٨ - ٱلْأَنْفَال
8 - Al-Anfal (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالىٰ: {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} مجادلتهم: قولهم لما ندبهم إلى العِير وفات العِير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أُهْبَة شقّ ذلك عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدّة. ومعنىٰ «فِي الْحَقِّ» أي في القتال. «بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ» لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله. وقيل: بعد ما تبيّن لهم أن الله وعدهم إما الظَّفَر بالعِير أو بأهل مكة، وإذ فات العير فلا بدّ من أهل مكة والظَّفَر بهم. فعمنى الكلام الإنكارُ لمجادلتهم. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} كراهة للقاء القوم. {وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي يعلمون أن ذلك واقع بهم؛ قال الله تعالىٰ: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}تفسير : [النبأ: 40] أي يعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ } القتال {بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ } ظهر لهم {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } إليه عياناً في كراهتهم له.
ابن عبد السلام
تفسير : {يُجَادِلُونَكَ} بعض المؤمنين خرجوا لطلب العير ففاتهم فأمروا بالقتال فقالوا: ما تأهَّبنا للقاء العدو، فجادلوا بذلك طلباً للرخصة، أو المجادل المشركون قاله ابن زيد. {فِى الْحَقِّ} القتال يوم بدر.
النسفي
تفسير : {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ } الحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقي النفير لإيثارهم عليه تلقي العير {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ } بعد إعلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم ينصرون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا لنستعد وذلك لكراهتهم القتال {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بحال من يعتل إلى القتل ويساق على الصغار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها. وقيل: كان خوفهم لقلة العدد وإنهم كانوا رجالة وماكان فيهم إلا فارسان {وإذ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ } «إذ» منصوب بـ «اذكر» و {إِحْدَى } مفعول ثانٍ {أَنَّهَا لَكُمْ } بدل من {إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ } وهما العير والنفير والتقدير: وإذ يعدكم الله أن إحدى الطائفتين لكم {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } أي العير وذات الشوكة ذات السلاح، والشوكة كانت في النفير لعددهم وعدتهم أي تتمنون أن تكون لكم العير لأنها الطائفة التي لا سلاح لها ولا تريدون الطائفة الأخرى {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ } أي يثبته ويعليه {بِكَلِمَـٰتِهِ } بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر الملائكة من نزولهم للنصرة، وبما قضى من قتلهم وطرحهم في قليب بدر {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } آخرهم والدابر الآخر فاعل من دبر إذا أدبر. وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال يعني أنكم تريدون الفائدة العاجلة، وسفساف الأمور، والله تعالى يريد معالي الأمور، ونصرة الحق، وعلو الكلمة، وشتان ما بين المرادين، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة وكسر قوتهم بضعفكم وأعزكم وأذلهم {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ } متعلق بـ {يقطع} أو بمحذوف تقديره ليحق الحق { وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } فعل ذلك والمقدر متأخر ليفيد الاختصاص أي ما فعله إلا لهما، وهو إثبات الإسلام وإظهاره، وإبطال الكفر، ومحقه، وليس هذا بتكرار لأن الأول تمييز بين الإرادتين، وهذا بيان لمراده فيما فعل من اختيار ذات الشوكة على غيرها لهم ونصرتهم عليها {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } المشركون