Verse. 1172 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِذْ يُوْحِيْ رَبُّكَ اِلَى الْمَلٰۗىِٕكَۃِ اَنِّىْ مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا۝۰ۭ سَاُلْقِيْ فِيْ قُلُوْبِ الَّذِيْنَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوْا فَوْقَ الْاَعْنَاقِ وَاضْرِبُوْا مِنْہُمْ كُلَّ بَنَانٍ۝۱۲ۭ
Ith yoohee rabbuka ila almalaikati annee maAAakum fathabbitoo allatheena amanoo saolqee fee quloobi allatheena kafaroo alrruAAba faidriboo fawqa alaAAnaqi waidriboo minhum kulla bananin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إذ يوحي ربك إلى الملائكة» الذين أمد بهم المسلمين «أني» أي بأني «معكم» بالعون والنصر «فثبِّتوا الذين آمنوا» بالإعانة والتبشير «سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب» الخوف «فاضربوا فوق الأعناق» أي الرءوس «واضربوا منهم كل بنان» أي أطراف اليدين والرجلين فكان الرجل يقصد ضرب رقبة الكافر فتسقط قبل أن يصل إليه سيفه ورماهم صلى الله عليه وسلم بقبضة من الحصى فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه منها شيء فهزموا.

12

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} العامل في «إذ، يثبت» أي يثبت به الأقدام ذلك الوقت. وقيل: العامل «لِيربط» أي وليربِط إذ يوحي. وقد يكون التقدير: اذكر {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} في موضع نصب، والمعنى: بأني معكم، أي بالنصر والمعونة. «معكم» بفتح العين ظرف، ومن أسكنها فهي عنده حرف. {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي بشروهم بالنصر أو القتال معهم أو الحضور معهم من غير قتال؛ فكان المَلك يسير أمام الصف في صورة الرجل ويقول: سيروا فإن الله ناصركم. ويظن المسلمون أنه منهم؛ وقد تقدّم في «آل عمران» أن الملائكة قاتلت ذلك اليوم. فكانوا يرون رؤوساً تندر عن الأعناق من غير ضارب يرونه. وسمِع بعضهم قائلاً يسمع قوله ولا يرى شخصه: أقدِم حيزوم. وقيل: كان هذا التثبيت ذِكرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم للمؤمنين نزول الملائكة مدداً. قوله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تقدّم في «آل عمران» بيانه. {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} هذا أمر للملائكة. وقيل: للمؤمنين، أي ٱضربوا الأعناق، و «فوق» زائدة؛ قاله الأخفش والضحاك وعطِية. وقد روى المسعودِيّ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لم أبعث لأُعذب بعذاب الله وإنما بعثت بضرب الرّقاب وشدّ الوثاق»تفسير : . وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ؛ لأن «فوق» تفيد معنى فلا يجوز زيادتها، ولكن المعنى أنهم أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. وقال ابن عباس: كل هام وجُمْجُمة. وقيل: أي ما فوق الأعناق، وهو الرؤوس؛ قاله عكرمة. والضرب على الرأس أبلغ؛ لأن أدنى شيء يؤثر في الدماغ. وقد مضى شيء من هذا المعنى في «النساء» وأن «فوق» ليست بزائدة، عند قوله: {أية : فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [النساء: 11]. {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قال الزجاج: واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء. والبنان مشتق من قولهم أبَّنَ الرجل بالمكان إذا أقام به. فالبنان يُعتمل به ما يكون للإقامة والحياة. وقيل: المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرّجلين. وهو عبارة عن الثبات في الحرب وموضع الضرب؛ فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة:شعر : وكان فَتَى الهَيْجاء يحمِي ذِمَارها ويضرب عند الكَرْب كلّ بَنانِ تفسير : ومما جاء أن البنان الأصابع قول عنترة أيضاً:شعر : وأنّ الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانَها بالهِنْدُوَانِي تفسير : وهو كثير في أشعار العرب، البنان: الأصابع. قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال: الأطراف. وذكر بعضهم أنها سميت بنانا لأن بها صلاح الأحوال التي بها يستقرّ الإنسان ويَبِنّ. وقال الضحاك: البنان كل مفصِل.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ} بدل ثالث أو متعلق بيثبت. {إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ} في إعانتهم وتثبيتهم وهو مفعول {يُوحِى}. وقرىء بالكسر على إرادة القول أو إجراء الوحي مجراه. {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} بالبشارة أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم فيكون قوله: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} كالتفسير لقوله {أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ }، وفيه دليل على أنهم قاتلوا ومن منع ذلك جعل الخطاب فيه مع المؤمنين إما على تغيير الخطاب أو على أن قوله: {سَأُلْقِى} إلى قوله: {كُلَّ بَنَانٍ} تلقين للملائكة ما يثبتون المؤمنين به كأنه قال؛ قولوا لهم قوْلي هذا. {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ} أعاليها التي هي المذابح أو الرؤوس. {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أصابع أي جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَٱئِكَةِ } الذين أمدّ بهم المسلمين {أنِّى } أي بأني {مَّعَكُمْ } بالعون والنصر {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بالإِعانة والتبشير {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } الخوف {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقَ} أي الرؤوس {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أي أطراف اليدين والرجلين، فكان الرجل يقصد ضرب رقبة الكافر فتسقط قبل أن يصل إليه سيفه، ورماهم صلى الله عليه وسلم بقبضة من حصى فلم يبق مشرك إلا دخل في عينيه منها شيء فُهزِمُوا.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِنِّى مَعَكُمْ} معينكم. {فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ} بحضوركم الحرب، أو بقتالكم يوم بدر، أو بقولكم لا بأس عليكم من عدوكم. {سَأُلْقَى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ} قال ذلك للملائكة إعانة لهم، أو ليثبتوا به المؤمنين. {فَوْقَ الأَعْنَاقِ} فوق صلة، أو الرؤوس التي فوق الأعناق أو على الأعناق، أو أعلى الأعناق، أو جلدة الأعناق. {بَنَانٍ} مفاصل أطراف الأيدي والأرجل، والبنان أطراف أصابع اليدين والرجلين.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ} في "إذْ" أوجهٌ: أحدها: أنَّهُ بدلُّ ثالث من قوله {وَإِذْ يَعِدُكُمُ}. الثاني: أن ينتصب بقوله "يُثَبِّتَ". قالهما الزمخشريُّ ولم يبن ذلك على عودِ الضمير. وأمَّا ابنُ عطية: فبناه على عَوْدِ الضَّمير في قوله "بِهِ" فقال: العاملُ في "إذْ" العاملُ الأول على ما تقدَّم فيما قبلها، ولو قدَّرناهُ قريباً لكان قوله: "ويُثَبِّتَ" على تأويل عوده على الرَّبْطِ. وأمَّا على تأويل عوده على: "المَاءِ" فيقلق أن يعمل "ويُثَبِّتَ" في "إذ" وإنَّما قلق ذلك عنده لاختلاف زمان التثبُّت وزمان الوحي، فإنَّ إنزالَ المطر وما تعلَّق به من تعليلاتٍ متقدمٌ على تغشية النُّعاس، وهذا الوحيُ وتغشيةُ النُّعاس والإيحاءُ كانا وقت القتال. قوله: "أنِّي معَكُمْ" مفعولٌ بـ "يُوحِي" أي: يوحي كوني معكم بالغلبةِ والنصر. وقرأ عيسى بن عمر - بخلافٍ عنه - "إنِّي مَعَكُمْ" بكسرِ الهمزةِ وفيه وجهان: أحدهما: أنَّ ذلك على إضمار القول، وهو مذهب البصريين. والثاني: إجراء "يُوحِي" مُجْرَى القول؛ لأنَّهُ بمعناه، وهو مذهب الكوفيين. فصل في المعنى وجهان: أحدهما: أنَّه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنَّهُ تعالى معهم أي مع الملائكة حال إرسالهم رِدْءاً للمسلمين. والثاني: أنَّهُ تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم، وثبتوهم، وهذا أولى؛ لأن المقصود إزالة التَّخويف، والملائكةُ لم يخافوا الكُفَّار، وإنَّما الخائف هم المسلمون. ثم قال: {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في كيفيَّةِ هذا التَّثْبيت وجوهٌ: فقيل: إنَّهم عرَّفُوا الرَّسُول - عليه الصَّلاة والسَّلام - أنَّ الله ناصر المؤمنين والرَّسول عرَّف المؤمنين ذلك، فهذا هو التثبيتُ. وقيل: إنَّ الشيطان كما يُمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهامِ إليه، فالتثبيت من هذا الباب. وقيل: إنَّ الملائكة كانوا يتشبَّهُون بصورِ رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنَّصر والفتح، والظَّفَرِ. قوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} وهذا من النعم الجليلة، لأنَّ أمير النفس هو القلب فلمَّا بيَّن اللَّهُ تعالى أنَّهُ ربط قلوب المؤمنين أي: قوَّاها، وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرُّعْبَ في قلوب الكافرينَ، فكان ذلك من أعظمِ نعم الله تعالى على المؤمنين. قوله: "فاضْرِبُوا" قيل: هذا أمر للملائكة متصلٌ بقوله تعالى: "فَثَبِّتُوا". وقيل: أمر للمؤمنين وهو الصَّحيح لما تقدَّم من أنَّ الملائكة لم ينزلوا للمقاتلة، بل لتقوية قُلُوبِ المؤمنين وتثبيتهم. قوله: "فوْقَ الأعناقِ" فيه أوجه: أحدها: أنَّ "فوْقَ" باقيةٌ على ظرفيتها والمفعولُ محذوفٌ، أي: فاضربوهم فوق الأعناقِ. علَّمَهُم كيف يضربونهم. والثاني: أنَّ "فوْقَ" مفعولٌ به على الاتِّساع؛ لأنه عبارةٌ عن الرَّأسِ، كأنَّه قيل: فاضربوا رُءوسهم، وهذا ليس بجيد؛ لأنَّهُ لا يتصرَّف. وزعم بعضهم أنه يتصرَّف، وأنك تقول: فوقُك رَأسُك برفع فوقك، وهو ظاهرُ قول الزمخشريِّ، فإنه قال: "فَوْقَ الأعْنَاقِ" أراد أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنَّها مفاصلٌ. الثالث: - وهو قول أبي عبيدة -: أنَّها بمعنى "على" أي: على الأعناقِ ويكون المفعولُ محذوفاً تقديره: فاضربوهم على الأعناق، وهو قريبٌ من الأول. الرابع: قال ابنُ قتيبة: هي بمعنى: "دون". قال ابن عطيَّة: "وهذا خطأ بيِّنٌ وغلطٌ فاحشٌ، وإنَّما دخل عليه اللَّبْس من قوله: {أية : بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}تفسير : [البقرة: 26] أي: فما دونها وليست "فوق" هنا بمعنى "دون" وإنَّما المرادُ: فَمَا فوقها في القلَّة والصِّغَرِ". الخامس: أنها زائدةٌ أي: اضْرِبُوا الأعناقَ، وهو قول أبي الحسنِ. وهذا عند الجمهور خطأ؛ لأنَّ زيادة الأسماءِ لا يجوزُ. قوله: {... مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} يجوزُ أن يتعلَّق: "مِنْهُمْ" بالأمر قبله، أي: ابتدئوا الضَّرب من هذه الأماكن، وهذا الكلامُ مع ما قبله معناه: اضربوهم في جميع الأماكن والأعضاءِ من أعاليهم إلى أسافلهم، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنَّهُ حال من: "كُلَّ بنانٍ" لأنَّهُ في الأصل يجوزُ أن يكون صفةً لو تأخَّر، قال أبُو البقاءِ: "ويَضْعُفُ أن يكون حالاً من "بَنَانٍ" إذْ فيه تقديمُ حالِ المضافِ إليه على المضاف". فكأنَّ المعنى: اضربوهم كيف ما كان. قال الزمخشريُّ: يعني ضرب الهام. قال: [الوافر] شعر : 2677 -.................... وأضْرِبُ هَامَة البْطَلِ المُشِيحِ تفسير : وقال: [البسيط] شعر : 2678 - غَشَّيْتُهُ وهْوَ في جَأواء بَاسِلَةٍ عَضْباً أصَابَ سَواءَ الرَّأسِ فانْفلقَا تفسير : وقال ابن عطية: ويُحتمل أن يريد بقوله: "فوق الأعْنَاقِ" وصْف أبلغِ ضرباتِ العنقِ، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس. ثم قال: ومنه قوله: [الوافر] شعر : 2679 - جَعَلْتُ السَّيْفَ بَيْنَ الجِيدِ مِنْهُ وبَيْنَ أسِيلِ خَدَّيْهِ عِذَارَا تفسير : وقيل: هذا مِنْ ذكرِ الجزء وإرادة الكل؛ كقول عنترة: [الكامل] شعر : 2680 - عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهار كأنَّمَا خُضِبَ البنَانُ ورأسُهُ بالعِظْلِمِ تفسير : والبَنَان: قيل: الأصابعُ، وهو اسمُ جنسٍ، الواحد: بنانةٌ؛ قال عنترةُ: [الوافر] شعر : 2681 - وأنَّ الموتَ طوْعُ يَدِي إذا مَا وصَلْتُ بنانَهَا بالهِنْدُوَانِي تفسير : وقال أبو الهيثم: "البنانُ: المفاصِلُ، وكل مفصل بنانة". وقيل: البنانُ الأصابع من اليدين والرِّجلين، وجميع المفاصل من جميع الأعضاء، وأنشد لعنترة: [الطويل] شعر : 2682 - وقَدْ كانَ فِي الهَيْجَاءِ يَحْمِي دِمَاءَهَا ويَضْرِبُ عِنْدَ الكَرْبِ كُلَّ بنانِ تفسير : وقد تُبْدلُ نونُه الأخيرة ميماً؛ قال رؤبةُ: [الرجز] شعر : 2683 - يَا هَالَ ذاتَ المَنْطِقِ التَّمْتَامِ وكَفِّكِ المُخَضَّبِ البَنَامِ

