٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ} يريد الكر بعد الفر وتغرير العدو، فإنه من مكايد الحرب. {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أو منحازاً إلى فئة أخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم، ومنهم من لم يعتبر القرب لما روى ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا إلى المدينة فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: «حديث : بل أنتم العكارون وأنا فئتكم»تفسير : وانتصاب متحرفاً ومتحيزاً على الحال وإلا لغو لا عمل لها، أو الاستثناء من المولين أي إلا رجلاً متحرفاً أو متحيزاً، ووزن متحير متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يحوز. {فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} هذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله: {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ }تفسير : [الأنفال: 66] الآية، وقيل الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب. {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} بقوتكم. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم. روي: أنه لما طلعت قريش من العقنقل قال عليه الصلاة والسلام: هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل عليه السلام وقال له: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فلما التقى الجمعان تناول كفاً من الحصباء فرمى بها في وجوههم وقال «شاهت الوجوه»، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر فيقول الرجل قتلت وأسرت، فنزلت. والفاء جواب شرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. {وَمَا رَمَيْتَ} يا محمد رمياً توصله إلى أعينهم ولم تقدر عليه. {إِذْ رَمَيْتَ} أي إذ أتيت بصورة الرمي. {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أتى بما هو غاية الرمي فأوصلها إلى أعينهم جميعاً حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم، وقد عرفت أن اللفظ يطلق على المسمى وعلى ما هو كماله والمقصود منه. وقيل معناه ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم. وقيل إنه نزل في طعنة طعن بها أبي بن خلف يوم أحد ولم يخرج منه دم فجعل يخور حتى مات. أو رمية سهم رماه يوم خيبر نحو الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق على فراشه، والجمهور على الأول. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي {وَلَـٰكِنِ} بالتخفيف ورفع ما بعده في الموضعين. {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات فعل ما فعل. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لاستغاثتهم ودعائهم. {عَلِيمٌ} بنياتهم وأحوالهم. {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى البلاء الحسن، أو القتل أو الرمي، ومحله الرفع أي المقصود أو الأمر ذلكم وقوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ} معطوف عليه أي المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو {مُوهِنُ} بالتشديد، وحفص {مُوهِنُ كَيْدِ} بالإِضافة والتخفيف. {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ} خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين. {وَإِن تَنتَهُواْ} عن الكفر ومعاداة الرسول {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين. {وَإِن تَعُودُواْ } لمحاربته. {نَعُدُّ } لنصرته عليكم. {وَلَن تُغْنِىَ } ولن تدفع. {عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } جماعتكم. {شَيْئاً} من الإغناء أو المضار. {وَلَوْ كَثُرَتْ } فئتكم. {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالنصر والمعونة. وقرأ نافع وابن عامر وحفص {وَأَنْ} بالفتح على تقدير ولأن الله مع المؤمنين كان ذلك. وقيل الآية خطاب للمؤمنين والمعنى: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال والرغبة عما يستأثره الرسول فهو خير لكم وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار أو تهييج العدو، ولن تغني حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر فإنه مع الكاملين في إيمانهم ويؤيد ذلك. {يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ} أي ولا تتولوا عن الرسول، فإن المراد من الآية الأمر بطاعته والنهي عن الإِعراض عنه، وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول لقوله تعالى {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ }تفسير : [النساء: 80] وقيل الضمير للجهاد أو للأمر الذي دل عليه الطاعة. {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ } أي يوم لقائهم {دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً } منعطفاً {لِّقِتَالٍ } بأن يريهم الفرَّة مكيدة وهو يريد الكَرَّة {أَوْ مُتَحَيِّزاً } منضماً {إِلَىٰ فِئَةٍ } جماعة من المسلمين يستنجد بها {فَقَدْ بَآءَ } رجع {بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } المرجع هي، وهذا مخصوص بما إذا لم يزد الكفار على الضعف.
ابن عبد السلام
تفسير : {بَآءَ بِغَضَبٍ} بالمكان الذي استحق به الغضب، من المبوَّأ وهو المكان.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن يولهم يومئذ دبره} اى ومن يجعل ظهره اليهم وقت اللقاء والقتال فضلا عن الفرار فيومئذ هنا بمعنى حينئذ لان اليوم وان كان اسما لبياض النهار اذا اطلق لكنه اذا قرن به فعل لا يمتد يراد به مطلق الوقت {إلا متحرفا لقتال} اما بالتوجه الى قتال طائفة اخرى اهم من هؤلاء واما بالفر للكر بان يخيل لعدوه انه منهزم ليغره ويخرجه من بين اعوانه ثم يعطف عليه وحده او مع من فى المكمن من اصحابه وهو باب من خدع الحرب ومكايدها يقال انحرف وتحرف اذا مال من جانب الى جانب آخر والحرف الطرف والجانب وانتصابه على الحالية والتقدير ومن يولهم ملتبسا بحال من الاحوال اية حال كانت الا فى حال كذا {أو متحيزا إلى فئة} اى منجازا الى جماعة اخرى من المؤمنين قريبة او بعيدة لينضم اليهم ثم يقاتل معهم العدو فالانهزام حرام الا فى هاتين الحالتين فان كل واحدة منهما ليست انهزاما فى الحقيقة بل من قبيل التهيئ والتقوى للحرب فمن ولى ظهره لغير احد هذين الغرضين {فقد باء} اى رجع {بغضب} عظيم كائن {من الله} تعالى {ومَأْوَٰهُ} فى الآخرة {جهنم} اى بدل ما اراد بفراره ان