٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل: المسألة الأولى: قال مجاهد: اختلفوا يوم بدر. فقال: هذا أنا قتلت. وقال الآخر أنا قتلت فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني أن هذه الكسرة الكبيرة لم تحصل منكم، وإنما حصلت بمعونة الله روي أنه لما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه قريش، قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك «حديث : اللهم إني أسألك ما وعدتني» تفسير : فنزل جبريل وقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان قال لعلي أعطني قبضة من التراب من حصباء الوادي، فرمى بها في وجوههم، وقال شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا. قال صاحب «الكشاف» والفاء في قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. ثم قال: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } يعني أن القبضة من الحصباء التي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة، لأن رميك لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر، ولكن الله رماها حيث نفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم، فصورة الرمية صدرت من الرسول عليه الصلاة والسلام وأثرها إنما صدر من الله، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات. المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة لله عالى، وجه الاستدلال أنه تعالى قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } ومن المعلوم أنهم جرحوا، فدل هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من الله. وأيضاً قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } أثبت كونه عليه السلام رامياً، ونفى عنه كونه رامياً، فوجب حمله على أنه رماه كسباً وما رماه خلقاً. فأن قيل: أما قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } فيه وجوه: الأول: أن قتل الكفار إنما تيسر بمعونة الله ونصره وتأييده، فصحت هذه الإضافة. الثاني: أن الجرح كان إليهم، وإخراج الروح كان إلى الله تعالى، والتقدير: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم. وأما قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذَا رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } قال القاضي فيه أشياء: منها أن الرمية الواحدة لا توجب وصول التراب إلى عيونهم، وكان إيصال أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلا بإيصال الله تعالى، ومنها أن التراب الذي رماه كان قليلاً، فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل، فدل هذا على أنه تعالى ضم إليها أشياء أخر من أجزاء التراب وأوصلها إلى عيونهم، ومنها أن عند رميته ألقى الله تعالى الرعب في قلوبهم، فكان المراد من قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } هو أنه تعالى رمى قلوبهم بذلك الرعب. والجواب: أن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر، والأصل في الكلام الحقيقة. فإن قالوا: الدلائل العقلية تمنع من القول بأن فعل العبد مخلوق لله تعالى. فنقول: هيهات فإن الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين النقلية قائمة على صحة قولنا، فلا يمكنكم أن تعدلوا عن الظاهر إلى المجاز. والله أعلم. المسألة الثالثة: قرىء {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } بتخفيف ولكن ورفع ما بعده. المسألة الرابعة: في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر. والمراد أنه عليه السلام أخذ قبضة من الحصباء، ورمى بها وجوه القوم وقال شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينيه ومنخريه منها شيء، فكانت تلك الرمية سبباً للهزيمة، وفيه نزلت هذه الآية. والثاني: أنها نزلت يوم خيبر روي أنه عليه السلام أخذ قوساً وهو على باب خيبر. فرمى سهماً. فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق، وهو على فرسه، فنزلت {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } والثالث: أنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف، وذلك أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم وقال يا محمد من يحيى هذا وهو رميم؟ فقال عليه السلام يحييه الله ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار فأسر يوم بدر، فلما افتدى. قال لرسول الله إن عندي فرساً أعتلفها كل يوم فرقاً من ذرة، كي أقتلك عليها. فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل أنا أقتلك إن شاء الله»تفسير : فلما كان يوم أحد أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه. فقال عليه السلام: «استأخروا» ورماه بحربة فكسر ضلعاً من أضلاعه، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. أما قوله تعالى: {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } فهذا معطوف على قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } والمراد من هذا البلاء الأنعام، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب، قال القاضي: ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء ههنا على النعمة، وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد، حتى يقال: إن الذي فعله تعالى يوم بدر، كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات. ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أي سميع لكلامكم عليم بأحوال قلوبكم، وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور، ويعلم أن الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} أي يوم بدر. روي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل: قتلت كذا، فعلت كذا؛ فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك. فنزلت الآية إعلاماً بأن الله تعالىٰ هو المميت والمقدّر لجميع الأشياء، وأن العبد إنما يشارك بتكسبه وقصده. وهذه الآية تردّ على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم. فقيل: المعنىٰ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم. وقيل: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} مِثله، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}. واختلف العلماء في هذا الرمي على أربعة أقوال: الأوّل: إن هذا الرمي إنما كان في حَصْب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؛ رواه ابن وهب عن مالك. قال مالك: ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك. وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضاً. الثاني: أن هذا كان يوم أُحد حين رمىٰ أبي بن خلف بالحربة في عنقه؛ فَكرَّ أبيّ منهزماً. فقال له المشركون: والله ما بك من بأس. فقال: والله لو بصق عليّ لقتلني. أليس قد قال: بل أنا أقتله. وكان قد أوعد أبيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل بمكة؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : بل أنا أقتلك» تفسير : فمات عدوّ الله من ضربة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرجعه إلى مكة، بموضع يقال له «سَرِف». قال موسىٰ بن عقبة عن ابن شهاب: لما كان يوم أُحُد أقبل أبَيّ مقنعاً في الحديد على فرسه يقول: لا نجوتُ إن نجا محمد؛ فحمل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد قتله. قال موسىٰ بن عقبة قال سعيد بن المسيب: فٱعترض له رجال من المؤمنين، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلّوْا طريقه؛ فاستقبله مصعب بن عمير يَقِي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ فقُتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم تَرْقُوة أبَيّ بن خلف من فُرجة بين سابغة البَيْضة والدّرع؛ فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه، ولم يخرج من طعنته دم. قال سعيد: فكسر ضلعاً من أضلاعه؛ فقال: ففي ذلك نزل {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} وهذا ضعيف؛ لأن الآية نزلت عقيب بدر. الثالث: أن المراد السّهم الذي رمىٰ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حِصن خَيْبر، فسار في الهواء حتى أصاب ٱبن أبي الحُقَيق وهو على فراشه. وهذا أيضاً فاسد وَخَيْبَرُ وفتحُها أبعد من أُحُد بكثير. والصحيح في صورة قتل ابن أبي الحُقَيق غير هذا. الرابع: أنها كانت يوم بدر؛ قاله ابن إسحاق. وهو أصح؛ لأن السورة بدرية، وذلك أن جبريل عليه السلام قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «خذ قبضة من التراب» فأخذ قبضة من التراب فرمىٰ بها وجوههم فما من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة؛ وقاله ابن عباس، وسيأتي. قال ثعلب: المعنىٰ «وَمَا رَميْتَ» الفزع والرعب في قلوبهم «إذْ رَمَيْتَ» بالحصباء فانهزموا «وَلِكنَّ اللَّهَ رَمَىٰ» أي أعانك وأظفرك. والعرب تقول: رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك. حكىٰ هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد: وما رميت بقوتك إذ رميت، ولكنك بقوة الله رميت. {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} البلاء هٰا هنا النعمة. واللام تتعلق بمحذوف؛ أي وليبلي المؤمنين فعل ذلك. {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} قراءة أهل الحرمين وأبي عمرو. وقراءة أهل الكوفة {مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ}. وفي التشديد معنىٰ المبالغة. وروي عن الحسن «مُوهِنُ كَيْدِ الكَافِرِينَ» بالإضافة والتخفيف. والمعنىٰ: أن الله عز وجل يلقي في قلوبهم الرعب حتى يتشتتوا ويتفرّق جمعهم فيضعفوا. والكيد: المكر. وقد تقدّم.
ابن كثير
تفسير : يبين تعالى أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه، ولهذا قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم، مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم عليهم؛ كما قال: {أية : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ} تفسير : [آل عمران: 123] الآية، وقال تعالى: {أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25] يعلم تبارك وتعالى أن النصر ليس على كثرة العدد، ولا بلبس اللأمة والعدد، وإنما النصر من عنده تعالى؛ كما قال تعالى: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ} تفسير : [البقرة: 249]. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أيضاً في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر، حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستكانته، فرماهم بها وقال: «حديث : شاهت الوجوه» تفسير : ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها، ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين، فلم يبق أحد منهم إلا ناله منها ما شغله عن حاله، ولهذا قال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم، وكبتهم بها، لا أنت. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه، يعني: يوم بدر، فقال: «حديث : يا رب إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبداً»تفسير : فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب، فارم بها في وجوههم، فأخذ قبضة من التراب، فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فولوا مدبرين، وقال السدي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه يوم بدر: «حديث : أعطني حصباً من الأرض» تفسير : فناوله حصباً عليه تراب، فرمى به في وجوه القوم، فلم يبق مشرك إلا دخل عينيه من ذلك التراب شيء، ثم ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، وأنزل الله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} وقال أبو معشر المدني عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه القوم، وقال: «حديث : شاهت الوجوه» تفسير : فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم ويأسرونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات، فرمى بحصاة ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: «حديث : شاهت الوجوه»تفسير : ، فانهزموا، وقد روي في هذه القصة عن عروة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة: أنه أنزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وإن كان قد فعل ذلك يوم حنين أيضاً، وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا يعقوب بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن عمران، حدثنا موسى بن يعقوب بن عبد الله بن زمعة عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر، سمعنا صوتاً وقع من السماء كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية، فانهزمنا، غريب من هذا الوجه، وههنا قولان آخران غريبان جداً (أحدهما): قال ابن جرير: حدثني محمد بن عوف الطائي، حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان بن عمرو، حدثنا عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ابن أبي الحقيق بخيبر دعا بقوس، فأتي بقوس طويلة، وقال: «حديث : جيئوني بقوس غيرها» تفسير : فجاؤوه بقوس كبداء، فرمى النبي صلى الله عليه وسلم الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق وهو في فراشه، فأنزل الله عز وجل: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} وهذا غريب، وإسناده جيد إلى عبد الرحمن بن جبير بن نفير، ولعله اشتبه عليه، أو أنه أراد أن الآية تعم هذا كله، وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم. (والثاني): روى ابن جرير أيضاً، والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب والزهري: أنهما قالا: أنزلت في رمية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة، وهو في لأمته، فخدشه في ترقوته، فجعل يتدأدأ عن فرسه مراراً، حتى كانت وفاته بعد أيام قاسى فيها العذاب الأليم موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة، وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضاً جداً، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها، لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير في قوله: {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَۤءً حَسَنًا} أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم؛ من إظهارهم على عدوهم، مع كثرة عدوهم وقلة عددهم؛ ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته. وهكذا فسره ابن جرير أيضاً، وفي الحديث: «حديث : وكل بلاء حسن أبلانا» تفسير : وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع الدعاء، عليم بمن يستحق النصر والغلب، وقوله: { ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر أنه أعلمهم تعالى بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم وكل ما لهم في تبار ودمار، ولله الحمد والمنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } ببدر بقوّتكم {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } بنصره إياكم {وَمَا رَمَيْتَ } يا محمد أعين القوم {إِذْ رَمَيْتَ } بالحصى لأنّ كفاً من الحصى لا يملأ عيون الجيش الكثير برمية بشر {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } بإيصال ذلك إليهم، فعل ذلك ليقهر الكافرين {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلآءً } عطاء {حَسَنًا } هو الغنيمة {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لأقوالهم {عَلِيمٌ } بأحوالهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: ولكن الله قتلهم بسوقهم إليكم حتى أمكنكم منهم. والثاني: ولكن الله قتلهم بمعونته لكم حين ألقى في قلوبهم الرعب وفي قلوبكم النصر. وفيه وجه ثالث قاله ابن بحر: ولكن الله قتلهم بالملائكة الذين أمدكم بهم. وقيل لم تقتلوهم بقوتكم وسلاحكم ولكن الله قتلهم بخذلانهم وقبض أرماحهم. {وَمَا رَمَيْتَ إذَ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فيه أربعة أقاويل: أحدها: ما حكاه ابن عباس، وعرة، والسدي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قبض يوم بدر قبضة من تراب رماهم بها وقال: "حديث : شَاهَتِ الْوُجُوهُ"تفسير : أي قبحت ومنه قول الحطيئة: شعر : أرى لي وجهاً شوه الله خلقه.. فقُبح من وجهٍ وقبح حامله. تفسير : فألقى الله تعالى القبضة في أبصارهم حتى شغلتهم بأنفسهم وأظفر الله المسلمين بهم، فهو معنى قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إذَ رَمَيْتَ وَلَكِنَ اللَّهَ رَمَى}. الثاني: معناه وما ظفرت إذ رميت ولكن الله أظفرك، قاله أبو عبيدة. الثالث: وما رميت قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ولكن الله ملأ قلوبهم رعباً. والقول الرابع: أنه أرد رمى أصحابه بالسهم فأصاب رميهم. وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} يعني بما أرسله من الريح المعينة لسهامهم حتى سددت وأصابت. والمراد بالرمي الإصابة لأن معى الرمي محمول على الإصابة، فإن لم يصب قيل رمى فأخطأ. وإذا قيل مطلقاً: قد رمى، لم يعقل منه إلا الإصابة. ألا ترى إلى قول امرىء القيس: شعر : فرماها في فرائصها. تفسير : فاستغنى بذكر الرمي عن وصفه بالإصابة. وقال ذو الرمة في الرأي: شعر : رمى فأخطأ والأقدار غالبةٌ.. فانصاع والويل هجيراه والحربُ تفسير : قوله عز وجل: {وَليُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً} قال أصحاب الخواطر: البلاء الحسن ما يورثك الرضا به والصبر عليه. وقال المفسرون: البلاء الحسن ها هنا النعمة بالظفر والغنيمة.
