Verse. 1171 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِذْ يُغَشِّيْكُمُ النُّعَاسَ اَمَنَۃً مِّنْہُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً لِّيُطَہِّرَكُمْ بِہٖ وَيُذْہِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰنِ وَلِيَرْبِطَ عَلٰي قُلُوْبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِہِ الْاَقْدَامَ۝۱۱ۭ
Ith yughashsheekumu alnnuAAasa amanatan minhu wayunazzilu AAalaykum mina alssamai maan liyutahhirakum bihi wayuthhiba AAankum rijza alshshaytani waliyarbita AAala quloobikum wayuthabbita bihi alaqdama

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ يُغشِّيكم النعاس أمنة» أمنا مما حصل لكم من الخوف «منه» تعالى «وَيُنَزِّلُ عليكم من السماء ماء ليطهركم به» من الأحداث والجنابات «ويذهب عنكم رجز الشيطان» وسوسته إليكم بأنكم لو كنتم على الحق ما كنتم ظمأى محدثين والمشركون على الماء «وليربط» يحبس «على قلوبكم» باليقين والصبر «ويثبِّت به الأقدام» أن تسوخ في الرمل.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الزجاج: {إِذْ } موضعها نصب على معنى {أية : وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ } تفسير : [آل عمران: 126] في ذلك الوقت. ويجوز أيضاً أن يكون التقدير: اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة. المسألة الثانية: في {يغشاكم} ثلاث قراآت: الأولى: قرأ نافع بضم الياء، وسكون الغين، وتخفيف الشين {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ } بالنصب. الثانية: {يغشاكم} بالألف وفتح الياء وسكون العين {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ } بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير. الثالثة: قرأ الباقون {يُغَشّيكُمُ } بتشديد الشين وضم الياء من التغشية {ٱلنُّعَاسَ } بالنصب، أي يلبسكم النوم. قال الواحدي: القراءة الأولى من أغشى، والثانية من غشي، والثالثة من غشي فمن قرأ {يغشاكم} فحجته قوله: {ٱلْغَمّ أَمَنَةً نُّعَاساً } يعني: فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ {يُغَشّيكُمُ } أو {يُغَشّيكُمُ } فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى: {أية : فَأغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } تفسير : [يۤس: 9] وقال: {أية : فَغَشَّـٰهَا مَا غَشَّىٰ } تفسير : [النجم: 54] وقال: {أية : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ } تفسير : [يونس: 27] وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله. المسألة الثالثة: أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع: الأول: قوله: {إِذ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مّنْهُ } أي من قبل الله، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لا بد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يؤخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن. وثانيها: أنهم خافوا من جهات كثيرة. أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار. وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين. وثالثها: العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر. والوجه الثالث: في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم، أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاساً يحصل لهم زوال الأعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه. والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة. فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز. فإن قيل: فإن كان الأمر كما ذكرتم فلو خافوا بعد ذلك النعاس؟ قلنا: لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفراً منصوراً وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين. فإن قيل: إذا قرىء {يُغَشّيكُمُ } بالتخفيف والتشديد ونصب {ٱلنُّعَاسَ } فالمضير لله عز وجل {وأمنة} مفعول له. أما إذا قرىء {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ } فكيف يمكن جعل قوله: {ءامِنَةً } مفعولاً له، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل؟ قلنا: قوله: {يغشاكم} وإن كان في الظاهر مسنداً إلى النعاس، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى، فصح هذا التعليل نظراً إلى المعنى. قال صاحب «الكشاف»: وقرىء {كَانَتْ ءامِنَةً} بسكون الميم، ونظير أمن أمنة، حي حياة، ونظير أمن أمنة، رحم رحمة. قال ابن عباس: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان. النوع الثاني: من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى: {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } ولا شبهة أن المراد منه المطر، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء، واستولوا عليه، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة، وعطش المؤمنون وخافوا، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملاً تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير، وكان الخوف حاصلاً في قلوبهم، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلاً على حصول النصرة والظفر، وعظمت النعمة به من جهات: أحدها: زوال العطش، فقد روي أنهم حفروا موضعاً في الرمل، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا. وثانيها: أنهم اغتسلوا من ذلك الماء، وزالت الجنابة عنهم، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنباً، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه. وثالثها: أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود. وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة. أما قوله: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } ففيه وجوه: الأول: أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان. الثاني: أن الكفار لما نزلوا على الماء، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضاً واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام. الثالث: أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد. فإن قيل: فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى؟ قلنا: قوله: {لّيُطَهّرَكُمْ } معناه ليزيل الجنابة عنكم، فلو حملنا قوله: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل، ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله: {لّيُطَهّرَكُمْ } حصول الطهارة الشرعية. والمراد من قوله: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث، ثم تقول: حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان، وذلك يوجب الحكم بكونه نجساً مطلقاً لقوله تعالى: {أية : وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ } تفسير : [المدثر: 5]. النوع الثالث: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم، ومعنى الربط في اللغة الشد، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: {أية : وَرَابِطُواْ } تفسير : [آل عمران: 200] ويقال لكل من صبر على أمر، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال: رجل رابط أي حابس. قال الواحدي: ويشبه أن يكون {عَلَىٰ } ههنا صلة والمعنى ـ وليربط قلوبكم بالنصر ـ وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة {عَلَىٰ } تفيد الاستعلاء. فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها. والنوع الرابع: من النعم المذكورة ههنا قوله تعالى: {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلاْقْدَامَ } وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا التقدير، فالضمير في قوله: {بِهِ } عائد إلى المطر. وثانيها: أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم، لأن من كان قلبه ضعيفاً فر ولم يقف، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله: {بِهِ } عائد إلى الربط. وثالثها: روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين، وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل، فلما نزل المطر عظم الوحل، فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلاْقْدَامَ } يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك. النوع الخامس: من النعم المذكورة ههنا قوله: {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ } وفيه بحثان: الأول: قال الزجاج: {إِذْ } في موضع نصب، والتقدير: وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام حال ما يوحي إلى الملائكة بكذا وكذا، ويجوز أيضاً أن يكون على تقدير اذكروا. الثاني: قوله: {إِنّى مَعَكُمْ } فيه وجهان: الأول: أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة بأنه تعالى معهم أي مع الملائكة حال ما أرسلهم ردأً للمسلمين. والثاني: أن يكون المراد أنه تعالى أوحى إلى الملائكة أني مع المؤمنين فانصروهم وثبتوهم، وهذا الثاني أولى لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار، وإنما الخائف هم المسلمون. ثم قال: {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } واختلفوا في كيفية هذا التثبيت على وجوه: الأول: أنهم عرفوا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله ناصر المؤمنين والرسول عرف المؤمنين ذلك، فهذا هو التثبيت والثاني: أن الشيطان كما يمكنه إلقاء الوسوسة إلى الإنسان، فكذلك الملك يمكنه إلقاء الإلهام إليه فهذا هو التثبيت في هذا الباب. والثالث: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يمدونهم بالنصر والفتح والظفر. والنوع السادس: من النعم المذكورة في هذه الآية قوله: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } وهذا من النعم الجليلة، وذلك لأن أمر النفس هو القلب فلما بين الله تعالى أنه ربط قلوب المؤمنين بمعنى أنه قواها وأزال الخوف عنها ذكر أنه ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين فكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى على المؤمنين. أما قوله تعالى: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ } ففيه وجهان: الأول: أنه أمر للملائكة متصل بقوله تعالى: {فَثَبّتُواْ } وقيل: بل أمر للمؤمنين وهذا هو الأصح لما بينا أنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة، واعلم أنه تعالى لما بين أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر، فعند هذا أمرهم بمحاربتهم، وفي قوله: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ } قولان: الأول: أن ما فوق العنق هو الرأس، فكان هذا أمراً بإزالة الرأس عن الجسد. والثاني: أن قوله: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلاعْنَـٰقِ } أي فاضربوا الأعناق. ثم قال: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } يعني الأطراف من اليدين والرجلين، ثم اختلفوا فمنهم من قال المراد أن يضربوهم كما شاؤوا، لأن ما فوق العنق هو الرأس، وهو أشرف الأعضاء، والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء، فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء، ومنهم من قال: بل المراد إما القتل، وهو ضرب ما فوق الأعناق أو قطع البنان، لأن الأصابع هي الآلات في أخذ السيوف والرماح وسائر الأسلحة، فإذا قطع بنانهم عجزوا عن المحاربة. واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه الوجوه الكثيرة من النعم على المسلمين. قال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } والمعنى: أنه تعالى ألقاهم في الخزي والنكال من هذه الوجوه الكثيرة بسبب أنهم شاقوا الله ورسوله. قال الزجاج: {شَاقُّواْ } جانبوا، وصاروا في شق غير شق المؤمنين، والشق الجانب {وَشَاقُّواْ *** ٱللَّهِ } مجاز، والمعنى: شاقوا أولياء الله، ودين الله. ثم قال: {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } يعني أن هذا الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء قليل مما أعده الله لهم من العقاب في القيامة، والمقصود منه الزجر عن الكفر والتهديد عليه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} مفعولان. وهي قراءة أهل المدينة، وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} ولأن بعده «وَيُنَزِّلُ عَليْكُمْ» فأضاف الفعل إلى الله عز وجل. فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «يَغْشَاكُمُ النَّعاسُ» بإضافة الفعل إلى النعاس. دليله {أية : أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ}تفسير : [آل عمران: 154] في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء؛ فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمَنَة. والأمنة هي النعاس؛ فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم. وقرأ الباقون «يُغَشِّيكم» بفتح الغين وشد الشين. «النعاس» بالنصب على معنىٰ قراءة نافع، لغتان بمعنىٰ غَشّىٰ وأَغْشَىٰ؛ قال الله تعالىٰ: {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ}تفسير : [يسۤ: 9]. وقال:{أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} تفسير : [النجم: 54]. وقال: {أية : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ}تفسير : [يونس: 27]. قال مكيّ: والاخيتار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس؛ لأن بعده «أَمَنَةً مِنْهُ» والهاء في «منه» لله، فهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه. وقيل: أمنة من العدو. و {أَمَنَةً} مفعول من أجله أو مصدر، يقال: أمِن أمَنَة وأمنْا وأمَانا؛ كلها سواء. والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف. وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها؛ فكان النوم عجيباً مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهِمِّ، ولكن الله ربط جأشهم. وعن عليّ رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المِقْدَادَ على فرس أبْلَقَ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح؛ ذكره البيهقي. الماوردِيّ: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما أن قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني أن أمَّنَهم بزوال الرعب من قلوبهم؛ كما يقال: الأمنُ مُنِيم، والخوف مُسْهِر. وقيل: غشّاهم في حال التقاء الصفين. وقد مضىٰ مثل هذا في يوم أُحُد في «آل عمران». قوله تعالىٰ: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر. وقال ابن أبي نَجِيح: كان المطر قبل النعاس. وحكى الزجاج: أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم، فوجست نفوسهم وعطِشوا وأجنبوا وصلّوا كذلك؛ فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم: نزعم أنا أولياء الله وفينا رسوله وحالنا هذه والمشركون على الماء. فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية؛ فشربوا وتطهروا وسقوا الظَّهْر وتلبدَّت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال. وقد قيل: إن هذه الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بَدْر؛ وهو أصَحَّ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره. وهذا اختصاره: قال ٱبن عباس لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال: «حديث : هذه عِير قريش فيها الأموال فٱخرجوا إليهم لعل الله أن يُنَفّلكموها»تفسير : قال: فانبعث معه من خفّ؛ وثقل قوم وكرِهوا الخروج، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَلْوِي على من تعذّر، ولا ينتظر من غاب ظهره، فسار في ثلثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجِريّ وأنصاريّ. وفي البخاريّ عن البراء بن عازب قال: كان المهاجرون يوم بدر نيفاً وثمانين، وكان الأنصار نيفاً وأربعين ومائتين. وخرج أيضاً عنه قال: كنا نتحدّث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، وما جاوز معه إلا مؤمن. وذكر البيهقِيّ حديث : عن أبي أيوب الأنصاري قال: فخرجنا ـ يعني إلى بدر ـ فلما سِرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ، ففعلنا فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرنا النبيّ صلى الله عليه وسلم بعدّتنا، فسرّ بذلك وحمِد الله وقال: «عِدّة أصحاب طالوت»تفسير : . قال ٱبن إسحاق: وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَلْقَى حَرْباً فلم يكثر ٱستعدادهم. وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوّفاً على أموال الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ٱستنفر لكم الناس؛ فحذِر عند ذلك واستأجر ضَمْضَم بن عمرو الغِفارِيّ وبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتِي قريشاً يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه؛ ففعل ضَمْضَمَ. فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، وخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحابه، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عِيرهم؛ حديث : فاستشار النبيّ صلى الله عليه وسلم الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام عمر فقال فأحسن، ثم قام المِقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، ٱمض لما أمرك الله، فنحن معك، واللَّهِ لا نقول كما قالت بنو إسرائيل {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ولكن ٱذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سِرت إلى برك الغِماد ـ يعني مدينة الحبشة ـ لجالدنا معك من دونه؛ فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير. ثم قال: «أشيروا عليّ أيها الناس» يريد الأنصار. وذلك أنهم عدد الناس، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول، إنا برآء من ذِمامك حتى تصِل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذِممنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوّ بغير بلادهم. فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ ـ وقيل سعد بن عبادة، ويمكن أنهما تكلما جميعاً في ذلك اليوم ـ فقال: يا رسول الله، كأنك تريدنا معشر الأنصار؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أجل» فقال: إنا قد آمنا بك وٱتبعناك، فٱمض لما أمرك الله، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم». فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشاً إلى ماء بدر. ومنع قريشاً من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم، ولم يصب منه المسلمين إلا ما شدّ لهم دَهْس الوادي وأعانهم على المسير. والدّهس: الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة، فأشار عليه الحُبَاب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدّمه أو نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكِيدة؟ فقال عليه السلام: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة». فقال: يا رسول الله، إن هذا ليس لك بمنزل، فانهض بنا إلى أدنى ماء من القوم فننزله ونعوِّر ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملأه فنشرب ولا يشربون. فاستحسن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك من رأيه، وفعله. ثم التقوا فنصر الله نبيه والمسلمين، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وانتقم منهم للمؤمنين، وشفى الله صدر رسوله عليه السلام وصدور أصحابه من غيظهمتفسير : . وفي ذلك يقول حسان:شعر : عرفتُ ديار زينب بالكثِيب كخطّ الوحي في الورَق القشِيبِ تداولُها الرياح وكلّ جَوْنٍ من الوَسْمِيّ منهمِرٍ سَكُوبِ فأمسى رُبْعها خلقاً وأمست يبابا بعد ساكنها الحبيب فدع عنك التذكّر كلّ يوم ورُدّ حرارة الصدر الكئيب وخبِّرْ بالذي لا عيب فيه بِصدق غيرِ إخبارِ الكذوبِ بما صنع الإلۤه غداة بدرٍ لنا في المشركين من النصيب غداة كأن جمعهم حِراءٌ بدت أركانه جُنْحَ الغروب فلاقيناهمُ منّا بجمع كأسد الغاب مردانٍ وشِيبِ أمام محمد قد وازَرُوه على الأعداء في لَفْح الحروب بأيديهم صوارِم مرهفات وكلّ مجربٍ خاظِي الكُعُوب بنو الأوسِ الغطارِفُ وازرتْها بنو النجار في الدِّين الصليب فغادرْنا أبا جهل صرِيعا وعتبةَ قد تركنا بالجَبُوب وشيبةَ قد تركنا في رجال ذوِي نسب إذا نسِبوا حسيبِ يناديهم رسول الله لما قذفناهم كَباكِبَ في القلِيب ألم تجِدوا كلامِيَ كان حقا وأمرُ اللَّه يأخذ بالقلوب فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا أُصبتَ وكنتَ ذا رأي مصيب تفسير : وهنا ثلاث مسائل: الأُولى: قال مالك: بلغني حديث : أن جبريل عليه السلام قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «كيف أهل بدر فيكم»؟ قال: «خيارنا» فقال: «إنهم كذلك فينا»تفسير : . فدل هذا على أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال. فللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم. ولنا أفعالنا بالإخلاص بالطاعة. وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، وأفضل الجهاد يوم بدرٍ؛ لأن بناء الإسلام كان عليه. الثانية: ودل خروج النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلقى العِير على جواز النفِير للغنيمة لأنها كسب حلال. وهو يردّ ما كرِه مالك من ذلك؛ إذ قال: ذلك قتال على الدنيا، وما جاء أن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل للغنيمة، يراد به إذا كان قصده وحده وليس للدين فيه حظ. وروى عِكرمة عن ابن عباس قال:حديث : قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير، ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو في الأسْرى: لا يصلح هذا. فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «ولِم»؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك. فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «صدقت»تفسير : . وعلم ذلك العباس بحديث أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم وبما كان من شأن بَدْر، فسمع ذلك في أثناء الحديث. الثالثة: روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثاً، ثم قام عليهم فناداهم فقال: حديث : «يا أبا جهل بن هشام يا أُمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً». فسمع عمر قول النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يسمعون، وأنى يجيبون وقد جَيَّفُوا؟ قال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجِيبوا»تفسير : . ثم أمر بهم فسُحِبوا فألقوا في القلِيب، قلِيب بدر. «جيفوا» بفتح الجيم والياء، ومعناه أنتنوا فصاروا جِيفا. وقول عمر: «يسمعون» استبعاد على ما جرت به حكم العادة. فأجابه النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنهم يسمعون كسمع الأحياء. وفي هذا ما يدل على أن الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما، وتبدّل حالٍ وانتقال من دار إلى دار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم» تفسير : الحديث. أخرجه الصحيح. قوله تعالى: {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} الضمير في «بِهِ» عائد على الماء الذي شدّ دهس الوادي، كما تقدّم. وقيل: هو عائد على ربط القلوب؛ فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} بدل ثان من {إِذْ يَعِدُكُمُ} لإِظهار نعمة ثالثة أو متعلق بالنصر أو بما في عند الله معنى الفعل، أو بجعل أو بإضمار اذكر. وقرأ نافع بالتخفيف من أغشيته الشيء إذا غشيته إياه والفاعل على القراءتين هو الله تعالى وقرأ ابن كثير وأبو عمر «يغشاكم النعاس» بالرفع. {أَمَنَةً مّنْهُ} أمنا من الله، وهو مفعول له باعتبار المعنى فإن قوله {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} متضمن معنى تنعسون، و «يغشاكم» بمعناه، والـ {ءامِنَةً } فعل لفاعله ويجوز أن يراد بها الإِيمان فيكون فعل المغشي، وأن تجعل على القراءة الأخيرة فعل النعاس على المجاز لأنها لأصحابه، أو لأنه كان من حقه أن لا يغشاكم لشدة الخوف فلما غشيهم فكأنه حصلت له أمنة من الله لولاها لم يغشهم كقوله:شعر : يَهَابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُونا تَهَابُكَ فَهُوَ نَفَّارٌ شَرُودُ تفسير : وَقرىء {ءامِنَةً } كرحمة وهي لغة. {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} من الحدث والجنابة. {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } يعني الجنابة لأنها من تخييله، أو وسوسته وتخويفه إياهم من العطش. روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركون على الماء، فوسوس إليهم الشيطان وقال: كيف تنصرون، وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله، وفيكم رسوله فأشفقوا فأنزل الله المطر، فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذوا الحياض على عدوته وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة. {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} بالوثوق على لطف الله بهم. {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} أي بالمطر حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة.

