Verse. 1169 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اِذْ تَسْتَغِيْثُوْنَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ اَنِّىْ مُمِدُّكُمْ بِاَلْفٍ مِّنَ الْمَلٰۗىِٕكَۃِ مُرْدِفِيْنَ۝۹
Ith tastagheethoona rabbakum faistajaba lakum annee mumiddukum bialfin mina almalaikati murdifeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

اذكر «إذ تستغيثون ربَّكم» تطلبون منه الغوث بالنصر عليهم «فاستجاب لكم أني» أي بأني «مُمدُّكم» معينكم «بألف من الملائكة مردفين» متتابعين يردف بعضهم بعضا وعدهم بها أوَّلا ثم صارت ثلاثة آلاف ثم خمسة كما في آل عمران وقرئ بآلُف كأفُلس جمع.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أنه يحق الحق ويبطل الباطل، بين أنه تعالى نصرهم عند الاستغاثة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: يجوز أن يكون العامل في {إِذْ } هو قوله: {وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } فتكون الآية متصلة بما قبلها، ويجوز أن تكون الآية مستأنفة على تقدير واذكروا إذ تستغيثون. المسألة الثانية: في قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ } قولان: القول الأول: أن هذه الاستغاثة كانت من الرسول عليه السلام. قال ابن عباس: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلثمائة ونيف، استقبل القبلة ومد يده وهو يقول: «حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض»تفسير : ولم يزل كذلك حتى سقط رداؤه ورده أبو بكر ثم التزمه ثم قال: كفاك يا نبي الله مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فنزلت هذه الآية ولما اصطفت القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره ورفع رسول الله يده بالدعاء المذكور. القول الثاني: أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلاً فيهم، بل خوفهم كان أشد من خوف الرسول، فالأقرب أنه دعا عليه السلام وتضرع على ما روي، والقوم كانوا يؤمنون على دعائه تابعين له في الدعاء في أنفسهم فنقل دعاء رسول الله لأنه رفع بذلك الدعاء صوته، ولم ينقل دعاء القوم، فهذا هو طريق الجمع بين الروايات المختلفة في هذا الباب. المسألة الثالثة: قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ } أي تطلبون الإغاثة يقول الواقع في بلية أغثني أي فرج عني. واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم الاستغاثة بين أنه تعالى إجابهم. وقال: {أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أَنّي مُمِدُّكُمْ } أصله بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه استجاب، فنصب محله، وعن أبي عمرو: أنه قرأ {أَنّي مُمِدُّكُمْ } بالكسر على إرادة القول أو على إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول. المسألة الثانية: قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم {مُرْدِفِينَ } بفتح الدال والباقون بكسرها. قال الفراء: {مُرْدِفِينَ } أي متتابعين يأتي بعضهم في أثر بعض كالقوم الذين أردفوا على الدواب و {مُرْدِفِينَ } أي فعل بهم ذلك، ومعناه أنه تعالى أردف المسلمين وأيدهم بهم. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن الملائكة هل قاتلوا يوم بدر؟ فقال قوم نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر، وميكائيل في خمسمائة على الميسرة، وفيها علي بن أبي طالب في صورة الرجال عليهم ثيابهم بيض وقاتلوا. وقيل قاتلوا يوم بدر ولم يقاتلوا يوم الأحزاب ويوم حنين، وعن أبي جهل أنه قال لابن مسعود: من أين كان الصوت الذي كنا نسمع ولا نرى شخصاً قال هو من الملائكة فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم، وروى أن رجلاً من المسلمين بينما هو يشتد في أثر رجل من المشركين إذ سمع صوت ضربة بالصوت فوقه فنظر إلى المشرك وقد خر مستلقياً وقد شق وجهه فحدث الأنصاري رسول الله فقال صدقت. ذاك من مدد السماء، وقال آخرون: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف في إهلاك الدنيا كلها فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط وأهلك بلاد ثمود وقوم صالح بصيحة واحدة، والكلام في كيفية هذا الإمداد مذكور في سورة آل عمران بالاستقصاء والذي يدل على صحة أن الملائكة ما نزلوا للقتال قوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ } قال الفراء: الضمير عائد إلى الأرداف والتقدير: ما جعل الله الأرداف إلا بشرى. وقال الزجاج: ما جعل الله المردفين إلا بشرى، وهذا أولى لأن الأمداد بالملائكة حصل بالبشرى. قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في العريش قاعداً يدعو، وكان أبو بكر قاعداً عن يمينه ليس معه غيره، فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم من نفسه نعساً، ثم ضرب بيمينه على فخذ أبي بكر وقال: «حديث : أبشر بنصر الله ولقد رأيت في منامي جبريل يقدم الخيل» تفسير : وهذا يدل على أنه لا غرض من إنزالهم إلا حصول هذه البشرى، وذلك ينفي إقدامهم على القتال. ثم قال تعالى: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } والمقصود التنبيه على أن الملائكة وإن كانوا قد نزلوا في موافقة المؤمنين، إلا أن الواجب على المؤمن أن لا يعتمد على ذلك بل يجب أن يكون اعتماده على إغاثة الله ونصره وهدايته وكفايته لأجل أن الله هو العزيز الغالب الذي لا يغلب، والقاهر الذي لا يقهر، والحكيم فيما ينزل من النصرة فيضعها في موضعها.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الاستغاثة: طلب الغَوْث والنَّصر. غوّث الرجل قال: واغوثاه. والاسم الغَوْث والغُوَاث والغَوَاث. واستغاثني فلان فأغثته؛ والاسم الغِياث؛ عن الجوهري. وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: حديث : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلاً؛ فاستقبل نبيّ الله صلى الله عليه وسلم القِبلة، ثم مدّ يديه، فجعل يهتف بربه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم ٱئتني ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض». فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكِبيه. فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبيّ الله، كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدكتفسير : . فأنزل الله تعالىٰ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} فأمدّه الله بالملائكة. وذكر الحديث. {مُرْدِفِينَ} بفتح الدال قراءة نافع. والباقون بالكسر اسم فاعل، أي متتابعين، تأتي فرقة بعد فرقة، وذلك أهْيب في العيون. و «مُرْدَفين» بفتح الدال على ما لم يسم فاعله؛ لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار. فمردَفين بفتح الدال نعت لألف. وقيل: هو حال من الضمير المنصوب في «مُمِدُّكُم». أي ممدّكم في حال إردافكم بألف من الملائكة؛ وهذا مذهب مجاهد. وحكى أبو عبيدة أنّ رَدِفني وأردفني واحد. وأنكر أبو عبيدة أن يكون أردف بمعنىٰ ردِف؛ قال لقول الله عز وجل: {أية : تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ}تفسير : [النازعات: 7] ولم يقل المُردِفَةُ. قال النحاس ومَكِّيّ وغيرهما: وقراءة كسر الدال أوْلىٰ؛ لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون. أي أردف بعضهم بعضاً، ولأن فيها معنىٰ الفتح على ما حكى أبو عبيدة، ولأن عليه أكثر القراء. قال سيبويه: وقرأ بعضهم «مُرَدِّفين» بفتح الراء وشدّ الدال. وبعضهم «مُرِدِّفين» بكسر الراء. وبعضهم «مُرُدِّفين» بضم الراء. والدال مكسورة مشدّدة في القراءات الثلاث. فالقراءة الأولىٰ تقديرها عند سيبويه مرتدفين، ثم أدغم التاء في الدال، وألقىٰ حركتها على الراء لئلا يلتقي ساكنان. والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين. وضمت الراء في الثالثة إتباعاً لضمة الميم؛ كما تقول: ردّ وردّ ورِدّ يا هذا. وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدريّ: «بآلف» جمع ألف؛ مثل فلس وأفلس. وعنهما أيضاً «بألف». وقد مضىٰ في «آل عمران» ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم. وتقدّم فيها القول في معنىٰ قوله: {أية : وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ}تفسير : [آل عمران: 126]. والمراد الإمداد. ويجوز أن يكون الإرداف. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} نبه على أن النصر من عنده جل وعز لا من الملائكة، أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة. والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة.

البيضاوي

تفسير : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } بدل من {إِذْ يَعِدُكُمُ} أو متعلق بقوله {ليحق} بقوله {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ}، أو على إضمار اذكر، واستغاثتهم أنهم لما علموا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون: أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه عليه السلام نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو: «حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض» تفسير : فـما زال كذلك حتى سقط رداؤه فقال أبو بكر يا نبي الله: كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ} بأني ممدكم، فحذف الجار وسلط عليه الفعل وقرأ أبو عمرو بالكسر على إرادة القول أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول. {بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ} متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضاً من أردفته أنا إذا جئت بعده، أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين، أو أنفسهم المؤمنين من أردفته إياه فردفه. وقرأ نافع ويعقوب "مُرْدِفِينَ" بفتح الدال أي متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم. وقرىء {مُرْدِفِينَ} بكسر الراء وضمها وأصله مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاء في الدال فالتقى ساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أو بالضم على الإتباع. وقرىء «بآلاف» ليوافق ما في سورة «آل عمران»، ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة، أو وجوههم وأعيانهم، أو من قاتل منهم واختلف في مقاتلتهم وقد روي أخبار تدل عليها.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نوح قراد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: لما كان يوم بدر، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وهم ثلاثمائة ونيف، ونظر إلى المشركين، فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل النبي صلى الله عليه وسلم القبلة، وعليه رداؤه وإزاره، ثم قال: «حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الارض أبداً» تفسير : قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فرداه، ثم التزمه من ورائه، ثم قال: يانبي الله كفاك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عز وجل: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ} فلما كان يومئذ، التقوا، فهزم الله المشركين، فقتل منهم سبعون رجلاً، وأسر منهم سبعون رجلاً، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً، فقال أبو بكر: يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه منهم قوة لنا على الكفار، وعسى أن يهديهم الله فيكونوا لنا عضداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما ترى يا ابن الخطاب؟» تفسير : قال: قلت: والله ما أرى ما رأىٰ أبو بكر، ولكني أرى أن تمكني من فلان ــــ قريب لعمر ــــ فأضرب عنقه، وتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان أخيه فيضرب عنقه، حتى يعلم الله أن ليس في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فَهَوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت، وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد، قال عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وهما يبكيان، فقلت: ما يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : للذي عرض علي أصحابك؛ من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة» تفسير : لشجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عز وجل: {أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي ٱلأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلأَخِرَةَ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَّوْلاَ كِتَـٰبٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَـٰلاً طَيِّباً} تفسير : [الأنفال: 67-69] فأحل لهم الغنائم. فلما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله: {أية : أَوَ لَمَّا أَصَـٰبَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [آل عمران: 165] بأخذكم الفداء. ورواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن مردويه من طرق عن عكرمة بن عمار به، وصححه علي بن المديني والترمذي، وقالا: لا يعرف إلا من حديث عكرمة بن عمار اليماني، وهكذا روى علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: أن هذه الآية الكريمة قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال يزيد بن يثيع والسدي وابن جريج، وقال أبو بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح قال: لما كان يوم بدر، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يناشد ربه أشد المناشدة يدعو، فأتاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله بعض مناشدتك، فوالله ليفين الله لك بما وعدك، قال البخاري في كتاب المغازي باب قول الله تعالى:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} - إلى قوله - {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}تفسير : [الأنفال: 13]: حدثنا أبو نعيم، حدثنا إسرائيل عن مخارق عن طارق بن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد بن الأسود مشهداً، لأن أكون صاحبه، أحب إلي مما عدل به: أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [المائدة: 24] ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه، وسره، يعني: قوله. حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: «حديث : اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد»تفسير : فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك، فخرج وهو يقول: «حديث : سيهزم الجمع ويولون الدبر» تفسير : ورواه النسائي عن بندار عن عبد الوهاب عن عبد المجيد الثقفي. وقوله تعالى: {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي: يردف بعضهم بعضاً؛ كما قال هارون بن هبيرة عن ابن عباس: {مُرْدِفِينَ} متتابعين، ويحتمل أن المراد {مُرْدِفِينَ} لكم، أي: نجدة لكم؛ كما قال العوفي عن ابن عباس: {مُرْدِفِينَ} يقول: المدد؛ كما تقول أنت للرجل: زده كذا وكذا. وهكذا قال مجاهد وابن كثير القارىء وابن زيد {مُرْدِفِينَ}: ممدين، وقال أبو كدينة عن قابوس عن أبيه عن ابن عباس: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ} قال: وراء كل ملك ملك. وفي رواية بهذا الإسناد: {مُرْدِفِينَ} قال: بعضهم على أثر بعض، وكذا قال أبو ظبيان والضحاك وقتادة. وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثني عبد العزيز بن عمران عن الربعي عن أبي الحويرث عن محمد جبير عن علي رضي الله عنه قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلموأنا في الميسرة. وهذا يقتضي إن صح إسناده أن الألف مردفة بمثلها، ولهذا قرأ بعضهم: {مُرْدِفِينَ} بفتح الدال، والله أعلم. والمشهور ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة، فكان جبريل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة مجنبة، وروى الإمام أبو جعفر بن جرير ومسلم من حديث عكرمة بن عمار عن أبي زميل سماك بن وليد الحنفي عن ابن عباس، عن عمر الحديث المتقدم، ثم قال أبو زميل: حدثني ابن عباس قال: بينا رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقياً، قال: فنظر إليه، فإذا هو قد خُطم أنفُه، وشق وجهه كضربة السوط، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة» تفسير : فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين. وقال البخاري: باب شهود الملائكة بدراً: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: «حديث : من أفضل المسلمين» تفسير : أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة. انفرد بإخراجه البخاري. وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من حديث رافع بن خديج، وهو خطأ، والصواب رواية البخاري، والله أعلم. وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر لما شاوره في قتل حاطب بن أبي بلتعة: «حديث : إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم؟» تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} الآية، أي: وما جعل الله بعث الملائكة وإعلامه إياكم بهم إلا بشرى، {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} وإلا فهو تعالى قادر على نصركم على أعدائكم، ولتطمئن به قلوبكم، وما النصر إلا من عند الله، أي: بدون ذلك، ولهذا قال: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ } تفسير : [محمد:4-6] وقال تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 140-141] فهذه حكم شرع الله جهاد الكفار بأيدي المؤمنين لأجلها، وقد كان تعالى إنما يعاقب الأمم السالفة المكذبة للأنبياء بالقوارع التي تعم تلك الأمم المكذبة؛ كما أهلك قوم نوح بالطوفان، وعاداً الأولى بالدبور، وثمود بالصيحة، وقوم لوط بالخسف والقلب وحجارة السجيل، وقوم شعيب بيوم الظلة، فلما بعث الله تعالى موسى، وأهلك عدوه فرعون وقومه بالغرق في اليم، ثم أنزل على موسى التوراة، شرع فيها قتال الكفار، واستمر الحكم في بقية الشرائع بعده على ذلك؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ} تفسير : [القصص: 43] وقتل المؤمنين للكافرين أشد إهانة للكافرين، وأشفى لصدور المؤمنين، كما قال تعالى للمؤمنين من هذه الأمة: { أية : قَـٰتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 14] ولهذا كان قتل صناديد قريش بأيدي أعدائهم الذين ينظرون إليهم بأعين ازدرائهم أنكى لهم، وأشفى لصدور حزب الإيمان، فقتل أبي جهل في معركة القتال وحومة الوغى أشد إهانة له من موته على فراشه بقارعة أو صاعقة أو نحو ذلك، كما مات أبو لهب لعنه الله بالعدسة، بحيث لم يقربه أحد من أقاربه، إنما غسلوه بالماء قذفاً من بعيد، ورجموه حتى دفنوه، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} أي: له العزة ولرسوله وللمؤمنين بهما في الدنيا والآخرة؛ كقوله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ ٱلأَشْهَـٰدُ } تفسير : [غافر: 51] {حَكِيمٌ} فيما شرعه من قتال الكفار، مع القدرة على دمارهم وإهلاكهم بحوله وقوته سبحانه وتعالى.

