Verse. 1168 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِہَ الْمُجْرِمُوْنَ۝۸ۚ
Liyuhiqqa alhaqqa wayubtila albatila walaw kariha almujrimoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ليُحق الحق ويبطل» يمحق «الباطل» الكفر «ولو كره المجرمون» المشركون ذلك.

8

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ } يمحق {ٱلْبَٰطِلُ } الكفر {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } المشركون ذلك.

ابن عطية

تفسير : {ليحق الحق} أي ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام {ويبطل الباطل} أي الكفر، {ولو كره} أي وكراهتهم واقعة فهي جملة في موضع الحال، وقوله: {إذ تستغيثون ربكم} الآية، {إذ} متعلقة بفعل، تقديره واذكر إذ وهو الفعل الأول الذي عمل في قوله {أية : وإذ يعدكم} تفسير : [الأنفال الآية:7] وقال الطبري: هي متعلقة بـ {يحق.. ويبطل}. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يعمل فيها {أية : يعدكم} تفسير : [الأنفال:7] فإن الوعد كان في وقت الاستغاثة، وقرأ أبو عمرو بإدغام الذال في التاء واستحسنها أبو حاتم، و {تستغيثون} معناه تطلبون، وليس يبين من ألفاظ هذه الآية أن المؤمنين علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم، فإن استجاب يمكن أن يقع في غيبه تعالى، وقد روي أنهم علموا ذلك قبل القتال، ومعنى التأنيس وتقوية القلوب يقتضي ذلك، وقرأ جمهور الناس "أني" بفتح الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر بخلاف عنه "إني" بكسر الألف أي قال إني، و {ممدكم} أي مكثركم ومقويكم من أمددت. وقرأ جمهور الناس "بألف" وقرأ عاصم الجحدري "بئألف" على مثل فلس وأفلس فهي جمع ألف، والإشارة بها إلى الآلاف المذكورة في آل عمران، وقرأ عاصم الجحدري أيضاً "بآلاف" و {مردفين} معناه متبعين، ويحتمل أن يراد المردفين المؤمنين أي أردفوا بالملائكة فـ {مردفين} على هذا حال من الضمير في قوله {ممدكم} ويحتمل أن يراد به الملائكة أي أردف بعضهم بعض غير نافع "مردِفين" بكسر الدال وهي قراءة الحسن ومجاهد والمعنى فيها تابع بعضهم بعضاً, وروي عن ابن عباس خلف كل ملك ملك، وهذا معنى التتابع يقال ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء، ويحتمل أن يراد مردفين المؤمنين. ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضاً، ومن قال "مردفين" بمعنى أن كل ملك أردف ملكاً وراءه فقول ضعيف لم يأت بمقتضاه رواية، وقرأ رجل من أهل مكة رواه عنه الخليل "مرَدِّفين" بفتح الراء وكسر الدال وشدها. وروي عن الخليل أنها بضم الراء كالتي قبلها وفي غير ذلك، وقرأ بعض الناس بكسر الراء مثلهما في غير ذلك، حكى ذلك أبو عمرو عن سيبويه، وحكاه أبو حاتم قال: كأنه أراد مرتدفين فأدغم وأتبع الحركة ويحسن مع هذه القر اءة كسر الميم ولا أحفظه قراءة، وأنشد الطبري شاهداً على أن أردف بمعنى جاء تابعاً قول الشاعر [خزيمة بن مالك]: [الوافر] شعر : إذا الجوزاءُ أردَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونا تفسير : والثريا تطلع قبل الجوزاء وروي في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، واختلف في غيره من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: لم تقاتل يوم بدر وإنما وقفت وحضرت وهذا ضعيف، وحكى الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: نزل جبريل في ألف ملك على ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف ملك في المسيرة وأنا فيها، وقال ابن عباس: كانا في خمسمائة خمسمائة، وقال الزجّاج: قال بعضهم: إن الملائكة خمسة آلاف، وقال بعضهم: تسعة آلاف، وفي هذا المعنى أحاديث هي مستوعبة في كتاب السير، وقوله تعالى: {وما جعله الله} الآية، الضمير في {جعله} عائد على الوعد. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى، وقال الزجّاج: الضمير عائد على المدد، ويحتمل أن يعود على الإمداد، وهذا يحسن مع قول من يقول إن الملائكة لم تقاتل وإنما أنست بحضورها مع المسلمين. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف ترده الأحاديث الواردة بقتال الملائكة وما رأى من ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن مسعود وغيره، ويحتمل أن يعود على الإرداف وهو قول الطبري، وهذا أيضاً يجري مجرى القول الذي قبله ويحتمل أن يعود على "الألف" وهذا أيضاً كذلك، لأن البشرى بالشيء إنما هي ما لم يقع بعد، و "البشرى" مصدر من بشرت، والطمأنينة السكون والاستقرار وقوله {وما النصر إلا من عند الله} توقيف على أن الأمر كله لله وأن تكسب المرء لا يغني إذا لم يساعده القدر وإن كان مطلوباً بالجد كما ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وهذه القصة كلها من قصة الكفار وغلبة المؤمنين لهم تليق بها من صفات الله عز وجل العزة والحكمة إذا تؤمل ذلك.

