Verse. 1165 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

كَـمَاۗ اَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْۢ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ۝۰۠ وَاِنَّ فَرِيْقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِيْنَ لَكٰرِہُوْنَ۝۵ۙ
Kama akhrajaka rabbuka min baytika bialhaqqi wainna fareeqan mina almumineena lakarihoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق» متعلق بأخرج «وإن فريقا من المؤمنين لكارهون» الخروج والجملة حال من كاف أخرجك وكما خبر مبتدأ محذوف أي هذه الحال في كراهتهم لها مثل إخراجك في حال كراهتهم وقد كان خيرا لهم فكذلك أيضا وذلك أن أبا سفيان قدم بعير من الشام فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغنموها فعلمت قريش فخرج أبو جهل ومقاتلوا مكة ليذبُّوا عنها وهم النفير وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت فقيل لأبي جهل ارجع فأبى وسار إلى بدر. فشاور النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال إن الله وعدني إحدى الطائفتين فوافقوه على قتال النفير وكره بعضهم ذلك وقالوا لم نستعدَّ له كما قال تعالى.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } يقتضي تشبيه شيء بهذا الإخراج وذكروا فيه وجوهاً: الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كثرة المشركين يوم بدر وقلة المسلمين قال: «حديث : من قتل قتيلاً فله سلبه ومن أسر أسيراً فله كذا وكذا»تفسير : ليرغبهم في القتال، فلما انهزم المشركون قال سعد بن عبادة: يا رسول الله إن جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم، ولم يتأخروا عن القتال جبناً ولا بخلاً ببذل مهجهم ولكنهم أشفقوا عليك من أن تغتال فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم بقي خلق من المسلمين بغير شيء فأنزل الله تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلانفَالِ قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ }تفسير : [الأنفال: 1] يصنع فيها ما يشاء، فأمسك المسلمون عن الطلب وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهية وأيضاً حين خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة على ما سنشرح حالة تلك الكراهية، فلما قال تعالى: {قُلِ ٱلانفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ } كان التقدير أنهم رضوا بهذا الحكم في الأنفال وإن كانوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحق إلى القتال وإن كانوا كارهين له وهذا الوجه أحسن الوجوه المذكورة هنا. الثاني: أن يكون التقدير ثبت الحكم بأن الأنفال لله، وإن كرهوه كما ثبت حكم الله بإخراجك إلى القتال وإن كرهوه. الثالث: لما قال: {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } كان التقدير: أن الحكم بكونهم مؤمنين حق، كما أن حكم الله بإخراجك من بيتك للقتال حق. الرابع: قال الكسائي: «الكاف» متعلق بما بعده، وهو قوله: {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ } والتقدير {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه. والله أعلم. المسألة الثانية: قوله: {مِن بَيْتِكَ } يريد بيته بالمدينة أو المدينة نفسها، لأنها موضع هجرته وسكناه بالحق، أي إخراجاً متلبساً بالحكمة والصواب {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ } في محل الحال، أي أخرجك في حال كراهيتهم. روي أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها أموال كثيرة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان، وعمرو بن العاص، وأقوام آخرون، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير، وقلة القوم، فلما أزمعوا وخرجوا، بلغ أهل مكة خبر خروجهم، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلولٰ إن أخذ محمد عيركم لن تفلحوا أبداً، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا، فقالت لأخيها: إني رأيت عجباً رأيت كأن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل، ثم حلق بها فلم يبق بيت من بيوت مكة إلا أصابه حجر من تلك الصخرة. فحدث بها العباس. فقال أبو جهل: ما ترضى رجالهم بالنبوة حتى ادعى نساؤهم النبوةٰ فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير، وفي المثل السائر ـ لا في العير ولا في النفير ـ فقيل له: العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع إلى مكة بالناس. فقال: لا والله لا يكون ذلك أبداً حتى ننحر الجزور ونشرب الخمور، وتغني القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بخروجنا، وإن محمداً لم يصب العير فمضى إلى بدر بالقوم. وبدر كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة، فنزل جبريل وقال: يا محمد إن الله وعدكم إحدى الطائفتين، إما العير وإما النفير من قريش، واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فقال: «ما تقولون إن القوم خرجوا من مكة على كل صعب وذلول. فالعير أحب إليكم أم النفير؟ قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدو. فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فقام عند غضب النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال امض إلى ما أمرك الله به فإنا معك حيثما أردت. فوالله لو سرت إلى عدن لما تخلف عنك رجل من الأنصار. ثم قال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض إلى ما أمرك الله به، فإنا معك حيثما أردت، لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } تفسير : [المائدة: 24] ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت منا عين تطرف. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : سيروا على بركة الله والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم»تفسير : ، ولما فرغ رسول الله من بدر، قال بعضهم: عليك بالعير. فناداه العباس وهو في وثاقه، لا يصلح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لم؟ قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. إذا عرفت هذه القصة فنقول: كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لا لكلهم، بدليل قوله تعالى: {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ } والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقى النفير لإيثارهم العير. وقوله: {بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ } المراد منه: إعلام رسول الله بأنهم ينصرون. وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير، وهلا قلت لنا؟ لنستعد ونتأهب للقتال، وذلك لأنهم كانوا يكرهون القتال، ثم إنه تعالى شبه حالهم في فرط فزعهم ورعبهم بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموت، وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته، وبالجملة فقوله: {وَهُمْ يَنظُرُونَ } كناية عن الجزم والقطع. ومنه قوله عليه السلام: «حديث : من نفى ابنه وهو ينطر إليه» تفسير : أي يعلم أنه ابنه. وقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } تفسير : [النبأ: 40] أي يعلم. واعلم أنه كان خوفهم لأمور: أحدها: قلة العدد. وثانيها: أنهم كانوا رجالة. روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان. وثالثها: قلة السلاح. المسألة الثالثة: روي أنه صلى الله عليه وسلم إنما خرج من بيته باختيار نفسه، ثم إنه تعالى أضاف ذلك الخروج إلى نفسه فقال: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } وهذا يدل على أن فعل العبد بخلق الله تعالى إما ابتداء أو بواسطة القدرة والداعية اللذين مجموعهما يوجب الفعل كما هو قولنا. قال القاضي معناه: أنه حصل ذلك الخروج بأمر الله تعالى وإلزامه، فأضيف إليه. قلنا: لا شك أن ما ذكرتموه مجاز، والأصل حمل الكلام على حقيقته.

القرطبي

تفسير : قوله تعالىٰ: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} قال الزجاج: الكاف في موضع نصب؛ أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق. والمعنىٰ: امضِ لأمرك في الغنائم ونَفِّل من شئت وإن كرهوا؛ لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتىٰ بأسير شيئاً قال: يبقىٰ أكثر الناس بغير شيء. فموضع الكاف في «كما» نَصْبٌ كما ذكرنا. وقاله الفرّاء أيضاً. قال أبو عبيدة: هو قَسَم، أي والذي أخرجك؛ فالكاف بمعنىٰ الواو، وما بمعنىٰ الذي. وقال سعيد بن مَسْعَدة: المعنىٰ أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك من بيتك بالحق. قال: وقال بعض العلماء {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بيْنِكُمْ. وقال عكرمة: المعنىٰ أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك. وقيل: «كَمَا أَخْرَجَكَ» متعلّق بقوله «لَهُمْ دَرَجَاتٌ» المعنىٰ: لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم. أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له؛ فأنجزك وعدك وأظفرك بعدوّك وأوْفىٰ لك؛ لأنه قال عز وجل: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}. فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا يُنْجزكم ما وعدكم به في الآخرة. وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره. وقيل: الكاف في «كما» كافُ التشبيه، ومخرجه على سبيل المجازاة؛ كقول القائل لعبده: كما وجّهتك إلى أعدائي فٱستضعفوك وسألت مَدَداً فأمددتك وقويتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا. وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا. وكما أحسنت إليك فٱشكرني عليه. فقال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغَشّاكم النُّعاس أَمَنَةً منه ـ يعني به إياه ومن معه ـ وأنزل من السماء ماء ليطهركم به، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مُرْدِفين؛ فاضربوا فوق الأعناق وٱضربوا منهم كل بنان. كأنه يقول: قد أزحت عِلَلَكم، وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع، وهو المَقْتَل؛ لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل. والله أعلم. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم.

البيضاوي

تفسير : {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ} خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال في كراهتهم إياها كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له، وهي كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة. أو صفة مصدر الفعل المقدر في قوله: {لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ} أي الأنفال ثبتت لله والرسول صلى الله عليه وسلم مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك، يعني المدينة لأنها مهاجرة ومسكنه أو بيته فيها مع كراهتهم. {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ} في موقع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشأم وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة، فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول، عيركم أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً، وقد رأت قبل ذلك بثلاث عاتكة بنت عبد المطلب أن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها فلم يبق بيت في مكة إلا أصابه شيء منها، فحدثت بها العباس وبلغ ذلك أبا جهل فقال: ما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة ومضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوماً في السنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ذفران فنزل عليه جبريل عليه السلام بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش، فاستشار فيه أصحابه فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنما خرجنا للعير، فردد عليهم وقال أن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقالا فأحسنا، ثم قام سعد بن عبادة فقال: أنظر أمرك فامض فيه فوالله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ثم قال مقداد بن عمرو: امض لما أمرك الله فأنا معك حيثما أحببت، لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ }تفسير : [المائده: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : أشيروا عليَّ أيها الناس»تفسير : وهو يريد الأنصار لأنهم كانوا (عددهم) وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سعد بن معاذ فقال لكأنك تريدنا يا رسول الله فقال: أجل، قال: آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله تعالى، فنشطه قوله ثم قال: «حديث : سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم»تفسير : وقيل حديث : إنه عليه الصلاة والسلام لما فرغ من بدر قيل له: عليك بالعير فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له «لم» فقال: لأن وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك، فكره بعضهم قوله.تفسير : {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ} في إيثارك الجهاد بإظهار الحق لإيثارهم تلقي العير عليه. {بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ} لهم أنهم ينصرون أينما توجهوا بإعلام الرسول عليه الصلاة والسلام. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان، وفيه إيماء إلى أن مجادلتهم إنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم. {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ} على إضمار اذكر، وإحدى ثاني مفعولي {يَعِدُكُمُ} وقد أبدل منها. {أَنَّهَا لَكُمْ} بدل الاشتمال. {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } يعني العير فإنه لم يكن فيها إلا أربعون فارساً ولذلك يتمنونها ويكرهون ملاقاة النفير لكثرة عَدَدِهِمْ، وعُدَدِهِمْ والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ } أي يثبته ويعليه. {بِكَلِمَـٰتِهِ } الموحى بها في هذه الحال، أو بأوامره للملائكة بالإِمداد، وقرىء «بكلمته». {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ويستأصلهم، والمعنى: أنكم تريدون أن تصيبوا مالاً ولا تلقوا مكروهاً، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق وما يحصل لكم فوز الدارين. {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ} أي فعل ما فعل وليس بتكرير، لأن الأول لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التفاوت، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات الشوكة ونصرة عليها. {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } ذلك.

ابن كثير

تفسير : قال الإمام أبو جعفر الطبري: اختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ}، فقال بعضهم: شبه به في الصلاح للمؤمنين اتقاؤهم ربهم وإصلاحهم ذات بينهم وطاعتهم لله ورسوله، ثم روي عن عكرمة نحو هذا، ومعنى هذا أن الله تعالى يقول: كما أنكم لما اختلفتم في المغانم، وتشاححتم فيها، فانتزعها الله منكم، وجعلها إلى قسمه، وقسم رسوله صلى الله عليه وسلم فقسمها على العدل والتسوية، فكان هذا هو المصلحة التامة لكم، وكذلك لما كرهتم الخروج إلى الأعداء من قتال ذات الشوكة، وهم النفير الذين خرجوا لنصر دينهم وإحراز عيرهم، فكان عاقبة كراهتكم للقتال بأن قدره لكم، وجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد رشداً وهدى، ونصراً وفتحاً، كما قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 216] قال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ}، على كره من فريق من المؤمنين، كذلك هم كارهون للقتال، فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم. ثم روي عن مجاهد نحوه أنه قال: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ} قال: كذلك يجادلونك في الحق، وقال السدي: أنزل الله في خروجه إلى بدر ومجادلتهم إياه، فقال: { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ} لطلب المشركين {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} وقال: بعضهم يسألونك عن الأنفال مجادلة؛ كما جادلوك يوم بدر، فقالوا: أخرجتنا للعير، ولم تعلمنا قتالاً فنستعد له. قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج من المدينة طالباً لعير أبي سفيان التي بلغه خبرها أنها صادرة من الشام فيها أموال جزيلة لقريش، فاستنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين؛ من خف منهم، فخرج في ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً، وطلب نحو الساحل من على طريق بدر، وعلم أبو سفيان بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبه، فبعث ضمضم بن عمرو نذيراً إلى أهل مكة، فنهضوا في قريب من ألف مقنع ما بين التسعمائة إلى الألف، وتيامن أبو سفيان بالعير إلى سيف البحر، فنجا، وجاء النفير، فوردوا ماء بدر، وجمع الله بين المسلمين والكافرين على غير ميعاد؛ لما يريد الله تعالى من إعلاء كلمة المسلمين، ونصرهم على عدوهم، والتفرقة بين الحق والباطل؛ كما سيأتي بيانه، والغرض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه خروج النفير، أوحى الله إليه يعده إحدى الطائفتين؛ إما العير، وإما النفير، ورغب كثير من المسلمين إلى العير؛ لأنه كسب بلا قتال؛ كما قال تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} قال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره: حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، حدثنا بكر بن سهل، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران، حدثه: أنه سمع أبا أيوب الأنصاري يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: «حديث : إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة، فهل لكم أن نخرج قبل هذه العير لعل الله أن يغنمناها؟» تفسير : فقلنا: نعم، فخرج وخرجنا، فلما سرنا يوماً أو يومين، قال لنا: «حديث : ما ترون في قتال القوم فإنهم قد أخبروا بمخرجكم؟» تفسير : فقلنا: لا، والله ما لنا طاقة بقتال العدو، ولكنا أردنا العير، ثم قال: «حديث : ما ترون في قتال القوم؟» تفسير : فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد بن عمرو: إذاً لا نقول لك يا رسول الله كما قال قوم موسى لموسى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] قال: فتمنينا معشر الأنصار أن لو قلنا كما قال المقداد أحب إلينا من أن يكون لنا مال عظيم، قال: فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ} وذكر تمام الحديث. ورواه ابن أبي حاتم من حديث ابن لهيعة بنحوه، وروى ابن مردويه أيضاً من حديث محمد بن عمرو بن علقمة بن أبي وقاص الليثي، عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء، خطب الناس فقال: «حديث : كيف ترون؟» تفسير : فقال أبو بكر: يا رسول الله بلغنا أنهم بمكان كذا وكذا، قال: ثم خطب الناس، فقال: «حديث : كيف ترون؟» تفسير : فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال: «حديث : كيف ترون؟» تفسير : فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله إيانا تريد؟ فو الذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالذين قالوا لموسى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر، وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد: { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ} الآيات. وقال العوفي عن ابن عباس: لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدو، وقال له سعد بن عبادة ما قال، وذلك يوم بدر، أمر الناس أن يتهيؤوا للقتال، وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الإيمان، فأنزل الله: { كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } وقال مجاهد: يجادلونك في الحق: في القتال، وقال محمد بن إسحاق: {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} أي: كراهية للقاء المشركين، وإنكاراً لمسير قريش حين ذكروا لهم، وقال السدي: {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} أي: بعد ما تبين لهم أنك لا تفعل إلا ما أمرك الله به. قال ابن جرير: وقال آخرون: عنى بذلك المشركين، حدثنا يونس، أنبأنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله تعالى: { يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} قال: هؤلاء المشركون، جادلوه في الحق؛ كأنما يساقون إلى الموت، حين يدعون إلى الإسلام وهم ينظرون. قال: وليس هذا من صفة الآخرين، هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. ثم قال ابن جرير: ولا معنى لما قاله، لأن الذي قبل قوله: {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} خبر عن أهل الإيمان، والذي يتلوه خبر عنهم. والصواب قول ابن عباس وابن إسحاق: أنه خبر عن المؤمنين، وهذا الذي نصره ابن جرير هو الحق، وهو الذي يدل عليه سياق الكلام، والله أعلم. وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن بكير وعبد الرزاق قالا: حدثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء، فناداه العباس بن عبد المطلب - قال عبد الرزاق: وهو أسير في وثاقه -: إنه لا يصلح لك، قال: «حديث : ولم؟» تفسير : قال: لأن الله عز وجل إنما وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك الله ما وعدك إسناد جيد ولم يخرجه، ومعنى قوله تعالى: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} أي: يحبون أن الطائفة التي لا حد لها، ولا منعة ولا قتال، تكون لهم، وهي العير، {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ} أي: هو يريد أن يجمع بينكم وبين الطائفة التي لها الشوكة والقتال؛ ليظفركم بهم، وينصركم عليهم، ويظهر دينه، ويرفع كلمة الإسلام، ويجعله غالباً على الأديان، وهو أعلم بعواقب الأمور، وهو الذي يدبركم بحسن تدبيره، وإن كان العباد يحبون خلاف ذلك فيما يظهر لهم؛ كقوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ} تفسير : [البقرة: 216] وقال محمد بن إسحاق رحمه الله: حدثني محمد بن مسلم الزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا، عن عبد الله بن عباس، كل قد حدثني بعض هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر، قالوا: لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلاً من الشام، ندب المسلمين إليهم، وقال: «حديث : هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعل الله أن ينفلكموها» تفسير : فانتدب الناس، فخف بعضهم، وثقل بعضهم، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً، وكان أبو سفيان قد استنفر حين دنا من الحجاز من يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان تخوفاً على أمر الناس، حتى أصاب خبراً من بعض الركبان أن محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فحذر عند ذلك، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى أهل مكة، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه، حتى بلغ وادياً يقال له: ذفران، فخرج منه حتى إذا كان ببعضه، نزل، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم عن قريش، فقام أبو بكر رضي الله عنه فقال، فأحسن. ثم قام عمر رضي الله عنه فقال، فأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى "برك الغماد"، يعني: مدينة الحبشة، لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخير، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أشيروا علي أيها الناس» تفسير : وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة، قالوا: يا رسول الله إنا برآء من زمامك حتى تصل إلى دارنا، فإذا وصلت إلينا، فأنت في زمامنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: «حديث : أجل» تفسير : فقال: آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أمرك الله، فو الذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته، لخضناه معك، ما يتخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: «حديث : سيروا على بركة الله، وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم» تفسير : وروى العوفي عن ابن عباس نحو هذا، وكذلك قال السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد من علماء السلف والخلف، اختصرنا أقوالهم اكتفاء بسياق محمد بن إسحاق.

