٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن قوله: {إِذْ } منصوب بإضمار اذكر أنها لكم بدل من إحدى الطائفتين. قال الفراء والزجاج: ومثله قوله تعالى: {أية : هَلُ يَنظُرُونَ إِلاَّ ٱلسَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } تفسير : [الزخرف: 66] {وَأَنْ } في موضع نصب كما نصب الساعة، وقوله أيضاً: {أية : وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَـٰتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن } تفسير : [الفتح: 25] {أن} في موضع رفع بلولاً. والطائفتان: العير والنفير: وغير ذات الشوكة. العير. لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارساً والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم. والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك، ويقال شوك القنا لسنانها، ومنه قولهم شاكي السلاح. أي تتمنون أن يكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا حدة لها ولا شدة، ولا تريدون الطائفة الأخرى ولكن الله أراد التوجه إلى الطائفة الأخرى ليحق الحق بكلماته، وفيه سؤالات: السؤال الأول: أليس أن قوله: {يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ } ثم قوله بعد ذلك: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ } تكرير محض؟ والجواب: ليس ههنا تكرير لأن المراد بالأول سبب ما وعد به في هذه الواقعة من النصر والظفر بالأعداء، والمراد بالثاني تقوية القرآن والدين ونصرة هذه الشريعة، لأن الذي وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سبباً لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله: {وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } الذي هو الشرك، ولك في مقابلة {ٱلْحَقّ } الذي هو الدين والإيمان. السؤال الثاني: الحق حق لذاته، والباطل باطل لذاته، وما ثبت للشيء لذاته فإنه يمتنع تحصيله بجعل جاعل وفعل فاعل فما المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل؟ والجواب: المراد من تحقيق الحق وإبطال الباطل، بإظهار كون ذلك الحق حقاً، وإظهار كون ذلك الباطل باطلاً، وذلك تارة يكون بإظهار الدلائل والبينات، وتارة بتقوية رؤساء الحق وقهر رؤوساء الباطل. واعلم أن أصحابنا تمسكوا في مسألة خلق الأفعال بقوله تعالى: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ } قالوا وجب حمله على أنه يوجد الحق ويكونه، والحق ليس إلا الدين والاعتقاد، فدل هذا على أن الاعتقاد الحق لا يحصل إلا بتكوين الله تعالى. قالوا: ولا يمكن حمل تحقيق الحق على إظهار آثاره لأن ذلك الظهور حصل بفعل العباد، فامتنع أيضاً إضافة ذلك الإظهار إلى الله تعالى، ولا يمكن أن يقال المراد من إظهاره وضع الدلائل عليها، لأن هذا المعنى حاصل بالنسبة إلى الكافر وإلى المسلم. وقبل هذه الواقعة، وبعدها فلا يحصل لتخصيص هذه الواقعة بهذا المعنى فائدة أصلاً. واعلم أن المعتزلة أيضاً تمسكوا بعين هذه الآية على صحة مذهبهم. فقالوا هذه الآية تدل على أنه لا يريد تحقيق الباطل وإبطال الحق البتة، بل إنه تعالى أبداً يريد تحقيق الحق وإبطال الباطل، وذلك يبطل قول من يقول إنه لا باطل ولا كفر إلا والله تعالى مريد له. وأجاب أصحابنا بأنه ثبت في أصول الفقه أن المفرد المحلى بالألف واللام ينصرف إلى المعهود السابق فهذه الآية دلت على أنه تعالى أراد تحقيق الحق وإبطال الباطل في هذه الصورة، فلم قلتم إن الأمر كذلك في جميع الصور؟ بل قد بينا بالدليل أن هذه الآية تدل على صحة قولنا. أما قوله: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فالدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر، ومنه دابرة الطائر وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، والمراد أنكم تريدون العير للفوز بالمال، والله تعالى يريد أن تتوجهوا إلى النفير، لما فيه من إعلاء الدين الحق واستئصال الكافرين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} «إحْدَىٰ» في موضع نصب مفعول ثان. «أَنَّهَا لَكُمْ» في موضع نصب أيضاً بدلاً من «إحدىٰ». {وَتَوَدُّونَ} أي تحبون. {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحدّ. والشوكة: السلاح. والشوْك: النبت الذي له حَدٌّ. ومنه رجل شائِك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال: شاكِي السلاحِ. أي تودّون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب؛ عن الزجاج. {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي أن يظهر الإسلام. والحَقُّ حَقٌّ أبداً، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل. «بِكَلِمَاتِهِ» أي بوعده؛ فإنه وعد نبيَّه ذلك في سورة «الدّخان» فقال: {أية : يَوْمَ نَبْطِشُ ٱلْبَطْشَةَ ٱلْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ}تفسير : [الدخان: 16] أي من أبي جهل وأصحابه. وقال: {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ}تفسير : [التوبة: 33 والفتح: 28]. وقيل: «بِكَلِمَاتِه» أي بأمره؛ إياكم أن تجاهدوهم. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} أي يستأصلهم بالهلاك. {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أي يظهر دين الإسلام ويُعزّه. {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} أي الكفر. وإبطاله إعدامه؛ كما أن إحقاق الحق إظهارُه{أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}تفسير : [الأنبياء: 18]. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ } العير أو النفير {أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ } تريدون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ } أي البأس والسلاح وهي العير {تَكُونُ لَكُمْ } لقلة عَدَدِها وعُددها بخلاف النفير {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ } يظهره {بِكَلِمَٰتِهِ } السابقة بظهور الإِسلام {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ } آخرهم بالاستئصال فأمركم بقتال النفير.
ابن عبد السلام
تفسير : {إِحْدَى الطَّآئِفَتَيْنِ} عِير أبي سفيان أو قريش الذين خرجوا لمنعها. {الشَّوْكَةِ} كنى بها عن الحرب، وهي الشدة لما في الحرب من الشدة، أو الشوكة من قولهم: رجل شاكٍ في السلاح. {يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} يظهر الحق بإعزاز الدين بما تقدّم من وعده، أو يحق الحق في أمره بالجهاد، نزلت هذه الآية قبل قوله: {أية : كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ}تفسير : [الأنفال: 5] قاله الحسن ـ رضي الله تعالى عنه ـ "فقيل للرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء فقال: العباس ـ وهو أسير ـ ليس لك ذلك، قال: لمَ؟ قال: لأن الله ـ تعالى ـ وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك".
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ...} الآية: في هذه الآية قَصَصٌ حَسَنٌ، محل استيعابه «كتاب سيرة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم» لابن هِشَامٍ، واختصاره: حديث : أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما بلغه، وقيل: أوحي إليه أن أبا سُفْيَانَ بن حَرْبٍ، قد أَقبل من «الشام» بالعِيرِ التي فيها تجارة قُرَيْشٍ وأموالها قال لأصحابه: إن عِيرَ قريش قد عَنّتْ لكم، فٱخرجوا إليها، لعل اللَّه أن يَنْفُلَكُمُوها. قال: فانبعث معه من خَفَّ، وثَقُلَ قوم، وكرهوا الخروح، وأسرع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يَلْوِي على من تَعَذَّرَ، ولا ينظر من غاب ظهره، فسار في ثلاث مائة وثلاثة عشر، أو نحو ذلك من أصحابه بين مُهَاجِرِيٍّ وأَنْصَارِيٍّ، وقد ظَنَّ الناس بأجمعهم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يلقى حَرْباً، فلم يكثر اسْتِعْدَادُهُمْ، وكان أبو سُفْيَانَ في خلال ذلك يَسْتَقْصِي، ويحذر، فلما بلغه خُرُوجُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعث ضَمْضَمَ بْنَ عَمْروٍ الغفاري إلى «مكة» يَسْتَنْفِرُ أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل «مكة» في ألف رَجُل، أو نحو ذلك، فلما بلغ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خروجهم أَوْحَىٰ اللَّه إِليه وَحْياً غير مَتْلُو يَعِدُهُ إِحدى الطَّائِفَتَيْنِ، فَعَرَّفَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فَسرُّوا، وَوَدُّوا أن تكون لهم العِيرُ التي لا قِتَالَ معها، فلما علم أبو سفيان بِقُرْبِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منه أخذ طَرِيقَ الساحل، وأبعد وفات، ولم يبق إلا لقاء أهل «مكة»، وأشار بعض الكُفَّارِ على بَعْضِ بالانصراف، وقالوا: هذه عِيرُنَا قد نَجَتْ، فلننصرف فحرش أبو جهل وَلَجَّ، حتى كانَ أَمْرُ الواقعة. وقال بعضٍ المؤمنين: نحن لم نخرج لِقِتَالٍ، ولم نَسْتَعِدَّ له، فجمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ، وهو بِوَادٍ يسمى «دَقران» وقال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فقام أبو بَكْرٍ، فتكلم، وأحسن، وحَرَّضَ الناس على لقاء العدو، فأعاد رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الاسْتِشَارَةَ، فَقَامَ عمر بِمِثْلِ ذلك، فأعاد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الاسْتِشَارَةَ، فتكلم المِقْدَادُ بْنُ الأسود الكندي، فقال: لا نقول لك يَا رَسُولَ اللَّه كما قالت بَنُو إِسرائيل: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ، ولكن نَقُولُ: إِنا معكما مقاتلون، واللَّه لو أردت بنا برك الغماد يعني مدينة «الحبشة» لَقَاتَلْنَا معك من دُونِهَا، فسر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بكلامه، ودعا له بخير، ثم قال: أشيروا علي أيها النَّاسُ، فكلمه سعد بنُ مُعَاذٍ، وقيل: سعد بن عبادة، ويحتمل هما معاً؛ فقال: يا رسول اللَّه، كأنك إيانا تُريدُ مَعْشَرَ الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، فقال: إنا قد آمَنَّا بك، واتبعناك، وبَايَعْنَاكَ، فامضِ لأَمْرِ اللَّه، فواللَّه لو خُضْتَ بنا هذا البَحْرَ لَخُضْنَاهُ معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « امضوا على بَرَكَةِ اللَّه، فكأني أنظر إلى مَصَارِعِ القوم » فالتقوا وكانت وقعة بدر.تفسير : * ت *: وفي «صحيح البخاري» من حَدِيثِ عائشة، في خروج أبي بكر من «مكة» فلقيه ابن الدّغنة عند برك الغمَادِ الحديث، وليست بمدينة «الحبشة» من غير شَكٍّ. فاللَّه أعلم، ولعلهما مَوْضِعَان. انتهى. و{ٱلشَّوْكَةِ } عبارة عن السِّلاَحِ والحِدَّةِ. وقوله سبحانه: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـافِرِينَ} المعنى: ويريد اللَّه أن يُظْهِرَ الإِسلام، ويعلي دعوة الشَّرْعِ بكلماته التي سَبَقَتْ في الأَزَلِ، والدابر الذي يدبر القَوْمَ، أي يأتي آخرهم، وإِذا قطع فقد أتى على آخرهم بشَرْطِ أَن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهَلاَكُ عليه. وقوله سبحانه: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أي: ليظهر الحق الذي هو دِينُ الإسلام، و{وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلُ}، أي الكفر، و{تَسْتَغِيثُونَ} معناه: تَطْلُبُونَ الغَوْثَ، و{مُمِدُّكُم} أي: مكثركم، ومقويكم من: أَمْدَدْتُ، و{مُرْدِفِينَ } معناه: متبعين. وقرأ سائر السبعة غير نافع: «مردفين» - بكسر الدال -، ونافع بفتحها، وروي عن ابن عَبَّاسٍ: خَلْفَ كل مَلَكٍ مَلَكٌ، وهذا معنى التتابع، يقال: رَدِفَ وأَرْدَفَ؛ إِذا اتبع، وجاء بعد الشَّيْءِ، ويحتمل أن يُرَادُ مُرْدِفِينَ للمؤمنين، ويحتمل أن يُرَادَ مردفين بعضهم بَعْضَاً، وأنشد الطبري شَاهِداً على أن أرْدَفَ بمعنى جاء تَابِعاً قَوْلَ الشاعر: [الوافر] شعر : إِذَا الجَوْزَاءُ أَرْدَفَتِ الثُّرَيَّا ظَنَنْتُ بِآلِ فَاطِمَةَ الظُّنُونَا تفسير : والثرَيَّا تطلع قبل الجَوْزَاءِ. وروي في «الصحيح»: الأشهر أن المَلاَئِكَةَ قاتلت يَوْمَ بَدْرٍ. واختلف في غيره؛ قال ابن إسحاق: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّه بن أبي بكر؛ أنه حُدِّثَ عن ابن عباس، أنه قال: حدثني رَجُلٌ من بني غِفَارٍ، قال: أقبلت أنا وابن عَمٍّ لي حتى صَعَدْنَا في جَبَل يُشْرِفُ بنا على بَدْرٍ، ونحن مشركان ننتظر الوَقْعَةَ على من تكون، فَنَنْتَهِبُ مع من يَنْتَهِبُ. قال: فبينما نحن في الجَبَلِ، إذ دنت منا سَحَابَةٌ، فسمعنا فيها حَمْحَمَةَ الخَيْلِ، فسمعت قائلاً يقول: أقدمَ حَيْزُوْم، فأما ابن عمي، فانكشف قِنَاعُ قَلْبِهِ، فمات مكانه، وأما أنا فَكِدْتُ أَهْلَكُ، ثم تَمَاسَكْتُ. قال ابن إسحاق: وحدثني عَبْدُ اللَّه بن أبي بَكْرٍ عن بعض بني سَاعِدَةَ عن أبي سعيد مالك بن رَبِيعَةَ، وكان شهد بَدْراً، قال بعد أن ذهب بَصَرُهُ: لو كنت اليوم ببدر، ومعى بَصَرِي لأريتكم الشِّعْبَ الذي خَرَجَتْ منه المَلاَئِكَةُ لا أَشَكُّ ولا أَتَمَارَى. ٱنْتَهى من «سيرة ابن هِشَامٍ». وقوله سبحانه: {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ} الضمير في «جعله» عائد على الوَعْدِ، وهذا عندي أَمْكَنُ الأقوال من جهة المَعْنَى. وقيل: عائد على المَدَدِ، والإِمداد. وقيل: عائد على الإرداف. وقيل: عائد على الأَلْف، وقوله: {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } توقيف على أن الأَمْرَ كُلَّهُ للَّه وأن تَكَسُّبَ المَرْءِ لا يغني، إذا لم يساعده القَدَرُ، وإن كان مَطْلُوباً بالجِدِّ، كما ظاهر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين درعين.