الخازن

تفسير : {ليحق الحق} يعني ليثبت الإسلام {ويبطل الباطل} يعني وينفي الكفر {ولو كره المجرمون} يعني المشركين وفي الآية سؤالان: الأول: أن قوله ويريد الله أن يحق الحق ثم قال بعده ليحق الحق تكرير فما معناه؟. والجواب أنه ليس فيه تكرير لأن المراد بالأول تثبيت ما وعد في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء والمراد بالثاني: تقوية القرآن والدين وإظهار منار الشريعة لأن الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم وقهر الكافرين مع كثرتهم كان سبباً لإعزاز الدين وقوته ولهذا السبب قرنه بقوله ويبطل الباطل يعني الذي هو الشرك. السؤال الثاني: الحق حق لذاته والباطل باطل لذاته فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل. والجواب: إن المراد من تحقيق الحق إظهار كون ذلك الحق حقاً والمراد من إبطال ذلك الباطل إظهار كون ذلك الباطل باطلاً وذلك بإظهار دلائل الحق وتقويته. وقمع رؤساء الباطل وقهرهم. قوله عز وجل: {إذ تستغيثون ربكم} أي واذكر يا محمد أذ تستجيرون بربكم من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر وفي المستغيثين قولان أحدهما أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه قاله الزهري والقول الثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم له (م) عن ابن عباس قال حدثني عمر بن الخطاب قال: حديث : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ثم مد يده فجعل يهتف بربه يقول: "اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" فما زال يهتف بربه ماداً يديه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل إذ تستغيثون ربكم {فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} فأمده الله بالملائكةتفسير : . قال سماك: فحدثني ابن عباس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول أقدم حيزوم إذ نظر إلى المشرك أمامه خر مستلقياً فنظر إليه فإذا قد حطم أنفه وشق وجهه كضربة السيف فأحصى ذلك أجمع وجاء فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين وقوله سبحانه وتعالى فاستجاب لكم، يعني فأجاب دعاءكم أني ممدكم أصله بأني ممدكم أي مرسل إليكم مدداً ورداءً لكم بألف من الملائكة مردفين، يعني: يردف بعضهم بعضاً بمعنى يتبع بعضهم بعضاً. روي أنه نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة وميكائيل عليه السلام في خمسمائة في صور الرجال على خيل بلق عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوها بين أكتافهم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشد ربه وقال أبو بكر إن الله سينجز لك ما وعدك خفق رسول الله صلى الله عليه وسلم خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: يا أبا بكر أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بعنان فرس يقوده على ثناياه النقع (خ). عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر:"حديث : هذا جبريل آخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب"تفسير : يعني آلة الحرب قال ابن عباس: كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض ويوم حنين عمائم خضر ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام وكانوا يكونون فيما سواه عدداً ومدداً. وروي عن أبي أسيد مالك بن ربيعة وكان قد شهد بدراً أنه قال بعد ما ذهب بصره لو كنت معكم اليوم ببدر ومعي بصري لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة تقدم الكلام في سورة آل عمران هل قاتلت الملائكة أم لا والصحيح انهم قاتلوا يوم بدر لما تقدم من حديث ابن عباس في الذي ضربه بالسوط فحطم أنفه وشق وجهه وكانوا فيما سوى يوم بدر مدداً وعوناً قيل إنهم لم يقاتلوا وإنما نزلوا ليكثروا سواد المسلمين ويثبتوهم، ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى

