٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال الزجاج: {ذٰلِكُمْ } رفع لكونه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر ذلكم فذوقوه، ولا يجوز أن يكون {ذٰلِكُمْ } ابتداء، وقوله: {فَذُوقُوهُ } خبر، لأن ما بعد الفاء لا يكون خبراً للمبتدأ، إلا أن يكون المبتدأ اسماً موصولاً أو نكرة موصوفة، نحو: الذي يأتيني فله درهم، وكل رجل في الدار فمكرم. أما أن يقال: زيد فمنطلق، فلا يجوز إلا أن نجعل زيداً خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير: هذا زيد فمنطلق، أي فهو منطلق. المسألة الثانية: أنه تعالى لما بين أن من يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب، بين من بعد ذلك صفة عقابه، وأنه قد يكون معجلاً في الدنيا، وقد يكون مؤجلاً في الآخرة، ونبه بقوله: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ } وهو المعجل من القتل والأسر على أن ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل لهم في الآخرة، فلذلك سماه ذوقاً، لأن الذوق لا يكون إلا تعرف طعم اليسير ليعرف به حال الكثير، فعاجل ما حصل لهم من الآلام في الدنيا كالذوق القليل بالنسبة إلى الأمر العظيم المعد لهم في الآخرة، وقوله: {فَذُوقُوهُ } يدل على أن الذوق يحصل بطريق آخر سوى إدراك الطعوم المخصوصة، وهي كقوله تعالى: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ } تفسير : [الدخان: 49] وكان عليه السلام يقول: «حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» تفسير : فهذا يدل على إثبات الذوق والأكل والشرب بطريق روحاني مغاير للطريق الجسماني.
البيضاوي
تفسير : {ذٰلِكُمْ} الخطاب فيه مع الكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع أي: الأمر ذلكم أو ذلكم واقع أو نصب يفعل دل عليه. {فَذُوقُوهُ} أو غيره مثل باشروا أو عليكم فتكون الفاء عاطفة. {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} عطف على ذلكم أو نصب على المفعول معه، والمعنى ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم في الآخرة. ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل أو الجمع بينهما. وقرىء {وَأَنْ} بالكسر على الاستئناف.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكُمْ } العذاب {فَذُوقُوهُ } أيها الكفار في الدنيا {وَأَنَّ لِلْكَٰفِرِينَ } في الآخرة {عَذَابَ ٱلنَّارِ }.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ} المُخَاطَبَةُ للكفار، أي ذلكم الضَّرْبُ والقَتْلُ، وما أوقع اللَّه بهم يوم بَدْرٍ، فكأنه قال: الأمر ذلكم فذوقوه، وكذا قرره سيبويه. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون «ذلكم» في موضع نَصْبٍ، كقوله: زيداً فاضربه، وقوله سبحانه: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً...} الآية: {زَحْفاً } يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي: يزحف بعضهم إِلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الأَلْيَةِ، ثم سمي كل مَاشٍ إلى آخر في الحرب رُوَيْداً زاحفاً، إذ في مشيته من التَّمَاهُلِ والتَّبَاطُؤِ ما في مشي الزاحف، وفي هذا المعنى شواهد من كلام العرب، ونهى اللَّه سبحانه في هذه الآية عن تَوَلِّي الأَدْبَارِ، وهذا مقيد بالشَّريطَةَ المنصوصة في مثلي المؤمنين، والفرار هنالك كَبِيرَةٌ موبقة بظاهر القرآن، والحديث، وإجماع الأكثر من الأمة. وقوله: {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ...} الآية. قال جمهور الأمة: الإشارة بـــ {يَوْمَئِذٍ } إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله: {إِذَا لَقِيتُمُ } وحكم الآية باقٍ إِلى يوم القيامة، بشرط الضعف الذي بَيَّنَهُ اللَّه سبحانه. * ت *: قال ابن رشد: وهذا ما لم يبلغ عَدَدُ المسلمين اثني عشر أَلْفاً، فإِن بلغ حرم الفِرَارُ، وإن زاد المشركون على الضعف « لن تغلب اثنا عشر ألفاً من قِلَّةٍ »، فإن أكثر أهل العِلْمِ خَصَّصُوا بهذا الحديث عُمُومَ الآية. وعن مالك مثله. انتهى. وفهم * ع *: الحديث على التَّعَجُّبِ، ذكره عند قوله: {أية : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } تفسير : [التوبة:25]، وما قاله ابنُ رشْدٍ هو الصواب. واللَّه أعلم. و{مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ } يراد به الذي يَرَى: أن فعله ذلك أنْكَى للعدو، ونصبه على الحال، وكذلك نصب {مُتَحَيِّزاً }، وأما الاسْتِثْنَاءُ، فهو من المولين الذين تضمنهم «من». والفِئَةُ هنا الجَمَاعَةُ الحاضرة لِلْحَرْبِ، هذا قول الجمهور.
