Verse. 1164 (AR)

٨ - ٱلْأَنْفَال

8 - Al-Anfal (AR)

اُولٰۗىِٕكَ ہُمُ الْمُؤْمِنُوْنَ حَقًّا۝۰ۭ لَہُمْ دَرَجٰتٌ عِنْدَ رَبِّہِمْ وَمَغْفِرَۃٌ وَّرِزْقٌ كَرِيْمٌ۝۴ۚ
Olaika humu almuminoona haqqan lahum darajatun AAinda rabbihim wamaghfiratun warizqun kareemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أولئك» الموصوفون بما ذكر «هم المؤمنون حقا» صدقا بلا شك «لهم درجاتٌ» منازل في الجنة «عند ربهم ومغفرة ورزق كريم» في الجنة.

4

Tafseer

البيضاوي

تفسير : {أُوْلـئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل، ومحاسن أفعال الجوارح التي هي العيار عليها من الصلاة والصدقة، و {حَقّاً} صفة مصدر محذوف أو مصدر مؤكد كقوله: {وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا}. {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ} كرامة وعلو منزلة. وقيل درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم. {وَمَغْفِرَةٌ} لما فرط منهم. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أعد لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أُوْلَٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً } صدقاً بلا شك {لَّهُمْ دَرَجَٰتٌ } منازل في الجنة {عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } في الجنة.