المحلي و السيوطي

تفسير : {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ } متعلق ب «أخرج» {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكٰرِهُونَ } الخروج، والجملة حال من كاف «أخرجك» و «كما» خبر مبتدأ محذوف: أي هذه الحال في كراهتهم لها مثل إخراجِكَ في حال كراهتهم، وقد كان خيراً لهم، فكذلك هذه أيضاً، وذلك أنّ أبا سفيان قدم بِعِيرٍ من الشام، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليغنموها، فعلمت قريش فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبُّوا عنها وهم النفير، وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت، فقيل لأبي جهل ارجع فأبى وسار إلى بدر، فشاورالنبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال:(حديث : إنّ الله وعدني إحدى الطائفتين)تفسير : ، فوافقوه على قتال النفير، وكره بعضهم ذلك وقالوا: لم نستعد له، كما قال تعالى:

الشوكاني

. تفسير : قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } قال الزجاج: الكاف في موضع نصب، أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، أي مثل إخراج ربك، والمعنى: امض لأمرك في الغنائم. ونفل من شئت، وإن كرهوا، لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئاً قال: بقي أكثر الناس بغير شيء. فموضع الكاف نصب كما ذكرنا. وبه قال الفراء. وقال أبو عبيدة: هو قسم، أي والذي أخرجك، فالكاف بمعنى الواو، و"ما" بمعنى الذي. وقال الأخفش سعيد بن مسعدة المعنى أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك. وقال عكرمة المعنى: أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك ربك. وقيل {كما أخرجك} متعلق بقوله: {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ } أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } الواجب له، فأنجز وعدك وظفرك بعدوّك وأوفى لك. ذكره النحاس واختاره. وقيل الكاف في {كما} كاف التشبيه على سبيل المجازاة كقول القائل لعبده: كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك، وسألت مدداً فأمددتك وقوّيتك وأزحت علتك، فخذهم الآن فعاقبهم. وقيل: إن الكاف في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذه الحال كحال إخراجك. يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ذكره صاحب الكشاف. و{بالحق} متعلق بمحذوف، والتقدير: إخراجاً متلبساً بالحق الذي لا شبهة فيه، وجملة {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} في محل نصب على الحال، أي كما أخرجك في حال كراهتهم لذلك، لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين، إما العير أو النفير، رغبوا في العير لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال كما سيأتي بيانه. وجملة {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ} إما في محل نصب على أنها حال بعد حال، أو مستأنفة جواب سؤال مقدّر. ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين، وفات العير وأمرهم بقتال النفير، ولم يكن معهم كثير أهبة، لذلك شق عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخدنا العدة وأكملنا الأهبة. ومعنى {فِي ٱلْحَقّ } أي في القتال بعد ما تبين لهم أنك لا تأمر بالشيء إلا بإذن الله، أو بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم بالظفر بإحدى الطائفتين. وأن العير إذا فاتت ظفروا بالنفير. و {بعد} ظرف ليجادلونك. و{ما} مصدرية أي يجادلونك بعد ما تبين الحق لهم. قوله: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ } الكاف في محل نصب على الحال من الضمير في {لَكَارِهُونَ } أي: حال كونهم في شدة فزعهم من القتال، يشبهون حال من يساق ليقتل، وهو مشاهد لأسباب قتله، ناظر إليها لا يشك فيها. قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } الظرف منصوب بفعل مقدّر، أي واذكروا وقت وعد الله إياكم إحدى الطائفتين. وأمرهم بتذكير الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث بقصد المبالغة. والطائفتان: هما العير والنفير. و{إحدى} هو ثاني مفعولي {يعد}، و {أَنَّهَا لَكُمْ } بدل منه بدل اشتمال. ومعناه: أنها مسخرة لكم، وأنكم تغلبونها وتغنمون منها وتصنعون بها ما شئتم من قتل وأسر وغنيمة، لا يطيقون لكم دفعاً، ولا يملكون لأنفسهم منكم ضراً ولا نفعاً. وفي هذه الجملة تذكير لهم بنعمة من النعم التي أنعم الله بها عليهم. قوله: {وَتَوَدُّونَ } معطوف على {يَعِدُكُمُ } من جملة الحوادث التي أمروا بذكر وقتها. {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ } من الطائفتين، وهي طائفة العير {تَكُونُ لَكُمْ } دون ذات الشوكة، وهي طائفة النفير. قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحدّ. والشوكة: السلاح، والشوكة: النبت الذي له حدّ. ومنه رجل شائك السلاح، أي حديد السلاح. ثم يقلب فيقال شاكي السلاح. فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك. والمعنى: وتودّون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح، وهي طائفة الغير، لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها. قوله: {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَـٰتِهِ } معطوف على {تودّون} وهو من جملة ما أمروا بذكر وقته، أي ويريد الله غير ما تريدون، وهو أن يحقّ الحقّ بظهاره، لما قضاه من ظفركم بذات الشوكة، وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير منهم، واغتنام ما غنمتم من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم، وراموا دفعكم بها. والمراد بالكلمات: الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة، ووعدكم منه بالظفر بها. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } الدابر: الآخر، وقطعه عبارة عن الاستئصال. والمعنى: ويستأصلهم جميعاً. قوله: {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } هذه الجملة علة لما يريده الله، أي أراد ذلك، أو يريد ذلك ليظهر الحق، ويرفعه {وَيُبْطِلَ ٱلْبَـٰطِلَ } ويضعه، أو اللام متعلقة بمحذوف، أي فعل ذلك ليحق الحق. وقيل متعلق بـ{يقطع}، وليس في هذه الجملة تكرير لما قبلها، لأن الأولى لبيان التفاوت فيما بين الإرادتين. وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك، والعلة المقتضية له. والمصلحة المترتبة عليه. وإحقاق الحق إظهاره، وإبطال الباطل إعدامه: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } تفسير : [الأنبياء: 18] ومفعول {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ } محذوف، أي ولو كرهوا أن يحق الحق، ويبطل الباطل. والمجرمون هم المشركون من قريش، أو جميع طوائف الكفار. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة، وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت فقال: «حديث : ما ترون فيها لعلّ الله يغنمناها ويسلمنا"تفسير : ، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ، ففعلنا، فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدّتنا، فسرّ بذلك وحمد الله وقال: "حديث : عدّة أصحاب طالوت"تفسير : ، فقال: "حديث : ما ترون في قتال القوم، فإنهم قد أخبروا بمخرجكم"تفسير : ، فقلنا: يا رسول الله، لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم، إنما خرجنا للعير، ثم قال: "حديث : ما ترون في قتال القوم؟" تفسير : فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد: لا تقولوا كما قال قوم موسى لموسى {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ } تفسير : [المائدة: 24] فأنزل الله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ } إلى قوله: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ }. فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين، إما القوم وإما العير، طابت أنفسنا، ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم إني أنشدك وعدك"تفسير : ، فقال ابن رواحة: يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من أن يشير عليه، إن الله أجلّ وأعظم من أن تنشده وعده، فقال: "حديث : يا ابن رواحة لأنشدنّ الله وعده، فإن الله لا يخلف الميعاد"تفسير : ، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فانهزموا، فأنزل الله {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ } تفسير : [الأنفال: 17] فقتلنا وأسرنا، فقال عمر: يا رسول الله ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن داعون مؤلفون، فقلنا: يا معشر الأنصار إنما يحمل عمر على ما قال حسد لنا. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ فقال: "حديث : ادعوا لي عمر"تفسير : ، فدعي له فقال: "حديث : إن الله قد أنزل عليّ" {أية : مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ } تفسير : الآية [الأنفال: 67]. وفي إسناده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن مردويه عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جدّه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال: "أية : كيف ترون؟"تفسير : . فقال أبو بكر: يا رسول الله، بلغنا أنهم كذا وكذا، ثم خطب الناس فقال: "حديث : كيف ترون؟"تفسير : فقال عمر مثل قول أبي بكر. ثم خطب الناس فقال: "حديث : كيف ترون؟"تفسير : فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، إيانا تريد، فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط، ولا لي بها علم، ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن، لنسيرن معك، ولا نكونن كالذين قالوا لموسى: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَـٰهُنَا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، فنزل القرآن على قول سعد {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } إلى قوله: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} وإنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الغنيمة مع أبي سفيان، فأحدث الله إليه القتال. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } قال: كذلك يجادلونك في خروج القتال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ } قال: السدى في قوله {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ} قال: خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـِّرِهُونَ} قال: لطلب المشركين. {يُجَـٰدِلُونَكَ فِي ٱلْحَقّ بَعْدَمَا مَا تَبَيَّنَ} أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله به. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} قال: هي عير أبي سفيان. ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم، وأن القتال صرف عنهم. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة: {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي شأفتهم. ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب الحديث، والسير، والتاريخ مستوفاة، فلا نطيل بذكرها.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} فيه قولان: أحدهما: كما أخرجك ربك من مكة إلى المدينة بالحق مع كراهه فريق من المؤمنين كذلك ينجز وعدك في نصرك على أعدائك بالحق. والثاني: كما أخرجك ربك من بيتك مِن المدينة إلى بدر بالحق كذلك جعل لك غنيمة بدر بالحق. وفي قوله: {بِالْحَقِّ} وجهان: أحدهما: أنك خرجت ومعك الحق. الثاني: أنه أخرجك بالحق الذي وجب عليك. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} فيه وجهان: أحدهما: كارهون خروجك. الثاني: كارهون صرف الغنيمة عنهم لأنهم لم يعلموا أن الله تعالى قد جعلها لرسوله دونهم. قوله عز وجل: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} يعني في القتال يوم بدر. و {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} يحتمل وجهين: أحدهما: بعد ما تبين لهم صوابه. الثاني: بعد ما تبين لهم فرضه. وفي المجادل له قولان: أحدهما: أنهم المشركون، قاله ابن زيد. الثاني: أنهم طائفة من المؤمنين وهو قول ابن عباس، وابن إسحاق، لأنهم خرجوا لأخذ العير المقبلة من الشام مع أبي سفيان فلما فاتهم ذلك أمروا بالقتال فجادلوا طلباً للرخصة وقالوا ما تأهبنا في الخروج لقتال العدو، فأنزل الله تعالى: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ} يعني كأنهم في قتال عدوهم يساقون إلى الموت، رعباً وأسفاً لأنه أشد لحال من سيق إلى الموت أن يكون ناظراً له وعالماً به. قوله عز وجل: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} الآية. وسبب ذلك أن عير قريش لما أقبلت من الشام مع أبي سفيان همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج لأخذها، وسار فبلغ ذلك قريشاً فخرجت للمنع عنها، فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم بخروجها شاور أصحابه، فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لنخوضنه معك، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد وقال: "حديث : سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ وَأَبْشِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الْطَّائِفَتَينِ وَاللَّهِ لَكَأَنِي أَنْظُرُ الآنَ إِلَى مَصَارِعِ الْقَومِ" تفسير : فذلك معنى قوله {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّآئِفَتَيْنِ} يعني العير التي مع أبي سفيان أو الظفر بقريش الخارجين للمنع منها. {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} أي غير ذات الحرب وهي العير لأن نفوسهم في لقائها أسكن، وهم إلى ما فيها من الأموال أحوج. وفي الشوكة التي كُني بها عن الحرب وجهان: أحدهما: أنها الشدة فكُني بها عن الحرب لما فيها من الشدة، وهذا قول قطرب. والثاني: أنها السلاح، وكُني بها عن الحرب لما فيها من السلاح، من قولهم رجل شاكٍ في السلاح، قاله ابن قتيبة. {وَيُريدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} فيه قولان: أحدهما: إظهار الحق بإعزاز الدين في وقته على ما تقدم من وعده. والثاني: أن الحق في أمره لكم أن تجاهدوا عدوكم. وفي صفة ذلك وجهان لأصحاب الخواطر. أحدهما: يحق الحق بالإقبال عليه ويبطل الباطل بالإعراض عنه. الثاني: يحق الحق بالقبول ويبطل الباطل بالرد. {لِيُحِقَّ الْحَقَّ} معناه ليظهر الحق يعني الإسلام. {ويُبْطِلَ الْبَاطِلَ} أي يذهب بالباطل يعني الشرك. قال الحسن. هذه الآية نزلت قبل قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ} وهي في القراءة بعدها. روى سماك عن عكرمة قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر عليك بالعير ليس دونها شيء فقال له العباس وهو أسير في أيديهم: ليس لك ذلك، فقال: "حديث : لم؟" تفسير : فقال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك.

ابن عطية

تفسير : اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف من قوله {كما} حسبما نبين من الأقوال التي أنا ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد الألفاظ قولان، وأنا أبدأ بهما، قال الفراء: التقدير امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك، هذا نص قوله في هداية مكي رحمه الله، والعبارة بقوله: امض لأمرك ونفل من شئت غير محررة، وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال إن هذه الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة، فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ها هنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثابة إخراجه نبيه صلى الله عليه وسلم من بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله {يجادلونك} كلاماً مستأنفاً يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها كأنما يساقون إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ذكرت من أن {يجادلونك} في الكفار منصوص والقول الثاني قال مجاهد والكسائي وغيرهما: المعنى في هذه الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يريدون هم. قال القاضي أبو محمد: والتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الحق مجادلة ككراهتهم إخراج ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل هذه المقالة يقول إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول إن المجادلين هم المشركون، فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن رصف اللفظ وقال الأخفش: الكاف نعت لـ {أية : حقاً} تفسير : [الأنفال:4]، والتقدير هم المؤمنون حقاً كما أخرجك. قال القاضي أبو محمد: والمعنى على هذا التأويل كما تراه لا يتناسق وقيل الكاف في موضع رفع والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر. قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر، وقال أبو عبيدة: هو قسم أي لهم درجات ومغفرة ورزق كريم كما أخرجك بتقدير والذي أخرجك، فالكاف في معنى الواو و "ما" بمعنى الذي، وقال الزجّاج: الكاف في موضع نصب والتقدير الأنفال ثابتة لك ثباتاً كما أخرجك ربك، وقيل: الكاف في موضع التقدير لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم هذا وعد حق كما أخرجك، وقيل المعنى: وأصحلوا ذات بينكم ذلك خير لكم كما أخرجك، والكاف نعت لخبر ابتداء محذوف، وقيل التقدير: قل الأنفال لله والرسول كما أخرجك، وهذا نحو أول قول ذكرته، وقال عكرمة: التقدير وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما أخرجك ربك أي الطاعة خير لكم كما كان إخراجك خيراً لكم، وقوله {من بيتك} يريد من المدينة يثرب، قاله جمهور المفسرين وقال ابن بكير: المعنى كما أخرجك من مكة وقت الهجرة، وقرأ عبد الله بن مسعود: "في الحق بعدما بُين" بضم الباء من غير تاء، والضمير في قوله {يجادلونك} قيل: هو للؤمنين وقيل: للمشركين، فمن قال للمؤمنين جعل {الحق} قتال مشركي قريش، ومن قال للمشركين جعل {الحق} شريعة الإسلام، وقوله {إلى الموت} أي في سوقهم على أن المجادلين المؤمنون في دعائهم إلى الشرع على أنهم المشركون، وقوله {وهم ينظرون} حال تزيد في فزع السوق وتقتضي شدة حاله. وقوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} الآية، في هذه الآية قصص حسن أنا اختصره إذ هو مستوعب في كتاب سيرَة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن هشام، واختصاره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه وقيل أوحي إليه أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام بالعير التي فيها تجارة قريش وأموالها، قال لأصحابه إن عير قريش قد عنت لكم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، قال فانبعث من معه من خف، وثقل قوم وكرهوا الخروج وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلوي على من تعذر ولا ينتظر من غاب ظهره، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه بين مهاجري وأنصاري، وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حرباً فلم يكثر استعدادهم، وكان أبو سفيان في خلال ذلك يستقصي ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة يستفز أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم، أوحى الله إليه وحياً غير متلو يعده إحدى الطائفتين، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فسروا وودوا أن تكون لهم العير التي لا قتال معها، فلما علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ طريق الساحل وأبعد وفات ولم يبق إلا لقاء أهل مكة، وأشار بعض الكفار على بعض بالانصراف وقالوا عيرنا قد نجب فلننصرف، فحرش أبو جهل ولج حتى كان أمر الوقعة، وقال بعض المؤمنين: نحن لم نخرج لقتال ولم نستعد له،حديث : فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو بواد يسمى ذفران، وقال أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر فتكلم فأحسن وحرض على لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فقام عمر بمثل ذلك، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فتكلم المقداد الكندي فقال: لا نقول لك يا رسول الله اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول إنا معكما مقاتلون. والله لو أردت بنا برك الغماد . تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهي مدينة الحبشة لقاتلنا معك من دونها، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلامه ودعا له بخير، ثم قال أشيروا علي أيها الناس فكلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة. قال القاضي أبو محمد: ويمكن أنهما جميعاً تكلما في ذلك اليوم، فقال يا رسول الله كأنك تريدنا معشر الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، فقال إنا آمنا بك واتبعناك فامض لأمر الله، فوالله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم، فالتقوا وكانت وقعة بدر، وقرأ مسلمة بن محارب "وإذ يعدْكم" بجزم الدال، قال أبو الفتح ذلك لتوالي الحركات، وقرأ ابن محيصن "وإذا يعدكم الله احدى الطائفتين" بوصل الألف من {إحدى} وصلة الهاء بالحاء، و {الشوكة} عبارة عن السلاح والحدة، ومنه قول الأعور: [الرجز] شعر : إن العرفج قد أدبى تفسير : وقرأ أبو عمرو فيما حكى أبو حاتم {الشوكة تكون} بإدغام التاء في التاء، ومعنى الآية وتودون العير وتأبون قتال الكفار، وقوله {ويريد الله} الآية، المعنى ويريد الله أن يظهر الإسلام ويعلي دعوة الشرع، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم "بكلمته" على الإفراد الذي يراد به الجمع، والمعنى في قوله {بكلماته} إما أن يريد بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام أن يكون، وإما أن يريد بكلماته التي سبقت في الأزل والمعنى قريب، و"الدابر" الذي يدبر القوم أي يأتي في آخرهم، فإذا قطع فقد أتى على آخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أتى الهلاك عليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} بمكة إلى المدينة مع كراهية فريق من المؤمنين، كذلك ينجز نصرك، أو من بيتك بالمدينة إلى بدر كذلك جعل لك غنيمة بدر. {بِالْحَقِّ} ومعك الحق، أو بالحق الذي وجب عليك. {لَكَارِهُونَ} خروجك، أو صرف الغنيمة عنهم، لأنهم لم يعلموا أن الله ـ تعالى ـ جعله لرسوله صلى الله عليه وسلم دونهم.

الخازن

تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} اختلفوا في الجالب لهذه الكاف ما هو؟ فقال المبرد: تقديره قل الأنفال لله والرسول إن كرهوا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن كرهوا. وقيل: معناه امضِ لأمر ربك في الأنفال وإن كرهوا كما مضيت لأمر ربك في الخروج من البيت لطلب العير وهم كارهون. وقيل: معناه فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم كما أن إخراج محمد صلى الله عليه وسلم من بيته بالحق هو خير لكم وإن كرهه فريق منكم. وقيل: هو راجع لقوله سبحانه وتعالى: لهم درجات عند ربهم تقديره وعد الله المؤمنين بالدرجات حق حتى ينجزه الله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وأنجز الوعد بالنصر والظفر. وقيل: هي متعلقة بما بعدها تقديره كما أخرجك ربك من بيتك بالحق على كره فريق منهم كذلك يكرهون القتال ويجادلونك فيه. وقيل: الكاف بمعنى على أي امض على الذي أخرجك ربك من بيتك بالحق فإنه حق. وقيل: الكاف بمعنى القسم تقديره والذي أخرجك ربك من بيتك وجوابه يجادلونك في الحق. وقيل: الكاف بمعنى إذ تقديره واذكر يا محمد إذا أخرجك ربك من بيتك بالحق. قيل: المراد بهذا الإخراج إخراجه من مكة إلى المدينة للهجرة. وقال جمهور المفسرين: المراد بهذا الإخراج هو خروجه من المدينة إلى بدر ومعناه كما أمرك ربك بالخروج من بيتك بالمدينة بالحق يعني بالوحي لطلب المشركين {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} يعني للقتال وإنما كرهوه لقلة عددهم وقلة سلاحهم وكثرة عدوهم وسلاحهم {يجادلونك في الحق} وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالقتال كرهوا ذلك وقالوا لم تعلمنا أنَّا نلقى العدو فنستعد لقتالهم وإنما خرجنا لطلب العير فذلك جدالهم {بعد ما تبين} يعني تبين لهم أنك لا تصنع شيئاً إلا بأمر ربك وتبين لهم صدقك في الوعد {كأنما يساقون إلى الموت} يعني لشدة كراهتهم القتال {وهم ينظرون} يعني إلى الموت شبه حالهم في فرط فزعهم بحال من يجر إلى القتل ويساق إلى الموتِ وهو ينظر إليه ويعلم أنه آتيه. قوله عز وجل: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين} يعني الفرقتين فرقة أبي سفيان مع العير وفرقة أبي جهل مع النفير {أنها لكم} يعني إحدى الفرقتين لكم. قال ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد ابن إسحاق والسدي: أقبل أبو سفيان بن حرب من الشام في عير قريش في أربعين راكباً من كفار قريش منهم عمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل الزهري ومعهم تجارة كبيرة وهي اللطيمة. يريد باللطيمة. الجمال التي تحمل العطر والبز غير الميرة، حتى إذا كانوا قريباً من بدر، بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خبرهم فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلة العدو وقال: هذه هي عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس فخف بعضهم وثقل بعضهم وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً فلما سمع أبو سفيان بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكة وأمره أن يأتي قريشاً يستنفرهم ويخبرهم أن محمداً في أصحابه قد عرض لعيرهم فخرج ضمضم سريعاً إلى مكة وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت رؤيا قبل قدوم ضمضم مكة بثلاثة أيام أفزعتها فبعثت إليها أخيها العباس بن عبد المطلب. فقالت: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فقال لها وما رأيت؟ قالت: رأيت راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ مثلها بأعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر إلى مصارعكم في ثلاث ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ مثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوي حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ودخلها منها فلقة فقال العباس: والله إن هذه الرؤيا فظيعة فاكتميها ولا تذكريها لأحد. ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة، وكان صديقاً للعباس، فذكر رؤيا عاتكة له واستكتمه إياها فذكرها الوليد لأبيه عتبة، ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش بمكة. قال العباس: فعمدت أطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في نفر من قريش يتحدثون برؤيا عاتكة فغدوت أطوف فلما رأني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. قال العباس: فلما فرغت من طوافي أقبلت إليهم حتى جلست معهم فقال لي أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم قلت: وما ذاك؟ قال: الرؤيا التي رأت عاتكة قلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم لقد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك ما قالت حقاً فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتاباً بأنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني إليه من كبير شيء إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون عاتكة رأت شيئاً ثم تفرقنا فلما أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب إلا أتتني فقلن أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم حتى تناول النساء وأنت تسمع ولم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت. قال: قلت قد والله فعلت ما كان مني إليه من شيء وايم الله لأتعرضن له فإن عاد لأكفيكنه، قال: فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا حديد مغضب أرى أني قد فاتني شيء أحب أن أدركه منه قال فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمر نحوه أتعرضه ليعود لبعض ما قال فأقع به وكان أبو جهل رجلاً خفيفاً حديد الوجه حديد اللسان حديد النظر إذ خرج نحو بابا المسجد يشتد قال العباس: فقلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرقاً مني أن أشاتمه قال فإذا هو قد سمع ما لم أسمع سمع صوت ضمضم بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره وقد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول: يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة هذه أموالكم مع أبي سفيان وقد عرض لها محمد في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث الغوث قال فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر قال: فتجهز الناس سراعاً ولم يتخلف من أشارف قريش أحد إلا أن أبا لهب قد تخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة فلما اجتمعت قريش للمسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة ابن كنانة من الحرب فقالوا نخشى أن يأتونا من خلفنا فكاد ذلك أن يثنيهم فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وكان من أشراف بني بكر فقال أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجت قريش سراعاً وخرج رسول الله في أصحابه لليال مضت من شهر رمضان حتى بلغ وادياً يقال له ذا قرد فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عن عيرهم فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالروحاء أخذ عيناً للقوم فأخبره بخبرهم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عيناً له من جهينة حليفاً للأنصار يدعى أريقط فأتاه بخبر القوم وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل عليه السلام وقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إنها لكم إما العير، وإما قريش، وكانت العير أحب إليهم فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال وأحسن وقام عمر فقال وأحسن ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله فنحن معكم والله ما نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ولكن نقول اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم له خيراً ودعا له بخير ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أشيروا عليّ أيها الناس"تفسير : وإنما يريد الأنصار وذلك لأنهم عدد الناس وأنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنا براء من ذمامك حتى تصل إلى دارنا فإذا وصلت إلينا فأنت في زمامنا فنمنعك مما منع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسيروا معه إلى عدو من بلادهم فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله. قال: أجل. قال: آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذ البحر فخضته لخضناه معك ما يتخلف منا أحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا وعدوك إنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله عز وجل أن يريك منا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى، فسرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك فقال: سيروا على بركة الله وأبشروا فإن الله عز وجل قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم (م). عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب حدثه عن أهل بدر قال: حديث : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس يقول هذا مصرع فلان غداً إن شاء الله تعالى وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله تعالى وهذا مصرع فلان غداً إن شاء الله تعالى قال عمر فوالذي بعثه بالحق ما أخطؤوا الحدود التي حدها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فجعلوا في بئر بعضهم على بعض فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم فقال يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقاً فإني قد وجدت ما وعدني الله حقاً فقال عمر يا رسول الله كيف تكلم أجساداً لا أرواح فيها فقال "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئاً"تفسير : فذلك قوله سبحانه وتعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم يعني طائفة أبي سفيان مع العير وطائفة أبي جهل مع النفير {وتودون} أي وتريدون وتتمنون {أن غير ذات الشوكة تكون لكم} والمعنى: وتتمنون أن العير التي ليس فيها قتال ولا شوكة تكون لكم والشوكة الشدة والقوة ويقال السلاح {ويريد الله أن يحق الحق} أي يظهر الحق ويعليه {بكلماته} يعني بأمره إياكم بالقتال وقيل بعداته التي سبقت لكم من إظهار الدين وإعزازه {ويقطع دابر الكافرين} أي ويستأصلهم حتى لا يبقى منهم أحد.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ...} الآية: اختلف في معنى هذه الآية، فقال الفَرَّاءَ: التقدير امْضِ لأمرك في الغَنَائِمِ، وإن كرهوا كما أخرجك رَبُّكَ. قال * ع *: وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال: هذه الكاف شَبَّهَتْ هذه القِصَّةَ التي هي إِخْرَاجُهُ من بيته بالقِصَّةِ المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأَنْفَال، كأنهم سألوا عن النَّفَلِ، وتشاجروا، فأَخرج اللَّه ذلك عنهم، فكانت فيه الخِيَرَةُ، كما كَرِهُوا في هذه القصة انْبِعَاثَ النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه اللَّه من بَيْتِهِ، فكانت في ذلك الخِيَرَةُ، وعلى هذا التأويل يُمْكِنُ أن يكون قوله: {يُجَـٰدِلُونَكَ } كلاماً مُسْتَأْنَفاً يراد به الكفار، أي: يجادلونك في شريعة الإسلام من بَعْد ما تَبَيَّنَ الحَقُّ فيها، كأنما يساقون إلى المَوْتِ في الدُّعَاءِ إلى الإيمان، وهذا الذي ذكرت من أن {يُجَـٰدِلُونَكَ } في الكُفَّار منصوص. وقال مجاهد وغيره: المعنى في الآية: كما أخرج ربك من بَيْتِكَ على كَرَاهِيَةٍ من فريق منهم، كذلك يُجَادِلُونَكَ في قتال كفار «مكة»، ويوَدُّونَ غير ذَاتِ الشَّوْكَة من بعد ما تَبَيَّنَ لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به لا ما يُريدُون هم، وقائل هذه المَقَالَةِ يقول: إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول: إن المُجَادِلِينَ هم المشركون، وهذان القولان يتم بها المَعْنَى، ويحسن رَصْفُ اللفظ. وقيل غير هذا. وقوله: {مِن بَيْتِكَ } يريد من «المدينة» «يثرب» قاله الجُمْهُور.

