٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
114
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اجمع المفسرون على أنه ليس المراد من هذه الآية مجرد بيان الشرط والجزاء، أعني مجرد بيان أن من فعل كذا فإن الله يفعل به كذا بل المراد منه بيان أن منهم من منع عمارة المساجد وسعى في خرابها، ثم أن الله تعالى جازاهم بما ذكر في الآية إلا أنهم اختلفوا في أن الذين منعوا من عمارة المسجد وسعوا في خرابه من هم؟ وذكروا فيه أربعة أوجه. أولها: قال ابن عباس: أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى البقية وأحرق التوراة، ولم يزل بيت المقدس خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. وثانيها: قال الحسن وقتادة والسدي: نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وبعض النصارى أعانه على ذلك بغضاً لليهود. قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: هذان الوجهان غلطان لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح عليه السلام بدهر طويل والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس وأيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. وثالثها: أنها نزلت في مشركي العرب الذين منعوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن الدعاء إلى الله بمكة وألجؤه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق رضي الله عنه بنى مسجداً عند داره فمنع وكان ممن يؤذيه ولدان قريش ونساؤهم، وقيل: إن قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } تفسير : [الإسراء: 110] نزلت في ذلك فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر لنبي صلى الله عليه وسلم فقيل: ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحدون الله ولا يشركون به شيئاً ويصلون له تذللاً وخشوعاً، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلل لعظمته وسلطانه. ورابعها: قال أبو مسلم: المراد منه الذين صدوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من المدينة عام الحديبية، واستشهد بقوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عِندَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [الفتح: 25] وبقوله: {أية : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [الأنفال: 34] وحمل قوله: {إِلاَّ خَآئِفِينَ } بما يعلي الله من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المنافقين: {أية : لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً } تفسير : [الأحزاب: 60 ـ 61] وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم: وهو أن يقال: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة عند توجههم إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضاً في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضاً في تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجهين إلى القبلة، فعابهم الله بذلك وبين سوء طريقتهم فيه، وهذا التأويل أولى مما قبله، وذلك لأن الله تعالى لم يذكر في الآيات السابقة على هذه الآية إلا قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضاً بعدها قبائح أفعالهم فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صدهم الرسول عن المسجد الحرام، وأما حمل الآية على سعي النصارى في تخريب بيت المقدس فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرازي، فلم يبق إلا ما قلناه. المسألة الثانية: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: فأما من حملها على النصارى وخراب بيت المقدس قال: تتصل بما قبلها من حيث أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فقيل لهم: كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد والسعي في خرابها هكذا، وأما من حمله على المسجد الحرام وسائر المساجد قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله: {أية : كَذٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } تفسير : [البقرة: 113] وقيل: جرى ذكر جميع الكفار وذمهم، فمرة وجه الذم إلى اليهود والنصارى ومرة إلى المشركين. المسألة الثالثة: قوله: {مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } عموم فمنهم من قال: المراد به كل المساجد، ومنهم من حمله على ما ذكرناه من المسجد الحرام وغيره من مساجد مكة، وقالوا: قد كان لأبي بكر رضي الله عنه مسجد بمكة يدعو الله فيه، فخربوه قبل الهجرة، ومنهم من حمله على المسجد الحرام فقط وهو قول أبي مسلم حيث فسر المنع بصد الرسول عن المسجد الحرام عام الحديبية، فإن قيل: كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد؟ قلنا: فيه وجوه. أحدها: هذا كمن يقول لمن آذى صالحاً واحداً: ومن أظلم ممن آذى الصالحين. وثانيها: أن المسجد موضع السجود فالمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مسجداً واحداً بل مساجد. المسألة الرابعة: قوله: {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } في محل النصب واختلفوا في العامل فيه على أقوال. الأول: أنه ثاني مفعولي منع لأنك تقول: منعته كذا، ومثله: {أية : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأَيَـٰتِ} تفسير : [الإسراء: 59] {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ } تفسير : [الإسراء: 94]. الثاني: قال الأخفش: يجوز أن يكون على حذف (من) كأنه قيل: منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه. الثالث: أن يكون على البدل من مساجد الله. الرابع: قال الزجاج: يجوز أن يكون على معنى كراهة أن يذكر فيها اسمه، والعامل فيه (منع). المسألة الخامسة: السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. أحدهما: منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً. والثاني: بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول: كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له، وقيل: إن أبا بكر رضي الله عنه كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر. المسألة السادسة: ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم وفيه إشكال لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] مع أن الشرك أعظم من هذا الفعل، وكذا الزنا وقتل النفس أعظم من هذا الفعل، والجواب عنه: أقصى ما في الباب أنه عام دخله التخصيص فلا يقدح فيه. أما قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } فاعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الكلام أن الذين آمنوا وسعوا في تخريب المسجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلا خائفين، وأما من يجعله عاماً في الكل فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوهاً. أحدها: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال الهيبة وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليهم ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وثانيها: أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لايدخل المسجد الحرام واحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل أن لم يسلم، وقد أنجز الله صدق هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ونادى فيهم عام حج أبو بكر رضي الله عنه: ألا لا يحجن بعد العام مشرك، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحج من العام الثاني ظاهراً على المساجد لا يجترىء أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم في حمل المنع من المساجد على صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام عام الحديبية ويحمل هذا الخوف على ظهور أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وغلبته لهم بحيث يصيرون خائفين منه ومن أمته. وثالثها: أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصغار والذل بالجزية والإذلال. ورابعها: أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمخاصمة والمحاكمة والمحاجة، لأن كل ذلك يتضمن الخوف والدليل عليه قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 17]. وخامسها: قال قتادة والسدي: قوله: {إِلاَّ خَائِفِينَ } بمعنى أن النصارى لا يدخلون بيت المقدس إلا خائفين، ولا يوجد فيه نصراني إلا أوجع ضرباً وهذا التأويل مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفاً، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين رحمه الله في زماننا. وسادسها: أن قوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } وإن كان لفظه لفظ الخبر لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ } تفسير : [الأحزاب: 53]. أما قوله تعالى: {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } فقد اختلفوا في الخزي، فقال بعضهم: ما يلحقهم من الذل بمنعهم من المساجد، وقال آخرون بالجزية في حق أهل الذمة وبالقتل في حق أهل الحرب، واعلم أن كل ذلك محتمل فإن الخزي لا يكون إلا ما يجري مجرى العقوبة من الهوان والإذلال فكل ما هذه صفته يدخل تحته وذلك ردع من الله تعالى عن ثباتهم على الكفر لأن الخزي الحاضر يصرف عن التمسك بما يوجبه ويقتضيه، وأما العذاب العظيم فقد وصفه الله تعالى بما جرى مجرى النهاية في المبالغة، لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبين أنهم يستحقون العقاب العظيم، وفي الآية مسألتان: المسألة الأولى: في أحكام المساجد وفيه وجوه. الأول: في بيان فضل المساجد ويدل عليه القرآن والأخبار والمعقول، أما القرآن فآيات، أحدها: قوله تعالى: {أية : وَأَنَّ ٱلْمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً } تفسير : [الجن: 18]. أضاف المساجد إلى ذاته بلام الاختصاص ثم أكد ذلك الاختصاص بقوله: {فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَداً }. وثانيها: قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [التوبة: 18] فجعل عمارة المسجد دليلاً على الإيمان، بل الآية تدل بظاهرها على حصر الإيمان فيهم، لأن كلمة إنما للحصر. وثالثها: قوله تعالى: {أية : فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ } تفسير : [النور: 36]. ورابعها: هذه الآية التي نحن في تفسيرها وهي قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } فإن ظاهرها يقتضي أن يكون الساعي في تخريب المساجد أسوأ حالاً من المشرك لأن قوله: {ومن أظلم} يتناول المشرك لأنه تعالى قال: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] فإذا كان الساعي في تخريبه في أعظم درجات الفسق وجب أن يكون الساعي في عمارته في أعظم درجات الإيمان. وأما الأخبار، فأحدها: ما روى الشيخان في صحيحيهما أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أراد بناء المسجد فكره الناس ذلك وأحبوا أن يدعه، فقال عثمان رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من بنى لله مسجداً بنى الله له كهيئته في الجنة». تفسير : وفي رواية أخرى: «بنى الله له بيتاً في الجنة». وثانيها: ما روى أبو هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : أحب البلاد إلى الله تعالى مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»، تفسير : واعلم أن هذا الخبر تنبيه على ما هو السر العقلي في تعظيم المساجد وبيانه أن الأمكنة والأزمنة إنما تتشرف بذكر الله تعالى، فإذا كان المسجد مكاناً لذكر الله تعالى حتى أن الغافل عن ذكر الله إذا دخل المسجد اشتغل بذكر الله والسوق على الضد من ذلك، لأنه موضع البيع والشراء والإقبال على الدنيا وذلك مما يورث الغفلة عن الله، والإعراض عن التفكر في سبيل الله، حتى أن ذاكر الله إذا دخل السوق فإنه يصير غافلاً عن ذكر الله لا جرم كانت المساجد أشرف المواضع والأسواق أخس المواضع. الثاني: في فضل المشي إلى المساجد (أ) عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئته والأخرى ترفع درجته»،تفسير : رواه مسلم. (ب) أبو هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من غدا أو راح إلى المسجد أعد الله له في الجنة منزلاً كلما غدا أو راح» تفسير : أخرجاه في الصحيح. (ج) أبي بن كعب قال: كان رجل ما أعلم أحداً من أهل المدينة ممن يصلى إلى القبلة أبعد منزلاً منه من المسجد وكان لا تخطئه الصلوات مع الرسول عليه السلام، فقيل له: لو اشتريت حماراً لتركبه في الرمضاء والظلماء، فقال: والله ما أحب أن منزلي بلزق المسجد، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فسأله فقال: يا رسول الله كيما يكتب أثري وخطاي ورجوعي إلى أهلي وإقبالي وإدباري، فقال عليه الصلاة والسلام «حديث : لك ما احتسبت أجمع»تفسير : أخرجه مسلم. (د) جابر قال: خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «حديث : أنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا إلى قرب المسجد، فقالوا: نعم قد أردنا ذلك قال يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم»تفسير : . رواه مسلم. وعن أبي سعيد الخدري أن هذه الآية نزلت في حقهم: {أية : إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَءَاثَارَهُمْ } تفسير : [يس: 12]. (هـ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إلى المسجد مشياً والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام في جماعة أعظم أجراً ممن يصليها ثم ينام» تفسير : أخرجاه في الصحيح. (و) عقبة بن عامر الجهني أنه عليه السلام قال: «حديث : إذا تطهر الرجل ثم مر إلى المسجد يرعى الصلاة كتب له كاتبه أو كاتباه بكل خطوة يخطوها إلى المسجد عشر حسنات والقاعد الذي يرعى الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين من حين يخرج من بيته حتى يرجع». تفسير : (ز) عن سعيد بن المسيب قال: حضر رجلاً من الأنصار الموت فقال لأهله: من في البيت، فقالوا: أهلك، وأما أخوتك وجلساؤك ففي المسجد، فقال: ارفعوني فأسنده رجل منهم إليه ففتح عينيه وسلم على القوم فردوا عليه وقالوا له: خيراً. فقال: إني مورثكم اليوم حديثاً ما حدثت به أحداً منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم احتساباً وما أحدثكموه اليوم إلا احتساباً، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«حديث : من توضأ في بيته فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد يصلي في جماعة المسلمين لم يرفع رجله اليمنى إلا كتب الله له بها حسنة ولم يضع رجله اليسرى إلا حط الله عنه بها خطيئة حتى يأتي المسجد، فإذا صلى بصلاة الإمام انصرف وقد غفر له، فإن هو أدرك بعضها وفاته بعض كان كذلك». تفسير : (ح) عن أبي هريرة أنه عليه السلام قال: «حديث : من توضأ فأحسن وضوءه ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها ولم ينقص ذلك من أجرهم شيئاً». تفسير : (ط) أبو هريرة قال عليه السلام: «حديث : ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط» تفسير : رواه أبو مسلم. (ي) قال أبو سلمة بن عبد الرحمن لداود بن صالح: هل تدري فيم نزلت: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ } تفسير : [آل عمران: 200] قال: قلت لا يا ابن أخي، قال: سمعت أبا هريرة يقول لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة. (يا) بريدة قال عليه السلام: «حديث : بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة»، تفسير : قال النخعي كانوا يرون المشي إلى المسجد في الليلة المظلمة موجبة. (يب) قال الأوزاعي: كان يقال خمس كان عليها أصحاب محمد عليه السلام والتابعون بإحسان: لزوم الجماعة واتباع السنة، وعمارة المسجد وتلاوة القرآن والجهاد في سبيل الله. (يج) أبو هريرة قال عليه السلام: «حديث : من بنى لله بيتاً يعبد الله فيه من مال حلال بنى الله له بيتاً في الجنة من دور ياقوت تفسير : . (يد) أبو ذر قال عليه السلام: «حديث : من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة». تفسير : (يه) أبو سعيد الخدري: قال عليه السلام: حديث : «إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله تعالى قال: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ }» تفسير : [التوبة: 18]. (يو) عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: إن المساجد بيوت الله وأنه لحق على الله أن يكرم من زاره فيها. (يز) أنس قال عليه السلام: «حديث : إن عمار بيوت الله هم أهل بيوت الله». تفسير : (يح) أنس قال عليه السلام: «حديث : يقول الله تعالى: كأني لأهم بأهل الأرض عذاباً فإذا نظرت إلى عمار بيوتي والمتحابين في وإلى المستغفرين بالأسحار صرفت عنهم». تفسير : (يط) عن أنس: قال عليه السلام:«حديث : إذا أنزلت عاهة من السماء صرفت عن عمار المساجد». تفسير : (ك) كتب سلمان إلى أبي الدرداء: يا أخي ليكن بيتك المساجد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : المسجد بيت كل تقي وقد ضمن الله لمن كانت المساجد بيوتهم بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى رضوان الله تعالى». تفسير : (كا) قال سعيد بن المسيب: عن عبد الله بن سلام: إن المساجد أوتاداً من الناس، وإن لهم جلساء من الملائكة، فإذا فقدوهم سألوا عنهم، وإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم. (كب) الحسن قال عليه السلام: «حديث : يأتي على الناس زمان يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم فلا تجالسوهم فليس لله فيهم حاجة»تفسير : . (كج) أبو هريرة: قال عليه السلام: «حديث : إن للمنافقين علامات يعرفون بها تحيتهم لعنة وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، لا يقربون المساجد إلا هجراً ولا الصلاة إلا دبراً، لا يتألفون ولا يؤلفون، خشب بالليل سحب بالنهار». تفسير : (كد) أبو سعيد الخدري وأبو هريرة: قال عليه السلام: «حديث : سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». تفسير : هذا حديث أخرجه الشيخان في الصحيحين. (كه) عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : من خرج من بيته إلى المسجد كتب له كاتبه بكل خطوة يخطوها عشر حسنات، والقاعد في المسجد ينتظر الصلاة كالقانت ويكتب من المصلين حتى يرجع إلى بيته». تفسير : (كو) روى عبد الله بن المبارك عن حكيم بن زريق بن الحكم، قال: سمعت سعيد بن المسيب وسأله أبي: أحضور الجنازة أحب إليك أم القعود في المسجد؟ قال: من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تقبر فله قيراطان، والجلوس في المسجد أحب إلي، تسبح الله وتهلل وتستغفر والملائكة تقول: آمين اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإذا فعلت ذلك فقل: اللهم اغفر لسعيد بن المسيب. الثالث: في تزيين المساجد. (أ) ابن عباس: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما أمرت بتشييد المساجد» تفسير : والمراد من التشييد رفع البناء وتطويله، ومنه قوله تعالى: {أية : فِى بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } تفسير : [النساء: 78] وهي التي يطول بناؤها. (ب) أمر عمر ببناء مسجد وقال للبناء: أكن الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. (ج) روى أن عثمان رأى أثرجة من جص معلقة في المسجد، فأمر بها فقطعت. (د) قال أبو الدرداء: إذا حليتم مصاحفكم وزينتم مساجدكم فالدمار عليكم. (هـ) قال أبو قلابة: غدونا مع أنس بن مالك إلى الزواية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس: لو صلينا في هذا المسجد؟ فقال بعض القوم: حتى نأتي المسجد الآخر، فقال أنس: أي مسجد، قالوا: مسجد أحدث الآن، فقال أنس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : سيأتي على أمتي زمان يتباهون في المساجد ولا يعمرونها إلا قليلاً»تفسير : . الرابع: في تحية المسجد، في الصحيحين عن أبي قتادة السلمي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس»، تفسير : واعلم أن القول بذلك مذهب الحسن البصري ومكحول وقول الشافعي وأحمد وإسحق، وذهب قوم إلى أنه يجلس ولا يصلي، وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة، وبه قال مالك والثوري وأصحاب الرأي. الخامس: فيما يقول إذا دخل المسجد، روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها، قالت: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال قال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك»تفسير : . السادس: في فضيلة القعود في المسجد لانتظار الصلاة. (أ) أبو هريرة: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه ما لم يحدث». تفسير : وروي أن عثمان بن مظعون أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ائذن لي في الاختصاء، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ليس منا من خصي أو اختصى إن خصاء أمتي الصيام». تفسير : فقال: يا رسول الله ائذن لي في السياحة، فقال: «حديث : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله»، تفسير : فقال: يا رسول الله ائذن لي في الترهب، فقال: «حديث : إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظاراً للصلاة». تفسير : السابع: في كراهية البيع والشراء في المسجد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام نهى عن تناشد الأشعار في المساجد، وعن البيع والشراء فيه، وعن أن يتحلق الناس في المساجد يوم الجمعة قبل الصلاة، واعلم أنه كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد وبه يقول أحمد وإسحق وعطاء بن يسار، وكان إذا مر عليه بعض من يبيع في المسجد قال: عليك بسوق الدنيا فإنما هذا سوق الآخرة، وكان لسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم رحبة إلى جنب المسجد سماها البطحاء، وقال: من أراد أن يلغط أو ينشد شعراً أو يرفع صوتاً فليخرج إلى هذه الرحبة، واعلم أن الحديث الذي رويناه يدل على كراهية التحلق والاجتماع يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة، ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد، ورفع الصوت بغير الذكر، فمكروه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك»، تفسير : قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس، واقتضاء حقوقهم، وقد كره بعض السلف المسألة في المسجد، وكان بعضهم يرى أن لا يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وورد النهي عن إقامة الحدود في المساجد، قال عمر فيمن لزمه حد: أخرجاه من المسجد، ويذكر عن علي رضي الله عنه مثله، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن يقام فيها الحدود أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار أو ينشد فيها الضالة أو تتخذ سوقاً، ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد وكان الحسن وزرارة بن أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد. الثامن: في النوم في المسجد في الصحيحين: عن عباد بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى وعن ابن شهاب قال: كان ذلك من عمر وعثمان وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد مثل جوازها في البيت، إلا الانبطاح فإنه عليه الصلاة والسلام نهى عنه وقال: أنها ضجعة يبغضها الله، وعن نافع أن عبد الله كان شاباً أعزب لا أهل له فكان ينام في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد، وقال ابن عباس: لا تتخذوه مبيتاً أو مقيلاً. التاسع: في كراهية البزاق في المسجد عن أنس عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها»، تفسير : وفي الصحيح عن أبي ذر قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : عرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت من محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساويء أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن» تفسير : وفي الحديث: «حديث : إن المسجد لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة في النار»،تفسير : أي ينضم وينقبض، فقال بعضهم: المراد أن كونه مسجداً يقتضي التعظيم والقاء النخامة يقتضي التحقير، وبينهما منافاة، فعبر عليه الصلاة والسلام عن تلك المنافاة بقوله: لينزوي، وقال آخرون: أراد أهل المسجد وهم الملائكة، وفي الصحيحين عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً، ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجليه فيدفنه». تفسير : وعن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رؤي في وجهه فقام فحكه بيده وقال: «حديث : إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه فلا يبزقن أحدكم في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه قال: ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه على بعض وقال: يفعل هكذا» تفسير : أخرجه البخاري في صحيحه. العاشر: في الثوم والبصل: في الصحيحين عن أنس وابن عمر وجابر قال عليه الصلاة والسلام:«حديث : من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس»، تفسير : وعن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا» تفسير : وأن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بقدر فيه خضر فوجد لها ريحاً، فسأل فأخبر بما فيه من البقول، فقال: «حديث : قربوها إلى بعض من كان حاضراً، وقال له كل فإني أناجي من لا تناجي» تفسير : أخرجاه في الصحيحين. الحادي عشر: في المساجد في