٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
113
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما جمعهم في الخبر الأول فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل فريق منهم في الآخر، وكيف ينكر كل طائفة دين الأخرى، وههنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: {لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء } أي على شيء يصح ويعتد به وهذه مبالغة عظيمة وهو كقولهم: أقل من لا شيء، ونظيره قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَىْء حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ } تفسير : [المائدة: 68]، فإن قيل: كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، وذلك قول فيه فائدة؟ قلنا: الجواب من وجهين، الأول: أنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولاً باطلاً يحبط ثواب الأول، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق. الثاني: أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيه، وهي ما يتصل بباب النبوات. المسألة الثانية: روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل، وقالت النصارى لهم: نحوه وكفروا بموسى عليه السلام والتوراة. المسألة الثالثة: اختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله تعالى أهم الذين كانوا من بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام، والظاهر الحق أنه لا دليل في الظاهر عليه وإن كان الأولى أن يحمل على كل اليهود وكل النصارى بعد بعثة عيسى عليه السلام، ولا يجب لما نقل في سبب الآية أن يهوديا خاطب النصارى بذلك فأنزل الله هذه الآية أن لا يراد بالآية سواه، إذا أمكن حمله على ظاهره وقوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء } يفيد العموم فما الوجه في حمله على التخصيص ومعلوم من طريقة اليهود والنصارى أنهم منذ كانوا فهذا قول كل فريق منهما في الآخر. أما قوله تعالى: {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } فالواو للحال، والكتاب للجنس. أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلوم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة أو الإنجيل أو غيرهما من كتب الله وآمن به أن لا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته، فإن التوراة مصدقة بعيسى عليه السلام، والإنجيل مصدق بموسى عليه السلام. أما قوله تعالى: {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } فإنه يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالماً لكي يصح هذا الفرق، فبين تعالى أنهم مع المعرفة والتلاوة إذا كانوا يختلفون هذا الاختلاف فكيف حال من لايعلم، واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن، ثم اختلفوا فيمن هم الذين لا يعلمون على وجوه. أولها: أنهم كفار العرب الذين قالوا: إن المسلمين ليسوا على شيء فبين تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنصارى وهم يقرأون الكتب لا ينبغي أن يقبل ويلتفت إليه فقول كفار العرب أولى أن لا يلتفت إليه. وثانيها: أنه إذا حملنا قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء } على الذين كانوا حاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، حملنا قوله: {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } على المعاندين وعكسه أيضاً محتمل. وثالثها: أن يحمل قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء } على علمائهم ويحمل قوله: {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } على عوامهم فصلا بين خواصهم وعوامهم، والأول أقرب: لأن كل اليهود والنصارى دخلوا في الآية فمن ميز عنهم بقوله: {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } يجب أن يكون غيرهم. أما قوله تعالى: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } ففيه أربعة أوجه. أحدها: قال الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار. وثانيها: حكم الانتصاف من الظالم المكذب للمظلوم المكذب. وثالثها: يريهم من يدخل الجنة عياناً ومن يدخل النار عياناً، وهو قول الزجاج. ورابعها: يحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : معناه ٱدّعى كل فريق منهم أن صاحبه ليس على شيء، وأنه أحق برحمة الله منه. «وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ» يعني التوراة والإنجيل، والجملة في موضع الحال. والمراد بـ {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} في قول الجمهور: كفار العرب؛ لأنهم لا كتاب لهم. وقال عطاء: المراد أممٌ كانت قبل اليهود والنصارى. الربيع بن أنس: المعنى كذلك قالت اليهود قبل النصارى. ٱبن عباس: قَدِم أهل نَجران على النبيّ صلى الله عليه وسلم فأتتهم أحبار يهود؛ فتنازعوا عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقالت كل فرقة منهم للأخرى: لستم على شيء؛ فنزلت الآية.
البيضاوي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ} أي على أمر يصح ويعتد به. نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا وتقاولوا بذلك. {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} الواو للحال، والكتاب للجنس أي: قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب. {كَذٰلِكَ} مثل ذلك {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} كعبدة الأصنام، والمعطلة. وبخهم على المكابرة والتشبه بالجهال. فإن قيل: لم وبخهم وقد صدقوا، فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء؟. قلت: لم يقصدوا ذلك، وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله، والكفر بنبيه وكتابه مع أن ما لم ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل به {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ} يفصل {بَيْنَهُمْ} بين الفريقين {يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العقاب. وقيل حكمه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء } معتدّ به وكفرت بعيسى {وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء } معتدّ به وكفرت بموسى {وَهُمْ } أي الفريقان {يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ } المنزل عليهم وفي كتاب اليهود تصديق عيسى، وفي كتاب النصارى تصديق موسى والجملة حال {كَذٰلِكَ } كما قال هؤلاء {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } أي المشركون من العرب وغيرهم {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } بيان لمعنى (ذلك) أي قالوا لكل ذي دين ليسوا على شيء {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين فيدخل المحق الجنة والمبطل النار.
ابن عطية
تفسير : اختلف من المراد بقوله {لا يعلمون}، فقال الجمهور: عنى بذلك كفار العرب، لأنهم لا كتاب لهم، وقال عطاء: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى، وقال قوم: المراد اليهود، وكأنه أعيد قولهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وأخبر تعالى بأنه {يحكم بينهم}، والمعنى بأن يثيب من كان على شيء، أي شيء حق، ويعاقب من كان على غير شيء، وقال الزجاج: المعنى يريهم عياناً من يدخل الجنة ومن يدخل النار و {يوم القيامة} سمي بقيام الناس من القبور، إذ ذلك مبد لجميع مبدأ في اليوم وفي الاستمرار بعده، وقوله {كانوا} بصيغة الماضي حسن على مراعاة الحكم، وليس هذا من وضع الماضي موضع المستقبل لأن اختلافهم ليس في ذلك اليوم، بل في الدنيا. وقوله تعالى {ومن أظلم} الآية، {من} رفع بالابتداء، و {أظلم} خبره، والمعنى لا أحد أظلم. واختلف في المشار إليه من هذا الصنف الظالم، فقال ابن عباس وغيره: المراد النصارى الذين كانوا يؤذون من يصلي ببيت المقدس ويطرحون فيه الأقذار، وقال قتادة والسدي: المراد الروم الذين أعانوا بختنصر على تخريب بيت المقدس حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكرياء عليه السلام، وقيل: المعنّي بختنصر، وقال ابن زيد: المراد كفار قريش حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام، وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد، وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لهذه الأمة، والمشهور مسجد بكسر الجيم، ومن العرب من يقول مسجد بفتحها، و {أن يذكر} في موضع نصب: إما على تقدير حذف "من" وتسلط الفعل، وإما على البدل من المساجد، وهو بدل الاشتمال الذي شأن البدل في أن يتعلق بالمبدل منه ويختص به أو تقوم به صفة، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله، ويجوز أن تكون {أن} في موضع خفض على إسقاط حرف الجر، ذكره سيبويه، ومن قال من المفسرين إن الآية بسبب بيت المقدس جعل الخراب الحقيقي الموجود، ومن قال هي بسبب المسجد الحرام جعل منع عمارته خراباً، إذ هو داع إليه، ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مر زمان بعد ذلك لا يدخل نصراني بيت المقدس إلا أوجع ضرباً، قاله قتادة والسدي، ومن جعلها في قريش قال كذلك نودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يحج مشرك، و {خائفين} نصب على الحال، وهذه الآية ليست بأمر بين منعهم من المساجد، لكنها تطرق إلى ذلك وبدأة فيها وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين. ومن جعل الآية في النصارى قال: الخزي قتل الحربي وجزية الذمي، وقيل: الفتوح الكائنة في الإسلام كعمورية وهرقلة وغير ذلك، ومن جعلها في قريش جعل الخزي غلبتهم في الفتح وقتلهم والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافراً، و {خزي} رفع بالابتداء وخبره في المجرور. و {المشرق} موضع الشروق، {والمغرب} موضع الغروب، أي هما له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات، وخصهما بالذكر وإن كانت جملة المخلوقات كذلك لأن سبب الآية اقتضى ذلك، و"أينما" شرط، و {تولوا} جزم به، والجواب في قوله {فثم}، والمعنى فأينما تولوا نحوه وإليه، لأن ولّى وإن كان غالب استعمالها أدبر فإنها تقتضي أنه يقبل إلى ناحية، تقول وليت عن كذا وإلى كذا، وقرأ الحسن "تولوا" بفتح التاء واللام، وثمَّ مبنية على الفتح، وهي في موضع نصب على الظرف، و {وجه الله} معناه الذي وجهنا إليه، كما تقول سافرت في وجه كذا أي في جهة كذا. واختلف الناس في تأويل الوجه الذي جاء مضافاً إلى الله تعالى في مواضع من القرآن، فقال الحذاق: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز كلام العرب، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلها قدراً، وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدة على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى، وضعف أبو المعالي هذا القول، ويتجه في بعض المواضع كهذه الآية أن يراد بالوجه الجهة التي فيها رضاه وعليها ثوابه، كما تقول تصدقت لوجه الله تعالى، ويتجه في هذه الآية خاصة أن يراد بالوجه الجهة التي وجهنا إليها في القبلة حسبما يأتي في أحد الأقوال، وقال أبو منصور في المقنع: يحتمل أن يراد بالوجه هنا الجاه، كما تقول فلان وجه القوم أي موضع شرفهم، فالتقدير فثم جلال الله وعظمته. واختلف المفسرون في سبب هذه الآية، فقال قتادة: أباح الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يصلي المسلمون حيث شاؤوا، فاختار النبي صلى الله عليه وسلم بيت المقدس حينئذ، ثم نسخ ذلك كله بالتحول إلى الكعبة، وقال مجاهد والضحاك: معناه إشارة إلى الكعبة، أي جيث كنتم من المشرق والمغرب فأنتم قادرون على التوجه إلى الكعبة التي هي وجه الله الذي وجهكم إليه. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا فهي ناسخة لبيت المقدس، وقال ابن زيد: كانت اليهود قد استحسنت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت القدس، وقالوا: ما اهتدى إلا بنا، فلما حول إلى الكعبة قالت اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم؟ فنزلت {ولله المشرق والمغرب} الآية، وقال ابن عمر: نزلت هذه الآية في صلاة النافلة في السفر حيث توجهت بالإنسان دابته، وقال النخعي: الآية عامة أينما تولوا في متصرفاتكم ومساعيكم {فثم وجه الله}، أي موضع رضاه وثوابه وجهة رحمته التي يوصل إليها بالطاعة، وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن اجتهد في القبلة فأخطأ، وورد في ذلك حديث رواه عامر بن ربيعة قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة وأعلموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطؤوها، فعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية"، وذكر قوم هذا الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن مع القوم في السفر، وذلك خطأ، وقال قتادة أيضا: نزلت هذه الآية في النجاشي، وذلك أنه لما مات دعا النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه، فقال قوم كيف نصلي على من لم يصلِّ إلى القبلة قط؟ فنزلت هذه الآية، أي إن النجاشي كان يقصد وجه الله وإن لم يبلغة التوجه إلى القبلة، وقال ابن جبير: نزلت الآية في الدعاء لما نزلت {أية : ادعوني استجب لكم} تفسير : [غافر: 60]، قال المسلمون: إلى أين ندعو، فنزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله}، وقال المهدوي: وقيل هذه الآية منتظمة في معنى التي قبلها، أي لا يمنعكم تخريب مسجد من أداء العبادات، فإن المسجد المخصوص للصلاة إن خرب {فثم وجه الله} موجود حيث توليتم. وقال أيضاً: وقيل نزلت الآية حين صد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت، و {واسع} معناه متسع الرحمة عليهم أين يضعها، وقيل {واسع} معناه هنا أنه يوسع على عباده في الحكم دينه يسر، {عليم} بالنيات التي هي ملاك العمل، وإن اختلفت ظواهره في قبلة وما أشبهها.