يأوى اليه من مأوى ينجيه من القتل والمأوى المكان الذى يأوي اليه الانسان اى يأتيه {وبئس المصير} اى المرجع جهنم وهذا الوعيد وان كان بحسب الظاهر متناولا لكل من يولى دبره وقت ملاقاة الكفار الا انه مخصوص بما اذا لم يزد العدو على ضعف المسلمين لقوله تعالى فى آخر هذه السورة {أية : الآن خفف الله عنكم وعلم أَن فيكم ضَعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله} تفسير : [الأنفال: 66]. قال ابن عباس رضى الله عنه من فر من ثلاثة لم يفر ومن فر من اثنين فقد فر اى ارتكب المحرم وهو كبيرة الفرار من الزحف: وفى المثنوى شعر : اين جنين هوشى كه ازموشى بريد اندر آن صف تيغ جون خواهد كشيد جالش است آن حمزه خوردن نيست اين تاتو بر مالى بخوردن آسيتن نيست حمزه خودن انيجا تيغ بين حمزه بايد درين صف آرهنين كار هر نازك دلى نبود قتال كه كريزد از خيالى جون خيال كار تركانست نى تركان برو جاى تركان هست خانه خانه شو تفسير : وعد بعض العلماء الكبائر الى سبعين منها الفرار من الجيش فى الغزو اذا كان مثلا او ضعفا وكل ما كان شنيعا بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله والدين فهى كبيرة تسقط العدالة فى الشهادة فعلى العاقل ان يقدم على الحرب بقلب جريء ويعلم ان الجبن لا يؤخر اجله وان الاقدام على القتال لا يعجل موته ويتشبه الغازى فى اوان المقاتلة باصناف من الخلق فيكون كقلب الاسد لا يجبن ولا يفر كما ان الاسد مقدام غير جبان وكرار غير فرار وفى كبر النمر بالفارسية [بلنك] لا يتواضع للعدو وفى شجاعة الدب يقاتل بجميع جوارحه وفى حملة الخنزير لا يولى دبره اذا حمل اى لا يعرض وجهه عما توجه اليه وفى اغارة الذئب اذا يئس من وجه اغار من وجه آخر والاغارة بالفارسية [يغما كردن] وفى حمل السلاح الثقيل كالنملة تحمل اضعاف وزن بدنها وفى الثبات كالحجر لا يزول عن مكانه وفى الصبر كالحمار وفى الوفاء كالكلب لو دخل سيده النار يتبعه وفى التماس الفرصة والظفر كالديك ويكون فى الصف ساكنا كالمصلي الخاشع ويكون فى متابعة امير العسكر كمتابعة المأموم امامه فى الصلاة اى لا يخالفه اصلا ويغطى نفسه بالسلاح كتغطية البكر نفسها بالثياب اذا زفت اى ارسلت الى الزوج وفى تكثير قليل سلاحه وماله كالمرائى اذا قل ماله وعباداته ويكون فى المكر والخيلة اذا هزمه العدو اى غلب عليه كالثعلب اذا اضطره الكلب فان مدار الحرب على الخداع وفى التبختر والخيلاء بين الصفين كالعروس وفى الخفة فى تحريف القتال من جانب الى آخر كالصبى وفى صياحه اذا صاح بالعدو كالرعد وهو اسم ملك على قول وفى سوء ظنه اى فى الحذر عما يهلكه فى جميع احواله كالغراب الا بقع وهو الذى فيه سواد وبياض وفى حراسته والاحتراز عن المكاره كالكركى وهو طير معروف لا زوردى اللون يشابه اللقلق فى الهيئة بالفارسية [كلتك] ومن الحيوان الذى لا يصلح الا برئيس لان فى طبعه الحرس والتحارس بالنوبة والذى يحرس يهتف بصوت خفى كأنه يندر بانه حارس فاذا قضى نوبته قام الذى كان نائما يحرس مكانه حتى يقضى كل ما يلزمه من الحراسة. قال القزوينى والكركى لا يمشى على الارض الا باحدى رجليه ويعلق الاخرى وان وضعها وضعها خفيفا مخافة ان تخسف به الارض كذا فى حياة الحيوان. والاشارة ايها القلوب المؤمنة اذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا من سطوات النفوس وغلبات صفاتها بل اثبتوا بالصبر عند صدمات النفوس فان الصبر عند الصدمة الاولى كما حديث : روى ان النبى عليه السلام اتى على امرأة تبكى على صبى ميت لها فقال : اتقى الله واصبرى". فقالت وما تبالى على مصيبتى فلما ذهب عليه السلام قيل لها انه رسول الله فاخذها مصيبة مثل موت صبيها فجاءت بابه تستعذره وتقول لم اعرفك يا رسول الله فقال عليه السلام "الصبر عند الصدمة الاولى"تفسير : الصدم ضرب الشئ الصلب بمثله والصدمة مرة منه يعنى الصبر الماجور عليه صاحبه ما كان عند فجاة المصيبة وحدتها لانه اذا طالت الايام عليه صار الصبر ومن يولهم يومئذ دبره الا متحرفا لقتال او متحيزا الى فئة يعنى الا قلبا ينحرف ليهيئ اسباب القتال مع النفس او راجعا الى الاستمداد من الروح وصفاتها او الى ولاية الشيخ يستمد منها الى الحضرة الربانية فى قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة والرياضة {فقد باء بغضب من الله} يعنى بطرد وابعاد منه {ومَأْوٰهُ جهنم وبئس المصير} اى مرجعه جهنم البعد عن الحضرة ونار القطيعة وبئس المرجع والمعاد
الطوسي
تفسير : اخبر الله تعالى ان {من يولهم} يعني الكفار {يومئذ} يوم القتال {دبره فقد باء بغضب من الله}. والتولية جعل الشيء يلي غيره وهو متعد إلى مفعولين. ولاه دبره اذا جعله يليه، ومنه ولاه البلد من ولاية الامارة، وتولى هو اذا قبل الولاية واولاه نعمة، لانه جعلها تليه. وقوله {يومئذ} يجوز اعرابه وبناؤه، فاعرابه لأنه متمكن اضيف على تقدير الاضافة الحقيقية، كقولك هذا يوم ذلك، وأما البناء فلانه اضيف إلى مبني اضافة غير حقيقية، فأشبه الأسماء المركبة، وقوله {إلا متحرفاً لقتال} فالتحرف الزوال من جهة الاستواء إلى جهة الحرف. تقول تحرف تحرفاً، وانحرف انحرافاً وحرفه تحريفاً واحترف احترافاً، لأنه يقصد جهة الحرف لطلب الرزق، مثل ابعد في طلب الرزق، والمحارف المحدود من جهة الرزق إلى جهة الحرف. ومنه حروف الهجاء لأنها اطراف الكلمة كحرف الجبل، ونحوه. وقوله {أو متحيزاً إلى فئة} فالتحيز طلب حيز يتمكن فيه، تحيز تحيزاً وانحاز انحيازاً وحازه يحوزه حوزاً، والحيز المكان الذي فيه الجوهر. والفئة القطعة من الناس، وهي جماعة منقطعة عن غيرها. وذكر الفئة في هذا الموضع حسن جداً، وهو من فأوت راسه بالسيف اذا قطعته. وفي تناول الوعيد لكل فار من الزحف خلاف. فقال الحسن وقتادة والضحاك: انما كان ذلك يوم بدر خاصة. وقال ابن عباس: هو عام، وهو قول ابي جعفر وابي عبدالله عليهما السلام. ثم اخبر تعالى ان من ولي دبره على غير وجه التحرف للقتال، او التحيز إلى الفئة انه باء بغضب من الله. أي رجع بسخطه تعالى واستحقاق عقابه. وان مستقره {جهنم وبئس المصير} هي لمن صار اليها. وقوله {متحرفاً لقتال} نصب على الحال، وتقديره الا ان يتحرف لأن يقاتل، وكذلك "متحيزاً" نصب على الحال وتقريره حال تحيزه إلى فئة، ويجوز النصب فيهما على الاستثناء، تقديره الا رجلا متحيزاً او يكون متفرداً، فينحاز ليكون مع المقاتلة. واصل متحيز متحيوز فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء.