الدور، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد في الدور، وأن ينظف ويطيب، أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ومعه أصحابه إذ جاء أعرابي فبال في المسجد، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مه مه، فقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تزرموه»، تفسير : ثم دعاه فقال: «حديث : إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من العذرة والبول والخلاء، إنما هي لقراءة القرآن وذكر الله والصلاة»، تفسير : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلو من ماء فصبوا عليه. المسألة الثانية: اختلف الفقهاء في دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة مطلقاً، وأباه مالك مطلقاً، وقال الشافعي رضي الله عنه: يمنع من دخول الحرم والمسجد الحرام، احتج الشافعي بوجوه. أولها: قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } تفسير : [التوبة: 28] قال الشافعي: قد يكون المراد من المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [الإسراء: 1] وإنما أسرى به من بيت خديجة. فالآية دالة إما على المسجد فقط، أو على الحرم كله، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، لأن الخلاف حاصل فيهما جميعاً، فإن قيل: المراد به الحج ولهذا قال: {بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا } لأن الحج إنما يفعل في السنة مرة واحدة، قلنا: هذا ضعيف لوجوه. أحدها: إنه ترك للظاهر من غير موجب. الثاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نجاستهم، وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام. الثالث: أنه تعالى لو أراد الحج لذكر من البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو عرفة. الرابع: الدليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [التوبة: 28] فأراد به الدخول للتجارة. وثانيها: قوله تعالى: {أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المسجد، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلا ما قام عليه الدليل فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب بيت المقدس، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العبادة في الكعبة، وأيضاً فقوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } ليس المراد منه خوف الإخراج، بل خوف الجزية والإخراج، قلنا: الجواب عن الأول: أن قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } ظاهر في العموم، فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر. وعن الثاني: أن الظاهر قوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } يقتضي أن يكون ذلك الخوف إنما حصل من الدخول، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولداً من الدخول بل من شيء آخر، فسقط كلامهم. وثالثها: قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } تفسير : [التوبة: 17] وعمارتها تكون بوجهين. أحدهما: بناؤها وإصلاحها. والثاني: حضورها ولزومها، كما تقول: فلان يعمر مسجد فلان أي يحضره ويلزمه وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»، تفسير : وذلك لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } تفسير : [التوبة: 18]، فجعل حضور المساجد عمارة لها. ورابعها: أن الحرم واجب التعظيم لقوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء: «حديث : اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة»تفسير : فصونه عما يوجب تحقيره واجب وتمكين الكفار من الدخول فيه تعريض للبيت للتحقير لأنهم لفساد اعتقادهم فيه ربما استخفوا به وأقدموا على تلويثه وتنجيسه. وخامسها: أن الله تعالى أمر بتطهير البيت في قوله: {أية : وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ } تفسير : [الحج: 26] والمشرك نجس لقوله تعالى؛ {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } تفسير : [التوبة: 28] والتطهير على النجس واجب فيكون تبعيد الكفار عنه واجباً. وسادسها: أجمعنا على أن الجنب يمنع منه، فالكافر بأن يمنع منه أولى إلا أن هذا مقتضى مذهب مالك وهو أن يمنع عن كل المساجد واحتج أبو حنيفة رحمه الله بأمور، الأول: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قدم عليه وفد يثرب فأنزلهم المسجد. الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن» تفسير : وهذا يقتضي إباحة الدخول. الثالث: الكافر جاز له دخول سائر المساجد فكذلك المسجد الحرام كالمسلم، والجواب عن الحديثين الأولين: أنهما كانا في أول الإسلام ثم نسخ ذلك بالآية، وعن القياس أن المسجد الحرام أجل قدراً من سائر المساجد فظهر الفرق، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} «مَن» رفع بالابتداء، و {أَظْلَمُ} خبره؛ والمعنى لا أحدَ أظلم. و «أنْ» في موضع نصب على البدل من {مَسَاجِدَ}، ويجوز أن يكون التقدير: كراهية أن يُذكر، ثم حذف. ويجوز أن يكون التقدير: من أن يذكر فيها؛ وحرف الخفض يُحذف مع «أنْ» لطول الكلام. وأراد بالمساجد هنا بيت المَقْدِس ومحاريبه. وقيل الكعبة، وجمعت لأنها قِبْلة المساجد أو للتعظيم. وقيل: المراد سائر المساجد؛ والواحد مَسْجِد (بكسر الجيم)، ومن العرب من يقول: مَسجَد، (بفتحها). قال الفراء: «كل ما كان على فَعَلَ يَفْعُل؛ مثل دخل يدخل، فالمفعل منه بالفتح ٱسماً كان أو مصدراً، ولا يقع فيه الفرق، مثل دخل يَدْخُل مَدْخَلاً، وهذا مَدْخَلُه؛ إلا أحرفاً من الأسماء ألزموها كسر العين؛ من ذلك: المَسْجِد والمَطْلِع والمغرِب والمشرِق والمَسْقِط والمَفْرِق والمَجْزِر والمَسْكِن والمَرْفِق (من رفَقَ يَرْفُق) والمَنْبِت والمَنْسِك (من نَسَك يَنْسُك)؛ فجعلوا الكسر علامة للاسم، ورُبّما فتحه بعض العرب في الاسم». والمَسْجَد (بالفتح): جبهة الرجل حيث يصيبه نَدَبُ السجود. والآراب: السبعة مساجد؛ قاله الجوهري. الثانية: وٱختلف الناس في المراد بهذه الآية وفيمن نزلت؛ فذكر المفسرون أنها نزلت في بُخْتَ نَصّر؛ لأنه كان أخرب بيت المقدس. وقال ٱبن عباس وغيره: نزلت في النصارى؛ والمعنى كيف تدّعون أيها النصارى أنكم من أهل الجنة! وقد خرّبتم بيت المقدس ومنعتم المصلين من الصلاة فيه. ومعنى الآية على هذا: التعجّب من فعل النصارى ببيت المقدس مع تعظيمهم له، وإنما فعلوا ما فعلوا عداوة لليهود. روى سعيد عن قتادة قال: أولئك أعداء الله النصارى، حملهم إبغاض اليهود على أن أعانوا بُخْتَ نَصّر البابليّ المجوسيّ على تخريب بيت المقدس. وروي أن هذا التخريب بقي إلى زمن عمر رضي الله عنه. وقيل: نزلت في المشركين إذ منعوا المصلين والنبيّ صلى الله عليه وسلم، وصدّوهم عن المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبِيَة. وقيل: المراد مَن منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف؛ والله تعالى أعلم. الثالثة: خراب المساجد قد يكون حقيقيًّا كتخريب بُخْتَ نَصّر والنصارى بيت المقدس على ما ذُكر أنهم غَزَوْا بني إسرائيل مع بعض ملوكهم ـ قيل: ٱسمه نطوس ابن اسبيسانوس الرومي فيما ذكر الغزنَوِيّ ـ فقتلوا وسبَوْا، وحرقوا التوراة، وقذفوا في بيت المقدس العِذْرة وخربوه. ويكون مجازاً كمنع المشركين المسلمين حين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام؛ وعلى الجملة فتعطيل المساجد عن الصلاة وإظهار شعائر الإسلام فيها خراب لها. الرابعة: قال علماؤنا: ولهذا قلنا لا يجوز منع المرأة من الحج إذا كانت ضَرُورة، سواء كان لها مَحْرَم أو لم يكن؛ ولا تمنع أيضاً من الصلاة في المساجد ما لم يخف عليها الفتنة؛ وكذلك قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»تفسير : ولذلك قلنا: لا يجوز نقض المسجد ولا بيعه ولا تعطيله وإن خربت المحلة، ولا يمنع بناء المساجد إلا أن يقصدوا الشقاق والخلاف، بأن يبنوا مسجداً إلى جنب مسجد أو قُربه؛ يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأوّل وخرابه وٱختلاف الكلمة، فإن المسجد الثاني ينقض ويمنع من بنيانه؛ ولذلك قلنا: لا يجوز أن يكون في المصر جامعان، ولا لمسجد واحد إمامان، ولا يصلي في مسجد جماعتان. وسيأتي لهذا كله مزيد بيان في سورة «براءة» إن شاء الله تعالى، وفي «النور» حكم المساجد وبنائها بحول الله تعالى. ودلّت الآية أيضا على تعظيم أمر الصلاة، وأنها لمّا كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجراً كان منعها أعظم إثماً. الخامسة: كل موضع يمكن أن يُعبد الله فيه ويُسجد له يسمَّى مسجداً؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : جُعلت لِيَ الأرض مسجداً وطهوراً»تفسير : ، أخرجه الأئمة. وأجمعت الأمة على أن البُقعة إذا عُيِّنت للصلاة بالقول خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربّها وصارت عامةً لجميع المسلمين؛ فلو بنى رجل في داره مسجداً وحجزه على الناس وٱختص به لنفسه لبقي على ملكه ولم يخرج إلى حَدّ المسجدية، ولو أباحه للناس كلهم كان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن ٱختصاص الأملاك. السادسة: قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} «أولئك» مبتدأ وما بعده خبره. «خائفين» حال؛ يعنى إذا ٱستولى عليها المسلمون وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر حينئذ من دخولها. فإن دخلوها، فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم، وتأديبهم على دخولها. وفي هذا دليل على أن الكافر ليس له دخول المسجد بحال، على ما يأتي في «براءة» إن شاء الله تعالى. ومن جعل الآية في النصارى روى أنه مَرَ زمان بعد بناء عمر بيت المَقْدِس في الإسلام لا يدخله نصرانيّ إلا أُوجع ضرباً بعد أن كان متعبّدهم. ومن جعلها في قريش قال: كذلك نودي بأمر النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَلاَ لا يَحُجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبَيْت عُرْيان»تفسير : . وقيل: هو خبر ومقصوده الأمر؛ أي جاهدوهم وٱستأصلوهم حتى لا يدخل أحد منهم المسجد الحرام إلا خائفاً؛ كقوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ} تفسير : [الأحزاب: 53] فإنه نَهْي ورَدَ بلفظ الخبر. السابعة: قوله تعالى: {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} قيل القَتْل للحربيّ، والْجزية للذِّمي؛ عن قتادة. السُّديّ: الخزْيُ لهم في الدنيا قيامُ المهِديّ، وفتحُ عَمُّورِيّة ورُومِيَة وقُسْطَنْطِينية، وغير ذلك من مُدُنهم؛ على ما ذكرناه في كتاب التّذكرة. ومن جعلها في قريش جعل الْخزي عليهم في الفتح، والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافراً.
البيضاوي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ} عام لكل من خرب مسجداً، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة. وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله. أو في المشركين لما منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } ثاني مفعولي منع {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا } بالهدم، أو التعطيل {أُوْلَـٰئِكَ } أي المانعون {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخشوع فضلاً عن أن يجترئوا على تخريبها، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلاً عن أن يمنعوهم منها، أو ما كان لهم في علم الله وقضائه، فيكون وعداً للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم وقد نجز وعده. وقيل: معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المسجد، واختلف الأئمة فيه فجوز أبو حنيفة ومنع مالك، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } قتل وسبي، أو ذلك بضرب الجزية {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} بكفرهم وظلمهم.
ابن كثير
تفسير : اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها، على قولين: (أحدهما) ما رواه العوفي في تفسيره عن ابن عباس، في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} قال: هم النصارى. وقال مجاهد: هم النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ}. قال: هو بختنصر وأصحابه، خرب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى. وقال سعيد عن قتادة، قال: أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، حتى خربه، وأمر أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه، من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا، وروي نحوه عن الحسن البصري، (القول الثاني)، ما رواه ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ}، قال: هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، وبين أن يدخل مكة، حتى نحر هديه بذي طوى، وهادنهم، وقال لهم: «حديث : ما كان أحد يصد عن هذا البيت، وقد كان الرجل، يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده»تفسير : فقالوا: لا يدخل علينا من قتل آباءنا يوم بدر، وفينا باق. وفي قوله: {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ} قال: إذ قطعوا من يعمرها بذكره ويأتيها للحج والعمرة. وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سلمة قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس، أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}، ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة، وأما الروم، فسعوا في تخريب بيت المقدس، (قلت): والذي يظهر، والله أعلم، القول الثاني كما قاله ابن زيد. وروي عن ابن عباس، لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس، كان دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولاً إذ ذاك، لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى بن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، وأيضاً فإنه تعالى، لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم، كما قال تعالى: {أية : وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَمَا كَانُوۤاْ أَوْلِيَآءَهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأنفال: 34]، وقال تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَـٰهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ أُوْلَـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ وَفِى ٱلنَّارِ هُمْ خَـٰلِدُونَ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَىٰ ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ }تفسير : [التوبة: 17 ـ 18] وقال تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [الفتح:25] فقال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتَىٰ ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ}تفسير : [التوبة: 18]، فإذا كان من هو كذلك مطروداً منها، مصدوداً عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها، وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك. وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ}، هذا خبر معناه الطلب، أي: لا تمكنوا هؤلاء إذ قدرتم عليهم من دخولها، إلا تحت الهدنة والجزية، ولهذا لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: «حديث : ألا لا يحجّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته»تفسير : ، وهذا إنما كان تصديقاً وعملاً بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة: 28]، وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين، على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين؛ أن يبطشوا بهم، فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى ما كان الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة وغيرهم. وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين، أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم، حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم، إلا خائفاً يخاف أن يُؤخذ فيعاقب أو يقتل، إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد، كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن يجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا تشريف أكناف المسجد الحرام، وتطهير البقعة التي بعث الله فيها رسوله إلى الناس كافة، بشيراً ونذيراً، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو الخزي لهم في الدنيا، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، صدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا عنها، {وَلَهُمْ فِى ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده، والطواف به عرياً، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله، وأما من فسر بيت المقدس، فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم أنزل عليه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً. وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية، فهو يؤديها. وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة، (قلت): وهذا لا ينفي أن يكون داخلاً في معنى عموم الآية، فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس بامتهان الصخرة، التي كانت تصلي إليها اليهود، عوقبوا شرعاً وقدراً بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر أشحن بهم بيت المقدس، وكذلك اليهود، لما عصوا الله فيه أيضاً أعظم من عصيان النصارى، كانت عقوبتهم أعظم، والله أعلم. وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا بخروج المهدي عند السدي وعكرمة ووائل بن داود، وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون، والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، كما قال الإمام أحمد: أخبرنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلْبَس، سمعت أبي يحدث عن بسر بن أرطاة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: «حديث : اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة»تفسير : وهذا حديث حسن، وليس هو في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه، وهو بُسْر بن أبي أرطاة، ويقال ابن أبي أرطاة حديث سواه، وسوى حديث: لاتقطع الأيدي في الغزو.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ } أي لا أحد أظلم {مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } بالصلاة والتسبيح {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا } بالهدم أو التعطيل، نزلت إخباراً عن الروم الذين خربوا بيت المقدس أو في المشركين لما صدّوا النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن البيت {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } خبر بمعنى الأمر أي أخيفوهم بالجهاد فلا يدخلها أحد آمناً {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } هوان بالقتل والسبي والجزية {وَلَهُمْ فِى ٱلأّخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } هو النار.
الشوكاني
تفسير : هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه، وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم: أي: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، واسم الاستفهام في محل رفع على الابتداء، وأظلم خبره. وقوله: {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } قيل: هو بدل من مساجد. وقيل: إنه مفعول له بتقدير كراهية أن يذكر. وقيل: إن التقدير من أن يذكر، ثم حذف حرف الجر لطول الكلام؛ وقيل إنه مفعول ثان لقوله: {مَنَعَ } والمراد بمنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله: منع من يأتي إليها للصلاة، والتلاوة، والذكر، وتعليمه. والمراد بالسعي في خرابها: هو السعي في هدمها، ورفع بنيانها، ويجوز أن يراد بالخراب تعطيلها عن الطاعات التي وضعت لها، فيكون أعم من قوله: {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ } فيشمل جميع ما يمنع من الأمور التي بنيت لها المساجد، كتعلم العلم وتعليمه، والقعود للاعتكاف، وانتظار الصلاة، ويجوز أن يراد ما هو أعم من الأمرين من باب عموم المجاز، كما قيل في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 18]. وقوله: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } أي: ما كان ينبغي لهم دخولها إلا حال خوفهم، وفيه إرشاد للعباد من الله عزّ وجل أنه ينبغي لهم أن يمنعوا مساجد الله من أهل الكفر من غير فرق بين مسجد ومسجد، وبين كافر وكافر، كما يفيده عموم اللفظ، ولا ينافيه خصوص السبب، وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل وخوف، من أن يفطن لهم أحد من المسلمين، فينزلون بهم ما يوجب الإهانة، والإذلال، وليس فيه الإذن لنا بتمكينهم من ذلك حال خوفهم، بل هو كناية عن المنع لهم منا عن دخول مساجدنا، والخزي: قيل: هو ضرب الجزية عليهم، وإذلالهم، وقيل غير ذلك، وقد تقدّم تفسيره. والمشرق: موضع الشروق. والمغرب: موضع الغروب، أي: هما ملك لله، وما بينهما من الجهات، والمخلوقات، فيشمل الأرض كلها. وقوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } أي: أيّ جهة تستقبلونها، فهناك وجه الله، أي: المكان الذي يرتضى لكم استقباله، وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه: {أية : فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ }تفسير : [البقرة: 150] قال في الكشاف: والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام، أو: في بيت المقدس، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً، فصلوا في أيّ بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها، فإن التولية ممكنة في كل مكان، لا تختص أماكنها في مسجد دون مسجد، ولا في مكان دون مكان. انتهى. وهذا التخصيص لا وجه له، فإن اللفظ أوسع منه. وإن كان المقصود به بيان السبب، فلا بأس. وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } فيه إرشاد إلى سعة رحمته. وأنه يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل: واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال: {أية : وَسِعَ كُلَّ شَىْء عِلْماً }تفسير : [طه: 98]، وقال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه قال: هم النصارى، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، عن السدي قال: هم الروم كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس. وفي قوله: {أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } قال: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، وقد أخيف بأداء الجزية، فهو يؤديها. وفي قوله: {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } قال: أما خزيهم في الدنيا، فإنه إذا قام المهدي، وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة أنهم الروم. وأخرج ابن أبي حاتم، عن كعب: أنهم النصارى لما أظهروا على بيت المقدس حرقوه. وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: هم: المشركون حين صدّوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن البيت يوم الحديبية. وأخرج ابن أبي شيبة، عن أبي صالح قال: ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد إلا خائفين. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة في قوله: {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ } قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس، قال: أوّل ما نسخ من القرآن، فيما ذكر لنا، والله أعلم شأن القبلة، قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } الآية، فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى البيت العتيق، ونسخها فقال: {أية : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ } تفسير : [البقرة: 149]، وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن ابن عمر قال:حديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوّعاً أينما توجهت به تفسير : ،ثم قرأ ابن عمر هذه الآية: {فأينما * تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } وقال: في هذا أنزلت هذه الآية. وأخرج نحوه عنه ابن جرير، والدارقطني، والحاكم وصححه: وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة، وصلى. تفسير : وروى نحوه من حديث أنس مرفوعاً أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود. وأخرج عبد بن حميد، والترمذي وضعفه، وابن ماجه وابن جرير وغيرهم عن عامر بن ربيعة؛ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار، فيعمل مسجداً، فيصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } الآية، فقال: "حديث : مضت صلاتكم"تفسير : . وأخرج الدارقطني، وابن مردويه، والبيهقي عن جابر مرفوعاً نحوه، إلا أنه ذكر أنهم خطوا خطوطاً. وأخرج نحوه ابن مردويه بسند ضعيف، عن ابن عباس مرفوعاً. وأخرج نحوه أيضاً سعيد بن منصور، وابن المنذر عن عطاء يرفعه، وهو مرسل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } قال: قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً. وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي وصححه وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، والدارقطني، والبيهقي، عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقي عن عمر نحوه.