البقاعي

تفسير : ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال، فاستوفوا بذلك جميع شعب الدين،عظم سبحانه شأنهم بقوله: {أولئك} أي العالو الهمم {هم} أي خاصة {المؤمنون} وأكد مضمون الجملة بقوله: {حقاً}. ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق والأعمال لها تأثيرات في تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية، وكلما كان المؤثر أقوى كانت التأثيرات أعلى، فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك، فلهذا قال سبحانه تعالى في جواب من كأنه قال: فما جزاؤهم على ذلك؟ {لهم درجات} ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان، عظمها بقوله: {عند ربهم} أي بتسليمهم لأمره. ولما كان قدر الله عظيماً، وكان الإنسان عن بلوغ ما يجب عليه من ذلك ضعيفاً حقيراً، وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب، أشار سبحانه إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال: {ومغفرة} أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها، {ورزق كريم*} أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها، فهو يغنيهم عن هذه الأنفال، ويملأ أيديهم من الأموال من عنائم فارس والروم وغير ذلك، هذا في الدنيا، واما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف؛ قال أبو حيان: لما تقدمت ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل - وبدنية ومالية، ترتب عليها ثلاثة أشياء، فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية بالغفران، وقوبلت المالية بالرزق الكريم، وهذا النوع من المقابلة من بديع علم البديع - انتهى. ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمه الله الاعتقاد والإقرار والعمل جوز أن يقال: مؤمن إن شاء الله، لأن استيفاء الأعمال مشكوك فيه وإن كان الاعتقاد والإقرار يقيناً، وعند أبي حنيفة رحمه الله الإيمان الاعتقاد والإقرار فقط، فلم يجوز الاستثناء، فالخلاف لفظي، هذا إذا كان الاستثناء للشك، وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح، وللشهادة بالجنة التي هي للمؤمن، وللحكم على حالة الموت، على أن هذه الكلمة لا تنافي الجزم، فهي بمجرد التبرك كقوله تعالى {أية : لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} تفسير : [الفتح: 27] ذكر ذلك الإمام فخر الدين. ولما كان ترك الدنيا شديداً على النفس، وترك النزاع بعد الانتساب فيه أشد، شرع يذكر لهم ما كانوا له كارهين ففعله بهم وأمرهم به لعلمه بالعواقب فحمدوا أثره، ليكون ادعى لتسليمهم لأمره وازدجارهم بزجره، فشبه حال كراهتهم لترك مرادهم في الأنفال بحال كراهتهم لخروجهم معه ثم بحال كراهتهم للقاء الجيش دون العير، ثم إنهم رأوا أحسن العاقبة في كلا الأمرين فقال: {كما} أي حالهم في كراهية تسليم الأنفال - مع كون التسليم هو الحق والأولى لهم - كما كانت حالهم إذ {أخرجك ربك} أي المحسن إليك بالإشارد إلى جميع مقاصد الخير {من بيتك بالحق} أي الأمر الفيصل الفارق بين الثابت والمزلزل {وإن} أي والحال أن {فريقاً} عبر به لأن آراءهم كانت تؤول إلى الفرقة {من المؤمنين} أي الراسخين في الإيمان {لكارهون*} ثم ذكر دليل كراهتهم فقال: {يجادلونك} أي يكررون ذلك إرادة أن يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه. ولما كان الجيش امراً قد حتمه الله فلا بد من وقوعه مع أنه يرضيه، قال: {في الحق} أي الذي هو إيثار الجهاد {بعد ما تبين} أي وضح وضوحاً عظيماً سهلاً من غير كلفة نظر بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر النفير وبإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تارة صريحاً وتارة تلويحاً كقوله" حديث : والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، هذا مصرع فلان وذلك مصرع فلان ". تفسير : ولما كان سبحانه قد حكم باللقاء والنصرة تأييداً لوليه وإعلاء لكلمته مع شدة كراهتهم لذلك، شبه سوقه لهم إلى مراده. فقال بانياً للمفعول لأن المكروه إليهم السوق لا كونه من معين: {كأنما يساقون} أي يسوقهم سائق لا قدرة لهم على ممانعته {إلى الموت وهم ينظرون*} لأنها كانت أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم وكان فيها لقاء، وكانوا غير متأهبين للقتال غاية التأهب، إنما خرجوا للقاء العير، هذا مع أنهم عدد يسير، وعدد أهل النفير كثير، وكانوا في غاية الهيبة للقائهم والرعب من قتالهم، وكل هذا تذكير لهم بأنه لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم، بل كانوا في يد قدرته كالآلة في يد أحدهم، لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال. ولما لانوا بهذا الخطاب، وأقبلوا على الملك التواب، أقبل عليهم فقال: {وإذ} أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره، ثم أفضى إلى سعادة عظيمة وعز لا يشبهه عز، واذكروا إذ {يعدكم الله} أي الجامع لصفات الكمال {إحدى الطائفتين} : العير أو النفير، وأبدل من الإحدى - ليكون الوعد بها مكرراً - قوله: {أنها لكم} أي فتكرهون لقاء ذات الشوكة {وتودون} أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة {أن غير ذات الشوكة} أي السلاح والقتال والكفاح الذي به تعرف الأبطال ويميز بين الرجال من ذوات الحجال {تكون لكم} أي العير لكونها لم يكن فيها إلا ناس قليل، يقال: إنهم أربعون رجلاً، جهلاً منكم بالعواقب، ثم تبين لكم أن ما فعله الله خير لكم بما لا يبلغ كنهه، فسلموا له الأمر في السر والجهر تنالوا الغنى والنصر، وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير العاصمي في مناسبة تعقيب الأعراف بهذه السورة ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه: لما قصَّ سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في سوة الأعراف أخبار الأمم، وقطع المؤمنون من مجموع ذلك بأنه لا يكون الهدى إلا بسابقة السعادة، لافتتاح السورة من ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام، وكلاهما كفر على علم ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه، ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى منه على بلعام بقوله سبحانه ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار سبحانه إلى أن اتباع الأهواء أضل كل ضلال، نبهوا على ما فيه الحزم من ترك الأهواء جملة فقال تعالى { أية : يسألونك عن الأنفال} تفسير : [الأنفال: 1] الآية، فكان قد قيل لهم: اتركوا ما ترون أنه حق واجب لكم، وفوضوا في أمره لله وللرسول، فذلك أسلم لكم وأحزم في ردع أغراضكم وقمع شهواتكم وترك أمور ربكم وقد ألف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم الذرائع كثيراً وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر والقطرة، والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضاً، فهذه مظان لم يقع الحكم فيها على ما هو لأنفسها ولا بما هي كذا، بل بما هي مظان ودواع لما منع لعينه أو استوجب حكماً لعينه وعلته الخاصة به، ولما أمر المسلمون بحل أيديهم عن الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم بالأنفراد بها ورأوا أنها من حقهم وأن من لم يباشر قتالاً من الشيوخ ومن انحاز منه لمهم فلا حق له فيها، ورأى الآخرون أيضاً أن حقهم فيها ثابت لأنهم كانوا فيه للمقاتلين عدة وملجأ وراء ظهورهم، كان ما أمرهم الله به من تسليم الحكم في ذلك إلى الله رسوله من باب حسم الذرائع لأن تمشية أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرئاسة النفوس واستسهال اتباع الأهواء، فأمرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض الله ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات البين وأجدى في الأتباع {أية : فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم} تفسير : [الأنفال: 1] الآية، ثم ذكروا بما ينبغي لهم يلتزموا فقال تعالى{أية : إنما المؤمنون}تفسير : [الأنفال: 2] - إلى قوله: {أية : زادتهم إيماناً} تفسير : [الأنفال: 2] ثم نبهوا على أن أعراض الدنيا من نفل أو غيره لا ينبغي للمؤمن أن يعتمد عليه اعتماداً يدخل عليه ضراراً من الشرك أو التفاتاً إلى غير الله سبحانه بقوله: {وعلى ربهم يتوكلون} ثم ذكروا بما وصف به المتقين من الصلاة والإنفاق ثم قال {أولئك هم المؤمنون حقاً} تنبيهاً على أن من قصر في هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة الكمال بحسب تقصيره، وكان في هذا إشعار بعذرهم في كلامهم في الأنفال وأنهم قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب وشرب من التمسك والأتباع، ولكن أعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه، وأنه الكمال والفوز، ثم نبههم سبحانه بكيفية أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ذات الشوكة تكون لهم وهو سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم، فقد كانوا تمنوا لقاء العير، واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعلموا ما وراء ذلك {أية : ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} تفسير : [الأنفال: 7] إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم ونبههم على ما يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم، ثم أعلم أن الخير كله في التقوى فقال:{أية : يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} تفسير : [الأنفال: 29] الاية، وهذا الفرقان هو الذي حرمه إبليس وبلعام، فكان منهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة، وقد تضمنت الآية حصول خير الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء، ثم أجمل الخيران معاً في قوله {أية : والله ذو الفضل العظيم} تفسير : [الأنفال: 29] بعد تفصيل ما إليه إسراع المؤمنين من الفرقان والتكفير والغفران، ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها مع اقتضاء الآية إياه تنزيهاً للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات، والغفران من ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلاً مع ما لا يجانسه ولا يشاكله {أية : وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} تفسير : [العنكبوت: 64] ثم التحمت الآي، ووجه آخر وهو أنه تعالى لما قال {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له} بيَّن لهم كيفية هذا الاستماع وما الذي يتصف به المؤمن من ضروبه فقال {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله}تفسير : [الأنفال: 2] الآية، فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط، ولا كانت لهم آذان لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها، ولو كانوا كذا لما وجلت وعمهم الفزع والخشية وزادتهم الآيات إيماناً، فإذن إنما يكون سماع المؤمن هكذا{أية : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} تفسير : [الأنفال: 21] ولما كان هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم والوقوف مع أعراضهم وشهواتهم {أية : يأخذون عرض هذا الأدنى} تفسير : [الأعراف: 169] { أية : ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه} تفسير : [الأعراف: 176] وهذه بعينها كانت آفة إبليس، رأى لنفسه المزيد واعتقد لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال{أية : لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون} تفسير : [الحجر: 33] فلما كان اتباع الهوى أصلاً في الضلال وتنكب الصراط المستقيم، أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء، والتسليم فيما لهم به تعلق وغن لم يكن هوى مجرداً لكنه مظنة تيسير لاتباع الهوى، فافتتحت السورة بسؤالهم عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله، يحكم فيها ما يشاء {فاتقوا الله} واحذروا الأهواء التي أهلكت من قص عليكم ذكره {وأصلحوا ذات بينكم} برفع التنازع، وسلموا لله ولرسوله، وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا السماع الذي عنه ترجى الرحمة، وبيانه في قوله {إنما المؤمنون} - الآيات، ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصاً بالتقوى وعلى حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل، ففي البقرة أتبع قصصهم بقوله{أية : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا} تفسير : [البقرة: 104] ولما كان قصصهم مفتتحاً بذكر تفضيلهم {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} افتتح خطاب هذه الأمة بما يشعر بتفضليهم، وتأمل ما بين {يا بني إسرائيل} و {يا أيها الذين آمنوا} وأمر أولئك بالإيمان {أية : وآمنوا بما أنزلت} تفسير : [البقرة: 41] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل{أية : وقولوا انظرنا واسمعوا} تفسير : [البقرة: 104] ثم أعقبت البقرة بآل عمران وافتتحت ببيان المحكم والمتشابه الذي من جهته أتى على بني إسرائيل في كثير من مرتكباتهم، ولما ضمنت سورة آل عمران من ذكرهم ما ورد فيها، أعقبت بقوله تعالى؛ {أية : يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين}تفسير : [آل عمران: 100] ثم أعقبت السورة بقوله {أية : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} تفسير : [النساء: 1] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة، وذلك أن سورة آل عمران خصت من مرتكبات بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار {أية : هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} تفسير : [النساء: 51] فهذا بهت، ومنها قولهم {أية : الله فقير ونحن أغنياء} تفسير : [آل عمران: 181] إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن تعمدهم الجرائم، فعدل عن {يا أيها الذين آمنوا} إلى {يا أيها الناس} ليكون أوقع في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر، ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات}تفسير : [النساء: 160] - إلى قوله:{أية : وأكلهم أموال الناس بالباطل} تفسير : [النساء: 161] أتبعت بقوله تعالى {أية : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} تفسير : [المائدة: 51] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع فيه أولئك، فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعراف من قصصهم جملة، وبين فيها اعتداءهم، وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأغراض، طلب هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة، فقيل في آخر السورة {أية : إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} تفسير : [الأعراف: 201] ثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق وإليه تشبث يقيم عذرهم شرعاً فيما كان منهم، فكان قد قيل لهم: ترك هذا أعلم وأبعد عن اتباع الأهواء، فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله واتقوا الله، ثم تناسج السياق والتحمت الآي، وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من وجوه، والحمد لله - انتهى. ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم بل ودادتهم إنما كانت منصبة إلى العير لا إلى النفير، تبين أنه لا صنع لهم فيما وقع إذ لو كان لكان على ما أرادوا، فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما يقسمه الله لهم لأن الحكم لمراده لا لمراد غيره، فقال تعالى عاطفاً على {وتودون}: {ويريد الله} أي بما له من العز والعظمة والعلم {أن يحق الحق} اي يثبت في عالم الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب، وهو هنا إصابة ذات الشوكة {بكلماته} أي التي أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم يهزمون ويقتلون ويؤسرون، وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان، ليعلي دينه ويظهر أمره على كل أمر {ويقطع دابر} أي آخر {الكافرين*} أي كما يقطع أولهم، أي يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد يشاقق أهل حزبه فهو يدبر أمركم على ما يريد، فلذلك اختار لكم ذات الجد والشوكة ليكون ما وعدكم به من إعلاء الدين وقمع المفسدين بقطع دابرهم {ليحق الحق} أي الذي هو دينه القيم وفيه فوز الدارين {ويبطل الباطل} وهو كل ما خالفه {ولو كره} أي ذلك {المجرمون*} أي الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويكسر قوتهم بضعفكم ويفني كثرتهم بقلتكم ويمحق عزهم بذلتكم فيظهر علو أمره ويخضع الأعناق لذكره {إذ} ظرف {ليحق الحق} {تستغيثون ربكم} أي تطلبون إغاثة المحسن إليكم، وهو بدل من {إذ يعدكم} فهو من البيان لكراهتهم لقاء ذات الشوكة بشدة جزعهم الموجب لهم الاستغاثة مع إسفار العاقبة عن أن الخير فيما كرهوه، وأنه أحق الحق وأظهر الدين وأوهن أمر المشركين. ولما أسرع سبحانه الإجابة، دل على ذلك بقوله: {فاستجاب} أي فأوجد الإجابة إيجاد من هو طالب لها شديد الرغبة فيها {لكم} بغاية ما تريدون تثبيتاً لقلوبكم {أني} أي بأني {ممدكم} أي موجد المدد "لكم" أي بإمدادكم، ولعله حول العبارة لما في التصريح بضميره من العظمة والبركة {بألف من الملائكة} حال كونهم {مردفين*} أي متبعين بأمثالهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى اسمه {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} [الآية: 4]. قيل: اجتمع فيهم أشياء حقق بها إيمانهم التعظيم للذكر، والوجل عند سماعه، وإظهار الزيادة عليهم عند تلاوة الذكر وسماعه، وحقيقة التوكل على الله والقيام بشروط العبودية على حد الوفاء، وكملت أوصالهم فى حقيقة الحقائق فصاروا متحققين بالإيمان. قال الجنيد رحمة الله عليه: حقًا إنهم سبقت لهم من الله السعادة.