المحلي و السيوطي

تفسير : اذكر {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } تَطْلبونَ منه الغوث بالنصر عليهم {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي } أي بأني {مُمِدُّكُمْ } معينكم {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٱئِكَةِ مُرْدِفِينَ } متتابعين يردف بعضهم بعضاً، وعدهم بها أولاً ثم صارت ثلاثة آلاف ثم خمسة كما في( آل عمران)[125:3]. وقرىء [شذوذاً] «بآلُفٍ» [جمع(ألْف)]كأفلُس جمع[(فَلَسْ)].

الشوكاني

.تفسير : قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ } الظرف متعلق بمحذوف، أي واذكروا وقت استغاثتكم. وقيل بدل من {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [الأنفال: 7] معمول لعامله. وقيل: متعلق بقوله: {أية : لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ } تفسير : [الأنفال: 8] والاستغاثة: طلب الغوث. يقال: استغاثني فلان فأغثته، والاسم الغياث. والمعنى: أن المسلمين لما علموا أنه لا بدّ من قتال الطائفة ذات الشوكة، وهم النفير كما أمرهم الله بذلك، وأراده منهم، ورأوا كثرة عدد النفير، وقلة عددهم، استغاثوا بالله سبحانه. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن عدد المشركين يوم بدر ألف، وعدد المسلمين ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى ذلك استقبل القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض»تفسير : الحديث {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ } عطف على {تستغيثون} داخل معه في التذكير، وهو وإن كان مستقبلاً فهو بمعنى الماضي، ولهذا عطف عليه استجاب. قوله: {أَنّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ } أي بأني ممدكم، فحذف حرف الجرّ وأوصل الفعل إلى المفعول، وقرىء بكسر الهمزة على إرادة القول، أو على أن في {استجاب} معنى القول. قوله: {مُرْدِفِينَ } قرأ نافع بفتح الدال اسم مفعول، وقرأ الباقون بكسرها اسم فاعل وانتصابه على الحال. والمعنى على القراءة الأولى: أنه جعل بعضهم تابعاً لبعض. وعلى القراءة الثانية: أنهم جعلوا بعضهم تابعاً لبعض وقيل: إن {مردفين} على القراءتين نعت لألف. وقيل: إنه على القراءة الأولى، حال من الضمير المنصوب في {ممدكم}: أي ممددكم في حال إردافكم بألف من الملائكة. وقد قيل: إن ردف وأردف بمعنى واحد. وأنكره أبو عبيدة قال: لقوله تعالى: {أية : تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ } تفسير : [النازعات: 7] ولم يقل المردفة. قال سيبويه: وفي الآية قراءة ثالثة وهي «مردّفين» بضم الراء وكسر الدال مشدّدة. وقراءة رابعة بفتح الراء وتشديد الدال. وقرأ جعفر بن محمد، وعاصم الجحدري «بآلاف» جمع ألف، وهو الموافق لما تقدّم في آل عمران. والضمير في {وما جعله الله} راجع إلى الإمداد المدلول عليه بقوله: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ} {إِلاَّ بُشْرَىٰ } أي إلا بشارة لكم بنصره، وهو استثناء مفرّغ، أي ما جعل إمدادكم لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بالنصر. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ } أي بالإمداد قلوبكم. وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا، بل أمدّ الله المسلمين بهم للبشرى لهم، وتطمين قلوبهم وتثبيتها. واللام في {لتطمئن} متعلقة بفعل محذوف يقدر متأخراً، أي ولتطمئن قلوبكم فعل ذلك لا لشيء آخر. {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } لا من عند غيره، ليس للملائكة في ذلك أثر، فهو الناصر على الحقيقة، وليسوا إلا سبباً من أسباب النصر التي سببها الله لكم، وأمدكم بها. {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } لا يغالب {حَكِيمٌ } في كل أفعاله. وقد أخرج ابن جرير، عن عليّ رضي الله عنه، قال: نزل جبريل في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وأخرج سنيد، وابن جرير، وأبو الشيخ، عن مجاهد، قال: ما أمدّ النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ذكر الثلاثة الآلاف، والخمسة الآلاف إلا بشرى. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {مُرْدِفِينَ } قال: متتابعين. وأخرج ابن جرير، عنه، في قوله: {مُرْدِفِينَ } يقول: المدد. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ عنه، أيضاً في الآية قال: وراء كل ملك ملك. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الشعبي، قال: كان ألف مردفين، وثلاثة آلاف منزلين، فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثغورهم. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {مُرْدِفِينَ } قال: مجدّين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: متتابعين، أمدّهم الله بألف ثم بثلاثة، ثم أكملهم خمسة آلاف. {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ } لكم {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } قال: يعني نزول الملائكة. قال: وذكر لنا أن عمر قال: أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة كانوا معنا. وأما بعد ذلك فالله أعلم. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن زيد {مُرْدِفِينَ } قال: بعضهم على أثر بعض.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: تستنصرون. الثاني: تستجيرون. والفرق بين المستنصر والمستجير أن المستنصر: طالب الظفر، والمستجير: طالب الخلاص. والفرق بين المستغيث والمستعين أن المستغيث: المسلوب القدرة، والمستعين الضعيف القدرة. {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} أي فأعانكم. والفرق بين الاستجابة والإجابة أن الإجابة ما لم يتقدمها امتناع. {أَنَِّي مُمِدُّكُم بَأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مع كل ملك ملك، وهو قول ابن عباس فتكون الألف ألفين. قال الشاعر: شعر : إذا الجوزاء أردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونـــا تفسير : الثاني: معناه متتابعين، قاله السدي، وقتادة. الثالث: معنى مردفين أي ممدّين، والإرداف إمداد المسلمين بهم، قاله مجاهد. {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى} فيه وجهان: أحدهما: أن البشرى هي في مددهم بألف من الملائكة بشروهم بالنصر فكانت هي البشرى التي ذكرها الله تعالى. والثاني: البشرى النصرة التي عملها الله لهم. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} فيه وجهان: أحدهما: بالبشرى. والثاني: بالملائكة. واختلفوا في قتال الملائكة معهم على قولين: أحدهما: لم يقاتلوا وإنما نزلوا بالبشرى لتطمئن به قلوبهم، وإلا فملك واحد يهلك جميع المشركين كما أهللك جبريل قوم لوط. الثاني: أن الملائكة قاتلت مع النبي صلى الله عليه وسلم كما روى ابن مسعود أنه سأله أبو جهل: من أين كان يأتينا الضرب ولا نرى الشخص؟ قال: "حديث : مِن قِبَلِ الْمَلاَئِكَةِ" تفسير : فقال: هم غلبونا لا أنتم. وقوله: {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ} لئلا يتوهم أن النصر من قبل الملائكة لا من قبل الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {تَسْتَغِيثُونَ} تستنصرون، أو تستجيرون، فالمستجير: طالب الخلاص، والمستنصر: طالب الظفر، والمستغيث: المسلوب القدرة، والمستعين: الضعيف القدرة. {فَاسْتَجَابَ لَكُمْ} أغاثكم، الاستجابة ما تقدمها امتناع، والإجابة ما لم يتقدمها امتناع وكلاهما بعد السؤال. {مُرْدِفِينَ} مع كل ملك ملك فهم ألفان، أو متتابعين، أو ممدين للمسلمين، والإرداف: الإمداد.