الماوردي
تفسير : {لَهُمْ في الدُّنْيَا خِزْيٌ} فيه تأويلان: أحدهما: أنه قتل الحربي وجزية الذمي. والثاني: أنه فتح مدائنهم عمورية، وقسطنطينية، ورومية، وهذا قول ابن عباس. {وَلَهُمْ في الأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} هو أشد من كل عذاب، لأنهم أظلم من كل ظالم.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَسَاجِدَ اللَّهِ} المساجد المعروفة، أو جميع الأرض التي تقام فيها العبادة "جعلت لي الأرض مسجدا". أُنزلت في بختنصر وأصحابه المجوس خربوا بيت المقدس، أو في النصارى الذين أعانوا بختنصر على خرابه، أو في قريش لصدهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكعبة عام الحديبية، أو عامة في كل مشرك منع من مسجد. {خَرَابِهَآ} هدمها، أو منعها من ذكر الله ـ تعالى ـ فيها. {خَآئِفِينَ} من الرعب إن قُدِرَ عليهم عوقبوا. {خِزْىٌ} الجزية، أو فتح مدائنهم، عمورية، وقسطنطينية، ورومية.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} نزلت في خراب بيت المقدس وذلك أن ططوس الرومي غزا بني إسرائيل فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم وحرق التوراة وخرب بيت المقدس فلم يزل خراباً حتى بناه المسلمون في زمن عمر بن الخطاب فأنزل الله تعالى {ومن أظلم} أي ومن أكفر وأبغى ممن منع مساجد الله، يعني بيت المقدس ومحاريبه أن يذكر فيها اسمه أي يعبد ويصلي له فيها {وسعى في خرابها} وقيل: أن بختنصر المجوسي من أهل بابل هو الذي غزا بني إسرائيل وخرب بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى من أجل اليهود، قتلوا يحيى بن زكريا {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين} ذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى وزيارتهم قال ابن عباس: لم يدخلها بعد عمارتها رومي أو نصارني إلاّ خائفاً إن علم به قتل وقيل أخيفوا بالجزية والقتل فالجزية على الذمي، والقتل على الحربي وقيل: خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث قسطنطينية ورومية وعمورية {لهم في الدنيا خزي} يعني الصغار والذل والقتل والسبي {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} يعني النار. وقيل: إن الآية نزلت في مشركي مكة وأراد بالمساجد المسجد الحرام وذلك أنهم منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن يصلوا فيه في ابتداء الإسلام، ومنعوهم من حجه والصلاة فيه عام الحديبية، وإذا منعوا من يعمره بذكر الله تعالى وصلواته فيه فقد سعوا في خرابه أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلاّ خائفين يعني مشركي مكة يقول الله تعالى: أفتحها عليكم أيها المسلمون حتى تدخلوها وتكونوا أولى بها منهم ففتحها عليهم وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن ينادي بالموسم لما نزلت سورة براءة: ألا لا يحجن البيت بعد هذا العام مشرك فكان هذا خوفهم وثبت في الشرع أن لا يمكن مشرك من دخول الحرم. فإن قلت كيف قيل مساجد الله وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو إما بيت المقدس أو المسجد الحرام؟. قلت يجوز أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً ومن أظلم ممن آذى الصالحين. فإن قلت أي القولين أرجح؟. قلت رجح الطبري القول الأول وقال إن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس بدليل أن مشركي مكة لم يسعوا في خراب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات من الصلاة فيه، وأيضاً فإن الآية التي قبل هذه والتي بعدها في ذم أهل الكتاب، ولم يجر لمشركي مكة ذكر ولا للمسجد الحرام فتعين أن يكون المراد بهذه بيت المقدس، ورجح غيره القول الثاني بدليل أن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من اليهود فكيف يسعون في خرابه وهو موضع حجهم. وذكر ابن العربي في أحكام القرآن قولاً ثالثاً، وهو أنه كل مسجد قال وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال. قوله عز وجل: {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} سبب نزول هذه الآية قال ابن عباس: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة وصلوا فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية. وعن عامر بن ربيعة عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله} أخرجه الترمذي. وقال حديث غريب. وقال ابن عمر نزلت في المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته (ق) عن ابن عمر قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ" وكان ابن عمر يفعله وفي رواية لمسلم "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلّي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت وفيه نزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله} الاية: وقيل: نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة وذلك أن اليهود عيرت المؤمنين وقالوا: ليس لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة يستقبلون هكذا فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في تخيير النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليصلوا حيث شاؤوا من النواحي ثم إنها نسخت بقوله تعالى: {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : [البقرة: 150] ومعنى الآية إن لله المشرق والمغرب وما بينهما خلقاً وملكاً، وإنما خص المشرق والمغرب اكتفاء عن جميع الجهات لأن له كلها وما بينهما خلقه وعبيده، وإن على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه فلما أمرهم باستقباله فهو القبلة فإن القبلة ليست قبلة لذاتها بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، وأمر بالتوجه إليها {فأينما تولوا فثم وجه الله} أي فهنالك قبلة الله التي وجهكم إليها، وقيل معناه فثم وجه الله تعالى بعلمه وقدرته. والوجه صفة ثابتة لله تعالى لا من حيث الصورة. وقيل: فثم رضا الله أي يريدون بالتوجه إليه رضاه {إن الله واسع} من السعة وهو الغني أي يسع خلقه كلهم بالكفاية، والإفضال والجود والتدبير. وقيل واسع المغفرة {عليم} أي بأعمالكم ونياتكم حيثما تصلوا، وتدعوا لا يغيب عنه منها شيء. مسألة تتعلق بحكم الآية: وهي أن المسافر إذا كان في مفازة أو بلاد الشرك، واشتبهت عليه القبلة فإنه يجتهد في طلبها بنوع من الدلائل ويصلي إلى الجهة التي أدى إليها اجتهاده ولا إعادة عليه وإن لم يصادف القبلة فإن جهة الاجتهاد قبلته، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح فإنه يصلي على حسب حاله، وتصح صلاته وكذلك المشدود على جذع بحيث لا يمكنه الاستقبال.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ...} وقال في آية أخرى: {أية : مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ} تفسير : وقال في سورة الزمر {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ} تفسير : فالجمع بين الآيتين يقتضي تساويهما في الظلم، لكن قام الدليل على أن مفتري الكذب على الله أشد ظلما ممن منع مساجد الله من ذكر الله فيها. قيل لابن عرفة: يؤخذ من الآية أنه لا يجوز لهَؤُلاء الأيمة أن يغلقوا باب المسجد ولا أن يبنوا مسجدا لنقوض مسجد آخر؟ فقال رضي الله عنه: أما غلق باب المسجد في غير أوقات الصلاة فهو حفظ له وصيانة إلا أن يكون الإمام مفرطا في الصلاة فيتركه مغلوقا لا يصلى فيه إلى آخر الوقت، وأما بناء مسجد بمسجد فلا يجوز وإن صار قاعة جاز جلوس الجنب والحائض فيه لأنه لم يبق له حرمة المسجد. قال (في المدونة) في كتاب الأقضية: والقضاء في المسجد من الأمر القديم، ولأنه يرضى فيه (بالدون) من المجلس، وتصل إليه المرأة والضعيف. قال ابن عرفة: وتقدم لنا أن رحابه هنا غير رحابه في الصلاة، فرحابه في الصلاة أوسع من هذا فلا يركع الفجر إلا في الصحن البراني الذي لا يحوزه (الغلق)، ويحكم هنا في رحابه التي هي صحنه الدخلاني. قوله تعالى: {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ...} قال ابن عطية: تضمنت الآية أن يكون قوله {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} مفعولا لأجله. قال ابن عرفة: مفهومه أن منعها لغير هذه الحيثية لا يتناوله هذا (الإثم) بل إثمه أقل من ذلك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {قالوا اتخذ الله} بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام {كن فيكون} بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله {كن فيكون الحق} في آل عمران، و {كن فيكون قوله الحق} في الأنعام. وافقه الكسائي في النحل ويس. الوقوف: {خرابها} (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر {خائفين} ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر {عظيم} (ه) {وجه الله} (ط) {عليم} (ه) {وإذا} (لا) تعجيلاً للتنزيه {سبحانه} (ط) {والأرض} (ط) لأن ما بعده مبتدأ {قانتون} (ه) {والأرض} (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط {فيكون} (ه) {آية} (ط) {قلوبهم} (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف {يوقنون} (ه). التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم. وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى. ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان. وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام. وقيل: المراد منع المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية. ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين. هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟ وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله {كذلك قال الذين لا يعلمون} فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و {أن يذكر} ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من {مساجد} أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له. وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله تعالى مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟ ومثله {أية : ويل لكل همزة لمزة} تفسير : [الهمزة: 1] والمنزول فيه الأخنس بن شريق. وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله {ومن أظلم} الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله تعالى فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه. وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة. فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق {أولئك} المانعون {ما كان لهم} أي ما ينبغي لهم {أن يدخلوها} في حال من الأحوال {إلا خائفين} على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم. وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا. وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين. وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة. وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله {أية : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} تفسير : [الأحزاب: 53] فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد. وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله {أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} تفسير : [التوبة: 28]. وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد. وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية {خزي} ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر. وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله {أية : وأن المساجد لله} تفسير : [الجن: 18] بلام الاختصاص {أية : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} تفسير : [التوبة: 18] {أية : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} تفسير : [النور: 39] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" تفسير : وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان. (الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "حديث : دياركم تكتب آثاركم " تفسير : (الثالثة) في تزيين المساجد. عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما أمرت بتشييد المساجد"تفسير : قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى. التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه. وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس. (الرابعة) في تحية المسجد. عن أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس"تفسير : وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق. وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي. (الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه. روت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد صلى الله عليه وسلم وقال:حديث : رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك . تفسير : (السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث ". تفسير : (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً. عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" تفسير : وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً. ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد. (الثامنة) النوم في المسجد. عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى. وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه وقال: "حديث : إنها ضجعة يبغضها الله " تفسير : (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد. عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه " تفسير : (العاشرة) عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس ". تفسير : (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب. وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله. قوله عز من قائل {ولله المشرق والمغرب} الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله تعالى، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم. وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه تعالى صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك {أية : إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً}تفسير : [مريم: 16] فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟ ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه تعالى نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة. وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء. وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا. وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة. وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة. فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة. فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة. وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في {تولوا} للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم. عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم}" تفسير : [آل عمران: 199] الآية. فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي. فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله {أية : وما كان الله ليضيع إيمانكم} تفسير : [البقرة: 143] وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت {أية : ادعوني أستجب لكم}تفسير : [غافر: 60] قالوا: أين ندعوه؟ فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل {أية : فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام}تفسير : [البقرة: 144] {أية : فولوا وجوهكم شطره} تفسير : [البقرة: 144] فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : جعلت لي الأرض مسجداً" تفسير : وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب. ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها. ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و {ثم} إشارة إلى المكان خاصة. وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله تعالى وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام. والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل {أية : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض} تفسير : [الأنعام: 79] أو المراد فثم مرضاة الله مثل {أية : إنما نطعمكم لوجه الله} تفسير : [الدهر: 9] فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً. و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟ فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه تعالى قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم. قوله {وقالوا اتخذ الله ولداً} نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله {كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} وفي قوله {ومن أظلم} كما مر. والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله {سبحانه} تنزيه له عن ذلك وتبعيد {بل له ما في السموات والأرض} ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح. والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟ اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما. وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال {كل له قانتون} التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين. وقوله {بل له ما في السموات} يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء. وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في {قانتون} للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل. يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه. فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟ فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟ وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت {بديع} خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع {السموات والأرض} عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه. وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه تعالى بين كيفية إبداعه فقال: {وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع. قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: شعر : وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا داود أو صنـع السـوابـغ تبـع تفسير : ثم من قرأ {فيكون} بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه. قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له. فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى. فإن قلت: إن قوله {فيكون} لما كان من تتمة المقول. فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله {أمراً} وفي قوله {له} ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك. وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله تعالى لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله {كن} إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه. (الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة. (الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله {كن} فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى {كن}، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ {كن} فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ {كن} ولا نزاع في اللفظ. (الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا. (السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل. وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم. وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة {وقال الذين لا يعلمون} يعني الجهلة من المشركين. وقيل: من أهل الكتاب أيضاً. ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به. فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة. ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه تعالى كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك {أية : فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفسير : [النجم: 10] فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟ فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟ وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله تعالى بقوله {كذلك قال الذين من قبلهم} من مكذبي الرسل {تشابهت قلوبهم} أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله {أية : أتواصوا به} تفسير : [الذاريات: 53] فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل {أية : لن نصبر على طعام واحد} تفسير : [البقرة: 61] {أية : أرنا الله جهرة} تفسير : [النساء: 153] {أية : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} تفسير : [الأعراف: 138] فكذلك هؤلاء المشركون {أية : قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً}تفسير : [الإسراء: 90] {أية : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} تفسير : [الفرقان: 21] وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء} تفسير : [النساء: 153] {قد بينا الآيات لقوم} يفقهون فـ {يوقنون} أنها آيات. فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم. التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد. فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود عليه السلام: يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة. وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات {أولئك ما كان لهم} أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب {لهم في الدنيا خزي} من ذل الحجاب {ولهم في الآخرة عذاب} الحرمان من جوار الله. {ولله المشرق والمغرب} القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء. وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله {فأينما تولوا فثم وجه الله} {إن الله واسع} يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه {عليم} بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.
ابن عادل