ابن عادل

تفسير : قوله: "لِيُحِقَّ" فيه وجهان: أحدهما: أنَّه متعلقٌ بما قبله، أي: ويقطع ليحق الحقَّ، والثاني: أن يتعلَّق، بمحذوفٍ تقديره: ليحقَّ الحقَّ فعل ذلك، أي: ما فعله إلاَّ لهما، وهو إثباتُ الإسلامِ وإظهاره وزوالُ الكُفْرِ ومحقه. قال الزمخشريُّ: "ويجب أن يُقدَّر المحذوفُ مؤخراً ليفيد الاختصاص وينطبق عليه المعنى". وهذا على رأيه، وهو الصحيحُ. فإن قيل: قوله: {أية : وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}تفسير : [الأنفال:7] ثم قوله بعد ذلك "لِيُحِقَّ الحقَّ" تكرير محضٌ. فالجوابُ: أنَّ المراد بالأوَّل سبب ما وعد اللَّه به هذه الواقعة من النَّصر والظَّفر بالأعداء. والمراد بالثاني: تقوية القرآن والدِّين ونصرة هذه الشَّريعةِ؛ لأنَّ الذي وقع مع المؤمنين يوم بدر بالكافرين سبب لعزة الدِّين وقوته، ولهذا قرنه بقوله: "ويُبْطِلَ الباطلَ" الذي هو الشرك، وذلك في مقابلة: "الحقّ" الذي هو الدين والإيمان. فإن قيل: الحقُّ حقٌّ لذاته، والباطلُ باطلٌ لذاته، وما ثبت للشيء لذاته؛ فإنَّه يمتنع تحصيله بجعل جاعل فما المرادُ من تحقيق الحقِّ وإبطال الباطل. الجوابُ: المرادُ من تحقيق الحقِّ وإبطال الباطل إظهار كون ذلك الحقِّ حقًّا، وإظهار كون الباطل باطلاً، وذلك يكون تارةً بإظهار الدَّلائل والبينات، وتارةً بتقوية رؤسَاءِ الباطل. فصل احتجوا بقوله: "لِيُحِقَّ الحَقَّ" في مسألة خلْقِ الأفعال. قالوا: يجبُ حمله على أنه يوجدُ الحقَّ ويكونه، والحقُّ ليس إلاَّ الدين والاعتقاد، فدل على أنَّ العقائد الحقة لا تحصل إلاَّ بتكوين الله، ولا يمكنُ حمل تحقيق الحقِّ على إظهار آثاره؛ لأنَّ ذلك الظُّهُورَ حصل بفعل العبادِ، فامتنع إضافة ذلك الإظهار إلى اللَّهِ تعالى، ولا يمكنُ أن يقال: المرادُ من إظهاره وضع الدلائل عليها، لأنَّ هذا المعنى حاصلٌ في حق الكافر والمسلم. وقبل هذه الواقعة وبعدها فلا يَبْقَى لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلاً. قالت المعتزلةُ: هذه الآيةُ تدلُّ على أنَّهُ يريدُ تحقيق الباطل وإبطال الحق ألبتَّة، إنَّما يريد تحقيق الحقِّ، وإبطال الباطل، وذلك يبطلُ قول من يقول إنَّه لا باطل ولا كفر إلاَّ والله تعالى مريدٌ له. وأجيبوا: بأنه ثبت في أصول الفقة أنَّ المفرد المحلى بالألف واللاَّم ينصرفُ إلى المعهود السَّابقِ فهذه الآية دلَّت على أنَّه تعالى أراد تحقيق الحق، وإبطال الباطل في الصُّورة، فلم قُلْتُم إنَّ الأمر كذلك في جميع الصُّور؟ وقد بيَّنا أيضاً بالدَّليلِ أنَّ هذه الآية تدلُّ على صحَّة قولنا. ثم قال تعالى: {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي: المشركون.