ابن عطية
تفسير : هذه مخاطبة للمؤمنين أعلم الله بها أن القتلة من المؤمنين ليس هم مستبدين بالقتل، لأن القتل بالإقدار عليه، والخلق والاختراع في جميع حالات القاتل إنما هي لله تعالى ليس للقاتل فيها شيء، وإنما يشاركه بتكسبه وقصده، وهذه الألفاظ ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم، وسبب هذه الآية فيما روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم مما فعل، فقال قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية، وقوله {وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى} يراد به ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله يومئذ، وذلك أنه أخذ قبضات من حصى وتراب، فرمى بها في وجوه القوم وتلقاهم ثلاث مرات فانهزموا عند آخر رمية، ويروى أنه قال يوم بدر: شاهت الوجوه، وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم حنين بلا خلاف، وروي أن التراب الذي رمى به لم يبق كافر إلا دخل في عينيه منه شيء، وروي أنه رمى بثلاثة أحجار فكانت الهزيمة مع الحجر الثالث. قال القاضي أبو محمد: فيحتمل قوله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ما قلناه في قوله {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} وذلك منصوص في الطبري وغيره، وهو خارج في كلام العرب على معنى وما رميت الرمي الكافي إذ رميت، ونحوه قول العباس بن مرداس: [المتقارب] شعر : فلم أعط شيئاً ولم أمنعِ تفسير : أي لن أعط شيئاً مرضياً ويحتمل أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن الله رماه وهذا أيضاً منصوص في المهدوي وغيره، ويحتمل أن يريد وما أغنيت إذ رميت حصياتك ولكن الله رمى أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء: رمى الله لك، أي أعانك وصنع لك. وحكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز وقرأت فرقة "ولكنّ الله رمى" بتشديد النون، وفرقة "ولكنْ اللهُ" بتخفيفها ورفع الهاء من "الله" {وليبلي} أي ليصيبهم ببلاء حسن، فظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة والظفر والعزة، وقيل أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلاً، منهم عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ومهجع مولى عمر، ومعاذ وعمرو ابنا عفراء، وغيرهم، {إن الله سميع} لاستغاثتكم، {عليم} بوجه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو، وحكى الطبري: أن المراد بقوله {وما رميت إذ رميت} رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة على أبيّ بن خلف يوم أحد. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآية نزلت عقب بدر، وعلى هذا القول تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها وذلك بعيد، وحكي أيضاً أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر فصار في الهويّ حتى أصاب ابن أبي الحقيق فقتله وهو على فراشه، وهذا فاسد، وخيبر فتحها أبعد من أحد بكثير، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا، فهذان القولان ضعيفان لما ذكرناه، وقوله {ذلكم} إشارة إلى ما تقدم من قتل الله ورميه إياهم، وموضع {ذلكم} من الإعراب رفع، قال سيبويه: التقدير الأمر ذلكم، وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير فعل ذلكم {وأن} معطوف على {ذلكم} ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مقدر تقديره وحتم وسابق وثابت ونحو هذا، وقرأت فرقة "وإن" بكسر الهمزة على القطع والاستئناف، و {موهن} معناه مضعف مبطل، يقال وهن الشيء مثل وعد يعد، ويقال وهن مثل ولي يلي، وقرىء {أية : فما وهنوا لما أصابهم} تفسير : [آل عمران:146] بكسر الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم "موهن كيد" من أوهن، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو "موهن كيد" من وهن، وقرأ حفص عن عاصم "موهن كيدِ" بكسر الدال والإضافة، وذكر الزجّاج أن فيها أربعة أوجه فذكر هذه القراءات الثلاث، وزاد "موهّن كيد" بتشديد الهاء والإضافة إلا أنه لم ينص أنها قراءة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَمَا رَمَيْتَ} أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب يوم بدر فرماهم بها، وقال شاهت الوجوه، فألقى الله ـ تعالى ـ القبضة في أبصارهم فشغلوا بأنفسهم وأظهر الله ـ تعالى ـ المسلمين عليهم فذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَمَا رَمَيْتَ}، أو ما ظفرت إذ رميت ولكن الله ـ تعالى ـ أظفرت إذ رميت ولكن الله ـ تعالى ـ أضفرك، أو {وَمَا رَمَيْتَ} قلوبهم بالرعب إذ رميت وجوههم بالتراب ولكن الله ـ تعالى ـ ملأ قلوبهم رعباً، أو وما رمى أصحابك السهام ولكن الله رمى بإعانة الريح لسهامهم حتى تسددت وأصابت أضاف رميهم إليه لأنهم رموا عنه. {بَلآءً حَسَناً} الإنعام بالظفر والغنيمة.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} قال مجاهد: سبب نزول هذه الآية أنهم لما انصرفوا عن قتال أهل بدر كان الرجل يقول: أنا قتلت فلاناً، ويقول الآخر: أنا قتلت فلاناً فنزلت هذه الآية والمعنى فلم تقتلوهم بقوتكم ولكن الله قتلهم يعني بنصره إياكم وتقويتكم عليهم وقيل: معناه ولكن الله قتلهم بإمداده إياكم بالملائكة. قال الزمخشري: الفاء في قوله فلم تقتلوهم جواب شرط محذوف تقديره وإن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال أهل التفسير والمغازى حديث : لما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، انطلقوا حتى نزلوا بدراً ووردت عليهم روايا قريش وفيهم أسلم غلام أسود لبني الحجاج وأبو يسار غلام لبني العاص بن سعد فأخذوهما وأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين قريش؟ قالا: هم وراء الكثيب الذي ترى بالعدوة القصوى والكثيب العقنقل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم القوم؟ قالا: كثير. قال: ما عددهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوماً عشرة ويوماً تسعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم ما بين التسعمائة إلى ألف. ثم قال لهما: من فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن حزام والحارث بن عامر وطعمة بن عدي والنضر بن الحارث وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها. فلما أقبلت قريش ورآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيب الرمل جاء إلى الوادي. فقال: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادَّك وتكذب رسولك اللهم فنصرك الذي وعدتني" فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم كفاً من الحصباء عليه تراب فرمى به وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه"تفسير : يعني قبحت الوجوه فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينه وفمه ومنخريه من ذلك التراب شيء فانهزموا وتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم حديث : وقال قتادة وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاثة حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم وبحصاة بين أظهرهم وقال: "شاهت الوجوه"تفسير : فانهزموا فذلك قوله عز وجل: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} إذ ليس في وسع أحد من البشر أن يرمي كفاً من الحصى في وجوه جيش فلا تبقى عين إلا وقد دخل فيها من ذلك شيء فصورة الرمي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأثيرها صدر من الله عز وجل فلهذا المعنى صح النفي والإثبات، وقيل. في معنى الآية: وما بلغت إذ رميت ولكن الله بلغ رميك، وقيل: ما رميت بالرعب في قلوبهم إذ رميت بحصياتك ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم حتى انهزموا {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً} يعني ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والثواب فقد أجمع المفسرون على أن البلاء هنا بمعنى النعمة {إن الله سميع} يعني لدعائكم {عليم} يعني بأحوالكم.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } هذه الآية تَرِدُ على من يزعم أن أَفْعَالَ العباد خَلْقٌ لهم، ومذهب أهل السنة أنها خلق للرب سبحانه كسْبٌ للعبد؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يومئذٍ ثلاث قَبَضَاتٍ من حَصًى وتُرَابٍ، فرمى بها في وجوه القوم، فانهزموا عند آخر رمْيَةِ، ويروى أنه قال يوم بدر: « شَاهَتِ الوُجُوهُ » وهذه الفعلة أيضاً كانت يوم «حُنَيْن» بلا خلاف. و{لِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: ليصيبهم ببلاء حَسَنٍ، وظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه أراد الغنيمة، والظفر، والغزة. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لاستغاثتكم، {عَلِيمٌ } بوجوه الحكمة في جميع أفعاله لا إلٰه إلا هو. وقوله سبحانه: {ذَٰلِكُمْ } إشارة إلى ما تقدم من قَتْلِ اللَّه لهم، ورميه إياهم، وموضع {ذَٰلِكُمْ } من الإعراب رفع. قال سيبويه: التقدير: الأمر ذلكم، و{مُوهِنُ } معناه مضعف مبطل. وقوله سبحانه: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ ٱلْفَتْحُ...} الآية:، قال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة لكفار «مكة»؛ روي أن قريشاً لما عَزَمُوا على الخروج إلى حِمَايَةِ العِيرِ، تعلقوا بأستار الكعبة، واستفتحوا، وروي أن أبا جَهْلٍ قال صبيحة يوم بدر: اللهم ٱنْصُرْ أَحَبَّ الفئتين إليك، وأظهر خَيْرَ الدِّينَيْنِ عندك، اللهم أَقْطَعُنَا للرحم فَأَحْنِهِ الغَدَاةَ، ونحو هذا فقال اللَّه لهم: إن تطلبوا الفَتْحَ فقد جاءكم، أي: كما ترونه عليكم لاَ لَكُمْ، وفي هذا توبيخ لهم، وإن تنتهوا عن كفركم وغيكم فهو خَيْرٌ لكم، وإن تعودوا للاستفتاح نَعُدْ بمثل وَقْعَةِ بدر، وباقي الآية بَيِّنٌ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} في هذه "الفاء" وجهان: أحدهما - وبه قال الزمخشري -: أنَّهَا جوابُ شرطٍ مقدر، أي: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم. قال أبو حيان: "وليست جواباً، بل لِربْطِ الكلامِ بعضه ببعضٍ". قوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} قرأ الأخوان، وابن عامر: {ولـكنِ اللَّهُ قتلَهُمْ}، {ولَـكن اللَّهُ رَمَى} بتخفيف "لكن" ورفع الجلالة، والباقون بالتَّشديد ونصب الجلالةِ، وقد تقدَّم توجيه القراءتين في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيْاطِينَ} [البقرة: 102] وجاءت "لكن" هنا أحسن مجيءٍ لوقوعها بين نفي وإثبات. قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} نفى عنه الرمي، وأثبته له، وذلك باعتبارين، أي: ما رَمَيْتَ على الحقيقة إذ رَمَيْتَ في ظاهرِ الحال، أوْ مَا رَميْتَ الرُّعْبَ في قلوبهم إذْ رَمَيْتَ الحَصَيَات والتراب. وقوله: "ومَا رَمَيْتَ" هذه الجملة عطفٌ على قوله: "فَلَمْ تَقْتلُوهُمْ"؛ لأنَّ المضارع المنفي بـ "لَمْ" في قوة الماضي المنفي بـ "مَا" فإنَّك إذا قلت: "لَمْ يَقُمْ" كان معناه: ما قَامَ ولم يقل هنا: فَلَمْ تقتلوهم إذ قتلموهم، كما قال: "إذْ رَمَيْتَ" مبالغةً في الجملة الثانية. فصل قال مجاهد: "سبب نزول هذه الآية أنَّهم لمَّا انصرفُوا من القتالِ كان الرَّجُلُ يقولُ: أنا قتلتُ فلاناً، ويقول الآخر مثله فنزلت الآية" ومعناها: فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم ولكنَّ الله قتلهم بنصره إياكم وتقويته لكم. وقيل: ولكن الله قتلهم بإمدادِ الملائكة. وقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} في سبب نزولها ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسِّرين حديث : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب النَّاس، فانطلقُوا حتَّى نزلوا بدراً، ووردت عليهم روايا قريش، وفيهم أسلم غلام أسود لبني الحجاج، وأبو يسار غلام لبني العاص بن سعد، فأتوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أين قريش؟ قالا: هم وراء الكَثيبِ الذي ترى بالعدوة القصوى، والكثيب: العقنقل. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لهما: كم القومُ؟ قالا: كثيرٌ. قال: ما عددهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ينحرون كلَّ يوم؟ قالا: يوماً عشرة، ويوماً تسعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة إلى الألف، ثم قال: فَمَنْ فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبةُ بن ربيعة، وشيبةُ بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكم بن حزام، والحارثُ بن عامر، وطعمة بن عديّ، والنضر بن الحارث، وأبُو جهل بن هشام، وأميةُ بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسُهَيل بن عمرو. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هَذِه مَكَّةُ قَدْ ألْقَتْ إلَيْكُمْ أفْلاذَ كَبدِهَا" فلما أقبلت قريش، ورآها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تصوب من العقنقل، وهو الكثيبُ الذي جاءوا منه إلى الوادي. فقال: "اللَّهم هذه قريشُ قَدْ بخُيلائِهَا وفَخْرِهَا تُحادكَ، وتُكذب رسُولكَ، اللَّهُمَّ فَنصرُكَ الَّذِي وَعَدْتَنِي"، فأتاه جبريل، فقال: خُذْ قبضةً من تراب، فارمهم بها، فلمَّا التقى الجمعان، تناول رسولُ الله كفاً من الحصى عليه تراب، فرمَى به وجوه القوم وقال: شاهتِ الوجوه، فلم يق مشرك إلاَّ ودخل في عينه وفمه ومنخريه منها. فانهزمُوا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم . تفسير : وقال قتادةُ وابن زيد: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدرٍ ثلاث حصيات فرمَى بحصاة في ميمنة القوم، وبحصاة في ميسرة القوم، وبحصاة بين أظهرهم، وقال: شاهت الوجوه فانهزموا فذلك قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17]. إذْ ليس في وُسْع أحد من البشر أن يَرْمي كَفًّا من الحصى إلى وجوه جيش، فلا تبقى فيهم عينٌ إلاَّ ويُصِيبُهَا منه شيء. وقيل: المعنى: وما بلغت إذ رميت ولكن اللَّه بلغ، وقيل: وما رميتَ بالرُّعْبَ في قلوبهم إذ رميت بالحصاء ولكن اللَّه رمى بالرُّعب في قلوبهم حتى انهزموا. القول الثاني: أنَّهَا نزلت يوم خيبر. روي أنّه عليه الصَّلاة والسَّلام أخَذَ قوساً وهو على باب خيبر، فرمى سهماً، فأقبل السّهمُ حتّى قتل ابن أبي الحقيق وهو على فراشه، فنزلت الآية. القول الثالث: أنَّهَا نزلت في يوم أحد، حديث : وذلك أن أمية بن خلف أتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعظم رميمٍ وقَتَّةٍ، وقال: يا محمَّدُ، من يُحْيي هذا وهو رميمٌ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "يُحييه اللَّهُ يُميتُكَ ثم يُحْييك ثم يدخلك النَّار" فأسر يوم بدر، فلما افتدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ عندي فرساً أعلفها كلَّ يوم فرقاً من ذرة كي أقتلك عليها. فقال عليه السَّلامُ: "بَلْ أنا أقْتُلكَ إنْ شاءَ اللَّهُ" فلمَّا كان يوم أحد أقبل أبَيّ يركض على ذلك الفرس حتى دنا من رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسْتَأخِرُوا" ورماه بحربة فكسر ضِلعاً من أضلاعه، فحمل فمات ببعض الطريق تفسير : ففي ذلك اليوم نزلت الآية. والصَّحيحُ أنَّها نزلت في يوم بدر وإلاَّ لدخل في أثناء القصَّة كلام أجنبي عنها، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع؛ لأنَّ العبرة بعموم اللَّفْظِ لا بخصوص السَّببِ. فصل ومعنى الآية: أنَّ القبضةَ من الحصباءِ الَّتي رميتها، فأنت ما رميتها في الحقيقة؛ لأنَّ رمْيَكَ لا يبلغ أثره إلا ما يبلغه رمي سائر البشر، ولكن اللَّه رماها حيثُ أنفذ أجزاء ذلك التراب وأوصلها إلى عيونهم، فصورة الرمية صدرت من الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأثرها إنَّما صدر من الله تعالى، فلهذا المعنى صح فيه النفي والإثبات. واحتج أهل السُّنَّةِ بهذه الآية على أن أفعال العباد مخلوقة للَّه تعالى؛ لأنَّ الله تعالى قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17]. ومن المعلوم أنهم جرحوا، فدلَّ هذا على أن حدوث تلك الأفعال إنما حصل من اللَّه تعالى. وقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أثبت كونه عليه الصَّلاة والسَّلام رامياً ونفى عنه كونه رامياً، فوجب حمله على أنه رماه كسباً وأنه ما رماه خلقاً. فإن قيل: أما قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} فيه وجوه: أحدها: أنَّ قتل الكُفَّارِ إنما تيسَّر بمعونة الله ونصره وتأييده، فصحت هذه الإضافة. وثانيها: أن الجرح كان إليهم وإخراج الروح كان إلى الله، والتقدير: فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم. وأما قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}. قال القاضي: قيل: فيه أشياء: منها أنَّ الرمية الواحدة لا توجب وصول التُّراب إلى عيونهم، فكان وصول أجزاء التراب إلى عيونهم ليس إلاَّ بإيصالِ اللَّهِ تعالى، ومنها: أنَّ التُرابَ الذي رماه كان قليلاً فيمتنع وصول ذلك القدر إلى عيون الكل، فدل على أنَّ الله تعالى ضمَّ إليها سائر أجزاء التُّرابِ، فأوصلها إلى عيونهم. ومنها: أنَّ عند رميه ألقى الله الرُّعْبَ في قلوبهم، فكان المُرَادُ من قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} هو أنه تعالى رمى قلوبهم بالرُّعْب. فالجوابُ: أنَّ كلَّ ما ذكروه عدولٌ عن الظَّاهرِ، والأصلُ في الكلامِ الحقيقةُ. قوله: {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: وليبلي فعل ذلك، أو يكون معطوفاً على علةٍ محذوفة، أي: ولكن اللَّه رمى ليمحق الكفار، وليُبْلي المؤمنين، والبلاء في الخير والشَّر، قال زهير: [الوافر] شعر : 2689 -........................ وإبْلاهُمَا خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو تفسير : والهاءُ في "مِنْهُ" تعود على الظفر بالمشركين. وقيل: على الرمي قالهما مكيٌّ، والظَّاهر أنها تعود على اللَّهِ تعالى. وقوله: "بَلاَءً" يجوزُ أن يكون اسم مصدر، أي: إبلاء، ويجوزُ أن يكون أريد بالبلاء نفس الشيء المبلو به، والمرادُ من هذا البلاء الإنعام أي: ولينعم على المؤمنين نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر. قال القاضي: ولولا أنَّ المفسرين اتفقوا على حمل البلاءِ هنا على النعمة، وإلاَّ لكان يحتمل المِحْنَة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ثمَّ قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} لدعائكم "عَلِيمٌ" بنيّاتكم. قوله: "ذَلِكُمْ" يجوز فيه الرفعُ على الابتداء أي: ذلكم الأمر، والخبر محذوف قاله الحوفيُّ، والأحسنُ أن يقدَّر الخبر ذلكم البلاء حق وحتمٌ. وقيل: هو خبر مبتدأ، أي: الأمر ذلكم، وهو تقدير سيبويه. وقيل: محلُّه نصب بإضمار فعلٍ أي: فعل ذلكم، والإشارةُ بـ "ذَلِكُمْ" إلى القتل والرمي والإبلاء. قوله: "وأنَّ اللَّه" يجوزُ أن يكون معطوفاً على: "ذَلِكُمْ" فيحكم على محلِّه بما يحكمُ على محلِّ: "ذَلِكُمْ"، وأن يكون في محلِّ نصبٍ بفعل مقدَّر أي: واعلموا أنَّ الله، وقد تقدم ما في ذلك. وقال الزمخشريُّ: "إنَّه معطوف على: "وليُبْلي" والمعنى: أنَّ الغرضَ إبلاءُ المؤمنين، وتوهينُ كيد الكافرين". وقرأ ابنُ عامر والكوفيون: "مُوهِن" بسكون الواوِ وتخفيف الهاءِ، من "أوهَن" كـ: أكْرَم، ونوَّن "موهن" غير حفص، وقرأ الباقون: "مُوهِّن" بفتح الواو، وتشديد الهاءِ، والتنوين، فـ "كَيْد" منصوبٌ على المفعول به في قراءة غير حفص، ومخفوضٌ في قراءة حفص، وأصله النَّصْبُ وقراءة الكوفيين جاءت على الأكثر؛ لأن ما عينه حرف حلقٍ غير الهمزة تعديته بالهمزة ولا يُعَدَّى بالتَّضعيف إلاَّ كلمٌ محفوظ نحو: وهَّنْتُه وضعَّفْتُه. فصل توهينُ الله كيدهم يكون بأشياء: بإطلاع المؤمنين على عوراتهم. وإلقاء الرعب في قلوبهم وتفريق كلمتهم. ونقض ما أبرموا بسبب اختلاف عزائمهم. قال ابن عبَّاسٍ: ينبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: حديث : إنّي قد أوْهَنْتُ كَيْدَ عدوك حتى قتلت خيارهم وأسرت أشرافهم .