اسماعيل حقي

تفسير : {أولئك} الجامعون لاعمال القلب والقالب {هم المؤمنون} ايمانا {حقا} لانهم حققوا ايمانهم بان ضموا اليه الاعمال الصالحة {لهم درجات} كائنة {عند ربهم} اى كرامة وزلفى وعلو مرتبة وقيل درجات عالية فى الجنة على قدر اعمالهم. قال فى انوار المشارق الدرجة ان كانت بمعنى المرقاة فجمعها درج وان كانت بمعنى المرتبة والطبقة فجمعها درجات {ومغفرة} لذنوبهم {وزرق كريم} [وروى بزرك صافى باشد از كدّ اكتساب وخالى ازخوف حساب] لا ينتهى ولا ينقطع كارزاق الدنيا. قال فى القاموس رزقا كريما كثيرا وقولا كريماً سهلا لينا واكرمه وكرمه عظمه ونزهه [امام قشيرى قدس سره فرموده كه رزق كريم آنست كه مرزوق را ازشهود رازق باز ندارد] شعر : تو زروزى ده بروزى واممان از سبب بكذر مسبب بين عيان از مسبب ميرسد هر خير وشر نيست زاسباب وسائط اى بدر اصل بيند ديده جون اكمل بود فرع بيند ديده جون احول بود تفسير : قال فى المجالس المحمودية اعلم ان الصلاة اعظم الاعمال القالبية والصدقة خير العبادات المالية -حديث : وروى- ان فاطمة اعطت قميصها عليا ليشترى لها ما اشتهاه الحسن فباعه بستة دراهم فسأله سائل فاعطاه اياها فاستقبله رجل ومعه ناقة فاشتراها على المدة بستين دينارا ثم استقبله رجل فاشترى منه الناقة بستين دينارا او ستة دراهم ثم طلب بائع الناقة ليدفع له ثمنها فلم يجده فعرض القصة على النبى عليه السلام فقال عليه السلام "اما السائل فرضوان واما البائع فميكائيل واما المشترى فجبرائيل" .تفسير : وفى الحديث "حديث : يأتى يوم القيامة اربعة على باب الجنة بغير حساب الحاج الذى حج البيت بغير افساد والشهيد الذى قتل فى المعركة والسخى الذى لم يلتمس بسخاوته رياء والعالم الذى عمل بعلمه فيتنازعون فى دخول الجنة اولا فيرسل الله جبرائيل ليحكم بينهم بالعدل فيقول للشهيد ما فعلت فى الدنيا حتى تريد ان تدخل الجنة اولا فيقول قتلت فى المعركة لرضى الله تعالى فيقول ممن سمعت ان من قتل فى سبيل الله يدخل الجنة فيقول من العلماء فيقول احفظ الادب ولا تتقدم على معلمك ثم يسأل الحاج والسخى كذلك ثم يقول لهما احفظا الادب ولا تتقدما على معلمكما ثم يقول العالم آلهى انت تعلم انى ما حصلت العلم الا بسخاوة السخى وانت لا تضيع اجر المحسنين فيقول الله صدق العالم يا رضوان افتح الباب وادخل السخى اولا" تفسير : وفى ذلك اشارة الى ان المراد بالعالم هو الذى يعمل بعلمه فان الانصاف من شأنه اذ الانصاف لا يحصل الا بصلاح النفس ولا يمكن ذلك الا بالعمل فلا يغترّ اهل الهوى من علماء الظاهر بذلك فان كون العلم المجرد منجيا مذهب فاسد فان العالم الفاجر اشد عذابا من الجاهل بل العالم هو الذى يعمل بعلمه ويصل الى العرفان بتصفية القلب ولا شك ان كون من المذكورين فى الآية مؤمنين حقا بسبب خدمتهم لله تعالى بانفسهم واموالهم وتجردهم عن العلائق البدنية والمالية وبقائهم مع الله تعالى وايثارهم له على جميع ما سواه حتى على انفسهم فمن آثر الحق على ما سواه فقد وصل الى اقصى مراداته فلا بد ان الله تعالى يدبر امره ويقضى حاجاته