تفسير : "مَنْ" استفهام في محلّ رفع بالابتداء، "أظْلَمُ" أفعل تفضيل خبره، ومعنى الاستفهام هنا النفي، أي: لا أحد أظلم منه، ولما كان المعنى على ذلك أورد بعض الناس سؤالاً، وهو أن هذه الصيغة قد تكررت في القرآن {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ}تفسير : [الأنعام:21] {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ}تفسير : [السجدة:22] {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى ٱللَّهِ}تفسير : [الزمر:32] كل واحدة منها تقتضي أن المذكور لا يكون أحد أظلم منه، فكيف يوصف غيره بذلك؟ والجواب من وجوه: أحدها: وهو أن يخصّ كل واحد بمعنى صلته كأنه قال: لا أحد من المانعين أظلم ممن منع من مساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله، ولا أحد من الكَذّابين أظلم ممن كذب على الله، وكذلك ما جاء منه. الثاني: أن التَّخصيص يكون بالنِّسْبة إلى السَّبْق، لما لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممن جاء بعدهم سالكاً طريقهم في ذلك، وهذا يؤول معناه إلى السبق في المانعية والافترائية ونحوها. الثالث: أن هذا نفي للأظلمية، ولما كان نفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظَّالمية لم يكن مناقضاً؛ لأن فيها إثبات التسوية في الأظلميّة، وإذا ثبتت التسوية في الأظلمية لم يكن أحد ما وصف بذلك يزيد على الآخر؛ لأنهم متساوون في ذلك، وصار المعنى: ولا أحد أظلم ممن منع، وممن افترى وممن ذكر، ولا إشكال فى تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدلّ ذلك على أن أحد هؤلاء يزيد على الآخر في الظلم، كما أنك إذ قلت: "لا أحد أفقه من زيد وبَكْر وخالد" لا يدلّ على أن أحدهم أَفْقَهُ من الآخر، بل نفيت أن يكون أحد أفقه منهم، لا يقال: إن من منع مساجد الله، وسعى في خَرَابها، ولم يفتر على الله كذباً أقلّ ظلماً ممن جمع بين هذه الأشياء، فلا يكونون متساوين في الأظلمية إذ هذه الآيات كلها في الكُفَّار، وهم متساوون في الأظلمية إذْ كانت طرق الأظلمية مختلفة. و "مَنْ" يجوز أن تكون موصولة، فلا محلّ للجملة بعدها، وأن تكون موصوفةً فتكون الجملة محلّ جار صفة لها. و "مَسَاجِدَ" مفعول أول بـ "منع"، وهي جمع مسجد، وهو اسم مكان السجود، وكان من حقه أن يأتي على "مَفْعَل" بالفتح لانضمام عين مضارعة، ولكن شذّ كسره، [كما شذّت ألفاظ تأتي]. وقد سمع "مَسْجَد" بالفتح على الأصل. قال القرطبي رحمه الله: قال الفَرَّاء: كل ما كان على "فَعَلَ يَفْعُل"، مثل دَخَلَ يَدخُل، فالمَفْعَل منه بالفتح اسماً كان أو مصدراً، ولا يقع فيه الفرق، مثل: دخل يَدْخُل مَدْخَلاً، وهذا مَدْخَلُه، إلاَ أحرفاً من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك: المَسْجِد، والمَطْلع، والمَغْرِب، والمَشْرِق، والمَسْقِط، والمَفْرِق، والمْجزِر، والمَسْكِن، والمَرْفِق، من: رفَقَ يَرْفُق، والمَنْبِت، والمنْسك مَنْ: نَسَكَ يَنْسُك، فجعلوا الكَسر علامة للاسم. والمَسْجَد ـ بالفتح ـ جَبْهَةُ الرجل حيث يصيبه مكان السجود. قال الجوهري رحمه الله تعالى: "الأعضاء السَّبعة مَسَاجد، وقد تبدل جيمه ياء، ومنه: المَسْجد لغة". قوله تعالى: "أَنْ يُذْكَرَ" ناصب ومنصوب، وفيه أربع أوجه: أحدها: أنه ثاني لـ "منع"، تقول: منعته كذا. والثاني: أنه مفعول من أجله أي: كراهة أن يذكر. وقال أبو حيان: فتعين حذف مضاف أي دخول مساجد الله، وما أشبهه. والثالث: أنه بدل اشتمال من "مَسَاجِدَ" أي: منع ذكر اسمه فيها. والرابع: إنه على إسقاط حرف الجر، والأصل من أن يذكر، وحينئذ يجيء فيها مذهبان مشهوران من كونها في محلّ نصب أو جر، و "في خرابها" متعلق بـ "سعى". واختلف في "خراب" فقال أبو البقاء: "هو اسم مصدر بمعنى التخريب كالسَّلام بمعنى التسليم، وأضيف اسم المصدر لمفعوله؛ لأنه يعمل عمل الفعل". وهذا على أحد القولين في أسم المصدر، هل يعمل أو لا؟ وأنشدوا على إعماله: [الوافر] شعر : 746ـ أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وَبَعْدَ عَطَائِكَ المائَةَ الرِّتَاعَا تفسير : وقال غيره: هو مصدر: خَرِبَ المكان يَخْرُبَ خراباً، فالمعنى: سعى في أن تَخْرب هي بنفسها بعدم تَعَاهدها بالعِمَارة، ويقال: منزل خَرَاب وخَرِب؛ كقوله: [البسيط] شعر : 747ـ ما رَبْعُ مَيَّةَ مَعْمُوراً يَطِيفُ بِهِ غَيْلاَنُ أَبْهَى رُباً مِنْ رَبْعِها الخَرِبِ تفسير : فهو على الأول مضاف للمفعول وعلى الثاني مضاف للفاعل. فصل في تعلق الآية بما قبلها في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: فأما من حملها على النصارى، وخراب "بيت المقدس" قال: تتصل بما قبلها من حيث النصارى ادّعوا أنهم من أهل الجنة فقط. فقيل لهم: كيف تكونون كذلك مع أن معاملتكم في تخريب المساجد، والسعي في خرابها هكذا؟ وأما من حمله على المسجد الحرام، وسائر المساجد، قال: جرى ذكر مشركي العرب في قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}تفسير : [البقرة:113]. وقيل: [ذم جميع الكفار]، فمرة وجه الذَّنب إلى اليهود والنصارى، ومرة إلى المشركين. فصل فيمن خرب "بيت المقدس" قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: [إن ملك النصارى غزا "بيت المقدس" فخربه، وألقى فيه الجيف، وحاصر أهله، وقتلهم، وسبى البقية، وأحرق التوراة]، ولم يزل "ببيت المقدس" خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمن عمر. وقال الحسن وقتادة والسدي: نزلت في بخت نصر وأصحابه غزو اليهود وخربوا بيت المقدس، وأعانه على ذلك [الرومي وأصحابه النصارى من أهل "الروم". قال السدي: من أجل أنهم قتلوا يحيى بن زكريا عليهما السلام. قال قتادة: حملهم بغض اليهود على معاونة بخت نصر البابلي المجوسي]. قال أبو بكر الرازي رحمه الله تعالى في "أحكام القرآن": هذان الوَجهان غلطان؛ لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد "بختنصّر" كان قبل مولد المسيح ـ عليه السلام ـ بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف يكونون مع بختنصّر في تخريب "بيت المقدس"؟ وأيضاً فإن النصارى يعتقدون في تعظيم "بيت المقدس" مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه. وقيل: نزلت في مشركي العَرَبِ الذين منعوا الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ عن الدعاء إلى الله بـ "مكة" وألجئوه إلى الهِجْرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وقد كان الصديق ـ رضي الله عنه ـ بنى مسجداً عند داره، فمنع وكان ممن يؤذيه وِلْدَان قريش ونساؤهم. وقيل: إن قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا}تفسير : [الإسراء:110] نزلت في ذلك، فمنع من الجهر لئلا يؤذى، وطرح أبو جهل العذرة على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: ومن أظلم من هؤلاء المشركين الذين يمنعون المسلمين الذين يوحّدون الله ولا يشركون به شيئاً، ويصلون له تذللاً، وخشوعاً، ويشغلون قلوبهم بالفكر فيه، وألسنتهم بالذكر له، وجميع جسدهم بالتذلُّل لعظمته وسلطانه. وقال أبو مسلم: المراد منه الذين صّدُّوه عن المسجد الحرام حين ذهب إليه من "المدينة" عام "الحديبية"، واستشهد بقوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الفتح:25] وحمل قوله تعالى: {إلاَّ خَآئِفِينَ} بما يعلي الله تعالى من يده، ويظهر من كلمته، كما قال في المُنَافقين: {أية : ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً}تفسير : [الأحزاب:60ـ61]. [فإن قيل: كيف يجوز حمل لفظ المساجد على مسجد واحد؟ والجواب: أن هذا كمن يقول: من أظلم ممن آذى صالحاً واحداً، ومن أظلم ممّن آذى الصالحين. أو يقال: إن المسجد موضع السجود، والمسجد الحرام لا يكون في الحقيقة مَسْجداً واحداً]. قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه خامس، وهو أقرب إلى رعاية النظم، وهو أن يقال: إنه لما حولت القِبْلَة إلى الكعبة شقّ ذلك على اليهود، فكانوا يمنعون النَّاس عن الصَّلاة عند توجّههم إلى الكعبة، ولعلّهم أيضاً سعوا في تخريب الكعبة بأن حملوا بعض الكفار على تخريبها، وسعوا أيضاً في تخريب مسجد الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لئلا يصلوا فيه متوجّهين إلى القِبْلَةِ، فعابهم الله بذلك، وبيّن سوء طريقتهم فيه. قال: وهذا التأويل أوْلَى مما قبله، وذلك لأن الله ـ تعالى ـ لم يذكر في الآيات السَّابقة على هذه الآية إلاَّ قبائح أفعال اليهود والنصارى، وذكر أيضاً بعدها قَبَائح أفعالهم، فكيف يليق بهذه الآية الواحدة أن يكون المراد منها قبائح أفعال المشركين في صَدّهم الرسول عن المَسجِدِ الحرام. وأما حمل الآية على سَعْيِ النَّصَارى في تخريب "بيت المقدس" فضعيف أيضاً على ما شرحه أبو بكر الرَّازي رحمه الله تعالى، فلم يبق إلاَّ ما قلناه. فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي أن هذا الفعل أعظم أنواع الظلم، وفيه إشكال؛ لأن الشرك ظلم على ما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان:113] مع أن الشِّرك أعظم من هذا الفعل، كذا الزنا، وقتل النفس أعظم من هذا الفعل. فالجواب عنه: [مضى ما في الباب] أنه عام دخله التخصيص، فلا يقدح فيه. والله أعلم. فصل فيما يستدل بالآية عليه قال القُرْطبي رحمه الله: لا يجوز منع المرأة من الحجّ إذا كانت ضرورة، سواء كان لها محرم أم لم يكن، ولا تمنع أيضاً من الصَّلاة في المَسَاجد، ما لم يخف عليها الفتنة لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ"تفسير : وكذلك لا يجوز نقض المسجد، ولا بيعه، ولا تعطيله، وإن خربت المحلّة، ولا يمنع بناء المساجد إلاَّ أن يقصدوا الشِّقاق والخلاف، بأن يَبْنُوا مسجداً إلى جنب مَسْجد أو قَرْية، يريدون بذلك تفريق أهل المسجد الأول وخرابه، واختلاف الكلمة، فإن المسجد الثَّاني ينقض، ويمنع من بنيانه، وسيأتي بقية الكلام [في سورة "براءة" إن شاء الله تعالى]. قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ}. "أولئك" مبتدأ، "لهم" خبر "كان" مقدّم على اسمها، واسمها "أنْ يَدْخُلُوهَا" لأنه في تأويل المصدر، أي: ما كان لهم الدخول، والجملة المنفية محلّ رفع خبر عن "أولئك". قوله: "إلاَّ خَائِفِينَ" حال من فاعل "يَدْخُلُوهَا" وهذا استثناء مفرّغ من الأحوال؛ لأن التقدير: ما كان لهم الدخول في جميع الأحوال، إلاَّ في حالة الخوف. وقرأ أبي "خُيَّفاً" وهو جمع خَائِف، كـ "ضارب" و "ضُرّب"، والأصل: خُوَّف كـ "صُوَّم"، إلا أنه أبدل الواوين ياءين وهو جائز، قالوا: صوم وصيم، وحَمَل أولاً على لفظ "من"، فأفرد في قوله: "منع، وسعى" وعلى معناه ثانياً، فجمع في قوله: "أولئك" وما بعده. فصل في ظاهر الآية ظاهر الآية يقتضي أنَّ الذين منعوا وسعوا في تخريب المَسْجد هم الذين يحرم عليهم دخوله إلاَّ خائفين. وأما من جعله عامًّا في الكل، فذكروا في تفسير هذا الخوف وجوهاً: أحدها: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مَسَاجد الله إلاَّ خائفين على حال الهيبة؛ وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فَضْلاً أن يستولوا عليها، ويمنعوا المؤمنين منها، والمعنى فما كان الحقّ والواجب إلا ذلك الولاء ظلم الكفرة وعتوّهم. وثانيها: أن هذا بشارة من الله للمسلمين بأنه سيظهرهم على المسجد الحرام، وعلى سائر المساجد، وأنه يذلّ المشركين لهم حتَّى لا يدخل المسجد الحرام واحد منهم إلاَّ خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب، أو يقتل إن لم يسلم، وقد أنجز الله ـ تعالى ـ صدق هذا الوعد، فمنعهم من دخول المسجد الحرام، ونادى فيه عام حجّ أبو بكر رضي الله عنه: "ألا لا يحجن بعد العام مشرك"، وأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإخراج اليهود من جزيرة العرب، فحجّ من العام الثاني ظاهراً على المساجد لا يجترىء أحد من المشركين أن يحج ويدخل المسجد الحرام، وهذا هو تفسير أبي مسلم. ثالثها: أن يحمل هذا الخوف على ما يلحقهم من الصَّغَار والذل بالجِزْيَةِ والإذْلال. ورابعها: أنه يحرم عليهم دخول المسجد الحرام، إلاّ في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمُخَاصمة والمُحَاكمة والمُحَاجّة؛ كلّ ذلك يتضمّن الخوف، والدليل عليه قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ ٱللهِ شَاهِدِينَ عَلَىٰ أَنفُسِهِم بِٱلْكُفْرِ}تفسير : [التوبة:17]. وخامسها: قال قتادة والسُّدي: بمعنى أن النصارى لا يدخلون "بيت المقدس" إلا خائفين، ولا يوجد فيه نَصْراني إلا أوجع ضرباً، وهذا مردود؛ لأن "بيت المقدس" بقي أكثر من مائة سنة في أيدي النَّصَارى بحيث لم يتمكّن أحد من المسلمين من الدُّخول فيه إلا خائفاً، إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين ـ رحمه الله ـ في زماننا. وسادسها: أنه كان لفظه لفظ الخبر، لكن المراد منه النهي عن تمكينهم من الدخول، والتخلية بينهم وبينه كقوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ}تفسير : [الأحزاب:53]. [وسابعها: أنه خبر بمعنى الإنشاء أي أنهضوهم بالجهاد حتى لا يدخلها أحد منهم إلاَّ خائفاً من القتل والسَّبي]. قوله: {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} هذه الجملة وما بعدها لا محلّ لها لاستئنافها عما قبلها، ولا يجوز أن تكون حالاً، لأن خزيهم ثابتٌ على كلّ حال لا يتقيّد بحال دخول المساجد خاصّة. اختلفوا في الخِزْيِ، فقال بعضهم: ما يلحقهم من الذُّل بمنعهم من المساجد، وقال قتادة القَتْلُ للخزي، والجزية للذمي. وقال السدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي، وفتح "عَمورِيّة" و "رُومِيَّة" و "قُسْطَنْطِينِيَّة"، وغير ذلك من مُدنهم، والعَذاب العظيم [فقد وصفه الله ـ تعالى ـ بما] يجري مجري النهاية في المبالغة؛ لأن الذين قدم ذكرهم وصفهم بأعظم الظلم، فبيّن أنهم يستحقون العقاب العظيم. فصل في دخول الكافر المسجد اختلفوا في دخول الكافر المسجد، فجوزه أبو حنيفة مطلقاً، وأباه مالك مطلقاً. وقال الشافعي رضي الله عنه: يمنع من دخول الحرم، والمسجد الحرام، واحتج بوجوه منها قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة:28]، قال: قد يكون المراد المسجد الحرام الحرم لقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الإسراء:1] وإنما أسرى به من بيت خديجة فالآية دالة، إما على المسجد فقط، أو على الحرم كله، وعلى التقديرين، فالمقصود حاصل؛ لأن الخلاف حاصل فيهما جميعاً. فإن قيل: المراد به الحجّ لقوله: {أية : بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا}تفسير : [التوبة:28] لأن الحجّ إنما يفعل في السنة مرة واحدة. فالجواب من وجوه: أحدها: أنه ترك للظَّاهر من غير موجب. الثَّاني: ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون ذلك الوصف علّة لذلك الحكم، وهذا يقتضي أن المانع من قربهم من المسجد الحرام نَجَاستهم، [وذلك يقتضي أنهم ما داموا مشركين كانوا ممنوعين عن المسجد الحرام]. الثالث: أنه ـ تعالى ـ لو أراد الحج لذكر البقاع ما يقع فيه معظم أركان الحج وهو "عرفة". الرابع: الدَّليل على أن المراد دخول الحرم لا الحج فقط قوله تعالى: {أية : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ}تفسير : [التوبة:28] فأراد به الدخول للتجارة. ومنها قوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} وهذا يقتضي أن يمنعوا من دخول المساجد، وأنهم متى دخلوا كانوا خائفين من الإخراج إلاَّ ما قام عليه الدليل. فإن قيل: هذه الآية مخصوصة بمن خرب "بيت المقدس"، أو بمن منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من العِبَادَةِ في الكعبة. وأيضاً يحتمل أن يكون خوف الجزية والإخراج. فالجواب عن الأول: أن الآية ظاهرة في العموم فتخصيصه ببعض الصور خلاف الظاهر، وعن الثاني أن الآية تدل على أن الخوف إنما يحصل من الدخول، وعلى ما يقولونه لا يكون الخوف متولداً من الدخول، بل من شيء آخر. ومنها [أن الحرم واجب التعظيم والتكريم والتشريف والتفخيم، وأن صونه عمّا يوجب تحقيره واجبٌ، وتمكين الكُفَّار من الدخول فيه تفويض له بالتحقير؛ لأنهم لفسادهم ربما استخفُّوا به، وأقدموا على تلويثه وتنجيسه. ومنها أنه تعالى] أمر بتطهير البيت في قوله: {أية : طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ}تفسير : [البقرة:125] والمشرك نجس لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}تفسير : [التوبة:28]. والتطهير على النجس واجب، فيكون تبعيد الكافر عنه واجباً، وبأنا أجمعنا على أن الجُنب يمنع منه، فالكافر بأن يمنع منه أولى. واحتج أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ بأنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما قدم عليه وفد "يثرب" فأنزلهم المسجد بقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ ". تفسير : وهذا يقتضي إباحة الدخول. وأيضاً فالكافر جاز له دخول سائر المساجد، فكذلك المسجد الحرام كالمسلم. والجواب عن الحديثين: أنهما كانا في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالآية، وعن القياس أن المسجد الحرام [أعظم] قدراً من سائر المساجد، فظهر الفرق، والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس. أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله {ومن أظلم ممن منع مساجد الله...} الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ومن أظلم ممن منع مساجد الله} قال: هم النصارى. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه} قال: هم النصارى، وكانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {ومن أظلم ممن منع مساجد الله...} الآية. قال: هم الروم، كانوا ظاهروا بختنصر على بيت المقدس. وفي قوله {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} قال: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن تضرب عنقه، وقد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها. وفي قوله {لهم في الدنيا خزي} قال: أما خزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم فذلك الخزي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: أولئك أعداء الله الروم، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس حرقوه، فلما بعث الله محمداً أنزل عليه {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها...} الآية. فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفاً. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: هؤلاء المشركون حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت يوم الحديبية. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد إلا وهم خائفون. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {لهم في الدنيا خزي} قال: يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون. وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه عن بسر بن أرطاة قال "حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ".
ابو السعود
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ} إنكارٌ واستبعاد لأن يكون أحدٌ أظلمَ ممن فعل ذلك أو مساوياً له وإن لم يكن سبكُ التركيب متعرِّضاً لإنكار المساواة، ونفيُها يشهد به العرفُ الفاشِيْ والاستعمالُ المطّردُ فإذا قيل: مَنْ أكرمُ من فلان؟ أو لا أفضلَ من فلان فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريم وأفضلُ من كل فاضل، وهذا الحكم عامٌ لكل من فعل ذلك في أي مسجد كان وإن كان سببَ النزول فعلُ طائفةٍ معينة في مسجد مخصوص. رُوي أن النصارى كانوا يطرَحون في بـيت المقدس الأذى ويمنعون الناسَ أن يصلوا فيه وأن الرومَ غزَوُا أهلَه فخرَّبوه وأحرقوا التوراة وقتلوا وسبوا وقد نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن طِيطَيُوسَ الروميَّ ملكَ النصارى وأصحابَه غزوا بني إسرائيلَ وقتلوا مُقاتِلَتَهم وسبَوُا ذرارِيَهم وأحرقوا التوراةَ وخرَّبوا بـيتَ المقدس وقذفوا فيه الجيفَ وذبحوا فيه الخنازيرَ ولم يزل خراباً حتى بناه المسلمون في عهد عمرَ رضي الله عنه، وإنما أُوقعَ المنعُ على المساجد وإن كان الممنوعُ هو الناسَ لما أن فعلَهم من طرح الأذى والتخريب ونحوِهما متعلقٌ بالمسجد لا بالناس مع كونه على حاله. وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إنها مبطلةٌ لدعوى النصارى اختصاصَهم بدخول الجنة، وقيل: هو منعُ المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخُلَ المسجد الحرام عامَ الحُدَيْبـية فتعلُقها بما تقدمها من جهةِ أن المشركين من جُملة الجاهلين القائلين لكل مَنْ عداهم ليسوا على شيء. {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} ثاني مفعولي (منع) كقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ }تفسير : [الإسراء، الآية 94. الكهف، الآية 55]، وقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِٱلأيَـٰتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونَ } تفسير : [الإسراء، الآية 59] ويجوز أن يكون ذلك بحذف الجارِّ مع أن وأن يكون ذلك مفعولاً له أي كراهة أن يُذكر فيها اسمُه {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا} بالهدم أو التعطيل بانقطاع الذكر {أُوْلَـٰئِكَ} المانعون الظالمون الساعون في خرابها {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} أي ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخضوعٍ فضلاً عن الاجتراء على تخريبها أو تعطيلها أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا على حال التهيُّب وارتعادِ الفرائصِ من جهة المؤمنين أن يبطِشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويَلوُها ويمنعوهم منها أو ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه بالآخرة إلا ذلك فيكونُ وعداً للمؤمنين بالنُصرة واستخلاص ما استولَوْا عليه منهم وقد أُنجز الوعدُ ولله الحمد. رُوي أنه لا يدخل بـيتَ المقدس أحدٌ من النصارى إلا متنكراً مسارقةً. وقيل: معناه النهيُ عن تمكنهم من الدخول في المسجد واختلف الأئمة في ذلك فجوّزه أبو حنيفة مطلقاً ومنعه مالك مطلقاً وفرَّق الشافعي بـين المسجد الحرام وغيره {لَهُمْ} أي لأولئك المذكورين {فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} أي خزي فظيعٌ لا يوصف بالقتل والسبـي والإذلال بضرب الجزية عليهم {وَلَهُمْ فِى ٱلأخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو عذابُ النار لما أن سببه أيضاً وهو ما حُكي من ظلمهم كذلك في العِظَم، وتقديمُ الظرف في الموضعين للتشويق إلى ما يذكر بعدَه من الخزي والعذاب لما مر من أن تأخيرَ ما حقه التقديمُ موجبٌ لتوجه النفس إليه فيتمكن فيها عند وروده فضلَ تمكنٍ كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } تفسير : [سورة الشرح، الآية 1] {أية : وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ ٱلأنْعَـٰمِ ثَمَـٰنِيَةَ أَزْوٰجٍ} تفسير : [الزمر، الآية 39] إلى غير ذلك.
القشيري
تفسير : الإشارة فيه أن الظالم مَنْ خَرَّبَ أوطان العبادة بالشهوات، وأوطان العبادة نفوس العابدين. وخَرّبَ أوطان المعرفة بالمُنى والعلاقات، وأوطان المعرفة قلوب العارفين. وخَرَّب أوطان المحبة بالحظوظ والمُسَاكنات، وهي أرواح الواجدين. وخرَّب أوطان المشاهدات بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين. قوله جلّ ذكره: {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. لأهل الإشارة خزي الدنيا بذل الحجاب، وعذاب الآخرة الامتناع بالدرجات.
