٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
112
Tafseer
البيضاوي
تفسير : {بَلَىٰ } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أخلص له نفسه، أو قصده، وأصله العضو {وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله {فَلَهُ أَجْرُهُ } الذي وعد له على عمله {عِندَ رَبّهِ } ثابتاً عن ربه لا يضيع ولا ينقص، والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة. والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله: بلى وحده، ويحسن الوقف عليه. ويجوز أن يكون من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} في الآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {بَلَىٰ } يدخل الجنة غيرهم {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أي انقاد لأمره وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى {وَهُوَ مُحْسِنٌ } موحد {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ } أي ثواب عمله الجنة {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة.
ابو السعود
تفسير : فإن قوله تعالى: {بَلَىٰ} الخ إثباتٌ من جهته تعالى لما نفَوْه مستلزمٌ لنفْي ما أثبتوه، وإذْ ليس الثابتُ به مجردَ دخولِ غيرِهم الجنةَ ولو معهم ليكون المنفيُّ مجردَ اختصاصِهم به مع بقاءِ أصلِ الدخولِ على حاله بل هو اختصاصُ غيرِهم بالدخول كما ستعرفه بإذن الله تعالى ظهرَ أن المنفيَّ أصلُ دخولِهم، ومن ضَرورته أن يكون هو الذي كُلِّفوا إقامةَ البُرهانِ عليه لا اختصاصُهم به ليتّحدَ موردُ الإثباتِ والنفي، وإنما عدَلَ عن إبطال صريحِ ما ادَّعَوْه وسَلك هذا المسلكَ إبانةً لغاية حِرمانِهم مما علّقوا به أطماعَهم وإظهاراً لكمال عجزِهم عن إثباتِ مُدَّعاهم لأن حِرمانَهم من الاختصاص بالدخول وعجزَهم عن إقامة البرهانِ عليه لا يقتضيان حرمانَهم من أصل الدخولِ وعجزَهم عن إثباته وأما نفسُ الدخولِ فحيث ثبت حِرمانُهم منه وعجزُهم عن إثباته فهم من الاختصاص به أبعدُ وعن إثباته أعجزُ، وإنما الفائزُ به من انتظمه قوله سبحانه: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي أخلص نفسَه له تعالى لا يشرك به شيئاً، عبّر عنها بالوجه لأنه أشرفُ الأعضاءِ ومجمعُ المشاعرِ وموضعُ السجود، ومظهَرُ آثارِ الخضوعِ الذي هو من أخص خصائِص الإخلاص أو توجّهُه وقصدُه بحيث لا يلوي عزيمتَه إلى شيءٍ غيره {وَهُوَ مُحْسِنٌ} حال من ضمير (أسلم) أي والحالُ أنه مُحسنٌ في جميع أعمالِه التي من جملتها الإسلامُ المذكورُ، وحقيقةُ الإحسانِ الإتيانُ بالعمل على الوجه اللائق، وهو حُسنُه الوصفيُّ التابعُ لحسنه الذاتيِّ، وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : أَنْ تَعْبُدَ الله كأنَّكَ تَرَاهُ فإنْ لم تَكُنْ تَرَاهُ فإِنَّهُ يَرَاكَ»تفسير : {فَلَهُ أَجْرُهُ} الذي أُعد له على عمله، وهو عبارةٌ عن دخول الجنة أو عمل يدخُلُ هو فيه دخولاً أولياً، وأياً ما كان فتصويرُه بصورة الأجرِ للإيذان بقوة ارتباطِه بالعمل واستحالةِ نيلِه بدونه، وقوله تعالى: {عِندَ رَبّهِ} حالٌ من أجره، والعاملُ فيه معنى الاستقرارِ في الظرف، والعِنديةُ للتشريف، ووضعُ اسم الربِّ مضافاً إلى ضمير (من أسلم) موضعَ ضميرِ الجلالة لإظهار مزيدِ اللُطفِ به وتقريرِ مضمونِ الجملة، أي فله أجرُه عند مالكِه ومدبِّرِ أموره ومبلِّغِه إلى كماله، والجملةُ جوابُ (مَنْ) إن كانت شرطيةً وخبرُها إن كانت موصولة، والفاءُ لتضمنها معنى الشرط فيكون الردُّ بقوله تعالى: بلى وحده، ويجوز أن يكون (مَنْ) فاعلاً لفعل مقدرٍ، أي بلى يدخلها من أسلم، وقوله تعالى: {فَلَهُ أَجْرُهُ} [البقرة، الآية: 112] معطوفٌ على ذلك المقدر، وأياً ما كان فتعليقُ ثبوتِ الأجرِ بما ذكر من الإسلام والإحسانِ المختصَّيْن بأهل الإيمان قاضٍ بأن أولئك المدّعين - من دخول الجنة - بمعزل، ومن الاختصاص به بألف منزل {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الدارين من لُحوق مكروهٍ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} من فواتِ مطلوبٍ أي لا يعتريهم ما يوجبُ ذلك، لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون. والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى (مَنْ) كما أن الإفراد في الضمائر الأُوَلِ باعتبار اللفظ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}[112] قال سهل: أي دينه، كما قال في سورة النساء: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ}تفسير : [النساء:125] أي ممن أخلص دينه لله، وهو الإسلام وشرائعه، وقال، أي في لقمان: {أية : وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}تفسير : [لقمان:22] يعني يخلص دينه لله.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} [الآية: 112]. أى: أخلص وجهه عن أعمالهِم من الربا: والشرك الخفى، وقيل أسلم وجههُ لله أى: أعتقَ وجهه عن عبُودية غيره وهو محسنٌ أى: وهو يحسن آداب العبودية فله أجرهُ عند ربه بدوام المعونة له من رِضاهُ، ولا خوفٌ عليهم فى فوت حظهم من الحقِّ، ولا هم يحزنون بأن يشغلَهُم عنه بالجنة.
القشيري
تفسير : أسلم وجهه أي أخلص لله قصده، وأفرد لله وجهه، وطهَّر عن الشوائب عقله. {وَهُوَ مُحْسِنٌ}. عالِمٌ بحقيقة ما يفعله وحقيقة ما يستعمله، وهو محسن في المآل كما أنه مسلم في الحال. ويقال: "حديث : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه" تفسير : فتكون مستسلماً بظاهرك، مشاهداً بسرائرك، في الظاهر جهد وسجود وفي الباطن كشف ووجود. ويقال: {أَسْلَمَ وَجْهَهُ} بالتزام الطاعات، {وَهُوَ مُحْسِنٌ} قائمٌ بآداب الخدمة بحسن آداب الحضور، فهؤلاء ليس عليهم خوف الهجر، ولا يلحقهم خفيُّ المكر، فلا الدنيا تشغلهم عن المشاهدة ولا الآخرة تشغلهم غداً عن الرؤية.
البقلي
تفسير : {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} اى من بَذلَ مُهجته لله الا لما من الله وهو محسن بلاّ رؤية المعالمة ولا يجريان المعارضة بل رؤية الحق بنعت فناء الحق فله مجالَسَهُ البقاء عند ربّه بَزَوال خوف الفَراق وحزن الحجاب وقيل وهو مُحسن اى اخلص وجوه اعماهل من الرياء والشرك الخفى وقيل في قوله اسُلَمَ وجهه لله الا اعتق وَجْهَه عن عبودية غير وهو محسن اداب العبودية فله اجره عند ربَه دوام المعونة اليه من رضَاه ولا خوف عليهم من قوت حظّهم من الحقّ ولا هم يحزنون بان يشغلهم عنه بالجنّة قال ابن عطا من جَعَل طريقه ووجهه ومراده وقصده وتدبيره لله فلا يبقى له وجه الاّ ليه ولا يكوتن الا عليه وهو محسن قال يرى بسره وباشهده بحقائق معرفته وبطالعه بمعانى اخلاصه قال عبد العزيز المكى هذه الاية حال مخلص في عمله هائب عن ربه وقال ايضاً مَنْ اخلص قلبه لله وهو محسن اى كامل فيم حبته وبالغٌ في مودته.