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم أخبرنا أبو بدر عباد بن الوليد المغبري فيما كتب إلي قال‏:‏ سمعت أبا سعيد أحمد بن داود الحداد يقول‏:‏ إنه لم يقل الله لشيء أنه معه إلا للملائكة يوم بدر‏.‏ قال‏:‏ إني معكم بالنصر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر‏.‏ وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال‏:‏ قال أبي‏:‏ يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وان أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف‏. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏حديث : إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير ويقاتلوا عليها نزلوا على الماء يوم بدر فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ فجعلوا يصلون مجنبين ومحدثين‏؟‏ فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن فقال لهم‏:‏ أتزعمون أن فيكم النبي صلى الله عليه وسلم وإنكم أولياء الله وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون مجنبين ومحدثين‏؟‏ حتى تعاظم ذلك في صدور أصحاب النبي‏ صلى الله عليه وسلم:‏ فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملأوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهوراً وثبت أقدامهم، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها فلبدها حتى اشتدت وثبت عليها الأقدام، ونفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين وهم يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، منهم سبعون ومائتان من الأنصار وسائرهم من المهاجرين، وسيد المشركين يومئذ عتبة بن ربيعة لكبر سنه‏. فقال عتبة‏:‏ يا معشر قريش إني لكم ناصح وعليكم مشفق لا أدخر النصيحة لكم بعد اليوم، وقد بلغتم الذي تريدون وقد نجا أبو سفيان فارجعوا وأنتم سالمون، فإن يكن محمد صادقاً فأنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذباً فأنتم أحق من حقن دمه‏.‏ فالتفت إليه أبو جهل فشتمه وفج وجهه وقال له‏:‏ قد امتلأت أحشاؤك رعباً‏.‏ فقال له عتبة‏:‏ سيعلم اليوم من الجبان المفسد لقومه‏. فنزل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، حتى إذا كانوا أقرب أسنة المسلمين قالوا‏:‏ ابعثوا إلينا عدتنا منكم نقاتلهم‏.‏ فقام غلمة من بني الخزرج فاجلسهم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ يا بني هاشم أتبعثون إلى أخويكم - والنبي منكم - غلمة بني الخزرج‏؟‏ فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث، فمشوا إليهم في الحديد فقال عتبة‏:‏ تكلموا نعرفكم، فإن تكونوا أكفاءنا نقاتلكم‏.‏ فقال حمزة رضي الله عنه‏:‏ أنا أسد الله وأسد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال له عتبة‏:‏ كفء كريم‏.‏ فوثب إليه شيبة فاختلفا ضربتين فضربه حمزة فقتله، ثم قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى الوليد بن عتبة فاختلفا ضربتين فضربه علي رضي الله عنه فقتله، ثم قام عبيدة فخرج إليه عتبة فاختلفا ضربتين فجرح كل واحد منهما صاحبه، وكر حمزة على عتبة فقتله، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فقال "‏اللهم ربنا أَنْزَلْتَ عليَّ الكتاب وأمرتني بالقتال ووعدتني النصر ولا تخلف الميعاد‏" فأتاه جبريل عليه السلام، فأنزل عليه {ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين} [‏آل عمران: 124‏]‏ فأوحى الله إلى الملائكة ‏ {‏إني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان‏} ‏ فقتل أبو جهل في تسعة وستين رجلاً، وأسر عقبة بن أبي معيط فقتل صبراً، فوفى ذلك سبعين وأسر سبعون. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن بعض بني ساعدة قال‏:‏ سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة رضي الله عنه بعدما أصيب بصره يقول‏:‏ لو كنت معكم ببدر الآن ومعي بصري لأخبرتكم بالشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، فلما نزلت الملائكة ورآها إبليس، وأوحى الله‏:‏ إليهم إني معكم فثبتوا الذين آمنوا، وتثبيتهم أن الملائكة عليهم السلام تأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول‏:‏ ابشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم، فلما رأى إبليس الملائكة نكص على عقبيه وقال‏:‏ إني بريء منكم وهو في صورة سراقة، وأقبل أبو جهل يحضض أصحابه ويقول‏:‏ لا يهولنكم خذلان سراقة إياكم فإنه كان على موعد من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم قال‏:‏ واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمداً وأصحابه في الحبال، فلا تقتلوا وخذوهم أخذا‏ً . تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏"‏ حديث : لما حضر القتال ورسول الله صلى الله عليه وسلم رافع يديه يسأل الله النصر، ويقول‏:‏ اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك، ولا يقوم لك دين، وأبو بكر رضي الله عنه يقول‏:‏ والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فأنزل الله عز وجل ألفاً من الملائكة مردفين عند أكتاف العدو، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل عليه السلام معتجر بعمامة صفراء آخذ بعنان فرسه بين السماء والأرض، فلما نزل إلى الأرض تغيب عني ساعة ثم نزل على ثناياه النقع، يقول‏:‏ أتاك نصر الله إذ دعوته ‏"‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة عليهم السلام ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فاضربوا فوق الأعناق‏} ‏ يقول‏:‏ الرؤوس‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عطية رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فاضربوا فوق الأعناق‏} ‏ قال‏:‏ اضربوا الأعناق‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله ‏ {‏فاضربوا فوق الأعناق‏} ‏ يقول‏:‏ اضربوا الرقاب‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏واضربوا منهم كل بنان‏} ‏ قال‏:‏ كل مفصل‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي رضي الله عنه في قوله ‏{‏واضربوا منهم كل بنان‏} ‏ قال‏:‏ أضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله تعالى ‏ {‏واضربوا منهم كل بنان‏} ‏ قال‏:‏ أطراف الأصابع وبلغة هذيل الجسد كله‏.‏ قال‏:‏ فأنشدني في كلتيهما‏؟‏ قال‏:‏ نعم، أما أطراف الأصابع فقول عنترة العبسي‏:‏ شعر : فنعم فوارس الهيجاء قومي إذا علق الأعنة بالبنان تفسير : وقال الهذلي في الجسد‏: شعر : لها أسد شاكي البنان مقذف له لبد أظفاره لم تقلم تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبي داود المازني رضي الله عنه قال‏:‏ بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر، فاهويت إليه بسيفي فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه، فعرفت أن قد قتلته غيري.‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان‏} ‏ قال‏:‏ ما وقعت يومئذ ضربة إلا برأس أو وجه أو مفصل.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ} منصوبٌ بمضمر مستأنفٍ خوطب به النبـيُّ عليه الصلاة والسلام بطريق التجريدِ حسبما تنطِق به الكافُ لِما أن المأمورَ به مما لا يستطيعه غيرُه عليه الصلاة والسلام فإن الوحيَ المذكورَ قبل ظهورِه بالوحي المتلوِّ على لسانه عليه الصلاة والسلام ليس من النعم التي يقف عليها عامةُ الأمةِ كسائر النعمِ السابقة التي أُمروا بذكر وقتِها بطريق الشكرِ، وقيل: منصوب بقوله تعالى: {أية : وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} تفسير : فلا بد حينئذٍ من عود الضميرِ المجرورِ في به إلى الربط على القلوب ليكون المعنى: ويثبتَ أقدامَكم بتقوية قلوبِكم وقتَ إيحائِه إلى الملائكة وأمرِه بتثبـيتهم إياكم وهو وقتُ القتال، ولا يخفى أن تقيـيدَ التثيبتِ المذكورِ بوقت مبْهمٍ عندهم ليس فيه مزيدُ فائدةٍ، وأما انتصابُه على أنه بدلٌ ثالثٌ من إذ يعدكم كما قيل فيأباه تخصيصُ الخِطاب به عليه الصلاة والسلام مع ما عرفتَ من أن المأمورَ به ليس من الوظائف العامةِ للكل كسائر أخواتِه. وفي التعرض لعنوان الربوبـيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من التنويه والتشريفِ ما لا يخفى، والمعنى اذكُر وقتَ إيحائِه تعالى إلى الملائكة {إِنّى مَعَكُمْ} أي بالإمداد والتوفيقِ في أمر التثبـيتِ فهو مفعولُ يوحي، وقرىء بالكسر على إرادة القول أو إجراءِ الوحي مُجراه. وما يُشعِر به دخولُ كلمةِ مع من متبوعية الملائكةِ إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتثبـيت صورةً فلهم الأصالةُ من تلك الحيثيةِ كما في أمثال قولهِ تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ }تفسير : [البقرة: 153] والفاءُ في قوله تعالى: {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها فإن إمدادَه تعالى إياهم من أقوى موجباتِ التثبـيتِ، واختلفوا في كيفية التثبـيتِ فقالت جماعةٌ: إنما أُمروا بتثبـيتهم بالبِشارة وتكثيرِ السوادِ ونحوِهما مما تقوىٰ به قلوبُهم وتصِحّ عزائمهُم ونياتُهم ويتأكد جِدُّهم في القتال وهو الأنسبُ بمعنى التثبـيتِ وحقيقتِه التي هي عبارةٌ عن الحمل على الثبات في موطن الحربِ والجِدّ في مقاساة شدائد القتال. وقد روي أنه كان الملَكُ يتشبّه بالرجل الذي يعرفونه بوجهه فيأتي ويقول: إنى سمعتُ المشركين يقولون: والله لئن حَملوا علينا لننكَشِفنّ ويمشي بـين الصفين فيقول: أبشِروا فإن الله تعالى ناصرُكم وقال آخرون: أُمروا بمحاربة أعدائِهم وجعلوا قولَه تعالى: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تفسيراً لقوله تعالى: {إِنّى مَعَكُمْ} وقولَه تعالى: {فَٱضْرِبُواْ} الخ، تفسيراً لقوله تعالى: {فَثَبّتُوا} مبـيناً لكيفية التثبـيت. وقد روي عن أبـي داود المازنى رضي الله عنه وكان ممن شهد بدراً أنه قال: اتبعتُ رجلاً من المشركين يوم بدر لأضرِبَه فوقعتْ رأسُه بـين يديَّ قبل أن يصِلَ إليه سيفي. وعن سهل بن حُنيفٍ رضي الله عنه أنه قال: لقد رأيُتنا يوم بدر وإن أحدَنا يُشيرُ بسيفه إلى المشرك فتقعُ رأسُه عن جسده قبل أن يصِلَ إليه السيفُ. وأنت خبـيرٌ بأن قتلَهم للكفرة ـ مع عدم ملاءمته لمعنى تثبـيتِ المؤمنين ـ مما لا يتوقف على الإمدادِ بإلقاء الرعبِ فلا يتجه ترتيبُ الأمر به عليه بالفاء وقد اعتذر الأولون بأن قوله تعالى: {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} تلقيناً للملائكة ما يثبّتونهم به، كأنه قيل: قولوا لهم قوْلي: سألقي في قلوب الذين كفروا الرعبَ فاضرِبوا الخ فالضاربون هم المؤمنون، وأما ما قيل من أن ذلك خطابٌ منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوينِ فمبناه توهُّمُ ورودِه قبل القتالِ وأنّى ذلك والسورةُ الكريمة إنما نزلت بعد تمامِ الوقعة، وقوله تعالى: {فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ} أي أعاليَها التي هي المذابح أو الهامات {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قيل: البنانُ أطرافُ الأصابع من اليدين والرجلين، وقيل: هي الأصابعُ من اليدين والرجلين وقال أبو الهيثم البنان: المفاصلُ، وكلُّ مَفصِلٍ بنانه وقال ابن جريج والضحاك: يعني الأطرافَ أي اضرِبوهم في جميع الأعضاء من أعاليها إلى أسافلها. وقيل: المرادُ بالبنان الأداني وبفوق الأعناق الأعالي والمعنى فاضرِبوا الصناديدَ والسَّفَلةَ وتكريرُ الأمر بالضرب لمزيد الاعتناءِ بأمره و(منهم) متعلقٌ به أو بمحذوف وقع حالاً مما بعده.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ}. عَرَّفَنَا أنَّ الملائكة محتاجون إلى تعريف الحق إياهم قضايا التوحيد. وتثبيتُ الملائكة للمؤمنين: قيل كانوا يَظْهَرُون للمسلمين في صور الرجال يخاطبونهم بالإخبار عن قلة عدد المشركين واستيلاء المسلمين عليهم، وهم لا يعرفون أنهم ملائكة. وقيل تثبيتهم إياهم بأن كانوا يلقون في قلوبهم ذلك مِنْ جهة الخواطر، ثم إن الله يخلق لهم فيها ذلك، فكما يُوَصِّلُ الحق سبحانه - وساوسَ الشيطان إلى القلوب يوصل خواطرَ المَلَكِ، وأَيَّدَهم بإلقاء الخوف والرعب في قلوب الكفار. قوله جلّ ذكره: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}. وذلك بأمر الله وتعريفه من جهة الوحي والكتاب، ويكون معناه إباحة ضربهم ونيلهم على أي وجه كان كيفما أصابوا أسافلهم وأعاليهم. ويحتمل فاضربوا فوق الأعناق ضرباً يوجِبُ قَتْلَهم؛ لأنه لا حياةَ بعد ضَرْبِ العُنُقِ. ولفظُ فوق يكون صلة. {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أي ضرباً يعجزهم عن الضرب ومقاتلة المسلمين؛ لأنه لا مقاتلة تحصل بعد فوات الأطراف. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} بين أنهم في مغاليط حسبانهم وأكاذيب ظنونهم والمُنْشِئُ - بكلِّ وجهٍ - اللهُ؛ لانفراده بقدرة الإيجاد. قوله جلّ ذكره: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}. يُمْهِلُ المجرمَ أياماً ثم لا يهمله، بل يُذِيقه بأْسَ فِعله، ويزيل عنه شُبْهةَ ظنِّه. قوله جلّ ذكره: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ}. ذلك العذاب فذوقوه - أيها المشركون - مُعَجَّلاً، واعلموا أن للكافرين عذاباً مُؤجَّلاً، فللعاصين عقوبتان مُحَصَّلٌ بنقد ومؤخَّرٌ بوعد.