ابن كثير

تفسير : يذكرهم الله تعالى بما أنعم به عليهم؛ من إلقائه النعاس عليهم أماناً أمنهم به من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} تفسير : [آل عمران: 154] الآية، قال أبو طلحة: كنت ممن أصابه النعاس يوم أحد، ولقد سقط السيف من يدي مراراً، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه، ولقد نظرت إليهم يميدون وهم تحت الحجف، وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا زهير، حدثنا ابن مهدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلاّ نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح. وقال سفيان الثوري: عن عاصم عن أبي رزين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، وقال قتادة: النعاس في الرأس، والنوم في القلب، قلت: أما النعاس فقد أصابهم يوم أحد، وأمر ذلك مشهور جداً، وأما الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدر، وهي دالة على وقوع ذلك أيضاً، وكأن ذلك كائن للمؤمنين عند شدة البأس؛ لتكون قلوبهم آمنة مطمئنة بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم، ونعمته عليهم، وكما قال تعالى: {أية : فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ} تفسير : [الشرح:5-6] ولهذا جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان يوم بدر في العريش مع الصديق رضي الله عنه، وهما يدعوان، أخذت رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة من النوم، ثم استيقظ مبتسماً فقال: «حديث : أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع» تفسير : ثم خرج من باب العريش وهو يتلو قوله تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ } تفسير : [القمر: 45]. وقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: نزل النبي صلى الله عليه وسلم حين سار إلى بدر - والمشركون بينهم وبين الماء - رملة دعصة، وأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ؛ يوسوس بينهم؛ تزعمون أنكم أولياء الله تعالى، وفيكم رسوله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون، وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجس الشيطان، وثبت الرمل حين أصابه المطر، ومشى الناس عليه والدواب، فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة. وكذا قال العوفي عن ابن عباس: إن المشركين من قريش لما خرجوا لينصروا العير وليقاتلوا عنها، نزلوا على الماء يوم بدر، فغلبوا المؤمنين عليه، فأصاب المؤمنين الظمأ، فجعلوا يصلون مجنبين محدثين، حتى تعاطوا ذلك في صدورهم، فأنزل الله من السماء ماء حتى سال الوادي، فشرب المؤمنون، وملؤوا الأسقية، وسقوا الركاب، واغتسلوا من الجنابة، فجعل الله في ذلك طهوراً، وثبت به الأقدام، وذلك أنه كانت بينهم وبين القوم رملة، فبعث الله المطر عليها، فضربها حتى اشتدت، وثبتت عليها الأقدام. ونحو ذلك روي عن قتادة والضحاك والسدي، وقد روي عن سعيد بن المسيب والشعبي والزهري وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه طش أصابهم يوم بدر. والمعروف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار إلى بدر، نزل على أدنى ماء هناك، أي: أول ماء وجده، فتقدم إليه الحباب بن المنذر، فقال: يا رسول الله هذا المنزل الذي نزلته منزل أنزلك الله إياه، فليس لنا أن نجاوزه، أو منزل نزلته للحرب والمكيدة؟ فقال: «حديث : بل منزل نزلته للحرب والمكيدة» تفسير : فقال: يا رسول الله إن هذا ليس بمنزل، ولكن سر بنا حتى ننزل على أدنى ماء يلي القوم، ونغور ما وراءه من القلب، ونستقي الحياض، فيكون لنا ماء، وليس لهم ماء، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كذلك. وفي مغازي الأموي: أن الحباب لما قال ذلك، نزل ملك من السماء، وجبريل جالس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذلك الملك: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويقول لك: إن الرأي ما أشار به الحباب بن المنذر، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل عليه السلام، فقال: «حديث : هل تعرف هذا»تفسير : ؟ فنظر إليه، فقال: ما كل الملائكة أعرفهم، وإنه ملك وليس بشيطان. وأحسن ما في هذا ما رواه الإمام محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي رحمه الله: حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء، وكان الوادي دهساً، فأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبَّدَ لهم الأرض، ولم يمنعهم من المسير، وأصاب قريشاً مالم يقدروا على أن يرحلوا معه. وقال مجاهد: أنزل الله عليهم المطر قبل النعاس، فأطفأ بالمطر الغبار، وتلبدت به الأرض، وطابت نفوسهم، وثبتت به أقدامهم. وقال ابن جرير: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا مصعب بن المقدام، حدثنا إسرائيل، حدثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي رضي الله عنه قال: أصابنا من الليل طش من المطر، يعني: الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال. وقوله: {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أي: من حدث أصغر أو أكبر، وهو تطهير الظاهر {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي: من وسوسة أو خاطر سيىء وهو تطهير الباطن؛ كما قال تعالى في حق أهل الجنة: {أية : عَـٰلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوۤاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ} تفسير : [الإنسان: 21] فهذا زينة الظاهر {وَسَقَـٰهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً} أي: مطهراً لما كان من غل أو حسد أو تباغض، وهو زينة الباطن وطهارته، {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي: بالصبر والإقدام على مجالدة الأعداء، وهو شجاعة الباطن {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} وهو شجاعة الظاهر، والله أعلم. وقوله: {إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} وهذه نعمة خفية أظهرها الله تعالى لهم؛ ليشكروه عليها، وهو أنه تعالى وتقدس وتبارك وتمجد، أوحى إلى الملائكة الذين أنزلهم لنصر نبيه ودينه وحزبه المؤمنين، يوحي إليهم فيما بينه وبينهم: أن يثبتوا الذين آمنوا. قال ابن إسحاق: وآزروهم. وقال غيره: قاتلوا معهم. وقيل: كثروا سوادهم. وقيل: كان ذلك بأن الملك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: سمعت هؤلاء القوم - يعني: المشركين - يقولون: والله لئن حملوا علينا، لننكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم بعضاً بذلك، فتقوى أنفسهم. حكاه ابن جرير وهذا لفظه بحروفه، وقوله: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} أي: ثبتوا أنتم المؤمنين، وقووا أنفسهم على أعدائهم عن أمري لكم بذلك، سألقي الرعب والذلة والصغار على من خالف أمري وكذب رسولي، {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أي: اضربوا الهام، ففلقوها، واحتزوا الرقاب، فقطعوها، وقطعوا الأطراف منهم، وهي أيديهم وأرجلهم. وقد اختلف المفسرون في معنى: {فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ} فقيل: معناه اضربوا الرؤوس، قاله عكرمة. وقيل: معناه، أي: على الأعناق، وهي الرقاب، قاله الضحاك وعطية العوفي، ويشهد لهذا المعنى أن الله تعالى أرشد المؤمنين إلى هذا في قوله تعالى: {أية : فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ} تفسير : [محمد: 4] وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله، إنما بعثت لضرب الرقاب وشد الوثاق» تفسير : واختار ابن جرير أنها قد تدل على ضرب الرقاب وفلق الهام، قلت: وفي مغازي الأموي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يمر بين القتلى يوم بدر فيقول: «حديث : نُفَلِّق هاماً...» تفسير : فيقول أبو بكر:شعر : ....من رجالٍ أعزَّةٍ عَلَيْنا وهُمْ كانوا أَعَقَّ وأَظْلَما تفسير : فيبتدىء رسول الله صلى الله عليه وسلم بأول البيت، ويستطعم أبا بكر رضي الله عنه إنشاد آخره؛ لأنه كان لا يحسن إنشاد الشعر؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِى لَهُ} تفسير : [يس: 69]. وقال الربيع بن أنس: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق وعلى البنان؛ مثل سمة النار قد أحرق به، وقوله: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} وقال ابن جرير: معناه: واضربوا من عدوكم أيها المؤمنون كل طرف ومفصل من أطراف أيديهم وأرجلهم، والبنان جمع بنانة كما قال الشاعر:شعر : ألا لَيْتَني قُطِعَتْ مِنِّي بَنانَةٌ ولاقيتُهُ في البيتِ يَقْظانَ حاذِرا تفسير : وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} يعني بالبنان: الأطراف. وكذا قال الضحاك وابن جرير. وقال السدي: البنان: الأطراف، ويقال: كل مفصل. وقال عكرمة وعطية العوفي والضحاك في رواية أخرى: كل مفصل، وقال الأوزاعي في قوله تعالى: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قال: اضرب منه الوجه والعين، وارمه بشهاب من نار، فإذا أخذته حرم ذلك كله عليك. وقال العوفي عن ابن عباس: فذكر قصة بدر إلى أن قال: فقال أبو جهل: لا تقتلوهم قتلاً، ولكن خذوهم أخذاً، حتى تعرفوهم الذي صنعوا؛ من طعنهم في دينكم، ورغبتهم عن اللات والعزى، فأوحى الله إلى الملائكة: {أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} الآية، فقتل أبو جهل لعنه الله في تسعة وستين رجلاً، وأسر عقبة بن أبي معيط، فقتل صبراً، فوفى ذلك سبعين، يعني: قتيلاً، ولهذا قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: خالفوهما، فساروا في شق، وتركوا الشرع والإيمان به واتباعه في شق، ومأخوذ أيضاً من شق العصا، وهو جعلها فرقتين، {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي: هو الطالب الغالب لمن خالفه وناوأه، لا يفوته شيء، ولا يقوم لغضبه شيء، تبارك وتعالى، لا إله غيره، ولا رب سواه { ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} هذا خطاب للكفار، أي: ذوقوا هذا العذاب والنكال في الدنيا، واعلموا أيضاً أن للكافرين عذاب النار في الآخرة.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً } أمناً مما حصل لكم من الخوف {مِنْهُ } تعالى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءَ مآءً لّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ } من الأحداث والجَنَابَات {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَٰنِ } وسوسته إليكم بأنكم لو كنتم على الحقّ ما كنتم ظمأى محدثين والمشركون على الماء {وَلِيَرْبِطَ } يحبس {عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } باليقين والصبر {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ } أن تسوخ في الرمل.

الشوكاني

.تفسير : قوله: {إِذْ يُغَشِّيكُم} الظرف منصوب بفعل مقدّر كالذي قبله، أو بدل ثان من {إذ يعدكم}، أو منصوب بالنصر المذكور قبله. وقيل: غير ذلك مما لا وجه له. و {إِذْ يُغَشّيكُمُ } هي: قراءة نافع وأهل المدينة على أن الفاعل هو الله سبحانه. وهذه القراءة هي المطابقة لما قبلها. أعني قوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ولما بعدها أعني {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم } فيتشاكل الكلام ويتناسب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "يغشاكم" على أن الفاعل للنعاس. وقرأ الباقون {يُغَشّيكُمُ } بفتح الغين وتشديد الشين، وهي كقراءة نافع وأهل المدينة في إسناد الفعل إلى الله، ونصب النعاس. قال مكي: والاختيار ضم الياء والتشديد، ونصب النعاس لأن بعده {أَمَنَةً مّنْهُ }. والهاء في {منه} لله، فهو الذي يغشيهم النعاس، ولأن الأكثر عليه، وعلى القراءة الأولى والثالثة يكون انتصاب {أمنة} على أنها مفعول له. ولا يحتاج في ذلك إلى تأويل وتكلف، لأن فاعل الفعل المعلل والعلة واحد بخلاف انتصابها على العلة، باعتبار القراءة الثانية، فإنه يحتاج إلى تكلف. وأما على جعل الأمنة مصدراً فلا إشكال، يقال أمن أمنة، وأمناً وأماناً. وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم الله بها عليهم، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدوّ والمهابة لجانبه، سكن الله قلوبهم وأمَّنها حتى ناموا آمنين غير خائفين، وكان هذا النوم في الليلة التي كان القتال في غدها، قيل: وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما أنه قَّواهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أنه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم. وقيل: إن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران. قوله: {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } هذا المطر كان بعد النعاس. وقيل: قبل النعاس. وحكى الزجاج أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر، فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم، فأنزل الله المطر ليلة بدر. والذي في سيرة ابن إسحاق وغيره أن المؤمنين هم الذين سبقوا إلى ماء بدر، وأنه منع قريشاً من السبق إلى الماء مطر عظيم، ولم يصب المسلمين منه إلا ما شدّ لهم دهس الوادي، وأعانهم على المسير. ومعنى {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ }؛ ليرفع عنكم الأحداث {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي: وسوسته لكم، بما كان قد سبق إلى قلوبهم من الخواطر التي هي منه من الخوف والفشل حتى كانت حالهم حال من يساق إلى الموت {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب. والضمير في {بِهِ } من قوله: {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأقْدَامَ } راجع إلى الماء الذي أنزله الله، أي يثبت بهذا الماء الذي أنزله عليكم عند الحاجة إليه أقدامكم في مواطن القتال. وقيل الضمير راجع إلى الربط المدلول عليه بالفعل. قوله: {إِذ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ } الظرف منصوب بفعل محذوف خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يقف على ذلك سواه، أي واذكر يا محمد وقت إيحاء ربك إلى الملائكة. وقيل: هو بدل من {إِذْ يَعِدُكُمُ } كما تقدّم. ولكنه يأبى ذلك أن هذا لا يقف عليه المسلمون، فلا يكون من جملة النعم التي عدّدها الله عليهم. وقيل: العامل فيه يثبت فيكون المعنى: يثبت الأقدام وقت الوحي، وليس لهذا التقييد معنى. وقيل العامل فيه: {ليربط} ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء. ومعنى الآية: أني معكم بالنصر والمعونة، فعلى قراءة الفتح للهمزة هو مفعول {يُوحِى } وعلى قراءة الكسر يكون بتقدير القول. ومعنى {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بشروهم بالنصر، أو ثبتوهم على القتال بالحضور معهم، وتكثير سوادهم. وهذا أمر منه سبحانه للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. قوله: {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } قد تقدّم بيان معنى إلقاء الرعب في آل عمران. قيل: هذه الجملة تفسير لقوله: {إِنّى مَعَكُمْ }، قوله: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ } قيل: المراد الأعناق أنفسها. و {فَوْقَ } زائدة قاله الأخفش وغيره. وقال محمد بن يزيد: هذا خطأ، لأن {فوق} يفيد معنى، فلا يجوز زيادتها، ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها. وقيل المراد بما فوق الأعناق الرؤوس. وقيل المراد بفوق الأعناق: أعاليها، لأنها المفاصل الذي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع. قيل: وهذا أمر للملائكة. وقيل للمؤمنين، وعلى الأوّل قيل هو تفسير لقوله: {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }. قوله: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } قال الزجاج: واحد البنان بنانة، وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء، والبنان مشتق من قولهم أبنّ الرجل بالمكان إذا أقام به، لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة والحياة. وقيل المراد بالبنان هنا: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين وهو عبارة عن الثبات في الحرب. فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال، بخلاف سائر الأعضاء. قال عنترة:شعر : وقد كان في الهيجاء يحمي ذمارها ويضرب عند الكرب كل بنان تفسير : وقال عنترة أيضاً:شعر : وإن الموت طوع يدي إذا ما وصلت بنانهـا بالهندواني تفسير : قال ابن فارس: البنان الأصابع، ويقال الأطراف، والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما وقع عليهم من القتل، ودخل في قلوبهم من الرعب، وهو مبتدأ، و {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } خبره، أي ذلك بسبب مشاقتهم. والشقاق أصله أن يصير كل واحد من الخصمين في شق، وقد تقدّم تحقيق ذلك {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } له، يعاقبه بسبب ما وقع منه من الشقاق. قوله: {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ } الإشارة إلى ما تقدّم من العقاب، أو الخطاب هنا للكافرين، كما أن الخطاب في قوله: {ذٰلِكُمْ } للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للخطاب. قال الزجاج: ذلكم رفع بإضمار الأمر أو القصة، أي الأمر أو القصة ذلكم فذوقوه. قال: ويجوز أن يضمر واعلموا. قال في الكشاف: ويجوز أن يكون نصباً على عليكم ذلكم فذوقوه، كقولك زيداً فاضربه. قال أبو حيان: لا يجوز تقدير عليكم لأنه اسم فعل، وأسماء الأفعال لا تضمر، وتشبيهه بزيداً فاضربه غير صحيح؛ لأنه لم يقدّر فيه عليك، بل هو من باب الاشتغال. وجملة {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ } معطوفة على ما قبلها فتكون الإشارة على هذا إلى العقاب العاجل الذي أصيبوا به، ويكون {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ } إشارة إلى العقاب الآجل. وقد أخرج أبو يعلى، والبيهقي في الدلائل، عن عليّ قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن شهاب في الآية، قال: بلغنا أن هذه الآية أنزلت في المؤمنين يوم بدر، فيما أغشاهم الله من النعاس أمنة منه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد، في قوله: {أَمَنَةً مّنْهُ } قال: أمناً من الله. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {أَمَنَةً مّنْهُ } قال: رحمة منه، أمنة من العدو. وأخرج ابن أبي أبي حاتم، عنه قال: النعاس في الرأس، والنوم في القلب. وأخرج عبد بن حميد، عنه، أيضاً قال: كان النعاس أمنة من الله، وكان النعاس نعاسين: نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن سعيد بن المسيب، في قوله: {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } قال: طش كان يوم بدر. وأخرج هؤلاء عن مجاهد في الآية قال: المطر أنزله الله عليهم قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن إسحاق، عن عروة بن الزبير، قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهساً، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما لبد الأرض، ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. وأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال: إن المشركين غلبوا المسلمين في أوّل أمرهم على الماء، فضحى المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن، وقال أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله، وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون وتطهروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسته. وقد قدّمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء. وهذا المرويّ عن ابن عباس في إسناده العوفي، وهو ضعيف جداً. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } قال: وسوسته. وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة، في قوله: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } قال: بالصبر {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأقْدَامَ } قال: كان بطن الوادي دهاساً، فلما مطروا اشتدت الرملة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأقْدَامَ } قال: حتى تشتدّ على الرمل، وهو كهيئة الأرض. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن عليّ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة ويقول: «حديث : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» تفسير : وأصابهم تلك الليلة مطر شديد، فذلك قوله: {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأقْدَامَ }. وأخرج ابن أبي شيبة، عن مجاهد، قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وأخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، قال: قال لي أبي: يا بنيّ لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى رأس المشرك، فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الربيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق به. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن عكرمة، في قوله: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأعْنَـٰقِ } يقول: الرؤوس. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن عطية {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأعْنَـٰقِ } قال: اضربوا الأعناق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن الضحاك {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأعْنَـٰقِ } يقول: اضربوا الرقاب. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس، في قوله: {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } قال: يعني بالبنان الأطراف. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عطية {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } قال: كل مفصل.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسُ أَمَنَةً مِّنْهُ} وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وكثيراً من أصحابه غشيهم النعاس ببدر. قال سهل بن عبد الله: النعاس يحل في الرأس مع حياة القلب، والنوم يحل في القلب بعد نزول من الرأس، فهوَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ناموا فبشر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصر فأخبر به أبا بكر. وفي امتنان الله تعالى عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان: أحدهما: قوّاهم بالاستراحة على القتال من الغد. الثاني: أن أمَّنَهم بزوال الرعب من قلوبهم، كما قال: الأمن منيم، والخوف مسهر. وقوله تعالى: {أََمَنَةً مِّنْهُ} يعني به الدعة وسكون النفس من الخوف وفيه وجهان: أحدهما: أمنة من العدو. الثاني: أمنة من الله سبحانه وتعالى. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} لأن الله تعالى أنزل عليهم ماء السماء معونة لهم بثلاثة أمور: أحدها: الشرب وإن كانوا على ماء. الثاني: وهو أخص أحواله بهم في ذلك المكان وهو أن الرمل تلبد بالماء حتى أمكن المسلمين القتال عليه. والثالث: ما وصفه الله تعالى به من حال التطهير. وفي تطهيرهم به وجهان: أحدهما: من وساوس الشيطان التي ألقى بها في قلوبهم الرعب، قاله زيد بن أسلم. والثاني: من الأحداث والأنجاس التي نالتهم، قاله الجمهور. قال ابن عطاء: أنزل عليهم ماءً طهر به ظواهر أبدانهم، وأنزل عليهم رحمة نقّى بها سرائر قلوبهم. وإنما خصه الله تعالى بهذه الصفة لأمرين. أحدهما: أنها أخص صفاته. والثاني: أنها ألزم صفاته. ثم قال: {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشّيَطانِ} فيه قولان: أحدهما: وسوسته أن المشركين قد غلبوهم على الماء، قاله ابن عباس. والثاني: كيده وهو قوله: ليس لكم بهؤلاء القوم طاقة، قاله ابن زيد. {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} يحتمل وجهين: أحدهما: ثقة بالنصر. والثاني: باستيلائهم على الماء. {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} فيه قولان: أحدهما: بالصبر الذي أفرغه الله تعالى حتى يثبتوا لعدوهم، قاله أبو عبيدة. والثاني: تلبيد الرمل بالمطر الذي لا يثبت عليه قدم، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك. قوله عز وجل: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} معناه معينكم ويحتمل أن يكون معناه إني معكم في نصرة الرسول، فتكون الملائكة لتثبيت المؤمنين، والله تعالى متولي النصر بما ألقاه من الرعب في قلوب المشركين. {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُواْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: فثبوتهم بحضوركم معهم في الحرب. والثاني: بقتالكم معهم يوم بدر، قاله الحسن. والثالث: بإخبارهم أنه لا بأس عليهم من عدوهم. {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} يعني الخوف، ويحتمل أحد وجهين: إما أن يكون إلقاء الرعب بتخاذلهم، وإما أن يكون بتكثير المسلمين في أعينهم. وفي ذلك وجهان: أحدهما: أنه قال ذلك للملائكة معونة لهم. والثاني: أنه قال ذلك له ليثبتوا به الذين آمنوا. {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} فيه خمسة أقاويل: أحدها: فاضربوا الأعناق، وفوق صلة زائدة في الكلام، قاله عطية والضحاك. وقد روى المسعودي عن القاسم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لأُُعَذِّبَ بَعَذَابِ اللَّهِ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ بِضَرْبِ الأَعْنَاقِ وَشَدِّ الْوَثَاقِ". تفسير : والثاني: معناه واضربوا الرؤوس فوق الأعناق، قاله عكرمة. والثالث: فاضربوا على الأعناق. والرابع: فاضربوا على الأعناق. والخامس: فاضربوا فوق جلدة الأعناق. {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} يعني المفاصل من أطراف الأيدي والأرجل والبنان: أطراف الأصابع من اليدين والرجلين.