ذلك {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } بدل من {إِذْ يَعِدُكُمُ } أو متعلق بقوله {أية : لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ }تفسير : واستغاثتهم أنهم لما علموا أنه لا بد من القتال طفقوا يدعون الله يقولون أي ربنا انصرنا على عدوك، يا غياث المستغيثين أغثنا. وهي طلب الغوث وهو التخليص من المكروه {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ } فأجاب. وأصل {أَنّي مُمِدُّكُمْ } «بأني ممدكم» فحذف الجار وسلط عليه {استجاب} فنصب محله { بِأَلْفٍ مّنَ ٱلْمَلَـئِكَةِ مُرْدِفِينَ } ـ {مُردفِينَ } ـ مدني. غيره بكسر الدال. فالكسر على أنهم أردفوا غيرهم، والفتح على أنه أردف كل ملك ملكاً آخر. يقال: ردفه إذا تبعه، وأردفته إياه إذا اتبعه {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ } أي الإمداد الذي دل عليه ممدكم {إِلاَّ بُشْرَىٰ } إلا بشارة لكم بالنصر {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } يعني أنكم استغثتم وتضرعتم لقلتكم فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر وتسكيناً منكم وربطاً على قلوبكم {وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } أي ولا تحسبوا النصر من الملائكة فإن الناصر هو الله لكم وللملائكة، أو وما النصر من الملائكة وغيرهم من الأسباب إلا من عند الله، والمنصور من نصره الله. واختلف في قتال الملائكة يوم بدر فقيل: نزل جبريل عليه السلام في خمسمائة ملك على الميمنة وفيها أبو بكر رضي الله عنه، وميكائل في خمسمائة على الميسرة وفيها علي رضي الله عنه في صورة الرجال عليهم ثياب بيض وعمائم بيض قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم فقاتلت حتى قال أبو جهل لابن مسعود: من أين كان يأتينا الضرب، ولا نرى الشخص، قال: من قبل الملائكة. قال: فهم غلبونا لا أنتم. وقيل: لم يقاتلوا وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين وإلا فملك واحد كافٍ في إهلاك أهل الدنيا. {أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ } بنصر أوليائه {حَكِيمٌ } بقهر أعدائه. {إِذْ يُغَشّيكُمُ } بدل ثانٍ من {إِذْ يَعِدُكُمُ } أو منصوب بالنصر أو بإضمار اذكر. {يُغَشّيكُمُ } مدني {ٱلنُّعَاسَ } النوم والفاعل هو الله على القراءتين. {يُغَشّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ } مكي، وأبو عمرو {ءامِنَةً } مفعول له أي إذ تنعسون أمنة بمعنى أمناً أي لأمنكم، أو مصدر أي فأمنتم أمنة فالنوم يزيح الرعب ويريح النفس {مِنْهُ } صفة لها أي أمنة حاصلة لكم من الله {وَيُنَزّلُ } بالتخفيف: مكي وبصري، وبالتشديد: وغيرهم {عَلَيْكُم مّن ٱلسَّمَاء مَاء } مطراً {لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } بالماء من الحدث والجنابة {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وسوسته إليهم وتخويفه إياهم من العطش، أو الجنابة من الاحتلام، لأنه من الشيطان وقد وسوس إليهم أن لا نصرة مع الجنابة {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ } بالصبر {وَيُثَبّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ } أي بالماء إذ الأقدام كانت تسوخ في الرمل، أو بالربط لأن القلب إذا تمكن فيه الصبر يثبت القدم في مواطن القتال {إِذْ يُوحِى } بدل ثالث من {إِذْ يَعِدُكُمُ } أو منصوب بـ {يُثَبّتُ } {رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلَـئِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ } بالنصر {فَثَبّتُواْ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } بالبشرى وكان الملك يسير أمام الصف في صورة رجل ويقول: أبشروا فإن الله ناصركم {سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ } هو امتلاء القلب من الخوف و {ٱلرُّعْبَ } شامي وعلي {فَٱضْرِبُواْ } أمر للمؤمنين أو الملائكة، وفيه دليل على أنهم قاتلوا {فَوْقَ ٱلأعْنَـٰقِ } أي أعالي الأعناق التي هي المذابح تطييراً للرؤوس، أو أراد الرؤوس لأنها فوق الأعناق يعني ضرب الهام {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } هي الأصابع يريد الأطراف، والمعنى فاضربوا المقاتل والشوي لأن الضرب إما أن يقع على مقتل أو غير مقتل، فأمرهم أن يجمعوا عليهم النوعين {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما أصابهم من الضرب والقتل والعقاب العاجل وهو مبتدأ خبره {بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ } أي ذلك العقاب وقع عليهم بسبب مشاقتهم أي مخالفتهم وهي مشتقة من الشق لأن كلا المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، وكذا المعاداة والمخاصمة لأن هذا في عدوة وخُصم أي جانب وذاك في عدوة وخصم {وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ } والكاف في ذلك لخطاب الرسول أو لكل أحد، وفي {ذٰلِكُمْ } للكفرة على طريقة الالتفات، ومحله الرفع على «ذلكم العقاب أو العقاب» {ذٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ }. والواو في {وَأَنَّ لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ } بمعنى «مع» أي ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة فوضع الظاهر موضع الضمير. {ٱ يَـأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } حال من {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }. والزحف الجيش الذي يرى لكثرته كأنه يزحف أي يدب دبيباً من زحف الصبي إذا دب على استه قليلاً قليلاً سمي بالمصدر {فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأدْبَارَ } فلا تنصرفوا عنهم منهزمين أي إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير وأنتم قليل، فلا تفروا فضلاً أن تدانوهم في العدد أو تساووهم، أو حال من المؤمنين أو من الفريقين أي إذا لقيتموهم متزاحفين هم وأنتم. {وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً } مائلاً {لّقِتَالٍ } هو الكر بعد الفر يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه وهو من خدع الحرب {أَوْ مُتَحَيّزاً } منضماً {إِلَىٰ فِئَةٍ } إلى جماعة من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها وهما حالان من ضمير الفاعل في {يُوَلّهِمْ } {فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ ٱللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ } ووزن متحيز «متفيعل» لا «متفعل»، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوز. ولما كسروا أهل مكة وقتلوا وأسروا وكان القاتل منهم يقول تفاخراً قتلت وأسرت قيل لهم {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ } والفاء جواب لشرط محذوف تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم لم تقتلوهم ولكن الله قتلهم. ولما قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ قبضة من تراب فارمهم بها فرمى بها في وجوههم وقال «حديث : شاهت الوجوه»تفسير : فلم يبق مشرك إلا شغل بعينه فانهزموا قيل {وَمَا رَمَيْتَ } يا محمد {إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } يعني أن الرمية التي رميتها أنت لم ترمها أنت على الحقيقة، لأنك لو رميتها لما بلغ أثرها إلا ما يبلغه أثر رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسباً وإلى الله تعالى خلقاً لا كما تقول الجبرية والمعتزلة، لأنه أثبت الفعل من العبد بقوله {إِذْ رَمَيْتَ } ثم نفاه عنه وأثبته لله تعالى بقوله {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمْ }، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } بتخفيف {لَكِنِ } شامي وحمزة وعلي {وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } وليعطيهم {مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا } عطاء جميلاً، والمعنى وللإحسان إلى المؤمنين فعل ما فعل وما فعل إلا لذلك {إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ } لدعائهم {عَلِيمٌ } بأحوالهم {ذٰلِكُمْ } إشارة إلى البلاء الحسن ومحله الرفع أي الأمر ذلكم {وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ ٱلْكَـٰفِرِينَ } معطوف على {ذٰلِكُمْ } أي المراد إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين. {مُوهِنُ كَيْدِ } شامي وكوفي غير حفص. {مُوهِنُ كَيْدِ } حفص، {مُوهِنُ } غيرهم. {إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ ٱلْفَتْحُ } إن تستنصروا فقد جاءكم النصر عليكم وهو خطاب لأهل مكة، لأنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة قالوا: اللهم إن كان محمد على حق فانصره، وإن كنا على الحق فانصرنا. وقيل: {إِن تَسْتَفْتِحُواْ } خطاب للمؤمنين {وإن } للكافرين أي {وإن تنتهوا} عن عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {فهو} أي الانتهاء { خَيْرٌ لَّكُمْ } وأسلم {وَإِن تَعُودُواْ } لمحاربته {نَعُدْ } لنصرته عليكم {وَلَن تُغْنِىَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } جمعكم {شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ } عدداً {وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بالفتح مدني وشامي وحفص أي ولأن الله مع المؤمنين بالنصر كان ذلك، وبالكسر غيرهم ويؤيده قراءة عبد الله {وَٱللَّهُ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } { يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن المعنى أطيعوا رسول الله كقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62] ولأن طاعة الرسول وطاعة الله شيء واحد {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله } تفسير : [النساء: 80] فكان رجوع الضمير إلى أحدهما كرجوعه إليهما كقوله «الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان» أو يرجع الضمير إلى الأمر بالطاعة أي ولا تولوا عن هذا الأمر وأمثاله، وأصله ولا تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفاً {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } أي وأنتم تسمعونه، أو ولا تتولوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تخالفوه وأنتم تسمعون أي تصدقون لأنكم مؤمنون لستم كالصم المكذبين من الكفرة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} المرادُ منه: إعلام رسُول اللَّهِ بأنَّهم ينصرون، وجدالهم قولهم: ما كان خُروجنا إلاَّ للعير، وهلاَّ قلت لنا لنستعدّ ونتأهبّ للقتالِ؛ لأنَّهم كانُوا يكرهون القتال ثُم إنَّه تعالى شبَّه حالهم في فرط فزعهم بحال من يُجَرّ إلى القتل، ويُسَاق إلى الموت وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته، ومنه قوله عليه السَّلامُ: "من نفى ابنه وهو ينظر إليه" أي يعلم أنَّه ابنه، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}تفسير : [النبأ: 40] أي يعلم وكان خوفهم لأمور: أحدها: قلَّة العدد. وثانيها: كانوا رجَّالة، روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان. وثالثها: قلة السلاح. قوله: يُجَادلُونك يحتمل أن يكون مُسْتأنفاً إخباراً عن حالهم بالمجادلةِ، ويحتمل أن يكون حالاً ثانية أي: أخرجك في حال مجادلتهم إيَّاك، ويحتمل أن يكون حالاً من الضَّمير في لكارهُون، أي: لكارِهُونَ في حال جدالٍ. والظاهرُ أنَّ الضميرَ المرفوع يعودُ على الفريق المتقدِّم. ومعنى المجادلة قولهم: كيف تُقاتل ولم نستعد للقتال؟ ويجوزُ أن يعود على الكفَّارِ، وجدالهم ظاهر. قوله: بَعْدَ ما تبيَّن منصوب بالجدال، و "ما" مصدرية، أي: بعد تَبينِهِ ووضوحه، وهو أقبحُ من الجدال في الشَّيء قبل إيضاحه. وقرأ عبد الله "بُيِّن" مبنياً للمفعول من: بَيَّنتُهُ أي: أظهرته، وقوله: "وهُمُ ينظرُونَ" حالٌ من مفعول يُساقُونَ.
ابو السعود