ابن عادل

تفسير : في قوله {كَمَآ أَخْرَجَكَ} عشرون وجهاً: أحدها: أنَّ الكاف نعتٌ لمصدر محذوف تقديرهُ: الأنفالُ ثابتةٌ للَّه ثبوتاً كما أخرجك، أي: ثبوتاً بالحقِّ كإخراجك من بيتك بالحقِّ، يعني لا مرية في ذلك، ووجه هذ التَّشبيه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى كثرة المشركين يوم بدرٍ، وقلَّة المؤمنين قال: مَنْ قتل قتيلاً فله كذا، ومَنْ أسر أسيراً فله كذا، لِيرغِّبَهُم في القتال، فلمَّا انهزم المشركون قال سعدٌ: يا رسول اللَّهِ إنَّ جماعة من أصحابك وقومك فدوك بأنفسهم، ولم يتأخَّرُوا عن القتال جُبْناً، ولا بُخْلاً ببذل مهجتهم، ولكنَّهم أشفقوا عليك من أن تُغتال، فمتى أعطيت هؤلاء ما سميته لهم؛ بَقِيَ خلقٌ من المسلمين بغير شيء؛ فأنزل اللَّهُ تعالى: {أية : يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 1] يصنعُ فيها ما يشاء، فأمسك المسلمون عن الطَّلبِ، وفي أنفس بعضهم شيء من الكراهة وحين خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى القتال يوم بدر كانوا كارهين لتلك المقاتلة على ما سنشرحه، فلمَّا قال: {أية : قُلِ ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ}تفسير : [الأنفال: 1] كان التقدير: أنَّهم رضوا بهذا الحكم في الأنفالِ وإن كانُوا كارهين له كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ إلى القتال، وإن كانُوا كارهين. الثاني: قال عكرمةُ: تقديره: وأصلحوا ذات بينكم إصلاحاً كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. والثالث: تقديرهُ: وأطيعوا اللَّهَ ورسولهُ طاعةً محققةً ثابتةً كما أخرجك، أي: كما أنَّ إخراج اللَّه إياك لا مرية فيه ولا شبهة. الرابع: تقديره: يتوكَّلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك ربُّك. الخامس: تقديره: هم المؤمنون حقّاً كما أخرجك، فهو صفةٌ لـ "حقًّا". السادس: تقديره: استقرَّ لهم درجاتٌ وكذا استقراراً ثابتاً كاستقرار إخراجك. السابع: أنَّهُ متعلقٌ بما بعده تقديره: يجادلونك مجادلةً: كما أخرجك ربك، قال الكسائيُّ "الكاف" تتعلَّقُ بما بعده وهو قوله: {أية : يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنفال: 6] والتقدير: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} على كره فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ويجادلونك فيه. الثامن: تقديره: لكارهون كراهيةً ثابتةً: كما أخرجك ربُّك أي: إنَّ هذين الشيئين الجدال والكراهية ثابتان لا محالة كما أنَّ إخراجك ثابت لا محالة. التاسع: أنَّ "الكافَ" بمعنى "إذ"، و "مَا" زائدة، والتقديرُ: اذكر إذ أخرجك وهذا فاسدٌ جدّاً، إذ لم يثبتْ في موضعٍ أنَّ "الكاف" تكون بمعنى "إذ" وأيضاً فإنَّ "ما" لا تزاد إلاَّ في مواضعَ ليس هذا منها. العاشر: أنَّ "الكافَ" بمعنى: "واو" القسم، و "ما" بمعنى "الذي" واقعةٌ على ذي العلم مُقْسَماً به. وقد وقعت على ذي العلم في قوله: {أية : وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا}تفسير : [الشمس: 5] {أية : وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ}تفسير : [الليل: 3] والتقدير: والذي أخرجك، ويكون قوله: يُجَادلُونكَ جواب القسمِ وهذا قول أبي عبيدة. وقد ردَّ النَّاسُ عليه قاطبةً، وقالوا: كان ضعيفاً في النَّحو. ومتى ثبت كون الكافِ حرف قسمٍ، بمعنى "الواو"؟ وأيضاً فإن: يُجَادلُونكَ لا يصحُّ كونه جواباً؛ لأنَّهُ على مذهب البصريين متى كان مضارعاً مثبتاً؛ وجب فيه شيئان: اللاَّمُ، وإحدى النونين نحو:{أية : لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً}تفسير : [يوسف: 32] وعند الكوفيين إمَّا اللاَّمُ، وإمَّا إحدى النونين، ويُجادلُونكَ عارٍ عنهما. الحادي عشر: أنَّ الكاف بمعنى "على"، و "ما" بمعنى: الذي، والتقديرُ: امْضِ على الذي أخرجك، وهو ضعيفٌ؛ لأنه لم يثبت كونُ الكاف بمعنى "على" ألبتة إلاَّ في موضع يحتمل النزاع كقوله {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ}تفسير : [البقرة: 198]. الثاني عشر: أنَّ الكاف في محل رفع، والتقدير: كما أخرجك ربك فاتَّقُوا الله، كأنَّهُ ابتداءٌ وخبر. قال ابن عطيَّة: "وهذا المعنى وضعهُ هذا المفسِّر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر". الثالث عشر: أنَّها في موضع رفعٍ أيضاً والتقدير: لهم درجاتٌ عند ربهم ومغفرةٌ ورزقٌ كريم هذا وعدٌ حقٌّ كما أخرجك، وهذا فيه حذفُ مبتدأ وخبر، ولو صرَّح بذلك لم يلتئم التشبيه ولم يحسن. الرابع عشر: أنَّها في موضع رفع أيضاً والتقدير: وأصلحُوا ذات بينكم، ذلكم خيرٌ لكم، كما أخرجك، فالكافُ في الحقيقة نعتٌ لخبر مبتدأ محذوف، وهو ضعيفٌ لطولِ الفصلِ بين قوله: "وأصْلِحُوا"، وبين قوله: "كما أخرجك". الخامس عشر: أنَّها في محل رفع أيضاً عى خبر ابتداء مضمر، والمعنى: أنَّه شبَّه كراهية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخروجه من المدينة، حين تحققوا خروج قريشٍ للدفع عن أبي سفيان وحفظ غيره بكراهيتهم لنزع الغنائم من أيديهم، وجعلها للَّه ورسوله، يحكم فيها ما يشاء. واختار الزمخشري هذا الوجه وحسَّنه. فقال: "يرتفع محلُّ الكاف على أنه خبر ابتداء محذوف تقديره: هذه الحالُ كحالِ إخراجك، يعني أنَّ حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجهم للحرب". وهذا الذي حسَّنه الزمخشريُّ هو قول الفرَّاءِ - وقد شرحه ابنُ عطيَّة بنحو ما تقدَّم من الألفاظ - فإنَّ الفرَّاء قال: "هذه الكاف شبَّهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصَّة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال". السادس عشر: أنَّها صفةٌ لخبر مبتدأ أيضاً، وقد حذف المبتدأ وخبره، والتقديرُ: قسمتك الغنائم حق كما كان إخراجك حقاً. السابع عشر: أنَّ التَّشبيه وقع بين إخراجين، أي: إخراج ربك إيَّاك من بيتك، وهو مكَّة وأنت كارهٌ لخروجك، وكان عاقبة ذلك الإخراج النَّصر والظفر كإخراجه إيَّاك من المدينة وبعضُ المؤمنين كارهٌ، يكون عقيب ذلك الخروج الظفرُ والنصرُ والخيرُ، كما كان عقيب ذلك الخروج الأول. الثامن عشر: أن تتعلَّق الكافُ بقوله: "فاضْربُوا"، وبسْطُ هذا على ما قالهُ صاحب هذا الوجه أن تكون الكاف للتشبيه على سبيل المجاز كقول القائل لعبده: كما رجعتك إلى أعدائي فاستضعفوك، وسألت مدداً فأمددتُكَ، وأزحت عللك، فخذهم الآن وعاقبهم، كما أحْسنْتُ إليك وأجريتُ عليك الرزق، فاعملْ كذا، واشكرني عليه، فتقدير الآية: كما أخرجك ربُّك من بيتك بالحق وغشَّاكم النُّعاسَ أمَنَةً منه، وأنزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به وأنزل عليكم من السَّماءِ ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق، واضربوا منهم كُلَّ بنان. كأنه يقولُ: قد أزَحْتُ عللكم، وأمددتكم بالملائكة، فاضربُوا منهم هذه المواضع وهو القتل، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحقِّ، وإبطال الباطلِ، وهذا الوجه بعد طوله لا طائل تحته لبُعدِه من المعنى وكثرة الفواصل. التاسع عشر: التقدير: كما أخرجك ربك من بيتك بالحقِّ، أي: بسبب إظهار دين اللَّهِ، وإعزاز شريعته، وقد كرهوا خروجك تَهَيُّباً للقتال وخَوْفاً من الموت إذ كان أمر النبي - عليه الصَّلاة والسَّلام - بخروجهم بغتةً، ولم يكونُوا مُسْـتَعِدِّين للخروج، وجادلوك في الحقِّ بعد وضوحه نصرك اللَّهُ وأمدَّك بملائكته ودلَّ على هذا المحذوفِ الكلامُ الذي بعده، وهو قوله {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ}تفسير : [الأنفال: 9] الآيات. وهذا الوجهُ استحسنه أبو حيَّان، وزعم أنه لمْ يُسْبَق به. ثم قال: "ويظهرُ أنَّ الكاف ليست لمحضِ التَّشبيه، بل فيها معنى التَّعليل". وقد نصَّ النحويُّون على أنَّها للتعليلِ وخرَّجُوا عليه قوله تعالى: {وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ}. وأنشدوا: [الرجز] شعر : 2671 - لا تَشْتُمِ النَّاسَ كَمَا لا تُشْتَمُ تفسير : أي: لانتفاءِ شتم النَّاس لك لا تشتمهم. ومن الكلام الشَّائِعِ: كما تطيع اللَّه يدخلك الجنَّة، أي: لأجل طاعتك الله يدخلك الجنَّة، فكذا الآية، والمعنى: لأنْ خرجت لإعزاز دين اللَّهِ، وقتل أعدائه ونصرك وأمدَّك بالملائكة. العشرون: تقديره: وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما إخراجُك في الطَّاعة خيرٌ لكم كما كان إخراجك خيراً لهم، وهذه الأقوالُ ضعيفة كما بينا. قوله: "بالحَقِّ" فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلَّق بالفعل، أي: بسبب الحقِّ، أي: إنَّه إخراجٌ بسبب حق يظهر، وهو علوُّ كلمة الإسلام، والنَّصرُ على أعداء اللَّهِ. والثاني: أن يتعلق بمحذوفٍ على أنَّهُ حال من مفعول: "أخْرَجَكَ" أي: ملتبساً بالحقِّ. قوله: وإن فريقاً الواو للحال، والجملة في محلِّ نصب، ولذلك كُسرت "إنَّ" ومفعول "كَارِهُونَ" محذوفٌ، أي: لكارهون الخروج، وسببُ الكراهية: إمَّا نفرة الطبع ممَّا يتوقَّع من القتال، وإمَّا لعدم الاستعداد. والمراد بـ "بيته" بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها. فصل روى ابنُ عبَّاس، وابنُ الزُّبير، ومحمَّد بنُ إسحاق، والسُّديُّ أنَّ أبا سفيان أقبل من الشَّام في عير لقريش في أربعين راكباً من كفَّارِ قريش منهم: عمرُو بن العاصِ، ومخرمة ابنُ نوفل، وفيها أموال كثيرة، حتَّى إذا كانوا قريباً من بدر، أخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فأعجبهم تلقي العير، لكثرة الخير، وقلة العدوِّ، فانتدب النَّاس، فخفَّ بعضهم وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنُّوا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حرباً. فلمَّا سمع أبُو سفيان بمسير النبي صلى الله عليه وسلم، استأجرَ ضمضم بن عمرو الغفاري فبعثه إلى مكَّة وأمره أن يأتي قريشاً يستنفرهم، ويخبرهم أنَّ محمداً قد عرض لعيرهم في أصحابه، فخرج ضمضم سريعاً إلى مكَّة. وقد رأت عاتكة بنت عبد المطالب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا أفزعتها، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له: يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفزعتني وخشيت أن يدخل على قومك منها شرّ ومُصيبة فاكتم عليَّ ما أحدثك. قال لها: وما رأيتُ؟ قالت: رأيتُ راكباً أقبل على بعيرٍ لهُ حتَّى وقف بالأبطح ثمَّ صرخ بأعلى صوته ألا فانفرُوا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى النَّاس قد اجتمعُوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حولهُ مثل به بعيره على ظهر الكعبةِ، ثمَّ صرخ بمثلها أعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاثٍ، ثمَّ مثل به بغيره على رأس أبي قبيس، ثمَّ صرخ بمثلها ثم أخذ صخرة، فأرسلها فأقبلت تهوي حتَّى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضَّت فما بقي بيت من بيوت مكَّة إلاَّ دخلته منها فلقةٌ، فحدَّث بها العباس الوليد، فذكرها الوليدُ لأبيه عتبة ففشا الحديث حتى تحدثت به قريش. قال العباس: فغدوت أطوف بالبيت وأبو جهل في رهط من قريش قعود يتحدَّثُون برؤيا عاتكة، فلمَّا رأني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا. قال: فلمَّا فرغتُ أقبلتُ حتَّى جلست معهم. فقال أبو جهل: يا بني عبد المطلب متى حدثت هذه النبية فيكم قلت: وما ذاك؟. قال: الرُّؤيَا التي رأتها عاتكة قلت: وما رأت؟ قال: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتَّى تتنبأ نساؤهم لقد زعمت عاتكةُ في رؤياها أنَّهُ قال: انْفِرُوا في ثلاثٍ، فسنتربّص بكم هذه الثلاث، فإن يكُ ما قالت حقًّا فسيكونُ، وإن تَمْضِ الثلاث، ولم يكن من ذلك شيء؛ نكتب عليكم كتاباً أنَّكُمْ أكذبُ هل بيت في العرب قال العباس: فواللَّهِ ما كان منِّي إليه كبير فلمَّا كان بعد ثلاث إذْ هو يسمعُ صوتَ ضمضمٍ بن عمرو وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً على بعيره وقد جدع بعيره، وحول رحله، وشق قميصه، وهو يقولُ: يا معشر قريش اللَّطيمة، أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها مُحَمَّدٌ في أصحابه ولا أرى أن تدركوها الغوث. فخرج أبو جهلٍ بجميع أهل مكَّة وهم النَّفيرُ، وفي المثل السَّائر: لا في العير، ولا في النفير، فقيل له: إنَّ العير قد أخذت طريق السَّاحل، ونجتْ، فارجع بالنَّاس إلى مكة، فقال: لا والله لا يكونُ ذلك أبداً حتَّى ننحرَ الجزور، ونشرب الخُمُورَ، ونقيم القينات والمعازف ببدر، فيتسامع العربُ بخروجنا، وأنَّ محمداً لم يُصِب العير، فمضى بهم إلى بدرٍ، وبدرٌ كانت العربُ تجمع فيه يوماً في السَّنةِ لسوقهم. حديث : ونزل جبريلُ وقال: إنَّ القوم قد خرجوا من مكَّة على كلِّ صعبٍ وذلولٍ، وإن الله قد وعدكم أحدى الطائفتين فالعيرُ أحب إليكم أم النفير؟. قالوا: بل العيرُ أحبُّ إلينا من لقاء العدو، فتغيَّر وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إنَّ العير قد مضت على ساحلِ البَحْرِ، وهذا أبو جهل قد أقبل. فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودَع العدُوَّ فقام عند غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر فأحسنا، ثمَّ قام سعدُ بنُ عبادة وقال: امْضِ لِمَا أمرك اللَّهُ به، فواللَّهِ لو سرت إلى عدن ما تخلَّف رجلٌ عنك من الأنصار، ثم قال المقدادُ بنُ عمرو: يا رسول الله امض لما امرك اللَّهُ؛ فإنَّا معك حيث أردت، لا نقولُ لك كما قالت بَنُو إسرائيل لموسى: {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ولكن نقول: اذْهَبْ أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون ما دامت عين منَّا تطرف، فضحك رسولُ اللَّهُ صلى الله عليه وسلم ثم قال: "سِيرُوا على بركةِ الله، وأبشروا، فإنَّ اللَّهَ قد وعدنِي إحْدَى الطائفتين، واللَّهِ لكَأنِّي الآن أنظرُ إلى مصارعِ القوْمِ". تفسير : عن أنس قال رسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حديث : هذا مصرعُ فُلانٍ قال: ويضعُ يدهُ على الأرض ههنا وههنا، قال: فَمَا مَاطَ أحدهم عن موضع يَدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولمَّا فرغ نبيُّ الله من بدر قال بعضهم: عليك بالعير، فناداهُ العبَّاسُ وهو في وثاقه: لا يصلحُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لِمَ؟ قال: لأنَّ اللَّهَ وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك . تفسير : إذا عرف ذلك نقولُ كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لقوله تعال: {أية : وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} تفسير : [الأنفال: 5] والحق الذي جادلوا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقي النفير لايثارهم العير.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن أبي أيوب الأنصاري قال‏:‏ حديث : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وبلغه أن عير أبي سفيان قد أقبلت فقال "ما ترون فيها لعل الله يغنمناها ويسلمنا، فخرجنا فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعادّ ففعلنا، فإذا نحن ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدّتنا، فسر بذلك وحمد الله وقال‏:‏ عدة أصحاب طالوت‏.‏ فقال‏:‏ ما ترون في القوم فانهم قد أخبروا بمخرجكم‏؟‏ فقلنا‏:‏ يا رسول الله لا والله ما لنا طاقة بقتال القوم إنما خرجنا للعير، ثم قال‏: ما ترون في قتال القوم‏؟ فقلنا مثل ذلك، فقال المقداد‏:‏ لا تقولوا كما قال أصحاب موسى لموسى {اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون} [‏المائدة: 24‏]‏ فأنزل الله ‏ {‏كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون‏} ‏ إلى قوله ‏{‏وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم‏}‏ فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين - اما القوم واما العير - طابت أنفسنا، ثم إنا اجتمعنا مع القوم فصففنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: اللهم إني أنشدك وعدك‏.‏ فقال ابن رواحة‏:‏ يا رسول الله إني أريد أن أشير عليك - ورسول الله أفضل من أن نشير عليه - إن الله أجل وأعظم من أن تَنْشُدَهُ وعده‏.‏ فقال‏: يا ابن رواحة لأنْشُدَنَّ اللهَ وعده فإن الله لا يخلف الميعاد، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوه القوم فانهزموا، فأنزل الله {‏وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى‏} [‏الأنفال: 17‏]‏ فقتلنا وأسرنا‏.‏ فقال عمر‏:‏ يا رسول الله ما أرى أن تكون لك اسرى، فانما نحن داعون مؤلفون‏؟‏ فقلنا معشر الأنصار‏:‏ انما يحمل عمر على ما قال حسد لنا‏.‏ فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ، ثم قال‏: ادعو إلي عمر فدعي له، فقال له‏: إن الله قد أنزل عليَّ ‏{‏ما كان لنبي أن تكون له أسرى‏} [‏الأنفال: 56‏]‏ الآية‏"‏ ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن مردويه عن محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي عن أبيه عن جده قال حديث : ‏"‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، حتى إذا كان بالروحاء خطب الناس فقال‏:‏ كيف ترون‏؟‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله بلغنا انهم كذا وكذا، ثم خطب الناس فقال‏:‏ كيف ترون‏؟‏ فقال عمر مثل قول أبي بكر، ثم خطب الناس فقال‏:‏ كيف ترون‏؟‏ فقال سعد بن معاذ‏:‏ يا رسول الله ايانا تريد‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏ فوالذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب ما سلكتها قط ولا لي بها علم ولئن سرت حتى تأتي برك الغماد من ذي يمن لَنَسيرَنَّ معك، ولا نكونَنَّ كالذين قالوا لموسى {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون‏} ‏[‏المائدة: 24‏]‏ ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكم متبعون، ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره، فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وعاد من شئت، وسالم من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت‏.‏ فنزل القرآن على قول سعد ‏ {‏كما أخرجك ربك من بيتك بالحق‏} ‏ إلى قوله ‏{‏ويقطع دابر الكافرين‏} ‏ وإنما رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غنيمة مع أبي سفيان فأحدث الله إليه القتال‏" ‏‏. تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ‏ {‏كما أخرجك ربك من بيتك بالحق‏} ‏ قال‏:‏ كذلك أخرجك ربك إلى قوله ‏ {‏يجادلونك في الحق‏} ‏ قال‏:‏ القتال‏. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي في قوله ‏ {‏كما أخرجك ربك من بيتك بالحق‏} ‏ قال‏:‏ خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر ‏ {‏وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون‏} ‏ قال‏:‏ لطلب المشركين ‏ {‏يجادلونك في الحق بعدما تبين‏} ‏ انك لا تصنع إلا ما أمرك الله به ‏ {‏كأنما يساقون إلى الموت‏} ‏ حين قيل هم المشركون‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ لما شاور النبي صلى الله عليه وسلم في لقاء العدوّ، وقال له سعد بن عبادة ما قال وذلك يوم بدر، أمر الناس فتعبوا للقتال وأمرهم بالشوكة، فكره ذلك أهل الايمان، فأنزل الله ‏ {‏كما أخرجك ربك من بيتك بالحق‏}‏ إلى قوله ‏ {‏وهم ينظرون‏}‏ أي كراهية لقاء المشركين‏. وأخرج البزار وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال‏:‏ نزل الإِسلام بالكره والشدّة فوجدنا خير الخير في الكره، خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فأسكننا سبخة بين ظهراني حرة فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر، وخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر على الحال التي ذكر الله ‏ {‏وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون‏} ‏ إلى قوله ‏ {‏وهم ينظرون‏} ‏ فجعل الله لنا في ذلك العلا والظفر فوجدنا خير الخير في الكره‏. وأخرج ابن جرير عن الزبيري قال‏:‏ كان رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر ‏{‏كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون‏}‏ خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العير‏.

ابو السعود

تفسير : {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ} الكافُ في محل الرفعِ على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: هذه الحالُ كحال إخراجِك يعني أن حالَهم في كراهتهم لِما رأيتَ مع كونه حقاً كحالهم في كراهتهم لخروجك للحرب وهو حقٌّ أو في محل النصبِ على أنه صفةٌ لمصدر مقدرٍ في قوله تعالى: {ٱلأَنفَالُ لِلَّهِ} أي الأنفالُ ثبتتْ لله والرسولِ مع كراهتهم ثباتاً مثلَ ثباتِ إخراجِ ربِّك إياك من بـيتك في المدينة أو من المدينة إخراجاً ملتبساً بالحق {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـارِهُونَ} أي والحالُ أن فريقاً منهم كارهون للخروج إما لنفرة الطبعِ عن القتالِ أو لعدم الاستعدادِ (وذلك أن عِيرَ قريشٍ أقبلت من الشام وفيها تجارةٌ عظيمةٌ ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيانَ، وعمرو بنُ العاص، وعمْرُو بنُ هشام، فأخبر جبريلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجَبَهم تلقِّي العِيرِ لكثرة الخيرِ وقلةِ القوم، فلما خرجوا بلغ أهلَ مكةَ خبرُ خروجِهم فنادى أبو جهلٍ فوق الكعبةِ يا أهل مكةَ النجاءَ النجاءَ على كل صَعْب وذَلَول عِيرُكم أموالُكم إن أصابها محمدٌ لم تُفلِحوا بعدها أبداً، وقد رأت أختُ العباسِ بنِ عبد المطلبِ رضي الله عنه رؤيا فقالت لأخيها: إني رأيتُ عجباً رأيت كأن ملَكاً نزل من السماء فأخذ صخْرةً من الجبل ثم حلّق بها فلم يبق بـيتٌ من بـيوت مكةَ إلا أصابه حجرٌ من تلك الصخرة فحدّث بها العباسُ رضي الله عنه فقال أبو جهل: ما يرضى رجالُهم أن يتنبّأوا حتى تتنبأَ نساؤُهم فخرج أبو جهلٍ بجميع أهلِ مكةَ وهم النفيرُ فقيل له: إن العِيرَ أخذت طريقَ الساحلِ ونجحت فارجِعْ بالناس إلى مكَة فقال: لا واللاتِ لا يكون أبداً ننحَرَ الجَزورَ ونشربَ الخمور ونُقيمَ القينات والمعازِفَ ببدر فيتسامع جميعُ العرب بمَخْرَجنا وأن محمداً لم يُصِب العِيرَ وأنا قد أعضضناه فمضى بهم إلى بدر، ماءٍ كانت العربُ تجتمع فيه لسوقهم يوماً في السنة فنزل جبريلُ عليه السلام فقال: يا محمدُ إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إما العِيرَ وإما قريشاً فاستشار النبـي عليه الصلاة والسلام أصحابَه فقال: «حديث : ما تقولون؟ إن القومَ قد خرجوا من مكةَ على كل صَعْبٍ وذَلولٍ فالعِيرُ أحبُّ إليكم أم النفيرُ؟»تفسير : فقالوا: بل العيرُ أحبُّ إلينا من لقاء العدوِّ فتغير وجهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ردّد عليهم، فقال: «حديث : إن العير قد مضت على ساحل البحرِ، وهذا أبو جهل قد أقبل»تفسير : فقالوا: يا رسول الله عليك بالعِير ودعِ العدوَّ فقام عندما غضِبَ النبـيُّ صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمرُ رضي الله عنهما فأحسنا ثم قام سعدُ بن عُبادةَ فقال: انظُر أمرَك فامضِ فوالله لو سِرتَ إلى عدنِ أَبْـيَنَ ما تخلف عنك رجلٌ من الأنصار. ثم قال المقدادُ بنُ عمرو رضي الله عنه: يا رسولَ الله امضِ لما أمرك الله فإنا معك حيثما أحببْتَ، لا نقول لك كما قال بنو إسرائيلَ لموسى عليه السلام: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هٰهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ما دامت عينٌ منا تطرِفُ، فضحِك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «حديث : أشيروا علي أيها الناس» تفسير : وهو يريد الأنصار لأنهم قالوا له حين بايعوه على العقبة: إنا بُرَآءُ من ذِمامِك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلتَ إلينا فأنت في ذمامنا نمنعُك مما نمنع منه أبناءَنا ونساءَنا فكان النبـي عليه الصلاة والسلام يتخوّف أن تكون الأنصارُ لا ترى عليهم نُصرتَه إلا على عدو دَهِمَهُ بالمدينة فقام سعدُ بن معاذ فقال: لكأنك تريدنا يا رسولَ الله قال: «أجل»، قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهِدنا أن ما جئت به هو الحقُّ وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمع والطاعةِ فامضِ يا رسولَ الله لما أردتَ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا هذا البحرَ فخُضتَه لخُضناه معك ما تخلّف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا وإنا لصُبرٌ عند الحرب صُدقٌ عند اللقاء ولعل الله يُريك منا ما تَقَرُّ به عينُك فسِرْ بنا على بركة الله ففرح رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبسَطه قولُ سعد ثم قال: «حديث : سيروا على بركة الله وأبشِروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظرُ إلى مصارع القوم»تفسير : . ورُوي: (أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرَغ من بدر: عليك بالعِير ليس دونها شيءٌ فناداه العباس رضي الله عنه وهو في وِثاقه لا يصلح، فقال النبـي عليه الصلاة والسلام: «لم؟» قال: لأن الله وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك).

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} [الآية: 5]. قال ابن عطاء: أخرجك من بلدتك ليحيى بك قلوبًا عميًا عن الحق {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} مفارقة أوطانهم [ولا يتم لعبد حقيقة الصحبة والنصيحة إلا بعد هجران أقاربه ومفارقة أوطانه]. أخرجهم من تلك البلدة حتى أَلفَوا غيرها من البلاد، ولم يتبق عليهم مطالبة لها فردهم إليها لئلا يملكهم سوى الحق شىء. وقال بعضهم فى هذه الآية: أفناك عن أوصافك ومواضع سكونك واعتمادك، وما كان يميل إليه قلبك، لئلا تلاحظ مجالاً ولا تسكن إلى مألوف، فأخرجك من المألوفات، ليكون بالحق قيامك وعليه اعتمادك {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} ظاهر خروجك ومفارقة أوطانك ولا يعلمون أن خروجك منها الخروج عن جميع الرسوم المألوفة والطبائع المعهودة، وإنك بمفارقة هذا الوطن المعتاد يصير الحق وطنك.

القشيري

تفسير : بَيَّنَ - سبحانه - أن الجِدالَ منهم عادةٌ وسَجِيَّة، ففي كل شيء لهم جدال واختيار؛ فكرهُوا خروجَه إلى بَدْرٍ، كما جادلوا في حديث الغنيمة، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَنْفَالِ} وما يكون من خصال العبد غير متكرر ويكون على وجه الندرة كان أقربَ إلى الصفح عنه والتجاوز، فأمَّا إذا صار ذلك عادةً فهو أصعب. ويقال ما لم تباشر خلاصةُ الإيمان القلبَ يوجد كمالُ التسليم وترك الاختيار، وما دام يتحرك من العبد عِرْقٌ في الاختيار فهو بعيدٌ عن راحة الإيمان. ولقد أجرى الله سُنَّتِه مع أنبيائه ألا يفتح لهم كمالَ النُّعْمى إلا بعد مفارقة مألوفات الأوطان، والتجرد عن مساكنة ما فيه حظ ونصيب مِنْ كل معهود. ويقال إن في هجرة الأنبياء - عليهم السلام - عن أوطانهم أماناً لهم من عادية الأعادي، وإحياءً لقلوب قوم تقاصرت أقْدَامُهم عن المسير إليهم. وكذلك هجرة الأولياء من خواصه؛ فيها لهم خلاصٌ من البلايا، واستخلاصٌ للكثيرين من البلايا.

اسماعيل حقي

تفسير : {كما أخرجك ربك} المراد باخراج الله تعالى اياه كونه سببا آمراً له بالخروج وداعيا اليه فان جبرائيل عليه السلام اتاه وامره بالخروج {من بيتك} فى المدينة {بالحق} حال من مفعول اخرجك اى اخرجك ملتبسا بالحق وهو اظهار دين الله وقهر اعداء الله والكاف فى محل الرفع على انه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذه الحال وهى قسمة غنائم بدر بين الغزاة على السواء من غير تفرقة بين الشبان المقاتلين وبين الشيوخ الثابتين تحت الرايات كحال اخراجك يعنى ان حالهم فى كراهتهم لما رأيت فان فى طبع المقاتلة شيأ من الكراهة لهذه القسمة مع كونها حقا كحالهم فى كراهتهم لخروجك للحرب وهو حق {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} اى والحال ان فريقا منهم كارهون للخروج اما لنفرة الطبع عن القتال او لعدم الاستعداد. قال سعدى جلبى المفتى الظاهر ان المراد هي الكراهة الطبيعية التى لا تدخل تحت القدرة والاختيار فلا يرد انها لا تليق بمنصب الصحابة رضى الله عنهم -حديث : روى- ان عير قريش اى قافلتهم اقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة ومعها اربعون راكبا منهم ابو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وكان فى السنة الثانية من الهجرة فاخبر جبريل رسول الله باقبالها فاخبر المسلمين فاعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال فلما خرجوا سمع ابو سفيان فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى فبعثه الى مكة وامره ان يأتى قريشا فيستفزهم ويخبرهم ان محمدا قد اعترض لعيركم فادركوها فلما بلغ اهل مكة هذا الخبر نادى ابو جهل فوق الكعبة يا اهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول عيركم واموالكم اى تداركوها ان اصابها محمد لن تفلحوا بعدها ابدا وقدرأت عاتكة اخت العباس بن عبد المطلب قبل قدوم ضمضم مكة بثلاث ليال رؤيا فقالت لاخيها انى رأيت عجبا كأن ملكا نزل من السماء فاخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها اى رمى بها الى فوق فلم يبق بيت من بيوت مكة الا اصابه حجر من تلك الصخرة فحدث بها العباس صديقا له يقال له عتبة بن ربيعة بن عبد شمس وذكرها عتبة لابنته ففشا الحديث فقال ابو جهل للعباس يا ابا الفضل ما يرضى رجالكم ان يتنبأوا حتى تنبأت نساؤكم فخرج ابو جهل باهل مكة وهم النفير فقيل له ان العير اخذت طريق الساحل ونجت فارجع بالناس الى مكة فقال لا والله لا يكون ذلك ابدا حتى تنحر الجزور وتشرب الخمور ونقيم القينات والمعازف ببدر فتتسامع جميع العرب بمخرجنا وان محمدا لم يصب العير وانا قد اغضضناه فمضى بهم الى بدر وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما فى السنة فنزل جبريل فقال يا محمد ان الله وعدكم احدى الطائفتين اما العير واما قريشا فاستشار النيى عليه السلام اصحابه فقال "ما تقولون ان القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير احب اليكم ام النفير" فقالوا بل العير احب الينا من لقاء العدو فتغير وجه رسول الله عليه وسلم ثم ردد عليهم فقال "ان العير قد مضت على ساحل البحر وهذا ابو جهل قد اقبل" .تفسير : يريد صلى الله عليه وسلم بذلك ان تلقى النفير وجهاد المشركين آثر عنده وانفع للمؤمنين من الظفر بالعير لما فى تلقى النفير من كسر شوكة المشركين واظهار الدين الحق على الاديان كلها فقالوا يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فقام عندما غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ابو بكر وعمر رضى الله عنهما فاحسنا الكلام فى اتباع مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام سيد الخزرج سعد ابن عبادة فقال انظر فى امرك وامض فوالله لو سرت الى عدن ابين ما تخلف عنك رجل من الانصار ثم قال المقداد ابن عمرو يا رسول الله امض لما امرك الله فإنا معك حيثما أحببت لا نقول لك كما قالت بنوا اسرائيل لموسى عليه السلام إذهب أنت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون ولكن اذهب انت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ما دامت عين منا تطرف فتبسم رسول الله ثم قال "حديث : اشيروا على ايها الناس" .تفسير : وهو يريد الانصار اى بينوا لى ما فى ضميركم فى حق نصرتى ومعاونتى فى هذه المعركة وذلك لان الانصار كانوا عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ان ينصروه ما دام فى المدينة واذا خرج منها لا يكون عليهم معاونة ونصرة فأراد عليه السلام ان يعاهدهم على النصرة فى تلك المعركة ايضا فقام سعد بن معاذ فكأنك تريدنا يا رسول الله قال "حديث : اجل " .تفسير : قال قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما اردت فوالذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل وما نكره ان تلقى بنا عدونا انا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله تعالى يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشطه قول سعد ثم قال "حديث : سيروا على بركة الله وابشروا فان الله وعدنى احدى الطائفتين والله لكأنى الآن انظر الى مصارع القوم " .تفسير : فالمعنى اخرجك ربك من بيتك لان تترك التوجه الى العير وتؤثر عليه مقاتلة النفير فى حال كراهة فريق من اصحابك ما آثرته من محاربة النفير {يجادلونك في الحق} الذى هو تلقى النفير لايثارهم عليه تلقى العير {بعد ما تبين} منصوب بيجادلونك وما مصدرية اى يخاصمونك بعد تبين الحق وظهوره لهم باعلامك انهم ينصرون اينما توجهوا ويقولون ما كان خروجنا الا للعير وهلا قلت لنا ان الخروج لمقاتلة النفير لنستعد ونتأهب فمن قال ذلك انما قال كراهة لاخراجه عليه الصلاة والسلام من المدينة وكراهتهم القتال {كأنما يساقون إلى الموت} الكاف فى محل النصب على الحالية من الضمير فى لكارهون اى مشبهين بالذين يساقون بالعنف والصغار الى القتل {وهم ينظرون} حال من ضمير يساقون اى والحال انهم ينظرون الى اسباب الموت ويشاهدونها عيانا وما كانت هذه المرتبة من الخوف والجزع الا لقلة عددهم وعدم تأهبهم وكونه رجالة - وروى - انهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس فيهم الا فارسان الزبير والمقداد ولهم سبعون بعير او ست ادرع وثمانية اسياف وكان المشركون اكثر عددا وعدداً بالاضعاف. والاشارة ان الله تعالى اخرج المؤمنين الذين هم المؤمنون حقا من اوطان البشرية الى مقام العندية بجذبات العناية {كما أخرجك ربك من بيتك} اى من وطن وجودك بالحق اى بمجيئ الحق من تجلى صفات جماله وجلاله {وإن فريقا من المؤمنين لكارهون} اى القلب والروح يعنى للفناء عند التجلى فان البقاء محبوب والفناء مكروه وعلى كل ذى وجود يجادلونك اى الروح والقلب فى الحق اى مجيئ الحق من بعد ما تبين مجيئه لكراهة الفناء كأنما يساقون الى الموت وهم ينظرون يعنى كأنهم ينظرون الى الفناء ولا يزول البقاء بعد الفناء كمن يساق الى الموت كذا فى التاويلات النجمية: وفى المثنوى شعر : شير دنيا جويد اشكارى وبرك شيرمولى جويد آزادى ومرك جونكه اندرمرك بيند صد وجود همجو بروانه بسوزاند وجود كل شئ هالك جز وجه او جون نه در وجه او هستى مجو هركه اندر وجه ماباشد فنا كل شئ هالك نبود جزا زانكه در "الا" ست اواز "لا" كذشت هركه در "الا" ست او فانى نكشت تفسير : واعلم انه كما لا اعتراض على الانبياء فى وحيهم وعباراتهم كذلك لا اعتراض على الاولياء فى ألهامهم واشاراتهم وان السعادة فى العمل والاخذ بآياتهم والوجود وان كان محبوبا لاهل الوجود لكن الفناء محبوب لاهل الشهود فعلى السالك ان ينقطع عن جميع اللذات الدنيوية ويطهر نفسه عن لوث الاغراض الدنية ويكون الرسول وامره احب اليه من نفسه الى ان ينفذ عمره. روى البخارى حديث : عن عبد الله بن هشام انه قال كنا مع النبى عليه السلام وهو اخذ بيد عمر رضى الله عنه فقال عمر رضى الله عنه يا رسول الله انت احب الى من كل شئ الا نفسى فقال صلى الله عليه وسلم "لا والذى نفس محمد بيده حتى اكون احب اليك من نفسك" اى لا يكون ايمانك كاملا حتى تؤثر رضاى على رضى نفسك وان كان فيه هلاكك فقال عمر الآن والله انت احب الى من نفسى فقال" الآن يا عمر" .تفسير : يعنى صار ايمانك كاملا. قال ابن ملك والمراد من هذه المحبة محبة الاختيار لا محبة الطبع لان كل واحد مجبول على حب نفسه اشد من غيرها انتهى. قوله محبة الاختيار رضى النبى عليه السلام على رضى نفسه فالمراد هو الايثار كما قال تعالى {أية : ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} تفسير : . فكما ان هذا الايثار لا يقتضى عدم احتياج المؤثر فكذلك ايثار رضى الغير لا يستدعى ان تكون المحبة له اشد من كل وجه هذا ولكن فوق هذا كلام فان من فنى عن طبيعته ونفسه بل عن قالبه وقلبه فقد فنى عن محبتها ايضا وتخلص من الاثنينية ووصل الى مقام المحبوبية الذى لا غاية وراءه رزقنا الله واياكم ذلك بفضله وكرمه

