٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ} «ذلِك» في موضع رفع على الابتداء، والتقدير: ذلك الأمر، أو الأمر ذلك. «شَاقُّوا اللَّهَ» أي أولياءه. والشقاق: أن يصِير كل واحد في شِق. وقد تقدّم. {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} قال الزجاج: «ذلكم» رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر ذلكم فذوقوه. ويجوز أن يكون في موضع نصب بـ «ذُوقُوا»؛ كقولك: زيداً فاضربه. ومعنى الكلام التوبيخ للكافرين. «وأنّ» في موضع رفع عطف على ذلكم. قال الفرّاء: ويجوز أن يكون في موضع نصب بمعنى وبأن للكافرين. قال: ويجوز أن يضمر واعلموا أن. الزجاج: لو جاز إضمار واعلموا لجاز زيد منطلق وعمراً جالساً، بل كان يجوز في الابتداء زيداً منطلقاً؛ لأن المخبر معلِم، وهذا لا يقوله أحد من النحويين.
البيضاوي
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى الضرب أو الأمر به والخطاب للرسول، أو لكل أحد من المخاطبين قبل. {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بسبب مشاقتهم لهما واشتقاقه من الشق لأن كلا من المتعادين في شق خلاف شق الآخر كالمعاداة من العدوة والمخاصمة من الخصم وهو الجانب. {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } تقرير للتعليل أو وعيد بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } العذاب الواقع بهم {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ } خالفوا {ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } له.
ابن عطية
تفسير : هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلون فيه بالمعنى والضمير في {بأنهم} عائد على الذين كفروا، و {شاقوا} معناه خالفوا ونابذوا وقطعوا، وهو مأخوذ من الشق وهو القطع والفصل بين شيئين، وهذه مفاعلة فكأن الله لما شرع شرعاً وأمر بأوامر وكذبوا هم وصدوا تباعد ما بينهم وانفصل وانشق، مأخوذ من هذا لأنه مع شقه الآخر تباعدا وانفصلا وعبر المفسرون عن قوله {شاقوا} أي صاروا في شق غير شقه. قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان معناه صحيحاً فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، والمثال الأول إنما هو الشَّق بفتح الشين، وأجمعوا على الإظهار في {يشاقق} إتباعاً لخط المصحف، وقوله {فإن الله شديد العقاب} جواب الشرط تضمن وعيداً وتهديداً، وقوله تعالى: {ذلكم فذوقوه} المخاطبة للكفار، أي ذلك الضرب والقتل وما وأوقع الله بهم يوم بدر، فكأنه قال الأمر ذلك فذوقوه وكذا فسره سيبويه، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون {ذلكم} في موضع نصب كقوله زيداً فاضربه، وقرأ جمهور الناس "وأن" بفتح الألف، فإما على تقدير وحتم أن. فيقدر على ابتداء محذوف يكون "أن" خبره، وإما على تقدير واعلموا أن، فهي على هذا في موضع نصب، وروى سليمان عن الحسن بن أبي الحسن و "إن" على القطع والاستئناف، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} الآية، {زحفاً} يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي يزحف بعضهم إلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الألية ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب رويداً زاحفاً، إذ في مشيته من التماهل والتباطؤ ما في مشي الزاحف، ومن الزحف الذي هو الاندفاع قولهم لنار العرفج وما جرى مجراه في سرعة الاتقاد نار الزحفتين ومن التباطؤ في المشي قول الشاعر: [البسيط] شعر : كأنهنَّ بأيدي القومِ في كَبدٍ طير تكشف عن جون مزاحيف تفسير : ومنه قول الفرزدق: [البسيط] شعر : على عمائمنا تُلقى وأرجلنا على مزاحيف تزجى مخها رير تفسير : ومنه قول الآخر [الأعشى]: [الطويل] شعر : لمن الظعائن سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ تفسير : ومن التزحف بمعنى التدافع قول الهذلي: [الوافر] شعر : كأن مزاحف الحيّات فيه قبيل الصبح آثار السياط تفسير : وأمر الله عز وجل في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعى العدد حسب ما في كتاب اله عز وجل: وهذا قول جمهور الأمة، وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة: يراعى أيضاً الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم أن تفر مائة فارس إذا علموا أن عند المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا أمام ما زاد على مائتين والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها بشعة على الفار ذامة له، وقرأ الجمهور "دبُره" بضم الباء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن "دبْره" بسكون الباء، واختلف المتأولون في المشار إليه بقوله {يومئذ} فقالت فرقة الإشارة إلى يوم بدر وما وليه، وفي ذلك اليوم وقع الوعيد بالغضب على من فر، ونسخ بعد ذلك حكم الآية بآية الضعف، وبقي الفرار من الزحف ليس بكبيرة وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين: {أية : ثم وليتم مدبرين} تفسير : [التوبة:25] ولم يقع على ذلك تعنيف. قال القاضي أبو محمد: وقال الجمهور من الأمة: الإشارة بـ {يومئذ} إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه قوله {إذا لقيتم} وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ، وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا لكون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم وفرارهم عنه، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف أمام الكثرة، ويحتمل أن عفو الله عمن فر يوم أحد كان عفواً عن كبيرة، و {متحرفاً لقتال} يراد به الذي يرى أن فعله ذلك أنكى للعدو وأعود عليه بالشر ونصبه على الحال، وكذلك نصب متحيز، وأما الاستثناء فهو من المولين الذين يتضمنهم {من} ، وقال قوم: الاستثناء هو من أنواع التولي. قال القاضي أبو محمد: ولو كان ذلك لوجب أن يكون إلا تحرفاً وتحيزاً، والفئة ها هنا الجماعة من الناس الحاضرة للحرب, هذا على قول الجمهور في أن الفرار من الزحف كبيرة، وأما على القول الآخر فتكون الفئة المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وأنه قال: أنا فئتكم أيها المسلمون. قال القاضي أبو محمد: وهذا منه على جهة الحيطة على المؤمنين إذ كانوا في ذلك الزمن يثبتون لأضعافهم مراراً، وفي مسند ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجماعة فرت في سرية من سراياه: "حديث : أنا فئة المسلمين" تفسير : حين قدموا عليه، وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اتقوا السبع الموبقات" تفسير : وعدد فيها الفرار من الزحف، و {باء} بمعنى نهض متحملاً للثقل المذكور في الكلام غضباً كان أو نحوه، والغضب من صفات الله عز وجل إذا أخذ بمعنى الإرادة فهي صفات ذات، وإذا أخذ بمعنى إظهار أفعال الغاضب على العبد فهي صفة فعل، وهذا المعنى أشبه بهذه الآية، والمأوى الموضع الذي يأوي إليه الإنسان.
الخازن
تفسير : وقوله سبحانه وتعالى: {ذلك} يعني الذي وقع من القتل والأسر يوم بدر {بأنهم شاقوا الله ورسوله} يعني بأنهم خالفوا الله ورسوله. والمشاقة: المخالفة، وأصلها المجانبة، كأنهم صاروا في شق وجانب عن شق المؤمنين وجانبهم وهذا مجاز معناه أنهم شاقّوا أولياء الله وهم المؤمنون أو شاقوا دين الله ثم قال سبحانه وتعالى: {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} يعني أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم من القتل والأسر شيء قليل فيما أعد الله لهم من العقاب يوم القيامة ثم قال تعالى: {ذلكم} إشارة إلى القتل والأسر الذي نزل بهم {فذوقوه} يعني عاجلاً في الدنيا لأن ذلك يسير بالإضافة إلى المؤجل الذي أعده الله لهم في الآخرة من العذاب وهو قوله: {وأن للكافرين عذاب النار} يعني في الآخرة، عن ابن عباس قال: حديث : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر قيل له عليك بالعير ليس من دونها شيء قال فناداه العباس من وثاقه لا يصلح لك لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك الله ما وعدك قال: صدقتتفسير : ، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن. قوله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} يعني مجتمعين متزاحفين بعضكم إلى بعض والتزاحف التداني في القتال وأصل الزحف مشي مع جر الرجل كانبعاث الصبي قبل أن يمشي وسمي مشي الطائفتين بعضهم إلى بعض في القتال زحفاً لأنها تمشي كل طائفة إلى صاحبتها مشياً رويداً وذلك قبل التداني للقتال، وقال ثعلب: الزحف المشي قليلاً قليلاً إلى الشيء {فلا تولوهم الأدبار} يعني فلا تولوهم ظهوركم منهزمين منهم فإن المنهزم يولي ظهره ودبره {ومن يولهم يومئذ دبره} يعني ومن ينهزم ويول دبره يوم الحرب والقتال {إلا متحرفاً لقتال} يعني إلا منقطعاً إلى القتال يرى عدوه من نفسه الانهزام وقصده طلب الكرة على العدو والعود إليه وهذا هو أحد أبواب الحرب وخدعها ومكايدها. وقوله تعالى: {أو متحيزاً إلى فئة} يعني أو منضماً وصائراً إلى جماعة من المؤمنين يريدون العود إلى القتال {فقد باء بغضب من الله} يعني من انهزم من المسلمين وقت الحرب إلا في هاتين الحالتين وهي التحرف للقتال والتحيز إلى فئة من المسلمين فقد رجع بغضب من الله {ومأواه جهنم وبئس المصير} (فصل في حكم هذه الآية) اختلف العلماء في ذلك، فقال أبو سعيد الخدري: هذا في أهل بدر خاصة لأنه ما كان يجوز لهم الانهزام يوم بدر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معهم ولم تكن لهم فئة يتحيزون إليها دون النبي صلى الله عليه وسلم ولو انحازوا انحازوا إلى المشركين ولأنها أول غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه والمسلمون معه فشدد الله عليهم أمر الانهزام وحرمه عليهم يوم بدر فأما بعد ذلك اليوم فإن المسلمين بعضهم فئة بعض فيكون الفار متحيزاً إلى فئة فلا يكون فراره كبيرة وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك قال يزيد بن أبي حبيب: أوجب الله النار لمن فرّ يوم بدر فلما كان يوم أحد قال الله تعالى إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم ثم كان يوم حنين بعده فقال سبحانه وتعالى:{أية : ثم وليتم مدبرين.... ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء} تفسير : [التوبة: 25-27]حديث : وقال عبد الله بن عمر: كنا في جيش بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة فانهزمنا فقلنا يا رسول الله نحن الفرارون قال: لا بل أنتم الكرارون إنا فئة المسلمينتفسير : . قوله فحاص الناس حيصة، يعني جال الناس جولة يطلبون الفرار من العدو. والمحيص: الهرب. وقال محمد بن سيرين: لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر بن الخطاب، فقال: لو انحاز إليّ كنت له فئة أنا فئة كل مسلم. وقال بعضهم: حكم الآية عام في حق كل من ظهره منهزماً بدليل قوله {يا أيها الذين آمنوا} وهذا خطاب عام فيتناول جميع الصور وإن كانت الآية نزلت في غزاة بدر لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وجاء في الحديث "حديث : من الكبائر الفرار من الزحف"تفسير : وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى:{أية : الآن خفف الله عنكم}تفسير : [الأَنفال: 66] فليس لقوم أن يفروا من مثلهم فنسخت بذلك إلا في هذه العدة وعلى هذا أكثر أهل العلم أن المسلمين إذا كانوا على الشطر من عدوهم لا يجوز لهم أن يفروا منهم ويولوهم ظهورهم وإن كان العدو أكثر من المثلين جاز لهم أن يفروا منهم قال ابن عباس من فرّ من ثلاثة لم يفر ومن فرّ من اثنين فقد فرّ.
ابن عادل
