Verse. 1175 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

يٰۗاَيُّھَا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْۗا اِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوْہُمُ الْاَدْبَارَ۝۱۵ۚ
Ya ayyuha allatheena amanoo itha laqeetumu allatheena kafaroo zahfan fala tuwalloohumu aladbara

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا» أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون «فلا تولُّوهم الأدبار» منهزمين.

15

Tafseer

الرازي

تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على أسته قبل أن يقوم، وشبه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فيمشي كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضراب. قال ثعلب: الزحف المشي قليلاً قليلاً إلى الشيء، ومنه الزحاف في الشعر يسقط مما بين حرفين. حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر. إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } أي متزاحفين نصب على الحال، ويجوز أن يكون حالاً للكفار، ويجوز أن يكون حالاً للمخاطبين وهم المؤمنون، والزحف مصدر موصوف به كالعدل والرضا، ولذلك لم يجمع، والمعنى: إذا ذهبتم إليهم للقتال، فلا تنهزموا، ومعنى {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلادْبَارَ } أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم. ثم إنه تعالى لما نهى عن هذا الانهزام بين أن هذا الانهزام محرم إلا في حالتين: إحداهما: أن يكون متحرفاً للقتال، والمراد منه أن يخيل إلى عدوه أنه منهزم. ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها، يقال: تحرف وانحرف إذا زال عن جهة الاستواء. والثانية: قوله: {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } قال أبو عبيدة: التحيز التنحي وفيه لغتان: التحيز والتحوز. قال الواحدي: وأصل هذا الحوز، وهو الجمع. يقال: حزته فانحاز وتحوز وتحيز إذا انضم واجتمع، ثم سمى التنحي تحيزاً، لأن المتنحى عن جانب ينفصل عنه ويميل إلى غيره. إذا عرفت هذا فنقول: الفئة الجماعة، فإذا كان هذا المتحيز كالمنفرد، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظن ذلك المنفرد أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن تحيز إلى جمع كان راجياً للخلاص، وطامعاً في العدو بالكثرة، فربما وجب عليه التحيز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون ذلك جائزاً والحاصل أن الانهزام من العدو حرام إلا في هاتين الحالتين. ثم إنه تعالى قال: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } إلا في هاتين الحالتين، فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير. المسألة الثانية: احتج القاضي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة، وذلك لأن الآية دلت على أن من انهزم إلا في هاتين الحالتين استوجب غضب الله ونار جهنم. قال وليس للمرجئة أن يحملوا هذه الآية على الكفار دون أهل الصلاة، كصنعهم في سائر آيات الوعيد، لأن هذا الوعيد مختص بأهل الصلاة. واعلم أن هذه المسألة قد ذكرناها على الاستقصاء في سورة البقرة، وذكرنا أن الاستدلال بهذه الظواهر لا يفيد إلا الظن، وقد ذكرنا أيضاً أنها معارضة بعمومات الوعد، وذكرنا أن الترجيح بجانب عمومات الوعد من الوجوه الكثيرة، فلا فائدة في الإعادة. المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في أن هذا الحكم هل هو مختص بيوم بدر أو هو حاصل على الإطلاق،فنقل عن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بمن كان انهزم يوم بدر، قالوا: والسبب في اختصاص يوم بدر بهذا الحكم أمور: أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضراً يوم بدر ومع حضوره لا يعد غيره فيه، أما لأجل أنه لا يساوي به سائر الفئات. بل هو أشرف وأعلى من الكل، وأما لأجل أن الله تعالى وعده بالنصر والظفر فلم يكن لهم التحيز إلى فئة أخرى. وثانيها: أنه تعالى شدد الأمر على أهل بدر، لأنه كان أول الجهاد ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم، فلهذا وجب عليهم التشدد والمبالغة، ولهذا السبب منع الله في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى. والقول الثاني: أن الحكم المذكور في هذه الآية كان عاماً في جميع الحروب، بدليل أن قوله تعالى: {ٱلنَّارِ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } عام فيتناول جميع السور، أقصى ما في الباب أنه نزل في واقعة بدر، لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. المسألة الرابعة: اختلفوا في أن جواز التحيز إلى فئة هل يحظر إذا كان العسكر عظيماً أو إنما يثبت إذا كان في العسكر خفة؟ قال بعضهم: إذا عظم العسكر فليس لهم هذا التحيز. وقال بعضهم: بل الكل سواء، وهذا أليق بالظاهر لأنه لم يفصل.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأُولى: قوله تعالى: {زَحْفاً} الزحف الدنوّ قليلاً قليلاً. وأصله الاندفاع على الألْيَة؛ ثم سُميّ كل ماشٍ في الحرب إلى آخر زاحفاً. والتزاحف: التداني والتقارب؛ يقال: زحف إلى العدوّ زحفاً. وٱزدحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زِحاف الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فَيزْحَف أحدهما إلى الآخر. يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفِرّوا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرّم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية: والأدبار جمع دُبُر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة؛ لأنها بشعة على الفارّ، ذامّة له. الثانية: أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مقيَّد بالشريطة المنصوصة في مِثْلَي المؤمنين؛ فإذا لقِيت فئة من المؤمنين فئة هي ضِعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفِرّوا أمامهم. فمن فرّ من ٱثنين فهو فارّ من الزحف. ومن فرّ من ثلاثة فليس بفارّ من الزحف، ولا يتوجّه عليه الوعيد. والفرار كبيرة مُوبِقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجِشون في الواضحة: إنه يراعى الضعف والقوّة والعدّة؛ فيجوز على قولهم أن يفِرّ مائة فارس من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعفُ ما عندهم. وأما على قول الجمهور فلا يحل فِرار مائة إلا مما زاد على المائتين؛ فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من ٱثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مُؤْتَة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لَخْم وجُذَام. قلت: ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقاً مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى ومِلك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عِنان؛ فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب: سمعت مالكاً يسأل عن القوم يلقون العدوّ أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدوّ وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال: إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. الثالثة: واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدرِيّ أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو ٱنحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. قال الكِيا: وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبيّ صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العِير؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. ويروى عن ابن عباس وسائِر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. ٱحتج الأوّلون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: «يَوْمَئِذٍ» فقالوا: هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. وبقي حكم الفِرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فرّ الناس يوم أُحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء: إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: {إِذَا لَقِيتُمُ}. وحكم الآية باقٍ إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أُخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا السبع الموبِقات ـ وفيه ـ والتولي يوم الزحف»تفسير : وهذا نص في المسألة. وأما يوم أُحد فإنما فرّ الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا. وأما يوم حنين فكذلك من فرّ إنما انكشف عن الكثرة؛ على ما يأتي بيانه. الرابعة: قال ابن القاسم: لا تجوز شهادة من فرّ من الزحف، ولا يجوز لهم الفِرار وإن فرّ إمامهم؛ لقوله عز وجل: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الآية. قال: ويجوز الفِرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين ٱثني عشر ألفاً؛ فإن بلغ اثني عشر ألفاً لم يحِل لهم الفِرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ولن يغلب ٱثنا عشر ألفاً من قِلة»تفسير : فإن أكثر أهل العلم خصّصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. قلت ـ رواه أبو بشر وأبو سلمة العامليّ، وهو الحكم بن عبد الله بن خُطّاف وهو متروك. قالا: حدّثنا الزهرِيّ عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا أكْثَم بن الجَوْن ٱغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى ٱثنا عشر ألفاً من قِلة»تفسير : . وروى عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعُمَرِيّ العابد إذْ سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غيّر الأحكام وبدّلها؟ فقال: إن كان معك ٱثنا عشر ألفاً فلا سعة لك في ذلك. الخامسة: فإن فرّ فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذِيّ عن بلال بن يسار بن زيد قال: حدّثني أبي عن جدّي سمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فرّ من الزحف»تفسير : . قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. السادسة: قوله تعالى: {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} التحرف: الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم؛ وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضاً. روى أبو داود حديث : عن عبد الله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال: فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا: ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد. قال: فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال: فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا: نحن الفرّارون؛ فأقبل إلينا فقال: «لا بل أنتم العكارون» قال: فدنونا فقبلنا يده. فقال: «أنا فئة المسلمين»تفسير : . قال ثعلب: العكارون هم العطافون. وقال غيره: يقال للرجل الذي يولّي عند الحرب ثم يكر راجعاً: عَكَر وٱعتكر. وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال: ٱنهزم رجل من القادسِية فأتى المدينة إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر: أنا فئتك. وقال محمد بن سِيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إليّ لكنت له فئة، فأنا فئة كل مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة؛ لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة؛ لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة. قالوا: وإنما كان ذلك القول من النبيّ صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مِراراً. والله أعلم. وفي قوله «حديث : والتولي يوم الزحف» تفسير : ما يكفي. السابعة: قوله تعالىٰ: {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي ٱستحق الغضب. وأصل «باء» رجع. وقد تقدم. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود؛ كما تقدّم في غير موضع. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم غفر له وإن كان قد فرّ من الزحف».

البيضاوي

تفسير : {يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } كثيراً بحيث يرى لكثرتهم كأنهم يزحفون، وهو مصدر زحف الصبي إذا دب على مقعده قليلاً قليلاً، سمي به وجمع على زحوف وانتصابه على الحال. {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} بالانهزام فضلاً أن يكونوا مثلكم أو أقل منكم، والأظهر أنها محكمة مخصوصة بقوله: {أية : حَرّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَى ٱلْقِتَالِ }تفسير : [الأنفال: 65] الآية، ويجوز أن ينتصب زحفاً حالاً من الفاعل والمفعول أي: إذا لقيتموهم متزحفين يدبون إليكم وتدبون إليهم فلا تنهزموا، أو من الفاعل وحده ويكون إشعاراً بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم إِثنا عشر ألفاً.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى متوعداً على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} أي: تقاربتم منهم، ودنوتم إليهم، {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} أي: تفروا وتتركوا أصحابكم، {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي: يفر بين يدي قرنه مكيدة؛ ليريه أنه قد خاف منه، فيتبعه ثم يكر عليه فيقتله، فلا بأس عليه في ذلك، نص عليه سعيد بن جبير والسدي، وقال الضحاك: أن يتقدم عن أصحابه؛ ليرى غرة من العدو فيصيبها، {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أي: فر من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين، يعاونهم ويعاونونه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سرية، ففر إلى أميره، أو الإمام الأعظم، دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا زهير، حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع، وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: «حديث : من القوم؟» تفسير : فقلنا: نحن الفرارون، فقال: «حديث : لا، بل أنتم العكارون، أنا فئتكم، وأنا فئة المسلمين» تفسير : قال: فأتيناه حتى قبلنا يده. وهكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من طرق عن يزيد بن أبي زياد. وقال الترمذي: حسن، لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زياد. ورواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن أبي زياد به، وزاد في آخره: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} قال أهل العلم: معنى قوله: «العكارون» أي: العطافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أبي عبيد لما قتل على الجسر بأرض فارس؛ لكثرة الجيش من ناحية المجوس، فقال عمر: لو تحيز إلي، لكنت له فئة. هكذا رواه محمد بن سيرين عن عمر. وفي رواية أبي عثمان النهدي عن عمر قال: لما قتل أبو عبيد، قال عمر: أيها الناس أنا فئتكم. وقال مجاهد: قال عمر: أنا فئة كل مسلم، وقال عبد الملك بن عمير عن عمر: أيها الناس لا تغرنكم هذه الآية، فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان بن عبد الله المصري، حدثنا خلاد بن سليمان الحضرمي، حدثنا نافع: أنه سأل ابن عمر، قلت: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا، ولا ندري من الفئة، إمامنا أو عسكرنا؟ فقال: إن الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الله يقول: {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} الآية، فقال: إنما أنزلت هذه الآية في يوم بدر، لا قبلها ولا بعدها، وقال الضحاك في قوله: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} المتحيز: الفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب، فإنه حرام وكبيرة من الكبائر؛ لما رواه البخاري ومسلم في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات» تفسير : قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: «حديث : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» تفسير : وله شواهد من وجوه أخر، ولهذا قال تعالى: {فَقَدْ بَآءَ} أي: رجع {بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ} أي: مصيره ومنقلبه يوم ميعاده {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ}. وقال الإمام أحمد: حدثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبد الله بن عمر الرقي عن زيد بن أبي أنيسة، حدثنا جبلة بن سحيم عن أبي المثنى العبدي، سمعت السدوسي، يعني: ابن الخصاصية، وهو بشير بن معبد قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه، فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: يا رسول الله أما اثنتان، فو الله لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر، فقد باء بغضب من الله، فأخاف إن حضرت ذلك، خشعت نفسي، وكرهت الموت، والصدقة، فو الله ما لي إلا غنيمة وعشر ذَوْدٍ هنّ رسل أهلي وحمولتهم، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده، ثم قال: «حديث : فلا جهاد ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذاً؟» تفسير : قلت: يا رسول الله أنا أبايعك، فبايعته عليهن كلهن، هذا حديث غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه في الكتب الستة. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم أبو النضر، حدثنا يزيد بن ربيعة، حدثنا أبو الأشعث عن ثوبان مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف» تفسير : وهذا أيضاً حديث غريب جداً، وقال الطبراني أيضاً: حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حفص بن عمر السني، حدثني عمرو بن مرة قال: سمعت بلال بن يسار بن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمعت أبي يحدث عن جدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو وأتوب إليه، غفر له، وإن كان قد فر من الزحف» تفسير : وهكذا رواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل به، وأخرجه الترمذي عن البخاري عن موسى بن إسماعيل به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، قلت: ولا يعرف لزيد مولى النبي صلى الله عليه وسلم عنه سواه، وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراماً على الصحابة؛ لأنه كان فرض عين عليهم. وقيل: على الأنصار خاصة؛ لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة، يروى هذا عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي نضرة ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير والحسن البصري وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم، وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» تفسير : ولهذا قال عبد الله بن المبارك عن مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم، فإن انحاز إلى فئة أو مصر، أحسبه قال: فلا بأس عليه، وقال ابن المبارك عن المبارك أيضاً عن ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال: أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} فلما كان يوم أحد بعد ذلك، قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ}} تفسير : - إلى قوله - {أية : وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ}تفسير : [آل عمران: 155] إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين قال: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25] {أية : ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَآءُ} تفسير : [التوبة: 27] وفي سنن أبي داود والنسائي ومستدرك الحاكم وتفسير ابن جرير وابن مردويه من حديث داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراماً على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٱأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } منهزمين.

