٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} أي الإمداد {إِلاَّ بُشْرَىٰ} إلا بشارة لكم بالنصر. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} وإمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوهما وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } أي الإِمداد {إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِلاِّ بُشْرَى} الإمداد هو البشرى، أو بشَّرتهم الملائكة بالنصر فكانت هي البشرى المذكورة، وقاتلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو نزلوا بالبشرى ولم يقاتلوا، {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ} لا من الملائكة.
الخازن
تفسير : {وما جعله الله إلا بشرى} يعني وما جعل الله الإرداف بالملائكة إلا بشرى {ولتطمئن به قلوبكم} وهذا يحقق أنهم إنما نزلوا لذلك لا للقتال والصحيح هو الأول وأنهم قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا فيما سواه من الأيام. وقوله تعالى: {وما النصر إلا من عند الله} يعني أن الله هو ينصركم أيها المؤمنون فثقوا بنصره ولا تتكلوا على قوتكم وشدة بأسكم وفيه تنبيه على أن الواجب على العبد المسلم أن لا يتوكل إلا على الله في جميع أحواله ولا يثق بغيره فإن الله تعالى بيده النصر والإعانة {إن الله عزيز} يعني أنه تعالى قوي منيع لا يقهره شيء ولا يغلبه غالب بل هو يقهر كل شيء ويغلبه {حكيم} يعني في تدبيره ونصره ينصر من يشاء ويخذل من يشاء من عباده. قوله سبحانه وتعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} أي: واذكروا إذ يلقى عليكم النعاس وهو النوم الخفيف أمنة منه أي أمنا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم قال عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله وفي الصلاة من الشيطان والفائدة في كون النعاس أمنة في القتال أن الخائف على نفسه لا يأخذه النوم فصار حصول النوم وقت الخوف الشديد دليلاً على الأمن وإزالة الخوف. وقيل إنهم لما خافوا على أنفسهم لكثرة عدوهم وعددهم وقلة المسلمين وقلة عددهم وعددهم وعطشوا عطشاً شديداً ألقى عليهم النوم حتى حصلت لهم الراحة وزال عنهم الكلال والعطش وتمكنوا من قتال عدوهم وكان ذاك النوم نعمة في حقهم لأنه كان خفيفاً بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله إليهم وقدروا على دفعه عنهم وقيل في كون هذا النوم كان أمنة من الله أنه وقع عليهم النعاس دفعة واحدة فناموا كلهم مع كثرتهم وحصول النعاس لهذا الجمع العظيم مع وجود الخوف الشديد أمر خارج عن العادة فلهذا السبب قيل إن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق للعادة وقوله سبحانه وتعالى: {وينزل عليكم من السماء ماء} يعني المطر {ليطهركم به} وذلك أن المسلمين نزلوا يوم بدر على كثيب رمل أعفر تسوخ فيه الأقدام وحوافر الدواب وكان المشركون قد سبقوهم إلى ماء بدر فنزلواعليه وأصبح المسلمون على غير ماء وبعضهم محدث وبعضهم جنب وأصابهم العطش فوسوس لهم الشيطان. وقال: تزعمون أنكم على الحق وفيكم نبي الله وأنتم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون محدثين ومجنبين فكيف ترجون أن تظهروا على عدوكم؟ فأنزل الله سبحانه وتعالى مطراً سال منه الوادي فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضؤوا وسقوا الركاب وملأوا الأسقية وأطفأ الغبار ولبد الأرض حتى ثبتت عليها الأقدام وزالت عنهم وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم وعظمت النعمة من الله عليهم بذلك وكان دليلاً على حصول النصر والظفر، فذلك قوله سبحانه وتعالى: وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به يعني: من الإحداث والجنابة {ويذهب عنكم رجز الشيطان} يعني وسوسته التي ألقاها في قلوبكم {وليربط على قلوبكم} يعني بالنصر واليقين والربط في اللغة الشد وكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه عليه قال الواحدي ويشبه أن تكون لفظة على صلة والمعنى وليربط قلوبكم بالصبر وما أوقع فيها من اليقين وقيل: إن لفظة على ليست بصلة لأنها تفيد الاستعلاء فيكون المعنى: أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها {ويثبت به الأقدام} يعني أن ذاك المطر لبد الأرض وقوى الرمل حتى تثبتت عليه الأقدام وحوافر الدواب، وقيل المراد به تثبت الأقدام بالصبر وقوة القلب لأن من يكون ضعيف القلب لا يثبت قدمه بل يفر ويهرب عن اللقاء. وقوله سبحانه وتعالى: {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} يعني أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الملائكة الذين أمد بهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إني معكم بالنصر والمعونة {فثبَّتوا الذين آمنوا} أي: قووا قلوبهم واختلفوا في كيفية هذه لتقوية والتثبيت. فقيل: كما أن للشيطان قوة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة في إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير. ويسمى ما يلقي الشيطان: وسوسة، وما يلقي الملك لمة وإلهاماً، فهذا هو التثبيت. وقيل: إن ذلك التثبيت هو حضورهم معهم القتال ومعونتهم لهم أي: ثبتوهم بقتالكم معهم المشركين، وقيل معناه بشرورهم بالنصر والظفر فكان الملك يمشي في صورة رجل أمام الصف ويقول أبشروا فإن الله ناصركم عليهم {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} يعني الخوف وكان ذلك نعمة من الله على المؤمنين حيث ألقى الرعب والخوف في قلوب الكافرين {فاضربوا فوق الأعناق} قيل هو خطاب مع المؤمنين فيكون منقطعاً عما قبله. وقيل: هو خطاب مع الملائكة فيكون متصلاً بما قبله.. قال ابن الأنباري: ما كانت الملائكة تعرف تقتل بني آدم فعلمهم الله ذلك بقوله تعالى فاضربوا فوق الأعناق. قال عكرمة: يعني الرؤوس لأنها فوق الأعناق. وقال الضحاك: معناه فاضربوا الأعناق وفوق صلة. وقيل: معناه فاضربوا على الأعناق فتكون فوق بمعنى على {واضربوا منهم كل بنان} يعني كل مفصل. وقال ابن عباس: يعني الأطراف وهي جمع بنانة وهي أطراف أصابع اليدين سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن الإنسان أن يبين ما يريد أن يعمله بيديه وإنما خصت بالذكر من دون سائر الأطراف لأجل أن الإنسان بها يقاتل وبها يمسك السلاح في الحرب. وقيل: إنه سبحانه وتعالى أمرهم بضرب أعلى الجسد وهو الرأس وهو أشرف الأعضاء وبضرب البنان وهو أضعف الأعضاء فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. وقيل: أمرهم بضرب الرأس وفيه هلاك الإنسان وبضرب البنان وفيه تعطيل حركة الإنسان عن الحرب لأن بالبنان يتمكن من مسك السلاح وحمله والضرب به فإذا قطع بنانه تعطل عن ذلك كله. روي عن أبي داود المازني، وكان شهد بدراً، قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذا وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري. وعن سهل بن حنيف قال: لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف، وروى عكرمة عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قد دخل علينا أهل البيت فأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم وكان يكتم إسلامه وكان ذا مال كثير متفرق في قومه وكان عدو الله أبو لهب قد تخلف عن بدر وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فلما جاء الخبر عن مقتل أصحاب بدر كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوة وعزاً، قال أبو رافع وكنت رجلاً ضعيفاً أعمل القداح وأنحتها في حجرة زمزم فوالله إني لجالس أنحت القداح وعندي أم الفضل جالسة إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتى جلس على طنب الحجرة فكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب قد قدم فقال أبو لهب: إليّ يا ابن أخي فعندك الخبر اليقين فجلس إليه والناس قيام عليه فقال أبو لهب: يا ابن أخي خبرني كيف كانت أحوال الناس؟ قال: لا شيء والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا وايم الله ما لمت الناس لقينا رجالاً بيضاء على خيل بلق بين السماء والأرض والله لا يتلقاهم شيء ولا يقوم لهم شيء. قال أبو رافع: فرفعت طرف الحجرة بيدي وقلت تلك والله الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فساورته فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك على صدري وكنت رجلاً ضعيفاً، فقامت إليه ام الفضل بعمود من عمد الحجرة فضربته به ضربه ففلقت رأسه شجة منكرة، وقالت: تستضعفه إن غاب عنه سيده فقام مولياً ذليلاً فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته. وروى مقسم عن ابن عباس قال: حديث : كان الذي أسر العباس أبو اليسر كعب بن عمرو أخو بني سلمة وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً وكان العباس رجلاً جسيماً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر "كيف أسرت العباس؟" قال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده هيئته كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أعانك عليه ملك كريم"تفسير : . وكانت وقعة بدر في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من رمضان في السنة الثانية من الهجرة النبوية.