ابن عطية

تفسير : العامل في {إذ} هو العامل الذي عمل في قوله {أية : وإذ يعدكم} تفسير : [الأنفال:7] بتقدير تكراره لأن الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف، وإنما القصد أن تعدد نعمة الله تعالى على المؤمنين في يوم بدر فقال: واذكروا إذ فعلنا كذا وقال الطبري: العامل في {إذ} قوله {أية : ولتطمئن} تفسير : [الأنفال:10]. قال القاضي أبو محمد: وهذا مع احتماله فيه ضعف، ولو جعل العامل في {إذ} شيئاً قريباً مما قبلها لكان الأولى في ذلك أن يعمل في {إذ} {أية : حكيم} تفسير : [الأنفال:10] لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمنة حكمة من الله عز وجل، وقرأ نافع "يُغْشيكم" بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي "يغَشِّيكم" بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي قراءة عروة بن الزبير وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "يَغشاكم" بفتح الياء وألف بعد الشين وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل مكة "النعاسُ" بالرفع، وحجة من قرأ "يغشاكم" إجماعهم في آية أحد على {أية : يغشى طائفة منكم} تفسير : [آل عمران:154]، وحجة من قرأ "يغشيكم" أن يجيء الكلام متسقاً مع {ينزل} ، ومعنى {يغشيكم} يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة و {النعاس} أخف النوم وهو الذي قد يصيب الإنسان وهو واقف أو ماشٍ، وينص على ذلك قصص هذه الآية أنهم إنما كان بهم خفق في الرؤوس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا نعس أحدكم في صلاته" تفسير : الحديث، وينص على ذلك قول الشاعر [ابن الرقاع]: [الكامل] شعر : وسنان أقصده النعاس فرنّقت في عينه سِنَةٌ وليس بنائم تفسير : وقوله {أمنة} مصدر من أمن الرجل يأمن أمناً وأمنة وأماناً، والهاء فيها لتأنيث المصدر كما هي في المساءة والمشقة، وقرأ ابن محيصن "أمْنة" بسكون الميم وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو وهو من الله، وهو في الصلاة من الشيطان. قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما طريقه الوحي فهو لا محالة إنما يسنده، وقوله {وينزل عليكم من السماء ماء} تعديد أيضاً لهذه النعمة في المطر، فقال بعض المفسرين وحكاه الطبري عن ابن عباس وغيره، وقاله الزجّاج: إن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك، فقال بعضهم في نفوسهم - بإلقاء الشيطان إليهم - نزعم أنَّا أولياء الله وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالنا هذه والمشركون على الماء، فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية فشرب الناس وتطهروا وسقوا الظهر. وتدمثت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين، وقت القتال وكانت قبل المطر تسوخ فيها الأرجل فلما نزل الطش تلبدت قالوا: فهذا معنى قوله {ليطهركم به} أي من الجنابة، {ويذهب عنكم رجز الشيطان} أي عذابه لكم بوساوسه المتقدمة الذكر, والرجز العذاب، وقرأ أبو العالية "رجس" بالسين أي وساوسه التي تمقت وتتقذر، وقرأ ابن محيصن "رُجز" بضم الراء، وقرأ عيسى بن عمر "ويذهبْ" بجزم الباء، {وليربط على قلوبكم} أي بتنشيطها وإزالة الكسل عنها وتشجيعها على العدو ومنه قولهم: رابط الجأش أي ثابت النفس عند جأشها في الحرب {ويثبت به الأقدام} أي في الرملة الدهسة التي كان المشي فهيا صعباً. قال القاضي أبو محمد: والصحيح من القول وهو الذي في سيرة ابن إسحاق وغيرها أن المؤمنين سبقوا إلى الماء ببدر، وفي هذا كلام حباب بن المنذر الأنصاري حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أول ماء، فقال له حباب: أبوحي يا رسول الله هو المنزل فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو عندك الرأي والمكيدة؟ الحديث المستوعب في السيرة. قال القاضي أبو محمد: ولكن نزول المطر كان قبل وصولهم إلى الماء وذلك أن القوم من المؤمنين لحقتهم في سفرهم الجنابات وعدموا الماء قريب بدر فصلوا كذلك فوقع في نفوسهم من ذلك، ووسوس الشيطان لهم في ذلك مع تخويفه لهم من كثرة العدو وقتلهم، وهذا قبل الترائي بالأعين، وأيضاً فكانت بينهم وبين ماء بدر مسافة طويلة من رمل دهس لين تسوخ فيه الأرجل وكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكفار إلى ماء بدر فتحرضوا هم أن يسبقوهم إليه فأنزل الله تلك المطرة فسالت الأودية فاغتسلوا وطهرهم الله فذهب رجز الشيطان وتدمت الطريق وتلبدت تلك الرملة فسهل المشي فيها وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى الماء، ووقع في السير أن ما أصاب المشركين من ذلك المطر بعينه صعب عليهم طريقهم، فسر المؤمنون وتبينوا من جعل الله بهم ذلك قصد المعونة لهم، فطابت نفوسهم واجتمعت وتشجعت، فذلك الربط على قلوبهم وتثبيت الأقدام منهم على الرملة اللينة فأمكنهم لحاق الماء قبل المشركين. قال القاضي أبو محمد: هذا أحد ما يحتمله قوله {ويثبت به الأقدام} والضمير في {به} على هذا الاحتمال عائد على الماء، ويحتمل أن يعود الضمير في {به} على ربط القلوب فيكون تثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في موطن الحرب، وبين أن الرابط الجأش تثبت قدمه عند مكافحة الهول. قال القاضي أبو محمد: ونزول الماء كان في الزمن قبل تغشية النعاس ولم يترتب ذلك في الآية إذ القصد فيها تعديد النعم فقط، وحكى أبو الفتح أن الشعبي قرأ "وينزل عليكم من السماء ماء" ساكنة الألف {ليطهركم به} قال: وهي بمعنى الذي. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وقرأ ابن المسيب "ليطْهركم به" بسكون الطاء، وقوله تعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة} الآية، العامل في {إذ} العامل الأول على ما تقدم فيما قبلها، ولو قدرناه قريباً لكان قوله {ويثبت} على تأويل عود الضمير على الربط، وأما على عوده على الماء فيقلق أن تعمل {ويثبت} في {إذ} ووحي الله إلى الملائكة إما بإلهام أو بإرسال بعض إلى بعض، وقرأ عيسى بن عمر بخلاف عنه "إني معكم" بكسر الألف على استئناف إيجاب القصة، وقرأ جمهور الناس "أني" بفتح الألف على أنها معمولة لـ {يوحي} ، ووجه الكسر أن الوحي في معنى القول، وقوله {فثبتوا} يحتمل أن يكون بالقتال معهم على ما روي. ويحتمل بالحضور في حيزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد: فثبوتهم بأقوال مؤنسة مقوية للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة الآدميين فكان أحدهم يقول للذي يليه من المؤمنين: لقد بلغني أن الكفار قالوا لئن حمل المسلمون علينا لننكشفن، ويقول آخر: ما أرى الغلبة والظفر إلا لنا. ويقول آخر: أقدم يا فلان، ونحو هذا من الأقوال المثبتة. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أيضاً أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان بلمته من توهم الظفر واحتقار الكفار ويجري عليه من خواطر تشجيعه ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان التثبيت ولكنه أشبه بهذا إذ هي من جنس واحد. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل يجيء قوله {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق} لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر عن صورة الحال كما تقول إذا وصفت حرباً لمن تخاطبه لقينا القوم وهزمناهم فاضرب بسيفك حيث شئت واقتل وخذ أسيرك، أي هذه كانت صفة الحال. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون {سألقي} إلى آخر الآية خبراً يخاطب به المؤمنين عما يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعاً لهم وحضاً على نصرة الدين، وقرأ الأعرج "الرعُب" بضم العين والناس على تسكينها، واختلف الناس في قوله {فوق الأعناق} ، فقال الأخفش {فوق} زيادة، وحكاه الطبري عن عطية أن المعنى فاضربوا الأعناق وقال غيره بمعنى على، وقال عكرمة مولى ابن عباس: هي على بابها وأراد الرؤوس إذ هي فوق الأعناق، وقال المبرد: وفي هذا إباحة ضرب الكافر في الوجه. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل أنبلها، ويحتمل عندي أن يريد بقوله {فوق الأعناق} وصف أبلغ ضربات العنق وأحكمها، هي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس في المفصل، وينظر إلى هذا المعنى قول دريد بن الصمة السلمي حين قال له خذ سيفي وارفع به عن العظم واخفض عن الدماغ فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال، ومثله قول الشاعر: [الوافر]. شعر : جعلت السيف بين الجيد منه وبين أسيل خديه عذارا تفسير : فيجيء على هذا {فوق الأعناق} متمكناً، وقال ابن قتيبة {فوق} في هذه الآية بمعنى دون، وهذا خطأ بين، وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى: {أية : ما بعوضة فما فوقها} تفسير : [البقرة:26] أي فما دونها. قال القاضي أبو محمد: وليست {فوق} هنا بمعنى دون وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر فأشبه المعنى دون والـ {بنان} قالت فرقة: هي المفاصل حيث كان من الأعضاء، فالمعنى على هذا واضربوا منهم في كل موضع، وقالت فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا التأويل وإن كان الضرب في كل موضع مباحاً فإنما قصد أبلغ المواضع لأن المقاتل إذا قطع بنانه استأسر ولم ينتفع بشيء من أعضائه في مكافحة وقتال.

ابن عبد السلام

تفسير : {النُّعَاسَ} غشيهم النعاس ببدر فهوَّم الرسول صلى الله عليه وسلم وكثير من أصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ فناموا، فبشَّر جبريل ـ عليه السلام ـ الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر، فأخبر به أبا بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ مَنَّ عليهم به لما فيه زوال رعبهم، والأمن مُنيم والخوف مُسهر، أو منَّ به لما فيه من الاستراحة للقتال من الغد. والنعاس محل الرأس مع حياة القلب، والنوم يحل القلب بعد نزوله من الرأس، قاله سهل بن عبدالله التُّسْتَري. {أَمَنَةً} من العدو، أو من الله تعالى، والأمنة: الدعة وسكون النفس. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً} لتلبيد الرمل ويطهرهم من وساوس الشيطان التي أرعبهم بها، أو من الأحداث والأنجاس التي أصابتهم، قاله الجمهور، أنزل ماء طهر به ظواهرهم، ورحمة نَوَّر بها سرائرهم، قاله ابن عطاء، ووصفه بالتطهير، لأنها أخص أوصافه وألزمها. {رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [قوله]: إن المشركين قد غلبوهم على الماء، أو قوله: ليس لكم بهؤلاء طاقة. {وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} لتلبيده الرمل الذي لا يثبت عليه قدم، أو بالنصر الذي أفرغه عليهم حتى يثبتوا لعدوهم.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {يغشاكم النعاس} ابن كثير وأبو عمرو. {يغشيكم النعاس} من باب الأفعال: أبو جعفر ونافع. الباقون {يغشكيم النعاس} من باب التفعيل. ويقال من الإنزال: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر. والآخرون: بالتشديد {رمى} بالإمالة: حمزة وعلي وخلف ويحيى. {موهن} من الأفعال {كيد} بالنصب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وسهل ورويس {موهن} من الأفعال {كيد} بالجر للإضافة: حفص. الباقون {موهن} بالتشديد {كيد} بالنصب {وإن الله} بالفتح: ابن عامر وأبو جعفر ونافع وحفص والمفضل. الباقون: بالكسر. الوقوف: {الإقدام} ه ط لتعلق "إذ" بمحذوف هو "اذكر". {الذين آمنوا} ط {كل بنان} ط {ورسوله} الأوّل ج {العقاب} ه {النار} ه {الأدبار} ه {جهنم} ط {المصير} ه ط {قتلهم} ص لعطف المتفقتين {رمى} ج لاحتمال أن تكون الواو مقحمة واللام متعلقاً بما قبله واحتمال أن تكون عاطفة على {ولكن الله رمى} أو على محذوف أي لتستبشروا وليبلى {حسناً} ط {عليهم} ط {الكافرين} ه {الفتح} ج للفصل بين الجملتين المتضادتين مع العطف {خير لكم} ج لذلك {نعد} ج {كثرت} ط لمن قرأ "وإن" بالكسر {المؤمنين} ه. التفسير: قال في الكشاف {إذ يغشيكم} "إذ" بدل ثانٍ من {إذ يعدكم} أو منصوب بالنصر أبو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإضمار اذكروا و {أمنة} مفعول لأجله {ومنه} صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من عند الله. ولما كان غشيان النعاس وكذا إغشاؤه وتغشيته متضمناً لمعنى تنعسون كان فاعل الفعل المعلل والعلة واحداً كما هو شريطة انتصاب المفعول له. والمعنى إذ تنعسون لأمنتكم أو يغشاكم النعاس فتنعسون أمناً. وجوّز على قراءة الإغشاء والتغشية أن تكون الأمنة بمعنى الإيمان أي ينعسكم إيماناً منه. وجوّز أن ينتصب الأمنة على أنها للنعاس الذي هو فاعل {يغشاكم} أي يغشاكم النعاس لأمنه على أن إسناد الأمن إلى النعاس إسناد مجازي وهو لأصحاب النعاس على الحقيقة، أو على أن المراد أنه أنامكم في وقت كان من حق النعاس في مثل ذلك الوقت المخوف أن لا يقدم على غشيانكم وإنما غشاكم أمنة حاصلة له من الله لولاها لم يغشكم على طريقة التمثيل والتخييل، وقد مر فوائد هذا النعاس في سورة آل عمران. ومن نعم الله تعالى عليهم في تلك الواقعة إنزال المطر عليهم وكان فيه فوائد: إحداها: تحصيل الطهارة، والثانية: إذهاب رجز الشيطان. وقيل: هو الجنابة التي أصابتهم لأنها من تخييل الشيطان ولا تكرار لأن الأولى عام وهذه خاص. وقيل: المراد المني لأنه شيء مستخبث مستقذر وعلى هذا يكون في الآية دلالة على نجاسة المني لقوله{أية : والرجز فاهجر} تفسير : [المدثر: 5] وقيل: المراد وسوسة الشيطان إليهم وتخويفه إياهم من العطش وذلك أن المشركين سبقوهم إلى الماء ونزل المؤمنون في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء فناموا فاحتلم أكثرهم فتمثل لهم إبليس في صورة إنسان فقال لهم: أنتم يا أصحاب محمد تزعمون أنكم على الحق وأنكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة قد عطشتم، ولو كنتم على حق لما غلبكم هؤلاء على الماء وما ينتظرون بكم إلا أن يجهدكم العطش فإذا قطع العطش أعناقكم مشوا إليكم فقتلوا من أحبوا وساقوا بقيتكم إلى مكة. فحزنوا حزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله المطر فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذ أصحاب رسول الله الحياض على عدوة الوادي وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضأوا وتلبد الرمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام وكانت هذه ثالثة الفوائد وأشار إليها بقوله {ويثبت به} أي بالماء {الأقدام} وقيل: الضمير عائد إلى الربط الذي يدل عليه قوله {ليربط على قلوبكم} والمراد من تثبيت الأقدام الصبر في مواطن القتال، وذلك أن من كان قلبه ضعيفاً فرّ ولم يقف فلما ربط الله على قلوبهم أي قوّاها ثبتت أقدامهم ومعنى "على" أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأن علاها وارتفع فوقها. قال الواحدي: يشبه أن يكون على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالنصر وما أوقع فيها من اليقين. روي أن المطر نزل على الكافرين أيضاً ولكن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب فعظم الوحل وصار مانعاً لهم من المشي والاستقرار. فقوله {ويثبت به الأقدام} يدل مفهومه على أن حال الأعداء كان بخلاف ذلك. ومن جملة النعم قوله {إذ يوحي ربك} وهو بدل ثالث من {إذ يعدكم} ومنصوب بـ {يثبت} أو بذكر أني معكم الخطاب للملائكة والمراد أني معينكم على التثبيت فثبتوهم. وقيل: الخطاب للمؤمنين لأن المقصود من هذا الكلام إزالة التخويف والملائكة ما كانوا يخافون الكفار. وقوله {فثبتوا الذين آمنوا} في هذا التثبيت وجوه: أحدها: أنه مفسر لقوله {سألقي} {فاضربوا} ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفرة، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم واجتماعهما غاية النصرة. وثانيها: أن يراد بالتثبيت أن يخطروا ببالهم ما تقوى به قلوبهم وتصح عزائمهم ونياتهم في القتال فالإلهام من الملائكة كالوسوسة من الشياطين. وثالثها: أن الملائكة كانوا يتشبهون بصور رجال من معارفهم وكانوا يعدونهم النصر والظفر. ومعنى {فوق الأعناق} أعالي الأعناق التي هي المذابح لأنها مفاصل، فكان إيقاع الضرب فيها إزالة الرأس من الجسد. وقيل: أراد ضرب إلهام لأن الرؤوس فوق الأعناق. والبنان الأصابع سميت بذلك لأن بها صلاح أحوال الإنسان التي يريد أن يقيمها من أبن بالمكان أي أقام به، والمراد نفي الأطراف من اليدين والرجلين. ثم اختلفوا فمنهم من قال: المراد أن يضربوهم كما شاؤا لأن ما فوق العنق هو الرأس وهو أشرف الأعضاء والبنان عبارة عن أضعف الأعضاء فذكر الأشرف والأخس تنبيهاً على كل الأعضاء. بوجه أخر الضرب إما وقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم بأن يجمعوا عليهم النوعين معاً. ومنهم من قال: الأوّل إشارة إلى القتل، وقطع البنان عبارة عن إفناء آلات المدافعة والمحاربة ليعجزوا عن القتال. وجوّز في الكشاف أن يكون قوله {سألقي} إلى قوله {كل بنان} تلقيناً للملائكة ما يثبتونهم به أي قولوا لهم قول سألقي، أو يكون وارداً على الاستئناف كأنهم قالوا: كيف نثبتهم؟ فقيل: قولوا لهم قول سألقي. فالضاربون على هذا هم المؤمنون {ذلك} العقاب العاجل من الضرب والقتل وقع عليهم {بأنهم شاقوا} بسبب مشاقتهم ومخالفتهم {الله ورسوله} ثم بيّن أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم شيء يسير وقدر نزر في جنب ما أعد الله لهم ولأمثالهم في الآجل فقال {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} أي له. والكاف في {ذلك} للرسول أو لكل من له أهلية الخطاب، في {ذلكم} للكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع تقديره: ذلكم العذاب المعجل من القتل والأسر أو العذاب ذلكم، أو النصب والتقدير: عليكم ذلكم أي الزموه فذوقوه أو هو كقولك زيداً فاضربه. قال في الكشاف: {وإن للكافرين} عطف على {ذلكم} في وجهيه أو نصب على أن الواو بمعنى "مع" والمعنى: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة. فوضع الظاهر موضع ضمير الخطاب. قلت: ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي وأن للكافرين عذاب النار حق أو بالعكس أي والحكم والشأن أن للكافرين. وفي ذكر الذوق إشارة إلى أن عذاب الدنيا شيء قليل بالنسبة إلى عذاب الآخرة. قوله سبحانه {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} قال الأزهري: أصل الزحف هو أن يزحف الصبي على أسته قبل أن يقوم، شَبَّهَ بزحف الصبي مشي الطائفتين تتمشى كل فئة مشياً رويداً إلى الفئة الأخرى تتدانى للضرب. فانتصابه على الحال من الفريقين أي، إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم، ويجوز أن يكون حالاً من الذين كفروا. والزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً سمي بالمصدر، والجمع زحوف والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا فضلاً عن حالتي المداناة والمساواة، ويجوز أن يكون حالاً من المخاطبين وهم المؤمنون أي إذا ذهبتم إليهم للقتال فلا تنهزموا ومعنى {فلا تولوهم الأدبار} لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم أو هو تقدمه نهي عن الفرار يوم حنين حين تولوا مدبرين وهم زحف من الزحوف اثنا عشر ألفاً. وفي قوله {من يولهم يومئذ دبره} أمارة عليه، ثم بين أن الانهزام محرم إلا في حالتين فقال {إلا متحرفاً لقتال} هو المكر بعد الفرّ يخيل إلى عدوّه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو نوع من خدع الحرب {أو متحيزاً} أي منحازاً {إلى فئة} إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها. وعلى هذا انتصب {متحرفاً} و {متحيزاً} على أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال ووجد صحته من أنه ليس في الكلام نفي ظاهر هو أنه في معنى النفي كأنه قيل: ومن لا يقدم أو لا يعطف عليهم في حال من الأحوال إلا في حال التحرف أن التحيز، ويجوز أن يكون الاستثناء تاماً على أن الموصوف محذوف والتقدير: ومن يولهم دبره إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً. ووزن متحيزاً "متفيعل" لأنه من حاز يحوز فعل به ما فعل بأيام، لو كان "متفعلاً" لقيل "متحوزاً". عن ابن عمر: خرجت سرية وأنا فيهم ففروا، فلما رجعوا إلى المدينة استحيوا فدخلوا البيوت فقلت: يا رسول الله نحن الفرارون فقال: بل أنتم العكارون وأنا فئتكم. والعكرة البكرة. وعن ابن عباس أن الفرار من الزحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر. واحتج القاضي بالآية على القطع بوعيد الفساق من أهل الصلاة. وأجيب بأنه مشروط بعدم العفو. وعن أبي سعيد الخدري والحسن وقتادة والضحاك أن هذا الحكم مختص بيوم بدر لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حاضراً بنفسه، لأنه تعالى وعدهم النصرة، ولأنه كان أول جهاده فناسب التشديد ولهذا منع من أخذ الفداء. وأكثر المفسرين على أنه عام في جميع الحروب لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال أكثر المفسرين: إن المؤمنين لما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا أقبلوا على التفاخر وكان القائل يقول قتلت وأسرت فقيل لهم: فلم تقتلوهم. والفاء جواب شرط محذوف تقديره إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن صلى الله عليه وسلم قتلهم لأنه هو الذي أنزل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم وشاء النصر والظفر وقوّى قلوبكم وربط عليها. ولما طلعت قريش قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك اللهم إني أسألك ما وعدتني" تفسير : فأتاه جبرائيل عليه السلام فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فقال: -لما التقى الجمعان - لعلي: أعطني قبضة من حصباء الوادي فأعطاه فرمى بها في وجوههم وقال:"حديث : شاهت الوجوه" تفسير : فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا فنزلت {وما رميت إذ رميت} أي وما رميت أنت يا محمد إذ رميت {ولكن الله رمى} أثبت الرمية للرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه عليه السلام ونفاها عنه لأن أثرها فوق حد تأثير القوى البشرية. قال حكيم بن حزام: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً وقع من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست، ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الحصباء فانهزمنا، وعن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: أقبل أبي بن خلف يوم أحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريده فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فخلوا سبيله فاستقبله مصعب ابن عمير أخو بني عبد الدار ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ترقوه أبيّ من فرجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فسقط أبي من فرسه ولم يخرج من طعنته دم وكسر ضلعاً من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش فقال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لما أتوا أجمعين فمات أبيّ إلى النار قبل أن يقدم مكة فأنزل الله في ذلك {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى} وقيل: نزلت في خيبر حين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوس فرمى منها بسهم فأقبل السهم يهوي حتى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه. وأصح الأقوال هو الأوّل كيلا يدخل في أثناء القصة كلام أجنبي، نعم لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. {وليبلى المؤمنين منه بلاء حسناً} وليعطهم عطاء جميلاً فعل ما فعل وما فعله إلا لذلك. قال القاضي: ولولا أن المفسرين أجمعوا على أن معنى البلاء ههنا النعمة وإلا لكان يحتمل المحنة أي الذي فعله تعالى يوم بدر كان كالسبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات. {إن الله سميع} لكلامكم {عليم} بضمائركم. وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب كيلا يغتر العبد بظواهر الأمور {ذلكم} الغرض أي الغرض ذلكم {وإن الله موهن كيد الكافرين} إعرابه كما مر في قوله {وأن للكافرين عذاب النار} [الأنفال: 14] قال ابن عباس: ينبىء رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول إني قد أوهنت كيد عدوّك حتى قتلت جبابرتهم وأسرت أشرافهم. قال السدي والكلبي والحسن: كان المشركين حين خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين وأفضل الدينين فأنزل الله تعالى خطاباً لهم على سبيل التهكم {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} وقال عكرمة: قال المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد فافتح بيننا وبينه بالحق فنزلت. وروي أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أفجر وأقطع للرحم فأحنه اليوم أي فأهلكه. وقيل: إنه خطاب للمؤمنين الذين استغاثوا الله وطلبوا النصر. ثم خاطب الكفار بقوله {وأن تنتهوا} أي عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو خير لكم} وأسلم وإن تعودوا لمحاربته نعد لنصرته عليكم. وجوّز بعضهم أن يكون الخطاب في الجميع للمؤمنين أي إن تكفوا عن المنازعة في أمر القتال أو عن طلب الفداء فهو خير لكم {وإن تعودوا} إلى تلك المنازعات {نعد} إلى ترك نصرتكم. ثم ختم الآية بقوله {وإن الله مع المؤمنين} تقديره على قراءة الفتح ولأن الله معين المؤمنين كان ذلك. التأويل: {إذ يغشاكم النعاس أمنة} فيه تغليب الحال إلى ضده بأمر التكوين كما قال للنار {أية : كوني برداً وسلاماً على إبراهيم} تفسير : [الأنبياء: 69] كذلك قال للخوف كن أمناً على محمد وأصحابه فكان {ينزل عليكم} من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني {ليطهركم به} من دنس الصفات النفسانية والحيوانية {ويذهب عنكم} وساوس الشيطان وهواجسه {وليربط على قلوبكم} بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين {ويثبت به الأقدام} على طريق الطلب {إني معكم فثبتوا} فيه أن التثبيت من الله لا من غيره، وكذلك إلقاء الرعب في قلوبهم وغير ذلك. {إذا لقيتم الذين كفروا} إذا لقيتم كفار النفوس وصفاتها مجتمعين على قهر القلوب وصفاتها فلا تنهزموا فتقعوا عن صراط الطلب {إلا متحرفاً} إلا قلباً يتحرك ليتهيأ لأسباب القتال مع النفس أو راجعاً إلى الاستمداد من الروح وصفاتها أو إلى ولاية الشيخ أو إلى حضرة الله تعالى مستمداً في قمع النفس وقهرها بطريق المجاهدة فإنها تورث المشاهدة {فلم تقتلوهم} نفى القتل عن الصحابة بالكلية أو حاله إلى نفسه فقال {ولكن} ولم ينف الرمي عن النبي بالكلية حيث قال {إذ رميت} لأن الله تعالى كان قد تجلى بالقدرة وكأن يده يد الله كما كان حل عيسى حين تجلى له بصفة الإحياء كان يحيي الموتى {وليبلى المؤمنين منه} فيجتهدوا في متابعته إلى أن يبلغوا هذا المقام {إن تستفتحوا} أي تفتحوا أبواب قلوبكم بمفتاح الصدق والإخلاص وترك ما سوى الله في طلب التجلي {فقد جاءكم الفتح} بالتجلي فأنه تعالى متجل في ذاته أزلاً وأبداً فلا تغير له وإنما التغير في أحوال الخلق، فهم عند انغلاق أبواب قلوبهم محرومون وعند انفتاح أبوابها محظوظون {وأن تنتهوا} عن طلب غير الله {فهو خير لكم وأن تعودوا} إلى طلب الدنيا وزخارفها {نعد} إلى خذلانكم ونكالكم ونكلكم إلى أنفسكم ودواعيها {ولن تغني عنكم} لا يقوم شيء من الدنيا والآخرة وما فيهما مقام شيء مما أعدّ لأهل الله وخاصته.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}. القَصْدُ تعديد نِعَمِهِ سبحانه على المؤمنين في يوم بَدْرٍ، والتقدير: اذكروا إذ فعلنا بكم كذا، وإذ فعلنا كذا، والعامل في «إذا» «اذكروا» وقرأ نافع: «يُغْشِيكُم» - بضم الياء، وسكون الغين - وقرأ حمزة وغيره: {يُغَشِّيكم} - بفتح الغين وَشَدِّ الشين المكسورة، وقرأ ابن كثير وغيره: «يَغْشَاكم» - بفتح الياء وألف بعد الشين - «النُّعَاسُ» بالرفع، ومعنى {يُغَشِّيكُمُ }: يغطيكم، والنُّعَاسُ أَخَفُّ النوم، وهو الذي يصيب الإِنْسَانَ، وهو واقف أو مَاشٍ، وينص على ذلك قَصَصُ هذه الآية؛ أنهم إنما كان بهم خَفْقٌ بالرُّؤُوس، وقوله: {أَمَنَةً} مصدر من أَمِنَ يَأْمَنُ أَمْنَاً وأَمَنَةً وأَمَاناً، والهاء فيه لتأنيث المصدر، كما هي في المَسَاءَةِ والحَمَاقَةِ والمَشَقَّةِ. وروي عن ابن مَسْعُودٍ أنه قال: النُّعَاسُ عند حضور القِتَالِ عَلاَمَةُ أمن، وهو من اللَّه، وهو في الصَّلاَةِ من الشيطان. قال * ع *: وهذا إنما طريقه الوَحْيُ، فهو لا مَحَالَةَ يسنده وقوله سبحانه: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}. وذلك أن قَوْماً من المؤمنين لحقتهم جَنَابَاتٌ في سفرهم، وعدموا المَاءَ قَرِيبَ بَدْرٍ، فصلوا كذلك، فَوَسْوَسَ الشيطان في نفوس بعضهم مع تخويفه لهم من كثرة العَدُوِّ وقلتهم، وأيضاً فكانت بينهم وبين مَاءِ بَدْرٍ مَسَافَةٌ، من رمل دَهْسٍ تَسُوخُ فيها الأَرْجُلُ، فكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكُفَّارُ إلى ماء بدر، فأنزل اللَّه تلك المَطَرَةَ فَسَالَتِ الأودية، فاغتسلوا، وطهرهم اللَّه تعالى فذهب رِجْزُ الشيطان، وَتَدَمَّثَ الطريق، وتَلَبَّدَتْ تلك الرِّمَالُ، فسهل اللَّه عليهم السير، وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى ماءَ بَدْرٍ، وأصاب المشركين من ذلك المَطَرَ ما صَعَّبَ عليهم طريقهم، فسر المؤمنون، وتبينوا من فِعْلِ اللَّه بهم ذلك قَصْدَ المعونة لهم، فطابت نفوسهم، واجتمعت، وتَشَجَّعَتْ، فذلك الرَّبْطُ على قلوبهم، وتثبيت أقدامهم على الرملة اللَّيِّنَةِ. والضمير في «به» على هذا الاحتمال عَائِدٌ على الماء، ويحتمل عَوْدُهُ على رَبْطِ القلوب، ويكون تثبيت الأقدام عِبَارَةً عن النصر والمعونة في مَوْطِنِ الحَرْبِ، ونزول الماء كان في الزمن قبل تَغْشِيَةِ النعاس، ولم يترتب كذلك في الآية، إذ القَصْدُ فيها تَعْدِيدُ النعم فقط. وقوله سبحانه: {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} وتثبيتهم يكون بقتالهم، وبحضورهم، وبأقوالهم المُؤْنِسَةِ، ويحتمل أن يكون التَّثْبِيتُ بما يلقيه المَلَكُ في القلب بِلَمَّتِهِ من تَوَهُّمِ الظَّفَرِ، واحتقار الكفار، وبخواطر تشجعه. قال * ع *: ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} وعلى هذا التأويل يجيء قوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } مخاطبة للملائكة، ويحتمل أن يكون مخاطبة للمؤمنين. وقوله سبحانه: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَـٰقِ} قال عكرمة: هي على بابها، وأراد الرؤوس، وهذا أنبل الأقوال. قال * ع *: ويحتمل عندي أن يريد وَصْفَ أبْلَغِ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فَوْقَ عَظْمِ العنق دون عَظْمِ الرأس في المفصل، كما وصف دريد بن الصِّمَّة، فيجيء على هذا فوق الأَعْنَاقِ متمكناً. والبَنَان: قالت فرقة: هي المَفَاصِلُ؛ حيث كانت من الأعضاء. وقال فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو الصحيح؛ لأنه إذا قطع البنان لم ينتفع صَاحِبُهُ بشيء من أعضائه واستأسر. و{شَاقُّواْ }: معناه خالفوا ونَابَذُوا، وقطعوا، وهو مأخوذ من الشَّقِّ، وهو القَطْعُ والفَصْلُ بين شيئين، وعبر المفسرون عن قوله: {شَاقُّواْ } أي: صاروا في شق غير شقه. قال * ع *: وهذا وإن كان معناه صَحِيحاً، فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذَكَرْنَاهُ، وقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} جَوَابٌ، للشرط تضمن وَعِيداً وَتَهْدِيداً.