اسماعيل حقي
تفسير : {بلى} اعلم ان قولهم لن يدخل الجنة الخ مشتمل على ايجاب ونفى اما الايجاب فهو ان يدخل الجنة اليهود والنصارى واما النفى فهو ان لا يدخل الجنة غيرهم فقوله بلى اثبات لما نفوه فى كلامهم فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فاجيبوا بقوله بلى يدخل الجنة غيركم وليس الامر كما تزعمون {من اسلم وجهه لله} اى اخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيأ فان اسلام شئ لشئ جعله سالما له بان لا يكون لاحد حق فيه لا من حيث التخليق والمالكية ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم عبر عنها بالوجه لكونه اشرف الاعضاء من حيث انه معدن الحواس والفكر والتخيل فهو مجاز من باب ذكر الجزء وارادة الكل ومنه قولهم كرم الله وجهك ويحتمل ان يكون اخلاص الوجه كناية عن اخلاص الذات لان من جاد بوجهه لا يبخل بشئ من جوارحه ويكون الوجه بمعنى العضو المخصوص {وهو محسن} حال من ضمير اسلم اى وهو مع اخلاصه وتسليم النفس الى الله بالكلية بالخضوع والانقياد محسن فى جميع اعماله بان يعملها على وجهة يستصوبها فان اخلاصها لله لا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع وحقيقة الاحسان والاتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفى التابع لحسنه الذاتى وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : ان تعبد الله كأنك تراه وان لم تكن تراه فانه يراك ". تفسير : وهذا المعنى حقيقة الايمان وظاهره الاحسان واما باطنه فمرتبة كنت سمعه وبصره التى هى نتيجة قرب النوافل وهو كون ذات الحق ووجوده مرآة لصفات العبد ومظهرا لاحواله واما قرب الفرائض فهو المصرح فى قوله قال الله تعالى على لسان عبده (سمع الله لمن حمده) وهو كون صفات العبد واحواله مرآة لذات الحق ومظهرا لوجوده وباعتبار قرب النوافل كان الظاهر والمرئى والمشهود هو العبد وباعتبار قرب الفرائض هو الحق {فله اجره} ثوابه الذى وعد له على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة وتصويره بصورة الأجر للايذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه (عند ربه] اى حال كونه ذلك الاجر ثابتا عند مالكه ومدبر اموره ومبلغه الى كماله لا يضيع ولا ينقص والعندية للتشريف والجملة جواب من ان كانت شرطية وخبرها ان كانت موصولة والفاء لتضمنها معنى الشرط {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} فى الآخرة عند دخول الجنة كما قال تعالى خبرا عن اهل الجنة {أية : الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن} تفسير : [فاطر: 34]. واما فى الدنيا فانهم يخافون من ان يصيبوا الشدائد والاهوال العظام قدامهم ويحزنون على ما فاتهم من الاعمال الصالحة والطاعات المؤدية الى الفوز بانواع السعادات فان المؤمن كما لا يقنط من رحمة الله لا يأمن من غضبه وعقابه كما قيل لا يجتمع خوفان ولا امنان فمن خاف فى الدنيا امن فى الآخرة حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب فان الخوف انما يكون مما يتوقع فى المستقبل كما ان الحزن انما يكون على ما وقع سابقا ومن أمن فى الدنيا خاف فى الآخرة قال فى المثنوى شعر : لا تخافوا هست نزل خائفان هست درخور از براى خائف آن هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترسنده را ساكن كنند آنكه خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست اومحتاج درس
الطوسي