البقاعي
تفسير : {ذلكم } أي هو سبحانه بما له من هذا الوصف الهائل يذيق عدوه من عذابه ما لا طاقة لهم به ولا يدان، فيصير لسان الحال مخاطباً لهم نيابة عن المقال: الأمر الذي حذرتكم منه الرسل وأتتكم به الكتب وكنتم تستهزئون به أيها الكفرة هو هذا الأمر الشديد وقعه البعيد على من ينزل عليه دفعه دهمكم، فما لكم لا تدافعونه! كلا والله شغل كلاًّ ما قابله ولم يقدر أن يزاوله. ولما كان ما وقع لهم في وقعة بدر من القتل والأسر والقهر يسيراً جداً بالنسبة إلى ما لهم في الآخرة، سماه ذوقاً لأنه يكون بالقليل ليعرف به حال الكثير فقال: {فذوقوه} أي باشروه قهراً مباشرة الذائق واعلموا أنه بالنسبة إلى ما تستقبلونه كالمذوق بالنسبة إلى المذوق لأجله {وأنَّ} أي والأمر الذي أتتكم به الرسل والكتب أن لكم مع هذا الذي ذقتموه في الدنيا، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً بالوصف فقال: {للكافرين} أي على كفرهم وإن لم يظهروا المشاققة {عذاب النار*} وهو مواقعكم وهو أكبر وسترون. ولما قرر إهانتهم في الدنيا والآخرة بما حسر عليهم القلوب، حسن أن يتبع ذلك نهي من ادعى الإيمان عن الفرار منهم وتهديد من نكص عنهم بعد هذا البيان وهو يدعي الإيمان فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي بما أتاهم من عند ربهم {إذا لقيتم الذين كفروا} أي بآيات ربهم فشاققوه، وعبر عن حال لقائهم بالمصدر مبالغة في التشبيه فقال: {زحفاً} أي حال كونهم زاحفين محاربين وهم من الكثرة بحيث لا يدرك من حركتهم - وإن كانت سريعة - إلا مثلل الزحف {فلا تولوهم الأدبار*} أي هرباً منهم وإن كنتم أقل منهم {ومن يولهم} ولما كان الأغلب في وقوع القتال النهار، وكان التولية مما لا يكون الظرف معياراً له لأنها مما لا يمتد زمنه، فالعصيان يقع بمجرد الالتفات بقصد الفرار، والتمادي تكرير أمثال، لا شرط في صحة إطلاق الاسم، عبر باليوم، وجرده عن "في" ندباً إلى الكر بعد الفر مع عدم الالتباس، فإن الظرف لا يكون معياراً للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم فقال {يومئذ} أي إذ لقيتم على هذه الحالة في أيّ وقت كان من أوقات القتال من ليل كان أو نهار {دبره} أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية لا يريد الإقبال إلى القتال منها {إلا} أي حال كونه {متحرفاً} أو الحال التحرف، وهو الزوال عن جهة الاستواء {لقتال } أي لا يتسهل له إلا بذلك يخيل إلى عدوه أنه منهزم خداعاً له ثم يكر عليه {أو متحيزاً} أي متنقلاً من حيز إلى آخر ومتنحياً {إلى فئة} أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم أو يعينهم. ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له، أجاب رابطاً بالفاء إعلاماً بأن الفعل المحدث عنه سبب لهذا الجزاء فقال: {فقد باء} أي رجع {بغضب من الله} اي الحائز لجميع صفات الكمال {ومأواه جهنم} أي تتجهمه كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسة بوجه كالح عابس {وبئس المصير*} هذا إذا لم يزد الكفار عن الضعف - كما سيأتي النص به. ولما تقدم إليهم في ذلك، علله بتقرير عزته وحكمته، وأن النصر ليس إلا من عنده، فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره، فقال مسبباً عن تحريمه الفرار وإن كان العدو كثيراً، تذكيراً بما صنع لهم في بدر، ليجريهم على مثل ذلك، ومنعاً لهم من الإعجاب بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من الخوارق {فلم تقتلوهم} أي حلَّ على المدبر الغضب لأنه تبين لكل مؤمن أنه تعالى لا يأمر أحداً إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له، فإنه قد وضح مما يجري على قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم أسباب قتلهم، لأنكم لم تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب هزيمتهم التي كانت سبب قتل من قتلتم، لضعفكم عن مقاومتهم في العادة، وفيه مع ذلك زجر لهم عن أن يقول أحد منهم على وجه الافتخار: قتلت كذا وكذا رجلاً وفعلت كذا {ولكن الله} أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن مراده {قتلهم} أي بأن هزمهم لكم لما رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من التراب الذي رماهم به صلى الله عليه وسلم وقلوبهم جزعاً حتى تمكنتم من قتلهم خرق عادة كان وعدكم بها، فصدق مقاله وتمت أفعاله. ولما رد ما باشروه إليه سبحانه، أتبعه ما باشره نبيه صلى الله عليه وسلم دلالة على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشاً مقبلة قال: اللهم! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، فقال جبرائيل عليه السلام: خذ قبضة من تراب فأرمهم بها، ففعل فملأت أعينهم فانهزموا فقال: {وما رميت} أي يا سيد المؤمنين الرمل في أعين الكفار {إذ رميت} أي أوقعت صورة قذفه من كفك، لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة، فمن الواضح أنه ليس فعلك، وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم، لأن زهوق النفس عن الجراح المثخن هو العادة، فهم الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم، فلا يصح: فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم، والمنفيّ إنما هو السبب المتقدم على القتل الممكن من القتل، وهو تسكين قلوبهم الناشىء عند إقدامهم وإرعاب الكفار الناشىء عند ضعفهم وانهزامهم الممكن منهم، فالمنفي عنهم البداية والمنفي عنه صلى الله عليه وسلم الغاية، أو أن الملائكة عليهم السلام لما باشرت قتل بعضهم صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقاً، أو أنهم لما افتخر بعضهم بقتل من قتل نفاه سبحانه عنهم مطلقاً لأن مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من الأسباب وأيدهم به من الجنود عدم، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فعل ما أمر به من رمي الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره، فأثبته سبحانه له مع نفي تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ترجع الأمور تأديباً منه سبحانه لهذه الأمة، أي لا ينظر أحد إلى شيء من طاعته، فإنا قد نفينا هذا الفعل العظيم عن أكمل الخلق مع أنه عالم مقر بأنه منا فليحذر الذي يرى له فعلاً من عظيم سطواتنا، ولكن لينسب جميع أفعاله الحسنة إلى الله تعالى كما نسب الرمي إليه بقوله: {ولكن الله} أي الذي لا راد لأمره {رمى} لأنه الذي أوصل أثره بما كان هازماً للكفار، فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من أراد من عباده بلاء عاقبته سيئة {وليبلي المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان {منه} أي وحده {بلاء حسناً} أي من النصر والغنيمة والأجر، ومادة بلاء يائية أو واوية بأيّ ترتيب كان تدور على الخلطة، وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه عذراً، وتارة بكثرة ومحاولة وعناء وهو أغلب أحوال المادة، وتارة تكون للامتحان وأخرى لغيره، وماأباليه بالة - أظنه من البال الذي هو الخاطر فهو من بول لا بلو، أجوف لا من ذوات الأربعة، ومعناه: ما أفاعله بالبال، أي ما أكترث به فما أصرف خاطري إلى مخالطة أحواله حيث يصرف خاطره إليّ أي ما أفكر في أمره لهوانه عليّ وسيأتي بسط معاني المادة إن شاء الله تعالى في سورة يوسف عليه السلام عند قوله تعالى{أية : ما بال النسوة} تفسير : [يوسف: 50] وهذه المادة معناها ضد الدعة، لأن هذه يلزمها شغل الخاطر الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس، والدعة يلزمها هدوء السر وفراغ البال الذي هو منشأ الراحة، فمعنى الآية أنه تعالى فعل ذلك من الإمكان من إذلال الكفار ليخالطهم من شؤونه ما يكون لهم في مدافعته عاقبة سيئة، وليخالط المؤمنين من ذلك ما يكون لهم في مزاولته عاقبة حسنة بل أحسن من الراحة، لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة، والدعة تقضي إلى تعب طويل - والله موفق. ولما ثبت بما مضى أن له تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسمية. ودلت أقوال من قال من المؤمنين: إنا لم نتأهب للقاء ذات الشوكة، على ضعف العزائم؛ ختم الآية بقوله: {إن الله} أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال {سميع} أي لأقوالكم من الاستعانة في المعونة على النصرة وغيرها {عليم*} أي بعزائمكم وإن لم تتكلموا