ابن عادل

تفسير : قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} الآية. في "إذْ" خمسة أوجه: أحدها: أنَّهُ منصوبٌ بـ "اذْكر" مضمراً، ولذلك سمَّاه الحوفي مستأنفاً، أي: إنَّهُ منقطعٌ عمَّا قبله. والثاني: أنَّهُ منصوب بـ "يُحِقَّ" أي: يحقُّ الحقَّ وقت استغاثتكم، وهو قول ابن جرير وهو غلط؛ لأن "لِيُحِقَّ"، مستقبل؛ لأنَّه منصوبٌ بإضمار "أنْ" و "إذْ" ظرف لما مضى، فكيف يعمل المستقبل في الماضي؟. الثالث: أنَّهُ بدلٌ من "إذ" الأولى، قاله الزمخشري، وابن عطيَّة، وأبُو البقاءِ وكانوا قد قدَّمُوا أنَّ العامل في "إذْ" الأولى "اذكر" مقدراً. الرابع: أنَّهُ منصوب بـ "يَعِدُكُمُ" قاله الحوفيُّ، وقبله الطبري. الخامس: أنَّهُ منصوب بقوله "تَوَدُّونَ" قاله أبو البقاء، وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصْلِ. واستغاث: يتعدَّى بنفسه، وبالباءِ، ولم يجىء في القرآن إلاَّ متعدِّياً بنفسه، حتَّى نقم ابن مالك على النحويين قولهم: المستغاث له، أو به، والمستغاث من أجله، وقد أنشدوا على تعدِّيه بالحرف قول الشاعر: [البسيط] شعر : 2674 - حَتَّى اسْتَغَاثَتْ بماءٍ لا رشاءَ لَهُ من الأبَاطِحِ في حَافَاتِهِ البُرَكُ مُكَلَّلٌ بأصُولِ النَّجْمِ تَنْسِجُهُ ريحٌ خريقٌ لضاحِي مائِهِ حُبُكُ كَمَا استغاثَ بِسَيءٍ فَزُّ غَيْطلةٍ خَافَ العُيُونَ ولمْ يُنظَرْ بِه الحَشَكُ تفسير : فدلَّ هذا على أنَّهُ يتعدَّى بالحرف كما استعمله سيبويه وغيره. فصل الاستغاثةُ: طلبُ الغَوْث، وهو النَّصرُ والعونُ، وقيل: الاستغاثةُ: سدُّ الخَلَّةِ وقتَ الحاجةِ، وقيل: هي الاستجارةُ، ويقالُ: غَوْثٌ، وغواثٌ، والغَيْث من المطرِ، والغَوْثُ من النُّصرةِ، فعلى هذا يكون "اسْتَغَاثَ" مشتركاً بينهما، ولكن الفرقَ بينهما في الفعل، فيقال: اسْتَغثْتُهُ فأغاثني من الغَوْث، وغَاثَني من الغَيْث، وفي هذه الاستغاثَةُ قولان: الأول: أنَّ هذه الاستغاثة كانت من الرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسَّلام -. قال ابن عبَّاسٍ: حدّثني عمرُ بنُ الخطاب - رضي الله عنه - قال: حديث : لمَّا كان يوم بدرٍ نظر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، وهم ألف وإلى أصحابه، وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، واستقبل القبلة، ومد يده، فجعل يهتف بربّه: "اللَّهُمَّ أنْجِزْ لِي ما وعدْتَنِي، اللَّهُمَّ إنْ تُهلِكْ هذه العصابة لا تُعْبَدُ في الأرضِ" فلم يزل كذلك حتَّى سقط رداؤهُ عن منكبه، وردَّه أبو بكر ثمَّ التزمه، ثم قال: كفاكَ يا نبيَّ اللَّهِ مناشَدَتكَ ربَّك، فإنَّه سَيُنْجِزُ لك ما وعدكَتفسير : ؛ فأنزل اللَّهُ الآية، ولما اصطفّ القومُ قال أبُو جهلٍ: اللَّهُمَّ أولانا بالحقِّ فانْصُرهُ. الثاني: أن هذه الاستغاثة كانت من جماعة المؤمنين؛ لأن الوجه الذي لأجله أقدم الرسول على الاستغاثة كان حاصلاً فيهم، بل خوفهم كان أشَدّ من خوف الرسول، ويمكن الجمع بينهما بأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم دعا وتضرع، والمؤمنون كانوا يُؤمِّنونَ على دعائه. قوله: "أنِّي" العامةُ على فتح الهمزةِ بتقدير حذف حرف الجرِّ، أي: فاستجاب بأني. وقرأ عيسى بن عمر، وتروى عن أبي عمرو أيضاً "إنِّي" بكسرها، وفيها مذهبان، مذهب البصريين: أنَّهُ على إضمار القول، أي: فقال: إني ممدُّكم. ومذهب الكوفيين: أنَّها مَحكيَّةٌ بـ "اسْتَجَابَ" إجراءً له مُجْرَى القولِ؛ لأنَّه بمعناه. قوله: "بألفٍ" العامَّةُ على التَّوحيدِ، وقرأ الجحدريُّ "بآلفٍ" بزنة "أفْلُسٍ" وعنه أيضاً، وعن السدي "بآلاف" بزنة: أحْمَال"، وفي الجمع بين القراءتين، وقراءة الجمهور أن تحمل قراءةُ الجمهورِ على أنَّ المرادَ بـ: بالألْفِ هم الوجوه، وباقيهم كالأتباع لهم، فلذلك لم يَنُصَّ عليهم في قراءة الجمهور، ونصَّ عليهم في هاتين القراءتينِ، أو تحمل الألف على من قاتل من الملائكة دون من لم يقاتل، فلا تَنَافِي حينئذٍ بين القراءاتِ. قوله: "مُردفينَ" قرأ نافع، ويروى عن قنبل أيضاً: "مُردَفينَ" بفتح الدَّال، والباقون بكسرها، وهما واضحتان؛ لأنه يُروى أنه كان وراء كلّ ملكٍ رديفٌ له، فقراءة الفتحِ تُشعر بأنَّ غيرهم أردفهم، لركوبهم خلفهم، وقراءةُ الكسر تشعر بأنَّ الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصحَّ التَّعبيرُ باسم الفاعل تارة، وباسم المفعول أخرى، وجعل أبو البقاءِ مفعول "مُردفين" يعني بالكسر محذَوفاً أي: مُردفين أمثالهم، وجوَّز أن يكون معنى الإرداف: المجيء بعد الأوائل، أي: جعلوا ردفاً للأوائل. ويطلب جواب عن كيفيَّةِ الجمع بين هذه الآية، وآية آل عمران حيث قال هناك "بخَمْسَة" وقال هنا: "بألفٍ" والقصّة واحدة؟ والجوابُ: أنَّ هذه الألف مردفةٌ لتلك الخمسة؛ فيكون المجموعُ ستة آلاف، ويظهر هذا، ويقوى في قراءة: "مُردِفينَ" بكسر الدَّالِ. وقد أنكر أبو عبيدٍ: أنْ تكون الملائكةُ أردفت بعضها أي: ركَّبَتْ خلفها غيرها من الملائكةِ. وقال الفارسيُّ: من كسر الدَّال احتمل وجهين: أحدهما: أن يكونوا مردفين مثلهم كما تقول: أردفتُ زيداً دابتي، فيكون المفعولُ الثَّاني محذوفاً، وحذفُ المفعولِ كثيرُ، والوجه الآخرُ: أن يكونوا جَاءُوا بعد المسلمين. وقال الأخفشُ "بنو فلان يَردفوننا، أي: يَجيئُون بعدنا". وقال أبُو عبيدة "مُردفينَ" جاءوا بعدُ، وردفني، وأردفني واحد. قال الفارسي: هذا الوجه كأنه أبْيَنُ لقوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} فقوله: "مُردفينَ" أي: جائين بعد، لاستغاثتكم، ومن فتح الدَّال فهم مُردفُون على أرْدِفُوا الناسَ، أي: أنْزِلُوا بعدهم. وقرأ بعض المكيين فيما حكاه الخليلُ: "مُردِّفينَ" بفتح الرَّاء وكسر الدَّالِ مشدَّدة، والأصلُ: "مُرتدفينَ" فأدغم. وقال أبو البقاءِ: إنَّ هذه القراءة مأخوذةٌ من "رَدَّفَ" بتشديد الدَّال على التكثير وإنَّ التضعيف بدلٌ من الهمزة كـ: "أفْرحتَهُ وفرَّحْته". وجوَّز الخليلُ بنُ أحمد: ضمَّ الراءِ إتباعاً لضم الميم، كقولهم: "مُخُضِم" بضم الخاءِ، وقد قرىء بها شذوذاً. وقرىء "مُرِدِّفين" بكسر الرَّاءِ وتشديد الدَّالِ مكسورة، وكسر الراء يحتمل وجهين: إمَّا لالتقاءِ الساكنين، وإمَّا للإتباع. قال ابنُ عطيَّة: "ويجوزُ على هذه القراءةِ كسرُ الميم إتباعاً للرَّاءِ، ولا أحفظه قراءة". قال شهابُ الدِّين: وكذلك الفتحة في "مُردِّفينَ" في القراءة التي حكاها الخليلُ تحتمل وجهين: أظهرهما: أنَّها حركةُ نقلٍ من التَّاء - حين قصد إدغامها - إلى الرَّاءِ. والثاني: أنَّها فُتِحَتْ تخفيفاً وإن كان الأصلُ الكسر على أصل التقاءِ السَّاكنين، كما قد قُرىء به، وقرىء "مِرِدِّفين" بكسر الميم، إتباعاً لكسرةِ الرَّاءِ. و "الإرداف" الإتباع، والإركاب، وراءك. وقال الزَّجَّاجُ: "أردفْتُ الرَّجُلَ إذا جئت بعده". ومنه: {أية : تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ}تفسير : [النازعات: 7] ويقال: رَدِف، وأرْدَفَ. واختلف اللغويون: فقيل هما بمعنى واحد، وهو قول ابن الأعرابي نقله عنه ثعلب. وقولُ أبي زيْدٍ نقله عنه أبو عبيدٍ، قال: يقال: ردفْتُ الرَّجُلَ وأردفتُهُ، إذا ركِبْتَ خَلْفَهُ؛ وأنشد: [الوافر] شعر : 2675 - إذَا الجَوْزَاءُ أرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بآل فَاطِمَةَ الظُّنُونَا تفسير : أي: جاءت على رِدْفِها، وقيل: بينهما فرقٌ فقال الزَّجَّاجُ: "يقال: رَدِفْتُ الرَّجل إذا ركبتُ خلفه، وأرْدَفتُه أركبته خَلْفِي". وهذا يُناسبُ قول مَنْ يُقدِّر مفعولاً في: "مُرْدِفين" بكسر الدَّال وأرْدَفْتُه إذا جئتَ بعده أيضاً فصار "أرْدَفَ" على هذا مشتركاً بين معنين. وقال شمر: "رَدِفْتُ وأرْدَفْتُ إذَا فَعَلْتَ ذلك بنفسكَ، فأمَّا إذَا فعلتهما بغيركَ فأرْدَفْتُ لا غير". وقوله: "مُرْدَفينَ" بفتح الدَّال فيه وجهان، أظهرهما: أنَّهُ صفةٌ لـ "ألْف" أي: أرْدَفَ بعضهم لبعض، والثاني: أنَّه حالٌ من ضمير المخاطبين في ممدكم. قال ابن عطية: "ويحتمل أن يراد بالمُرْدَفين: المؤمنون، أي: أرْدِفُوا بالملائكة". وهذا نصٌّ فيما ذكر من الوجه الثاني. وقال الزمخشري: وقرىء "مُرْدفين" بكسر الدَّال وفتحها من قولك: رَدِفه، إذا تبعه، ومنه قوله تعالى {أية : رَدِفَ لَكُم}تفسير : [النمل: 72] أي: ردفكم، وأرْدَفْتُه إيَّاه: إذا تَبِعْتَه، ويقال: أرْدَفته كقولك، اتَّبَعْته: إذا جِئْتَ بعده، ولا يخلُو المكسورُ الدَّالِ من أن يكون بمعنى: مُتْبِعين، أو مُتَّبِعين. فإن كان بمعنى مُتْبعين فلا يخلو من أن يكون بمعنى مُتْبِعِين بعضهم بعضاً، أو مُتْبِعين بعضهم لبعض، أو بمعنى مُتْبِعِين إياهم المؤمنين، بمعنى يتقدَّمونهم فيتبعونهم أنفسهم، أو مُتْبِعين لهم يُشيِّعُونهم ويُقدِّمُونهُم بين أيديهم، وهم على ساقتهم ليكونوا على أعينهم وحِفْظِهم أو بمعنى مُتْبِعِين أنفسهم ملائكة آخرين، أو متبعين غيرهم من الملائكة، ويعضد هذا الوجه قوله تعالى في سورة آل عمران {أية : بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُنزَلِينَ}تفسير : [آل عمران: 124] {أية : بِخَمْسَةِ آلاۤفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُسَوِّمِينَ}تفسير : [آل عمران: 125]. ومن قرأ "مُرْدَفين" بالفتح فهو بمعنى مُتْبعينَ أو مُتَّبعينَ. وهذا الكلامُ على طوله، شرحُهُ أنَّ "أتْبع" بالتخفيف، يتعدَّى إلى مفعولين، و "اتَّبَع" بالتَّشديد، يتعدى لواحدٍ، و "أردف" قد جاء بمعناهما، ومفعوله أو مفعولاه، محذوفٌ، لفهم المعنى، فيقدَّر في كل موضع ما يليق به، إلاَّ أنَّ أبا حيَّان عابَ عليه قوله: "مُتْبِعين إيَّاهم المؤمنين". وقال: "هذا ليس من مواضعِ فصلِ الضميرِ، بل ممَّا يتصل، وتُحْذف له النُّونُ، لا يقال: هؤلاء كاسون إيَّاك ثوباً بل: كاسوك، فتصحيحه أن يقول: متبعيهم المؤمنين، أو متبعين أنفسهم المؤمنين".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو عوانة وابن حبان وأبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معاً في الدلائل عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال ‏"حديث : ‏حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال‏:‏ لما كان يوم بدر نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلثمائة رجل وبضعة عشر رجلاً، ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم ثم مد يده وجعل يهتف بربه‏:‏ اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض‏.‏ فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال‏:‏ يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى ‏ {‏إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين‏} ‏‏. فلما كان يومئذ والتقوا هزم الله المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعلياً رضي الله عنهم‏؟‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله هؤلاء بنو العم والعشيرة، وإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوّة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم فيكونوا لنا عضداً‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما ترى يا ابن الخطاب‏؟‏ قلت‏:‏ ما رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريب لعمر فأضرب عنقه حتى يعلم الله تعالى أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم‏.‏ فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت وأخذ منهم الفداء، فلما كان من الغد قال عمر رضي الله عنه‏:‏ فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وهما يبكيان‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ الذي عرض على أصحابك من أخذ الفداء قد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة الشجرة قريبة، وأنزل الله تعالى {ما كان لنبي أن تكون له أسرى حتى يثخن في الأرض‏} [‏الأنفال : 67‏]‏ إلى قوله ‏{‏لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم‏}‏ من الفداء ثم أحل لهم الغنائم، فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون، وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه‏.‏ فأنزل الله تعالى {أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم‏} ‏[‏آل عمران: 165‏]‏ بأخذكم الفداء‏.‏ قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالصوت فوقه وصوت الفارس يقول‏:‏ أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقياً فنظر إليه فإذا هو قد خطم وشق وجهه كضربة السوط، فاحضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ صدقت، ذاك من مدد السماء الثالثة فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة‏. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة رضي الله عنه ‏"‏حديث : أن رسول الله قال يوم بدر‏:‏ هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب‏ "‏‏. تفسير : وأخرج سنيد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ ما أمد النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله تعالى في الأنفال، وما ذكر الثلاثة آلاف أو الخمسة آلاف إلا بشرى، ثم أمدوا بالألف ما أمدوا بأكثر منه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه وكان من أهل بدر قال‏:‏ حديث : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ما تعدون أهل بدر فيكم‏؟‏ قال "من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها‏.‏ قال‏:‏ وكذلك من شهد بدراً من الملائكة"‏‏ .‏ تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن عطية بن قيس رضي الله عنه قال‏:‏ وقف جبريل عليه السلام على فرس أخضر أنثى قد علاه الغبار، وبيد جبريل عليه السلام رمح وعليه درع فقال‏:‏ يا محمد إن الله بعثني إليك فأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى فهل رضيت‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ نعم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏مردفين‏}‏ يقال‏:‏ المدد‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏مردفين‏}‏ يقال‏:‏ المدد‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏مردفين‏} ‏ قال‏:‏ وراء كل ملك ملك‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه قال‏:‏ كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين فكانوا أربعة آلاف، وهم مدد المسلمين في ثغورهم‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏مردفين‏} ‏ قال‏:‏ ممدين‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏مردفين‏}‏ قال‏:‏ متتابعين، أمدهم الله تعالى بألف، ثم بثلاثة، ثم أكملهم خمسة آلاف ‏ {‏وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم‏} ‏ قال‏:‏ يعني نزول الملائكة عليهم السلام قال‏:‏ وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة عليهم السلام كانوا معنا، وأما بعد ذلك فالله أعلم‏. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن زيد رضي الله عنه ‏ {‏مردفين‏} ‏ قال‏:‏ بعضهم على أثر بعض‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما جعله الله إلا بشرى‏}‏ قال‏:‏ إنما جعلهم الله يستبشر بهم‏.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} [الآية: 9]. قال بعضهم: من صدق الاستعانة أجيب فى الوقت. قال الله تعالى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ}. قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: ومناشدة النبى صلى الله عليه وسلم ربه: "حديث : إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد" تفسير : وقول الصديق أبى بكر رضى الله عنه: "دع مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك". أبو بكر رضى الله عنه تكلم عن التجريد برؤية الوعد بالوفاء ناظرًا بالإشارة إليه، والنبى صلوات الرحمن عليه كان أتمَّ وأبلغ وأقوى وأسكن من أبى بكر وأشد طمأنينة إلى إنجاز الوعد لأنه بالله أعرف، إلا أنه فى ذلك راجع إلى أوصافه، فخرج إلى ربه بآداب العبودية بقوله { أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] فرجع إلى الله بالله سائلاً من الله إنجاز وعده. قال النصرآباذى: استغاثة منه واستغاثة إليه، فالاستغاثة منه لا يجاب صاحبها بجواب، بل يكون أبدًا معلقًا بتلك الاستغاثة واستغاثة إليه فذلك الذى يجاب إليه الأنبياء والأولياء والأصفياء. وقال أيضًا: النفس تستغيث لطلب حظها من البقاء ودوام العافية فيها، والقلب يستغيث من خوف التقليب. قال النبى صلى الله عليه وسلم: " حديث : قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء " تفسير : والروح يستغيث لطلب الرواح، والسر يستغيث لاطلاعه على الخفيات { أية : يَعْلَمُ خَآئِنَةَ ٱلأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي ٱلصُّدُورُ } تفسير : [غافر: 19].