ابن عادل
تفسير : قوله: "وما جَعَلَهُ" الهاء تعود على الإمداد، أي: وما جعل اللَّهُ الإمدادَ، ثُمَّ هذا الإمدادُ يحتمل أن يكون المنسبكَ من قوله: "إنِّي مُمِدُّكم" إذ المعنى: فاستجاب بإمدادكم، ويحتمل أن يكون مدلولاً عليه بقوله: "مُمِدُّكم" كما دلَّ عليه فعلُهُ في قوله: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة: 8] وهذا الثَّاني أولَى؛ لأنَّه مُتأتٍّ على قراءة الفتح والكسر في: "أني" بخلاف الأول فإنَّهُ لا يتّجه عودُهُ على الإمداد على قراءة الكسر إلاَّ بتأويلٍ ذكره الزمخشريُّ: وهو أنَّه مفعول القول المضمر، فهو في معنى القول. وقيل يعودُ على المدد قاله الزَّجَّاجُ، وهذا أولى؛ لأنَّ بالإمداد بالملائكةِ كانت البُشْرَى. وقال الفرَّاءُ: إنَّهُ يعودُ على الإرداف المدلول عليه بـ "مُرْدفين". وقيل: يعودُ على: "الألف". وقيل: على المدلول عليه بـ "يَعِدُكم". وقيل: على جبريل، أو على الاستجابة لأنَّها مؤنثٌ مجازي، أو على الإخبار بالإمداد، وهي كلُّهَا محتملة وأرجحها الأوَّلُ، والجعل هنا تصييرُ. فصل في قتال الملائكة يوم بدر. اختلفوا في أنَّ الملائكة هل قاتلوا يوم بدر؟ فقال قومٌ: نزل جبريلُ - عليه الصَّلاة والسَّلام - في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرِّجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض، وقد أرخوا أطرافها بين أكتافهم وقاتلوا، وقيل: قاتلُوا يوم بدر ولم يقاتلُوا يوم الأحزاب، ويوم حنين. رُوي أنَّ أبَا جهل قال لابنِ مسعُودٍ: مِنْ أينَ كان الصَّوت الذي كُنَّا نسمعُ ولا نرى شخصاً؟. قال: من الملائكة. فقال أبُو جَهْلٍ: هُم غلبونَا لا أنتم. حديث : وروي أنَّ رجلاً من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذْ سمع صوت ضربة السَّوْط فوقه، فنظر إلى المشرك وقد خرَّ مستلقياً وشُق وجهه، فحدَّث الأنصاريُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صَدقتَ ذاكَ من مددِ السَّماءِ" . تفسير : وقال آخرون لم يُقاتلُوا وإنَّما كانوا يكثرون السَّواد ويثبتون المؤمنين، وإلاَّ فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا كلهم فإنَّ جبريل - عليه السلام - أهلكَ بريشةٍ من جناحه مدائن قوم لوطٍ، وأهلك بلاد ثمود، وقوم صالح بصيحة واحدة. وقد تقدَّم الكلامُ في كيفية هذا الإمداد في سورة آل عمران، ويدلُّ على أنَّ الملائكة لم يقاتلوا قوله {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} إذا جعلنا الضمير عائداً على الإرداف. قال الزَّجَّاجُ: "وما جعل الله المردفينَ إلا بشرى" وهذا أولى؛ لأنَّ الإمدادَ بالملائكة حصل بالبشرى. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ} والمقصود التَّنبيه على أنَّ الملائكةَ وإن كانُوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين، إلاَّ أنَّ الواجب على المؤمنِ أنْ لا يعتمد على ذلك، بل يجبُ أن يكون اعتماده على اللَّهِ ونصره وكفايته؛ لأنَّ الله هو العزيزُ الغالب الحكيم فيما ينزل من النُّصْرَةِ فيضعها في موضعها.
البقاعي
تفسير : ولما كانت نصرة المسلمين في هذه الغزوة ظاهرة جداً، قال: {وما جعله الله} اي الإمداد والوعد به على ما له سبحانه من العظمة التي من راقبها لم يهب شيئاً {إلا بشرى} أي لتستبشر به نفوسكم، ولم يحتج إلى تقييد بأن يقال: لكم، وأما في قصة أحد فقد كان المقتول منهم أكثر من المقتول من الكفار فلولا قوله "لكم" لربما طرق بعض الأوهام حين سماع أول الكلام أن الإمداد بشرى للكفار. ولما كان الذي وقع الحكم به هنا على الإمداد أنه بشرى نفسه من غير قيد، علم أن العناية به أشد، فكان المحكوم به الطمأنينة كذلك، فكان أصل الكلام: إلا بشرى هو وطمأنينة هو، فلذلك وجب تقديم ضميره في قوله "به" على القلوب تأكيداً لأمره وتفخيماً لشأنه، وإشارة إلى إتمامه على عادة العرب في تقديم ماهم به أعنى وهو عندهم أهم فقال: {ولتطمئن} أي وطمأنينة لتطمئن {به} أي وحده من غير نظر إلى شيء من قوتكم ولا غيرها {قلوبكم} فالآية من الاحتباك، وأما في قصة أحد فلما قيدت البشرى بالإمداد بلكم لما تقدم، علم الطمأنينة كذلك، فكان الأنسب تأخير ضميره وتقديم القلوب الملابسة لضميرهم موازنة لقوله "لكم". ولما كان ذلك مفهماً أن النصر ليس إلا بيده وأن شيئاً من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته، صرح به في قوله: {وما النصر} أي حاصلاً وموجوداً بالملائكة وغيرهم من الأسباب {إلا من عند الله} أي لأن له وحده صفات الكمال، فما عنده ليس منحصراً في الإمداد بالملائكة فالنصر وإن كان بها فليس من عندها، فلا تعتمدوا على وجودها ولا تهنوا بفقدها اعتماداً عليه سبحانه خاصة، فإن ما عنده من الأسباب لا يحيط به علماً، هذا إذا أراد النصر بالأسباب، وإن أراد بغير ذلك فعل فكان التعبير بعند لإفهام ذلك. ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر، وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات الشوكة جداً، ثم وقع لهم ما وقع من النصر، كان المقام مقتضياً لإثبات عزة الله وحكمته على سبيل التأكيد إعلاماً بأن صفات الكمال ثابتة له دائماً، فهو ينصر من صبر واتقى بعزته، ويحكم أمره على أتم وجه بحكمته، هذا فعله دائماً كما فعل في هذه الغزوة فلذلك قال معللاً لما قبله مؤكداً: {إن الله} أي الملك الأعظم {عزيز} أي هو في غاية الامتناع والقهر لمن يريد قهره أزلاً وأبد. لا يغلب ولا يحوج وليه إلى زيادة العدد ولا نفاسة العدد {حكيم} أي إذا قضى أمراً كان في غاية الإتقان والإحكام، فلا يستطيع أحد نقص شيء منه، هذا له دائماً، فهو يفعل في نصركم هكذا مهما استأنستم إلى بشراه ولم تنظروا إلى قوتكم ولا غيرها مما سواه فلا تقلقوا إذا أمركم بالهجوم على البأس ولو كان فيه لقاء جميع الناس. ولما أكد هنا، لم يحتج إلى إعادة تأكيده في آل عمران فقيل {أية : العزيز الحكيم} تفسير : [آل عمران: 126] أي الذي أخبركم عن عزته وحكمته في غزوة بدر بما يليق بذلك المقام من التأكيد، وأخبركم أنكم إن فاديتم الأسرى قتل منها في العام المقبل مثل عددهم، فوقوع الأمر على ما قال مغن عن التأكيد، ولم يكن أحد من المسلمين في أحد متردداً في اللقاء ولا هائباً له الإ ما وقع من الهم بالفشل من الطائفتين والعصمة منه في الحال، وقد مضى في آل عمران لهذا مزيد بيان. ولما ذكر البشرى والطمأنينة بالإمداد، ناسب أن يذكر لهم أنه أتبع القول الفعل فألقى في قلوبهم بعزته وحكمته الطمأنينة والأمن والسكينة بدليل النعاس الذي غشيهم في موضع هو أبعد الأشياء عنه وهو موطن الجلاد ومصاولة الأنداد والتيقظ لمخاتلة أهل العناد، وكذا المطر وأثره، فقال مبدلاً أيضاً من {إذ يعدكم} أو معلقاً بالنصر أو بما في الظرف من رائحة الفعل مصوراً لعزته وحكمته: {إذ يغشيكم} بفتح حرف