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {فلم تقتلوهم} قال: لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال هذا قتلت وهذا قتلت {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال: محمد صلى الله عليه وسلم حين حصب الكفار. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وما رميت إذ رميت} قال: رماهم يوم بدر بالحصباء. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال: ما وقع شيء من الحصباء إلا في عين رجل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال: هذا يوم بدر، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث حصيات فرمى بحصاة بين أظهرهم، فقال: شاهت الوجوه فانهزموا. وأخرج ابن عساكر عن محكول رضي الله عنه قال: لما كرَّ علي وحمزة على شيبة بن ربيعة، غضب المشركون وقالوا: اثنان بواحد؟! فاشتغل القتال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم إنك أمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا خلف لوعدك، وأخذ قبضة من حصى فرمى بها في وجوههم فانهزموا بإذن الله تعالى، فذلك قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال "حديث : لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال: شاهت الوجوه. فانهزمنا، فذلك قول الله تعالى {وما رميت إذ رميت} الآية ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن جابر رضي الله عنه قال: حديث : سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين فانهزموا، فذلك قوله {وما رميت إذ رميت} قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه "ناولني قبضة من حصباء. فناوله فرمى بها في وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت هذه الآية {وما رميت إذ رميت} الآية" . تفسير : وأخرج ابن جرير عن محمد بن قيس ومحمد بن كعب القرظي رضي الله عنهما قالا:حديث : لما دنا القوم بعضهم من بعض، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه. فدخلت في أعينهم كلهم، وأقبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلونهم، وكانت هزيمتهم في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} إلى قوله {سميع عليم}" . تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال:حديث : لما كان يوم أحد أخذ أبي بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترض رجال من المسلمين لأبي بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "استأخروا فاستأخروا، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده، فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً فاحتملوه حين ولوا قافلين، فطفقوا يقولون: لا بأس، فقال أبي حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق فدفنوه، قال ابن المسيب رضي الله عنه: وفي ذلك أنزل الله تعالى {وما رميت إذ رميت...} الآية . تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والزهري رضي الله عنهما قالا: أنزلت في رمية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد أبي بن خلف بالحربة وهو في لامته، فخدشه في ترقوته فجعل يتدأدأ عن فرسه مراراً حتى كانت وفاته بها بعد أيام، قاسى فيها العذاب الأليم موصولاً بعذاب البرزخ المتصل بعذاب الآخرة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الزهري رضي الله عنه في قوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} قال: حيث رمى أبي بن خلف يوم أحد بحربته فقيل له: إن يك الأجحش. قال: أليس قال: أنا أقتلك؟ والله لو قالها لجميع الخلق لماتوا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير رضي الله عنه "حديث : أن رسول الله - يوم ابن أبي الحقيق - دعا بقوس: فأتى بقوس طويلة فقال: جيئوني بقوس غيرها. فجاءوه بقوس كيداء، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصن، فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} ". تفسير : وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه في قوله {ولكن الله رمى} أي لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله تعالى من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حتى هزمتهم {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً} أي يعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم عدوّهم مع كثرة عدوّهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} رجوعٌ إلى بقية أحكامِ الوقعةِ وأحوالِها وتقريرُ ما سبق منها والفاءُ جوابُ شرطٍ مقدر يستدعيه ما مر من ذكر إمدادِه تعالى وأمرِه بالتثبـيت وغيرِ ذلك، كأنه قيل: إذا كان الأمرُ كذلك فلم تقتُلوهم أنتم بقوتكم وقدرتِكم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} بنصركم وتسليطِكم عليهم وإلقاءِ الرعب في قلوبهم ويجوز أن يكون التقدير: إذا علمتم ذلك فلم تقتُلوهم أي فاعلَموا، أو فأُخبركم أنكم لم تقتُلوهم، وقيل: التقديرُ إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتُلوهم على أحد التأويلين، لما (رُوي أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبـين غانمين أقبلوا يتفاخرون يقولون: قتلتُ وأسرتُ وفعلتُ وتركتُ فنزلت)، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين طلعت قريشٌ من العقنقل قال: «حديث : هذه قريشٌ جاءت بخُيلائها وفخرِها يكذّبون رسولَك، اللهم إني أسألك ما وعدتني» تفسير : فأتاه جبريلُ عليه السلام فقال: خُذْ قبضةً من تراب فارمِهم بها فلما التقى الجمعانِ قال لعلي رضي الله تعالى عنه: «حديث : أعطني قبضةً من حصباءِ الوادي»تفسير : فرمى بها في وجوههم وقال: «حديث : شاهت الوجوهُ فلم يبْقَ مُشركٌ إلا شُغل بعينيه»تفسير : فانهزموا) وذلك قوله عز وجل بطريق تلوينِ الخطاب: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تحقيقاً لكون الرمي الظاهرِ على يده عليه الصلاة والسلام حينئذٍ من أفعاله عز وجل، وتجريدُ الفعلِ عن المفعول به لما أن المقصودَ الأصليَّ بـيانُ حالِ الرمي نفياً وإثباتاً، إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغيّر المرميِّ به في نفسه وتكثّرِه إلى حيث أصاب عينَيْ كلِّ واحد من أولئك الأمةِ الجمّةِ شيءٌ من ذلك، أي وما فعلت أنت يا محمدُ تلك الرميةَ المستتبِعةَ لهذه الآثارِ العظيمةِ حقيقةً حين فعلتَها صورةً وإلا لكان أثرُها من جنس آثارِ الأفاعيلِ البشرية ولكن الله فعلَها أي خلقها حيث باشَرْتها لكن لا على نهج عادتِه تعالى في خلق أفعالِ العبادِ بل وجه غيرِ معتادٍ ولذلك أثرت هذا التأثيرَ الخارجَ عن طوق البشرِ ودائرةِ القُوى والقدر، فمدارُ إثباتِها لله تعالى ونفِيها عنه عليه الصلاة والسلام كونُ أثرِها من أفعالِه عليه الصلاة والسلام. وقرىء ولكنِ الله بالتخفيف والرفع في المحلين. واللام في قوله تعالى: {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ} أي ليعطيهم من عنده تعالى {بَلاء حَسَنًا} أي عطاءً جميلاً غيرَ مَشوبٍ بمقاساة الشدائدِ والمكاره، واللام إما متعلقةٌ بمحذوف متأخرٍ فالواوُ اعتراضيةٌ أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعَلَ ما فعل، لا لشيء غيرِ ذلك مما لا يُجديهم نفعاً، وإما برَمىٰ فالواوُ للعطف على علةٍ محذوفةٍ أي ولكن الله رمىٰ ليمحَق الكافرين وليُبلي الخ، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} أي لدعائهم واستغاثتهم {عَلِيمٌ} أي بنياتهم وأحوالِهم الداعيةِ إلى الإجابة، تعليلٌ للحكم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الآية: 17]. قال فارس: ما كنت راميًا إلا بنا، ولا مصيبًا إلا بمعونتنا وإمدادنا إياك بالقوة. قال بعضهم: أثبتهم فى القتل والرمى ومباشرتهما، ثم نفى عنهم ذلك كله لئلا يشهدوا من أنفسهم حالاً ولا سببًا ويشاهدوا الحق على جميع الأحوال بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} ورماهم، ومن رمى منكم فبإيانا رَمَى، ولو بإياكم رميتم لبلغ الرمى إلى مقدار ما يليق بكم. وقال بعضهم: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}، ولكن رميت بسهام الجمع فغيبك عنك، فرميت وكنا الرامين عنك، لأن المباشرة لك والحقيقة لنا إذ لم نفترق. وقال بعضهم قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أضاف الفعل إليه بقوله رميت وسلبه بقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} فكأنه يقول: فإن كنت الرامى به، فأنا قد توليت عليك فى رميك، لأنك ما رميته بإياك لإياك بل رميته بنا لنا، وكل من عمل بنا لنا فنحن متولو تقويمه فى وقت مباشرته، والقائمون بقبوله المثنون عليه بذلك. قوله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً}. سُئل الجنيد رحمة الله عليه عن هذه الآية فقال: البلاء الحسن أن يثبته عند الأمر ويحفظه عند النهى، وينفرد به عند مشاهدة العين. وقال رويم: البلاء الحسن أن تكون رؤية الحق أسبق إليه من نزول البلاء، فيمر به البلاء وهو لا يشعر لاستغراقه فى رؤية الحق. قال أبو عثمان: البلاء الحسن ما يورثك الصبر عليه والرضاء به. سمعت منصورًا يقول بإسناده عن جعفر بن محمد أنه قال: يفنيهم عن نفوسهم، فإذا أفناهم عن نفوسهم؛ كان هو عوضًا لهم عن نفوسهم.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ}. الذي نَفَى عنهم من القتل، هو إماتة الروح وإثبات الموت، وهو من خصائص قدرته - سبحانه، والذي يُوصَفُ به الخلق من القتل هو ما يفعلونه في أنفسهم، ويحصل ذهاب الروح عقيبه. وفائدة الآية قطع دعاواهم في قول كل واحد على جهة التفاخر قتلتُ فلاناً، فقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} أي لم تكن أفعالكم مما انفردتم بإيجادها بل المنشئ والمبدئ هو الله عزَّ وجل. وصَانَهم بهذه الآية وصان نَبِيَّه - عليه السلام - عن ملاحظة أفعالهم وأحوالهم. قوله جلّ ذكره: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}. أي ما رَمَيْتَ بنفسك ولكنك رميْت بنا، فكان منه (صلوات الله عليه) قبضُ التراب وإرساله من يده ولكن من حيث الكسب، وكَسْبَهُ مُوجَدٌ من الله بقدرته، وكان التبليغ والإصابة مِن قِبَل الله خَلْقاً وإبداعاً، وليس الذي أثبت ما نفي ولا نفي ما أثبت إلا هو، والفعلُ فِعْلُ واحدٍ ولكن التغاير في جهة الفعل لا في عينه. فقوله: {إِذْ رَمَيْتَ} فَرْقٌ، وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} جمع. والفرق صفة العبودية، والجمع نعت الربوبية، وكلُّ فرقٍ لم يكن مُضَمَّناً بجمعٍ وكلُّ جمع لم يكن - في صفة العبد - مُؤَيَّداً بفرق فصاحبُه غير سديد الوتيرة. وإن الحقَّ - سبحانه - يَكِلُ الأغيار إلى ظنونهم، فيتيهون في أودية الحسبان ويتوهمون أنهم منفردون بإجراءٍ ما منهم، وذلك منه مكرٌ بهم. قال الله تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104] وأما أرباب التوحيد فَيُشْهِدهم مطالِعَ التقدير، ويعرِّفهم جريان الحُكمْ، ويُريهم أَنْفُسَهم في أَسْرِ التصريف، وقهر الحكمْ. وأمَّا الخواص من الأولياء وأصحاب العرفان فيُجرِي عليهم ما يُجْرِي و (ما) لهم إحساس بذلك، مأخوذون يثبتهم بشواهد النظر والتقدير، ويتولَّى حفظهم عن مخالفة الشرع. قوله جلّ ذكره: {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً}. البلاء الاختبار، فيختبرهم مرة بالنعم ليظهر شكرهم أو كفرانهم، ويختبرهم أخرى بالمحن ليظهر صبرهم، أو ذِكْرَهم أو نسيانهم. "البلاء الحسن": توفيق الشكر في المِنْحة، وتحقيق الصبر في المحبة، وكل ما يفعله الحقُّ فهو حَسَنٌ من الحقِّ لأنَّ له أَنْ يفعلَه. وهذه حقيقة الحَسَن: وهو ما للفاعل أن يفعله. ويقال حَسُنَ البلاءُ لأنه منه و (...) البلاء لأنه فيه. ويقال البلاء الحسن أن تَشْهَدَ المُبْلِي في عين البلاء. ويقال البلاء الحسن ما لا دعوى لصاحبه إنْ كان نعمة، ولا شكوى إن كان محنة. ويقال البلاء الحسن ما ليس فيه ضجر إنْ كان عُسْراً، ولا بطر إن كان يسراً. ويقال بلاءُ كلِّ أحدٍ على حسبِ حاله ومقامه؛ فأصفاهم ولاءً، قال عليه السلام: "حديث : أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ". تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. تنفيسٌ لقوم وتهديدٌ لقوم؛ أصحابُ الرِّفق يقول لهم إن الله "سميعٌ" لأنينكم؛ فَيُرَوِّح عليهم بهذا، وَقْتَهم، ويحمل عنهم ولاءهم، وأنشدوا: شعر : إذا ما تمنَّى الناسُ روْحاً وراحةً تمنيتُ أَنْ أشكو إليك فتسمعا تفسير : وقالوا: شعر : قُلْ لي بألسنةَ التَّنفُّس كيف أنت وكيف حالك؟ تفسير : وأمَّا الأكابر فلا يُؤْذَنُ لهم في التَّنَفُّس، وتكون المطالبةُ متوجِّهةً عليهم بالصبر، والوقوف تحت جريان التقدير من غير إظهارٍ ولا شكوى، فيقول: لو ترشح منك ما كُلِّفْتَ بِشُرْبِه تَوَجَّهَتْ عليك الملامةُ، فإِن لم يكن منك بيانٌ فإِنِّي لقالتك، عليمٌ بحالتك. ويقال في قوله "عليم" تسلية لأرباب البلاء؛ لأنَّ من عَلِم أنَّ مقصودَه يعلم حالَه سَهُل عليه ما يقاسيه فيه، قال - سبحانه - لنبيَّه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}تفسير : [الحجر: 97].