ابن عادل

تفسير : قوله: "إذْ يُغَشِّيكمُ" في "إذ" وجوه: أحدها: أنَّهُ بدلٌ من "إذ" في قوله: "وإذْ يَعِدُكُم" قال الزمخشريُّ: "إذْ يغشاكُمُ" بدلٌ ثانٍ من "إذ يعدكُم". قوله: "ثَانٍ"؛ لأنه أبدل منه "إذْ" في قوله: "إذْ تستغيثُونَ" ووافقه على هذا ابنُ عطيَّة، وأبو البقاء. الثاني: أنَّهُ منصوبٌ بـ "النصر". الثالث: بما في عند الله من معنى الفعل. الرابع: بـ "ما جعله اللَّهُ". الخامس: بإضمار "اذكُر" ذكر ذلك الزمخشريُّ. وقد سبقه إلى الرابع: الحُوفِيُّ. وقد ضعَّف أبو حيان الوجه الثَّاني بثلاثة أوجهٍ: أحدها: أنَّ فيه إعمال المصدر المقرون بـ "أل" قال: وفيه خلاف: ذهب الكوفيُّون إلى أنَّه لا يعمل. الثاني: أنَّ فيه فصلاً بين المصدر ومعموله بالخير، وهو قوله: "إلاَّ منْ عندِ اللهِ" ولو قلت: "ضَرْب زيدٍ شديدٌ عمراً" لَمْ يَجُزْ. الثالث: أنه عمل ما قبل "إلاَّ" فيما بعدها، وليس أحد الثلاثة الجائز ذلك فيها؛ لأنَّه لا يعملُ ما قبلها فيما بعدها إلا أن يكون مستثنى، أو مستثنى منه أو صفة له. وقد جوَّز الكسائيُّ والأخفش: إعمال ما قبل "إلاَّ" فيما بعدها مطلقاً، وليس في هذه الأوجه أحسنُ من أنَّهُ أخبر عن الموصول قبل تمام صلته، وضعَّف الثَّالث بأنَّهُ يلزم منه أن يكون استقرارُ النَّصْرِ مُقَيَّداً بهذا الظَّرفِ، والنَّصرُ من عند اللَّه لا يتقيَّدُ بوقت دون وقت وهذا لا يضعفُ به؛ لأنَّ المراد بهذا النَّصر نصرٌ خاص، وهذا النصرُ الخاصُّ كان مقيَّداً بذلك الظرف. وضعَّف الرابع بطولِ الفصلِ، ويكون معمولاً لما قبل "إلاَّ". السادس: أنَّهُ منصوبٌ بقوله: "ولتَطْمئنَّ بِهِ" قاله الطَّبريُّ. السابع: أنَّهُ منصوبٌ بما دلَّ عليه: "عزيزٌ حكيمٌ" قاله أبُو البقاءِ ونحا إليه ابن عطيَّة قبله. وقرأ ابنُ كثير، وأبو عمرو: "يغْشاكُمُ النُّعاسُ"، ونافع "يُغشِيكُمُ" بضمِّ الياءِ، وكسر الشِّين خفيفة "النّعاسَ" نصباً والباقون "يُغَشِّكُمُ" كالذي قبله، إلاَّ أنه بتشديد الشِّين. فالقراءة الأولى من: "غَشِيَ يَغْشَى"، و "النُّعاسُ" فاعل، وفي الثانية من: "أغْشَى" وفاعله ضميرُ الباري تعالى، وكذا في الثالثة من: "غَشَّى" بالتشديد، و "النُّعَاس" فيهما مفعول به. و "أغْشَى وغَشَّى" لغتان. قال الواحديُّ: من قرأ "يَغْشَاكم" فلقوله: {أية : أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ}تفسير : [آل عمران: 154] فكما أسند الفعل هناك إلى "النُّعاس"، و "الأمَنَة" التي هي سبب النُّعاس كذلك ههنا، ومن قرأ "يُغشيكم"، أو "يُغشِّيكم" فالمعنى واحدٌ، وقد جاء التَّنْزِيلُ بهما في قوله: {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [يس: 8] وقال: {أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ}تفسير : [النجم: 54]. قوله: "أمَنَةً" في نصبها ثلاثةُ أوجه: أحدها: أنَّه مصدرٌ لفعلٍ مقدر، أي: فأمِنْتُم أمَنَةً. الثاني: أنَّها منصوبةٌ على أنَّها واقعةٌ موقع الحال إمَّا من الفاعل، وإمَّا من المفعول، فإن كان الفاعلُ "النعاس" فنسبةُ الأمنة إليه مجازٌ، وإن كان الباري تعالى كما هو في القراءتين الأخيرتين فالنسبةُ حقيقيةٌ، وإن كان من المفعولِ فعلى المبالغةِ، أي: جعلهم نفس الأمنة، أو على حذف مضاف، أي: ذوي أمنة. الثالث: أنَّه مفعولٌ من أجله، وذلك إمَّا أن يكون على القراءتين الأخريين أو على الأولى، فعلى القراءتين الأخريين أمرها واضحٌ، وذلك أن التَّغشية، أو الإغشاء من اللَّهِ تعالى، والأمنةُ منه أيضاً، فقد اتَّحد الفاعل فصحَّ النَّصْبُ على المفعول له، وأمَّا على القراءة الأولى ففاعل "يَغْشَى" النُّعاس وفاعل "الأمنة" الباري تعالى، ومع اختلافِ الفاعل يمنتع النَّصْبُ على المفعولِ له على المشهُورِ، وفيه خلاف اللَّهُمَّ إلاَّ أن يتجوَّز فيجوز. وقد أوضح ذلك الزمخشريُّ فقال: و "أمَنَةً" مفعولٌ له. فإن قلت: أما وجب أن يكون فاعلُ الفعل المُعَلَّلِ والعلَّة واحداً؟ قلتُ: بلى، ولكن لمَّا كان معنى: "يَغْشَاكُمُ النعاسُ" تنعسون، انتصب "أمَنَةً" على معنى أنَّ النُّعَاس والأمَنَةَ لهم، والمعنى: إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً. ثم قال: "فإن قلت: هل يجوز أن ينتصب على أنَّ الأمنة للنُّعاسِ الذي هو فاعل يَغْشَاكُم؟ أي: يغشاكم النُّعاسُ لأمنة على أنَّ إسنادَ الأمْن إلى النعاس إسنادٌ مجازي، وهو لأصحاب النُّعاس على الحقيقة، أو على أنه أنامكم في وقتٍ كان من حق النعاس في ذلك الوقتِ المخوف أن لا يقدم على غشيانكم، وإنَّما غشَّاكم أمنةً حاصلةً له من اللَّهِ لولاها لم يغشكم على طريقة التَّمثيل، والتخييل". قال شهابُ الدين: لا تبعد فصاحة القرآن عن مثله، وله فيه نظائرُ، ولقد ألمَّ به بعضهم؛ فقال: [الوافر] شعر : 2676 - يَهَابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُوناً تَهَابُكَ فهو نفَّارٌ شَرُودُ تفسير : قوله: "مِنْهُ" في محلِّ نصب لـ "أمَنَةً" والضميرُ في: "منهُ" يجوز أن يعود على الباري تعالى، وأن يعود على "النُّعاسِ" بالمجازِ المذكور آنفاً، وقرأ ابنُ محيصن، والنَّخعي، ويحيى بنُ يعمُر: "أمْنَةً" بسكون الميم، ونظير: أمِنَ أمَنَةً بالتحريك: حَيِيَ حياة، ونظير: أمِنَ أمْنَة بالسُّكُون: رَحِمَ رَحْمَةً. فصل كلُّ نوم ونعاس فإنه لا يحصلُ إلاَّ من قبل الله تعالى فتخصيصُ هذا النعاس بأنَّهُ من الله تعالى لا بدَّ منه من فائدة جديدة، وذكرُوا فيه وجوهاً: أولها: أن الخائف من عدوه خوفاً شديداً لا يأخذه النَّومُ، فصار حصول النَّومِ في وقت الخوفِ الشديد دليلاً على زوال الخوف وحصول الأمنِ. وثانيها: أنَّهُم خافُوا من جهات كثيرة: قلة المسلمين، وكثرة الكُفَّارِ، وكثرة الأهبة، والآلة، والعدة للكافرين، والعطش الشديد، فلولا حصول النُّعاس، وحصول الاستراحة حتَّى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تمَّ الظفرُ. وثالثها: أنهم ما ناموا نوماً غرقاً يتمكن العدو منهم، بل كان ذلك نعاساً يزيل الإعياء والكلالة بحيث لو قصدهم العدو لعرفوه، ولقدروا على دفعه. ورابعها: أنَّ النعاس غشيهم دفعةً واحدةً مع كثرتهم وحصول النُّعاس للجمع العظيم على الخوف الشَّديد أمرٌ خارق للعادة. فلهذا قيل: إنَّ ذلك النُّعاس في حكم المُعْجزِ. فإن قيل: فإذا كان الأمر كذلك فلم خافوا بعد ذلك؟ فالجواب: لأنَّ المعلوم أنَّ الله تعالى يجعل جُنْدَ الإسلامِ مظفراً منصوراً، وذلك لا يمنع من ضرورة بعضهم مقتولين. قال ابنُ عباسٍ: "النُّعاس في القتال أمَنَة من اللَّهِ، وفي الصَّلاةِ وسوسة من الشَّيطانِ". قوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} العامَّةُ على "ماءً"، و "ليطُهِّركُم" متعلقٌ بـ: "يُنَزّل". وقرأ الشعبيُّ: "مَا ليُطهركُم" بألفٍ مقصورة، وفيها تخريجان، أشهرهما وهو الذي ذكره ابن جني وغيره -"أنَّ" "مَا" بمعنى "الَّذي" و "لِيُطهِّركُم" صلتها. قال بعضهم: تقديره: الذي هو ليطهركم. فقدَّر الجار خبراً لمبتدأ محذوف، والجملة صلة لـ "مَا" وقد ردَّ أبو حيان هذين التخريجين بأنَّ لامَ "كَيْ" لا تقعُ صلةً. والثاني: أن "ما" هو ماء بالمدّ، ولكن العرب قد حذفتْ همزته فقالوا: "شَرِبْتُ مًا" بميم منونة حكاه ابن مقسم. وهذا لا نظير له، إذ لا يجُوزُ أن يُنتهك اسمٌ معربٌ بالحذفِ حتَّى يبقى على حرفٍ واحدٍ، إذا عرف هذا؛ فيجُوزُ أن يكون قصر "ماء"، وإنَّما لم يُنونهُ إجراء للوصل مجرى الوقف، ثم هذه الألفُ تحتملُ أن تكون عين الكلمة، وأنَّ الهمزة محذوفةٌ، وهذه الألفُ بدلٌ من الواوِ التي في "مَوَهَ" في الأصل، ويجوزُ أن تكون المبدلة من التَّنوين، وأجرى الوصل مُجْرَى الوقف، والأوَّلُ أوْلَى، لأنَّهم يُراعُونَ في الوقف ألاَّ يتركُوا الموقوف عليه على حرفٍ واحدٍ نحو: "مُرٍ" اسم فاعل من: أرَى يُري. فصل رُوي أنَّهم حَفَرُوا موضعاً في الرَّملِ، فصار كالحوض الكبير، واجتمع فيه الماء حتَّى شربُوا منه وتطهروا وتزودوا. وقيل: إنَّهم لمَّا عطشوا ولم يجدوا الماء ثمَّ نامُوا واحتلمُوا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إنَّ المطر نزل وزالت عنهم تلك البليّة والمِحْنَة. ومن المعلومِ بالعادة أنَّ المؤمن يستقذر نفسه إذا كان جُنُباً، ويغتم إذا لم يمكن من الاغتسال، وقد يستدل بهذا على حصول اليسر وزوال العسر. قوله: "ويُذْهِبَ عنكُمْ" نسق على "لِيُطَهِّركُم" وقرأ عيسى بنُ عُمَرَ: "ويذْهِبْ" بسكون الباء وهو تخفيف سمَّاهُ أبُو حيَّان: جَزْماً. والعامة على "رِجْزَ" بكسر الرَّاءِ وبالزاي. وقرأ ابنُ محيصن: بضمِّ الراءِ، وابنُ أبي عبلة بالسِّين، وقد تقدَّم الكلامُ على كلِّ واحد منهم. ومعنى: رجز الشيطانِ ههنا: ما ينشأ عن وسوسته، وقيل: الاحتلام، وقيل: إن الكفار لمَّا نزلوا على الماءِ وسوس الشَّيطانُ للمسلمينِ وخوَّفَهُم من الهلاكِ، فلمَّا نزل زالت تلك الوسوسة. فإن قيل: فأيُّ هذه الوجوه أوْلَى؟. فالجوابُ: أنَّ قوله "لِيُطهِّركُم" معناه ليزيلَ الجنابة عنكم، فلوْ حملنا قوله {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلْشَّيْطَانِ} على الجنابةِ لزم التَّكرار، وهو خلافُ الأصل. ويمكن أنْ يُجابَ بأنَّ المُرادَ من قوله "لِيُطهِّركُم" حصولُ الطَّهارةِ الشَّرعيةِ، والمرادُ: {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} إزالة عين المَنِيّ عن أعضائهم فإنَّهُ شيء مُسْتَخْبَثٌ. ثم نقول حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة؛ لأن تأثير الماءِ في إزالة العينِ عن العضو تأثير حقيقيّ، وتأثيره في إزالة الوسوسةِ عن القلبِ تأثير مجازي، وحمل اللفظِ على الحقيقةِ أولى من حمله على المجازِ. قوله: {ولِيَرْبِط على قلوبكمْ} أي بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوفُ عنهم، ومعنى الرَّبط في اللغة: الشَّد، وقد تقدَّم في قوله: {أية : وَرَابِطُواْ}تفسير : [آل عمران: 20]. قال الواحديُّ: "ويشبه أن تكون "على" ههنا صلة، والمعنى: وليربط قلوبكم بالصَّبر وما أوقع فيها من اليقين". وقال ابن الخطيب: ويشبه ألاَّ يكون صلة؛ لأنَّ كلمة "عَلَى" تفيد الاستعلاء، فالمعنى أنَّ القلوب امتلأتْ من ذلك الربط حتَّى كأنَّهُ عَلاَ عليها وارتفع فوقها. قوله: {ويُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} قيل: إنَّ ذلك المطرَ لبَّد ذلك الرَّمل، وصيَّرهُ بحيث لا تغوص أرجلهم فيه فقدروا على المشي عليه كيفما أرادوا، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه، وعلى هذا فالضَّميرُ في "بِهِ" عائدٌ على المطرِ. وقيل: إنَّ ربط قلوبهم أوجب ثبات الرَّبْطِ. وقيل: لمَّا نزل المطرُ حصل للكافرينَ ضدَّ ما حصل للمؤمنين؛ لأنَّ الموضع الذي نزل الكفارُ فيه كان موضع التُّرابِ والوحل، فلمَّا نزل المطرُ عظم الوحْلُ؛ فصار ذلك مانعاً لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله: {ويُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدْامَ} يدلُّ دلالة المفهوم على أنَّ حال الأعداءِ كان بخلاف ذلك.