تفسير : فان قيل: اليس بلى انما تكون في جواب الاستفهام مثل قوله {ألست بربكم قالوا بلى} فكيف دخلت ها هنا؟ قلنا إنما جاز ذلك لأنه يصلح ان يكون تقديره أما يدخل الجنة احد فقيل {بلى من أسلم وجهه لله} لان ما تقدم يقتضي هذا السؤال، ويصلح ان يكون جواباً للجحد على التكذيب ـ كقولك: ما قام زيد فيقول: بلى قد قام، ويكون التقدير ها هنا ليس الامر كما قال الزاعمون {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} ولكن {من أسلم وجهه لله وهو محسن} فهو الذي يدخلها وينعم فيها، أو بلى من اخلص نفسه لطاعة الله. ومعنى اسلم يحتمل امرين: احدهما ـ اسلم الى كذا بمعنى صرفه اليه كقولك اسلمت الثوب اليه، والثاني ـ اسلم له بمعنى اخلص له من قولك: قد سلم الشيء لفلان اذ اخلص له. ومنه قوله: {أية : ورجلا سلماً لرجل } تفسير : اي خالصاً وقال زيد ابن عمرو بن نفيل: شعر : واسلمت نفسي لمن اسلمت له المزن تحمل عذباً زلالا تفسير : وانما جاز اسلم وجهه لله على معنى اسلم نفسه لله على مجرى كلام العرب في استعمال وجه الشيء، وهم يريدون نفس الشيء، إلا انهم ذكروه باللفظ الاشرف الأبنه ودلوا عليه به. كما قال عز وجل: {أية : كل شيء هالك إلا وجهه}تفسير : أي إلا هو. وقال: {أية : كل من عليها فان ويبقى وجه ربك } تفسير : وقال الاعشى: شعر : أؤول الحكم على وجهه ليس قضائي بالهوى الجائر تفسير : يعني على ما هو من صحته، وصوابه. وقال ذو الرمة: شعر : فطاوعت همي وانجلى وجه بازل من الأمر لم يترك خلاجاً بزولها تفسير : يريد انجلى البازل من الامر. وقال ابن عباس: اسلم وجهه لله: اخلص عمله لله. وقال الربيع: اخلص لله. وقال الحسن: يعني بوجهه: وجهه في الدين. وقيل معناه استسلم لامر الله. ومن الوجه يقال: توجه توجهاً، وواجه مواجهة، وتواجهوا تواجهاً. والجهة: النحو. تقول: كذا على وجه كذا، والوجهة القبلة شبهها في كل وجهة: اي كل وجه استقبلته، واخذت فيه. وتقول توجهوا اليك، ووجهوا اليك. كل يقال: غير أن قولك: توجهوا اليك على معنى ولو اليك وجوههم. والتوجه الفعل اللازم. والوجاه والتجاه لغتان: وهو ما استقبل شيء شيئاً تقول دار فلان تجاه دار فلان. والمواجهة: استقبالك بكلام او بوجه. وأصل الباب الوجه مستقبل كل شيء ووجه الانسان: محياه. ونقيض الوجه القفاء. ويقال: وجه الكلام، تشبيهاً بوجه الانسان، لانه اول ما يبدو منه، ويعرف به. وقد يقال في الجواب: هذا وجه وذلك خلف، تشبيهاً ايضاً من جهة الحسن، لان الغالب في الوجه انه احسن. ويقال: هذا وجه الرأي الذي يبدوا منه، ويعرف به. والوجه من كل شيء: اول ما يبدو، فيظهر بظهور ما بعده. وقوله: {وهو محسن} في موضع نصب، لانه في موضع الحال. وانما قال: {فله أجره} على التوحيد، ثم قال: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} على الجمع لان (من) لفظها لفظ الواحد، ومعناها الجمع، فمرة تحمل على اللفظ: واخرى على المعنى كما قال: {أية : ومنهم من يستمع إليك}تفسير : وفي موضع اخر {أية : ومنهم من يستمعون إليك }. تفسير : وقال الفرزدق: شعر : تعال فان عاهدتني لا تخونني نكن مثل من يا ذئب يصطحبان تفسير : فثنى واللفظ واحد لاجل المعنى. فان قيل اذا كان قد ذكر {فلهم أجرهم عند ربهم} فلم قال: {ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} قيل عن ذلك جوابان: احدهما ـ الدلالة على انهم على يقين لا على رجاء يخاف معه ألا يكون الموعود به. والثاني ـ الفرق بين حالهم، وبين حال اهل العقاب الذي يخافون ويحزنون.
الجنابذي
تفسير : {بَلَىٰ} اثبات لما نفوه بقولهم: لن يدخل الجنّة الاّ من كان هودا او نصارى {مَنْ أَسْلَمَ} اخلص {وَجْهَهُ} الوجه العضو المخصوص وما يتوجّه الشّيء به ونفس الشّيء والمعنى من أخلص جهة توجّهه او ذاته {لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} فى أفعاله او محسن الى خلقه {فَلَهُ أَجْرُهُ} الّلائق به الّذى لا يمكن تعيينه الاّ بالاضافة اليه {عِندَ رَبِّهِ} كأنّه للاهتمام به لم يكل أجره الى غيره {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} جمع الضّمير مع الافراد فى الضّمائر السّابقة باعتبار لفظ من ومعناه {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قد مضى بيان هذه الآية فى اوّل السّورة.