اسماعيل حقي
تفسير : {ومن أظلم} سبب النزول ان ططيوس الرومى ملك النصارى واصحابه عزوا بنى اسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم واحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير ولم يزل خرابا حتى بناه اهل الاسلام فى ايام عمر بن الخطاب رضى الله عنه وذلك لما استولى عمر رضى الله عنه على ولاية كسرى وغنم اموالهم عمر بها بيت المقدس ثم صار فى ايدى النصارى من الافرنج اكثر من مائة سنة حتى فتحه واستخلصه الملك الناصر صلاح الدين من آل ايوب سنة خمسمائة وخمس وثمانين بعد الهجرة ومن فى الاصل كلمة استفهام وهى ههنا بمعنى النفى اى لا احد اظلم {ممن منع مساجد الله} المراد بيت المقدس وصيغة الجمع لكون حكم الآية عاما لكل من فعل ذلك فى اى مسجد كان كما تقول لمن آذى صالحا واحدا ومن اظلم ممن آذى الصالحين لانه لا عبرة لخصوص السبب {أن يذكر فيها اسمه} ثانى مفعولى منع فانه يقتضى ممنوعا وممنوعا عنه فتارة يتعدى اليهما بنفسه كما فى قولك منعته الامر وتارة يتعدى الى الاول بنفسه والى الثانى بحرف الجر وهو كلمة عن او من مذكورة كانت كما فى قولك منعته من الامر او محذوفة كما فى الآية اى من ان يسبح ويقدس ويصلى له فيها {وسعى} اى عمل {فى خرابها} بالهدم والخراب اسم للتخريب كالسلام اسم للتسليم واصله الثلم والتفريق {اولئك} المانعون {ما كان لهم ان يدخلوها الا خائفين} اى ما كان ينبغى لهم ان يدخلوها الا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها {لهم فى الدنيا خزى} اى خزى فظيع لا يوصف كالقتل والسبى فى حق اهل الحرب والاذلال بضرب الجزية فى حق اهل الذمة او هو فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية {ولهم فى الآخرة عذاب عظيم} وهو عذاب النار الذى لا ينقطع لما ان سببه ايضا وهو ما حكى من ظلمهم كذلك فى العظم وقيل نزلت الآية فى مشركى العرب الذين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء الى الله تعالى بمكة والجأوه الى الهجرة فصاروا بذلك مانعين له عليه السلام ولاصحابه ان يذكروا الله فى المسجد الحرام وايضا انهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب اليه من المدينة عام الحديبية وهى السنة السادسة من الهجرة والحديبية موضع على طريق مكة فعلى هذا يكون المسجد الذى نزلت الآية فيه المسجد الحرام فالمراد بالخراب فى قوله وسعى فى خرابها تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة دون تخريبه وهدمه حقيقة وجعل تعطيل المسجد عنهما تخريبا له لان المقصود من بنائه انما هو الذكر والعبادة فيه فما دام لم يترتب عليه هذا المقصود من بنائه صار كأنه هدم وخرب او لم يبن من اصله فان عمارة المسجد كما تكون ببنائه واصلاحه تكون ايضا بحضوره ولزومه يقال فلان يعمر مسجد فلان اذا كان يحضره ويلزمه ويقال لسكان السموات من الملائكة عمارها قال النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان ". تفسير : وذلك لقوله تعالى {أية : إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله} تفسير : [التوبة: 18] فجعل حضور المساجد عمارة لها. قال على رضى الله عنه ست من المروءة ثلاث فى الحضر وثلاث فى السفر * فاما اللاتى فى الحضر فتلاوة كتاب الله تعالى وعمارة مسجد الله واتخاذ الاخوان فى الله واما اللاتي فى السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح فى غير معاصى الله. وعد من علامات الساعة تطويل المنارات وتنقيش المساجد وتزيينها وتخريبها عن ذكر الله تعالى فتعطيل المساجد عن الصلاة والتلاوة واظهار شعائر الاسلام اقبح سيئة لا سيما اذا اقترن بفتح ابواب بيوت الخمر واغلاق ابواب المكاتب وغير ذلك ولقد شوهد هذا فى اكثر البلاد الرومية فى هذا الزمان فلنبك على غربة الدين ايها الاخوان. قال القشيرى رحمه الله ومن اظلم ممن خرب بالشهوات اوطان العبادات وهى نفوس العابدين وخرب بالمنى والعلاقات اوطان المعرفة وهى قلوب العارفين وخرب بالحظوظ والمساكنات اوطان المحبة وهى ارواح الواجدين وخرب بالتفات الى القربات اوطان المشاهدات وهى اوطان الموحدين. ثم فى الآية اشارة الى شرف بيت المقدس والمسجد الحرام وفى الحديث "حديث : من زار بيت المقدس محتسبا اعطاه الله ثواب الف شهيد وحرم الله جسده على النار ومن زار عالما فكأنما زار بيت المقدس" تفسير : كذا فى مشكاة الانوار. وذكر فى القنية ان اعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فانها اخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها اذا لم يكن لها امام معلوم ومؤذن ثم مساجد البيوت فانه لا يجوز الاعتكاف فيها الا للنساء انتهى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى لا مقام اشرف من الجامع الكبير ببروسة بعد الكعبة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وقال كان هو موضع بيت عجوز آمنت بنوح النبى عليه السلام فحفظها الله من الطوفان فى ذلك البيت حين لم تدرك السفينة هكذا ظهر لبعض اهل الله بطريق الكشف ومن اشتغل فيه صانه الله من طوفان الغفلة. وقال ايضا الاشغال فى مكة يوما يقوم مقام الاشتغال فى سائر البلاد سنة بشرط رعاية آدابها قال وفى بلادنا للشغل موضعان احدهما جامع السيد البخارى ببلدة بروسة والآخر مقام ابى ايوب الانصارى بقسطنينية شعر : عابدان اندر نماز وعارفان اندر نياز عاشقان ازشوق وصل يار در سوز وكداز تفسير : اللهم اجعلنا من المشغولين بك.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {مَن} مبتدأ، و {أظلم} خبر، و {أن يذكر} إما منصوب على إسقاط الخافض وتسلط الفعل عليه، أي: من أن يذكر، أو بدل اشتمال من {مساجد}، أو مجرور بالحروف المحذوف، قاله سيبويه. و {خائفين} حال من الواو. يقول الحقّ جلّ جلاله: لا أحَد أكثرُ جُرْماً ولا أعظم ظلماً {ممن} يمنع {مساجد الله} من {أن يذكر} اسم الله فيها، جماعة أو فرادى، في صلاة أو غيرها، {وسعى في خرابها} حيث عطل عمارتها، {أولئك ما كان} ينبغي {لهم أن يدخلوها} إلا بخشية وخشوع، فكيف يجترئون على تخريبها؟ أو ما كان الواجب أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً عن أن يمنعوهم منها، أو {ما كان لهم} في علم الله وقضائه {أن يدخلوها إلا خائفين}، فيكون وعداً أنجزه الله لهم، وقد فتح الله لهم مكة والشام، فكان لا يدخل بيت الله الحرام كافر إلا خفية، خائفاً من القتل، ولا يدخل نصراني بيت المقدس إلا خائفاً من المسلمين، فنالهم {في الدنيا خزي} وهو قتل الحربي، وضرب الجزية على الذمي، وخزي المشركين قتلهم يوم الفتح، وإذلالهم بدخولها عليهم عنوة، ولمن مات على الكفر {في الآخرة عذاب عظيم}. وهذه الآية - وإن نزلت في الكفار - فهي عامة لكل من يمنع الناس من الذكر في المساجد، كيفما كان قياماً أو قعوداً، جماعة أو فرادى، والله تعالى أعلم. الإشارة: مساجدُ الله هي حضرة القلوب وحضر الأرواح وحضرة الأسرار، فحضرة القلوب لأهل المراقبة من أهل الإيمان، وحضرة الأرواح والأسرار لأهل المشاهدة والمكالمة من أهل الإحسان، فمن منع نفسه من الدخول في هذه الحضرات الثلاث، وسعى في خراب باطنه باتباع الحظوظ والشهوات، ومال إلى الدنيا وزخارفها الغرارات، فلا أحد أظلم منه نفساً، ولا أبخس منه صفقةً. فلا ينجعُ في هؤلاء إلا خوف مزعج أو شوق مقلق. فإن لم يكن أحد من هذين بقي على غيّه حتى مخايل الموت. فيحن إلى الدخول فيها خائفاً، ولا ينفع حينئذٍ الندم، وقد زلت به القدم، له في الدنيا ذلك الفقر والجزع، وله في الآخرة غم الحجاب وسوء الحساب وحسرة العتاب، نسأل الله العافية في الدارين. آمين. بمنه وكرمه. وقال القشيري: نفْسُ العابدِ وَطَنُ العبادة، وقلب العارف وطن المعرفة، وروح الواجد وطن المحبة، وسر الموحِّد وطن المشاهدة، ولا أظلم ممن سعى في خراب وطن العابد بالشهوات، وفي وطن المعرفة بالمُنى والعلاقات، وفي وطن المحبة بالحطوط والمساكنات، وفي وطن الموحد بالالتفات إلى القربات. هـ. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَن أظلمَ ممِن مَنعَ مَساجِدَ اللهِ أن يذكَرَ فيهَا إسمهُ وَسَعى في خَرابهآ أولـئكَ ما كانَ لَهم أنَ يَدخُلوهآ إلا خآئفينَ} [114] -آية واحدة. - المعنى: اختلف المفسرون في المعنى بهذه الآية، فقال ابن عباس، ومجاهد، واختاره الفراء انهم الروم، لانهم كانوا غزوا بيت المقدس، وسعوا في خرابه حتى كانت أيام عمر، فاظهر الله عليهم المسلمين، وصاروا لا يدخلونه إلا خائفين: وقال الحسن وقتادة والسدي: هو بخت نصر خرب بيت المقدس. قال قتادة: واعانه عليه النصارى. وقال قوم: عنى به سائر المشركين، لانهم يريدون صد المسلمين عن المساجد، ويحبونه. وقال ابن زيد، والبلخي، والجبائي والرماني: المراد به مشركي العرب. وضعف هذا الوجه الطبري من بين المفسرين بان قال: إن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام. وهذا ليس بشيء، لان عمارة المساجد بالصلاة فيها وخرابها بالمنع من الصلاة فيها. وقد روي انهم هدموا مساجد كان أصحاب النبي يصلون فيها بمكة، لما هاجر النبي واصحابه. وقال: وهو ايضاً لا يتعلق بما قبله من ذم أهل الكتاب كما يتعلق اذا عنى به النصارى، وبيت المقدس. فيصير الكلام منقطعاً، فيقال له: قد جرى ذكر لغير أهل الكتاب من المشركين في قوله: {كذلك قال الذين لا يعلمون} وهذا أقرب من اليهود والنصارى، ولان ذلك كله ذم: فمرة يوجه إلى اليهود، ومرة إلى النصارى، ومرة إلى عباد الاوثان وغيرهم من أهل الشرك. فان قيل: كيف قال: {مساجد الله} بالجمع وهو أراد المسجد الحرام، أو بيت المقدس؟ قيل عنه جوابان: احدهما ـ ان كل موضع منه مسجد، كما يقال لكل موضع من المجلس العظيم مجلس. فيكون اسماً يصلح ان يقع على جملته، وعلى كل موضع سجود فيه. [والثاني] ـ قال الجبائي لأنه يدخل فيه المساجد التي بناها المسلمون للصلاة بالمدينة. وقوله: {ممن منع} اللغة: والمنع، والصد والحيلولة نظائر. وضد المنع الاطلاق. يقال: منع منعاً. وامتنع امتناعا. وتمنع تمنعاً. وتمانع تمانعاً. ومانعة ممانعة. وقال صاحب العين: المنع: ان يحول بين الرجل وبين الشيء يريده. وتقول: منعته فامتنع. ورجل منيع لا يخلص اليه وهو في عز ومنعة يخفف ويثقل. وامرأة منيعة ممتنعة لا تؤاتى على فاحشة وقد تمنعت مناعة. وكذلك الحصن وغيره تقول: منع مناعا: اذا لم يرم ومناع، أي امنع قال الشاعر: شعر : مناعها من ابل مناعها ألا ترى الموت لدى اوباعها تفسير : المعنى: ومساجد الله قد بينا ان منهم من [قال] أراد المسجد الاقصى، ومنهم من [قال] أراد المسجد الحرام، ومنهم من قال: أراد جميع المساجد. وروي عن زيد بن علي عن أبيه عليهما السلام انه أراد جميع الارض، لقوله عليه السلام: حديث : جعلت لي الارض مسجداً وترابها طهوراً . تفسير : وقوله: {وسعى في خرابها} اللغة: والسعي والعدو والركض نظائر. وضد السعي الوقف. تقول: سعى سعياً، واستسعى استسعاء وتساعوا تساعياً. قال صاحب العين: السعي عدو دون الشديد. وكل عمل من خير أو شر، فهو السعي يقال: فلان يسعى على عياله أي يكسب لهم يقولون: ان السعي الكسب والعمل. قال الشاعر: شعر : سعى عقالا فلم يترك لنا سبداً فكيف لو قد سعى عمرو عقالين تفسير : عقال صدقة عام. والساعية ان تسعى بصاحبك إلى وال من فوقه. والسعاية ما يستسعى به العبد من ثمن رقبته اذا اعتق بعضه، وهو ان يكلف من العمل ما يؤدي عن نفسه ما بقي ويقال سعى للسلطان اذا ولي الصدقة وساعي الرجل الامة: اذا فجربها. ولا تكون المساعاة إلا في الاماء. واصل الباب: السعي: العدو. وقوله: {في خرابها} فالخرب، والهدم، والنقض نظائر ونقيض الخراب العمارة. يقال: خرب خرابا واخربه إخرابا. وتخرب تخربا وخربه تخريباً. والخرب الذكر من الحبارى والجمع الخربان. قال الشاعر: شعر : ما رأينا خربا ينفر عنه البيض صقر لا يكون المهر جحشاً لا يكون الجحش مهر تفسير : والخربة: سعة خرق الاذن. قال ذو الرمة: شعر : كأنه حبشي يبتغي أثراً أومن معاشر في آذانها الخرب تفسير : والخربة: عروة المزادة وكذلك كل بيت مستدير. والخارب: اللص. وما رأينا من فلان خربة أي فساداً في دينه أو شيناً. والخارب من شدائد الدهر. قال الشاعر: شعر : ان بها اكتل أو رزاما خوير بين ينقفان الها ما تفسير : والرزام: الهزال. والخروبة شجرة الينبوت. والخرابة: سرقة الابل قال الاصمعي لا يكادون يسمون الخارب إلا سارق الابل وأصل الباب: الخراب ضد العمران. وقوله: {ومن أظلم} رفع لانه خبر الابتداء وتقديره أي أحد اظلم. وقوله: {أن يذكر} يحتمل وجوهاً من النصب قال الاخفش: يجوز ان يكون على حذف (من)، وتقديره من ان يذكر، ويجوز أن يكون على البدل من {مساجد الله}، وقال الزجاج: يجوز على معنى كراهية أن يذكر. وعلى الوجوه كلها العامل فيه (منع) المعنى: ومعنى قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} فيها خلاف. قال قتادة: هم اليوم كذلك لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انهك ضربا، وابلغ اليه في العقوبة. وبه قال السدي. وقال ابن زيد: نادى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حديث : ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريانتفسير : وقال الجبائي بين الله انه ليس لهؤلاء المشركين دخول المسجد الحرام، ولا دخول المساجد فان دخل منهم داخل الى بعض المساجد، كان على المسلمين اخراجه منه إلا ان يدخل إلى بعض الحكام بخصومة بينه وبين غيره إلى بعض القضاة، فيكون دخوله خائفا من الاخراج على وجة الطرد بعد انفصال خصومته، ولا يقعد مطمئنا كما كان يقعد المسلم. وهو الذي يليق بمذهبنا، ويمكن الاستدلال به على ان الكفار لا يجوز أن يمكنوا من دخول المساجد على كل حال. فأما المسجد الحرام خاصة، فان المشركين يمنعون من دخوله، ولا يتركون ليدخلوه لحكومة، ولا غيرها، لأن الله تعالى قد امر بمنعهم من دخوله بقوله: {أية : ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر } تفسير : يعني المسجد الحرام. وقال الزجاج: أعلم الله ان أمر المسلمين يظهر على جميع من خالفهم حتى لا يمكن دخول مخالف إلى مساجدهم إلا خائفاً. وهو كقوله: {أية : ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون} تفسير : كأنه قيل: أولئك ما كان لهم ان يدخلوها إلا خائفين، لاعزاز الله الدين واظهاره المسلمين. قوله تعالى: {لَهمْ في الدُّنيَا خِزيٌ وَلهمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم} [114] ـ آية. ـ المعنى: قال قتادة: معناه انهم {يعطون الجزية عن يد وهم وهم صاغرون}. وقال السدي: خزيهم في الدنيا انهم اذا قام المهدي، وفتحت قسطنطينية قتلهم، فلذلك خزيهم في الدنيا ان يقتلوا ان كانوا حرباً، ويؤدون الجزية ان كانوا ذمة. وقال الجبائي: الخزي لهؤلاء الكفار الذين امرنا بمنعهم من دخول المساجد على سبيل ما يدخلها المؤمنون. وقوله: {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} قال الفراء: يقول فيما وعد الله المسلمين من فتح الروم وان لم يكن بعد ـ والناس على خلافه، في ان معنى الآخرة يوم القيامة. كأنه قيل: لهم في الآخرة عذاب جهنم.
الجنابذي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} عطف على جملة كذلك قال الّذين لا يعلمون فانّها تشعر بأنّهم يمنعون عباد الله عن الاسلام وعن مساجدهم الصّوريّة وعن مساجدهم الحقيقيّة الّذين هم الرّسول وخلفاؤه، {وَمَنْ أَظْلَمُ} استفهام انكارىٌّ فى معنى النّفى فكأنّه قال كذلك يمنع الّذين لا يعلمون مساجد الله ولا اظلم ممّن منع مساجد الله، ومنع ضدّ أعطى وهو يتعدّى الى المفعولين بنفسه، والى الاوّل بمن والى الثّانى بنفسه، والى الاوّل بنفسه والى الثّانى بعن او بمن، ومساجد الله هاهنا مفعول اوّل وان يذكر مفعولٌ ثانٍ او مساجد الله مفعولٌ ثان وان يذكر بدل منه بدل الاشتمال والمفعول الاوّل محذوف والتّقدير: من اظلم ممّن منع النّاس عن مساجد الله عن الذّكر فيها. تحقيق الظلم والظّلم وضع الشيء فى غير ما وضع له ومنعه عمّا وضع له ولذا فسّر باعطاء الحقّ لغير المستحقّ ومنع الحقّ من المستحقّ وهو ينشأ من ظلمة النّفس وعدم استنارتها بنور العقل، ولذا اشتقّ اسمه منها، لانّ من أظلم نفسه ولم يستضيى بضياء العقل ولم يكن تابعاً لولىّ الامر لا يتميّز الحقّ والمستحقّ عنده، ومن لم يميّز الحقّ والمستحقّ لا يمكنه اعطاء الحقّ للمستحقّ ويعطى الحقّ لغير المستحقّ ويمنع المستحقّ عن الحقّ فى عالمه الصّغير فانّ لكلٍّ من قواه ومداركه واعضائه حقّاً ولكلّ واحدٍ منها مستحقّاً هو حقّ له وينبغى اعطاءه لذلك المستحقّ وهو العقل المنقاد لولىّ الامر، واذا صار ظالماً فى عالمه الصّغير صار ظالماً فى العالم الكبير بالنّسبة الى من تحت يده والى غيرهم ولا أقلّ من الظّلم الّذى هو منع نفسه عن المستحقّ الّذى هو ولىّ أمره ويتدرّج فى هذا الظّلم حتّى ينتهى امره الى منع المستحقّ الّذى هو غاية الغايات الّذى هو ولىّ الامر نبيّاً كان ام وصيّاً عن الحقّ الّذى هو غاية الحقوق ونهاية العبادات وهو ذكر اسم الله تعالى عنده وفيه وله كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ} تفسير : [الروم:10] وامّا التّابع لولىّ الامر فانّه اذا كان آخذاً من ولىّ أمره عاملاً بأمره تاركاً لما نهى عنه كان عادلاً بعد له مستنيراً بنوره وان لم يكن مستنيراً بنفسه. تحقيق المسجد والمساجد جمع المسجد بكسر الجيم وقد يفتح وهو محلّ السّجود وهو غاية الخضوع فتمام الارض مسجد بهذا المعنى لأنّ جملة ما فيها ليس لها الاّ التذلّل فجملة وجه الارض محلّ لتذلّل ما فيها وقال النّبىّ (ص): جعلت لى الارض مسجداً وطهوراً لشهوده (ص) سجود الكلّ فى كلّ الارض وبهذا المعنى صارت الصّدور المنشرحة بنور الاسلام والقلوب المستنيرة بنور الايمان مساجد حقيقيّة لسجود كلّ ما فيهما وتذلّلها حقيقة، وامتياز لمساجد الصوريّة من بين بقاع الارض باسم المسجد واسم بيت الله ليس بهذا المعنى ولا لخصوص البقعة ولا لخصوص اللّبنة والطّين والجصّ وسائر آلات البناء، ولا لخصوص البنّاء والعملة والاّ لشاركها فى هذا الاسم كلّما شاركها فى هذه بل الامتياز بنيّة الواقف لانّ الواقف اذا كان نيّته صحيحة خالصة لوجه الله غير مشوبة بأغراض النّفس صار صدره منشرحاً وقلبه مستنيراً وصارا مسجدين لله وبتوجّهه الى تلك البقعة تصير البقعة مستنيرةً وتمتاز بالمسجديّة وبكونها بيت الله، فاذا صار الانسان متمكّناً فى ذلك الانشراح والاستنارة صار مسجداً وبيتاً لله على الاطلاق، وان لم يكن متمكّناً فيهما كان مسجداً وبيتاً لله وقت الاتّصاف بهما، وكلّما ازداد واشتدّ الاتّصاف به ازداد واشتدّت المسجديّة والبيتيّة لله، وكلّما اشتدّ مسجديّته لله اشتد مسجديّة ما بناه لله؛ واليه أشار المولوى قدّس سرّه بقوله: شعر : آن بناى انبيا بى حرص بود لا جرم بيوسته رونقها فزود اى بسا مسجد برآورده كرام ليك نبود مسجد أقصاش نام كعبه راكه هرزمان عزّ ميفزود آن ز اخلاصات ابراهيم بود تفسير : فالمساجد حقيقة والبيوت الّتى أذن الله ان ترفع هى الصّدور والقلوب المنشرحة المستنيرة وبعدها صاحب تلك الصّدور والقلوب، وامّا المساجد الصّوريّة فهى مساجد حقيقة باعتبار المعنى الاوّل الّذى به تكون جملة بقاع الارض مساجد لكن امتيازها عن سائر بقاع الارض باسم المسجديّة فليس الاّ بتوجّه المساجد الحقيقيّة الّتى هم الواقفون لها ولذلك فسّروا المساجد والبيوت الّتى اذن الله ان ترفع فى أخبار كثيرة بأنفسهم، ونعم ما قال المولوىّ قدّس سرّه مشيراً الى الانبياء والاولياء (ع). شعر : كَرنه بيدايند بيش نيك و بد جيست باايشان خسان رااين حسد بر دراين خانه كَستاخى زجيست كَرهمى دانند كاندرخانه كيست ابلهان تعظيم مسجد ميكنند در جفاى اهل دل جدّ ميكنند آن مجازاست اين حقيقت اى خران نيست مسجد جز درون سروران مسجدى كو اندرون او لياست سجده كَاه جمله است آنجا خداست تفسير : وعلى هذا اذا كان الدّاعى على البناء الاغراض الشّيطانيّة لم يكن البناء مسجداً وان سمّى بالمواضعة مسجداً، والبانى الغير المستنير بنفسه والغير المنقاد لولىّ امره قلّما ينفكّ عن الاغراض فانّه اذا بالغ فى الاجتهاد جعل قرب نفسه لله تعالى غاية لبناءه وداعياً عليه وصحّة مثله فى غاية الاشكال، وامّا ما قالوه فى صحّة الوقف من التقرّب الى الله وعدم الانتفاع به فالمقصود ان يكون قرب البانى واقتضاء قربه الاشتداد فى القرب داعياً لا انّ النّفس ارادت الاجرة عليه وجعلت القرب أجرته فانّه نحو انتفاع للنّفس بالوقف، وامّا الاغراض الأخر كالصّيت والمراءاة والتَمدّحِ وغيرها من الاغراض فتجعل البناء بيتاً للشّيطان، واذا كان الانسان له قرب وقربه يقتضى ذلك لكنّه لم يمت النّفس ويشاركه النّفس فى اغراضه كان البناء مسجداً وبيتاً لله بمشاركة الشّيطان، واذا أراد البانى اختبار نفسه فلينظر هل ترضى باعطاء ثمن البقعة وأجرة بنائها لرجلٍ غير معروفٍ وبان يأمره ان يبنى المسجد من غير اطّلاع أحدٍ على ذلك فان ترض وتسرّ بذلك فالبناء لله والاّ فللنّفس او بمشاركتها {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} اى خراب سقولها وجدرانها او منع أهلها عن الرّجوع اليها وخرابها بتعطيلها عن ذكر الله وإقام الصّلاة ونزول الآية فى مشركى مكّة ومنع المسلمين بعد هجرة النّبىّ (ص) عن دخول مساجدهم، وتخريب مساجدهم لا ينافى عمومها وعموم المساجد والمانعين والممنوعين وعموم تخريبها {أُوْلَـٰئِكَ} المحضرون بالاوصاف المذمومة الاذلّون {مَا كَانَ} ينبغى {لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} خاشعين متذلّلين او خائفين من المؤمنين فضلاً عن ان يجترؤا على تخريبها او منع المؤمنين عنها او ما كان فى علم الله ان يدخلوها بعد الاّ خائفين؛ وحينئذٍ يكون وعداً للمؤمنين بغلبتهم واخافتهم المشركين كما فعل بهم يوم فتح مكّة وسيقع ذلك حين ظهور القائم عجّل الله فرجه {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} قتل ونهبٌ وأسر واِجلاء وجزية {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} عطف على قوله {وَمَنْ أَظْلَمُ} باعتبار المعنى فانّ المقصود افادة انّ المشركين او مطلق الكفّار منعوا مساجد الله فكأنّه قال هم منعوا مساجد الله وما هم بضارّين بذلك المؤمنين فانّ لله المشرق والمغرب اى وجه الارض كلّها {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} ايّها المؤمنون اى فى اىّ بقعةٍ من بقاع الارض تولّوا اليه {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} لا اختصاص له ببقعةٍ دون بقعةٍ والوجه كما مضى ما به ظهور الشّيء وما به توجّهه واستقباله وذات الشّيء. اعلم انّ الحقّ الأوّل تعالى بحسب مقام ذاته الغيبيّة غيب مطلق ومجهول مطلق لا اسم له ولا رسم ولا خبر عنه ولا اثر لكنّه بحسب مقام ظهوره وفعله لا خبر عن شيءٍ الاّ وهو خبر عنه، ولا اسم ولا رسم لشيءٍ الاّ وهو اسم ورسم له، ولا ظهور لشيءٍ الاّ وهو ظهوره فهو بفعله محيط بكلّ الاشياء كما قال تعالى:وهو {أية : بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} تفسير : [فصلت: 54] وهو معكم و{أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [الحديد: 3] وكما قال (ع): داخل فى الاشياء لا كدخول شيءٍ فى شيءٍ بل كدخول المقوّم فى المتقوّم فلا اختصاص لبقعةٍ دون بقعةٍ بالعبادة والتوجّه الى المعبود فى نفسها لكن قد يعرض لبعض امتياز عن الاخرى بامور خارجة مثل توجّه كامل الى بعض دون بعض او موطنه او تولّده او تعميره او دفنه ومثل نيّة صادقة تبرزها وتميزها للعبادة فانّ بيت المقدّس امتاز واختصّ بالعبادة وبالتوجّه اليه فى العبادة بكلّ هذه الوجوه؛ وهكذا مكّة، واختصاص المساجد انّما هو بالنيّة الصّادقة {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ} لا يخلو منه مكانٌ ومقام شيءٍ وفيءٍ كما عرفت {عَلِيمٌ} فيعلم منكم ما تفعلونه كيف تفعلونه وفى اىّ مكانٍ تفعلونه فعليكم بتصحيح الأعمال لا تعيين المحلّ والجهة لها وفى الاخبار انّها نزلت فى الصّلاة النّافلة تصلّيها حيث توجّهت وامّا الفرائض فنزل فيها قوله تعالى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وسئل الصّادق (ع) عن رجل يقوم فى الصّلاة ثمّ ينظر بعد ما فرغ فيرى انّه قد انحرف عن القبلة يميناً وشمالاً فقال: قد مضت صلاته وما بين المشرق والمغرب قبلة، ونزلت هذه الآية فى قبلة المتحيّر: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ}؛ الآية. وفى حديث الجاثليق الّذى سأل عن وجه الرّب انّه دعا علىّ (ع) بنارٍ وحطبٍ فأضرمه فلمّا اشتعلت قال علىّ (ع): اين وجه هذه النّار؟ - قال النّصرانىّ: هى وجه من جميع حدودها، قال علىّ (ع): هذه النّار مدبّرة مصنوعة لا يعرف وجهها وخالقها لا يشبهها، {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} لا تخفى على ربّنا خافية وعلى هذا الوجه فمعنى الآية الى اىّ جهةٍ توجّهتم فثمّ وجه الله.