القشيري

تفسير : الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة والطاقة. والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على إزالة الشكاة تيسيرٌ للمسؤول وتحقيق للمأمول. فإذا صدقت الاستغاثة بتَعَجُّل الإجابة حَصُلَتْ الآمالُ وقُضِيَتْ الحاجة.. بذلك جَرَتْ سُنَّتُه الكريمة. ويقال بَشَرَّهم بالإمداد بالمَلَك، ثم رقَّاهم عن هذه الحالة بإشهادهم أن الإنجاز من المَلِكِ، ولم يَذرْهم في المساكنة إلى الإمداد بالمَلَك فقال: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} فالنجاة من البلاء حاصلة، وفنون الإنجاز والإمداد بالطاقة متواصلة، والدعوات مسموعة، والإجابة غير ممنوعة، وزوائد الإحسان مُتَاحة، ولكن الله عزيز. الطالبُ واجدٌ ولكن بعطائه، والراغب واصل ولكن إلى مبارِّه. والسبيلُ سهلٌ ولكن إلى وجدان لطفه، فأمّا الحقُّ فهو عزيز وراء كل وصل وفصل، وقُرْبٍ وبُعْد، وما وَصَلَ أحدٌ إلا إلى نصيبه، وما بقي أحدٌ إلا عن حظه، وفي معناه أنشدوا: شعر : وقُلْنَ لنا نحن الأهِلَّةُ إنما نضيءُ لمن يسري بليلٍ ولا نُقْرِي فلا بَذْلَ إلا ما تزوَّدَ ناظرٌ ولا وصلَ إلا بالجمال الذي يسري

البقلي

تفسير : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} الاستغاثة مقام الشكوى والتواضع فى الانبساط والفناء فى رؤية البقاء فمن تعرض له حال الاستغاثة فيفر منه اليه ويطلب هو منه يغيثه به لا منه فان القوم طلبوا منه بالاستغاثة المعونة على مأمولهم من النصر ونيل الغنيمة فاغاثهم بامداد الملائكة ثم صرفهم عن رؤية الغير بقوله وما النصر الا من عند الله اجابتهم بالسرعة من صدق لجائهم اليه وكمال الاجابة استغراقهم فى بحار شهود سنا جماله وانوار جلاله قال بعضهم من صدق اللجاء والاستغاثة اجيب فى الوقت قال الله اذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم قال النصرابادى استغاثة منه واستغاثة اليه الاستغاثة منه لا يجلب صاحبها بجواب بل يكون ابدا معلقا بتلك الاستغاثة والاستغاثة اليه فذلك الذى يجاب اليه الانبياء والاولياء والاشقياء قال ايضا النفس تستغيث بطلب حظها من البقاء ودوام العافية فيها والقلب تستغيث من خوف التقليب قال النبى صلى الله عليه وسلم قلب ابن ادم بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء والروح يستغيث بطلب الرواح والسر يستغيث لاطلاعه على الخفيات يعلم خاينة الاعين وما تخفى الصدور وقال الاستاذ الاستغاثة على حسب شهود الفاقة وعدم المنة واللطافة والتحقق بانفراد الحق بالقدرة على ازالة الشكاية.

اسماعيل حقي

تفسير : {إذ تستغيثون ربكم} اى اذكروا وقت استغاثتكم وهى طلب الفوز والنصر والعون وذلك انهم لما علموا انه لا بد من القتال جعلوا يدعون الله تعالى قائلين اى رب انصرنا على عدوك يا غياث المستغيثين اغثنا. حديث : وعن عمر رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نظر الى المشركين وهم الف والى اصحابه وهم ثلاثمائة وبضعة عشر فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو "اللهم انجز لى ما وعدتنى اللهم ان تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الارض". فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فاخذه ابو بكر فالقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال يا نبى الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز ما وعدكتفسير : فهذه الاستغاثة كانت من النبى عليه السلام ومن المؤمنين واسناد الفعل الى الجماعة لا ينافى كونه من النبى عليه السلام لانه دعا وتضرع والمؤمنون كانوا يؤمنّون {فاستجاب لكم} اى اجاب عطف على تستغيثون داخل معه فى حكم التذكير {أنى} بانى {ممدكم بألف من الملائكة مردفين} اى جاعلين غيرهم من الملائكة رديفا لانفسهم فالمراد رؤساؤهم المستتبعون لغيرهم حتى صاروا ثلاثة آلاف ثم خمسة آلاف

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ}: بدل من {إذ يعدكم} أو متعلق بقوله: {ليحق الحق} أو باذكر. يقول الحق جلاله: واذكروا حين كنتم {تستغيثون ربكم} وتدعون بالغوث والنصر، وذلك أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لمّا علموا ألاّ محيص لهم عن القتال أخذوا يقولون: ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وعن عمر رضي الله عنه: أنه نَظَرَ إلى المُشْرِكِينَ وهُمْ أَلفٌ، وإلى أَصْحَابِهِ وهُمْ ثَلاثُمائةٍ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةِ ومدَّ يديهِ يدعوه: "حديث : اللهم أَنْجِزْ لي ما وَعدْتَنِي، اللهُم إن تَهْلِكْ هذه العصابة لم تُعْبَد في الأرْضِ"تفسير : ، فما زَالَ كَذَلِك َحتى سَقَطَ رِدَاؤُهُ، فقال أَبُو بكر، كَفَاكَ مُنَاشَدَتك رَبَّكَ، فإِنَّهُ سيُنْجِزُ لَكَ ما وَعَدَكَ".وقد تقدم أن الأنبياء وكبراء الأولياء لا يقفون مع ظاهر الوعد والوعيد لسعة دائرة علمهم، بل لا يزول اضطرارهم، ولا يكون مع غير الله قرارهم، ولعل ذلك الوعد يكون متوقفاً على شروط أخفاها الحق تعالى؛ لتظهر قهريته وانفراده بالعلم المحيط. ولما استغاثوا بالله وأظهروا الحاجة إليه أجابهم فقال: {فاستجاب لكم أني مُمدكم}؛ مقويكم ومكثركم {بأَلْفٍ من الملائكة مُردفين} يتبع بعضهم بعضاً، ويتبع المؤمين، فكانوا خلفهم ردْءاً لهم، فمن قرأ بفتح الدال فهو اسم مفعول، ومن قرأه بالكسر فاسم فاعل، وصح معنى القراءتين، لأن الملائكة المنزلين يتبع بعضهم بعضاً، فمنهم تابعون ومتبوعون، ومن قرأ بالفتح فالمراد مردفين بالمؤمنين، فكانوا مقدمة الجيش، ومن قرأ بالكسر فالمراد مردفين للمؤمنين تابعين لهم، فكانوا ساقة للجيش. ثم ذكر حكمة الإمداد بقوله: {وما جعله الله} أي: الإمداد {إلا بُشرى} أي: بشارة بالنصر، {ولتطمئن به قلوبكم} فيزول ما بها من الوجل لقلتكم، {وما النصر إلا من عند الله}؛ لا يتوقف على سبب، {إن الله عزيز} لا يغلب {حكيم} في تدبير الأسباب وترتيبها رداء للقدرة الأزلية، فإمداد الملائكة، وكثرة العدد، والتأهب، وسائط، لا تأثير لها، فلا تحسبوا النصر منها، ولا تيأسوا منه بفقدها، فحكم الأزل جلّ أن يضاف إلى العلل. الإشارة: إظهار الفاقة الابتهال لا يقدح في صحة التوكل على الكبيرالمتعال، بل هو شرف للإنسان، وتقريب من الكريم المنان، بل من شأن العارف الكامل الرجوع إلى الله في كل شيء، والتعلق به في كل حال، ولو وعده بالنصر أو الإجابة، لا يقطع عنه السؤال، عبوديةً وتملقاً بين يدي الحبيب. وقد اختلف الصوفية: أي الحالين أشرف: هل الدعاء والتضرع؟ أو السكوت والرضى تحت مجاري الأقدار؟ وقال بعضهم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه، صاحب رضى بقلبه، ليجمع بين الأمرين. قال القشيري: والأَوْلى أن يُقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أفضلُ، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل، وإنما يُعرف ذلك في الوقت؛ لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد في قلبه إشارة إلى الدعاء؛ فالدعاء منه أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت أتم. هـ. وقد تقدم في آل عمران إشارة الإمداد. وبالله التوفيق. ثم ذكر تأمِينَهم، فقال: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ}.

الطوسي

تفسير : قرأ أهل المدينة ويعقوب {مردفين} بفتح الدال. والباقون بكسرها. قال ابو علي: من قرأ بكسر الدال احتمل شيئين: أحدهما - ان يكونوا مردفين مثلهم. كما تقول: اردفت زيداً دابتي فيكون المفعول الثاني محذوفاً في الاية وذلك كثير. الثاني - ان يكون معنى {مردفين} جاءوا بعدهم. قال ابو الحسن: تقول العرب بنو فلان يردفوننا أي هم يجيئون بعدنا. وهو قول ابي عبيدة. وردفني وأردفني واحد. قال الشاعر: شعر : إذا الجوزاء اردفت الثريا ظننت بآل فاطمة الظنونا تفسير : وقال قوم: ردفه صار له ردفاً واردفه جعله له ردفاً. ويكون أردفت الثريا الجوزاء. ومعنى البيت ان الجوزاء إذا طلعت في شدة الحر لم يبق حينئذ احد من البوادي في مناجعهم، لأن مياه الغدر ان يبست فتفرق الحلل بعد اجتماعها فتفترق ظنونه في امر فاطمة انها اي ماء تأخذ لتعلق قلبه بها، وهي فاطمة بنت حل بن عدي. وقول ابي عبيدة: ردفني وأردفني واحد أقوى لقوله {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} اي جاء من بعد إستغاثتكم ربكم فـ {مردفين} على هذه صفة للالف الذين هم الملائكة. ومن قرأ بفتح الدال فمعناه اردفوا الناس أي انزلوا بعدهم، فيجوز على هذا أن يكون حالا من الضمير المنصوب في {ممدكم} مردفين بألف من الملائكة، والعامل في {إذ} يحتمل شيئين: احدهما - ويبطل الباطل (إذا) والثاني - بتقدير اذكروا {إذ} فعلى الوجه الأول يكون متصلا بما قبله وعلى الثاني يكون مستأنفاً. والاستغاثة طلب المعونة وهو سد الخلة في وقت شدة الحاجة. وقيل: في معنى {تستغيثون ربكم} تستجيرون به من عدوكم والاستجابة موافقة المسألة بالعطية، وأصله طلب الموافقة بالارادة وليس في الاجابة معنى الطلب من هذه الجهة. وقيل في معنى {مردفين} ثلاثة أقوال: قال ابن عباس: مع كل ملك ملك ردفاً له، وقال الجبائي: هم ألفان لأن مع كل واحد واحد ردفاً له. والثاني - قال السدي وقتادة: إن معناه متتابعين. والثالث - قال مجاهد ممدين بالارداف وامداد المسلمين بهم. ويقال هذه دابة لا ترادف. ولا يقال تردف، ويقال: أردفت الرجل إذا جئت بعده. وكان يجوز أن يقرأ بتشديد الدال وفتح الراء وضمها - لأن الأصل مرتدفين، وقرئ في الشواذ - بضمها - فمن فتح الراء نقل فتحة التاء اليها، ومن كسرها فلاجتماع الساكنين ومن ضمها فللاتباع. أخبر الله تعالى عن حال اهل بدر انهم لقلة عددهم استغاثوا بالله والتجأوا اليه فأمدهم الله بألف من الملائكة مردفين، رحمة لهم ورأفه بهم، وهو قول ابن عباس، وقال: الداعي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وهو قول ابي جعفر عليه السلام والسدي وابي صالح وهو المروي عن عمر بن الخطاب. وقيل: إنهم قتلوا يومئذ سبعين واسروا سبعين. وقال الحسن: جميع ما امدوا به من الملائكة خمسة آلاف: ما ذكر هنا، وما ذكر في آل عمران. وقال غيره: جميعهم ثمانية آلاف. وقال الحسن: اردف بهؤلاء الألف الثلاثة آلاف الذين ذكرهم في آل عمران ثم أردفهم بألف آخر فصاروا خمسة آلاف.