تفسير : {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ} الذي هو تلقّي النفيرِ لإيثارهم عليه تلقيَ العير، والجملةُ استئنافٌ أو حالٌ ثانية أي أخرجك في حال مجادلِتهم إياك ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في لَكارهون وقوله تعالى: {بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} منصوبٌ بـيجادلونك، وما مصدرية أي بعد تبـين الحقِّ لهم بإعلامك أنهم يُنصَرون أينما تواجهوا ويقولون: ما كان خروجُنا إلا للعِير، وهلا قلتَ لنا لنستعدَّ ونتأهَّبَ وكان ذلك لكراهتهم القتالَ {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} الكافُ في محل النصبِ على الحالية من الضمير في لَكارهون أي مُشبّهين بالذين يُساقون بالعنف والصَّغار إلى القتل {وَهُمْ يَنظُرُونَ} حال من ضمير يساقون أي والحالُ أنهم ينظرُون إلى أسباب الموتِ ويشاهدونها عِيانا، وما كانت هذه المرتبةُ من الخوف والجزعِ إلا لقلة عددِهم وعدمِ تأهُّبِهم وكونهم رِجالة. روي أنه لم يكن فيهم إلا فارسان. {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ} كلامٌ مستأنفٌ مَسوقٌ لبـيان جميلِ صنعِ الله عز وجل بالمؤمنين مع ما بهم من قلة الحزم ودناءةِ الهِمّةِ وقُصورِ الرأي والخوفِ والجزعِ، وإذْ منصوبٌ على المفعولية بمضمر خوطب به المؤمنون بطريق التلوينِ والالتفات، وإحدى الطائفتين مفعولٌ ثانٍ ليعدُكم أي اذكروا وقتَ وعدِ الله إياكم إحدى الطائفتين، وتذكيرُ الوقت مع أن المقصودَ تذكيرُ ما فيه من الحوادث لما مر مراراً من المبالغة في إيجاب ذكرِها لِما أن إيجابَ ذكر الوقتِ إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني ولأن الوقتَ مشتملٌ على ما وقع فيه من الحوادث بتفاصيلها، فإذا استُحضر كان ما وقع فيه حاضراً مفصّلاً كأنه مشاهَدٌ عياناً، وقرىء يَعدْكم بسكون الدال تخفيفاً، وصيغةُ المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها وقوله تعالى: {أَنَّهَا لَكُمْ} بدلُ اشتمالٍ من إحدى الطائفتين مُبـينٌ لكيفية الوعدِ أي يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنةٌ لكم مختصّةٌ بكم مسخّرةٌ لكم تتسلطون عليها تسلّطَ الُملاّكِ وتتصرفون فيهم كيف شئتم {وَتَوَدُّونَ} عطفٌ على يعدكم داخلٌ تحت الأمرِ بالذكر أي تحبون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} من الطائفتين لا ذاتَ الشوْكةِ وهي النفيرُ ورئيسُهم أبو جهلٍ وهم ألفُ مقاتلٍ، وغيرُ ذاتِ الشَّوكة هي العِيرُ إذ يكن فيها إلا أربعون فارساً ورأسُهم أبو سفيانَ. والتعبـيرُ عنهم بهذا العنوانِ للتنبـيه على سبب ودادتهم لملاقاتهم وموجبِ كراهتِهم ونفرتِهم عن موافاة النفيرِ، والشوْكةُ: العدةُ، مستعارةٌ من واحدة الشَّوْك وشوك القنا سباها {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ} عطفٌ على تودّون منتظمٌ معه في سلك التذكيرِ ليُظهِرَ لهم عظيمَ لطفِ الله بهم مع دناءة هِممِهم وقصور آرائِهم، أي اذكُروا وقت وعِده تعالى إياكم إحدى الطائفتين وودادتِكم لأدناهما وإرادتَه تعالى لأعلاهما وذلك قوله تعالى: {أَن يُحِقَّ الحَقَّ} أي يُثْبِتَه ويُعلِيَه {بِكَلِمَـٰتِهِ} أي بآياته المنزلةِ في هذا الشأن أو بأوامره للملائكة بالإمداد وبما قضَى من أسرهم وقتلهم وطرحِهم في قَليب بدر، وقرىء بكلمته {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي آخِرَهم ويستأصِلَهم بالمرة، المعنى أنتم تريدون سَفْسافَ الأمور والله عز وعلا يريد معالِيَها وما يرجِعُ إلى علو كلمةِ الحقِّ وسموِّ رتبةِ الدين، وشتان بـين المُرادَين.
القشيري
تفسير : جحودُ الحقِّ بعد وضوح برهانه عَلَمٌ لاستكبار صاحبه، وهو - في الحال - في وحشة غَيِّه، مُعَاقَبٌ بالصِّد وتَنعُّص العَيْشِ، يَملُّ حياتَه ويتمنى وفاتَه؛ {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}.
الجنابذي
تفسير : {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} الّذى يستتبع غاية حقّه متحقّقة وهو القتال الّذى به ارتفع امر المؤمنين وتقوّوا بالغلبة واخذ الغنيمة وهو قتال البدر {بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} الحقّ باعلام الرّسول انّ الغلبة لهم ومشاهدة صدق اخباره فى موارد عديدةٍ {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} اى الى الموت وذلك انّه اخبرهم الرّسول (ص) بعير قريشٍ وانّ الله وعدهم عير قريشٍ فخرجوا من المدينة، ثمّ اخبرهم انّ قريشاً خرجوا لحماية العير وانّ الله وعده النّصرة على قريشِ فكرهوا معارضة قريشٍ لقلّة عددهم وعددهم فجادلوه فى ذلك لضعف يقينهم.