النسفي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء } أي على شيء يصح ويعتد به. والواو في {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وآمن به ألا يكفر بالباقي لأن كل واحد من الكتابين مصدق للآخر. {كَذٰلِكَ } مثل ذلك القول الذي سمعت به {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } أي الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام والمعطلة، قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء، وهذا توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي بين اليهود والنصارى بما يقسم لكل فريق منهم من العقاب اللائق به. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } موضع «من» رفع على الابتداء وهو استفهام و«أظلم» خبره والمعنى: أي أحد أظلم؟ و«أن يذكر» ثاني مفعولي «منع» لأنك تقول منعته كذا {أية : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ }تفسير : [الإسراء: 59]. {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ }تفسير : [الكهف:55] [الإسراء:94]. ويجوز أن يحذف حرف الجر مع «أن» أي من أن يذكر وأن تنصبه مفعولاً له بمعنى منعها كراهة أن يذكر وهو حكم عام لجنس مساجد الله وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم. والسبب فيه طرح النصارى في بيت المقدس الأذى، ومنعهم الناس أن يصلوا فيه، أو منع المشركين رسول الله أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. وإنما قيل مساجد الله وكان المنع على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم ورد عاماً وإن كان السبب خاصاً كقوله تعالى: {أية : وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ }تفسير : [الهمزة: 1] والمنزول فيه الأخنس بن شريق. {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا } بانقطاع الذكر والمراد بـ «من» العموم كما أريد العموم بمساجد الله. {أُوْلَـٰئِكَ } المانعون {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا } أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله {إِلاَّ خَائِفِينَ } حال من الضمير في «يدخلوها» أي على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما كان الحق إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. رُوي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً خيفة أن يقتل. وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا بولغ ضرباً. ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك»تفسير : وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ }تفسير : [الأحزاب: 53] {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } قتل وسبي للحربي وذلة بضرب الجزية للذمي {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } أي النار. {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } أي بلاد المشرق والمغرب كلها له وهو مالكها ومتوليها {فَأَيْنَمَا } شرط {تَوَلُّوْاْ } مجزوم به أي ففي أي مكان فعلتم التولية يعني تولية وجوهكم شطر القبلة بدليل قوله تعالى: {أية : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }تفسير : [البقرة: 144]، والجواب {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } أي جهته التي أمر بها ورضيها. والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جــعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان. {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } أي هو واسع الرحمة يريد التوسعة على عباده وهو عليم بمصالحهم. وعن ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت في صلاة المسافر على الراحلة أينما توجهت. وقيل: عميت القبلة على قوم فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم فعذروا. هو حجة على الشافعي رحمه الله فيما إذا استدبر. وقيل: فأينما تولوا للدعاء والذكر. {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } يريد الذين قالوا المسيح ابن الله وعزيز ابن الله. «قالوا»: شامي فإثبات الواو باعتبار أنه قصة معطوفة على ما قبلها، وحذفه باعتبار أنه استئناف قصة أخرى. {سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه له عن ذلك وتبعيد {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي هو خالقه ومالكه ومن جملته المسيح وعزيز والولادة تنافي الملك. {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } منقادون لا يمتنع شيء منهم على تكوينه وتقديره. والتنوين في «كل» عوض عن المضاف إليه أي كل ما في السموات والأرض، أو كل من جعلوه لله ولداً له قانتون مطيعون عابدون مقرون بالربوبية منكرون لما أضافوا إليهم. وجاء بـ «ما» الذي لغير أولي العلم مع قوله «قانتون» كقوله «حديث : سبحان ما سخركن لنا» تفسير : {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي مخترعهما ومبدعهما لا على مثال سبق. وكل من فعل ما لم يسبق إليه يقال له أبدعت ولهذا قيل لمن خالف السنة والجماعة مبتدع لأنه يأتي في دين الإسلام ما لم يسبقه إليه الصحابة والتابعون رضي الله عنهم. {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا } أي حكم أو قدر {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } هو من «كان» التامة أي أحدث فيحدث وهذا مجاز عن سرعة التكوين وتمثيل ولا قول ثُمَّ. وإنما المعنى أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون، ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه إباء. وأكد بهذا استبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت صفاته مباينة لصفات الأجسام فأنى يتصور التوالد ثمّ. والوجه الرفع في «فيكون» وهو قراءة العامة على الاستئناف أي فهو يكون، أو على العطف على «يقول». ونصبه ابن عامر على لفظ «كن» لأنه أمر وجواب الأمر بالفاء نصب. وقلنا: إن «كن» ليس بأمر حقيقة إذ لا فرق بين أن يقال وإذ قضى أمرا فإنما يكونه فيكون وبين أن يقال فإنما يقول له كن فيكون، وإذا كان كذلك فلا معنى للنصب. وهذا لأنه لو كان أمراً فإما أن يخاطب به الموجود والموجود لا يخاطب بـ «كن» أو المعدوم والمعدوم لا يخاطب. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } من المشركين أو من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به {لَوْلاَ يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ } هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلم موسى استكباراً منهم وعتواً {أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ} جحوداً لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات واستهانه بها {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ } أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها {إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقّ بَشِيرًا } للمؤمنين بالثواب {وَنَذِيرًا } للكافرين بالعقاب {وَلاَ تُسْـئَلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ } ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت وبلغت جهدك في دعوتهم وهو حال كـ «نذيراً» وبشيراً و«بالحق» أي وغير مسؤول أو مستأنف. قراءة نافع و«لا تسأل» على النهي ومعناه ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول: كيف فلان سائلاً عن الواقع في بلية فيقال لك: لا تسأل عنه. وقيل: نهى الله نبيه عن السؤال عن أحوال الكفرة حين قال ليت شعري ما فعل أبواي. {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } كأنهم قالوا لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا حتى تتبع ملتنا إقناطاً منهم لرسول الله عن دخولهم في الإسلام، فذكر الله عز وجل كلامهم. {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ } الذي رضي لعباده {هُوَ ٱلْهُدَىٰ } أي الإسلام. وهو الهدى كله ليس وراءه هدى والذي تدعون إلى اتباعه ما هو هدى إنما هو هوى. ألا ترى إلى قوله {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم } أي أقوالهم التي هي أهواء وبدع {بَعْدَ ٱلَّذِي جَاءكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ } أي من العلم بأن دين الله هو الإسلام أو من الدين المعلوم صحته بالبراهين الواضحة والحجج اللائحة {مَـٰلِكَ مِنَ ٱللَّهِ } من عذاب الله {مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } ناصر.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ...} قال ابن عرفة: حكاية هذه المقالة إما على سبيل الإبطال لها أو على سبيل التقرير لها والموافقة عليها (والأول باطل لئلا يلزم أن يكون كل فريق منهم على شيء، والثاني باطل لئلا يلزم عليه أنّها) لو حكيت على سبيل أنها حق لم يصح ترتب الذم عليها مع أن مساق الآية يقتضي ذمهم على ذلك. قال: وأجيب عنه: بأن اليهودية والنصرانية لهما اعتباران فهما من حيث أصلهما الذي نشآ عنه وهو موسى وعيسى حق ومن (حيث) دعوى المنتمين إليهما (والمتدينين بهما) باطل، فقول اليهود: "ليست النَصارَى عَلى شَيء" إبطال لأصل ملّة النصرانية وليس هو إبطال لدعوى المنتمين إليها، فحكيت هذه المقالة على معنى الإبطال لها أو ذمّ قائلها أي قولهم ذلك وإبطالهم له باطل، بل هم على شيء باعتبار أصل الملة لا باعتبار الدعوى وهذا حق وهو على حذف الصفة أي ليسوا على شيء ديني. قال الزمخشري: هذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء. قال ابن عرفة: الزّمخشري ضعيف في أصول الدّين، وقد تقدم الإجماع على أن المحال (ليس بشيء) باعتبار المعنى، واختلفوا في الإطلاق اللّفظي والتسمية هل يطلق عليه لفظ شيء أم لا؟ فمنعه أهل السنة وأجازه المعتزلة وهما مسألتان: فهذه لا ينبني عليها إيمان ولا كفر، والأخرى توهّم أن للمعدوم تقررا في الأزل ويلزمهم بها الكفر. قيل لابن عرفة /: لم قال: {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} ولم يقل: وهم يعلمون الكتاب؟ فقال: التلاوة هنا تستلزم العلم. قال ابن عرفة: فإن قلت: لم قال {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ} تفسير : فجمع المقالتين (معا) هناك وفرقهما هنا ولم يقل: وقالوا ليست النصارى واليهود على شيء؟ (قال): عادتهم يجيبون بأن المقالتين هناك محصورتان لا ثالث لهما فيعلم بالضرورة أن النصارى قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا، واليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا اليهود، وأما هنا فلو قيل: وقالوا: ليست اليهود والنصارى على شيء لأوهم أن المسلمين هم الذين قالوا ذلك (والكتاب) جنس (يشمل) التوراة والإنجيل. قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}. تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بذلك وغيرهم.