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {كما أخرجك} خبر عن مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال، وهي عزلهم عن تولية الأَنفال في كراهتهم لها، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها، أو حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة، مثل حالهم في كراهية خروجك، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله: {لله والرسول} أي: الأنفال تثبت لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، مع كراهتهم، ثباتاً مثل ثبات إخراجك ربُّك من بيتك، يعني المدينة؛ لأنها مسكنه أو بيته منها، وجملة: {وإن فريقاً} حال مِن أخرجك، أي: أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين. يقول الحق جل جلاله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قد كره أصحابُك قسمتك للأنفال كما كرهوا إخراجك {ربُّك من بيتك بالحق} لقتال العدو، والحال أن {فريقاً من المؤمنين لكارهون} خروجك لذلك، وتلك الكراهية من قِبل النفس وطبع البشرية، لا من قِبل الإنكار في قلوبهم لأمر الله ورسوله، فإنهم راضون مستسلمون، غير أن الطبع ينزع لِحَظَّه، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده. وذلك الفريق الذي كره خروجك للقتال {يُجادلونك في الحق} أي: يخاصمونك في إيثارك الجهاد لإظهار الحق، حيث أرادوا الرجوع للمدينة، وقالوا: إنا لم نخرج لقتال، قالوا ذلك {بعد ما تَبَيّن} لهم أنهم منصرون أينما توجهوا، بإعلام الرسول لهم، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة {كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون} أي: يكرهون القتال كراهة من يُساق إلى الموت، وهو يشاهد أسبابه، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم، إذ رُوي أنهم كانوا رجّالة، وما كان فيهم إلا فارسان، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج لقصد الجهاد، وإنما لملاقاة عير قُرَيْش، لمّا سمع أنها قدمت من الشّام، وفيها تجارةٌ عَظيِمةٌ، ومعها أربعُون رَاكباً، فيهم أَبُو سُفْيان، وعمرو بنُ العاص، ومخرفة بن نوفل، وعمروبن هِشَام، فأراد رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يتعرض لها ويأخذها غنيمة، حيث أخبره جبريلُ بقدومها من الشام، فأخبرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المسلمين، فأعْجَبَهُم تلقيها، لكثرةِ المال وقلةِ الرجالِ، فلما خرجُوا، بَلَغ الخبرُ أبا سفيان، فسلك بالعير طريق السَاحِل، واستأجر من يذهب إلى مكة يستنفرها، فلما بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيرهم، نادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة، النَّجَاء، النجاء على كل صَعْبٍ وذَلُولٍ، عِيرُكُمْ وأَمْوالكم إن أصَابَهَا مُحَمَّدٌ لن تُفْلِحُوا بعدها أبداً. وقد رأت، قبل ذلك بثلاث ليال، عاتكةُ بنت المطلب، رؤيا؛ وهو أن رجلاً تمثل على جبل قبيس فنادى: يا آل لكع، اخرجوا إلى مصارعكم، ثم تمثل على الكعبة، فنادى مثل ذلك، ثم أخذ حجراً فضرب به، فلم يبق بيت في مكة إلا دخلة شيء من ذلك الحجر، فحدثت بها العباس، وبلغ ذلك أبا جهل، فقال: أما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم؟ لنتربص ثلاثاً، فإن لم يظهر ما تقول لنكتبن عليكم يا بني هاشم أنكم أكذب بيت في العرب، فلما مضت ثلاث ليال جاء رسولُ أبي سفيان ليستنفرهم. فخرج أبو جهل بجموع أهل مكة، ومضى بهم إلى بدر، وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوماً في السنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي ذَفِران، فنزل عليه جبريل بالوعد بإحدى الطائفتين: إما العيرُ وإما قُرَيْش، فاستشار فيه أصحابه، فقال بعضهم: ما خرجنا لقتال ولا تهيأنا له، وردد عليهم وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله، عَلَيكَ بالعيرِ ودَع العَدو، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر وعُمَرُ فأحْسَنَا، ثم قام سَعْدُ بن عُبادة فقال: انظرُ في أمْرِكَ، وامْضِ، فواللَّهِ لَو سِرْتَ إلى عَدَنٍ ما تَخَلَفَ رجلٌ مِنْ الأنْصارِ، ثم قام المقِدَادُ بنُ عَمْرٍو فقال: امْضِ يا رسول الله لما أمرك ربك، فإنا معك حيثما أحببتَ، لا نقولُ كما قالت بنو إسرائيل: {أية : فَاذهَب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاَ إِنَّا هَهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتِلاَ إنا معكُما مقاتلونَ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "حديث : أشيروا عَلَيَّ أيّها الناسُ"تفسير : ، يريدُ الأنصار؛ لأنهم كانوا عددهم، وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم بُرءاء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف ألاّ يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة، فقام سَعْدُ بنُ معَاٍذ وقال:لَكأنَّكَ تُرِيدُنَا يا رسولِ الله؟ فقال: أجَلْ، فقال: قد آمنّا بِك وصَدَّقْنَاكَ، وشهدنا أن ما جئْتَ بِهِ هو الحقُّ فأعطَيْنَاكَ على ذلِك عُهُودَنَا ومَوَاثِيقَنَا على السَّمْعِ والطَّاعّةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللهِ لما أرْدتَ، فوالذي بَعَثَكَ بالْحق لو اسْتَعْرَضت بنا هذا البَحْرَ فخُضته لخضْنَاهُ مَعَكَ، ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكرَهُ أن تَلقِي بِنَا عَدُوِّنَا، وإنا لَصُبُرٌ عِندَ الحَربِ، صُدُقٌ عندَ الِّلقَاءِ، ولعَلَّ اللَّهَ يُريكَ منا ما تقرُّ بِه عينُكَ، فَسِرْ بنا على بَركَةِ اللهِ، فنشطه قوله، ثم قال: "حديث : سِيرُواعَلَى بَركَةِ الله، وأبْشِرُوا؛ فِإنَّ الله قد وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائفَتَينِ، واللهِ لكأنّي أنْظرُ إلى مَصارع القَوْم ". تفسير : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بأصحابه آخر مياه من مياه بدر، فَبُني له هناك عريش، فجلس فيه هو وأبو بكر، فلما انتشب القتال أخذ قبضة من تراب فرمى بها وجوه القوم، وقال: شاهت الوجوه، فلم تبق عين من الكفار إلا وقع فيها شيء منها، ونزلت الملائكة في العنان، أي: السماء، فقتل منهم سبعون، وأُسر سبعون، وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من غزوة بدر، قيل له: عليك بالعير، فقال العباس ـ وقد أعطاك ما وعدك، فكره بعضهم قوله، ثم رجع صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منصوراً فرحاً مسروراً، وقد أنجزه الله ما وعده. الإشارة: من حكمته تعالى الجارية في عبادة أن كل ما يثقل على النفوس ويشق عليها في بدايته تكون عاقبته الفتح والنصر، والهناء والسرور، فكل ما تكرهه النفوس فغايته حضرة القدوس، وما تحقق سير السائرين إلا بمحاربة نفوسهم ومخالفة عوائدهم. وفي الحديث عنه صلىالله عليه وسلم، قال لابن عباس في حديث طويل:"حديث : وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْر كَثِيرٌ"تفسير : . والله تعالى أعلم. ثم ذكر بقية قصة بدر، فقال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ}.

الطوسي

تفسير : من مد الف {كما} فلأن المد يقع في حروف اللين، وهي الالف والواو والياء، فاذا كان الحروف منها قبل همزة، وكانت الواو والياء ساكنتين والالف لا تكون الا ساكنة مدوا الالف كألف هذه الكلمة، وكقوله {أية : من السماء من ماء} تفسير : بمد الف السماء والف ماء، والياء نحو قوله {أية : وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} تفسير : بمد الياء من الهوي، والواو نحو قوله {أية : قالوا أأنت فعلت هذا} تفسير : بمد الواو. واختلفوا في الكاف من قوله {كما} إشارة إلى ماذا؟ فقال الزجاج وغيره: قوله {كما أخرجك} معطوف على قوله {قل الأنفال لله والرسول} والمعنى في ذلك أن رسول الله لما جعل النفل لمن جعله له وسلمه المؤمنون لذلك على كراهية بعضهم له كراهية طباع، فقال {الأنفال لله والرسول} فامض لذلك، وإن كرهه قوم كما مضيت {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} وهم كارهون أيضاً لأنهم كانوا كرهوا خروجه الكراهية التي ذكرناها، وليس على المؤمنين في هذه الكراهية حرج، إذا سلموا الأمر لله ورسوله وعملوا بما فيه طاعاتهما. وقال غيره: ذلك معطوف على قوله {يسألونك عن الأنفال} كأنه قال: يسألونك الأنفال كما جادلوك عند ما اخرجك ربك من بيتك، فذلك قوله {يجادلونك في الحق بعد ما تبين}. وقال قوم: يجوز أن يكون الكاف عطفاً على قوله {أولئك هم المؤمنون حقاً... كما أخرجك ربك من بيتك بالحق}. وقال بعضهم {كما أخرجك ربك من بيتك... فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}. وقال مجاهد {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق... يجادلونك في الحق من بعد ما تبين} يعني يجادلونك في القتال بعد ما أمرت به. وقال الفراء: قوله {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} جواب قوله {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} فقال: فامض لأمرك في الغنائم على ما شئت {كما أخرجك ربك} مجاز اليمين كأنه، قال والذي اخرجك ربك، فتكون "ما" في موضع الذي كقوله {أية : وما خلق الذكر والأنثى} تفسير : وتقديره والذي خلق الذكر، وقال ابو عبيدة معمر بن المبنى: "ما" في قوله {كما أخرجك} كما في قوله {أية : وما بناها} تفسير : اي وبنائها. وقال عكرمة: المعنى {اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} فان ذلك خير لكم {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} وكان خير لكم. وقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) كأنه قال: إمض على الذي اخرجك من بيتك. والحق الذي جادلوا فيه هو القتال في قول مجاهد. و {بيتك} يراد به المدينة، اخرجه الله إلى بدر - في قوله ابن جريج، وابن ابي نجيح واكثر المفسرين - ووجه كراهية القتال - ما ذكره ابن عباس - من ان أبا سفيان لما اقبل بعير قريش من الشام فيها أموالهم، ندب النبي صلى الله عليه وآله المسلمين إلى الخروج اليها، قال لعل الله أن ينفلكموها، فانتدب اليهم، فخف بعضهم، وثقل بعضهم، ولم يظنوا أن رسول الله ملقي كيداً ولا حزنا، وهو قول السدي والمفسرين. واختلفوا في المؤمنين الذين كرهوا القتال، وجادلوا النبي صلى الله عليه وآله. فقال قوم: أراد به أهل الايمان يوم بدر - ذكر ذلك عن ابن عباس، وابن اسحاق - وقال قوم: عنى المشركين - ذهب اليه ابن زيد - وقال: هؤلاء المشركون جادلوه في الحق كأنما يساقون إلى الموت حين يدعوهم إلى الاسلام، وهم ينظرون، قال وتكون هذه صفة مبتدأة لأهل الكفر. وقول ابن عباس هو الظاهر، وعليه اكثر المفسرين، وهو ان هذا صفة للمؤمنين لكن كرهوا ذلك كراهية الطبع، لكونهم غير مستعدين للقتال، ولقلتهم وكثرة المشركين، ويقوي ذلك قوله بعد هذه الآية {وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين انها لكم وتودون ان غير ذات الشوكة تكون لكم} فبين بذلك انهم كانوا يودون العير دون الحرب. وقوله {بعد ما تبين} انك يا محمد لا تصنع إلا ما امرك الله به. وقال ابن عباس معناه يجادلونك في القتال بعد ما امرت به. والجدل شدة الفتل ومنه قولهم: جدلت الزمام إذا شددت فتله، والاجدل الصقر لشدته. وقوله {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} معناه كأن هؤلاء الذين يجادلونك في لقاء العدو في كراهتهم للقتال إذا دعوا اليه وصعوبته عليه بمنزلة من يساق إلى الموت، وهم يرونه أو يتوقعونه. والسوق الحث على السير عجلة. والاخراج في الاية معناه الدعاء إلى الخروج الذي يقع به، تقول: اخرجه فخرج اي دعاه فخرج، ومثله اضربت زيداً عمراً، فضربه وسمي البيت بيتاً لأنه جاء مهيئاً للبيتوتة فيه. وقوله "من بيتك" قال الحسن وابن ابي برة وابن جريج معناه من المدينة.

الجنابذي

تفسير : {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} بالغاية الحقّة الثّابتة وهو اعلاء الدّين واعزاز الؤمنين وانهزام المشركين او متلبّساً بالحقّ الّذى هو الولاية او متسبّباً عن الحقّ الّذى هو الولاية وهو كلام مستأنف لبيان ضعف يقينهم كما انّ ما سبق ايضاً كان لبيان ضعف يقينهم، والمراد بالاخراج الاخراج من مكّة او من المدينة لعير قريشٍ وغزو بدرٍ فانّهم كرهوا خروجه لعدم عدّتهم وهو متعلّق بقوله: يجادلونك يعنى كما كرهوا ان اخرجك ربّك من بيتك بالحقّ يكرهون القتال مجادلين فيه كأنّما يساقون حين الذّهاب الى القتال الى الموت، والاحتمالات الاُخر فى تركيبه بعيدة من سوق الكلام فانّه مسوق لتمثيل حالهم فى كراهة القتال جهلاً بعاقبته بحالهم فى كراهة الخروج جهلاً بعاقبته وفى الاخبار اشارة الى انّه منقطع عمّا قبله منزل وحده {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} الجملة حاليّة.

الهواري

تفسير : قوله: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ} أي: أخرجك من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى قتال أهل بدر. وقال مجاهد: لهم درجات عند ربهم. كما أخرجك ربك من بيتك كذلك لهم درجات عند ربهم. قوله: {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الحَقِّ} قال مجاهد والحسن: يعني: في القتال. قال الحسن: ومعنى مجادلتهم أنهم كانوا يريدون العير، ورسول الله يريد ذات الشوكة، أي القتال، بما وعده الله أن ينصره على أهل بدر. قوله: { بَعْدَمَا تَبَيَّنَ}. قال الحسن: من بعد ما أخبرهم الله أنهم منصورون، إلا أن بين ذلك قوماً يقتلون. {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى المَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} وهم في ذلك ماضون لأمر الله. وذلك أن عيراً أقبلت من الشام لقريش تحمل التجارة فيها أبو سفيان، وهو أمير القوم، وخرج المشركون العرب من الحرم [فيهم] أبو جهل لقتال رسول الله، فوعده الله إحدى الطائفتين فقال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} ووعدهم الله ذات الشوكة في الإِضمار. [ومعنى الشوكة السلاح الحرب]. {وَيُرِيدُ اللهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} وكلمات الله وعده الله الذي وعدهم أن لهم إحدى الطائفتين. {وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكَافِرِينَ} أي أصل الكافرين.

اطفيش

تفسير : {كَما أخْرجَك ربُّكَ مِنْ بيْتِك بالحقِّ} قال ابن هشام ما حاصله: أن أبا عبيدة قال: الكاف حرف قسم، وما بمعنى الذى مستعملة فى العالم مثل: {والسماء وما بناها} أى والذى أخرجك وهو الله، وأن رابط الصلة ربك، وأن الكلام راجع إلى قوله: {الأنفال لله والرسول} ويرده أن الكاف لم تجئ بمعنى واو القسم، وأن ربط الموصول بالظاهر بابه الشعر، وأن قوله: {كما أخرجك} بعيد المسافة عن قوله: {الأنفال لله وللرسول} فإنه يقول: {الأنفال لله والرسول} دليل جواب القسم. وقيل عنه: إن الدليل لهم درجات ومغفرة ورزق كريم، وروى عنه: أن الجواب يجادلونك، ويرده عدم توكيده، وأن ابن الشجرى شنع على مكى فى حكاية هذا القول وسكوته عنه، فلو أن قائلا قال: كالله لأفعلن لاستحق أن يبصق فى وجهه، وأنه قيل: الكاف اسم بمعنى مثل مبتدأ خبره فاتقوا الله، ويرده اقترانه بالفاء، وخلوه من رابط، وتباعد ما بينهما، وأنه قيل نعت مصدر محذوف، أى يجادلونك فى الحق الذى هو إخراجك من بيتك جدالا مثل جدال إخراجك، وما مصدرية. ويرده أن فيه تشبيه الشئ بنفسه، وأنه قال الزجاج والطبرى: نعت مصدر محذوف تقديره الأنفال ثابتة لله والرسول، مع كراهتهم ثبوتا مثل إخراج ربك إياك من بيتك وهم كارهون، وأنه قال الأخفش: نعت لحقا، ويسهله تقاربهما وتقييد الإخراج للحق، وزعم بعض أن المعنى لا يتناسق على هذا، وأنه قيل خبر لمحذوف وهو أقرب من الذى قبله، أى هذه الحالة التى من تفنيد الغزاة كحال إخراجك للحرب فى الكراهية. اهـ بتصرف. وقال الفراء: متعلق بمحذوف تقديره امض لأمر ربك فى الغنائم، ونفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك وهم كارهون، أى ففى ذلك الخيرة فى الإخراج، فهو متعلق بامض، أو نفل ومعناه على، وعلقه الكسائى ومجاهد بيجادلونك، والجدال كراهة، وقيل: نعت لخبر لمحذوف، أى هذا المذكور من أن لهم درجات ومغفرة ورزقا كريما بما وعد حق، كما أخرجك، وقيل: المعنى وأصلحوا ذات بينكم، ذلك خير لكم كما أخرجك، وقال عكرمة: أطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين، كما أخرجك ربك، أى الطاعة خير لكم كما كان الإخراج خيرا لكم، وقيل: متعلق بما تعلق به لهم، وقيل: الكاف اسم بمعنى إذا، أى واذكر يا محمد وهو باطل، وأولى الأقوال خامسها وساسها والبيت بيته بالمدينة، أو هو المدينة نفسها لأنها مهاجرة ومسكنة، وذلك قول الجمهور باحتماليه، وقال بعضهم: بيته بمكة أو مكة نفسه وهو قول يونس بن بكير، وبالحق متعلق بأخرج أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف، أى إخراجا ملتبسا بالحق. {وإنَّ فَرِيقاً مِن المؤمنِينَ لكارِهُونَ} للقتال أو لخروجك إليه، وذلك لقلة المؤمنين وسلاحهم، وعدم تأهبهم وما كان فيهم إلا فارسان، وقي: ثلاثة، وكثرة العدو وسلاحهم، وهذا على أنه خرج من بيته بنية الجهاد، والجملة حال من ربك، أو من كاف أخرجك، والذى عندى أن الجملة مستأنفة لا حال، إلا إن جعلت مقدرة، وأن كراهيتهم للقتال بعد الخروج لا قبله أو عنده كما تراه فى القصة إن شاء الله.