المضارعة في قراءة ابن كثير وأبي عمرو فالفاعل {النعاس} وضم الباقون الياء، وأسكن نافع الغين وفتحها الباقون وشددوا الشين المكسورة، فالفاعل في القراءة الأولى مفعول هنا، والفاعل ضمير يعود على الله، ولما ذكر هذه التغشية الغريبة الخارقة للعوائد، ذكر ما فعلت لأجله فقال: {أمنة} ولما كان ذلك خارقاً للعادة، جاء الوصف بقوله: {منه} أي بحكمته لأنه لا ينام في مثل تلك الحال إلا الآمن، ويمنع عنكم العدو وأنتم نائمون بعزته، ولم يختلف فاعل، الفعل المعلل في القراءات الثلاث لأن كون النعاس فاعلاً مجاز، ويصح عندي نصبها على الحال. ولما كان النعاس آية الموت، ذكر بعده آية الحياة فقال: {وينزل عليكم} وحقق كونه مطراً بقوله: {من السماء ماء} ووقع في البيضاوي وأصله وكذا تفسير أبي حيان أن المشركين سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه، وليس كذلك بل الذي سبق إلى بدر وغلب على مائها المؤمنون كما ثبت في صحيح مسلم وغيره، فيكون شرح القصة أنم مطروا في المنزل الذي ساروا منه إلى بدر فحصل للمسلمين منه ما ملؤوا منه أسقيتهم فتطهروا من حدث أو جنابة ولبد لهم الرمل وسهل عليهم المسير، وأصاب المشركين ما زلق أرضهم حتى منعهم المسير، فكان ذلك سبباً لسبق المسلمين لهم إلى المنزل وتمكينهم من بناء الحياض وتغوير ما وراء الماء الذي نزلوا عليه من القلب كما هو مشهور في السير، ويكون رجز الشيطان وسوسته لهم بالقلة والضعف والتخويف بكثرة العدو، والربط على القلوب طمأنينتهم وطيب نفوسهم بما أراهم من الكرامة كما يوضح ذلك جميعه قول ابن هشام {وينزل عليكم من السماء} ماء للمطر الذي أصابهم تلك الليلة، فحبس المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المؤمنين إليه {ليطهركم به} أي من كل درن، وابتدأ من فوائد الماء بالتطهير لأنه المقرب من صفات الملائكة المقربين من حضرات القدس وعطف عليه - بقوله: {ويذهب عنكم} أي لا عن غيركم {رجز الشيطان} بغير لام ما هو لازم له، وهو العبد الذي كان مع الحدث الذي منه الجنابة المقربة من الخبائث الشيطانية بضيق الصدر والشك والخوف لإبعاد من الحضرات الملائكة "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب" والرجز يطلق على القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك، فقد كان الشيطان وسوس لهم، ولا شك أن وسوسته من أعظم القذر فإنها تجر من تمادى معها إلى كل ما ذكر؛ ثم عطف عليه ما تهيأ له القلب من الحكم الإلهية وهو إفراغ السكينة فقال: {وليربط} أي بالصبر واليقين. ولما كان ذلك ربطاً محكماً غالباً عالياً، عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال: {على قلوبكم} أي بعد إسكانها الوثوق بلطفه عند كل ملمة حتى امتلأت من كل خير وثبت فيها الربط، فشبهها بجراب ملىء شيئاً ثم ربط رأسه حتى لا يخرج من ذلك الذي فيه شيء، وأعاد اللام إشارة إلى أنه المقصد الأعظم وما قبله وسيلة إليه وعطف عليه بغير لام لازمه من التثبيت فقال: {ويثبت به} أي بالربط بالمطر {الأقدام*} أي لعدم الخوف فإن الخائف لا تثبت قدمه في المكان الذي يقف به، بل تصير رجله تنتقل من غير اختيار أو بتلبيد الرمل. ولما ذكر حكمة الإمداد وما تبعه من الآثار المثبتة للقلوب والأقدام، ذكر ما أمر به المدد من التثبيت بالقول والفعل فقال: {إذ} بدلاً ثالثاً من {إذ يعدكم} أو ظرفاً ليثبت {يوحي ربك} أي المحسن إليك بجميع ذلك {إلى الملائكة} وبين أن النصر منه لا من المدد بقوله: {أني معكم} أي ومن كنت معه كان ظافراً بجميع مأموله {فثبتوا} أي بسبب ذلك {الذين آمنوا} أي بأنواع التثبيت من تكثير سوادهم وتقوية قلوبهم وقتال أعدائهم وتقليلهم في أعينهم وتحقير شأنهم؛ ثم بيّن المعية بقوله: {سألقي} أي بوعد لا خلف فيه {في قلوب الذين كفروا} أي أوجدوا الكفر {الرعب} فلا يكون لهم ثبات {فاضربوا} أي أيها المؤمنون من الملائكة والبشر غير هائبين بسبب ذلك. ولما كان ضرب العنق والراس أوحى مهلك للإنسان، وكان العنق يستر في الحرب غالباً، عبر بقوله: {فوق الأعناق} أي الرؤوس أو أعالي الأعناق منهم لأنها مفاصل ومذابح. ولما كان إفساد الأصابع أنكى ما يكون بعد ذلك لأنه يبطل قتال المضروب أو كمال قتاله، قال: {واضربوا منهم كل بنان} أي فإنه لا مانع من ذلك لكوني معكم، ثم علل تسليطهم عليهم بقوله: {ذلك} أي التسليط العظيم، وأخبر عنه بقوله: {بأنهم} أي الذي تلبسوا الآن بالكفر ولو كانوا ممن يقضي بايمانه بعد {شاقوا الله} أي الملك الأعلى الذي لا يطاق انتقامه {ورسوله} أي طلبوا أن يكونوا بمخالفة الأوامر والنواهي في شق غير الذي فيه حزب الهدى في مكر منهم وخداع، وشاقوه باشتهار السيف جهراً - ثم بين ما لفاعل ذلك، فقال عاطفاً على تقديره: فمن شاق الله ورسوله فافعلوا به ذلك، فإني فاعل به ما فعلت بهؤلاء، وأظهر الإدغام في المضارع لأن القصة للعرب وأمرهم في عداوتهم كان بعد الهجرة شديداً ومجاهرة، وأدغم في الماضي لأن ما مضى قبلها كان ما بين مساترة بالمماكرة ومجاهرة بالمقاهرة، وعبر بالمضارع ندباً إلى التوبة بتقييد الوعيد بالاستمرار، وأدغم في الحشر في الموضعين لأن القصة لليهود وأمرهم كان ضعيفاً ومساترة في مماكرة: {ومن يشاقق الله} أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ويشاقه سراً أو جهراً {ورسوله} بأن يكون في شق غير الشق الذي يرضيانه {فإن الله} أي الذي له جميع صفات الكمال {شديد العقاب*} أي له هذه الصفة، فليتوقع مشاققه عذابه، فالآية من الاحتباك: ذكر الفعل المدغم أولاً دليل على حذف المظهر ثانياً، والمظهر ثانياً على حذف المدغم أولاً. ولما ختم الآية ببيان السبب الموجب لإهانة الذين كفروا وبما له من الوصف العظيم، أتبعه ما يقول لهم لبيان الحال عند ذلك بقوله التفاتاً إليهم لمزيد التبكيت والتوبيخ.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} كلامٌ مستأنفٌ سيق لبـيان أن الأسبابَ الظاهرةَ بمعزل من التأثير وإنما التأثيُر مختصٌّ به عز وجل ليثق المؤمنون ولا يقنَطوا من النصر عند فُقدانِ أسبابِه، والجعلُ متعدٍّ إلى مفعول واحد هو الضميرُ العائد إلى مصدر فعلٍ مقدرٍ يقتضيه المقامُ اقتضاءً ظاهراً مُغنياً عن التصريح به، كأنه قيل: فأمدكم بهم وما جعل إمدادَكم بهم {إِلاَّ بُشْرَىٰ} وهو استثناءٌ مفرّغٌ من أعم العلل أي وما جعل إمدادَكم بإنزال الملائكة عياناً لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم تنصرون {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي بالإمداد {قُلُوبُكُمْ} وتسكنَ إليه نفوسُكم كما كانت السكينةُ لبني إسرائيلَ كذلك، فكلاهما مفعولٌ له للجعل، وقد نُصب الأولُ لاجتماع شرائطِه وبقي الثاني على حاله لفقدانها، وقيل: للإشارة إلى أصالته في العِلّية وأهميتِه في نفسه كما قيل في قوله