السيوطي

تفسير : أخرج أبو يعلى والبيهقي في الدلائل عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت الشجرة حتى أصبح‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إذ يغشاكم النعاس أمنة منه‏} ‏ قال‏:‏ بلغنا أن هذه الآية أنزلت في المؤمنين يوم بدر، فيما أغشاهم الله من النعاس أمنة منه‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏أمنة‏} ‏ قال‏:‏ أمنا من الله‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ النعاس في الرأس، والنوم في القلب‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان النعاس أمنة من الله، وكان النعاس نعاسين‏.‏ نعاس يوم بدر، ونعاس يوم أحد‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به‏}‏ قال‏:‏ طس كان يوم بدر‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به‏} ‏ قال‏:‏ المطر‏:‏ أنزله عليهم قبل النعاس فاطفأ بالمطر الغبار، والتبدت به الأرض، وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم‏. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير رضي الله عنه قال‏:‏ بعث الله السماء وكان الوادي دهساً، وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه منها ما لبد الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه‏. وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏ أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء، فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين فكانت بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال‏:‏ أتزعمون أن فيكم نبياً وإنكم أولياء الله وتصلون مجنبين محدثين‏؟‏ فأنزل الله من السماء ماء فسال عليهم الوادي ماء، فشرب المسلمون وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسته‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏رجز الشيطان‏}‏ قال‏:‏ وسوسته‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏وليربط على قلوبكم‏} ‏ قال‏:‏ بالصبر ‏ {‏ويثبت به الأقدام‏} ‏ قال‏:‏ كان ببطن الوادي دهاس، فلما مطر اشتد الرملة‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏ويثبت به الأقدام‏}‏ قال‏:‏ حتى يشتد على الرمل، وهو وجه الأرض. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ وابن مردويه عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تلك الليلة ليلة بدر، ويقول‏:‏ اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد، وأصابهم تلك الليلة مطر شديد، فذلك قوله ‏ {‏ويثبت به الأقدام‏} ‏‏.

ابو السعود

تفسير : {إِذْ يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} أي يجعله غاشياً لكم ومحيطاً بكم وهو بدلٌ ثانٍ من إذ يعدكم لإظهار نعمةٍ أخرى، وصيغةُ الاستقبالِ فيه وفيما عُطف عليه لحكاية الحال الماضيةِ كما في تستغيثون، أو منصوبٌ بإضمار اذكُروا، وقيل: هو متعلقٌ بالنصر أو بما في (من عند الله) من معنى الفعلِ، أو بالجعل وليس بواضح، وقرىء يُغْشيكم من الإغشاء بمعنى التغشية، والفاعلُ في الوجهين هو الباري تعالى وقرىء يغشاكم على إسناد الفعل إلى النعاس وقوله تعالى: {أَمَنَةً مّنْهُ} على القراءتين الأُوليـين منصوبٌ على العلية بفعل مترتبٍ على الفعل المذكور أي يغشيّكم النعاسَ فتنعَسون أمناً كائناً من الله تعالى لا كَلالاً وإعياءً أو على أنه مصدرٌ لفعل آخرَ كذلك أي فتأمنون أمناً كما في قوله تعالى: {أية : وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا }تفسير : [آل عمران: 37] على أحد الوجهين، وقيل: منصوبٌ بنفس الفعلِ المذكورِ، والأَمَنةُ بمعنى الأمان وعلى القراءة الأخيرة منصوبٌ على العِلّية بـيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدرٌ لفعل مترتبٍ عليه كما مر، وقرىء أمْنةً كرحمة {وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاءً} تقديمُ الجار والمجرور على المفعول به لما مر مراراً من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخِّر تبقى النفسُ مترقبةً له، فعند ورودِه يتمكّن عندها فضلُ تمكنٍ، وتقديمُ عليكم لما أن بـيانَ كونِ التنزيلِ عليهم أهمَّ من بـيان كونه من السماء وقرىء بالتخفيف من الإنزال {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ} أي من الحديث الأصغرِ والأكبر. {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ} الكلامُ في تقديم الجارّ والمجرور كما مر آنفاً، والمرادُ برجز الشيطانِ وسوستُه وتخويفُه إياهم من العطش. (روي أنهم نزلوا في كَثيب أعفرَ تسوخُ فيه الأقدامُ على غير ماءٍ وناموا فاحتلم أكثرُهم وقد غلب المشركون على الماء فتمثل لهم الشيطانُ فوسوس إليهم وقال: أنتم يا أصحابَ محمدٍ تزعُمون أنكم على الحق، وإنكم تصلّون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطِشتم ولو كنتم على الحق ما غلبكمِ هؤلاءِ على الماء، وما ينتظرون بكم إلا أن يَجهدَكم العطشُ فإذا قطَع أعناقَكم مشَوا إليكم فقتلوا مَنْ أحبّوا وساقوا بقيتَكم إلى مكة فحزِنوا حُزناً شديداً وأشفقوا فأنزل الله عز وجل المطرَ فمُطِروا ليلاً حتى جرى الوادي فاغتسلوا وتوضأوا وسَقَوا الرِكابَ وتلبّد الرملُ الذي كان بـينهم وبـين العدوِّ حتى ثبتت عليه الأقدامُ وزالت وسوسةُ الشيطانِ وطابت النفوسُ وقوِيَت القلوبُ) وذلك قوله تعالى: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي يقوّيها بالثقة بلُطف الله تعالى فيما بعدُ بمشاهَدة طلائعِه {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} فلا تسوخ في الرمل، فالضميرُ للماء كالأول ويجوز أن يكون للربط فإن القلبَ إذا قوِي وتمكّن فيه الصبرُ والجَراءةُ لا تكاد تزِلُّ القدمُ في معارك الحروب.

التستري

تفسير : وقوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}[11] قال: النعاس ينزل من الدماغ والقلب حي، والنوم على القلب من الظاهر وهو حكم النوم، وحكم النعاس حكم الروح.

السلمي

تفسير : قوله عز اسمه: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الآية: 11]. قال سهل: النعاس ينزل من الدماغ والقلب حَىٌّ، والنوم يحل بالقلب من الظاهر وهو حكم النوم، وحكم النعاس حكم الروح. قال بعضهم: ألقى على الصحابة النعاس حتى غلبهم ذلك، فلم يبق منهم أحداً إلا وهو ناعس تحت حجفته، فلما أزال عنهم أوصافهم وبرأهم من حولهم وقوتهم أيدهم بالأمن، ليعلموا أن النصر من عنده، وهو الذى يهزمهم لا هم وأنه الملقى فى قلوبهم الرعب، وأن الكل إليه وليس إليهم من الأمر شىء. قوله تبارك وتعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الآية: 11]. قال ابن عطاء: أنزل عليهم ماء طهر به ظواهر أبدانهم ودنسها، وأنزل عليهم رحمة نوَّر بها قلوبهم وشفا بها صدورهم عن وساوس العدو، وألبس بواطنهم لباس الطمأنينة والصدق. قال بعضهم: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار من تلك الخطيئة. قال بندار: الاستدراج هو أن يترك المستدرج مع ظاهر الرسوم مع غيبته عن الحقائق والفهم الفائد. قوله تعالى: { أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأعراف: 185]. قال بعضهم: النظر فى الملكوت يورث الاعتبار والنظر إلى المالك يسقط عنهم الاشتغال بسواه. قال سهل: أخبر الله عن قدرته على عباده ووصف حاجتهم إليه وما خلق من شىء مما سمعوا به ولم يروه فاعتبروا به، ولو شاهدوا ذلك بقلوبهم لوصفوه مثل المعاينة، آمنوا بالغيب فأدَّاهم الإيمان إلى مشاهدة الغيب الذى غاب عنهم، وورثوا بذلك درجات الأنوار فصاروا أعلامًا للهدى. قوله تعالى: { أية : قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ } تفسير : [الأعراف: 188]. قال سهل: كيف يملك نفع غيره من لا يملك نفع نفسه. قال أبو الحسين الوراق حاكيًا عن أبى عثمان أنه قال: عجز الخلق عن إيصال نفع إلى نفسه أو دفع ضرر عنها آجلاً وعاجلاً، فكيف يثق بإيمانه وكيف يعتمد على طاعاته؟ قال الله تعالى: {أية : لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف: 188] لأن النافع والضار هو الله مكَّن الخلق من الأسباب وهو المسبب لجميع ذلك. قوله تعالى: {أية : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ} تفسير : [الأعراف: 188]. قال بعضهم: لو كنت أملك الغيب وأقدر عليه لما مسنى السوء، ولكن طويت الغيوب عنا وأُلزمت الملامة لنا. قوله تعالى: { أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } تفسير : [الأعراف: 189]. قال بعضهم: خلقها ليسكن إليها فلما سكن إليها غفل عن مخاطبات الحقيقة لسكونه إليها، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة. قوله تعالى: { أية : إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 196]. قال بعضهم: لاحظ الأولياء بعين اللطف ولاحظ العباد بعين البر، ولاحظ الأنبياء بعين التولى فقال: {أية : إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأعراف: 196]. وقيل فى قوله: {أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّالِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 196] عن رعونة البشرية توليًا، وأصلح الخواص بصحة المقصود والإقرار بالإخلاص للمعبود، وأصلح العوام بصحة الأوقات. وسُئل جعفر عن الحكمة فى قوله: وهو يتولى الصالحين ونحن نعلم أنه يتولى العالمين، فقال: التولية على وجهين: تولية إقامة وإبراء، وتولية عناية ورعاية لإقامة الحق. قال الواسطى رحمة الله عليه: يتولى الصالحين بالوقاية والرعاية، ويتولى الفاسقين بالغواية. قوله تعالى: { أية : وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى ٱلْهُدَىٰ لاَ يَسْمَعُواْ } تفسير : [الأعراف: 198]. قيل: كيف يسمع الدعاء من أصمه الداعى عن المدعو إليه، ولا يسمع نداء الحق إلا من أسمعه فبإسماعه يسمع لا باستماعه ولا بسمعه. قوله تعالى: {أية : وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 198]. قيل: بأنفسهم ينظرون إليك، فلا يبصرون خصائص ما أودعناه فيك، وبركات ما أجرينا فى الخليقة بك، وكذا من نظر بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حُجب عن إدراك معانيه حتى ينظر ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو أيضًا قاصر النظر حتى تنظر إليه بالحق ومن الحق، إذ ذاك يتبين له شرف ما خص به. قال بعضهم: النظر إلى السفير للأدنى والمبلغ للأعلى، والرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم نظر عام، ولكن لا يبصره فى النظر إليه، ولا يراه إلا الخواص، فمن أبصره أو رآه ظهرت عليه بركات رؤيته بقدر ما كشف له عن رؤيته وفتح من بصره، ألا تراه يقول: "حديث : طوبى لمن رآنى" تفسير : وقد رآه الكفار وشاهدوه، ولكن طوبى لمن رآه بالموضع الذى وضع ورزق فى مشاهدة عظيم حرماته، ولم يكتفِ بمشاهدة ظاهره بهذه الرؤية التى تظهر على الرأى نتائج هذه البركات، التى لو فاضت واحدة منها على أهل الأرض لوسعتهم. وقال سهل: هى القلوب التى لم يزينها الله بأنوار القربة، فهى عمى عن إدراك الحقائق ورؤية الأكابر. وقال القناد: تراهم ينظرون إليك قال: لا يفهمون ما ألقى إليهم، بل يسمعون صفحًا وهم عنه معرضون. قوله تعالى: { أية : خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَاهِلِينَ } تفسير : [الأعراف: 199]. قال بعضهم: أمر النبى صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق ظاهرًا وباطنًا، والصفح عن زلات الخلائق، والأمر بمكارم الأخلاق، ويعرض عن الجاهلين أى: أعرض عن المعرضين عنَّا فهم الجُهَّال. وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم سُئل جبريل صلى الله عليه وسلم عن تفسير هذه الآية فقال: "حديث : تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك ". تفسير : وروت عائشة الصديقة بنت الصديق رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بالعفو عن أخلاق الرجال بقوله: {خُذِ ٱلْعَفْوَ}. وقال بعضهم: أقبل عليهم بظاهرك ولا تكن بباطنك إلا مقيدة علينا. قال ابن عطاء: {خُذِ ٱلْعَفْوَ} المشاهدة، وأمر بالعرف واستعن بالله على ما نلت من القرب، وأعرض عن الجاهلين، قال: هى النفس إذا طالعت شهواتها. وقال بعضهم: مكارم الأخلاق كلها فى قوله. ماء اليقين إذا نزل على الأسرار أسقط عنها الاختلاج والشك، قال الله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} من كل ما تدنستم به من أنواع المخالفات. قوله تعالى: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ}. قال بعضهم: ربط على قلوب أوليائه، لتلقى البلاء بأسلحة الصبر، وربط على قلوب العارفين لثبات الأسرار فى مشاهدة ما يبدو لهم من الغيوب. قال بعضهم: القلوب ثلاثة: قلبٌ مربوط بالأكوان، وقلب مربوط بالأسامى والصفات وقلب مربوط بالحق.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}. غَشيَهم النُّعاسُ تلك الليلة فأزال عن ظواهرهم ونفوسهم كَدَّ الأغيار والكلال، وأنزل على قلوبهم رَوْحَ الأمن، وأمطرت السماءُ فاغتسلوا بعدما لزمتهم الطهارة الكبرى بسب الاحتلام، واشتدت الأرض بالمطر فلم ترسب الأقدام في رَملِها، وانتفى عن قلوبهم ما كانت الشياطين توسوس به إليهم أنه سيصيبهم العناءُ بسلوك رَمْلِها وبالانتفاء عن الغُسْل، فلمَّا (...) الإحساسِ، واستمكن منهم النُّعاس، وتداركتهم الكفاية والنصرة استيقنوا بأن الإعانة من قِبَل الله لا بسكونهم وحركتهم، وأشهدهم صرف التأييد وإتمام الكفاية. وكما طَهَّرَ ظواهرهم بماء المساء طهَّر سرائرهم بماء التحقيق عن شهود كلِّ غير وكلِّ عِلَّة، وصان أسرارهم عن الإصغاء إلى الوساوس، وربط على قلوبهم بشهودهم جريان التقدير على حسب ما يجري الحقُّ من فنون التصريف. قوله جلّ ذكره: {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ}. أقدامَ الظاهر في مَشَاهِدِ القتال، وأقدامَ السرائر على نهج الاستقامة بشهود مجاري التقدير.