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} افهم ان فى هذه الاية للعارفين موضع الاتحاد ولهم فى الاتحاد مقامات اتحاد بالافعال واتحاد بالصفات واتحاد بالذات ههنا واشارة اتحاد الافعال واتحاد الصفات فاضافة فعل القوم الى نفسه بالقتل اتحاد يفعل وذلك مقام وتفرقة ولهم تفرقة فى الجمع اذا ذكر فلم تقتلوهم نفى فعل بعد اثباته لهم فاذا باشروا بالقتل كانوا فى محل تفرقة واذا اضاف القتل الى نفسه كانوا فى محل جمع فالتفرقة عالم الصورة ورسم الخليقة اذا كانوا فى الخليقة معارفين من مصلحة خاصية فعله حقا ومن حيث انهم قائمون فى جميع الذرات بفعله الخاص المتعلق بالقدرة كان عليهم عين الفعل خاصة انه تعالى من فعله الخاص لهم بنعت القهر للمقتولين فهم مع فعله عين اخذ فاذا كان كذلك والاضافة الى نفسه اضافة حقيقية اذ لا يبقى فى البين غير فعله من جميع الوجوه وهكذا احكام الخلق من العرش الى الثرى فى جميع الاوقات من جهة الفعلية والخلقية لكن اذا لم يكن وقت المباشرة تجلى الفعل الى الفعل لم لكن هناك خاصية اتحاد الافعال كانوا كسيف على يد ضارب بل السيف واليد واحد بالمراتب والترقى واذا كان المصدر مصدر واحد لم يكن في ===الى الثرى غير الله وللنبى صلى الله عليه وسلم ههنا خاصية اتحاد الصفة حيث انصف نصفته بنعت كشف تجلى صفته تعالى فى قلبه وروحه وغفله وسره وظاهره وباطنه وصورته فيصير === فى نور الصفة فعله اضاف الى صفته لا الى فعله لان القوم كانوا فى رؤية انوار اياته وكان عليه السلام فى رؤية انوار صفاته وخاصية اتحاد الذات بعدم مروره بالآيات وسباحته فى بحر الصفات وقع بعد مباشرة المقامين واتصافه بالصفتين صفة الفعل وصفة الخاص ادراكه جلال الذات وفناؤه فيه وبقاؤه به معه واستغراقه فى ازاله واباده وخروجه عن بحر الاولية والاخرية بنعت الصفة وسنا الذات حتى صار مرآة للذات والصفات والفعل فابرزه الله للعالمين لتعريف نفسه به اياهم كاخراجه خليفته ادم عليه السّلام بعرفان الملائكة وكان متصفا بالصفة متحدا بها والنّبى عليه السّلام كان متحدا بنور الذات بعد اتحاده بنور الذات والصفات بعد اتحاده بنور الصفات وكان فوق آدم باتحاد انوار الذات فلما كمل في اتحاده عرف الله مكانه === بخلقه بقوله من يطع الرسول فقد اطاع الله لم يبق فى تجلى فعلمه وصفته وذاته من وصف الحدوثية شيء لذلك قال عليه السّلام من رانى فقد راى الحق ومن عرفنى فقد عرف الحق كان تفرقة فى عين الفعل جمعا وجميعه فى الصفة جمع الجمع فى عين الذات وفى عين الذات من حيث الالوهية جمع بغير تفرقة ومن حيث الخليقة تفرقة فى جمع كرت نبذة من مقام الاتحاد والاتصاف بالجمع والتفرقة فى هذه الاية لا يعرف معناها الا صاحب وجاء العشق وبسط المحبة وروح الشوق وانس المشاهدة وانبساط المعرفة وفناء المعرفة والتوحيد والبقاء والاتصاف وادراك العلم لله فى المجهول عند علوم العلماء وفهوم القهماء وما ذكر المشائخ فى الاية قول فارس ما كنت راميا الا بنا ولا مصيبا الا بمعونتنا وامدادنا اياك بالقوة قال بعضهم ما رميت ولكن رميت بسهام الجمع فغيبك عنك فرميت وكنا رامين عنك لان المباشرة لك والحقيقة كنا اذ لم يفترق وقال الاستاذ اذ رميت فرق ولكن الله رمى جمع والفرق صفت العبود=ية والجمع نعت الربوبية ثم عرف موضع نعمته برميه بنفسه وصرف قهره عنهم بقوله {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} كما باشر بانوار صفته قلب نبيه عليه السّلام فى الرمى واسرارهم فى القتل باشرهم بها قلوبهم بحسن تجليها ليعرفوا بها نفسه واتجاه اياهم من مكره وقهره والبلاء الحسن وقوع محبته فى قلوب اوليائه وكشف جماله الاصفياء واستماع خطابه لنجبائه سئل الجنيد عن قوله وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا قال البلاء الحسن ان يثبته عند الامر ويحفظه عند الامر ينفرد وبه عند مشاهدة الغرقال رؤئم البلاء الحسن ان يكون روية الحق اسبق اليه من نزول البلاء فيمرّ به البلاء وهؤلاء يشعر باستغراقه فى رؤية الحق وقال ابو عثمان البلاء الحسن ما يورثك الصبر عليه والرضا به وقال على بن موسى الرضا عن ابيه عن جعفر بن محمد قال ان يفنيهم عن نفوسهم فاذا افناهم عن نفوسهم كان هو عرضاً لهم عن نفوسهم قال الاستاذ البلاء الحسن توفيق الشكر فى المنحة وتحقيق الصبر فى المحنة ويقال البلاء الحسن ان يشهد المبلى فى عين البلاء ثم روح قلوب المحتملين بلاء محبته واثقال شوقه بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} سميعٌ انين اهل الشكو ى فى شوقه عليم الم فقدانه فى قلوب اهل محبته قال الاستاذ تنفس لقوم وتهديد لقوم اصحاب الرفق يقول لهم ان الله سميع لا نبيكم فيتروح عليهم بهذا وقتهم وتحمل عنهم بلاءهم وانشد فى هذا المعنى شعر : اذا ما تمنى النّاس روحا وراحة تمنيت ان شكوا اليه فيسمع
اسماعيل حقي
تفسير : {فلم تقتلوهم} اى ان افتخرتم بقتل الكفار يوم بدر فاعلموا انكم لم تقتلوهم بقوتكم وقدرتكم {ولكن الله قتلهم} بنصركم وتسليطكم عليهم والقاء الرعب فى قلوبهم - حديث : روى - انه لما طلعت قريش من العقنقل وهو الكثيب الذى جاؤا منه الى الوادى قال عليه السلام "هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم انى اسألك ما وعدتنى" فاتاه جبريل فقال خذ قبضة من تراب فارمهم بها فلما التقى الجمعان قال لعلى رضى الله عنه "اعطنى من حصباء الوادى" فرمى بها فى وجوههم وقال "شاهت الوجوه" .تفسير : اى قبحت فما من المشركين احد الا اصاب عينيه ومنخريه تراب فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ثم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين اقبلوا على التفاخر يقولون قتلت واسرت وفعلت وتركت فنزلت والظاهر ان قوله {فلم تقتلوهم} رجوع الى بيان بقية قصة بدر والفاء جواب شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر امداده تعالى وامره بالتثبيت وغير ذلك كأنه قيل اذا كان الامر كذلك فلم تقتلوهم انتم كما هو محتار المولى ابى السعود فى تفسيره {وما رميت} يا محمد حقيقة {اذ رميت} صورة وإلا لكان اثر الرمى من جنس آثار الافاعيل البشرية {ولكن الله رمى} اتى بما هو غاية الرمى فاوصل اجزاء تلك القبضة الى عيون جميع المشركين حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم فصورة الرمى صدرت منه عليه السلام الا ان اثرها انما صدر من الله تعالى اذ ليس فى وسع البشر ان يرمى كفا من الحصباء فى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عين الا ويصيبها منه شئ. واللفظ يطلق على المسمى وعلى ما هو كماله والمقصود منه كاطلاق المؤمن على المؤمن الكامل. قال فى التأويلات النجمية ان الله نفى عن الصحابة القتل بالكلية واحاله الى نفسه لانه تعالى كان مسبب اسباب القتل من امداد الملائكة والقاء الرعب فى قلوب الكفار وتقوية قلوب المؤمنين وغير ذلك فالفعل يحال الى السبب كقولهم القلم يكتب مليحا والكاتب يكتب مليحا وهو المسبب للكتابة: قال فى المثنوى شعر : هرجه خواهد آن مسبب آورد قدرت مطلق سببها بر درد از مسبب ميرسد هر خبر وشر نيست اسباب ووسائط را اثر اين سببها بر نظرها بردهاست كه نه هرديدار صنعش راسزاست ديده بايد سبب سوراخ كن تاحجب رابر كند از بيخ وبن تامسبب بيندج اندر لا مكان هرزه بيند جهد واساب ودكان تفسير : والفرق فيما بين النبى عليه السلام وبين الصحابة رضى الله عنهم ان الله تعالى نفى القتل عن الصحابة بالكلية واحاله الى نفسه فجعلهم سببا للقتل وهو المسبب وما نفى الرمى عن النبى عليه السلام بالكلية بل اسند اليه الرمى ولكن نفى وجوده بالكلية فى الرمى واثبته لنفسه تعالى اى وما ورميت بك اذ رميت ولكن رميت بالله وذلك فى مقام التجلى فاذا تجلى الله لعبد بصفة من صفاته يظهر على العبد منه فعلا يناسب تلك الصفة كما كان من حال عيسى عليه السلام لما تجلى الله له بصفة الاحياء كان يحيى الموتى باذنه اى به وهذا كقوله تعالى "حديث : كنت له سمعا وبصرا " .تفسير : الحديث فلما تجلى الله للنبى عليه السلام بصفة القدرة كان قد رمى به حين رمى وكان يده يد الله وذلك كما كشف القناع عن هذه الحقيقة فى قوله تعالى {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم }تفسير : [الفتح: 10]. واعلم ان الله اسند القتل الى داود عليه السلام فى قوله {وقتل داود جالوت} وفرق كثير بين عبدا ضيف فعله الى نفسه والعبد محل الآفات والحوادث وبين عبد اضيف فعله الى الله تعالى والله منزه عن الآفات والحوادث شعر : ما رميت اذ رميت كفت حق كارحق بركارها دارد سبق[1] كر بيرانيم تيران نى زماست ما كمان وتير اندارش خداست[2] تانشد مغلوب كس اين سر نايفت كرتوخواهى آن طرف بايد شتافت تفسير : {وليبلى المؤمنين منه} اى ليعيطهم من عنده تعالى وينعم عليهم {بلاء حسنا} اى عطاء جميلا ونعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات غير مشوبة بمقاساة الشدائد والمكاره. والبلاء يطلق على النعمة وعلى المحنة لان اصله الاختيار وهو كما يكون بالمحنة لاظهار الصبر يكون بالنعمة ايضا لاظهار الشكر والاختبار من الله تعالى اظهار ما علم كما علم لا تحصيل علم ما لم يعلم لانه تعالى منزه عنه. واللام متعلقة بمحذوف مؤخر أى وللاحسان اليهم بالنصر والغنيمة والاجر العظيم فعل ما فعل لا لشئ غير ذلك مما لا يجديهم نفعا. واما برمى فالواو للعطف على علة محذوفة اى ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلى المؤمنين. قال ابن الشيخ والظاهر ان بلاء اسم مصدر ليبلى أي ليبليهم ابلاء حسنا والمتبادر من عبارة القاضى انه حمله على نفس الشئء المبلوّ به عن طريق اطلاق المصدر على المفعول حيث قال ولنعم عليهم نعمة عظيمة: قال الكاشفى [در حقائق سلمى از امام جعفر صادق رضى الله عنه نقل ميكندكه بلاء حسنا آنست كه ايشانرا از نفوس ايشانه فأنى كرداند وبعد از فنا بهويت خود شان باقى سازد امام. قشيرى كويد بلاء حسن آنست كه مبتلى مشاهده كندميلى رادر عين بلا] شعر : جودانستى كه اين درد تواز كيست زرنج خويشتن مى باش خرم كر او زهرت دهد بهتر زشكر وراوزحمت زند خوشترزمرهم تفسير : {إن الله سميع} لاستغاثتهم ودعائهم {عَليم} بنياتهم واحوالهم الداعية الى الاجابة
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: فَلَمْ تقتلوا الكفار بحولكم وقوتكم وذلتكم، وقلّة عُدتكم وعدَدكم، وكثرة عدوكم وعُدتهم، {ولكن اللَّه قتلهمْ} بواسطة مباشرتكم، حيث أيدكم وسلطكم عليهم، وإمداد الملائكة لكم، وإلقاء الرعب في قلوب عدوكم. قال البيضاوي: رُوي أنه لما أَطلَّتْ قريش من العقنقل ـ اسم جبل ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بخُيَلائِهَا وفَخْرِهَا، يُكَذِّبُونَ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ إِنَّي أَسْأَلُكَ مَا وَعَدْتَنِي"تفسير : ، فأَتَاهُ جِبْرِيلُ، وَقَال له: خُذْ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فارْمِهِمْ بِهَا، فلمَّا التَقَى الجَمعَأن تناول كفّاً من الحَصْبَاءِ فَرَمَى بها في وُجُوهِهِم، وقال: "شَاهَتْ الوُجُوهُ" فَلَمْ يَبق مُشْرِكٌ إلا شُغِلَ بَعَيْنَيْهِ، فانْهَزَمُوا. وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر، فيقول الرجل: قتلتُ وأسرتُ، فنزلت الآية، وإلغاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلَمْ تقتلوهم، ولكن الله قتلهم، {وما رميتَ} يا محمد رمياً توصلها إلى أعينهم. ولم تقدر عليه {إذْ رميتَ} أي: حين ألقيت صورة الرمي، {ولكنَّ الله رَمَى}، أتى بما هو غاية الرمي، فأوصلها إلى أعينهم جميعاً، حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم. هـ. فالرمي، حقيقة، إنما وقع من الله تعالى، وإن ظهر حساً من النبي صلى الله عليه وسلم. وإنما فعل ذلك ليقطع طرفاً من الكفار، ويحد شوكتهم، {وليُبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً} أي: ليختبر المؤمنين منه اختباراً حسناً، ليظهر شكرهم على هذه النعمة، أو لينعم عليهم نعمة عظيمة؛ بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات، {إن الله سميع} لاستغاثتهم ودعائهم، {عليم} بنياتهم وأحوالهم. {ذلكم} أي: البلاء الحسن، أو القتل، أو الرمي، واقع لا محالة، أو الأمر ذلكم، {وأن الله موهن كيد الكافرين} أي: مضعف كيد الكافرين، ومبطل حيلهم، أي: المقصود بذلك القتل أو الرمي إبلاء المؤمنين، وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمريدين المتوجهين لحضرة محبوبهم: فلَمْ تقتلوا نفوسكم بمجاهدتكم؛ إذ لا طاقة لكم عليها، ولكن الله قتلها بالنصر والتأييد، حتى حييت بمعرفته، ويقول الشيخ: وما رميت القلوب بمحبتي ومعرفتي، ولكن الله رمى تلك القلوب بشيء من ذلك، وإنما أنت واسطة وسبب من الأسباب العادية، لا تأثير لك في شيء من ذلك. حُكي أن الحلاج، لما كان محبوساً للقتل، سأله الشبلي عن المحبة، فقال: الغيبة عما سوى المحبوب، ثم قال: يا شبلي، ألست تقرأ كتاب الله؟ فقال الشبلي: بلى، فقال: قد قال الله لنبيه ـ عليه الصلاة والسلام ـ: {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}، يا شبلي؛ إذ رَمَى اللَّهُ قَلْبَ عبده بِحَبََّةٍ من حُبّه، نادى عليه مدى الأزمان بلسان العتاب. هـ. والمقصود بذلك: تخصيص أوليائه المقربين بالمحبة والمعرفة والتمكين، وتوهين كيد الغافلين المنكرين لخصوصية المقربين. والله تعالى أعلم. ولما أرادت قريش الخروج إلى غزوة بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وطلبوا الفتح، وقالوا: اللهم أنصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، كما أشار إلى ذلك الحق تعالى بقوله: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ}.