الجنابذي

تفسير : {أُوْلۤـٰئِكَ} الموصوفون بما ذكر، والاتيان باسم الاشارة البعيدة لاحضارهم بالاوصاف المذكورة ليكون كالتّعليل للحكم وتعظيماً لهم {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} ضمير الفصل وتعريف المسند للحصر والتّأكيد، يعنى انّ هؤلآء الّذين قرنوا بين صورة الايمان العامّ الّتى هى البيعة مع النّبىّ (ص) بالبيعة العامّة وحقيقته الّتى تظهر بآثاره المذكورة الّتى هى تأثّر القلوب من آثار من آمنوا به وهو من لوازم المحبّة الّتى هى من لوازم صفاته الجماليّة والاقرار به وتفويض الامور اليه الّذى هو من آثار صفاته الجلاليّة، هم المؤمنون الّذين لا يشكّ فى ايمانهم لا البايعون بالبيعة العامّة فقط من غير التّحقّق بحقيقته فانّ ايمانهم مشكوك فيه {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} خبر بعد خبر او حال او استيناف جواباً لسؤالٍ مقدّرٍ {وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ذكر اوصافاً ثلاثة لهم هى امّهات ما يطلبه الانسان، الاوّل سعة المقام ولوازمها وللاشارة الى انّ الدّرجات ليست مغايرة لذواتهم بل هى شؤنهم وسعة ذواتهم قال تعالى فى آيةٍ اخرى؛ هم درجات، والثّانى ستر المساوى وما يلحقه منها، والثّالث وجدان ما يحتاج اليه.

الأعقم

تفسير : {أولئك هم المؤمنون حقاً} يعني يقيناً وتصديقاً {لهم درجات عند ربهم} يعني درجات الجنة يرزقونها بأعمالهم {ومغفرة} من ربهم لذنوبهم {ورزق كريم} أي حسن عظيم وهو الجنة {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون} وذلك حديث : أن عير قريش أقبلت من الشام فيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص وعمرو بن هشام، فأخبر جبريل (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه، فأعجبهم تلقي العير لكثرة الخير وقلّة القوم فلما خرجوا بلغ أهل مكة خروجهم فنادى أبو جهل فقال: النجاء النجاء فوق الكعبة أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً، وقد رأت أخت العباس بن عبد المطلب رؤيا، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة فمضى بهم إلى بدر، وكانت العرب تجتمع فيها لسوقهم يوماً في السنة، ونزل جبريل (عليه السلام) فقال: يا محمد إن الله وعدك إحدى الطائفتين إما العير وإما قريشاً، فاستشار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه وقال: "ما تقولون إن القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول فالعير أحب إليكم أم النفير؟" قالوا بل العير أحب إلينا من لقاء العدوّ، فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم رد عليهم وقال: "إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل" فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير وذر العدوّ، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقام إليه رجال من الصحابة، ثم قام اليه سعد بن عبادة، ثم قام المقداد بن عمرو وقال: يا رسول الله امضِ لما أمرك الله فأنا معك حيث أحببت، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى بن عمران: {اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا ها هنا قاعدون} ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا انا معكما مقاتلون ما دامت عين منَّا تطرف، فضحك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: "سيروا على بركة الله وابشروا ان الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أرى مصارع القوم"، وروي أن سعد بن معاذ قال: امضِ يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق نبياً لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحدٌ، وانا لصبر عند اللقاء والحروب، ولعل الله تعالى يريك منَّا ما تقرّ به عينك، ففرح بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: "سيروا على بركة الله وابشروا" تفسير : {يجادلونك في الحق} يعني في القتال وذلك أن المؤمنين لما أيقنوا بالشوكة والحرب يوم بدر كرهوا ذلك، فقالوا: يا رسول الله لم تعلمنا بلقاء العدو حتى نستعد لقتالهم وإنما خرجنا للعير؟ فذلك الحق الذي جادلوا فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بلقاء النفير لأنه كان غرضهم العير {بعدما تبين} يعني باعلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنهم ينصرون وجدالهم قولهم ما كان خروجنا إلاَّ للعير {كأنما يساقون إلى الموت} تشبيه لما كان منهم من مجادلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وروي أنه ما كان فيهم إلاَّ فرسان.

اطفيش

تفسير : {أولئكَ} العالون المرتبة، الجامعون بين عمل القلب وهو الوجل،وزيادة الإيمان بتلاوة القرآن، والتوكل على الله، وعمل الجارحة وهو إقامة الصلاة والإنفاق {هُم المؤمنُونَ} فاجتهدوا أن تكونوا منهم، ولكن لا يدرى أحد أكان منهم أم لا؟ ولو اجتهاد لأنه لا يدرى أوصل تلك الدرجة عند الله أم لا؟ ولا يدرى بما يختم له، وهل قبل منه أم لا؟ فلا يقول الإنسان: أنا مؤمن، ولا أنا مؤمن حتما، أو حقا أنا مؤمن إن شاء الله كما نقول نحن، والحسن والشافعى وغيره، ولا يمكن أبى حنيفة أن يقول بغير ذلك، لأنه لا به قائل بأن الإنسان لا يدرى الخاتمة والقبول. وأما ما يحكى عنه من أنه يقال: أنا مؤمن حتما أو حقا، ولا يجيز إن شاء الله فلعله فيمن قال: أنا مؤمن وأراد أنا مصدق بالله ورسوله وجميع ما جاء به، ومتعاط لأمور الإسلام، فإن هذا قطعا لا نقول إن شاء الله كما قال الحسن وغيره، لأن إن للشك، وقد علم أن الله سبحانه قد أنعم عليه بالتصديق والتعاطى، فإن قال هذا المصدق المتعاطى، أو من علم بالوحى: إنه سعيد إن شاء الله، فمراده التبرك، أو سد ذريعة العجب، وتحصيل الانكسار للنفس، أو يريد هذا المصدق المتعاطى باشتراط المشيئة أنه لا يدرى، لعله يختم له بالشرك والعياذ بالله، فلعل الخلاف المذكور بين الشافعى وأبي حنيفة لفظى. وعن سفيان الثورى: من زعم أنه مؤمن حقا ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية، يريد الرد على من يقول ذلك، فإن المؤمن حقا له الدرجة عند ربه، والمغفرة والرزق الكريم، كما ذكر فى النصف الآخر فكما لا يقطع بالدرجة والمغفرة والرزق لا يقطع بأنه مؤمن، وورد مثل هذا الرد عن ابن مسعود إذ قالت له جماعة منهم علقمة: لقينا قوما فى سفر فقلنا: من القوم؟ فقالوا: المؤمنون حقا، فلم ندر ما نجيبهم، فقال: هلا قلتم أمن أهل الجنة أنتم؟ قال جار الله: حكى أنه قال أبو حنيفة لقتادة: لم تستثنى فى إيمانك؟ قال: اتباعا لإبراهيم فى قوله: {أية : والذى أطمع أن يغفر لى خطيئتى}تفسير : فقال: هلا اقتديت به فى قوله: {أية : أو لم تؤمن قال بلى} تفسير : انتهى، فانقطع قتادة، قيل: وله أن يقول: قد قال بعد قوله: {أية : بلى ولكن ليطمئن قلبى} تفسير : فطلب مزيد الطمأنينة. {حقًّا} نعت لمصدر محذوف، أى إيمانا حقا أى ثابتا راسخا، أو مفعول مطلق مؤكد لمضمون الجملة قبله، وذلك أن الخفية تعلم من مجرد إخبار الله، فيذكر لفظ حقا تأكيد وعامله محذوف، اى أحقه حقا من حق المتعدى بالهمزة، أو من حق المتعدى بنفسه. {لَهم دَرَجاتٌ} لكل واحد منهم درجات، أو لكل منهم درجة أى مرتبة بين الدرجتين سبعون سنة بإسراع الفرس المضمر، وفى الحديث: "بينهما مائة عام" والواحدة تسع العالم وجملتهن سبعون، أو مائة والارتقاء بقدر الأعمال، والدخول فى الجنة بالإيمان وقسمة درجات الجنة إلى العددين المذكورين غير قسمة درجات الإنسان الواحد. {عِنْدَ ربِّهم} أى فى الآخرة، وقيل: الدرجات الكرامات، وعن مجاهد مبلغ أعمالهم فى الدنيا عند الله {ومغْفِرةٌ} لذنوبهم {ورِزقٌ كريمٌ} حسن واسع دائم وهو رزق الجنة.