اسماعيل حقي

تفسير : {إذ يغشيكم النعاس} قال جماعة من المفسرين حديث : لما امر الله النبى عليه السلام بالمسير الى الكفار سار بمن معه حتى اذا كان قريبا من بدر لقى رجلين فى الطريق فسألها هل مرت بكما العير قالا نعم مرت بنا ليلا وكان بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة من المسلمين فاخذوا الرجلين وكان احدهما عبدا للعباس بن عبد المطلب يقال له ابو رافع والآخر عبدا لعقبة بن ابى معيط يقال له اسلم كانا يسقيان الماء فدفع اسلم الى اصحابه يسألونه واخذ وهو يسأل ابا رافع عمن خرج من اهل مكة فقال ما بقى بها احد الا وقد خرج فقال عليه السلام تأتى مكة اليوم بافلاذ كبدها ثم قال هل رجع منهم احد قال نعم ابىّ بن سريق فى ثلاثمائة من بنى زهرة وكان خرج لمكان العير فلما اقبلت العير رجع فسماه النبى عليه السلام الا خنس حين خنس بقومه ثم اقبل على اصحابه وهم يسألون اسلم وكان يقول لهم خرج فلان وفلان وابو بكر يضر به بالعصا ويقول له كذبت أتجبن الناس فقال عليه السلام "ان صدقكم ضربتموه وان كذبكم تركتموه". فعلموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرف امرهم فساروا حتى نزلوا فى كثيب اعفر تفسير : اى فى تل من الرمل الاحمر تسوخ فيه الاقدام اى تدخل وتغيب على غير ماء بالجانب الاقرب من المدينة من الوادى ونزل المشركون بجانبه الا بعد من المدينة الاقرب الى مكة والوادى بينهما ثم باتوا ليلتهم تلك وناموا ثم استيقظوا وقد اجنب اكثرهم وغلب المشركون على ماء بدر وليس معهم ماء فتمثل لهم الشيطان فوسوس اليهم وقال انتم يا اصحاب محمد تزعمون انكم على الحق وانكم اولياء الله وفيكم رسوله وانكم تصلون على غير وضوء وعلى الجنابة وقد عطشتم ولو كنتم على الحق ما سبقكم المشركون الى الماء وغلبوكم عليه وما ينتظرون الا ان يضعفكم العطش فاذا قطع اعناقكم مشوا اليكم فقتلوا من احبوا وساقوا بقيتكم الى مكة فحزنوا حزنا شديدا فاشفقوا فانزل الله عليهم المطر ليلا حتى سال الوادى وامتلأ من الماء فاغتسل المسلمون وتوضأوا وشربوا وسقوا دوابهم وبنوا على عدوته اى جانبه حياضا واشتد الرمل وتلبدت بذلك ارضهم واوحل ارض عدوهم حتى تثبت عليها الاقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت النفوس وقويت القلوب وتهيأوا للقتال من الغد فذلك قوله تعالى {إذ يغشيكم النعاس} اى اذكروا ايها المؤمنون وقت جعل النعاس وهو اول النوم قبل ان يثقل عاشيا لكم ومحيطا وملقى عليكم {أمنة منه} منصوب على العلية بفعل مترتب على الفعل المذكور اى يغشيكم النعاس فتنعسون امنا كائنا من الله تعالى لا كلالا واعياء فيتحد الفاعلان لان الا من فعل النعاس. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان النعاس فى المعركة عند مواجهة العدو والا من منه بدل الخوف انما هو من تقليب الحال الى ضده بامر التكوين كما قال تعالى للنار {أية : يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم} تفسير : [الأنبياء: 69]. فكانت كذلك قال للخوف كن امنا على محمد واصحابه فكان انتهى. وعن ابن مسعود رضى الله عنه النعاس عند القتال امن من الله تعالى وهو فى الصلاة من الشيطان. قال الحسن ان للشيطان ملعقة ومكحلة فملعقته الكذب ومكحلته النوم عند الذكر {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} اى بذلك الماء يعنى المطر من الحدث والجنابة {ويذهب عنكم رجز الشيطان} اى وسوسته وتخويفه اياكم من العطش ويقال اراد بالرجز الجنابة التى اصابتهم بالاحتلام فان الاحتلام انما يكون من رجز الشيطان اى تخييله ووسوسته ولذلك قال بعضهم من كتب اسم عمر على صدره لم يحتلم فان الشيطان كان يفر منه ويسلك فجا غير الفج الذى اقبل هو منه {وليربط على قلوبكم} الربط الشد والتقوية وعلى صلة. والمعنى ليربط قلوبكم ويشدها ويقويها بجعلها واثقة بلطف الله تعالى وكرمه وجيء بكلمة على للايذان بان قلوبهم امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها {ويثبت به} اى بذلك الماء {الأقدام} حتى لا تسوخ فى الرمل ويجوز ان يكون الضمير للربط فان الاقدام انما تثبت فى الحرب بقوة القلب وتمكن الصبر والجراءة فيه شعر : دلا در عاشقى ثابت قدم باش كه در اينره نباشد كار بى احر تفسير : وبمثل الصدق والصبر وارتباط القلب وثبات الاقدام سادت الصحابة الكرام من عداهم الى يوم القيام ولا فضل لاحد على احد الا بالديانة والتقوى. قال الزهرى قدمت على عبد الملك بن مروان قال من اين قدمت يا زهرى قلت من مكة قال فمن خلفت فيها يسود اهلها قال قلت عطاء بن رباح قال فمن العرب ام من الموالى قلت من الموالى قال بم سادهم قلت بالديانة والرواية قال ان اهل الديانة والرواية ينبغى ان يسودوا الناس قال فمن يسود اهل اليمن قلت طاووس بن كيسان قال فمن العرب ام من الموالى قلت من الموالى قال فيم سادهم قلت بما ساد به عطاء قال من كان كذلك ينبغى ان يسود الناس قال فمن يسود اهل مصر قلت يزيد بن ابى حبيب قال فمن العرب ام من الموالى قلت من الموالى فقال كما قال فى الاولين ثم قال فمن يسود اهل الشام قلت مكحول الدمشقى فقال من العرب ام من الموالى قلت من الموالى عبد نوبى اعتقته امرأة من هذيل فقال كما قال ثم قال فمن يسود اهل الجزيرة قلت ميمون بن مهران قال فمن العرب ام من الموالى قلت من الموالى فقال كما قال ثم قال فمن يسود اهل حرمنا قلت الضحاك بن مزاحم فقال من العرب ام من الموالى قلت من الموالى فقال كما قال فمن يسود اهل البصرة قلت الحسن بن ابى الحسن قال من العرب ام من الموالى قلت من الموالى قال ويلك فمن يسود أهل الكوفة قلت ابراهيم النخعى قال من العرب ام من الموالى قلت من العرب قال ويلك يا زهرى فرجت عني والله ليسودن الموالى على الاكابر حتى يخطب لها على المنابر وان العرب تحتها قال قلت يا امير المؤمنين انما هو امر الله ودينه فمن حفظه ساد ومن ضيعه سقط. وفى الآية بيان نعمة الماء وان الخوف من العطش وكذا من الجوع من الشيطان ووسوسته فان المرء اذا كان قوى التوكل يستوى عنده الفقد والوجود والله تعالى من اسمه الخالق والرازق قالوا وللاسد من الصبر على الجوع وقلة الحاجة الى الماء ما ليس لغيره من السباع ولا يأكل من فريسة غيره واذا شبع من فريسة تركها ولم يعد اليها واذا امتلأ بالطعام ارتاض ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب فينبغى للمؤمن ان لا يكون أدون من الاسد فى هذه الصفات شعر : على المرء ان يسعى لتحسين حاله وليس عليه ان يساعده الدهر تفسير : والله تعالى قد سن الاعانة باعانته للمؤمنين فالمؤمن الكامل يساعد المؤمن حسب الطاقة -وحكى- ان فيروز بن يزدجرد بن بهرام من آل ساسان لما ملك عدل وانصف ولما مضى سبع سنين من ملكه ولم ينزل من السماء مطر ارسل الى كل بلد بان يقسم طعام كل بلد بين الاغنياء والفقراء واذا مات فقير من الجوع قتل من الاغنياء رجلا بدلا منه: قال الحافظ شعر : توانكرا دل درويش خود بدست آور كه مخزن زر وكنج درم نخواهد ماند تفسير : اللهم احفظنا من البخل والكسل الى حلول الاجل

ابن عجيبة

تفسير : قلت: (إذا) بدل ثان من (إذ يعدكم)، أو متعلق بالنصر، لِمَا في (عند الله) من معنى الفعل، أو بإضمار اذكروا، ومن قرأ بضم الياء، فهو من أغشى، أي: غطى، ومن قرأ بالتشديد، فهو من غشي المضعف، وكلاهما يتعدى إلى مفعولين، الكاف الأول والنعاس الثاني، ومن قرأ بالفتح والتخفيف، فهو من غشى يغشى؛ المتعدي إلى واحد و(وأمنة): مفعول من أجلة. يقول الحق جل جلاله: واذكروا {إذ يُغشيكم}، أي: حين كان يغشيكم {النُعاسَ} وأنتم في القتال، حين ينزل عليكم الأمْن من العدو بعد شدة الخوف، وذلك لأجل الأمن الذي نزل من الله عليكم بعد شدة خوفكم. قال ابن مسعود رضي الله عنه: النعاس عند حضور القتال علامة أَمْنٍ مِنَ العدو. ثم ذكّرهم بمنة أُخرى، فقال: {ويُنزل عليكم من السماء ماء ليُطهركم به} من الحدث والجنابة، {ويُذهب عنكم رجز الشيطان} أي: وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، رُوي أنهم نزلوا في كثيب رمل دهس، تسوخ فيه الأقدام على ماء قليل، وناموا فاحتلم أكثرهم، فوسوس إليهم الشيطان، وقال: كيف تُنصرون وأنتم تصلون محدثين مجنبين، وتزعمون أنكم أولياء الله فيكم رسوله؟ فأشفقوا، فأنزل الله المطر، فمُطروا ليلاً حتى جرى الوادي، فاتخذوا الحياض على عدوته، وسقوا الركاب، واغتسلوا وتوضؤوا، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو، حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الدهوسة، وهذا معنى قوله: {وليَرِبطَ على قلوبكم ويُثبتَ به الأقدام} أي؛ وليربط على قلوبكم بالوثوق على لطف وزوال ما وسوس إليهم الشيطان، وذهاب الكسل عنها. {ويُثبت به الأقدام} حتى لا تسوخ في الرمل، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في مداحض الحرب. واذكروا أيضاً: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} أي: أُثبت أقدامكم حين أُوحي إلى الملائكة أني معكم في نصر المؤمنين وتثبيتهم {فثبتوا الذين آمنوا} بتكثير عددهم، أو بالبشارة لهم، أو بمحاربة أعدائهم، على قول من قال: إنهم باشروا القتال. {سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب} والجزع حتى لا يثبتوا لقتالكم، يحتمل أن يكون من خطاب الله للملائكة، أو استئناف؛ إخباراً للمؤمنين عما يفعله بعدوهم عاجلاً وآجلاً. ثم قال للملائكة أو للمؤمنين: {فاضربوا فوق الأعناق} أي: أعاليها التي هي المذابح والرؤوس، {واضربوا منهم كل بَنَان} أي: أصابعهم، أي: جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم. الإشارة: كان شيخ شيخنا يُشير على الفقراء، إذا كثرت عليهم الخواطر والهواجس، بالنوم، ويقول؛ من تشوش خاطره فليرقد حتى يشبع من النعاس، فإنه يجد قلبه؛ لأن النعاس أمنة من الله يذهب به رجز الشيطان وثقله، ويربط على القلوب في الحضرة؛ لأنه زوال، وإذا زال العبد ظهر الحق وزهق الباطل. وقوله تعالى: {ويُنزل عليكم من السماء ماء}: هو ماء الغيب الذي يطهر القوب من شهود السَّوى، ويذهب به رجز الشيطان، وهي ظلمة الأكوان، التي تنعقد في القلب من حب الهوى الذي هو من تزيين الشيطان، ويثبت به الأقدام، حتى تثبت عند مصادمة أنوار الحضرة، التي هي تجلي الذات، فلا يثبت لها إلا الشجعان والأبطال وأكابر الرجال. والله تعالى أعلم. ثم ذكر علة أمرهم بقتل الكفار، فقال: {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {يغشاكم} بفتح الياء وسكون الغين وبألف مخفف. وقرأه اهل المدينة - بضم الياء وسكون الغين وكسر الشين مخفاً من غير الف. الباقون بضم الياء وفتح الغين وتشديد الشين وكسرها من غير الف. وكلهم نصب النعاس إلا ابن كثير وابو عمرو، فانهما رفعاه. وحجة من فتح الياء قوله {أية : أمنة نعاساً يغشى}. تفسير : فكما اسند الفعل إلى النعاس والأمنة، كذلك ها هنا. ومن قرأ بضم الياء وشدد الشين او خففها، فالمعنى واحد. قال الله تعالى {أية : فأغشيناهم فهم لا يبصرون} تفسير : وقال {أية : فغشاها ما غشى} تفسير : وقال {أية : كأنما أغشيت وجوههم} تفسير : وحجتهما أنه أشبه بما بعده. لأنه قال {وينزل عليكم من السماء ماء} فكما أن {ينزل} مسند إلى اسم الله كذلك {يغشي}. و "الغشيان" لباس الشيء ما يتصل به، ومنه غشي الرجل إمرأته، فكأن النعاس قد لابسهم بمخالطته إياهم. و {النعاس} ابتداء حال النوم قبل الاستثقال فيه، وهو السنة، تقول: نعس ينعس نعاساً فهو ناعس. وحكى الفراء أنه سمع نعسان. و "الأمنة" الدعة التي تنافي المخافة، تقول: أمن أمناً وأماناً وأمنة. وانتصب {أمنة} بأنه المفعول له، والعامل فيه "يغشى". وقوله {وينزل عليكم من السماء ماء} يعني مطراً وغيثاً. وقوله: {ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} قال ابن عباس: معناه يذهب عنكم وسوسة الشيطان، بأنه غلبكم على الماء المشركون حتى تصلوا وانتم مجنبين، لأن المسلمين باتوا ليلة بدر على غير ماء، فأصبحوا مجنبين، فوسوس اليهم الشيطان، فيقول: تزعمون أنكم على دين الله وانتم على غير الماء تصلون مجنبين، وعدوكم على الماء، فأرسل الله عليهم السماء، فشربوا واغتسلوا وأذهب به وسوسة الشيطان، وكانوا في رمل تغوص فيه الأقدام، فشدده المطر حتى تثبت عليه الرجال فهو قوله {ويثبت به الأقدام}. والهاء في {به} راجعة إلى الماء. وقال ابن زيد: يذهب بوسوسته أنه ليس لكم بهؤلاء طاقة. وقال الجبائي: لان الاحتلام بوسوسة الشيطان. وقوله {وليربط على قلوبكم} معناه ليشد عليها بما يسكنها. وقوله {ويثبت به الأقدام} قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وأكثر المفسرين: لتلبيده الرمل الذي لا يثبت عليه القدم. والثاني - الصبر الذي افرغه عليهم عند ذلك حتى ثبتوا لعدوهم - في قول ابي عبيدة والزجاج -. و {إذ} في موضع نصب على معنى وما جعله الله إلا بشرى في ذلك الوقت، ويجوز على تقدير إذكروا {إذ يغشاكم}.

فرات الكوفي

تفسير : {وَيُنَزِّلُ عَليكم مِنَ السَماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ به وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ11} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي جعفر عليه السلام [في قوله. ر]: {وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} قال: أما قوله: {وينزل عليكم من السماء ماءً} فإن السماء في البطن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم [والماء (أمير المؤمنين. ر) علي بن أبي طالب (عليه السلام. ر) جعل علياً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ر] فذلك [قوله. أ، ب]: {وينزل عليكم من السماء ماء} وأما قوله: {ليطهركم به} فذلك علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر] يطهر الله به قلب من والاه فذلك قوله {ليطهركم به} وأما قوله {ويذهب عنكم رجز الشيطان} فإنه يعني من والى علياً [ر: علي بن أبي طالب عليه السلام] أذهب الله عنه الرجس وتاب عليه.

اطفيش

تفسير : {إذْ} بدل ثان من إذ فى قوله: {إذ يعدكم} أو بدل من إذ المبدلة من هذه، وإنما صح الإبدال وهو إبدال الشئ من الشئ فى الموضعين، مع أن كلا من وقت الوعد، ووقت الاستغاثة، ووقت الإغشاء غير الآخر لاعتبار مجموعها وقتا واحدا واسعا، وإن اعتبرت المغابرة فالإبدال إبدال إضراب انتقالى، أو وقت الوعد، ووقت الاستغاثة واحد، أو وإذ هذه مفعول لا ذكروا محذوفا مستأنفا، أو متعلق بالنصر أو باستقرار قوله: {من عند الله} أو به لنيابته عن الاستقرار، أو بجعل أو بتطمئن أو بحكيم. {يغَشِّيكُم النُّعاسَ} فى يغشى ضمير الله، وهو مضارع أغشى تعدى لاثنين بالهمزة والكاف مفعول ثان، والنعاس مفعول أول، لأنه هو المجعول غاشيا، وذلك قراءة نافع والأعرج، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائى بفتح الغين وتشديد الشين، وبه قرأ عروة ابن الزبير، والحسن، وأبى رجاء، وعكرمة وغيرهم، والإعراب مثله فى ذلك، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: إذ يغشاكم النعاس بفتح الياء والشين ورفع النعاس، وبه قرأ مجاهد، وابن محيصن، وأهل مكة وإغشاءهم النعاس إدخاله عليهم وتغطيتهم به، وذلك استعارة، والنعاس النوم الخفيف يصيب الإنسان وهو قائم أو ماش. {أمنةً منهُ} أمنة مفعول لأجله بمعنى أمنا منه، أى من الله نعت أمنة، وفاعل الأمن الله، وأما فى قراءة ابن كثير وفاعلها النعاس على الإسناد المجازى وعليها فالهاء فى منه عائدة للنعاس، والأمنة من أمن المتعدى فى ذلك، وإن جعل من اللازم كان فاعله المسلمون، وفاعل الإغشاء أو التغشية الله، وفاعل الغشى فى قراءة ابن كثير النعاس، فلا يكون أمنة مفعولا لأجله على المشهور لاختلاف الفاعل، وقد يجعل فاعل الأمنة النعاس على سبيل الإسناد المجازى أيضا، فيتحد الفاعل فى قراءة ابن كثير، أو على أن من حقه أن لا يغشاهم، فلما غشيهم صار كأنه حصلت له أمنة من الله، لولاها لم يغشيهم، ويجوز تضمين يغشيكم ويغشينكم ويغشاكم معنى تنعسون، والأمنة فعل لفاعل ذلك، وهو مصدر أمن، يقال: أمن أخوك، وأمنت أخاك أمنا وأمانا وأمنة، وقرأ ابن محيصن أمنة بإسكان الميم. وعن ابن مسعود، وابن عباس: النعاس فى القتال أمنة من الله، وفى الصلاة وسوسة من الشيطان، وهذه نعمة عظيمة اشتد حالهم بالخوف والعطش، فألقى عليهم النوم فاستيقظوا، وقد خف عنهم ذلك، ولما ناموا ولم يصبهم العدو فى نومهم، كان ذلك قوة فيهم واجتراء عليه، وكان خفيفا بحيث لو قصدهم العدو لقاموا به وعرفوه، وهو فى ذلك الوقت خارق للعادة، ومعجزة له صلى الله عليه وسلم، كما أن إسماع أهل القليب فيما قيل كذلك، روى أنهم نعسوا حتى وقع السلاح من أيديهم. {ويُنزِّلُ عَليْكم مِن السَّماء ماءً ليُطهِّركُم بهِ} من الحدث والجنابة، وقرئ: ينزل بإسكان النون بعد ضم الياء، وقرأ الشعبى ما ليطهركم، قال أبو الفتح بن جنى: ما اسم موصل أى الذى للتطهير وهو الماء وهو ضعيف، وقرأ ابن المسيب بسكون الطاء {ويُذْهِبَ عنكُمْ} وقرأ عيسى بن عمرو بإسكان الباء تخفيفا {رِجْز الشَّيطانِ} وهو الجنابة لأنها من تخييله أو وسوسته وتخويفه إياهم من العطش، أو جميع ذلك، والرجز العذاب، وذلك عذاب منه لهم، وقرأ ابن محيصن بضم الراء، وقرأ ابن العالية بالسين. {وليَرْبطَ عَلى قُلوبكُم} يشد عليها بالصبر فتتوصل إلى الوثوق بالله واليقين، والتشجع على العدو والتثبيت، ولا حاجة إلى الحكم بزيادة على، فإنه كما يقال: ربطت الشئ يقال: ربطت عليه {ويُثبِّت بهِ} بالماء {الأقْدامَ} فلا تسوح فى الرمل أو الماء للربط، فانه إذا ربط على القلب ثبت القدم فى موطن القتال، روى أنه صلى الله عليه وسلم، نزل قريبا من بدر، وقد أمطرت السماء غير كثير، ونزلت قريش بالعدوة القصوى من الوادى، ونزل المسلمون على كثيب أى تراب متراكم أعفر، أى مائل إلى البياض تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب، وقد سبقهم المشركون إلى ماء بدر فأحرزوه، وحفروا القليب لأنفسهم. وأصبح المسلمون بعضهم محدث، وبعضهم جنب، وأصابهم الظمأ وهم لا يصلون إلى الماء، ووسوس الشيطان لبعضهم وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبى الله، وأنكم أولياء الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم عطاش وتصلون محدثين مجنبين، وما ينتظر أعداؤكم إلا أن يقطع العطش رقابكم، ويذهب قواكم، فيتحكموا فيكم كيف شاءوا، فأرسل الله عليهم مطرا فى الليل أسال منه الوادى، فشرب المسلمون واغتسلوا وتوضئوا، وسقوا الركاب وملئوا الأسقية، وأطفأ الغبار، ولبَّد الأرض، حتى ثبتت عليها الأقدام، وزالت عنهم وسوسة الشيطان، وطابت أنفسهم فذلك قوله: تعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء} الآية. وكانت الأرض التى عليها المشركون تزلق بهذا الماء فقيل: لكثرته فيها، وقيل: معجزة ماء واحد على قدر واحد فى أرض واحدة، زلق أرضهم حتى لا يقدروا على الانتقال بسرعة، ولبد أرض المسلمين، قال بعضهم: حديث : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء، فنزل بأدنى ماء بدر، فقال له الخباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل منزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ قال: "بل الرأى والحرب والمكيدة" قال: يا رسول الله صلى الله عليك، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تأتى أدنى ماء من القوم فتنزله، ثم تغور ما وراءه من القلب ثم نبنى عليه حوضا فتملأه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأى" فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى أتى أدنى ماء إلى القوم نزل عليه، ثم أمر بالقلب فغورت، وبنى حوضا على القليب الذى نزل عليه فملئ ماء، ثم قذفوا فيه الآنية .

