعرفته. ومنه قوله {أية : فما وهنوا لما أصابهم} تفسير : وتقول: وهن يهن مثل ومق يمق وولي يلي، وهو أيضاً ينقل بالهمزة وتثقيل العين ايضاً والامران جميعاً حسنان، واختار الاخفش القراءة بالتخفيف. والوهن الضعف ومنه قولهم: توهن توهناً اي ضعف، ومن قال قوله {ذلكم} في موضع رفع قال الزجاج: تقديره الامر {ذلكم وأن الله} والامر ان الله. وقوله {ذلكم} اشارة إلى قتل المشركين ورميهم حتى انهزموا وابتلاء المؤمنين البلاء الحسن بالظفر بهم وامكانهم من قتلهم واسرهم فعلنا الذي فعلناه. ومعنى {وأن الله موهن كيد الكافرين} يضعف مكرهم حتى يذلوا ويهلكوا. وفي فتح {أن} من الوجوه ما في قوله {ذلكم فذوقوه، وأن للكافرين عذاب النار} - وقد بيناه - والكيد يقع بأشياء منها الاطلاع على عوراتهم، ومنها إبطال حيلتهم، ومنها إلقاء الرعب في قلوبهم، ومنها تفريق كلمتهم، ومنها نقض ما ابرموا باختلاف عزومهم
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكُمْ} البلاء او القتل والرّمى وهو مبتدأ مؤخّر او خبر مبتدءٍ محذوفٍ {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} عطف على يبلى او على ذلكم.
الهواري
تفسير : قوله: {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوَهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ} أي مُضعِف كيد الكافرين الذين قاتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: { إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ} قال الكلبي: إن المشركين لما صافّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قالوا: اللهم ربنا أيُّنا كان أَحبَّ إليك، وأرضى عندك، فانصره. فنصر الله نبيَّه، وقال: {إِن تَسْتَفْتِحُوا} يعني أن تستنصروا {فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ} والفتح النصر. قال: { وَإِن تَنتَهُوا} عن قتال محمد {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا} لِقِتاله {نَعُدْ} عليكم بالهزيمة {وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ}. وقال مجاهد: {فَقَدْ جَاءَكُمُ الفَتْحُ} بدعاء كفار قريش في قولهم: ربنا افتح بيننا وبين محمد، ففتح الله بينه وبينهم يوم بدر. قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي عن رسول الله {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ} يعني الحجة. {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الهدى]. قال مجاهد: يعني عاصين. وقال الحسن: ليسوا سمعاء ولا بصراء بالحق إذ لم يقبلوه. قوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ} أي الخلق { عِندَ اللهِ الصُّمُّ} أي عن الهدى فلا يسمعونه، أي فلا يقبلونه {البُكْمُ} أي عنه فلا ينطقون به {الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} أي الهدى. وقال مجاهد: لا يتبعون الحق وهو واحد.
اطفيش
تفسير : {ذلكُم} أى الرمى أو القتل أو البلاء الحسن، أو كل ذلك خبر لمحذوف، أى الأمر ذلكم قاله سيبويه، أو المقصود ذلكم، أو مبتدأ محذوف الخبر أى ذلكم الأمر أو المقصود أو مفعول لمحذوف تعلق به ليبلى، أى وفعل ذلك ليبلى، فإن الله سميع عليم معترض، أو ذلكم مفعول لسميع أو عليم على التنازع على أنهما صفتا مبالغة لا صفتان مشبهتان، والخطاب للمؤمنين {وأنَّ الله مُوهنُ كيْدَ} أى مضعف ومطيل مكر {الكافِرينَ} والعطف على ذلكم بأوجهه غير الأخير أو على على ما يسبك من يبلى أو يقدر، واعلموا أن الله موهن كيد الكافرين، وقرئ بكسر الهمزة على الاستئناف، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائى، وأبو بكر بإسكان الواو وتخفيف الهاء، وكذا قرأ حفص، لكنه قرأ بالإضافة.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكُمْ} أَى ما ذكر من البلاء الحسن والقتل والصبر، والخطاب للمؤمنين، وذلك فاعل أَو مفعول لمحذوف عطف عليه ما بعده، أَى حق ذلك، أَو قضى الله ذلك {وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ} أَى وتوهين الله كيد الكافرين، أَو خبر لمحذوف، والعطف على ذلك، أَى الأَمر ذلك وتوهين كيد الكافرين، أَو عطف على يبلى أَو يقدر اعلموا أَن: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا} الخطاب للكافرين، أَى إِن تطلبوا الفتح، أَى القضاء لكم بالنصر على المؤمنين {فَقَدْ جَاءَكُمْ الفَتْحُ} القضاء بالنصر عليكم