اطفيش

تفسير : أَسبابه، ما مصدرية، والتشبيه عائد إِلى الاستقرار فى لهم، أَى ثابتات لهم ثبوتا كثبوت إِخراجك، أَو ثبوتا مثل إِخراجك، أَو إِلى حقا، أَى حقا ثابتا كثبوت إِخراجك، أَو مثل ثبوت إِخراجك، أَو إِلى قوله الأَنفال لله، أَى ثابتة لله ثبوتا كثبوت إِخراجك، أَو مثل ثبوت إِخراجك، أَو إِلى أَصلحوا، أَى إِصلاحا ثابتا كإخراجك، إِلخ.. أَو إِلى أَطيعوا، أَى إِطاعة ثابتة أَو محققة كثبوت إِخراجك، أَو كتحقق إِخراجك، أَو إِلى يتوكلون، أَو حالهم فى كراهة قسم الغنيمة ككراهة إِخراجك إِلخ. أَو قسمتك الأَنفال حق كإِخراجها إِلخ. إِذ كرهوا المساواة فيها أَو المشاركة أَو إِخراجك من مكة حق كإِخراجك إِلخ.. فى أَن الكل منفعة مكروهة عاقبتها الخير كله، وذلك كله من بلاغة الكلام بالاستشهاد بحال واقعة أَو حاضرة كما قال "أية : والعاديات" تفسير : [العاديات: 1] إِلى آخره، حين قال المشركون أَن جند النبى صلى الله عليه وسلم مقتولون. والبيت المدينة، أَو مكة، أَو بيته صلى الله عليه وسلم، فى إِحداهما، الأَولى بيته فى إِحداهما، وأَنه الذى فى المدينة، والواو فى{وإِن فريقا}إِلخ.. للحال، والكراهة كراهة القتال، إِذ لم يخرجوا له من المدينة لأَنهم لم يستعدوا له، لا جبنا، فأَحبوا التعرض لمال قريش الآتى من الشام لكثرته، وقلة الرجال معه، وكذلك كره الشبان مقاسمة الشيوخ لهم فى الأَنفال، وكذلك كره الشيوخ أَو بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أَخذ سلبا فهو له" تفسير : إِذ قاله، أَو إِذ رأَوا الشبان سلبوا ما شاءَ الله، والكراهات فى ذلك كله كراهة طبع لا عصيان له، صلى الله عليه وسلم، ومما روى فى ذلك أَن سعد ابن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله إِن جماعة من أَصحابك وقوك بأَنفسهم فلم يتقدموا مع الشبان، وحتى أَخذ هؤلاءِ ما سلبوا بقوا بلا شئ، فنزل "أية : يسأَلونك عن الأَنفال" تفسير : [الأَنفال: 1] والحق القتال وجدالهم فى شأنه، وهو قولهم لم نستعد له، وتبييته لهم ظهوره لهم بأَنه الصواب وأَنه أَنفع لهم لأَنك اخبرتهم بأَنهم ينصرون أَينما توجهوا. وكأَن مكفوفة بما، وحاصل الشبه أَنهم لقلة عددهم وكثرة العدو، وعدم الاستعداد له كانوا كأَنهم يساقون إِلى الموت وهم يشاهدون أَسبابه كالحريق والإِغراق وسل السيوف على رءُوسهم وهم أَسرى، وذلك رعب لأَنهم ثلاثمائة ونحو ثلاثة عشر، وفيهم فرسان للزبير بن العوام والمقداد بن عمرو، ويقال له المقداد ابن الأَسود. وعن الإِمام على: ما معنا فارس إِلا المقداد، والعدو أَلف، وسبعون فرسا، وقيل أَلف رجل إِلا خمسين. ويجادلونك خبر ثان لأَن أَو حال من ضمير كارهون، أَو مستأَنف. ويبعد كون الواو لأَن أَو حال من ضمير كارهون، أَو مستأَنف. ويبعد كون الواو لأَن المقام ليس لذلك، وعليه يتعين الاستئناف.

الالوسي

تفسير : {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقّ} أي إخراجاً متلبساً به فالباء للملابسة، وقيل: هي سببية أي بسبب الحق الذي وجب عليك وهو الجهاد. والمراد بالبيت مسكنه صلى الله عليه وسلم أو بالمدينة أو المدينة نفسها لأنها مثواه عليه الصلاة والسلام، وزعم بعضهم أن المراد به مكة وليس بذاك، وإضافة الإخراج إلى الرب سبحانه وتعالى إشارة إلى أنه كان بوحي منه عز وجل، ولا يخفى لطف ذكر الرب وإضافته إلى ضميره صلى الله عليه وسلم، والكاف يستدعي مشبهاً وهو غير مصرح به في الآية وفيه خفاء، ومن هنا اختلفوا في بيانه وكذا في إعرابه على وجوه فاختار بعضهم أنه خبر مبتدأ محذوف هو المشبه أي حالهم هذه في كراهة ما وقع في أمر الأنفال كحال إخراجك من بيتك في كراهتهم له، وإلى هذا يشير كلام الفراء حيث قال: الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه صلى الله عليه وسلم من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال وكراهتهم لما وقع فيها مع أنه أولى بحالهم أو أنه صفة مصدر الفعل المقدر في {أية : للَّهِ وَٱلرَّسُولِ } تفسير : [الأنفال: 1] أي الأنفال ثبتت لله تعالى وللرسول عليه الصلاة والسلام مع كراهتهم ثباتاً كثبات إخراجك وضعف هذا ابن الشجري، وادعى أن الوجه هو الأولى لتباعد ما بين ذلك الفعل وهذا بعشر جمل، وأيضاً جعله في حيز قل ليس بحسن في الانتظام، وقال أبو حيان: إنه ليس فيه كبير معنى ولا يظهر للتشبيه فيه وجه، وأيضاً لم يعهد مثل هذا المصدر، وادعى العلامة الطيبـي أن هذا الوجه أدق التآماً من الأول والتشبيه فيه أكثر تفصيلاً لأنه حينئذ من تتمة الجملة السابقة داخل في حيز المقول مع مراعاة الالتفات وأطال الكلام في بيان ذلك واعتذر عن الفصل بأن الفاصل جار مجرى الاعتراض ولا أراه سالماً من الاعتراض، وقيل: تقديره وأصلحوا ذات بينكم كما أخرجك وقد التفت من خطاب جماعة إلى خطاب واحد، وقيل: المراد وأطيعوا الله والرسول كما أخرجك إخراجاً لا مرية فيه، وقيل: التقدير يتوكلون توكلاً كما أخرجك، وقيل: إنهم لكارهون كراهة ثابتة كإخراجك، وقيل: هو صفة لحقاً أي أولئك هم المؤمنون حقاً مثل ما أخرجك، وقيل: صفة لمصدر يُجَـادِلُونَ أي يجادلونك جدالاً كإخراجك ونسب ذلك إلى الكسائي، وقيل: الكاف بمعنى إذ أي واذكر إذ أخرجك وهو مع بعده لم يثبت. وقيل: الكاف للقسم ولم يثبت أيضاً وإن / نقل عن أبـي عبيد وجعل {أية : يُجَـٰدِلُونَكَ } تفسير : [الأنفال: 6] الجواب مع خلوه عن اللام والتأكيد و ما حينئذ موصولة أي والذي أخرجك، وقيل: إنها بمعنى على وما موصولة أيضاً أي امض على الذي أخرجك ربك له من بيتك فإنه حق ولا يخفى ما فيه، وقيل: هي مبتدأ خبره مقدر وهو ركيك جداً، وقيل: في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي وعده حق كما أخرجك، وقيل: تقديره قسمتك حق كإخراجك، وقيل: ذلك خير لكم كإخراجك، وقيل: تقديره إخراجك من مكة لحكم كإخراجك هذا، وقيل: هو متعلق بـ {أية : ٱضْرِبُواْ} تفسير : [الأنفال: 12] وهو كما تقول لعبدك ربيتك افعل كذا. وقال أبو حيان: خطر لي في المنام أن هنا محذوفاً وهو نصرك والكاف فيها معنى التعليل أي لأجل أن خرجت لإعزاز دين الله تعالى نصرك وأمدك بالملائكة، ودل على هذا المحذوف قوله سبحانه بعد: {أية : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } تفسير : [الأنفال: 9] الآيات، ولو قيل: إن هذا مرتبط بقوله سبحانه: {أية : رّزْقٌ كَرِيمٌ } تفسير : [الأنفال: 4] على معنى رزق حسن كحسن إخراجك من بيتك لم يكن بأبعد من كثير من هذه الوجوه. {وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَـٰرِهُونَ} للخروج أما لعدم الاستعداد للقتال أو للميل للغنيمة أو للنفرة الطبيعية عنه، وهذا مما لا يدخل تحت القدرة والاختيار فلا يرد أنه لا يليق بمنصب الصحابة رضي الله تعالى عنهم، والجملة في موضع الحال وهي حال مقدرة لأن الكراهة وقعت بعد الخروج كما ستراه إن شاء الله تعالى، أو يعتبر ذلك ممتداً، والقصة على ما رواه جماعة وقد تداخلت رواياتهم أن عير قريش أقبلت من الشام وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة فنادى أبو جهل (فرق الكفر النجاء النجاء) على كل صعب وذلول عيركم أموالكم إن أصابها محمد لم تفلحوا بعدها أبداً، وقد رأيت عاتكة بنت عبد المطلب في المنام أن راكباً أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح ثم صرخ بأعلى صوته ألا انفروا يا آل غدر لمصارعكم في ثلاث فأرى الناس قد اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ مثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبـي قبيس فصرخ مثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار من دورها إلا ودخل فيها فلقة فحدثت بها أخاها العباس فحدث بها الوليد بن عتبة وكان صديقاً له فحدث بها أباه عتبة ففشا الحديث وبلغ أبا جهل فقال للعباس: يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم فأنكر عليه الرؤية. ثم أنه خرج بجميع مكة ومضى بهم إلى بدر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي دقران فنزل عليه جبريل عليه السلام بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش فاستشار أصحابه فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنا خرجنا للعير فقال صلى الله عليه وسلم: إن العير مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فغضب عليه الصلاة والسلام فقام أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فأحسنا الكلام في اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله تعالى فنحن معك حيث أحببت لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}تفسير : [المائدة: 24] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: حديث : أشيروا عليّ أيها الناس تفسير : ـ وهو يريد الأنصار ـ لأنهم كانوا عدوهم وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدوهم / بالمدينة فقام سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنهما فقال: يا رسول الله إيانا تريد؟ قال: أجل. قال: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا إن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد ولا نكره أن تلقى بنا عدونا وإنا لنصبر عند الحرب صدق عند اللقاء، ولعل الله تعالى يريك منا ما يقر به عينيك فسر بنا على بركات الله تعالى فنشطه قوله ثم قال عليه الصلاة والسلام: حديث : سيروا على بركة الله تعالى فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم تفسير : اهـ، وبهذا تبين أن بعض المؤمنين كانوا كارهين وبعضهم لم يكونوا كذلك وهم الأكثر كما تشير إليه الآية، وجاء في بعض الأخبار أن النبـي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من بدر قيل له: عليك بالعير فليس دونها شيء فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له: لم؟ فقال: لأن الله تعالى وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك.

ابن عاشور

تفسير : تشبيهُ حال بحال، وهو متصل بما قبله: إما بتقدير مبتدأ محذوف، هو اسم إشارة لما ذكر قبله، تقديرُه: هذا الحال كحال ما أخرجك ربك من بيتك بالحق، ووجه الشبه هو كراهية المؤمنين في بادىء الأمر لما هو خير لهم في الواقع وإما بتقدير مصدر لفعل الاستقرار الذي يقتضيه الخبر بالمجرور في قوله {أية : الأنفال لله والرسول}تفسير : [الأنفال: 1] إذ التقدير: استقرت لله والرسول استقراراً كما أخرجك ربك، أي فيما يلوح إلى الكراهية والامتعاض في بادىء الأمر، ثم نوالهم النصرَ والغنيمةَ في نهاية الأمر، فالتشبيه تمثيلي وليس مراعى فيه تشبيهُ بعض أجزاء الهيئة المشبهة ببعض أجزاء الهيئة المشبّه بها، أي أن ما كرهتموه من قسمة الأنفال على خلاف مشتهاكم سيكون فيه خير عظيم لكم، حسب عادة الله تعالى بهم في أمره ونهيه، وقد دل على ما في الكلام من معنى مخالفة مشتهاهم قولُه {أية : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم صادقين}تفسير : [الأنفال: 1] كما تقدم، مع قوله في هذه الجملة {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون}. فجملة: {وإن فريقاً} في موضع الحال والعامل فيها {أخرجك ربك} هذا وجه اتصال كاف التشبيه بما قبلها على ما الأظهر، وللمفسرين وجوه كثيرة بلغت العشرين قد استقصاها ابن عادل، وهي لا تخلو من تكلف، وبعضها متحد المعنى وبعضها مختلفُه، وأحسن الوجوه ما ذكره ابن عطية ومعناه قريب مما ذكرنا وتقديره بعيد منه. والمقصود من هذا الأسلوب: الانتقالُ إلى تذكيرهم بالخروج إلى بدر وما ظهر فيه من دلائِل عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين. و{ما} مصدرية. والإخراج: إما مراد به الأمر بالخروج للغزو، وإما تقديرُ الخروج لهم وتيسيره. والخروج مفارقة المنزل والبلدِ إلى حينِ الرجوع إلى المكان الذي خرج منه، أو إلى حينِ البلوغ إلى الموضع المنتقل إليه. والإخراج من البيت: هو الإخراج المعيّن الذي خرج به النبي صلى الله عليه وسلم غازياً إلى بدر. والباء في {بالحق} للمصاحبة أي إخراجاً مصاحباً للحق، والحق هنا الصواب، لما تقدم آنفاً من أن اسم الحق جامع لمعنى كمال كل شيء في محامد نوعه. والمعنى أن الله أمره بالخروج إلى المشركين ببدر أمراً موافقاً للمصلحة في حال كراهة فريق من المؤمنين ذلك الخروج. وقد أشار هذا الكلام إلى السبب الذي خرج به المسلمون إلى بدر، فكان بينهم وبين المشركين يوم بدر، وذلك أنه كان في أوائل رمضان في السنة الثانية للهجرة إن قفلت عيرٌ لقريش فيها أموال وتجارة لهم من بلاد الشام، راجعة إلى مكة، وفيها أبو سفيان بن حرب في زهاء ثلاثين رجلاً من قريش، فلما بلغ خبر هذه العير رسول الله صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين إليها فانتدب بعضهم وتثاقل بعضٌ، وهم الذين كرهوا الخروج، ولم ينتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم من تثاقلوا ومن لم يحْضر ظهرهم أي رواحلهم فسار وقد اجتمع من المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر خرجوا يوم ثمانية من رمضان، وكانوا يحسبون أنهم لا يلقون حرباً وأنهم يغيرون على العير ثم يرجعون، وبلغ أبا سفيان خبر خروج المسلمين فأرسل صارخاً يستصرخ قريشاً لحماية العير، فتجهز منهم جيش، ولما بلغ المسلمون وادي ذفرَان بلغهم خروج قريش لتلقي العير، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فأشاروا عليه بالمضي في سبيله وكانت العير يومئذ فاتتهم، واطمأن أبو سفيان لذلك فأرسل إلى أهل مكة يقول إن الله نجى عيركم فارجعوا، فقال أبو جهل لا نرجع حتى نَرِد بدراً (وكان بدرٌ موضع ماء فيه سوق للعرب في كل عام) فنقيم ثلاثاً، فننحرَ الجُزر ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتتسامع العرب بنا وبمسيرنا فلا يزالوا يهابوننا ويعلموا أن محمداً لم يصب العير، وأنا قد أعضضناه، فسار المشركون إلى بدر وتنبكتْ عيرهم على طريق الساحل وأعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأعلم المسلمين، فاستشارهم وقال: العيرُ أحبُ إليكم أم النفير، فقال أكثرهم العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أعاد استشارتهم فأشار أكثرهم قائلين: عليك بالعير فإنا خرجنا للعير فظهر الغضبُ على وجهه. فتكلم أبو بكر، وعمر، والمقداد بنُ الأسود، وسعدُ بن عبادةَ، وأكثر الأنصار، ففوضوا إلى رسول الله ما يرى أن يسير إليه صلى الله عليه وسلم فأمرهم حينئذ أن يسيروا إلى القوم ببدر فساروا. وكان النصر العظيم الذي هز به الإسلامُ رأسه. فهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} وذلك أنهم خرجوا على نية التعرض للعير، وأن ليس دونَ العير قتال، فلما أخبرهم عن تجمع قريش لقتالهم تكلم أبو بكر فأحسن، وتكلم عمر فأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود فقال «يا رسول الله امضِ لما أراك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هَهنا قاعدون ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديكَ وخلفك، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى (بَرْكِ الغماد) (بفتح باء برك وغين الغماد ومعجمة مكسورة موضع باليمن بعيد جداً عن مكة) لجادلنا معك من دونه حتى تبلغه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أشيروا عليّ أيها الناس»تفسير : وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم حين بايعُوه بالعقبة قالوا يومئذ «إنا بُرءاء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلينا فإنك في ذمتنا نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا» فكان رسول الله يتخوف أن يكون الأنصار لا يرون نصرَه إلا ممّن دَهمه بالمدينة، وأن ليس عليهم أن يسير بهم من بلادهم، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أشيروا عليّ قال له سعد بن معاذ «والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله قال: أجلْ قال: فقد آمنّا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحرَ فخصته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد وما نَكْرَهُ أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصبرٌ في الحرب صدقٌ في اللقاء لعل الله يريك بنا ما تقرُّ به عينُك فسِرْ بنا على بركة الله» فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ـ أي ولم يخص وعد النصر، بتلقي العير فقط ـ فما كان بعد ذلك إلا أن زال من نفوس المؤمنين الكارهين للقتال ما كان في قلوبهم من الكراهية، وقوله {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} في موضع الحال من الإخراج الذي أفادته، (ما) المصدرية، وهؤلاء هم الذين تثاقلوا وقت العزم على الخروج من المدينة، والذين اختاروا العير دون النفيرِ حين استشارة وادي ذَفِرَان، لأن ذلك كله مقترن بالخروج لأن الخروج كان ممتداً في الزمان، فجملة الحال من قوله: {وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} حال مقارنة لعاملها وهو {أخرجك}. وتأكيد خبر كراهية فريق من المؤمنين بإن ولام الابتداء مستعمل في التعجيب من شأنهم بتنزيل السامع غير المنكر لوقوع الخبر منزلةَ المنكر لأن وقوع ذلك مما شأنه أن لا يقع، إذ كان الشأن اتباع ما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم أو التفويضَ إليه، وما كان ينبغي لهم أن يكرهوا لقاء العدو. ويستلزم هذا التنزيلُ التعجيبَ من حال المخبر عنهم بهذه الكراهية فيكون تأكيد الخبر كناية عن التعجيب من المخبر عنهم. وجملة {يجادلونك} حال من {فريقاً} فالضمير لفريق باعتبار معناه لأنه يدل على جمع. وصيغة المضارع لحكاية حال المجادلة زيادة في التعجيب منها، وهذا التعجيب كالذي في قوله تعالى: {يجادلنا} من قوله: {أية : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يُجادلنا في قوم لوط}تفسير : [هود: 74] إذ قال {يجادلنا} ولم يقل «جادلنا». وقوله: {بعْدَ ما تبيّنَ} لوم لهم على المجادلة في الخروج الخاص، وهو الخروج للنفير وترك العير، بعد أن تبين أي ظهر أن الله قدر لهم النصر، وهذا التبيّن هو بيّنٌ في ذاته سواء شعر به كلهم أو بعضهم فإنه بحيث لا ينبغي الاختلاف فيه، فإنهم كانوا عَرَباً أذكياء، وكانوا مؤمنين أصفياء، وقد أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله ناصرهم على إحدى الطائفتين: طائفة العير أو طائفة النفير، فنصرهم إذن مضمون، ثم أخبرهم بأن العير قد أخطأتهم، وقد بقي النفير، فكان بيّناً أنهم إذا لقوا النفير ينصرهم الله عليه، ثم رأوا كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لمّا اختاروا العير، فكان ذلك كافياً في اليقين بأنهم إذا لقوا المشركين ينتصرون عليهم لا محالة، ولكنهم فضلوا غنيمة العير على خضد شوكة أعدائهم ونهوضِ شوكتهم بنصر بدر، فذلك معنى تبيّن الحق أي رجحان دليله في ذاته، ومَن خفي عليه هذا التبيّن من المؤمنين لم يعذره الله في خفائِه عليه. ومن هذه الآية يؤخذ حكم مؤاخذة المجتهد إذا قصّر في فهم ما هو مدلول لأهل النظر، حديث : وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من سؤال الذي سأله عن ضالة الإبل بعدَ أن سأله عن ضالة الغنم فأجابه هي لكَ أو لأخيك أو للذئب. فلما سأله بعد ذلك عن ضالّة الإبل تَمَعّر وجهه وقال «مالَكَ ولها معها حذاؤها وسقاؤها تَشرب الماءَ وترعَى الشجرَ حتى يلقاها ربها» تفسير : وروى مالك، في «الموطأ»، أن أبا هريرة مرّ بقومٍ محرمين فاستفتوه في لَحْم صيد وجدوا أناساً أحلة يأكلونه فأفتاهم بالأكل منه ثم قدم المدينة فسأل عُمر بن الخطاب عن ذلك فقال له عمر بمَ أفتيتَهم قال: أفتيتهم بأكله فقال: «لو أفتيتهم بغير ذلك لأوْجَعْتُك». وجملة: {كأنما يساقون إلى الموت} في موضع الحال من الضمير المرفوع في {يجادلونك} أي حالتهم في وقت مجادلتهم إياك تشبه حالتهم لو ساقهم سائق إلى الموت، والمراد بالموت الحالة المضادة للحياة وهو معنى تكرهه نفوس البشر، ويصوره كل عقل بما يتخيله من الفظاعة والبشاعة كما تصوره أبو ذؤيب في صورة سَبُع في قوله: شعر : وإذا المنية أنشبت أظفارها تفسير : وكما تخيل، تأبط شراً الموت طامعا في اغتياله فنجا منه حين حاصره أعداؤه في جحر في جبل: شعر : فَخَالطَ سَهْلَ الأرض لم يكدح الصفا به كَدْحةً والموتُ خزيانُ يَنظر تفسير : فقوله تعالى: {كأنما يساقون إلى الموت} تشبيه لحالهم، في حين المجادلة في اللحاق بالمشركين، بحال من يجادل ويمانع من يسوقه إلى ذات الموت. وهذا التفسير أليق بالتشبيه لتحصل المخالفة المطلقة بين الحالة المشبهة والحالة المشبه بها، وإلا فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العَدد، وهم في قلة، إرْجاء بهم إلى الموت إلا أنه موت مظنون، وبهذا التفسير يظهر حسن موقع جملة: {وهم ينظرون} أما المفسرون فتأولوا الموت في الآية بأنه الموت المتيقن فيكون التخالف بين المشبه والمشبه به تخالفاً بالتقييد. وجملة: {وهم ينظرون} حال من ضمير {يساقون} ومفعول {ينظرون} محذوف دل عليه قوله: {إلى الموت} أي: وهم ينظرون الموتَ، لأن حالة الخوف من الشيء المخوف إذا كان منظوراً إليه تكون أشد منها لو كان يعلم أنه يساق إليه ولا يَراه، لأن للحس من التأثير على الإدراك ما ليس لمجرد التعقل، وقريب من هذا المعنى قول جعفر بن عُلْبَةَ: شعر : يَرى غمراتِ الموت ثم يزورها تفسير : وفي عكسه في المسرة قوله تعالى: {أية : وأغرقنا آل فرعون وأنتُم تنظرون}تفسير : [البقرة: 50].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: من بيتك: أي المدينة المنورة. لكارهون: أي الخروج للقتال. إحدى الطائفتين: العير "القافلة" أو النفير: نفير قريش وجيشها. الشوكة: السلاح في الحرب. يبطل الباطل: أي يظهر بطلانه بقمع أهله وكسر شوكتهم وهزيمتهم. ولو كره المجرمون: كفار قريش المشركون. معنى الآيات: قوله تعالى {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ} أيها الرسول {مِن بَيْتِكَ} بالمدينة {بِٱلْحَقِّ} متلبساً به حيث خرجت بإذن الله {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} لما علموا بخروج قريش لقتالهم، وكانت العاقبة خيراً عظيماً، هذه الحال مثل حالهم لما كرهوا نزع الغنائم من أيديهم وتوليك قسمتها بإذننا، على أعدل قسمة وأصحها وأنفعها فهذا الكلام في هذه الآية [5] تضمنت تشبيه حال حاضره بحال ماضيه حصلت في كل واحدة كراهة بعض المؤمنين، وكانت العاقبة في كل منهما خيراً والحمد لله، وقوله تعالى {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} أي يجادلونك في القتال بعدما اتضح لهم أن العير نجت وأنه لم يبق إلا النفير ولا بد من قتالها. وقوله تعالى {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} أي إلى الموت عياناً يشاهدونه أمامهم وذلك من شدة كراهيتهم لقتال لم يستعدوا له ولم يوطنوا أنفسهم لخوض معاركه. وقوله تعالى {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ} أي اذكر يا رسولنا لهم الوقت الذي يعدكم الله تعالى فيه إحدى الطائفتين العير والنفير، وهذا في المدينة وعند السير أيضاً {أَنَّهَا لَكُمْ} أي تظفرون بها، {وَتَوَدُّونَ} أي تحبون أن تكون {غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} وهي عير أبي سفيان {تَكُونُ لَكُمْ}، وذلك لأنها مغنم بلا مغرم لقلة عددها وعددها، والله يريد {أَن يُحِقَّ الحَقَّ} أي يظهره بنصرأوليائه وهزيمة أعدائه، وقوله {بِكَلِمَاتِهِ} أي التي تتضمن أمره تعالى إياكم بقتال الكافرين، وأمره الملائكة بالقتال معكم، وقوله {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} أي بتسليطكم عليهم فتقتلوهم حتى لا تبقوا منهم غير من فر وهرب، وقوله {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أي لينصره ويقرره وهو الإِسلام {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} وهو الشرك {وَلَوْ كَرِهَ} ذلك {ٱلْمُجْرِمُونَ} أي المشركون الذين أجرموا على أنفسهم فأفسدوها بالشرك، وعلى غيرهم أيضاً حيث منعوهم من قبول الإِسلام وصرفوهم عنه بشتى الوسائل. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير قاعدة {أية : وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 216] وذكر نبذة عن غزوة بدر الكبرى وبيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن عيراً لقريش تحمل تجارة قادمة من الشام في طريقها إلى مكة وعلى رأسها أبو سفيان بن حرب فانتدب النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه للخروج إليها عسى الله تعالى أن يغنمهم إياها، لأن قريشاً صادرت أموال بعضهم وبعضهم ترك ماله بمكة وهاجر. فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم وأثناء مسيره أخبرهم أن الله تعالى وعدهم إحدى الطائفتين، لا على التعيين جائز أن تكون العير، وجائز أن تكون النفير الذي خرج من مكة للذب عن العير ودفع الرسول وأصحابه عنها حتى لا يستولوا عيلها، فلما بلغ الرسول نبأ نجاة العير وقدوم النفير استشار أصحابه فوافقوا على قتال المشركين ببدر وكره بعضهم ذلك، وقالوا: إنا لم نستعد للقتال فأنزل الله تعالى هذه الآيات {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} إلى قوله {... وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ}. 2- بيان ضعف الإِنسان في رغبته في كل ما لا كلفة فيه ولا مشقة. 3- إنجاز الله تعالى وعده للمؤمنين إذ أغنمهم طائفة النفير وأعزهم بنصر لم يكونوا مستعدين له. 4- ذكر نبذة عن وقعة بدر وهي من أشهر الوقائع وأفضلها وأهلها من أفضل الصحابة وخيارهم إذ كانت في حال ضعف المسلمين حيث وقعت في السنة الثانية من الهجرة وهم أقلية والعرب كلهم أعداء لهم وخصوم.