الالوسي

تفسير : {أُوْلَـٰئِكَ} أي المتصفون بما ذكر من الصفات الحميدة من حيث إنهم كذلك {هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه ما فضل من أفاضل الأعمال. وأخرج الطبراني عن الحرث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: «حديث : كيف أصبحت يا حارث قال: أصبحت مؤمناً حقاً فقال صلى الله عليه وسلم: انظر ما تقول فإن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك؟ فقال: عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها وكأني أنظر إلى أهل النار يتصارخون فيها قال عليه الصلاة والسلام: يا حارث عرفت فالزم ثلاثاً» تفسير : ونصب {حَقّاً} على أنه صفة مصدر محذوف فالعامل فيه المؤمنون أي إيماناً حقاً أو هو مؤكد لمضمون الجملة فالعامل فيه حق مقدر، وقيل: إنه يجوز أن يكون مؤكداً لمضمون الجملة التي بعده فهو ابتداء كلام، وهو مع أنه خلاف الظاهر إنما يتجه على القول بجواز تقديم المصدر المؤكد لمضمون الجملة عليها والظاهر منعه كالتأكيد، واستدل بعضهم بالآية على أنه لا يجوز أن يصف أحد نفسه بكونه مؤمناً حقاً لأنه سبحانه وتعالى إنما وصف بذلك أقواماً / على أوصاف مخصوصة وكل أحد لا يتحقق وجود تلك الأوصاف فيه بل يلزمه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله تعالى. وقرر بعضهم وجه الاستدلال بما يشير إليه ما روي عن الثوري أنه قال: من زعم أنه مؤمن بالله تعالى حقاً ثم لم يشهد أنه من أهل الجنة فقد آمن بنصف الآية ولم يؤمن بالنصف الآخر، وهذا ظاهر في أن مذهبه الاستثناء، وهو كما قال الإمام [الرازي] مذهب ابن مسعود وتبعه جمع عظيم من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي ونسب إلى مالك وأحمد، ومنعه الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه؛ وروي عنه أنه قال لقتادة: لم تستثني في إيمانك؟ قال: اتباعاً لإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ ٱلدِينِ } تفسير : [الشعراء: 82] فقال له: هلا اقتديت به في قوله {بَلَى} حين قيل له {أية : أَوَلَمْ تُؤْمِن} تفسير : [البقرة: 260]؟ فانقطع قتادة؛ قال الرازي كان لقتادة أن يجيب أبا حنيفة عليهما الرحمة ويقول: قول إبراهيم عليه السلام {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} بعد قوله {بَلَى} طلب لمزيد الطمأنينة وذلك يدل على جواز الاستثناء. وفي «الكشف» أن الحق أن من جوز الاستثناء إنما جوز إذا سئل عن الإيمان مطلقاً أما إذا قيل: هل أنت مؤمن بالقدر مثلاً فقال: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى لا يجوز لا لأن التبرك لا معنى له بل للإبهام فيما ليس له فائدة، وأما في الأول فلما كان الإطلاق يدل على الكمال وهو الإيمان المنتفع به في الآخرة علق بالمشيئة تفاؤلاً وتيمناً، وذلك لأن الكلمة خرجت عن موضوعها الأصلي إلى المعنى الذي ذكر في عرف الاستعمال تراهم يستعملونها في كل ما لهم اهتمام بحصوله شائعاً بين العرب والعجم فلا وجه لقول من قال: إن معنى التبرك أنا أشك في إيماني تبركاً وذلك لأن المشيئة عنده غير مشكوكة عنده بل هو تعليق بما لا بد منه نظراً إلى أنه السبب الأصلي وأنه تفويض من العبد إلى الله تعالى ومن فوض كفي لا نظراً إلى أن المشيئة غيب غير معلوم فيكون شكاً في الإيمان، وقد جاء «من شك في إيمانه فقد كفر» وما أحسن ما نقل عن الحسن أن رجلاً سأله أمؤمن أنت؟ فقال: الإيمان إيمانان فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والجنة والنار والبعث والحساب فأنا مؤمن وإن كنت تسألني عن قوله تعالى {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنفال: 2] الخ فوالله لا أدري أمنهم أنا أم لا؟ وهذا ونحوه ما يجعل الخلاف لفظياً، وقد صرح بذلك جمع من المحققين عليهم الرحمة. {لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبِّهِمْ} أي كرامة وعلو مكانة على أن يراد بالدرجات العلو المعنوي وقد يراد بها العلو الحسي، وفي الخبر عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : في الجنة مائة درجة لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم» تفسير : وعن الربيع بن أنس «حديث : سبعون درجة ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة» تفسير : ووجه الجمع على الوجهين ظاهر، والتنوين للتفخيم والظرف، إما متعلق بمحذوف وقع صفة لها مؤكدة لما أفاده التنوين أو بما تعلق به الخبر أعني لهم من الاستقرار. وجوز أبو البقاء أن يكون العامل فيه {دَرَجَـٰتٌ} لأن المراد بها الأجور، وفي إضافته إلى الرب المضاف إلى ضميرهم مزيد تشريف لهم ولطف بهم وإيذان بأن ما وعدهم متيقن الثبوت مأمون الفوات، والجملة جوز أن تكون خبراً ثانياً لأولئك وأن تكون مبتدأة مبنية على سؤال نشأ من تعدد مناقبهم كأنه قيل: ما لهم بمقابلة هذه الخصال؟ فقيل: لهم درجات. {وَمَغْفِرَةٌ} عظيمة لما فرط منهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو ما أعدَّ لهم من نعيم الجنة. وأخرج ابن أبـي حاتم عن محمد القرظي قال: إذا سمعت الله تعالى يقول {أية : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الحج: 50] فهو الجنة. والكرم كما نقل الواحدي اسم جامع لكل ما يحمد ويستحسن في بابه فلعل وصف الرزق به هنا حقيقة. / وقال بعض المحققين: معنى كون الرزق كريماً أن رازقه كريم، ومن هنا وصفوه بالكثرة وعدم الانقطاع إذ من عادة الكريم أن يجزل العطاء ولا يقطعه فكيف بأكرم الأكرمين تبارك وتعالى، وجعله نفسه كريماً على الإسناد المجازي للمبالغة، ولم يذكروا لتوسيط المغفرة، والظاهر كما قيل تقديمها هنا نكتة، وربما يقال في وجه ذكر هذه الأشياء الثلاثة على هذا الوجه أن الدرجات في مقابلة الأوصاف الثلاثة أعني الوجل والإخلاص والتوكل، ويستأنس له بالجمع والمغفرة في مقابلة إقامة الصلاة ويستأنس له بما ورد في غير ما خبر أن الصلوات مكفرات لما بينها من الخطايا وأنها تنقي الشخص من الذنوب كما ينقى الماء من الدنس، والرزق الكريم بمقابلة الإنفاق، والمناسبة في ذلك ظاهرة، وإلى هذا يشير كلام أبـي حيان أو يقال: قدم سبحانه الدرجات لأنها بمحض الفضل، وذكر بعدها المغفرة لأنها أهم عندهم من الرزق مع اشتراكهما في كونهما في مقابلة شيء، ويؤيد هذا ما أخرجه ابن أبـي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد أنه قال في الآية: المغفرة بترك الذنوب والرزق الكريم بالأعمال الصالحة فتدبر والله تعالى أعلم بأسرار كلامه.