الشوكاني

.تفسير : الزحف: الدنوّ قليلاً قليلاً، وأصله الاندفاع على الإلية. ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفاً. والتزاحف: التداني والتقارب. تقول زحف إلى العدوّ زحفاً، وازدحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض، وانتصاب {زحفاً} إما على أنه مصدر لفعل محذوف، أي تزحفون زحفاً، أو على أنه حال من المؤمنين، أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار، أو حال من الذين كفروا، أي حال كون الكفار زاحفين إليكم، أو حال من الفريقين، أي متزاحفين. {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأدْبَارَ } نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم، وقد دبّ بعضهم إلى بعض للقتال، فظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن، وعلى كل حال، إلا حالة التحرّف والتحيز. وقد روي عن عمر، وابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي نضرة، وعكرمة، ونافع، والحسن، وقتادة، وزيد بن أبي حبيب، والضحاك: أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر. وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين، إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا لهم فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم. فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. وبه قال أبو حنيفة، قالوا: ويؤيده قوله: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } فإنه إشارة إلى يوم بدر. وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الضعف. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة، وأن الفرار من الزحف محرّم، ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر. وأجيب عن قول الأوّلين بأن الإشارة في {يَوْمَئِذٍ } إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف كما يفيده السياق، ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف. بل هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط ما بينه الله في آية الضعف، ولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها، فقد كان في المدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، لأنه صلى الله عليه وسلم ومن خرج معه لم يكونوا يرون في الابتداء أنه سيكون قتال. ويؤيد هذا ورود الأحاديث الصحيحة المصرّحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر كما في حديث: «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات"تفسير : ، وفيه: "حديث : والتولي يوم الزحف» تفسير : ونحوه من الأحاديث، وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه، وهو مبين في مواطنه. قال ابن عطية: والأدبار جمع دبر، والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفارّ والذمّ له. قوله: {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ} التحرف: الزوال عن جهة الاستواء. والمراد به هنا التحرّف من جانب إلى جانب في المعركة طلباً لمكائد الحرب، وخداعاً للعدوّ، وكمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدوّ، فيكرّ عليه ويتمكن منه، ونحو ذلك من مكائد الحرب، فإن الحرب خدعة. قوله: {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } أي: إلى جماعة من المسلمين، غير الجماعة المقابلة للعدوّ. وانتصاب {متحرّفاً} و{متحيزاً} على الاستثناء من المولين، أي ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرّفاً أو متحيزاً. ويجوز انتصابهما على الحال، ويكون حرف الاستثناء لغواً لا عمل له. وجملة {فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } جزاء للشرط. والمعنى: من ينهزم ويفرّ من الزحف، فقد رجع بغضب كائن من الله إلاّ المتحرّف والمتحيز. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ } أي: المكان الذي يأوي إليه هو النار. ففراره أوقعه إلى ما هو أشدّ بلاء مما فرّ منه وأعظم عقوبة. والمأوى: ما يأوى إليه الإنسان {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفرّ عن الزحف، وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة. قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } الفاء جواب شرط مقدّر، أي إذا عرفتم ما قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة، وإيقاع الرعب في قلوبهم، فلم تقتلوهم ولكنّ الله قتلهم بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر. قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } اختلف المفسرون في هذا الرمى على أقوال: فروي عن مالك أن المراد به: ما كان منه صلى الله عليه وسلم في يوم حنين، فإنه رمى المشركين بقبضة من حصباء الوادي، فأصابت كل واحد منهم. وقيل المراد به: الرمية التي رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبيّ بن خلف بالحربة في عنقه، فانهزم ومات منها. وقيل المراد به: السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حصن خيبر، فسار في الهوى حتى أصاب ابن أبي الحقيق، وهو على فراشه. وهذه الأقوال ضعيفة، فإن الآية نزلت عقب وقعة بدر. وأيضاً المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي الحقيق: أنه وقع على صورة غير هذه الصورة. والصحيح كما قال ابن إسحاق وغيره، أن المراد بالرمي المذكور في هذه الآية هو: ما كان منه صلى الله عليه وسلم في يوم بدر، فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين، فأصابت كل واحد منهم ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه. قال ثعلب: المعنى {وَمَا رَمَيْتَ } الفزع والرعب في قلوبهم {إِذْ رَمَيْتَ } بالحصباء فانهزموا {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } أي: أعانك وأظفرك، والعرب تقول: رمى الله لك، أي أعانك وأظفرك وصنع لك. وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز. وقال محمد بن يزيد المبرد: المعنى {وَمَا رَمَيْتَ } بقوّتك {إِذْ رَمَيْتَ } ولكنك بقوّة الله رميت. وقيل المعنى: إن تلك الرمية بالقبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله، حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه، لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عزّ وجلّ، فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، هكذا في الكشاف. قوله: {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } البلاء ها هنا: النعمة. والمعنى: ولينعم على المؤمنين إنعاماً جميلاً. واللام متعلقة بمحذوف، أي وللإنعام عليهم بنعمه الجميلة فعل ذلك لا لغيره، أو الواو عاطفة لما بعدها على علة مقدرة قبلها، أي ولكن الله رمى، ليمحق الكافرين، وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً. {وإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } لدعائهم، عليم بأحوالهم. والإشارة بقوله {ذلكم} إلى البلاء الحسن، وهو في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الغرض {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: إن الغرض منه سبحانه بما وقع مما حكته الآيات السابقة، إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين. وقيل المشار إليه القتل والرمي. وقد قرىء بتشديد الهاء وتخفيفها مع التنوين، وقرأ الحسن بتخفيف الهاء مع الإضافة، والكيد: المكر. وقد تقدّم بيانه. وقد أخرج البخاري في تاريخه، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن نافع، أنه سأل ابن عمر قال: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدوّنا، ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا؟ فقال لي: الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن الله يقول: {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } قال: إنما نزلت هذه الآية في أهل بدر، لا قبلها ولا بعدها. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في ناسخه، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه، عن أبي سعيد الخدري، في قوله: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } الآية قال: إنها كانت لأهل بدر خاصة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عمر بن الخطاب قال: لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في الآية قال: نزلت في أهل بدر خاصة ما كان لهم أن ينهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوه. وقد روي اختصاص هذه الآية بأهل بدر عن جماعة من التابعين ومن بعدهم، وقد قدّمنا الإشارة إلى ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن جبير، في قوله: {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ } يعني: مستطرداً يريد الكرّة على المشركين {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ } يعني: أو ينجاز إلى أصحابه من غير هزيمة {فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ } يقول: استوجبوا سخطاً من الله {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } فهذا يوم بدر خاصة، كان شديداً على المسلمين يومئذ، ليقطع دابر الكافرين وهو أول قتال قاتل المشركين من أهل مكة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الضحاك قال: المتحرّف: المتقدّم من أصحابه أن يرى عورة من العدوّ فيصيبها. والمتحيز: الفارّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك من فرّ اليوم إلى أميره وأصحابه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن عطاء بن أبي رباح، في قوله: {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } قال: هذه الآية منسوخة بالآية التي في الأنفال {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ } تفسير : الآية [الأنفال: 66]. وأخرج سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، واللفظ له، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر قال: كنا في غزاة فحاص الناس حيصة، قلنا: كيف نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب؟ فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال: "حديث : من القوم؟"تفسير : فقالنا: نحن الفرّارون، فقال: "حديث : لا، بل أنتم العكارون"تفسير : . فقبلنا يده فقال: "حديث : أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين، ثم قرأ {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ}".تفسير : وقد روي في تحريم الفرار من الزحف، وأنه من الكبائر أحاديث، وورد عن جماعة من الصحابة أنه من الكبائر، كما أخرجه ابن جرير، عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن عمر. وأخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، عن علي بن أبي طالب. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } قال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: هذا قتلت وهذا قتلت {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } قال لمحمد صلى الله عليه وسلم حين حصب الكفار. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، في قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } قال: رماهم يوم بدر بالحصباء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء وقال: "حديث : شاهت الوجوه"تفسير : ، فانهزمنا، فذلك قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } الآية. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن جابر، قال: سمعت صوت حصيات وقعن من السماء يوم بدر، كأنهنّ وقعن في طست، فلما اصطفّ الناس أخذهنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى بهنّ في وجوه المشركين، فانهزموا. فذلك قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }. وأخرج الطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه عن ابن عباس، في قوله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ } قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ "حديث : ناولني قبضة من حصباء"تفسير : ، فناوله فرمى بها في وجوه القوم، فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء، فنزلت هذه الآية {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، قال: لما كان يوم أحد أخذ أبيّ بن خلف يركض فرسه حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعترض رجال من المسلمين لأبيّ بن خلف ليقتلوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : استأخروا"تفسير : ، فاستأخروا فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حربته في يده، فرمى بها أبيّ بن خلف، وكسر ضلعاً من أضلاعه، فرجع أبيّ بن خلف إلى أصحابه ثقيلاً، فاحتملوه حين ولوا قافلين، فطفقوا يقولون لا بأس، فقال أبيّ حين قالوا له ذلك: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات ببعض الطريق، فدفنوه. قال ابن المسيب: وفي ذلك أنزل الله {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب، والزهري نحوه، وإسناده صحيح إليهما، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك. قال ابن كثير: وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جدّاً، ولعلهما أرادا أن الآية تتناولهما بعمومها، وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير كما سيأتي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن جبير: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [لما خرج] يؤم ابن أبي الحقيق دعا بقوس فرمى بها الحصن، فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه، فأنزل الله: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }. وأخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عروة بن الزبير، في قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } أي: لم يكن ذلك برميتك لولا الذي جعل الله من نصرك وما ألقى في صدور عدوّك حتى هزمهم {وَلِيُبْلِىَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوّهم مع كثرة عدوّهم وقلة عددهم ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} والزحف: الدنو قليلاً قليلاً. {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} يعني بالهزيمة منهم والانصراف عنهم. وفيه قولان: أحدهما: أن هذا على العموم في تحريم الهزيمة بعد لقاء العدو. والثاني: مخصوص وهو أن الله تعالى أوجب في أول الإِسلام على كل رجل من المسلمين أن يقف بإزاء عشرة من المشركين لا يحل له بعد اللقاء أن ينهزم عنهم وذلك بقوله: {أية : إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابرُونَ يَغْلِبُواْ مِائَتَينِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةُ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِنَ الَّذينَ كَفرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} تفسير : [الأنفال: 65] وفيه وجهان: أحدهما: لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليه من الإسلام. الثاني: لا يعلمون ما فرضه الله تعالى عليهم من القتال. ثم نسخ ذلك عنهم بعد كثرتهم واشتداد شوكتهم فأوجب الله تعالى على كل رجل لاقى المشركين محارباً أن يقف بإزاء رجلين بعد أن كان عليه أن يقف بإزاء عشرة تخفيفاً ورخصة وذلك قوله تعالى: {الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وعَلِمَ أَنَّ فِيكُم ضَعْفاً}. قرىء بضم الضاد وفتحها، وفي اختلاف القراءتين وجهان: أحدهما: أنهما لغتان ومعناهما واحد،قاله الفراء. والثاني: معناهما مختلف. وفي اختلافهما وجهان: أحدهما: أنها بالفتح: الضعف في الأموال، وبالضم: الضعف في الأحوال. الثاني: أنها بالفتح: الضعف في النيات، وبالضم: الضعف في الأبدان. وقيل بعكس الوجهين في الوجهين. ثم قال: {فَإِن يَكُن مِّنكم مَّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مَائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ ألْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَينِ بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} فيه تأويلان: أحدهما: مع الصابرين على القتال في معونتهم على أعدائهم. الثاني: مع الصابرين على الطاعة في قبول عملهم وإجزال ثوابهم، فصار حتماً على من لاقى عدوه من المشركين زحفاً أن لا ينهزم مع القوة على المصابرة حتى يقضي الله من أمره ما شاء فأما الهزيمة مع العجز عن المصابرة فإن قاتله أكثر من مثليه جاز أن يُولي عنهم منهزماً، وإن قاتله مثلاه فمن دون حرم عليه أن يوليّ عنهم منهزماً على صفتين: إما أن يتحرف لقتال وهو أن يهرب ليطلب، ويفر ليكر فإن الحرب كرٌ وفرٌ، وهرب وطلب، وإما أن يتحيز إلى فئة أخرى ليقاتل معها، قربت الفئة أو بعدت، وذلك ظاهر في قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَومَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ} أي صار بالمكان الذي يحق عليه غضب الله، مأخوذ من المبوأ وهو المكان. ومذهب الشافعي وأصحابه وموافقيه أن هذا على العموم، محكوم به في كل مسلم لاقى عدواً، وبه قال عبد الله بن عباس. وحكي عن الحسن، وقتادة، والضحاك: أن ذلك خاص في أهل بدر، وبه قال أبو حنيفة.

ابن عبد السلام

تفسير : {زَحْفاً} الدنو قليلاً قليلاً. {فَلا تُوَلُّوهُمُ} ولا تنهزموا، عام في كل مسلم لاقى العدو، أو خاص بأهل بدر، ولزمهم في أول الإسلام أن لا ينهزم المسلم عن عشرة بقوله ـ تعالى ـ {أية : لاَّ يَفْقَهُونَ}تفسير : [الأنفال: 65] ما فرض الله ـ تعالى ـ عليهم من الإسلام، أو لا يعلمون ما فرض عليهم من القتال، فلما كثروا واشتدت شوكتهم نسخ ذلك بقوله ـ تعالى ـ: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ [وعلم أن فيكم] ضَعْفاً}تفسير : [الأنفال: 66] و {ضَعْفاً} واحد، أو بالفتح في الأموال وبالضم في الأحوال، أو بالضم في النيات وبالفتح في الأبدان، أو بالعكس فيهما. {مَعَ الصَّابِرينَ} على القتال بإعانتهم على أعدائهم أو الصابرين على الطاعة بإجزال ثوابهم.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} الآية. في "زَحْفاً" وجهان: أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدر، وذلك النّاصب له في محلِّ نصب على الحال، والتقديرُ: إذا لقيتُمُ الذين كَفَرُوا زَاحِفينَ زَحْفاً أو يَزْحَفُونَ زحفاً. والثاني: أنه منصوبٌ على الحال بنفسه، ثُمَّ اختلفوا في صاحب الحال، فقيل: الفاعلُ أي وأنتم زَحْفٌ من الزُّحوفِ، أي: جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً، على حسب ما يُفَسَّر به الزَّحْف، وسيأتي. وقيل: هو المفعول، أي: وَهُمْ جَمٌّ كثير، أو يمشون إليكم. وقيل: هي حالٌ منهما، أي: لقيتموهم مُتزاحفين بعضكم إلى بعض، والزَّحْفُ الدُّنو قليلاً قليلاً، يقال: زَحَفَ يَزْحَفُ إليه بالفتح فيهما فهو زَاحفٌ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحَفَ وأزْحَفَ لنا عَدُوُّنَا، أي: دَنَوا لقتالنا. وقال اللَّيْثُ: الزَّحْفُ: الجماعةُ يمشون إلى عدوِّهم؛ قال الأعشى: [الكامل] شعر : 2686 - لِمَنِ الظَّعَائنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ مِثْلَ السَّفينِ إذَا تَقَاذَفُ تَجْدِفُ تفسير : وهذا من باب إطلاق المصدر على العين، والزَّحْفُ: الدَّبيب أيضاً، مِنْ زَحَفَ الصبيُّ قال امرؤُ القيس: [المتقارب] شعر : 2687 - فَزَحْفاً أتَيْتُ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَثَوْباً لَبِسْتُ وثَوْباً أجُرّ تفسير : ويجوزُ جمعُهُ على: زُحُوف ومَزَاحِف، لاختلافِ النوع؛ قال الهذليُّ: [الوافر] شعر : 2688 - كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فِيهِ قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثَارُ السِّيَاطِ تفسير : ومَزاحِف: جمع "مَزْحَف" اسم المصدر. قوله: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} مفعول: "تولُّوهم" الثَّاني هو "الأدْبار"، وكذا "دُبُره" مفعول ثان لـ: "يُولِّهِمْ" وقرأ الحسن: بالسُّكونِ كقولهم: عُنْق في عُنُق، وهذا من باب التَّعريض حيث ذكر لهم حالةً تُسْتَهْجَنُ من فاعلها؛ فأتى بلفظ الدُّبُر دُونَ الظَّهر لذلك، وبعضهم من أهل علم البيان سمَّى هذا النوع كنايةً، وليس بشيء. قوله: "إلاَّ مُتَحرفاً" في نصبه وجهان: أحدهما: أنَّهُ حال. والثاني: أنه استثناء وقد أوضح ذلك الزمخشري. فقال: "فإن قلت: بِمَ انتصبَ: "إلاَّ مُتَحرِّفاً"؟ قلتُ: على الحالِ و "إلاَّ" لغوٌ، أو على الاستثناءِ من المُولِّين: أي ومنْ يُولِّهم إلا رجلاً منهم مُتَحرفاً أو مُتَحيزاً". قال أبُو حيان: "لا يريدُ بقوله "إلاَّ" لغوٌ أنَّها زائدةٌ، إنَّما يريد أنَّ العامل وهو "يُولِّهِمْ" وصل لِمَا بعدها كقولهم في "لا" من قولهم: جئت بلا زاد - إنَّها لغوٌ. وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال محذوفة والتقدير: ومَنْ يُولِّهم ملتبساً بأية حال إلاَّ من حال كذا، وإن لم تُقدَّرُ حالٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ "إلاَّ" لأن الشَّرط عندهم واجبٌ، والواجبُ حكمُهُ ألاَّ تدخل "إلاَّ" فيه لا في المفعول، ولا في غيره من الفضلات، لأنه استثناء مُفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب، إنَّما يكون مع النفي أو النهي أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤوَّل". قال شهابُ الدِّينِ: "قوله لا في المفعول ولا في غيره من الفضلات، لا حاجة إليه لأنَّ الاستثناء المفرغ لا يدخل في الإيجاب مطلقاً، سواءٌ أكان ما بعد إلاَّ فضلةً أو عمدةً فذكرُ الفضلةِ والمفعول يوهم جوازه في غيرهما". وقال ابنُ عطيَّة: "وأمَّا الاستثناءُ فهو من المُولِّين الذين تتضمَّنهم "مَنْ" فجعل نصبه على الاستثناء". وقال جماعةٌ: إنَّ الاستثناءَ من أنواع التولِّي، ورُدَّ هذا بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون التركيبُ: إلاَّ تحيُّزاً أو تحرُّفاً، والتَّحيُّزُ والتَّحَوُّزُ: الانضمامُ، وتحوَّزت الحيَّة: انطوَتْ، وحُزْتُ الشَّيء: ضَمَمْتُهُ، والحَوْزَةُ: ما يَضُمُّ الأشياء، ووزنُ "متحيَِز" "مُتَفَيعِل" والأصل "مُتَحَيْوِز" فاجتمعت الياء والواو، وسبقت إحداهما بالسُّكُون فقلبت الواو ياءً، وأدغمت في الباء بعدها، كـ: مَيِّت، ولا يجوزُ أن يكون: "مُتفَعِّلاً"؛ لأنَّه لو كان كذلك لكان "متحوِّزاً"، فأمَّا متحوِّز فـ "متفعِّل". فصل معنى الآية: إذا ذهبتم للقتال، فلا تولوهم الأدْبَارَ: أي لا تنهزموا، فتجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم ثم بيَّن أنَّ الانهزام محرم إلاَّ في حالتين: إحداهما: أن يكون مُتحَرّفاً للقتال، أي: أنه يجعل تحرفه أنه منهزم، ثم ينعطف عليه، وهو أحد أبواب خدع الحرب ومكايدها. يقال: تحرَّف وانحرف إذا زالَ عن وجهة الاستواء. والثانية: قوله {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} والتَّحيز الانضمام كما تقدَّم، والفئة الجماعةُ، فإذا كان هذا المنهزم منفرداً، وفي الكفار كثرة، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة، وإن انضمَّ إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال، فربَّمَا وجب عليه التَّحيُّز إلى هذه الفئة فضلاً عن أن يكون جائزاً. والحاصل أن الانهزام من العدو حرام، إلاَّ في هاتين الحالتين، وهذا ليس بانهزام في الحقيقة ثمَّ قال تعالى: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} إلاَّ في هاتين الحالتين {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ} في الآخرة {جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الأنفال: 16]. فصل قال أبو سعيد الخدري: هذا في أصحاب بدر خاصة؛ لأن ما كان يجوز لهم الانهزام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم، ولم يكن فئة يتحيّزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم وقد وعده الله بالنّصر والظّفر فلم يكن لهم التحيّز إلى فئةٍ أخرى. وأيضاً فإنَّ اللَّه شدد الأمر على أهل بدرٍ؛ لأنه كان أول جهاد، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه، لزم منه الخلل العظيم. فلهذا وجب التشديدُ والمبالغة، ومنع اللَّهُ في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى لهذا السَّبب، وهذا قول الحسنِ وقتادة والضحاك. قال يزيدُ بن أبي حبيب: أوجب اللَّهُ النار لِمَنْ فَرَّ يوم بدر، فلمَّا كان يوم أحد قال: {أية : إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ}تفسير : [آل عمران: 155]. ثم كان يوم حنين بعده فقال: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}تفسير : [التوبة: 25]. ثم قال بعده {أية : ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ}تفسير : [التوبة: 27]. وقال عبدُ الله بنُ عُمَرَ: حديث : كُنَّا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحاص النَّاسُ حَيْصَةً، فانْهَزَمْنَا، فقُلْنَا يا رسول الله: نَحْنُ الفَرَّارُونَ، فقال: "لا بَلْ أنتُمْ العَكَّارُونَ" أنَا فِئَةُ المُسلمينَ . تفسير : وقال محمدُ بن سيرين: "لما قُتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال: لو انحاز إليَّ كنتُ له فئةٌ فأنا فئةُ كلِّ مُسْلِمٍ". وقيل: حكم الآية عام في كل حرب، ويؤيده قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : من الكبائر الفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ"تفسير : والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب. وقال عطاءُ بن أبي رباح: "هذه الآية منسوخةٌ بقوله: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ}تفسير : [الأنفال: 66] فليس للقوم أن يفرُّوا من مثلهم فنسخت تلك إلاَّ في هذه العدة. وعلى هذا أكثر أهل العلم أنَّ المسلمين إذا كانوا على الشطر من عددهم لا يجوز لهم الفرار إلاَّ مُتحرفاً أو مُتحيِّزاً إلى فئةٍ، وإن كانوا أقلَّ من ذلك جاز لهم أن يولوا عنهم وينحازوا عنهم". قال ابن عباس: "مَنْ فرَّ من ثلاثة فلم يفر، ومن فَرَّ من اثنين فقد فرّ".