فرات الكوفي
تفسير : {كأنَّما يُساقونَ إلى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرون6} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن أبي وائل السهمي قال: خرجنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فلما انتهينا إلى النهروان قال: وكنت شاكاً في قتالهم فضربت بفرسي [ب: فرسي] فاقحمته في شعران بطم [أ: شعر أبي بطم. ر: شعراتى نظم. ب: فى بطم] يعني شجرة حبة الخضراء. قال: فوالله لكأنه علم ما في قلبي، فأقبل يسير على بغلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل بتلك الشعران فنزل فوضع ترسه [ر، أ (خ ل): فرشه] ثم جلس عليه، ثم احتبا بحمائل سيفه فأنا أراه ولا يراني إذ جاءه رجل [فقال: يا أمير المؤمنين ما يجلسك وقد عبر القوم النهر؟! قال: كذبت لم يعبروا. قال: فرجع ثم جاء آخر. ر، ب] فقال: يا أمير المؤمنين ما يجلسك وقد عبر القوم النهر؟! وقتلوا فلاناً [وفلاناً. أ، ر] قال: كذبت [لم يعبروا والله. ر، ب] لا يعبروا حتى أقتلهم عهد من الله ومن رسوله. قال: ثم دعا بفرس فركبه فقلت: ما رأيت كاليوم والله لئن كان صادقاً فلأضربن بسيفي حتى ينقطع. قال: فلما جازني اتبعته فانتهينا إلى القوم فإذا هم يريدون العبور، فشد عليهم رجل من بني أسد يقال له معين أو مغيث فعرض رمحه على القنطرة فرد القوم، ثم إن علياً عليه السلام صاح بالقوم فتنحوا. قال: ثم حملوا علينا فانهزمنا وهو واقف، ثم التفت إلينا فقال: ما هذا؟! فقال: الدنيا {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}. قلنا: أوليس إلى الموت نساق؟ قال: شدوا الأضراس وأكثروا الدعاء واحملوا على القوم. قال: فحملنا [ن: فقلنا] فوالله ما انتصف النهار ومنهم أحدٌ يخبر عن أحد. قال: فلما رأى الناس قد عجبوا من قوله قال: [يا. أ] أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرني ان في هؤلاء القوم رجل مخدج اليد. فأقبل يسير حتى انتهينا إلى جوبة [أ: أجوبة] فيها قتلى فقال: ارفعوهم، فرفعناهم فاستخرجنا الرجل فمددنا المخدجة فاستوت [ظ] مع الصحيحة ثم خليناها فرجعت كما كانت فلما رأى الناس قد عجبوا قال: أيها الناس إن فيه علامة أخرى في يده الصحيحة في بطن عضده مثل ركب المرأة. قال: فشققت ثوباً كان عليه عربى! بأسناني أنا والأصبغ بن نباتة حتى رأيناه كما وصف ورأوه الناس.
اطفيش
تفسير : {يُجادِلُونكَ} أى ذلك الفريق {فى الحقِّ} الذى هو إيثارك الجهاد عن تلقى الغير عكس ما يريدون، أو فى إظهار الحق الذى هو الإسلام بالجهاد {بَعْد ما تَبيَّنَ} وقرأ ابن مسعود بين للبناء للمفعول وإسقاط التاء {لَهم} ما اسم أى بعد الذى تبين لهم، وأنهم ينصرون، سواء توجهوا للعير أو للقتال، ولا يخفى أن القتال الموعود بالنصر فيه أولى أو مصدرية ففى تبين ضمير الحق. {كأنَّما يساقون إلى الموتِ وهم ينْظُرونَ} يشاهدون أسبابه كمن جُر إلى إنسان يذبحه، وقد رأى فى يده الموسى، بالغوا فى الجدال كراهة للقتال ككراهة المسوق للموت المشاهد لأسبابه، ودل ذلك على أن جدالهم لشدة فزعهم ورعبهم، وجملة هم ينظرون حال من الواو، وقيل: إن ذلك فى المشركين، يجادلون النبى صلى الله عليه وسلم فى الإسلام بعد ما ظهر بدلائله، كأنما يساقون حين يؤمرون به إلى الموت وهم ينظرون.
الالوسي
تفسير : {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} الذي هو تلقي النفير المعلي للدين لإيثارهم عليه تلقي العير، والجملة إما مستأنفة أو حال ثانية، وجوز أن تكون حالاً من الضمير في {أية : لَكَارِهُونَ} تفسير : [الأنفال: 5] وقوله سبحانه: {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} متعلق بيجادلون، و {مَا} مصدرية، وضمير تبين للحق أي يجادلون بعد تبين الحق لهم بإعلامك أنهم ينصرون [أينما توجهوا] ويقولون: ما كان خروجنا إلا للعير وهلا ذكرت لنا القتال حتى نستعد له ونتأهب {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} أي مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار إلى القتل، فالجملة في محل نصب على الحالية من ضمير {أية : لَكَارِهُونَ} تفسير : [الأنفال: 5]، وجوز أن تكون صفة مصدر لكارهون بتقدير مضاف أي لكارهون كراهة ككراهة من سيق للموت {وَهُمْ يَنظُرُونَ} حال من ضمير {يُسَاقُونَ} وقد شاهدوا أسبابه وعلاماته، وفي قوله سبحانه وتعالى: {كَأَنَّمَا} الخ إيماء إلى أن مجادلتهم كان لفرط فزعهم ورعبهم لأنهم كانوا ثلثمائة وتسعة عشر رجلاً في قول فيهم فارسان المقداد بن الأسود والزبير بن العوام، وعن علي كرم الله تعالى وجهه ما كان منا فارس يوم بدر إلا المقداد وكان المشركون ألفاً قد استعدوا للقتال.