اطفيش
تفسير : {ومَنْ يُولِّهم} منكم {يَوْمئذٍ} أى يوم إذ لقيتموهم مطلقا بدر أو غيره {دُبرهُ} خلفه، وسكن الحسن الباء والتفسير بالدبر بتشنيع على الفار {إلا مُتحرِّفاً} عنهم {لِقتالٍ} مجموع إلا والمنصوب بعد حال، أو هى الحال على أنها اسم ظهر إعرابها فى ما بعدها لكونها بصورة الحرف قولان فى مثله، أى ومن يولهم دبره غير متحرف، وصاحب الحال الضمير المستتر. وإن قلت: إذا كان الحال على القول الأول مجموع إلا وما بعدها فما وجه النصب فيها بعدها. قلت: لما لم يكن له إعراب على حدة، وكان اسما معربا احتاج إلى أن يكون على صورة ما سلط عليه العامل، فجئ به على صورة المنصوب، لأن محله مع إلا النصب، وعلى القولين: فلا عمل إلا فى متحرفا وأحسن من ذلك أن يكون النصب على الاستثناء من الضمير المستتر، لأنه من حيث المعنى عام، قيل: أو من مَنْ فالناصب له إلا، أو يؤول أو غيرهما مما ذكرته فى النحو، واللام للتعلل أو لشبه التمليك، وقيل: بمعنى إلى، وقيل: للتعدية أو متحيزا متفيعل من حاز يجوز، أصله متحيوز اجتمعت الياء والواو، وسكنت السابقة فقلبت الواو ياء، وأدغمت فيها الياء لا متفعل، وإلا قيل: متحوزا ولا وجه لقول بعضهم استثناء المتحرف والمتحيز من أنواع التولى، لأنه لم يقل إلا متحرفا لقتال أو تحيزاً، إلا إن أراد الاستثناء المنقطع، ولأنه لا يستثنى من الفعل ولو صح المعنى بالنظر إلى معنى مصدره. {إلَى فئةٍ} جماعة حاضرة معه فى القتال قريبة منه ومعنى التحرف لقتال أن يتصور بصورة المنهزم فيعطف على من لحقه فيقتله، وذلك يكون بسبب تحصن العدو فلا يحد لقتله مدخلا، فإذا تهازم برز له، ولسبب أنه اجتمع عليه رجلان أو ثلاثة، فإذا تهازم لحقه أحدهما أو أحدهم فقط، فيقدر عليه، وكذا إذا اتبعوه ووصل إليه أحدهم قبل غيره، ولغير ذلك من الأسباب، وذلك باب من خدع الحرب. والتحيز إلى فئة أن ينضم بعد انفراد، أو من جماعة إلى جماعة من المسلمين يستعين بهم ويتقوى، وزعم بعضهم أن التحيز جائز ولو إلى فئة بعيدة غير حاضرة فى القتال لما قال الحسن عن عمر بن الخطاب، لما بلغه وهو فى المدينة أن أبا عبيدة بن الجراح وأصحابه قتلوا يوم القادسية: رحم الله أبا عبيدة لو انحاز إلينا لكنا فئته، وكذا روى ابن سيرين، وزاد عن عمر إنا فئة كل مسلم. وعن عبد الله بن عمر: حديث : خرجت فى سارية ففروا، فلما دخلوا المدينة دخلوا البيوت حياء، فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون، فقال: "بل أنتم العكارون - أى الكرارون - وأنا فئتكم" تفسير : وروى أن رجلا فر من القادسية فقال لعمر: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف، فقال، فقال أنا فئتك، وعن الحسن: لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا، ونسأل الله العافية من ذلك لكنا لهم فئة، وكان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما يقولان للجيوش، إن غلبكم أمر فانحازوا إلينا فإنا فئتكم، وإنما لم يكن ذلك كبيرة لنية الرجوع إلى العدة وإلى العدو بعدة قوية من القربة مثلا. {فقدْ باءَ} رجع {بغَضَبٍ مِنَ اللهِ ومَأوَاهُ} مصيره ومرجعه {جَهنَّم} وفيه إيماه إلى أن الموضع الذى هرب إليه مثل جهنم فى حقه {وبِئْس المصِيرُ} هى ومذهبنا كما تعلم من كلامى أن الفرار من الزحف كبيرة، وهى موبقة فى كل قتال للمشركين، ومثله قتال المنافقين، إلا إن فر تحرفا لقتال، أو تحيزا إلى فئة قريبة حاضرة للقتال، أو كان المسلمون أقل من نصف العدو، وكما قال ابن عباس: ما فر من فر من ثلاثة، والمراعى فى ذلك هو العدد، وبذلك قال الجمهور. وقالت فرقة منهم ابن الماجشون وهو من المالكية: فر أى أيضا العدة والقوة، فيجوز على قولهم أن تفر المائة من مائة مثلا إذا علمت أن فيها أكثر من ضعفها عدة أو شجاعة، وذكروا عن أبى سعيد الخدرى، والحسن، وقتادة، والضحاك، ونافع: أن الآية فى قتال بدر خاصة، وجد الفرار فى غيرها لأنه تحيز إلى فئة، وذلك أن النبى صلى الله عليه وسلم كان معهم يوم بدر، ولا فئة لهم ينحازون إليها دون النبى صلى الله عليه وسلم، ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين، ولأنه أول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه. وكتب عبد الله بن عون إلى نافع يسأله عن الفرار من الزحف فقال: إنما حرم يوم بدر، فإن صح ما مر عن النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر من قولهم: إنا فئة من انحاء الينا وليسوا فى قتال كان لهم حجة، وصح لهم تخصيص الآية ببدر، وإلا فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأما قوله تعالى فى شأن أحد: {أية : ولقد عفا الله عنهم} تفسير : فما استدلوا به، ولا دليل فيه لجواز أن يكون المعنى قد عفى عنهم لتوبتهم من الفرار الذى هو كبيرة، وذكروا أنه إن جاء المسلمين عدوٌّ لا يطيقونه تحيزوا إلى البصرة، وإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى الكوفة، وإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى الشام، فإن جاء ما يغلبهم تحيزوا إلى المدينة، فإن جاء ما يغلبهم فليس ثم تحيزٌ، وصار الجهاد فريضة بعد أن كان دخوله متطوعا، وأنه ما قبض صلى الله عليه وسلم حتى كان تطوعا.