ابن عادل
تفسير : اليهودُ ملَّة معروفة، والياء فيه أصلية لثبوتها في التَّصريف، وليست من مادّة "هود" من قوله تعالى: {أية : هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ}تفسير : [البقرة:111] وقد تقدم أن الفراء رحمه الله يدعي أن "هُوداً" أصله: يَهُود، فحذفت ياؤه، وتقدم أيضاً عند قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هَادُواْ}تفسير : [البقرة:62] أن اليهود نسبة لـ"يهوذا بن يَعْقُوب". وقال الشَّلَوْبِينُ: يهود فيها وجهان: أحدهما: أن تكون جمع يَهُودِيّ، فتكون نكرة مصروفةً. والثاني: أن تكون عَلَماً لهذه القبيلة، فتكون ممنوعةً من الصرف. انتهى، وعلى الأول دخلت الألف واللام، وعلى الثاني قوله: [الطويل] شعر : 742ـ أُولَئِكَ أَوْلَى مِنْ يَهُودَ بِمِدْحَةٍ إِذَا أَنْتَ يَوْماً قُلْتَهَا لَمْ تُؤَنَّبِ تفسير : وقال آخر: [الكامل] شعر : 743ـ فَرّتْ يَهُودُ وَأَسْلَمَتْ جِيرَانُهَا ......................... تفسير : ولو قيل بأن "يهود" منقول من الفعل المُضَارع نحو: يزيد ويشكر لكان قَوْلاً حسناً. ويؤيده قولهم: سمّوا يهوداً لاشتقاقهم من هَادَ يَهُودُ إذا تحرك. قوله تعالى: "لَيْسَت النَّصَارَى" "ليس" فعل ناقص أبداً من أخوات "كان" ولا يتصرف، ووزنه على "فَعِل" بكسر العين، كان من حق فائه أن تكسر إذا أسند إلى تاء المتكلم ونحوها على الياء مثل: شئت، إلا أنه لما لم ينصرف بقيت "الفاء" على حالها. وقال بعضهم: "ليست" بضم الفاء، ووزنه على هذه اللغة: فَعُل بضم العين، ومجيء فَعُل بضمّ العين فيما عينه ياء نادر، لم يجىء منه إلاَّ "هيؤ الرجل"، إذا حسنت هيئته. وكون "ليس" فعلاً هو الصحيح خلافاً للفارسي في أحد قوليه، ومن تابعه في جعلها حرفاً كـ "ما" كما قيل ويدلّ على فعليتها اتصال ضمائر الرَّفْع البارزة بها، ولها أحكام كثيرة، و "النَّصَارى" اسمها، و "عَلَى شَيْءٍ" خبرها، وهذا يحتمل أن يكون مما حذفت فيه الصفة، أي على شيء معتدّ به كقوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ}تفسير : [هود:46] أي: أهلك الناجين، وقوله: [الطويل] شعر : 744ـ........................ ............... لَقَدْ وَقَعْتِ عَلَى لَحْمِ تفسير : أي: لحم عظيم، وأن يكون نفياً على سبيل المُبَالغة، فإذا نفى إطلاق الشيء على ما هم عليه، مع أن الشيء يُطْلق على المعدوم عند بعضهم كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد به، وصار كقوله: "أقل من لا شيء". فصل في سبب نزول هذه الآية روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم أحبار اليهود، فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم، فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين، وكفروا بعيسى عليه السلام والإنجيل. وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى عليه السَّلام والتوراة، فأنزل الله هذه الآية. واختلفوا فيمن هم الذين عناهم الله ـ تعالى ـ أَهُمُ الذين كانوا زمن بعثة عيسى عليه السلام أو في زمن محمد عليه السلام؟ [فإن قيل: كيف قالوا ذلك مع أن الفريقين كانوا يثبتون الصَّانع وصفاته سبحانه، وذلك قول فيه فائدة؟ والجواب عندهم من وجهين: الأول: أنهم لما ضمّوا إلى ذلك القول الحسن قَوْلاً باطلاً يحبط ثواب الأول، فكأنهم لم يأتوا بذلك الحق. الثَّاني: أن يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها، وهي ما يتّصل بإثبات الثَّوَاب]. قوله تعالى: "وَهُمْ يَتْلُونَ" جملة حالية، وأصل يتلون: يَتْلُوُونَ فأعلّ بحذف "اللاَّم"، وهو ظاهر. و"الكِتَابَ" اسم جنس، أي قالوا ذلك حال كونهم من أهل العلوم والتلاوة من كتب، وحَقُّ من حمل التوراة، أو الإنجيل، أو غيرهما من كتب الله، وآمن به ألاَّ يكفر بالباقي؛ لأن كل واحد من الكتابين مصدق للثاني شاهد لصحته. قوله: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} في هذه الكاف قولان: أحدهما: أنها في محلّ نصب، وفيها حينئذ تقديران: أحدهما: أنها نعت لمصدر محذوف قدم على عامله، تقديره: قولاً مثل ذلك القول [الذي قال أي قال القول] الذين لا يعلمون. [الثاني: أنها في محلّ نصب على الحال من المصدر المعرفة المضمر الدال عليه. قال: تقديره: مثل ذلك القول قاله أي: قال القول الذين لا يعلمون] حال كونه مثل ذلك القول، وهذا رأي سيبويه رحمه الله، والأول رأي النُّحَاة، كما تقدم غير مرة، وعلى هذين القولين ففي نصب "مِثْلَ قَوْلِهِمْ" وجهان: أحدهما: أنه منصوب على البدل من موضع الكاف. الثاني من الوجهين: أنه مفعول به العامل فيه "يَعْلَمُونَ"، أي: الذين لا يعلمون مثل مَقَالة اليهود، والنَّصَارى قالوا مثل مقالتهم، أي: أنهم قالوا ذلك على سبيل الاتِّفاق، وإن كانوا جاهلين بمقالة اليَهُود والنصارى. الثاني من القولين: أنها في محلّ رفع بالابتداء، والجملة بعدها خبر، والعائد محذوف تقديره: [مثل ذلك قاله الذين لا يعلمون. وانتصاب "مِثْلَ قَوْلِهِمْ" حينئذ إما على أنه نعت لمصدر محذوف، أو مفعول بـ "يعلمون" تقديره] مثل قول اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون اعتقاد اليهود والنصارى، ولا يجوز أن ينتصب نصب المفعول يقال لأنه أخذ مفعوله، وهو العائد على المبتدأ، ذكر ذلك أبو البقاء، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أن الجمهور يأبى جعل الكاف اسماً. والثاني: حذف العائد المنصوب، [والنحاة] ينصُّون على منعه، ويجعلون قوله: [السريع] شعر : 745ـ وَخَالِدٌ يَحْمَدُ سَادَاتُنا بِالْحَقِّ لاَ يُحْمَدُ بَالْبَاطِلِ تفسير : ضرورة. [وللكوفيين في هذا تفصيلٌ]. فصل في المراد بالذين لا يعلمون قوله تعالى: {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} يقتضي أن من تقدم ذكره يجب أن يكون عالماً لكي يصح هذا الفرق. واختلفوا في {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فقال مقاتل رحمه الله: إنهم مشركو العرب قالوا في نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه: إنهم ليسوا على شيء من الدين، فبيّن تعالى أنه إذا كان قول اليهود والنَّصَارى، وهم يقرؤون الكتاب لا يلتفت إليه فقول كفار العرب أولى ألاَّ يلتفت إليه. وقال مجاهد: عوام النصارى فَصْلاً بين خواصهم وعوامهم. وقال عطاء: أسماء كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح، وقوم هود وصالح، ولوط وشعيب، قالوا لنبيهم: إنه ليس على شيء. وقيل: إن حملنا قوله: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ} على الحاضرين في زمن صلى الله عليه وسلم حملنا قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} على المُعَاندين المتقدمين ويحتمل العكس. قوله: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: قال الحسن: يكذبهم جميعاً، ويدخلهم النار. وثانيها: ينصف المظلوم المكذَّب من الظالم المكذِّب. وثالثها: يريهم من يدخل الجنة عياناً، ومن يدخل النار عياناً، وهو قول "الزجاج". قوله: {بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} منصوبان بـ"يحكم"، و "فيه" متعلق بـ "يَخْتَلِفُونَ".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال "لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار اليهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى والإِنجيل. فقال رجل من أهل نجران لليهود: ما أنتم على شيء وجحد نبوّة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب} أي كل يتلو في كتابه تصديق من كفر به". وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء...} الآية. قال: هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} قال: بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا. واخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من هؤلاء الذين لا يعلمون؟ قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {كذلك قال الذين لا يعلمون} قال: هم العرب قالوا: ليس محمد صلى الله عليه وسلم على شيء.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ} بـيانٌ لتضليل كلِّ فريقٍ صاحَبه بخصوصه إثرَ بـيانِ تضليله كلَّ من عداه على وجه العموم نزلت لما قدِم وفدُ نجرانَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاهم أحبارُ اليهود فتناظروا فارتفعت أصواتُهم فقالوا لهم: لستم على شيء أي أمرٍ يُعتدُّ به من الدين أو على شيء ما منه أصلاً، مبالغةً في ذلك كما قالوا: أقلُّ من لا شيء وكفروا بعيسى والإنجيل {وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء} على الوجه المذكورِ وكفروا بموسى والتوراةِ لا أنهم قالوا ذلك بناءً للإمر على منسوخية التوراة {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} والواوُ للحال واللامُ للجنس أي قالوا ما قالوا والحال أن كلَّ فريقٍ منهم من أهل العلم والكتاب أي كان حقُّ كلٍّ منهم أن يعترِفَ بحقيقة دينِ صاحبه حسبما ينطِقُ به كتابُه فإن كتبَ الله تعالى متصادقة {كَذٰلِكَ} أي مثلَ ذلك الذي سمعت به، والكافُ في محل النصب إما على أنها نعتٌ لمصدر محذوف قُدّم على عامله لإفادة القصر أي قولاً مثلَ ذلك القول بعينه لا قولاً مغايراً له {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} من عبَدَة الأصنام والمعطِّلة ونحوِهم من الجهَلة أي قالوا لأهل كل دين ليسوا على شيء وإما على أنها حال كونه مثلَ ذلك القولِ الذي سمعْتَ به {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} إما بدلٌ من محل الكاف وإما مفعولٌ للفعل المنفيِّ قبله أي مثلَ ذلك القول قال الجاهلون بمثل مقالةِ اليهودِ والنصارى، وهذا توبـيخٌ عظيم لهم حيث نظَموا أنفسهم - مع علمهم - في سلك مَنْ لا يعلم أصلاً {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} أي بـين اليهود والنصارى، فإن مساقَ النظمِ لبـيان حالِهم، وإنما التعرُّضُ لمقالة غيرِهم لإظهار كمالِ بطلانِ مقالهم ولأن المُحاجَّةَ المُحوِجَةَ إلى الحكم إنما وقعت بـينهم {يَوْمُ ٱلْقِيَـٰمَةِ} متعلقٌ بـيحكم وكذا ما قبله وما بعده، ولا ضيرَ فيه لاختلاف المعنى {فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} بما يقسِمُ لكل فريقٍ ما يليق به من العقاب، وقيل: حكمُه بـينهم أن يكذِّبَهم ويُدخِلَهم النارَ، والظرفُ الأخير متعلقٌ بـيختلفون، قُدِّم عليه للمحافظة على رؤوس الآي لا بكانوا.