اطفيش

تفسير : {إذْ} بدل من إذ فى قوله: {وإذ يعدكم} على أن الوعد كان فى وقت الاستغاثة فيما زعم بعض، أو مفعول لاذكروا محذوفا مستأنفا أو متعلق بيحق أو يبطل، وزعم بعضهم أنه يجوز تعليقه بيعدكم {تَسْتَغيثُون ربَّكُم} وقرأ أبو عمرو فى رواية أبى حاتم بإدغام الذال فى التاء، واستحسنها أبو حاتم، والاستغاثة طلب الغوث، والمراد النصر، قيل: لما علموا أنه لا بد من القتال أخذوا هم والنبى صلى الله عليه وسلم يقولون: رب انصرنا على عدوك، وزعم بعض أن الخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم وحده، ولفظ الجماعة تعظيم له. وعن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنهم: حديث : لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، ثم مد يده فجعل يهتف بربه: "اللهم أنجز لى ما وعدتنى، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض" فما زال يهتف بربه مادا يديه، مستقبلا للقبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه، فأتى أبو بكر رضى الله عنه، فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبى الله كفاك منا شدتك ربك، فإنه سينجز ما وعدك، وفى ذلك نزل: {إذ تستغيثون ربكم} تفسير : الخ. وذلك الدعاء فى داخل العريش، وفيه معه أبو بكر وحده، وفى رواية ابن إسحاق أنه قال: خل بعض مناشدتك ربك، قيل: قال: خل البعض، ولم يقل خل الكل، لأن جهاده فى ذلك الوقت كان الدعاء فقط. وفى رواية حديث : أنه لما رأى كثرة العدو، ركع ركعتين وأبو بكر عن يمينه وقال فى صلاته: "للهم لا تخذلنى، اللهم أنشدك ما وعدتنى "وذلك كله بعد أن عدَّل صفوف أصحابه وأمرهم ونهاهم، وبينما هو فى العريش مع أبى بكر إذ خفق خفقة ثم انتبه متبسما فقال: " أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل على ثناياه النقع" تفسير : الثنايا أربع سنان، فى مقدم الفم اثنتان من فوق واثنتان من تحت، و النقع الغبار، ثم خرج من باب العريش يتلو: {أية : سيهزم الجمع ويولُّون الدبر} تفسير : قال علىّ: قاتلت يوم بدر شيئا من القتال، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما صنع، فإذا هو ساجد يقول: "يا حى يا قيوم" ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت فإذا هو ساجد لا يزيد على ذلك، ثم ذهبت إلى القتال، ثم جئت فإذا هو ساجد يقول ذلك، ففتح الله عليه، ومات ستة رجال من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس، من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس. وإن قلت: كيف قال أبو بكر خل عنك بعض مناشدتك ربك أو كفاك مناشدتك ربك؟ قلت: أجاب السهيلى نقلا عن شيخه بأن الغالب حينئذ على أبى بكر الرجاء، وعلى النبى صلى الله عليه وسلم الخوف، وقال الخطابى: بالغ فى الدعاء شفقة على أصحابه، وتقوية لقلوبهم، إذ علموا أن دعاءه مستجاب، ولما قال له أبو بكر ذلك كف، وعلم أنه استجيب له لما وجد أبو بكر فى نفسه من الطمأنينة، وكان صلى الله عليه وسلم فى تلك الحال فى مقام الخوف، وهو أكمل حالات الصلاة، وجاز عنده أن لا يقع النصر يومئذ، لأن وعده بالنصر لم يكن معينا لتلك الواقعة، وإنما قال: "اللهم إن تهلك هذه العصابة" الخ، لأنه لو هلك ومن معه لم يبعث داع إلى الإيمان، لأنه خاتم النبيين، وإنما تعب فى الدعاء لرؤيته الملائكة تنصب فى القتال، وأنصار الله يخوضون فيه، والجهاد جهاد سيف وجهاد دعاء، ومن سنة الإمام أن يكون وراء الجند لا يقاتل، ولا يظن أحد أن أبا بكر أوثق بربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى كلام الخطابى. {فاسْتَجابَ لَكم أنِّى} بأنى وقرأ أبو عمرو فى الرواية المشهورة، وقيل: الشاذة، وعن ابن عمر فى رواية بكسر الهمزة على تقدير القول، أو على إجراء استجاب مجرى قال {مُمِدُّكم} مكثركم ومقويكم {بألْفٍ مِنَ الملائِكَةِ} وقرأ عاصم والجحدرى بألف بهمزة فألف فلام مضمومة جمع ألف كفلس وأفلس، وتوافق قراءته ما فى آل عمران، وكذا ما روى عنه وعن السدى بالآف. {مُرْدِفينَ} بفتح الدال عند نافع ويعقوب، أى متبعين بإسكان التاء وفتح الباء، أى تبع الله غيرهم إياهم، فهذا من أردف المتعدى لاثنين، وأنيب الثانى وحذف الأول، فالمعنى على هذا أنهم مقدمة الجيش، أو أتبعهم الله غيرهم، أى جعلهم تابعين لغيرهم، وهو كالأول لكن أنيب المفعول الأول، والمعنى أنهم من خلف الجيش، ولك أن تقول: هو من أردف المتعدى لواحد، فتعين هذا المعنى الثانى أى متبعين بشد التاء وفتح الباء، وقرأ الباقون بكسر الراء من أردف المعتدى لاثنين، وهما محذوفان، أى اتبع الملائكة بعضا منهم بعضا من المؤمنين بقطع الهمزة وإسكان التاء، أو اتبعوا أنفسهم المؤمنين بقطع الهمزة وإسكان التاء ونصب الأنفس، أو من أردف المتعدى لواحد وهو محذوف، أى متبعين المؤمنين بشد التاء وكسر الباء، أو متبعين بعضهم بعضا بالشد والكسر، ورفع بعضهم. قال ابن عباس: ملك خلف ملك، وفسر بعضهم هذه القراءة بأن كل ملك أردف ملكا وراءه، وادعى بعضهم أنه ضيف لم تأت بمقتضاه رواية، وليس كذلك، لأن معنى إردافه إياه تقدمه عنه، فيكون خلفه، وروى الخليل عن رجل من أهل مكة: مردفين بكسر الراء وضمها وتشديد الدال وكسرها الأصل مرتدفين بمعنى مترادفين، أبدلت التاء دالا فأدغمت، فالتقى ساكنان، فحركت الراء بالكسر اتباعا للدال أو بالضم اتباعا للميم، ووجه التوفيق بين قراءة بألف بالإفراد، وما فى سورة آل عمران بأن المراد بهذه الألف الواحدة الذين كانوا مقدمة أو ساقة، أو وجوههم وأعيانهم، أو من قاتل منهم. وقال الربيع بن أنس: أمد الله المؤمنين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف، وروى أن لمسلمين بلغهم أن كرز بن جابر يمد المشركين فشق عليهم، فأنزل الله: {أية : ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف} تفسير : فبلغت كرز الهزيمة فلم يُمدّ المسلمون بالزائد على الثلاثة الأولى أو الخمسة، وهو ألفان. وروى أن جبريل نزل فى خمسمائة على الميمنة، وفيها أبو بكر فيما قيل وميكائيل فى خمسمائة على الميسرة، وفيها على فى صور الرجال، على خيل بلق عليهم ثياب بيض، وعلى رءوسهم عمائم بيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم قاله ابن عباس. وعن على: نزل جبريل فى ألف على الميمنة، وفيها أبو بكر، وميكائيل على الميسرة فى ألف، وأنا فيها، وقيل: أمدهم الله بتسعة آلاف، ذكرت ثلاثة آلاف فى آية، وخمسة فى أخرى، وألف فى هذه الآية. وقال ابن عباس: كانت سيما الملائكة يوم بدر صوف أبيض، وكانت سيماهم أيضا فى نواصى خيلهم، وروى عنه أن سيماهم يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر، وعن الزبير أن سيماهم يوم بدر عمائم صفر، وعنه صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "حديث : هذا جبريل آخذا برأس فرسى عليه أداة الحرب" تفسير : وعن ابن عباس: أن الملائكة لم تقاتل سوى يوم بدر، بل يحضرون ويكونون عددا ومددا، هذا ما عليه الجمهور، واختاره بعض. قال سعد بن أبى وقاص: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض، ما رايتهما قبل ولا بعد، يعنى جبريل وميكائيل، يقاتلان كأشد القتال، قال النووى: وفيه بيان إكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة، وإن قتالهم لم يختص بيوم بدر، قال: وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه، وفيه أن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء، بل يراهم الأصحاب والأولياء. وعن ابن عباس: حديث : حدثنى رجل من بنى غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لى حتى صعدنا فى جبل، فشرفنا على بدر، ونحن مشركان ننتظر الوقعة فننتهب مع من ينتهب، فبينما نحن فى الجبل، إذ دنت سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمى فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك، ثم تماسكت والمعنى أقدم الخيل يا حيزوم بضم الدال، وحيزوم فرس جبريل عليه السلام فيعول من الحزم، أو سمى لأنه صدر لخيل الملائكة، والحيزوم الصدر، وقال صلى الله عليه وسلم لجبريل: "من القائل من الملائكة أقدم حيزوم؟" فقال: ما كل أهل السماء أعرفه،تفسير : وعن أبى أسيد ملك ابن ربيعة، وكان ممن شهد بدرا قال بعد أن ذهب بصره: لو كنت اليوم ببدر ومعى بصرى لأريتكم الشعب الذى خرجه منه الملائكة لا أشك ولا أتمارى، وقيل: لم تقاتل الملائكة يوم بدر كما لم تقاتل فى غيره كقوله: {وما جَعَله اللهُ...)