الطوسي
تفسير : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف {ولكن الله قتلهم... ولكن الله رمى} بالتخفيف فيهما ورفع اسم الله فيهما. والباقون بتشديد النون ونصب {الله}. نفى الله ان يكون المؤمنون قتلوا المشركين يوم بدر فقال {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} وإنما نفى القتل عمن هو فعله على الحقيقة ونسبه إلى نفسه وليس بفعل له من حيث كانت أفعاله تعالى كالسبب لهذا الفعل، والمؤدي اليه من إقداره إياهم ومعونته لهم وتشجيع قلوبهم فيه، والقاء الرعب في قلوب اعدائهم المشركين حتى خذلوا وقتلوا على شركهم عقاباً لهم. وقوله {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} مثل الأول في انه نفى الرمى عن النبي صلى الله عليه وآله وإن كان هو الرامي وأضافه إلى نفسه من حيث كان بلطفه، واقداره. وهذه الرمية ذكر جماعة من المفسرين، كابن عباس وغيره: أن النبي صلى الله عليه وآله أخذ كفاً من الحصباء فرماها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فقسمها الله تعالى على ابصارهم، وشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون، وقتلوهم كل مقتل. وقال بعضهم: اراد بذلك رمي النبي صلى الله عليه وآله أبي امية بن الخلف الجمحي يوم احد فأصابه فقتله. وقال آخرون: اراد بذلك رمية سهمه يوم خيبر، فأصاب ابن ابي الحقيق في فراشة رأسه، فقتله. والأول أشهر الأقوال. فأما تعلق من تعلق بذلك من الغلاة، بأن قال: لما قال {ولكن الله رمى} - وكان النبي هو الرامي - دل ذلك على انه هو الله تعالى، فهو جهل وقلة معرفة بوجوه الكلام لانه لو كان على ما قالوه لكان الكلام متناقضاً، لأنه خطاب للنبي صلى الله عليه وآله بأنه لم يرم، فان كان هو الله تعالى فالى من توجه الخطاب؟ وإن توجه اليه الخطاب دل على ان الله غيره. وأيضاً فاذا كان هو الله فقد نفى عنه الرمي فاذا أضافه بعد ذلك إلى الله كان متناقضاً على انه قد دلت الأدلة العقلية على ان الله ليس بجسم، ولا حال في جسم، فبطل قول من قال إن الله كان حل في محمد صلى الله عليه وآله وليس هذا موضع نقضه. وقد ذكرنا الكلام في ذلك واستوفيناه في الاصول. وأما من قال: إن الفعل واجد، وهو من الله تعالى بالايجاد، ومن العبد بالاكتساب فباطل، لأنه خلاف المفهوم من الكلام، ولو كان كذلك لم يجز أن ينفى عنه إلا بتقييد كما لا ينفى عن الله الا بتقييد. وقوله {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً} معناه لينعم عليهم نعمة حسنة. والمعنى ولينصرهم الله نصراً جميلا ويختبرهم بالتي هي احسن، ومعنى يبليهم - ها هنا - يسدي اليهم. وقيل للنعمة بلاء وللمضرة أيضاً مثل ذلك، لأن أصله ما يظهر به الأمر من الشكر أو الصبر، ومنه يبتلي بمعنى يختبر ويمتحن وسميت النعمة بذلك لاظهار الشكر، والضر لاظهار الصبر الذي يجب به الأجر. وقوله {إن الله سميع عليم} معناه انه يسمع دعاء من يدعوه ويعلم ما له فيه من المصلحة فيجيبه اليه.
الجنابذي
تفسير : {فَ} انتم {لَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} ثمّ صرف الخطاب الى نبيّه (ص) وقال {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} اعلم، انّ حقّ هذه العبارة الّتى هى فى مقام قصر القلب او الافراد ان يقال: فانتم لم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم وما انت رميت ولكنّ الله رمى، ثمّ حقّ القرينتين ان تكونا متوافقتين وقد اختلفتا فى اداة النّفى وذكر المفعول وحذفه ومضىّ الفعل ومضارعته واثباته لمن نفى عنه وعدمه؛ والوجه فى ذلك انّ الانسان له وجهة آلهيّة بها فاعليّته ووجهة نفسيّة بها ينسب الافعال الى نفسه وقد يرتفع عنه بالرّياضات والمجاهدات اذا كان سالكاً الى الله وجهته النّفسيّة بحيث لا يرى من نفسه اثراً فى البين ولا يرى فى الوجود الاّ الله ووجهته، فحينئذٍ يصحّ سلب الافعال عنه حقيقة وفى نظره ايضاً لانّه لا يرى لنفسه وجوداً ولا اثراً، ويسمّى هذا المقام فى اصطلاحهم مقام الفناء، فاذا صحا من فنائه وغشوته صار باقياً بالله لا بنفسه يعنى يرى للوجود مراتب ولكن لا يرى للحدود وجوداً فيرى وجوده مرتبةً من وجود الله لا مبايناً لوجود الله، فحينئذٍ يرى لمرتبة نفسه وجوداً هو وجود الله فى تلك المرتبة وهو المسمّى بالبقاء بالله، فيصحّ منه نسبة الوجود الى نفسه ونسبة اثر الوجود اليها حسب استشعاره لمراتب الوجود لكن نسبة اثر الوجود حينئذٍ غير النّسبة الّتى كانت قبل الفناء، وان لم يَصْحُ من فنائه فلم يكن نسبة للفعل اليه فى نظره لانّه لا يرى فى الوجود الاّ الله ولا يرى الفعل الاّ من الله، وقد يذهل عن وجهته النّفسيّة باسباب خارجةٍ وعوارض طاريةٍ كغلبة الخوف والغضب والفرح وغير ذلك، وحينئذٍ لا يستشعر بنفسه ولا بفعل نفسه ولا يصح نسبة الفعل اليه فى نظره كمن يرى فى حال اشتغاله من كان فى مقابله ولا يستشعر برؤيته بل ينفى الرّؤية عن نفسه؛ اذا تقرّر هذا فنقول: انّ المؤمنين فى حال القتال ذهلوا عن انفسهم لغلبة الدّهشة عليهم بحيث لم يستشعروا بأنفسهم ولا بفعل أنفسهم بل كانت الملائكة تقلّبهم وتوقع الحركة فيهم وتظهر صورة القتال على ايديهم فلو قال تعالى: انتم لم تقتلوهم كان اثباتاً لنفسيّة لهم ونفياً للفعل عنهم، وكذا لو قال: اذ قتلتموهم كان اثباتاً للفعل والنّفسيّة جميعاً لهم، والحال انّه لم يكن فى نظرهم نفسيّة لأنفسهم ولا فعل وايضاً لو قال: ما قتلتموهم، كان اشعاراً بنفسيّةٍ ما لهم حيث صرّح بالفاعل بخلاف لم تقتلوهم، فانّ الواو وان كان ضميراً لكنّه مشترك بين الغائب والحاضر وحرف الاعراب فكأنّه غير مصرّح بالفاعل، والرّسول (ص) لمّا كان له نفسيّة بنفسيّة الله وبقاء ببقاء الله اتى بالماضى المصرّح بالفعل ثمّ اثبت له الفعل المنفىّ ولم يقدّم المسند اليه ههنا لانّه يقتضى المقابلة لله او المشاركة معه وكلاهما منتفٍ فى الواقع وفى نظره (ص)، لانّ نفسيّته لم تكن الاّ بنفسيّة الله ومنه يظهر وجه اختلاف اداتى النّفى ايضاً. وامّا وجه الاختلاف بذكر المفعول وحذفه فهو انّ القتل ظهر على ايديهم وبحسب اقتضاء ظهوره فى المظاهر البشريّة وصل الى المقتولين بخلاف الرّمى، فانّه وان ظهر على يده (ص) اذروى انّه (ص) اخذ كفّاً من الحصا بوحىٍ من الله وقرأ: "حديث : شاهت الوجوه للحىّ القيّوم"تفسير : ، ورماه فلم يبق احدٌ الاّ اشتغل بعينه لكنّ القوةّ القسريّة المودعة فى الحصا من المظهر البشرىّ لم تقتض سعة كفّ من الحصا نحواً من الف رجلٍ ولا انحرافها الى كلّ فى كلّ ناحية، فالرّمى كان منه بحسب مظهرّيته والايصال الى المشركين لم يكن منه لا حقيقةً ولا بحسب مظهريّته فأسقط المفعول هنا اشعاراً بانّ اصل الرّمى ظهر على يده ولكنّ الايصال الى المشركين لم يجر على يده {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} اتى بالعاطف مع انّ المقصود انّ الله قتل ورمى ليبلى المؤمنين لانّ المقصود من الاوّل نفى القتل والرّمى عنهم ولثباته لنفسه تعالى مع قطع النّظر عن السّبب والغاية ولو اتى بالقيد لا وهم انّ المراد نفى الفعل عنهم مقيّداً بالغاية المخصوصة واثباته كذلك، مع انّه لم يكن المقصود الاّ نفى اصل الفعل واثباته فهو معطوف على قوله لكّن الله قتلهم ورماهم بتقدير قتلهم او خبر مقدّم لقوله ذلكم والمعنى انّه قتلهم ورماهم لينعم على المؤمنين نعمة حسنة من الغنيمة واعلاء الكلمة، او المعنى ليختبر المؤمنين من قبله اختباراً حسناً لا تعب فيه ولا انحراف عن الحقّ يعتريه ابتلاهم بمجاهدة الاعداء مع قلّة عددهم وكثرة العدّو، وكونه اختباراً وامتحاناً واضح، وكونه حسناً لحسن عاقبته بحصول قوّة القلب لهم وقوّة الايمان مع الغلبة واعلاء الكلمة والغنيمة الوافرة وفداء الاسرى، ولعلّ هذا كان اوفق بسياق العبارة ومعانى اللّغة فانّ الابلاء والبلاء بمعنى الاختبار كثير الاستعمال وبمعنى الانعام لم يذكره بعض اللّغويّين {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لدعاء النّبىّ (ص) واستغاثة المؤمنين {عَلِيمٌ} بما يصلحهم من الانعام وعدمه او انّ الله سميعٌ لمقالتهم للنّبىّ (ص) وكراهة المقاتلة عليم بما هو صلاحهم من الجهاد مع العدوّ ومعارضة العير والغارة عليهم.
الهواري
تفسير : قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}. قال الحسن: لما واقف رسول الله المشركين يوم بدر أمره الله أن يرميهم بثلاثة أحجار، فكان النصر فيما رماهم به، وألقى في قلوبهم الرعب. قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} أي: بقوتكم، حين قال هذا: قتلت، وقال هذا: قتلت. {وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى}. وقال الكلبي: لما صافّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين دعا بقُبضة من حصى الوادي وترابه، فرمى بها في وجوه المشركين، فملأ الله منها وجوههم وأعينهم تراباً، وقذف في قلوبهم الرعب، فانهزموا، واتبعهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم. وقال بعضهم: ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ثلاثة أحجار يوم بدر، فرمى بها في وجوه الكفار، فهزموا عند الحجر الثالث. قوله: {وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَناً} أي ينعم على المؤمنين بقتلهم المشركين يوم بدر. {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
اطفيش
تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} بقوتكم {ولكنَّ الله قَتَلهُم} بنصركم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، ولإمداد بالملائكة، أو أنكم ولو ضربتموهم لستم بمزهقى أرواحهم، ولكن لله زمانها، وعن مجاهد: لما فرغوا من القتال، وانصرفوا جعلوا يقولون: قتلت كذا وكذا، وقتلت فلانا، وأسرت كذا، وفعلت وفعلت، فنزلت الآية، قال جار الله: الفاء فى جواب شرط محذوف، أى إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم، وعن ابن هشام بأن لم لا تقرن بفاء الجواب، وقد يقال من جانب: جانبه قرنت بالفاء لتقدير المبتدأ، أى فأنتم لم تقتلوهم وهو النائب بالجملة الاسمية بعده، أو قرنت بالفاء، لأن الشرط غير مذكور فزيدت لتدل عليه، فهى زائدة، ولأن لم هذه ومدخولها هنا بمنزلة صدقت وكذبت فى سورة يوسف، وقرأ ابن عامر، وحمزة والكسائى بتخفيف لكن وكسرها للساكن بعدها، ورفع اسم الجلالة هنا وفى الذى بعده. {ومَا رمَيْت} أى ما أبلغت الحصيات أو التراب، وأدخلت منه فى عين كل واحد من المشركين {إذْ رَميْت} إذ حركت يدك إلى جهة العدو، وطرحت ما فيها من حصى أو تراب إليهم {ولكنَّ الله رَمَى} أبلغ الحصيات أو التراب وأدخله، فى أعينهم، ومعلوم أن رميه صلى الله عليه وسلم لا يبلغ هذا المبلغ، ولا يقدر عليه، فالرمى المثبت للنبى صلى الله عليه وسلم المذكور وسطا الذى بمعنى التحريك لليد والطرح، فعل للنبى صلى الله عليه وسلم ومخلوق لله وهو المبتدأ والأول فى معنى لفظ الفعل، وأما الإبلاغ والتفريق ففعلان لله مخلوقان، وهما كمالان للفعل، ومقصودان منه، وهما فرع فى معنى لفظ الفعل كما فعل ابن هشام، يعبر بالفعل عن وقوعه وهو الأصل، وعن مشارفته وعن إرادته، وعن القدرة عليه. هذا هو الحق وهو مذهبنا معشر الأباضية فلم يرفق إلى معنى الآية من رام أن الآية دليل على بطلان نسبة الأفعال للعباد، وعلى أنها أفعال لله، وأنهم مجبرون عليها، ولزمهم ذلك فى كل فعل، ولا من زعن أن أفعال العباد خلق لهم. قال ابن إسحاق: ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء فاستقبل بها قريشا ثم قال: "شاهت الوجوه" أى قبحت، ثم نفخهم بها، وأمر أصحابه فقال: "اشتدوا" فكانت الهزيمة، وظاهر كلامه أن ذلك كبعد تعديد الصفوف وذهابه إلى العريش، وشروعهم فى القتال، وذكر غيره: حديث : أنه لما التقى الجمعان تناول كفا من الحصباء فرمى بها فى وجوههم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا دخل فى عينيه ومنخريه منها شئ، فشغلهم ذلك فقتلوا وأسروا . تفسير : وروى: حديث : أنه لما التقى الجمعان قال لعلى: "ناولنى قبضة من حصباء الوادى" فرمى بها وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا،تفسير : وروى: أن جبريل عليه السلام قال للنبى صلى الله عليه وسلم: خذ قبضة من التراب، فأخذ فرماهم بها فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة، فتولوا مدبرين. وقال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أخذ ثلاث حصيات: فرمى بحصاة فى ميمنة القوم، وبحصاة فى ميسرتهم، وبحصاة بين أظهرهم، وقال: "شاهت الوجوه" فانهزموا مع الحصاة الثالثة، وقيل: رماهم بالتراب ثلاث مرات: مرة إلى كل جهة من الجهات الثلاث المذكورة من القبضة الواحدة، ويجوز أن يكون المعنى: وما رميت الرمى الكافى إذ رميت، ولكن الله رماه، أو ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء، ولكن الله رمى بالرعب فى قلوبهم، وقد قيل بهذا أو ما أعنت إذ رميت ولكن الله أعان، والعرب تقول: رمى الله له أعانه وصنع له خيرا. وقيل: الآية فى طعنة طعنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أبىّ ابن خلف يوم أحد بالحربة، ولم يخرج منه دم، فجعل يخور حتى مات، وحكاه الطبرى ويضعفه أن الآية عليه تكون أجنبية مما قبلها وما بعدها، وأنها نزلت عقب بدر، وقيل: إنها فى رمية رماها رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حصن خيبر فسار السهم فى الهواء حتى أصاب ابن أبى الحقيق فقتله فى فراشه، ويضعفه ما ذكر، وأن فتح خيبر أبعد من بدر وأحد بكثير، وأن سبب موت ابن الحقيق غير هذا كما نراه إن شاء الله فى محله، والحق ما فسرت به الآية أولا وعليه الجمهور. {وليُبْلى المؤمِنينَ} يرحمهم بالنصر و الثواب ومشاهدة الآيات {مِنْه} من الرمى، ومتعلق اللام محذوف أى وفعل ذلك ليبلى، أو العطف على محذوف، أى ولكن الله رمى ليظهر الدين وليبلى، ومنه حال من بلاء بعده، وإن علق ليبلى فمن بمعنى الباء {بلاء حسًناً} رحمة حسنة، ورحمة الله إنعامه، وبلاء اسم مصدر، و المصدر إبلاء فقيل: المراد أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلا منهم: عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، ومهجع مولى عمر، قيل: ومعاذ وعمرو ابنا عفراء، وذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الشهداء شهداء بدر وشهداء الأعماق أعماق أنطاكية" تفسير : قال بعضهم: يوم الدجال كيوم بدر، ولو قيل: إن الإبلاء هنا على ظاهره هو الاختبار، لكن حسنا فإنه اختبار حسن لتولد الخير منه كالظفر والغنيمة والاستشهاد {إنَّ الله سَميعٌ} لاستغاثتهم {عَليمٌ} بنياتهم وأحوالهم.