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} أَى يوم إِذ لقيتموهم، واللفظ للماضى والمراد الاستقبال لتحقق الوقوع بعد، أَو التقدير يوم إِذا لقيتموهم بإِذا الاستقبالية {دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا} منعطفا مستثنى من الضمير فى يول، أَو هو مع إِلا حال منه، كما تنعت النكرة بإِلا ومدخولها، وكأَنه قيل، ومن يولهم دبره حال كونه غير متحرف {لِقِتَالٍ} اللام للتعليل {أَوْ مُتَحَيِّزًا} أَى أَو غير متحيز أَى مائلا إِلى حوزة، أَى جهة، فالأَصل متحيوز، بوزن متفيعل، أَو متحويز بوزن متفعيل، اجتمعت الواو والياء وسكنت السابقة فقلبت الواو ياء وأَدغمت الياء فى الياء، ولو كان متفعل وأَصله متحوز لم تقلب الواو ياء إِذ لا داعى لذلك، وجاءَ فى اللغة تحيز وتحوز. قال ابن قتيبة: تحوز تفعل، وتحيز تفعيل، وأَجاز غير واحد كون تحيز ومتحيز تفعيل مراعاة لكثرة ذكر الحيز، كان أَصله ياء مع أَنه واو {إِلى فِئَةٍ} جماعة من المسلمين، أَباح الله استدبار العدو لأَحد أَمرين، أَحدهما أَن يتبعه العدو منفصلا عن إِخوانه فيتمكن منه لانفراده أَو لاستعداده فى هروبه كتركيب نصل فى سهم أَو سهم فى قوس حال الاستدبار، أَو لوقوع ضعفه فى قلب العدو فيرجع عليه بغتة قوياً أَو نحو ذلك، والآخر أَن ينضم إِلى فرقة من المسلمين قريبة منه، قيل: أَو بعيدة لما رواه ابن عمر أَنه كان فى سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا إِلى المدينة. وقلت: كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبوأَنا الغضب فأَتيناه صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج. فقال: من القوم؟ فقلنا: يا رسول الله نحن الفرارون.. فقال: بل أَنتم العكارون، وأَنا فئتكم، وأَنا فئتكم، وأَنا فئة المسلمين وقرأَ الآية، فقبلنا يده، والعكار الرجاع بعد الفر، وعن ابن عباس من فر من ثلاثة لم يفر، ومن فر من اثنين فقد فر، ويروى: بل أَنتم الكرارون. وقال ابن سيرين: لما قتل أَبو عبيدة بن الجراح وجاءَ الخبر إِلى عمر قال: لو انحاز إِلىَّ كنت له فئة، أَنا فئة كل مسلم.. قال بعض: حكم الآية عام ولو كان سببها غزوة بدر، والعمل بعموم اللفظ ولو خص السبب وقد جاءَ فى الحديث: "حديث : الفرار من الزحف كبيرة"تفسير : . وعن عطاء أَن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى "أية : الآن خفف الله عنكم" تفسير : [الأَنفال: 66] فليس لقوم أَن يفروا لمثليهم فنسخت بذلك إِلا فى هذه العدة، وعلى هذا أَكثر أَهل العلم، وإِن كان العدو أَكثر من مثليهم جاز لهم الفرار، وقال يزيد بن حبيب: أَوجب الله تعالى النار لمن فر يوم بدر، ولو كان يوم أَحد قال الله عز وجل "أية : إِنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم" تفسير : [آل عمران: 155] ثم كان يوم حنين فقال الله تعالى {أية : ثم وليتم مدبرين} تفسير : [التوبة: 25]، {أية : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء}تفسير : [التوبة: 27]، وعن أَبى سعيد الخدرى: الآية فى أَهل بدر خاصة لأَنه كان معهم النبى صلى الله عليه وسلم، ولم تكن لهم فئة يتحيزون إِليها دون النبى صلى الله عليه وسلم ولو انحازوا لانحازوا إِلى المشركين، ولأَنها أَول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه والمؤمنون معه.. وأَما فى غير بدر فالمؤمنون فئة. فالفرار غير كبيرة، وبه قال الحسن وقتادة والضحاك، وذكر الله عقاب من فر لغير ما جاز الفر له فى قوله {فَقَدْ بَاءَ} رجع فى توليته تلك وفى جميع أَحواله إِن لم يرجع ولم يتب {بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ} مع غضب منه، وهو قضاؤه الأَزلى بشقوته أَو عذابه الأخروى {وَمَأْوَاهُ} مرجعه {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} هى، وقيل: الوعيد خاص بأَهل البيت والحاضرين معه صلى الله عليه وسلم. وقيل: بأَهل بدر لأَنه لا فئة لهم ينحازون إِليها، فالوعيد لمن فر فيه، وأَما فى غير بدر ممن خاف الموت بلا فائدة لضعفه وكثرة المشركين فله الفرار، وقيل: الحكم خاص بمن ذكر، وبجيش فيه النبى صلى الله عليه وسلم. ووقعة بدر أَول جهاد ولو لم يثبتوا لزم مفاسد عظيمة، وعن محمد بن الحسن أَن المسلمين إِذا كانوا اثنى عشر أَلفا لم يجز الفرار، والظاهر أَنه لا يجوز أَصلا مع هذا العدد ولو كان العدو أَضعافهم أَضعافاً كثيرة لأَنهم لا يغلبون من قلة كما فى الحديث، والصحيح تحريم الفرار إِلى فئة بعيدة لم تستعد معهم وتحريم فرار الواحد أَو من واحد من اثنين، واستدل بجوازه إِذا كان يقتل بلا فائدة بما قال عمر بن الخطاب فى أَبى عبيدة رضى الله عنه، لما مات: لو انحاز إِلى كنت له فئة، كما روى أَنه انهزم رجل من القادسية فأَتى المدينة فقال لعمر رضى الله عنه: يا أَمير المؤمنين هلكت، فررت من الزحف، فقال: أَنا فئتك.. وهذا الحديث السابق تسلية لا إِباحة للفرار إِلى غير المستعدين معه. وإِلا لم يوجد فار من الزحف إِلا من فر ونوى أَلا يقاتل بعد، روى أَنه صلى الله عليه وسلم رماهم بكف من حصباءَ بأَمر جبريل عن الله عز وجل، وقال: شاهت الوجوه، انهزموا، فقتلهم المسلمون وأسروهم، فكانوا يقولون: قتلت وأسرت، فقال الله سبحانه وتعالى: إِن افتخرتم بقتلهم وأَسرهم.