ابو السعود

تفسير : وقوله تعالى: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ} جملةٌ مستأنفةٌ سيقت لبـيان الحِكمةِ الداعيةِ إلى اختيار ذاتِ الشوكة ونصرِهم عليها مع إرادتهم لغيرها، واللامُ متعلقةٌ بفعل مقدر مؤخر عنها، أي لهذه الغايةِ الجليلةِ فعَل ما فعَل لا لشيء آخرَ وليس فيه تكرارٌ إذ الأولُ لبـيان تفاوتِ ما بـين الإرادتين، وهذا لبـيان الحِكمةِ الداعية إلى ما ذكر، ومعنى إحقاقِ الحقِّ إظهارُ حقّيتِه لا جعلُه حقاً بعد أن لم يكن كذلك وكذا حال إبطال الباطل {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي المشركون ذلك أي إحقاق الحق وإبطال الباطل {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} بدلٌ من إذ يعدكم معمولٌ لعامله، فالمراد تذكيرُ استمدادِهم منه سبحانه والتجائِهم إليه تعالى حين ضاقت عليهم الحِيلُ وعيَّتْ بهم العِللُ، وإمدادُه تعالى حينئذ وقيل: متعلقٌ بقوله تعالى ليحق الحق على الظرفية، وما قيل من أن قولَه تعالى ليُحِق مستقبلٌ لأنه منصوبٌ بأن فلا يمكن عملُه في إذا لأنه ظرف لما مضى ليس بشيء لأن كونَه مستقبَلاً إنما هو بالنسبة إلى زمان ما هو غايةٌ له في الفعل المقدرِ لا بالنسبة إلى زمان الاستغاثةِ حتى لا يعملَ فيه بل هما في وقت واحدٍ وإنما عبّر عن زمانها بإذ نظراً إلى زمان النزولِ، وصيغةُ الاستقبالِ في تستغيثون لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها العجيبة، وقيل: متعلقٌ بمضمر مستأنفٍ أي اذكروا وقت استغاثتِكم وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال جعلوا يدعون الله تعالى قائلين: أيْ ربُّ انصُرنا على عدوك يا غياثَ المستغيثين أغِثْنا، (وعن عمرَ رضي الله عنه أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نظر إلى المشركين وهم ألفٌ وإلى أصحابه وهو ثلثُمائة وبضعةَ عشرَ فاستقبل القِبلةَ ومد يديه يدعو: «حديث : اللهَّم أنجِزْ لي ما وعدتني اللهم إنْ تهلِكْ هذه العِصابةُ لا تعبَدْ في الأرض»تفسير : فما زال كذلك حتى سقط رداؤُه فأخذه أبو بكر رضى الله عنه فألقاه على منكبه والتزمه من ورائه وقال: يا نبـيَّ الله كفاك مناشدتُك ربَّك فإنه سيُنجز لك ما وعدك). {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ} عطفٌ على تستغيثون داخلٌ معه في حكم التذكيرِ لِما عرفت أنه ماضٍ وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورة {أَنّي مُمِدُّكُمْ} أي بأني، فحُذف الجارُّ وسُلّط عليه الفعلُ فنصَب محلَّه، وقرىء بكسر الهمزة على إرادة القولِ أو على إجراء استجابَ مُجرىٰ قال لأن الاستجابةَ من مقولة القول {بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي جاعلين غيرَهم من الملائكة رديفاً لأنفسهم فالمراد بهم رؤساؤُهم المستتبِعون لغيرهم، وقد اكتُفي هٰهنا بهذا البـيانِ الإجماليِّ وبـيِّن في سورة آلِ عمرانَ مقدارُ عدِّهم، وقيل: معناه مُتْبعِين أنفسَهم ملائكةً آخرين أو متْبعين المؤمنين أو بعضَهم بعضاً، من أردفتُه إذا جئتُ بعده، أو متبعين بعضَهم بعضَ المؤمنين أو أنفسَهم المؤمنين، من أردفتُه إياه فردِفَه، وقرىء مردَفين بفتح الدال أي مُتْبَعين أو متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقَتَهم وقرىء مرُدّفين بكسر الراء وضمها وتشديد الدال وأصلُهما مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاءُ في الدال فالتقى الساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أو بالضم على الإتباع، وقرى بآلاف ليوافقَ ما في سورة آل عمران. ووجهُ التوفيق بـينه وبـين المشهورِ أن المرادَ بالألفِ الذين كانوا على المقدمة أو الساقةُ أو وجوهُهم وأعيانُهم أو من قاتل منهم واختُلف في مقاتلتهم وقد روي أخبارٌ تدل على وقوعها.

السلمي

تفسير : قوله عز وعلا: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} [الآية: 8]. قال بعضهم: ليحق الحق بالكشف، ويبطل الباطل بالستر. وقال بعضهم: ليحق الحق بالقبول، ويبطل الباطل بالرد. قال الواسطى: ليحق الحق بتجليه، ويبطل الباطل باستتاره. وقال بعضهم: ليحق الحق بالإقبال عليه ويبطل الباطل بالإعراض عنه. وقال بعضهم: ليحق الحق بالرضا، ويبطل الباطل بالسخط. وقيل: ليحق الحق للأولياء، ويبطل الباطل للأعداء. وقيل: ليحق الحق بالجذب، ويبطل الباطل بالصرف. وقيل: ليحق الحق بالبراهين، ويبطل الباطل بالدعاوى.

القشيري

تفسير : ليحق الحقَّ بالتوفيق فيما يحصل ببذل المجهود، والتحقيق لما يظهر من عين الجود. ويقال لِيُحِقَّ الحقّ بنشر أعلام الوصل، ويُبْطِلَ الباطلَ بقهر أقسام الهزل.

اسماعيل حقي

تفسير : {ليحق الحق ويبطل الباطل} اللام متعلقة بفعل مقدر مؤخر عنها اى لهذه الغاية الجليلة وهى اظهار الدين الحق وابطال الكفر فعل ما فعل لا لشئ آخر وليس فيه تكرار اذ الاول مذكور لبيان تفاوت ما بين الارادتين ارادة الله وارادة المؤمنين والثانى لبيان الداعى الى حمل الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيار التوجه الى ذات الشوكة ونصره عليها وقطع دابر المشركين ومعنى احقاق الحق اظهار حقيته لا جعله حقا بعد ان لم يكن كذلك وكذا حال ابطال الباطل {ولو كره المجرمون} اى المشركون ذلك اى احقاق الحق وابطال الباطل

الجنابذي

تفسير : {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} يعنى انّ نفس احقاق الحقّ هو المطلوب منه لا امر آخر فهو من قبيل ما كان الفعل مطلوباً لنفسه لا مقدّمة لامرٍ آخر فكأنّه قال: يريد الله ان يحقّ الحقّ لنفس احقاق الحقّ {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} ظرف لقوله يريد الله او لقوله كره المجرمون او بدل من قوله اذ يعدكم احدى الطائفتين بدل الاشتمال فانّ الوعد كان فى المدينة والاستغاثة حين القتال ومشاهدة قلّتهم وعدم عدّتهم وكثرة العدوّ عدّةً وعُدّةً {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} بعضهم بعضاً او مردفين لكم من اردفه اذا تبعه.

الهواري

تفسير : { لِيُحِقَّ الحَقَّ} فيظهر محمداً، ومعه الحق {وَيُبْطِلَ البَاطِلَ} أي ما جاء به المشركون. {وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} وهم المشركون في هذا الموضع. وهذه الآية نزلت قبل قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ}، وهي بعدها في التأليف. هذا في تفسير الحسن. وكان جبريل يأتي النبي بالوحي فيقول: إن الله يأمرك أن تضع أية كذا وكذا بين ظهراني آية كذا وكذا من السورة. وقال بعضهم: الطائفتان: إحداهما أبو سفيان أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى: أبو جهل معه نفير قريش؛ فكره المسلمون الشوكة والقتال، وأحبوا أن يصيبوا العير، وأراد الله أن يصيبوا ثَمَّ ما أراد. قوله: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ المَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ} أي متتابعين. وقال مجاهد: مردفين: ممدين. وقال الحسن: دعوا الله أن ينصرهم على عدوهم، فاستجاب لهم فقال: إني ممدّكم بألف من الملائكة مردفين.