اسماعيل حقي

تفسير : {إذ يوحى ربك الى الملائكة} الوحى القاء المعنى الى النفس من وجه خفى. والمعنى اذكر يا محمد وقت ايحائه تعالى الى الملائكة {أنى معكم} مفعول يوحى اى بالامداد والتوفيق فى امر التثبيت فليس القصد ازالة الخوف كما فى {أية : لا تحزن إن الله معنا} تفسير : . اذ لا خوف للملائكة من الكفار حتى يقال لهم انى معكم فلا تخافوهم وما يشعر به دخول كلمة من متبوعية الملائكة انما هو من حيث انهم المباشرون للتثبيت صورة فلهم الاصالة من تلك الحيثية كما فى امثال قوله تعالى {أية : ان الله مع الصابرين} تفسير : [البقرة: 153]. {فثبتوا الذين آمنوا} بالبشارة وتكثير السواد ونحوهما مما تقوى به قلوبهم والتثبيت عبارة عن الحمل على الثبات فى مواطن الحرب والجد فى مقاساة شدائد القتال {سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب} اى سأقذف فى قلوبهم المخافة من المؤمنين وهو تلقين للملائكة ما يثبتونهم به كأنه قيل قولوا لهم قولى سألقى الخ {فاضربوا} ايها المؤمنون فلا دلالة فى الآية على قتال الملائكة {فوق الاعناق} اعاليها التى هى المذابح او الرؤس. قال الحدادى وانما امر الله بضرب الاعناق لان اعلى جلدة العنق هو المقتل {واضربوا منهم كل بنان} البنان فى اللغة هو الاصابع وغيرها من الاعضاء التى بها يكون قوام الانسان وحياته والمقصود اضربوهم فى جميع الاعضاء من اعاليها الى اسافلها. وقيل الوجه ان يراد بها المدافعة والمقاتلة وكذا قال التفتازانى