ابن عاشور

تفسير : جملة مؤكدة لمضمون جملة: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله}تفسير : [الأنفال: 2] إلى آخرها ولذلك فصلت. وعُرف المسند إليه بالإشارة لوقوعه عقب صفات لتدل الإشارة على أنهم أحرياء بالحكم المسند إلى اسم الإشارة من أجل تلك الصفات، فكان المخبرَ عنهم قد تميزوا للسامع بتلك الصفات فصاروا بحيث يشار إليهم. وفي هذه الجملة قصر آخر يشبه القصر الذي قوله: {أية : إنما المؤمنون}تفسير : [الأنفال: 2] حيث قصر الإيمان مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات ولكنه قرن هنا بما فيه بيان المقصور وهو أنهم المؤمنون الأحقاء بوصف الإيمان. والحق أصله مصدر حَق بمعنى ثبت واستعمل استعمال الأسماء للشيء الثابت الذي لا شك فيه قال تعالى: {أية : وعد الله حقاً ومن أصدق من الله قيلاً}تفسير : [النساء: 122]. ويطلق كثيراً، على الكامل في نوعه، الذي لاسترة في تحقق ماهية نوعه فيه، كما يقول أحد لابنه البار به: أنت ابني حَقاً، وليس يريد أن غيره من أبنائه ليسوا لرشدة ولكنه يريد أنت بنوتك واضحة آثارها، ويطلق الحق على الصواب والحكمة فاسم الحق يجمع معنى كمال النوع. ولكل صيغة قصر: منطوق ومفهوم، فمنطوقها هنا أن الذين جَمعوا ما دلت عليه تلك الصلات هم مؤمنون حقاً، ومفهومها أن من انتفى عنه أحدُ مدلولات تلك الصلات لم يكن مؤمناً كاملاً، وليس المقصود أن من ثبتت له إحداها كان مؤمناً كاملاً، إذا لم يتصف ببقية خصال المؤمنين الكاملين، فمعنى أولئك هم المؤمنون حقا: أن من كان على خلاف ذلك ليس بمؤمن حقا أي كاملاً. وهذا تأويل للكلام دعا إليه الجمع بين عديد الأدلة الواردة في الكتاب والسنة القولية والفعلية من ثبوت وصف الإيمان لكل من أيقن بأن الله منفرد بالإلهية وأن محمداً رسول الله إلى الناس كافة، فتلك الأدلة بلغت مبلغ التواتر المعنوي المحصّل للعلم الضروري بأن الإخلال بالواجبات الدينية لا يسلب صفة الإيمان والإسلام عن صاحبه، فليس حمل القصر على الادعائي هنا مجردَ صنع باليد، أو ذهاب مع الهوى على أن شأن الاتصاف ببعض صفات الفضائل أن يتناسق مع نظائِرها فمن كان بحيث إذا ذكر الله وجل قلبه لا بد أن يكون بحيث إذا تُليت عليه آيات الله زادته إيماناً، فهذا تحقيق معنى القصرين. ومما يزيد هذا المعنى وضوحاً ما روَى الطبراني، عن الحارث بن مالك الأنصاري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للحارث بن مالك الأنصاري يا حارث كيف أصبحت قال أصبحت مؤمناً حقاً قال إعلم ما تقول ـ أو انظرُ ما تقول ـ إن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك قال عزَفتْ نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون، وكأني أسمع عُوراء أهل النار، فقال له يا حارث عرفتَ فالزَمْ ثلاثاً وهو حديث ضعيف وإن كثرتْ طرقه. فقول الحارث «أصبحت مؤمناً حقاً» ظاهر في أنه أراد منه مؤمناً كاملاً وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إن لكل شيء حقيقة فما حقيقة إيمانك»تفسير : ظاهر في أنه سأله عن ماكان به إيمانه كاملاً ولم يسأله عن أصل ماهية الإيمان لأنه لم يكن يشك في أنه من عداد المؤمنين. ومن هذا المعنى ما ذكره القرطبي وغيره أن رجلاً سأل الحسن البصري فقال له يا أبا سعيد أمومنٌ أنتَ فقال: «الإيمان إيمانانِ فإن كنتَ تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب، فأنا به مؤمن، وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى: {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 2] ـ إلى قوله ـ {أية : أولئك هم المؤمنون حقا}تفسير : [الأنفال: 4] فوالله ما أدري أنا منهم أم لا؟. وانتصب {حقاً} على أنه مفعول مطلق صفة لمصدر محذوف دل عليه {المؤمنون} أي إيماناً حقاً، أو على أنه موكدٌ لمضمون جملة {أولئك هم المؤمنون} أي ثبوت الإيمان لهم حق لا شبهة فيه، وهو تحقيق لمعنى القصر بما هو عليه من معنى المبالغة، وليس تأكيداً لرفع المجاز عن القصر حتى يصير بالتأكيد قصراً حقيقياً، بل التأكيد بمعنى المبالغة اعتماداً على القرائن، والأحسن أن يكون منصوباً على الحال من ضمير {هم} فيكون المصدر مؤولاً باسم الفاعل كما هو الشأن في وقوع المصدر حالاً مثل {أية : أو تأتيهم الساعة بغتة}تفسير : [يوسف: 107]، أي محققين إيمانهم بجلائل أعمالهم، وقد تقدم مثل هذا المصدر في قوله: {أية : خالدين فيها أبداً وعد الله حقا}تفسير : في سورة [النساء: 122]. وجملة: {لهم درجات} خبر ثان عن اسم الإشارة. واللام للاستحقاق، أي درجات مستحقة لهم، وذلك استعارة للشرف والكرامة عند الله، لأن الدرجات حقيقتها ما يتخذ من بناء أو أعواد لإمكان تخطي الصاعد إلى مكان مرتفع مُنقطع عن الأرض، كا تقدم عند قوله تعالى: {أية : وللرجال عليهن درجةٌ}تفسير : في سورة [البقرة: 228]، وفي غير موضع، وتستعار الدرجة لعناية العظيم ببعض من يصطفيهم فتشبه العناية بالدرجة تشبيه معقول بمحسوس، لأن الدنو من العُلْو عُرفاً يكون بالصعود إليه في الدرجات، فشبه ذلك الدنو بدرجات وقوله: {عند ربهم} قرينة المجاز. ويجوز أن تستعار الدرجة هنا لمكان جلوس المرتفع كدرجة المنبر كما في قوله تعالى: {أية : وللرجال عليهن درجةٌ}تفسير : [البقرة: 228] والقرينة هي. وقد دل قوله: {عند ربهم} على الكرامة والشرف عند الله تعالى في الدنيا بتوجيه عنايته في الدنيا، وفي الآخرة بالنعيم العظيم. وتنوين {درجات} للتعظيم لأنها مراتب متفاوتة. والرزق اسم لما يُرزقُ أي يعطى للانتفاع به، ووصفه بكريم بمعنى النفيس فهو وصف حقيقي للرزق، وفعله كرُمَ بضم العينَ، والكرم في كل شيء الصفات المحمودية في صنفه أو نوعه كما في قوله تعالى: {أية : إني ألْقيَ إلي كتابٌ كريمٌ}تفسير : في سورة [النمل: 29]، ومنه إطلاق الكرم على السخاء والجود، والوصفُ منه كريم، وتصح إرادته هنا على أن وصف الرزق به مجازٌ عقلي، أي كريم رازقه، فإن الكريم يرزق بوفرة وبغير حساب.