اطفيش

تفسير : {إِذْ} بدل من إِذ لأَن الوعد والاستغاثة وقعا فى زمان متسع، أَو مفعول لا ذكر مستأَنف، لا متعلق بيحق لأَن وقت الاستغاثة قبل وقت إِحقاق الحق، ويجاب بأَن المضارع ليس للمعنى ولا حكى الماضى به ليكون الأَمر كالمشاهد بل للاستقبال فهو مستقبل، وإِذ كإِذ فى قوله تعالى: "أية : فسوف يعلمون إِذ الأَغلال" تفسير : [غافر: 70 - 71] أَو إِحقاق الحق والاستغاثة به فى وقت واحد، وإِنما عبر عن زمان الاستغاثة بإِذ نظراً إِلى زمان النزول واستقبال الاستحقاق إِنما هو باعتبار زمان ما هو غاية له من الفعل المقدر لا باعتبار زمان الاستغاثة {تَسْتَغِيثُونَ رَبَكُمْ} تطلبون منه الغوث لكم على المجرمين، تقولون: يا رب انصرنا على عدوك، يدعون بذلك فرادى، أَو يدعو النبى صلى الله عليه وسلم ويؤمنون، أو يراد النبى صلى الله عليه وسلم وجمع تعظيما له، روى مسلم عن ابن عباس حدثنى عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر صلى الله عليه وسلم إِلى المشركين وهم أَلف وأَصحابه ثلثمائة وبضعة عشر رجلا، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه، يقول: اللهم أَنجز لى ما وعدتنى، اللهم إِن تهلك هذه العصابة من أَهل الإِسلام لا تعبد فى الأَرض، فما زال يهتف بربه ماداً يديه حتى سقط رداؤه من منكبيه، فرده أَبو بكر ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبى الله كفاك مناشدتك ربك، سينجزك ما وعدك ربك، فأَنزل الله عز وجل{إِذ تستغيثون ربكم}{فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُمْ بِأَلفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} فقتلوا سبعين وأَسروا سبعين، "حديث : وروى أَنه صلى الله عليه وسلم نام فى العريش ثم انتبه فقال: يا أَبا بكر أَتاكم نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع" تفسير : ولفظ البخارى: "حديث : هذا جبريل آخذ برأَس فرسه عليه أَداة الحرب" تفسير : وعطف استجاب على تستغيثون دليل على أَن تستغيثون للماضى كإِذ، لكنه بلفظ المضارع لحكاية الحال العجيبة الماضية لاستحضار صورتها العجيبة، أَى إِذ استغثتم ربكم فاستجاب لكم بأَنى ممدكم زائدكم ومعينكم بخمسمائة من الملائكة نزل بها جبريل على فرسه حيزوم، وقاتل بها ميمنة العسكر، وربما كان فيها أَبو بكر، وأَكثر مقامه مع النبى صلى الله عليه وسلم محافظة عليه، وبخمسمائة نزل بها ميكائيل وقاتل بها وكانت ميسرة الجيش وفيها على، ونزلت أَيضاً فى غير بدر لتكثير لا لقتال. وقيل: قاتلت أَيضاً فى حنين، وفى الأَحزاب. وبعد نزول الأَلف زاد أَلفين، كما فى آية خمسة آلاف وكلهم فى ثياب صوف على هيئة الرجال، أَو الأَلف على المقدمة أَو الساقة، أَو وجوههم وأَعيانهم أَو من قاتل منهم، وقيل: لم يقاتلوا فى بدر ولا غيرها، بل ثبتوا الذين آمنوا وكثروا السواد، والصحيح أَنهم قاتلوا كما جاءَت أَحاديث أَن الصحابى يتبع الكافر فيرى رأسه مقطوعة ونحو ذلك، وبسطت المسأَلة فى شرح النونية، وكان الثواب للصحابة فى قتلهم وقتل الملائكة. روى أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَخذ كفا من حصباءَ فرمى بها المشركين، وقال: "حديث : شاهت الوجوه، اللهم أَرعب قلوبهم، وزلزل أَقدامهم"تفسير : . فانهزموا. فأَخذ المسلمون يقتلون ويأْسرون. وعن على: لما التقى الصفان جاءَت ريح لم أَر مثلها قط شدة، وذهبت وجاءَت أَخرى مثلها وذهبت وجاءَت ثالثة فكانت الأَولى من جبريل فى أَلف من الملائكة عليهم السلام فكانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الثانية ميكائيل فى أَلف من الملائكة عليهم السلام فكانوا فى ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أَبو بكر رضى الله عنه فى الميمنة، وكانت الثالثة إِسرافيل فى أَلف من الملائكة عليهم السلام ونزلوا فى ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأَنا فى الميسرة، وجمعنا الغنائم وجعلناها ثلثمائة وسبعة عشر سهماً، والرجال ثلاثمائة وثلاثة عشر راجلا، والفارس رجلان له سهمان. وأَمر بحفر القليب فطرح القتلى فيه، إِلا أَمية بن خلف فإِنه كان سميناً انتفخ من يومه وتزايل لحمه حين جروه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اتركوه. فناداهم على القليب، "حديث : يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أَمية ابن خلف، ويا أَبا جهل ابن هشام هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً. فإِنى و جدت ما وعدنى ربى حقاً. بئس القوم كنتم لنبيكم. كذبتمونى وصدقنى الناس، وأَخرجتمونى وآوانى الناس. وقاتلتمونى ونصرنى الناس. فقال الصحابة: يا رسول الله، أَتنادى قوماً قد ماتوا؟ فقال: والذى نفس محمد بيده ما أَنتم بأَسمع ما أَقول منهم، ولكن لا يجيبون" تفسير : وبسطت ذلك فى شرح نونية المديح، ومعنى مردفين، أَن الله عز وجل أَردفهم على الخيل، على فرس ملكان أَو جعلهم خلف المؤمنين أَو أَردفهم بالمؤمنين بأَن جعلهم قدام المؤمنين أَو أَتبع بعض الملائكة بعضاً.

الالوسي

تفسير : {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} بدل من {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ } تفسير : [الأنفال: 7] وإن كان زمان الوعد غير زمان الاستغاثة لأنه بتأويل أن الوعد والاستغاثة وقعا في زمن واسع كما قال الطيبي، قيل: وهو يحتمل بدل الكل إن جعلا متسعين وبدل البعض إن جعل الأول متسعاً والثاني معياراً، وجوز أن يكون متعلقاً بقوله سبحانه: {أية : لِيُحِقَّ }تفسير : [الأنفال: 8] واعترض بأنه مستقبل لنصبه بأن، {وَإِذْ} للزمان الماضي فكيف يعمل بها. وأجيب بأن ذلك مبني على ما ذهب إليه بعض النحاة كابن مالك من أن {إِذْ} قد تكون بمعنى إذا للمستقبل كما في قوله تعالى: {أية : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ }تفسير : [غافر: 70-71]. وقد يجعل من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحققه. وقال بعض المحققين في الجواب: إن كون الإحقاق مستقبلاً إنما هو بالنسبة إلى زمان ما هو غاية له من الفعل المقدر لا بالنسبة إلى زمان الاستغاثة حتى لا يعمل فيه بل هما في وقت واحد، وإنما عبر عن زمانها بإذ نظراً إلى زمن النزول، وصيغة الاستقبال في {تَسْتَغِيثُونَ} لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة، وقيل: هو متعلق بمضمر مستأنف أي اذكروا، وقيل: بـِ{أية : تَوَدُّونَ} تفسير : [الأنفال: 7] وليس بشيء. والاستغاثة كما قال غير واحد: طلب الغوث وهو التخليص من الشدة والنقمة والعون، وهو متعد بنفسه ولم يقع في القرآن الكريم إلا كذلك، وقد يتعدى بالحرف كقوله:شعر : حتى استغاث بماء لا رشاد له من الأباطح في حافاته البرك تفسير : وكذا استعمله سيبويه وزعم أنه خطأ خطأ، والظاهر أن المستغيث هم المؤمنون، قيل: إنهم لما علموا أن لا محيص من القتال أخذوا يقولون: أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين، وقال الزهري: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وظاهر بعض الأخبار يدل على أنه الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى / عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر نظر النبـي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وهم ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة فاستقبل نبـي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده وجعل يهتف بربه اللهم انجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض فما زال يهتف بربه ماداً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه فأتاه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبـي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فنزلت الآية في ذلك، وعليه فالجمع للتعظيم. {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} أي فأجاب دعاءكم عقيب استغاثتكم إياه سبحانه على أتم وجه {أَنّي مُمِدُّكُمْ} أي بأني فحذف الجار، وفي كون المنسبك بعد الحذف منصوباً أو مجروراً خلاف. وقرأ أبو عمر بالكسر على تقدير القول أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من جنس القول، والتأكيد للاعتناء بشأن الخبر، وحمله على تنزيل غير المنكر بمنزلة المنكر بمنزلة المنكر عندي، والمراد بممدكم معينكم وناصركم {بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي وراء كل ملك ملك كما أخرجه ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وردف وأردف بمعنى كتبع وأتبع في قول. وعن الزجاج أن بينهما فرقاً فردفت الرجل بمعنى ركبت خلفه وأردفته بمعنى أركبته خلفي، وقال بعضهم: ردفت وأردفت إذا فعلت ذلك فإذا فعلته بغيرك فأردفت لا غير، وجاء أردف بمعنى اتبع مشدداً وهو يتعدى لواحد وبمعنى أتبع مخففاً وهو يتعدى لاثنين على ما هو المشهور، وبكل فسر هنا، وقدروا المفعول والمفعولين حسبما يصح به المعنى ويقتضيه، وجعلوا الاحتمالات خمسة، احتمالان على المعنى الأول، أحدهما أن يكون الموصوف جملة الملائكة والمفعول المقدر المؤمنين، والمعنى متبعين المؤمنين أي جائين خلفهم، وثانيهما أن يكون الموصوف بعض الملائكة والمفعول بعض آخر، والمعنى متبعاً بعضهم بعضاً آخر منهم كرسلهم عليهم السلام، وثلاثة احتمالات على المعنى الثاني. الأول: أن يكون الموصوف كل الملائكة والمفعولان بعضهم بعضاً على معنى أنهم جعلوا بعضهم يتبع بعضاً. الثاني: كذلك إلا أن المفعول الأول بعضهم والثاني المؤمنين على معنى أنهم اتبعوا بعضهم المؤمنين فجعلوا بعضاً منهم خلفهم. والثالث: كذلك أيضاً إلا أن المفعولين أنفسهم والمؤمنين على معنى أنهم أتبعوا أنفسهم وجملتهم المؤمنين فجعلوا أنفسهم خلفهم. وقرأ نافع ويعقوب {مُرْدِفِينَ} بفتح الدال، وفيه احتمالان أن يكون بمعنى متبعين بالتشديد أي اتبعهم غيرهم، وأن يكون بمعنى متبعين بالتخفيف أي جعلوا أنفسهم تابعة لغيرهم، وأريد بالغير في الاحتمالين المؤمنون، فتكون الملائكة على الأول مقدمة الجيش وعلى الثاني ساقتهم، وقد يقال: المراد بالغير آخرون من الملائكة، وفي الآثار ما يؤيده، أخرج ابن جرير عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: «نزل جبريل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميمنة النبـي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر رضي الله تعالى عنه ونزل ميكائيل عليه السلام في ألف من الملائكة عن ميسرة النبـي صلى الله عليه وسلم وأنا فيها» لكن في «الكشاف» بدل الألف في الموضعين خمسمائة، وقرىء {مردفين} بكسر الراء وضمها، وأصله على هذه القراءة مرتدفين بمعنى مترادفين فأبدلت التاء دالاً لقرب مخرجهما وأدغمت في مثلها فالتقى الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل، أو لاتباع الدال أو بالضم لاتباع الميم، وعن الزجاج أنه يجوز في الراء الفتح أيضاً للتخفيف أو لنقل حركة التاء وهي / القراءة التي حكاها الخليل عن بعض المكيين، وذكر أبو البقاء أنه قرىء بكسر الميم والراء، ونقل عن بعضهم أن مردفاً بفتح الراء وتشديد الدال من ردف بتضعيف العين أو أن التشديد بدل من الهمزة كأفرحته وفرحته. ومن الناس من فسر الارتداف بركوب الشخص خلف الآخر وأنكره أبو عبيدة وأيده بعضهم، وعن السدي أنه قرىء {بآلاف} على الجمع فيوافق ما وقع في سورة أخرى {أية : بِثَلاَثَةِ ءَالَٰفٍ } تفسير : [آل عمران: 124] و {أية : بِخَمْسَةِ ءَالَٰفٍ} تفسير : [آل عمران: 125] قيل: ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة أو وجوههم أو من قاتل منهم. وأخرج ابن أبـي حاتم عن الشعبـي أنه قال: كان ألف مردفين وثلاثة آلف منزلين وهو جمع ليس بالجيد. وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة أنهم أمدوا أولاً بألف ثم بثلاثة آلاف ثم أكملهم الله تعالى خمسة آلاف، وأنت تعلم أن ظاهر ما روي عن الحبر يقتضي أن ما في الآية ألفان في الحقيقة، وصرح بعضهم أن ما فيها بيان إجمالي لما في تلك السورة بناءً على أن معنى مردفين جاعلين غيرهم من الملائكة رديفاً لأنفسهم، وهو ظاهر في أن المراد بالألف الرؤساء المستتبعون لغيرهم، والأكثرون على أن الملائكة قاتلت يوم بدر، وفي الأخبار ما يدل عليه، وذكروا أنها لم تقاتل يوم الأحزاب ويوم حنين، وتفصيل ذلك في السير، وقد تقدم بعض الكلام فيما يتعلق بهذا المقام فتذكر.