تعالى: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً}تفسير : [النحل: 8] وفي قصر الإمدادِ عليهما إشعارٌ بعدم مباشرةِ الملائكةِ للقتال وإنما كان إمدادُهم بتقويه قلوب المباشرين وتكثيرِ سوادِهم ونحوه كما هو رأيُ بعضِ السلف وقيل: الجعلُ متعدَ إلى اثنين ثانيهما إلا بشرى على أنه استثناءٌ من أعم المفاعيل، أي وما جعله الله شيئاً من الأشياء إلا بشارةً لكم فاللام في ولتطمئن متعلقةٌ بمحذوف مؤخر تقديره ولتطمئن به قلوبُكم فعَلَ ذلك لا لشيء آخَرَ {وَمَا ٱلنَّصْرُ} أي حقيقةُ النصر على الإطلاق {إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي إلا كائنٌ من عنده عز وجل من غير أن يكون فيه شركةٌ من جهة الأسبابِ والعددِ، وإنما هي مظاهرُ له بطريق جريانِ السنةِ الإلٰهيةِ {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يغالَب في حُكمه ولا يُنازَع في أقضيته {حَكِيمٌ} يفعل كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحةُ، والجملةُ تعليلٌ لما قبلها متضمنٌ للإشعار بأن النصرَ الواقعَ على الوجه المذكورِ من مقتَضَيات الحِكَم البالغةِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [الآية: 10]. قيل: بيَّن الله آثار النصر وبدو السلامة فمن لم يطلب النصر والسلامة بالذلة والافتقار لا يناله، لأن طالب النصرة بالقوة والقدرة منازعة الربوبية، ومن نازع الولى قهره. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. قال الواسطى رحمة الله عليه: العزيز الذى لا يدركه طالبوه ولو أدركوه لضلَّ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } امداد الملائكة بشارة لصدق مواعيد الطمأنينة قلوب عباده بانوار بقائه وصورة البرهان يكون بضعف الايقان ولو كان الايقان على حد الاستكمال بالعرفان لم يتعلق الطمأنينة بالبرهان فلما غر فى حلاله وكبريائه صرف عيون القوم عن الوسايط الى عز جلاله بقوله {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} نصره كشف انوار مشاهدته للارواح السكرانة بشراب شوقه يظفرها بوصله لانهزام جنود قهرياته من ساحات لطفه قيل بين الله اثار النصرة وبدو السلامة فمن يطلب النصرة ولاسلامة فمن بالذلة والافتقار لا ينالها لان طلب النصر بالقوة والقدرة منازعة للربوبية ومعهم نازع المولى قهره ثم تعزز بعزته فى نصرة اوليائه عند تبريهم من حولهم وقوتهم بقوله {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز بامتناعه عن مطالعة خللقه جلاله وجماله بعلة من العلل حكيم باختصاصه مقاومة وكشف قربه لهم قال الواسطى العزيز الذى لا يدركه طالبوه ولو ادركوه لذل وقال الاستاذ فى قوله عزيزنا يطالب لكن بعطائه والراغب واصل ولكن الى مبارّه والسبيل سهل ولكن الى وجدان لطفه فاما الحق سبحانه فهو عزيز من كل وصل وفصل وقرب وبعد ما وصل الى نصيبه وما بقى احد الا عن حطه وانشدب وقلق لنا نحن الاهلة انما تضى لم يسرى بليل ولا نفرى به فلا بذل الا ما تزود ناظري به ولا وصل الا بالخيال الذي سرى به ثم وصف سبحانه زيادة امتنانه عليهم بعد نصرهم ونيلهم الى مرادهم بعد ان اراح ابدانهم من وجع الالام وقلوبهم عن كذا القبض بانزاله عليهم النعاس بقوله {يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} النعاس ارتفاع بخار الدم من حرمة القلب الى الدماغ فى اصل الحكمة لاستراحة اعصاب الدماغ وقت استرخائها من حدة مشاغل تنفس انفاس الدموية المختلطة برطوبات صفاء البلغمية وليس ذلك يقوى فاذا حاج ذلك الدم من أصل الكبد والقلب ومشرعة المعدة وارتفع الى الدماغ يختلط هناك برطوبات الدماغ فيصير ثقيلا فيسقط ثقله الى القلب وصار الدماغ والقلب ثقيلا ويجرى ذلك الثقل فى جميع العروق فيصير جميع الاعضاء مسترخيا من غشيات ذلك الدم ويقلب على العقل والحواس فيسمى ذلك بعينه النوم وهذه الصفات صفة حيوانية انسانية نفى الله تلك الصفة عن جلال ذاته حيث وصف نفسه بالتنزيه والتقديس عن علة الحدثان بقوله لا تاخذه سنة ولا نوم ومن فضله وكرمه على اوليائه اذ اراد ان يروح ابدان الصديقين من ثقل العبادات يغشى دماغهم بعفوه النعاس ليستريحوا من برجاء القبض ويسكنوا بروح البسط ثم النعاس موضع ظهور او اصل اشكال المكاشفات واشتمال هواتف الغيبية من عالم الملكوت يرون بقلوبهم بين النعاس والنوم واليقظة اشياء بديهية غيبية تورث السكينة والطمأنينة ولا من بقولة امنة منه اى امنا منه من زيادة الامتهان وغلبة النفس والشيطان قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه النعاس فى القتال امنة من الله وفى الصلوة من الشيطان وكان النبى صلى الله عليه وسلم نومه نعاسا لذلك قال تنام عيناى ولا ينام قلبى لان القلب اذا نام لم يؤمن عالم الملكوت شيئا وهكذا حال الاولياء قلوبهم فى جميع الاوقات يقظانه ونومهم ليس بكثير وكل قلب يرى فى نومه شيئا من الغيب لم يكن فى ذلك الوقت الا نعاس قال سهل النعاس ينزل من الدماغ والقلب والنوم محل بالقلب من الظاهر وهو حكم النوم وحكم النعاس حكم الروح وفائدة النعاس ههنا اعلام الله اياهم ان فيض كرمه ليس باكتسابهم افناهم عن نفسه ثم اظهر فضله عليهم بان يهزم عدوهم بالقائد عساكر الرعب فى قلوبهم قال عليه السّلام نصرت بالرعب واذا برى العبد من حوله وقوته يجئ نصر الله له فيظفر بجميع مراده ثم من الله علوم بانزاله رحمته من السّماء عليه بقوله {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} الماء الطاهر يطهر الاشباح وماء المعرفة يطهر الارواح ويعرفها مكان كل حقيقة من عين الفعل والصفة فاذا عرفت الافعال والصفات عرفت الذات فمثالها مثال الاصداف البحار === اصداف بحار الافعال تتلقف قطرات عرفان الصفات من بحار الذات كما يتلقف الاصداف فى البحار من قطرة الأمطار فتصير القطرة فى اجوافها درّا فكذلك قطرة المعرفة فى جوف الارواح تصير درّة الحقيقة والحكمة الالهية الازلية قال بعضهم ماء اليقين اذا نزل على الاسرار اسقط عنها الاحتلاج والشك قال الله وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به من كل ما تدنستم به من انواع المخالفات ثم وصف ذلك الماء الحقيقي بان يربط به قلوبهم فى معرفة العبودية والربوبية وهو ماء اليقين الذى يقوى القلوب فى معرفة الله ويثبتها بوصف التمكين والاستقامة فى سيرها فى المقامات بقوله {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} نفس عن قلوبهم وحشة الفرقة واثبتها فى رؤية الوصلة وتجلى القربة ربط ابدانهم بالطاعات وربط عقولهم بالايات وربط قلوبهم بانوار الصفات وربط ارواحهم فى سطوات الذات وربط اسرارهم بعلوم الازل ولاباه ثم اخذ ايديهم من استغراقهم فيه بنعت الفناء وثبتهم به فى مقام البقاء ولولا تثبيته وارباطه اياهم لفنوا فى اوّل باد بدأ من ربوبيته واول ظهور وسطوة من سطوات عظمته كانوا يحتملون به ومشاهدته قهر سلطان عزته قال بعضهم ربط على قلوب اوليائه لتلقى البلاء باسلحة الصبر وربط على قلوب العارفين لثبات الاسرار فى مشاهدة ما يبدو لهم من الغيوب ويثبت اقدام اهل الاستقامة فاستقاموا له على جميع الاحوال ولم يزالوا قال بعضهم القلوب ثلثة قلب مربوط باكوان وقلب مربوط بالاسامى والصفات وقلب مربوط بالحق.