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري في تاريخه والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه عن نافع رضي الله عنه أنه سأل ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة أمامنا أو عسكرنا‏؟‏ فقال لي‏:‏ الفئة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقلت‏:‏ إن الله تعالى يقول ‏{‏إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار‏}‏ قال‏:‏ إنما أنزلت هذه الآية في أهل بدر لا قبلها ولا بعدها. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ وابن مردويه والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قوله ‏{‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ قال‏:‏ إنها كانت لأهل بدر خاصة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي نضرة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ نزلت يوم بدر ولم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لم ينحازوا إلا للمشركين‏. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ لا تغرنكم هذه الآية فإنها كانت يوم بدر، وأنا فئة لكل مسلم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ ذاكم يوم بدر لأنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية قال‏:‏ نزلت في أهل بدر خاصة، ما كان لهم أن يهزموا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركوه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ قال‏:‏ إنما كانت يوم بدر خاصة، ليس الفرار من الزحف من الكبائر‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ قال‏:‏ ذاك في يوم بدر‏. وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن أبي شيبة وابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ إنما كان يوم بدر ولم يكن للمسلمين فئة ينحازون إليها‏. وأخرج عبد الرزاق عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ قال‏:‏ يرون أن ذلك في بدر، ألا ترى أنه يقول ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن يزيد بن أبي حبيب رضي الله عنه قال‏:‏ أوجب الله تعالى لمن فر يوم بدر النار‏.‏ قال‏:‏ ومن يولهم يومئذ دبره إلى قوله ‏{‏فقد باء بغضب من الله‏} ‏ فلما كان يوم أحد بعد ذلك قال {أية : إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم‏}‏ ‏تفسير : [‏آل عمران: 155‏]‏ ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين فقال ‏{أية : ‏ثم وليتم مدبرين‏}‏ ‏تفسير : [‏التوبة : 25‏]‏‏.‏ ‏{أية : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء‏} تفسير : ‏[‏التوبة: 27‏]‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ قال‏:‏ يعني يوم بدر خاصة منهزماً ‏{‏إلا متحرفاً لقتال‏}‏ يعني مستطرداً يريد الكرة على المشركين ‏ {‏أو متحيزاً إلى فئة‏} ‏ يعني أو ينحاز إلى أصحابه من غير هزيمة ‏ {‏فقد باء بغضب من الله‏}‏ يقول‏:‏ استوجب سخطاً من الله ‏ {‏ومأواه جهنم وبئس المصير‏} ‏ فهذا يوم بدر خاصة، كأن الله شدد على المسلمين يومئذ ليقطع دابر الكافرين، وهو أول قتال قاتل فيه المشركين من أهل مكة‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ المتحرف‏:‏ المتقدم في أصحابه، إنه يرى غرة من العدو فيصيبها، والمتحيز‏:‏ الفار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره وأصحابه قال‏:‏ وإنما هذه وعيد من الله تعالى لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يفروا، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم ثبتهم‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عطاء بن أبي رباح رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ومن يولهم يومئذ دبره‏} ‏ قال‏:‏ هذه منسوخة بالآية التي في الأنفال {أية : الآن خفف الله عنكم‏}‏ تفسير : ‏[‏الأنفال: 66‏]‏‏. وأخرج ابن جرير والنحاس في ناسخه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ الفرار من الزحف من الكبائر لأن الله تعالى قال ‏{‏ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال‏} ‏ الآية‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ الفرار من الزحف من الكبائر. وأخرج سعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري في الأدب المفرد واللفظ له وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : كنا في غزاة، فحاص الناس حيصه قلنا‏:‏ كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب‏؟‏‏!‏ فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فخرج فقال "من القوم‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فقلنا‏:‏ نحن الفرارون‏.‏ فقال‏: لا بل أنتم العكارون‏.‏ فقبلنا يده فقال‏:‏ أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين، ثم قرأ ‏ {‏إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة‏}‏ ‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن مردويه عن أمامة رضي الله عنها مولاة النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ كنت أوضىء النبي صلى الله عليه وسلم أفرغ على يديه، إذ دخل عليه رجل فقال‏:‏ يا رسول الله أريد اللحوق بأهلي فأوصني بوصية أحفظها عنك‏.‏ قال ‏"‏حديث : لا تفر يوم الزحف، فإنه من فرَّ يوم الزحف فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ من فر من اثنين فقد فر‏. وأخرج الخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ حديث : لما نزلت هذه الآية ‏ {‏يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم "قاتلوا كما قال الله" ‏‏‏. تفسير : وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه استعاذ من سبع موتات‏.‏ موت الفجأة، ومن لدغ الحية، ومن السبع، ومن الغرق، ومن الحرق، ومن أن يخر عليه شيء، ومن القتل عند فرار الزحف‏"‏‏. وأخرج أحمد عن أبي اليسر رضي الله عنه ‏"حديث : ‏أن رسول الله كان يدعو بهؤلاء الكلمات السبع يقول‏: اللهم إني أعوذ بك من الهرم، وأعوذ بك من الغم والغرق والحرق، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ بك أن أموت لديغا‏ً ". تفسير : وأخرج ابن سعد وأبو داود والترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن بلال بن يسار عن زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه عن جده ‏"‏حديث : أنه سمع رسول الله يقول‏: من قال‏:‏ أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان فر من الزحف ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله ‏"‏حديث : من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ثلاثاً غفرت ذنوبه وإن كان فر من الزحف‏ "‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل رضي الله عنه مثله موقوفاً، وله حكم الرفع‏.‏ والله تعالى أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} خطابٌ للمؤمنين بحكم كلي جارٍ فيما سيقع من الوقائع والحروبِ جيءَ به في تضاعيف القصةِ إظهاراً للاعتناء بشأنه ومبالغةً في حثهم على المحافظة عليه {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} الزحفُ الدبـيبُ يقال: زحَف الصبـيُّ زحفاً إذا دبّ على إسته قليلاً قليلاً، سُمّي به الجيشُ الداهُم المتوجِّهُ إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفِه يُرى كأنه يزحَف وذلك لأن الكلَّ يرى كجسم واحدٍ متصلٍ فيُحَسُّ حركتُه بالقياس إليه في غاية البُطء وإن كانت في نفس الأمر على غاية السرعة قال قائلهم: شعر : وأرعنَ مثلِ الطَّوْدِ تحسَب أنهم وُقوفٌ لِجاجٌ والركابُ تُهملَج تفسير : ونصبُه إما على أنه إما حالٌ من مفعول لقِيتم أي زاحفين نحوَكم وإما على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مضمرٍ هو الحالُ منه أي يزحَفون زحفاً، وأما كونُه حالاً من فاعله أو منه ومن مفعوله معاً كما قيل فيأباه قوله تعالى: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} إذ لا معنى لتقيـيد النهي عن الإدبار بتوجههم السابقِ إلى العدو أو بكثرتهم بل توجُّهُ العدوِّ إليهم وكثرتُهم هو الداعي إلى الإدبار عادةً والمُحوِجُ إلى النهي عنه، وحملُه على الإشعار بما سيكون منهم يومَ حُنينٍ حيث تَوَلَّوا مدْبرين وهم زحفٌ من الزحوف اثنا عشر ألفاً بعيدٌ، والمعنى إذ لقِيتموهم للقتال وهم كثيرٌ جمٌّ وأنتم قليلٌ فلا تولوهم أدبارَكم فضلاً عن الفرار بل قابلوهم وقاتِلوهم مع قلتكم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ} أي يوم اللقاء {دُبُرَهُ} فضلاً عن الفرار، وقرىء بسكون الباء {إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ} إما بالتوجه إلى قتال طائفةٍ أخرى أهم من هؤلاء وإما بالفرّ للكرّ بأن يُخيِّل لعدوّه أنه منهزمٌ ليغُرَّه ويُخرِجَه من بـين أعوانه ثم يعطِفَ عليه وحدَه أو مع مَنْ في الكمين من أصحابه وهو باب من خِدعِ الحربِ ومكايدِها {أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أي منحازاً إلى جماعة أخرى من المؤمنين لينضمّ إليهم ثم يقاتلَ معهم العدو. »حديث : عن ابن عمرَ رضي الله عنهما قال: إن سريةً فرّوا وأنا معهم فلما رجعوا إلى المدينة استحيَوْا ودخلوا البـيوتَ فقلت: يا رسولَ الله نحن الفرارون فقال صلى الله عليه وسلم: "بل أنتم العكّارون أي الكرارون ـ من عكر أي رجع ـ وأنا فئتُكم"»تفسير : ، وانهزم رجلٌ من القادسية فأتى المدينةَ إلى عمرَ رضي الله عنه فقال: يا أميرَ المؤمنين هلكتُ ففرَرْتُ من الزحف فقال رضي الله عنه: أنا فئتُك، ووزنُ متحيِّز متفيعل لا متفعّل وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يحوز وانتصابُهما إما على الحالية وإلا لغوٌ لا عمَلَ لها وإما على الاستثناء من المُولّين أي ومن يولهم دبرَه إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً {فَقَدْ بَاء} أي رجع {بِغَضَبٍ} عظيم لا يقادر قدرُه و(من) في قوله تعالى: {مِنَ ٱللَّهِ} متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لغضب مؤكدةٌ لما أفاده التنوينُ من الفخامة والهولِ بالفخامة الإضافية أي بغضب كائنٍ منه تعالى {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} أي بدلَ ما أراد بفراره أن يأويَ إليه من مأوى ينجيه من القتل {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} في إيقاع البَوْءِ في موقع جوابِ الشرطِ الذي هو التوليةُ ـ مقروناً بذكر المأوى والمصير من الجزالة ـ ما لا مزيدَ عليه. عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الفرارَ من الزحف من أكبر الكبائرِ وهذا إذا لم يكن العدوُّ أكثرَ من الضِّعف لقوله تعالى: {أية : ٱلئَـٰنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ }تفسير : [الأنفال: 66] الآية، وقيل: الآية مخصوصةٌ بأهل بـيتهِ والحاضرين معه في الحرب.