د. أسعد حومد
تفسير : {يُجَادِلُونَكَ} (6) - خَرَجَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بِالمُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ إلَى بَدْرٍ لِيَعْتَرِضَ سَبيلَ قَافِلَةٍ لِقُرَيشٍ قَادِمَةٍ مِنَ الشَّامِ إلَى مَكَّةَ، وَعَلِمَ أبُو سُفْيَانَ - وَكَانَ عَلَى رَأسِ القَافِلَةِ - بِخُرُوجِ المُسْلِمِينَ فَأْرَسَل إلَى قُرَيشٍ خَبَراً لِيَخْرُجُوا لِمَنْعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الاسْتِيلاءِ عَلَى القَافِلَةِ. وَعَلِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِخُرُوجِ قُرَيشٍ، وَكَانَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يُفَضِّلُونَ العِيْرَ، وَيَكْرَهُونَ القِتَالَ، وَيُرِيدُونَ المَغْنَمَ السَّهْلَ. وَقَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُمْ إنَّهُمْ سَيَلْقَونَ حَرْباً لاسْتَعَدُّوا لَهَا. وَأَخَذُوا يُجَادِلُونَ النَّبِيَّ فِي أَمْرِ القِتَالِ، مَعَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُمْ بِأنَّ اللهَ وَعَدَهُ النَّصْرَ، وَكَانَ وَعْدُ اللهِ حَقّاً، فَهُمْ فِي ذَهَابِهِمْ إلى القِتَالِ كَأنَّمَا يُسَاقُونَ إلى المَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ إلَيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : و{يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ}، أي يجادلونك في مسألة الخروج لملاقاة النفير، بعد ما تبين لهم الوعد الحق من الله عز وجل وهو وعده سبحانه وتعالى بأن تكون لهم إحدى الطائفتين، وهما طائفة العير أو النفير الضخم الذي جمعته قريش لملاقاتهم. وما دام الحق قد وعدكم إحدى الطائفتين، فلماذا لا تأخذون الوعد في أقوى الطوائف؟ لماذا تريدون الوعد في أضعف الطوائف؟! لقد وعدكم الحق سبحانه وتعالى أن إحدى الطائفتين ستكون لكم، فكان المنطق والعقل يؤكدان أنه ما دام قد وعدنا الله عز وجل إحدى الطائفتين، فلنقدم إلى الأنفع للإسلام والحق الذي نحارب من أجله، وأن نواجه الطائفة ذات القوة والشوكة والمنعة؛ لأنه قد يكون من الصحيح أن النصر مؤكد على طائفة العير، لكن هذا النصر سيبقى من بعد ذلك مجرد نصر يقال عنه! إنه نصر لقطاع طريق، لا أهل قضية إيمان ودين. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 7]. فالمنطق إذن يفرض أن الله عز وجل ما دام قد وعد رسوله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين، طائفة في عير والأخرى في نفير، كان المنطق يفرض إقبال المؤمنين على مواجهة الطائفة القوية؛ لأن النصر على النفير هو أشرف من النصر على طائفة العير. {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}. ونلحظ أن هناك "سوق"، وهناك "قيادة"، والقيادة تعني أن تكون من الأمام لتدل الناس على الطريق، و "السوق" يكون من الخلف لتحث المتقدم أن يقصر المسافة مع تقصير الزمن، فبدلاً من أن نقطع المسافة فى ساعة - على سبيل المثال - فنقطعها في نصف ساعة. وقوله تعالى: {يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الأنفال: 6]. أي أنهم غير منجزين للسير. بل هم مدفوعون إليه دفعاً، وهم ينظرون بشاعة الموت، لأنهم تصوروا أن مواجهتهم لألف فتى من مقاتلي قريش مسألة صعبة، فألف أمام ثلاثمائة مسألة ليست هينة؛ لأن ذلك سيفرض على كل مسلم أن يواجه ثلاثة معهم العدة والعتاد، فكأن الصورة التي تمثلت لهم صورة بشعة، لكنهم حينما نظروا هذه النظرة لم يلتفتوا إلى أن معهم ربّا ينصرهم على هؤلاء جميعاً. ويقول الحق بعد ذلك: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ...}