للمؤمنين، وذلك تهكم بهم فى مجئ الفتح إِذ نصر الأَعلى والأَهدى من الفريقين، وقد زعمتم أَنكم أَعلى وأَهدى، أَو المعنى جاءَكم الهلاك، فالتهكم فى التعبير عنه بالفتح والمألوف استعماله فى الخير. لما أَراد أَبو جهل وغيره الخروج إِلى بدر تعلقوا بأَستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أَعلى الجندين وأَهدى الفئتين وأَكرم الحزبين عندك. اللهم أَينا كان أَقطع للرحم، وأَتانا بما لا نعرف، فأَحنه الغداة - بفتح الهمزة وكسر الحاء وإِسكان النون - أَى أَهلكه، من أَحانه أَهلكه، يريدون أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخطأَ وقطع رحمه عكس الواقع، وحين التقى الجمعان قال أَبو جهل: اللهم ربنا، ديننا القديم ودين محمد الحديث فأَى الدينين كان أَحب إِليك وأَرضى عنك فانصر أَهله اليوم، قال عبد الرحمن بن عوف: إِنى لواقف فى الصف يوم بدر بين غلامين وقال لى كل واحد منهما: يا عمى هل تعرف أَبا جهل؟ فقلت: ما حاجتكما؟ قالا: أخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لا نفارقه حتى يموت أَو نموت، فلم أَنشب أَن نظرت إِليه يجول فى الناس، فقلت: ها هو ذاك فابتدراه فقتلاه، وهما معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراءَ، وقال كل منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أَنا قتلته، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَريانى سيفيكما إِن لم تمسحاهما فأَرياه فقال: كلاكما قتله، فأَعطاهما سلبه"تفسير : ، وروى أَنه صلى الله عليه وسلم قال: من ينظر لنا ما صنع أَبو جهل فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراءَ، فأَخذ بلحيته وقال: أَنت أَبو جهل؟ فقال: وهل فوق رجل قتلتموه، أَو قال: قتله قومه؟ وروى: لو غيرك قتلنى؟.. وعن ابن مسعود رضى الله عنه، وجدته وقد ضربت رجله، فقلت: يا عدو الله يا أَبا جهل. قد أَخزاك الله، وضربته بسيف، ولم يغن حتى سقط سيفه من يده، فضربته حتى برد، أَى ضربته بسيفه إِذ سقط من يده. وفى ابن إِسحاق أَن هذين عمرو بن الجموح ضربه فطيَّر قدمه بنصف ساقه ثم مر به معاذ بن عفراء فضربه حتى أَثبته. فمر به ابن مسعود وبه رمق ووضع رجله على عاتقه فقال: هل أَخزاك الله يا عدو الله، فقال: لا سوى رجل قتلتموه. أَخبرنى لمن الدبرة اليوم، قلت: لله ورسوله. وروى أَنه لما وضع رجله على عاتقه قال: لقد ارتقيت مرتقى صعباً يارويعى، واحتز رأْسه. وجاءَ به إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله هذا رأس أَبى جهل. فقال: الله الذى لا إِله إِله غيره، قال: نعم.. والذى لا إِله غيره، وأَلقاه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله عز وجل.. {وَإِنْ تَنْتَهُوا} عن الكفر والحرب والعداوة {فَهُو} أَى انتهاؤهم {خَيْرٌ لَكُمْ} نفع لكم فى الدارين لنجاتكم بالانتهاء عن القتل والأَسر والغنم ونار الآخرة، ولفوزكم بالجنة ورضى الله، أَو أَفضل مما تزعمون أَنه حسن من البقاءِ على الكفر وتمتعهم مع كفرهم، أَو المراد إِن تنتهوا عن الحرب فهو نفع لكم، أَو أَنفع لكم لسلامتكم من القتل ونحوه، وهو أَنسب بقوله {وَإِنْ تَعُودُوا} فإِن العود إِلى الحرب فقط لأَنهم لم يكونوا قد أَسلموا، فيقال لهم إِن تعودوا إِلى الكفر إِلا إِن أريد تعودوا إِلى كفر آخر، أَو أريد بالعود البقاء على الكفر {نَعُدْ} لنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقتلكم وأَسركم وغنمكم {وَلَنْ تُغْنِىَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ} لن تدفع عنكم {شَيْئًا} ضراً، ولن تغنى عنكم شيئا من الإِغناءِ {وَلَوْ كَثُرَتْ} وروى أَنه لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بدر أَتى جماعة من الصحابة بغلامين لقريش، غلام أَسود لبنى الحجاج وأَبو يسار، وغلام لبنى العاصى بن وائل، فقال رسول الله: "حديث : أَين قريش"تفسير : ؟ قالا: وراءَ الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كم هم"تفسير : ؟ قالا كثير، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عددهم"تفسير : ؟ قالا: لا ندرى - قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : كم ينحرون كل يوم"تفسير : ؟ قالا: يوم عشرة، ويوم تسعة، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : القوم ما بين تسعمائة إِلى أَلف"تفسير : . قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من فيهم من أَشراف قريش"تفسير : ؟. قال: عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وأبو البخترى بن هشام، وحكيم بن حزام والحارث بن عامر، وطعمة بن عدى والنضر بن الحارث، وأَبو جهل ابن هشام وأُمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل ابن عمرو. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذه مكة أَلقت إِليكم أَفلاذ كبدها"تفسير : . ولما أَقبلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم هذه قريش قد أَقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك. اللهم فنصرك الذى وعدتنى"تفسير : . فأَتاه جبريل، فقال له: خذ قبضة من تراب وارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول صلى الله عليه وسلم كفا من حصباءَ عليه تراب فرمى به و جه القوم، وقال: "حديث : شاهت الوجوه"تفسير : ، أَى قبحت. فلم يبق مشرك إِلا ودخل فى عينيه وفمه ومنخريه من ذلك التراب شئ، فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. وعن قتادة وابن زيد أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخذ ثلاث حصيات فرمى فى ميمنة القوم بحصاة وفى ميسرتهم بحصاة وبين أَظهرهم بحصاة، وقال: شاهت الوجوه فما كان إِلا انهزامهم {وَأَنَّ اللهَ مَعَ المؤْمِنِينَ} بالنصر والتوفيق، ويجوز أَن يقول أَنا مؤمن إِن شاءَ الله تعالى، بمعنى خوف أَن يكون فيه شئ ناقض لإِيمانه، وأَما على أَن يشك فى إِيمانه فلا إِلا على التبرك فيجوز ولو لم يستثن إِذا أَراد تحقيق ما عنده، وأَنه غير شاك، وأَما على معنى أَنه مؤمن حقا عند الله بحيث يثيبه بالجنة، أَو بحيث الجزم بأَنه لا خلل فيه عند الله فلا إِلا بالاستثناء، قال صلى الله عليه وسلم للحارث بن مالك: "حديث : كيف أَصبحت يا حارث"تفسير : ؟ قال: أَصبحت مؤمنا حقا، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : انظر ما تقول فإِن لكل شئ حقيقة، فما حقيقة إِيمانك"تفسير : ؟ قال: إِنى عزفت نفسى عن الدنيا، فأَسهرت ليلى، وأَظمأت نهارى وكأَنى أَنظر إِلى أَهل الجنة يتزاورون فيها، وكأَنى أَنظر إِلى أَهل النار يتصارخون فيها. والعطف على إِن الله موهن، أَو على مصدر يبلى، أَو يقدر كان النصر للمؤمنين؛ لأَن الله مع المؤمنين، وقيل: الخطاب فى إِن تستفتحوا إِلخ للمؤمنين، أَى إِن تطلبوا النصر فقد نصرتم فاحمدوا الله، وإِن تنتهوا عن الكسل فى القتال وعن الرغبة فى الأَنفال التى لله ورسوله كما كان منكم، وإِن تعودوا لذلك نعد لكم بالإِنكار، أَو بتغليب العدو عليكم ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت فكيف وقد قلت. أَو ولو جددت لها كثرة بعد فإِن الله مع المؤمنين فيمن كسر إِن. ولا يقوى كما زعم بعض بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ} إِلخ.. لأَن شأن القرآن ترتيب ذكر أَمر المؤمنين بعد ذكر أَمر الكافرين والعكس. {وَلاَ تَوَلَّوْا} لا تتولوا، لا تعرضوا {عَنْهُ} أَى عن رسوله لأَنه أَقرب فى الذكر، وذكر طاعة الله توطئة وتنبيه على أَن طاعته فى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، أَو عن الله؛ لأَن الدين وكل شئ عنه، والرسول مبلغ، وعلى الوجهين جعل التولى عن أَمر الله توليا عن الله ورسوله، أَو يقدر مضاف، أَى عن أَمره والإِعراض عن معاونته صلى الله عليه وسلم، ومخالفته إِعراض عنه، أَو الهاء للجهاد لأَن السياق له، أَو للأَمر المدلول عليه بأَطيعوا، وهو أَحد الأَوامر، أَو عن الأَمر ضد النهى كذلك {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} ما يتلو عليكم عن الله من الأَحكام والمواعظ سماع فهم وتصديق.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} معطوف عليه أي المقصد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم، وقيل: المشار إليه القتل أو الرمي والمبتدأ الأمر أي الأمر ذلكم أي القتل أو الرمي فيكون قوله تعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ} الخ من قبيل عطف البيان، وقيل: المشار إليه الجميع بتأويل ما ذكر. وجوز جعل اسم الإشارة مبتدأ محذوف الخبر وجعله منصوباً بفعل مقدر. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر {موهن} بالتشديد ونصب {كيد}. وقرأ حفص عن عاصم بالتخفيف والإضافة وقرأ الباقون بالتخفيف والنصب.