القشيري
تفسير : الإشارة في هذه الآية على العكس من حكم الظاهر؛ فالأعداء يتبرأ بعضهم من بعض اليوم، والأولياء من وجه كذلك، ولذا قالوا: لا زالت الصوفية بخبرٍ ما تنافروا، ولا يَقْبَلُ بعضهم بعضاً لأنه لو قَبِل بعضُهم بعضاً بقي بعضُهم مع بعض. لكنّ الأعداء كلهم على الباطل: عند تَبَرِّي بعضهم من بعض أمَّا الأولياء فكُلُّهم على الحق - وهذه ما ذكرنا من حكم العكس.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقالت اليهود} بيان لتضليل كل فريق من اليهود والنصارى صاحبه بخصوصه اثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم {ليست النصارى على شئ} اى على امر يصح ويعتد به {وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم} اى قالوا ما قالوا والحال ان كل فريق منهم {يتلون الكتاب} اللام للجنس اى انهم من اهل العلم والكتاب والتلاوة للكتب وحق من تلا كتابا من كتب الله تعالى وآمن به ان لا يكفر بالباقى لان كل واحد من كتب الله يصدق ما عداه {كذلك} اى مثل ذلك القول الذى سمعت به من هؤلاء العلماء الضالة على ان الكاف فى موضع النصب على انه مفعول قال {قال الذين لا يعلمون} من عبدة الاصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلة اى قالوا لاهل كل دين ليسوا على شئ {مثل قولهم} بدل من محل الكاف وفيه توبيخ عظيم حيث نظموا انفسهم مع علمهم فى سلك من لا يعلم اصلا {فالله يحكم بينهم} بين الفريقين {يوم القيمة فيما كانوا فيه} متعلق بيختلفون قدم للمحافظة على رؤس الآى {يختلفون} من امر الدين. فان قلت بم يحكم. قلت بما يقسم لكل فريق مما يليق به من العقاب وفعل الحكم يتعدى بجارين الباء وفى كما يقال حكم الحاكم فى هذه القضية بكذا وفى الآية قد ذكر المحكوم فيه دون المحكوم به. واعلم ان كل حزب بما لديهم فرحون وليس ذلك فى الفرق الضالة خاصة بل ذلك يجرى بين صوفى وصوفى وشيخ وشيخ وعالم وعالم فتخطئة كل فريق صاحبه مستمرة والاولى ان يتبع الهدى. قال بعض المشايخ من ادعى انه صاحب قلب وارشاد بدون تزكية النفس ومعرفة المبدأ والمعاد لاجل الدنيا الدنيئة كان عذابه اضعاف عذاب النساء اللاتى رآهن النبى عليه السلام ليلة المعراج يقطعن صدورهن بمقاريض فسال جبريل فقال انهن الزوانى من النساء اللاتى جئن بأولاد من الزنى فالدعوى باطلة بدون الدليل وصاحبها ضال مضل والمدعى كالزانية والتابع له على هواه كولد الزنى فان ولد الزنى هالك حكما لعدم المربى والاتباع لمبتدع لا ينتج الا البدعة والالحاد ـ وحكى ـ عن الشيخ صدر الدين التبريزى انه قال كان رجل مشهور فى تبريز يقال له عارف قدم يوما الى مجلس بعض العارفين فقال له ما اسمك قال محمود لكن يقال لى عارف قال له هل عرفت ذاتك حتى قيل لك عارف فقال قرأت كتبا كثيرة من مقالات المشايخ والصوفية قال له ذلك كلامهم فمالك شعر : بيرخويش بايد كرد برواز ببال ديكران نتوان بريدن تفسير : فمجرد النسخة لا يفيد بدون العمل بما فيها والتحقق بحقائقها وهذا كما ان تاجرا اذا وصل له كتاب من عبده المأذون فى التجارة انى اشتريت كذا وكذا واخبر سيده بما وقع تفصيلا فبمجرد هذا الكتاب لا يقدر السيد ان يتجر بدون ان يصل اليه ما اشتراه العبد من السلعة فلو ادخل جماعة من المشترين فى داره ليبيع متاعه لا يجد الا خجالة لان المحل الذى يعرض السلعة فيه على المشترين لا يفيده مجرد النسخة وقراءتها: قال فى المنثوى شعر : مرغ بر بالا بران وسايه اش مى دود بر خاك بران مرغ وش ابهلى صياد آن سايه شود مى دود جندانكه بى مايه شود بى خبر كان عكس آن مرغ هواست بى خبركه اصل آن سايه كجاست تير اندازد بسوى سايه او تركشش خالى شود ازجست وجو تركش عمرش تهى سايه او از دويدن درشكار سايه تفت سايه يزدان جوباشد دايه اش وارهاند ازخيال وسايه اش
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحقّ جلّ جلاله: إخباراً عن مقالات اليهود والنصارى وتقبيحاً لصنيعهم: {وقالت اليهود} في الرد على النصارى: {ليست النصارى على شيء} يعتد به، {وقالت النصارى} في سَبِّ اليهود، {ليست اليهود على شيء} يعتمد عليه، والحالة أنهم {يتلون الكتاب}، فاليهود يتلون التوراة وفيها البشارة بعيسى عليه السلام، والنصارى يتلون الإنجيل، وفيه تقرير شريعة التوراة وصحة نبوة موسى عليه السلام، فقد كفرت كلُّ فرقة بكتابها غضباً وتعصباً، ومثل مقالتهم هذه {قال الذين لا يعلمون} وهم المشركون، فقالوا: ليس المسلمون على شيء، {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} فيُدْخل أهلَ الحِقّ الجنةَ وأهلَ الباطل النار، وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما قصه الحق تعالى علينا من مساوئ غيرنا فالمقصود به التنفير والتحذير من مثل ما راتكبوه، والتخلق بضد ما فعلوه، فكل من تراه ينقص الناس ويصّرُهم فهو أصغرهم، وكل من تراه يقول: أصحاب سيدي فلان ليسوا على شيء، وأصحاب سيدي فلان ليس عندهم شيء، فليس هو على شيء، وقد ابتلي بعض المتصوفة بهذا الوصف الذميم، ينصب الميزان على الناس، فيسقط ثوماً ويرفع آخرين، وهو يتلو كتاب الله، ويسمع قوله تعالى:{أية : وَلاَ تَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً...}تفسير : [الحُجرَات: 12] الآية. وأكثر ما تجد هذا الوصف في بعض الفقهاء المتجمدين على ظاهر الشريعة، يعتقد ألا علم فوق علمه، ولا فهم فوق فهمه، كيف؟ والله تعالى يقول:{أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسرَاء: 85]،{أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يُوسُفِ: 76]، وقد قال إمام الحرمين: (لإِنْ أُدْخلَ ألْفَ كَافرٍ في الإسْلامِ بِشُبْهَةٍ خَيْرٌ مِنْ إِخراجِ واحدٍ منْه بشُبْهة). فالواجب على مَن أراد السلامة أن يُحسن الظن بجميع المسلمين، ويعتقد فيهم أنهم كلهم صالحون، ففي الحديث:"حديث : خَصْلَتَان لَيْسَ فوقَهُما شَيءٌ منَ الخير: حُسْنُ الظن بالله، وحُسْنُ الظن بِعباد الله، وخَصْلَتَان لَيْسَ فوقَهما شيءٌ مِن الشرِّ: سُوءُ الظنّ بِالله، وسُوءُ الظنِّ بِعِبادِ اللّه"تفسير : . وبالله التوفيق. ثم وبّخ الحق - تعالى - النصارى على منع الناس من بيت المقدس وإيذاء مَن يصلي فيه، وطرح الأقذاء فيه، مع زعمهم أنهم على الحق دون غيرهم، قاله ابن عباس، أو كفار قريش حيث منعوا المسلمين من الصلاة فيه، وصدوا رسول الله عن الوصول إليه، قاله ابن زيد، والتحقيق: أن الحق تعالى وبخ الجميع.
الطوسي
تفسير : النزول: اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية فقال ابن عباس: انه لما قدم اهل نجران من النصارى على رسول الله "صلى الله عليه وسلم" اتتهم احبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال رافع بن خويلد: ما انتم على شيء، وكفر بعيسى وبالانجيل، فقال رجل من من اهل نجران من النصارى: ما أنتم على شيء وجحد بنبوة موسى، وكفر بالتوراة فأنزل الله في ذلك الآية إلى قوله: {فيما كانوا فيه يختلفون}. وقال الربيع: هؤلاء اهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). المعنى: ومعنى الآية احد شيئين: احدهما ـ حل الشبهة بانه ليس في تلاوة الكتاب معتبر في الانكار، لما لم يؤت على انكاره، ببرهان فلا ينبغي ان تدخل الشبهة بانكار اهل الكتاب لملة اهل الاسلام اذ كل فريق من اهل الكتاب قد انكر ما عليه الآخر، ثم بين أن سبيلهم كسبيل من لا يعلم الكتب في الانكار لدين الاسلام من مشركي العرب، وغيرهم ممن الكتاب له فيهم، وجحدهم لذلك سواء اذ لا حجة معهم يلزم بها تصديقهم، لا من جهة سمع ولا عقل. والوجه الآخر ـ الذم لمن انكر ذلك من اهل الكتاب على جهة العناد، اذ قد ساوى المعاند منهم للحق الجاهل به في الدفع له، فلم ينفعه علمه، بل حصل على مضرة الجهل كما حصل عليه من لا علم له به. فان قيل: اذا كانت اليهود انما قالت: ليست النصارى على شيء في تدينها في التوراة فكيف قال: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} وأهل الحق ايضاً يقولون مثل قولهم؟ قيل: إن المعنى {كذلك قال الذين لا يعلمون الكتاب}. اي فقد ساووا في ذلك من لا كتاب له. وكما لا حجة في جحد هؤلاء كذلك لا حجة في جحدهم، ولم يساووا أهل الحق فيه، لانهم قالوه عن علم. والمعني بقوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} ـ في قول السدي ـ هم العرب الذين قالوا: ليس محمد (صلى الله عليه وسلم) على شيء. وقال الربيع: قالت النصارى: مثل قول اليهود قبلهم، ووجه هذا القول، اي فقد ساووكم يا معشر اليهود في الانكار {وهم لا يعلمون}. وقال عطاء: هؤلاء الذين لا يعلمون امم كانت قبل اليهود والنصارى، وقبل التوراة والانجيل. اللغة و "القيامة " مصدر إلا انه صار كالعلم على وقت بعينه، وهو الوقت الذي بعث الله عز وجل فيه الخلق، فيقومون من قبورهم إلى محشرهم. تقول: قام يقوم قياماً وقيامة: مثل عاد يعود عياداً وعيادة، وصانه صيانة، وعاده عيادة. المعنى: وقوله: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} يحتمل امرين: احدهما ـ قال الحسن حكمه فيهم ان يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار. وقال ابو علي: حكمه الانصاف من الظالم المكذب بغير حجة ولا برهان للمظلوم المكذب. وقال الزجاج: حكمه ان يريهم من يدخل الجنة عيانا. وهذا هو حكم الفصل في الآخرة فاما حكم العقل في الدنيا فالحجة التي دل الله بها على الحق من الباطل في الديانة.
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ} عطفٌ على قالوا، او على ما عطف هو عليه وهو اظهارٌ لدعوى باطلةٍ أخرى لهم من غير حجّةٍ تفضيحاً لهم بغرورهم وحمقهم وانّ ما قالوا فى انكار رسالة رسول الله (ص) من هذا القبيل ولا يقولون قولاً عن حجّة {لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ} من الدّين {وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} يعنى قالوا ذلك والحال أنّهم علماء تابعون للشّرائع او علماء قارؤن الكتب الالهيّة والعالم لا يبرز دعوى بلا حجّة وفى الكتب الالهيّة تأديبات وتعليمات لكيفيّة اظهار الدّعوى فالعاقل العالم القارئ للكتاب التّابع للشّرائع لا يظهر دعوى بلا حجّة وليس المقصود تكذيبهم فى اصل ٱدعائهم بل كلا الفريقين مصدّقان فى اصل الدّعوى بعد نسخ أديانهما بدين محمّدٍ (ص)، او المقصود تكذيبهم فى اصل الدّعوى وتثريبهم فى طريق اظهاره فانّ كّلا بانكار كون صاحبه على دين حقّ ينكر كون نبىّ صاحبه ودينه وشريعته وكتابه على الحقّ وهذا دعوى باطلة فى نفسها باطلة من حيث عدم الاتيان بالبرهان عليها، ولمّا كان عامّة النّاس بل عامّة الحيوان ديدنهم ان ينكروا ما وراء معتادهم وما وراء ما رأوه من آبائهم، ويحسبوا انّ الحقّ هو ما اعتادوه من غير حجّةٍ عليه سوى قولهم انّا وجدنا آباءنا على امّةٍ قال تعالى: {كَذَلِكَ} اى مثل قولهم {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} اى لا يكون لهم علم {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} فهو تأكيد لقوله تعالى {كذلك} والمقصود تفضيح آخر لهم بان تشبّهوا بالجهّال يعنى انّ اتّباعهم للشّرائع وقراءتهم للكتب لم يكن يورثهم علماً بل كان ذلك ايضاً محض التّقليد والاعتياد والاّ فما قالوا شيئاً يشبه قول الجهّال وكأنّ الامّة المرحومة أخذوا هذه الشّيمة من اليهود والنّصارى فأخذ كلٌّ فى انكار صاحبه من غير سلطانٍ كبر مقتاً عند الله ان يقولوا ما لا يعلمون لكن بما كان كلّ حزب بما لديهم فرحين لا يتركون انكار ما لا يعلمون {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} بين الجماعتين او بين المختلفين من اليهود والنّصارى والّذين يحذو حذوهم فى هذا القول {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} من غير حجّة وعلم. وذكر فى نزول الآية انّها نزلت فى طائفتين من اليهود والنّصارى جاؤا الى رسول الله (ص) وعرضوا عليه هذين القولين وقالوا يا محمّد اقض بيننا.