بها، فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه والكافر على ما يبدي ويخفي من كفرانه، الأمر {ذلكم} العظيم الشأن البعيد المتناول الذي أمركم فيه بأوامره ونهاكم به عن مناهيه وأبلاكم فيه البلاء الحسن، وأراكم بأعينكم توهينه لهذه الطائفة التي قصدتكم وأنتم عندها أكلة جزور وعصفور بين يدي صقور، وبين لكم من علل ذلك وعجائب مقدوره ما لم يبق معه عذر لمؤمن، فألزموا طاعته وسابقوا في طاعة رسوله ولا تنظروا في عاقبة شيء مما يأمر به، فإنه ما ينطق عن الهوى بل إنما يأمر عنا، ونحن لم نأمر بشيء إلا بعد تدبيره على أحكم الوجوه وأتقنها {وأنَّ} أي والأمر أيضاً أن {الله} أي الحاوي لجميع صفات العز والعظمة {موهن} أي مضعف إضعافاً شديداً ثابتاً دائماً أبداً {كيد الكافرين*} أي الراسخين في الكفر جميعهم، فلا تهنوا في ابتغاء القوم وإن نالكم قرح فإنا نجعله لكم تطهيراً وللكافرين تدميراً والعاقبة للتقوى، فنطلعكم على عوراتهم ونلقي الرعب في قلوبهم ونفرق كلمتهم وننقض ما أبرموا. ولما تضمن ذلك إيقاع الإهانة بالكفار بهذه الوقعة، والوعد بإلزامهم الإهانة فيما يأتي، كان ذلك مفصلاً للالتفات إلى تهديدهم في قالب استجلائهم والاستهزاء بهم وتفخيم أمر المؤمنين فقال: {إن تستفتحوا} أي تسألوا الفتح أيها الكفار بعد هذا اليوم كما استفتحتم في هذه الوقعة عند أخذكم أستار الكعبة وقت خروجكم بقولكم: اللهم انصر أهدى الحزبين، وأكرم الجندين، وأعلى الفئتين، وأفضل الدينين، ووقت ترائي الجمعين؛ بقول أبي جهل: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعلم فأحنه الغداة؛ أتاكم الفتح كما أتاكم في هذا اليوم {فقد جاءكم} أي في هذا اليوم بنصر المؤمنين {الفتح} أي الذي استفتحتم له لأنهم أهدى الفئتين وأكرم الطائفتين {وإن تنتهوا} أي بعد هذا عن مثل هذه الأقوال والأفعال المتضمنه للشك أو العناد {فهو خير لكم} وقد رأيتم دلائل ذلك {وإن تعودوا} أي إلى المغالبة لأنكم لم تنتهوا {نعد} أي إلى خذلانكم {ولن تغني عنكم} أي أبداً {فئتكم} أي جماعتكم التي ترجعون إليها للاعتزاز بها {شيئاً} أي من الإغناء {ولو كثرت} لأن الله على الكافرين {وأنَّ الله} أي الملك الأعظم {مع المؤمنين*} أي الراسخين في الإيمان، ولعله عبر المستقبل في الشرط والماضي في الجزاء إشارة إلى أنكم استفتحتم في بدر وجاءكم من الفتح ما رأيتم، فإن كان أعجبكم فألزموه في المستقبل، فإني لا أجيئكم أبداً ما دمتم على حالكم إلا بما جئتكم به يومئذ، والفتح يحتمل أن يكون بمعنى النصر فيكون تهكماً بهم، وأن يكون بمعنى القضاء. ولما كان سبب ما أحله بالكفار - من الإعراض عن إجابتهم فيما قصدوا من دعائهم ومن خذلانهم في هذه الوقعة وإيجاب مثل ذلك لهم أبداً - هو عصيانهم الرسول وتوليهم عن قبول ما يسمعونه منه من الروح؛ حذر المؤمنين من مثل حالهم بالتمادي في التنازع في الغنيمة أو غيرها فقال: {يا أيها الذين آمنوا} أي ادعوا ذلك {أطيعوا الله} أي الذي له جميع العز والعظمة {ورسوله} تصديقاً لدعواكم الإيمان. ولما كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعوه إليه وإنما خلقه القرآن، وحد الضمير فقال: {ولا تولوا عنه} أي عن الرسول في حال من الأحوال، في أمر من الأوامر من الجهاد وغيره، من الغنائم وغيرها، خف أو ثقل، سهل أو صعب {وأنتم} اي والحال أنكم {تسمعون*} أي لكم سمع لما يقوله، أو وأنتم تصدقونه، لأن ارتكاب شيء من ذلك يكذب دعوى الإيمان وينطبق علىأحوال الكفار، وإلى ذلك إشارة بقوله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} أي بآذاننا {وهم لا يسمعون*} أي لا يستجبون فكأنهم لم يسمعوا، لما انتفت الثمرة عد المثمر عدماً.