الطوسي

تفسير : معنى الآية اذكروا {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} يعني بالمعونة والنصرة، كما يقال: فلان مع فلان بمعني ان معونته معه. وذكر الفراء قال: كان الملك يأتي الرجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله فيقول سمعت المشركين يقولون، والله لئن حملوا علينا لنكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم بعضاً فيقوي انفسهم بذلك و "الايحاء" إلقاء المعنى إلى النفس من وجه يخفى، وقد يكون ذلك بنصب دليل يخفى إلا على من إلقي اليه من الملائكة. وقوله {فثبتوا الذين آمنوا} قيل في معناه قولان: احدهما - احضروا معهم الحرب. والثاني - قال الحسن: قاتلوا معهم يوم بدر. وقال قوم: معنى ذلك الاخبار بأنه لا بأس عليهم من عدوهم. وقوله {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} اخبار من الله تعالى انه يلقي في قلوب الكفار الرعب، وهو الخوف. تقول: رعبته ارعبه رعباً ورعباناً، فانا راعب، وذاك مرعوب. و {الرعب} إنزعاج النفس بتوقع المكروه. واصل الرعب التقطيع من قولهم رعبت السنام ترعيباً: اذا قطعته مستطيلا. والرعب يقطع حال السرور بضده من انزعاج النفس بتوقع المكروه. وجارية رعبوبة اذا كانت شطنة مشبهة بقطعة من السنام. ورعب السيل فهو راعب: اذا امتلا منه الوادي، لأنه انقطع اليه من كل جهة. والرعيب من الرجال النصير. قال الراجز: شعر : ولا أجيب الرعب ان دعيت تفسير : وقوله {فاضربوا فوق الأعناق} قيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - اضربوا الاعناق - ذهب اليه عطية - وقال غيره اضربوا على الاعناق. وقال قوم اضربوا فوق جلدة الاعناق. وقوله {واضربوا منهم كل بنان} قال ابن جريج والضحاك والسدي: أراد بنان الأطراف من اليدين والرجلين والواحد بنانة. ويقال: للاصبع بنانة. واصله اللزوم من قولهم: أبنت السحابة إبناناً إذا لزمت. وأبن بالمكان اذا لزمه فسمي البنان بناناً، لأنه يلزم به ما يقبض عليه، قال الشاعر: شعر : ألا ليتني قطعت مني بنانة ولاقيته في البيت يقظان حاذرا تفسير : وقال الفراء: أعلمهم مواضع الضرب، فقال: اضربوا الرؤوس والأيدي والأرجل. وقال الزجاج: اباح الله قتلهم بكل نوع يكون في الحرب. و {إذ} في موضع نصب على قوله "وليربط.. إذ يوحي" ويجوز على تقدير واذكروا.

الجنابذي

تفسير : {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ} يجوز ان يكون ظرفاً لكلّ من الافعال المذكورة من قوله يغشّيكم الى قوله يثبّت به الاقدام منفرداً او على سبيل التّنازع، ويجوز ان يكون بدلاً من اذا الاولى ومن اذ الثّانية والثّالثة {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} يعنى لست مخالفكم فى التّثبيت حتّى لا يتيسّر لكم التّثبيت {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} اعانة لكم فى التّثبيت حتّى يتمّ لكم امره {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} حتّى اطرقوا رؤسهم او فاقطعوا رؤسهم {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} رؤس الاصابع، وتكرار اضربوا واضافة لفظة فوق من التّطويل المطلوب فى مقام اشتداد الغضب وتنزيل ضرب البنان واضح وتأويله عبارة عن ضرب بنان نفوسهم الخبيثة الّتى بها يثلمون دين الاسلام وعقائد ضعفاء المسلمين.

الهواري

تفسير : قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} قال الحسن: يعني فاضربوا الأعناق {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أي كلّ عُضو. وقال الكلبي: أطراف الأيدي والأرجل. وقال بعضهم: كل بنان، أي: كل مفصل. قوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ} قال الحسن: حادّوا الله وعادوه ورسوله. وقال بعضهم: الشقاق هو الفراق. {وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ}. قال: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ} أي في الدنيا، يعني القتل { وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} بعد القتل {عَذَابَ النَّارِ} أي في الآخرة. قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ} أي: منهزمين { وَمَن يُوَلِّهِمْ} أي: ينهزم {يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} أي: يوم بدر {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ} أي يتحرّف للقتال، أن يدع موقف مكان لمكان. {أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ} أي ينحاز إلى جماعة { فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} أي استوجب غضباً من الله { وَمَأْوَٰهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} أي بئس مصير من صار إلى جهنم. قال الحسن: لم يكن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر، لأن تلك العصابة من المسلمين لو أصيبت لذهب الإِسلام. فكان الله قد افترض في هذه الآية: (أية : إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) تفسير : [الأنفال:65] فأمر الله المسلمين أن يصبروا لعشرة أمثالهم إذا لقوهم. ثم أنزل الله بعد ذلك التخفيف فقال: (أية : " الآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ) تفسير : [الأنفال:66]. فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اظهر الله الإِسلام وصار الجهاد تطوّعاً. فإن جاء المسلمين عدوٌّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى البصرة، أو قال: إلى بصرتهم. وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الكوفة، فإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى الشام، وإن جاءهم ما يغلبهم تحيّزوا إلى المدنية، فإن جاءهم ما يغلبهم فليس ثَمَّ تحيّز، وصار الجهاد فريضة. ذكروا عن الحسن أنه قال: إن عمر بن الخطاب لما بلغه قتل أبي عبيدة بن الجراح وأصحابه بالقادسية قال: يرحم الله أبا عبيدة؛ لو انحاز إلينا لكنا فئته. ذكروا عن الحسن قال: لو أن أهل سمرقند انحازوا إلينا ـ ونسأل الله العافية من ذلك ـ لكنا فئتهم. ذكروا أن أبا بكر وعمر كانا يقولان للجيوش: وإن غلبكم أمر فانحازوا إلينا، فإنا فئتكم. ذكر بضعهم قال: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار، ثم كانت أُحُد بعدها فأنزل الله: (أية : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) تفسير : [آل عمران: 155]. ثم كانت حنين بعدها بسبع سنين فأنزل الله: (أية : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ. ثُمَّ أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى المُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) تفسير : [التوبة:25-27]. قال بعضهم: يوم الدجّال كيوم بدر. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أفضل الشهداء شهداء بدر، وشهداء الأعماق، والأعماق أنطاكية تفسير : ذكروا عن عبد الله بن عون أنه قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الفرار من الزحف، فقال: إنما كان يوم بدر.

اطفيش

تفسير : {إذ يُوحِى} إذ بدل من إحدى الإذَّات قبلها، أو متعلق بيثبت، أو مفعول لاذكر مستأنفا {ربُّك إلى الملائِكةِ أنِّى مَعَكم} فى تثبيت المؤمنين وإعانتهم، والمصدر من خبر إن مفعول يوحى، وقرأ عيسى ابن عمر فى رواية بكسر الهمزة إجراء للإيحاء مجرى القول، أو تقديرا للقول، وهذا الوحى إلهام أو إرسال بعض الملائكة إلى بعض {فَثبِّتوا الَّذينَ آمنُوا} بإلقاء الخير فى قلوبهم إلهاما كما يلقى الشيطان فيها لشر وسوسة، وبحضور القتال وبالقتال على القول به، وبالتبشير بالظفر، يمشى الملك أمام الصف بصورة رجل يعرفونه ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم عليهم، لأنكم تعبدونه، وهؤلاء لا يعبدونه، ويقول آخر: ما أرى الغلبة إلا لنا، ويقول آخر: أقدم يا فلان، ويقول أحدهم للذى يليه من المؤمنين: لقد بلغنى أن الكفار قالوا: لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن، ولا يختص إيهام الملك باسم اللمة كما يوهم كلام بعضهم لما ورد فى الحديث: "حديث : إن لكل من الملك والشيطان لمة ".تفسير : {سألْقى فى قُلوبِ الَّذينَ كَفرُوا الرُّعْب} قال القاضى: هو كالتفسير لقوله {إنى معكم فثبتوا} وهو حسن وذلك من جملة ما أوحى إلى الملائكة، ويجوز أن لا يقصد به التفسير، وقرئ بضم العين، وهو قراءة الأعرج بن عامر، والكسائى ومعناه على القراءتين: الخوف {فاضْرِبُوا فَوقَ الأعْناقِ} أى اضربوهم فى أعالى الأعناق وهى مواضع الذبح، وهى مفاصل، فيكون الضرب فيها تطييرا للرأس، وقال عكرمة: اضربوهم فى الرءوس، فإن الرأس فوق العنق، وعليه المبرد، واحتج بالآية على جواز ضرب الكافر فى وجهه، لأن كلا من الوجه وسائر الرأس هو فوق العنق. وقال الأخفش: فوق زائد مضاف للمفعول، وبه قال الضحاك، وعطية، وقيل: بمعنى على، وفى أى موضع من العنق ضرب فقد ضرب على العنق، وزعم ابن قتيبة أن فوق بمعنى دون، قال ابن الأنبارى: كانت الملائكة لا تعرف كيف تقتل الآدمى، فعلمهم الله كيف يفعلون بقوله: {فاضربوا فوق الأعناق}. {واضْرِبُوا منْهم كلَّ بَنانٍ} أصابع اليدين والرجلين، فمن ضُرب فى العنق مات أو فى الأصابع لم يتمكن من قبض السلاح، والقتال به، ولم يقو على سرعة الانتقال، لأن أصابع الرجلين تقوى على المشى، وعن بعضهم أبيح لهم الضرب فى كل موضع، ولكن خص الموضعان بالذكر لأنهما أبلغ، وقيل: مثل لهم لمطلق الضرب بالضرب أعلى الجسد وأسفله، والمراد إدخال كل عضو، وهذا على أن البنان أصابع الرجلين، وقيل: المراد أصابع اليدين، قيل: سميت بذلك لأن بها إصلاح ما أريد عمله باليد، وقيل: البنان المفاصل من كل عضو، وعن الحسن البنان الأعضاء وهو جمع بنة أو بنانة، وذلك على أن الملائكة قاتلت، ومن قال لم تقاتل جعل الخطاب فى قوله: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} للمؤمنين. ويجوز أن يكون: {سألقى فى قلوب الذين كفروا الرعب} مقولا للمؤمنين أيضا مع ما بعده، ويجوز أن يكون مع ما بعده تلقينا للملائكة ما يثبتون به المؤمنين، كأنه قال: قولوا لهم ما يتضمنه قولى هذا من إلقاء الرعب، والضرب فوق الأعناق، وفى كل بنان، أو قولوا لهم: إن الله قال: {سألقى فى قلوب} الخ، ويجوز أن يكون {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} فى معنى الخبر عن صورة الحال، كما تقول لمن تخاطبه: ناولت الأعرابى جبة فأقنعنى فيها، خذ هذه الشاة وخذ هذه الغرارة من بر، وخذ هذا الجراب من أقط، تريد أن هذه حالى معه والخطاب للمؤمنين أو للملائكة، أى ستكون حال الكفار هكذا. وعن السهيلى: ما وقعت ضربة يوم بدر إلا فى رأس أو مفصل، وهذا يقوى أن المراد بفوق الأعناق الرءوس، قال: وكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود فى الأعناق والبنان، ويتبادر من كلامه أن الأمر بالضرب فوق الأعناق وفى البنان كان للملائكة والمؤمنين جميعا.