تفسير : قوله: "ذَلِكَ بأنَّهُمْ"، "ذلكَ" مبتدأ وخبر، والإشارةُ إلى الأمر بضربهم، والخطابُ يجوزُ أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلم ويجوز أن يكون للكفَّارِ، وعلى هذا فيكونُ التفاتاً. كذا قال أبُو حيَّان وفيه نظر لوجهين: أحدهما: أنه يلزمُ من ذلك خطابُ الجمع بخطاب الواحد، وهو ممتنعٌ أو قليلٌ، وقد حُكِيَتْ لُغَيَّة. والثاني: أنَّ بعده: {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ} فيكون التفت من الغيبةِ إلى الخطاب في كلمة واحدة، ثمَّ رجع إلى الغيبة في الحال، وهو بعيدٌ. قوله: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ} "مَنْ" مبتدأ، والجملةُ الواقعة بعدها خبرها، أو الجملة الواقعة جزاءً أو مجموعهما، ومن التزم عود ضمير من جملة الجزاءِ على اسمِ الشَّرط قدَّرهُ هُنَا محذوفاً تقديره: فإنَّ الله شديدُ العقاب له. واتفق القُّراءُ على فكِّ الإدغام هنا في: "يُشاقِقِ"؛ لأنَّ المصاحفَ كتبته بقافين مفكوكتين، وفَكُّ هذا النوعِ لغةُ الحجاز، والإدغامُ بشروطه لغة تميم. فصل والمعنى: أنَّه تعالى ألقاهم في الخزي والنَّكال من هذه الوجوه الكثيرة؛ لأنهم شَاقُّوا الله ورسوله قال الزَّجَّاجُ جانبوا، وصاروا في شقّ غير شقِّ المؤمنين والشِّقُّ الجانب و "شَاقوا اللَّهَ" مجاز، والمعنى: شاقُّوا أولياءَ اللَّهِ، ودين اللَّهِ. ثم قال: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} يعني أنَّ هذا الذي نزل بهم في ذلك اليَوْمِ شيءٌ قليلٌ بالنسبة لِمَا أعدَّ لهم من العقاب يوم القيامةِ. قوله: {ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ} يجوز في: "ذَلِكُمْ" أربعةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون مرفوعاً على خبر ابتداء مضمر، أي: العقاب ذلكم، أو الأمر ذلكم. الثاني: أن يرتفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ، أي: ذلكم العقابُ وعلى هذين الوجهين؛ فيكون قوله "فَذُوقُوهُ" لا تعلُّق لها بما قبلها من جهة الإعراب. والثالث: أن يرتفع بالابتداء، والخبرُ قوله: "فَذُوقُوهُ" وهذا على رأي الأخفشِ فإنَّهُ يرى زيادة الفاء مطلقاً أعني سواءً تضمَّن المبتدأ معنى الشَّرط أمْ لا، وأمَّا غيرُهُ فلا يُجيز زيادتها إلاَّ بشرط أن يكون المبتدأ مشبهاً لاسم الشرك ما تقدَّم تقريره. واستدلَّ الأخفشُ على ذلك بقول الشاعر: [الطويل] شعر : 2684 - وقَائِلَةٍ: خَولاَنُ فانْكِحْ فَتَاتَهُمْ وأكرُومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا تفسير : وخرَّجهُ الآخرون على إضمار مبتدأ تقديره: هذه حَوْلاَنُ. الرابع: أن يكون منصوباً بإضمار فعل يُفسِّرهُ ما بعده، ويكون من باب الاشتغال. وقال الزمخشريُّ: "ويجوز أن يكون نصباً على: عليكم ذلكم فذوقوه كقولك: زيداً فاضربه". قال أبو حيان: "ولا يَصِحُّ هذا التقدير، لأنَّ "عليكم" من أسماء الأفعال وأسماءُ الأفعالِ لا تُضْمَر، وتشبيهُهُ بقولك: زيداً فاضربهُ، ليس بجيّد؛ لأنَّهم لم يُقدِّرُوه بـ "عليك زيداً فاضربه" وإنَّما هذا منصوبٌ على الاشتغالِ". قال شهابُ الدِّين: يجوزُ أن يكون نَحَا الزمخشريُّ نحو الكوفيين؛ فإنَّهم يجرونه مجرى الفعل مطلقاً، ولذلك يُعْمِلُونه متأخراً نحو {أية : كِتَابَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ}تفسير : [النساء: 24]. وقال أبُو البقاء: "ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي ذُوقُوا ذلكم، ويجعل الفعلُ الذي بعده مُفَسِّراً له، والأحسن أن يكون التقدير: بَاشِرُوا ذلكم فذوقوه، لتكون الفاءُ عاطفةً" قال شهابُ الدِّين: ظاهرُ هذه العبارةِ الثانية أنَّ المسألة لا تكون من الاشتغال؛ لأنَّهُ قدَّر الفعل غير موافقٍ لما بعده لفظاً مع إمكانه، وأيضاً فقد جعل الفاء عاطفةً لا زائدةً وقد تقدَّم تحقيقُ الكلام في هذه الفاء عند قوله: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}تفسير : [البقرة: 40]. قوله {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} الجمهورُ على فتح "أنَّ" وفيها تخريجات أحدها: أنها، وما في حيَّزها في محل رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديره: حَتْمٌ استقرارُ عذاب النار للكافرين. الثاني: أنها خبر مبتدأ محذوف أي: الحتم، أو الواجب أنَّ للكافرين عذاب النَّارِ. الثالث: أن تكون عطفاً على: "ذَلِكُمْ" في وجهيه قاله الزمخشريُّ. ويعني بقوله "في وجهيه" أي: وجهي الرفع وقد تقدَّما. الرابع: أن تكون في محلِّ نصب على المعيَّة. قال الزمخشريُّ: "أو نصب على أنَّ الواوَ بمعنى "مع" والمعنى: ذُوقُوا هذا العذابَ العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهرَ موضع المضمر": يعني بقوله: "وضع الظَّاهر موضع المضمر" أنَّ أصل الكلام فذوقوه وأنَّ لكم فوضع "لِلْكافِرينَ" موضع "لَكُمْ" شهادةً عليهم بالكفر ومنبهةً على العلّة. الخامس: أن يكون في محل نصب بإضمار "واعلموا". قال الفراءُ: يجوزُ نصبه من وجهين: أحدهما: على إسقاط الباء، أي: بأنَّ للكافرين. والثاني: على إضمارِ "اعلموا"؛ قال الشاعر: [الرجز] شعر : 2685 - تَسْمَعُ للأحْشَاءِ عنه لغطاً وللْيَديْنِ جُسْأةَ وبَدَدَا تفسير : أي: وترى لليدين بدَداً، فأضمر "تَرَى" كذلك: "فَذُوقُوهُ" واعلموا: "أنَّ لِلْكافِرينَ". وأنكره الزجاج أشدَّ إنكارٍ. وقال: لو جاز هذا لجاز: زيدٌ قائمٌ وعمراً منطلقاً، أي: وترى عمراً منطلقاً ولا يُجيزه أحدٌ. ونبَّه بقوله "فَذُوقُوه" وهو ما عجل من القتل والأسر على أنَّ ذلك يسير بالإضافة إلى عذاب القيامة فلذلك سمَّاه ذوقاً لأن الذوق لا يكون إلاَّ لتعرف الطعم، فقوله: "فَذُوقُوهُ" يدلَّ على أنَّ الذوق يكون في إدراك غير المطعوم كقوله {أية : ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْكَرِيمُ}تفسير : [الدخان: 49].
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما أصابهم من العقاب، وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِه في الشدة والفظاعةِ، والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يليق بالخطاب، ومحلُّه الرفعُ على الابتداء وخبرُه قوله تعالى: {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي ذلك العقابُ الفظيعُ واقعٌ عليهم بسبب مُشاقّتِهم ومغالبتِهم مَنْ لا سبـيلَ إلى مغالبته أصلاً، واشتقاقُ المشاقةِ من الشِّق لِما أن كلاًّ من المُشاقَّين في شِقّ الآخر كما أن اشتقاقَ المُعاداةِ والمُخاصمة من العَدْوة والخَصْم أي الجانب لأن كلاًّ من المتعاديَـيْن والمتخاصمَين في عَدوةٍ وخصمٍ غيرِ عدوةِ الآخر وخصمِه {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الإظهارُ في موضع الإضمار لتربـية المهابةِ وإظهار كمالِ شناعة ما اجترأوا عليه والإشعارِ بعلة الحُكم. وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إما نفسُ الجزاءِ قد حُذف منه العائد إلى (مَنْ) عند من يلتزمه، أي شديدُ العقاب له، أو تعليلٌ للجزاء المحذوف أي يعاقبْه الله فإن الله شديدُ العقاب، وأياً ما كان فالشرطيةُ تكملةٌ لما قبلها وتقريرٌ لمضمونه وتحقيقٌ للسببـية بالطريق البرهاني، كأنه قيل: ذلك العقابُ الشديد بسبب مشاقّتِهم لله تعالى ورسولِه وكلُّ من يشاقق الله ورسولَه كائناً مَنْ كان فله بسبب ذلك عقابٌ شديدٌ فإذن لهم بسبب مشاقّتِهم لهما عقابٌ شديد، وأما أنه وعيدٌ لهم بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا كما قيل فيرده ما بعده من قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} فإنه ـ مع كونه هو المسوقَ للوعيد بما ذُكر ـ ناطقٌ بكون المرادِ بالعقاب المذكورِ ما أصابهم عاجلاً سواءٌ جُعل ذلكم إشارةً إلى نفس العقابِ أو إلى ما تفيده الشرطيةُ من ثبوت العقابِ لهم، أما على الأول فلأن الأظهرَ أن محلَّه النصبُ بمضمر يستدعيه قولُه تعالى: {فَذُوقُوهُ}، والواو في قوله تعالى: {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ} الخ بمعنى مع فالمعنى باشروا ذلكم العقابَ الذي أصابكم فذوقوه عاجلاً مع أن لكم عذابَ النارِ آجلاً، فوضْعُ الظاهر موضعَ الضميرِ لتوبـيخهم بالكفر وتعليلِ الحُكم به، وأما على الثاني فلأن الأقربَ أن محله الرفعُ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وقولُه تعالى: {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ} الخ معطوفٌ عليه، والمعنى حُكمُ الله ذلكم، أي ثبوتُ هذا العقابِ لكم عاجلاً وثبوتُ عذابِ النارِ آجلاً، وقوله تعالى: {فَذُوقُوهُ} اعتراضٌ وُسِّط بـين المعطوفَيْن للتهديد، والضميرُ على الأول لنفس المشارِ إليه وعلى الثاني لما في ضمنه، وقد ذُكر في إعراب الآيةِ الكريمةِ وجوهٌ أُخَرُ، ومدارُ الكلِّ على أن المرادَ بالعقاب ما أصابهم عاجلاً والله تعالى أعلم، وقرىء بكسر إن على الاستئناف.