اطفيش
تفسير : {بَلَى}: أى يدخل الجنة من لم يكن هوداً ولا نصارى، وكأنه قيل من يدخلها فقال: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَه للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}: فمن فاعل لمحذوف أى يدخلها من أسلم وجهه لله وهو محسن، وهو موصولة ولك جعلها مبتدأ زبدت الفاء فى خبرها لتضمنها معنى الشرط، والخبر هو الجملة فى قوله: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّه}: أو هى شرطية، هذه الجملة جوابها، وعلى الوجه الأول يحسن الوقف على محسن لا على بلى، وما بعد ذلك مستأنف. ويجوز عطفه على من، وفعله المقدر عطف اسمية على فعلية، وعلى الثانى والثالث يحسن الوقف على بلى، ومعنى أسلم وجهه لله: أخلص جسده كله لله. وخص الوجه بالذكر معبراً به عن الكل، لأنه أشرف الأعضاء الظاهر وفيه أكثر الحواس، وفيه يظهر أثر الخضوع والذل والعز، ومن خضع وانقاد بوجهه فخضوعه وانقياده بغيره من باب أولى، ومعنى إخلاص جسده لله استلامه لما يفعل الله به، ولما يوجبه عليهِ أو يحرمه عليه، ويجوز أن يكون معنى أسلم وجهه أخلص قصده، وعبر بالوجه عن القصد، لأن القصد إلى شئ فى الجملة يكون بصرف الوجه إليه، وكذا إلى جهة من الجهة، ولأن الوجه من الإنسان يقصده القاصد عند التكلم، والخطاب والنظر وغير ذلك فى الحب وشدة البغض والتقاتل، فالمراد أن يقصد الله ويصرف همته عن غيره، ويجوز أن يكون المعنى أخلص النية، فسمى الدين وجهه لأن دين الإنسان أهم شئونه ومعظمها، كما أن الوجه أفضل الأعضاء، ومن جملة دينه أعماله. وقد فسر بعضهم الوجه بالعبادة، وجملة وهو محسن حال من الضمير فى أسلم، والمراد بالإحسان التوحيد أو إتقان العمل، بأن يأتى به تاما ولا يشوبه بما يفسده، والأجر الذى له عند ربه ثواب إسلامه وجهه وتوحيده وإحسانه فى عمله يحفظهُ الله تعالى له لا يضيعه ولا ينقصه، بل يربو عنده وهو ما يكون له فى الجنة وما يفرح به عند الموت والقبر والبعث والمحشر. {ولا خوفٌ عليهم}: عند الموت وفى القبر ويوم القيامة. {ولا هُمْ يَحْزنون}: فى ذلك على شئ من الدنيا ولا على ترك الإيمان والأعمال لأنهم قد آمنوا وعملوا الصالحات.
اطفيش
تفسير : {بَلَى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، ولو كانوا أيضاً لا يدخلونها، فالمعنى، لا يدخلونها، وغيرهم يدخلها، وقد تقع فى غير النفى والاستفهام {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} أخضعه {لِلهِ} وخص الوجه لأنه أعظم، إذ فيه أكثر الحواس بل كأنها، وشاركه غيره فى الحس، ولأنه موضع السجود الذى العبد فيه أقرب ما يكون من ربه، فغيره أولى بأن يكون قد أسلم لله، أو الوجه بمعنى الذات كلها إذ هو جزؤها الأعظم، أو بمعنى قصده {وَهُوَ مُحْسِنٌ} موحد عامل متق، ولو لم يبلغ إلى قوله صلى الله عليه وسلم، الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه {فَلَهُ أَجْرُهُ} ثوابه على عمله وتقواه، وتوحيده، وهو الجنة {عِنْدَ رَبِّهِ} عندية علم وعهد وتشريف {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} فى الآخرة إلا خوفا يحدث لعظم الهول، ويزول ويعقبه الأمن الدائم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فيها على فوت التوحيد، والعمل والتقوى، لأن ذلك لم يفتهم، وإنما يحزن من فاته أو بعضه، وأما فى الدنيا فالمؤمن من أشد حزنا فى أمر دينه، وفصل قوله: وقالوا لن يدخل الجنة... إلخ بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} أحبارهم فى المدينة، أو نافع بن حرملة، ونسب للجميع لأنه منهم، وراضون بقوله، أو مطلقا، ذكر الله اعتقاد من اعتقد ذلك، ولفظ من لفظ، وهم القليل {لَيْسَتِ النَّصَٰرَى عَلَى شَيْءٍ} . معتد به من الدين، كفروا بالإنجيل وعيسى وأثبتوا الحق لأنفسهم. {وَقَالَتِ النَّصَٰرَى} كلهم إلا قليلا منهم أو واحد منهم كما مر، أو من وفد من نصارى نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر الله اعتقاد من اعتقد، ولفظ من لفظ، وهو القليل {لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيءٍ} معتد به من الدين، كفروا بموسى والتوراة، وأثبتوا الحق لأنفسهم، ونفى الشىء