الهواري
تفسير : قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} أي لا أحَدَ أَظلم مِمَّن فعل ذلك. {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ}. ذكر مجاهد أنهم النصارى أعانوا بختنصر على خراب بيت المقدس. وقال بعض المفسرين: هم النصارى حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. وذكر الكلبي أن الروم غزوا بني إسرائيل فحاصروهم، فظهروا عليهم، فقتلوا مقاتلتهم، وسبوا ذراريهم، وأحرقوا التوراة، وهدموا بيت المقدس وألقوا فيه الجيف، فلم يعمر حتى بناه أهل الإِسلام، فلم يدخله رومي بعدُ إلا خائفاً. يعني قوله: {أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} فقضى الله على الذين خرّبوه أن لهم الخزي في الدنيا. قوله: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} وهو فتح مدائنهم الرومية، وقتل مقاتلتهم، وسبي ذراريهم، فهذا خزيهم. {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي: جهنم؛ فلا شيء أعظم من عذابها. وإذا عظَّم الله شيئاً فهو عظيم. قال بعض المفسرين: قوله: {أوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} أي: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلى اليوم إلا أُنْهِكَ عقوبةً وأُخْرِجَ منه. وقال بعضهم: {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} أي: الجزية يؤدّونها عن يد وهم صاغرون، فذلك خزيهم في الدنيا. {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. قوله: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي وجوهكم في الصلاة {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} أي: فثمَّ الله. وقال بعضهم: فثمَّ قِبلة الله. {إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. قال بعض المفسّرين: كانوا يصلون نحو بيت المقدس ورسول الله بمكة. وبعدما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بالمدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس. ثم وجّهه الله بعد ذلك نحو الكعبة البيت الحرام. فقال في آية أخرى: (أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) تفسير : [البقرة:144] أي: تلقاءه. فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر القبلة في حديث بعضهم. وفي حديث بعضهم: ما كان قبلها من قبلة. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في سفر، ونزلوا منزلاً في ليلة ظلماء بجعل أحدهم يجمع الحصباء فيجعل مسجداً فيصلي [فلما أصبحوا إذا هم] لغير القبلة، فأنزل الله عز وجل: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا} أي: وجوهكم في الصلاة، {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. ذكروا عن الكلبي عن ابن عباس أن النبي عليه السلام كان في سفر في يوم غائم فصلّوا الصلاة، صلى بعضهم نحو المشرق وصلّى بعضهم نحو المغرب، فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية. وقال بعضهم: إن رهطاً من أصحاب النبي عليه السلام انطلقوا في سفر، وذلك قبل أن تصرف القبلة إلى الكعبة، فتحيّروا، والقبلة يومئذ نحو بيت المقدس؛ فمنهم من صلّى قِبَل المشرق، ومنهم من صلّى قِبَل المغرب. فلما طلعت الشمس استبان لهم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}. ذكروا عن الحسن أنه سئل عن رجل صلَّى، فلما فرغ من صلاته إذا هو لغير القبلة، فقال: جازت صلاته. قال الله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}. ذكروا عن بعض السلف أنه قال: إذا صلّى ثم استبان له أنه صلّى لغير القبلة مضت صلاته، وإن استبان له بعدما صلّى ركعة انحرف إلى القبلة فيما يستقبل.
اطفيش
تفسير : {ومَنْ أَظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَر فيها اسمُه وسَعَى فى خرابها}: أى لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه بتلاوة كتابه والصلاة والتسبيح والاستغفار، فإن القرآن وسائر كتب الله والصلاة والتسبيح والاستغفار لا تخلو من ذكر اسم من أسماء واجد الوجود سبحانه وتعالى، والآية بلفظها تشمل كل من هدم مسجداً أو مصلى أو منع الناس من دخوله أو من العبادة فيه جهاراً، أو فعل فيه ما ينفر عنه الناس كغيبة المسلمين فيه والحمية فيه، والركون فيه إلى الباطل والتلبيس على العوام ومن لا بصيرة له، فإن خراب المسجد أو المصلى كما يكون بهدمه، يكون بترك عمارته. والاستفهام بمعنى النفى كما رأيت، وليست مجردة عن الاستفهام بالكلية، فإن المراد الاستفهام التوبيخى أو التقريرى المشوب بالنفى، ومصدر يُذْكر مفعول ثان لمنع أو على تقدير مِنْ الجارة، أى من أن يذكر فيها اسمه، أو بدل اشتمال المساجد، والرابط (ها) من قوله فيها، فإن ذكر اسم الله تعالى فيها ملابس لها بغير الجزئية أو الكلية، أو مفعول لأجله على حذف مضاف، أى كراهة ذكر اسمه تعالى فيها. قال الكلبى: والآية نزلت فى النصارى ـ قبحهم الله ـ لما طرحوا الأذى فى بيت المقدس ومنعوا الناس أن يصلوا فيه: وغزوا أهله وخربوه وأحرقوا التوراة، وقتلوا أهله وسبوا وغنموا. وقيل: فى مشركى العرب لما منعوا النبى، صلى الله عليه وسلم، من إظهار دينه فى المسجد الحرام والصلاة فيه، ويؤذونه إذا فعل ذلك، وكذا أتباعه رحمهم الله قبل الهجرة ومنعوهم بعدها عام الحديبية من الحج ودخول مكة والمسجد الحرام، وبه قال ابن زيد. وقيل: نزلت فى ذلك كله فعلة النصارى وفعلة العرب. وروى أن طوس الرومى غزى بنى إسرائيل فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم وأحرق التوراة وخرب بيت المقدس، فلم يزل خراباً حتى بناه المسلمون فى زمان عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، وهذا هو عين القول الأول وفيه بيان سلطانهم واسمه. وقيل: إن بخت نصر المجوسى البابلى هو الذى غزا بنى إسرائيل وخرب بيت المقدس، وأعانه النصارى على ذلك من أجل أن اليهود قتلوا يحيى بن زكريا، ونزلت الآية فى ذلك، ورجح ابن جرير الطبرى القول الأول وهو تفسيره مجمع على حسنه واعتباره. قال: إن النصارى هم الذين سعوا فى خراب بيت المقدس، بدليل أن مشركى العرب لم يسعوا فى خراب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم، فى بعض الأوقات من الصلاة فيه، وأيضاً الآية التى قبل هذه وبعدها فى ذم أهل الكتاب، ولم يَجْرِ لمشركى العرب ذكر، ولا للمسجد الحرام. انتهى. قلت يبحث فى كلامه بأن المشهور أن العمدة فى خراب بيت المقدس هو بختنصر وجنوده، لا النصارى، وإنما النصارى أعانوه إعانة لما رأوه مشمراً لذلك، فإنما يحسن أن تنزل الآية فيمن هو العمدة لا فيمن هو تبع، فإذا صرنا إلى التخصيص قلنا: إنها نزلت فى بختنصر وجنوده، ومن أعانهم من النصارى. وإلا فالأولى أن يقال: الآية نزلت فى بختنصر وجنوده ومن أعانهم من النصارى، وفى مشركى العرب وفى طوس الرومى وجنوده، إذ خرب بيت المقدس، وقتل وسبى وغنم، بعدما عمره اليهود من تخريب بختنصر، اللهم إلا أن يقال: نزلت فى النصارى ولو كان العمدة بختنصر وجنوده توبيخاً لهم، لأنهم أهل كتاب، كما روى عن مجاهد: أنهم النصارى أعانوا بختنصر على خراب بيت المقدس، ويبحث أيضاً فى كون مشركى العرب ساعين فى منع المسجد الحرام وخرابه أنهم منعوا منه أفضل الرسل وخاتمهم وأشياعه قبل الهجرة وبعدها، فإن عمارتهم إياه غير عمارة لشركهم وأقدارهم ولو لم يمنعوه أو لم يؤذوه على عمارته إلا مرة كان سعيا فى خرابه، لأنه رسول خاتم الرسل والأنبياء، ولأن منعه منع للأمة كلها، ويبحث أيضاً بأن ما قبل هذه الآية ليس خاصاً بأهل الكتاب، فإن العرب مذكورة بقوله عز وجل: {أية : كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم}تفسير : وما بعدها ليس متعيناً فى أهل الكتاب، بل محتمل كما سترى. ورجح بعضهم أن الآية نزلت فى مشركى العرب بأن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من اليهود، وكيف يسعون فى خرابه وهو موضع حجهم، ويبحث فيه بأن يقول صاحب هذا القول بأن الآية نزلت فى النصارى الخاربين له لا فيمن يعظمه، ففى رواية عن ابن عباس وغيره: أن المراد النصارى الذين يؤذون من يصلى فى البيت المقدس. وصحح ابن العربى القول بأن المراد فى الآية: كل من منع مسجدا من مساجد الله، قال لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال، يعنى أنه ليس لنزول الآية سبب مخصوص كلفظها عام ونزولها عام، ثم إذا بنينا على أنها نزلت لمانع ومسجد مخصوص كالنصارى وبيت المقدس كان ينبغى أن يراد بمن منع مساجد الله العموم لا خصوص أولئك النصارى مثلا. وإن قلت: كيف يصح أن يقال مساجد الله إذا أريد بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلت: عبر بالعموم ليفيد الحكم العام، وإن كان السبب خاصا، كما تقول لمن آذى صالحاً: ما جزاء من يؤذى الصالحين؟ وكما قال تبارك وتعالى: {أية : وَيْلٌ لِكلِّ هُمَزةٍ لُمَزة} تفسير : مع أن الهاء من اللامز الذى نزلت فيه الآية على ما يأتى ـ إن شاء الله ـ الأخنس بن شريف. {أولئك ما كان لهم أن يَدْخلوها إلا خائفين}: الإشارة عائدة إلى مطلق المانعين المساجد، الساعين فى خرابها، وهذا مما يدل على أن المراد بقوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله} العموم ولو كان سبب النزول خاصا، إذ لا يحسن أن يقال: ما كان لبختنصر وجنوده أن يدخلوا المساجد إلا خائفين، نعم لا مانع من إرادة خصوص النصارى ومساجد الشام، فإن منعهم من بيت المقدس منع من سائر مساجد الشام، أو هم خربوا مساجد الشام كلها، أو ما قدروا عليه فمنعوا من دخولها كما منعوا غيرهم، ولكفرهم، وكان بيت المقدس موضع حج النصارى وزيارتهم، بعد ما خربه من خربه منهم. قال ابن عباس: لم يدخله بعد عمارته بالمسلمين يهودى ولا نصرانى إلا خائفاً، إن عُلِمَ به قُتِل، وهذا معنى الخوف فى الآية، وقيل إنهم أخيفوا بالجزية على الذمى والقتل على الحربى، فالذمى إذا كان يعطى الجزية بترك أن يدخل المساجد عند أبى حنيفة. ومنع مالكٌ الكفار كلهم من دخلو المسجد ـ أىَّ مسجد كان ـ أعطى الجزية أو لم يعطها، وأجاز الشافعى أن يدخل الكفار المساجد غير المسجد الحرام مطلقاً، وقيل عنه يجيز لهم دخول غير المسجد الحرام بشرط أن يأذن له السلطان أو نحوه، وعلى كل حال إذا دخل الكافر مسجداً من المساجد، يدخلها وفى قلبه خوف من أن يزجره المسلمون ويضربوه، وهذا معنى الخوف عندى، وذلك نصر من الله تعالى للمؤمنين سابق فى اللوح المحفوظ وفى علمه الأزلى، أخبرنا الله به فكان لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارَقة. قال قتادة والسدى لا يوجد نصرانى فى بيت المقدس إلا أُنهْم ضرباً وأبلغ إليه فى العقوبة، ونادى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فى شأن المسجد الحرام ومواسم الحج: ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك، ولا يدخل المسجد الحرام، ولا يطوفن بالبيت عريان. وقيل خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث قسطنطينية وهى إسلامبول ورومية وعمورية، يعنى بفتح الثلاث فيلزمهم الذل بفتحهن حيثما كانوا، وقيل ليس ذلك إخبارً بأنهم يخافون ويقهرون، بل بمعنى أنه يكون الحق خوفهم وذلهم، سواء ذلوا وخافوا، أم تجبروا وعتوا، وقد علم الله ما يكون من ذلهم ومن تجبرهم، ويحتمل أن يكون اللفظ إخباراً والمعنى نهياً، أى لا تتركوهم يدخلون المساجد ولا تمكنوهم من دخولها، فإنهم إذا كانوا لا يتركونهم ولا يمكنونهم لم يصدر منهم الدخول إلا على خوف كقوله تعالى: {أية : وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله}،تفسير : فإن بمعنى لا تؤذوه، وضابطه أنه إذا نفى الله عن الشئ أن يكون حقاً أفادنا النهى عنه، وقرأ عبدالله بن مسعود إلا خيفاء (بضم الخاء وفتح الياء مشددة مع تكسير) كصائم وصيم. {لهم فى الدنيا خزى}: كالقتل والسبى والغنيمة والذل والجزية، وقيل فتح قسطنطينية ورومية وعمورية، ومن فسر هذا أو الخوف بشئ لم يفسر به الأخرى. {ولهم فى الآخرة عذاب عظيم}: هو عذاب النار والحشر، كل ذلك لكفرهم. والله أعلم. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون يصلون إلى بيت المقدس قبل الهجرة، وصلوا إليه بعدها أيضاً سنة وأربعة أشهر، ثم نسخ التوجه إليه فى الصلاة بالتوجه إلى الكعبة، فكانوا يصلون إليها، فقالت اليهود ما لم تحولوا عن بيت المقدس؟ وقالوا: ليست لهم قبلة معلومة، فتارة يستقبلون هكذا، وتارة يستقبلون هكذا، فأنزل الله جل وعلا قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب..}
اطفيش
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَٰجِدَ اللهِ} أى مسجد كانت من مساجد الإسلام {أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} بتلاوة كتب الله، والصلاة، وسائر الأذكار، والاستفهام للنفى، أى لا أحد أظلم، وقد ثبت الظلم لغير مانع المساجد، ولكن مانعها أعظم ظلماً من المعصية، بمنع غيرها، أو بغير منع لشىء، لكن جاء أيضاً "أية : فمن أظلم ممن كذب على الله" تفسير : [الزمر: 32] ونحو هذا، فنقول: ذلك كله أمر واحد، مفضل على غيره، كأنه قيل: المفترى على الله، ومانع المساجد ونحوهما أظلم من غيرهم، والتفضيل بينهم يوكل إلى الفهم، مثل أن تقول، من قال، اتخذ الله ولداً أظلم من المفترى عليه؛ والمفترى عليه أظلم ممن منع مساجد الله، والممنوع الناس، لا المساجد، ولكن أوقع على المساجد لأنها محل إيقاعهم العبادة، وللإشارة إلى أنها مظلومة، كما ظلم الناس، ولأنه يوقع لها تمييز لمن يتعبد فيها، فظلمت بمنع من تحبه عنها، ومنعهم كإغلاقها، وبعد ذلك، قال: الممنوع ذكر الله، أو المراد، لأجل ذكره، أو من أن يذكر، والمراد بالمساجد كل مسجد خرب، أو سيخرب، ومنع أو سيمنع كما منعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين قبل الهجرة، وفى عام الحديبية، أن يدخلوا المسجد الحرام للعمرة {وَسَعَى} اجتهد {فِي خَرَابِهَا} فى تحصيل خرابها، أو اسم مصدر، أى فى تخريبها، بالتعطيل أو الهدم كما هدم بخت نصر بيت المقدس، وألفى فيه الجيف، وذبح فيه الخنزير، وأحرق التوراة، وقتل بنى إسرائيل وسبى الذرارى، وكما فعل ططيوس الرومى وقومه من روم ونصارى ذلك بعد أن بنى على عهد عزير، وبقى خراباً إلى أن عمره المسلمون على عهد عمر رضى الله عنه، ويجوز أن يراد بالمساجد المسجد الحرام، وتخريبه تعطيل قريش للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عنه، جمع تعظيماً، ولأن مساجد الإسلام كلها تنبنى عليه وتبنى إليه، ولأن معطل مسجد حق كمانع المساجد كلها، كما أن مكذب نبى أو كتاب كمكذب الأنبياء وأعظم الكتب {أُولَٰئِكَ} المانعون الساعون فى خرابها {مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} وقد تحقق ذلك وقوعاً فى مدة عظيمة، لا يدخل مشرك، نصرانى ولا رومى ولا غيره، مسجداً من مساجد المسلمين إلا خائفاً، وهذا إلى الآن إلا مساجد بلاد أخذوها، ولا يدخل مشرك المسجد الحرام إلا الآن إلا خائفاً متنكراً، ومضى زمان مديد من عهد عمر وما بعده، لا يدخل بيت المقدس مشرك، ولا يوجد فيه إلا أُوجع ضربا، وليس فى الآية أنه لا يدخلها أبداً، بل فيها، أنه يتحقق هذا المقدار من عدم الدخول إلا مع خوف، فلا يرد ما ذكرت من دخولهم مساجد بلاد أخذوها، ودخولهم المسجد الحرام، وأخذهم الحجر الأسود، ثم إنه رد، وكون المقدس فى يد الإفرنج أكثر من مائة سنة بحيث لا يدخله مسلم إلا خائفا، حتى نزعه منهم الناصر صلا الدين يوسف، وذلك إما على أن معنى الآية أن الله قضى ألا يدخلوها إلا خائفين وعدا بالنصر للمؤمنين، وإما على معنى أنه لا يجوز لكم أن تتركوهم ودخلوها، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين أن تبطشوا بهم، فضلا عن أن يجترثوا على تخريبها، أو يمنعوا المؤمنين عنها، ولا يجوز عندنا أن يترك مشرك أن يدخل مسجداً إلا إن لم تقدر، وذلك قول مالك، لقوله تعالى: "أية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام" تفسير : [التوبة: 28] والمساجد كلها مثله فى التطهير عن الأنجاس، فهى مثله أيضاً فى الحرمة، وأجازه الشافعى فى غير المسجد الحرام بشرط الحاجة فيه، وأذن مسلم له، لذكره فى الآية، وإدخال رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف وغيرهم المسجد منسوخ بهذه الآية "أية : إنما المشركون نجس..." تفسير : [التوبة: 28] إلخ. لاستلحاقه سائر المساجد مع علة النجس والحرمة، ولقوله "أية : ما كان لهم" تفسير : [البقرة: 114] إلخ، سواء فسرناه بالأمر بإبعاد المشركين عنها، أو بقضاء الله، لأنه أمر يرغب فيه، فلا إشكال، وأجازه أبو حنيفة مطلقا {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ} بالقتل والسبى فى بعض، والجزية فى البعض الآخر، وأصل الخزى ذل يستحيا منه، ولذلك يستعمل فى كل منها، والقتل والسبى ذل عظيم يستحى منه فى السبى دون القتل، إلا إنه يقال، يستحى منه المفتول قبل أن يقتل، وأصحابه وقرابته، قبلت النضير الجزية، وقتل بعض قريظة وسبى بعض {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فى النار، لمنعهم مساجد الله وسعيهم فى خرابها، وكان صلى الله عليه وسلم يصلى النافلة على الدابة، أينما توجهت من مكة إلى المدينة، وفى غير ذلك حتى الوتر قبل أن يفرض عليه وحولت القبلة إلى الكعبة، وطعنت اليهود فى ذلك كله، وقالوا: لا قبلة لهم معلومة، وصلى على اجتهاده إلى جهة ليلا فى غزوة ومعهم النبى صلى الله عليه وسلم، وقيل، لم يكن معهم لظلمة، فلما أصبحوا تبين أن بعضا صلى إلى الشمال، وبعضا إلى الجنوب، فنزل قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} استلحقا جوانبهما، فذلك الأرض كلها {فَأَيْنَمَا} هو المكان الذى أتم فيه، أو الذى استقبلتم إليه {تُوَلُّواْ} وجوهكم فى الصلاة، بأمره لكم بالتولية {فَثَمَّ وَجْهُ} ذات {اللهِ} أو فثم الله بالعلم والحفظ وسعة الرحمة وغير ذلك، أو فثم جهة الله، أى الجهة التى أمركم بها، وليس توليكم باختياركم حتى يصيبوكم بصلاة بعض الجنوب وبعض إلى الشمال فى السفر، للجهل بالجهة فى غزوة، وقد قيل، نزلت الآية فيهم، وقيل فى الصلاة على الراحلة للضرورة وصلاة النفل عليها مطلقا، وفى ذلك اختصاص لنا بأن نصلى حيث أدركتنا الصلاة لا كمن قبلنا لا يصلون إلا فى كنائسهم، وكان عيسى عليه السلام يصلى حيث أدركته الصلاة فصلوا إلى الكعبة، وقوله فصلوا إلى الكعبة متعلق بقوله، وليس توليكم باختياركم، وما بينهما اعتراض، والنفل على الراحلة، وصلوا فى الأرض كلها، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً ولا يضركم أن منعوكم عن المسجد الحرام أو الأقصى، وقبل فتح المقدس منع المسلمون من الصلاة فيه، وقيل منعهم الإفرنج حين استولوا عليه حتى رده صلاح الدين، وعليه فالآية إخبار بالغيب {إِنَّ اللهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} يسمع فضله وعلمه كل شىء ومن سعة فضله أن جعل لكم الأرض مسجداً، فقيل، ولو سبخة حال الاختيار، ولا بد من الطهارة، ومن قبلنا لا يصلون، إلا فى مساجدهم، فإذا غابوا عنها تركوها وقضوها.
الالوسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ} نزلت في طيطوس بن إسيانوس الرومي وأصحابه وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتِليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير وبقي خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في مشركي العرب منعوا المسلمين من ذكر الله تعالى في المسجد الحرام، وعلى الأول: تكون الآية معطوفة على قوله تعالى: {أية : وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى }تفسير : [البقرة: 113] عطف قصة على قصة تقريراً لقبائحهم، وعلى الثاني: تكون اعتراضاً بأكثر من جملة بين المعطوف أعني {أية : قَالُواْ ٱتَّخَذُ } تفسير : [البقرة: 116] والمعطوف عليه أعني {أية : قَالَتْ ٱلْيَهُودُ }تفسير : [البقرة: 113] لبيان حال المشركين الذين جرى ذكرهم بياناً لكمال شناعة أهل الكتاب فإن المشركين الذين يضاهونهم إذا كانوا أظلم الكفرة، وظاهر الآية العموم في كل مانع وفي كل مسجد وخصوص السبب لا يمنعه. و {أَظْلَمَ} أفعل تفضيل خبر عن (من) ولا يراد بالاستفهام حقيقته وإنما هو بمعنى النفي فيؤول إلى الخبر أي لا أحد أظلم من ذلك واستشكل بأن هذا التركيب قد تقرر في القرآن كـ {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا }تفسير : [السجدة: 22]{ أية : فمن أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً }تفسير : [الأنعام: 144] {أية : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَـٰتِ ٱللَّهِ }تفسير : [الأنعام: 157] إلى غير ذلك فإذا كان المعنى على هذا لزم التناقض، وأجيب بالتخصيص إما بما يفهم من نفس الصلات أو بالنسبة إلى من جاء بعد من ذلك النوع ويؤول معناه إلى السبق في المانعية أو الافترائية مثلاً، واعترض بأن ذلك بعد عن مدلول الكلام ووضعه العربـي وعجمة في اللسان يتبعها استعجام المعنى، فالأولى أن يجاب بأن ذلك لا يدل على نفي التسوية في الأظلمية وقصارى ما يفهم من الآيات أظلمية أولئك المذكورين فيها ممن عداهم كما أنك إذا قلت لا أحد أفقه من زيد وعمرو وخالد لا يدل على أكثر من نفي أن يكون أحد أفقه منهم، وإما أنه يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر فلا، ولا يرد أن من منع مساجد الله مثلاً ولا يفتر على الله كذباً أقل ظلماً ممن جمع بينهما فلا يكون مساوياً في الأظلمية لأن هذه الآيات إنما هي في الكفار وهم متساوون فيها إذ الكفر شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة بالنسبة لأفراد من اتصف به وإنما تمكن بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركوا فيه من المخالفة قاله أبو حيان، ولا يخفى ما فيه. وقد قال غير واحد إن قولك: من أظلم ممن فعل كذا إنكار لأن يكون أحد أظلم منه أو مساوياً له وإن لم يكن سبك التركيب متعرضاً لإنكار المساواة ونفيها إلا أن العرف الفاشي والاستعمال المطرد يشهد له فإنه إذا قيل من أكرم من فلان أو لا أفضل من فلان فالمراد به حتماً أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل فلعل الأولى الرجوع إلى أحد الجوابين مع ملاحظة الحيثية وإن جعلت ذلك الكلام مخرجاً مخرج المبالغة في التهديد والزجر مع قطع النظر عن نفي المساواة أو الزيادة في نفس الأمر كما قيل به محكماً العرف أيضاً زال الإشكال وارتفع القيل والقال فتدبر. {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} مفعول ثان لمنع أو مفعول من أجله بمعنى/ منعها كراهية أن يذكر أو بدل اشتمال من (مساجد) والمفعول الثاني إذن مقدر أي عمارتها أو العبادة فيها أو نحوه أو الناس مساجد الله تعالى أو لا تقدير؛ والفعل متعدّ لواحد وكنى بذكر اسم الله تعالى عما يوقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى بالأفعال القلبية والقالبية المأذون بفعلها فيها. {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا} أي هدمها وتعطيلها، وقال الواحدي: إنه عطف تفسير لأن عمارتها بالعبادة فيها. {أُوْلَـٰئِكَ} الظالمون المانعون الساعون في خرابها. {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ} ـ اللام ـ في {لَهُمْ} إما للاختصاص ـ على وجه اللياقة ـ كما في الجل للفرس، والمراد من ـ الخوف ـ الخوف من الله تعالى، وإما للاستحقاق كما في ـ الجنة للمؤمن ـ والمراد من ـ الخوف ـ الخوف من المؤمنين، وإما لمجرد الارتباط بالحصول، أي: ما كان لهم في علم الله تعالى وقضائه أن يدخلوها فيما سيجىء إلا خائفين والجملة على الأول: مستأنفة جواب لسؤال نشأ من قوله تعالى: {وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا} كأنه قيل: فما اللائق بهم؟ والمراد من ـ الظلم ـ حينئذٍ وضع الشيء في غير موضعه. وعلى الثاني: جواب سؤال ناشىء من قوله سبحانه: {مِنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ } كأنه قيل: فما كان حقهم؟ والمراد من ـ الظلم ـ التصرف في حق الغير وعلى الثالث: اعتراض بين كلامين متصلين معنى، وفيه وعد المؤمنين بالنصرة وتخليص ـ المساجد ـ عن الكفار ـ وللاهتمام بذلك وسطه ـ وقد أنجز الله تعالى وعده والحمد لله؛ فقد روي أنه لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكراً مسارقة، وقال قتادة: لا يوجد نصراني في بيت المقدس إلا انتهك ضرباً، وأبلغ إليه في العقوبة، ولا نقض باستيلاء الأقرع، وبقاء بيت المقدس في أيدي النصارى أكثر من مائة سنة إلى أن استخلصه الملك صلاح الدين لأن الإنجاز يستدعي تحقيقه في وقت ما، ولا دلالة فيه على التكرار، وقيل: النفي بمعنى النهي ـ ومعناه على طريق الكناية ـ النهي عن التخلية والتمكين من دخولهم المساجد، وذلك يستلزم ـ أن لا يدخلوها إلا خائفين ـ من المؤمنين، فذكر اللازم وأريد الملزوم، ولا يخفى أن النهي عن التخلية والتمكين المذكور في وقت قوة الكفار ومنعهم المساجد لا فائدة فيه سوى الإشعار بوعد المؤمنين بالنصرة والاستخلاص منهم، فالحمل عليه من أول الأمر أولى. واختلف الأئمة في دخول الكفار المسجد، فجوّزه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه مطلقاً للآية ـ فإنها تفيد دخولهم بخشية وخشوع ـ ولأن وفد ثقيف قدموا عليه عليه الصلاة والسلام فأنزلهم المسجد، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من دخل دار أبـي سفيان فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن»تفسير : والنهي محمول على التنزيه أو الدخول للحرم بقصد الحج، ومنعه مالك رضي الله تعالى عنه مطلقاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ }تفسير : [التوبة: 28] والمساجد يجب تطهيرها عن النجاسات، ولذا يمنع الجنب عن الدخول ـ وجوّزه لحاجة ـ وفرق الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه بين المسجد الحرام وغيره وقال: الحديث منسوخ بالآية، وقرأ عبد الله {إِلا خفياً} وهو مثل صيم. {لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ} أي عظيم بقتل أبطالهم وأقيالهم، وكسر أصنامهم، وتسفيه أحلامهم، وإخراجهم من جزيرة العرب التي هي دار قرارهم، ومسقط رؤوسهم، أو بضرب الجزية على أهل الذمة منهم {وَلَهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو عذاب النار لما أن سببه أيضاً، وهو ما حكى من ظلمهم ـ كذلك في العظم ـ وتقديم الظرف في الموضعين للتشويق لما يذكر بعده. ومن باب الإشارة في الآية: ومن أبخس حظاً وأنقص حقاً {مِمَّنْ مَّنَعَ} مواضع السجود لله تعالى وهي القلوب/ التي يعرف فيها فيسجد له بالفناء الذاتي {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} الخاص الذي هو الاسم الأعظم، إذ لا يتجلى بهذا الاسم إلا في القلب ـ وهو التجلي بالذات مع جميع الصفات ـ أو اسمه المخصوص بكل واحد منها، أي الكمال اللائق باستعداده المقتضي له {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} بتكديرها بالتعصبات وغلبة الهوى، ومنع أهلها بتهييج الفتن اللازمة لتجاذب قوى النفس، ودواعي الشيطان والوهم {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ} ويصلوا إليها {إِلاَّ خَآئِفِينَ} منكسرين لظهور تجلي الحق فيها {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} وافتضاح وذلة بظهور بطلان ما هم عليه {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو احتجابهم عن الحق سبحانه.
ابن عاشور
تفسير : عطف على {أية : وقالت اليهود ليست النصارى على شيء}تفسير : [البقرة: 113] باعتبار ما سبق ذلك من الآيات الدالة على أفانين أهل الكتاب في الجراءة وسوء المقالة أي إن قولهم هذا وما تقدمه ظلم ولا كظلم من منع مساجد الله وهذا استطرادٌ واقع معتَرضاً بين ذكر أحوال اليهود والنصارى لذكر مساوىء المشركين في سوء تلقيهم دعوة الإسلام الذي جاء لهديهم ونجاتهم. والآية نازلة في مشركي العرب كما في رواية عطاء عن ابن عباس وهو الذي يقتضيه قوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} الآية كما سيأتي وهي تشير إلى منع أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الدخول لمكة كما جاء في حديث سعد بن معاذ حين دخل مكة خفية وقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بالبيت آمناً وقد أويتم الصباء، وتكرر ذلك في عام الحديبية. وقيل نزلت في بختنصر ملك أشور وغزوه بيت المقدس ثلاث غزوات أولاها في سنة 606 قبل المسيح زمن الملك يهوياقيم ملك اليهود سبى فيها جمعاً من شعب إسرائيل. والثانية بعد ثمان سنين سبى فيها رؤساء المملكة والملك يهواكين بن يهوياقيم ونهب المسجد المقدس من جميع نفائسه وكنوزه. والثالثة بعد عشر سنين في زمن الملك صدقيا فأسر الملك وسمل عينيه وأحرق المسجد الأقصى وجميع المدينة وسبى جميع بني إسرائيل وانقرضت بذلك مملكة يهوذا وذلك سنة 578 قبل المسيح وتسمى هذه الواقعة بالسبي الثالث فهو في كل ذلك قد منع مسجد بيت المقدس من أن يذكر فيه اسم الله وتسبب في خرابه. وقيل: نزلت في غزو طيطس الروماني لأورشليم سنة 79 قبل المسيح فخرب بيت المقدس وأحرق التوراة وترك بيت المقدس خراباً إلى أن بناه المسلمون بعد فتح البلاد الشامية. وعلى هاتين الروايتين الأخيرتين لا تظهر مناسبة لذكرها عقب ما تقدم فلا ينبغي بناء التفسير عليهما. والوجه هو التعويل على الرواية الأولى وهي المأثورة عن ابن عباس فالمناسبة أنه بعد أن وفي أهل الكتاب حقهم من فضح نواياهم في دين الإسلام وأهله وبيان أن تلك شنشنة متأصلة فيهم مع كل من جاءهم بما يخالف هواهم وكان قد أشار إلى أن المشركين شابهوهم في ذلك عند قوله: {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم}تفسير : [البقرة: 105] عطف الكلام إلى بيان ما تفرع عن عدم ودادة المشركين نزول القرآن فبين أن ظلمهم في ذلك لم يبلغه أحد ممن قبلهم إذ منعوا مساجد الله وسدوا طريق الهدى وحالوا بين الناس وبين زيارة المسجد الحرام الذي هو فخرهم وسبب مكانتهم وليس هذا شأن طالب صلاح الخلق بل هذا شأن الحاسد المغتاظ. والاستفهام بمن إنكاري ولما كان أصل مَنْ أنها نكرة موصوفة أشربت معنى الاستفهام وكان الاستفهام الإنكاري في معنى النفي صار الكلام من وقوع النكرة في سياق النفي فلذلك فسروه بمعنى لا أحد أظلم. والظلم الاعتداء على حق الغير بالتصرف فيه بما لا يرضى به ويطلق على وضع الشيء في غير ما يستحق أن يوضع فيه والمعنيان صالحان هنا. وإنما كانوا أظلم الناس لأنهم أتوا بظلم عجيب فقد ظلموا المسلمين من المسجد الحرام وهم أحق الناس به وظلموا أنفسهم بسوء السمعة بين الأمم. وجُمِعَ المساجدُ وإن كان المشركون منعوا الكعبة فقط إما للتعظيم فإن الجمع يجيء للتعظيم كقوله تعالى: {أية : وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم}تفسير : [الفرقان: 37]، وإما لما فيه من أماكن العبادة وهي البيت والمسجد الحرام ومقام إبراهيم والحطيم، وإما لما يتصل به أيضاً من الخيف ومنى والمشعر الحرام وكلها مساجد والإضافة على هذه الوجوه على معنى لام التعريف العهدي، وإما لقصد دخول جميع مساجد الله لأنه جمع تعرف بالإضافة ووقع في سياق منع الذي هو في معنى النفي ليشمل الوعيد كل مخرب لمسجد أو مانع من العبادة بتعطيله عن إقامة العبادات ويدخل المشركون في ذلك دخولاً أولياً على حكم ورود العام على سبب خاص والإضافة على هذا الوجه على معنى لام الاستغراق ولعل ضمير الجمع المنصوب في قوله: {أن يدخلوها} يؤيد أن المراد من المساجد مساجد معلومة لأن هذا الوعيد لا يتعدى لكل من منع مسجداً إذ هو عقاب دنيوي لا يلزم اطراده في أمثال المعاقب. والمراد من المنع منعُ العبادة في أوقاتها الخاصة بها كالطواف والجَماعة إذا قصد بالمنع حرمان فريق من المتأهلين لها منها. وليس منه غلق المساجد في غير أوقات الجماعة لأن صلاة الفذ لا تفضل في المسجد على غيره، وكذلك غلقها من دخول الصبيان والمسافرين للنوم، وقد سئل ابن عرفة في درس التفسير عن هذا فقال: غلق باب المسجد في غير أوقات الصلاة حفظ وصيانة اهـ. وكذلك منع غير المتأهل لدخوله وقد منع رسول الله المشركين الطواف والحج ومنع مالك الكافر من دخول المسجد ومعلوم منعُ الجُنب والحائض. والسعي أصله المشي ثم صار مجازاً مشهوراً في التسبب المقصود كالحقيقة العرفية نحو {أية : ثم أدبر يسعى}تفسير : [النازعات: 22] ويعدى بفي الدالة على التعليل نحو: سعيت في حاجتك فالمنع هنا حقيقة على الرواية الأولى المتقدمة في سبب النزول والسعي مجاز في التسبب غير المقصود فهو مجاز على مجاز. وأما على الروايتين الأخريين فالمنع مجاز والسعي حقيقة لأن بختنصر وطيطس لم يمنعا أحداً من الذكر ولكنهما تسببا في الخراب بالأمر بالتخريب فأفضى ذلك إلى المنع وآل إليه. وقوله: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} جملة مستأنفة تغني عن سؤال ناشىء عن قوله: {من أظلم} أو عن قوله: {سعى} لأن السامع إذا علم أن فاعل هذا أظلم الناس أو سمع هذه الجرأة وهي السعي في الخراب تطلب بيان جزاء من اتصف بذلك أو فعل هذا. ويجوز كونها اعتراضاً بين {من أظلم} وقوله: {لهم في الدنيا خزي}. والإشارة بأولئك بعد إجراء الأوصاف الثلاثة عليهم للتنبيه على أنهم استُحضروا بتلك الأوصاف ليُخْبَر عنهم بعد تلك الإشارة بخبرهم جديرون بمضمونه على حد ما تقدم في {أية : أولئك على هدى من ربهم}تفسير : [البقرة: 5] وهذا يدل على أن المقصود من هذه الجمل ليس هو بيان جزاء فعلهم أو التحذير منه بل المقصود بيان هاته الحالة العجيبة من أحوال المشركين بعد بيان عجائب أهل الكتاب ثم يرتب العقاب على ذلك حتى تعلم جدارتهم به وقد ذكر لهم عقوبتين دنيوية وهي الخوف والخزي وأخروية وهي العذاب العظيم. ومعنى {ما كان لهم أن يدخلوها إلا خافين} أنهم لا يكون لهم بعد هذه الفَعلة أن يدخلوا تلك المساجد التي منعوها إلا وهم خائفون فإن ما كان إذا وقع أن والمضارع في خبرها تدل على نفي المستقبل وإن كان لفظ (كان) لفظ الماضي وأن هذه هي التي تستتر عند مجيء اللام نحو {ما كان الله ليعذبهم} فلا إشعار لهذه الجملة بمضى. واللام في قوله: {لهم} للاستحقاق أي ما كان يحق لهم الدخول في حالة إلا في حالة الخوف فهم حقيقيون بها وأحرياء في علم الله تعالى وهذا وعيد بأنهم قدر الله عليهم أن ترفع أيديهم من التصرف في المسجد الحرام وشعائر الله هناك وتصير للمسلمين فيكونوا بعد ذلك لا يدخلون المسجد الحرام إلا خائفين، ووعد للمؤمنين وقد صدق الله وعده فكانوا يوم فتح مكة خائفين وجلين حتى نادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من دخل المسجد الحرام فهو آمن» تفسير : فدخله الكثير منهم مذعورين أن يؤخذوا بالسيف قبل دخولهم. وعلى تفسير {مساجد الله} بالعموم يكون قوله: {ما كان لهم أن يدخلوها} أي منعوا مساجد الله في حال أنهم كان ينبغي لهم أن يدخلوها خاشعين من الله فيفسر الخوف بالخشعية من الله فلذلك كانوا ظالمين بوضع الجبروت في موضع الخضوع فاللام على هذا في قوله {ما كان لهم} للاختصاص وهذا الوجه وإن فرضه كثير من المفسرين إلا أن مكان اسم الإشارة المؤذن بأن ما بعده ترتب عما قبله ينافيه لأن هذا الابتغاء متقرر وسابق على المنع والسعي في الخراب. وقوله: {لهم في الدنيا خزي} استئناف ثان ولم يعطف على ما قبله ليكون مقصوداً الاستئناف اهتماماً به لأن المعطوف لكونه تابعاً لا يهتم به السامعون كمال الاهتمام ولأنه يجري من الاستئناف الذي قبله مجرى البيان من المبين فإن الخزي خوف والخزي الذل والهوان وذلك ما نال صناديد المشركين يوم بدر من القتل الشنيع والأسر، وما نالهم يوم فتح مكة من خزي الانهزام. وقوله: {ولهم في الآخرة عذاب عظيم} عطفت على ما قبلها لأنها تتميم لها إذ المقصود من مجموعهما أن لهم عذابين عذاباً في الدنيا وعذاباً في الآخرة. وعندي أن نزول هذه الآية مؤذن بالاحتجاج على المشركين من سبب انصراف النبي عن استقبال الكعبة بعد هجرته فإن منعهم المسلمين من المسجد الحرام أشد من استقبال غير الكعبة في الصلاة على حد قوله تعالى: {أية : يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله}تفسير : [البقرة: 217].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} الآية. قال بعض العلماء: نزلت في صد المشركين النَّبي صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ست. وعلى هذا القول: فالخراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها. وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: {أية : هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ}تفسير : [الفتح:25] الآية. وقال بعض العلماء: الخراب المذكور هو الخراب الحسي. والآية نزلت فيمن خرب بيت المقدس، وهو بختنصر أو غيره، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله جل وعلا: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً}تفسير : [الإسراء:7].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ومن أظلم: الاستفهام للإِنكار والنفي، والظلم وضع الشيء في غير محله مطلقاً. سعى في خرابها: عمل في هدمها وتخريبها حقيقة أو بمنع الصلاة فيها وصرف الناس عن التعبد فيها إذْ هذا من خرابها أيضاً. الخزي: الذل والهوان. فثم وجه الله: هناك الله إذ الله عز وجل محيط بخلقه فحيثما اتجه العبد شرقاً أو غرباً شمالاً أو جنوباً وجد الله تعالى، إذ الكائنات كلها بين يديه وكيف لا يكون ذلك وقد أخبر عن نفسه أن الأرض قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، فليس هناك جهة تخلو من علم الله تعالى وإحاطته بها وقدرته عليها. ويقرر هذا قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، إنه واسع الذات والعلم والفضل والجود والكرم عليم بكل شيء لأنه محيط بكل شيء. شرح الآيتين: ففي الآية الأولى [114] ينفي تعالى أن يكون هناك من هو أكثر ظلماً ممن منع مساجد الله تعالى أن يعبد الله تعالى فيها، لأن العبادة هي علة الحياة فمن منعها كان كمن أفسد الحياة كلها وعطلها، وفي نفس الوقت ينكر تعالى هذا الظلم على فاعليه وسواء كانوا قريشاً بصدهم النبي وأصحابه عن المسجد الحرام، أو فلطيوس ملك الروم الذي خرّب المسجد الأقصى أو غيرهم ممن فعلوا هذا الفعل أو من سيفعلونه مستقبلاً، ولذا ضمن تعالى قوله ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، أمر المسلمين بجهاد الكافرين وقتالهم حتى يسلموا أو تكسر شوكتهم فيذلوا ويهونوا. وفي الآية الثانية [115] يخبر تعالى راداً على اليهود الذين انتقدوا أمر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، مؤذناً بجواز صلاة من جهل القبلة أو خفيت عليه إلى أي جهة كانت فأخبر تعالى أن له المشرق والمغرب خَلقاً وملكاً وتصرفاً، يوجه عباده إلى الوجهة التي يشاؤها شرقاً أو غرباً جنوباً أو شمالاً، فلا اعتراض عليه ولا إنكار وأنّ الله تعالى محيط بالكائنات فحيثما توجه العبد في صلاته فهو متوجه إلى الله تعالى، إلا أنه تعالى أمر بالتوجه في الصلاة إلى الكعبة فمن عرف جهتها لا يجوز له أن يتجه إلا إليها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عظم جريمة من يتعرض للمساجد بأي أذىً أو إفساد. 2- وجوب حماية المساجد من دخول الكافرين إلا أن يدخلوها بإذن المسلمين وهم أذلاء صاغرون. 3- صحة صلاة النافلة على المركوب في السفر إلى القبلة وإلى غيرها. 4- وجوب استقبال القبلة إلا عند العجز فيسقط هذا الواجب. 5- العلم بإحاطة الله تعالى بالعوالم كلها قدرة وعلما فلا يخفى عليه من أمر العوالم شيء ولا يعجزة آخره.