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النَّار} قوله ذلكم خبر مبتدأ محذوف وقوله وان الخ معطوف عليه. وقوله فذوقوه اعتراض والضمير لما فى ضمن المشار اليه من العقاب والتقدير حكم الله ذلكم اى ثبوت هذا العقاب لكم عاجلا وثبوت عذاب النار آجلا وانما قال فى عذاب الدنيا فذوقوه لان الذوق يتناول اليسير من الشئ فكل ما يلقى الكفار من ضرب او قتل او اسر او غيرها فى الدنيا فهو بالنسبة الى ما اعد لهم فى الآخرة بمنزلة ذوق المطعوم بالنسبة الى اكله. قال فى التأويلات النجمية {فذوقوه} اى ذوقوا العاجل منه صورة ومعنى اما صورة فبالقتل والاسر والمصائب والمكروهات واما معنى فبالبعد والطرد عن الحضرة وتراكم الحجب وموت القلب وعمى البصيرة وضعف الروح وقوة النفس واستيلاء صفاتها وغلبة هواها وما يبعده عن الحق ويقربه الى الباطل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما انه قال سوى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوفهم وقدموا راياتهم فوضعوها مواضعها فوقف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على بعير له يدعو الله ويستغيث فهبط جبريل عليه السلام فى خمسمائة على ميمنتهم وميكائيل عليه السلام فى خمسمائة على ميسرتهم فكان الملك يأتى الرجل من المسلمين على صورة رجل ويقول له دنوت من عسكر المشركين فسمعتهم يقولون والله لئن حملوا علينا لا نثبت لهم ابدا والقى الله فى قلوب الكفرة الرعب بعد قيامهم للصف فقال عتبة بن ربيعة يا محمد اخرج الينا اكفاءنا من قريش نقاتلهم فقام اليهم بنوا عفراء من الانصار عوذ ومعوذ اّمهم عفراء وابوهم الحارث فمشوا اليهم فقالوا لهم ارجعوا وارسلوا الينا اكفانا من بنى هاشم فخرج عليهم حمزة وعلى عبيدة بن الحارث فقال على مشيت الى الوليد بن عتبة ومشى الى فضربته بالسيف اطرت يده ثم بركت عليه فقتلته فقام شيبة بن ربيعة الى عبيدة بن الحارث فاختلفا بضربتين ثم ضرب عبيدة ضربة اخرى فقطع ساق شيبة ثم قام حمزة الى عتبة فقال انا اسد الله واسد رسوله ثم ضربه حمزة فقتله فقام ابو جهل فى اصحابه يحرضهم يقول لا يهولنكم ما لقى هؤلاء فانهم عجلوا فاستحقوا ثم حمل هو بنفسه ثم حمل المسلمون كلهم على المشركين فهزموهم باذن الله تعالى وفى حق هؤلاء السادات ورد "حديث : اطلع الله على أهل بدر" تفسير : يعنى نظر اليهم بنظر الرحمة والمغفرة "حديث : فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .تفسير : المراد به إظهار العناية بهم وإعلاء رتبتهم لا الترخيص لهم فى كل فعل كما يقال للمحبوب اصنع ما شئت. فعلى العاقل ان يقتفى باثرهم فى باب المجاهدة مطلقا: قال الحافظ شعر : درره نفس كزوسينه ما بتكده شد تيرآهى بكشاييم وغزايى بكنيم تفسير : وقال فى حق أهل الجزع شعر : ترسم كزين جمن نبرى آستين كل كز كلشنش تحمل حارى نمكينى تفسير : اللهم اجعلنا من الصابرين
الطوسي
تفسير : العامل في {ذلكم} يحتمل احد وجهين: أحدهما - الابتداء على تقدير الأمر {ذلكم}، قال الزجاج: من قال: إنه يرفع {ذلكم} بما عاد عليه من الهاء او بالابتداء وجعل {فذوقوه} الخبر، فقد أخطأ، لأن ما بعد الفاء لا يكون خبر المبتدأ لا يجوز "زيد فمنطلق" ولا "زيد فاضربه" الا ان تضمر هذا كقول الشاعر: شعر : وقائله خولان فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خلو كما هيا تفسير : أي هذه خولان. الثاني - أن يكون نصباً بذوقوا، كما تقول: زيداً فاضربه. والكاف في قوله {ذلكم} لا موضع له من الاعراب لانه حرف خطاب، ولو كان اسماً لجاز أن يؤكد بالنفس وذلك غير جائز اجماعاً. والاشارة بذلك إلى ما تقدم من انواع العقوبات، وانما ضم إلى الكاف الميم، لأنه خطاب للمشركين. وقوله {فذوقوه} فالذوق طلب ادراك الطعم بتناول اليسير بالفم كما ان الشم طلب ادراك الرائحة بالانف، وليس بالادراك، لأنه يقال ذقتة فلم أجد له طعماً، وشممته فلم اجد له رائحة، وانما قال {فذوقوه} والذوق اليسير من الطعام، لان المعنى كونوا للعذاب كالذائق للطعام، لأن معظمه بعده. وقيل: لان الذائق أشد احساساً بالطعم من المستمر عليه، فكأن حالهم ابداً حال الذائق في شدة احساسه نعوذ بالله منه. وقوله {وأن للكافرين} فموضع {أن} يحتمل النصب والرفع، فالرفع بالعطف على ذلكم كأنه قال {ذلكم فذوقوه} وذلكم {أن للكافرين عذاب النار} مع ذا والنصب من وجهين: احدهما - وبان للكافرين، والآخر - واعلموا ان للكافرين، كما انشده الفراء: شعر : تسمع للأحشاء منه لغطا ولليدين جسأة وبددا تفسير : اي وترى لليدين وانما قدم الخبر في قوله: {وأن للكافرين} على الاسم لدلالته على الكفر الذي هو السبب للعذاب. ومرتبة السبب قبل المسبب.