القشيري

تفسير : يقول إذا لقيتم الكفار في المعركة زحفاً مجتمعين فأثبتوا لقتالهم، ولا تنهزموا فالشجاعة ثبات القلوب، وكما قيل الشجاعة صبر على الطاعة وفي الجهاد مع العدو، فالواجب الثبات عند الصولة - هذا في الظاهر، وفي الباطن جهاد مع الشيطان، والواجب فيه الوقوف عن دواعيه إلى الزَّلة؛ فَمَنْ وقف على حدِّ الإمساك عن إجابته، بلا إنجازٍ لما يدعوه بوساوسه فَقَدْ وفَّى الجهاد حقَّه. وكذلك في مجاهدة النَّفس، فإذا وقف العبدُ عن إجابة النَّفْس فيما تدعوه بهواجسها، ولم يُطِعْ شهوتَه فيها تحمله النفسُ عليه من البلاء إلى ابتغاء حظِّه فقد وفَّى الجهادَ حقَّه. والإشارة في قوله: {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} بإيثار بعض الرُّخص ليتقوَّى على ما هو أشد؛ كأكْله مثلاً ما يُقِيم صُلْبَه ليقوى على السَّهر، وكترفقه بنفسه بإيثار بعض الراحة من إزالة عطش، أو نفي مقاساة جوع أو بَرْدٍ أو غيره لئلا يبقى عن مراعاة قلبه، ولاستدامة اتصال قلبه به، فإنْ تَرَكَ بعضَ أورادِ الظاهر لئلا يبقى به عن الاستقامة في أحكام واردات السرائر أَخَذَ في حقِّ الجهاد بحزم. والإشارة في قوله: {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} إلى اعتضاد المريد بصحبة أقرانه فيما يساعدونه في المجاهدة، ويُبْقِي شهودُ ما هم فيه من المكابدة من إقامته على مجاهدته. ثم باستمداده من همم الشيوخ؛ فإن المريدَ ربيب هُمَّةِ شيخه، فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء ينفقون على مريديهم من هِمَمِهم، يجبرون كَسْرَهم، ويتوبون منهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم. ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه، أو خالَفَ شيخاً وهو يعرف فضلَه وحَقَّه فقد باءَ من الله بسخطٍ، واللهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا} لقيه اى رآه {زحفا} الزحف الدبيب يقال زحف الصبي زحفاً من باب فتح اذا دب على استه قليلا قليلا سمى به الجيش الدهم المتوجه الى العدو لانه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف وذلك لان الكل يرى كجسم واحد متصل فيحس حركته بالقياس اليه فى غاية البطئ وان كانت فى نفس الامر فى غاية السرعة ونصبه على انه حال من مفعول لقيتم بمعنى زاحفين نحوكم. والمعنى اذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وانتم قليل {فلا تولوهم الادبار} فلا تولوهم ادباركم فضلا عن الفرار بل قابلوهم وقاتلوهم مع قلتكم فضلا عن ان تدانوهم فى العدد وتساووهم عدل عن لفظ الظهور الى لفظ الادبار تقبيحا لفعل الفار وتشنيعا لانهزامه والتولية جعل الشيء يلى غيره وهو متعمد الى مفعولين وولاه دبره اذا جعله اليه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (زحْفاً): مصدر، وزحف الصبي إذا دب على مقعده قليلاً قليلاً، سمى به الجيش المقابل للقتال؛ لأنه يندفع للقتال شيئاً فشيئاً، ونصبه على الحال من فاعل "لقيتم" أو "من الذين كفروا" و(متحرفاً) و(متحيزاً): حالان، و(إلا) مُلغاة، ووزن متحيز: متفيْعل، لا متفعل، وإلا كان متحوزاً؛ لأنه من حاز يحوز. يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا} زاحفين لهم، تدبون إليهم ويدبون إليكم، تريدون قتالهم متوجهين إليهم، {فلا تُولوهم الأدبارَ} بالانهزام عنهم، فإنه حرام، وهو من الكبائر، ويفيد بألا يكون الكفار أكثر من ثلثي المسلمين، فإن زادوا على ثلثي المسلمين حلَّ الفرار، وأن يكون المسلمون مسلحين، وإلا جاز الفرار ممن هو بالسلاح دونه، {ومن يُولَّهم يومئذ دُبُره إلا متحرفاً لقتالِ}، وهو أن يكرّ راجعاً أمام العدو ليرى عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو من مكائد الحرب، {أو متحيزاً إلى فئة} أي: منحازاً إلى جماعة من المسلمين ليستعين بهم، فإن كانت الجماعة حاضرة في الحرب، أو قريبة فالتحيز إليها جائز باتفاق، واختلف في التحيز إلى المدينة، والإمام والجماعة إذا لم يكن شيء من ذلك حاضراً. ويُروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أنا فئة لكل مسلم. ورُوي عن ابن عمر: أنه كان في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففَرُّوا إلى المدينة، فقلت: يا رَسُولَ اللَّهِ، نحن الفَرَّارُونَ، فقال: "حديث : أًنْتُم الكرَّارُونَ، وأنا فِئَتُكُمْ ". تفسير : فمن فرَّ من الجهاد بالشرط المتقدم {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنمُ وبئس المصيرُ}، ومن هذا يفهم أنه من الكبائر. قال البيضاوي: وهذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله {أية : الئَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُم...} تفسير : [الأنفال: 66] الآية، وقيل: الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرون معه في الحرب. ه. الإشارة: يقول الحق جل جلاله للمتوجهين إليه بالمجاهدة والمكابدة: إذا لقيتم أعداءكم من القواطع؛ كالحظوظ، والشهوات، وسائر العلائق، فاثبتوا حتى تظفروا، ولا ترجعوا وتولوهم الأدبار فيظفروا بكم، إلا متحرفاً لقتال؛ بإيثار بعض الرخص، ليقوى على ما هو أشد منها مشقة عليها، أو متحيزاً إلى جماعة من أكابر العارفين، فإنهم يُغنونه بالمشاهدة عن المجاهدة، إذا ملكهم زمام نفسه، وفعل كل ما يُشيرون به عليه، فإن ذلك يُفضي به إلى الراحة بعد التعب، والمشاهدة بعد المجاهدة، إذا لا تجتمع المجاهدة في الظاهر مع مشاهدة الباطن عند أهل الذوق. قال القشيري ـ بعد كلامه على الآية: فالأقوياء من الأغنياء ينفقون على خَدَمِهم من نعمهم، والأصفياء من الأولياء يُنفقون على مريديهم من هِمَمِهم؛ يجبرون كَسْرَهم وينوبون عنهم، ويساعدونهم بحسن إرشادهم، ومَنْ أهمل مريداً وهو يعرف صِدْقه، أو خالف شيخاً وهو يعرف فضله، وحَقَّه، فقد بَاءَ من الله بسخط، واللّهُ تعالى حسيبُه في مكافأته على ما حصل من قبيح وصفه. هـ. ثم عزلهم عن الحول والقوة، فقال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ}.

الطوسي

تفسير : هذا خطاب للذين آمنوا من بين المكلفين ناداهم الله ليقبلوا إلى امر الله بما يأمرهم به وانتهائهم عما ينهاهم عنه بالتأمل له والتدبر لموجبه ليعملوا به ويكونوا على يقين منه. وقوله {إذا لقيتم الذين كفروا} فالالتقاء الاجتماع على وجه المقاربة لأن الاجتماع قد يكون على غير وجه المقاربة، فلا يكون لقاء كاجتماع الاعراض في المحل الواحد. و {الذين كفروا} هم الذين جحدوا نعم الله او من كان بمنزلة الجاحد. فالمشرك كافر، لأنه في حكم الجاحد لنعم الله إذا عبد غيره. وقوله {زحفاً} نصب على المصدر، فالزحف هو الدنو قليلا قليلا والتزاحف التداني، زحف يزحف زحفاً، وازحفت القوم اذا دنوت لقتالهم وثبت لهم، والمزحف من الشعر الذى قد تدانت حروفه على ما ابطلت وزنه. وقوله: {فلا تولوهم الأدبار} نهي لهم عن الفرار عند لقائهم الكفار وقتالهم اياهم.

الجنابذي

تفسير : {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} كثيراً، والزّحف العسكر لانّهم يزحفون اى يدبّون {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ} يوم اذ لقيتم الّذين كفروا زحفاً {دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} طالباً حرفاً من محلّ القتال للتّمكّن من المقاتلة او للاحتيال مع العدوّ ليتخيّل انّه انهزم ليكيد بالعدوّ {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} للاستغاثة بهم {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} هذه احدى الكبائر الّتى توعد عليها النّار وهو المسمّى بالفرار من الزّحف، ولمّا ذكّر المؤمنين نصرة الملائكة ومعيّته تعالى للملائكة وامره لهم بالضّرب فوق الاعناق وضرب كلّ بنانٍ وتوهّم انّ المؤمنين لا دخل لهم فى القتال وفرارهم وثباتهم ومجاهدتهم وقعودهم متساوية استدرك ذلك التّوهمّ، بانّ فعل الملائكة لا يظهر الاّ بالمظاهر البشريّة فانتم وان لم تكونوا فاعلين حقيقة لكنّكم مظاهر فعل الملائكة فاذا لقيتم الّذين كفروا فلا تولّوهم الادبار حتّى يجرى قدر الله وفعل الملائكة بتوسّطكم ثمّ اثبت مقتضى نصره بالملائكة وامره ايّاهم بالقتل والضّرب فقال: اذا كان القتل بالملائكة والنّصرة بهم.

الأعقم

تفسير : {يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا} الآية نزلت يوم بدر، وقيل: خطاب لجميع المؤمنين، وقوله: {زحفاً}، قيل: مجتمعين متراجعين بعضكم إلى بعض، والزحف التداني والتقارب {فلا تولوهم الأدبار} أي لا تولوهم ظهوركم هرباً منهزمين {ومن يولهم يومئذ دبره} أي ظهره {إلا متحرفاً لقتال}: يعني يعدل من جهة إلى جهة وهو ثابت على القتال {أو متحيزاً إلى فئة}، قيل: مائلاً إلى جماعة، وقيل: الفئة الجماعة المنتصبة للقتال، وقيل: الإِمام وجماعة المسلمين، وعن ابن عباس: الفرار من الزحف من أكبر الكبائر {فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} لأنه الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وذلك أنهم لما كَسَروا أعداء مكة وأسروا وقَتَلوا اقبلوا على التفاخر فكان القائل منهم يقول: قتلتُ وأسرتُ، فنزلت: {فلم تقتلوهم} {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} "حديث : وذلك لما طلعت قريش قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "هذه قريش قد جاءت بخيلها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني} فأتاه جبريل وقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال لما التقى الجمعان قال لعلي (عليه السلام): "اعطني قبضة من حَصَى الوادي" فرماهم بها في وجوههم، وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق مشرك إلا اشتغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم"تفسير : ، وروي في تفسير الثعلبي عن قتادة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرتهم، وحصاة في قلبهم، وروي فيه أيضاً: أن هذه الآية نزلت في قتل أبي بن خلف الجمحي يوم أحد، حين قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت ضلعاً من أضلاعه، فانطلق به أصحابه ينعشونه حتى مات في الطريق فدفنوه فأنزل الله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً} أي لينعم عليهم نعمةً عظيمة بالنصر والفتح والغنيمة، وقيل: ليختبرهم بذلك أي يعاملهم معاملة المختبر ليظهر المعلوم منهم {ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين} أي مضعف {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} الآية نزلت في المشركين وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أقرانا للضيف، وأوصلنا للرحم، إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنَّا على حق فانصرنا، وقيل: إن تستفتحوا خطاب للمؤمنين {وإن تنتهوا} خطاب للمشركين، يعني وان تنتهوا عن عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {فهو خير لكم} وأسلمْ روي في الثعلبي عن عكرمة قال المشركون: اللهم ما نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق، فأنزل الله هذه الآية {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح}، يعني ان تستقضوا فقد جاءكم القضاء {وان تعودوا} للمحاربة له {نعد} لنصرته {يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} يعني لا تعرضوا عن القرآن وأنتم تسمعون مواعظه وأوامره ونواهيه، وقيل: وأنتم تسمعون دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره ونهيه {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}، الآية نزلت في المنافقين، وقيل: في أهل الكتاب قالوا: سمعنا سماع عالم به قائل له وليسوا كذلك، وقيل: لم ينتفعوا بسماعه أي لم يتعظوا فكأنهم لم يسمعوا في الحقيقة.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها الذَّينَ آمنُوا إذا لقيتُم الَّذينَ كفرُوا زَحْفاً} حال من الذين كفروا، وهو مصدر زحف الصبى، أو المقعد أو غيره على مقعدتيه إذا دب عليهما قليلا قليلا سمى به الجيش الكثير لأنهم يرون لكثرتهم كأنهم يزحفون، وذلك مبالغة أو مقدر مضاف أو يؤول زحف زحفا بالوصف، أى إذا لقيتموهم وهم كثير، وأنتم قليل ولو كنتم ربعا فيهم أو ثلثا. {فلاَ تولُّوهم الأدْبارَ} مفعول ثان جمع دبر بمعنى لا تجعلوهم تالين لأدباركم وظهوركم، بأن تنهزموا وتفروا، فضلا عما لو كنتم شطرا فيهم أو أكثر من الشطر، أو مثلهم أو أكثر منهم، ثم نسخ تحريم التولى بأن أبيح إذا كانوا ثلث عدوهم أو أقل من الثلث أو أكثر منه، ولم يكمل الشطر، وعلى ذلك فالآية منسوخة بقوله: {أية : الآن خفف الله عنكم} تفسير : كما قال عطاء، أو محكمة مخصوصة به وهو أظهر، ويجوز أن يكون زحفا حالا من التاء فيكون ذلك نهيا لهم عما سيكون منهم يوم حنين إذ ولوا وهم اثنا عشر ألفا، وعدوهم قليل، أو حالا من التاء، والذين كفروا أى إذا لقيتموهم متزاحفين يدبون إليكم وتدبون إليهم، وذلك أن المشى أول المقابلة فى القتال، يكون على مهل كالزحف، أو أن الزحف بمعنى التدافع.

اطفيش

تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتم الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} حال من الذين، أَى ذوى زحف، أَو زاحفين شبيهين بمن يزحف زحفاً، أَى يمشى على مقعدته كالصبى، أَو يمشى على مهل لعيائه لأَنهم كثروا فيكونون فى رأى العين كالزاحف ولو أَسرعوا فى مشيهم، فى الآية زجرهم عن الهرب للكفار ولو كثروا، أَو حال من التاء، أَو منها ومن الذين، وعدد المسلمين ولو قل لكنه كثر بالنسبة إِلى ما دونه، بل هو كثير باعتبار مدد الملائكة {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} لا تجعلوهم بفراركم تالين أَدباركم كالقفا والظهر والستة، فضلا عن أَن تفروا، أَى لا تنهزموا ولا تفروا، واصبروا حتى يأتى أَمر الله، ويلزم من الانهزام والفرار تولية الأَدبار والآية مقيدة بما إِذا لم يكن الواحد بأكثر من عشرة من المشركين، ثم كانت مقيدة بما إِذا لم يكن الواحد ثلاثة أَو أَكثر لا كما ادعى بعض أَنها عامة نسخت بما فوق ذلك فى قوله تعالى "أية : إِن يكن منكم عشرون"تفسير : [الأَنفال: 65] إِلى "أية : والله مع الصابرين" تفسير : [الأَنفال: 66] والآية تلويح بما فى يوم حنين من انهزام المسلمين وهم أثنا عشر أَلفاً.

الالوسي

تفسير : {يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} خطاب للمؤمنين بحكم كلي جار فيما سيقع من الوقائع والحروب جيء به في تضاعيف القصة إظهاراً للاعتناء به وحثاً على المحافظة عليه {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} الزحف كما قال الراغب ((انبعاث مع جر الرجل كانبعاث الصبـي قبل أن يمشي والبعير المعيـى والعسكر إذا كثر فتعثر انبعاثه))، وقال غير واحد: هو الدبيب يقال: زحف الصبـي إذا دب على إسته قليلاً قليلاً ثم سمي به الجيش الدهم المتوجه إلى العدو لأنه لكثرته وتكاثفه يرى كأنه يزحف لأن الكل يرى كجسم واحد متصل فتحس حركته بالقياس في غاية البطء وإن كانت في نفس الأمر في غاية السرعة كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُ مَرَّ ٱلسَّحَابَ } تفسير : [النمل: 88] وقال قائلهم:شعر : وأرعن مثل الطود تحسب أنه وقوف لجاج والركاب تهملج تفسير : ويجمع على زحوف لأنه خرج عن المصدرية، ونصبه إما على أنه حال من مفعول {لَقِيتُمُ} أي زاحفين نحوكم أو على أنه مصدر مؤكد لفعل مضمر هو الحال منه أي يزحفون زحفاً وجوز كونه حالاً من فاعله أو منه ومن مفعوله معاً، واعترض بأنه يأباه قوله تعالى: {فَلا تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} إذ لا معنى لتقييد النهي عن الإدبار بتوجههم السابق إلى العدو وبكثرتهم بل توجه العدو إليهم وكثرتهم هو الداعي إلى الإدبار عادة والمحوج إلى النهي، وحمله على الإشعار بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم اثنا عشر ألفاً بعيد انتهى. وأجيب بأن المراد بالزحف ليس إلا المشي للقتال من دون اعتبار كثرة أو قلة وسمي المشي لذلك به لأن الغالب عند ملاقاة الطائفتين مشي إحداهما نحو الأخرى مشياً رويداً والمعنى إذا لقيتم الكفار ماشين لقتالهم متوجهين لمحاربتهم أو ماشياً كل واحد منكم إلى صاحبه فلا تدبروا، وتقييد النهي بذلك لإيضاح المراد بالملاقاة ولتفظيع أمر الإدبار لما أنه مناف لتلك الحال، كأنه قيل حيث أقبلتم فلا تدبروا وفيه تأمل؛ والمراد من تولية / الأدبار الانهزام فإن المنهزم يولي ظهره من انهزم منه، وعدل عن لفظ الظهور إلى الأدبار تقبيحاً للانهزام وتنفيراً عنه. وقد يقال: الآية على حد {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 32] والمعنى على تقدير الحالية من المفعول كما هو الظاهر واعتبار الكثرة في الزحف وكونها بالنسبة إليهم يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم أعداءكم الكفرة للقتال وهم جمع جم وأنتم عدد نزر فلا تولوهم أدباركم فضلاً عن الفرار بل قابلوهم وقاتلوهم مع قلتكم فضلاً عن أن تدانوهم في العدد أو تساووهم.