اطفيش
تفسير : {وقالتْ اليَهُودُ لَيْسَتْ النّصَارَى على شئٍ}: أى على شئ معتد به، أو على شئ مصيب، أو صالح، أو على شئ يقبله الله، أو على شئ من الحق أو نحو ذلك، فحذف النعت وبقى المنعوت لأنهم على كل شئ، ولا بد لكن بشئ فاسد. وكذا فى قوله: {وَقَالَت النَّصارَى ليْسَت اليهُودُ عَلى شئ}: وفائدة حذف النعت المبالغة فى اللفظ، لكون ظاهر اللفظ أن كل فريق نفى أن يكون الآخر على شئ أصلا معتد به أو غير معتد، وكان حالهم التى عليها معدومة، كفرت اليهود بعيسى عليهِ السلام والإنجيل، وقالوا، وهم أحبار يهود خيبر، للنصارى وهم وفد نجران: لستم على دين الله، وكفرت نصارى نجران بموسى عليه السلام وبالتوراة وقالوا لليهود: لستم على دين الله تعالى، وتناظروا حتى ارتفعت الأصوات عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: {وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست اليهود على شئ}. {وَهُمْ يَتْلُون الكِتَابَ}: الجملة حال من اليهود والنصارى، أى قالت اليهود ما قالت، وقالت النصارى ما قالت، والحال أن الفريقين يقرءون الكتاب المنزل فى صدق موسى وعيسى والتوراة والإنجيل ومحمد والقرآن، وذلك على التوزيع فإن التوراة فيها تصديق عيسى والإنجيل ومحمد والقرآن، وأن الإنجيل فيه تصديق التوراة وموسى والقرآن ومحمد، وفى الكتاب ما يعلمون به أنهم كلهم على الباطل، وأن المحق محمد وأتباعه لأنهم صدقوا التوراة والإنجيل وموسى وعيسى والقرآن، فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل، فأل فيه للجنس الصادق بكتابين، والضمير فى: {وهم يتلون الكتاب} لليهود والنصارى، فاليهود تتلوا التوراة وفيها تصديق عيسى والإنجيل، والنصارى تتلوا الإنجيل وفيه تصديق التوراة وموسى، فتكذيب كل فريق بنبىّ الآخر وكتابه ومخالفة لكتاب نفسه ونبيه، فعنفهم الله عز وجل على الكذب والمخالفة، فإن التوراة حق يجب على النصارى العمل بما لم ينسخ منها. والإنجيل حق يجب على اليهود العمل بما نسخ منه بعض التوراة، وترك العمل بالمنسوخ منها، ويجب عليهم جميعاً وعلى جميع بنى آدم والجن العمل بما فى القرآن، وترك العمل بما نسخه القرآن من التوراة والإنجيل. وقيل المراد بالكتاب هو التوراة لأن النصارى تقرؤها وتمتثل بعضها، وتخطئة اليهود للنصارى والنصارى لليهود قديم من زمان عيسى عليه السلام إلى الأن، وما بعد. ولكن نزلت الآية عقب مناظرتهم عند رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. {كذلِكَ قَال الَّذينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهمْ}: كذلك متعلق يقال بعده، أو بمحذوف نعت لمصدر محذوف ناصبه، قال بعده أى قولا ثابتاً كذلك القول. أو الكاف اسم مضاف نعت مصدر محذوف، أى مثل ذلك القول. أو اسم مضاف مفعول به لقال، والإشارة على الأوجه الأولى إلى القول بالمعنى المصدرى، وعلى الوجه الآخر إلى القول بمعنى المقول أو إلى المتقول، ومثل قولهم مفعول به على الأوجه الأولى، ومفعول مطلق على الوجه الآخر، أو بدل من الكاف أو بيان، والذين لا يعلمون مشركو العرب وعابدو الأصنام، وجاحدوا الله عز وجل وغيرهم، لأنهم لا يتلون الكتاب فهم لا يعلمون، والهاء فى قولهم لليهود والنصارى، أى قال غير اليهود والنصارى مثل قولهم: إنا نحن الصيبون دون غيرنا، فكل أهل دين يضللون من خالفهم، فدخل العرب فى ذلك فإنهم قالوا: ليس دين محمد شيئا، وضللوا أيضاً أهل الكتاب، وأما محمد وأتباعه فهم يعلمون ويعملون بمقتضى علمهم، فهم أهل الصواب، ويقولون بإصابة كل من كان على الملة الحنيفية، وكذا المسلمون فى كل أمة يقولون بإصافة من كان عليها، وقيل المراد فى الآية مشركو العرب، وقيل أمم كانت قبل اليهود والنصارى كقوم هود ولوط ونوح وصالح وشعيب، قالوا فى أنبيائهم ومن تبعهم أنهم ليسوا على شئ. {فالله يحكم بينهم}: أى بين اليهود والنصارى والذين لا يعلمون، ومن قال له الذين لا يعلمون مثل قول اليهود والنصارى، لأن من قال له الذين لا يعلمون، ولو لم يجر لهم ذكر، لكنهم معلومون من قوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} ويحتمل عود الضمير لليهود والنصارى، أى يقضى بينهم بإدخال المحق الجنة والمبطل النار، ووجه تخصيصهما زيادة التوبيخ إذ نظمنا أنفسهما فى سلك من لا كتاب له يتلوه فقالا قوله وفعلا فعله. {يومَ القيامة فيما كانوا فيه يَخْتلفون}: من أمر الدين، فالمحق من اتبع من اليهود والنصارى ما لم ينسخ والناسخ من الإنجيل والقرآن، والمبطل من خالف ذلك. وكذا الأمم السابقة محقها من اتبع ما لم ينسخ من كتبهم والناسخ، ويحتمل أن يكون المعنى يحكم بينهم لكفرهم بمجازاة كل مما يليق به من العذاب، وأن يكون المعنى يحكم على كل بالتكذيب وإدخال النار، كما إذا جاء خصمان مبطلان إلى القاضى فى شئ كل يدعيه، فتبين أنه ليس لهما بل سرقاه فنفاه عنهما وسجنهما ومكن الشئ لصاحبه، كذلك يثبت الله الحق لسيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، وأتباعه ويثيبهم الجنة ويكذب اليهود والنصارى ومن خالف الحق ويخزيهم، ثم رأيت الحسن البصرى جرى على هذا الاحتمال.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء} المراد يهود المدينة ووفد نصارى نجران تماروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسابوا وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى عليه السلام وأنكر النصارى التوراة ونبوة موسى عليه السلام فأل في الموضعين للعهد وقيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى وهو من الإخبار عن الأمم السالفة، وفيه تقريع لمن بحضرته صلى الله عليه وسلم وتسلية له عليه الصلاة والسلام إذ كذبوا بالرسل والكتب قبله فأل في الموضعين للجنس، والأول: هو المروي في أسباب النزول، وعليه يحتمل أن يكون القائل كل واحد من آحاد الطائفتين وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون/ المراد بذلك رجلين رجل من اليهود يقال له نافع بن حرملة ورجل من نصارى نجران ونسبة ذلك للجميع حيث وقع من بعضهم وهي طريقة معروفة عند العرب في نظمها ونثرها وهذا بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه إثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم، و {عَلَىٰ شَىْء} خبر ليس، وهو عند بعض من باب حذف الصفة أي شيء بعتد به في الدين لأنه من المعلوم أن كلاً منهما على شيء، والأوْلى عدم اعتبار الحذف، وفي ذلك مبالغة عظيمة لأن الشيء ـ كما يشير إليه كلام سيبويه ـ ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فإذا نفى مطلقاً كان ذلك مبالغة في عدم الاعتداد بما هم عليه وصار كقولهم ـ أقل من لا شيء ـ . {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} حال من الفريقين بجعلهما فاعل فعل واحد لئلا يلزم إعمال عاملين في معمول واحد أي قالوا ذلك وهم عالمون بما في كتبهم الناطقة بخلاف ما يقولون، وفي ذلك توبيخ لهم وإرشاد للمؤمنين إلى أن من كان عالماً بالقرآن لا ينبغي أن يقول خلاف ما تضمنه، والمراد من الكتاب الجنس فيصدق على التوراة والإنجيل، وقيل: المراد به التوراة لأن النصارى تمتثلها أيضاً. {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم مشركو العرب في قول الجمهور، وقيل: مشركو قريش، وقيل: هم أمم كانوا قبل اليهود والنصارى، وأما القول بأنهم اليهود وأعيد قولهم مثل قول النصارى ونفى عنهم العلم حيث لم ينتفعوا به فالظاهر أنه قول: {ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} والكاف من {كَذٰلِكَ} في موضع نصب على أنه نعت لمصدر محذوف منصوب بـ (قال) مقدم عليه أي قولاً مثل قول اليهود والنصارى {قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} ويكون {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} على هذا منصوباً بـ {يَعْلَمُونَ} والقول بمعنى الاعتقاد، أو بقال على أنه مفعول به أو بدل من محل الكاف، وقيل: {كَذٰلِكَ} مفعول به و {مِثْلَ } مفعول مطلق، والمقصود تشبيه المقول بالمقول في المؤدي والمحصول، وتشبيه القول بالقول في الصدور عن مجرد التشهي والهوى والعصبية، وجوزوا أن تكون الكاف في موضع رفع بالابتداء والجملة بعده خبره والعائد محذوف أي قاله، و {مِثْلَ} صفة مصدر محذوف، أو مفعول {يَعْلَمُونَ} ولا يجوز أن يكون مفعول (قال) لأنه قد استوفى مفعوله، واعترض هذا بأن حذف العائد ـ على المبتدأ الذي لو قدر خلو الفعل عن الضمير لنصبه ـ مما خصه الكثير بالضرورة ومثلوا له بقوله:شعر : وخالد يحمد ساداتنا بالحق (لا تحمد) بالباطل تفسير : وقيل: عليه وعلى ما قبله أن استعمال الكاف اسماً وإن جوزه الأخفش إلا أن جماعة خصوه بضرورة الشعر مع أنه قد يؤل ما ورد منه فيه على أنه لا يخفى ما في توجيه التشبيهين دفعاً لتوهم اللغوية من التكلف والخروج عن الظاهر، ولعل الأولى أن يجعل {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} إعادة لقوله تعالى: {كَذٰلِكَ} للتأكيد والتقرير كما في قوله تعالى: {أية : جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ }تفسير : [يوسف: 75] وبه قال بعض المحققين، وقد يقال: إن كذلك ليست للتشبيه هنا بل لإفادة أن هذا الأمر عظيم مقرر، وقد نقل الوزير عاصم بن أيوب في شرح قول زهير:شعر : (كذلك) خيمهم ولكل قوم إذا مستهم الضراء خيم تفسير : عن الإمام الجرجاني إن {كَذٰلِكَ} تأتي للتثبيت إما لخبر مقدم وإما لخبر متأخر وهي نقيض كلا لأن كلا تنفي وكذلك تثبت ومثله {أية : كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَ }تفسير : [الحجر: 12] وفي «شرح المفتاح الشريفي» أنه ليس المقصود من التشبيهات هي المعاني الوضعية فقط إذ تشبيهات البلغاء قلما تخلو من مجازات وكنايات فنقول: إنا رأيناهم يستعملون كذا وكذا للاستمرار تارة نحو عدل زيد في قضية فلان كذا وهكذا أي عدل مستمر، وقال الحماسي:شعر : / (هكذا) يذهب الزمان ويفنى الـ ـعلم فيه ويدرس الأثر تفسير : نص عليه التبريزي في «شرح الحماسة» وله شواهد كثيرة، وقال في شرح قول أبـي تمام:شعر : كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمر تفسير : إنه للتهويل والتعظيم وهو في صدر القصيدة لم يسبق ما يشبه به، وسيأتي لذلك تتمة إن شاء الله تعالى، وإنما جعل قول أولئك مشبهاً به لأنه أقبح إذ الباطل من العالم أقبح منه من الجاهل، وبعضهم يجعل التشبيه على حد {أية : إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرّبَوٰاْ}تفسير : [البقرة: 275] وفيه من المبالغة والتوبيخ على التشبه بالجهال ما لا يخفى وإنما وبخوا، وقد صدقوا إذ كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء لأنهم لم يقصدوا ذلك وإما قصد كل فريق إبطال دين الآخر من أصله والكفر بنبيه وكتابه على أنه لا يصح الحكم بأن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء يعتدّ به لأن المتبادر منه أن لا يكون كذلك في حد ذاته وما لا ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل فيكون شيئاً معتداً به في حد