اطفيش

تفسير : {إِذْ} اذكر إِذ أَو ظرف متعلق بالنصر، ولا خلاف فى جواز إِعمال المصدر المعرف بأَل فى الظرف، أَو بدل ثان من إِذ على جواز تعدد البدل والمبدل منه، حينئذ لا يكون فى حكم السقوط، أَو يتعلق بجعل أَو فى قوله: من عند لنيابته عن ثبت أَو ثابت {يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ} أَو يجعل الله النعاس غاشياً لكم ومحيطاً بكم {أَمَنةً مِنْهُ} ثابتة منه، والنصب على التعليل على أَن أَمنة مصدر حذفت زوائده، أَو اسم مصدر، والأَصل التأمين، أَو الإِيمان بمعنى جعله إِياهم آمنين غير خائفين فقد اتحد فاعل الإِغشاء والإِيمان أَو التأمين. أَو يضمن يغشيكم النعاس معنى يجعلكم تنعسون فيكون أَمنة على ظاهره مصدراً للثلاثى، فيحتمل فاعل النعاس وفاعل الأَمن، والمعنى أَن الله أَنزل عليهم النعاس فى وقت لا يعتاد فإِن الخائف على نفسه فى وقت حضور العدو وقتاله لا ينام، فإِيقاع النوم عليهم إِزالة للخوف، وذلك فى حكم المعجزة، إِذ وقع النوم على عدد كثير فى وقت واحد مع الخوف الشديد، ولم أَقل معجزة لأَن ذلك لم يقع فى معرض التحدى، ويقال: خافوا وعطشوا فأَلقى الله عليهم نوماً زال به عطشهم وخوفهم، وتمكنوا به من قتال عدوهم فهو نعمة لهم، وكان خفيفاً بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا، وعن ابن عباس رضى الله عنهما: النعاس فى القتال أَمنة من الله عز وجل وفى الصلاة وسوسة من الشيطان {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُم بِهِ} من الأَنجاس والجنابة والأَحداث كمس العورة وريح الدبر {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} وسوسته بأَنكم عطشتم وعدوكم على الماء، وإِنكم لا تغلبون عدوكم إِذ عطشتم، وغلبكم المشركون على الماء وتصلون مجنبين محدثين، وأَنتم تزعمون أَنكم أَولياء الله وفيكم رسوله، وقد أَنزل الله الاحتلام على أَكثرهم، وعن قليل يقتلكم العدو ويأْسرون من أَرادوا أَسره لضعفكم بالعطش وقلتكم، فأشفقوا فأَنزل الله الماءَ ليتطهروا به، ولنزول الوسوسة عليهم، فحفروا الأَحواض من ماء المطر وتطهروا أَو سقوا الركاب وشربوا وتلبد الرمل الذى بينهم وبين العدو، وكانت الأَقدام تسوخ فيه قبل المطر، وقيل: رجز الشيطان الجنابة، أَضيفت إِليه لأَنها من تخيله، ولذلك سميت رجزاً، ولا يقال: يلزم فى هذا القول التكرار لأَنا نقول: الجملة الثانية تعليل للأُولى، والمعنى طهركم من الجنابة لأَنها من رجز الشيطان وتخييله، ويبحث التعليل لا تقيده الثانية إِذ لم تسق مساقه {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ} يشد عليها بتقويتها باليقين والصبر وانتفاء الوسواس وجعل إِنزال الماء سبباً لذلك حتى قيل: يربط على قلوبكم بإِنزال الماء، وعلى للإِيذان بأَن القوة بلغت فى الكمال حتى كأَنها استولت على القلوب وارتفعت عليها، وهذا أَولى من أَن تكون على صلة، وأَن المراد وليربط قلوبكم {وَيُثَبِّتَ بِهِ} بالماء {الأَقْدَامَ} عن أَن تسوخ فى الرمل، فإِن المشى فيه مع دخول الأَقدام فيه عسر، وأَيضاً فى تلبيده إِزالة الغبرة المشوشة، أَو الهاءَ للربط على القلوب فيكون المراد تثبيت القلوب فى المعركة على طريق الكناية أَو تثبيت الأَرجل فيها فلا تخرج عنها.

الالوسي

تفسير : {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} أي يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم. والنعاس أول النوم قبل أن يثقل. وأخرج ابن أبـي حاتم عن قتادة أن النعاس في الرأس والنوم في القلب ولعل مراده الثقل والخفة وإلا فلا معنى له، والفعل نعس كمنع والوصف ناعس ونعسان قليل. و {إِذْ يُغَشِّيكُمُ} بدل ثان من {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ } تفسير : [الأنفال: 7] على القول بجواز تعدد البدل، وفيه إظهار نعمة أخرى فإن الخوف أطار كراهم من أوكاره فلما طأمن الله تعالى قلوبهم رفرف بجناحه عليها فنعسوا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو هو منصوب باذكروا. وجوز تعلقه بالنصر، وضعف بأن فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف الكوفيين، والفصل بين المصدر ومعموله، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير أن يكون ذلك المعمول مستثنى أو مستثنى منه أو صفة له، والجمهور لا يجوزون ذلك خلافاً للكسائي والأخفش، وتعلقه بما في عند الله من معنى الفعل وقيل عليه إذ يلزم تقييد استقرار النصر من الله تعالى بهذا الوقت ولا تقييد له به، وأجاب الحلبـي بأن المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده وبالجعل، وفيه الفصل وعمل ما قبل إلا فيما ليس أحد الثلاثة وبما دل عليه {أية : عَزِيزٌ حَكِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 10] وفيه لزوم التقييد ولا تقييد، وأجيب بما أجيب، والأنصاف بعد الاحتمالات الأربع. وقرأ نافع {يغشيكم} بالتخفيف من الإغشاء بمعنى التغشية والفاعل في القراءتين هو الله تعالى. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {يغشاكم} على إسناد الفعل إلى النعاس. وقوله سبحانه وتعالى: {أَمَنَةً مّنْهُ} نصب على أنه مفعول له وهو مصدر بمعنى الأمن كالمنعة وإن كان قد يكون جمعاً وصفة بمعنى آمنين كما ذكره الراغب، واستشكل بأن شرط النصب الذي هو اتحاد فاعله وفاعل الفعل العامل فيه مفقود إذ فاعله هم الصحابة الآمنون رضي الله تعالى عنهم وفاعل الآخر هو الله على القراءتين الأوليين والنعاس على الأخرى. وأجيب بأنه مفعول له باعتبار المعنى الكنائي فإن يغشاكم النعاس يلزمه تنعسون ويغشيكم بمعناه فيتحد الفاعلان إذ فاعل كل حينئذٍ الصحابة، وقال بعض المدققين: إنه على القراءتين الأوليين يجوز أن يكون منصوباً على العلية لفعل مترتب على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً أو على أنه مصدر لفعل آخر كذلك أي فتأمنون أمناً، وعلى القراءة الأخيرة منصوب على العلية بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل مترتب عليه كما علمت، وما تقدم أقل انتشاراً. وجوز أن يراد بالأمنة الإيمان بمعناه اللغوي وهو جعل الغير آمناً فيكون مصدر آمنه، وهو على بعده إنما يتمشى في القراءتين الأوليين لأن فاعل التغشية والأمان هو الله تعالى، وأما على القراءة الأخرى فلا ويحتاج إلى ما مر، ومن الناس من جوز فيها أن يجعل الأمن فعل النعاس على الإسناد المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن، والإسناد في ذلك مقدر وليس المراد به النسبة التي بين الفعل والمفعول له أي يغشاكم النعاس لأمنه، أو على تشبيه حاله بحال إنسان شأنه الأمن والخوف وأنه حصل له من الله تعالى الأمان من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشاكم وأنامكم فيكون الكلام تمثيلاً وتخييلاً للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس. والقطب [الرازي] جعل في الكلام استعارة بالكناية حيث ذكر أنه شبه النعاس بشخص من شأنه أن يأتيهم لكنه لا يأتيهم في وقت الخوف وإذا أمن أتاهم، ثم ذكر النعاس وأراد ذلك الشخص، والقرينة ذكر الأمنة لأنها من لوازم المشبه به، وقد وصف الزمخشري النوم بنحو ذلك في قوله:شعر : / يهاب النوم أن يغشى عيونا تهابك فهو نفار شرود تفسير : وما يقال: إن مثل هذا إنما يليق بالشعر لا بالقرآن الكريم فغير مسلم، وذكر ابن المنير في توجيه اتحاد الفاعل على القراءتين ((أن لقائل أن يقول: فاعل تغشية النعاس إياهم هو الله تعالى وهو فاعل الأمنة أيضاً لأنه خالقها فحينئذٍ يتحد فاعل الفعل والعلة فيرتفع السؤال ويزول الإشكال على قواعد أهل السنة التي تقتضي نسبة أفعال الخلق إلى الله تعالى على أنه خالقها ومبدعها وتعقبه بأن للمورد أن يقول: المعتبر الفاعل اللغوي وهو المتصف بالفعل وهو هنا ليس إلا العبد إذ لا يقال لله سبحانه وتعالى آمن وإن كان هو الخالق وحينئذٍ يحتاج إلى الجواب بما سلف)) والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لأمنة، أي أمنة كائنة منه تعالى لكم، ولعل مغايرة ما هنا لما في سورة آل عمران [154] لاختلاف المقام فقد قالوا: إن ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن ولذلك قدمه سبحانه وتعالى وبسط الكلام فيه كما لا يخفى على من تأمل في السياق والسباق بخلافه هنا لأنه في مقام تعداد النعم فلذا جىء بالقصة مختصرة للرمز وقرىء {أمنة} بالسكون وهو لغة فيه. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} عطف على {يُغَشِّيكُمُ} وكان هذا قبل النعاس كما روي عن مجاهد وتقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر كما مر غير مرة، وتقديم {عَلَيْكُم} لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من بيان كونه من السماء. وقرأ ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو عمر {وينزل} بالتخفيف من الإنزال وقرأ الشعبـي (ما) {لّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أي من الحدث الأصغر والأكبر ووجهها كما قال ابن جني أن {مَا} موصولة واللام متعلقة بمحذوف وقع صلة لها أي وينزل عليكم الذي ثبت لتطهيركم، ونظير هذه اللام اللام في قولك: أعطيت الثوب الذي لدفع البرد وهي في قراءة الجماعة نظير اللام في قولك: زرتك لتكرمني ومرجع القراءتين واحد والمشهورة أفصح بالمراد وانظر لم لا يجوز أن تخرج هذه القراءة على ما سمع من قولهم اسقني ما بالقصر، وقد حكي ذلك في «القاموس» وأرى أن العدول عن ذلك إن جاز كالتيمم مع وجود الماء. {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} أي وسوسته وتخويفه إياكم من العطش. أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين وكانت بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال: أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله تعالى وتصلون مجنبين محدثين؟ فأنزل الله تعالى من السماء ماء فسال عليهم الوادي فشربوا وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسة الشيطان، وفسر بعضهم الرجز هنا بالجنابة مع اعتبار كون التطهير منها واعترض بلزوم التكرار ودفع بأن الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم من الجنابة لأنها كانت من رجز الشيطان وتخييله. وقرىء {رجس} وهو بمعنى الرجز. {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه، وأصل الربط الشد ويقال لمن صبر على الشيء: ربط نفسه عليه. قال الواحدي: ويشبه أن تكون {عَلَىٰ} صلة أي وليربط قلوبكم. وقيل الأصل ذلك إلا أنه أتى بعلى قصداً للاستعلاء وفيه إيماء إلى أن قلوبهم قد امتلأت من ذلك حتى كأنه علا عليها، وفي ذلك من إفادة التمكن ما لا يخفى {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} ولا تسوخ في الرمل فالضمير للماء كالأول. / وجوز أن يكون للربط، والمراد بتثبيت الأقدام كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين.