ابن عاشور

تفسير : لمّا ذكَّرَ الله المسلمين بما أيدهم يوم بدر بالملائكة والنصر من عنده، وأكرمهم بأن نصرهم على المشركين الذين كانوا أشد منهم وأكثر عدَداً وعُدداً، وأعقبه بأن أعلمهم أن ذلك شأنه مع الكافرين به اعترض في خلال ذلك بتحذيرهم من الوهن والقرار، فالجملة معترضة بين جملة: {أية : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم}تفسير : [الأنفال: 12] وبين جملة {أية : فلم تقتلوهم}تفسير : [الأنفال: 17] الآية وفي هذا تدريب للمسلمين على الشجاعة والإقدام والثبات عند اللقاء، وهي خطة محمودة عند العرب لم يزدها الإسلام إلاّ تقوية، قال الحُصين بن الحُمَام: شعر : تأَخَرْتُ أستبقي الحياةَ فلم أجد لنفسي حياةً مثلَ أنْ أتَقَدَّما تفسير : وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في قتال بدر، ولعل مراد هذا القائل أن حكمها نزل يوم بدر ثم أثبتت في سورة الأنفال النازلة بعد الملحمة، أو أراد أنها نزلت قبل الآيات التي صدّرت بها سورة الأنفال ثم رتبت في التلاوة في مكانها هذا، والصحيح أنها نزلتْ بعد وقعة بدر كما سيأتي. واللقاء غلب استعماله في كلامهم على مناجزة العدو في الحرب. فالجملة استئناف ابتدائي، والمناسبة واضحة، وسيأتي عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثْبُتُوا}تفسير : في هذه السورة (45)، وأصل اللقاء أنه الحضور لدى الغير. والزحْف أصله مصدر زَحَف من باب منع، إذا انبعث من مكانه متنقلاً على مقعدته يجررِ جيله كما يزحف الصبي. ثم أطلق على مشي المقاتل إلي عدوه في ساحة القتال زَحفٌ؛ لأنه يدنو إلى العدو باحتراس وترصد فرصة، فكأنه يزحف إليه. ويطلق الزحف على الجيش الدهْم، أي الكثير عددِ الرجال، لأنه لكثرة الناس فيه يثقل تنقله فوصف بالمصدر، ثم غلب إطلاقه حتى صار معنى من معاني الزحف ويجمع على زُحوف. وقد اختلفت طرق المفسرين في تفسير المراد من لفظ زحفاً} في هذه الآية فمنهم من فسره بالمعنى المصدري أي المشي في الحرْب وجلعه وصفاً لتلاحم الجيشين عند القتال، لأن المقاتلين يدبون إلى أقرانهم دبيباً، ومنهم من فسره بمعنى الجيش الدهْم الكثير العدد، وجعله وصفاً لذات الجيش. وعلى كلا التقديرين فهو: إما حال من ضمير {لقيتم} وإما من {الذين كفروا}، فعلى التفسير الأول هو نهي عن الانصراف من القتال فراراً إذا التحم الجيشان، سواء جَعلتَ زحفاً حالاً من ضمير {لقيتم} أو من {الذين كفروا}، لأن مشي أحد الجيشين يستلزم مشي الآخر. وعلى التفسير الثاني فإن جعل حالاً من ضمير لقيتم كان نهياً عن الفرار إذا كان المسلمون جيشاً كثيراً، ومفهومه أنهم إذا كانوا قلة فلا نهي، وهذا المفهوم مجمل يبينه قوله تعالى: {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون} تفسير : [الأنفال: 65] إلى {أية : مع الصابرين}تفسير : [الأنفال: 66]، وإن جعل حالاً من {الذين كفروا} كان المعنى إذا لقيتموهم وهم كثيرون فلا تفروا، فيفيد النهي عن الفرار إذا كان الكفار قلة بفحوى الخطاب، ويؤول إلى معنى لا تُولوهم الأدبار في كل حال. وهذه الآية عند جمهور أهل العلم نزلت بعد انقضاء وقعة بدر، وهو القول الذي لا ينبغي التردد في صحته كما تقدم آنفاً، فإن هذه السورة نزلت بسبب الاختلاف في أنفال الجيش من أهل بدر عند قسمة مغانم بدر، وما هذه الآية إلاّ جزء من هذه السورة فحكم هذه الآية شَرْع شرعه الله على المسلمين بسبب تلك الغزوة لتوقع حدوث غزوات يكون جيش المسلمين فيها قليلاً كما كان يومَ بدر، فنهاهم الله عن التقهقر إذا لاقوا العدو. فأما يوم بدر فلم يكن حُكم مشروع في هذا الشأن، فإن المسلمين وقعوا في الحرب بغتة وتولى الله نصرهم. وحكم هذه الآية باق غير منسوخ عند جمهور أهل العلم، وروي هذا عن ابن عباس، وبه قال مالك، والشافعي، وجمهور أهل العلم، لكنهم جعلوا عموم هذه الآية مخصوصاً بآية {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً} تفسير : [الأنفال: 65] إلى قوله {أية : بإذن الله}تفسير : [الأنفال: 66]. والوجه في الاستدلال أن هذه الآية اشتملت على صيغ عموم في قوله: {ومَن يولهم يومئدٍ دبره} ـ إلى قوله ـ {فقد باء بغضب من الله} وهي من جانب آخر مطلقة في حالة اللقاء من قوله: {إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} فتكون آيات {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}تفسير : [الأنفال: 65] إلى قوله {أية : يغلبوا ألفين}تفسير : [الأنفال: 66] مخصصة لعموم هاته الآية بمقدار العدد ومقيدة لإطلاقها اللقاء بقيد حالة ذلك العدد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وعطاء، والحسن، ونافع، وقتادة، والضحاك: أن هذه الآية نزلت قبل وقعة بدر، وقالوا إن حكمها نسخ بآية الضعفاء آية {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون}تفسير : [الأنفال: 65] الآية وبهذا قال أبو حنيفة، ومآل القولين واحد بالنسبة لما بعد يَوم بدر، ولذلك لم يختلفوا في فقه هذه الآية إلاّ ما روي عن عطاء كما سيأتي، والصحيح هو الأول كما يقتضيه سياق انتظام آي السورة، ولو صح قول أصحاب الرأي الثاني للزم أن تكون هذه الآية قد نزلت قبل الشروع في القتال يوم بدر ثم نزلت سورة الأنفال فألحقت الآية بها، وهذا ما لم يقله أحد من أصحاب الأثر. وذهب فريق ثالث: إلى أن قوله تعالى: {فلا تولوهم الأدبار} الآية محكم عام في الأزمان، لا يخصص بيوم بدر ولا بغيره، ولا يخص بعدد دون عدد، ونسب ابنُ الفرس، عن النحاس، إلى عطاء بن أبي رباح، وقال ابن الفرس قال أبو بكر بن العربي هو الصحيح لأنه ظاهر القرآن والحديث، ولم يذكر أين قال ابن العربي ذلك، وأنا لم أقف عليه. ولم يستقر من عمل جيوش المسلمين، في غزواتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع الأمراء الصالحين في زمن الخلفاء الراشدين، ما ينضبط به مدى الإذن أو المنع من الفرار، وقد انكشف المسلمون يوم أُحُد فعنفهم الله تعالى بقوله: {أية : إن الذين تولوا منكم يومَ التقي الجمْعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم}تفسير : [آل عمران: 155] وما عفا عنهم إلاّ بعد أن استحقوا الإثم، ولما انكشفوا عند لقاء هوازن يوم حنين عنفهم الله بقوله: {أية : ثم ولّيتم مدبرين}تفسير : [التوبة: 25] إلى قوله ـ {أية : ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفورٌ رحيمٌ}تفسير : في سورة براءة (27) وذِكر التوبة يقتضي سبق الإثم. ومعنى {فلا تولوهم الأدبار} لا توجهوا إليهم أدباركم، يقال: ولي وجهه فلاناً إذا أقبل عليه بوجهه ومنه قوله تعالى: {أية : فوَل وجهك شطر المسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 144] فيعدى فعل ولّى إلى مفعولين بسبب التضعيف، (ومجرده وَلِيَ) إذا جعل شيئاً والياً أي قريباً فيكون ولّى المضاعف مثل قرب المضاعف، فهذا نظم هذا التركيب. و(الأدبار) جمع دُبر، وهو ضدّ قُبُل الشيء وجهه، وما يَتوجه إليك منه عند إقباله على شيء وجعلِه أمامه، ودبره ظهره وما تراه منه حين انصرافه وجعله إياك وراءه، ومنه يقال استقبل واستدبر وأقبل وأدبر، فمعنى توليتهم الأدبار صرف الأدبار إليهم، أي الرجوع عن استقبالهم، وتولية الأدبار كناية عن الفرار من العدو بقرينة ذكره في سياق لقاء العدو، فهو مستعمل في لازم معناه مع بعض المعنى الأصلي، وإلاّ فإن صرف الظهر إلى العدو بعد النصر لا بد منه وهو الانصراف إلى المعسكر، إذ لا يفهم أحد النهي عن إدارة الوجه عن العدو، وإلاّ للزم أن يبقى الناس مستقبلين جيش عدوهم، فلذلك تعين أن المفاد من قوله: {فلا تولوهم الأدبار} النهي عن الفرار قبل النصر أو القتل. وعبر عن حين الزحف بلفظ اليوم في قوله {يومئذ} أي يوم الزحف أي يولهم يوم الزحف دُبره أي حين الزحف. ومن ثم استثني منه حالة التحرف لأجل الحيلة الحربية والانحياز إلى فِئَة من الجيش للاستنجاد بها أو لإنجادها. والمستثنى يجوز أن يكون ذاتاً مستثنى من الموصول في قوله {ومن يولهم} والتقدير: إلاّ رَجلاً مُتحرفاً لقتال، فحذف الموصوف وبقيت الصفة، ويجوز أن يكون المستثنى حالة من عموم الأحوال دل عليها الاستثناء أي إلاّ في حال تحرفه لقتال. و(التحرف) الانصراف إلى الحَرْف، وهو المكان البعيد عن وسطه فالتحرف مزايلة المكان المستقر فيه والعدولُ إلى أحد جوانبه، وهو يستدعي تولية الظهر لذلك المكان بمعنى الفرار منه. واللام للتعليل أي إلاّ في حال تحرف أي مجانبة لأجل القتال، أي لأجل أعماله إن كان المراد بالقتال الاسم، أو لأجل إعادة المقاتلة إن كان المراد بالقتال المصدر، وتنكير قتال يرجح الوجه الثاني، فالمراد بهذا التحرف ما يعبر عنه بالفَرّ لأجل الكرّ فإن الحرب كرّ وفرّ، وقال عمرو بن معديكرب: شعر : ولقد أجمَعُ رِجليَّ بها حذَر الموت وإني لفرور ولقد أعْطِفها كارهة حينَ للنفس من الموت هَرِير كل ما ذلك مني خُلُق وبكلٍ أنا في الروْع جدير تفسير : والتحيز طلب الحَيْز فَيْعِل من الحَوْز، فأصل إحدى ياءيْه الواو، فلما اجتمعت الواو والياء وكانت السابقة ساكنة قلبت الواوُ ياء وأدغمت الياء في الياء، ثم اشتقوا منه تَحَيّز، فوزنه تَفَيْعَل وهو مختار صاحب «الكشاف» جرياً على القياس بقدر الإمكان، وجوّز التفتازاني أن يَكون وزنه تَفَعّل بناء على اعتباره مشتقاً من الكلمة الواقع فيها الإبدال والإدغامُ وهي الحَيز، ونظّره بقولهم: «تَدَيُّر» بمعنى الإقامة في الدار، فإن الدار مشتقة من الدوران ولذلك جُمعت على دُور، إلاّ أنه لما كثر في جمعها دِيَار ودِيرَة عوملت معاملة ما عينه ياء، فقالوا من ذلك تَدَيّرَ بمعنى أقام في الدار وهو تَفعّل من الدار، واحتَج بكلام ابن جني والمرزوقي في «شرح الحماسة»، يعني ما قال ابن جني في «شرح الحماسة» عند قول جابر بن حريش: شعر : إِذْ لا تخاف حُدُوجُنا قذْفَ النّوى قبلَ الفساد إِقامةً وتديرا تفسير : «التدير تفَعُّل من الدار وقياسه تدور إلاّ أنه لما كثر استعمالهم ديار أَنِسوا بالياء ووجدوا جانبها أوطا حسّاً وألين مسّاً فاجتروا عليها فقالوا تدير» وما قال المرزوقي «الأصل في تَدَير الواو ولكنهم بنوه على دِيَارِ لإلفِهم له بكثرة تردده في كلامهم». فمعنى {متحيزاً إلى فئة} أن يكون رجع القهقرى ليلتحق بطائفة من أصحابه فيتقوى بهم. والفِئَة الجماعة من الناس، وقد تقدم في سورة البقرة (249) في قوله: {أية : كم من فئةٍ قليلةَ }تفسير : وتطلق على مؤخرة الجيش لأنها يفيء إليها مَن يحتاج إلى إصلاح أمره أو مَن عَرض له ما يَمنعه من القتال من مرض أو جراحة أو يستنجد بهم، فهو تولَ لمقصد القتال، وليس المراد أن ينحاز إلى جماعة مستريحين لأن ذلك من الفرار، ويدخل في معنى التحيز إلى الفئة الرجوع إلى مقر أمير الجيش للاستنجاد بفئة أخرى، وكذلك القفول إلى مقر أمير المِصر الذي وجه الجيش للاستمداد بجيش آخر إذا رأى أميرُ الجيش ذلك من المصلحة كما فعل المسلمون في فتح إفريقية وغيره في زمن الخلفاء، ولما انهزم أبو عبيد بن مسعود الثقفي يوم الجسر بالقادسية، وقتل هو ومن معه من المسلمين، قال عمر بن الخطاب: هلاّ تَحيّز إليّ فأنا فِئتُهْ. و{باء} رجع. والمعنى أن الله غضب عليه في رجوعه ذلك فهو قد رجع ملابساً لغضب الله تعالى عليه. ومناسبة (باء) هنا أنه يشير إلى أن سبب الغضب عليه هو ذلك البَوْء الذي باءه. وهذا غضب الله عليه في الدنيا المستحق الذم وغيره مما عسى أن يحرمه عناية الله تعالى في الدنيا، ثم يترتب عليه المصير إلى عذاب جهنم، وهذا يدل على أن توليه الظهر إلى المشركين كبيرة عظيمة. فالآية دالة على تحريم التولي عن مقابلة العدو حين الزحف. والذي أرى في فقه هذه الآية أن ظاهر الآية هو تحريم التولي على آحادهم وجماعتهم إذا التقوا مع أعدائهم في ملاحم القتال والمجالدة، بحيث إن المسلمين إذا توجهوا إلى قتال المشركين أو إذا نزل المشركون لمقاتلتهم وعزموا على المقاتلة فإذا التقى الجيشان للقتال وجب على المسلمين الثبات والصبر للقتال، ولو كانوا أقل من جيش المشركين، فإمّا أن ينتصروا، وإمّا أن يتشهدوا، وعلى هذا فللمسلمين النظر قبل اللقاء هل هم بحيث يستطيعون الثبات وجهه أولاً، فإن وقت المجالدة يضيق عن التدبير، فعلى الجيش النظر في عَدده وعُدده ونسبة ذلك من جيش عدوهم، فإذا أزمعوا الزحف وجب عليهم الثبات، وكذلك يكون شأنهم في مدة نزولهم بدار العدو، فإذا رأوا للعدو نجدة أو ازدياد قوة نظروا في أمرهم هل يثبتون لقتاله أو ينصرفون بإذن أميرهم، فإمّا أن يأمرهم بالكف عن متابعة ذلك العدو، وإمّا أن يأمرهم بالاستنجاد والعودة إلى قتال العدو كما صنع المسلمون في غزوة إفريقية الأولى، وهذا هو الذي يشهد له قوله تعالى: {أية : إذا لقيتم فئة فاثبُتوا}تفسير : [الأنفال: 45] وما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قام في الناس فقال: «حديث : يأيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف»تفسير : . ولعل حكمة ذلك أن يمضي المسلمون في نصر الدين. وعلى هذا الوجه يكون لأمير الجيش، إذا رأى المصلحة في الانجلاء عن دار العدو وترككِ قتالهم، أن يغادر دار الحرب ويرجع إلى مقره، إذا أمن أن يلحق به العدو، وكان له من القوة ما يستطيع به دفاعهم إذا لحقوا به، فذلك لا يسمى تولية أدبار، بل هو رأي ومصلحة، وهذا عندي هو محمل ما رَوَى أبو داود والترمذي، عن عبد الله بن عمر: أنه كان في سرية بعثها النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فحاصَ الناسُ حَيْصة فكنت فيمن حَاص فلما برزنا قلنا كيف نصنع إذا دخلنا المدينة وقد فررنا من الزحف وبُؤنا بالغضب ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن كان لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا قال «فجلسنا لرسول الله قبل صلاة الفجر فلما خرج قمنا إليه فقلنا نحن الفرارون، فأقبل إلينا فقال لا بل أنتم العكّارون (أي الذين يكُرون يعني أن فراركم من قبيل الفرّ للكر، يقال للرجل إذا ولّى عن الحرب ثم كرّ راجعاً إليها عَكرَ أوْ اعتكر) وأنا فئة المسلمين» يَتأول لهم أن فرارهم من قبيل قوله تعالى: {أو متحيزاً إلى فئة} ـ قال ابن عمر ـ «فدنونا فقبلنا يده» فيفهم منه أن فرار ابن عمر وأصحابه لم يكن في وقت مجالدتهم المشركين، ولكنه كان انسلالاً لينحازوا إلى المدينة فتلك فِئَتُهم. وإنما حرم الله الفرار في وقت مناجزة المشركين ومجالدتهم وهو وقت اللقاء؛ لأن الفرار حينئذٍ يوقع في الهزيمة الشنيعة والتقتيل، وذلك أن الله أوجب على المسلمين قتال المشركين فإذا أقدم المسلمون على القتال لم يكن نصرهم إلا بصبرهم وتأييد الله إياهم، فلو انكشفوا بالفرار لأعمل المشركون الرماح في ظهورهم فاستأصلوهم، فلذلك أمرهم الله ورسوله بالصبر والثبات، فيكون ما في هذه الآية هو حكم الصبر عند اللقاء، وبهذا يكون التقييد بحال الزحف للإحتراز عن اللقاء في غير تلك الحالة. وأما آية {أية : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين}تفسير : [الأنفال: 65] فقد بينت حكم العَدد الذين عليهم طلب جهاد المشركين بنسبة عددهم إلى عدد المشركين، ولعل هذا مراد ابن العربي من قوله: «لأنه ظاهر الكتاب والحديث» فيما نقله ابن الفرس.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 15- أيها الذين صدقوا بالحق وأذعنوا له، إذا التقيتم بالذين كفروا فى الميدان، وهم زاحفون عليكم بكثرتهم، فلا تفروا منهم وتجعلوا ظهوركم أمام سيوفهم. 16- ومن لا يلاقهم وجهاً لوجه فاراً منهم، فإن الله يغضب عليه، ومصيره إلى النار، وهى أسوأ مصير لكم، ومن لا يلاقهم بوجهه كيداً ومهارة حربية، أو يترك طائفة لينحاز إلى طائفة أخرى من المؤمنين، لتكون قوة للقاء فإنه لا إثم عليه. 17- إذا كنتم - أيها المؤمنون - قد انتصرتم عليهم، وقتلتم من قتلتم منهم، فإنكم لم تقتلوهم بقوتكم، ولكن الله تعالى هو الذى نصركم وقتلهم بتأييده لكم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، وما رميت - أيها الرسول - إذ كنت ترمى التراب والحصا فى وجوههم إفزاعاً لهم، ولكن الله تعالى هو الذى رمى فأفزعهم الرمى، وكان ذلك لينعم الله على المؤمنين نعماً حسنة، منها الابتلاء بالشدة، ليظهر إخلاصهم، وأن الله عليم بأمورهم، سميع لأقوالهم، وكذلك هو عليم بأمور أعدائهم وأقوالهم. 18- ذلك هو النصر العظيم، مع أن الله تعالى مُضْعِفٌ لكل تدابير الكافرين. 19- إن كنتم - أيها المشركون - تتعلقون بأستار الكعبة، طالبين الفصل بينكم وبين المؤمنين، فقد جاءكم الامر الفاصل، وليس نصراً لكم، بل هو نصر للمؤمنين، وإن تعودوا إلى الاعتداء نعد عليكم بالهزيمة، ولن تغنى عنكم جماعتكم المؤتلفة على الإثم شيئاً، ولو كان العدد عندكم كثيراً، فإن الله مع الذين صدقوا بالحق وأذعنوا له.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: زحفاً: أي زاحفين لكثرتهم ولبطىء سيرهم كأنهم يزحفون على الأرض. فلا تولوهم الأدبار: أي لا تنهزموا فتفروا أمامهم فتولونهم أدباركم. متحرفاً لقتال: أي مائلاً من جهة إلى أخرى ليتمكن من ضرب العدو وقتاله. أو متحيزاً إلى فئة: أي يريد الانحياز إلى جماعة من المؤمنين تقاتل. فقد باء بغضب: أي رجع من المعركة مصحوباً بغضب من الله تعالى لمعصيته إياه. وليبلي: أي لينعم عليهم بنعمة النصر والظفر على قلة عددهم فيشكروا. فئتكم: مقاتلتكم من رجالكم الكثيرين. معنى الآيات: ما زال السياق في الحديث عن غزوة بدر وما فيها من جلال النعم وخفي الحكم ففي أولى هذه الآيات ينادي الرب تبارك وتعالى عباده المؤمنين فيقول {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} أي وأنتم وإياهم زاحفون إلى بعضكم البعض {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} أي لا تنهزموا أمامهم فتعطوهم أدباركم فتمكنوهم من قتلكم، إنكم أحق بالنصر منهم، وأولى بالظفر والغلب إنكم مؤمنون وهم كافرون فلا يصح منكم انهزام أبداً {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} اللهم {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي مائلاً من جهة إلى أخرى ليكون ذلك أمكن له في القتال {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} أي منحازاً إلى جماعة من المؤمنين تقاتل فيقاتل معها ليقويها أو يقوى بها، من ولى الكافرين دبره في غير هاتين الحالتين {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} أي رجع من جهاده مصحوباً بغضب من الله {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} وذلك بعد موته وانتقاله إلى الآخرة، وقوله تعالى {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} يخبر تعالى عباده المؤمنين الذين حرم عليهم التولي ساعة الزحف وتوعدهم بالغضب وعذاب النار يوم القيامة أنهم لم يقتلوا المشركين على الحقيقة وإنما الذي قتلهم هو الله فهو الذي أمرهم وأقدرهم وأعانهم، ولولاه ما قتل أحد ولا مات فليعرفوا هذا حتى لا يخطر ببالهم أنهم هم المقاتلون وحدهم. وحتى رمي رسوله المشركين بتلك التي وصلت إلى جل أعين المشركين في المعركة فأذهلتهم وحيرتهم بل وعوقتهم عن القتال وسببت هزيمتهم كان الله تعالى هو الرامى الذي أوصل التراب إلى أعين المشركين، إذ لو ترك الرسول صلى الله عليه وسلم لقوته لما وصلت حثية التراب إلى أعين الصف الأول من المقاتلين المشركين، ولذا قال تعالى {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} وقوله تعالى {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} أي فعل تعالى ذلك القتل بالمشركين والرمي بإيصال التراب إلى أعينهم ليذل الكافرين ويكسر شوكتهم {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ولينعم عليهم الأنعام الحسن بنصرهم وتأييدهم في الدنيا وإدخالهم الجنة في الآخرة. وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} بمقتضى هاتين الصفتين كان الإِبلاء الحسن، فقد سمع تعالى أقوال المؤمنين واستغاثتهم به، وعلم ضعفهم وحاجتهم فأيدهم ونصرهم فكان ذلك منه إبلاء حسناً، وقوله تعالى {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} أي ذلكم القتل والرمي والإِبلاء كله حق واقع بقدرة الله تعالى {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ} أي مضعف {كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} فكلما كادوا كيداً بأوليائه وأهل طاعته أضعفه وأبطل مفعوله، وله الحمد والمنة. وقوله تعالى {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} هذا خطاب للمشركين حيث قال أبو جهل وغيره من رؤساء المشركين "اللهم أينا كان أفجر لك واقطع للرحم فأحنه اليوم، اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة" أي أهلكه الغداة يوم بدر فأنزل الله تعالى {إِن تَسْتَفْتِحُواْ} أي تطلبوا الفتح وهو القضاء بينكم وبين نبينا محمد {فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} وهي هزيمتهم في بدر {وَإِن تَنتَهُواْ} تكفوا عن الحرب والقتال وتنقادوا لحكم الله تعالى فتسلموا {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ} للحرب والكفر {نَعُدْ} فنسلط عليكم رسولنا والمؤمنين لنذيقكم على أيديهم الذل والهزيمة {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} وبلغ تعداد المقاتلين منكم عشرات الآلاف، هذا وأن الله دوماً مع المؤمنين فلن يتخلى عن تأييدهم ونصرتهم ما استقاموا على طاعة ربهم ظاهراً وباطناً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة الفرار من العدو الكافر عند اللقاء لما توعد الله تعالى عليه من الغضب والعذاب ولعد الرسول له من الموبقات السبع في حديث مسلم "والتولي يوم الزحف". 2- تقرير مبدأ أن الله تعالى خالق كل شيء وأنه خلق العبد وخلق فعله، إذ لما كان العبد مخلوقاً وقدرته مخلوقة، ومأموراً ومنهياً ولا يصدر منه فعل ولا قول إلا بإقدار الله تعالى له كان الفاعل الحقيقي هو الله، وما للعبد إلا الكسب بجوارحه وبذلك يجزى الخير بالخير والشر بمثله. عدل الله ورحمته. 3- آية وصول حثية التراب من كف الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أغلب عيون المشركين في المعركة. 4- إكرام الله تعالى وإبلاؤه لأولياءه البلاء الحسن فله الحمد وله المنة. 5- ولاية الله للمؤمنين الصادقين هي أسباب نصرهم وكمالهم وإسعادهم.