اطفيش

تفسير : {إِذْ} متعلق بيثبت، أَو بدل من البدل، أَو بدل ثالث على القول بجواز تعدد البدل أَو الإِبدال من البدل، ويقدر اذكر إِذ، وإِذا علق بيثبت تعين عود الهاء إِلى الربط {يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ} الذين حضروا بدراً {أَنِّى مَعَكُمْ} فى تثبيت المسلمين وإِعانتهم، والتزلزل بالكفار وترهيبهم، ومصدر الاستقرار مفعول يوحى، أَى يوحى ربك إِلى الملائكة ثبوته معكم {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} بإِلهام أَن الله ينصرهم، وبالظهور فى جهة المسلمين فى صور الرجال يأَنس بكم المؤمنون، ويرعب منكم الكافرون، وبالكلام بأَن يمشوا أَمام الصف، ويقولوا أَبشروا بنصر الله، وبأَن يقولوا ذلك فى الصف، ويقول القائل منهم سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن. وفسر قوله: إِنى معكم، أَو قوله: ثبتوا بقوله {سَأُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} الخوف من المسلمين، ولا دليل فى ذلك على أَن الملائكة قاتلوا يوم بدر، بل الدليل فى قوله {فَاضْرِبُوا} أَيها المؤمنون، خطاب من الملائكة ذكره الله تعالى لنا {فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} لأَن كون الله مع الملائكة لا يتعين أَنه معهم فى قتال يكون منهم لجواز أَن يكون الخطاب فى قوله أَنى معكم للمؤمنين، فيكون مقتضى الظاهر: إِذ يوحى ربك إِلى الملائكة أَنى مع المؤمنين فثبتوهم سأُلقى إِلخ... ولما صرف الكلام لخطاب المؤمنين أَظهر الذين آمنوا فى قوله فثبتوا الذين آمنوا، وعلى هذا التفسير يكون قوله تعالى: فاضربوا خطاباً للملائكة أَيضاً كالتفسير الأَول، لا للمؤمنين فيبعد دعوى أَنه خطاب للمؤمنين، وأَن المعنى: لقنوا أَيها الملائكة المؤمنين أَنى أَلقى الرعب، وأَن يضربوا فوق الأَعناق إِلخ.. فيكون الضاربون المؤمنين لا الملائكة. ولا تتقوى هذه الدعوى بقوله: معكم، من حيث إِن المعية للخائف، ولا خوف للملائكة، لأَن المعية لا تختص بالخوف، ولا تترجح فيه، بل هى لمطلق الإِعانة، وكذا دعوى أَنه خاطب الله من شاءَ لأَنه لا غائب عنه، وحق أَنه لا غائب عنه، ولكن لا تفسر الآية به، وفوق إِما مفعول لأَضرب ومعناه الرأْس، أَو ما اتصل من الأَعناق بالرأس وهو أَعلاها، على أَنه يلزم الظرفية، وإِما ظرف، أَى أَوقعو الضرب فوق الأَعناق، والذى فوقها هو الرءوس، أَو يقدر اضربوهم فوق الأَعناق وهو أَعلى العنق. والبنان رءُوس الأَصابع فى اليد والرجل، أَو المفاصل والواحد بنانة، وخصها بعض باليد، وقيل: نفس الأَصابع، وإِنها سميت لأَن بها إِصلاح الأَحوال من أَبن بالمقام وبن به أَى أَقام، ولذلك خص بالذكر فى قوله عز وجل {أية : بلى قادرين على أَن نسوى بنانه}تفسير : [القيامة: 4] وخصت هنا لأَن بها القتل. وقيل: المراد هنا باقى الأَطراف، قابل بها فوق الأَعناق. فعن ابن عباس أَنها الجسد كله فى لغة هذيل، والآية توجب أَن لا يضرب فى الأَدب والحد والنكال والتعزير على القدمين، لأَن الله عز وجل أَمر بضرب المشركين على البنان لأَنه أَسرع فى القتل، والمضروب للأَدب أَو نحوه لا يقصد إِلى قتله، والبنان أَصابع القدمين واليدين، وهب أَنها المفاصل ففى القدمين اجتمعت مفاصل البدن كله، وكذا إِن قلنا أَنها الأَطراف فأَصابع القدمين مثلا من الأَطراف، والقول بأَن البنان الجسد كله غير مقبول، وإِن قيل أَنه لغة هذيل فلسنا نفسر القرآن بلغتهم ما وجدنا لغة قريش، وقد قال الله تعالى {أية : بلى قادرين على أَن نسوى بنانه}تفسير : [القيامة: 4] أَى أَصابع يديه أَو قدميه، فلا يضرب القدمان، والمضرة فى القدمين تصل الرأس والعينين، وكذا المنفعة فيهما، فإِذا اضطجعت وجعل إِنسانا يكبس قدميك أَو بنانهما أَسرع إِليك النوم، وشهر عن الأَطباء أَن الحفاء يضعف البصر، ويسقط لشهوة الجماع، والضرب أَشد من الحفاء. ورأَى طبيب عجمى لا يعرف العربية أَكثر لباس الرأس والتهاون بالقدمين فنزع ما فى نفسه وجعله تحت قدميه يشير إِلى أَن القدمين أَحق بتقوية اللباس وأَتى بطبيب لسلطان أَصابه صداع فأَمر بوضع قدميه فى ماءَ حار، فقال: أَين القدمان من الرأس؟ فقال الطبيب: وأَين الخصيتان من الرأس؟ وتقرر عند الأطباء أَن وضع القدمين فى الماء الساخن يورث النوم، فبين القدمين والرأس اتصال. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : غسل القدمين بالماء البارد بعد الخروج من الحمام أَمان من الصداع"تفسير : رواه أَبو هريرة. وأَما حديث الأَمر بالمشى بحفاء فنهى عن أَن يقتصر على الانتعال تلذذاً دائماً، وعروق البدن كلها فى القدمين، وتدفئة القدمين تؤثر فى الرأْس بلا عكس، وتدفئة القدمين أَو تسخينهما نافع للبدن، ومن ينزل الدم من أَنفه لحر الشمس فى رأَسه ووضع قدميه فى الماء البارد نفعه بإِذن الله تعالى، ومن أَتاه الجدرى فخضب قدميه بالحناء لم يعم بصره بإِذن الله تعالى، وبقى بصيراً، فليضرب فى المقعدتين والظهر والكتفين لا فى القدمين، وحاجة الدين والدنيا إِليهما أَعظم منها إِلى الظهر والمقعدين، كالقيام عليهما فى الصلاة، وكونهما من أَعضاء الوضوء الكثير الدوران، وروى أَنه لما قال السلطان: أَين القدمان من الرأْس؟ قال الطبيب: فأَين الرأس من الخصيتين. أَو أَين القدمان من الخصيتين؟ وذلك أَنه يكوى فى القدم والرأْس معاً لمداواة الخصيتين. ويسخن القدمان فى مداواة الزكام، ويسخن القدمان فى مداواة عياء البدن، ويروى أَنه كانت الملائكة لا تعرف كيف يقتل الإِنسان، فعلمهم الله الضرب فوق الأَعناق وضرب البنان، وكانوا يعرفون قتيل الملائكة بضرب فوق الأَعناق وعلى البنان، مثل سمة نار قد احترق بها، وفى ضرب البنان من اليد قطع لهم عن حمل السلاح والانتفاع به، وعقاب لهم إِذ حملوا السلاح على أَهل دين الله تعالى. قال أَبو داود المازنى: إِنى لأَتبع مشركا فيقع رأسه قبل أَن يصل إِليه سيفى أَو سوطى، وقال سهل بن حنيف: يشير أَحدنا لمشرك بالسيف فيقع رأسه قبل أَن يصل إِليه السيف، ورماهم صلى الله عليه وسلم بكف من حصباء فدخلت أَعينهم وأنوفهم وأفواههم.