اطفيش
تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} أَى فأَنتم لم تقتلوهم ولم تأْسروهم {وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ} وأَسرهم {وَمَا رميْتَ} ما أَوصلت التراب إِلى عيونهم وأَفواههم وأُنوفهم {إِذ رَمَيْت} إِذ أَلقيت التراب إِلى جهتهم {وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى} أَوصله إِليها، وحاصله: ما رميت به تلك الأَعضاء إِذ رميته إِليها، أَو إِذا أَردت رميها به ولكن الله رماها به. أَو ما رميت بالرعب إِذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب فى قلوبهم ويرجع هذا الذى ذكرته أَولا إِلى قولنا: ما أَثر رميك إِذ رميت ولكن الله أَثره، وأَفعال العباد بخلقه تعالى، وكسبها لها ومباشرتها، فهو رمى كسباً والله تعالى رمى خلقاً وتأْثيراً، ولو شاءَ الله لم يصلهم الرمى، أَو يصلهم ولا يؤثر فيهم، وجميع أَفعال العباد بخلق الله تعالى وكسبهم، وللعبد قدرة مؤثرة يخلقها الله إِن شاءَ، وإِن شاءَ أَبطلها فلم تؤثر، والمشهور أَنه لا أَثر له، أَى لا يؤثر إِلا بخلق الله عز وجل تأْثيره، ومشهور الأَشعرية أَن له قدرة غير مؤثرة، أَى لا تؤثر بذاتها فالخلاف لفظى، أَو لم يسموا ما للعبد تأثيراً، وزعمت المعتزلة أَن له قدرة يفعل بها ما لا يشاء الله عز وجل، وقالت المجبرة: لا قدرة للعبد أَصلا، ولتفسير الرمى المنفى والمثبت بما مر كان نظر القرآن كما هو، وإِلا فمناسب فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت ولكن الله رمى، ومناسب{وما رميت إِذ رميت ولكن الله رمى} فلم تقتلوهم إِذ عالجتم قتلهم وظهر لكم أَنكم قتلتموهم ولكن الله قتله. ولا يناسب مقام قصة بدر أَن يقال هذا فى طعنه صلى الله عليه وسلم يوم أحد أَبى بن خلف، فإِن ظاهر الطعن غير الرمى، وإِنما قيل هذا فى رميه بسهم نحو الحصن يوم حنين، وإِصابته ابن أَبى الحقيق فى فراشه، لأَن فى ذلك دخول كلام أَجنبى فى أَثناء القصة، ولكن هذا حديث ضعيف، والصحيح أَنه مات بكسره صلى الله عليه وسلم ضلعه، أَو بخدشه له. أَتى أَبى بن خلف إِلى النبى صلى الله عليه وسلم بعظم رميم، فقال: يا محمد من يحيى هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : يحييه الذى يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار"تفسير : . وأَسر يوم بدر فلما افتدى قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إِن عندى فرساً أَعلفها كل يوم فرقاً من ذرة أَقتلك عليها.. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بل أَنا أَقتلك إِن شاءَ الله"تفسير : . ودنا يوم أَحد من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تأَخروا.." تفسير : فرماه بحربة فكسر ضلعاً من أَضلاعه، وقيل خدشه بها، فكان يخور، أَى يصوت كثور، أَو يضعف، فحمل فقيل له: لا بأس عليك. فقال: قد وعدنى فوالله لو بصق على لقتلنى، ومات ببعض الطريق، وفى الآية حذف علة عطف عليها أخرى مذكورة هكذا: فعل ذلك ليقهر الكافرين..{وَلِيُبْلِىَ المؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} أَو يقدر فعل ذلك ليبلى المؤمنين، وبلاء اسم مصدر أَى إِبلاءً حسناً، أَى يحملهم على الشدة فيتحملوها بالصبر عليها كاختبار فيعقبها النصر، وذلك يوم أَحد، وذلك حكاية للحال الماضية، أَو المراد، ينعم عليهم بالغنيمة والنصر وإِظهار الآيات كاختبار هل يشكرون النعمة. أَو بلاء اسم لما بلاهم به من الغنيمة فيكون من نيابة الذات عن المصدر، أَو المراد الغنيمة نفسها على تضمين يبلى معنى يعطى، والإِبلاء والبلاء والمحنة فى الشر والخير كما قال الله جل وعلا: "أية : وبلوناهم بالحسنات والسيئات"تفسير : [الأَعراف: 168] {إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ} للأَقوال ومنها أَقوالهم ودعاؤُهم {عَلِيمٌ} بالأَشياء كلها ومنها أَحوالهم ونياتهم.
الالوسي
تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} الخطاب للمؤمنين، والفاء قيل واقعة في جواب شرط مقدر يستدعيه ما مر من ذكر إمداده تعالى وأمر بالتثبيت وغير ذلك، كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك فلم تقتلوهم أنتم بقوتكم وقدرتكم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم. وجوز أن يكون التقدير إذا علمتم ذلك فلم تقتلوهم على معنى فاعلموا أو فأخبركم أنكم لم تقتلوهم، وقيل: التقدير إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم لما روي أنهم لما انصرفوا من المعركة غالبين غانمين أقبلوا يتفاخرون يقولون: قتلت وأسرت وفعلت وتركت فنزلت. وقال أبو حيان: ((ليست هذه الفاء جواب شرط محذوف كما زعموا وإنما هي للربط بين الجمل لأنه قال سبحانه: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } تفسير : [الأنفال: 12] وكان امتثال ما أمر به سبباً للقتل فقيل فلم تقتلوهم أي لستم مستبدين بالقتل لأن الأقدار عليه والخلق له إنما هو لله تعالى))، قال السفاقسي: وهذا أولى من دعوى الحذف. وقال ابن هشام: إن الجواب المنفي لا تدخل عليه الفاء. ومن هنا مع كون الكلام على نفي الفاعل دون الفعل كما قيل ذهب الزمخشري إلى اسمية الجملة حيث قدر المبتدأ أي فأنتم لم تقتلوهم، وجعل بعضهم المذكور علة الجزاء أقيمت مقامه وقال: إن الأصل إن افتخرتم بقتلهم فلا تفتخروا به لأنكم لم تقتلوهم ونظائره كثيرة، ولعل كلام أبـي حيان كما قال السفاقسي أولى. والخطاب في قوله سبحانه: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} خطاب لنبيه عليه الصلاة والسلام بطريق التلوين وهو إشارة إلى رميه صلى الله عليه وسلم بالحصى يوم بدر وما كان منه، فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لما طلعت قريش من العقنقل: حديث : هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل عليه السلام فقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان قال لعلي كرم الله تعالى وجهه: أعطني قبضة من حصباء الوادي فرمى بها وجوههم فقال: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه / فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم تفسير : وجاء من عدة طرق ذكرها الحافظ ابن حجر أن هذا الرمي كان يوم بدر، وزعم الطيبـي أنه لم يكن إلا يوم حنين وأن أئمة الحديث لم يذكر أحد منهم أنه كان يوم بدر وهو كما قال الحافظ السيوطي ناشيء من قلة الاطلاع فإنه عليه الرحمة لم يبلغ درجة الحفاظ ومنتهى نظره «الكتب الست» و «مسند أحمد» و «مسند الدارمي» وإلا فقد ذكر المحدثون أن الرمي قد وقع في اليومين فنفي وقوعه في يوم بدر مما لا ينبغي، وذكر ما في حنين في هذه القصة من غير قرينة بعيد جداً، وما ذكره في تقريب ذلك ليس بشيء كما لا يخفى على من راجعه وأنصف. ويرد نحو هذا على ما روي عن الزهري وسعيد بن المسيب من أن الآية إشارة إلى رميه عليه الصلاة والسلام يوم أحد فإن اللعين أبـي بن خلف قصده عليه الصلاة والسلام فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : استأخروا فاستأخروا فأخذ عليه الصلاة والسلام حربته بيده فرماه بها فكسر ضلعاً من أضلاعه، وفي رواية خدش ترقوته فرجع إلى أصحابه ثقيلاً وهو يقول: قتلني محمد فطفقوا يقولون: لا بأس عليك فقال: والله لو كانت بالناس لقتلتهم فجعل يخور حتى مات ببعض الطريقتفسير : . وما أخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ابن أبـي الحقيق وذلك في خيبر دعا بقوس فأتي بقوس طويلة فقال عليه الصلاة والسلام: جيئوني بقوس غيرها فجاءوه بقوس كبداء فرمى صلى الله عليه وسلم الحصن فأقبل السهم يهوي حتى قتل ابن أبـي الحقيق في فراشه فأنزل الله تعالى الآية، والحق المعول عليه هو الأول، وتجريد الفعل عن المفعول به لما أن المقصود بيان حال الرمي نفياً وإثباتاً إذ هو الذي ظهر منه ما ظهر وهو المنشأ لتغير المرمي به في نفسه وتكثره إلى حيث أصاب عيني كل واحد من أولئك الجم الغفير شيء من ذلك، والمعنى على ما قيل: وما فعلت أنت يا محمد تلك الرمية المستتبعة لتلك الآثار العظيمة حقيقة حين فعلتها صورة ولكن الله تعالى فعلها أي خلقها حين باشرتها على أكمل وجه حيث أوصل بها الحصباء إلى أعينهم جميعاً. واستدل بالآية على أن أفعال العباد بخلقه تعالى وإنما لهم كسبها ومباشرتها قال الإمام: ((أثبت سبحانه كونه صلى الله عليه وسلم رامياً ونفى كونه رامياً فوجب حمله على أنه عليه الصلاة والسلام رمى كسباً والله تعالى رمى خلقاً))، وقال ابن المنير: ((إن علامة المجاز أن يصدق نفيه حيث يصدق ثبوته ألاتراك تقول للبليد حمار ثم تقول ليس بحمار فلما أثبت سبحانه الفعل للخلق ونفاه عنهم دل على أن نفيه على الحقيقة وثبوته على المجاز بلا شبهة، فالآية تكفح بل تلفح وجوه القدرية بالرد))، فإن قلت: إن أهل المعاني جعلوا ذلك من تنزيل الشيء منزلة عدمه وفسروه بما رميت حقيقة إذ رميت صورة والرمي الصوري موجود والحقيقي لم يوجد فلا تنزيل أجيب بأن الصوري مع وجود الحقيقي كالعدم وما هو إلا كنور الشمع مع شعشعة الشمس ولذا أتى بنفيه مطلقاً كإثباته، وما ذكروه بيان لتصحيح المعنى في نفس الأمر وهو لا ينافي النكتة المبنية على الظاهر، ولذا قال في «شرح المفتاح» النفي والإثبات واردان على شيء واحد باعتبارين فالمنفي هو الرمي باعتبار الحقيقة كما أن المثبت هو الرمي باعتبار الصورة، والمشهور حمل الرمي في حيز الاستدراك على الكامل وهو الرمي المؤثر ذلك التأثير العظيم، واعترض المطلق ينصرف / إلى الفرد الكامل لتبادره منه وأما ما جرى على خلاف العادة وخرج عن طوق البشر فلا يتبادر حتى ينصرف إليه بل ذلك ليس من أفراده وأجيب بأنا لا ندعي إلا الفرد الكامل من ذاك المطلق حسبما تقتضيه القاعدة، وكون ذلك الفرد جارياً على خلاف العادة وخارجاً عن طوق البشر إنما جاء من خارج، ووصف الرمي بما ذكر بيان لكماله، ولا يستدعي ذلك أن لا يكون من أفراد المطلق ومن ادعاه فقد كابر. واعترض على التفسير الأول بأنه مشعر بتفسير {رَمَىٰ} في حيز الاستدراك بخلق الرمي وتفسير {رَمَيْتَ} في حيز النفي بخلقت الرمي، فحاصل المعنى حينئذ وما خلقت الرمي إذ صدر عنك صورة ولكن الله سبحانه خلقه، ويلزم منه صحة أن يقال مثلاً: ما قمت إذ قمت ولكن الله سبحانه قام على معنى ما خلقت القيام إذ صدر عنك صورة ولكن الله تبارك وتعالى خلقه ولا أظنك في مرية من عدم صحة ذلك وأجيب بأن القياس يقتضي صحة ذلك إلا أن مدار الأمر على التوقيف. واعترض على ما يستدعيه كلام ابن المنير من أن المعنى وما رميت حقيق إذ رميت مجازاً ولكن الله تعالى رمى حقيقة بأن نفى الرمي حقيقة حين إثباته مجازاً من أجل البديهيات فأي فائدة في الإخبار بذلك، قيل: ومثل ذلك يرد على كلام الإمام لأن كسب العبد للفعل عندهم على المشهور عبارة عن محلية العبد للفعل من غير تأثير لقدرته في إيجاده ويؤول ذلك إلى مباشرته له من غير خلق، فيكون المعنى وما خلقت الرمي إذ باشرت ولم تخلق وهو كما ترى، وبالجملة كلام أكثر أهل الحق في تفسير الآية والاستدلال بها وكذا بالآية قبلها على مذهبهم لا يخلو عن مناقشة ما، ولعل الجواب عنها متيسر لأهله. وقال بعض المحققين: إنه أثبت له صلى الله عليه وسلم الرمي لصدوره عنه عليه الصلاة والسلام ونفى عنه لأن أثره ليس في طاقة البشر، ولذا عد ذلك معجزة حتى كأنه صلى الله عليه وسلم لا مدخل له فيه، فمبنى الكلام على المبالغة ولا يلزم منه عدم مطابقته للواقع لأن معناه الحقيقي غير مقصود، ولا يصح أن تخرج الآية على الخلق والمباشرة لأن جميع أفعال العباد بمباشرتهم وخلق الله تعالى فلا يكون للتخصيص بهذا الرمي معنى وله وجه وإن قيل عليه ما قيل وأنا أقول: إن للعبد قدرة خلقها الله تعالى له مؤثرة بإذنه فما شاء الله سبحانه كان وما لم يشأ لم يكن لا أنه لا قدرة له أصلاً كما يقول الجبرية، ولا أن له قدرة غير مؤثرة كما هو المشهور من مذهب الأشاعرة، ولا أن له قدرة مؤثرة بها يفعل ما لا يشاء الله تعالى فعله كما يقول المعتزلة، وأدلة ذلك قد بسطت في محلها وألفت فيها رسائل تلقم المخالف حجراً، وليس إثبات صحة هذا القول وكذا القول المشهور عند الأشاعرة عند من يراه موقوفاً على الاستدلال بهذه الآية حتى إذا لم تقم الآية دليلاً يبقى المطلب بلا دليل. فإذا كان الأمر كذلك فأنا لا أرى بأساً في أن يكون الرمي المثبت له صلى الله عليه وسلم هو الرمي المخصوص الذي ترتب عليه ما ترتب مما أبهر العقول وحير الألباب، وإثبات ذلك له عليه الصلاة والسلام حقيقة على معنى أنه فعله بقدرة أعطيت له صلى الله عليه وسلم مؤثرة بإذن الله تعالى إلا أنه لما كان ما ذكر خارجاً عن العادة إذ المعروف في القدر الموهوبة للبشر أن لا تؤثر مثل هذا الأثر نفى ذلك عنه وأثبت لله سبحانه مبالغة، كأنه قيل: إن ذلك الرمي وإن صدر منك حقيقة بالقدرة المؤثرة بإذن الله سبحانه لكنه لعظم أمره وعدم مشابهته لأفعال البشر كأنه لم يصدر منك بل صدر من الله جل شأنه بلا واسطة، وكذا يجوز أن يكون المعنى وما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله تعالى رمى بالرعب، فالرمي المنفي أولاً والمثبت أخيراً غير / المثبت في الأثناء وعلى الوجهين يظهر بأدنى تأمل وجه تخالف أسلوبـي الآيتين حيث لم يقل: وما رميت ولكن الله رمى ليكون على أسلوب {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} ولا فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ولكن الله قتلهم ليكون على أسلوب {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} ولا يظهر لي نكتة في هذا التخالف على الوجوه التي ذكرها المعظم، وكونها الإشارة إلى أن الرمي لم يكن في تلك الوقعة كالقتل بل كان في حنين دونه على ما فيه مخالف لما صح من أن كلا الأمرين كان في تلك الوقعة كما علمت فتأمل فلمسلك الذهن اتساع: وقرىء {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} بالتخفيف ورفع الاسم الجليل في المحلين. {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا} أي ليعطيهم سبحانه من عنده إعطاء جميلاً غير مشوب بالشدائد والمكاره على أن البلاء بمعنى العطاء كما في قول زهير:شعر : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم فأبلاهما خير البلاء الذي يبلى تفسير : واختار بعضهم تفسيره بالإبلاء في الحرب بدليل ما بعده يقال: أبلى بلاء حسناً أي قاتل قتالاً شديداً وصبر صبراً عظيماً، سمي به ذلك الفعل لأنه ما يخبر به المرء فتظهر جلادته وحسن أثره، واللام إما للتعليل متعلق بمحذوف متأخر فالواو إعتراضية أي وللإحسان إليهم بالنصر والغنيمة فعل ما فعل لا لشيء آخر غير ذلك مما لا يجديهم نفعاً، وإما برمي فالواو للعطف على علة محذوفة أي ولكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي الخ. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} أي لدعائهم واستغاثتهم أو لكل مسموع ويدخل فيه ما ذكر {عَلِيمٌ} أي بنياتهم وأحوالهم الداعية للإجابة أو لكل معلوم ويدخل فيه ما ذكر أيضاً تعليل للحكم.