ابن عاشور

تفسير : لقد أبدع نظم الآيات في التنقل من قصة إلى أخرى من دلائِل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين، فقَرَنَها، في قَرَن زمانها، وجعل ينتقل من إحداها إلى الأخرى بواسطة إذْ الزمانية، وهذا من أبدع التخلص، وهو من مبتكرات القرآن فيما أحسب. ولذلك فالوجه أن يكون هذا الظرف مفعولاً فيه لقوله: {أية : ومَا النصر}تفسير : [الأنفال: 10] فإن إغشاءهم النعاس كان من أسباب النصر، فلا جرم أن يكون وقت حُصوله طرفاً للنصر. والغَشْيُ والغشيان كون الشيء غاشياً أي غاماً ومغطياً، فالنوم يغطي العَقل. والنعاسُ النوم غير الثقيل، وهو مثل السَّنة. وقرأ نافع، وأبو جعفرُ: {يُغْشِيكم}، بضم التحتية وسكون الغين وتخفيف الشين بعدها ياء مضارع أغشاه وبنصب {النعاسَ} والتقدير: إذ يغشيكم الله النعاسَ، والنعاس مفعول ثاني ليغشي بسبب تعدية الهمزة وقرأه ابنُ كثير، وأبو عمرو: بفتح التحتية وفتح الشين بعدها ألف، وبرفع النعاس، على أن يغشاكم مضارع غشي والنعاس فاعل، وقرأه الباقون: بضم التحتية وفَتح الغين وتشديد الشين ونصب النعاس، على أنه مضارع غشاه المضاعف والنعاس مفعول ثان. فإسناد الإغشاء أو التغشية إلى الله لأنه الذي قدر أن يناموا في وقت لا ينام في مثله الخائف، ولا يكون عامّاً سائرَ الجيش، فهو نوم منحهم الله إياه لِفائِدتهم. وإسناد الغشي إلى النعاس حقيقة على المتعارف وقد علم أنه من تقدير الله بقوله {أمنة منه}. و(الأمنة) الأمن، وتقدم في آل عمران، وهو منصوب على المفعول لأجله على قراءة من نصب (النعاس)، وعلى الحال على قراءة من رفع (النعاس). وإنما كان (النعاس) أمناً لهم لأنهم لمّا ناموا زال أثر الخوف من نفوسهم في مدة النوم فتلك نعمة، ولما استيقظوا وجدوا نشاطاً، ونشاط الأعصاب يكسب صاحبه شجاعة ويزيل شعور الخوف الذي هو فتور الأعصاب. وصيغة المضارع في {يُغشيكم} لاستحضار الحالة. و(مِنْ) في قوله: {منه} للابتداء المجازي، وهو وصف لـ(أمنة) لإفادة تشريف ذلك النعاس وأنه وارد من جانب القُدس، فهو لطْف وسكينة ورحمة ربَانية، ويتأكد به إسناد الإغشاء إلى الله، على قراءة من نصبوا (النعاس)، تنبيهاً على أنه إسناد مخصوص، وليس الإسناد الذي يعم المقدورات كلها، وعلى قراءة من رفعوا (النعاس) يكون وصف الأمنة بأنها منه سارياً إلى الغَشي فيعلم أنه غشي خاص قُدسي، وليس مثل سائِر غشيان النعاس فهو خارق للعادة كان كرامة لهم وقد حصل ذلك للمسلمين يومَ بدر كما هو صريح هذه الآية وحصل النعاس يوم أُحُد لطائفة من الجيش قال تعالى: {أية : ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاساً يغشى طائفة منكم}تفسير : وتقدم في سورة آل عمران (154)، وفي صحيح البخاري عن أبي طلحة قال: «كنتُ فيمن تَغَشّاه النعاس يومَ أُحُد حتى سَقط سيفي من يدي مراراً» وذكر الله مِنةٌ أخرى جاءت في وقت الحاجة: وهي أنه أنزل عليهم المَطر يوم بَدر، فإسناد هذا الإنزال إلى الله تعالى للتنبيه على أنه أكرمهم به وذلك لكونه نزل في وقت احتياجهم إلى الماء، ولعله كان في غير الوقت المعتاد فيه نزول الأمطار في أُفُقِهم، قال أهل السير: كان المسلمون حين اقتربوا من بدر راموا أن يسبقوا جيش المشركين إلى ماء بدر، وكان طريقهم دَهْساء أي رملاً ليناً، تسوخ فيه الأرجل فشق عليهم إسراع السير إلى الماء وكانت أرض طريق المشركين ملبدة، فلما أنزل الله المطر تلبدت الأرض فصار السير أَمكن لهم، واستوحلتْ الأرض للمشركين فصار السير فيها متعباً، فأمكن للمسلمين السبق إلى الماء من بدر ونزلوا عليه وادخروا ماء كثيراً من ماء المطر، وتطهروا وشربوا، فذلك قوله تعالى: {ليطهّركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان}. و(الرجز) القَذَر، والمراد الوسخ الحِسي وهو النجس، والمعنوي المعبر عنه في كتب الفقه بالحَدَث. والمراد الجنابة، وذلك هو الذي يعم الجيش كله فلذلك قال: {ويذهب عنكم رجز الشيطان}، وإضافته إلى الشيطان لأن غالب الجيش لما ناموا احتلموا فأصبحوا على جنابة وذلك قد يكون خواطر الشيطان يخيلها للنائِم ليفسد عليه طهارته بدون اختيار طمعاً في تثاقله عن الاغتسال حتى يخرج وقت صلاة الصبح، ولأن فقدان الماء يلجئهم إلى البقاء في تنجس الثياب والأجساد والنجاسة تلائم طبع الشيطان. وتقدير المجرور في قوله: {عنكم رجز الشيطان} للرعاية على الفاصلة، لأنها بنيت على مد وحرف بعده في هذه الآيات والتي بعدها مع ما فيه من الاهتمام بهم. وقوله: {وليربط على قلوبكم} أي يؤمنّكم بكونكم واثقين بوجود الماء لا تخافون عطشاً وتثبيت الأقدام هو التمكن من السير في الرمل، بأن لا تسوخ في ذلك الدهس الأرجل، لأن هذا المعنى هو المناسب حصوله بالمطر. و(الربط) حقيقته شد الوثاق على الشي وهو مجاز في التثبيت وإزالة الاضطراب ومنه قولهم: فُلان رابط الجأش وله رباطة جَأش. و{على} مستعارة لتمكن الربط فهي ترشيح للمجاز.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ألقى النعاس على المؤمنين ليجعل قلوبهم آمنة غير خائفة من عدوها، لأن الخائف الفزع لا يغشاه النعاس، وظاهر سياق هذه الآية أن هذا النعاس ألقي عليهم يوم بدر، لأن الكلام هنا في وقعة بدر، كما لا يخفى. وذكر في سورة آل عمران أن النعاس غشيهم أيضاً يوم أحد، وذلك في قوله تعالى في وقعة أحد: {أية : ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً} تفسير : [آل عمران: 154] الآية.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 11-اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خفتم من قلة الماء، ومن الأعداء، فوهبكم الله الأمن، وأصابكم النعاس فنمتم آمنين، وأنزل الماء من السماء لتتطهروا به، ولتذهبوا وساوس الشيطان عنكم، وثبت قلوبكم واثقة بعون الرحمن ولتتماسك به الأرض فتثبت الأقدام. 12- اذكروا - أيها المؤمنون - أن الله أوحى للملائكة أن تودع فى نفوسكم أنى معكم بالتأييد والنصر، قائلاً لهم: قووا قلوب الذين آمنوا وأذعَنوا للحق وجاهدوا فى سبيل الله، وسأجعل الرعب يستولى على قلوب المشركين، فيفزعون هم دونكم، فاضربوا - أيها المؤمنون - رءوسهم التى فوق أعناقهم، وقطعوا أصابعهم التى يحملون بها السيوف. 13- كان ذلك النصر والتأييد لكم، والرعب والفزع لهم، لأنهم تحدوا الله ورسوله، فكانوا فى جانب والله ورسوله فى جانب آخر، ومن يحاد الله ورسوله فإنه ينزل به العذاب الأليم لأن عقاب الله شديد. 14- ذلكم أيها المؤمنون هو القتال فذوقوه مع اليقين بالنصر والتأييد وأن للجاحدين بآياته عقاباً آخر يوم القيامة، هو عذاب النار.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانِ} (11) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ بِأنّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإلْقَائِهِ النُّعَاسَ عَلَيْهِمْ لِيُؤمِّنَهُمْ بِهِ مِنَ الخَوْفِ الذِي اعْتَرَاهُمْ مِنْ كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى قِلَّةِ عَدَدِهِمْ، كَمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِأنْ أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ فَمَلأَ المُسْلِمُونَ أَوْعِيَتَهُمْ، وَشَرِبُوا وَتَطَهَّرُوا، فَارْتَاحَتْ نُفُوسُهُمْ، وَكَانَ بَيْنَ مَوَاقِعِهِمْ وَمَوَاقِعِ المُشْرِكِينَ أَرْضٌ رَمْلِيَّةٌ، فَلَمَّا نَزَلَ المَطَرُ ثَبَتَ رَمْلُها تَحْتَ الأَقْدَامِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَوْناً لِلْمُسْلِمِينَ فِي المَعْرَكَةِ. يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ - يَجْعَلُهُ غَاشِياً عَلَيْكُمْ كَالغِطَاءِ. أمَنَةً مِنْهُ - أمْناً مِنَ اللهِ وَتَقْوِيَةً لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ. رِجْزَ الشَّيْطَانِ - وَسْوَسَتَهُ وَتَخْوِيفَهُ إِيَّاكُمْ. لِيَرْبِطَ - لِيَشُدَّ وَيُقَوِّي بِاليَقِينِ وَالصَّبْرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : والنعاس عبارة عن السِّنة الأولى التي تأخذ الإنسان عندما يحب أن ينام، ويسميها العامة في مصر "تعسيلة" ويقولون: "فلان معسل" أي أخذته سِنَة النوم، وهي ليست نوماً بل فتور في الأعصاب يعقبه النوم، وهذا من آيات الله تعالى في أن يهب الإنسان راحة مؤقتة وليست نوماً. وسبحانه يقول عن ذاته العليا: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}تفسير : [البقرة: 255]. أي أنه - جل وعلا - لا يأخذه النومُ الخفيفُ ولا النوم الثقيل. لأنّ السِّنة هي إلحاح من الجسم في طلب النوم، ويكون نوماً خفيفاً، وسبحانه وتعالى ليس كمثله شيء فهو عز وجل لا يتجسد أو يتمثل في شيء، لا السِّنة تأخذه ولا النوم يقاربه، ونلحظ أن الإنسان إذا ما تكلم بجانب من تأخذخ السِّنة فهو يصحو وينتبه. أما النائم بعمق فقد لا يصحو. فالسِّنة - إذن - هي الداعي الخفيف للراحة. أما النوم فهو الداعي الثقيل. وهنا أنزل الله عليهم النعاس بمثابة مقدمة للنوم ليستريحوا قليلاً. ونعلم أن النوم آية من آيات الله عز وجل في كونه؛ لأن الجسم حين يعبر عن نفسه بالحركة والطاقة ويأكل الغذاء ويشرب الماء ويتنفس الهواء، كل ذلك يتحول إلى طاقة ثم إلى وقود للحركة. وهذه الطاقة تتكون بالتفاعل بين العناصر المختلفة، من تمثيل للغذاء وتحويل الطعام إلى نوعيات مختلفة لتغذية كل خلية من خلايا الجسم بما يناسبها، ثم استخلاص "الأوكسجين" عبر التنفس وطرد ثاني أكسيد الكربون، وعشرات الآلاف من التفاعلات الكيميائية لا توجد بها فضلات لتخرج، وهي تختلف عن التفاعلات الأخرى التي تخرج منها الفضلات من أحد السبيلين، أو من صماخ الأذن أو غير ذلك. ومثل هذه الفضلات إنما تنتج من الاحتراقات التي نقول عنها: "العادم" في الآلات الميكانيكية. والعادم هو نتيجة الاحتراق وهي غازات تنفصل لتسير الحركة. وفي الإنسان نجد العادم يتمثل في الغائط، وما خرج من صماخ الأذن، و"عماص العين"، والعرة، كلها عوادم. لكنْ هناك لون من تركيبة هذه التفاعلات يُمثل لإيجاد الطاقة وليس له عادم. والوسيلة الأساسية لاستعادة التوازن الكيميائي المناسب للإنسان هي أن نريح الجسم، وتتفاعل مواد الجسم مع نفسها ويعود طبيعياً. وهذا لا يحدث إلا بالنوم. ولذلك نجد الإنسان حين يسهر كثيراً ويذهب إلى النوم يشعر برجليه وقد "خدلت" أو كما يقال: "نملت". وهذا نتيجة عجز مواد الجسم عن التفاعل الذي تحتاجه نتيجة اليقظة، وهذه كلها مسائل لا إرادية. بدليل أن الإنسان يرغب أحياناً في أن ينام، ويتحايل أحيانا على النوم فلا يأتيه؛ لأن النوم من العمليات المختصة بالحق سبحانه وتعالى، وهو آية من آيات الله في هذا الكون، ومن ضمن الآيات العجيبة. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الروم: 23]. وحين حاول العلماء الباحثون أن يفسروا ظاهرة النوم، وضعوا عشرات النظريات، وآخر التجارب التي أجريت أنهم أحضروا إنسانا وعلقوه كالرافعة من وسطه، وكأنه عصا مرفوعة من وسطها بتوازن، وجعلوا كل نصف من النصفين متساوياً في الوزن، وحين جاء النوم لهذا الإنسان محل التجربة وجدوا أن جهة من النصفين مالت، وكأن ثقلاً ما جاءها من النصف الآخر فزادت كتلتها، وهذا آخر ما درسوه في النوم، هذه التجربة أثبتت أن النوم عجيبة من العجائب التي تستحق أن يقول الحق تبارك وتعالى عنها: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ} تفسير : [الروم: 23]. وانظر إلى كلمة "النهار" هذه تر فيها الرصيد الاحتياطي الموجود في آية النوم؛ لأنه سبحانه وتعالى يقول: {وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِٱلْلَّيْلِ}. وفي هذا القول رصيد احتياطي لمن جاء له ظرف من الظروف ولم ينم بالليل، فيعوض هذا الأمر وينام بالنهار، ومن حكمة الله تعالى أنه ذيل هذه الآية بقوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ}. وهذا بسبب أن النوم يعطل كل طاقات الجسم، فعندما ينام الإنسان لا يقدر جسمه على أن يتحرك التحرك الإداري، إلا السمع فهو باق في وظيفته؛ لأن به الاستدعاء، وإنَّ العين - مثلاً - لا ترى أثناء النوم، إنما الأذن تسمع ولا تتخلى عن السماع أبداً؛ لأن بالأذن يكون الاستدعاء، فإذا ما نادى الأب ابنه وهو نائم فهو يسمع النداء. لذلك قلنا سابقاً: إنَّ الحق سبحانه وتعالى حينما أراد أن ينيم أهل الكهف ثلثمائة سنة وازدادوا تِسْعا، قال تعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً}تفسير : [الكهف: 11]. لأنه لو لم يضرب على آذان أهل الكهف لظل السمع باقياً، فإذا ظل السمع، أهاجته الأعاصير، وعواء الذئاب، وزئير الأسود، ولما استطاعوا النوم طيلة هذه المدة. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11]. وقد يتبادر إلى الأذهان سؤال هو: وهل هناك نعاس غير أمنة؟ والجواب نعم؛ لأنه مجرد الراحة من تعب لتنشط بعدها، هذا لنفهم أن "أمنة" جاءت لمهمة هي تهدئة أعماق المؤمنين في المهيجات المحيطة، فهذا عدو كثير العدد، وهو بلا عتاد؛ لذلك شاء الحق تبارك وتعالى ألا يضيع منهم الطاقة اللازمة للمواجهة، ولا تتبدد هذه الطاقة في الفكر؛ لذلك جعل نعاسهم مخصوصاً يغلبهم وهو "نعاس أمنة"، وجعل المولى عز وجل من هذا النعاس آية، حيث جاءهم كلهم جميعا، وهذه بمفردها آية من آياته سبحانه وتعالى ولو غلبهم النوم العميق لمال عليهم الأعداء مَيْلًة واحدة، ولكنهم أخذوا شيئاً من الراحة التي فيها شيء من اليقظة. {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً}. وهنا النعاس مفعول به، وهو أمنة من الله، وسبحانه يقول في آية أخرى: {أية : ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ ٱلْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاساً}تفسير : [آل عمران: 154]. هنا في آية الأنفال نعاس وأمنة، وهناك في آية آل عمران أمنة ونعاس؛ لأن الحالتين مختلفتان - فتوضح آية آل عمران أن التعاس قد غشى طائفة واحدة من المقاتلين في غزوة أحد بعد أن أصابهم الغم في هذه الغزوة، وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون الملتفون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في سورة الأنفال فتبين الآية أن النعاس قد غشى الجيش كله حيث كان الجميع على قلب رجل واحد والإيمان يملأ قلوبهم جميعا ولا يوجد بينهم منافق أو مرتاب فغشيتهم جميعا هذه الأمنة بالنعاس؛ لأنه يزيل الخوف، ومن دلائل الأمن والطمأنينة والثقة بنصر الله. ويقول الحق تبارك وتعالى متابعاً في ذات الآية: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} [الأنفال: 11]. ومعنى التطهير أن هناك حادثاً يستحق التطهر منه وهم لم يجدوا ماءً ليتطهروا به حيث كان المشركون قد غلبوا المسلمين على الماء في أول الأمر، فظمئ المسلمون وانشغلوا بالعطش، وبالرغبة في تطهير أجسامهم، وهذا يدل على أن المؤمن يجب أن يظل نظيفاً، رغم الوجود في المعركة التي لو استمر فيها الواحد منهم يوماً أو اثنين دون استحمام، لما لامه أحد على ذلك، وجاء هذا القول ليدل على حرص المؤمن على النظافة إن خرج شيء من الإفرازات والعرق، أو كان التطهر من رجز الشيطان؛ لأن الشيطان خيل لهم منامات جنسية، وأخذ يوسوس قائلا لهم: أنتم تقولون إنَّكم على حق، فكيف تصلون وأنتم جنب؟ وكان مجرد حدوث هذا الأمر لهم جميعاً هو آية أخرى من الآيات. فأغاظ الله الشيطان وأنزل عليهم الماء ليشربوا ويتطهروا. ويقول المولى سبحانه وتعالى في ذات الآية: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} وأراد الحق تبارك وتعالى أن يطمئن المؤمنين فلا تتوزع أو تتشتت مشاعرهم، وما أن نزل المطر حتى حفروا الحفر ليتجمع فيها الماء، وهكذا حماهم سبحانه وتعالى من نقص الماء، كما أن نزول المطر على الأرض الرملية نعمة كبرى - من جهة أخرى - حيث يثبت الرمال على الأرض فلا تثير غباراً، ونعلم أن الإنسان حين يسير على الأرض، فإن ثقلة يدك ما تحته مما يحتمل الدك على قدر وزنه، فالطفل الصغير حينما يمشي على الرمال، فأثر سيره يكون بسيطاً، عكس الرجل الضخم، وإن قستها بالنسبة لوزن الصبي أو الغلام، وبوزن الرجل الممتلئ، تجد أن الأرض قد غاصت بنسبة الكتلة التي سارت عليها، وحين يسير الناس دون عمل ولا يقصدون غير السير، يكون الثقل خفيفاً، أما حين يدخل الرجال الحرب فالأقدام قد تغوص في الرمال وقد يصير جزءٌ من جسد المقاتل معطلاً عن الحركة؛ لأن القدم هي التي تحقق التوازن. إن هذه من حكمة الله تعالى، ونحن نرى ذلك في حياتنا، فنجد أهل الريف يضعون فوق جداول الماء جزع نخلة أو "عرقاً" من الخشب ليسير عليه الإنسان بين الشطين، وإن فكّر السائر في هذه المسألة قد يقع في الماء، لكنه إن ترك رجليه للسير تلقائيا، فهو يمشي محققاً التوازن، ومثل الأمر يحدث في صناعة سلالم البيوت، إننا نجدها متساوية في ارتفاع درجاتها ليصعد الإنسان صعوداً رتيباً من غير تفكير، فإذا اختلت درجة واحدة في السلم بأن كا ارتفاعها مختلفا عن بقية الدرجات يختل التوازن ويقع الإنسان؛ لأن الساق ضبطت نفسها آليا على هذا الوضع. ولذلك نجد الصعود على السلالم الحلزونية متعباً لأن السلالم الحلزونية فيها جهة واسعة وأخرى ضيقة. وقد يرتبك الإنسان أثناء الصعود، ولهذه الأسباب نجد الجيوش تكشف طبيّاً على المجندين، ولا يختارون إلا الشخص المستوي القدمين لتستقبل أقدامه كل الظروف ويكون قادراً على مواجهة الظروف غير العادية، ومن عظمة الخالق سبحانه وتعالى أن جعل كل عضو من الأعضاء له مواصفات خاصة. وسبحانه يذيل هذه الآية بقوله عز وجل: {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} وتثبيت الأقدام من جهة يمثل أمراً معنويّاً، ومن جهة أخرى يكون تثبيت الأقدام "بمعنى أن نزول المطر جعل الأرض ثابتة" ولا تثير الغبار أو الرمال، وسبحانه هو القائل في مناسبة أخرى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَٰتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسْتَكَانُواْ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِيۤ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 146 - 147]. وهكذا نفهم أن تثبيت الأقدام له ألوان متعددة، حسيّة ومعنوية. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} قال: يعني أَمن من الله {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ}. وهو المطر أَنزله عليهم قبل النعاس. {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} [الآية: 11]. يعني: وسوسة الشيطان. فأَطفأَ بالماءِ الغبار والبدت به الأَرض، وطابت به أَنفسهم، وثبتت به أَقدامهم. أنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ} يعني: أَصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، حين قال بعضهم: قتلت. وقال بعضهم: قتلت. فقال الله، عز وجل: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} [الآية: 17]. يعني به محمداً، صلى الله عليه وسلم، حين حصب الكفار. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ ٱلْفَتْحُ} [الآية: 19]. يعني: كفار قريش. وذلك أَنهم قالوا: ربنا افتح بيننا وبين محمد وأَصحابه. أَي احكم بيننا وبين محمد وأَصحابه. ففتح الله بينهم يوم بدر بالحق.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} معناه يُفْرغْ عَلَيهِم الصَّبرَ.

الأندلسي

تفسير : {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ} إذ بدل ثان من إذ يعدكم عدد تعالى نعمه على المؤمنين في يوم بدر وانتصب امنة على أنه مفعول من أجله لاتحاد الفاعل في قراءة من قرأ يغشيكم والمغشي هو الله تعالى. قال الزمخشري: ان منصوب بالنصر أو بما في عند الله من معنى الفعل أو بما جعله الله أو بإِضمار اذكر. "انتهى". أما كونه منصوباً بالنصر ففيه ضعف من وجوه أحدهما أنه مصدر فيه الْ. وفي اعماله خلاف ذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز إعماله الثاني أنه موصول وقد فصل بينه وبين معموله بالخبر الذي هو إلا من عند الله وذلك لا يجوز لا يقال: ضرب زيد شديد عمرا. الثالث أنه يلزم منه اعمال ما قبل إلا فيما بعدها من غير أن يكون ذلك المعمول مستثنى أو مستثنى منه أو صفة له وإذ ليس واحداً من هذه الثلاثة فلا يجوز ما قام إلا زيد يوم الجمعة، وقد أجاز ذلك الكسائي والأخفش. وأما كونه منصوباً بما في عند الله من معنى الفعل فيضعّفه المعنى لأنه لا يصبر استقرار النصر مقيداً بالظرف والنصر من عند الله مطلقاً في وقت غشي النعاس وغيره. وأما كونه منصوباً بما جعله الله فقد سبقه إليه الحوفي وهو ضعيف أيضاً لطول الفصل ولكونه معمول ما قبل إلا وليس أحد تلك الثلاثة. ومعنى: {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أي من الجنابات وكان المؤمنون لحق أكثرهم في سفرهم الجنابات وعدموا الماء وكانت بينهم وبين بدر مسافة طويلة من رمل دهس لين تسوخ فيه الأرجل وكان المشركون قد سبقوهم إلى ماء بدر وكان نزول المطر قبل ذلك. {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} أي عذابه لكم بوسواسه. والرجز: العذاب. والظاهر أن تثبيت الأقدام هو حقيقة لأن المكان الذي وقع فيه اللقاء كان رملاً تغوص فيه الأقدام فلبده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام. والضمير في به عائد على المطر وانظر إلى فصاحة مجيء هذه التعليلات بدأ أولاً منها بالتعليل الظاهر وهو تطهيرهم من الجنابة وهو فعل جسماني أعني اغتسالهم من الجنابة. وعطف عليه بغير لام العلة ما هو من لازم التطهير وهو إذهاب رجز الشيطان حيث وسوس إليهم بكونهم يصلون ولم يتغسلوا من الجنابة ثم عطف بلام العلة ما ليس بفعل جسماني وهو فعل محله القلب وهو التشجيع والاطمئنان والصبر على اللقاء وعطف عليه بغير لام العلة ما هو من لازمه وهو كونهم لا يفرون وقت الحرب. فحين ذكر التعليل الظاهر الجسماني والتعليل الباطن القلبي ظهر حرف التعليل. وحين ذكر لازمهما لم يؤكد بلام التعليل، وبدأ أولاً بالتطهير لأنه الآكد والأسبق في الفعل والذي يؤدي به أفضل العبادات وتحيى به القلوب. {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ} هذا أيضاً من تعديد النعم إذ الإِيحاء إلى الملائكة بأنه تعالى معهم أي ينصرهم ويغنيهم. تقدم أن الخطاب السابق للمؤمنين وهنا جاء الخطاب في قوله: إذ يوحي ربك، لرسول الله وحده من ربه أي مالكه والناظر في إصلاحه، والملائكة، هم الذين أمدّ الله تعالى المؤمنين بهم، وأنى معكم بالنصر والتأييد، ثم أمر الملائكة بتثبيت المؤمنين وأخبر أنه سيلقي الرعب في قلوب الكفار ثم أمره بضرب ما فوق الأعناق وهي الرؤوس وضرب كل بنان وهي الأصابع وهي اسم جنس، الواحد منها بنانة. {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} الآية الإِشارة إلى ما حل بهم من رعب اللقاء في قلوبهم وما أصابهم من الضرب والقتل والكاف لخطاب السامع وذلك مبتدأ وبأنهم خبره والضمير عائد على الكفار. وتقدم الكلام في المشاقة في قوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ}تفسير : [البقرة: 137] والمشاقة هنا مفاعلة فكأنه لما شرع شرعاً وأمر بأوامر وكذبوهم وصدوا تباعد ما بينهم وانفصل وانشق وعبّر المفسرون عن قوله: شاقوا الله أي صاروا في شق غير شقه. والضمير في جملة الجواب العائد على اسم الشرط الذي هو من محذوف تقديره شديد العقاب لكم. {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ} الآية جمع بين العذابين عذاب الدنيا وهو المعجل وعذاب الآخرة وهو المؤجل والإِشارة بذلكم إلى ما حل بهم من عذاب الدنيا والخطاب للمشاقين ولما كان عذاب الدنيا بالنسبة إلى عذاب الآخرة يسيراً سمي ما أصابهم منه ذوقاً، لأن الذوق يعرف به الطعم وهو يسير ليعرف به حال الطعم. ذلكم مبتدأ خبره محذوف تقديره ذلكم العقاب أو خبر مبتدأ محذوف تقديره العقاب ذلكم. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون نصباً على عليكم ذلكم فذوقوه كقولك: زيداً فاضربه. "انتهى". ولا يجوز هذا التقدير لأن عليكم من أسماء الأفعال وأسماء الأفعال لا تضمر وتشبيهه له بزيد أفأضربه ليس بجيد لأنهم لم يقدروه بعليك زيداً فاضربه، وإنما هو منصوب على الاشتغال. {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} الآية، قال ابن عطية: أما على تقدير وحتم أنّ فيقدر ابتداء محذوف يكون ان خبره واما على تقدير، واعلموا انّ فهي على هذا في موضع نصب. "انتهى". وقرأ الحسن وزير بن عليّ وسليمان التيمي وان بكسر الهمزة على استئناف اخبار ونبه على العلة وهي الكفر في كون عذاب النار لهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 299 : 5 : 28 - سفين {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} قال، الوسوسة. [الآية 11].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً} [الأنفال: 11] 100- أنا محمد بن المثنَّى قال: نا خالد، نا حميد، قال أنس: قال أبو طلحة: كنت ممَّن/ أُلقي عليه النُّعاس يوم أُحُد حتى سقط السيف من يدي ثلاثا. تفسير : قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً} [11] 218- أنا عمرو بن علي، نا عبد الرحمن، نا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أُحُد، فجعلت لا أرى أحدا من القوم إلا تحت حجفته يميل من النُّعاس. 219- أنا قتيبة بن سعيد، نا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس، عن أبي طلحة قال: كنت ممن أُنزل عليه النُّعاس أَمَنة يوم أُحد حتى سقط سيفي من يدي مراراً.

همام الصنعاني

تفسير : 995- عبد الرزاق، عن معمر، عن الكلبي، في قوله تعالى: {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}: [الآية: 11]، قال كانت بينهم وبين القوم رملة يوم بدر، وكانت أصابتهم جناية، وليس عندهم ماء، فألقى الشيطان في قلوبهم من ذلك شيئاً، فأنزل الله عليهم من السماء ماءً فطهّرهم به، وأَذْهَبَ عنهم ما أَلْقى الشيطان، وثبت به أقدامهعم حين أصاب الرملة الغيث، فكان أشد لها فذلك قوله تعالى {مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} ويثبت به الأقدام. 996- حدثنا عبد الرزاق، عن إسرائيل، بن يونس، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: حديث : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء، قال: فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لِمَ؟" قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك، قال: "صدقت ". تفسير : 1000- حدثنا عبد الرزاق، عن الثوري، في قوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}: [الآية: 11]، عن عاصم بن أبي رزين قال: قال عبد الله بن مسعود: النعاس في الصلاة من الشيطان، والنعاس في القتال أَمَتَةٌ مِن الله تعالى.