القطان

تفسير : زحفا: مشياً بثقل في الحركة. زحف الجيش الى العدو مشى اليهم في نقل كأنه جسم واحد الأدبار: واحدها دُبر مؤخرة الانسان، يراد بها الهزيمة. متحرفا لقتال: منحرفا الى جانب آخر. متحيزا الى فئة: منضمّا اليهم. مأواه جهنم: مصيره اليها. موهن كيد الكافرين: مضعف كيدهم وتدبيرهم. يا ايها الذين آمنوا إذا واجهتم الذين كفروا في الميدان وهم زاحفون عليكم بكثرتهم فلا تفرّوا منهم، إلا أن يكون ذلك مكيدَة حرب، وحيث تختارون موقعاً أحسن، او تدبّرون خطة، او يكون ذلك التحيز انضماماً إلى فئمة أخرى من المسلمين، لتعاودوا القتال. ان من تولّى منكم وانهزم من وجه العدو يغضب الله عليه، ومصيره الى النار. والتولِّي يوم الزحف كبيرةٌ من السبع الموبقات، كما روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اجتنِبوا السبعَ الموبقات، قيل يا رسول الله وما هنّ؟ قال: الشرك بالله، والسِّحر، وقتل النفس التي حرّم الله الا بالحق، وأكلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يومَ الزحف، وقذف المحصنَات الغافلات المؤمنات ". تفسير : {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ...}. إذا كنتم ايها المؤمنون قد انتصرتم عليهم وقتلتموهم، فانكم لم تفعلوا ذلك بقوتكم، بل إن الله هو الذي نصركم عليهم بتأييده لكم والقاء الرعب في قلوبهم، وما رميتَ أيها الرسول اذ كنت ترمي التراب والحصا في وجوههم، ولكن الله تعالى هو الذي رمى فافزعهم. {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً}. والله قد فعل ما ذكر ليبلي المؤمنين بالشدة، ليظهر اخلاصهم، ويُنعم عليهم بالنصر والغنيمة، وليثيبهم عليه من فضله وهو الذي وهبهم إياه. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يسمع استغاثتكم ويعلم حالكم. {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} ذلك هو النصر العظيم، وان الله مضعف بأسَ الكافرين وتدبيرهم بنصركم وخذلانهم. وهذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، فانه أعلمَهم بانه مضعفٌ كيدَ الكافرين فيما يُستَقْبل من الأيام. قراءات: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وابو بكر "مُوهِنٌ كيدَ الكافرين" بالتنوين ونصب كيد، وقرأ ابو عمرو وابن كثير ونافع: "مُوَهّنٌ كيد" بتشديد الهاء. وقرأ حفص: "مُوهِن كيد" بالاضافة وهي قراءة المصحف. وقرأ نافع وابن عامر وحفص "وأنَّ" بفتح الهمزة والباقون بكسرها. {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ....} يتجه الخطاب هنا الى الكافرين فقد قال أبو جهل: "اللهُمَّ أيُّنا كانَ اقطع للرحم، وآتى بما لا يعرف فأَحْنِهِ الغداة" ويعني بذلك الرسول الكريم، وقوله: "كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد" ومعنى أحْنِهِ أَمِتْهُ. يعني اجعله ينحني ويسقط على الأرض. إن تستفتحوا فتطلبوا من الله ان يفتح بينكم وبين المسلمين، وأن يُهلك أضلَّ الفريقين وأقطعَهُا للرحم فقد استجاب الله، فجعل النصر للمسلمين، والهزيمة عليكم. {وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وعلى ضوء هذه الحقيقة، يرغِّبهم الله في الانتهاء عما هم فيه من الشرك والكفر ومحاربة الله ورسوله وان تعودوا للاعتداء نعدْ عليكم بالهزيمة. {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ} لن تغنَي عنكم جماعتكم المجتمعة على الإثم شيئا، ولو كان عددها كثيرا، وماذا تفعل الكثرة اذا كان الله في جانب المؤمنين! {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} اذا صدقوا وأخلصوا لله وللرسول، وقاموا بواجبهم، ونصروا الله ورسوله.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَآأَيُّهَا} {آمَنُوۤاْ} (15) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِالثَّبَاتِ فِي المَعْرَكَةِ، وَبِمُوَاجَهَةِ الكَافِرِينَ بِقُلُوبٍ مُؤْمِنَةٍ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى عَدَمِ الفِرَارِ وَتَوْلِيَةِ الظُّهُورِ لِلأعْدَاءِ، وَإِنْ كَانَ الكَافِرُونَ أَكْثَرَ مِنَ المُؤْمِنينَ عَدداً، لأنَّ الفِرَارَ يُحْدِثُ الوَهَنَ فِي الجَيْشِ الإِسْلاَمِيِّ المُقَاتِلِ. زَحْفاً - جَيْشاً زَاحِفاً نَحْوَكُمْ.