الواحدي

تفسير : {أولئك هم المؤمنون حقاً} صدقاً من غير شكٍّ، لا كإيمان المنافقين {لهم درجات عند ربهم} يعني: درجات الجنَّة {ومغفرة ورزق كريم} وهو رزق الجنَّة. {كما أخرجك} أيْ: امض لأمر الله في الغنائم وإن كره بعضهم ذلك؛ لأنَّ الشُّبان أرادوا أن يستبدُّوا به، فقال الله تعالى: أعط مَنْ شئت وإن كرهوا، كما مضيت لأمر الله في الخروج وهم له كارهون. ومعنى {كما أخرجك ربُّك من بيتك} أمرك بالخروج من المدينة لعير قريش {بالحقِّ} بالوحي الذي أتاك به جبريل {وإنَّ فريقاً من المؤمنين لكارهون} الخروج معك كراهة الطَّبع لاحتمال المشقَّة؛ لأنَّهم علموا أنَّهم لا يظفرون بالعير دون القتال. {يجادلونك في الحق بعد ما تبيَّن} في القتال بعد ما أُمرت به، وذلك أنَّهم خرجوا للعير، ولم يأخذوا أُهبة الحرب، فلمَّا أُمروا بحرب النَّفير شقَّ عليهم ذلك، فطلبوا الرُّخصة في ترك ذلك، فهو جدالهم {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} أَيْ: لشدَّة كراهيتهم للقاء القوم كأنَّهم يُساقون إلى الموت عياناً.