الالوسي
تفسير : {وَمَن يُوَلّهِمْ } أي يوم اللقاء ووقته {دُبُرَهُ} فضلاً عن الفرار الحسن بسكون الباء {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ} أي تاركاً موقفه إلى موقف أصلح للقتال منه، أو متوجهاً إلى قتال طائفة أخرى أهم من هؤلاء، أو مستطرداً يريد الكر كما روي عن ابن جبير رضي الله تعالى عنه. ومن كلامهم:شعر : نفر ثم نكر والحرب كر وفر تفسير : وقد يصير ذلك من خدع الحرب ومكايدها، وجاء «الحرب خَدعة» وأصل التحرف على ما في «مجمع البيان» ((الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف، ومنه الاحتراف وهو أن يقصد جهة (من الأسباب) طالباً فيها رزقه)) {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أي منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين ومنضماً إليهم وملحقاً بهم ليقاتل معهم العدو، والفئة القطعة من الناس، ويقال: فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته وما ألطف التعبير بالفئة هنا، واعتبر بعضهم كون الفئة قريبة للمتحيز ليستعين بهم، وكأنه مبني على المتعارف وكم يعتبر ذلك آخرون اعتباراً للمفهوم اللغوي. ويؤيد ما أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود والترمذي وحسنه والبخاري في «الأدب المفرد» واللفظ له عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كنا في غزاة فحاص الناس حيصة قلنا: كيف نلقى النبـي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ فأتينا النبـي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفارون فقال: لا بل أنتم العكارون فقبلنا يده فقال عليه الصلاة والسلام: أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين ثم قرأ {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} والعكارون الكرارون إلى الحرب والعطافون نحوها. وبما روي أنه انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أنا فئتك، وبعضهم يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم العكارون» على تسليتهم وتطييب قلوبهم، وحمل الكلام كله في الخبرين على ذلك بعيد. نعم إن ظاهرهما يستدعي أن لا يكاد يوجد فار من الزحف، ووزن ـ متحيز ـ متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوز لأنه من حاز يحوز وإلى هذا ذهب الزمخشري ومن تبعه، وتعقب بأن الإمام المرزوقي ذكر أن تدير تفعل مع أنه واوي نظر إلى شيوع ديار، وعليه فيجوز أن يكون تحيز تفعل نظراً إلى شيوخ الحيز بالياء، فلهذا لم يجيء تدور وتحوز، وذكر ابن جني أن ما قاله هذا الإمام هو الحق وأنهم قد يعدون المنقلب كالأصلي ويجرون عليه أحكامه كثيراً، لكن في دعواه نفي تحوز نظر، فإن أهل اللغة قالوا: تحوز وتحيز كما يدل عليه ما في «القاموس»، وقال ابن قتيبة: تحوز تفعل وتحيز تفيعل، وهذه المادة في كلامهم تتضمن العدول من جهة إلى أخرى من الحيز بفتح الحاء وتشديد الياء، وقد وهم فيه من وهم، وهو فناء الدار ومرافقها، ثم قيل لكل ناحية فالمستقر في موضعه كالجبل لا يقال له متحيز وقد يطلق عندهم على ما يحيط به حيز موجود، والمتكلمون يريدون به الأعم وهو كل ما أشير إليه فالعالم كله متحيز / ونصب الوصفين على الحالية وإلا ليست عاملة ولا واسطة في العمل وهو معنى قولهم: لغو وكانت كذلك لأنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ولولا التفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على الخلاف المشهور وشرط الاستثناء المفرغ أن يكون في النفي أو صحة عموم المستثنى منه نحو قرأت إلا يوم كذا ومنه ما نحن فيه ويصح أن يكون من الأول باعتبار أن يولي بمعنى لا يقبل على القتال، ونظير ذلك ما قالوا في قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : العالم هلكى إلا العالمون»تفسير : الحديث. وجوز أن يكون على الاستثناء من المولين، أي من يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً لقتال أو متحيزاً {فَقَدْ بَآءَ} أي رجع {بِغَضَبٍ} عظيم لا يقادر قدره، وحاصله المولون إلا المتحرفين والمتحيزين لهم ما ذكر {مِنَ ٱللَّهِ} صفة غضب مؤكدة لفخامته أي بغضب كائن منه تعالى شأنه {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي بدل ما أراد بفراره أن يأوي إليه من مأوى ينجيه من القتل {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} جهنم ولا يخفى ما في إيقاع البوء في موقع جواب الشرط الذي هو التولية مقروناً بذكر المأوى والمصير من الجزالة التي لا مزيد عليها. وفي الآية دلالة على تحريم الفرار من الزحف على غير المتحرف أو المتحيز، وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبـي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله تعالى والسحر وقتل النفس التى حرم الله تعالى إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف»تفسير : وجاء عده في الكبائر في غير ما حديث قالوا: وهذا إذا لم يكن العدو أكثر من الضعف لقوله تعالى: {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } تفسير : [الأنفال: 66] الآية أما إذا كان أكثر فيجوز الفرار فالآية ليست باقية على عمومها وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم. وأخرج الشافعي وابن أبـي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال من فر من ثلاثة فلم يفر ومن فر من اثنين فقد فر، وسمي هذا التخصيص نسخاً وهو المروي عن أبـي رباح وعن محمد بن الحسن أن المسلمين إذا كانوا اثني عشر ألفاً لم يجز الفرار، والظاهر أنه لا يجوز أصلاً لأنهم لا يغلبون عن قلة كما في الحديث، وروي عن عمر وأبـي سعيد الخدري وأبـي نضرة والحسن رضي الله تعالى عنهما وهي رواية عن الحبر أيضاً أن الحكم مخصوص بأهل بدر، وقال آخرون: إن ذلك مخصوص بما ذكر وبجيش فيه النبـي صلى الله عليه وسلم وعللوا ذلك بأن وقعة بدر أول جهاد وقع في الإسلام ولذا تهيبوه ولو لم يثبتوا فيه لزم مفاسد عظيمة ولا ينافيه أنه لم يكن لهم فئة ينحازون إليها لأن النظم لا يوجب وجودها وأما إذا كان النبـي صلى الله عليه وسلم معهم فلأن الله تعالى ناصره، وأنت تعلم أنه كان في المدينة خلق كثير من الأنصار لم يخرجوا لأنهم لم يعلموا بالنفير وظنوها العير فقط وأن النبـي صلى الله عليه وسلم حيث أن لله تعالى ناصره كان فئة لهم، وقال: بعضهم إن الإشارة بيومئذ إلى يوم بدر لا تكاد تصح لأنه في سياق الشرط وهو مستقبل فالآية وإن كانت نزلت يوم بدر قبل انقضاء القتال فذلك اليوم فرد من أفراد يوم اللقاء فيكون عاماً فيه لا خاصاً به وإن نزلت بعده فلا يدخل يوم بدر فيه بل يكون ذلك استئناف حكم بعده و {وَيَوْمَئِذٍ} إشارة إلى يوم اللقاء ودفع بأن مراد أولئك القائلين إنها نزلت يوم بدر وقد قامت قرينة على تخصيصها ولا بعد فيه اهـ، وعندي أن السورة إنما نزلت بعد تمام القتال ولا دليل على نزول هذه الآية قبله والتخصيص المذكور مما لا يقوم دليل على سياق ويد الله مع الجماعة والله تعالى أعلم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنفَالِ} إذ لم يرتفع عنهم إذ ذاك حجاب الأفعال / {قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي حكمها مختص بالله تعالى حقيقة وبالرسول مظهرية {فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ} بالاجتناب عن رؤية الأفعال برؤية فعل الله تعالى {وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} بمحو صفات نفوسكم التي هي منشأ صدوركم ما يوجب التنازع والتخالف {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بفنائها ليتيسر لكم قبول الأمر بالإرادة القلبية الصادقة {أية : إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تفسير : [الأنفال: 1] الإيمان الحقيقي {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ} كذلك {ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ} بملاحظة عظمته تعالى وكبريائه وسائر صفاته وهو ذكر القلب وذكره سبحانه وتعالى بالأفعال ذكر النفس {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} أي خافت لإشراق أنوار تجليات تلك الصفات عليها {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ} بالترقي من مقام العلم إلى العين. وقد جاء أن الله تعالى تجلى لعباده في كلامه لو يعلمون {أية : وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } تفسير : [الأنفال: 2] إذ لا يرون فعلاً لغيره تعالى، وذكر بعض أهل العلم أنه سبحانه وتعالى نبه أولاً: بقوله عز قائلاً: {وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} على بدء حال المريد لأن قلبه لم يقو على تحمل التجليات في المبدأ فيحصل له الوجه كضرمة السعفة ويقشعر لذلك جلده وترتعد فرائصه، وأما المنتهي فقلما يعرض له ذلك لما أنه قد قوي قلبه على تحمل التجليات وألفها فلا يتزلزل لها ولا يتغير، وعلى هذا حمل السهروردي قدس سره ما روي عن الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلاً يبكي عند قراءة القرآن فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب حيث أراد حتى قويت القلوب إذ أدمنت سماع القرآن وألفت أنواره فما تستغربه حتى تتغير، ونبه ثانياً: سبحانه وتعالى بقوله جل وعلا: {زَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً} على أخذ المريد في السلوك والتجلي وعروجه في الأحوال، وثالثاً: بقوله عز شأنه {وَعَلَىٰ رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} على صعوده في الدرجات والمقامات، وفي تقديم المعمول إيذان بالتبري عن الحول والقوة والتفويض الكامل وقطع النظر عما سواه تعالى، وفي صيغة المضارع تلويح إلى استيعاب مراتب التوكل كلها، وهو كما قال العارف أبو إسماعيل الأنصاري أن يفوض الأمر كله إلى مالكه ويعول على وكالته، وهو من أصعب المنازل، وهو دليل العبودية التي هي تاج الفخر عند الأحرار، والظاهر أن الخوف الذي هو خوف الجلال والعظمة يتصف به الكاملون أيضاً ولا يزول عنهم أصلاً وهذا بخلاف خوف العقاب فإنه يزول، وإلى ذلك الإشارة بما شاع في الأثر «حديث : نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه» تفسير : {ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَٰوةَ} أي صلاة الحضور القلبـي وهي المعراج المعنوي إلى مقام القرب {وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ} من العلوم التي حصلت لهم بالسير {أية : يُنفِقُونَ } تفسير : [الأنفال: 3] {أُوْلـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} لأنهم الذي ظهرت فيهم الصفات الحقة وغدوا مرايا لها ومن هنا قيل: المؤمن مرآة المؤمن {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ} من مراتب الصفات وروضات جنات القلب {وَمَغْفِرَةٌ} لذنوب الأفعال {أية : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الأنفال: 4] من ثمرات أشعار التجليات الصفاتية، وقال بعض العارفين: المغفرة إزالة الظلمات الحاصلة من الاشتغال بغير الله تعالى والرزق الكريم الأنوار الحاصلة بسبب الاستغراق في معرفته ومحبته وهو قريب مما ذكرنا {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} متلبساً {بِٱلْحَقّ وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهم المحتجبون برؤية الأفعال {أية : لَكَارِهُونَ} تفسير : [الأنفال: 5] أي حالهم في تلك الحال كحالهم في هذه الحال {أية : يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ } تفسير : [الأنفال: 6] لك أو لهم بالمعجزات {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} بالبراءة عن الحول والقوة والانسلاخ عن ملابس الأفعال والصفات النفسية {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} عند ذلك {أَنِّي مُمِدُّكُمْ} من عالم الملكوت لمشابهة قلوبكم إياه حينئذ {بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} أي القوى السماوية وروحانياتها {أية : مُرْدِفِينَ } تفسير : [الأنفال: 9] لملائكة أخرى وهو إجمال ما في آل عمران {أية : وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 124-125] أي ما جعل الله تعالى الإمداد / {إِلاَّ بُشْرَىٰ} أي بشارة لكم بالنصر {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} لما فيها من اتصالها بما يناسبها {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} والأسباب في الحقيقة ملغاة {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} قوي على النصر من غير سبب {أية : حَكِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 10] يفعله على مقتضى الحكمة وقد اقتضت فعله على الوجه المذكور {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} وهو هدو القوى البدنية والصفات النفسانية بنزول السكينة {أَمَنَةً مّنْهُ} أي أمناً من عنده سبحانه وتعالى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآء} أي سماء الروح {مَآءً} وهو ماء علم اليقين {لّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} عن حدث هواجس الوهم وجنابة حديث النفس {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـانِ} وسوسته وتخويفه {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي يقويها بقوة اليقين ويسكن جأشكم {أية : وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ } تفسير : [الأنفال: 11] إذ الشجاعة وثبات الأقدام في المخاوف من ثمرات قوة اليقين {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٰـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ} أي يمد الملكوت بالجبروت {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} لانقطاع المدد عنهم واستيلاء قتام الوهم عليهم {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ} لئلا يرفعوا رأساً {أية : وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } تفسير : [الأنفال: 12] لئلا يقدروا على المدافعة، وبعضهم جعل الإشارة في الآيات نفسية والخطاب فيها حسبما يليق له الخطاب من المرشد والسالك مثلاً، ولكل مقام مقال، وفي «تأويل النيسابوري» نبذة من ذلك فارجع إليه إن أردته وما ذكرناه يكفي لغرضنا وهو عدم إخلاء كتابنا من كلمات القوم ولا نتقيد بآفاقية أو أنفسية والله تعالى الموفق للرشاد، ثم إنه تعالى عاد كلامه إلى بيان بقية أحكام الواقعة وأحوالها وتقرير ما سبق حيث قال سبحانه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ}.