اطفيش
تفسير : {ذَلكمُ} فالخطاب للكفار التفاتا من الغيبة فى {بأنهم شاقوا} والإشارة لما وقع من القتل والأسر، وهو مبتدأ محذوف الخبر، أى ذلكم واقع، أو ذلكم العقاب، أو خبر لمحذوف، أى الأمر ذلكم، أو العقاب ذلكم، أو مفعول لمحذوف، أى باشروا ذلكم، ومن أجاز عمل اسم الفاعل محذوفا أجاز أن يقدر عليكم ذلكم فهو مفعول لاسم الفعل وهو عليكم، ويجوز هذا التقدير على أن عليكم جار ومجرور خبر، وذلكم مبتدأ، و الفاء فى قوله: {فذُوقوه} عاطفة إلا أن فى بعض هذه الأوجه عطف الطلب على الأخبار، والفعلية على الاسمية، فيخرج عن ذلك فى ذلك البعض بجعل هذا الاستئناف، ويجوز كون ذلكم منصوبا على الاشتغال، فتكون الفاء زائدة، والمراد بالذوق ملابسة ذلك، أو الإشارة إلى أنه يسير بالنسبة إلى ما أعد لهم فى الآخرة. {وأنَّ للكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ} عطف على ذلكم، أو فاعل لمحذوف، أى ووجب أن للكافرين عذاب النار لا مفعول معه، لأنه كما قال ابن هشام: لا يكون إلا اسما صريحا، وأجاز غيره أن يكون مؤولا، فعليه يجوز أن يكون ذلك مفعولا معه، أى ذوقوا هذا العاجل مع ثبوت النار لكم فى الآخرة، وعن الحسن: وإن للكافرين بكسر الهمزة على الاستئناف، أو لعطف الجملة بتمامها على الفعلية والاسمية قبلها، وإن أريد بالكافرين على القراءتين مطلق الكفار على العموم فعلى ظاهره، وإن أريد المخاطبون بالذوق ففيه وضع الظاهر موضع المضمر، ولزم منه الالتفات من الخطاب بالغيبة، لأن الظاهر من قبيل الغيبة، والأصل وإن لكم عذاب النار، ونكتة ذلك الدلالة على أن سبب العذاب فى الآخرة، أو سبب الجمع بين العذابين هو الكفر.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكُمْ} أَى العذاب الدنيوى بسبب المشاقة، والخطاب للمشركين على طريق الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب، أَى الأَمر ذلكم، أَو ذلكم هو العذاب، أَى الكامل، أَو ذوقوا ذلكم ذوقوه، أَو الخبر ذوقوه، وعلى الوجهين تكون الفاء صلة فى قوله {فَذُوقُوهُ} على طريق زيادة الفاء فى خبر المبتدأ ولو لم يكن كالشرط فى العموم وزيادته فى المشغول، أَو عاطفة على قوله الأَمر ذلكم، أَو ذلكم هو العذاب، أَو قوله باشروا ذلكم، أَو عليكم ذلكم، وفى قوله شديد العقاب تلويح بأَن عذاب الدنيا الذى أَصابهم أَو أَصاب غيرهم كلا عذاب، إِذا قلنا بأَنه عذاب الآخرة {وأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} عطف لمصدر الاستقرار على ذلك المخبر به عن محذوف، أَى الأَمر ذلكم، وثبوت عذاب النار للكافرين، أَو الحكم ذلكم وإِن إِلخ.. وعلى إِعراب ذلك بغير ذلك يجعل خبراً لمحذوف، أَى والواجب أَن للكافرين عذاب النار، ويضيف أَن مصدر الاستقرار مبتدأ خبره محذوف، أَى وثبوت عذاب النار حتم، ويضعف أَن يكون منصوباً على المعية إِذ لا تعهد المعية بمصدر بتأويل أَى ذوقوه أَى مع ثبوت عذاب النار لكم، ولكن التفت الكلام من الخطاب للغيبة بالاسم الظاهر وهو لفظ الكافرين، ليذكر أَن علة ذلك أَو علة الجمع بين عذاب الدنيا والآخرة هو الكفر، وقدر بعض واعلموا أَن للكافرين عذاب النار.