ابن عاشور
تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ}. الأظهر أن الفاء فصيحة ناشئة عن جملة: {أية : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم}تفسير : [الأنفال: 12] تفصح عن مقدر قبلها شرط أو غيره ـ والأكثر أن يكون شرطاً فتكون رابطة لجوابه، والتقدير هنا إذا علمتم أن الله أوحى إلى الملائكة بضرب أعناق المشركين وقَطْع إيديهم فلَمْ تقتلوهم أنتم ولكن الله قتلهم أي فقد تبين أنكم لم تقتلوهم أنتم، وإلى هذا يشير كلام صاحب «الكشاف» هنا وتبعه صاحب «المفتاح» في آخر باب النهي. ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على جملة: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار}تفسير : [الأنفال: 15] أي يتفرع على النهي عن أن تولوا المشركين الأدبار تنبيهكم إلى أن الله هو الذي دفع المشركين عنكم وأنتم أقل منهم عَددا وعُدة، والتفريع بالفاء تفريع العلة على المعلول، فإن كون قتل المشركين ورميهم حاصلاً من الله لأمن المسلمين يفيد تعليلاً وتوجيهاً لنهيهم عن أن يولوهم الأدبار. ولأَمْرهم الصبر والثبات وهو تعريض بضمان تأييد الله إياهم إن امتثلوا لقوله: {أية : واصبروا إن الله مع الصابرين}تفسير : [الأنفال: 46] فإنهم إذا امتثلوا ما أمرهم الله كان الله ناصرهم، وذلك يؤكد الوعيد على تولية الأدبار، لأنه يقطع عذر المتولين والفارين، ولذلك قال الله تعالى في وقعة أحد: {أية : إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمْعانِ إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا}تفسير : [آل عمران: 155]. وإذ قد تضمنت الجملة إخباراً عن حالة أفعال فعلها المخاطبون، كان المقصود اعلامهم بنفي ما يظنونه من أن حصول قتل المشركين يوم بدر كان بأسباب ضَرب سيوف المسلمين، فأنباهم أن تلك السيوف ما كان يحق لها أن تؤثر ذلك التأثير المصيب المطرد العام الذي حل بإبطال ذوي شجاعة، وذوي شوكة وشِكّة، وإنما كان ضرب سيوف المسلمين صورياً، أكرم الله المسلمين بمقارنته فعلَ الله تعالى الخارقَ للعادة، فالمنفي هو الضرب الكائنُ سببَ القتل في العادة، وبذلك كان القتل الحاصل يومئذٍ معجزة للرسول صلى الله عليه وسلم وكرامة لأصحابه، وليس المنفي تأثير الضرب في نفس الأمر بناء على القضاء والقدر، لأنه لو كان ذلك لم يكن للقتل الحاصل يوم بدر مزية على أي قتل يقع بالحق أو بالباطل، في جاهلية أو إسلام، وذلك سياق الآية الذي هو تكريم المسلمين وتعليل نهيهم عن الفرار إذا لقوا. وليس السياق لتعليم العقيدة الحق. وأصل الخبر المنفي أن يدل على انتفاء صدور المسند عن المسند إليه، لا أن يدل على انتفاء وقوع المسند أصلاً فلذلك صح النفي في قوله: {فلم تقتلوهم} مع كون القتل حاصلاً، وإنما المنفي كونه صادراً عن أسبابهم. ووجه الاستدراك المفاد بـ{لكن} أن الخبر نفى أن يكون القتل الواقع صادراً عن المخاطبين فكانَ السامعُ بحيث يتطلب أكان القتلُ حقيقة أم هو دون القتل، ومَن كان فاعلاً له، فاحتيج إلى الاستدراك بقوله: {ولكن الله قتلهم}. وقدم المسند إليه على المسند الفعلي في قوله: {ولكن الله قتلهم} دون أن يقال ولكن قتلهم الله، لمجرد الاهتمام لا الاختصاص، لأن نفي اعتقاد المخاطبين أنهم القاتلون قد حصل من جملة النفي، فصار المخاطبون متطلبين لمعرفة فاعل قتل المشركين فكان مهمّاً عندهم تعجيل العلم به. استطراد بذكر تأييد إلهي آخرَ لم يُجر له ذكر في الكلام السابق، وهو إشارة إلى ما ذكره المفسرون وابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حرّض المؤمنين على القتال يوم بدر أتاه جبريل فقال خذ قُبْضة من تراب فارمهم بها فأخذ حفنة من الحصاء فاستقبل بها المشركين ثم قال: «شاهت الوجوه» ثم نفحهم بها ثم أمر أصحابه فقال: شُدوا فكانت الهزيمة على المشركين، وقال غيره لم يبق مشرك إلا أصابه شيء من الحصا في عينيه فشغل بعينيه فانهزموا، فلكون الرمي قصة مشهورة بينهم حذف مفعول الرمي في المواضع الثلاثة، وهذا أصح الروايات، والمراد بالرمي رمي الحصباء في وجوه المشركين يوم بدر، وفيه روايات أخرى لا تناسب مهيع السورة، فالخطاب في قوله: {رميت} للنبيء صلى الله عليه وسلم والرمي حقيقته إلقاء شيء أمسكتْه اليد، ويطلق الرمي على الإصابة بسوء من فِعل أو قول كما في قول النابغة: شعر : رمَى الله في تلك الأكفِ الكَوانع تفسير : أي أصابها بما يُشلها ـ وقول جميل: شعر : رمَى الله في عيني بُثينة بالقذى وفي الغُر من أنيابها بالقوازح تفسير : وقوله تعالى: {أية : والذين يرمون أزواجهم}تفسير : [النور: 6] فيجوز أن يكون {رميتَ} الأول وقولَه: {ولكن الله رمى} مستعملين في معناهما المجازي أي وما أصبت أعينَهم بالقذى ولكن الله أصابها به لأنها إصابة خارقة للعادة فهي معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وكرامة لأهل بدر فنفيت عن الرمي المعتاد وأسندت إلى الله لأنها بتقدير خفي من الله، ويكون قوله: {إذ رميت} مستعملاً في معناه الحقيقي، وفي «القرطبي» عن ثعلب أن المعنى وما رميتَ الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا، وفيه عن أبي عبيدة أن (رميتَ) الأول والثاني، و(رمى) مستعملة في معانيها الحقيقية، وهو ما درج عليه جمهور المفسرين وجعلوا المنفي هو الرمي الحقيقي والمثبت في قوله: {إذ رميت} هو الرمي المجازي وجعله السكاكي من الحقيقة والمجاز العقليين فجعل ما رميت نفياً للرمي الحقيقي وجعل (إذ رميت) للرمي المجازي. وقوله: {إذ رميت} زيادة تقييد للرمي وأنه الرمي المعروف المشهور، وإنما احتيج إليه في هذا الخبر ولم يؤت بمثله في قوله: {فلم تَقتلوهم} لأن القتل لما كانت له أسباب كثيرة كان اختصاص سيوف المسلمين بتأثيره غير مشاهد، وكان من المعلوم أن الموت قد يحصل من غير فعل فاعل غيرِ الله، لم يكن نفي ذلك التأثير، وإسناد حصوله إلى مجرد فعل الله محتاجاً إلى التأكيد بخلاف كون رمي الحصى الحاصل بيد الرسول صلى الله عليه وسلم حاصلاً منه، فإن ذلك أمر مشاهد لا يقبل الاحتمال، فاحتيج في نفيه إلى التأكيد إبطالاً لاحتمال المجاز في النفي بأن يُحمل على نفي رمي كامل، فإن العرب قد ينفون الفعل ومرادهم نفي كماله حتى قد يَجمعون بين الشيء وإثباته أو نفي ضده بهذا الاعتبار، كقول عباس بن مرداس: شعر : فلم أعْطَ شيئاً ولم أمْنع تفسير : أي شيئاً مجدياً، فدل قوله: {إذ رميت} على أن المراد بالنفي في قوله: {وما رميت} هو الرمي بمعنى أثره وحصول المقصود منه، وليس المراد نفي وقوع الرمي مثل المراد في قوله: {فلم تقتلوهم} لأن الرمي واقع من يد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن المراد نفي تأثيره، فإن المقصود من ذلك الرمي إصابة عيون أهل جيش المشركين وما كان ذلك بالذي يحصل برمي اليد، لأن أثر رمي البشر لا يبلغ أثره مبلغ تلك الرمية، فلما ظهر من أثرها ما عم الجيش كلهم، عُلم انتفاء أن تكون تلك الرمية مدفوعة بيد مخلوق، ولكنها مدفوعة بقدرة الخالق الخارجة عن الحد المتعارف، وأن المراد بإثبات الرمي في قوله: {ولكن الله رمى} كالقول في {ولكن الله قتلهم}. وقرأ نافع والجمهور {ولكن} بتشديد النون في الموضعين وقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي بسكون النون فيهما. عطف على محذوف يؤذن به قوله: {فلم تقتلوهم} الآية وقوله ـ {وما رميت} الآية. فإن قتلهم المشركين وإصابة أعينهم كانا الغرض هزم المشركين فهو العلة الأصلية، وله علة أخرى وهي أن يبلي الله المؤمنين بلاءً حسناً أي يعطيهم عطاءً حسناً يشكرونه عليه، فيظهر ما يدل عن قيامهم بشكره مما تختبر به طويتهم لمن لا يعرفها، وهذا العطاء هو النصر والغنيمة في الدنيا والجنةُ في الآخرة. وأعلم أن أصل مادة هذا الفعل هي البلاء وجاء منه الإبلاء بالهمز وتصريفُ هذا الفعل أغفله الراغب في «المفردات» ومن رأيتُ من المفسرين، وهو مضارع أبلاه إذا أحسن إليه مشتق من البلاء والبلوى الذي أصله الاختيار ثم أطلق على إصابة أحد أحداً بشيء يظهر به مقدار تأثره، والغالب أن الإصابة بشرّ، ثم توسع فيه فأطلق على ما يشمل الإصابة بخير قال تعالى: {أية : ونبلُوكم بالشر والخير فتنةً}تفسير : [الأنبياء: 35] وهو إطلاق كنائي وشاع ذلك الإطلاق الكنائي حتى صار بمنزلة المعنى الصريح، وبقي الفعل المجرد صالحاً للإصابة بالشر والخير، واستعملوا أبلاه مهموز أي أصابةُ بخير قال ابن قتيبة: «يقال من الخير أبليته إبلاء ومن الشر بلوته أبلوه بلاءً». قلت: جعلوا الهمزة فيه دالة على الإزالة أي إزالة البلاء الذي غلب في إصابة الشر ولهذا قال تعالى: {بلاء حسناً} وهو مفعول مطلق لفعل يُبليَ موكد له، لأن فعل يبلي دال على بلاء حسن وضمير {منه} عائد إلى اسم الجلالة و(من) الابتداء المجازي لتشريف ذلك الإبلاء ويجوز عود الضمير إلى المذكور من القتل والرمي ويكون (من) للتعليل والسببية. وقوله: {إن الله سميع عليم} تذييل للكلام و(إن) هذا مقيدة للتعليل والربط أي فعل ذلك لأنه سميع عليم، فقد سمع دعاء المؤمنين واستغاثتهم وعلم أنهم لعنايته ونصره فقبل دعاءهم ونصرهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (17) - يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى لِلنَّاسِ أنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ العِبَادِ، وَأنَّهُ المَحْمُودُ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ. وَيَقُولُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّكُم لَمْ تَقْتُلُوا الكُفَّارَ يَوْمَ بَدْرٍ بِحَوْلِكُمْ وَقُوَّتِكُمْ، بَلِ اللهُ هُوَ الذِي أَظْفَرَكُمْ بِهِمْ، وَأَظْهَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ الذِي قَتَلَهُمْ بِأَيْدِيكُمْ. وَكَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ بَدْءِ المَعْرَكَةِ قَدْ أخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا فِي وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، فَلَمْ يَبْقَ أحَدٌ مِنْهُمْ إلاّ أَصَابَهُ شَيءٌ مِنْهَا فِي عَيْنَيْهِ أوْ فِي حَلْقِهِ أَوْ فِي مِنْخَرِهِ .. فَكَانَتْ مِمَّا سَاعَدَ عَلَى إلقَاءِ الذُّعْرِ فِي نُفُوسِ قُرَيشٍ وَخِذْلاَنِهِمْ. وَقَدْ أنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَهُ: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}، فَالرَّمْيَةُ لَمْ تَكُنْ لِتَبْلُغَ قُرَيْشاً لَوْلاَ إِرَادَةُ اللهِ. وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ لأنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ المُؤْمِنينَ القَلِيلِي العَدَدِ بِإِظْهَارِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ، الذِي يَفُوقُهُمْ عَدَداً وَعُدَّةً، اخْتِبَاراً حَسَناً، وَلِيَعْرِفُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ وَلِيَشْكُرُوهَا، وَاللهُ تَعَالَى سَمِيعٌ لاسْتِغَاثَةِ الرَّسُولِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ النَّصْرَ. لِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ - لِيُنْعِمَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالأجْرِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وقول الحق تبارك تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17]. مثل قوله تعالى في آية أخرى: {أية : وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران: 126]. وفي هذا ترتيب من الحق تبارك وتعالى للمؤمنين، فكما أن النصر من عند الله عز وجل لمن أخذ بالأسباب، كذلك قتل الكافرين كان بإرادته سبحانه لمن كفر ووقع هذا القتل بيد المؤمن، فالمؤمن يضرب بالسيف، وينجرح العدو وينزف، لكن ألم تر جريحاً لم يمت، وألم تر غير مجروح يموت؟. إذن فالقتل هو من الله. شعر : سبحان ربي إن أراد فلا مرد له يفوت كم من جريح لا يموت وغير مجروح يموت تفسير : إذن فالمؤمنون حين حاربوا أهل الكفر. إنما يجرحونهم فقط، أما الموت فهو واقع بهم من الله سبحانه وتعالى. {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17]. ولقائل أن يقول: إن الحق تبارك وتعالى قال في موقع آخر: {أية : قَٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة: 14]. إذن فللمؤمن المقاتل مظهرية القتال، وللحق حقيقة القتل. ولذلك يأتي سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17]. وفي هذا القول الكريم عطاء لشيء كان مجهولا لهم بشيء عُلِم لهم، وبذلك قاس غير معلوم بمعلوم. وعرفنا من قبل أنك إذا رأيت حدثاَ أو فعلاً منفياً ومثبتا له في وقت واحد، قد يبدو لك أن في الكلام تناقضاً. وهنا - على سبيل المثال - ينفي الحق الحدث في قوله: "وما رميت" وثبته في قوله: "إذ رميت". والرمي معروف. والفاعل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف ينفي عنه الفعل أولاً، ويثبته له ثانياً؟. ونعلم أن القائل هو رب حكيم، وأسلوبه على أعلى ما يكون. وحتى نفهم هذه المسألة، نحن نعرف أن كل حدث له هيئة يقع عليها وله غاية ينتهي إليها، فمرة يوجد الحدث، لكن الغاية منه لا تتحقق، مثلما يقول الوالد لولده: لقد قرب الامتحان فاجلس في حجرتك وذاكر. ويجلس