الواحدي
تفسير : {ومن يُوَلَّهِمْ يومئذٍ} أَيْ: يوم لقاء الكفَّار {دبره إلاَّ متحرِّفاً لقتال} مُنعطفاً مُستَطرداً يطلب العودة {أو متحيزاً} مُنضمَّاً {إلى فئة} لجماعةٍ يريدون العود إلى القتال {فقد باء بغضب من الله...} الآية. وأكثر المفسرين على أنَّ هذا الوعيد، إنَّما كان لمَنْ فرَّ يوم بدرٍ، وكان هذا خاصَّاً للمنهزم يوم بدرٍ. {فلم تقتلوهم} يعني: يوم بدرٍ {ولكنَّ الله قتلهم} بتسبيبه ذلك، من المعونة عليهم وتشجيع القلب {وما رميت إذ رميت} وذلك أنَّ جبريل عليه السَّلام قال للنبيِّ عليه السَّلام يوم بدرٍ: خذ قبضةً من تراب فارمهم بها، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضةً من حصى الوادي، فرمى بها في وجوه القوم، فلم يبقَ مشركٌ إلاَّ دخل عينيه منها شيءٌ، وكان ذلك سبب هزيمتهم، فقال الله تعالى: {وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى} أَيْ: إنَّ كفَّاً من حصى لا يملأ عيون ذلك الجيش الكثير برمية بَشرٍ، ولكنَّ الله تعالى تولَّى إيصال ذلك إلى أبصارهم {وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً} وينعم عليهم نعمةً عظيمةً بالنَّصر والغنيمة فعل ذلك. {إنَّ الله سميع} لدعائهم {عليم} بنيَّاتهم. {ذٰلكم وأنَّ الله موهن كيد الكافرين} يُهنِّىء رسوله بإيهانه كيد عدوِّه، حتى قُتلت جبابرتهم، وأُسِر أشرافهم. {إن تستفتحوا} هذا خطابٌ للمشركين، وذلك أنَّ أبا جهلٍ قال يوم بدرٍ: اللَّهم انصر أفضل الدِّينَيْن، وأهدى الفئتين، فقال الله تعالى: {إن تستفتحوا} تستنصروا لأَهْدى الفئتين {فقد جاءكم الفتح} النَّصر {وإن تنتهوا} عن الشِّرك بالله {فهو خير لكم وإن تعودوا} لقتال محمَّدٍ {نعد} عليكم بالقتل والأسر {ولن تغني عنكم} تدفع عنكم {فئتكم} جماعتكم {شئياً ولو كثرت} في العدد {وأنَّ الله مع المؤمنين} فالنَّصر لهم. {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه} لا تُعرضوا عنه بمخالفة أمره {وأنتم تسمعون} ما نزل من القرآن. {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} سماع قابلٍ، وليسوا كذلك، يعني: المنافقين، وقيل: أراد المشركين؛ لأنَّهم سمعوا ولم يتفكَّروا فيما سمعوا، فكانوا بمنزلة مَنْ لم يسمع. {إنَّ شرَّ الدواب عند الله الصمُّ البكم الذين لا يعقلون} يريد نفراً من المشركين كانوا صمَّاً عن الحقِّ، فلا يسمعونه، بُكماً عن التَّكلُّم به. بيَّن الله تعالى أنَّ هؤلاء شرُّ ما دبَّ على الأرض من الحيوان. {ولو علم الله فيهم خيراً} لو علم أنَّهم يصلحون بما يُورده عليهم من حججه وآياته {لأسمعهم} إيَّاها سماع تفهمٍ {ولو أسمعهم} بعد أن علم أن لا خير فيهم ما انتفعوا بذلك و {لتولوا وهم معرضون}.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَوْمَئِذٍ} {مَأْوَاهُ} (16) - وَلَكِنَّهُ تَعَالَى سَمَحَ لِلْمُقَاتِلِ بِحُرِّيَّةِ الحَرَكَةِ أثْنَاءَ المَعْرَكَةِ، كَأنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَكَانٍ فِي المَعْرَكَةِ إلى مَكَانٍ آخَرَ، لِنُصْرَةِ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، أوْ لِسَدِّ ثَغْرَةٍ نَفَذَ مِنْهَا العَدُوُّ، فَالمُهِمُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ هَدَفُ المُقَاتِلِ المُسْلِمِ النَّصْرَ أَوِ الشَّهَادَةِ، وَإِطَاعَةَ أَمْرِ القِيَادَةِ. أَمَّا الذِينَ يَتْرُكُونَ المَعْرَكَةَ فِرَاراً وَهَرَباً مِنَ المَوْتِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ بِالعَذَابِ الألِيمِ يَوْمَ القِيَامَةِ. (وَعَدَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم التَّولِيَّ يَوْمَ الزَّحْفِ مِنَ الكَبَائِرِ) (أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ) مُتَحَرِّفاً - مُظْهِراً الفِرَارَ خُدْعَةً ثُمَّ يَكُرُّ. مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ - مُنْضَمّاً إلى فِئَةٍ لِيُقَاتِلَ العَدُوَّ مَعَهَا. بَاء بِغَضَبٍ - رَجَعَ مُتَلَبِّساً بِهِ، مُسْتَحِقّاً لَهُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ونلحظ أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة لم يرتب الغضب منه إلا على من يولي الدبر هَرباً وفراراً من لقاء الأعداء. أما الذي يولي الدبر احتيالاً ولإيهام العدو بأنه ينسحب وفي ذات اللحظة يعاود الكرّة على العدو مطوّقاً له، فهذا هو المقاتل الحق والصادق في إيمانه الذي يمكر بالعدو. وكذلك من يولي الدبر متحيزاً إلى فئة مؤمنة ليعاود معها الهجوم على الأعداء حتى لا تضيع منه حياته بلا ثمن، فهذا أيضاً من أعمل فكرة ليُنزل بالعدو الخسارة؛ لأن المؤمن يحرص دائما على أن يكون موته بمقابل، فإذا ما وعده الله بالجنة. ألا يقاتل هو ليصيب الأعداء بالهزيمة؟. وكان ثمن المؤمن من قبل عشرة كافرين، بمعنى أن الله تعالى منح كل مؤمن قوةً تغلب عشرة، مصداقاً لقوله عز وجل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَٰبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفاً مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} تفسير : [الأنفال:65] ولكن علم الله أن بالمؤمنين ضعفاً فجعل مقابل المؤمن في المعركة اثنين من الكفار، مصداقاً لقوله تعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 66] ولذلك فإننا نجد الذي يفر أمام ثلاثة من الأعداء لا يسمى فارًا في الحكم الشرعي. لكن من يفر من مواجهة اثنين، يعد فارّاً؛ لأن الحق تعالى قال قبل أن يوجد فينا الضعف: {أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ} تفسير : [الأنفال: 65] أي أن المقاتل المؤمن كان يمكنه أن يواجه عشرة من الكافرين. فإن كان المقابل أقل من عشرة كافرين، فعلى المؤمن أن يحافظ على نفسه حتى لا يموت رخيص الثمن. ثم أوضح الحق سبحانه وتعالى أن الضعف سيصيب المؤمنين؛ لذلك قال: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ} تفسير : [الأنفال: 66]. وهكذا انتقلت النسبة بين المؤمنين والكافرين من واحد لعشرة، إلى مؤمن مقابل اثنين من الكفار، وهذا من رحمة الله تعالى، فمن رأى نفسه في مواجهة أكثر من اثنين من الأعداء يوضح له الحق تعالى: عليك أن تنحاز إلى فئة من المؤمنين تعصمك من نيلهم منك بلا ثمن. {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} [الأنفال: 16]. وعرفنا أن المتحرف للقتال هو صاحب الحيلة، ونقول في ألفاظنا التي تجري على ألسنتنا في حياتنا اليومية: "فلان حريف" أي لا يغلبه أمر ويحتال عليه، وهكذا يكون المتحرف في القتال الذي يكيد للكافرين ويدبر لهم أشياء فيظنون الانهزام، وهي في الواقع مقدمات للنصر، وقوله سبحانه: "أو متحيزا" مأخوذ من "الحيز"، وهو المكان الذي يشغله الجسم، وكل واحد منا له "حيز" في مكان يشغله، أي أن كل واحد منا متحز، والحيز هو الظرف المكاني الذي يسع الإنسان منا واسمه ظرف مكان، وكل واحد من المخاطبين له مكان وهو متحيز بطبيعته، وجاءت كلمة "متحيز" في هذه الآية لتوجه كل مؤمن مقاتل أن يأخذ لنفسه حيزاً جيداً يمكنه من إصابة الهدف، وكذلك تفيد ضرورة انضمام المقاتل دائما إلى فئة مع إخوانه بهدف تقوية المواجهة مع العدو. ومن لا يفعل ذلك فعليه أن يتلقى العقاب من الله، وقد بينه تعالى في قوله سبحانه: {فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [الأنفال: 16]. و"باء" تعني رجع، والتعبير الأدائي في القرآن الكريم مناسب لما فعلوه؛ لأن من يعطي الأعداء دبره فهو الراجع عن الزحف والقتال. لكن من يرجع بهدف الكيد للأعداء والمناورة في القتال أو لتقوية جماعة أخرى من المؤمنين، فهذا له وضع مختلف تماما، إنه ناصر لدين الله، عكس المنسحب الفار الذي يصحبه في انسحابه غضب من الله، والغضب من الله - كما نعلم - هو سبب من أسباب إنزال العذاب، ولهذا يقول الحق تبارك وتعالى: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الأنفال: 16]. والمأوى هو المكان الذي يأوي إليه الإنسان، ونعلم أن الواحد منا حين يرغب في الراحة فهو يأوي إلى المكان الذي يجد فيه الراحة والأمن من كل سوء. والفارُّ من مواجهة العدو في معارك الإسلام لن يجد مأوى إلا النار، بل وترحب به النار ويدور حوار بينها وبين الحق عز وجل يوم القيامة توضحه الآية الكريمة: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. ويُثْبتُ الحق في قرآنه الكريم أن النار تغتاظُ من الكافرين لأنها جندٌ من جنود الله تعالى ومسخرة لتنفيذ حكم الله، فمن خالف المنهج في الدنيا تتلقاه النار بتغيظ وزفير، ويسمع الكافرون تغطيتها حين تراهم من بعد، والحق سبحانه هو القائل: {أية : إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً} تفسير : [الفرقان: 12]. وحين تكون النار هي المأوى، أليس ذلك هو بئس المرجع؟. كأن الراجع من الزحف والفارَّ من مواجهة الأعداء ومخافة أن يُقتل، سيذهب إلى شيء شر من القتل. ثم يربب الحق في المؤمنين ويطلب منهم ألاّ يفتتنوا بالأسباب فيقول سبحانه: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ...}
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 300 : 6 : 25 - سفين عن جويبر عن الضحاك في قول الله {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال، إنما كانت لأهل بدر خاصة. لم تكن له فئة ينحازوا اليها. [الآية 16]. 301 : 7 : 13 - سفين عن جويبر عن الضحاك قال، لم يكن الفرار إلا يوم بدر، لأنه لم تكن فئة. 302 : 8 : 15 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال، قال عمر، انا فئة كل مسلم. [الآية 16].
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [16] 223- أنا أبو داود قال: أنا أبو زيد الهَرَوي، نا شعبة، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: نزلت في أهل بدر. 224- أنا حميد بن مسعدة، عن بشر، نا داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد: أُنزلت في يوم بدر {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} .
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):