الالوسي
تفسير : فإنه مع كونه هو المسوق للوعيد بما ذكر ناطق بكون المراد بالعقاب المذكور ما أصابهم عاجلاً سواء جعل {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى نفس العقاب أو إلى ما تفيده الشرطية من ثبوته لهم، أما على الأول: فلأن الأظهر أن محله النصب بمضمر يستدعيه {فَذُوقُوهُ} والواو في {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ} الخ بمعنى مع، فالمعنى باشروا ذلكم العقاب الذي أصابكم فذوقوه عاجلاً مع أن لكم عذاب النار آجلاً، فوقع الظاهر موضع الضمير لتوبيخهم بالكفر وتعليل الحكم به، وأما على الثاني: فلأن الأقرب أن محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وقوله سبحانه وتعالى: و {أَنَّ} الخ معطوف عليه، والمعنى حكم الله تعالى ذلكم أي ثبوت هذا العقاب لكم عاجلاً وثبوت عذاب النار آجلاً، وقوله تعالى: {فَذُوقُوهُ} اعتراض وسط بين المعطوفين للتهديد، والضمير على الأول لنفس المشار إليه وعلى الثاني لما في ضمنه اهـ. واعترض على الاحتمال الأول بأن الكلام عليه من باب الاشتغال وهو إنما يصح لو جوزنا صحة الابتداء في {ذٰلِكُمْ} وظاهر أنه لا يجوز لأن ما بعد الفاء لا يكون خبراً إلا إذا كان المبتدأ موصولاً أو نكرة موصوفة. ورد بأنه ليس متفقاً عليه فإن الأخفش جوزه مطلقاً، وتقدير باشروا مما استحسنه أبو البقاء وغيره قالوا: لتكون الفاء عاطفة لا زائدة أو جزائية كما في نحو زيداً فاضربه على كلام فيه، وبعضهم يقدر / عليكم اسم فعل. واعترضه أبو حيان بأن أسماء الأفعال لا تضمر. واعتذر عن ذلك الحلبـي بأن من قدر لعله نحا نحو الكوفيين فإنهم يجرون اسم الفعل مجرى الفعل مطلقاً ولذلك يعملونه متأخراً نحو {أية : كِتَـٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } تفسير : [النساء: 24]، وما أشار إليه كلامه من أن قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ} الخ منصوب على أنه مفعول معه على التقدير الأول لا يخلو عن شيء، فإن في نصب المصدر المؤول على أنه مفعول معه نظراً. ومن هنا اختار بضعهم العطف على {ذٰلِكُمْ} كما في التقدير الثاني، وآخرون اختاروا عطفه على قوله تعالى: {أية : إِنّي مَعَكُمْ } تفسير : [الأنفال: 12] داخل معه تحت الإيحاء أو على المصدر في قوله سبحانه وتعالى: {أية : بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } تفسير : [الأنفال: 13] ولا يخفى أن العطف على {ذٰلِكُمْ} يستدعي أن يكون المعنى باشروا أو عليكم أو ذوقوا أن للكافرين عذاب النار وهو ما يأباه الذوق، ولذا قال العلامة الثاني: إنه لا معنى له، والعطفان الآخران لا أدري أيهما أمر من الآخر، ولذلك ذهب بعض المحققين إلى اختيار كون المصدر خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف، وقيل: هو منصوب باعلموا ولعل أهون الوجوه في الآية الوجه الأخير. والإنصاف أنها ظاهرة في كون المراد بالعقاب ما أصابهم عاجلاً، والخطاب فيها مع الكفرة على طريق الالتفات من الغيبة في {شَآقُّواْ} إليه، ولا يشترط في الخطاب المعتبر في الالتفات أن يكون بالاسم كما هو المشهور بل يكون بنحو ذلك أيضاً بشرط أن يكون خطاباً لمن وقع الغائب عبارة عنه كذا قيل وفيه كلام، وقرأ الحسن {وإن للكافرين} بالكسر، وعليه فالجملة تذييلية واللام للجنس والواو للاستئناف.
ابن عاشور
تفسير : الخطاب في {ذلكم فذوقوه} للمشركين الذين قُتلوا، والذين قطعت بنانهم أي يقال لهم هذا الكلام حيث تُضرب أعناقهم وبنانهم بأن يُلْقى في نفوسهم حينما يصابون إن أصابتهم كانت لمشاقتهم الله ورسوله، فإنهم كانوا يسمعون توعد الله إياهم بالعذاب والبطش كقوله: {أية : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون}تفسير : [الدخان: 16] وقوله: {أية : وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصُدون عن المسجد الحرام}تفسير : [الأنفال: 34] ونحو ذلك وكانوا لا يخلُون من اختلاج الشك نفوسهم، فإذا رأوا القتل الذي لم يألفوه، ورأى الواحد منهم نفسه مضروباً بالسيف، ضرباً لا يستطيع له دفاعاً، علم أن وعيد الله تحقق فيه، فجاش في نفسه أن ذلك لمشاقته الله ورسوله، ولعلهم كانوا يرون إصابات تصيبهم من غير مَرْئي، فجملة: {ذلكم فذوقوه} مقول قول محذوف تقديره: قائلين، هو حالَ من ضمير {أية : فاضربوا فوق الأعناق}تفسير : [الأنفال: 12]. واسم الإشارة راجع إلى الضرب المأخوذ من قوله: {أية : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}تفسير : [الأنفال: 12] وهو مبتدأ وخبره محذوف، فإما أن يقدر ذلك هو العقاب الموعود، وإما أن يكون مما دل عليْه قوله: {أية : بأنهم شاقوا الله ورسوله}تفسير : [الأنفال: 13] فالتقدير ذلك بأنكم شاققتم الله ورسوله. وتفريع {فذوقوه} على جملة: {ذلكم} بما قدر فيها تفريع للشّماتة