اطفيش

تفسير : {ليُحقَّ الحقَّ} متعلق بمحذوف أى فعل ذلك ليحقَّ الحقَّ {ويُبطلَ الباطِلَ} وليس هذا تكرارا بما قبله، لأن هذا بيان لعلة حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختيار ذات الشوكة، ولعلة نصره على الكفار وما قبله إخبارا بما أراد الله، وإظهار تفاوت ما بين إرادة الله وإرادة المسلمين، فإن أرادوا العير حبا للعاجلة وسفاسف الأمور القليلة الفانية من بين أيديهم عن قريب، وأراد الله معالى الأمور وما يرجع إلى عمارة الدين وعلوه، وفوز الدارين، ويجوز تقدير ذلك المتعلق مؤخرا للحصر، ويجوز التعليق بيقطع، ومعنى إبطال الباطل إزالته وقهر أهله. {ولَوْ كَرهَ المجْرمُون} المشركون ذلك، والجملة حال، وعن الحسن: هذه الآية نزلت قبل قوله: {أية : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} تفسير : وكان يجئ جبريل بالآية فيقول: إن الله يأمرك أن تضعها بين كذا وكذا من السورة.

اطفيش

تفسير : {لِيُحِقَّ الحَقَّ} الإِسلام المراد إِظهار حقيقته، {ويُبْطِلَ البَاطِلَ} الكفر يظهر إِبطاله، ولا تكرير بين الآيتين لأَن الأُولى فى إِرادة الله عز وجل ذات الشوكة وإِرادتكم غير ذات الشوكة، والثانية بيان لعلة الأَمر بذات الشوكة وهو سبب إِعزاز الدين، أَو الأُولى إِثبات الموعود من النصر، وا لثانية إِظهار الدين. ثم إِن إِظهار الدين إِما بإِبراز الدلائل وإِما بتقوية رؤساء الحق، وفى الآية توبيخ بطلب سفساف الأُمور وهى العير، وترك العالى وهو قتال النفير وهو خير لهم، فقدره الله عز وجل لهم {وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ} إِحقاق الحق وإِبطال الباطل.

الالوسي

تفسير : {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ} جملة مستأنفة سيقت لبيان الحكمة الداعية اختيار ذات الشوكة ونصرهم عليها مع إرادتهم لغيرها، واللام متعلقة بفعل مقدر مؤخر عنها، أي لهذه الحكمة الباهرة فعل ما فعل لا لشيء آخر، وليس فيه مع ما تقدم تكرار إذ الأول لبيان تفاوت ما بين الإرادتين وهذا لبيان الحكمة الداعية إلى ما ذكر. وأشار الزمخشري إلى أن هذا نظير قولك: أردت أن تفعل الباطل وأردت أن أفعل الحق ففعلت ما أردته لكذا لا لمقتضى إرادتك وليس نظير قولك: أردت أن أكرم زيداً لإكرامه ليكون فيه ما يكون، ومعنى إبطال الباطل على طرز ما أشرنا إليه في إحقاق الحق {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} ذلك أعني إحقاق الحق وإبطال الباطل، والمراد بهم المشركون لا من كره الذهاب إلى النفير لأنه جرم منهم كما قيل.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْبَاطِلَ} (8) - وَقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ بِمَا وَعَدَهُمْ، وَأرَادَ أَنْ يَلْتَقِيَ المُؤْمِنُونَ بِالقُوَّةِ الحَرْبِيَّةِ لِقُرَيشٍ لِيَكْسِرَ شَوْكَةَ الشِّرْكِ، وَيُثَبِّتَ الإِسْلاَمَ، وَيَرْفَعَ رَايَتَهُ (يُحِقَّ الحَقَّ)، وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ المُعْتَدُونَ، وَلاَ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِالاسْتِيلاءِ عَلَى العِيرِ، وَإِنَّما بِالقَضَاءِ عَلَى رُؤُوسِ الشِّرْكِ وَقَادَتِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ونلحظ أنه سبحانه وتعالى قال من قبل ويريد الله أن {يُحِقَّ الحَقَّ}، وهنا يقول: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} والمراد بالحق الأول نصر الجماعة الضعاف، القلة الضعيفة على الكثرة القوية، هذا هو الحق الأول الذي وعد به الحق بكلماته، ليحق منهج الإسلام كله، ولو كره المجرمون. ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ...}