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما جعله الله} عطف على مقدر اى فامدكم الله بانزال الملائكة عيانا وما جعل ذلك الامداد لشيء من الاشياء {إلا بشرى} اى الا للبشارة لكم بانكم تنصرون فهو استثناء مفرغ من اعم العلل {ولتطمئن به} اى بالامداد {قلوبكم} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم وفى قصر الامداد عليها اشعار بعدم مباشرة الملائكة للقتال وانما كان امدادهم بتقوية قلوب المباشرين وتكثير سوادهم ونحوه ولو بعثهم الله بالمحاربة لكان يكفى ملك واحد فان جبريل اهلك بريشة واحدة من جناحه سبعا من مدائن قوم لوط واهلك بصيحة واحدة جميع بلاد ثمود. قال الحدادى وهذا القول اقرب الى ظاهر الآية وقيل نزل جبرائيل فى خمسمائة من الملائكة على الميمنة وفيها ابو بكر رضى الله عنه ونزل ميكائيل فى خمسمائة على الميسرة وفيها على بن ابى طالب رضى الله عنه فقاتلوا وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الاحزاب ويوم حنين -وروى- ان رجلا قال تبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع على رأسه بين يدى قبل ان يصل اليه سيفى {وما النصر} اى حقيقة النصر على الاطلاق {الا} كائن {من عند الله} من غير ان يكون فيه شركة من جهة الاسباب فان امداد الملائكة وكثرة العدد والاهب ونحوهما وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها ونعم ما قيل شعر : النصر ليس باجناد مجندة لكنه بسعادات وتوفيق تفسير : {إن الله عزيز} لا يغالب فى حكمه ولا ينازع فى اقضيته {حكيم} يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. واعلم ان للملائكة امدادا فى كل جيش حق وان لم يكونوا مرئيين ومشاهدين بحسب ابصارنا وهم فى الحقيقة اشارة الى القوى الروحانية الغالبة فانها اذا ظهرت فى وجود المجاهر بالجهاد الاكبر لا يقابلها شيء من القوى الانفسية الشريرة المغلوبة وكذا ما كان مظاهرها من كفار الظاهر وانما العمدة هى اليقين والاطمئنان -روى- ان بني اسرائيل اعطوا السكينة وهى ريح ساكنة تخلع قلب العدو بصوتها رعبا اذا التقى الصفان وهى معجزة لانبيائهم وكرامة لملوكهم وللسكينة معنيان آخران. احدهما شيء من لطائف صنع الحق يلقى على لسان محدث الحكمة كما يلقى الملك الوحى على قلوب الانبياء مع ترويح الاسرار وكشف السر. وثانيهما ما انزل على قلب النبى عليه السلام وقلوب المؤمنين وهو شيء يجمع نورا وقوة وروحا يسكن اليه الخائف ويتسلى به الحزين وقد ورثه المجاهدون فى سبيل الله بعدهم الى قيام الساعة وانما لا يظهر فى بعض الاحيان والوقائع لحكمة اخفاها الله عن الغافلين شعر : هر خلل كاندر عمل بينى زنقصان دلست رخنه كاندر قصر بينى از قصور قيصرست تفسير : وكل عصر على التنزل بالنسبة الى ما قبله ولهذا لا يظهر النصر فى بعض السرايا بل يقال يا ايها الكفرة اقتلوا الفجرة. قيل لعلى رضى الله عنه ما بال خلافة عثمان مع خلافتك كانت متكدرة بخلاف خلافة الشيخين قال كنت انا وعثمان من اعوانهما وانت وامثالك من اعواننا فعلى المجاهدين ان يستغيثوا ربهم ويتضرعوا اليه كما تضرع الاصحاب رضى الله عنهم ومن يليهم لعل الله يظهر نصره شعر : دعاى ضعيفان اميدواره ز بازوى مردى به آيد بكار ألا يا أيها المرء الذى فى عسره اصبح اذا اشتد بك الامر فلا تنس ألم نشرح تفسير : واعلم ان اصدق المقال قول الله تعالى وقول رسوله وقد وعد وامد فعليك بقوة الايمان واليقين. قال الشيخ محيى الدين بن العربى قدس سره فى وصايا الفتوحات ولقد ابتلى عندنا رجل من اعيان الناس بالجذام نعوذ بالله منه وقال الاطباء باسرهم لما ابصروه وقد تمكنت العلة فيه ما لهذا المرض دواء فرأه شيخ من اهل الحديث يقال له سعد السعود وكان عنده ايمان بالحديث عظيم فقال له يا هذا لم لا تطيب نفسك فقال له الرجل ان الاطباء قالوا ليس لهذه العلة دواء فقال سعد السعود كذبت الأطباء والنبى عليه السلام احذق منهم وقد قال فى الحبة السوداء "انها شفاء من كل داء" وهذا الداء الذى نزل بك من جملة ذلك ثم قال على بالحبة السوداء والعسل فخلط هذا بهذا وطلى بهما بدنه كله ووجهه ورأسه الى رجليه وألعقه من ذلك وتركه ساعة ثم انه غسل فانسلخ من جلده ونبت له جلد آخر ونبت ما كان قد سقط من شعره وبرئ وعاد الى ما كان عليه فى حال عافيته فتعجب الاطباء والناس من قوة ايمانه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رحمه الله يستعمل الحبة السوداء فى كل داء يصيبه حتى فى الرمد اذا رمدت عينه اكتحل بها فبرى من ساعته انتهى كلام الشيخ فقد عرفت ان الاطمئنان وقوة الايمان يجلب للمرء ما يهواه بعناية الملك المنان لكنه قليل اهله خصوصا فى هذا الزمان والله المعين
الطوسي
تفسير : الهاء في قوله {جعله الله} يحتمل أن تكون عائدة الى الامداد، لأنه معتمد الكلام. وقال الفراء: هي راجعة إلى الارداف. ويحتمل أن تكون عائدة على الخبر بالمدد، لان تقديم ذلك اليهم بشارة في الحقيقة اخبر الله تعالى أنه لم يجعل هذه الذي أخبر به من إمداد الملائكة إلا بشرى. وإنما جعله بأن اراده به فقلبه إلى هذا المعنى. وقيل: جعله بشرى بأن امر الملائكة أن تبشر به، والجعل على ضروب: اولها - أن يكون بمعنى القلب، كقولك: جعلت الطين خزفاً. وبمعنى الحكم كقولك: جعله الحاكم فاسقاً. وبمعنى الظن كقولك جعلته كريماً بحسن ظني به. وبمعنى الأمر كقولك جعله الله مسلماً بمعنى امره بالاسلام. وقوله {ولتطمئن به قلوبكم} فالاطمئنان الثقة ببلوغ المحبوب، وهو خلاف الانزعاج. والطمأنينة: السكون والدعة. وقوله {وما النصر إلا من عند الله} معناه لا يكون النصر وقهر الاعداء من الكفار إلا بفضل من عند الله ونصر من جهته. وليس ذلك بشدتكم وقوة بأسكم وإنما أضافه إلى الله، لئلا يظن أنه من قبل الملائكة من غير امره. فأما الغلبة بكثرة العدد، فقد ينفق للكافر والمبصل، فعلى هذا المؤمن وان قتل، فهو منصور غير مخذول، والكافر وإن غلب وقتل فهو مخذول. وهل قاتلت الملائكة يوم بدر قيل فيه قولان: قال ابو علي الجبائي: ما قاتلت، وإنما أراد الله بالامداد البشارة بالنصر واطمئنان القلب ليزول عنهم الخوف الذي كان بهم، قال لأن ملكاً واحداً يقدر ان يدمر على جميع المشركين كما اهلك جبرائيل قريات لوط. وروي عن ابن مسعود: أنها قاتلت. وقيل: سأل ابو جهل من اين كان يأتينا الضرب ولا نرى الشخص، قالوا له: من قبل الملائكة، فقال هم غلبونا لا أنتم. وقوله {إن الله عزيز} يعني قادر لا يغالب {حكيم} في أفعاله ليثقوا بوعده.