فى الموضعين كناية عن عدم الاعتناء، وهى أبلغ من التصريح {وَهُمْ} أى الفريقان {يَتْلُون الْكِتَٰبَ} جنس الكتاب، تتلو اليهود التوراة، وتجد فيها تصديق عيسى والإنجيل، وتتلو النصارى الإنجيل وتجد فيه تصديق موسى والتوراة، أو تتلو اليهود التوراة والإنجيل ويجدون فيهما تصديق الكل، وكذا النصارى، وقيل المراد التوراة {كَذَلِكَ} كقول اليهود للنصارى، والنصارى لليهود، {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم مشركو العرب وغيرهم، كأمم قبل اليهود والنصارى {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} قالوا لكل ذى دين، ليسوا على شىء يعتد به، وفى ذلك تشبيهان، تشبيه المقول بالمقول فى المؤدى، وتشبيه القول بالقول فى الصدور عن مجرد الهوى، ولو زاد اليهود بالتعصب فليس فى الآية تكرير، بل فيها مزيد التوبيخ، بل شبه جمع في نفى الحق من فى يده علم التوراة والإنجيل بمن لا علم له من عبدة الأصنام كقريش، ومن ينكر الله، والمراد بالتشبيه التنظير، أو هو من التشبيه المقلوب، إذ شبهوا بالجاهلين، وكذلك مفعول لقال، أى مثل قول اليهود والنصارى، قال الذين لا يعلمون، ومثل مفعول به ليعلمون، بمعنى يعتقدون، أو مفعول به لقال، أو مفعول مطلق له، وكذلك مفعول به له، أو مثل توكيد لكذلك لا بدل، لا تحاد مفهومهما، بخلاف، جاء زيد أخوك، فإن الأخوة ليست مفهومة لزيد {فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} بين الفريقين، وبينهما وبين الذين لا يعلمون، والمراد الفريقان بالذات؛ لأن الكلام فيهما، والذى لا يعلمون بالتبع {يَوْمَ الْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من أمر الدين، فيدخل الجنة من عمل بالناسخ وترك ما نسخ. وذلك إشراك، ومن أشرك بعبادة الصنم، أو بإنكار الله، وأيضاً المشركون أسف الناس، واليهود فى لظى، والنصارى فى الحطمة، وذلك من الحكم المذكور، فالحكم بينهم أن يقسم لكل فريق يوماً يليق به من العذاب.
الالوسي
تفسير : {بَلَىٰ} رد لقولهم الذي زعموه وإثبات لما تضمنه من نفي دخول غيرهم الجنة. والقول بأنه رد لما أشار إليه {أية : قُلْ هَاتُواْ بُرْهَـٰنَكُمْ }تفسير : [البقرة: 111] من نفي أن يكون لهم برهان مما لا وجه له ولا برهان عليه {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} أي انقاد لما قضى الله تعالى وقدر، أو أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره، أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن الحواس وإما مجاز عن القصد لأن القاصد للشيء مواجه له {وَهُوَ مُحْسِنٌ} حال من ضمير {أَسْلَمَ} أي والحال أنه محسن في جميع أعماله، وإذا أريد بما تقدم الشرك يؤول المعنى إلى: (آمن وعمل الصالحات) وقد فسر النبـي صلى الله عليه وسلم الإحسان بقوله: «حديث : أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»تفسير : {فَلَهُ أَجْرُهُ} أي الذي وعد له على ذلك لا الذي يستوجبه كما قاله الزمخشري رعاية لمذهب الاعتزال، والتعبير عما وعد بالأجر إيذاناً بقوة ارتباطه بالعمل {عِندَ رَبّهِ} حال من (أجره) والعامل فيه معنى الاستقرار، والعندية للتشريف، والمراد عدم الضياع والنقصان، وأتى ـ بالرب ـ مضافاً إلى ضمير {مَنْ أَسْلَمَ} إظهاراً لمزيد اللطف به وتقريراً لمضمون الجملة، والجملة جواب {مَنْ} إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط، وعلى التقديرين يكون الرد بـبـلى وحده وما بعده كلام مستأنف كأنه قيل: إذا بطل ما زعموه فما الحق في ذلك، وجوز أن تكون (مَن) موصولة فاعل ليدخلها محذوفاً، و (بلى) مع ما بعدها رد لقولهم، ويكون {فَلَهُ أَجْرُهُ} معطوفاً على ذلك المحذوف عطف الاسمية على الفعلية لأن المراد بالأولى التجدد، وبالثانية الثبوت، وقد نص السكاكي بأن الجملتين إذا اختلفتا تجدداً وثبوتاً يراعى جانب المعنى فيتعاطفان. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تقدم مثله والجمع في الضمائر الثلاثة باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ، ويجوز في مثل هذا العكس إلا أن الأفصح أن يبدأ بالحمل على اللفظ ثم بالحمل على المعنى لتقدم اللفظ عليه في الإفهام.