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} الضرب والقتل والعقاب واقع عليهم {بأنهم} اى بسبب انهم {شاقوا الله ورسوله} اى خالفوا وغالبوا من لا سبيل الى مغالبته اصلا قال ابن الشيخ معنى شاقوا الله شاقوا اولياء الله واشتقاق المشاقة من الشق لما ان كلا من المشاقين فى شق خلاف شق الآخر كما ان المحادة ان يصير احدهما فى حد غير حد الآخر. وفى الآية اشارة الى ان كل سعادة وشقاوة تصل للعبد فى الدنيا والآخرة يكون للعبد فيها مدخل بالكسب {ومن يشاقق الله ورسوله} اى ومن يخالف اولياء الله ورسوله {فإن الله شديد العقاب} له. قال الحدادى اما اظهار التضعيف فى موضع الجزم فى قوله {يشاقق الله} فهو لغة اهل الحجاز وغيرهم يدغم احد الحرفين فى الآخر لاجتماعهما من جنس واحد كما قال تعالى فى سورة الحشر {أية : ومن يشاق الله} تفسير : [الحشر: 4]. بقاف واحدة
ابن عجيبة
تفسير : قلت: (ذلكم): مبتدأ حُذف خبره، أي: ذلكم العقاب أو العذاب، أو خبر، أي: الأمر ذلكم، أو منصوب بمضمر يفسره فذوقوه، و(الكافرون): عطف على (ذلكم)، أو نصب على المفعول معه، وقرئ بالكسر؛ استئنافاً. يقول الحق جل جلاله: {ذاك} الضرب لأعناق الكفار، أو الأمر به {بأنهم}؛ بسبب أنهم {شاقوا} أي: خالفوا {الله ورسوله}، وصاروا كأنهم في شق وهو في شق؛ مبالغة في المخالفة والمباعدة، {ومن يشاقق الله ورسوله} ويبعد عنهما {فإن الله شديد العقاب} لكم من خالفه أو خالف رسوله، وهو تقرير للتعليل، أو وعيد بما أعد الله لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا، {ذلكم} العذاب {فذوقوه} وباشروا مرارته، {وأنَّ للكافرين عذابَ النار}، والمعنى: ذُوقوا ما عجل لكم من النقمة في الدنيا مع ما يحل عليكم في الآخرة من عذاب النار، ووضع الظاهر موضع المضمر؛ للدلالة على أن الكفر سبب العذاب العاجل والآجل. الإشارة: مخالفة الله ورسوله توجب الطرد والبعاد، وموافقة الله ورسوله توجب القربة والوداد، وهذا الموافقة التي توجب للعبد المحبة والوداد تحصل بخمسة أشياء: امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإكثار من ذكره، الاستسلام لقهره، والاقتداء بنبيه صلىالله عليه وسلم والتأدب بآدابه، والتخلق بأخلاقه، وبأضداد هذه الأشياء يحصل للعبد المخالفة التي توجب طرده وبُعده، وهي مخالفة أمره، وارتكاب نهيه، والغفلة عن ذكره، والتسخط عند نزول قهره، وعدم الاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم؛ بارتكاب البدع المحرمة والمكروهة، حتى يُفضى به الحال إلى المشاققة والمباعدة، {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} بالله التوفيق. ثم نهى عن الفرار في الحرب، فقال: {يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ}.
الطوسي
تفسير : أخبر الله تعالى أنه فعل بهؤلاء الكفار، ما فعل وامر بقتلهم وضرب اعناقهم وقطع بنانهم جزاء بما شاقوا الله ورسوله. قال الزجاج: معناه جانبوا الله، اي صاروا في جانب غير جانب المؤمنين، ومثله حاربوا الله. و "الشقاق" اصله الانفصال من قولهم: انشق انشقاقاً، وشقه شقاً، واشتق القوم إذا مر بينهم، وشاقه شقاقاً إذا صار في شق عدوه عليه، وتشقق تشققاً، وشقق تشقيقاً، ومنه اشتقاق الكلام لأنه انفصال الكلمة عما يحتمله الأصل. ومعنى {شاقوا الله} شاقوا اولياء الله كما قال {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله}. تفسير : وقوله {ومن يشاقق الله} يجوز في العربية الاظهار والادغام، فاما أن يأتي على الأصل للحاجة إلى حركة الأول، وإما ان يحرك الثاني - لالتقاء الساكنين - بالكسر. ويجوز الفتح والأول اجود مع الألف واللام لتأكد سببه. وقوله {فإن الله شديد العقاب} شدة العقاب عظمه بجنس فوق جنس أدنى منه، لأن العظم على ضربين: احدهما - بالتضاعف في المرتبة الواحدة. والثاني - بالترقي الى مرتبة بجنس يخالف الجنس الذي في ادنى مرتبة.