ابن عاشور
تفسير : الإشارة بـ{ذلكم} إلى البلاء الحسن وهذه الإشارة لمجرد تأكيد المقصود من البلاء الحسن وأن ذلك البلاء علة للتوهين. واسم الإشارة يفتتح به الكلام لمقاصد يجمعها التنبيه على أهمية ما يرد بعده كقوله تعالى: {أية : هذا وإن للطاغين لشر مئابٍ}تفسير : [ص: 55] ويجيء في الكلام الوارد تعليلاً كقوله تعالى: {أية : ذلك بما قدمت أيديكم}تفسير : [الأنفال: 51]. وعليه فاسم الإشارة هنا مبتدأ حذف خبره وعطف عليه جملة: {وأن الله موهن كيد الكافرين}. وقوله: {وأن الله} بفتح همزة (أن)، فما بعدها في تأويل مصدر، مجرور بلام التعليل محذوفة، والتقدير ولتوهين كيد الكافرين. ويجوز أن تكون الإشارة بـ{ذلكم} إلى الأمرين، وهو ما اقتضاه قوله: {أية : وما رميتَ إذ رميتَ ولكن الله رمى}تفسير : [الأنفال: 17] من تعليل الرمي بخذل المشركين وهزمهم وإبلاء المؤمنين البلاء الحسن. وإفراد اسم الإشارة مع كون المشار إليه اثنين على تأويل المشار إليه بالمذكور كما تقدم في نظيره في سورة البقرة. و{كيد الكافرين} هو قصدهم الإضرار بالمسلمين في صورة ليست ظاهرها بمضرة، وذلك أن جيش المشركين الذين جاءوا لإنقاذ العِير لمّا علموا بنجاة عيرهم، وظنوا خيبة المسلمين الذين خرجوا في طلبها، أبوا أن يرجعوا إلى مكة، وأقاموا على بدر لينحروا ويشربوا الخمر ويضربوا الدفوف فرحاً وافتخاراً بنجاة عيرهم، وليس ذلك لمجرد اللهو، ولكن ليتسامع العرب فيتساءلوا عن سبب ذلك فيخبروا بأنهم غلبوا المسلمين فيصرفهم ذلك عن إتباع الإسلام، فأراد الله توهينهم بهزمهم تلك الهزيمة الشنعاء فهو موهن كيدهم في الحال وتقدم تفسير، الكيد عند قوله تعالى: {أية : وأملي لهم إن كيدي متينٌ}تفسير : في سورة [الأعراف:183]. وقرأ نافع وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، {مُوَهِّنٌ} بفتح الواو وبتشديد الهاء وبالتنوين ونصب {كيدَ}، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف، ويعقوب، {مُوهِنٌ} بتسكين الواو وتخفيف الهاء ونصب {كيد} ـ والمعنى على القراءتين سواء، وقرأ حفص عن عاصم بإضافة {مُوهِنٌ} إلى {كيد}، والمعنى وهي إضافة لفظية مساوية للتنكير.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكَافِرِينَ} (18) - وَهَذِهِ بِشَارَةٌ أخْرَى لِلْمُسْلِمِينَ تُضَافُ إلَى نَصْرِ اللهِ لَهُمْ، فَقَدْ أَعْلَمَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُضْعِفٌ كَيْدَ الكُفَّارِ، وَمُوهِنٌ تَدْبِيرَهُمْ وَمَكْرَهُمْ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبِالمُؤْمِنينَ، وَأَنَّهُ مُصَغِّرٌ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَجَاعِلُهُمْ إلى تَبَارٍ وَبَوَارٍ. مُوهِنٌ - مُضْعِفٌ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و"ذلكم" إشارة إلى أن الأمر كان كذلك، وسبحانه وتعالى هنا يخبرنا أنه موهن كيد الكافرين، أي يضعف هذا الكيد، ولسائل أن يقول: لماذا لا ينهاهم؟ ولماذا يضعف الكفر فقط؟ ونقول: إن إضعاف الكفر يُهَيّج على الإيمان ويحبب المؤمنين في الإيمان حين يرون آثار الكفر التي تفسد في الأرض وهي تضعف، ولأن الحمية الإيمانية تزيد حين يهاج الإسلام من خصومه. إذن فبقاء الكفر لون من استبقاء الإيمان. ويقول سبحانه بعد ذلك: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...}
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 304 : 10 : 29 - سفين في قول الله {مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} وموهن كيد الكافرين. [الآية 18].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):