د. أسعد حومد
تفسير : (112) - وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى دَعْوَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى تِلْكَ فَيَقُول لهُمْ: بَلَى سَيَدْخُلُ الجَنَّةَ الذِينَ يُسْلِمُونَ وُجُوهَهُمْ للهِ. وَيَنْقَادُونَ لأَِمْرِهِ مُطِيعِينَ مُخْلِصِينَ، وَهُمْ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ, فَهؤُلاءِ يُوَفِّيهِمْ رَبُّهُمْ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، وَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ، وَيُذْهِبُ عَنْهُمُ الخَوْفَ وَالحَزَنَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنَ الأَمْرِ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنيا. فَرَحْمَةُ اللهِ لاَ يَخْتَصُّ بِهَا شَعْبٌ دُونَ شَعْبٍ، وَكُلُّ مَنْ عَمِلَ لَهَا، وَأَخْلَصَ فِي عَمَلِهِ، كَانَ مِنْ أَهْلِهَا. أَسْلَمَ وَجْهَهَ - انْقَادَ مُخْلِصاً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن بَيَّنَ لنا الله تبارك وتعالى كذب اليهود وطالبهم بالدليل على ما قالوه من أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى جاء بحقيقة القضية ليخبرنا جل جلاله من الذي سيدخل الجنة .. فقال: "بلى" .. وعندما تقرأ: "بلى" اعلم أنها حرف جواب ولابد أن يسبقها كلام ونفي .. فساعة يقول لك إنسان ليس لي عليك دَيْنٌ .. إذا قلت له نعم فقد صدقت أنه ليس عليه دين .. ولكن إذا قلت بلى فذلك يعني أن عليه ديناً وأنه كاذب فيما قاله .. إذن بلى تأتي جواباً لتثبت نفي ما تقدم. هم قالوا {أية : لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : [البقرة: 111] .. عندما يقول الله لهم "بلى" فمعنى ذلك أن هذا الكلام غير صحيح .. وأنه سيدخلها غير هؤلاء .. وليس معنى أنه سيدخلها غير اليهود والنصارى .. أن كل يهودي وكل نصراني سيدخل الجنة .. لأن الله سبحانه وتعالى قد حكم حينما جاء الإسلام بأن الذي لا يسلم لا يدخل الجنة .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 85]. لماذا لم يقل الله سبحانه وتعالى .. أنه لن يدخلها اليهود ولا النصارى .. لأن القرآن أزلي .. ما معنى أزلي؟ .. أي أنه يعالج القضايا منذ بداية الخلق وحتى يوم القيامة .. فالقرآن كلام الله تبارك وتعالى .. فلو أنه قال لن يدخل الجنة إلا من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم لكان في هذا تجاوزٌ .. لأن هناك من آمن بموسى وقت رسالته وعاصره واتبعه وحسن دينه ومات قبل أن يدرك محمداً عليه الصلاة والسلام .. فهل هذا لا يدخل الجنة ويجازى بحسن عمله .. وهناك من النصارى من آمن بعيسى وقت حياته .. وعاصره ونفذ تعاليمه ومنهجه ثم مات قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ عليه الصلاة والسلام .. أهذا لن يدخل الجنة؟ .. لا .. يدخل وتكون منزلته حسب عمله ويجازى بأحسن الجزاء .. ولكن بعد أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وجاء الإسلام ونزل القرآن، فكل من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم لن يدخل الجنة .. بل ولن يراها .. ولذلك جاء كلام الله دقيقاً لم يظلم أحداً من خلقه. إذن فقوله تعالى: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} [البقرة: 112] .. أي لا يدخل الجنة إلا من أسلم وجهه لله وهو محسن .. فقد يسلم واحد وجهه لله ويكون منافقاً يظهر غير ما يبطن .. نقول إن المنافقين لم يكونوا محسنين ولكنهم كانوا مسيئين .. لأن لهم شخصيتين شخصية مؤمنة أمام الناس وشخصية كافرة في الحقيقة أو في قلوبهم. قوله تعالى: {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ} [البقرة: 112] تدلنا على أن كل شيء أسلم لله لأن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان .. فيه التمييز وفيه السمة وفيه التشخص وهو أعلى ما في الجسم .. وحينما عرفوا الإنسان قالوا حيوان ناطق أي حيوان مفكر .. وقال بعضهم حيوان مستوي القامة يعني قامته مرفوعة .. والقامة المرفوعة على بقية الجسم هي الوجه .. والإنسان مرفوع على بقية أجناس الأرض .. إذن هو مرفوع على بقية الأجناس ووجهه مرفوع عليه .. فإذا أسلم وجهه لله يكون قد أسلم أشرف شيء فيه لله .. ولذلك قيل .. أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد .. لماذا؟ .. لأنه جاء بالوجه الذي رفعه الله به وكرمه .. وجعله مساوياً لقدميه ليستوي أكمل شيء فيه بأدنى شيء .. فلم يبقى عنده شيء يختال به على الله. الحق سبحانه وتعالى يقول: {فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ} [البقرة: 112] .. كلمة "أجره عند ربه" .. دلت على أن الله لم يجعلنا مقهورين .. ولكنه كلفنا وجعلنا مختارين أن نفعل أو لا نفعل .. فإن فعلنا فلنا أجر .. ولأن التكليف من الله سبحانه وتعالى فالمنطقي أن يكون الأجر عند الله .. وألا يوجد خوف أو حزن .. لأن الخوف يكون من شيء سيقع .. والحزن يأتي على شيء قد وقع .. ولا هذه ولا تلك تحدث عندما يكون أجرنا عند الله. إن الإنسان حين يكون له حق عند مساويه .. فربما يخاف أن ينكر المساوي هذا الحق أو يطمع فيه، أو يحتاج إليه فَيَدَّعِي عدم أحقيته فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى غني عن العالمين .. ولذلك فهو لا يطمع فيما في أيدينا من خير لأنه من عنده .. ولا يطمع فيما معنا من مال لأن عنده خزائن السموات والأرض. الله سبحانه لا ينكر حقاً من حقوقنا لأنه يعطينا من فضله ويزيدنا .. ولذلك فإن ما عند الله لا خوف عليه بل هو يضاعَف ويزداد .. وما عند الله لا حزن عليه .. لأن الإنسان يحزن إذا فاته خير .. ولكن ما عند الله باق لا يفوتك ولا تفوته .. فلا يوجد شيء عند الله سبحانه وتعالى تحزن عليه لأنه فات .. ولذلك كان قول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] .. أدق ما يمكن أن يقال عن حالة المؤمنين في الآخرة .. إنهم يكونون فرحين بما عند الله لا خوف عندهم ولا حزن.
الأندلسي
تفسير : {بَلَىٰ} رد لقولهم لن يدخل الجنة. والمعنى: يدخلها غيركم ممن اتصف بالوصف الذي يأتي بعد والظاهر أن من مبتدأة موصولة أو شرطية وجوز أن تكون فاعلاً بمضمر، أي: يدخلها. {مَنْ أَسْلَمَ} وعبر بالوجه عن الجملة إذ هو أشرف الأعضاء، وفيه الحواس والاسلام الانقياد. {للَّهِ} تعالى. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أي بالعمل ومراقب من يعمل له. {وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} حمل على معنى من بعد تقدم الحمل على اللفظ - واليهود: ملة معروفة وهو جمع يهودي كروم ورومي يعرف الجمع بال ويهود اسم علم للقبيلة تمتنع من الصرف للعلمية والتأنيث والياء أصل، يقال: يهده وليس من مادة هوّد، يقال في هذا: هودّه. وجاز أن يكون اليهود والنصارى الذين تخاصموا بحضرة الرسول عليه السلام. وجاز أن تكون ألْ للجنس إذ كل منهم يعتقد في مقابلة ذلك ألا ترى أن اليهود أنكرت نبوة عيسى والانجيل وقالوا في عيسى عليه السلام ما قالوا وأنكرت النصارى ما عليه اليهود. وعلى شيء مبالغة في عدم الاعتداد بما هم عليه. {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} جملة حالية تزري عليهم ما هم فيه إذ هو ناطق بخلاف ما يقولونه شاهده توارثهم ببشارة عيسى ومحمد عليهما السلام وانجيلهم بنبوة موسى ومحمد عليهما السلام والكتاب هنا التوراة والانجيل. {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم مشركوا العرب قالوا: مثل قول اليهود والنصارى قالوا لكل ذي دين ليسوا على شيء. و{مِثْلَ قَوْلِهِمْ} توضيح وتأكيد لمدلول كذلك لأن معناه مثل ذلك القول قال الذين لا يعلمون. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ} أي يفصل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):