الالوسي

تفسير : {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ} متعلق بمضمر مستأنف أي اذكر، خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد حسبما ينطق به الكاف، وقيل: منصوب بـ {أية : وَيُثَبِّتَ} تفسير : [الأنفال: 11] ويتعين حينئذٍ عود الضمير المجرور في {بِهِ}إلى الربط ليكون المعنى ونثبت الأقدام بتقوية قلوبكم وقت الإيحاء إلى الملائكة والأمر بتثبيتهم إياكم وهو وقت القتال، ولا يصح أن يعود إلى الماء لتقدم زمانه على زمان ذلك، وقال بعضهم: يجوز ذلك لأن التثبيت بالمطر باق إلى زمانه أو يعتبر الزمان متسعاً قد وقع جميع المذكور فيه وفائدة التقييد التذكير بنعمة أخرى والإيماء إلى اقتران تثبيت الأقدام بتثبيت القلوب المأمور به الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، أو الرمز إلى أن التقوية وقعت على أتم وجه، وقيل: هو بدل ثالث من {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ } تفسير : [الأنفال: 7] ويبعده تخصيص الخطاب بسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام. واختار بعض المحققين الأول مدعياً أن في الثاني تقييد التثبيت بوقت مبهم وليس فيه مزيد فائدة. وفي الثالث إباء التخصيص عنه مع أن المأمور به ليس من الوظائف العامة للكل كسائر أخواته ولا يستطيعه غيره عليه الصلاة والسلام لأن الوحي المذكور قبل ظهوره بالوحي المذكور، ولا يخفى على المتأمل أن ما ذكر لا يقتضي تعين الأول نعم يقتضي أولويته. والمراد بالملائكة الملائكة الذين وقع بهم الإمداد، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة، والمعنى إذ أوحى. {أنِّي مَعَكُمْ} أي معينكم على تثبيت المؤمنين، ولا يمكن حمله على إزالة الخوف كما في قوله سبحانه وتعالى: {أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } تفسير : [التوبة: 40] لأن الملائكة لا يخافون من الكفرة أصلاً، وما تشعر به كلمة مع من متبوعية الملائكة لا يضر في مثل هذه المقامات، وهو نظير {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ } تفسير : [البقرة: 153] ونحوه، والمنسبك مفعول {يُوحِي}، وقرىء {إني} بالكسر على تقدير القول أي قائلاً إني معكم، أو إجراء الوحي مجراه لكونه متضمناً معناه، والفاء في قوله سبحانه: {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالتثبيت الحمل على الثبات في موطن الحرب والجد في مقاساة شدائد القتال قالاً أو حالاً، وكان ذلك هنا في قول بظهورهم لهم في صورة بشرية يعرفونها ووعدهم إياهم النصر على أعدائهم، فقد أخرج البيهقي في الدلائل أن الملك كان يأتي الرجل في صورة الرجل يعرفه فيقول: أبشروا فإنهم ليسوا بشيء والله معكم كروا عليهم، وجاء في رواية كان الملك يتشبه بالرجل فيأتي ويقول: إني سمعت المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لنكشفن ويمشي بين الصفين ويقول: أبشروا فإن الله تعالى ناصركم. وقال الزجاج: كان بأشياء يلقونها في قلوبهم تصح بها عزائمهم ويتأكد جدهم، وللملك قوة إلقاء الخير في القلب ويقال له إلهام كما أن للشيطان قوة إلقاء الشر ويقال له وسوسة؛ وقيل: كان ذلك بمجرد تكثير السواد. وعن الحسن أنه كان بمحاربه أعدائهم وذهب إلى ذلك جماعة وجعلوا قوله تعالى: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} تفسيراً لقوله تعالى: {أَنّي مَعَكُمْ} كأنه قيل: إني معكم في إعانتهم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، والرعب بضم فسكون وقد يقال بضمتين وبه قرأ ابن عامر والكسائي الخوف وانزعاج النفس بتوقع المكروه، وأصله التقطيع من قولهم: رعبت السنام ترعيباً إذا قطعته مستطيلاً كأن الخوف يقطع الفؤاد أو يقطع السرور بضده، وجاء / رعب السيل الوادي إذا ملأه كأن السيل قطع السلوك فيه أو لأنه انقطع إليه من كل الجهات، وجعلوا قوله سبحانه وتعالى: {فَٱضْرِبُواْ} الخ تفسيراً لقوله تبارك وتعالى: {فَثَبِّتُواْ} مبين لكيفية التثبيت. وقد أخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن أبـي داود المازني قال: بينا أنا أتبع رجلاً من المشركين يوم بدر فأهويت بسيفي إليه فوقع رأسه قبل أن يصل سيفي إليه فعرفت أنه قد قتله غيري. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وقائلاً يقول: أقدم حيزوم فخر المشرك مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه فجاء فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. وجوز بعضهم أن يكون التثبيت بما يلقون إليهم من وعد النصر وما يتقوى به قلوبهم في الجملة، وقوله سبحانه وتعالى: {سَأُلْقِي} الخ جملة استئنافية جارية مجرى التعليل لإفادة التثبيت لأنه مصدقه ومبينه لإعانته إياهم على التثبيت، وقوله سبحانه وتعالى: {فَٱضْرِبُواْ} الخ جملة مستعقبة للتثبيت بمعنى لا تقتصروا على تثبيتهم وأمدوهم بالقتال عقيبه من غير تراخ، وكأن المعنى أني معكم فيما آمركم به فثبتوا واضربوا. وجىء بالفاء للنكتة المذكورة، ووسط {سَأُلْقِي} تصديقاً للتثبيت وتمهيداً للأمر بعده، وعلى الاحتمالين تكون الآية دليلاً لمن قال: إن الملائكة قاتلت يوم بدر، وقال آخرون: التثبت بغير المقاتلة، وقوله عز وجل: {سَأُلْقِي} تلقين منه تعالى للملائكة على إضمار القول على أنه تفسير للتثبيت أو استئناف بياني، والخطاب في {فَٱضْرِبُواْ} للمؤمنين صادراً من الملائكة حكاه الله تعالى لنا، وجوز أن يكون ذلك الكلام من جملة الملقن داخلاً تحت القول، كأنه قيل: قولوا لهم قولي سألقي الخ، أو كأنه قيل: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قولي سألقي الخ، ولا يخفى أن هذا القول أضعف الأقوال معنى ولفظاً. وأما القول بأن {فَٱضْرِبُواْ} الخ خطاب منه تعالى للمؤمنين بالذات على طريق التلوين فمبناه توهم وروده قبل القتال، وأنى ذلك؟ والسورة الكريمة إنما نزلت بعد تمام الواقعة، وبالجملة الآية ظاهرة فيما يدعيه الجماعة من وقوع القتال من الملائكة. {فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ} أي الرؤوس كما روي عن عطاء وعكرمة، وكونها فوق الأعناق ظاهر. وأما المذابح كما قال البعض فإنها في أعالي الأعناق و {فَوْقَ} باقية على ظرفيتها لأنها لا تتصرف؛ وقيل: إنها مفعول به وهي بمعنى الأعلى إذا كانت بمعنى الرأس، وقيل: هي هنا بمعنى على والمفعول محذوف أي فاضربوهم على الأعناق، وقيل: زائدة أي فاضربوا الأعناق {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. قال ابن الأنباري: البنان أطراف الأصابع من اليدين والرجلين والواحدة بنانة وخصها بعضهم باليد. وقال الراغب: ((هي الأصابع وسميت بذلك لأن بها إصلاح الأحوال التي بها يمكن للإنسان أن يبن أي يقيم من أبن بالمكان ويَبِنُّ إذا أقام، ولذلك خص في قوله سبحانه وتعالى: {أية : بَلَىٰ قَـٰدِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } تفسير : [القيامة: 4] وما نحن فيه لأجل أنهم بها يقاتلون ويدافعون))، والظاهر أنها حقيقة في ذلك، وبعضهم يقول: إنها مجاز فيه من تسمية الكل باسم الجزء. وقيل: المراد بها هنا مطلق الأطراف لوقوعها في مقابلة الأعناق والمقاتل. والمراد اضربوهم كيفما اتفق من المقاتل وغيرها وآثره في «الكشاف». وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها الجسد كله في لغة هذيل، ويقال فيها بنام بالميم وتكرير الأمر بالضرب لمزيد التشديد والاعتناء بأمره و {مِنْهُمْ} متعلق به أو بمحذوف / وقع حالاً من {كُلَّ بَنَانٍ} وضعف كونه حالاً من {بَنَانٍ} بأن فيه تقديم حال المضاف إليه على المضاف.