القطان

تفسير : الشوكة: القوة والبأس، والسلاح، ومعنى ذات الشوكة: الطائفة المسلّحة القوية. احدى الطائفتين: الأولى هي الطائفة التي جاءت من الشام بقيادة أبي سفيان ومعها العِير وفيها اموال قريش. والثانية: قريش وقد خرجت بصناديِدِها ورجالها المسلّحين ليحموا العير. دابر الكافرين: آخرهم. ليحق الحق: ليعزّ الإسلام ويبطل الباطل: يزيل الشرك والكفر. الكلام هنا عن غزوة بدر التي كانت أول فوزٍ للمؤمنين وخذلانٍ للمشركين. وملخص القصة: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أن أبا سفيانَ رجع من الشام يقود قافلةً ضخمة فيها معظم اموال قريش وتجارتها. فأخبر أصحابه ونَدَبَهم الى الخروج ليصادروا هذه القافلة. لكن البعض تثاقل وكره الخروج وخرج الرسول في ثلاثمائة رجل ونيف، ولم يعلموا انهم مقبلون على واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ. وعِلم أبو سفيان بخروج الرسول وأصحابه فبعث الى قريش يطلب النجدة. ولم يبق أحد قادر على حمل السلاح في مكة إلا خرج. اما ابو سفيان فحوّل طريقه الى ساحل البحر ونجا، وبعث الى قريش يخبرهم بذلك ليرجعوا. فأبى أبو جهل وسار بالقوم الى بدر. فشاور النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه وقال لهم: ان الله وعَدَني إحدى الطائفتين، فوافقوه على القتال، وكره ذلك بعضهم وقالوا: لم نستعدَّ له، لكنهم ساروا وأجمعوا على لقاء قريش وكانت المعركة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة وقد انتصر المسلمون انتصراً عظيما، فقتلوا من قريش سبعين رجلا، وأسروا سبعين، وفر الباقون، واستُشهد من المسلمين اربعة عشر رجلا فقط. وكانت هذه المعركة أول نصر للمسلمين، فبدأ ينحاز كثير من العرب الى جانبهم بعد ذلك. {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}. إن حال المؤمنين في خلافهم حول الغنائم مثل حالهم عند ما أمرك اللهُ بالخروج من المدنية لقتال المشركين ببَدْر. يومئذٍ كانوا يجادلونك ايها الرسول في لقاء قريش وقتالهم مع ان هذا اللقاء والقتال حق وخير. ولقد آثروا لقاء العِير لأن فيها الأموال، ولأن حراسها قليلون. لكن الحق تبيَّنَ بحيث لم يبقَ للجدل فيه وجه كما يقول تعالى: {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ} وكانوا في ذهابهم الى القتال كالذي يُساق الى الموت وهو ينظر أسبابه ويعاينُها. وهذه صورة يرسمها القرآن لشدَّة خوفهم من قريش، لأنها أكثرُ عددا، وأقوى عدة. {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ...} الآية اذكروا أيها المؤمنون اذ يَعِدكم الله ان ينصركم على احدى الطائفتين، قريش وفرسانها، أو العِير وما فيها من أموال. انتم تودّون أن تَلقوا الطائفة التي فيها المال، لكنّ الله تعالى يريدكم ان تلقوا قريشاً وينصركم عليهم، ليثبت الحقُّ بإرادته ويُعز الإسلام ويُظهره على الدِّين كلّه، وليقطع دابر الكافرين بعد ان يزيل الباطل، وهو الشِرك، لقد أردتم أنتم حطام الدنيا الزائل، واراد الله لكم النصر على قريش أعداءِ الله واعدائكم، كيما يحقِّق لكم وعدَه بالنصر. هذا أفضلُ لكم وللاسلام وفيه العزة والكرامة، وهو خير من المال وكل ما في الدنيا من حطام.

د. أسعد حومد

تفسير : {لَكَارِهُونَ} (5) - يَقُولُ تَعَالَى: إنَّكُمْ كَمَا اخْتَلَفْتُمْ حَوْلَ قِسْمَةِ المَغَانِمِ، فَأَخَذَهَا اللهُ مِنْكُمْ، وَجَعَلَهَا لِرَسُولِهِ، يَقْسِمُهَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ المُسْلِمِينَ، كَذَلِكَ كَرِهْتُمُ الخُرُوجَ إلى الأعْدَاءِ، وَفَضَّلْتُمُ الاتِّجَاهَ نَحْوَ عِيرِ قُرَيشٍ، لِتَفُوزوا بِالمَغْنَمَ، دُونَ التَّعَرُّضِ إلَى مَخَاطِرِ الحَرْبِ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدَّرَ لِقَاءَكُمْ بِالمُشْرِكِينَ عَلَى غَيْرِ مَوْعِدٍ، وَعَلَى غَيْرِ انْتِظَارٍ، فَأَخْرَجَكُمْ رَبُّكُمْ إِلَيْهِمْ، وَكَثيرٌ مِنَ المُؤْمِنينَ كَارِهُونَ لِلْحَرْبِ، وَنَصَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةُ الإِسْلاَمِ وَالمُسْلِمِينَ.

الثعلبي

تفسير : {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله: كما، فإما الذي شبه بإخراج الله نبيّه من بيته {بِٱلْحَقِّ} قال عكرمة: معنى ذلك فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن ذلك خير لكم كما كان إخراج الله تعالى محمد من بيته بالحق خيراً لكم وإن كرهه فريق منكم. وقال مجاهد: كما أخرجك ربّك يا محمد من بيتك بالحق على كره فريق من المؤمنين كذلك يكرهون القتال ويجادلونك فيه، أي أنّهم يكرهون القتال ويجادلونك فيه كما فعلوا ببدر. وقال بعضهم: أمر الله تعالى رسوله عليه السلام أن يمضي لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون. وقيل: معناه يسألونك عن الأنفال مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجت العير ولم تعلمنا قتالاً [فنسخطه]. وقيل: معناه أُولئك هم المؤمنون حقّاً كما أخرجك ربّك من بيتك بالحق. وقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) تقديره: أمض على الذي أخرجك ربّك. قال ابن حيّان: عن الكلبي وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازها: الذي أخرجك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى (إذ) تقديره: وإذ أخرجك ربّك من بيتك بالمدينة إلى بدر بالحق. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} لطلب المشركين {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} أي في القتال وذلك أن المؤمنين لمّا أيقنوا [الشوكة] والحرب يوم بدر وعرفوا أنّه القتال كرهوا ذلك وقالوا: يا رسول الله إنّه لم تعلمنا إنّا نلقي العدو فنستعد لقتالهم وإنّما خرجنا للعير فذلك جدالهم {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} إنّك لا تصنع إلاّ ما أمر الله به. وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يجادلونه في الحق {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} [يعني] من يدعون للإسلام لكراهتهم إيّاه. {وَهُمْ يَنظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} الآية. قال ابن عباس وابن الزبير وابن يسار والسدي: حديث : أغار كرز بن جابر القرشي على سرح المدينة حتّى بلغ الصفراء فبلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فركب في أثره فسبقه كرز فرجع النبيّ صلى الله عليه وسلم فأقام سنة وكان أبو سفيان أقبل من الشام في عير لقريش فيها عمرو بن العاص وعمرو بن هشام ومخرمة بن نوفل الزهري في أربعين راكباً من كبار قريش وفيها تجارة عظيمة وهي اللطيمة حتّى إذا كان قريباً من بدر بلغ النبيّ صلى الله عليه وسلم فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلّة الجنود فقال: "هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلّ الله عزّ وجلّ ينفلكموها" فخرجوا لا يُريدون إلاّ أبا سفيان والركب لا يرونها إلاّ غنيمة لهم وخفّ بعضهم وثقل بعض. وذلك أنّهم كانوا لم يظنّوا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يُلقي حرباً فلمّا سمع أبو سفيان بمسير النبيّ صلى الله عليه وسلم استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكّة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم ويخبرهم أن محمداً قد عرض لعيرهم وأصحابه. فخرج ضمضم سريعاً إلى مكّة وخرج الشيطان معه في صورة سراقة بن خعشم فأتى مكّة فقال: إنّ محمداً وأصحابه قد عرضوا لعيركم فلا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، فغضب أهل مكّة وانتدبوا وتنادوا لا يتخلف عنا أحد إلاّ هدمنا داره واستبحناه، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتّى بلغ وادياً يقال له: وفران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله عليه السلام حتّى إذا كانوا بالروحاء أخذ عيناً للقوم فأخبره بهم وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً عيناً له من جهينة حليفاً للأنصار يدعى ابن الاريقط فأتاه بخبر القوم، وسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبرئيل فقال: إن الله وعدكم إحدى الطائفتين إمّا العير وإمّا قريش، وكان العير أحب إليهم فاستشار النبيّ صلى الله عليه وسلم أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال: وأحسن وقام عمر وقال وأحسن، ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله ونحن معك والله ما نقول كما قالت بنو اسرائيل لموسى {ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24]، ولكن إذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا معكم مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتّى نبلغه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً ودعا له بخير، ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أشيروا عليّ أيُّها الناس". وإنّما يُريد الأنصار، وذلك أنّهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنّا براء من ذمامك حتّى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلى دارنا فأنت في ذمامنا فنمنعك ممّا نمنع عنه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف أن تكون الأنصار لا ترى عليها نصرته إلاّ على مَنْ داهمه بالمدينة من عدّوه فإن ليس عليهم أن يسيّرهم إلى عدوّهم من بلادهم، فلمّا قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له سعد بن معاذ: والله كأنّك تُريدنا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم "أجل". قال: فقد آمنّا بكَ وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله ما أردت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضت لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقانا بنا عدوّنا غداً إنّا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء لعل الله عزّ وجلّ يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، ففرح بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم ونشّطه قول سعد ثمّ قال: سيروا على بركة الله وابشروا فإنّ الله قد وعدكم إحدى الطائفتين. والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم تفسير : وذلك قوله {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} أي الفريقين أحدهما أبو سفيان مع العير والأُخرى أبو جهل مع النفير {وَتَوَدُّونَ} تُريدون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} يعني العير التي ليس فيها قتال والشوكة الشدة والقوة وأصلها من الشوك {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ} أي يحققه ويعلنه {بِكَلِمَاتِهِ} بأمره إيّاكم بقتال الكفّار {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} فيستأصلهم {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ } الإسلام {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} الكفر. وقيل: الحق القرآن والباطل الشيطان {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي المشركون. {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} أي تستجيرون به من عدّوكم وتسألونه النصر عليهم، قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه: حديث : لمّا كان يوم بدر ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كثرة المشركين وقلّة المسلمين دخل العرش هو وأبو بكر واستقبل القبلة وجعل يدعو ويقول: اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فلم يزل كذلك حتّى سقط رداؤه وأخذ أبو بكر رداءه وألقاه على منكبيه ثمّ التزمه من ورائه وقال: يانبي الله كفى مناشدتك ربّك فإن الله سينجز لك ما وعدك تفسير : {فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي} أي بأنّي. وقرأ عيسى: إنّي بكسر الألف وقال إنّي {مُمِدُّكُمْ} وزائدكم ومرسل إليكم مدداً {بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} قرأ أهل المدينة: مردفين بفتح الدال والباقون بكسره، لغتان متتابعين بعضهم في أثر بعض يقال: اردفه وردَفته بمعنى تبعته قال الشاعر: شعر : إذا الجوزاء أردفت الثريّا ظننت بآل فاطمة الظنونا تفسير : أراد ردفت جاءت بعدها، لأن الجوزاء تطلع بعد الثريا ومن فتح فعلى المفعول، أي أردف الله المسلمين وجاءهم به فأمدّهم الله بالملائكة ونزل جبرئيل في خمسمائة مَلكَ مجنبة على الميمنة فيها أبو بكر رضي الله عنه ونزل ميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها عليّ كرّم الله وجهه وهم في صورة الرجال عليهم ثياب بيض، وعمائم بيض أرخوا ما بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ولا يوم حنين ولا تقاتل أبداً إنّما يكونون حدداً أو مدداً. وقال ابن عباس: حديث : بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت لفارس يقول قدم حيزوم ونظر إلى المشرك أمامه خرّ مسلتقياً، فنظر إليه فإذا هو قد حُطم وشُق وجهه كضربة السوط فجاء الرجل فحدّث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "صدقت ذلك من مدد السماء" فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . تفسير : قال مجاهد: ما مُدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم فيما ذكر الله تعالى غير الألف من الملائكة {مُرْدِفِينَ} التي ذكر الله في الأنفال وأمّا الثلاثة والخمسة فكانت بُشرى {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ} يعني الامداد. الفراء: يعني الأرداف. {إِلاَّ بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ} قرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو: يغشيكم بفتح الياء النعاس رفع على أن الفعل له واحتجّوا بقوله في سورة آل عمران {أية : أَمَنَةً نُّعَاساً يَغْشَىٰ طَآئِفَةً مِّنْكُمْ} تفسير : [آل عمران: 154] فجعل الفعل له. وقرأ أهل المدينة يغشيكم بضم الياء مخففة على أن الفعل لله عزّ وجلّ ليكون موافقاً لقوله (وينزل وليطهركم) واحتجّوا بقوله تعالى {أية : كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ} تفسير : [يونس: 27]. وقرأ عروة بن الزبير والحسن وأبو رجاء وعكرمة والجحدري وعيسى وأهل الكوفة: يُغشّيكم بضمّ الياء مشدّداً. فاختاره أبو عبيد وأبو حاتم: لقوله {أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} تفسير : [النجم: 54] والنعاس النوم تخفيف. وقال أبو عبيدة: هو ابتداء القوم: أمنة بفتح الميم قراءة العامّة، وقرأ أبو حياة وابن محيصن: أمنة بسكون الميم وهو مصدر قولك: أمنت من كذا أمناً وأمنة وأمانة وكلّها بمعنى واحد فلذلك نصب. قال عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله عزّ وجلّ وفي الصلاة من الشيطان {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً} وذلك أن المسلمين نزلوا كثيباً أخضر ببدر يسوخ فيه الأقدم وحوافر الدواب وسبقهم المشركون إلى ماء بدر العظمى وغلبوهم عليه وأصبح المسلمون بعضهم محدثين وبعضهم مجنبين وأصابهم الظمأ ووسوس لهم الشيطان فقال تزعمون أن فيكم نبي الله وأنّكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تُصلّون مجنبين ومحدثين فكيف ترجون أن يظفركم عليهم. قال: فأرسل الله عزّ وجلّ مطراً سال منه الوادي فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضّأوا وسقوا الركاب وملؤوا الأسقية وأطفى الغبار ولبّد الأرض حتّى ثبّت عليه الأقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم فذلك قوله {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن ٱلسَّمَآءِ مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} من الأحداث والجنابة. وقرأ سعيد بن المسيب: ليُطهركم بطاء ساكنة من أطهره الله {وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ ٱلشَّيْطَانِ} أي وسوسة الشيطان. وقرأ ابن محيصن: رجز بضم الراء. وقرأ أبو العالية: رجس بالسين والعرب تعاقب بين السين والزاء فيقول بزق وبسق. والسراط والزراط والأسد والأزد {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ} اليقين والصبر {وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلأَقْدَامَ } حتّى لا يسرح في الرمل بتلبيد الأرض. وقيل: بالصبر وقوّة القلب {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ} للذين أمدّ بهم المؤمنين {أَنِّي مَعَكُمْ} بالعون والنصر {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي نوّروا قلوبهم وصحّحوا عزائمهم وثباتهم في الجهاد، فقيل: إنّ ذلك المثبت بحضورهم الحرب معهم. وقيل: معونتهم إياهم في قتال عدوهم، وقال أبو روق: هو أن الملك كان يشبّه بالرجل الذي يعرفون وجهه فيأتي الرجل من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقول: إنّي قد دنوت من المشركين فسمعتهم يقولون والله لئن حملوا علينا [لنكشفنّ]. فتحدّث بذلك المسلمون بعضهم بعضاً فيقوّي أنفسهم ويزدادون جرأة، قال ابن إسحاق والمبرد: فثبّتوا الذين آمنوا أي وآزروهم {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعْبَ} ثمّ علّمهم كيف الضرب والقتل فقال {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} قال بعضهم: هذا الأمر متّصل بقوله: {فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وقال آخرون: هو أمر من الله عزّ وجلّ للمؤمنين واختلفوا في قوله {فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} فقال عطيّة والضحاك: معناه: فاضربوا الأعناق لقوله {أية : فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ} تفسير : [محمد: 4]. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لم أبعث لأعذب بعذاب الله وإنّما بُعثت لضرب الرقاب وشدّ الوثاق ". تفسير : وقال بعضهم: معناه: فاضربوا على الأعناق، (فوق) بمعنى على. وقال عكرمة: معناه فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق. وقال ابن عباس: معناه واضربوا فوق الأعناق أي على الأعناق، نظيره قوله {أية : فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ} تفسير : [النساء: 11] أي اثنتين فما فوقهما. {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} قال عطيّة: يعني كل مفصل. وقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف والبنان جمع بنانه، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين واشتقاقه من أَبَنَ بالمقام إذا قام به. قال الشاعر: شعر : ألا ليتني قطعت منه بنانه ولاقيته في البيت يقظان حاذراً تفسير : وقال يمان بن رئاب: {فَٱضْرِبُواْ فَوْقَ ٱلأَعْنَاقِ} يعني الصناديد {وَٱضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} يعني السفلة، والصحيح: القول الأوّل. قال أبو داود المازني وكان شهد بدراً: اتّبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يديّ قبل أن يصل سيفي فعرفت أنّه قتله غيري. وروى أبو أُمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لقد رأيت يوم بدر وأن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف. وقال ابن عباس: حدثني رجل عن بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتّى صعدنا في جبل ليشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الواقعة على مَنْ يكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب. قال: فبينما نحن في الجبل إذ دنت منّا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل. فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم قال فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه فمات أمّا أنا فكدت أهلك ثمّ تماسكت. وقال عكرمة: حديث : قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلّف عن بدر فقد بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا لم يتخلّف رجل إلاّ بعث مكانه رجلا فلمّا جاء الخبر عمّا أصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوّة وحزماً فكان رجلاً ضعيفاً قال: وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم فوالله إنّي لجالس فيها أنحت الأقداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرّنا ما جاء من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتّى جلس على طنب الحجرة وكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس، قال: لا شيء والله كأن الآن لقينا فمنحناهم أكتافاً يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا وأيم الله مع تلك ما لمّت الناس: لقينا رجالاً بيضاً على خيل [معلّق] بين السماء والأرض [ما تليق] شيئاً ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طرف الحجرة بيدي ثمّ قلت: تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فناورته فاحملني فضرب بي الأرض، ثمّ برك عليّ فضربني وكنت رجلا ضعيفاً فقامت أم الفضل الى عمود من عمد البيت فأخذته فضربته ضربة فلقت رأسه شجة منكرة وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيّده، فقام مولّياً ذليلاً فوالله ما عاش إلاّ سبع ليال حتّى رماه الله بالعدسة فقتله. ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثاً ما يدفناه حتّى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتّقي الناس الطاعون حتّى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان أنَّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغسّلانه فقالا: إنّا نخشى هذه القرحة، قال: فانطلقا فإنّا معكما فما غسلوه إلاّ قذفاً بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه ثمّ حملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه . تفسير : وروي مقسّم عن ابن عباس قال: حديث : كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة وكان أبو اليسر رجلا مجموعاً وكان العباس رجلا جسيماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي اليسر: يا أبا اليسر كيف أسرت العباس؟ فقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أعانك عليه مَلَك كريم . تفسير : {ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ ٱللَّهَ} خالفوا الله {وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ} أي هذا العقاب الذي أعجلته لكم أيّها الكفّار {فَذُوقُوهُ} عاجلا {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} في المعاد {عَذَابَ ٱلنَّارِ} وفي فتح (أن) وجهان من الإعراب أحدهما الرفع والأخر النصب: فأمّا الرفع فعلى تقدير ذلكم تقديره: ذلكم يذوقوه، وذلك أن للكافرين عذاب النار. وأمّا النصب فعلى وجهين: أحدهما: بمعنى فعل مضمر: ذلكم فذوقوه وأعلموا وأيقنوا أن للكافرين. والأخر بمعنى: وما للكافرين فلما حذف الياء نصب.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و "كما" تدل على تشبيه حالة بحالة، فهم قد رضوا بقسمة الله في الغنائم بعد أن رفضوها، وكذلك قبلوا من قبلُ أن يخرجوا لملاقاة النفير بعد كراهيتهم لذلك. لكنهم خرجوا وحاربوا وانتصروا ثم اختلفوا على الغنائم، ورضوا أخيراً بقسمة الله تعالى والرسول عليه الصلاة والسلام. فهل ذكر مسألة كراهيتهم للخروج إلى الحرب هي طعن فيهم؟ لا، فهذا القول له حيثية بشرية؛ لأن الذي يريد أن يخوض معركة لا بد أن يغلب عليه الظن بأنه سوف ينتصر، وإلا سينظر إلى أن عملية الخروج إلى القتال فيها مجازفة. وكان المسلمون في ذلك الوقت قليلي العدد، وليس معهم عُدَد، بل لم يكن لديهم من مراكب إلا فرسان اثنان. وكان خروجهم من أجل البضائع والعير، لا لملاقاة جيش كبير، وهكذا لم تكن الكراهية لهذه المسألة نابعة من التأبي على أوامر الله تعالى، أو مطالب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنهم نظروا إلى المسألة كلها بالمقاييس البشرية فلم يجدوا فيها التوازن المحتمل. ويريد الله أن يثبت لهم أنهم لو ذهبوا وانتصروا على العير فقط، لقيل عنهم إنهم جماعة من قطاع الطرق قد انقضوا على البضائع ونهبوها، فلم يكن مع العير إلا أربعون رجلا، والمسلمون ثلاثمائة ويزيدون، ومن المعقول أن ينتصروا، ولكن ربنا أراد أن ينصرهم على النفير الذي استنفره الكفار من مكة، هذا النفير الضخم في العدد والعدة ويضم جهابذة قريش وصناديدها، وتتحقق إرادة الحق في أن يزهق الباطل. {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ}. والخروج من البيت هنا مقصود به خروج الرسول من المدينة لملاقاة الكفار، وهذا الفريق من المؤمنين لم تخرجهم الكراهية عن الإيمان؛ لأن معنى "فريق" هم الجماعة الذين يفترقون عن جماعة ويجمعهم جميعاً رباط واحد، فالجيش مثلاً يتكون من فرق، يجمعهم الجيش الواحد. وهذه الفرق التي يأتي الحديث عنها هنا هي الفرق التي كرهت أن تخرج إلى القتال رغم أنهم مؤمنون أيضاً، ونعلم أن كراهية القتال أمر وارد بالنسبة للبشر، وسبحانه وتعالى القائل: {أية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة: 216]. ويقول الحق بعد ذلك: {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ...}