الجنابذي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} اى الامداد {إِلاَّ بُشْرَىٰ} اى لكم بانجاز الوعد بالنّصر {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} ولكنّكم لضعف يقينكم وتوكّلكم لا تنظرون الاّ الى الاسباب ولذا اجرى النّصر بتوسّط الاسباب {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} ظرف لقوله استجاب او لممدّكم او لمردفين او لجعله الله او لتطمئنّ او لقوله من عند الله على الانفراد او على سبيل التّنازع، ويحتمل ابداله من قوله اذ يعدكم وقوله اذا تستغيثون بدل اشتمال {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} من الحدث والخبث {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} الجنابة او وسوسته وتخويفه عن العطش، روى انّهم نزلوا فى كئيب اعفر تسوخ فيه الاقدام على غير ماءٍ فناموا فاحتلم اكثرهم وقد غلب المشركون على الماء فوسوس اليهم الشّيطان وقال: كيف تنصرون وقد غلبتم على الماء وانتم تصلّون محدثين وتزعمون انّكم اولياء الله وفيكم رسوله فأشفقوا، فأنزل المطر فمطّروا ليلاً حتّى جرى الوادى واتّخذوا الحياض على غدوته وسقوا الرّكاب واغتسلوا وتوضّأوا وتلبّد الرّمل الّذى بينهم وبين العدوّ حتّى ثبتت عليه الاقدام وزالت الوسوسة {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} لمّا كان ربط القلوب تنزيلاً من اشرف خصائل الانسان والمرابطة تأويلاً من آخر مقامات السّلاّك كرّر اللاّم اشارة الى انّه مغاير مع سابقيه شرفاً ورتبةً والمعنى وليربط المحبّة على قلوبكم او ليربط الولاية الحقيقيّة الّتى هى مثال النّبىّ او الولىّ على قلوبكم {وَيُثَبِّتَ بِهِ} اى بالمطر تنزيلاً وبالرّبط تأويلاً {ٱلأَقْدَامَ} البدنيّة على التّراب لتلبّده وعلى الدّين لوصولكم الى مطلوبكم.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى} أي ما جعل المدد من الملائكة إلا بشرى {وَلِتَطْمَئِنَّ} أي [لتسكن] { بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي عزيز في نقمته، حكيم في أمره. قوله: { إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} أي: أماناً منه. قال الحسن ومجاهد: أماناً من الله. {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} أي يطهّر ما في قلوبكم من الخوف {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} أي ترهيب الشيطان الذي كان دخل قلوبكم في تفسير الحسن: {وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}. فأنزل الله ذلك الماء على المسلمين. فاذهب الله ما في قلوبهم مما كان أوقع الشيطان في قلوبهم من تخويفه. وقال بعضهم: ذكر لنا أنهم مطروا يومين حتى سال الوادي ماء واقتتلوا على كثيب أعفر، فلبّده الله بالماء، وشرب المسلمون، وتوضأوا، واستقوا، وأذهب الله عنهم وساوس الشيطان. قال الكلبي: بلغنا أن المشركين سبقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل حيالهم، وبينه وبينهم الوادي؛ ونزل على غير ماء؛ فقذف الشيطان في قلوب المؤمنين أمراً عظيماً فقال: زعمتم أنكم عباد الله، وعلى دين الله، وقد غلبكم المشركون على الماء، وأنتم تصلّون محدثين مجنبين، فأحبّ الله أن يذهب من قلوبهم رجز الشيطان، فأغشى المؤمنين نعاساً أمنة منه، وأنزل عليهم من السماء ماء ليطهرهم به من الإِحداث والجنابة، ويذهب عنهم رجز الشيطان [أي ما كان قذف في قلوبهم] وليربط على قلوبهم ويثبّت به الأقدام. وكان بطن الوادي فيه رملة تغيب فيه الأقدام؛ فلما مطر الوادي اشتدت الرملة، فمشى عليها الرجال، واتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حياضاً على الوادي، فشرب المسلمون منها واستقوا، ثم صفّوا. وأوحى {ربك إلى الملائكة أني معكم فثبّتوا الذين ءامنوا...} إلى قوله {واضربوا منهم كل بنان}؛ وهي أطراف الأيدي والأرجل.
اطفيش
تفسير : {وما جَعَله} أى الوعد والإرداف المسبوك اللفظ فى قراءة فتح أن، والمدلول عليه بلفظ ممد فى قراءة الكسر، أو المدد أو الألف نظرا لإفراد اللفظ، أو لقول أو استجابة أنى ممدكم {اللهُ إلا بُشْرى لَكُم} بشارة لكم بالنصر {ولتَطْمئنَّ} متعلق بمحذوف، أى وفعل ذلك لتطمئن، أو بمحذوف معطوف على بشرى، أى وثابتا لتطمئن عند مجيز الإخبار بالتعليل، وإن جعلت لام لكم التعليل سواء علقت بمحذوف نعت بشرى، أو بجعل فلتطمئن معطوف على لكم، ولكن الأولى فى لام لكم أنها للتعليل. {بِهِ قُلوبُكم} فيزول ما فيها من الخوف لقلتكم إذا رأيتموهم وسمعتم أصواتهم فيكم، وكانوا يقولون: اثبتوا فإن عدوكم قليل، وإن الله معكم، ولم ينزلوا ليقاتلوا، وإلا فملك واحد كاف فى إهلاك أهل الدنيا، وقد حمل جبريل مدائن قوم لوط بريشة واحدة، وأهلك قوم صالح بصيحة واحدة فيما قيل، من قال: قاتلت الملائكة يوم بدر قال: إن المراد بالذات فى إرسالها البشرى، والاطمئنان وتكثير العدد، وقتالها كان بالعرض، ولا يقتلون أحدا إلا بأمر الله، ولم يرد الله أن يقاتلوا إلا على هيئة قتال الآدميين، ويكون الفعل للنبى صلى الله عليه وسلم والمسلمين. ويوافق أنهم قاتلوا ما قال أبو داود المازنى: إنى لأتبع رجلا من المشركين يوم بدر لأضربه، إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفى، فعرفت أنه قتله غيرى، ومثل هذا عن أبى واقد الليثى، وعن ابن عباس: بينما مسلم الأنصارى يشتد فى أثر مشرك إذ سمع ضربة السوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه، فأخبر الأنصارى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. وعن سهل بن عمرو: لقد رأيت يوم بدر رجالا بيضا على خيل بلق، بين السماء والأرض معلمين، يقتلون ويأسرون، وعن أبى أمامة بن سهل قال لى: إنى لقد رأيتما فى يوم بدر، وإن أحدنا ليشير بكفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وعن أبى بردة: حديث : جئت يوم بدر بثلاثة رءوس فوضعتهن بين يدي النبى صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أما رأسان فأنا قتلتهما، وأما الثالث فإنى رأيت رجلا أبيض طويلا ضربه، فأخذت أنا رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: "ذلك فلان من الملائكة ". تفسير : وعن السائب بن أبى حبيش: حديث : انهزمت مع قريش، فأدركنى رجل طويل على فرس أبيض بين السماء والأرض فأوثقنى رباطا، وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدنى مربوطا، فكان عبد الرحمن ينادى من أسر هذا؟ فليس يزعم أحد أنه أسرنى حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى: "يا ابن حبيش من أسرك؟" فقلت: لا أعرفه وكرهت أن أخبره بالذى رأيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسره ملك اذهب يا ابن عوف بأسيرك" تفسير : فذهب بى وتأخر إسلامى حتى كان ما كان. وروى حديث : أن رجلا قصيرا جاء بالعباس بن عبد المطلب أسيرا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرنى، لقد أسرنى رجل أجلح من أحسن الناس وجها، على فرس أنثى ما أراه، فقال الأنصارى: بل أنا أسرته يا رسول الله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسكت فقد أيدك الله بملك كريم" تفسير : وكان الأنصارى يعرف بأبى اليسر كعب بن عمرو. وروى أنه قيل للعباس: كيف أسرك أبو اليسر وهو ذميم وأنت جسيم ولو شئت لجعلته فى كفك؟ فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر فى عينى كالخندمة يعنى جبلا من جبال مكة، وروى أنه قيل لأبى اليسر: كيف أسرته؟ فقال: أعاننى عليه رجل من صفته كذا، وما رأيته قبل ولا بعد. ولما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وثاق الأسرى شد وثاق العباس، فسمعه صلى الله عليه وسلم يئن فلم يأخذه النوم، فبلغ الأنصار فأطلقوه وفهموا أنه صلى الله عليه وسلم رضى بفك وثاقه، وسألوه أن يتركوا له الفداء طلبا لتمام رضاه فلم يجبهم. وعن رجل من بنى سعد بن بكر: أبصرت يوم بدر رجلا بين يدى منهزما فقلت: ألحقه أستأسره، فتدلى من جرف فلحقته، فإذا رأسه قد زايله ساقطا، وما رأيت قربه أحدا، ورأى حكيم بن خزام فى المنام بخارا قد سد الأفق فى بدر، فإذا الوادى يسيل نملا، فوقع فى نفسى أن هذا شئ أيد به محمد، فما كانت إلا الهزيمة، وقال: التقينا فاقتتلنا، فسمعت صوتا وقع من السماء إلى الأرض مثل الحصاة فى الطست الحديد. قال نوفل بن معاوية: انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصى فى الطساس فى أفئدتنا ومن خلفنا، فكان ذلك من أشد الرعب علينا، وروى أن أبا جهل قال لابن مسعود: من أين ذلك الصوت الذى كنا نسمع ولا نرى شخصا، فقال: من الملائكة، فقال: هم غلبونا لا أنتم. قال قباث بن أشيم: حديث : نظرت إلى كثرتنا وقلة أصحاب محمد فانهزمنا، وإنى لا أقول فى نفسى ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء، ولما كان أمر الخندق قلت: لو قدمت إلى محمد فأنظر ما يقول وقد وقع الإسلام فى قلبى، فقدمت المدينة فسألت عنه فقالوا: هو ذاك فى ظل المسجد مع ملأ من أصحابه، فأتيته ولا أعرفه فسلمت فقال: "يا قباث بن أشيم أنت القائل يوم بدر ما رأيت مثل هذا الأمر فر منه إلا النساء؟" فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن هذا الأمر ما خرج منى إلى أحد لولا أنك نبى ما أطلعك الله عليه، هلم أبايعك، فعرض على الإسلام فأسلمت. تفسير : وليس فى الآية ما يدل على أن المؤمنين علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم فيما قيل، فإن الاستجابة يمكن أن تقع فى غيبه تعالى، وقد روى أنهم علموا ذلك قبل القتال. {ومَا النَّصرُ إلا مِن عِنْد اللهِ} وأما الأمداد وكثرة العدد ونحوهما فوسائط لا ناصرة، ولا يتأسوا بفقدها أو وما النصر بهذه الوسائط إلا من عند الله فلا تتقوا إلا بالله {إنَّ اللهَ عزيزٌ} غالب قاهر {حَكيمٌ} فى ما يفعل، ينصر من اقتضت الحكمة نصره. ومن كتب فى بطاقة فى السابع والعشرين من رمضان: {وما جعله إلا بشرى} الآية وجعلها تحت فص خاتم، وحمله هواء وغيره لم يزل حاله مسرورا منصورا على عدوه.