على تحقيق الوعيد، فصيغة الأمر مستعملة في الشماتة والإهانة، وموقع {فذوقوه} اعتراض بين الجملة والمعطوف في قوله: {وأن للكافرين}، والاعتراضُ يكون بالفاء كما في قول النابغة: شعر : ضِبابِ بني الطّوَالة فاعلميه ولا يَغْرُرْك نأيي واغترابي تفسير : قالواوفي قوله: {وأن للكافرين عذاب النار} للعطف على المقول فهو من جملة القول، والتعريفُ في {الكافرين} للاستغراق وهو تذييل. والمعنى: ذلكم، أي ضرب الأعناق، عقاب الدنيا، وأن لكم عذاب النار في الآخرة مع جميع الكافرين، والذوق مجاز في الإحساس والعلاقةُ الإطلاق. وقوله: {وأن للكافرين عذاب النار} عطف على الخبر المحذوف أي ذلكم العذاب وأن عذاب النارِ لجميع الكافرين.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} (14) - إِنَّ هَذا العِقَابَ نَزَلَ بِكُمْ يَوْمَ بَدْرٍ، أَيُّهَا الكَافِرُونَ المُشَاقُّونَ للهِ وَرَسُولِهِ: مِنِ انْكِسَارٍ وَذِلَّةٍ وَ خِزْيٍ ... إِنَّمَا هُوَ عِقَابُ الدُّنْيَا الذِي عَجَّلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيهَا، وَاعْلَمُوا أنَّ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابَ النَّارِ، إِنْ أصْرَرْتُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ، وَهُوَ أَشَدُّ وَأدْهَى مِنْ عَذَابِ الدُّنْيا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وذلكم إشارة للأمر الذي حدث في موقعة بدر من ضرب المؤمنين للكافرين فوق الأعناق، وضرب كل بنان كافر، وإن ربنا شديد العقاب، وهذا الأمر كان يجب أن يذوقه الكافرون. والذوق هو الإحساس بالمطعوم شراباً كان أو طعاماً، إلا أنه تعدى كل محسّ به ولو لم يكن مطعوماً أو مشروبا ويقول ربنا عز وجل: {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49]. أي ذق الإهانة والمذلة لا مما يُطعم أو مما يُشرب، ولكن بالإحساس؛ لأن ذوق الطعام هو الحاسة الظاهرة في الإنسان؛ قد يجده بالذوق حريفاً، أو حلواً، أو خشناً أو ناعماً إلى غير ذلك. وها هو ذا الحق يضرب لنا المثل على تعميم شيء: فيقول عز وجل: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}تفسير : [النحل: 112]. والجوع سلب الطعام، فكيف تكون إذاقة الجوع؟ الجوع ليس مما يذاق، ولا اللباس مما يذاق، ومن قول الحق تبارك وتعالى نفهم أن الإذاقة هي الإحساس الشديد بالمطعوم، واللباس - كما نعلم - يعم البدن، فكأن الإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرجل تذوق، والصدر يذوق، والرقبة تذوق؛ وكأن الجوع قد صار محيطاً بالإنسان كله. وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ}. والذوق غير البلع والشبع، ونرى ذلك في عالمنا السِّلعي والتجاري؛ فساعة تشتري - على سبيل المثال - جوافة، أو بلحاً أو تيناً، يقول لك البائع: إنها فاكهة حلوة، ذق منها، ولا يقول لك كل منها واشبع، إنه يطلب منك أن تجرب طعم الفاكهة فقط ثم تشتري لتأكل بعد ذلك حسب رغبتك وطاقتك. وما نراه في الدنيا هو مجرد ذوق ينطبق عليه المثل الريفي "على لساني ولا تنساني"، والعذاب الذي رآه الكفار على أيدي المؤمنين مجرد ذوق هيّن جدًا بالنسبة لما سوف يرونه في الآخرة من العقاب الشديد والعذاب الأليم، وسيأتي الشبع من العذاب في الآخرة، لماذا؟ {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [الأنفال: 13]. وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء الكفار المعاندين، مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله على الكفر، وفي يوم القيامة يطبق عليهم القانون الواضح في قوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} إذن فالهزيمة لمعسكر الكفر والذلة هي مجرد نموذج ذوق هين لما سوف يحدث لهم يوم القيامة من العذاب الأليم والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الطور: 47]. وعذاب الآخرة سيكون مهولاً، و"العذاب" هو إيلام الحس، إذا أحببت أن تديم ألمه، فأبق فيه آلة الإحساس بالألم، ولذلك تجد الحق سبحانه وتعالى حينما يتكلم عن سليمان والهدهد يقول: {أية : وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى ٱلْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ ٱلْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} تفسير : [النمل: 20 - 21]. كأن الذبح ينهي العذاب، بدليل أنّ مقابل العذاب في هذا الموقف هو الذبح. وماذا عن عذاب النار؟. إن النار المعروفة في حياتنا تحرق أي شيء تدخله فيها، لكنّ نار الآخرة تختلف اختلافا كبيرا لأن الحق هو القائل: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ} تفسير : [النساء: 56]. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ...}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):