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {يُجَادِلُونَكَ} [الأنفال: 6] الروح والقلب، {فِي ٱلْحَقِّ} [الانفال: 6] أي: في مجيء الحق، {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} [الأنفال: 6] الفناء كمن يساق إلى الموت، {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ} [الأنفال: 7] أيها السائرون إلى الله، {إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} [الأنفال: 7] إمَّا الظفر بالأعداء وهي النفوس، فإن الظفر بها نهاية إقدام الرجال السائرين، وعزيز الواردات الروحانية وغنائم الأسرار الربانية. {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: 7] أي: أردتم ألا تجاهدوا عدوّ النفس ذات المكر والحيلة والهوى، واستحليتم الواردات والشواهد الغيبية وذلك أن السير قسمان: سير السالكين على أقدام الطاعات وتبديل الصفات النفسانية إلى جنات الروحانية، وسير المجذوبين على أجنحة عنقاء الجذبات إلى وراء قاف الأنانية، ألا ترى إلى حال موسى عليه السلام أنه لما كان من السالكين كان سيره إلى ميقات ربه قال تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا}تفسير : [الأعراف: 143]، وكان مقامه مع الله المكالمة؛ إذ لم يجاوز طور النفس ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما كان من المجذوبين كان سيره على جناح جبريل عليه السلام إلى سدرة المنتهى ومنها على رفرف الجذبة الإلهية إلى قاب قوسين أو أدنى فكان مقامه مع الله المشاهدة لما جاوز عن قاف الأنانية، فمن العناية ألاَّ يكل الله السائر إلى ما يوافق طبعه وهواه؛ بل يخرجه من ظلمات الطبيعة إلى نور الحقيقة، كما قال تعالى: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} [الأنفال: 7] بجذباته. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] يعني: يقطع بمجيء الحق دابر كفار النفوس عن المجذوبين، {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} [الأنفال: 8] بالمجيء، {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} [الأنفال: 8] بالزهوق عند مجيء الحق، {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] أي: النفوس الأمارة بالسوء، {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} [الأنفال: 9] يعني: عند استغاثة الروح والقلب من النفوس إلى الله عند استيلاء صفاتها وغلبة هواها على الروح والقلب. {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} [الأنفال: 9] أي: ألف صفة من الصفات الملكية والروحانية، {مُرْدِفِينَ} [الأنفال: 9] متعاقبين؛ لتكون صفات النفس بها مغلوبة، {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} [الأنفال: 10] يعني: هذا الإمداد، {إِلاَّ بُشْرَىٰ} [الأنفال: 10] أي: إلا بشهادة لكم بتبديل الأخلاق. {وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ} [الأنفال: 10] أي: بهذا التبديل، {قُلُوبُكُمْ} [الأنفال: 10] وتتحقق عندكم النتائج من أمارات النصر والظفر بالنفوس، {وَمَا ٱلنَّصْرُ} [الأنفال: 10] الحقيقي الذي هو الظفر بالنفس وهلاكها واضمحلال صفاتها، {إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ} [الأنفال: 10] يعني: بتجلي صفة القهارية، {إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ} [الأنفال: 10] لا يوصل إلا بعد فناء الوجود، {حَكِيمٌ} [الأنفال: 10] بمن يفنيه عنه ويبقيه به. ثم أخبر عن آثار لطفه مع الأخيار وآثار قهره مع الأشرار بقوله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} [الأنفال: 11] إلى قوله: {أية : وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ}تفسير : [الأنفال: 14] يشير إلى النعاس في المعركة عند مواجهة العدو وقتاله والأمن منه بدل الخوف، إنما هو من تقليب الحال إلى ضده بأمره التكوين. كما قال تعالى للنار: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [الأنبياء: 69] فكانت كذلك، قال للخوف: كن أمناً على محمد وأصحابه فكان، {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} [الأنفال: 11] يعني: من سماء الروحانية ماء الإلهام الرباني، {لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] من دنس الصفات النفسانية والحيوانية، {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} [الأنفال: 11] أي: وساوسه وهواجسه، {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} [الأنفال: 11] بالصدق والإخلاص والمحبة والتوكل واليقين، {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] على استقامة الطلب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):