اطفيش
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ} أَى الإِمداد المعلوم من ممدكم {اللهُ إِلاَّ بُشْرَى} أَى تبشير لكم بإِعانتهم وبنصركم والملك الواحد لو أَمره الله لأَهلكهم فى أَقل من ساعة، والآية دلت على أَن الملائكة لم تقاتل، وقيل: قاتل بعض، وإِن صاحبيا هو أَبو داود المازنى، تبع مشركا ليقتله فرأَى رأسه مقطوعا قبل الوصول إِليه، وتبع صحابى مشركا ليقتله فسمع ضربة سوط فوقه وقائلا: أَقدم حيزوم، فخر المشرك مستلقياً محطوماً مشقوقاً وجهه، فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة، وحيزوم فرس جبريل منادى بحرف محذوف أَى يا حيزوم {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} بذلك الإِمداد تسكن عن القلق وذل القلة وعدم الاستعداد، أَو لتسكن {قُلُوبُكُمْ} وتعلق اللام بمحذوف، أَى وأَثبت الإِمداد لتطمئن، أَو وأَمدكم لتطمئن، وإِن عديت جعل لواحد بمعنى أَثبت كأَن التفريع للمفعول من أَجله فتعطف على بشرى فتكون اللام مذكورة لاختلاف الفاعل لأَن فاعل الجعل الله، وفاعل الاطمئنان القلوب {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ} بلا توقف على استعداد ومع الضعف، وتثقوا بقوتكم، أَو شجاعتكم، وقدم به على قلوبكم، لأَن الأَهم لهم حصول الاطمئنان، وينكشف بذلك وجه تقديم بشرى على تطمئن، ولا سيما إِن رددت هاءَ به إِلى بشرى بتذكيره لأَنه بمعنى التبشير ولا قائل من المؤمنين أَن النصر من الملائكة لا من الله، فضلا عن أَن يقال الحصر قلبى إِلا أَن يعظهم بأَلاَّ يعتقدوا ذلك، لا على أَنهم اعتقدوه، أَو يعتبر ما يخطر ببال، ولا يثبت أَو اعتبر ضعف علم أَحد منهم فى ذلك وأَخر{وما النصر إِلا من عند الله} {إِنَّ الله عِزِيزٌ حَكِيمٌ} لأَنه كالفذلكة، ولأَنه حكم كلى فى ذلك القتال وغيره من القتال وفى غير القتال.
الالوسي
تفسير : {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} كلام مستأنف [سيق] لبيان أن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا من النصر عند فقدان أسبابه، والجعل متعد إلى [مفعول] واحد وهو الضمير العائد إلى المصدر المنسبك في {أية : أَنّي مُمِدُّكُمْ } تفسير : [الأنفال: 9] على قراءة الفتح والمصدر المفهوم من ذلك على الكسر، واعتبار القول ورجوع الضمير إليه ليس بمعتبر من القول، أي وما جعل إمدادكم بهم لشيء من الأشياء {إِلاَّ بُشْرَىٰ} أي بشارة لكم بأنكم تنصرون {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} أي بالإمداد {قُلُوبكُمْ} وتسكن إليه نفوسكم وتزول عنكم الوسوسة ونصب {بُشْرىً} على أنه مفعول له و {وَلِتَطْمَئِنَّ} معطوف عليه، وأظهرت اللام لفقد شرط النصب، وقيل: للإشارة إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما قيل في قوله سبحانه: {أية : وَٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } تفسير : [النحل: 8]. وقيل: إن الجعل متعد إلى اثنين ثانيهما {بُشْرىً} على أنه استثناء من أعم المفاعيل، واللام متعلقة بمحذوف مؤخر أي وما جعله الله تعالى شيئاً من الأشياء إلا بشارة لكم ولتطمئن به قلوبكم فعل ما فعل لا لشيء آخر والأول هو الظاهر، وفي الآية إشعار بأن الملائكة لم يباشروا قتالاً وهو مذهب لبعضهم، ويشعر ظاهرها بأن النبـي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بذلك الإمداد وفي الإخبار ما يؤيده، بل جاء في غير ما خبر أن الصحابة رأوا الملائكة عليهم السلام. وروي عن أبـي أسيد وكان قد شهد بدراً أنه قال بعد ما ذهب بصره: لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي وما النصر بالملائكة وغيرهم من الأسباب إلا كائن من عنده عز وجل، فالمنصور هو من نصره الله سبحانه والأسباب ليست بمستقلة، أو المعنى لا تحسبوا النصر من الملائكة عليهم السلام فإن الناصر هو الله تعالى لكم وللملائكة، وعليه فلا دخل للملائكة في النصر أصلاً، وجعل بعضهم القصر على الأول إفرادي وعلى الثاني قلبـي {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} لا يغالب في حكمه ولا ينازع في أقضيته {حَكِيمٌ} يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة الباهرة، والجملة تعليل لما قبلها وفيها إشعار بأن النصر الواقع على الوجه المذكور من مقتضيات الحكم البالغة.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : أني مُمدكم بألفٍ من الملائكة مردَفين}تفسير : [الأنفال: 9] فالضمير المنصوب في قوله: {جَعله} عائِد إلى القول الذي تضمنه {أية : فاستجاب لكم أني ممدكم}تفسير : [الأنفال: 9] أي ما جعل جوابكم بهذا الكلام إلاّ ليبشركم، وإلاّ فقد كان يكفيكم أن يضمن لكم النصر دون أن يبين أنه بإمداد من الملائكة. وفائِدة التبشير بإمداد الملائكة أن يوم بدر كان في أول يوم لقي فيه المسلمون عدواً قوياً وجيشاً عديداً، فبشرهم الله بكيفية النصر الذي ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، لأن النفوس أمْيل إلى المحسوسات، فالنصر معنى من المعاني يدق إدراكه وسكون النفس لتصوره بخلاف الصور المحسوسة من تصوير مَدد الملائكة ورؤية أشكال بعضهم. وتقدم القول في نظير هذه الآية في سورة آل عمران إلاّ لتعرض لما بين الآيتين من اختلاف في ترتيب النظم وذلك في ثلاثة أمور: أحدها: أنه قال في آل عمران (126): {أية : إِلا بشرى لكم}تفسير : وحُذف (لكم) هنا دفعاً لتكرير لفظه لسبق كلمة {لكم} قريباً في قوله: {أية : فاستجاب لكم}تفسير : [الأنفال: 9] فعلم السامع أن البشرى لهم، فأغنت {لكم} الأولى، بلفظها ومعناها، عن ذكر {لكم} مرة ثانية، ولأن آية آل عمران سيقت مساق الامتنان والتذكير بنعمة النصر في حين القلة والضعف، فكان تقييد {بشرى} بأنها لأجلهم زيادة في المنة أي: جعل الله ذلك بشرى لأجلكم كقوله تعالى: {أية : ألم نشرح لكَ صدرك}تفسير : [الشرح: 1] وأما آية الآنفال فهي مسوقة مساق العتاب على كراهية الخروج إلى بدر في أول الأمر، وعلى اختيار أن تكون الطائفة التي تلاقيهم غير ذات الشوكة، فجرد {بشرى} عن أن يعلق به {لكم} إذ كانت البشرى للنبيء صلى الله عليه وسلم ومن لم يترددوا من المسلمين، وقد تقدم ذلك في آل عمران. ثانيها: تقديم المجرور هنا في قوله: {به قلوبكم} وهو يفيد الاختصاص، فيكون المعنى: ولتطمئن به قلوبكم لا بغيره، وفي هذا الاختصاص تعريض بما اعتراهم من الوجل من الطائفة ذات الشوكة وقناعتهم بغُنم العُروض التي كانت مع العِير، فعُرض لهم بأنهم لم يتفهموا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم حين استشارهم، وأخبرهم بأن العير سلكتْ طريق الساحل فكان ذلك كافياً في أن يعلموا أن الطائفة الموعود بها تمحضت أنها طائفة