ذاته وإن يكن شيئاً بالنسبة إليهم لأنه لا انتفاع بما لم ينسخ مع الكفر بالناسخ. {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} أي بين اليهود والنصارى لا بين الطوائف الثلاثة لأن مساق النظم لبيان حال تينك الطائفتين والتعرض لمقالة غيرهم لإظهار كمال بطلان مقالهم والحكم الفصل والقضاء وهو يستدعي جارين فيقال: حكم القاضي في هذه الحادثة بكذا، وقد حذف هنا أحدهما اختصاراً وتفخيماً لشأنه أي بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العذاب، والمتبادر من الحكم بين فريقين أن يحكم لأحدهما بحق دون الآخر فكأن استعماله بما ذكر مجاز، وقال الحسن: المراد بالحكم بين هذين الفريقين تكذيبهم وإدخالهم النار وفي ذلك تشريك في حكم واحد وهو بعيد عن حقيقة الحكم، و {يَوْمٍ} متعلق بـ {يُحْكِمُ} وكذا ما بعده ولا ضير لاختلاف المعنى، وفيه متعلق بـ {يَخْتَلِفُونَ} لا بـ {كَانُواْ} وقدم عليه للمحافظة على رؤوس الآي. ومن باب الإشارة في الآيات: {أية : مَا نَنسَخْ مِنْ ءايَةٍ }تفسير : [البقرة: 106] أي ما نزيل من صفاتك شيئاً عن ديوان قلبك أو نخفيه بإشراق أنوارنا عليه إلا ونرقم فيه من صفاتنا التي لا تظن قابليتك لما يشاركها في الاسم والتي تظن وجود ما لا يشاركها فيك {أية : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ } تفسير : [البقرة: 107] عالم الأرواح وأرض الأجساد وهو المتصرف فيهما بيد قدرته بل العوالم على اختلافها ظاهر شؤون ذاته ومظهر أسمائه وصفاته فلم يبق شيء غيره ينصركم ويليكم {أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـئَلُواْ } رسول العقل من اللذات الدنية والشهوات الدنيوية {أية : كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ }تفسير : القلب {أية : مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ } تفسير : [البقرة: 108] الظلمة بالنور فقد ضل الطريق المستقيم وقالت اليهود لن يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الظاهر وعالم الملك التي هي جنة الأفعال وجنة النفس {إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا} وقالت النصارى لن يدخل الجنة المعهودة عندهم وهي جنة الباطن وعالم الملكوت التي هي جنة الصفات وجنة القلب إلا من كان نصرانياً، ولهذا قال عيسى عليه السلام: لن يلج ملكوت السمٰوات من لم يولد مرتين {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي غاية مطالبهم التي وقفوا على حدها واحتجبوا بها عما فوقها {قُلْ هَاتُواْ} دليلكم الدال على نفي دخول غيركم {أية : إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [البقرة: 111] في دعواكم بل الدليل دل على نقيض مدعاكم فإن {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ} وخلص ذاته من جميع لوازمها وعوارضها لله تعالى بالتوحيد الذاتي عند المحو الكلي وهو مستقيم في أحواله بالبقاء بعد الفناء مشاهد ربه في أعماله راجع من الشهود الذاتي إلى مقام الإحسان الصفاتي الذي هو المشاهدة للوجود الحقاني {أية : فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبّهِ }تفسير : [البقرة: 112] أي ما ذكرتم من الجنة وأصفى لاختصاصه بمقام العندية التي حجبتم عنها ولهم زيادة على ذلك هي عدم خوفهم من احتجاب الذات وعدم حزنهم على ما فاتهم من جنة الأفعال والصفات التي حجبتم بالوقوف عندها {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْء} لاحتجابهم بالباطن عن الظاهر {وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْء} لاحتجابهم عن الباطن بالظاهر {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} وفيه ما يرشدهم إلى رفع الحجاب ورؤية حقية كل مذهب في مرتبته {كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} المراتب {مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} فخطأ كل فرقة منهم الفرقة الأخرى ولم يميزوا بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية ولم يعرفوا وجه الحق في كل مرتبة من مراتب الوجود {فَٱللَّهُ} تعالى الجامع لجميع الصفات على اختلاف مراتبها وتفاوت درجاتها {يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ} بالحق في اختلافاتهم {يَوْمٍ} قيام {أية : ٱلْقِيَـٰمَةِ }تفسير : [البقرة: 113] الكبرى وظهور الوحدة الذاتية وتجلي الرب بصور المعتقدات حتى ينكرونه فلا يسجد له إلا من لم يقيده سبحانه حتى بقيد الإطلاق.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على قوله: {أية : وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى}تفسير : [البقرة: 111] لزيارة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمي المخالف لهم بأنه ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد المخالفة، فقديماً ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة، وفي ذلك إنحاء على أهل الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتاً على شركهم. والمراد من القول التصريح بالكلام الدال فهم قد قالوا هذا بالصراحة حين جاء وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أعيان دينهم من النصارى فلما بلغ مقدمهم اليهود أتوهم وهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فناظروهم في الدين وجادلوهم حتى تسابوا فكفر اليهود بعيسى وبالإنجيل وقالوا للنصارى ما أنتم على شيء فكفر وفد نجران بموسى وبالتوراة وقالوا لليهود لستم على شيء. وقولهم {على شيء} نكرة في سياق النفي والشيء الموجود هنا مبالغة أي ليسوا على أمر يعتد به. فالشيء المنفي هو العرفي أو باعتبار صفة محذوفة على حد قول عباس بن مرداس:شعر : وقد كنت في الحرب ذا تُدْرَا فلم أُعْطَ شيئاً ولم أُمنع تفسير : أي لم أعط شيئاً نافعاً مغنياً بدليل قوله ولم أُمنع، حديث : وسئل رسول الله عن الكهان فقال: «ليسوا بشيء» تفسير : ، فالصيغة صيغة عموم والمراد بها في مجاري الكلام نفي شيء يعتد به في الغرض الجاري فيه الكلام بحسب المقامات فهي مستعملة مجازاً كالعام المراد به الخصوص أي ليسوا على حظ من الحق فالمراد هنا ليستْ على شيء من الحق وذلك كناية عن عدم صحة ما بين أيديهم من الكتاب الشرعي فكل فريق من الفريقين رمَى الآخر بأن ما عنده من الكتاب لاحظ فيه من الخير كما دل عليه قوله بعده: {وهم يتلون الكتاب} فإن قوله: {وهم يتلون الكتاب} جملة حالية جيء بها لمزيد التعجب من شأنهم أن يقولوا ذلك وكل فريق منهم يتلون الكتاب وكل كتاب يتلونه مشتمل على الحق لو اتبعه أهله حق اتباعه، ولا يخلو أَهل كتاب حق من أن يتبعوا بعض ما في كتابهم أو جل ما فيه فلا يصدق قولُ غيرهم أنهم ليسوا على شيء. وجيء بالجملة الحالية لأن دلالتها على الهيئة أقوى من دلالة الحال المفردة لأن الجملة الحالية بسبب اشتمالها على نسبة خبرية تفيد أن ما كان حقه أن يكون خبراً عدل به عن الخبر لادعاء أنه معلوم اتصاف المخبر عنه به فيؤتى به في موقع الحال المفردة على اعتبار التذكير به ولفت الذهن إليه فصار حالاً له. وضمير قوله: {هم} عائد إلى الفريقين وقيل عائد إلى النصارى لأنهم أقرب مذكور. والتعريف في (الكتاب) جعله صاحب «الكشاف» تعريف الجنس وهو يرمي بذلك إلى أن المقصود أنهم أهل علم كما يقال لهم أهل الكتاب في مقابلة الأميين، وحداه إلى ذلك قوله عقبه {كذلك قال الذين لا يعلمون} فالمعنى أنهم تراجموا بالنسبة إلى نهاية الضلال وهم من أهل العلم الذين لا يليق بهم المجازفة ومن حقهم الإنصاف بأن يبينوا مواقع الخطأ عند مخالفيهم. وجعل ابن عطية التعريف للعهد وجعل المعهود التوراة أي لأنها الكتاب الذي يقرأه الفريقان. ووجه التعجيب على هذا الوجه أن التوراة هي أصل للنصرانية والإنجيل ناطق بحقيتها فكيف يَسُوغُ للنصارى ادعاء أنها ليست بشيء كما فعلت نصارى نجران، وأن التوراة ناطقة بمجيء رسل بعد موسى فكيف ساغ لليهود تكذيب رسول النصارى. وإذا جعل الضمير عائداً للنصارى خاصة يحتمل أن يكون المعهود التوراة كما ذكرنا أو الإنجيل الناطق بأحقية التوراة وفي {يتلون} دلالة على هذا لأنه يصير التعجب مشرباً بضرب من الاعتذار أعني أنهم يقرأون دون تدبر وهدا من التهكم وإلا لقال وهم يعلمون الكتاب وبهذا يتبين أن ليست هذه الآية واردة للانتصار لأحد الفريقين أو كليهما. وقوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} أي يشبه هذا القول قول فريق آخر غير الفريقين وهؤلاء الذين لا يعلمون هم مقابل الذين يتلون الكتاب وأريد بهم مشركو العرب وهم لا يعلمون لأنهم أمّيون وإطلاق {الذين لا يعلمون} على المشركين وارد في القرآن من ذلك قوله الآتي: {أية : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية}تفسير : [البقرة: 118] بدليل قوله: {أية : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم}تفسير : [البقرة: 118] يعني كذلك قال اليهود والنصارى، والمعنى هنا أن المشركين كذبوا الأديان كلها اليهودية والنصرانية والإسلام والمقصود من التشبيه تشويه المشبه به بأنه مشابه لقول أهل الضلال البحت. وهذا استطراد للإنحاء على المشركين فيما قابلوا به الدعوة الإسلامية، أي قالوا للمسلمين مثل مقالة أهل الكتابين بعضهم لبعض وقد حكى القرآن مقالتهم في قوله: {أية : إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء}تفسير : [الأنعام: 91]. والتشبيه المستفاد من الكاف في {كذلك} تشبيه في الادعاء على أنهم ليسوا على شيء والتقدير مثل ذلك القول الذي قالته اليهود والنصارى قال الذين لا يعلمون، ولهذا يكون لفظ {مثل قولهم} تأكيداً لما أفاده كاف التشبيه وهو تأكيد يشير إلى أن المشابهة بين قول {الذين لا يعلمون} وبين قول اليهود والنصارى مشابهة تامة لأنهم لما قالوا {ما أنزل الله على بشر من شيء} قد كذَّبوا اليهود والنصارى والمسلمين. وتقديم الجار والمجرور على متعلقه وهو {قال} إما لمجرد الاهتمام ببيان الماثلة وإما ليغني عن حرف العطف في الانتقال من كلام إلى كلام إيجازاً بديعاً لأن مفاد حرف العطف التشريك ومفاد كاف التشبيه التشريك إذ التشبيه تشريك في الصفة. ولأجل الاهتمام أو لزيادته أكد قوله {كذلك} بقوله {مثل قولهم} فهو صفة أيضاً لمعمول قالوا المحذوف أي قالوا مقولاً مثل قولهم. ولك أن تجعل {كذلك} تأكيداً لمثل قولهم وتعتبر تقديمه من تأخير، والأول أظهر. وجوز صاحب «الكشف» وجماعة أن لا يكون قوله: {مثلَ قولهم} أو قوله: {كذلك} تأكيداً للآخر وأن مرجع التشبيه إلى كيفية القول ومنهجه في صدوره عن هَوىً، ومرجع المماثلة إلى المماثلة في اللفظ فيكون على كلامه تكريراً في التشبيه من جهتين للدلالة على قوة التشابه. وقولُه: {فالله يحكم بينهم} الآية، جاء بالفاء لأن التوعد بالحكم بينهم يوم القيامة وإظهار ما أكنته ضمائرهم من الهوى والحسد متفرع عن هذه المقالات ومسبب عنها وهو خبر مراد به التوبيخ والوعيد والضمير المجرور بإضافة (بين) راجع إلى الفرق الثلاث و(ما كانوا فيه يختلفون) يعم ما ذكر وغيره. والجملة تذييل.