الثعلبي

تفسير : {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} أي [مخفقين] متزاحفين بعضكم إلى بعض والتزاحف التداني والتقارب. قال الأعشى: شعر : لمن الضعائن سيرهن زحيف عرم السفين إذا تقاذف مقذف تفسير : والزحف مصدر ولذلك لم يجمع كقولهم: قوم عدل ورضى {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} يقول: فلا تولّوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم ولكن اثبتوا لهم {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} ظهره وقرأ الحسن ساكنة {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي متعطّفاً مستطرداً لقتال عدوّه بطلب عورة له تمكنه إصابتها فيكرّ عليه. {أَوْ مُتَحَيِّزاً} منضمّاً صابراً {إِلَىٰ فِئَةٍ} جماعة من المؤمنين يفيئون به بسهم الى القتال {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} واختلف العلماء في حكم قوله {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الآية هل هو خاص في أهل بدر أم هو في المؤمنين جميعاً. فقال أبو سعيد الخدري: إنّما كان ذلك يوم بدر خاصة لم يكن لهم أن ينحازوا ولو انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ في الأرض مسلم غيرهم ولا للمسلمين فيه غير النبيّ صلى الله عليه وسلم فأمّا بعد ذلك فإنّ المسلمين بعضهم فئة لبعض ممثّلة، قاله الحسن والضحاك وقتادة. قال يزيد ابن أبي حبيب: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار. فقال {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} الآية. فلمّا كان يوم أُحد بعد ذلك قال: {أية : إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهُمْ} تفسير : [آل عمران: 155] ثمّ كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين. فقال: {أية : ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} تفسير : [التوبة: 25] {أية : ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ} تفسير : [التوبة: 27]. وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله {ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ} [الأنفال: 66] الآية فليس لقوم أن يفروا من مثليهم فنسخت تلك الآية إلاّ هذه العدّة. وقال الكلبي: من قبل اليوم مقبلاً أو مدبراً فهو شهيد ولكن سبق المقبل المدبر الى الجنة. وروي جرير عن منصور عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة الى عمر. فقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف، فقال عمر رضي الله عنه أنا فئتك. وقال محمد بن سيرين: لمّا قُتل أبو عبيد جاء الخبر إلى عمر رضي الله عنه فقال لو أنحاز إليَّ فكنت له فئة [فأنا فئة] كل مسلم. عبد الرحمن بن أبي ليلى حديث : عن عبد الله بن عمر قال: كنّا في مُصيل بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فخاض الناس خيضة فانهزمنا وكنّا نفر، قلنا نهرب في الأرض حياءً ممّا صنعنا فدخلنا البيوت. ثمّ قلنا: يا رسول الله نحن الفارون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بل أنتم الكرارون وإنّا فئة المسلمين ". تفسير : وقال بعضهم: بل حكمنا عام في كل من ولى عن العدو وفيهم مَنْ روى ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أهله: "حديث : [إياك والفرار] من الزحف فإن هلكوا فاثبتوا فما [....] إلاّ على إرتكاب الكبائر وإلاّ الشرك بالله والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ}"تفسير : الآية. {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} الآية فقال أهل التفسير والمغازي "حديث : لمّا ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً قال: هذه مصارع القوم إن شاء الله"، فلمّا طلعوا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللّهمّ إنّي أسألك ما وعدتّني فأتاه جبرئيل وقال: خذ حفنة من تراب فارمهم بها". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا التقى الجمعان لعلّي رضي الله عنه: "أعطني قبضة من حصا الوادي" فناوله من حصى عليه تراب فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم به في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه ". فلم يبق مشرك إلاّ دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء ثمّ ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وكانت تلك الرمية سبب الهزيمة . تفسير : وقال حكيم بن حزام: حديث : لمّا كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء كأنّه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الرمية فانهزمنا . تفسير : وقال قتادة وابن زيد: حديث : ذكر له أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى حصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم. وقال: "شاهت الوجوه" فانهزموا . تفسير : الزهري عن سعيد بن المسيب قال: نزلت هذه الآية في قتل أُبي بن كعب الجمحي. وذلك حديث : أنّه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل وهو يفتّه فقال: يا محمد الله يُحيي هذا وهو رميم؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم يحيه الله ثمّ يميتك ثمّ يدخلك النار فلمّا كان يوم بدر أسره ثمّ فدي، فلمّا افتدي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن لي فرساً أعلفها كل يوم [فرق] ذرة لكي أقتلك عليها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلمّا كان يوم أُحُد أقبل أُبيّ بن خلف يركض بفرسه ذلك حتّى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم "استاخروا"، فاستأخروا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحربة في يده فرمى بها أُبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعاً من أضلاعه فرجع أبي إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه وطفقوا يقولون: لا بأس، فقال أُبي: والله لو كانت الناس لقتلهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه ينعونه حتّى مات ببعض الطريق فدفنوه تفسير : ففي ذلك أنزل الله هذه الآية {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} الآية. وروى صفوان بن عمرو عن عبد العزيز بن [جبير] حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر دعا بقوس فأُتي بقوس طويلة فقال: جيئوني بغيرها، فجاءوا بقوس كبداء فرمى النبيّ صلى الله عليه وسلم الحصن فأقبل السهم يهوي حتّى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فأنزل الله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} تفسير : فهذا سبب نزول الآية. فأمّا معناها فإن الله تعالى أضاف القتل والرمي إلى نفسه لأنّه كان منه تعالى التسبيب والتسديد ومن رسوله والمؤمنين الضرب والحذف. وكذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة من الله تعالى الإنشاء والايجاد بالقدرة القديمة التامّة ومن الخلق الاكتساب بالقوى المحدثة، وفي هذا القول دليل على ثبوت مذهب أهل الحق وبطلان قول القدريّة. وقيل: إنّما أضافها إلى نفسه لئلاّ يعجب القوم. قال مجاهد: قال هذا: قتلت، وقال هذا: قتلت، فأنزل الله هذه الآية. وقال الحسن: أراد فلم تُميتموهم ولكن الله أماتهم وأنتم جرحتموهم لأن إخراج الروح إليه لا إلى غيره. قال {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أي [قتل] يبلغ إلى المشركين بها وملأ عيونهم منها. وقال ابن إسحاق: ولكن الله رمى أي لم يكن ذلك رميتك لولا الذي جعل الله فيها من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حتّى هزمهم. وقال أبو عبيده: تقول العرب: رمى الله لك، أي نصرك. قال الأعمش: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أي وفّقك وسدّد رميتك. {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} أي ولينعم على المؤمنين نعمه عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والثواب. وقال ابن إسحاق: ليعرف المؤمنين نعمة نصرهم وإظهارهم على عدوهم مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا نعمه {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لإقوالهم {عَلِيمٌ} بأفعالهم سميع بأسرارهم عليم بإضمارهم {ذٰلِكُمْ} يعني: ذكرت من القتل والرمي والأجل الحسن {وَأَنَّ ٱللَّهَ} أي: وأعلموا أن الله، وفي فتح {أَنَّ} من الوجوه ما في قوله تعالى {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} [وقد بيناه هناك]. {مُوهِنُ} مضعف {كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} قرأ الحجازي والشامي والبصري: موهّن بالتشديد والتنوين (كيد) نصباً وقرأ أكثر أهل الكوفة (موهن) بالتخفيف والتنوين (كيد) نصباً واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن محيصن و[الأعمش] وحفص: موهن كيد، مخفّفة مضافة بالجر فمن نوّن معناه: وهن، ومَنْ خفّف وأضاف قصر الخفّة كقوله {أية : مُرْسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ}تفسير : [القمر: 27] و {أية : كَاشِفُواْ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الدخان: 15] ووهن وأوهن لغتان صحيحتان فصيحتان {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} وذلك أنّ أبا جهل قال يوم بدر: اللّهمّ أينا كان أفجر وأقطع للرحم وأتانا بما لا نعرف فانصرنا عليه، فاستجاب الله دعاءه وجاء بالفتح وضربه ابنا عفراء: عوف ومسعود، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود. وقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا الى النبيّ صلى الله عليه وسلم من مكّة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللّهمّ انصرنا على الحزبين وأهدى القبتين وأكرم الجندين وأفضل الدينين فأنزل الله هذه الآية. وقال عكرمة: قال المشركون اللّهمّ لا نعرف ما جاء به محمد فأفتح بيننا وبينه بالحق فأنزل الله تعالى {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} أي أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء. وقال أُبي بن كعب وعطاء الخراساني: هذا خطاب أصحاب رسول الله قال الله للمسلمين: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ } أي تستنصروا الله وتسألوه الفتح فقد جاءكم الفتح أي بالنصرة. حديث : وقال حبّاب بن الارت: شكونا الى رسول الله عليه السلام فقلنا: لا تستنصر لنا، فاحمر وجهه وقال: "كان الرجل قبلكم يؤخذ ويحفر له في الأرض، ثمّ يجاء بالمنشار فيقطع بنصفين ما يصرفه عن دينه شيء، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه عن دينه، ولُيتِمنَّ الله هذا الأمر حتّى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت ولا يخشى إلاّ الله عزّ وجلّ والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون ". تفسير : ثمّ قال للكفّار {وَإِن تَنتَهُواْ} عن الكفر بالله وقتال نبيّه صلى الله عليه وسلم {فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ} لقتاله وحربه {نَعُدْ} بمثل الواقعة التي أوقعت لكم يوم بدر. وقيل: وإن تعودوا إلى هذا القول وقتال محمد صلى الله عليه وسلم {وَلَن تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [قرأ] أهل المدينة والشام: (وَأَنَّ ٱللَّهَ) بفتح الألف، والمعنى: ولأن الله، وقيل: هو عطف على قوله {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ}. وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، واختلفوا فيه وقراءة أبي حاتم (لأن) في قراءة عبد الله: والله مع المؤمنين. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} ولا تدبروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} أمره وليّه. قال ابن عباس: وأنتم تسمعون القرآن ومواعظه {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا} يعني المنافقين والمشركين الذين سمعوا كتاب الله بآذانهم فقالوا سمعنا {وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ} يعني لا يتّعظون بالقرآن ولا ينتفعون بسماعهم وكأنهم لم يسمعوا الحقيقة.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونعلم أن نداء الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين بقوله: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}، إما أن يكون بعدها أمر بمتعلق الإيمان ومطلوبه، وإما أن يكون بعدها الإيمان نفسه، ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ} تفسير : [النساء: 136]. وبعضهم يقول: كيف ينادى مؤمنين ثم يقول لهم: "آمِنوا"؟، وهؤلاء المستفهمون لمْ يلتفتوا إلى أن الحق حين يكلم المؤمنين يعلم أنهم مؤمنون بالفعل، ولكن الأغيار في الاختيار قد تدعوهم إلى أن يتراخى البعض منهم عن مطلوبات الإيمان. و"آمنوا" الثانية معناها: أنشئوا دائما إيماناً جديداً أي مستمراً يتصل بالإيمان الحاضر والإيمان المستقبل، ليدوم لكم الإيمان. فإذا كان ما بعد {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} أمراً بمطلوب الإيمان، من حكم شرعي، أو عظة أخلاقية. يكون أمرها واقعاً، والمعنى: يا من آمنتم بي إلهاً قادراً حكيماً، ثقوا في كل ما آمركم به لأني لا آمركم بشيء فيه مصلحة لي؛ لأن صفات الكمال لي أزلية، فخلقي لكم لم ينشئ صفة كمال، فإن كلفتكم بشيء، فتكليفي لكم يعود عليكم بالنفع والمصلحة لكم، وضربنا المثل - ولله المثل الأعلى منزّه عن كل مثل - أنت تذهب إلى الطبيب بعد أن تتشاور مع أهلك وزملائك وتكون واثقاً بأن هذا هو الطبيب الذي ينفع في هذه الحالة التي تشكو منها، وساعة تذهب إليه يشخص لك المرض ويكتب لك الدواء، وسواء استخدمت الدواء أم لم تستخدمه فأنت حر وأثر ذلك يعود عليك وعود استعمالك الدواء لن يضر الطبيب شيئاً، بل أنت الذي تضر نفسك، كذلك منهج الله الذي جعله لصلاحية حركة الحياة. إن اتبعته وطبقته تنفع نفسك، وإن تركته فلم تطبقه فسوف تضر نفسك، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: {أية : وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف: 29]. إذن فالاختيار لك والله سبحانه وتعالى قد خلقك، وخلق الكون الذي يخدمك من قبل أن توجد، وأنت طارىء على هذا الكون، طارىء على الشمس وعلى القمر، وعلى الأرض، وعلى الجبال، وعلى الماء وعلى أي شيء في هذا الوجود. والذي خلق ما سبقك لا بد أن تكون له صفات الكمال المطلق. فهو سبحانه وتعالى قد خلق كل شيء بالحكمة والنظام، وما دامت له سبحانه وتعالى صفات الكمال المطلق المستوعبة، فهو لا يطلب منك بالتكاليف أن تنشىء له صفات كمال جديدة، وهو غني عنك. فإذا اقتنعت بالإيمان فلمصلحتك أنت، ولم يكلفْك إلا بالأحكام التي تصلح من حالك. وحيثية كل حكم هو تصديره بـ {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}. إياك أن تبحث عن علة في الحكم؛ لأنك لو ذهبت إلى الحكم لعلته، لاشتركت مع غير المؤمنين، فالمؤمن - مثلا - حين سمع الأمر باجتناب الخمر، امتثل للحكم لأنه صادر من الله، من بعد ذلك عرف غير المؤمنين - بالتحليل العلمي - أن الخمر ضارة فامتنعوا عنها، فهل امتناعهم هو امتناع إيماني؟ لا. إذن فإن المؤمن يأخذ الأمر من الله عز وجل لا لعلة الأمر بل لمجرد أنه قد صدر من الله؛ لذلك يمتثل للأمر وينفذه.. فالمسلم يمتثل لأوامر الله ويؤدي العمل الصالح دون بحث أو تساؤل عن علته، فحين يقال - على سبيل المثال - إن من فوائد الصيام أن يذوق الغني ألم الجوع، ويعطف على الفقير، حين أسمع من يقول ذلك أقول له: قولك صحيح لأن فيه لمسة من فهم، لكن ماذا عن صوم الفقير الذي ليس عنده ما يعطيه لغيره، ألا يصوم أيضاً؟. إن المؤمن يصوم لأن الأمر جاء من الله بالصيام. ومعظم أحكام الله تأتي مسبوقة بقوله: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ}، أي: يا من آمنتم بي إلهاً أقبلوا عليّ، فإنكم إن بحثتم عن العلة، ثم نفذتم الحكم لعلته فأنتم غير مؤمنين بالإله الآمر والمشرع، لكنكم مؤمنون بعلة المأمور به، والله يريدك أن ترضخ له فقط، ولذلك يأمرك بأوامر وينهاك بنواهٍ، فأنت - مثلا - حين تحج بيت الله الحرام، تسلم على الحجر الأسود بأمر من الله، وقد تتيح لك الظروف أن تقبِّل هذا الحجر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت في كل ذلك لا ترضخ للحجر. بل للآمر الأعلى الذي بعث محمداً بحرب على الأصنام وعلى الأحجار، وأنت تتبع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنتهى التسليم والإيمان، وتذهب بعد ذلك لترجم الأحجار التي هي رمز إبليس. وتفعل ذلك تسليماً لأوامر الله تعالى التي بلغتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} [الأنفال:15]. فما دمت قد آمنت بالإله، لا بد أن تدافع عن منهج الإله؛ لأن هذا أيضاً لمصلحتك؛ لأنك بإيمانك بالله أيها المؤمن ينتفع المجتمع كله بخيرك، ولن يأمرك سبحانه إلا بالخير، فلن تسرق، ولن تزني، ولن تشرب خمراً، ولن تعربد في الناس، ولن ترتشي، وبكل ذلك السلوك ينتفع المجتمع؛ لأن المجتمع يضار حين يوجد به فريق غير مهتدٍ. وأنت حين تقاتل لتفرض الكلمة الإيمانية هلى هؤلاء، فهذا يعود إلى مصلحتك، ولذلك فإن اتصافك بالإيمان لا يتحقق إلا إن عديته لغيرك، ومن حبك لنفسك، أن تعدى الإيمان بالقيم التي عندك إلى غيرك لتنتفع أنت بسلوك من يؤمن، وينتفع غيرك بسلوكك معه، ومن مصلحتك أن يؤمن الجميع. وحين يكلفك الحق تبارك وتعالى بالجهاد في سبيل الله فأنت تفعل ذلك لصالحك. {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} [الأنفال: 15]. وزحفاً مصدر زَحَف، والزحْف في الأصل هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر بالنصف الأعلى من الجسم. وتقول: "الولد زحف" أي تحرك من مكانه بنقل يديه وشد بذلك بقية جسمه. كما نقول: "حبا". أي استعمل الوركين والركبتين ليتحرك بجسده على الأرض، ثم نقول: "مشى" أي وقف على قدميه وسار، فتلك إذن مراحل تبدأ من زَحْف ثم حَبْو ثم مَشْى، والطفل يبدأ حركته الأولى بالزحف، بعد أن يتمكن من السيطرة على رأسه، ويمتلك القدرة على تحريكها بإرادته، ويقوى نصفه الأعلى، فيقعد، ثم يزحف، وبعد ذلك تقوى فخذاه فيحبو، ومن بعد ذلك تقوى الساقان فيمشي. إذن قوة الطفل تبدأ من أعلى. ولكن ما حكاية "زحفا" هنا في هذه الآية الكريمة؟ ولماذا لم يقل هًرْولوا إلى القتال؟. ونقول: إن الزحف هو انتقال كتلته لا ترى الناقل فيها، فمن يراها يظن أن الكتلة كلها تتحرك. وكأن الحق تعالى يقصد: أريد منكم أن تتحركوا إلى الحرب كتلة واحدة متلاصقين تماماً فيظهر الأمر وكأنكم تزحفون. وزحفاً أصلها زاحفين، وقد عدل سبحانه وتعالى عن اسم الفاعل وجاء بالمصدر، مثلما نقول عن إنسان عادل: إنه إنسان عدل، أي أن عدله مجسم. ولذلك نجد الشاعر يقول عن الجيش الزاحف: شعر : خميس بِشَرْقِ الأرضِ والغربِ زحفُه وفي أذنِ الجوزاءِ منه زمازم تفسير : والخميس هو الجيش الجرار، ويريد الشاعر أن يصوّر الزحف كأنه كتلة واحدة متماسكة ومترابطة، بحيث لا تستطيع أن تميز حركة جندي من حركة جندي آخر، حتى ليخيّل إليك أن الكتلة كلها تسير معاً. ومن يريد أن يتأكد من ذلك ندعو الله أن يكتب له الحج ويصعد إلى الدور الثاني من الحرم المكي الشريف ويرى الطائفين، ويجدهم ملتحمين جميعاً كأنهم كتلة واحدة تسير، ولذلك سمّوها "السيل". و"سالت بأعناق المطي الأباطح" مَثلُهم مثل السيل في تدفقه لا تفرق فيه نقطة عن أخرى. والحق تبارك وتعالى يوضح لنا هنا أن لقاء الكفار يجب أن يكون زحفاً أي كتلة واحدة متماسكة، فيصيب المشهد الكافرين بالرعب حين يرون هذه الكتلة الضخمة التي لا يفرق أحد بين أعضائها، وهكذا تكون المواجهة الحقيقية. ويواصل الحق سبحانه وتعالى التنبيه فيقول: {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} [الأنفال: 15]. أي لا تعطوهم ظهوركم، وهو سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول: {أية : وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ}تفسير : [المائدة: 21]. ويريد الله أن يعطي صورة بشعة في أذن القوم؛ لأن "الأدبار" جمع "دبر" والدبر مفهوم أنه الخلف ويقابله القُبُل، وهذا تحذير لك من أن تمكن عدوك من ظهرك أي دبرك، لأن هذا أمر مستهجن، ولذلك نجد الإمام عليا - كرّم الله وجهه - يرد على من قالوا له إن درعك له صدار وليس له ظِهار، أي مغطى من الصدر، وليس له ظهر. وهنا يقول الإمام على رضي الله عنه: "ثكلتني أمي إن مكّنت عدوي من ظهري"، وكأن شهامة وشجاعة الإمام تحمله على أنه يترك ظهره من غير وقاية. وفي قول الحق جل وعلا {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} تحذير من الفرار من مواجهة العدو. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ...}