د. أسعد حومد

تفسير : {أُوْلۤـٰئِكَ} {دَرَجَاتٌ} (4) - وَالمُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقَّ الإِيمَانِ، لَهُمْ دَرَجَاتٌ مِنَ الكَرَامَةِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَهُمْ مَنَازِلُ وَمَقَامَاتٌ فِي الجَنَّاتِ، وَيَغْفِرُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ، وَيَشْكُرُ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ، وَيَرْزُقُهُمْ رِزْقاً طَيِّباً وَافِراً كَرِيماً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : و"أولئك" تشير إلى من أنعم الله عليهم بالصفات الخمس السابق ذكرها، وهؤلاء هم من وجلت قلوبهم من ذكر الله، وزادتهم الآيات في إيمانهم، وعلى ربهم يتوكلون ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، هؤلاء هم المؤمنون حقاً {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}. ولنعلم أن الحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا تذهب به الأغيار، ويخضع له كل الناس لأنه يتعلق بمصالح حياتهم. وإن جاء الباطل ليزحزح الحق، نجد الحق ثابتاً لا يتزحزح لأنه قوي. ولنقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ} تفسير : [الرعد: 17]. وحين ينزل المطر من السماء، يأخذ من مائة كل وادٍ من الوديان على قدر اتساعه وعمقه، ويمتلىء، ترى الرغاوي وهي الزبد تطفو فوق السيْل، وهي عبارة عن هؤلاء سببه وجود الشوائب من قش وغيره، وهذا مثل نراه في حياتنا، ونجد الأرض والناس وكل المخلوقات تنتفع بالمياه، لكنها لا تنتفع بالزبد أو الرغاوي. ثم ينتقل الحق في ذات الآية من ضرب المثل بالماء، إلى ضرب المثل بالنار فيقول: {أية : وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ}تفسير : [الرعد: 17]. وأنت حين ترى قطعة الحديد وهي تتحول إلى السيولة بالانصهار في النار، تجد شرراً يتطاير منها، ويطفو فوق سطح الحديد المصهور، وهو ما يسمى بـ "خبث الحديد" وتتم إزالة هذا الخبث ليبقى الحديد صافياً لتصنع منه السيوف أو الخناجر وغيرها، وهذه الحالة تحدث في الذهب حين يصهره الصائغ ليزيل عنه أية شوائب ويعيد تشكيله ليكون حلياً. وزبد الماء وزبد الحديد وزبد الذهب يتجمع على الجوانب ويبقى الماء صافياً، وكذلك الحديد والذهب، ولهذا يقول الحق: {أية : كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَاطِلَ} تفسير : [الرعد: 17]. أي أن الحق يبقى صافياً ثابتاً، أما الباطل فيعلو ليتجمع على الجوانب ليذهب بغير فائدة. ويوضح الحق علو كلمته سبحانه وتعالى في آية أخرى فيقول: {أية : وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلْعُلْيَا} تفسير : [التوبة: 40]. ونلحظ أن الحق تبارك وتعالى جاء بالجعل لكلمة الكافرين، أما كلمته سبحانه وتعالى فلها العلو الثابت. والحق هنا يبين أن المؤمنين الذين يتصفون بهذه الصفات الخمس هم مؤمنون حق الإيمان فيقول عز وجل: {أُوْلۤـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}. ومعنى هذا أن هناك مؤمنين ليسوا على درجة عالية من الإيمان، أي أن هناك منازل ودرجات للإيمان متفاوتة، ولكل قدر من الصفات منزلة وعطاء مناسب. ونحن نرى البشر حينما يخصهم واحد بوده يفيضون عليه من خيراتهم، فنجد غير العالم يأخذ ممن يودهم من العلماء بعض العلم، والضعيف الذي يعطي وده لقوي، يعينه القوي ببعضٍ من قوته، والفقير الذي يعطي وده لغني، يعطيه الغني بعضاً من المال، والأرعن يأخذ ممن يودهم من العقلاء قدراً من التعقل للأمور. إذن أهل المودة والقرب والتقوى يفاض عليهم من المولى وهم ممن اختصهم الله بالعطاءات، فالذي وجدت فيه هذه الصفات، ومؤمن حقاً تكون له درجات عند ربه تناسب حظه من الحق وحظه من الصفاء، ولنعرف أن السير في درب الحق يعطي الكثير. والمثال الذي نقدمه على ذلك أننا نجد من يصلي الأوقات الخمسة في مواعيدها، وهذا هو المطلوب العام، إذا ما صلى ضعف ذلك بالليل، أو واظب على الصلاة في الجماعة ويلزم نفسه بمنهج الله، سوف يأخذ حظاً من الصفاء لم يكن موجوداً عنده من قبل ذلك، وسيجد في قلبه إشراقات وتجليات، وتسير أمور حياته بسهولة ويسر. وقد يكون الإنسان من هؤلاء - على سبيل المثال - خارجاً من البيت وسألته زوجته: ماذا نطبخ اليوم؟ ويجيبها: لنقض هذا اليوم بما تبقى عندنا من الأمس. وعندما يعود قد يفاجأ بأن شقيقه قد قدم من الريف، وأحضر له هدية من البط، والقشدة والفطائر. فتسأله زوجته: أكنت تعلم بمجيء أخيك؟ فيقول: لم أكن أعلم، وهذا مجرد مثال، لكن عطاءات الصفاء تكون أكثر من ذلك مادياً ومعنوياً، ومن يستمر في العبادة ويزيد عليها ويؤدي كل ذلك بحقه، سيزيد عطاء الله له؛ لأن الله لا يمل عطاء أهل الصفاء أبداً. ومن يجرب مثل هذه العبادة ويزيدها سيجد عطاء الله وهو يزيد. ودائما أضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى وهو منزه سبحانه وتعالى عن التشبيه لنفترض أن إنساناً أراد أن يسافر من القاهرة إلى الإسكندرية، وسأل إنساناً آخر، فقال له: إن ذهبت من الطريق الفلاني ستجد استراحة طيبة، عكس الطريق الفلاني. ويتبع المسافر نصائح من أرشده، فيجده صادقاً، فيرتاح من بعد ذلك لرأيه، وكذلك أهل الصفاء، هم أهل العطاء، وعلى قدر صفائهم يكون هذا العطاء. والذي يشجع الناس الذين يبالغون في التعبد هو هذا الإشراق، وهناك من يصف الواحد منهم بأنه مجذوب وإن من يطلق على المتعبد الزاهد هذا الوصف يرى المنزلة العالية وهي تشد هذا المتعبد إليها، وهو من جهة أخرى ينظر هذا الزاهد إلى من يتعثرون في طلب الدنيا، ويصفهم بينه وبين نفسه بأنهم من "الغلابة" ويدعو لهم. وأقول لمن يرى واحداً من هؤلاء: لا شأن لك بأي إنسان من هؤلاء وإياك أن تتعرض لهم واتركهم في حالهم، ما دام الواحد منهم لا يسألك شيئا. {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ}. والدرجات عند البشر هي ارتقاءات يسعى إليها، فما بالنا بالدرجات التي عند الرب؟ وما دام الله سبحانه وتعالى قد وعدهم بالدرجات العالية عنده فقد ضمنوا المغفرة؛ لأن الواحد منهم سيطهر بالمغفرة، وجاء الحق بعطاء الدرجات قبل المغفرة لأنه سبحانه خلق الخلق ويعرف أنهم أهل أغيار، ويعلم أن هناك من أسرفوا على أنفسهم، ويحاولون فعل الخيرات لأنهم يؤمنون بأن الحسنات يذهبن السيئات، وسبحانه علمنا أن معالم الدين تأخذ حظها من المسرفين على أنفسهم، لأن من لم يسرف على نفسه تجده يطيع الله طاعة هادئة رتيبة فليس وراءه ما يلهب ظهره. أما من عملوا السيئات فإن هذه السيئات تقض مضاجعهم. والمسرف على نفسه لحظة الإسراف يظن أنه أخذ من الله شيئاً واحداً من خلف منهجه، فيوضح له ربنا: إياك أن تظن أن هناك من يخدع الله. فأنت ستعمل كثيراً وبشوق لخدمة منهج الله، ونجد المسرف على نفسه لحظة الإفاقة والتوبة، وهو يندفع إلى فعل الخيرات. مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى ليؤيد الدين بالرجل الفاجر". تفسير : لأن فجر الفاجر يتجسد أمامه ويريه سوء المصير، فيندفع إلى فعل الخيرات ليمحو السيئات، أما من لم يخطىء فنجده هادىء القلب، مطمئن النفس، لا يلهب ظهره شيء. {لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 4]. وهل هذا الرزق ناشىء من كريم؟ الجواب لا؛ لأن الكرم تعدى من الكريم الأصيل، إلى أن صار الرزق نفسه كريماً، وكأن هذا الرزق يتعشق صاحبه؛ لأن ربنا ساعة يعطي إنساناً نعمةً، ثم يستعملها العبد في الطاعة، تحس النعمة أنها مسرورة بالذهاب إلى هذا الإنسان لأنه استعملها في طاعة وفيما يرضى الله عز وجل. ولك أن تعرف أن الرزق أعلم بمكانك منك بمكانه. فلا أحد يعرف عنوان الرزق الذي قدره الله له، لكن الرزق يعرف عنوان صاحبه، ويبحث عنه في كل مكان إلى أن يجده. هكذا نفهم أن الكرم يتعدى إلى الرزق نفسه فيصبح الرزق كريماً. وجاء كل هذا الحديث بمناسبة الخلاف على الغنائم والأنفال، وفصل ربنا بالحكم وبين وأوضح أن الأنفال لله والرسول ولم يعد لأحد كلام بعد كلام الله، وهذه الحادثة في الأنفال حدثت في الخروج إلى الحرب، فحين أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرج للحرب، كان هناك فريق منهم كاره لهذا الخروج ثم رضي به. لكن حالهم اختلف في الغنائم فطالب بعضهم بأكثر مما يستحق؛ لذلك يقول المولى سبحانه وتعالى: {كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ...}