ابن عادل
تفسير : قوله "وإذْ يعدُكُمُ" "إذْ" منصوب بفعل مقدر، أي: اذكر إذْ، والجمهور على رفع الدال؛ لأنَّه مضارع مرفوع. وقرأ مسلمة بنُ محاربٍ: بسكونها على التَّخفيفِ لتوالي الحركاتِ. وقرأ ابنُ محيصن "يعدكم اللَّهُ احدى" يوصل همزة أحْدَى تخفيفاً على غير قياس، وهي نظير قراءة من قرأ: {إِنَّهَا لَحْدَى} [المدثر: 35] بإسقاط الهمزة أجرى همزة القطع مُجْرَى همزة الوصل، وقرأ أيضاً أحَد بالتَّذكير؛ لأنَّ الطائفة مؤنث مجازي. فصل إحدى الطائفتين أي: الفرقتين: أحدهما: أبو سفيان مع العير، الأخرى أبو جهل مع النَّفيرِ، و "أنَّها لَكُمْ" منصوبُ المحلِّ على البدلِ مِنْ إحْدَى أي: يَعِدُكم أنَّ إحدى الطائفتين كائنة لكم، أي: تتسلَّطُون عليها تسلُّط المُلاَّكِ، فهي بدل اشتمال وتوَدُّونَ تريدون: {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} يعني: العير التي ليس فيها قتال والشَّوكةُ: السلاح كسِنان الرُّمح، والنصل والسَّيف، وأصلها من النَّبتِ الحديدِ الطرف، كـ: "شَوْكِ السَّعدانِ"، يقال منه: رَجُلٌ شائِكٌ، فالهمزة مِنْ "واوٍ"، كـ: قائم، ويجوزُ قلبه بتأخير عينه بعد لامه، فيقال: شاكٍ، فيصير كـ: غازٍ، ووزنهُ حينئذ فالٍ. قال زهيرٌ: [الطويل] شعر : 2672 - لَدَى أسَدٍ شَاكِي السِّلاحِ مُقذَّفٍ لهُ لبدٌ أظفارهُ لمْ تُقلَّمِ تفسير : ويُوصفُ السلاحُ: بالشَّاكي، كما يوصف به الرَّجُل، فيقال: رجلٌ شاكٌ، وشاكٍ، وسلاحٌ شاكٌ، وشاكٍ. فأمَّا "شاكٌ" غير معتل الآخر، وألفه منقلبةٌ عن عين الكلمة، ووزنهُ في الأصل على فَعِل بكسر العين، ولكن قلبت ألفاً، كما قالوا: كبشٌ صافٌ أي صوف، وكذلك "شاكٌ" أي: شَوِكٌ. ويحتمل أن يكون محذوف العين، وأصله "شَائِكٌ"، فحذفت العين، فبقي "شاكاً" فألفه زائدةٌ، ووزنه على هذا "فالٍ". وأمَّا: "شاكٍ" فمنقوصٌ، وطريقته بالقلب كما تقدم ومن وصف السلاح بالشاك قوله: [الوافر] شعر : 2673 - وألْبِسُ من رضاهُ في طريقِي سلاحاً يَذْعَرُ الأبطالَ شَاكَا تفسير : فهذا يحتمل أن يكون محذوف العين، وأن يكون أصله "شوكاً"، كـ: صَوِف. ويقال أيضاً: هو شاكٌّ في السلاح، بتشديد الكافِ، من "الشِّكَّة"، وهي السلاح أجمع، نقله الهرويُّ، والرَّاغبُ. قال: إنَّكُم تريدون الطائفة التي لا حدة لها، يعني: العير، ولكن الله يريدُ التَّوجُّهَ إلى الطائفة الأخرى ليحق الحقَّ بكلماته. وقرأ مسلمة بن محارب: "بكلمته" على التَّوحيدِ، والمراد به: اسم الجنس فيؤدِّي مؤدَّى الجمع، والمرادُ بقوله: "بِكلماتِهِ" أي: بأمره إيَّاكم بالقتالِ، وقيل: بهدايته التي سبقت من إظهار الدّين وإعزازه: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} والدَّابرُ الآخر من دبر، ومنه دابرة الطَّائر وقطع الدَّابر عبارة عن الاستئصال أي: ليستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد.
السيوطي
تفسير : أخرج البيهقي في الدلائل عن ابن شهاب وموسى بن عقبة قالا "حديث : مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قتل ابن الحضرمي شهرين، ثم أقبل أبو سفيان بن حرب في عير لقريش من الشام ومعها سبعون راكباً من بطون قريش كلها وفيهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وكانوا تجاراً بالشام ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عيرهم ألف بعير ولم يكن لأحد من قريش أوقية فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان إلا حويطب بن عبد العزى، فلذلك كان تخلف عن بدر فلم يشهده، فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقد كانت الحرب بينهم قبل ذاك، وقتل ابن الحضرمي وأسر الرجلين عثمان والحكم، فلما ذكر عير أبي سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عدي بن أبي الزغباء الأنصاري من بني غنم وأصله من جهينة وبسبس - يعني ابن عمرو - إلى العير عينا له، فسارا حتى أتيا حياً من جهينة قريباً من ساحل البحر، فسألوهم عن العير وعن تجار قريش، فأخبروهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فاستنفر المسلمين للعير وذلك في رمضان. وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوّف من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال: أحسوا من محمد فأخبروه خبر الراكبين عدي بن أبي الزغباء وبسبس، وأشاروا له إلى مناخهما فقال أبو سفيان: خذوا من بعر بعيرهما ففته فوجد فيه النوى، فقال: هذه علائف أهل يثرب وهذه عيون محمد وأصحابه، فساروا سراعاً خائفين للطلب، وبعث أبو سفيان رجلاً من بني غفار يقال له ضمضم بن عمرو إلى قريش أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه فإنه قد استنفر أصحابه ليعرضوا لنا، وكانت عاتكة بنت عبد المطلب ساكنة بمكة وهي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا قبل بدر وقبل قدوم ضمضم عليهم ففزعت منها، فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها، فجاءها العباس فقالت: رأيت الليلة رؤيا قد أشفقت منها وخشيت على قومك منها الهلكة. قال: وماذا رأيت؟ قالت: لن أحدثك حتى تعاهدني أنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب، فلما عاهدها العباس فقالت: رأيت راكباً أقبل من أعلى مكة على راحلته يصيح بأعلى صوته: يا آل غدر اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، فأقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته، فصاح ثلاث صيحات ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزع له الناس أشد الفزع قال: ثم أراه مثل على ظهر الكعبة على راحلته، فصاح ثلاث صيحات فقال: يا آل غدر ويا آل فجر اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، ثم أراه مثل على ظهر أبي قبيس كذلك يقول: يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين من أهل مكة، ثم عمد إلى صخرة فنزعها من أصلها، ثم أرسلها على أهل مكة فأقبلت الصخرة لها حس شديد حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضت، فلا أعلم بمكة داراً ولا بيتاً إلا وقد دخلتها فلقة من تلك الصخرة، فقد خشيت على قومك. ففزع العباس من رؤياها، ثم خرج من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر تلك الليلة - وكان الوليد خليلاً للعباس - فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، وذكرها عتبة لأخيه شيبة، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاض في أهل مكة، فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت، فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة، وشيبة بن ربيعة، وأمية، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبا البختري، في نفر من قريش يتحدثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلم إلينا، فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم فقال له أبو جهل: ما رؤيا رأتها عاتكة؟ ! فقال: ما رأت من شيء. فقال أبو جهل: أما رضيتم يا بني هاشم كذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، انا وإياكم كفرسي رهان فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي فما بقي إلا أن تقولوا منا نبية، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجل منكم، وأذاه أشد الأذى وقال أبو جهل: زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث، فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت قريش كذبكم وكتبت سجلاً إنكم أكذب أهل بيت في العرب رجلاً وامرأة، أما رضيتم يا بني قصي إن ذهبتم بالحجابة والندوة والسقاية واللواء والوفادة حتى جئتمونا بنبي منكم؟ فقال العباس: هل أنت مُنْتَه ٍفإن الكذب منك ومن أهل بيتك؟ فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل جهولاً خرقاً. ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديداً. فلما كان مساء الليلة التي رأت عاتكة فيها الرؤيا، جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان، وهو ضمضم بن عمرو الغفاري فصاح وقال: يا آل غالب بن فهر انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان فاحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة، وقال العباس: هذا زعمتم كذا وكذب عاتكة فنفروا على كل صعب وذلول، وقال أبو جهل: أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا. فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل، وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارهاً للخروج يظنون أنه في قهر محمد وأصحابه، ولا مسلماً يعلمون اسلامه، ولا أحداً من بني هاشم إلا من لا يتهمون إلا أشخصوه معهم، فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب في آخرين، فهنالك يقول طالب بن أبي طالب: شعر : اما يخرجن طالب بمقنب من هذه المقانب في نفر مقاتل يحارب ولكن المسلوب غير السالب والراجع المغلوب غير الغالب حديث : فساروا حتى نزلوا الجحفة، نزلوها عشاء يتزوّدون من الماء، ومنهم رجل من بني عبد المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة، فوضع جهيم رأسه فاغفى ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف عليَّ آنفاً؟ فقالوا: لا، إنك مجنون. فقال: قد وقف عليَّ فارس آنفاً! فقال: قتل أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وزمعة، وأبو البختري، وأمية بن خلف، فعد أشرافاً من كفار قريش. فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان، ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال: قد جئتم بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم سيرون غداً من يقتل. ثم ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عير قريش جاءت من الشام وفيها أبو سفيان بن حرب، ومخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وجماعة من قريش، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلك حين خرج إلى بدر على نقب بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع، فنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نفر ومعه ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً، وفي رواية ابن فليح: ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً وأبطأ عنه كثير من أصحابه وتربصوا، وكانت أول وقعة أعز الله فيها الإِسلام، فخرج في رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدمة المدينة ومعه المسلمون لا يريدون إلا العير، فسلك على نقب بني دينار والمسلمون غير معدين من الظهر، إنما خرجوا على النواضح يعتقب الرجل منهم على البعير الواحد، وكان زميل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة فهم معه ليس معهم إلا بعير واحد، فساروا حتى إذا كانوا بعرق الظبية لقيهم راكب من قبل تهامة - والمسلمون يسيرون - فوافقه نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألوه عن أبي سفيان؟ فقال: لا علم لي به. فلما يئسوا من خبره فقالوا له: سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وفيكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم. قال: أيكم هو؟ فأشاروا له إليه فقال الأعرابي: أنت رسول الله كما تقول؟ قال: نعم. قال: إن كنت رسول الله كما تزعم فحدثني بما في بطن ناقتي هذه؟ فغضب رجل من الأنصار من بني عبد الأشهل يقال له سلمة بن سلامة بن وقش فقال للأعرابي: وقعت على ناقتك فحملت منك. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال سلمة حين سمعه أفحش، فأعرض عنه ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقاه خبر ولا يعلم بنفرة قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله أنا أعلم الناس بمسافة الأرض، أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا وكذا، فكانا وإياهم فرسخان إلى بدر. ثم قال: أشيروا عليَّ؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لَتُقاتِلَنْكَ، فتأهب لذلك أهبته وأعدد له عدته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ؟ فقال المقداد بن عمرو: انا لا نقول لك كما قال أصحاب موسى {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشيروا عليَّ؟ فلما رأى سعد بن معاذ كثرة استشارة النبي أصحابه، فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعد أنه يستنطق الأنصار شفقاً أن لا يستحوذوا معه على ما يريد من أمره، فقال سعد بن معاذ، لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك ولا يرونها حقاً عليهم إلا بأن يروا عدواً في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم: يا رسول الله فأظعن حيث شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، ثم أعْطِنا ما شئت، وما أخذته منا أحب إلينا مما تركت، وما ائتمرت من أمر فأمرنا بأمرك فيه تبع، فوالله لو سرت حتى تبلغ البركة من ذي يمن لسرنا معك. فلما قال ذلك سعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا على اسم الله، فإني قد رأيت مصارع القوم فعمد لبدر. وخفض أبو سفيان فلصق بساحل البحر، وكتب إلى قريش حين خالف مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى أن قد أحرز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا فإنما أخرجتم لتحرزوا ركبكم فقد أحرز لكم فلقيهم هذا الخبر بالجحفة. فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ونطعم من حضرنا من العرب، فإنه لن يرانا أحد فيقاتلنا. فكره ذلك الأخنس بن شريق فأحب أن يرجعوا وأشار عليهم بالرجعة، فأبوا وعصوا وأخذتهم حمية الجاهلية، فلما يئس الأخنس من رجوع قريش أكبَّ على بني زهرة فاطاعوه فرجعوا فلم يشهد أحد منهم بدراً، واغتبطوا برأي الأخنس وتبركوا به فلم يزل فيهم مطاعاً حتى مات، وأرادت بنو هاشم الرجوع فيمن رجع، فاشتد عليهم أبو جهل وقال: والله لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل أدنى شيء من بدر، ثم بعث علي بن أبي طالب، والزبير بن العوّام، وبسبساً الأنصاري، في عصابة من أصحابه فقال لهم: اندفعوا إلى هذه الظراب وهي في ناحية بدر، فإني أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب الذي يعلى الظراب، فانطلقوا متوشحي السيوف، فوجدوا وارد قريش عند القليب الذي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا غلامين أحدهما لبني الحجاج بن الأسود، والآخر لأبي العاصي يقال له أسلم، وأفلت أصحابهما قبل قريش فاقبلوا بهما حتى أتوا بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في معرشة دون الماء، فجعلوا يسألون العبدين عن أبي سفيان وأصحابه لا يرون إلا أنهما لهم، فطفقا يحدثانهم عن قريش ومن خرج منهم وعن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شيء للذي يخبرانه، وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابه ويكرهون قريشاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي يسمع ويرى الذي يصنعون بالعبدين، فجعل العبدان إذا أذلقوهما بالضرب يقولان نعم هذا أبو سفيان {والركب} كما قال الله تعالى {أسفل منكم} قال الله {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً} [الأنفال: 42] قال فطفقوا إذا قال العبد ان هذه قريش قد جاءتكم كذبوهما، وإذا قالا هذا أبو سفيان تركوهما. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعهم بهما سلم من صلاته وقال: ماذا أخبراكم؟ قالوا: أخبرانا أن قريشاً قد جاءت. قال: فإنهما قد صدقا، والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا، خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم العبدين فسألهما؟ فأخبراه بقريش وقالا: لا علم لنا بأبي سفيان. فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم؟ قالا: لا ندري، والله هم كثير. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أطعمهم أمس؟ فسميا رجلاً من القوم. قال: كم نحر لهم؟ قالا: عشر جزائر. قال: فمن أطعمهم أول أمس؟ فسميا رجلاً آخر من القوم. قال: كم نحر لهم؟ قالا: تسعاً. فزعموا أن رسول الله قال: القوم ما بين التسعمائة والألف يعتبر ذلك بتسع جزائر ينحرونها يوماً وعشر ينحرونها يوماً. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشيروا عليَّ في المسير؟ فقام الحباب بن المنذر أحد بني سلمة فقال: يا رسول الله أنا عالم بها وبقلبها، إن رأيت أن تسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة، فتنزل إليها ونسبق القوم إليها ونغور ما سواها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سيروا فإن الله قد وعدكم إحدى الطائفتين انها لكم، فوقع في قلوب ناس كثير الخوف وكان فيهم من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون مسابقين إلى الماء، وسار المشركون سراعاً يريدون الماء، فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين بلاء شديداً منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين ديمة خفيفة لبدَّلهم المسير والمنزل، وكانت بطحاء فسبق المسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل، فاقتحم القوم في القليب فماحوها حتى كثر ماؤها، وصنعوا حوضاً عظيماً ثم غوروا ما سواه من المياه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذه مصارعهم إن شاء الله بالغداة. وأنزل الله {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} [الأنفال: 11]. ثم صف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحياض، فلما طلع المشركون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني - ورسول الله صلى الله عليه وسلم ممسك بعضد أبي بكر يقول: اللهم إني أسألك ما وعدتني - فقال أبو بكر: أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك. فاستنصر المسلمون الله واستعانوه، فاستجاب الله لنبيه وللمسلمين، وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي، يحدثهم أن بني كنانة وراءهم قد أقبلوا لنصرهم، وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم لما أخبرهم من مسير بني كنانة، وأنزل الله {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس} [الأنفال: 47] هذه الآية والتي بعدها. وقال رجال من المشركين لما رأوا قلة مَن مع محمد صلى الله عليه وسلم: غر هؤلاء دينهم. فأنزل الله {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} [الطلاق: 3]. وأقبل المشركون حتى نزلوا وتعبوا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم، فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت؟ قال عتبة، فأفعل ماذا؟ قال: تجير بين الناس وتحمل دم ابن الحضرمي وبما أصاب محمد من تلك العير، فانهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل. قال عتبة: نعم، قد فعلت ونعماً قلت ونعماً دعوت إليه، فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها. فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم فيه، وركب عتبة جملاً له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني فانكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي وما أصابوا من عيركم تلك، وأنا أتحمل بوفاء ذلك ودعوا هذا الرجل فإن كان كاذباً ولي قتله غيركم من العرب، فإن فيهم رجالاً لكم فيهم قرابة قريبة، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أبيه وأخيه أو ابن أخيه أو ابن عمه فيورث ذلك فيهم احنا وضغائن، وإن كان هذا الرجل ملكاً كنتم في ملك أخيكم، وإن كان نبياً لم تقتلون النبي فتيسئوا به ولن تخلصوا إليهم حتى يصيبوا أعدادهم ولا آمن أن يكون لكم الدبرة عليهم، فحسده أبو جهل على مقالته وأبى الله إلا أن ينفذ أمره، وعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي - وهو أخو المقتول - فقال: هذا عتبة يخذل بين الناس وقد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها، أفلا تستحيون من ذلك أن تقبلوا الدية؟ فزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو ينظر إلى عتبة: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر وأن يطيعوه يرشدوا. فلما حرض أبو جهل قريشاً على القتال أمر النساء يعوّلن عمر. فقمن يصحن: واعمراه واعمراه...! تحريضاً على القتال، فاجتمعت قريش على القتال فقال عتبة لأبي جهل: سيعلم اليوم أي الأمرين أرشد. وأخذت قريش مصاف هذا القتال وقالوا لعمير بن وهب: اركب فاحذر محمداً وأصحابه. فقعد عمير على فرسه، فأطاف برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال: حذرتهم بثلثمائة مقاتل زادوا شيئاً أو نقصوا شيئاً، وحذرت سبعين بعيراً ونحو ذلك ولكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو كمين، فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه فأطافوا حولهم، ثم رجعوا فقالوا: لا مدد لهم ولا كمين وإنما هم أكلة جزور، وقالوا لعمير حرش بين القوم، فحمل عمير على الصف بمائة فارس. واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: لا تقاتلوا حتى أؤذنكم وغشيه نوم فغلبه، فلما نظر بعض القوم إلى بعض جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله قد دنا القوم ونالوا منا...! فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراه الله إياهم في منامه قليلاً وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى طمع بعض القوم في بعض، ولو أراه عدداً كثيراً لفشلوا وتنازعوا في الأمر كما قال الله، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس فوعظهم وأخبرهم أن الله قد أوجب الجنة لمن استشهد اليوم. فقام عمير بن الحمام من عجين كان يعجنه لأصحابه حين سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي الجنة إن قتلت؟ قال: نعم. فشد على أعداء الله مكانه فاستشهد، وكان أول قتيل قتل، ثم أقبل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلف بآلهته ليشربن من الحوض الذي صنع محمد وليهدمنَّهُ، فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في جوف الحوض واتبعه حمزة حتى قتله، ثم نزل عتبة بن ربيعة عن جمله ونادى: هل من مبارز، ولحقه أخوه شيبة والوليد ابنه فناديا يسألان المبارزة، فقام إليهم ثلاثة من الأنصار، فاستحيا النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فناداهم أن ارجعوا إلى مصافكم وليقم إليهم بنو عمهم. فقام حمزة، وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي الوليد، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها، فاستنقذه حمزة وعلي فحمل حتى توفي بالصفراء وعند ذلك نذرت هند بنت عتبة لتأكلن من كبد حمزة إن قدرت عليها فكان قتل هؤلاء النفر قبل التقاء الجمعين. وعج المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأوا القتال قد نشب، ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى الله يسأله ما وعده ويسأله النصر، ويقول: اللهم إن ظهر على هذه العصابة ظهر الشرك ولم يقم لك دين، وأبو بكر يقول: يا رسول الله والذي نفسي بيده لينصرنك الله وليبيضن وجهك، فأنزل الله من الملائكة جنداً في أكناف العدوّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنزل الله نصره: ونزلت الملائكة عليهم السلام ابشر يا أبا بكر، فإني قد رأيت جبريل معتجراً يقود فرسا بين السماء والأرض، فلما هبط إلى الأرض جلس عليها فتغيب عني ساعة، ثم رأيت على شفته غباراً. وقال أبو جهل: اللهم انصر خير الدينين، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة عليهم السلام وتبرأ من نصرة أصحابه، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين، فجعل الله تلك الحصباء عظيماً شأنها لم يترك من المشركين رجلاً إلا ملأت عينيه، والملائكة عليهم السلام يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم مكبًّا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه. ورجعت قريش إلى مكة منهزمين مغلوبين، وأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين، فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان يوم فرق الله بين الشرك والإِيمان، وقالت اليهود تيقناً: إنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفع راية بعد اليوم إلا ظهرت. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فدخل من ثنية الوداع، ونزل القرآن يعرفهم الله نعمته فيما كرهوا من خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، فقال {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} هذه الآية وثلاث آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول للمؤمنين {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} [الأنفال: 9] الآية. وأخرى معها وأنزل فيما غشيهم من النعاس {إذ يغشيكم النعاس} [الأنفال: 11] الآية. ثم أخبرهم بما أوحى إلى الملائكة من نصرهم فقال {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم} [الأنفال: 12] الآية والتي بعدها. وأنزل في قتل المشركين والقبضة التي رمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} [الأنفال: 17] الآية والتي بعدها. وأنزل في استفتاحهم {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح} [الأنفال: 19] ثم أنزل يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله في سبع آيات منها، وأنزل في منازلهم {إذ أنتم بالعدوة الدنيا} [الأنفال: 42] الآية والتي بعدها. وأنزل فيما تكلم به من رأى قلة المسلمين {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال : 49] الآية وأنزل في قتلى المشركين ومن أتبعهم {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا} [الأنفال : 50] الآية وثمان آيات معها. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام ندب المسلمين إليهم وقال "هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها. فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك إنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً عن أمر الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد استنفر لك أصحابه فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً، فليستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه، فخرج سريعاً إلى مكة وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ وادياً يقال له وجران، فأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عن عيرهم، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس؟ فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال فأحسن، ثم قام عمر رضي الله عنه فقال فأحسن، ثم المقداد بن عمرو رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أمض لم أمرك الله به فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه السلام {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون، فوالله الذي بعثك لئن سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له، وقال له سعد بن معاذ رضي الله عنه: لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضنا معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقي منا عدّونا غداً، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، لعل الله تعالى يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد رضي الله عنه ونشطه ذلك، سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} قال "حديث : أقبلت عير أهل مكة من الشام فبلغ أهل المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد العير، فبلغ أهل مكة ذلك فخرجوا فأسرعوا السير إليها لكي لا يغلب عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الله عز وجل وعدهم إحدى الطائفتين، وكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم وأيسر شوكة وأخصر نفراً، فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم، فكره القوم مسيرهم لشوكة القوم، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بينهم وبين الماء رملة دعصة، فأصاب المسلمين ضعف شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس بينهم، يوسوسهم تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلون مجنبين، وأمطر الله عليهم مطراً شديداً فشرب المسلمون وتطهروا، فأذهب الله عنهم رجز الشيطان واشف الرمل من إصابة المطر، ومشى الناس عليه والدواب فساروا إلى القوم، وأمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة عليهم السلام، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة، وجاء إبليس في جند معه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين {لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم} [الأنفال: 48] فلما اصطف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره. ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: يا رب إن تهلك هذه العصابة في الأرض فلن تعبد في الأرض أبداً. فقال له جبريل: خذ قبضة من التراب فأرم به وجوههم، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه من تلك القبضة فولوا مدبرين، وأقبل جبريل عليه السلام فلما رآه إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين، انتزع إبليس يده ثم ولى مدبراً وشيعته فقال الرجل: يا سراقة أتزعم أنك لنا جار؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله والله شديد العقاب، فذلك حين رأى الملائكة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} قال: الطائفتان احداهما أبو سفيان أقبل بالعير من الشام، والطائفة الأخرى أبو جهل بن هشام معه نفر من قريش، فكره المسلمون الشوكة والقتال وأحبوا أن يلتقوا العير، وأراد الله ما أراد. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} قال: هي عير أبي سفيان، ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إن العير كانت لهم وإن القتال صرف عنهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه {ويقطع دابر الكافرين} أي يستأصلهم. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك العير ليس دونها شيء، فناداه العباس رضي الله عنه وهو في وثاقه أسير: أنه لا يصلح لك. قال: ولم؟ قال: لأن الله إنما وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك. قال: صدقت.
السلمي
تفسير : قوله عز اسمه: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الآية: 7]. قال بعضهم: من ظن أنه يصل إلى الحق بالجهد فمتعنٍ، ومن ظن أنه يصل إليه بغير جهد فمتمنٍ. قال بعضهم: لا يصل أحد إلى حياة القلب ما لم يمت نفسه بنزاع الشهوات عنها ومخالفتها فى جميع الأحوال وهو معنى قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.
القشيري
تفسير : التعريجُ في أوطان الكسل، ومساكنة مألوفات الراحة من خصائص أحكام النَّفْس، فهي بطبعها تؤثِر في كل حالٍ نصيبَها، وتتعجل لذَّةَ حظِّها. ولا يصل أحدٌ إلى جلائل النِّعم إلا بتجرُّع كاسات الشدائد، والانسلاخ عن معهودات النصيب. {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} أي إذا أراد اللهُ - سبحانه - تخصيصَ عبدٍ بولايته قضى على طوارقِ نفسه بالأُفُول، وحكم لبعض شهواته بالذبول، وإلى طوالع الحقائق بإشراقها، ولجامع الموانع باستحقاقها.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ يعدكم الله} اى اذكروا ايها المؤمنون وقت وعد الله تعالى واياكم {إحدى الطائفتين} اى الفريقين احداهما أبو سفيان مع العير والاخرى ابو جهل مع النفير {أنهالكم} بدل اشتمال من احدى الطائفتين مبين لكيفية الوعد اى يعدكم ان احدى الطائفتين كائنة لكم مختصة بكم مسخرة لكم تتسلطون عليها تسلط الملاك على املاكهم وتتصرفون فيها كيف شئتم {وتودون} عطف على يعدكم داخل تحت الامر بالذكر اى تحبون {ان غير ذات الشوكة تكون لكم} من الطائفتين لا ذات الشوكة وهى النفير ورئيسهم ابو جهل وهم الف مقاتل وغير ذات الشوكة هى العير اذ لم يكن فيها الا اربعون فارسا ورئيسهم ابو سفيان ولذلك يتمنونها. والشوكة الحدة اى السلاح الذى له حد كسنان الرمح والسيف ونصل السهم مستعار من واحدة الشوك والشوك نبت فى طرفه حدة كحدة الابرة {ويريد الله} عطف على تودون منتظم معه فى سلك التذكير اى اذكروا وقت وعده تعالى اياكم احدى الطائفتين وودادتكم لادناهما وقوله تعالى {أن يحق الحق} اى يثبته ويعليه {بكلماته} بامره لكم بالقتال {ويقطع دابر الكافرين} اى آخرهم ويستأصلهم بالمرة. والمعنى انكم تريدون ان تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها والله يريد اعلاء الدين واظهار الحق وما يحصل لكم فور الدارين
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {وإذ}: ظرف لاذكر، محذوفة، و {أنها لكم}: بدل اشتمال من {إحدى الطائفتين}؛ والشوكة: الحدة، مستعارة من واحد الشوك، وسميت الحرب شوكة لحدة سلاحها. يقول الحق جل جلاله: {و} اذكروا {إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين}؛ قريشاً أو عِيرهَم، وعدكم {أنها لكم وتَودون}؛ وتتمنون {أنَّ غير ذات الشوكة} أي: ذات الحرب {تكونُ لكم} وهي العير، فإنها لم يكن فيها إلا أربعون رجلاً، وتكرهون ملاقاة النفير لكثرة عَدَدِهِمِْ وعُددهم، {ويريد الله أن يُحق الحق} أي: يظهر الحق، وهو الإسلام، بقتل الكفار وهلاكهم في تلك الغزوة، {بكلماته} أي: بإظهار كلماته العليا، أو بكلماته التي أوحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالأمداد، أو بنفود كلماته الصادقة بهلاكهم، {ويقطع دابر الكافرين} أي: يستأصلهم ويقطع شوكتهم. ومعنى الآية: أنكم تُريدون أن تُصيبوا مالاً ولا تلقوا مكروهاً، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق، وما يحصل لكم من فوز الدارين، وإنما فعل ما فعل من سوقكم إلى القتال؛ {ليُحق الحق ويُبطل الباطل} أي: ليُظهر الدين ويبطل الكفر. قال البيضاوي: وليس بتكرار؛ لأن الأول لبيان المراد، وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول صلى الله عليه وسلم على اختيار ذات الشوكة وقصره عليها. هـ. وقال ابن جزي: ليس تكرار للأول؛ لأن الأول مفعول يريد، هذا تعليل لفعل الله تعالى، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة، وبالحق الثاني الإسلام، فيكون المعنى: أنه نصرهم ليظهر الإسلام، ويؤيد هذا قوله: {ويُبطل الباطل} أي: يُبطل الكفر، {ولو كره المجرمون} ذلك، فإن الله لا بد أن يظهر دينه على الدين كله، ولو كره الكافرون. الإشارة: وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سر الخصوصية، وهي الولاية، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس؛ لأن الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب، وترى كثيراً من الناس يتمنون أن تكون لهم من غير حرب ولا قتال، ويريد الله أن يحق الحق بكشف الحجب عن القلوب، حتى لا يشاهدوا إلا الحق، ويُبطل الباطل، وهو السَّوي، ولا يكون في العادة إلا بعد موت النفوس وتهذيبها وتطهيرها بالرياضة على شيخ عارف. قال الششتري مترجماً عن لسان الحقيقة: شعر : أن تُرِدْ وَصْلَنَا فَمَوْتكَ شَرْطٌ لا يَنَالُ الوِصَالَ مَنْ فِيهِ فَضْلَه تفسير : ثم ذكر إمدادهم بالملائكة، فقال: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ}.