الولد في حجرته وأمامه كتاب ما يقلب صفحاته، وبعد ساعة يدخل الأب حجرة ابنه ليقول: هات كتابك لأسألك فيما ذاكرته. ويسأل الأب ابنه سؤالاً ثم ثانياً فلا يعرف الابن الإجابة عن الأسئلة، فيقول الأب: ذاكرت وما ذاكرت. أي كأنه لم يذاكر، بل فعل الفعل شكليّاً، بأن جلس إلى المذاكرة، ولم يؤد ما عليه لأن أثر الفعل وهو المذاكرة لم يتحقق. وفي غزوة بدر استنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بربه واستغاث ودعا الله ورفع يديه فقال: حديث : (يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فارم بها في وجوههم) فأخذ صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم فما من المشركين أحد إلاّ أصاب عينيه ومنخريه وفمه تراب من تلك القبضة فولوا مدبرين تفسير : ومعلوم أنه ساعة تأتي ذرة تراب في عيني الإنسان يشتغل بعينيه عن كل شيء. إذن فقول الحق تبارك وتعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17]. أي أنك يا رسول الله ما أرسلت بالرمية الواحدة - حفنة التراب - إلى عيون كل الأعداء؛ لأن هذه مسألة لا يقدر عليها أحد، ولكنك "إذ رميت" أي أديت نصيحة جبريل لك، أما الإيصال إلى عيون العدو فهذا من فعل الله القويّ القادر. ويتابع سبحانه وتعالى قوله: {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال:17]. والبلاء الحسن هنا هو خوض المعركة وحسن أداء القتال فيها. ويخطىء الإنسان حين يظن أن البلاء هو نزول المصائب، لا، إن البلاء هو الاختبار بأية صورة من الصور. فالطالب الذي استذكر دروسه يكون الامتحان بالنسبة له بلاءً حسناً، ومن لم يستذكر يكون الامتحان بالنسبة له يلاءً سيئاً. إذن فالابتلاء غير مذموم على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، لكن بنتيجة الإنسان فيه هل ينجح أم لا. وحتى نعرف أن القرآن يفسر بعضه بعضا فلنقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] . فالخير بلاء، كما أن الشر بلاء، وحين تستخدم الخير في خدمة منهج الله تعالى ولا تطغى به، وحين تصبر على الشر ولا تتمرد على قدر الله، فهذا كله اختبار من الله عز وجل، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} تفسير : [الفجر: 15]. وهذا هو الابتلاء بالخير، أما الابتلاء بالشر فيقول عنه الحق سبحانه: {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَٰنَنِ}تفسير : [الفجر: 16]. والابتلاء بالخير أو بالشر هو مجرد اختبار، والاختبار كما وضحنا غير مذموم على إطلاقه، ولا ممدوح على إطلاقه، ولكنه يذم ويمدح بالنسبة لغايته التي وصل إليها المبتلي أو من يمر بالاختبار، فإن نجح، فهذا ابتلاء حسن، وإن فشل، فهو ابتلاء سيىء. ونلحظ - على سبيل المثال - أن الطالب الذي ركز فكره ووقته وحبس نفسه وبذل كل طاقته في التحصيل والاستذكار طوال العام الدراسي، هذا الطالب حين يدخل الامتحان. فهو يحاول أن يثأر من التعب الذي عاناه في التحصيل والإحاطة؛ لذلك يجيب على الأسئلة بدقة، وكلما انتهى من إجابة سؤال إجابة صحيحة، يشعر ببعض الراحة، وإن حاول زميل له أن يشوش عليه فهو يصده ولا يلتفت إليه، بل قد يستدعي له المراقب. والمؤمن الذي يشترك مع المؤمنين في البلاء الحسن فهو التلميذ الذي يؤدي ما عليه بإخلاص. والذي يسمع همسة كل مؤمن ويرى فعله هو الحق سبحانه وتعالى، ولذلك جاء بعد الحديث عن البلاء الحسن بقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17]. إذن فالله سبحانه وتعالى سميع بما تجهرون به وعليم بما تخفونه في صدوركم. وهو جل وعلا يعلم من حارب بقوة الإيمان، ومن خالطته الرغبة في أن يرى الآخرون مهارته في القتال ليشيدوا ويتحدثوا بهذه المهارة. ولا أحد بقادر على أن يدلس على الله عز وجل. ويقول سبحانه وتعالى من بعد ذلك: {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} معناهُ أنَّ الله هو الذِي أَيَّدَكَ ونَصَرَكَ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن إحسانه مع أهل الإيمان والعرفان بقوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال: 17] نفى عن الصحابة القتل وبالكلية، وأحال القتل إلى نفسه تعالى بقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ}؛ لأنه تعالى كان مسبب أسباب القتل من إمداد الملائكة، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار، وتقوية قلوب المؤمنين بتثبيت أقدامهم، وإذهاب رجز الشيطان عنهم، وربط الصبر على قلوبهم، فالفعل يحال إلى السبب والمسبب كقولهم: القلم يكتب مليحاً، وهو السبب، والكاتب يكتب مليحاً، وهو المسبب للكتابة. وقال تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} [الأنفال: 17] نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا رَمَيْتَ} [الأنفال: 17] ثم أثبت له الرمي بقوله: إذ رميت، ثم نفى عنه بقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أثبت الرمي لنفسه تعالى، والفرق فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصحابة نفي القتل عن الصحابة بالكلية، وأحاله إلى نفسه تعالى فجعلهم سبباً للقتل وهو المسبب، وهاهنا ما نفى الرمي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالكلية؛ بل أسند إليه الرمي ولكن نفى وجوده بالكلية في الرمي وأثبته لنفسه، وما رميت بك إذ رميت ولكن رميت بالله وذلك في مقام التجلي، فإذا تجلى الله لعبد بصفة من صفاته يظهر على العبد منه فعل يناسب تلك الصفة كما كان من حال عيسى عليه السلام، فلما تجلى له بصفات الإحياء كان يحيي الموتى بإذنه أي: به، وهذا كقوله تعالى: "حديث : كنت له سمعاً وبصراً... الحديث"،تفسير : فلما تجلى للنبي صلى الله عليه وسلم بصفة القدرة كان يرمي به حين رمى وكان يده يد الله في ذلك لمَّا كشف الغطاء عن هذه الحقيقة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10]. ثم أخبر الله تعالى: {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} [الأنفال: 17] اي: لينعم عليهم مما جرى على النبي صلى الله عليه وسلم من إظهار القدرة بالرمي بأن يهديهم إلى هذا المقام الكريم، فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام إذ لهم في رسول الله أسوة حسنة، {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} [الأنفال: 17] أي: مجيب لدعائهم عند طلب هذا المقام، {عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] بنياتهم فيما يطلبون منه. {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] أي: ذلك الإبلاء مما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بالله وقدرته؛ ليعلموا أن الله مضعف مبطل يد كفار النفوس واستيلاء صفاتها بالتجلي، ثم قال تعالى: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} [الأنفال: 19] أي: إن تفتحوا قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي فقد جاءكم الفتح بالتجلي، فإن الله متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فإنهم عند انغلاق أبواب قلوبهم إلى الله محرمون عن التجلي وعند انفتاح أبوابها محظوظون به، ثم قال تعالى: {وَإِن تَنتَهُواْ} [الأنفال: 19] أي: عن غير الله في طلب الله، {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [الأنفال: 19] من سواه، {وَإِن تَعُودُواْ} [الأنفال: 19] إلى الدنيا وطلب لذاتها وشهواتها وزخارفها وإلى ما سوى الله، {نَعُدْ} [الأنفال: 19] إلى خذلانكم ونكفكم إلى أنفسكم وهواها ودواعيها وغلبات صفاتها. {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً} [الأنفال: 19] أي: لا تقوم لكم الدنيا والآخرة وما فيها مقام شيء من مواهب الله وألطافه، {وَلَوْ كَثُرَتْ} [الأنفال: 19] يعني: وإن كثرت نعم الله تعالى من الدنيوية والأخروية فلا توازي شيئاً مما أنعم الله على أهل الله وخاصته، {وَأَنَّ ٱللَّهَ} [الأنفال: 19] بأصناف ألطافه، {مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] بهذه المقامات وطالبها؛ ليبلغهم إليها بفضله ورحمته لا بحولهم وقوتهم. ثم أخبر عن طريق الوصول إلى هذه الأصول بقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} [الأنفال: 20] إلى قوله {أية : وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ}تفسير : [الأنفال: 23] الإشارة فيها: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الإيمان الحقيقي لا الإيمان التقليدي، {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ} [الأنفال: 20] فيما يدعوكم إلا حضرة جلاله، {وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 20] أي: أطيعوا رسوله الذي أرسله إليكم؛ ليكون داعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ولتهتدوا بنور نبوته في متابعته إلى حضرة جلاله، و{وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} [الأنفال: 20] ولا تعرضوا عن الرسول ومتابعته لكيلا تنقطعوا عن الله وتهلكوا في ظلمات البشرية، {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} [الأنفال: 21] بآذان القلوب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى - لما انهزم المشركون يوم بدر، وقتلهم المسلمون - { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } بحولكم وقوتكم { وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ } حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره. { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت القتال دخل العريش وجعل يدعو اللّه، ويناشده في نصرته،ثم خرج منه، فأخذ حفنة من تراب، فرماها في وجوه المشركين، فأوصلها اللّه إلى وجوههم،فما بقي منهم واحد إلا وقد أصاب وجهه وفمه وعينيه منها،فحينئذ انكسر حدهم، وفتر زندهم، وبان فيهم الفشل والضعف، فانهزموا. يقول تعالى لنبيه: لست بقوتك - حين رميت التراب - أوصلته إلى أعينهم، وإنما أوصلناه إليهم بقوتنا واقتدارنا. { وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا } أي: إن اللّه تعالى قادر على انتصار المؤمنين من الكافرين، من دون مباشرة قتال،ولكن اللّه أراد أن يمتحن المؤمنين، ويوصلهم بالجهاد إلى أعلى الدرجات، وأرفع المقامات، ويعطيهم أجرا حسنا وثوابا جزيلا. { إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } يسمع تعالى ما أسر به العبد وما أعلن، ويعلم ما في قلبه من النيات الصالحة وضدها،فيقدر على العباد أقدارا موافقة لعلمه وحكمته ومصلحة عباده، ويجزي كلا بحسب نيته وعمله. { ذَلِكُمْ } النصر من اللّه لكم { وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ } أي: مضعف كل مكر وكيد يكيدون به الإسلام وأهله، وجاعل مكرهم محيقا بهم. { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا } أيها المشركون، أي: تطلبوا من اللّه أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين. { فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ } حين أوقع اللّه بكم من عقابه، ما كان نكالا لكم وعبرة للمتقين { وَإِنْ تَنْتَهُوا } عن الاستفتاح { فَهُوَ خَيْرٌ } لأنه ربما أمهلتم، ولم يعجل لكم النقمة. { وإن تعودوا } إلى الاستفتاح وقتال حزب الله المؤمنين { نَعُدْ } في نصرهم عليكم. { وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ } أي: أعوانكم وأنصاركم، الذين تحاربون وتقاتلون، معتمدين عليهم، شَيئا وأن الله مع الْمؤمنين. ومن كان اللّه معه فهو المنصور وإن كان ضعيفا قليلا عدده، وهذه المعية التي أخبر اللّه أنه يؤيد بها المؤمنين، تكون بحسب ما قاموا به من أعمال الإيمان. فإذا أديل العدو على المؤمنين في بعض الأوقات، فليس ذلك إلا تفريطا من المؤمنين وعدم قيام بواجب الإيمان ومقتضاه، وإلا فلو قاموا بما أمر اللّه به من كل وجه، لما انهزم لهم راية [انهزاما مستقرا] ولا أديل عليهم عدوهم أبدا.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 303 : 9 : 30 - سفين {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} قال، وما الرمي بالتراب حين قال: (شاهت الوجوه). [الآية 17].
همام الصنعاني
تفسير : 997- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قَتادة، في قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}: [الآية: 17]، قال: رماهم يوم بدر بالحصباء. 998- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، وأخبرني أيوب، عن عكرمة قال: ما وقع من الحصباء منها شيء إلاّ في عين رجل. 1001- حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر عن الزهري، في قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ}: [الآية: 17]، قال: حديث : جَاءَ أُبَيٌّ بْنُ خَلَفٍ الجمحي بعظمٍ حائِلٍ فَقَال: الله يحيي هذا يا محمد وهو رميم - وهو يَفُتُّ العَظْمَ؟ - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يُحْيِيكَ ثم يَبْعَثُكَ ثم يُدْخِلُكَ النَّار" فلما كان يوم أُحدٍ قال: لإن رأيت محمداً لأقتلنَّه. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "بل أنا قاتله إن شاء الله ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):