ابن عاشور

تفسير : يتعلق ظرف {إذ تستغيثون ربكم} بفعل {أية : ويريد الله}تفسير : [الأنفال: 7] لأن إرادة الله مستمر تعلقها بأزمنة منها زمانُ استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمينَ ربّهم على عدوهم، حين لقائهم مع عدوهم يومَ بدر، فكانت استجابة الله لهم بإمدادهم بالملائكة، من مظاهر إرادته تحقيقَ الحق فكانت الاستغاثةُ يوم القتال في بدر وإرادة الله أن يُحِق الحق حصلت في المدينة يوم وعَدَهم الله إحدى الطائفتين، ورشح لهم أن تكون إحدى الطائفتين ذات الشوكة، وبيْنَ وقت الإرادة ووقت الاستغاثة مدةَ أيام، ولكن لما كانت الإرادة مستمرة إلى حين النصر يوم بدر صح تعليق ظرف الاستغاثة بفعلها، لأنه اقترن ببعضها في امتدادها، وهذا أحسن من الوجوه التي ذكروها في متعلق هذا الظرف أو موقعه. وقد أشارت الآية إلى دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، أخرج الترمذي عن عمر بن الخطاب قال «نظر نبيء الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فاستقبل نبيء الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يديه وجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تَهْلك هذه العصابة من أهل الإسلام (لا) تُعَبد في الأرض فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمَه من ورائه فقال يا نبيء الله كفَاك مُناشَدَةُ ربّك فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردَفين} أي فأنزل الله في حكاية تلك الحالة. وعلى هذه الرواية يكون ضمير {تستغيثون} مراداً به النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عنه بضمير الجماعة لأنه كان يدعو لأجلهم، ولأنه كان معلنا بدعائه وهم يسمعونه، فهم بحال من يدعون، وقد جاء في «السيرة» أن المسلمين لما نزلوا ببدر ورأوا كثرة المشركين استغاثوا الله تعالى فتكون الاستغاثة في جميع الجيش والضمير شاملاً لهم. والاستغاثة: طلب الغوث، وهو الإعانة على رفع الشدة والمشقة ولما كانوا يومئذ في شدة ودعوا بطلب النصر على العدو القوي كان دعاؤهم استغاثة. {فاستجاب لكم} أي وعدكم بالإغاثة. وفعل استجاب يدل على قبول الطلب، والسين والتاء فيه للمبالغة أي تحقيق المطلوب. وقوله: {أني ممدكم بألف من الملائكة} هو الكلام المستجاب به ولذلك قدره في «الكشاف» بأن أصله بأني ممدكم أي فحذف الجار وسلط عليه {استجاب} فنصب محله. وأرى أن حرف (أن) المفتوحة الهمزة المشددة النون إذا وقعت بعد (ما) فيه معنى القول دون حروفه أن تكون مفيدة للتفسير مع التأكيد كما كانت تفيد معنى المصدرية مع التأكيد، فمن البيّن أن (أن) المفتوحة الهمزة مركبة من (أنْ) المفتوحة الهمزة المخففة النون المصدرية في الغالب، يجوز أن يُعتبر تركيبها من (أنْ) التفسيرية إذا وقعت بعد (ما) فيه معنى القول دون حروفه، وذلك مظنة (أن) التفسيرية، وأعْتضِدُ بما في «اللسان» من قول الفراء: «إذا جاءت [أن:] بعد القول وما تصرف من القول كانت حكاية، فلم يقع عليها (أي القول) فهي مكسورة، وإن كانت تفسيراً للقول نصبتَها ومثله: قد قلت لك كلاماً حسناً أن أباك شريف، فحتَ أن لأنها فسرت الكلام. قلت: ووقوع (أن) موقع التفسير كثير: في الكلام. وفي القرآن، ومنه قوله تعالى: {أية : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس}تفسير : [المائدة: 45] الآية، ومن تأمل بإنصاف وجد متانة معنى قوله: {أني ممدكم بألف من الملائكة} في كون (أن) تفسيرية، دون كونها مجرورة بحرف جر محذوف. مع أن معنى ذلك الحرف غير بين. والإمداد إعطاء المدد وهو الزيادة من الشيء النافع. وقرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب: بفتح الدال من {مردَفين} أي يَرِدُ فهم غيرُهم من الملائكة، وقرأ البقية: بكسر الدال أي تكون الألف رادِفاً لغيرهم قبلَهم. والإرداف الإتباع والإلحاق فيكون الوعد بألف وبغيرها على ما هو متعارف عندهم من إعداد نجدة للجيش عند الحاجة تكون لهم مدداً، وذلك أن الله أمدهم بآلاف من الملائكة بلغوا خمسة آلاف كما تقدم في سورة آل عمران، ويجوز أن يكون المراد بألف هنا مطلق الكثرة فيفسره قوله: {أية : بثلاثة آلافٍ}تفسير : في سورة آل عمران (124)، وهم مردَفون بألفين، فتلك خمسة آلاف، وكانت عادتهم في الحرب إذا كان الجيش عظيماً أن يبعثوا طائفة منه ثم يعقبوها بأخرى لأن ذلك أرهب للعدو. ويوجه سيوفهم، وحلول الملائكة في المسلمين كان بكيفية يعلمها الله تعالى: إما بتجسيم المجردات فيراهم من أكرمه الله برؤيهم، وإما بإراءة الله الناس ما ليس من شأنه أن يُرى عادة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: تستغيثون: أي تطلبون الغوث من الله تعالى وهو النصر على أعدائكم. مردفين: أي متتابعين بعضهم ردف بعض أي متلاحقين. وما جعله الله إلا بشرى: أي الإِمداد بالملائكة إلا بشرى لكم بالنصر. إذ يغشيكم النعاس: أي يغطيكم به والنعاس: نوم خفيف جداً. أمنة: أي أمناً من الخوف الذي أصابكم لقلتكم وكثرة عدوكم. منه: أي من الله تعالى. رجز الشيطان: وسواسه لكم بما يؤلمكم ويحزنكم. وليربط على قلوبكم: أي يشد عليها بالصبر واليقين. ويثبت به الأقدام: اي بالمطر أقدامكم حتى لا تسوخ في الرمال. الرعب: الخوف والفزع. فاضربوا كل بنان: أي أطراف اليدين والرجلين حتى يعوقهم عن الضرب والمشي. شاقوا الله ورسوله: أي خالفوه في مراده منهم فلم يطيعوه وخالفوا رسوله. ذلكم فذوقوه: أي العذاب فذوقوه. عذاب النار: أي في الآخرة. معنى الآيات: ما زال السياق في أحداث غزوة بدر، وبيان منن الله تعالى على رسوله والمؤمنين إذ يقول تعالى لرسوله {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} أي اذكر يا رسولنا حالكم لما كنتم خائفين لقلتكم وكثرة عدوكم فاستغثتم ربكم قائلين: اللهم نصرك، اللهم أنجز لي ما وعدتني {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي متتالين يتبع بعضهم بعضاً {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} أي لم يجعل ذلك الإِمداد إلا مجرد بشرى لكم بالنصر على عدوكم {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} أي تسكن ويذهب منها القلق والاضطراب، أما النصر فمن عند الله، {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} عزيز غالب لا يحال بينه وبين ما يريده، حكيم بنصر من هو أهل للنصر، هذه نعمة، وثانية: اذكروا {إِذْ يُغَشِّيكُمُ} ربكم {ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} أي أماناً منه تعالى لكم فإن العبد إذا خامره النعاس هدأ وسكن وذهب الخوف منه، وثبت في ميدان المعركة لا يفر ولا يرهب ولا يهرب، {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} وهذه نعمة أخرى، فقد كانت الأرض رملية تسوح فيها أقدامهم لا يستطيعون عليها كراً ولا فراً، وقل ماؤهم فصاروا ظماء عطاشاً، محدثين، لا يجدون ما يشربون ولا ما يتطهرون به من أحداثهم ووسوس الشيطان لبعضهم بمثل قوله: تقاتلون محدثين كيف تنصرون، تقاتلون وأنتم عطاش وعدوكم ريان إلى أمثال هذه الوسوسة، فأنزل الله تعالى على معسكرهم خاصة مطراً غزيراً شربوا وتطهروا وتلبدت به التربة فأصبحت صالحة للقتال عليها، هذا معنى قوله تعالى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} أي وسواسه {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} أي يشد عليها بما أفرغ عليها من الصبر وما جعل فيها من اليقين لها {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} ونعمة أخرى واذكر {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ} بتأييدي ونصري {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي قولوا لهم من الكلام تشجيعاً لهم ما يجعلهم يثبتون في المعركة {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} أي الخوف أيها المؤمنين {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} أي اضربوا المذابح {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} أي أطراف اليدين والرجلين حتى لا يستطيعوا ضرباً بالسيف، ولا فراراً بالأرجل وقوله تعالى {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي عادوهما وحاربوهما {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} ينتقم منه ويبطش به {فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ}، وقوله تعالى {ٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ} أي ذلكم العذاب القتل والهزيمة فذوقوه في الدنيا وأما الآخرة فلكم فيها عذاب النار. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- مشروعية الاستغاثة بالله تعالى وهي عبادة فلا يصح أن يستغاث بغير الله تعالى. 2- تقرير عقيدة أن الملائكة عباد لله يسخرهم في فعل ما يشاء، وقد سخرهم للقتال مع المؤمنين فقاتلوا، ونصروا وثبتوا وذلك بأمر الله تعالى لهم بذلك. 3- تعداد نعم الله تعالى على المؤمنين في غزوة بدر وهي كثيرة. 4- مشاقة الله ورسوله كفر يستوجب صاحبها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة. 5- تعليم الله تعالى عباده كيف يقاتلون ويضربون أعداءهم، وهذا شرف كبير للؤمنين.