الواحدي
تفسير : {وقالت اليهود ليست النصارى على شيء} لمَّا قدم وفد نجران فتنازعوا مع اليهود، وكفَّر كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخر، وقوله تعالى: {وهم يتلون الكتاب} يعني: إنَّ الفريقين يتلون التَّوراة وقد وقع بينهما هذا الاختلاف وكتابهم واحد، فدلَّ بهذا على ضلالتهم {كذلك قال الذين لا يعلمون} يعني: كفَّار الأمم الماضية، وكفَّار هذه الأمَّة {مثل قولهم} في تكذيب الأنبياء والاختلاف عليهم، فسبيل هؤلاء الذين يتلون الكتاب كسبيل مَنْ لا يعلم الكتاب [أنَّه من الله تعالى ] من المشركين في الإنكار لدين الله سبحانه {فالله يحكم بينهم...} الآية: أَيْ: يُريهم عياناً مَنْ يدخل الجنَّة ومَنْ يدخل النَّار. {ومن أظلم ممن منع مساجد الله} يعني: بيت المقدس ومحاريبه. نزلت في أهل الرُّوم حين خرَّبوا بيت المقدس {أولئك} يعني: أهل الرُّوم {ما كان لهم أن يدخلوها إلاَّ خائفين} لم يدخل بيت المقدس بعد أن عمره المسلمون روميٌّ إلاَّ خائفاً لو عُلم به قُتل {لهم في الدنيا خزيٌ} يعني: القتل للحربيِّ، والجزية للذميِّ. {ولله المشرقُ والمغرب} أَيْ: إنَّه خالقهما. نزلت في قوم من الصَّحابة سافروا فأصابهم الضَّباب فتحرَّوا القِبلة وصلَّوا إلى أنحاءٍ مختلفةٍ، فلمَّا ذهب الضَّباب استبان أنَّهم لم يصيبوا، فلمَّا قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقوله تعالى: {فأينما تولوا} أَيْ: تصرفوا وجوهكم {فثمَّ وجه الله} أَيْ: فهناك قِبلة الله وجهته التي تعبَّدكم الله بالتوجُّه إليها {إنَّ الله واسعٌ عليم} أَيْ: واسع الشَّريعة يُوسِّع على عباده في دينهم. [اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فمنهم مَنْ قال: هي منسوخة الحكم بقوله: {أية : فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : ؛ومنهم مَنْ قال: حكمها ثابت غير أنها مخصوصة بالنَّوافل في السفر. وقيل: إنها نزلت في شأن النجاشي حين صلَّى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وقولهم له: كيف تُصلِّي على رجل صلَّى إلى غير قبلتنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وبيَّن أنَّ النجاشي وإنْ صلَّى إلى المشرق أو المغرب فإنَّما قصد بذلك وجه الله وعبادته، ومعنى {فثمَّ وجه الله} أَيْ: فَثَمَّ رضا الله وأمره، كما قال: {أية : إنَّما نُطعمكم لوجه الله}. تفسير : والوجهُ والجِهةُ والوِجهةُ: القِبلةُ].
القطان
تفسير : ومن العجيب ان اليهود يكذّبون النصارى ويعادونهم. والنصارى يكذبون اليهود ويعادونهم.. و الجميع من أهل الكتاب. وهم يتلون الكتاب: التوراة والانجيل. والكتابان من عند الله ولكن المطامع الشخصية. والتعصب الاعمى جعلاهم يكفّر بعضهم بعضاً. ومن يقرأ التلمود يجد فيه أمورا بشعة قذرة في وصف المسيح عليه السلام. من ذلك قوله: "يسوع المسيح ارتد عن الدين اليهودي وعبد الاوثان، وكل مسيحي لم يتهود فهو وثني عدو لله ولليهود.." وفيه أقوال تقشعر منها الأبدان. وكذلك النصارى يتهمون اليهود بالكفر والخروج عن دين الله. ولا أدري كيف يقولون ذلك مع ان المسيح عليه السلام يقول في الانجيل: جئت لأتم الناموس لا لأنقُضه. وكذلك قال الوثنيون من قبلهم بأنهم هم وحدهم الذين على الحق. وكل هذه الأقوال باطلة. وليس مثل الاسلام في صراحته وسعة أفقه، فهو يصدق بالأديان السماوية ويعتبرها، ويؤمن بكتبها الحقيقية قبل ان يطرأ عليها التحريف. وما أعظم قوله تعالى: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ..}تفسير : [البقرة:285]. هذا هو الاسلام وهذه هي عظمته.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلنَّصَارَىٰ} {ٱلْكِتَابَ} {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} (113) - جَاءَ وَفْدٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ مِنَ اليَمَنِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُمْ أَحْبَارُ يَهُودِ المَدِينَةِ فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ، فَقَالَ يَهُودِيٌّ لِلنَّصَارَى: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيءٍ مِنَ الدِّينِ الصَّحِيحِ، وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالإِنْجِيلِ. وَقَالَ نَصْرَانيٌّ مِنَ الوَفْدِ لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شيءٍ، وَكَفَرَ بِنُبُوَّةِ مُوسَى وَبِالتَّورَاةِ. مَعَ أَنَّ عِيسَى جَاءَ مُتَمِّماً شَرْعَ التَّورَاةِ لا نَاقِضاً لَهُ. وَقَدْ كَفَرَ كُلُّ فَرِيقٍ بِنُبُوَّةِ نَبِيٍّ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ هُوَ، فَاليَهُودُ كَفُرُوا بِعِيسَى وَبَيْنَ أَيْدِيْهِم التَّورَاةُ، وَفِيهَا أَخَذَ اللهُ المِيثَاقَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بالتَّصْدِيقِ بِنُبُوَّةِ عِيسَى، وَجَاءَ عِيسَى بِتَصْدِيقِ مُوسَى وَنُبُوَّتِهِ وَكِتَابِهِ، وَنَصَارَى الوَفْدِ كَفَرُوا بِمُوسَى، وَهذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي كِتَابِهِمْ، وَكُلُّ فَرِيقٍ يَتْلُو كِتَابَهُ وَيَعْلَمُ شَرِيعَةَ التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ، وَلَكِنَّهُمْ تَجَاحَدُوا كُفْراً وَعِنَاداً. وَكَذلِكَ قَالَ غَيْرُ هَؤُلاءِ مِنَ الجَاهِلِينَ، الذِينَ كَفَرُوا بِالنُّبُوَّاتِ، مِثْلَ هذِهِ الأَقْوال، وَكَفَرُوا عِنَاداً وَحَسَداً، فَاللهُ سَيَجْمَعُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِقَضَائِهِ العَادِلِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نقول إن أصدق ما قاله اليهود والنصارى .. هو أن كل طائفة منهم اتهمت الأخرى بأنها ليست على شيء .. فقال اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء .. والعجيب إن الطائفتين أهل كتاب .. اليهود أهل كتاب والنصارى أهل كتاب .. ومع ذلك كل منهما يتهم الآخر بأنه لا إيمان له وبذلك تساوى مع المشركين الذين يقولون إن أهل الكتاب ليسوا على شيء .. أي أن المشركين يقولون اليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء .. واليهود يقولون المشركون ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء .. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 113] .. وبذلك أصبح لدينا ثلاث طوائف يواجهون الدعوة الإسلامية .. طائفة لا تؤمن بمنهج سماوي ولا برسالة إلهية وهؤلاء هم المشركون .. وطائفتان لهم إيمان ورسل وكتب هم اليهود والنصارى .. ولذلك قال الحق سبحانه وتعالى: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 113] .. أي الذين لا يعلمون ديناً ولا يعلمون إلهاً ولا يعلمون أي شيء عن منهج السماء .. اتحدوا في القول مع اليهود والنصارى وأصبح قولهم واحداً. وكان المفروض أن يتميز أهل الكتاب الذين لهم صلة بالسماء وكتب نزلت من الله ورسل جاءتهم للهداية .. كان من المفروض أن يتميزوا على المشركين .. ولكن تساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون .. وهذا معنى قوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 113] .. وما دامت الطوائف الثلاث قالوا على بعضهم نفس القول .. يكون حجم الخلاف بينهم كبيراً وليس صغيراً .. لأن كل واحد منهم يتهم الآخر أنه لا دين له. هذا الخلاف الكبير من الذي يحكم فيه؟ لا يحكم فيه إِلاَّ الله .. فهو الذي يعلم كل شيء .. وهو سبحانه القادر على أن يفصل بينهم بالحق .. ومتى يكون موعد هذا الفصل أو الحكم؟ أهو في الدنيا؟ لا .. فالدنيا دار اختبار وليست دار حساب ولا محاسبة ولا فصل في قضايا الإيمان .. ولذلك فإن الحكم بينهم يتم يوم القيامة وعلى مشهد من خلق الله جميعاً. والحق سبحانه وتعالى يقول: {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113] .. ومعنى الحكم هنا ليس هو بيان المخطئ من المصيب فالطوائف الثلاث مخطئة .. والطوائف الثلاث في إنكارها للإسلام قد خرجت عن إطار الإيمان .. ويأتي الحكم يوم القيامة ليبين ذلك ويواجه المخالفين بالعذاب.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر تعالى عن بطلان دعوى اليهود والنصارى وشهادة بعضهم على بعض بقوله تعالى: {وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ} [البقرة: 113]، والإشارة فيها أن أكثر الحسد والحقد والتباغض يكون بين جهال العلماء الذين مقصدهم في تعلم المباحات مع السفهاء والمحاربات مع العلماء وطلب الرئاسة وقبول الخلق وجمع المال، فإذا ناظر بعضهم قال هذا لصحابه: ما أنت على شيء، وقال هذا لصحابه: ما أنت على شيء، كما جرت العادة بين سفهاء الفرق وطعن كل واحد منهم مذهب الآخر بالجهل والتعصب حتى يكفر بعضهم بعضاً {وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} [البقرة: 113]، القرآن ويدعون العلماء {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 113]، العلم والدين والقرآن من الزنادقة والفلاسفة وأهل الملل والكفرة {مِثْلَ قَوْلِهِمْ} [البقرة: 113]، للمسلمين ما أنتم على شيء {فَٱللَّهُ يَحْكُمُ} [البقرة: 113]، بين المسلمين من أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والأهواء المختلفة {يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} [البقرة: 113]، يوم القيامة الحق {فِيمَا كَانُواْ} [البقرة: 113]، من الحق {فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [البقرة: 113]، بالباطل. ثم أخبر تعالى عن الظلم المركوز في طبيعة الإنسان بقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} [البقرة: 114]، الآيتين والإشارة فيهما: أن - عند أهل النظر - مساجد الله التي يذكر فيها اسمه: النفس والقلب والروح والسر والخفي وهو سر السر وذكر مسجد منها مناسب لذلك. فذكر مسجد النفس: الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات، وملازمة السيئات. وذكر مسجد القلب: التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه التمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله تعالى لداود عليه السلام: "حديث : حذر وأنذر قومك من أكل الشهوات فإن قلوب أهل الشهوات عني محجوبة ". تفسير : وذكر مسجد الروح: والشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمساكنات. وذكر مسجد السر: المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه الركون إلى الكرامات والقربات. وذكر المسجد الخفي: بذل الوجود وترك الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} [البقرة: 114]، هذه المساجد {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} [البقرة: 114]، اسم الله بهذه الأذكار ومن أقدم على هذا المنع فقد {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} [البقرة: 114]، أي: خرب هذه المساجد {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} [البقرة: 114]، هذه المساجد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} [البقرة: 114]، من ذل الحجاب {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114]، لحرمانهم عن جوار الله العلي العظيم. ثم أخبر عن فتحه ملكه وسعة فضله بقوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} [البقرة: 115]، والإشارة فيها أن الله تعالى منزه عن الجهات، فالشرق والغرب بالنسبة إلى حضرته متساويان إذ ليس الاعتبار بتوجه الصورة إلى جهة من الجهات، وأن تعين جهة الكعبة لجمع همم القلب وبقوة التوهم فللوهم في جمعية القلب حالة التوجه أثر عظيم، وإنما الاعتبار لتوجه القلب بجمع الهمم إلى الله تعالى فلكل قلب وجهه هو موليها فإذا خص توجه القلب إلى الله بالإعراض عما سواه {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ} [البقرة: 115]، فضله ورحمته كل شيء لقوله تعالى: {أية : أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ}تفسير : [فصلت: 54]، {عَلِيمٌ} [البقرة: 115]، أحاط بكل شيء علمه، وفيه إشارة أخرى إلى أن القلوب مشارق هبوب الأشواق ومغاربها والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق لظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنواع الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قوم الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة فإذا تجلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على مماليك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمات والضياء، وليس عند الله صباح ولا مساء وتلاشت العبدية في كعبة العندية ونودوا بفناء الفناء من عالم البقاء ورفعت القبلة وما بقي إلا الله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115]، يوسع القلب لمن يشاء من عباده ليسعه {عَلِيمٌ} يوسع القلب لسعته بلا كيف ولا حيف كما قال تعالى: "حديث : لا يسعني قلب عبدي المؤمن ". تفسير : ثم أخبر عن قصر نظر أهل الشرك بقوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ} [البقرة: 116]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى أظهر مما قالوا غاية ظلومية الإنسان وجهوليته كما قال تعالى: {أية : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ}تفسير : [الكهف: 5]، وأظهر كمال حلمه إذ لم ينتقم في الحال كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ}تفسير : [النحل: 61]، وفي قوله: {سُبْحَـٰنَهُ} سبعة معان: أولها: التنزيه؛ نزه من تهمة الولد كما نزه عن عائشة رضي الله عنها عن تهمة الإفك بقوله: {أية : سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}تفسير : [النور: 16]. وثانيها: التعجب؛ تعجب به العباد كيف يتخذ الله الولد وله ما في السماوات عبيد ملكه، وكيف يقول مثل هذا القول مخلوق في حق خالقه، وكيف يحلم عنهم ويمهلهم في مكانهم كقوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ}تفسير : [آل عمران: 191]، وقال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1]. والثالث: التسخير أي: يسخر له ما في السماوات والأرض وسخرهما لعبيده، كما قال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـٰذَا}تفسير : [الزخرف: 13]. ورابعها: الخلق أي: من خلق السماوات والأرض وما فيهن كقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا}تفسير : [يس: 36]. وخامسها: القدرة، كقوله تعالى: من بيده ملكوت السماوات والأرض، وما فيهن الإبقاء والإفناء ما ينغبي له أن يتخذ ولداً كقوله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}تفسير : [يس: 83]. وسادسها: التوبة أي: سبح لله ذرات الملكوتيات توبة واستغفار بلسان الحال، عما قال بعضها بلسان القال: اتخذ الله ولداً بقوله تعالى: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [الحديد: 1] أي: هو أعز من أن يتخذ ولداً حكيم بأن لا يفعل مثل هذا، كما قال تعالى: {أية : سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ}تفسير : [الأعراف: 143]. وسابعها: الدعاء أي: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 44]، ودعاء وتضرعاً وابتهالاً وتخشعاً واعتذاراً وتواضعاً وانكساراً واعترافاً بظلم من قال هذا القول على أنفسهم، ولولا تضرعهم ودعائهم تكاد السماوات تتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولداً، كما قال تعالى في حق يونس عليه السلام: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}تفسير : [الصافات: 143-144] أي: من الداعين وكان من دعائه قوله تعالى: {أية : فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [الأنبياء: 87]، فكذلك قوله تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] أي: كل ذرة من ذراتها وإعواز بقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 44]. ثم أخبر عن كمال تنزيهه وقدرته بقوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 117]، الآيتين والإشارة فيهما أن الله تعالى نزه، ذاته أن يكون له ولد باسمه البديع عند أهل الحقيقة من لا مثيل له ولا شبيه له يقال: هذا شيء بديع إذا كان عديم المثل، فالله ولي الموجودات بهذا الوصف؛ لأنه يمنع أن يكون له مثل أزلاً وأبداً وولد الشيء يكون مثله وشبهه، فلهذا قال تعالى في موضع آخر: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ}تفسير : [الأنعام: 101] يعني: لو كان له ولد لما كان بديعاً إذا كان له شبيه، ولهذا نفى الكفر عن أحديته عند تنزيه ذاته تعالى عن الولد والوالد وقوله: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4]، وقال تعالى: تأكيداً لمعنى القدرة {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، معناه الولادات تكون بامتداد الزمان والزمان عبارة عن نقل حركات الفلك والأفلاك من جملة مخترعاته إذ هو {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً}، أراد خلق شيء وإيجاده {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117]، بكلام قديم {كُنْ} وهو أمر قديم فيه تتعلق القدرة القديمة وفق الإرادة القديمة بالشيء المحدث فيوجد بالصفة المخصوصة في الوقت المعلوم، فيكون كما أراد، فأنى حاجته بالولادة والولد تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ثم أخبر عن جهل أهل العناد بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [البقرة: 118]، الآيتين والإشارة فيهما أن الذين لا يعلمون أن الله متكلم من الأزل إلى الأبد بكلام قديم واحد، وكلامه متعلق بجميع المكونات أمر التكوين، وهو خطاب {كُنْ} فأسمع السماوات والأرض خطابه: أئتيا طوعاً أو كرهاً، فسمعت، وقالت أتينا طائعين ويرى سائر المكلفين أمر التلكيف، فقالوا: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} [البقرة: 118]، وما علموا أن الله يكلمهم على الدوام، ولكن لهم آذان لا يسمعون بها، وإنهم عن السمع لمعزولون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم كما أسمع قوماً أخبر عنهم، كما أخبره عنهم {أية : وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىۤ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [المائدة: 83]، فالسمع الحقيقي يزيد معرفة القلب وكل قلب يكون حيا بحياة معرفة الحق يسمع كلام الحق وللقلوب الميتة قال تعالى: {أية : إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [النمل: 80]، ولو أسمعهم خطابه بسمع الظاهر وقلوبهم ميتة لتولوا عنه وعنهم معرضون، كما أسمع نفراً من قوم موسى عليه السلام خطابه فلم يطيقوا سماعه بعدما رأوا من عظيم الآيات وأن الله أماتهم ثم أحياهم حرفوا وبدلوا فما تغني الدلائل، وإن وضحت فيمن حقت له الشقاوة وسبقت الموتى مثل هؤلاء أشار بقوله تعالى: {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118]، في الموت من حياة المعرفة. وقال تعالى في حق من أحيى قلبه بحياة المعرفة {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ}تفسير : [الأنعام: 122]، وإليهم أشار بقوله تعالى: {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [البقر ة: 118]، فإن في الآيات التي أظهرها وأراها قلوب الأحياء من عباده كقوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ}تفسير : [فصلت: 53]، ما يزيح العلة من الأغيار ويشفي الغلة من الأخيار ولكن {أية : لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ}تفسير : [الحج: 46].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وذلك أنه بلغ بأهل الكتاب الهوى والحسد، إلى أن بعضهم ضلل بعضا، وكفر بعضهم بعضا، كما فعل الأميون من مشركي العرب وغيرهم. فكل فرقة تضلل الفرقة الأخرى، ويحكم الله في الآخرة بين المختلفين بحكمه العدل، الذي أخبر به عباده، فإنه (1) لا فوز ولا نجاة إلا لمن صدق جميع الأنبياء والمرسلين، وامتثل أوامر ربه، واجتنب نواهيه، ومن عداهم، فهو هالك.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):