ابن عاشور

تفسير : {إذ} ظرف متعلق بقوله: {أية : فاستجاب لكم أني ممدكم بألفٍ من الملائكة مردفين}تفسير : [الأنفال: 9]. وجعل الخطاب هنا للنبيء صلى الله عليه وسلم تلطفاً به، إذ كانت هذه الآية في تفصيل عمل الملائكة يوم بدر، وما خاطبهم الله به فكان توجيه الخطاب بذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولى لأنه أحق من يعلم مثل هذا العلم ويحصل العلم للمسلمين تبعاً له، وأن الذي يهم المسلمين من ذلك هو نصر الملائكة إياهم وقد حصل الإعلام بذلك من آية {أية : إذ تستغيثون ربكم}تفسير : [الأنفال: 9] ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من استغاث الله، ولذلك عرف الله هنا باسم الرب وإضافته إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ليوافق أسلوب {أية : إذ تستغيثون ربكم}تفسير : [الأنفال: 9] ولما فيه من التنويه بقدر نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه فعل ذلك لطفاً به ورفعاً لشأنه. والوحي إلى الملائكة المرسلين: إما بطريق إلقاء هذا الأمر في نفوسهم بتكوين خاص، وإما بإبلاغهم ذلك بواسطة. و{أنّي معكم} قيل هو في تأويل مصدر وذلك المصدر مفعول يوحي، أي يوحي إليهم ثبوتَ معيّتِه لهم، فيكون المصدر، منصوباً على المفعول به ليوحي، بهذا التأويل وقيل على تقدير باء الجر. وأنت على ذُكْر مما قدمناه قريباً في قوله تعالى: {أية : أني ممدكم بألفٍ من الملائكة}تفسير : [الأنفال: 9] من تحقيق أن تكون (أن) المفتوحة الهمزةِ المشددة النوننِ مفيدة معنى (أنْ) التفسيرية، إذا وقعت معمولة لما فيه معنى القول دون حروفه. والمعية حقيقتها هنا مستحيلة فتحمل على اللائِقة بالله تعالى أعني المعية المجازية، فقد يَكون معناها توجه عنايته إليهم وتيسير العمل لهم، وقد تكرر إطلاق (مع) بمثل هذا في القرآن كقوله: {أية : وهْو مَعكم أينما كنتم}تفسير : [الحديد: 4]. وإيحاء الله إلى الملائكة بهذا مقصود منه تشريفهم وتشريف العمل الذي سيكلفون به، لأن المعية تؤذن إجمالاً بوجود شيء يستدعي المصاحبة، فكان قوله لهم: {أني معكم} مقدمة للتكليف بعمل شريف ولذلك يذكْر ما تتعلق به المعية لأنه سيعلم من بقية الكلام، أي أني معكم في عملكم الذي أكفلكم به. ومن هنا ظهر موقع فَاء الترتيب في قوله: {فثبتوا الذين آمنوا} من حيث ما دل عليه {أني معكم} من التهيئة لتلقي التكليف بعمل عظيم وإنما كان هذا العمل بهذه المثابة لأنه إبدال للحقائق الثابتة باقتلاعها ووضع أضدادها لأنه يجعل الجبن شجاعة، والخوف إقداماً والهلع ثباتاً، في جانب المؤمنين، ويجعل العزة رعباً في قلوب المشركين، ويقطع أعناقهم وأيديهم بدون سَبب من أسباب القطع المعتادة فكانت الأعمال التي عُهد للملائكة عملُها خوارقَ عادات. والتثبيت هنا مجاز في إزالة الاضطراب النفساني مما ينشأ عن الخوف ومن عدم استقرار الرأي واطمئنانه. وعُرف المثبتُون بالموصول لما تومىء إليه صلة {آمنوا} من كون إيمانهم هو الباعث على هذه العناية، فتكون الملائكة بعناية المؤمنين لأجل وصف الإيمان. وتثبيت المؤمنين إيقاع ظن في نفوسهم بأنهم منصورون ويسمى ذلك إلهاماً وتثبيتاً، لأنه إرشاد إلى ما يطابق الواقع، وإزالة للاضطراب الشيطاني، وإنما يكون خيراً إذا كان جارياً على ما يحبه الله تعالى بحيث لا يكون خاطراً كاذباً، وإلاّ صار غروراً، فتشجيع الخائف حيث يريد الله منه الشجاعة خاطر ملكي وتشجيعه حيث ينبغي أن يتوقى ويخاف خاطر شيطاني ووسوسة، لأنه تضليل عن الواقع وتخذيل. ولم يسند إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إلى الملائكة بل أسنده الله إلى نفسه وحده بقوله: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعْب} لأن أولئك الملائكة المخاطبين كانوا ملائكة نصر وتأييد فلا يليق بقواهم إلقاء الرعب، لأن الرعب خاطر شيطاني ذميم، فجعله الله في قلوب الذين كفروا بواسطة أخرى غير الملائكة. وأسند إلقاء الرعْب في قلوب الذين كفروا إلى الله على طريقةٌ الإجمال دون بيان لكيفية إلقائه، وكل ما يقع في العالم هو من تقدير الله على حسب إرادته، وأشار ذلك إلى أنه رعب شديد قدره الله على كيفية خارقة للعادة، فإن خوارق العادات قد تصدر من القُوى الشيطانية بإذن الله وهو ما يسمى في اصطلاح المتكلمين بالإهانة وبالاستدراج، ولا حاجة إلى قصد تحقير الشيطان بإلقاء الرعب في قلوب المشركين كما قصد تشريف الملائكة، لأن إلقاء الرعب في قلوب المشركين يعود بالفائدة على المسلمين، فهو مبارك أيضاً، وإنما كان إلقاء الرعْب في قلوب المشركين خارقَ عادة، لأن أسباب ضده قائمة، وهي وفرة عددهم وعُددهم وإقدامُهم على الخروج إلى المسلمين، وحرصهم على حماية أموالهم التي جاءت بها العير. فجملة: {سألقي في قلوب الذين كفروا} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً إخباراً لهم بما يقتضي التخفيف عليهم في العمل الذي كلفهم الله به بأن الله كفاهم تخذيل الكافرين بعمل آخر غير الذي كَلف الملائكة بعمله، فليست جملة {سألقي} مفسرة لمعنى {أني معكم}. ولم يقل سنلقي لئلا يتوهم أن للملائكة المخاطبين سبباً في إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا كما علمتَ آنفاً. وتفريع {فاضربوا فوق الأعناق} على جملة: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} المفرعة هنا أيضاً على جملة: {فثبتوا الذين آمنوا} في المعنى، يؤذن بما اقتضته جملة {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} من تخفيف عمل الملائكة عليهم بعض التخفيف الذي دل عليه إجمالاً قوله: {أني معكم} كما تقدم {فوق الأعناق} على الظرفية لاضْربوا. و{الأعناق} أعناق المشركين وهو بيّن من السياق، واللام فيه والمراد بعض الجنس بالقرينة للجنس أو عوض عن المضاف إليه بقرينة قوله بعد: {واضْربوا منهم كل بنان}. والبنان اسم جمع بَنَانَة وهي الأصبع وقيل طرف الأصبع، وإضافة (كل) إليه لاستغراق أصحابها. وإنما خصت الأعناق والبنان لأن ضرب الأعناق إتلاف لأجساد المشركين وضرب البنان، يبطل صلاحية المضروب للقتال، لأن تناول السلاح إنما يكون بالأصابع، ومن ثَم كثر في كلامهم الاستغناء بذكر ما تتناوله اليد أو ما تتناوله الأصابع، عن ذكر السيف، قال النابغة: شعر : وأن تلادي أن نظرت وشِكّتي ومُهري وما ضَمَّتْ إليّ الأنامل تفسير : يعني سيفه، وقال أبو الغول الطهوي:شعر : فدت نفسي وما ملكتْ يميني فوارسَ صُدِّقت فيهم ظنوني تفسير : يريد السيف ومثل ذلك كثير في كلامهم فضرب البنان يحصل به تعطيل عمل اليد فإذا ضُربت اليد كلها فذلك أجدر. وضرب الملائكة يجوز أن يكون مباشرة بتكوين قطع الأعناق والأصابع بواسطة فعل الملائكة على كيفية خارقة للعادة وقد ورد في بعض الآثار عن بعض الصحابة ما يشهد لهذا المعنى، فإسناد الضرب حقيقة. ويجوز أن يكون بتسديد ضربات المسلمين وتوجيه المشركين إلى جهاتها، فإسناد الضرب إلى الملائكة مجاز عقلي لأنهم سببه، وقد قيل: الأمر بالضرب للمسلمين، وهو بعيد، لأن السورة نزلت بعد انكشاف الملحمة. وجملة: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله} تعليل لأن الباء في قوله {بأنهم} باء السببية فهي تفيد معنى التعليل ولهذا فُصلت الجملة. والمخاطب بهذه الجملة: إما الملائكة، فتكون من جملة الموحى به إليهم إطْلاعاً لهم على حكمة فعل الله تعالى. لزيادة تقريبهم، ولا يريبك إفراد كاف الخطاب في اسم الإشارة لأن الأصل في الكاف مع اسم الإشارة الإفراد والتذكير، وإجراؤها على حسب حال المخاطب بالإشارة جائز وليس بالمتعين، وإما من تبلغهم الآية من المشركين الأحياء بعد يوم بدر، ولذا فالجملة معترضة للتحذير من الاستمرار على مشاقة الله ورسوله. والقول في إفراد الكاف هُو هُو إذ الخطاب لغير معين والمراد نوع خاص، ويجوز أن يكون المخاطب به النبي صلى الله عليه وسلم والمشار إليه ما أمروا به من ضرب الأعناق وقطع البنان. وإفراد اسم الإشارة بتأويله بالمذكور، وتقدم غير مرة. والمشاقة العداوة بعصيان وعناد، مشتقة من الشّق ـ بكسر الشين ـ وهو الجانب، هو اسم بمعنى المشقوق أي المفرق، ولما كان المخالف والمعادي يكون متباعداً عن عدوه فقد جعل كأنه في شق آخر، أي ناحية أخرى، والتصريح بسبب الانتقام تعريض للمؤمنين ليستزيدوا من طاعة الله ورسوله، فإن المشيئة لما كانت سبب هذا العقاب العظيم فيوشك ما هو مخالفة للرسول بدون مشاقة أن يُوقع في عذاب دون ذلك، وخليق بأن يكون ضدها وهو الطاعة موجباً للخير. وجملة: {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} تذييل يعم كل من يشاقق الله ويعم أصناف العقائد. والمراد من قوله: {فإن الله شديد العقاب} الكناية عن عقاب المشاقين وبذلك يظهر الارتباط بين الجزاء وبين الشرط باعتبار لازم الخبر وهو الكناية عن تعلق مضمون ذلك الخبر بمن حصل منه مضمون الشرط، كقول عنترة: شعر : إن تُغْدِ في، دونِي القناع فإنني طَبُّ بأخذ الفارس المستلْئمِ تفسير : يريد فأني لا يخفى عليَّ من يستر وجهه مني وأني أتوسّمه وأعرفه.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} {آمَنُواْ} (12) - وَهَذِهِ نِعْمَةٌ خَفيّةٌ أَظْهَرَهَا اللهُ تَعَالَى لِلمُسْلِمِينَ لِيَشْكُرُوهُ عَلَيْها، فَقَدْ أَوْحَى اللهُ تَعَالَى إلَى المَلاَئِكَةِ الذِينَ أَرْسَلَهُمْ لِنَصْرِ المُسْلِمِينَ، بِأَنْ يُثَبِّتُوا المُسْلِمِينَ وَيُقَوُّوا قُلُوبَهُمْ، فَيُلْهِمُوهُمْ تَذَكُّرَ وَعْدِ اللهِ لِرَسُولِهِ بِالنَّصْرِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى لاَ يُخْلِفُ المِيعَادَ، وَأنَّهُ تَعَالَى سَيَجْعَلُ الرَّعْبَ يَسْتَوْلي عَلَى قُلوبِ المُشْرِكِينَ فَيُصِيبُهُمُ الفَزَعُ. ثُمَّ أمَر اللهُ المَلاَئِكَةِ بِأنْ يَضْرِبُوا رِقَابَ المُشْرِكِينَ وَيَقْطَعُوهَا، وَبِأَنْ يَقْطَعُوا الأَيْدِي ذَاتِ البَنَانِ التِي هِيَ أَدَاةُ الضَّرْبِ فِي الحَرْبِ. (وَقِيلَ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ}، هُوَ أَمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لاَ لِلْمَلاَئِكَةِ، وَالأوَّلُ أَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ). أَنِّي مَعَكُم - أَنِّي مُعِينُكُمْ عَلَى تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ. الرُّعْبَ - الخَوْفَ وَالفَزَعَ. كُلَّ بَنَانٍ - كُلَّ الأَطْرَافِ أَيْ كُلَّ مِفْصَلٍ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والمولى سبحانه وتعالى هنا يبين أنه أوحى إلى الملائكة بالإلهام: أني معكم بالنصر والتأييد {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. أي قوُّوا عزائم المؤمنين وثبتوا قلوبهم. أي اجعلوا قلوبهم كأنها مربوطة عليها فلا يخافون أية أغيار من عدوهم، ويزيد الإيضاح للمؤمنين: إياكم أن تظنوا أن كثرةَ العدَدِ أو قوةَ العُدَدِ هي التي تصنع النصر. بل النصرُ دائماً من عند الله تعالى وسبحانه القائل: {أية : كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة: 249]. وذلك لأن النسبة بين المؤمنين والكافرين غير متوازنة وتحتاج إلى مدد عال من الله تعالى. وقلنا إن السماء تتدخل إذا كان الأمر فوق أسباب الخلق، ولذلك يقول سبحانه وتعالى: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}تفسير : [النمل: 62]. وإن قال قائل: أنا أدعو الله أكثر من مرة ولا يجيبني.. نرد عليه ونقول له: أنت لم تدع دعوة المضطر، بل دعوت دعوة المترف، مثلما يدعو ساكن في شقة بأن يرزقه الله بقصرٍ صغير. أو يدعو من يسير على أقدامه وتحمله سيارة العمل طالباً سيارة خاصة، أو يدعو من يملك "تليفزيونا" بأن يهبه الله جهاز "فيديو"، هذه كلها ليست دعوة اضطرار؛ لأن المضطر هو من فقد أسبابه. ويتابع الحق القول في ذات الآية: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12]. وإذا ألقى الله عز وجل الرعب والخوف في قلوب العدو مهما كان عَدَدُه ومهما كانت عُدَدُه، فسيترك هذا العدو كل ما معه ويفر من حالة الرعب والفزع، وقد فعل بعض من الكفار ذلك. وقد امتنَّ الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن أمدهم بالملائكة بشرى واطمئناناً، وهيأ لهم الماء، وطهرهم، وأذهب عنهم رجز الشيطان، وكل هذه مقدمات المعركة مستوفاة من جانب الحق تبارك وتعالى إمداداً لكم، وما عليكم أيها المؤمنون سوى أن تُقبلوا على المعركة بعزيمة صادقة، عزيمة المقاتل الشجاع المحارب الذي له من العقل ما يفكر به ويدبر في التخطيط، وفي الكر والفر. وكانت أدوات القتال قديماً هي السيوف والرماح والنبال، وكان المقاتل يحتاج رأسه ليخطط به، ويحتاج يديه وأنامله ليمسك بها السيف، ولذلك ينبه الحق المؤمنين إلى هاتين النقطتين المؤثرتين فيقول: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}. والضرب لما فوق الأعناق هو ضرب الرأس فيفقد القدرة على التفكير، أو تذهب حياته لينتهي، وإن بقي على قيد الحياة فسوف يشاهد مصارع زملائه وذلتهم. والضرب منهم في كل بنان.. أي ضربهم بالسيوف في أيديهم؛ لأن الضرب في الأيدي إنما يجرحها ويجعلها عاجزة عن القتال. لماذا؟. يجيب الحق في الآية التالية: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} معناه فاضْرِبُوا الأَعْنَاقَ. تفسير : وقوله تعالى: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} فالبَنَانُ: أَطرافُ الأَصَابعِ واحدُها بَنَانَةٌ.