الصابوني

تفسير : [2] الفرار من الزحف التحليل اللفظي {زَحْفاً}: زحف الرجل إذا مشى على بطنه كالحية، أو دبّ على مقعده كالصبي، وشبّه به هنا مشي الجيش الكثير للقتال بزحف الصبيان، لأنه لكثرته يرى كأنه يزحف زحفاً. {ٱلأَدْبَارَ}: جمع دُبُر وهو الخَلْف ويقابله (القُبُل) وهو الأمام، ويطلق القُبُل والدّبُر على سوأتي الإنسان، وأمّا إطلاقه على الأمام والخلف فمشهور في اللغة قال تعالى: {أية : وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ} تفسير : [يوسف: 25]. {مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ}: يقال: تحرّف وانحرف إذا مال وعدل من طَرَف إلى طرف، مأخوذ من الحَرْف وهو الطرف أي الجانب، والتحرف للقتال الفرّ للكرّ أي يتظاهر بالفرار ليغرّ عدوه حتّى يُخيّل له أنه انهزم، ثم يكر عليه فيقتله، وهذا من باب مكايد الحرب (والحرب خدعة). {مُتَحَيِّزاً}: أي منظماً، والفئة: الجماعة قال تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ} تفسير : [الأنفال: 45] والمراد أن ينهزم لينضمّ إلى جماعة أُخرى يعينهم أو يستعين بهم. {بَآءَ بِغَضَبٍ}: أي رجع بغضب وسخط من الله. {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ}: أي مسكنه وملجأه جهنم وبئس هذا الملجأ والمصير. {مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ}: أي مضعف بأس الكافرين بخذلانهم ونصر المؤمنين عليهم. قال ابن كثير: هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر فإنه تبارك وتعالى أعلمهم بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل ومصغرّ أمرهم، وأنهم في تبار ودمار وقد وُجد المخبرُ وفق الخبر فصار معجزاً للنبي صلى الله عليه وسلم فللَّه الحمد والمنة. المعنى الإجمالي هذه الآيات الكريمة نزلت لتثبيت قلوب المؤمنين في أول غزوة وقعت بينهم وبين المشركين ألا وهي "غزوة بدر" وقد كانت هذه المعركة هي الفارقة بين عهدين عهد الكفر، وعهد الإيمان ولذلك سمي يومها بيوم الفرقان قال تعالى: {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] لأنها فرقت بين الظلام والنور وبين الكفر والإيمان وفي هذه الآيات يأمر الله عباده المؤمنين أن يصمدوا أمام أعدائهم، وألا ينهزموا مهما كان جيش الكفر عظيماً وكبيراً، فإن الغلبة ليست بالكثرة، والمؤمنون أولى بالثبات والشجاعة من الكافرين، لأنهم يطلبون إحدى الحسنيين: إما العزة في الدنيا والنصر على الأعداء، وإما الشهادة في سبيل الله التي لا يعادلها شيء من الأشياء وقد حذرهم من الفرار والهزيمة لأن فيه كسراً لجيش المسلمين والقاءً للرعب في قلوب المجاهدين وبين تعالى أن الفرار يجوز في حالتين اثنتين: الأولى: إذا كان بقصد خداع العدو والتغرير به، لأن الحرب خدعة، والعاقل من عرف كيف يبطش بعدوه ويستدرجه. والثانية: إذا بقي هذا المسلم وحيداً فريداً فانضم إلى جماعة أخرى ليتقوى بها أو رأى أنها بحاجة إليه ليشد أزرهم ويقوي عزمهم. وما عدا ذلك فالفرار من الزحف جريمة نهى الله تعالى عنه وتوعد عليه أشد الوعيد وهو أن يرجع بغضب من الله وأن مقره في جهنم وبئس ذلك المقر والمصير. ثم بين تعالى أن المؤمنين لم ينتصروا في بدر ولا في غيرها من الغزوات بقوة سلاحهم ولا بوفرة عددهم وإنما انتصروا بتأييد الله لهم وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، فليعتمدوا إذاً على الله وليتوكلوا عليه فإنه نعم المولى ونعم النصير. تنبيه وفائدة: ذكر المفسرون عند قوله تبارك وتعالى {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم صفّ الصفوف يوم بدر ثم أخذ قبضة من تراب وحصباء ثم استقبل بها قريشاً فقال: شاهت الوجوه ثم رمى بها المشركين فلم يبق أحد منهم إلا وقد أصابه ذلك اليوم منها فدخلت في عيونهم ثم أمر عليه الصلاة والسلام أصحابه أن يشدوا عليهم فكانت الهزيمة وقتل من قتل من صناديد قريش وأُسر من أُسر من أشرافهم . تفسير : الأحكام الشرعية الحكم الأول: الفرار من الزحف من الكبائر. تدل ظواهر النصوص الشرعية على حرمة الفرار من الزحف إلا في حالتين اثنتين وهما: حالة الفر من أجل الكرّ خدعة للعدو - وحالة الالتحاق إلى جماعة المسلمين والانضمام إلى صفوفهم ليتقوى بهم وقد بينت السنة النبوية أن الفرار من الزحف من الكبائر فقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : "اجتنبوا السبع الموبِقات" قالوا وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ". تفسير : الحكم الثاني: كم عدد العدو الذي يحرم الفرار منه؟ هذه الآية حرمت الفرار من القتال، وأما عدد العدو الذي يحرم الفرار منه فقد بينته الآية في آخر سورة الأنفال وهي قوله تعالى: {أية : ٱلآنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوۤاْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 66] فقد أوجبت هذه الآية على المسلمين أن يثبتوا أمام أعدائهم إذا كان العدو ضعفهم وقد كانوا من قبل مكلفين بملاقاة العدو والصمود حتى ولو كانوا عشرة أضعافهم فنسخ الله ذلك وخفف عن عباده رحمة بهم وتيسيراً عليهم، فإذا كان جيش الكفار يزيد أضعافاً مضاعفة على جيش المسلمين فإنه لا يجب عليهم ملاقاته إلا إذا كان هناك خطر جسيم كهجوم المشركين على ديار المسلمين فإنه يجب حينئذٍ الدفاع عليهم، ويفترض القتال على الرجل والمرأة والصغير والكبير. وأما المغامرة في الحرب فقد قال بعض العلماء: لا يقتحم الواحد على العشرة ولا القليل على الكثير لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة... والصحيح كما قال (ابن العربي): إنه تجوز المغامرة لكسر شوكة المشركين وإضعاف نفوسهم فإنهم إذا رأوا هذه الشجاعة النادرة من شخص واحد دبّ الرعب في قلوبهم وأيقنوا بعدم قدرتهم على مقاومة المسلمين وفي ذلك إعزاز لدين الله وقهر للمشركين والله أعلم. الحكم الثالث: هل يجوز الفرار عند الضرورة؟ يجوز الفرار عند الضرورة في غير الحالتين السابقتين التي أشارت إليهما الآية وذلك كأن يحيط العدو بالجيش أو يقطعوا على المجاهدين طريق المؤنة والغذاء فقد حديث : روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "كنا في غزاة فحاص الناس حيَصةً" أي "فروا أمام العدو" قلنا كيف نلقى النبي صلى الله عليه وسلم وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر فخرج فقال: من القوم؟ فقلنا: نحن الفرّارون. فقال: لا بل أنتم العكّارون فقبلنا يده. فقال: أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين تفسير : ثم قرأ {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ}. العكارون: أي الكرارون العطافون. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً - المؤمن يجاهد لإعلاء كلمة الله فعليه أن يتحمل الشدائد لأن العمر بيد الله. ثانياً - الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر لأنه يعرض جيش المسلمين للتدهور والخطر. ثالثاً - لا يجوز الفرار إلا في الحالات الضرورية. رابعاً - النصر بيد الله، فعلى المؤمن أن يعتمد على الله مع الأخذ بالأسباب.

الأندلسي

تفسير : {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} الآية، زحفاً نصب على الحال من المفعول أي زاحفين إليكم، أو من الفاعل أي زاحفين إليهم، أو منهما أي متزاحفين. قال الفراء: الزحف الدنو قليلاً قليلاً، يقال: زحف إليه يزحف زحفاً إذا مشى. {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} عدل عن لفظ الظهور إلى لفظ الإِدبار تقبيحاً لفعل الفار وتبشيعاً لانهزامه وتضمن هذا النهي الأمر بالثبات والمصابرة على القتال ومن يولهم يومئذٍ دبره الآية لما نهى تعالى عن تولي الإِدبار توعد من ولى دبره وقت لقاء العدو وناسب قولهم: ومن يولهم، قوله: فقد باء بغضب من الله، كان المعنى فقد ولى مصحوباً بغضب الله تعالى. قال الشاعر: شعر : فلسنا على الأعقاب تدمى كلُومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما تفسير : والظاهر أن الجملة المحذوفة بعد إذ وعوض منها التنوين هي قوله: إذ لقيتم الكفار، وانتصب متحرفاً ومتحيزاً على الحال من الضمير المستكن في يولهم العائد على مَن. {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً} التحرف للقتال هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهذا من باب خدع الحرب ومكائدها. إلا متحيزاً اسم فاعل من تحيز أصله تحيوَز تفيعل من الحوز اجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء فصار تحيز. {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} المخصوص بالذم محذوف تقديره بئس المصير هي أي جهنم. {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} الآية، لما رجع الصحابة من بدر ذكروا مفاخرهم فيقول القائل: قتلت وأسرت فنزلت. قال الزمخشري: والفاء جواب شرط محذوف تقديره ان افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. "انتهى". وليست الفاء جواب شرط محذوف كما زعم وإنما هي للربط بين الجمل لأنه لما قال: {أية : فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تفسير : [الأنفال: 12]، كان امتثال ما أمروا به سبباً للقتل. فقيل: فلم تقتلوهم، أي لستم مستبدّين بالقتل لأن الاقدار عليه والخالق إنما هو الله تعالى ليس للقاتل فيها شىء لكنه أجرى على يده فنفى عنهم إيجاد القتل وأثبته لله تعالى وعطف الجملة المنفية بما على الجملة المنفية بلم لأن لم نفي للماضي وإن كان بصورة المضارع. {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} الآية، قال ابن عباس: حديث : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر قبضة من تراب فرماهم بها. وقال: شاهت الوجوه، أي قبحت فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه وفيه ومنخريه منها شىء تفسير : . ومجيء لكنّ هنا في الموضعين أحسن مجيء لكونها بين نفي وإثبات فالمثبت لله تعالى هو المنفي عنهم وهو حقيقة القتل. {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} قال السدي: ينصرهم وينعم عليهم. يقال: أبلاه إذا أنعم عليه وبلاه إذا امتحنه والبلاء يستعمل للخير والشر، والبلاء الحسن قيل: بالنصر والغنيمة، وقيل: بالشهادة. واللام في ليبلى تتعلق بمحذوف بعد الواو تقديره وفعلنا ذلك، أي قتلهم ورميهم أو مقدر آخر الجملة تقديره بلاء حسناً فعلنا ذلك. {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ} لكلامكم وما تفخرون به. {عَلِيمٌ} بما انطوت عليه الضمائر. {ذٰلِكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} قال الزمخشري: ذلكم إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع. وإن الله موهن معطوف على وليبلى يعني أن الغرض إبلاء للمؤمنين وتوهين كيد الكافرين. "انتهى". وهذا فيه بعد لفصل المعطوف الذي هو وان الله عن ليبلى بجملتين إحداهما وان الله سميع عليم، والأخرى ما قدره في قوله ذلكم. وقال ابن عطية: ذلكم إشارة إلى ما تقدم من قتل الله ورميه إياهم وموضع ذلكم من الإِعراب رفع. قال سيبويه: التقدير الأمر ذلكم. وقرىء: موهّن من وهن. والتعدية بالتضعيف فيما عينه حرف حلق غير الهمزة قليل نحو: ضعّفت ووهّنت وبابه ان يعدى بالهمزة نحو أوْهنته. وقرىء: موهن إسم فاعل من أوهن. وقرىء: بالتنوين ونصب كيد وبحذفه وجر كيد على الإضافة. {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} قال الجمهور: هي خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا باستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أقرانا للضيف وأوصلنا للرحم وأفكنا للعاني ان كان محمد على الحق فانصره وإن كنا على حق فانصرنا. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الظاهر أنه نداء وخطاب للمؤمنين الخلص حثهم بالأمر على طاعة الله ورسوله وأمروهم بالأمر رفعاً لأقدارهم. {وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي عن الرسول صلى الله عليه وسلم. {وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} أي الأمر بالطاعة والنهي عن التولي. {إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ} الآية، تقدم الكلام على الصم البكم الذين لا يعقلون في البقرة. وقيل: نزلت في طائفة من بني عبد الدار كانوا يقولون نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا نسمعه ولا نجيبه فقتلوا جميعاً يوم بدر وكانوا أصحاب اللواء. {وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ} قال ابن عطية: أخبر تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علم الله تعالى منهم وسبق من قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم، بقوله: لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم، والمراد لأسمعهم إسماع تفهّم وهدى. ثم ابتدأ تعالى الخبر عنهم بما هم عليه من حتمه عليهم بالكفر فقال: {وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ} أي ولو فهّمهم. {لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ} بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبيّن لهم من الهدى. "انتهى".

الجيلاني

تفسير : ثمَّ قال سبحانه: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} مقتضى إيمانكم: إعلاء كلمة الحق وانتصار دينه، فعلكيم {إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أن تقاتلوا معهم، وإن كانوا {زَحْفاً} متكثرين بأضعافكم {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] أي: لا ترجعوا منهم حين الالتقاء إلى أدباركم خالئفين منهزمين حال كونهم بأضعافكم، فكيف إن كانوا مثلكم أو أقل منكم؟!. {وَمَن يُوَلِّهِمْ} منكم {يَوْمَئِذٍ} إلى يوم ملاقاة العدو {دُبُرَهُ} أي: مدبراً خائفاً {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً} أي: قاصداً بالاستدبار التحيز واللحوق {إِلَىٰ فِئَةٍ} ثابتة من المؤمنين؛ ليستعين بهم {فَقَدْ بَآءَ} أي: رجع ولحق {بِغَضَبٍ} نازل {مِّنَ ٱللَّهِ} لمخالفة أمره وحكمه، وحكمته {وَمَأْوَاهُ} في النشأة الأخرى {جَهَنَّمُ} العبد والخذلان {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الأنفال: 16] مرجعه ومصيرهز وعليكم أيها المؤمنون ألاَّ تنسبوا القتل، بل جميع ما صدر منكم إلى نفوسكم مفاخرة ومباهاة، بل إن قتلتموهم صورةً {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} حقيقةً {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ} لأن جميع الأمور الكائنة في الآفاق صادرة من الله أولاً وبالذات، ومن آثار أوصافه وأسمائه {وَ} بالجملة: {مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أيها النبي المأمور برمي الحصا حين هجوم الأعداء على أصحابك {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} أي: أوجد سبحانه الرمي بيدك التي هي {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}تفسير : [الفتح: 10]؛ لذلك ترتب على رميك انهزامهم الذي يستبعدونه أنتم وهؤلاء أيضاً. {وَ} إنما رماهم سبحانه بما رمى {لِيُبْلِيَ} ويجرب {ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً} أي: بنعمة الغنيمة والظفر، هل يرجعون ويواظبون على شكر نعمه أم لا؟ {إِنَّ ٱللَّهَ} المصلح لأحوال عباده {سَمِيعٌ} يسمع مناجاتهم الصادرة منهم على وجه الخلوص {عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] بحاجاتهم التي يحتاجون إليها في معاشهم ومعادهم. {ذٰلِكُمْ} أي: ابتلاء الله بالبلاء الحسن، مختص بالمؤمنين {وَ} اعلموا أيها المؤمنون {أَنَّ ٱللَّهَ} المولي لأموركم {مُوهِنُ} مضعف ومبطل {كَيْدِ ٱلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 18] ومكرهم وحيلهم التي يقصدون بها إهلاككم وإذلالكم.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر اللّه تعالى عباده المؤمنين بالشجاعة الإيمانية، والقوة في أمره، والسعي في جلب الأسباب المقوية للقلوب والأبدان،ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا } أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقتراب بعضهم من بعض، { فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ } بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين اللّه، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابا للكافرين. { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ } أي: رجع { بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ } أي: مقره { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } . وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد. ومفهوم الآية: أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز،فإن كانت الفئة في العسكر، فالأمر في هذا واضح،وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز،ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم. أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال -أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه،وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً} [15] 220- أنا أبو بكر بن إسحاق، نا حسان بن عبد الله، نا خلاَّد بن سليمان، حدثني نافع أنه سأل عبد الله بن عمر قال: إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفِئَة؟ قال لي: الفِئَة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: إن الله يقول في كتابه {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} قال: إنما أُنزلت هذه لأهل بدر، لا لِقََبْلها، ولا لِبَعدها.