الطوسي
تفسير : تقدير الاية واذكر يا محمد إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشاً. قال الحسن كان المسلمون يريدون العير، ورسول الله يريد ذات الشوكة لما وعده الله. وقوله {إحدى الطائفتين} يعني عير قريش او قريشاً، وكان الله وعد نبيه حصول احداهما. وقوله {إحدى الطائفتين} في موضع نصب بـ {يعدكم الله} وقوله {أنها لكم} نصب بدل من قوله {إحدى الطائفتين} ومثله {أية : هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة} تفسير : فانها في موضع نصب بدلا من (الساعة). ومثله: {أية : ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم} تفسير : قال الزجاج: تقديره لو لا أن تطؤهم. وقوله {وتودون} معناه وتحبون {أن غير ذات الشوكة} يعني القتال. وانما قال {ذات الشوكة} فأنث لأنه عنى الطائفة، والشوكة الجد، يقال: ما اشد شوكة بني فلان، وفلان شاك في السلاح وشائك وشاك - بتشديد الكاف - من الشكة. ومثله شاك في قوله الشاعر: شعر : فيوهموني انني هو ذا كم شاك سلاحي في الحوادث معلم تفسير : وقال الضحاك، وغيره: كرهوا القتال واعجبهم أن يأخذوا العير. وقوله {ويريد الله أن يحق الحق} معناه إن الله يريد أن يظهر محمداً صلى الله عليه وآله ومن معه على الحق {ويبطل الباطل} اي يبطل ما جاء به المشركون. وقيل: هذه الآية نزلت قبل قوله {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} وهي في القراءة بعدها - ذكره البلخي والحسن - وفي الاية دلالة على ان الله لا يريد الباطل ولا يريد ابطال الحق بخلاف ما يقول المجبرة من ان كل ما في الأرض من باطل وسفه وفسق فان الله يريده لأن ذلك خلاف الاية. وقوله {ويقطع دابر الكافرين} معناه يريد الله ان يجتث الجاحدين من اصلهم والدابر المأخر، وقطعه الاتيان على جميعهم - وهو قول ابن زيد وغيره - وقال قوم: الحق في هذا الموضع القرآن. والباطل ابليس. وقيل الحق الاسلام، والباطل الشرك. وقال ابن عباس: كان عدة اهل بدر مع النبي صلى الله عليه وآله ثلثمائة وثلاث عشر رجلا وروي حديث : أَن النبي صلى الله عليه وآله لما بلغه خروج قريش لحماية العير شاور أَصحابه، فقال قوم: خرجنا غير مستعدين للقتال. وقال المقداد: إِمض لما أَمرك الله به، فوالله لو خضت بنا الجمر لتبعناك، فجزاه خيراً. وأعاد الاستشارة، فقال سعد بن معاذ (رحمه الله) يا رسول الله لعلك تريدنا؟ قال: نعم فقال سعد: إنا آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به حق وأَعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لنخوضنه معك، فسر رسول الله صلى الله عليه وآله بقول سعد ونشطه ذلك. ثم قال سيروا على بركة الله وأَبشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أَنظر إلى مصارع القوم . تفسير : و {الحق} وقوع الشيء في موضعه الذي هو له فاذا اعتقد شيء بضرورة او حجة فهو حق، لأنه وقع موقعه الذي هو له، وعكسه الباطل. وروي ان احداً لم يشاهد الملائكة يوم بدر إلا رسول الله صلى الله عليه وآله. ومعنى قوله {ليحق الحق} ليظهر تحقيق الحق للمخلوقين، ويبطل الباطل، لا أنهما لم يكونا كذلك عنده.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ} عطف على بعد ما تبيّن او بتقدير اذكروا عطف على جملة كما اخرجك (الى آخر الآية) فانّه فى معنى اذكروا وقت خروجكم ومجادلتكم كأنّه قال: اذكروا اذ أخرج الله نبيّه (ص) من بيته وكراهتكم له والحال انّ فيما كرهتموه اعلاء كلمتكم واذكروا اذ يعدكم الله {إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} وتكرهون قريشاً {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} السّلاح {تَكُونُ لَكُمْ} وهو العير فانّه لم يكن فيها كثرة عدد ولا كثرة سلاح بخلاف قريش فانّ عددهم كان قريباً من الالف وكلّهم شاكى السّلاح {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ} يثبّته ويظهره {بِكَلِمَاتِهِ} بخلفائه واتباعهم {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} بالاستيصال بحيث لا يبقى منهم اثر ولا عقب.
الأعقم
تفسير : {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين انها لكم} روى الثعلبي قال: ولما بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قريباً من بدر سمع أبو سفيان بمسير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة يخبرهم أن محمداً قد خرج لعيرهم، فأتى مكة فأخبرهم بذلك فغضبوا وانتدبوا وخرجوا وقالوا: لا يتخلف عنا أحد وخرج الشيطان في صورة سراقة {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} وهي العير لأنه لم يكن معها إلا أربعون فارساً، والشوكة النجدة مأخوذة من واحدة الشوك {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} يعني بأمره لكم بقتال الكفار {ليحق الحق} بظهور الإِسلام {ويبطل الباطل} الكفر، وقيل: الحق القرآن {إذ تستغيثون ربكم} وذلك أنهم لما علموا أنه لا بد لهم من القتال دعوا الله يقولون: اللهم انصرنا على عدونا يا غياث المستغيثين، حديث : وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة فاستقبل القبلة ومدّ يده يدعو وقال: "اللهم انجزني ما وعدتني" تفسير : {فاستجاب لكم أَني ممدكم بألف من الملائكة مردفين}، قيل: نزل جبريل (عليه السلام) في خمسمائة ملك على الميمنة وميكائيل (عليه السلام) على الميسرة في خمسمائة وفيها علي بن أبي طالب (عليه السلام)، روي أنها نزلت الملائكة يوم بدر على صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلوا، ولم يقاتلوا إلاَّ يوم بدر ويوم الأحزاب، وعن أبي داوود المازني: تبعت رجلاً من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي، وقيل: لما يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد، ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد كاف بأهل الدنيا، فإن جبريل أهلك بريشة من جناحه مدائن قوم لوط، وأهلك بلاد ثمود قوم صالح بصيحة واحدة {وما جعله الله} يعني الإمداد بالملائكة {إلاَّ بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله} فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} وهي غاية الأمن لأن الخوف يسهر، قيل: لما أسهرهم الخوف أرسل الله عليهم النوم فأمنوا واستراحوا {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} من الجنابة {ويذهب عنكم رجز الشيطان}، وروي أنه أصابهم الظمأ، فوسوس اليهم الشيطان أنهم يهلكون من العطش، فأرسل الله عليهم المطر فشربوا وتطهروا ولبدت الأرض وزالت وسوسة الشيطان ورجز الشيطان وسوسته ومطاياه، وقيل: هو الاحتلام {وليربط على قلوبكم} أي يشدها ويقويها بالأمن وزوال الخوف {إذ يوحي ربك إلى الملائكة أنِّي معكم بالمعونة والنصر فثبِّتوا الذين آمنوا}، قيل: بقتالهم معهم يوم بدر، وقيل: بحضورهم معهم في الحروب {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} يعني الخوف أخبر به الملائكة ليخبر به المؤمنين {فاضربوا فوق الأعناق}، قيل: هو أمر للملائكة، وقيل: بل هو للمؤمنين، قيل: ومعنى فوق الأعناق اضربوا الأعناق كقوله: {فضرب الرقاب} قال الأصم: سورة محمد نزلت بعد بدر، وقيل: معناه الأعناق فما فوقها، وقيل: فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق {واضربوا منهم كل بنان} يعني اضربوا الرؤوس والأيدي {ذلك بأنهم شاقُّوا الله} يعني هؤلاء الكفار خالفوا الله فيما أمر الله به وخالفوا رسوله فيما شرع لهم {ذلكم فذوقوه} يعني هذا العذاب الذي عجله الله لكم أيها المشركون من القتل والأسر والخذلان جزاء لكم على فعلكم {وأنَّ للكافرين} في القيامة {عذاب النار}.
اطفيش
تفسير : {و} اذكروا {إذ يَعِدُكم} وقرأ مسلمة بن محارب بإسكان دال يعدكم، قال أبو الفتح: لتوالى الحركات {اللهُ إحْدَى} وقرأ ابن محيصن بوصل همزة إحدى فيما ذكر عنه، ولا وجه له، ولعله لم يكن الهمزة فتوهم الراوى أنه وصلها {الطَّائِفَتيْنِ} طائفة أبى سفيان مع العير، وطائفة أبى جهل مع النفير {أنَّها لَكُم} بدل اشتمال من المفعول الثانى وهو أحدى. قال عبد الرحمن الثعالبى فى الأنوار فى آيات النبى المختار، عن ابن عباس: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبى سفيان مقبلا من الشام، ندب المسلمين إليهم وقال: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها" فانتدب الناس، فخف بعضهم وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا، وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز بتجسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان تخوفا، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمداً استنفر أصحابه إليك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى إلى مكة يستنفر قريشا إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها فى أصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة. وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها فقالت لأخيها العباس: يا أخى والله لقد رأيت رؤيا أفزعتنى وخفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة، فاكتم عنى ما أحدثك، فقال لها: وما رأيت؟ قالت: رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم فى ثلاث، فاجتمع الناس إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر أبى قيس، فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فأرسلها، فأقبلت تهوى حتى كانت بأسفل الجبل ارفصت، فما بقى بيت ولا دار بمكة إلا دخلتها فلقة منها، قال العباس: والله إن هذه لرؤيا وأنتِ فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس، فلقى الوليد بن عتبة بن ربيعة، وكان له صديقا فذكرها له واستكتمه إياها، فذكرها الوليد لأبيه فغشى الحديث حتى تحدثت به قريش، قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل فى رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة، فلما رآنى أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست فقال لى: يا بنى عبد المطلب، متى حدثت فيكم هذه النبية؟ قلت: وما ذاك؟ قال: تلك الرؤيا التى رأت عاتكة، فقلت: وما رأت؟ فقال: يا بنى عبد المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة فى رؤياها أنه قال انفروا فى ثلاث فستنربص بكم هذه الثلاث، فإن يكن حقا ما تقول فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شئ نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت فى العرب. قال العباس: فوالله ما كان منى إليه كبير إلا أنى جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا ثم تفرقنا، فلما أمسيت لم تبق امرأة من بنى عبد المطلب إلا أتتنى فقالت: أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع فى رجالكم، ثم قد تناول النساء وأنت تسمع، ثم لم يكن عندك شئ غير لشئ أما سمعت؟ قلت: قد والله فعلت، ما كان منى إليه كبير، وايم الله لأتعرضنَّ له، فإن عاد لأكفيكنه. فغدوت فى اليوم الثالث من رؤى عاتكة وأنا حديد مغضب، أرى أنى قد فاتنى منه أمر أحب أن أدركه، قال: فدخلت المسجد فرأيته، فوالله إنى لأمشى نحوه أتعرض له ليعود لبعض ما قال فأقع به، وكان رجلا خفيفا حديد الوجه، حديد اللسان، حديد النظر، إذ خرج نحو باب المسجد يشتد فقلت فى نفسى ما له لعنه الله أكل هذا فرقا منى أن أشاتمه، فإذا هو قد سمع ما لم أسمع صوت ضمضم بن عمرو الغفارى يصرخ ببطن الوادى واقفا على بعيره، قد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة، أى مال التجارة أموالكم مع أبى سفيان عرض لها محمد فى أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فشغلنى عنه وشغله عنى ما جاء من الأمر، فتجهز الناس سراعا وقالوا: يظن محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمى، والله ليعلمن غير ذلك، فكانوا بين خارج وباعث مكانه رجلا، ولم يتخلف من أشرافهم أحد إلا أبو لهب، بعث مكانه العاصى ابن هشام. ولما فرغوا من جهازهم، ذكروا ما بينهم وبين بنى بكر بن عبد منات فخافوهم أن يأتوهم من خلفهم، فكاد ذلك أن يثنيهم، فتبدا لهم إبليس فى صورة سراقة بن مالك ابن جشعم، وكان من أشراف كنانة فقال: أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشئ تكرهونه، فخرجوا سراعا. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لثمانى ليال خلون من شهر رمضان فى أصحابه، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير بن هاشم ابن عبد مناف بن عبد الدار، وكان أبيض، وكان أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوان، إحداهما مع على والأخرى مع بعض الأنصار، وجعل على الساقة قيس بن أبى صعصعة أخا بنى مازن بن النجار، وكانت راية الأنصار مع سعد بن معاذ، فسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريقه من المدينة إلى مكة، حتى إذا كان قريبا من الصفراء، وهى قرية بين جبلين، أحس به أبو سفيان، فضرب وجه عيره عن الطريق فساحل بها، وترك بدرا بيسار، ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلك ذات اليمين على واد يقال له ذفران ثم نزل وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش. فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه وقال وأحسن، ثم قام عمر رضى الله عنه فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منَّا عين تطرف، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم [ثم قال المقداد]: فو الذى بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا إلى برك الغماد لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، دعا له به. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشيروا على" وإنما يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ، وقيل: سعد بن عبادة بناء على أنه حضر بدرا ولعلهما جميعا تكلما: والله لكأنك إبانا تريد يا رسول الله، قال: "أجل" قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أنما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر فى الحرب، صُدُق فى اللقاء، لعل الله يريك فينا ما تقرَّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك. ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله سبحانه قد وعدنى إحدى الطائفتين والله لكأنى أنظر إلى مصارع القوم" ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذا فران حتى نزل قريبا من بدر، فركب هو صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضى الله عنه حتى وقفا على شيخ من العرب فسألاه عن قريش وعن محمد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبرانى ممن أنتما؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أخبرتنا أخبرناك" فقال: وذاك بذاك؟ قال: "نعم" قال الشيخ: فإنه بلغنى أن محمدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدقنى الذى أخبرنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى فيه جند رسول الله صلى الله عليه سلم، وبلغنى أن قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذى أخبرنى صدقنى فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذى به قريش، فلما فرغ من خبره قال: ممن أنتما؟ فقال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن من ماء" ثم انصرفنا عنه، قال يقول الشيخ: ما ماء من ماء العراق. قال ابن هشام: يقال الشيخ سفيان الضمرى. قال ابن إسحاق: ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، فلما أمسى بعث على بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وسعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية لقريش فيهم أسلم غلام ابن الحجاج، وأبو يسار غلام ابن العاصى، فأتوا بهما فسألوهما، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى، فقالا: نحن سقاة قريش، فكره القوم خبرهما ورجوا أن يكونا لأبى سفيان فضربوهما فأطلقوهما، فقالا: نحن لأبى سفيان فتركوهما، وسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته وقال: "إذا صدقاكم ضربتوهما وإذا كذباكم تركتموهما صدقا والله إنهما لقريش أخبرانى عن قريش" قالا: هم وراء هذا الكثيب الذى ترى بالعدوة القصوى، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كم هم؟" قالا: كثير، قال: "ما عدتهم؟" قالا: ما ندرى، قال: "كم تنحرون كل يوم؟" قالا: يوما تسعا ويوما عشرا، قال صلى الله عليه وسلم: "القوم ما بين تسعمائة والألف" ثم قال لهما: "فمن فيهم من أشراف قريش؟" قال: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البخترى، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، والحارث بن عامر بن نوفل، وطعيمة بن عدى، والنظر بن الحارث، وزمعه بن الأسود، وأبو جهل، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وسهيل بن عمرو، وعمرو بن عبد ود، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: "هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها". وأقبلت قريش، فلما نزلوا الجحفة رأى جهم بن الصلت بن مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف رؤيا، فقال: إنى رأيت فيما يرى النائم، وإنى لبين النائم واليقظان، أن رجلا أقبل على فرس حتى وقف ومعه بعير له، ثم قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم يعنى أبا جهل، وأمية بن خلف، وفلان وفلان، فعدد رجالا ممن قتل يوم بدر من أشراف قريش، ثم رأيته ضرب فى لبة بعيره، ثم أرسله فى العسكر فما بقى خباء فى العسكر لم يصبه نضح من دمه، فبلغت أبا جهل فقال: وهذا أيضا نبى آخر من بنى المطلب سيعلم من المقتول غدا. قال ابن إسحاق: ولما رأى أبو سفيان أنه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، فقد سلمت لكم، فارجعوا، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نرد بدرا، وكان بدر موسما من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كل عام، فنقيم عليه ثلاثا، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، وتعزف علينا القينات، ونشرب الخمر، فتسمع العرب لمخرجنا، وإن محمدا لم يصب العير، وإنا قد أذللناه، فامضوا. وقال الأخنس بن شريق، وكان حليفا لبنى زهرة: يا بنى زهرة قد نجَّى الله أموالكم فارجعوا أو اجعلونى أجبنها لا ما يقول هذا يعنى أبا جهل فأطاعوه ورجعوا، فلم يشهدها زهرى واحد، ولم يكن من قريش بطن إلا وقد نفر منهم ناس إلا بنى عدى لم يخرج منهم رجل. وقال سعد بن معاذ: يا نبى الله ألا نبنى لك عريشا تكون فيه وتُعد عنده ركبائك، ثم نلقى عدونا فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركايبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا رسول الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أن تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك، فأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بُنىَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش، فكان فيه. قال عمر رضى الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله، هذا مصرع فلان" فوالذى بعثه بالحق ما أخطأ الحدود التى حد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلوا فى بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال: "يا فلان يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا فإنى قد وجدت ما وعدنى ربِّى حقا" قال عمر، يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا روح فيها، قال: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علىَّ شيئا". وعن أنس: انطلقوا حتى نزلوا بدرا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان" ويضع يده على الأرض، فما خالف أحدهم مصرعه، وكان لواء المشركين يوم بدر مع جهل، فساروا حتى كانوا بطرف الشعب، بعث عتبة بن ربيعة غلاما له نحو مغرب الشمس طليعة، فسار فى الوادى حتى إذا كان فى وجه الصبح، بعث النبى صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام، وسعد ابن أبى وقاص فقال لهما: "سيرا فكأنكما ستلقيان طليعة للمشركين غلاما لعتبة بن ربيعة فأتيانى به" فسارا حتى إذا كانا بالوادى أصابا العبد فى وجه الصبح فأسراه، وأتيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للغلام: "أخبرنى عن قومى؟" فقال: كيف تسألنى عنهم وقد بعثت إلىَّ عن بينة فأخذتنى فاسأل الذى أخبرك عنى فليخبرك عن قومك، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أما إنه يصدقنى عن قومى إذا أخبرنى" ثم قال له العبد: سل عما شئت، قال: "من أرسلك؟" قال عتبة بن ربيعة، ثم ذكر له عددا من أشراف الكفار. ثم إن قريشا ارتحلت حين أصبحت، فأقبلت فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم تصوب من الكثيب إلى الوادى قال: "اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تتحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى، اللهم أحنهم الغداة" فأجاب الله دعوته، قال: فلما نزل الناس أقبل نفر من قريش حتى وردوا حوض النبى صلى الله عليه وسلم فيهم حكيم بن حزام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "دعوهم فما شرب منه يومئذ أحد إلا قتل" إلا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل، ثم أسلم بعد ذلك فحسن إسلامه، فكان إذا اجتهد فى يمينه قال: والذى نجانى من يوم بدر. فلما اطمأنت قريش بعثوا عمير بن وهب الجمحى فقالوا: احزر لنا أصحاب محمد، فاستجال بفرسه حول العسكر، ثم رجع إليهم فقال: هم ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا، ولكن أمهلوا حتى أنظر هل للقوم كمين أو مدد؟ فضرب فى الوادى حتى بعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئاَ قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، والله ما إن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم، فإذا أصابوا أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فَرَوْا رأيكم، فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى فى الناس، فأتى عتبة بن ربيعة يسأله الرجوع بالناس وترك القتال، فوافقه على ذلك، فغضب أبو جهل وأبى وحرش على القتال، وأفسد على الناس الرأى، فحميت الحرب، وتزاحف الناس، ودنا بعضهم من بعض، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يحملوا حتى يأمرهم، وقال: "إن اكتنفتم القوم فانضحوهم عنكم بالنبل". وكانت وقعة بدر يوم الجمعة، وفى صبيحة سبع عشر من شهر رمضان، وقيل: يوم الاثنين، قال البراء بن عازب: حدثنى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة. قال ابن إسحاق: وخرجت قريش وهم تسعمائة وخمسون مقاتلا، وقيل: ألف ومعهم مائتا فرس يقودونها، وقيل مائة وسبعمائة بعير، وكان عقبة بن أبى معيط بمكة، والنبى صلى الله عليه وسلم مهاجر بالمدينة يقول: شعر : يا راكب الناقة القصوى تهاجرنا عما قليل ترانى راكب الفرسى أعــلل الرمــح فيـكــم ثــــم أنهلــه والسيف يأخذ فيكم كل ملتبسى تفسير : فقال النبى صلى الله عليه وسلم وقد بلغه قوله: "اللهم كبه لمنخريه واصرعه" قال فجمح به فرسه يوم بدر فأخذه عبد الله بن مسلمة العجلانى، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت فضرب عنقه صبرا، وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر بسيفه حتى انقطع فى يده، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جزلا من حطب فعاد سيفا فى يده طويل القامة، شديد المتن، أبيض الحديد، فقاتل به حتى فتح الله تبارك وتعالى على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العود، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استشهد فى قتال أهل الردة رضى الله عنه. قال السهلى: أما سيف عكاشة الذى كان جزلا من حطب، فقد قيل: إنه لم يزل متوارثا عند آل عكاشة، وقد روى مثل قصة عكاشة فى السيف، لا عن عبد الله بن جحش. وروى فى مقتل أبى جهل فرعون هذه الأمة لعنه الله، عن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه أنه قال: بينما أنا واقف يوم بدر، نظرت عن يمينى وشمالى، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثى السن، فتمنيت أن لو كنت بين أضلع منهما، فغمزنى أحدهما فقال: يا عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه يا ابن أخى؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذى نفسى بيده لئن رأيته لا يفارق سوادى سواه حتى يموت الأعجل، فتعجبت لذلك، فغمزنى الآخر فقال مثلها، قال: فلم أنشب أن نظرت إلى أبى جهل يزول فى الناس، وفى رواية يرفل فى الناس، وفى رواية يجول فى الناس، فقلت: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذى تسألان عنه وابتدراه فضرباه بسيفيهما حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال: "أيكما قتله؟" فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، قال: "هل مسحتما سيفيكما؟" قالا: لا، فنظر إلى السيفين فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح، والرجلان معاذ بن الجموح، ومعاذ بن عفراء. وفى رواية عن عبد الرحمن بن عوف: إنى لفى الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يمينى وعن يسارى فتيان حديثا أنس، فكأنى لم آمن مكانهما إذ قال لى أحدهما سرا من صاحبه: يا عم أرنى أبا جهل، فقلت: يا ابن أخى وما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، فقال لى الآخر سرا من صاحبه مثله، فما سرنى أنى بين رجلين بمكانهما، فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء، قال أنس بن مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ينظر لنا ما صنع أبو جهل" فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضرباه ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته فقال: أنت أبو جهل؟ قال: وهل فوق رجل فقتلتموه أو قال قتله قومه، أى لا يقال فى غير ذلك. وعن موسى بن عقبة: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى، فالتمس فيهم أبا جهل فلم يجده، وعرف ذلك فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم لا يعجزنا فرعون هذه الأمة" فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعا بينه وبين المعركة غير كبير، وروى أن أبا جهل قال لابن مسعود لما وجده وبه رمق: لو غيرك قتلنى، وروى أن أبا جهل قال لابن مسعود لما وجده وبه رمق: لو غيرك قتلنى، وروى أنه وجده وقد ضربن رجله فضربه بسيف غير طائل فلم يغن شيئا حتى سقط سيفه من يده، فضربته حتى برد، وروى أن أبا جهل وجده ابن مسعود وبه رمق فقال: هل أعمر من رجل قتلتموه. وروى أنه لما فرغ القتال، قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا يعجزك فرعون هذه الأمة" يعني أبا جهل، وقد التمس فى القتلى ولم يوجد، جعله معاذ بن عفراء من شأنه فقصده فضربه ضربة طيرت قدمه بنصف ساقه، قال فضربنى ابنه عكرمة على عاتقى، فطرح يدى وتعلقت بجلدة، فجعلت أسحبها، ولما آذتنى جعلت عليها قدمى فقطعتها، ومر به أخى فضربه حتى أثبته، ومر به ابن مسعود وبه رمق أعنى أبا جهل فقال: لمن الدبرة اليوم؟ قال ابن مسعود: الله ورسوله. وذكر أبو إسحاق: لما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم البشير يوم بدر بقتل أبى جهل استحلفه بالله الذى لا إله إلا هو لقد رأيته قتيلا، فحلف له، فخر رسول الله صلى الله عليه وسلم سادا، وفى رواية ابن إسحاق: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلتمس أبو جهل فى القتلى، فمر به ابن مسعود بآخر رمق، فوضع رجله على عنقه قال: وكان قد آذانى بمكة، ولكزنى فقلت له: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ وفى رواية: فقال لى: لقد ارتقيت يا رُوَيعى الغنم مرتقى صعبا، ثم احترزت رأسه، وجئت به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله هذا رأس عدو الله أبى جهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله الذى لا إله غيره" وكانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت: نعم، والله الذى لا إله غيره، ثم ألقيت رأسه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله. قال السهلى: الله الذى لا إله غيره بالخفض عند سيبويه وغيره، لأن الاستفهام عوض من الخافض عنده، وإذا كنت مخبرا قلت: الله بالنصب عند المبرد، وأجاز سيبويه الخفض أيضا لأنه قسم، ولا يجوز إضمار حرف الجر إلا فى مثل هذا الموضع، أو ما كثر استعماله جدا كما روى أن رؤبة كان يقول: خير عافاك الله إذا قيل له كيف أصبحت، وذكر السهيلى، عن قاسم بن ثابت: أن قريشا لما توجهت إلى بدر مرَّ هاتف من الجن على مكة فى اليوم الذى وقع بهم المسلمون ينشد بأنفذ صوت، ولا يرى شخص: شعر : أزار الحنفيون بدراً وقيعة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أبادت رجالا من لؤى وأبرزت خرائد يضربن الترائب حسرا فيا ويح من أمسى عدوَّ محمد لقد جاز عن قصد الهدى وتحيرا تفسير : فقال قائلهم: مَنِ الحنفيون؟ فقالوا: محمد وأصحابه، يزعمون أنهم على دين إبراهيم الحنيف، ثم لم يلبثوا أن جاءهم الخبر اليقين بمصاب قريش، وذكر أبو سعيد النيسابورى: أنه لما توجه المشركون إلى بدر، وكان فتيان ممن تخلف عنهم سمارا بذى طوى، ولا ينامون حتى يذهب صدر الليل يتناشدون الأشعار، ويتحدثون فبينما هم كذلك ليلة إذ سمعوا صوتا قريبا منهم، ولا يروا القائل رافعا صوته يتغنى: شعر : أزار الحنفيون بدراً مصيبة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا أرنت لهم صم الجبال وأفزعت قبائل ما بين الوتير وخيبرا أساخت جبال الأخشبين وجــــ ردت حرائر يضربن الترائب حسرا ويا ويح من أمسى عدو محمد لقد ذاق ذلا فى الحياة وخسرا تفسير : فخرجوا فزعين حتى أتو الحجر، فوجدوا مشيخة جلة فأخبروهم الخبر، فقالوا لهم: إن كان ما تقولون حقا فإن محمدا و أصحابه يسمون الحنيفية، فما بقى أحد من الفتيان الذين كانوا بذى طوى إلا وعك، فما مكثوا إلا ليلتين أو ثلاثا حتى قَدِمَ الحيسمان الخزاعى بخبر أهل بدر. قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعى، فقالوا له: ما وراءك؟ قال: قتل عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه ومنبه، وأبو البحترى، فلما جعل يعدد أشراف قريش قال صفوان بن أمية، وهو قاعد عند الحجر: والله إن يعقل هذا فسلوه عنى، قالوا: ما فعل صفوان بن أمية قال: ها هو ذاك جالس فى الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا. قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس وأسلمت أم الفضل، وكان العباس يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر كبته الله وأخزاه، ووجدنا فى أنفسنا قوة وعزا، وكنت أنحت الأقداح فى حجرة زمزم، فوالله إنى لجالس فيها أنحت أقداحى وعندى أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى ظهرى، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أو هبعيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: هلم إلىَّ فعندك لعمرى الخبر، فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخى كيف كان أمر الناس فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا ايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقد لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، لا يقوم لها شئ. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدى، ثم قلت: تلك والله الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهى ضربة شديدة، وثاورته فاحتملنى فضرب بى الأرض، ثم برك على يضربنى، وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذه فضربته به ضربة شديدة، فلقت فى رأسه شجة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة فقتلته، وهى قرحة [تصيب الإنسان] تتشاوم العرب بها، ويرون أنها تعدو أشد العَدْوة فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه وبقى بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة فى تركه حفروا له ثم دفعوه بعود فى حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه، قاله الطبرى. قال أبو سعيد: تركوه فى بيته حتى انشق، وحينئذ ضموه إلى حدار وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه، وكذا قال يونس بن بكير أنهم لم يحفروا له، ولكنأسندوه إلى حائط وقذفوا عليه الحجارة من خلف الحائط حتى واروه، ورأى أبا لهب بعض أهله فى المنام بشر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة، غير أنى شقيت فى مثل هذه، وأشار إلى النقرة بين السبابة والإبهام بعتقى ثويبة هذه، أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره البخارى والله أعلم بصحته أو بطلانه. وروى غيره من قومنا أن الذى رآه أخوه العباس بن عبد المطلب، وأنه قال: مكثت حولا بعد موت أبى لهب لا أراه فى النوم، ثم رأيته فى شرحال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عنى كل يوم اثنين، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثويبة مولاته فأعتقها، فنفعه وهو فى النار، والله أعلم بصحته أو بطلانه أيضا، وذلك أن الإشراك محبط للعمل، فكيف يسقى به أو يخفف به العذاب فى الآخرة. وذكر إمام الأندلس أبو عمرو بن عبد البر، عن ابن عمر أنه قال: خرجت مرة فمررت بقبر من قبور الجاهلية، فإذا رجل خرج من القبر يتأجج نارا، فى عنقه سلسلة، ومعى إداوة من ماء، فقال لى: يا عبد الله اسقنى، فقلت: عرفنى فنادانى باسمى أو كلمة تقولها العرب يا عبد الله، إذ خرج رجل من القبر فقال: يا عبد الله لا تسقه، فإنه كافر من الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر، ثم أخذ السلسلة فاجتذبه فأدخله القبر، ولعله أراد بالقبر مدفنه، فإنه ألقى فى البئر مع غيره. وقد روى نافع ذلك عن ابن عمر، وذكر أن ذلك ببدر، وأن الرجل خرج من الأرض، وأن الأسود خرج معه، ماسكان بطرف سلسلة متصلة بعنقه، وأنه اجتذبه وأدخله الأرض، قال بن عمر: فأخبرت النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: "أو قد رأيته، ذلك عدو الله أبو جهل وهو عذابه إلى يوم القيامة". وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الفراغ من الحرب، عبد الله بن رواحة بشيرا إلى أهل العالية، وزيد بن حارثة إلى أهل السافلة، قال أسامة بن زيد: أتانا الخبر حين سوينا على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن زيد بن حارثة قد قدم فجئته وهو واقف بالمصلى، قد عشية الناس وهو يقول: قتل تبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وزمعة بن الأسود، وأبو البحترى، والعاصى بن هشام، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، فقلت: يا أبتى أحق هذا؟ قال: نعم والله يا بنى. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا إلى المدينة، ومعه الأسارى فيهم عقبة بن أبى معيط، والنظر بن الحارث، حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء أمر بقتل النظر بن الحارث، فقتله على، ثم أمر بقتل عقبة بن أبى معيط، ولما بلغ النجاشى مقتل قريش ببدر، وما أظفر الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم، خرج فى ثوبين، أيكم يعرف بدرا فأخبروه، فقال النجاشى: أنا عارف بها، قد رعيت الغنم فى جوانبها من الساحل على بعض مياهها، ولكن أردت أن أتثبت منكم، قد نصر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ببدر، فاحمدوا الله تعالى على ذلك. وذكر السهلى: أنه أرسل إلى المسلمين الذين عنده، وهم جعفر وأصحابه، فدخلوا عليه فإذا هو قد لبس المسوح، وقعد على الرماد والتراب فقالوا له: ما هذا أيها الملك؟ فقال: إنا نجد فى الإنجيل أن الله سبحانه إذا أحدث لعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعا، وأن الله تعالى قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة، وهى أن النبى صلى الله عليه وسلم بلغنى أنه التقى هو وعدوه بواد يقال له بدر، كثير الأراك كنت أرعى فيه الغنم على سيدى رجلا من بنى ضمرة، وأن الله سبحانه قد هزم أعداءه فيه، ونصر دينه. وكان سهيل بن عمرو قد قام فى قريش خطيبا عندما استنفرهم أبو سفيان بالعير، فقال: يا آل غالب أتاركون أنتم محمداً والصبات من أهل يثرب، يأخذون عيركم وأموالكم، من أراد مالا فهذا مالى، ومن أراد قوة فهذه قوة، فلما أسر يوم بدر قال عمر رضى الله عنه: يا رسول الله انزع ثنيتى سهيل بن عمرو يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا فى موطن أبدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا أمثل به فيمثل الله بى وإن كنت نبيا أنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه" فكان كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم، أسلم بعد ذلك وحَسُن إسلامه، فكان له مقام محمود فى تثبيت أهل مكة بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم. وأسر أبو عزة عمرو بن عبد الله فقال: يا رسول الله لقد عرفت مالى من مال، وإنى لذو حاجة وبنات وعيال، فامنن علىَّ منَّ الله عليك، فمنَّ عليه، وأخذ عليه أن لا نظاهر أحدا عليه، ولم يف بالعهد فقتله النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة أحد، وله قال النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة أحد، وله قال النبى صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من حجر مرتين" انتهى. وغزوة بدر أعظم غزوات الإسلام، إذ منها كان ظهوره، ومنها أذل الله الكفار، نزل جبريل عليه السلام على النبى صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: "خيرنا أو من خيرنا" قال: كذلك الملائكة الذين حضروها عندنا. وذكر بعضهم أنه خرج لبدر يوم السبت لاثنتى عشرة خلت من رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا، واستحلف على المدينة أبا لُبابة الأنصارى، وخرجت الأنصار ولم تخرج قبل ذلك معه، وأن عدة من خرج من المسلمين ثلاثمائة وخمسة، وضرب الثمانية بسهمهم وأخرهم لم يحضروها وأن معهم ثلاثة أفراس: بعرجة بوزن دحرجة للمقداد، واليعسوب للزبير، والسبيل لمرثد الغنوى، وسبعون بعيرا، وأن أبا سفيان كان بالسام فى ثلاثين راكبا منهم: عمرو بن العاص، ومخرمة ابن نوفل الزهرى، وقيل: فى أربعين، ومعهم مال عظيم. وأنه صلى الله عليه وسلم أتاه خبر خروج قريش مانع العير وهو بالروحاء، وما استشار الناس فى حرب النفير، أو طلب العير، حتى كان فى ذفران، وقيل: أتاه الخبر وهو فى ذفران، وأنه أخذ فى الروحاء عينا لهم أخبره بخبرهم، وبعث عينا من جهينة حليفا للأنصار يدعى أريقط، فأتاه أيضا بخبرهم، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: أشيروا علىَّ أيها الناس وتكلموا كما مر، وإنما أراد الأنصار لأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت فأنت فى ذمامنا، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا، وكان صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن غشيه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسيروا معه غلى عدو من بلادهم. وأنه لما التقى الجمعان خرج عتبة بن ربيعة بين أخيه شيبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، ودعى للمبارزة، فخرج غليه عوف ومعاذ ابنا الحارث، واسم أمهما عفراء، وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا فيكم حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال صلى الله عليه وسلم: "قم يا ابا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا على" فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم؟ فتسموا لهم، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز أبو عبيدة وكان أسن القوم عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز على الوليد بن عتبة وهو الصحيح، وقيل بارز أبو عبيدة شيبة، وحمزة عتبة، فقتل على الوليد، وقتل حمزة الذى بارزة، واختلف أبو عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة فى ركبة أبى عبيدة، ومال حمزة وعلىّ على الذى بارزه أبو عبيدة فأعاناه على قتله. وقال: بارز علىّ شيبة، وحمزة عتبة وقتلاهما، وأبو عبيدة الوليد وأكثر كل منهما جراحات الآخر، ثم مال علىّ وحمزة على الوليد وقتلاه، وحملا أبا عبيدة وهو غير مناسب، لأن أبا عبيدة وحمزة كانا شيخين كعتبة وشيبة، بخلاف على والوليد فشابان، ولم يعب صلى الله عليه وسلم إعانة حمزة وعلىّ لأبى عبيدة، وأن عكرمة بن أبى جهل ضرب عُكاشة ابن محصن بتخفيف الكاف وتشديدها [على عاتقة] فتعلقت بجلدة، فبصق عليها صلى الله عليه وسلم فالتصقت، وقيل: وضع رجله عليها فقام فانقطعت، فجاء بها النبى صلى الله عليه وسلم فبصق عليها فالتصقت ومات فى خلافة عثمان. وأن قتلى المشركين طرحوا فى قليب حفروه تيسيرا على الصحابة، إلا أمية بن خلف فإنه ضخم وقد انتفخ فى درعه حتى ملأها، فألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة، وأما ما روى [أنه] نادى على القليب: "يا عتبة ويا شيبة ويا أبا جهل ويا أمية" فوجهه أنه نادى أمية فيمن نادى وكان قريبا من القليب، وكان من جملة رؤسائهم، ونادى: "يا أهل القلب بئس العشيرة أنتم، كذبتمونى وصدقنى الناس" ولما قال له عمر: كيف تكلم الموتى؟ قال: "ما أنتم بأسمع منهم لكن لا يجيبون" كما مر قالت عائشة: أراد أنهم يعلمون، ثم قرأت: {إنك لا تسمع الموتى} والصحيح أنهم سمعوه للزيادة فى الحسرة، بأن أحياهم الله وأسمعهم بآذانهم بناء على أن الروح ترد للميت كله أو من رأسه إلى نصفه قولان، أو بأرواحهم بناء على أنها لا ترد، وإذا جاز أن يعلموا جاز أن يسمعوا بأمر الله، فالنبى ولو كان لا يسمع الموتى لكن إذا شاء الله أسمعهم، أو بلغ الله صوته أسماعهم، ومعنى الآية أن الله يوصل الموعظة إلى الآذان ويوفق لا أنت. ومن آيات بدر الباقية: أنهم إذا اجتازوا بذلك الموضع يسمعون كهيئة طبل ملوك الوقت، ويرون أن ذلك لنصر أهل الإيمان، وليس كل واحج يسمع ذلك الصوت، وعن بعضهم أنه لما فرغ من بدر فى آخر رمضان وأول يوم من شوال، بعث زيد بن حارثة بشيرا فوصل المدينة ضحى وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبى صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الصحيح، وروى أنه صلى الله عليه وسلم شهد دفن بنته رقية فقعد على قبرها ودمعت عيناه وقال: "أيكم لم يفارق الليلة؟" فقال أبو طلحة، أنا والمفارقة الجماع، فأمره أن ينزلها فى قبرها، وكان عثمان مجنبا وإلا فهو أحق بإنزالها لأنها زوجه، وقد تخلف عن بدر لأجلها والصحيح أنه صلى الله عليه وسلم حضر دفن بنته أم كلثوم لا رقية. وعن بعض أنه أمر بقتل عقبة بن أبى معيط عاصم بن ثابت عند انصرافه فقتله، وجعل عبد الله بن كعب المازنى على الغنائم، وأمر عليا بالصفراء بقتل النظر بن الحارث فقتله، ولما خرج من مضيق الصفراء قسم الغنائم سواء، وقدم المدينة قبل الأسارى بيوم، ولما قدموا فرقهم على الصحابة وقال: "استوصوا بهم خيرا" وقام النواح على قتلى قريش شهرا. {وتَودُّونَ} تمنون {أنَّ غَير ذَاتِ} صاحبة {الشَّوْكة} الشدة والقوة، وأصلها الحدة استعارة من واحدة الشوك {تكُونُ لَكُم} والطائفة صاحبة الشوكة النفير الذى استنفرهم أبو سفيان، نادى أبو جهل على الكعبة: يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، يعنى بالنجاء الإسراع، عيركم وأموالكم إن أصابها محمد فلن تفلحوا بعدها أبدا، وجاءوا فى كثر وسلاح تام، والطائفة غير صاحبة الشوكة هى العير، تمنوها لكثرة الخير فيها، وقلة رجالها، وهى أربعون رجلا أو ثلاثون كما مر، فيهم أبو سفيان، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومخرمة بن نوفل. وروى أنه صلى الله عليه وسلم استشارهم فى العير وقد ساحل بها أبو سفيان، وبعدت وفاتت، وفى النفير وقالوا: العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجهه غضبا، ثم ردّ عليهم فقال: "إن العير مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد اقبل" فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك، عليك بالعير ودع العدو، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم عمر كما مر، ثم سعد بن عبادة كما مر، وقيل: قال له سعد: انظر أمرك فوالله لو سرت إلى عدن لم يتخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قام المقداد بن عمرو فقال ما مر وأحسن، ثم سعد بن معاذ فقال ما مر، ولم يقل بعده: "أشيروا علىَّ أيها الناس". وروى أنه لما استشارهم قال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له، إنا خرجنا للعير، فقال ما مر من أنها فاقت وأن هذا أبو جهل قد أقبل الخ، وروى أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شئ، فناداه العباس وهو فى وثاقه: لا يصلح، فقال له: "لم؟" قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك، قال: "صدقت" وقرأ أبو عمرو فى رواية أبى حاتم بإدغام التاء الشوكة فى تاء تكون. {ويُريدُ الله أن يُحقَّ الحقَّ} أن يثبته ويظهره {بكَلماتِهِ} أى مما أوحى إليه من الأمر بقتال ذات الشوكة، وأمر الملائكة بالنزول نصرة وما قضى من الأسر والقتل، أو إرادة ما سبق من ذلك فى الأزل، وقرأ أبو جعفر وشيبة فى رواية عنهما بكلمته بالإفراد، وإرادة معنى الجمع، أو معنى المفرد الجامع لذلك، كأنه قيل: بأمره أو قضائه، وزعم بعضهم أنها قراءة نافع. {ويقْطَع دَابر الكَافرينَ} أى يستأصلهم كمن بدل بأول الشئ حتى أتى على دابره، أى أخره، فإما أن يراد قطعهم كلهم تحقيقا على أن المرا د كفار قريش، وهذا مبدأ قطعهم، وما زالوا فى قلة حتى لم يبق واحد، وإما أن يكون عبارة عن الغلبة، وكلاهما وارد فى كلام العرب.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ} واذكر إِذ {يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} بوحى جبريل إِليه صلى الله عليه وسلم إِجمالا فيهما، أَبى جهل ومن نفر معه من مكة، والعير الآتية من الشام لقريش من تجارتهم وما فيها إِلا أَربعون رجلا رئيسهم أَبو سفيان ومعه عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل {أَنَّهَا لَكُمْ} بدل اشتمال من إِحدى {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} الشوكة البأس والسلاح مستعار من واحدة الشوك. شبه حدة الرمح ونصل السهم بحدة شوك النبات كشوك النخلة، وشجر الطلح، وذات الشوكة أَبو جهل وأَصحابه، النافرون من مكة وغيرها غير الشام، ولم يذكر ذلك بحصر لأَنهم ما قالوا لا نقصد إِلا غير ذات الشوكة، بل قالوا نقصدها، ولو كان المراد ترك ذات الشوكة، ولما قالوا ذلك غضب صلى الله عليه وسلم، وأَيضا لما فرغوا قيل له: عليك بالعير. فناداه العباس وهو فى وثاقه: لا يصلح لك ذلك، فقال: لم؟ فقال: لأَن الله وعدك إِحدى الطائفتين - سمعه من النبى صلى الله عليه وسلم أَو من الصحابة - وقد نجت إِلى طريق الساحل. روى أَنه صلى الله عليه وسلم خرج ليأخذ عير أَبى سفيان وأَصحابه القافلة من الشام، فأَخبر أَبا سفيان بعض أَهل البدو، أَو المسافرون، فأَخذ طريق الساحل، واستأجر ضمضم الغفارى ليذهب إِلى أَهل مكة فجاءُوا، وقد نجت بأَخذ طريق الساحل، ساحل البحر، وترك الطريق المعهود، فقيل لأَبى جهل: ارجع، إِذ نجت، فأَبى، وقال له أَبو سفيان: ارجع وعلىَّ عيب الرجوع فأَبى. وكذا قال له غيره، وأَبى، وسار ليسمع الناس أَنه مضى إِلى بدر ويشرب فيها، وليقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جاءَه، وشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم أَصحابه، وقال: إِن الله وعدنى إِحدى الطائفتين فوافقوه على قتال النفير، وكره بعضهم ذلك، وقال: لم نستعد له، وذلك بوادى دقران - بفتح الدال فإِسكان القاف - قريب من الصفراءِ، وغضب صلى الله عليه وسلم، وقال: إِن العير مضت على ساحل البحر، وهذا أَبو جهل قد أَقبل، فأَحسن أَبو بكر ثم عمر القول بالإِجابة إِلى القتال، ثم قال سعد بن عبادة: انظر أَمرك فامض فيه، فوالله لو سرت إِلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأَنصار، ثم قال المقداد بن عمرو، وهو المقداد بن الأَسود: امض كما أَمرك الله، فإِنا معك حيثما أَحببت، لا نقول لك كما قالت بنو إِسرائيل لموسى "اذهب أَنت وربك فقاتلا إِنا هاهنا قاعدون" ولكن: اذهب أَنت وربك فقاتلا إِنا معكما مقاتلون. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أَشيروا علىَّ أَيها الناس - يريد الأَنصار - وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أَنهم برءَاء من ذمامه حتى يصل إِلى ديارهم، فتخوف أَلاَّ يروا نصرته إِلا على عدو هجم عليه بالمدينة - فقام سعد بن معاذ فقال: كأَنك تريدنا يا رسول الله، قال: أَجل. قال: إِنا قد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أَن ما جئت به هو الحق، وأَعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أَردت، فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما يتخلف منا أَحد، وما نكره أَن تلقى بنا عدونا، وإِنا لصبر عند اللقاءِ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله تعالى. فنشطه قوله. ثم قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : سيروا على بركة الله وأَبشروا، فإِن الله قد وعدنى إِحدى الطائفتين، والله لكأَنى أَنظر إِلى مصارع القوم" تفسير : وبسطت الكلام على ذلك جدا فى شرح نونية المديح بحول الله وقوته، ولما نجت العير على أَن الطائفة الموعود بها هى النفير، وخص العرض لأَن عرض البحر أَصعب من طوله، وسمى ذلك الموضع بدرا، لأَن رجلا اسمه بدر حفر فيه بئرا، ولأَن البدر يرى فيها لصفاءِ مائها، وفيه سوق للعرب، ولما بلغ الخبر أَبا جهل أَن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة لأَجل العير طلع فوق الكعبة فقال: يا أَهل مكة.. النجاءَ النجاءَ - أَى السرعة السرعة - على كل صعب وذلول - أَى على أَى دابة صعبة أَو سهلة - عيركم وأَموالكم إِن أَصابها محمد لن تفلحوا بعدها أَبدا، وقد أَرسل إِليهم أَيضا أَبو سفيان ضمضم بن عمرو الغفارى، كما مر، ورأَت عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبى صلى الله عليه وسلم قبل قدوم ضمضم بثلاث ليال رؤيا أَفزعتها، فبعثت إِلى أَخيها العباس رضى الله عنه، فقالت له: والله يا أَخى، لقد رأَيت الليلة رؤيا أَفزعتنى، وخشيت أَن يدخل على قومك منها شر، فقالت له واستكتمته: رأَيت راكبا أَقبل على بعير له، حتى وقف بالأَبطح، وصرخ بأَعلى صوته: أَلا انفروا يا آل غدر لمصارعكم فى ثلاث بعد ثلاثة أَيام. ودخل المسجد، واتبعه الناس ثم مثل به بعيره على ظهر الكعبة، فصرخ كذلك، ثم على أَبى قبيس كذلك، ثم أَخذ صخرة فأَرسلها تهوى حتى كانت بأَسفل الجبل تفرقت ودخلت كل دار فرقة منها. فاستكتمتها كما استكتمته، إِلا أَنه لقى عتبة بن ربيعة، وكان صديقه، واستكتمه، وذكرها عتبة لابنه، ففشى فى قريش، ودخل العباس المطاف، فقال أَبو جهل - لعنه الله - يا أَبا الفضل، إِذا فرغت من الطواف فأَقبل إِلينا، فطاف فأَقبل إِليه، فقال له: يا بن عبدا لمطلب متى حدثت هذه النبيئة فيكم؟ قال: ماذا؟ قال: رؤيا عاتكة، يا بنى عبد المطلب أَما رضيتم أَن تتنبأَ رجالكم حتى تنبأَت نساؤكم، فإِن مضت الثلاث ولم يكن شئ كتبنا أَنكم أَكذب بيت فى العرب.. قال العباس: وأَنكرت أَن تكون رأَت، ولما أَمسيت لم تبق امرأَة من بنى عبد المطلب إِلا أَتتنى وقالت: أَقررت هذا الفاسق الخبيث أَن يقع فى رجالكم ثم قد تناول نساءَكم. فغدوت فى اليوم الثالث من رؤيا عاتكة إِلى المسجد لأَشتمه، وإِنى لأَمشى إِليه لذلك، وكان خفيفا حديد اللسان، إِذ سمع صوت ضمضم يصرخ ببطن الوادى، واقفا على بعيره، وقد جدع أَنف بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش، اللطيمة اللطيمة، أَموالكم مع أَبى سفيان قد عرض لها محمد فى أَصحابه لا أَرى أَن تدركوها، الغوث. فشغلنى ذلك عنه، وأَسرع الناس ولم يتخلف أَحد إِلا أَبو لهب، أَرسل رجلا مكانه {وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ} أَن يثبت الحق ظاهرا عاليا على الدين كله مشهورا، وإِلا فهو ثابت مطلقا {بِكَلِمَاتِهِ} بمعلوماته من أَسباب النصر، كنزول الملائكة وإِلقاءِ الرعب بمثل إِلقاءِ الحصى فى الطست وقتالهم إِذا أَراد الله قتال بعضهم بعضا، أَو بآياته المتلوة المنزلة فى هذا الشأن، أَو بما قضى من الأَسر والقتل والطرح فى البير، ولذلك أَمركمْ بقتال النفير، وصرف عنكم العير، وما طلب العير إِلا سفساف أَمر، وأَين هى من إِعلاءِ الحق {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} يستأصلهم، فإِذا قطعت ما لاقاك من الشئ حتى قطعت ما كان منه آخراً فقد عممته بالقطع، ولا يصل إِلى قطع آخر الشئ المستقبل إِليك وقد قطعت أَوله، وصوره أَيضاً مدبراً فاتصلت بآخره وأَهلكته فأَوله هنالك أَيضاً بفراره لأَنه انهزام.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ} كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله تعالى بالمؤمنين مع ما بهم من الجزع وقلة الحزم، فإذ نصب على المفعولية بمضمر إن كانت متصرفة أو ظرف لمفعول ذلك الفعل، وهو خطاب للمؤمنين بطريق التلوين والالتفات و {إِحْدَى} مفعول ثاني ليعد وهو يتعدى إلى المفعول الثاني بنفسه وبالباء، أي اذكروا وقت (أو الحادث وقت) وعد الله تعالى إياكم إحدى الطائفتين. وقرىء {يَعِدْكُمُ} بسكون الدال تخفيفاً، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها، وقوله سبحانه وتعالى: {أَنَّهَا لَكُمْ} بدل اشتمال من إحدى مبين لكيفية الوعد، أي يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصة بكم تتسلطون عليها تسلط الملاك وتتصرفون فيها كيفما شئتم {وَتَوَدُّونَ} عطف على {يَعِدُكُمُ} داخل معه حيث دخل أي تحبون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} من الطائفتين، وذات الشوكة هي النفير ورئيسهم أبو جهل، وغيرها العير ورئيسهم أبو سفيان، والتعبير عنهم بهذا العنوان للتنبيه على سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجب كراهتهم ونفرتهم عن موافاة النفير، والشوكة في الأصل واحدة الشوك المعروف ثم استعيرت للشدة والحدة وتطلق على السلاح أيضاً؛ وفسرها بعضهم به هنا. {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ} أي يظهر / كونه حقاً {بِكَلِمَـٰتِهِ} الموحى بها في هذه القصة أو أوامره للملائكة بالإمداد أو بما قضى من أسر الكفار وقتلهم وطرحهم في قليب بدر، وقرىء {بِكَلِمَـٰتِهِ} بالإفراد لجعل المتعدد كالشيء الواحد أو على أن المراد بها كلمة كن التي هي عند الكثير عبارة عن القضاء والتكوين {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي آخرهم والمراد يهلكهم جملة من أصلهم لأنه لا يفنى الآخر إلا بعد فناء الأول، ومنه سمي الهلاك دباراً. والمعنى أنتم تريدون سفساف الأمور والله عز وجل يريد معاليها وما رجع إلى علو كلمة الحق وسمو رتبة الدين وشتان بين المرادين، وكأنه للإشارة إلى ذلك عبر أولاً بالودادة وثانياً بالإرادة
ابن عاشور
تفسير : الأحسن أن تكون {وإذ يعدكم الله} معطوفاً على {أية : كما أخرجك}تفسير : [الأنفال: 5] عطفَ المفرد على المفرد فيكون المعطوف مشبهاً به التشبيه المفاد بالكاف والمعنى: كاخراجك اللَّهُ من بيتك وكوقتِ يعدكم الله إحدى الطائفتين الآية واسم الزمان إذا أضيف إلى الجملة كانت الجملة في تأويل المفرد فتُؤَول بمصدر، والتقدير: وكوقت وعد الله إحدى الطائفتين، فـ{إذ} اسم زمان متصرف مجرور بالعطف على مجرور كاف التشبيه، وجعَل صاحب «الكشاف» {إذْ} مفعولاً لفعل (اذكر) محذوف شأن {إذْ} الواقعة في مفتتح القِصص، فيكون عطفُ جملةِ الأمر المقدرِ على جملة {أية : قل الأنفال لله}تفسير : [الأنفال: 1] والمناسبة هي أن كلا القولين فيه توقيفهم على خطأ رأيهم وأن ما كرهوه هو الخير لهم. و«الطائفة» الجماعة من الناس، وتقدم عند قوله {أية : فلتقم طائفةٌ منهم معك}تفسير : في سورة [النساء: 102]. ( وجملة: {أنّها لكم} في تأويل مصدر، هو بدل اشتمال من إحدى الطائفتين، أي: يعدكم مصيرَ إحدى الطائفتين لكم، أي كونها معطاة لكم، وهو إعطاء النصر والغلبة عليها بين قتل وأسر وغنيمة. واللام للملك وهو هنا ملك عُرفي، كما يقولون كان يومُ كذا لبني فلان على بني فلان، فيعرف أنه كان لهم فيه غلبة حرب وهي بالقتل والأسر والغنيمة. {وتَودون} إما عطف على {يعَدكم} أي إذ يقع الوعد من الله والود منكم، وإما في موضع الحال والواو واو الحال، أي يعدكم الله إحدى الطائفتين في حال ودكم لقاء الطائفة غير ذات الشوكة وهذا الود هو محل التشبيه الذي أفاده عطف {وإذ يعدكم}، مجرور الكاف في قوله: {أية : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق}تفسير : [الأنفال: 5] فهو مما شبه به حال سُؤالهم عَن الأنفال سؤالاً مشوباً بكراهية صرف الأنفال عن السائلين عنها الرائمين أخذها. و«الوُد» المحبة و{ذات الشوكة} صاحبة الشوكة ووقع {ذات} صفة لمقدر تقديره الطائفة غير ذات الشوكة، أي الطائفة التي لا تستطيع القتال. و{الشوكة} أصلها الواحدة من الشوك وهو ما يخرج في بعض النبات من أعواد دقيقة تكون محددة الأطراف كالإبَر، فإذا نزغت جلد الإنسان أدْمته أو آلمته، وإذا عَلِقَت بثوب أمسكَتْه، وذلك مثل ما في ورق العَرفج، ويقال هذه شجرة شائكة، ومن الكناية عن ظهور الشر قولُهم: «إن العَوسج قد أوْرق»، وشوكة العقرب البضعة التي في ذنبها تلسع بها. وشاع استعارة الشوكة للبأس، يقال: فلان ذو شوكة، أي ذو بأس يتقى كما يستعار القرن للبَاس في قولهم: أبدى قَرنه، والناب أيضاً في قولهم: كشّر عن نابه، وذلك من تشبيه المعقول بالمحسوس أي تودون الطائفة التي لا يخشى بأسها تكون لكم أي ملككم فتأخذونهم. وقد أشارت الآية إلى ما في قصة بدر حين أخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين بانصراف عِير قريش نحو الساحل وبمجيء نفيرهم إلى بدر، وأخبرهم أن الله وعدهم إحدى الطائفتين، أي إما العِير وإمّا النفير وعداً معلقاً على اختيارهم إحداهما، ثم استشارهم في الأمر أيختارون اللحاق بالعِير أم يقصدون نفير قريش، فقال الناس: إنما خرجنا لأجل العِير، وراموا اللحاق بالعِير واعتذروا بضعف استعدادهم وأنهم يخرجوا لمقاتلة جيش، وكانت العِير لا تشتمل إلا على أربعين رجلاً وكان النفير فيما قيل يشتمل على ألف رجل مسلّح، فذلك معنى قوله تعالى: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} أي تودون غنيمة بدون حرب، فلما لم يطمعوا بلقاء الجيش وراموا لقاء العِير كانوا يودون أن تحصل لهم غنيمة العير ولعل الاستشارة كانت صورية، أمر الله بها نبيّه لتثبيت المسلمين لئلا تهن قوتهم النفسية إن أُعلموا بأنهم سيلقون ذات الشوكة. وقوله: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} عطف على جملة {وتودون} على احتمالي أن واوَها للعطف أو للحال، والمقصود من الإخبار بهذه الجمل الثلاث إظهار أن ما يودونه ليس فيه كمال مصلحتهم، وأن الله اختار لهم ما فيه كمال مصلحتهم، وإن كان يشق عليهم ويرهبهم فإنهم لم يطّلعوا على الأصلح بهم. فهذا تلطف من الله بهم. والمراد من الإرادة هنا إرادة خاصة وهي المشيئة والتعلق التنجيزي للإرادة التي هي صفة الذات. فهذا كقوله: {أية : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}تفسير : [البقرة: 185] أي يسَّر بكم. ومعنى {يُحق الحق}: يثبت ما يسمى الحق وهو ضد الباطل يقال: حق الشيء، إذا ثبت قال تعالى: {أية : أفمن حَق عليه كلمة العذاب}تفسير : [الزمر: 19]. والمراد بالحق. هنا: دين الحق وهو الإسلام، وقد أطلق عليه اسم الحق في مواضع كثيرة من القرآن كقوله: {أية : حتى جاءهم الحق ورسولٌ مبينٌ}تفسير : [الزخرف: 29] الآية. وإحقاقه باستيصال معانديه، فأنتم تريدون نفعاً قليلاً عاجلاً، وأراد الله نفعاً عظيماً في العاجل والآجل. والله يعلم وأنتم لا تعلمون. وفي قوله: {ليُحق الحَق} جناس الاشتقاق. وفيه دلالة على أن أصل مادة الحق هو فعل حق. وأن أصل مادة الباطل هي فعل بَطل. ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم للذين قالوا في التشهد السلام على الله فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حديث : أن الله هو السلامتفسير : . وكلمات الله ما يدل على مراده وعلى كلامه النفسي، حقيقه من أقوال لفظية يخلقها خلقاً غير متعارف ليفهمها أحد البشر ويبلغها عن الله، مثل القرآن، أو مجازاً من أدلة غير لفظية، مثل ما يخاطب به الملائكة المحكي في قوله تعالى: {أية : حتى إذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العليّ الكبير}تفسير : [سبأ: 23] وفسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضَربت الملائكة بأجنحتها خُضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قال للذي قالَ: الحق وهو العلي الكبير»تفسير : . والجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم، فقوله: {بكلماته} يعم أنواع الكلام الذي يوحي به الله الدال على إرادته تثبيت الحق. مثل آيات القرآن المنزلة في قتال الكفار وما أمر به الملائكة من نصرتهم المسلمين يوم بدر. والباء في {بكلماته} للسببية، وذكر هذا القيد للتنويه بإحقاق هذا الحق وبيان أنه مما أراد الله ويسره وبينه للناس من الأمر، ليقوم كل فريق من المأمورين بما هو حظه من بعض تلك الأوامر، وللتنبيه على أن ذلك واقع لا محالة لأن كلمات الله لا تتخلف كما قال تعالى: {أية : يريدون أن يبدلو كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل}تفسير : [الفتح: 15]، ولمدح هذا الإحقاق بأنه حصل بسبب كلمات الله. وقطع دابر الشيء إزالة الشيء كله إزالة تأتي على آخر فرد منه يَكون في مؤخرته من ورائه وتقدم في قوله {أية : فقطع دابر القوم الذين ظلموا}تفسير : في سورة [الأنعام: 45]. والمعنى: أردتم الغنيمة وأراد الله إظهار أمركم وخضذ شوكه عدوكم وإن كان ذلك يَحرمكم الغنى العارض فإن أمنكم واطمئنان بالكم خير لكم وأنتم تحسبون أن لا تستطيعوا هزيمة عدوكم. واللام في قوله: {ليحق الحق ويبطل الباطل} لام التعليل. وهي متعلقة بقوله {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} أي إنما أراد ذلك وكون أسبابه بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطلَ. وإذ قد كان محصول هذا التعليل هو عين محصول المعلل في قوله: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته} وشان العلة أن تكون مخالفة للمعلل، ولو في الجملة، إذ فائدة التعليل إظهار الغرض الذي يقصده الفاعل من فعله، فمقتضى الظاهر أن لا يكون تعليل الفعل بعين ذلك الفعل، لأن السامع لا يجهل أن الفاعل المختار ما فعل فعلاً إلا وهو مرادٌ له، فإذا سمعنا من كلام البليغ تعليل الفعل بنفس ذلك الفعل، كان ذلك كناية عن كونه ما فعل ذلك الفعل إلا لذاتِ الفعل، لا لغرض آخر عائد عليه، فإفادة التعليل حينئذ معنى الحصر حاصلة من مجرد التعليل بنفس المعلّل. والحصر هنا من مستتبعات التركيب، وليس من دلالة اللفظ، فافهمه فإنه دقيق وقد وقعت فيه غفلات. ويجوز أن يكون الاختلاف بين المعلل والعلة بالعموم والخصوص أي يريد الله أن يحق الحق في هذه الحادثة لأنه يريد إحقاق الحق عموماً. وأما قوله: {ويبطل الباطل} فهو ضد معنى قوله: {ليُحق الحق} وهو من لوازم معنى ليُحق الحق، لأنه إذا حصل الحق ذهب الباطل كما قال تعالى: {أية : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهقٌ}تفسير : [الأنبياء: 18]، ولما كان الباطل ضد الحق لزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر. ومن لطائف عبد الله بن عباس أنه قال لعُمر بن أبي ربيعة: كم سِنّك فقال ابن أبي ربيعة وُلدت يوم مات عمر بن الخطاب، فقال ابن عباس: «أي حق رُفع وأيّ باطل وضع» أي في ذلك اليوم، ففائدة قوله: {ويبطل الباطل} التصريح بأن الله لا يرضى بالباطل، فكان ذكر بعد قوله: {ليحق الحق} بمنزلة التوكيد لقوله {ليحق الحق} لأن ثبوت الشيء قد يُؤكد بنفي ضده كقوله تعالى: {أية : قد ضلوا وما كانوا مهتدين}تفسير : [الأنعام: 140]. ويجيء في قوله: {ويبطل الباطل} من معنى الكلام، ومن جناس الاشتقاق، ما جاء في قوله: {أن يحق الحق} ثم في مقابلة قوله: {ليُحق الحق} ـ بقوله ـ {ويُبطل الباطل} محسن الطباق. {ولو كره المجرمون} شرط اتصالي. و{لو} اتصالية تدل على المبالغة في الأحوال، وهو عطف على {يريد الله}، أو على {ليُحِق الحق} أي يريد ذلك لذلك لا لغيره، ولا يصد مراده ما للمعاندين من قوة بأن يكرهَه المجرمون وهم المشركون. والكراهة هنا كناية عن لوازمها وهي الاستعداد لمقاومة المراد من تلك الإرادة، فإن المشركين، بكثرة عددهم وعُددهم، يريدون إحقاق الباطل، وإرادة الله تنفذ بالرغم على كراهة المجرمين، وأمّا مجرد الكراهة فليس صالحاً أن يكون غاية للمبالغة في أحوال نفوذ مراد الله تعالى إحقاقَ الحق: لأنه إحساس قاصر على صاحبه، ولكنه إذا بعثه على مدافعة الأمر المكروه كانت أسباب المدافعة هي الغاية لنفوذ الأمر المكروه على الكاره. وتقدم الكلام على {لو} الاتصالية عند قوله تعالى: {أية : ولو افتدى به}تفسير : في سورة [آل عمران: 91] وقوله تعالى: {أية : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً}تفسير : في سورة [البقرة: 170].