الجيلاني

تفسير : اذكر يا أكمل الرسل، وذكر من تبعك فضل الله عليك وعلى أصحابك وقت {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ} المأمورين؛ لعونك وإمدادك حين ازداد رعب أصحابك من اقتحام القتال، قائلاً له: {أَنِّي} بكمال حولي وقوتي {مَعَكُمْ} حاضر عندكم، شهيد عليكم {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} في مكانهم تجاه العدو حتى يستدبروا؛ إذ {سَأُلْقِي} من كما لنصري وعوني للمؤمنين {فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: قلوب العدو {ٱلرُّعْبَ} من المؤمنين فاستكثروهم واستدبروا منهم، ومتى استدبر العدو {فَٱضْرِبُواْ} أيها المؤمنون {فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} أي: أعاليها {وَ} إن وضعوا جننهم وأيديهم على أعناقهم؛ حفظاً لها {ٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] أي: جميع أصابعهم؛ لئلا يبقى لهم استعداد للقتال أصلاً؛ حتى لا يكروا عليكم. {ذٰلِكَ} أي انهزامهم وانخذالهم {بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: خاصموا وخالفوا مع الله ورسوله {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ} القادر المقتدر على كل ما أراد من القهر والانتقام {وَ} يخاصم {رَسُولَهُ} المؤيد من عنده؛ لتبليغ الأحكام استحق انواع العقوبة والنكال من عنده {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والجلال {شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 13] صعب الانتقام سريع الحساب على من خالف أمره وعادى رسوله. {ذٰلِكُمْ } أي: أنواع العقوبة والعقاب نازل على من تعدى حدود الله وكذب رسوله {فَذُوقُوهُ} أيها المخالفون المصرون ما أعدَّ لكم من العذاب {وَ} اعلموا {أَنَّ لِلْكَافِرِينَ} المصرين المتمردين {عَذَابَ ٱلنَّارِ} [الأنفال: 14] يخلدون فيها أبد الآباد.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [الأنفال: 12] أني معكم في تثبتهم يعني: التثبيت من الله لا من غيره نظيره قوله تعالى: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}تفسير : [ابراهيم: 27]. {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} [الأنفال: 12] يشير إلى تثبيت المؤمنين، وإلقاء الرعب في قلوب الكافرين وكل خير وشر منه سبحانه، قوله تعالى: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} [الأنفال: 12] هذا كله وأمثاله منه تعليماً وتقديراً وتيسيراً. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأنفال: 13] أي: إلقاء الرعب في قلوب الكافرين، وضرب أعناقهم بأنهم شاقوا الله ورسوله أي: خالفوهما وتركوا رضاءهما واتبعوا الهوى يشير إلى أن كل سعادة وشقاوة تحصل للعبد في الدنيا والآخرة يكون للعبد فيه مدخل بالكسب موجب لذلك، دل عليه قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} [الأنفال: 13] أي: من شدة عقاب أنهم شاقوا الله ورسوله يعني: سبق منهم ما عاقبهم الله بالمشاقة. {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ} [الأنفال: 14] أي: ذوقوا العاجل منه صورة ومعنى، أما صورة: فبالقتل والأسر والمصائب والمكروهات، وأما معنى: فبالبعد والطرد عن الحضرة، وتراكم الحجب، وموت القلب، وعمى البصيرة، وضعف الروح، وقوة النفس، واستيلاء صفاتها وغلبة هواها وما يبعده عن الحق ويقربه إلى الباطل، {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 14] في الآخرة {عَذَابَ ٱلنَّارِ} [الأنفال: 14] عذاب نار القطيعة والحرمان. ثم أخبر عن آداب القتال مع الكفار بقوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} [الأنفال: 15] الإشارة فيها: {يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ} القلوب المؤمنة {إِذَا لَقِيتُمُ} كفار النفوس وصفاتها، {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ} أي: لا تنهزموا من سطوات النفوس وغلبات صفاتها فتقعوا عن صراط مستقيم الطلب، وتستولي النفوس، وتنكسر القلوب وتضمحل صفاتها عند استيلاء صفات النفوس فتهلك القلوب، بل اثبتوا بالصبر عند صدمات النفوس فإن الصبر عند الصدمة الأولى، {وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] ومن ينهزم من القلوب عن النفوس يوم استيلائها وغلبات صفاتها. {إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ} [الأنفال: 16] يعني: إلا قلباً ينحرف لتهيئوا أسباب القتال مع النفس، أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاته، أو إلى ولاية الشيخ يستمد منها، أو إلى الحضرة الربانية مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة والرياضة؛ لتنكسر غلبات صفات النفس، وتنطفئ ثورتها فيظهر شواهدها القلوب فيها بالتقوى، فإن المجاهدات تورث المشاهدات، وأمَّا {فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} [الأنفال: 16] يعني: بطرد وإبعاد منه، {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} [الأنفال: 16] البعد عن الحضرة ونار القطيعة، {وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ} [الأنفال: 16] أي: بئس المرجع والميعاد.