الجنابذي
تفسير : {ذٰلِكَ} التّشديد الشّديد عليهم {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ذٰلِكُمْ} ايّها الكافرون فهو التفات وهو من باب الاشتغال وتخلّل الفاء بتقدير امّا او توهّمها وهو مبتدء محذوف الخبر اى ذلكم لكم او مفعول فعل محذوف اى خذوا ذلكم او هو اسم فعل بمعنى خذوا لغلبة استعماله بعد حذف الفعل فى هذا المعنى {فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} شأن نزول الآية وقصّة بدر مذكور فى الاخبار ويكفى منها للاطّلاع عليها ما فى الصّافى.
اطفيش
تفسير : {ذَلكَ} الواقع من القتل والأسر، أو من الضرب فوق الأعناق وفى البنان، أو الأمر به، أو كلاهما، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل واحد من المخاطبين قيل على سبيل البدلية، وهو مبتدأ وخبره قوله: {بأنَّهم} بسبب أنهم {شاقُّوا} خالفوا {اللهَ وَرسُوله} وهو مفاعلة من الشق بمعنى القطع والفصل، وذلك أنهم عزلوا أنفسهم عن شرع الله، أو عن أوليائه، فهم منقطعون عنه وهو منفصل عنهم أو معنى المشاقة أن كلا فى شق أى جانب خلاف شق الآخر، فهم جانب، وشرع الله فى جانب، كالمعاداة من العدوة هذا فى عدوة أى جانب، وذاك فى عدوة، والمخاصمة من الخصم هذا فى خصم، أى جانب، وذاك فى خصم. {ومَنْ يُشاقِقِ اللهَ ورسُولَه فإنَّ الله شَديدُ العِقابِ} له، فإن أريد عقاب الدنيا، أو مطلق العقاب فذلك تقرير لقوله: {بأنهم شاقوا الله ورسوله} وإن أريد عقاب الآخرة فوعيد لهم بعذاب الآخرة بعد ما أصابهم فى الدنيا.
اطفيش
تفسير : {ذَلِكَ} المذكور من إِلقاء الرعب وضرب فوق الأَعناق وضرب كل بنان، ولا تعود الإِشارة إِلى الضرب والرعب لأَنهما لم يذكرا فى الآية على طريق الحصول بل على طريق التحصيل، اللهم إِلا باعتبار أَنهما لازمان وقوعاً، وأَجاز بعض الإِشارة إِلى ما ذكر مع ما لم يذكر وهو الأَسر، والكاف خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أَو لكل من يصلح له {بِأَنَّهُمْ} أَى ثابت بأَنهم {شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} كانوا فى شق، أَى جانب، ودين الله ورسوله، أَو أَولياء الله ورسوله فى آخر، كما سمى العدو لأَنه فى عدوة أَى جهة والاخر فى أُخرى، والمعنى: المخالفة، وقرر ذلك بقوله عز وجل {وَمَنْ يُشَاقِقِ} لم يدغم لأَن حركة الثانى كلا حركة لأَنها للساكن {اللهَ وَرَسُولَهُ} الجواب محذوف، أَى يعاقبه وما بعده تعليل أَو هو الجواب، والرابط محذوف هكذا {فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لهم ولغيرهم من أَهل العذاب فى الدنيا والآخرة، أَو هذا عذاب الاخرة قابل به عذاب الدنيا بالإِرعاب والضرب، وعلى الوجهين يكون هذا من المذهب الكلامى وهو الاحتجاج بالقياس المنطقى هكذا: هم شاقوا الله ورسوله، ومن يشاقق الله ورسوله فله عقاب شديد، من الشكل الأَول.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى الضرب والأمر به أو إلى جميع ما مر، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من ذكر قبل من الملائكة والمؤمنين على البدل أو لكل أحد ممن يليق بالخطاب. وجوز أن يكون خطاباً للجمع، والكاف تفرد مع تعدد من خوطب بها، وليست كالضمير على ما صرحوا به، ومحل الاسم الرفع على الابتداء وخبره قوله سبحانه وتعالى: {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} وقال أبو البقاء: إن ذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وليس الأمر ذلك، والباء للسببية والمشاقة العداوة سميت بذلك أخذاً من شق العصا وهي المخالفة أو لأن كلاً من المتعاديين يكون في شق غير شق الآخر كما أن العداوة سميت عداوة