الواحدي
تفسير : {وإذْ يعدكم الله إحدى الطائفتين} العير أو النَّفير {أنَّها لكم وتودون أنَّ غير ذات الشوكة تكون لكم} أَيْ: العير التي لا سلاح فيها تكون لكم {ويريد الله أن يحق الحق} يُظهره ويُعليَه {بكلماته} بِعِدَاتِه التي سبقت بظهور الإِسلام {ويقطع دابر الكافرين} آخر مَنْ بقي منهم. يعني: إنَّه إنَّما أمركم بحرب قريشٍ لهذا. {ليحقَّ الحق} أَيْ: ويقطع دابر الكافرين ليُظهر الحقَّ ويُعليَه {ويبطل الباطل} ويُهلك الكفر ويُفنيه {ولو كره المجرمون} ذلك. {إذ تستغيثون ربكم} تطلبون منه المعونة بالنَّصر على العدوِّ لقلَّتكم {فاستجاب لكم أني ممدُّكم بألفٍ من الملائكة مردفين} متتابعين، جاؤوا بعد المسلمين، ومَنْ فتح الدَّال أراد: بألفٍ أردف الله المسلمين بهم. {وما جعله الله} أَيْ: الإِرداف {إلاَّ بشرى} الآية ماضية في سورة آل عمران. {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه} وذلك أنَّ الله تعالى أمَّنهم أمناً غشيهم النُّعاس معه، وهذا كما كان يوم أُحدٍ، وقد ذكرنا ذلك في سورة آل عمران. {وينُزِّل عليكم من السماء ماء ليطهركم به} وذلك أنَّهم لمَّا بايتوا المشركين ببدرٍ أصابت جماعة منهم جنابات، وكان المشركون قد سبقوهم إلى الماء، فوسوس إليهم الشَّيطان، وقال لهم: كيف ترجون الظَّفر وقد غلبوكم على الماء؟ وأنتم تُصلُّون مُجنِبين ومُحدِثين، وتزعمون أنَّكم أولياء الله وفيكم نبيُّه؟ فأنزل الله تعالى مطراً سال منه الوادي حتى اغتسلوا، وزالت الوسوسة، فذلك قوله: {ليطهركم به} أَيْ: من الأحداث والجنابات {ويذهب عنكم رجز الشيطان} وسوسته التي تكسب عذاب الله {وليربط} به {على قلوبكم} باليقين والنَّصر {ويثبت به الأقدام} وذلك أنَّهم كانوا قد نزلوا على كثيبٍ تغوص فيه أرجلهم، فلبَّده المطر حتى ثبتت عليه الأقدام. {إذ يوحي ربك إلى الملائكة} الذين أمدَّ بهم المسلمين {إني معكم} بالعون والنُّصرة {فثبتوا الذين آمنوا} بالتَّبشير بالنَّصر، وكان المَلَك يسير أمام الصَّف على صورة رجلٍ ويقول: أبشروا؛ فإنَّ الله ناصركم {سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب} الخوف من أوليائي {فاضربوا فوق الأعناق} أَيْ: الرُّؤوس {واضربوا منهم كلَّ بنان} أَيْ: الأطراف من اليدين والرِّجلين. {ذلك} الضَّرب {بأنهم شاقوا الله ورسوله} باينوهما وخالفوهما. {ذٰلكم} القتل والضَّرب ببدرٍ {فذوقوه وأنَّ للكافرين عذاب النار} بعدما نزل بهم من ضرب الأعناق. {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً} مُجتمعين مُتدانين إليكم للقتال {فلا تولوهم الأدبار} لا تجعلوا ظهوركم ممَّا يليهم.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 7- واذكروا - أيها المؤمنون - وعد الله تعالى لكم أن ينصركم على إحدى الطائفتين التى فيها الشوكة والقوة، وأنتم تودون أن تدركوا الطائفة الأخرى التى فيها المال والرجال، وهى قافلة أبى سفيان، فاخترتم المال ولا شوكة فيه، ولكن الله تعالى يريد أن يثبت الحق بإرادته وقدرته وكلماته المعلنة للإرادة والقدرة، ويستأصل الكفر من بلاد العرب بنصر المؤمنين. 8- ليثبت الحق ويزيل الباطل، ولو كره ذلك الكافرون الذين أجرموا فى حق الله، وفى حق المؤمنين وفى حق أنفسهم. 9- اذكروا - أيها المؤمنون، وأنتم تتقاسمون الغنائم وتختلفون - الوقت الذى كنتم تتجهون فيه إلى الله تعالى، طالبين منه الغوث والمعونة، إذ كتب عليكم أنه لا خلاص من القتال، فأجاب الله دعاءكم، وأمدَّكم بملائكة كثيرة تبلغ الألف متتابعة، يجئ بعضها وراء بعض. 10- وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم بالنصر، لتطمئنوا وتقدموا، والله يعينكم، والنصر لا يجئ إلا بمعونة الله القوى الغالب، الذى يضع الأمور فى مواضعها بمقتضى علمه الذى لا يغيب عنه شئ.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلطَّائِفَتِيْنِ} {بِكَلِمَاتِهِ} {ٱلْكَافِرِينَ} (7) - خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إلَى بَدْرٍ وَهُمْ فِي حَوَالَي ألَفِ رَجُلٍ، وَانْحَرَفَ أبُو سُفْيَانَ بِالقَافِلَةِ إلى طَرِيقِ البَحْرِ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ حَتَّى وَصَلُوا بَدْراً، وَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ قُرْيَشٍ بِالقُرْبِ مِنْهُمْ. وَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِوُجُودِ قُرَيشٍ قَريباً مِنْهُمْ اسْتَشَارَ أصْحَابَهُ، وَكَانُوا حَوَاليِ 317 رَجُلاً، فِيمَا يَفْعَلُ. وَكَانَ يُرِيدُ مَعْرفَةَ رَأي الأَنْصَارِ، لأنَّهُمْ كَانُوا الكَثْرَةَ مِنْ أصْحَابِهِ، فَتَكَلَّمَ المُهَاجِرُونَ يُفَوِّضُونَ الأمْرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ، وَالأنْصَارُ سَاكِتُونَ، فَكَانَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم يُكَرِّرُ طَلَبَ المَشُورَةِ، يَقُولُ: أشيرُوا عَلَيَّ أيُّها النَّاسُ. وَفَطِنَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ سَعْدُ بْنُ معَاذٍ، رِضْوَانُ اللهِ عَلَيهِ - وَهُوَ سَيِّدُ الأوْسِ -، إلَى أنَّ الرَّسُولَ إنَّما يُرِيدُ مَعْرِفَةَ رَأي الأنْصَارِ وَمَوْقِفَهُمْ، فَقَالَ قَوْلاً كَرِيماً، وَفَوَّضَ الأمْرَ إلَى رَسُولِ اللهِ، وَأَكَّدَ لَهُ أنَّهُمْ لَنْ يَتَخَلَّفُوا بِنُفُوسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ. وَوَعَدَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ الكَرِيمَ بِأنَّهُ سَيُظْفِرُهُ بِإحْدَى الطَّائِفَتَينِ، فَإمَّا أنْ يَنْصُرَهُ عَلَى قُرَيشٍ فِي سَاحَةِ الحَرْبِ، وَإمَّا أنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الاسْتِيلاَءِ عَلَى القَافِلَةِ وَكَانَ كَثيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ - وَأَكْثَرُهُمْ فُقَرَاءُ - يُرِيدُونَ العِيرَ، لأَنَّها تُصْلِحُ حَالَهُمْ مِنْ دُونِ تَعَرُّضٍ إِلَى مَخَاطِرِ الحَرْبِ. وَبَيْنَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ يَتَشَاوَرُونَ اقْتَرَبَتْ قُرَيْشٌ كَثِيراً مِنْ مَوَاقِعِ المُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَدُونَ أنْ يَعْلَمَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ بِمَكَانِ الآخَرِ، فَلَمْ يَتْرُكِ اللهُ خِيَاراً لأحَدٍ مِنَ الجَانِبَيْنِ، فَكَانَتِ الحَرْبُ. وَكَانَ النَّصْرُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَبِذَلِكَ ثَبَّتَ اللهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ المُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِهِ، وَسَحَقَ قُوَّةَ المُشْرِكِينَ، وَقَضَى عَلَى رُؤُوسِ الكُفْرِ فِي مَعْرَكَةِ بَدْرٍ، وَأَذَلَّ الشِّرْكَ وَأهْلَهُ، وَأَعَزَّ الإِسْلاَمَ وَأهْلَهُ. الطَّائِفَتَينِ - العِيرِ وَالقَافِلَةِ أوِ النَّفِيرِ. ذَاتِ الشَّوْكَةِ - ذَاتِ السِّلاحِ وَالقُوَّةِ وَهِيَ النَّفِيرُ. دَابِرَ الكَافِرِينَ - آخِرَهُمْ، وَمَتى قُطِعَ الدَّابِرُ قُطِعَ الأوَّلُ وَهَلَكَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : والوعد من الله عز وجل يجب أن يستقبل من الموعود بأنه حق؛ لأن الذي يقدح في وعد الناس للناس أن الإنسان له أغيار، فقد تعد إنساناً بشيء، وقد حاولت أن تفي بما وعدت ولكنك لم تستطع الوفاء بالوعد. أو كانت لك قوة وانتهت. أو قد يتغير رأيك. إذن فالوعد من المساوي من الخلق غير مضمون، لكن الوعد من القادر القوي، الذي لا تقف عراقيل أمام إنفاذ ما يريد، هو وعد حق ويجب أن يتلقوا هذا الوعد على أنه حق. {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}. أي إن كنتم تميلون وتحبون أن تكون لكم الطائفة غير ذات الشوكة التي تحرس العير - والشوكة هي شيء محدد من طرف تحديداً ينفذ بسهولة من غيره، وأنت تجد الشوكة مدببة رفيعة من الطرف ثم يزداد عرضها من أسفلها ليتناسب الغِلْظُ مع القاعدة لتنفذ باتساع. وذات الشوكة أي الفئة القوية التي تنفذ إلى الغرض المراد، ولا يتأبى عليها غرض، ولذلك يقال "شاكي السلاح". فإن كتم تتمنون وتريدون عدم ملاقاة جيش الكفار في معركة فالمولى عز وجل يقول لكم {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ}. أي أن الله تعالى يريد أن ينصر الإسلام بقوة ضئيلة ضعيفة بغير عتاد على جيش قوى فيعرفون أن ربنا مؤيدهم، وبذلك يحق الحق بكلماته أي بوعده. وهناك الكلمة من الله التي قال فيها: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ}تفسير : [الأعراف: 137]. هكذا كان وعد الله الذي تحقق. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} والدابر والدُبر هي الخلف، وتقول: "قطعت دابره" أي لم أجعل له خلفاً. ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ...}
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} معناهُ غيرُ ذَاتِ الحِدَّةِ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 297 : 3 : 26 - سفين في قول الله {إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} قال، غير أبي سفين. [الآية 7].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):