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أنبا عبد الرحمن قال: ثنا: إِبراهيم، قال: ثنا آدم، قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} [الاية: 5] يقول: كذلك أَخرجك ربك من بيتك بالحق. أنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} [الآية: 6]. يعني: في القتال. هم الذين قالوا: لم نأْخذ أُهبة القتال. أَنبا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {مُرْدِفِينَ} [الاية: 9] يعني: ممدين.

الأندلسي

تفسير : {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِٱلْحَقِّ} الآية، ذكر في البحر في تأويل هذه الآية خمسة عشر قولاً لم يتضح شىء منها ومن دفع إلى حوك الكلام وتقلب في إنشاء أفانينه وزوال الفصاحة والبلاغة لم يستحسن شيئاً من تلك الأقوال، وان كان بعض قائلها له إمامة في علم النحو ورسوخ قدم لكنه لم يتحنك بلوك الكلام ولم يكن في طبعه صوغه أحسن صوغ ولا التصرف في النظر فيه من حيث الفصاحة وما به يظهر الإِعجاز، وقيل تسطير هذه الأقوال في البحر وقفت على جملة منها فلم يَلْقِ بخاطري منها شىء فرأيت في النوم أني أمشي في رصيف ومعي رجل أباحثه في قوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، فقلت له: ما مرّ بي شىء مشكل في القرآن مثل هذا، ولعل ثم محذوفاً يصح به المعنى وما وقفت فيه لأحد من المفسرين على شىء طائل، ثم قلت له: ظهر لي الساعة تخريجه وإن ذلك المحذوف هو نصرك، واستحسنت أنا وذلك الرجل هذا التخريج ثم انتبهت من النوم وأنا أذكره والتقدير فكأنه قيل: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، أي بسبب إظهار دين الله تعالى وإعزاز شريعته وقد كرهوا خروجك تهيباً للقتال وخوفاً من الموت إذ كان أمر عليه السلام بخروجهم بغتة ولم يكونوا مستعدين للخروج وجادلوك في الحق بعد وضوحه نصرك الله وأمدّك بملائكته. ودل على هذا المحذوف الكلام الذي بعده وهو قوله: إذ تستغيثون ربكم الآيات، ويظهر أن الكاف في هذا التخريج المنامي ليست لمحض التشبيه بل فيها معنى التعليل. وقد نص النحويون أنها قد يحدث فيها التعليل وخرّجوا عليه قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ}تفسير : [البقرة: 198]. وأنشدوا: شعر : لا تشتم الناس كما لا تشتم تفسير : أي لانتفاء أن يشتمك الناس لا تشتمهم ومن الكلام الشائع في هذا المعنى كما تطيع الله عز وجل يدخلك الجنة أي لإِطاعتك الله يدخلك الجنة فكان المعنى لأجل أن خرجت لإِعزاز دين الله تعالى وقتل أعدائه نصرك الله وأمدّك بالملائكة. والظاهر أن من بيتك هو مقام سكناه بالمدينة لأنها مهاجرة ومختصة به. والواو في: {وَإِنَّ فَرِيقاً} واو الحال ومفعول. {لَكَارِهُونَ} هو الخروج أي لكارهون الخروج معك وكراهتهم ذلك اما لنفرة الطبع وإما لأنهم لم يستعدوا للخروج. والظاهر أن ضمير الرفع في {يُجَادِلُونَكَ} عائد على فريقاً من المؤمنين الكارهين وجدالهم قولهم: ما كان خروجنا إلا للعير ولو عرفنا لاستعددنا للقتال والحق هنا نصرة دين الإِسلام. ويحتمل أن يكون يجادلونك في موضع الحال من الضمير في لكارهون. ويحتمل أن يكون استئناف اخبار وما في قوله: ما تبين مصدرية أي بعد تبينه وهذا أبلغ في الإِنكار لجدالهم بعد وضوح الحق كأنما يساقون إلى الموت شبه حالهم في فرط فزعهم وهم يسار بهم إلى الظفر والغنيمة بمال من يشاق على الصغار إلى الموت وهو مشاهد لأسبابه ناظر إليها لا يشك فيها. وقيل: كان خوفهم لقلة العدد وانهم كانوا رجالة. وروي أنهم ما كان فيهم إلا فارسان وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر، وكان المشركون في نحو ألف رجل وقصة بدر هذه مستوعبة في كتب السير. {وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ} هي غير معيّنة. والطائفتان هما طائفة غير قريش وكانت فيها تجارة عظيمة لهم ومعها أربعون راكباً فيها أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام، وطائفة الذين استنفرهم أبو جهل وكانوا في العدد الذي ذكرناه وغير ذات الشوكة هي الغير لأنها ليست ذات قتال وإنما هي غنيمة باردة. ومعنى إحقاق الحق تبيينه وإعلاؤه. وبكلماته بآياته المنزلة في محاربة ذات الشوكة وبما أمر لملائكة من نزولهم للنصرة وبما قضى من أسرهم وقتلهم وطرحهم في قليب بدر وبما أظهر من خبره صلى الله عليه وسلم وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، والمعنى أنكم مرغبون في الفائدة العاجلة وسلامة الأحوال والله تعالى يريد معالي وإعلاء الحق والفوز في الدارين وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم ذات الشوكة وأراكهم عياناً خذلهم ونصركم وأذلهم وأعزكم وحصل لكم ما أربي على فائدة العير وما أدناه وأقله هو خير منها. {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ} إذ بدل من إذ يعدكم؛ واستغاث طلب الغوث لما علموا أنه لا بد من القتال شرعوا في طلب الغوث من الله تعالى والدعاء بالنصرة. والظاهر أنه خطاب لمن خوطب بقوله: وإذ يعدكم الله وتودون. وان الخطاب في قوله: كما أخرجك. ويجادلونك هو خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك أفرد فالخطابان مختلفان. واستغاث يتعدى بنفسه كما هو في الآية وكما هو في قوله: {أية : فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ} تفسير : [القصص: 15]. ويتعدى بحرف الجر كما جاء في لفظ سيبويه في باب الاستغاثة، وكقول الشاعر: شعر : حتى استغاثت بما لا رشاء له من الأباطح في حافاته البُركُ تفسير : والظاهر أن قراءة من قرأ مردفين بسكون الراء وفتح الدال أنه صفة لقوله: بألف أي أردف بعضهم ببعض. {وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلاَّ بُشْرَىٰ} الضمير في وما جعله عائد على الامداد المنسبك من أني ممدكم. وتقدم تفسير نظير هذه الآية، والمعنى إلا بشرى لكم فحذف لكم وأثبت في آل عمران لأن القصة فيها مسهبة وهنا موجزة فناسب هنا الحذف وهنا قدم به وأخر هناك على سبيل التفنن في الفصاحة والاتساع في الكلام وهنا جاء أن الله عزيز حكيم رعاية لأواخر الآي وهناك ليست آخر آية لتعلق ليقطع بما قبله فناسب أن يأتي العزيز الحكيم على سبيل الصفة وكلاهما مشعر بالعلية كما تقول: أكرم زيداً العالم، وأكرم زيداً أنه عالم.

الجيلاني

تفسير : {كَمَآ} أعطاك يا أكمل الرسل حين {أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ} حين أخبرك جبريل عليه السلام من إقبال عير مكة من قبل الشام، وفيها أبو سفيان ملتبساً {بِٱلْحَقِّ} المطابق للواقع {وَ} الحال {إِنَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} [الأنفال: 5] خروجك. ومن كمال كراهتهم {يُجَادِلُونَكَ فِي ٱلْحَقِّ} الصريح الذي هو الجهاد، سيما {بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ} وظهر لك بوحي الله إياك، ووعده النصر والظفر لك، وهم من غاية رعبهم حين خروجهم {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلْمَوْتِ} مثل البهائم إلى المسلخ {وَهُمْ} حينئذٍ {يَنظُرُونَ} [الأنفال: 6] حيارى مرعوبين، ومع أ،هم كتب له الظفر والغنيم، والغلبة من عند ربهم. حديث : وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام، وفيهم أبو سفيان مع أربعين من الفرسان ومعهم تجارة عظيمة، فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبر به الرسول للمؤمنين فخرجوا مسرعين بلا عدة استقلالاً لهم وميلاً إلى أموالهم، فلمَّا خرجوا من المدينة بلغ خبر خروجهم إلى العير فانصرفوا إلى الطريق، وأرسلوا خبرهم إلى مكة فاستغاثوا، فخرج أبو جهر مع جمع كثير فمضوا إلى بدر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي دفران، فنزل جبريل عليه السلام ثانياً يعده إحدى الطائفتين؛ أي: العدو و العير، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، وإن كان رأيه إلى المقاتلة مع العدو. فقال بعضهم: هلاَّ ذكرت لنا القتال؛ حتى نتأهب له، إنَّا خرجنا للعير، فقال صلى الله عليه وسلم: "إن العير مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد أقبل"، فقالوا كارهين مرعوبين خائفين: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليك بالعير، ودع العدو فضغب صلى الله عليه وسلم، فقال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض بما أمرك الله، فإنَّا معك حيثما أحببت، لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب انت وربك فقالات، إنَّا هاهنا قاعدون، ولكن نقول: إذه بأنت وربك فقالا، إنَّا معمكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد - مدينة بأقضى الحبشة - مضينا معك لا تكاسل و مخالفة، فدعا صلى الله عليه وسلم خيراً. ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم: اجتمعوا علي أيها الناس، يريد الأنصار القائلين حين بايعوه على العقبة أنهم براء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم، فتخوف ألاَّ يروا نصرته إلا على عدوهم بالمدينة، فقال له سعد بن معاذ: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: قد آمنا لك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطينا على ذلك عهوداً ومواثيق على السمع والطاعة لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت على البحر لخضنا معك بلا تخلف أتحسب أنَّا إذا لا قينا العدو نتكاسل ونتساهل، ولعل الله يريد منا ما تقر به عينك. ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشطه ول سعد، ثمَّ قال: "سيروا على بركة الله، وأبشروا فإن الله سبحانه وعدني الآن إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم ". تفسير : {وَ} اذكروا أيها المؤمنين وقت {إِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ} بالوحي على رسوله {إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتِيْنِ} مغلوبة مقهورة {أَنَّهَا لَكُمْ وَ} أنتم حين سمعتم الوحي {تَوَدُّونَ} وتحبون {أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ} أي: العير {تَكُونُ لَكُمْ} لأن أهلها قليل، ومالها كثير لا احتياج لكم إلى المقاتلة معهم؛ لقلتهم وعدم شركتهم {وَيُرِيدُ ٱللَّهُ} بمقتضى قهره وقدرته {أَن يُحِقَّ} أي: يثبت ويظهر {الحَقَّ} أي: التوحيد المطابق للواقع الذي هو الإسلام {بِكَلِمَاتِهِ} الملقاة من عنده لملائكته حين أمرهم بإمداد حبيبه الذي بعثه؛ لإعلاء كلمة توحيده {وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] أي: يستأصلهم إلى حيث لم يبق منهم من يستخلفهم، كل ذلك فضل من الله وامتنان على رسوله. {لِيُحِقَّ ٱلْحَقَّ} أي: الإسلام المحقق المطابق لما عند الله {وَيُبْطِلَ ٱلْبَاطِلَ} المخالف لدين الإسلام {وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُجْرِمُونَ} [الأنفال: 8] المصرون على ما هم عليه قبل نزول الإسلام، ما أراد الله من تحقيق الحق وتمكينه، وإبطال الباطل وتخذيله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : قدم تعالى - أمام هذه الغزوة الكبرى المباركة - الصفات التي على المؤمنين أن يقوموا بها، لأن من قام بها استقامت أحواله وصلحت أعماله، التي من أكبرها الجهاد في سبيله. فكما أن إيمانهم هو الإيمان الحقيقي، وجزاءهم هو الحق الذي وعدهم اللّه به،.كذلك أخرج اللّه رسوله صلى الله عليه وسلم من بيته إلى لقاء المشركين في { بدر } بالحق الذي يحبه اللّه تعالى، وقد قدره وقضاه. وإن كان المؤمنون لم يخطر ببالهم في ذلك الخروج أنه يكون بينهم وبين عدوهم قتال. فحين تبين لهم أن ذلك واقع، جعل فريق من المؤمنين يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ويكرهون لقاء عدوهم، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. والحال أن هذا لا ينبغي منهم، خصوصا بعد ما تبين لهم أن خروجهم بالحق، ومما أمر اللّه به ورضيه،. فبهذه الحال ليس للجدال محل [فيها] لأن الجدال محله وفائدته عند اشتباه الحق والتباس الأمر،. فأما إذا وضح وبان، فليس إلا الانقياد والإذعان. هذا وكثير من المؤمنين لم يجر منهم من هذه المجادلة شيء، ولا كرهوا لقاء عدوهم،.وكذلك الذين عاتبهم اللّه، انقادوا للجهاد أشد الانقياد، وثبتهم اللّه، وقيض لهم من الأسباب ما تطمئن به قلوبهم كما سيأتي ذكر بعضها. وكان أصل خروجهم يتعرضون لعير خرجت مع أبي سفيان بن حرب لقريش إلى الشام، قافلة كبيرة،.فلما سمعوا برجوعها من الشام، ندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس،.فخرج معه ثلاثمائة، وبضعة عشر رجلا معهم سبعون بعيرا، يعتقبون عليها، ويحملون عليها متاعهم،.فسمعت بخبرهم قريش، فخرجوا لمنع عيرهم، في عَدَدٍ كثير وعُدَّةٍ وافرة من السلاح والخيل والرجال، يبلغ عددهم قريبا من الألف. فوعد اللّه المؤمنين إحدى الطائفتين، إما أن يظفروا بالعير، أو بالنفير،.فأحبوا العير لقلة ذات يد المسلمين، ولأنها غير ذات شوكة،.ولكن اللّه تعالى أحب لهم وأراد أمرا أعلى مما أحبوا. أراد أن يظفروا بالنفير الذي خرج فيه كبراء المشركين وصناديدهم،. { وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } فينصر أهله { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } أي: يستأصل أهل الباطل، ويُرِيَ عباده من نصره للحق أمرا لم يكن يخطر ببالهم. { لِيُحِقَّ الْحَقَّ } بما يظهر من الشواهد والبراهين على صحته وصدقه،. { وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ } بما يقيم من الأدلة والشواهد على بطلانه { وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ } فلا يبالي اللّه بهم.