لأن كلاً منهما في عدوة أي جانب وكما أن المخاصمة من الخصم بمعنى الجانب أيضاً، والمراد بها هنا المخالفة أي ذلك ثابت لهم أو واقع عليهم بسبب مخالفتهم لمن لا ينبغي لهم مخالفته بوجه من الوجوه {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي يخالف أمر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام؛ والإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة وإظهار كمال شناعة ما اجترأوا عليه والإشعار بعلية الحكم، و«بئس خطيب القوم أنت» اقتضاه الجمع على وجه لا يبين منه الفرق ممن هو في ربقة التكليف؛ وأين هذا من ذاك لو وقع ممن لا حجر عليه وإنما لم يدغم المثلان لأن الثاني ساكن في الأصل والحركة لالتقاء الساكنين فلا يعتد بها، وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} إما نفس الجزاء قد حذف منه العائد عند من يلتزمه ولا يكتفي بالفاء في الربط أي شديد العقاب له، أو تعليل للجزاء المحذوف أي عاقبه الله تعالى فإن الله شديد العقاب، وأياً ما كان فالشرطية بيان للسببية السابقة بطريقة برهاني، كأنه قيل: ذلك العقاب الشديد بسبب المشاقة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام وكل من يشاقق الله ورسوله كائناً من كان فله بسبب ذلك عقاب شديد فإذن لهم بسبب مشاقة الله ورسوله عقاب شديد، وقيل: هو وعيد بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا، قال بعض المحققين: ويرده قوله سبحانه وتعالى: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ...}.
د. أسعد حومد
تفسير : (13) - وَقَدْ أمَرَ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِذَلِكَ لأنَّ الكَافِرِينَ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَخَالَفُوا أَمْرَهُما، وَابْتَعَدُوا عَنْهُمَا، وَتَرَكُوا شَرْعَ اللهِ. وَمَنْ يُخَالِفْ شَرْعَ اللهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الغَالِبُ لِمَنْ خَالَفَهُ، وَلاَ أحَدَ أَجْدَرُ بِالعِقَابِ مِمَّنْ يُخَالِفُ اللهَ وَرَسُولَهُ. شَاقُّوا اللهَ - خَالَفُوا وَعَصَوْا وَعَانَدُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وهنا يوضح الحق سبحانه وتعالى: أن هذا النصر المؤزر للنبي وصحبه والهزيمة للمشركين؛ لأنهم شاقوا الله ورسوله، و"شاقوا" من "الشق" ومعناه أنك تقسم الشيء الواحد إلى اثنين. وكان المفروض في الإنسان منهم أن يستقبل منهم الله الذي نظم له حركته في هذا الكون، ولم يكن هناك داع لتبديد الطاقة بالانشقاق إلى جماعتين؛ جماعة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وجماعة مع الكفر والشرك؛ لأن الطاقة التي كانت معدة لإصلاح أمر الإنسان والكون للخلافة؛ إنما يتبدد جزء منها في الحروب بين الحق والباطل، ولو توقفت الحروب لصارت الطاقة الإنسانية كلها موجهة للإصلاح والارتقاء والنهوض وتحقيق الخير لبني الإنسان، لكنهم شاقوا الله ورسوله، فجعلوا أنفسهم في جانب يواجه جانب المؤمنين بالله ورسوله، فجعلوا أنفسهم في جانب يواجه جانب يواجه جانب المؤمنين بالله والرسول؛ لذلك استحقوا عذاب الله وعقابه، وبسبب أنهم شاقوا الله ورسوله، عليهم أن يتحملوا العقاب الشديد من الله، فيقول سبحانه وتعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 13]. وهذه قضية عامة، وسنة من الله في كونه تشمل هؤلاء الذين شاقوا الله ورسوله من بدء الرسالة، وإلى قيام الساعة. ويقول المولى سبحانه وتعالى بعد ذلك: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {شَآقُّواْ ٱللَّهَ} معناهُ حَاربُوهُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):