النفير، وكان الشأن أن يظنوا بوعد الله أكمل الأحوال، فلما أراد الله تسكين روعهم، وعَدهم بنصرة الملائكة علماً بأنه لا يُطْمئِنُ قُلوبهم إلاّ ذلك، وجعل الفخرُ: التقديمَ هنا لمجرد الاهتمام بذلك الوعد، وذلك من وجوه التقديم لكنه وجّه تأخيره في آل عمران بما هو غير مقبول. ثالثها: أنه قال في سورة آل عمران (126) {أية : العزيز الحكيم}تفسير : فصاغ الصفتين العَلِيتَيْن في صيغة النعت، وجعلهما في هذه الآية في صيغة الخبر المؤكد، إذ قال: إن الله عزيز حكيم} فنزّل المخاطبين منزلة مَن يتردد في أنه تعالى موصوف بهاتين الصفتين: وهما العزة، المقتضية أنه إذا وعَد بالنصر لم يُعجزه شيء، والحكمةُ، فما يصدر من جانبه غوصُ الإفهام في تبيّن مقتضاءه، فكيف لا يهتدون إلى أن الله لما وعدهم الظَفَر بإحدى الطائفتين وقد فاتتهم العير أن ذلك آيل إلى الوعد بالظفَر بالنفير. وجملة: {إن الله عزيز حكيم} مستأنفة استينافاً ابتدائياً جعلت كالإخبار بما ليس بمعلوم لهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَلِتَطْمَئِنَّ} (10) - وَيَذْكُرُ تَعَالَى: أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ إِرْسَالَ المَلاَئِكَةِ لإِمْدَادِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ إلا بُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَتَطْمِيناً لِقُلُوبِهِمْ، بِأنَّهُمْ سَيَنْتَصِرُونَ، وَتَثْبِيتاً لأَقْدَامِهِمْ أَثْنَاءَ القِتَالِ، لأنَّهُ قَادِرٌ عَلَى نَصْرِهِمْ بِدُونِ ذَلِكَ، لأنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ العَزِيزُ الجَانِبِ، الحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي أن الملائكة هي بشرى لكم، وأنتم الذين تقاتلون أعداءكم، وسبحانه وتعالى هو القائل: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}تفسير : [التوبة: 14]. قال الحق سبحانه وتعالى ذلك للمؤمنين وهم يدخلون أول معركة حربية، ويواجهون أول لقاء مسلح بينهم وبين الكافرين، لأنهم إن علموا أن الملائكة ستقاتل وتدخل، فقد يتكاسلون عن القتال ويدخلون إلى الحرب بقلوب غير مستعدة، وبغير حمية، فأوضح ربنا: أنا جعلت تدخل الملائكة بشرى لكم، و {لِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ}، أي أن عدد الملائكة يقابل عدد جيش الكفار، والزيادة في العدد هي أنتم يا من خرجتم للقتال. واعلموا أن الملائكة هي لطمأنة القلوب. لكن الحق يريد أن يعذبهم بأيديكم أنتم، لأن الله يريد أن يربي المهابة لهذه العصبة بالذات، بحيث يحسب لها الناس ألف حساب. واختلفت الروايات في دور الملائكة في غزوة بدر، فنجد أبا جهل يقول لابن مسعود: ما هذه الأصوات التي أسمعها في المعركة؟ فقد كانت هناك أصوات تُفزع الكفار في غزوة بدر - ويرد ابن مسعود على أبي جهل: إنها أصوات الملائكة. قال: إذن بالملائكة تغلبون لا أنتم.. فإياكم أن تفتنوا حتى بالملائكة؛ لأن النصر لا منكم ولا من الملائكة، ولكن النصر من عندي أنا؛ لأن الذي تحب أن ينصرك، لا بد أن تكون واثقاً أنه قادر على نصرتك، والبشر مع البشر يظنون الانتصار من قبل الحرب، ومن الجائز أن يغلب الطرف الآخر، لكن النصر الحقيقي من الذي لا يُغْلَب وهو الله سبحانه وتعالى: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} وأنت حين تستنصر أحداً لينصرك على عدوك فهذا الذي نستنصر به إن كان من جنسك يصح أن يَغْلِب معك ويصح أن تنغلب أنت وهو، لكنك تدخل الحرب مظنة أنك تغلبَ مع من ينصرك وقد يحدث لكما معاً الهزيمة أمَّا الحقُّ سبحانه وتعالى فهو وحده الذ لا يُغَالَب ولا يُغْلَب. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}. وهو سبحانه وتعالى الناصر، وهكذا يكون المؤمن الذي يقاتل بحمية الإيمان واثقاً من النصر، لكن إياكم أن تظنوا أن النصر من الله لا يصدر عن حكمة، إن وراء نصر الله للمؤمنين حكمةً، فإن تهاونتم في أي أمر يُسلب منكم النصر؛ لأن الله لا يغير سننه مع خلقه، وقد رأينا ما حدث في غزوة أحد حين تخاذلوا ولم ينفذوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم ينتصروا؛ لأن الحكمة اقتضت ألا ينتصروا، ولو نصرهم الله لاستهانوا بعد ذلك بأوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقال بعض منهم: خالفناه وانتصرنا، وهكذا نجد أن طاعة الله والرسول والأخذ بالأسباب أمر هام، فحين جاء الأمر من رسول الله في غزوة أحد بما معناه: يا رماة لا تتركوا أماكنكم، ولو رأيتمونا نفر إلى المدينة، فلا شأن لكم بنا، وعلى كل منكم أن يأخذ دوره ومهمته، فإذا رأى أخا له في دوره قد انهزم فليس له به شأن، وعلى كل مقاتل أن ينفذ ما عليه. لكنهم خالفوا فسلبهم الله النصر. وهكذا يتأكد لهم أن النصر من عند الله العزيز الذي لا يغلب. وقال البخاري عن البراء بن عازب قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة، وأمَّر عليهم "عبد الله بن جبير"، وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : لا تبرحوا وإن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ". تفسير : ونلحظ أن المدد بالملائكة ورد مرة بألف، ومرة بثلاثة آلاف في قول الحق سبحانه {أية : إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَٰثَةِ آلَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ} تفسير : [آل عمران: 124]. فإن لم يكفكم ثلاثة آلاف سيزيد الله العدد، لذلك يقول المولى عز وجل: {أية : بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران: 125]. إذن المدد يتناسب مع حال المؤمنين، ويبين ذلك قوله سبحانه: {بَلَىۤ إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ} فالصبر إذن وحده لا يكفي بل لا بد أيضا من تقوى اللخ، ولا بد كذلك من المصابرة بمغالبة العدو في الصبر؛ لذلك يقول المولى تبارك وتعالى في موقع آخر: {أية : ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ}تفسير : [آل عمران: 200]. وذلك لأن العدو قد يملك هو أيضاً ميزة الصبر؛ لهذا يزيد الله الصابر، فإن صبر العدو على شيء فاصبر أنت أيها المؤمن أكثر منه. وقد جعل الله عز وجل الإمداد بالملائكة بشرى لطمأنة القلوب وثقة من أن النصر من عند الله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 10]. وما أن بدأت المعركة حتى بدأ توالي النعم التي سوف تأني بالنصر، إمداد بالملائكة، بشرى لتطمئن القلوب، وثقة من أن النصر من عند الله العزيز الحكيم. ثم يأتي التذكير بالدلالة على ذلك فيقول المولى سبحانه وتعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ}
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):