القطان

تفسير : مردفين: متتابعين، وأردفه اركبه خلفه. وأردف: تتابع. يغشيكم النعاس: يغلبكم. رجز الشيطان: وسوسته، وله معان اخرى كالذنب، وعبادة الاوثان. ليربط على قلوبكم: ليثبتها ويصبرها. فوق الاعناق: الرؤوس، والبنان: اطراف الاصابع. مفرده: بنانة. شاقّوا الله: عادوه. {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ....} روى ابن جرير عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: حدثني عمر بن الخطّاب رضي اله عنه قال: حديث : لما كان يومُ بدرٍ نظر النبي صلى الله عليه وسلم الى اصحابه وهم ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلا، ونظر الى المشركين فإذا هم ألفٌ او يزيدون، فاستقلَ القبلة ثم مدّ يديه وجعل يهتف بربه: اللهمّ أنجِزْ لي ما وعدتني، اللهم إن تهلَك هذه العصابةُ لا تُعبد في الأرض، فما زال يهتف بربه مادّاً يديه مستقبلاً القبلة حتى سقط راداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من وارئه، وقال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربَّك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ....} الآية . تفسير : اذكروا وقتَ استغاثتكم ربَّكم، فأجاب الله دعاءكم، وأمدكم بألف من الملائكة متتابعين. وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد بالملائكة إلا بِشارةً لكم بالنصر، لتطمئنّوا وتُقْدِموا، وما النصر الا من عند الله دون غيره من الملائكة او سواهم، وقد تقدمت هذه الآية في سورة آل عمران 126. قراءات: قرأ ابو عمرو: "فاستجاب لكم إنّي ممدكم" بكسر همزة إنَّ والباقون "أَنّي" بفتح الهمزة وقرأ نافع ويعقوب: "مُرْدَفين" بفتح الدال. والباقون "مردفين" "بكسر الدال". {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً....} اذكروا ايها المؤمنون، وقتَ أن خفتم من قلة الماء، ومن الأعداء، فوهبكم الله الأمن وداهمكم النعاسُ فنمتم آمنين. وعند ذاك انزل الماءَ من السماء لتطَّهَّروا به ولتذهبوا وساوس الشيطان عنكم، وتثبت قلوبكم واثقة بعون الله، ولتتماسك به الأرض فتثُبت منكم الاقدام. قراءات: قرأ ابن كثير وابو عمرو: "يغاشكم النعاسُ" بضم السين. فقد أنزل الله في تلك الليلة مطرا طهَّركم به وأذهب عنكم رجس الشيطان، ووطَّأ به الارضَ وصلُب الرمل، وثبتت الأقدام. وقد سبق رسول الله واصحابه الى الماء فنزلوا عليه وصنعوا الحِياض ثم عوَّروا ما عداها، وبذلك تمكّنوا من الشرب والأعداء عِطاش. وتفصيل ذلك في كتب السيرة والحديث. كذلك اذكروا أيها المؤمنون أن الله أوصى الملائكة أن تودِع في نفوسكم أن الله معكم بالتأييد والنصر، قائلا لهم: ثبِّتوا الذين آمنوا، قوُّوا قلوبهم.. وسأجعل الرعب يستولي على قلوب المشركين، فاضربوا رؤوسهم التي فوق اعناقهم، وقطِّعوا ايديهم التي يحملون بها السيوف. {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ} ان هذا هو العقاب الذي عجَّلتُ لكم به ايها الكافرون من هزيمة وخِزي وذلّ امام فئة قليلة العَدد والعُدد من المسلمين، فذوقوه في الدنيا عاجلا، واعلموا ان لكم في الآخرة عذاب النار.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْمَلاۤئِكَةِ} (9) - حِينَمَا التَقَتِ الفِئَتَانِ، المُسْلِمُونَ وَالمُشْرِكُونَ فِي سَاحَةِ المَعْرَكَةِ، وَجَدَ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ كَثِيرِي العَدَدِ، فَاسْتَغَاثَ الرَّسُولُ بِرَبِّهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ أنْجِزْنِي وَعْدَكَ الذِي وَعَدْتَنِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ. وَفِيهَا يُعْلِمُ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ أَنَّهُ اسْتَجَابَ لِدُعَائِهِ وَدُعَاءِ المُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُ سَيَمُدُّهُمْ بِألْفٍ مِنَ المَلاَئِكَةِ يَأْتُونَهُمْ مَدَداً يُرْدِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً، أَيْ يَأتي بَعْضُهُمْ إِثْرَ بَعْضٍ. مُرْدِفِينَ - يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ومادة "استغاث" تفيد طلب الغوث، مثل "استسقى" أي طلب السقيا، و"استفهم" أي طلب الفهم، و"الألف" و"السين" و"التاء" توجد للطلب. و"استغاث" أي طلب الغوث من قوى عنه قادر على الإغاثة، وأصلها من الغيث وهو المطر، فحين تجدب الأرض لعدم نزول المطر ولا يجدون المياه يقال: طلبنا الغوث، ولأن الماء هو أصل الحياة؛ لذلك استعمل في كل ما فيه غوث، وهو إبقاء الحياة، وفي حالة الحرب قد يفنى فيها المقاتلون؛ لذلك يطلبون الغوث من الله عز وجل {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}. و{تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} بضمير الجمع، كأنهم كلهم جميعاً يستغيثون في وقت واحد، وقد استغاث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اصطف القوم وقال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه واستقبل القبلة وقال: "حديث : اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم ائتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض ". تفسير : ويدل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه كان يستغيث بالخالق الذي وعد بالنصر، ورد القوم خلفه: آمين، لأن أي إنسان يؤمن على دعاء يقوله إمام أو قائد فهو بتأمينه هذا كأنما يدعو مثلما يقول الإمام أو القائد. فمن يقول: "آمين" يكون أحد الداعين بنفس الدعاء. والحق سبحانه وتعالى هو القائل: {أية : وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ} تفسير : [يونس: 88]. وهذا ما جاء في القرآن الكريم على لسان موسى عليه السلام. ثم يقول الحق تبارك وتعالى بعدها: {أية : قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا}تفسير : [يونس: 89]. مع العلم بأن سيدنا موسى عليه السلام هو الذي دعا، وقوله سبحانه من بعد ذلك {أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا} دليل على أن موسى دعا وهارون قال: "آمين" فصار هارون داعياً أيضاً مثل أخيه موسى. {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} [الأنفال: 9]. {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} الألف والسين والتاء - كما علمنا - تأتي للطلب، وقول الحق سبحانه وتعالى {فَٱسْتَجَابَ} يعني أنه طلب من جنود الحق في الأرض أن يكونوا مع محمد وأصحابه؛ لأن الله سبحانه وتعالى، خلق الكون، وخلق فيه الأسباب. نراها ظاهرة، ووراءها قوى خفية من الملائكة. والملائكة هم خلق الله الخفي الذي لا نراه ولا نبصره، إلا أن الله أخبرنا أن له ملائكة. فالملائكة ليست من المخلوقات المشاهدة لنا، وإنما إيماننا بالله، وتصديقنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله تعالى جعلنا نعرف أنه سبحانه وتعالى قد خلق الملائكة، وأخبرنا أيضاً أنه خلق الجن وصدقنا ذلك، إذن فحجة إيماننا بوجود الملائكة والجن هو إخبار الرسول الصادق بالبلاغ عن الله تعالى ومن يقف عقله أمام هذه المسألة ويتساءل: كيف يوجد شيء ولا يرى، نقول له: هذه أخبار من الله. وهناك من أنكر وجود الملائكة والجن وقال: إنها القوى الميكانيكية في الأسباب، ولم يلتفتوا إلى أن الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم عن أمر غيبي، فسبحانه يترك في مشهديات وجوده وكونه ما يقرب هذا الأمر الغيبي إلى الذهن، فيجعلك لا تعرف وجود أشياء تشعر بآثارها، ثم بمرور الزمن تدرك وجودها، وهذه الأشياء لم تُخلق حين اكتشفتها، وإنما هي كانت موجودة لكنك لم تتعرف عليها، وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك وجود الشيء. ومثال ذلك كان اكتشاف الميكروب في القرن السابع عشر وهو موجود من قبل أن يكتشف، وكان يدخل في أجسام الناس، وينفذ من الجلد، وحين اكتشفوه، دلّ ذلك على أنه كان موجوداً لكننا لم نكن نملك أدوات إدراكه. إذن فإن حُدثت بأن لله خلقاً موجوداً وإن لم تكن تدركه، فخذ مما أدركته بعد أن لم تكن تدركه دليل تصديق لما لا تدركه. وأخبرنا الحق تبارك وتعالى بوجود الملائكة، وكل شيء له ملائكة يدبرونه، وهم: "المدبرات أمرا"، والملائكة الحفظة، وسبحانه القائل: {أية : لَهُ مُعَقِّبَٰتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11]. وسبحانه أيضاً القائل: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. وهؤلاء الملائكة هم الموكلون بمصالح الإنسان في الأرض، المطر مثلاً له ملكه، الزرع مثلاً له ملكه، وكل شيء له ملك. وهو سبب خفي غير منظور يحرك الشيء. {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ}. والإمداد هو الزيادة التي تجيء للجيش، لأن الجيش إذا ووجه بمعارك لا يستطيع أن يقوم بها العدد الموجود من الرجال أو السلاح، حينئذ يطلب قائد الجيش إرسال المدد من الرجال والعتاد. {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} ونعلم أنه ساعة أن أمر ربنا الملائكة أن تسجد لآدم، لم يكن الأمر لكل جنس الملائكة، بل صدر الأمر إلى الملائكة الموكلين بمصالح الأرض. أما الملائكة غير الموكلين بهذا، فلم يدخلوا في هذه المسألة، ولذلك قلنا إن الحق سبحانه وتعالى حينما عنف إبليس، قال له: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ}تفسير : [ص: 75]. والمقصود بـ "العالين" هم الملائكة الذين لم يشملهم أمر السجود. والحق تبارك وتعالى هنا في هذه الآية يبين أنه سبحانه وتعالى قد أمد المسلمين المحاربين في غزوة بدر بـ: {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} والردْفُ هو ما يتبعك، ولذلك يقال: "فلان ركب مطيته وأرْدَفَ فلاناً"، أي جعله وراءه. والمُردف هو من يكون في الأمام، والمردَف هو من يكون خلفه. والآية توضح لنا أن الملائكَة كانت أمام المسلمين؛ لأن جيش المسلمين كان قليل العدد، وجيش الكفار كان كثير العدد، وجاءت الملائكة لتكثير عدد جيش المسلمين، فإذا كان العدد مكوناً من ألف مقاتل، فقد أرسل الحق ملائكة بنفس العدد ويزيد بذلك جيش المؤمنين بعدد المؤمنين. وكان يكفي أن يرسل الحق ملكاً واحداً، كما تحكي الروايات عما حدث لقوم لوط، فقد روي أن جبريل عليه السلام، أدخل جناحه الواحد تحت مدائن قوم لوط، وصعد بها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نهيق الحمار، ونباح الكلاب، وصياح الديوك، ولم تنكفىء لهم جرّة، ولم ينسكب لهم إناء، ثم قلبها دفعة واحدة وضربها على الأرض. وصيحة واحدة زلزلت قوم ثمود. لماذا إذن أرسل الحق تبارك وتعالى هنا ألفاً من الملائكة؟. حدث ذلك لتكثير العدد أمام العدو وليفيد في أمرين اثنين: الأمر الأول: أن تأخذ العدو رهبة، والأمر الثاني: أن يأخذ المؤمنون قوة لكن أكان للملائكة في هذه المسألة عمل؟ أو لا عمل لهم؟ هنا حدث خلاف. ونجد الحق تبارك وتعالى يقول: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ...}

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي مُتَتَابِعينَ. ويقالُ وراءُ كُلِّ مَلكٍ ملكٌ.

الجيلاني

تفسير : اذكروا أيها المؤمنون فضل الله عليكم ورحمته {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} حين اقتحم العدو وأنتم عزل قلائل، وهم متكثرون ذو عدد وعدد {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} ربكم مغيثاً قالاً لكم على لسان نبيكم: {أَنِّي} بحولي وقوتي {مُمِدُّكُمْ} أي: معينكم ومغنيكم {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] على عددكم، يضربونهم من ورائهم، وأنتم من قدامهم. {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} أي: إمدادكم أيها المؤمنون بملائكة السماء {إِلاَّ بُشْرَىٰ} لك بفضلكم وكرامتكم عليهم {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} في جميع ما وعدكم الله به {وَ} اعلموا أيها المتحققون بمقام التوحيد {مَا ٱلنَّصْرُ} والغلبة والظفر {إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} القادر المقتدر على كل ما أراد واختار {إِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والجلال {عَزِيزٌ} غالب على جميع مقدوراته ومراداته {حَكِيمٌ} الأنفال: 10] متقن في جميع أحكامه ومأموراته يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد. اذكروا أيها المؤمنون فضل الله عليكم وامتنانه {إِذْ يُغَشِّيكُمُ} ويغلب عليكم بلطفه {ٱلنُّعَاسَ} أي: النومة؛ إزالةً لرعبكم حين كنتم في سهر من خوف العدو؛ لتكون {أَمَنَةً} نازلة {مِّنْهُ} لتستريحوا وتطمئن قلوبكم {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} حين كنتم مجنبين بإغواء الشيطان وعدوكم على الماء، والشيطان يعيركم بجنابتكم، ويوسوس عليكم بأنكم تدعون الإمامة والولاية؟ كيف تخرجون غداً تجاه العدو وأنتم مجنبين ودعواكم أن القتال والجهاد من اشرف العبادات؟ وبأمثال هذه الهذايانات يوقع بينك الفتنة؛ لتقعدوا عن القتال، وأنتم أيضاً مضطربون بما معكم عليه من الجنابة، أنزل الله عليكم المطر {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} أي: بالماء، أبدانكم عن الجنابة الصورية، كما طهر قلوبكم بماء العلم اللدني ورشحات التوحيد من الجنابة المعنوية التي هي الكفر والنفاق. {وَ} بالجملة: {يُذْهِبَ عَنكُمْ} بإنزال المطر {رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} أي: وسوسته وإيقاعه، ونخويفه من العطش وغيرها {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} بإنزاله، إنه سبحانه يعين عليكم وينصركم حين اضطراركم؛ ليزداد وثوقكم به وبنصره، وعونه وإنجاز وعده {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} [الأنقال: 11] أي: بهذا الربط، أقدامكم على جادة التوحيد والتوكيل إلى الله، والتفويض نحوه في جميع الأمور.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: اذكروا نعمة اللّه عليكم، لما قارب التقاؤكم بعدوكم، استغثتم بربكم، وطلبتم منه أن يعينكم وينصركم { فَاسْتَجَابَ لَكُمْ } وأغاثكم بعدة أمور: منها: أن اللّه أمدكم { بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ } أي: يردف بعضهم بعضا. { وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ } أي: إنزال الملائكة { إِلا بُشْرَى } أي: لتستبشر بذلك نفوسكم، { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } وإلا فالنصر بيد اللّه، ليس بكثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ. { إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ } لا يغالبه مغالب، بل هو القهار، الذي يخذل من بلغوا من الكثرة وقوة العدد والآلات ما بلغوا. { حَكِيمٌ } حيث قدر الأمور بأسبابها، ووضع الأشياء مواضعها. ومن نصره واستجابته لدعائكم أن أنزل عليكم نعاسا { يُغَشِّيكُمُ } [أي] فيذهب ما في قلوبكم من الخوف والوجل، ويكون { أَمَنَةً } لكم وعلامة على النصر والطمأنينة. ومن ذلك: أنه أنزل عليكم من السماء مطرا ليطهركم به من الحدث والخبث، وليطهركم به من وساوس الشيطان ورجزه. { وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ } أي: يثبتها فإن ثبات القلب، أصل ثبات البدن، { وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ } فإن الأرض كانت سهلة دهسة فلما نزل عليها المطر تلبدت، وثبتت به الأقدام. ومن ذلك أن اللّه أوحى إلى الملائكة { أَنِّي مَعَكُمْ } بالعون والنصر والتأييد، { فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا } أي: ألقوا في قلوبهم، وألهموهم الجراءة على عدوهم، ورغبوهم في الجهاد وفضله. { سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ } الذي هو أعظم جند لكم عليهم،فإن اللّه إذا ثبت المؤمنين وألقى الرعب في قلوب الكافرين، لم يقدر الكافرون على الثبات لهم ومنحهم اللّه أكتافهم. { فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ } أي: على الرقاب { وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أي: مفصل. وهذا خطاب، إما للملائكة الذين أوحى الله إليهم أن يثبتوا الذين آمنوا فيكون في ذلك دليل أنهم باشروا القتال يوم بدر،أو للمؤمنين يشجعهم اللّه، ويعلمهم كيف يقتلون المشركين، وأنهم لا يرحمونهم،وذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله أي: حاربوهما وبارزوهما بالعداوة. { وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } ومن عقابه تسليط أوليائه على أعدائه وتقتيلهم. { ذَلِكُمْ } العذاب المذكور { فَذُوقُوهُ } أيها المشاققون للّه ورسوله عذابا معجلا. { وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ } . وفي هذه القصة من آيات اللّه العظيمة ما يدل على أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم رسول اللّه حقا. منها: أن اللّه وعدهم وعدا، فأنجزهموه. ومنها: ما قال اللّه تعالى: {أية : قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ } تفسير : الآية. ومنها: إجابة دعوة اللّه للمؤمنين لما استغاثوه بما ذكره من الأسباب،وفيها الاعتناء العظيم بحال عباده المؤمنين، وتقييض الأسباب التي بها ثبت إيمانهم، وثبتت أقدامهم، وزال عنهم المكروه والوساوس الشيطانية. ومنها: أن من لطف اللّه بعبده أن يسهل عليه طاعته، وييسرها بأسباب داخلية وخارجية.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 298 : 4 : 27 - سفين في قوله {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} قال، متتابعين. [الآية 9].

همام الصنعاني

تفسير : 994- حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مُرْدِفِينَ}: [الآية: 9]، قال: متتابعين.