القطان
تفسير : في هذه الآية انذار كبير وتحذير مخيف لكل من يمنع احدا من عبادة الله او يصد الناس عن دخول المساجد لأداء عباداتهم، أو من يسعى في خرابها. والمعنى: أي امرىء أشد تعدياً وجرأة على الله ممن يفعل شيئاً من هذه المعاصي! ان لهؤلاء في الدنيا خزياً ولهم في الآخرة عذاب عظيم. وهذا انذار عام يصدُق على كفار قريش حين منعوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من دخول مكة وتأدية العمرة عام الحديبية، كما يصدق على كل من عمل على تعطيل مسجد أو حالَ دون أداء شعائر الله فيه.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَسَاجِدَ} {أُوْلَـٰئِكَ} {خَآئِفِينَ} {ٱلآخِرَةِ} (114) - يُشيرُ اللهُ تَعَالَى فِي هذِهِ الآيَةِ إِلَى مَا وَقَعَ مِنَ القَائِدِ الرُّومَانِيِّ الذِي هَاجَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ بَعْدَ مِيلادِ السَّيِّدِ المَسِيحِ، عَلَيهِ السَّلاَمُ، بِنَحْو سَبْعِينَ سَنَةً، بِتَحْرِيضٍ مِنَ النَّصَارَى الذِينَ هَرَبُوا إِلَى رُومَا تَخَلُّصاً مِنْ ظُلمِ اليهُودِ وَطُغْيَانِهِمْ وَمُؤَامَراتِهِمْ، فَدَخَلَ القُدْسَ وَخَرَّبَهَا، وَخَرَّبَ الهَيْكَلَ وَدُورَ العِبَادَةِ، وَأَحْرَقَ التَّورَاةَ. وَكَانَ المَسِيحُ قَدْ أَنْذَرَ اليَِهُودَ بِذلِكَ. وَفِي هذِهِ الآيَة يُعَرِّضُ اللهُ تَعَالَى بِالكَافِرِينَ الذِينَ يَمْنَعُونَ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ إِلَى مَسَاجِدِ اللهِ وَبُيُوتِهِ، لِيَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَهُ بِالتَّسْبِيحِ والصَّلاةِ، وَيَسْعَونَ فِي خَرَابِ هذِهِ المَسَاجِدِ. وَيَقُولُ تَعَالَى: إِنَّ هؤُلاءِ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ ظُلْماً. وَيَجِبُ أَنْ لاَ يَدْخُلَ هؤُلاءِ الظَّالِمُونَ إِلَى بُيُوتِ اللهِ - إِذَا قَدَرَ المُسْلِمُونَ عَلَيهِمْ - إِلاَّ وَهُمْ أَذِلَّةٌ يَدْفَعُونَ الجِزْيَةَ، أَوْ فِي ظِلِّ هدْنَةٍ يَعْقِدُونَهَا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيَدْخُلُونَ المَسَاجِدَ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ أَنْ يَبْطِشَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ. وَهَؤُلاءِ الظَّالِمُونَ قَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ خِزْياً فِي الحَيَاةِ الدُّنيا، بِأَنْ سَلَّطَ المُسْلِمِينَ عَلَيهِمْ، وَأَظْفَرَهُمْ بِهِمْ، وَأَعَدَّ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَاباً عَظِيماً جَزَاءَ ظُلْمِهِمْ وَكُفْرِهِمْ. (وَقِيلَ إِنَّ المَعْنَى هُوَ: مِنْ مَظَاهِرِ عِدَاءِ هذِهِ الطَّوَائِفِ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ أَنَّ بَعْضَهُمْ خَرَّبَ مَعَابِدَ الطَّوَائِفِ الأُخْرَى، وَمَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَقْتَرِفُوا مِثْلَ هذَا الجُرْمِ الخَطِيرِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلِيهِمْ أَنْ يَحْفَظُوا لِلْمَعَابِدِ حُرْمَتَهَا، وَأَنْ لا يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَاشِعِينَ، وَأَنْ لاَ يَمْنَعُوا غَيْرَهُمْ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ فِيهَا).
الثعلبي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} نزلت في ططيوس بن استيسانوس الرّومي وأصحابه؛ وذلك إنّهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التّوراة وخرّبوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير وكان خراباً إلى أن بناه المسلمون في أيّام عمر بن الخطّاب. قتادة والسّدي: هو بخت نصر وأصحابه غزوا اليهود وخرّبوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك النّصارى ططيوس وأصحابه من أهل الرّوم. قال السّدي: من أجل إنّهم قتلوا يحيى بن زكريّا، وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على معاونة بخت نصّر البابلي المجوسي فأنزل الله إخباراً عن ذلك: {وَمَنْ أَظْلَمُ} أيّ أَكْفَر وأغثا {مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} يعني بيت المقدس ومحاريبه. (أنّ يذكر) في محل نصب المفعول الثاني لأنّ المنع يتعدّى إلى مفعولين تقديره ممّن منع مساجد الله. الّذكر، وإن شئت جعلت نصباً بنزع حرف الصّفة أي: من أن يذكر. {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} أي في عمل خرابها. {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} وفي مصحف أُبي الاّخيّفاء. قال ابن عبّاس: لا يدخلها بعد عمارتها رومي إلاّ خائفاً لو علم به قُتل. قتادة ومقاتل: لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلاّ متنكراً مشارفه لو قدر عليه عوقب ونهك ضرباً. السّدي: أخيفوا بالجزية، وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه معنى للأمر كقول: اجهضوهم بالجهاد كي لا يدخلها أحد منهم إلاّ خائفاً من القتل والسّبي نظيره قوله: {أية : وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ...} تفسير : إلى {أية : أَبَداً} تفسير : [الأحزاب: 53] نهاهم عن لفظ الخبر فمعنى الآية: ما ينبغي لهم ولكم وهذا وجه الآية. {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} عذاب وهوان. قال قتادة: هو القتل للحربي والجزّية للذّمي. مقاتل والكلبي: فتح مدائنهم الثلاثة: قسطنطينية وروميّة وعمورية. السّدي: هو إنّه إذا قام المهدي [في آخر الزمان] فتحت قسطنطينية فقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم فذلك خزيهم في الدّنيا. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو النّار. إسماعيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: لا تقوم السّاعة حتّى تفتح مدينة هرقل ويؤذّن فيها المؤذنون ويقسّم فيها المال بالترضية فينقلبون بأكثر أموال رآها النّاس قط فبينا هم كذلك إذا أتاهم إنّ الدجّال قد خلفكم في أهليكم فيلقون ما في أيديهم ويجيئونه ويقاتلونه. وقال عطاء وعبد الرّحمن بن عوف: نزلت هذه الآية في مشركي عرب مكّة وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا محمّداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حجّه والصّلاة فيه عام الحديبية وإذا منعوا من تعميره بذكر الله عزّ وجلّ فقد سعوا في خرابه يدلّ عليه قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله} تفسير : [التوبة: 17] الآية {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} يعني أهل مكّة يقول: أفتحها عليكم حتّى تدخلوها أو تكونوا أولى بها منهم ففتحها الله عليهم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منادياً فنادى: ألا لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان فطفق المشركون يقولون: اللّهمّ إنّا قد منعنا أن نشرك بهذا لهم في الدّنيا خزي الذّل والقتل والسّبي والنّفي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} الآية: اختلفوا في سبب نزولها فقال ابن عبّاس: خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فاصابهم الضّباب فحضرت الصّلاة فتحروا القبلة وصلّوا فمنهم من صلّى إلى المشرق ومنهم من صلّى إلى المغرب. فلما ذهب الضّباب استبان لهم إنّهم لم يصيبوا. فلّما قدموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية بذلك. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: حديث : كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرّجل يتّخذ أحجاراً فيعمل مسجداً يُصلّي فيه، فلّما أصبحنا إذا نحن قد صلّينا إلى غير القبلة فقلنا يا رسول الله: لقد صليّنا ليلتنا هذه إلى غير القبلة فأنزل الله هذه الآية . تفسير : قال عبد الله بن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلّي حيثما توجّهت به راحلته تطوعاً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي على راحلته جائياً من مكّة إلى المدينة. وعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي على راحلته في السّفر حيثما توجّهت به . تفسير : قال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة لما حوّلت إلى الكعبة. فأنزل الله تعالى {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ}. {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} أيها المؤمنون في سفركم وحضركم. {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} قبلة الله التي وجهكم إليها فاستقبلوها يعني الكعبة، وقال أبو العالية: لما غيّرت القبلة إلى الكعبة عيّرت اليهود المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس. فأنزل الله تعالى هذه الآية جواباً إليهم. عطاء وقتادة: حديث : نزلت في النجاشي وذلك إنّه توفّي، فأتى جبرئيل النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنّ أخاكم النجاشي قد مات فصلّوا عليه. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نُصلّي على رجل مات وهو يُصلي إلى غير قبلتنا؟ وكان النجاشي يُصلّي إلى بيت المقدس حتّى مات. فأنزل الله تعالى هذه الآية . تفسير : وقال مجاهد والحسن والضحّاك: لمّا نزلت: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر: 60] قالوا أين ندعوه؟ فنزلت {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} ملكاً وخلقاً {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} تحولّوا وجوهكم {فَثَمَّ} هناك {وَجْهُ ٱللَّهِ}. وقال الكلبي والقتيبي: معناه فثمّ الله عليم يرى والوجه صلة كقوله تعالى. {أية : يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} تفسير : [الأنعام: 52] [الكهف: 28] أيّ يريدونه بالدُّعاء، وقوله {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88]. أيّ إلاّ هو، وقوله تعالى {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ} تفسير : [الرحمن: 27] أي ويبقى ربّك، وقوله {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 9] أيّ لله. وقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: فثمّ قبلة الله أضافها إلى نفسه تخصيصاً وتفصيلاً، كما يُقال: بيت الله، وناقة الله، والوجه والجهة والوجهة: القبلة. {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ} قال الكلبي: واسع المغفرة لا يتعاظم مغفرته ذنب دليله قوله تعالى {أية : إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ} تفسير : [النجم: 32]. أبو عبيدة: الواسع الغني يُقال: يُعطي فلان من سعة أي من غنى قال الله {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} تفسير : [الطلاق: 7] قال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاءهُ كل شيء. دليله قوله تعالى {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 156] وقيل: الواسع العالم الذي يسع علمه كلّ شيء. قال الله {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ}تفسير : [البقرة: 255] أي علمه. {عَلِيمٌ} بنياتهم حيثما صلّوا ودعَوَا، وقال بعض السّلف: دخَلت ديراً فجاء وقت الصّلاة فقلت لبعض من في الدّير: دُلني على بقعة طاهرة أُصلي فيها. فقال لي: طهّر قلبك عمّن سواه، وقف حيث شئت. قال: فخجلت منه. {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} نزلت في يهود أهل المدينة حيث قالوا: عُزيرا بن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا: المسيح بن الله وفي مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله. (سبّحانه) نزّه وعظم نفسه. {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} عبيداً وملكاً. {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} مجاهد وعطاء والسّدي: مطيعون دليله قوله تعالى {أية : وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ} تفسير : [الأحزاب: 35]. عكرمة ومقاتل ويمان: مقرون بالعبوديّة. ابن كيسان: قائمون بالشهادة، وأصل القنوت: القيام، حديث : وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: "طول القنوت"تفسير : ، وقيل: مصلّون دليله قوله {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ} تفسير : [الزمر: 9] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أية : مثل المجاهد في سبيل الله مثل القانت الصائم"تفسير : . أيّ المُصلّي. وقيل: داعون. دليله قوله تعالى {وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال بعضهم: هو خاص، ثمَّ سلكوا في تخصيصه طريقين: أحدهما هو راجع إلى عُزير والمسيح والملائكة، وهو قول مقاتل ويمان. القول الثاني قالوا: هو راجع إلى أهل طاعته دون النّاس أجمعين وهذا قول ابن عبّاس والفراء، وقال بعضهم: هو عام في جميع الخلق ثمَّ سلكوا في الكفّار الجاحدين طريقين أحدهما: إنّ ظلالهم تسجد لله وتطيعه، وهذا قول مجاهد دليله قوله عزّ وجلّ {أية : يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ} تفسير : [النحل: 48] الآية. قال الله تعالى {أية : وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ} تفسير : [الرعد: 15]. والثاني: هذا يوم القيامة قاله السدي وتصديقه قوله تعالى: {أية : وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ} تفسير : [طه: 111]. {بَدِيعُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي مبتدعها ومنشُها من غير مثال سبق {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً} أي بيده وأراد خلقه وأصل القضاء إتمام الشيء وإحكامه. قال أبو ذؤيب: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أوصنع السوابغ تبّع تفسير : {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالحق جل جلاله بعد أن بَيَّنَ لنا موقف اليهود والنصارى والمشركين من بعضهم البعض ومن الإسلام، وكيف أن هذه الطوائف الثلاث تواجه الإسلام بعداء ويواجه بعضها البعض باتهامات .. فكل طائفة منها تتهم الأخرى أنها على باطل .. أراد أن يحذرهم تبارك وتعالى من الحرب ضد الإسلام ومحاربة هذا الدين فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} [البقرة: 114] .. مساجد الله هي الأماكن التي يتم فيها السجود لله .. والسجود علامة الخضوع وعلامة العبودية كما بَيَّنَا .. لأنك تضع أشرف شيء فيك وهو وجهك على الأرض خضوعاً لله وخشوعاً له. قبل الإسلام كان لا يمكن أن يصلي أتباع أي دين إلا في مكان خاص بدينهم .. مكان مخصص لا تجوز الصلاة إلا فيه .. ثم جاء الله بالإسلام فجعل الأرض كلها مسجداً وجعلها طهوراً .. ومعنى أن تكون الأرض كلها مسجداً هو توسيع على عباد الله في مكان التقائهم بربهم وفي أماكن عبادتهم له حتى يمكن أن تلتقي بالله في أي مكان وفي أي زمان .. لأنه لا يحدد لك مكاناً معيناً لا تصح الصلاة إلا فيه .. وأنت إذا أردت أن تصلي ركعتين لله بخلاف الفرض .. مثل صلاة الشكر أو صلاة الاستخارة أو صلاة الخوف .. أو أي صلاة من السنن التي علمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فإنك تستطيع أن تؤديها في أي وقت .. فكأنك تلتقي بالله سبحانه أين ومتى تحب. وما دام الله تبارك وتعالى أنعم على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أمته بأن جعل لهم الأرض مسجداً طهوراً فإنما يريد أن يوسع دائرة التقاء العباد بربهم .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (حديث : أُعطيتُ خمساً لم يُعْطَهُن أحد من الأنبياء قبلي. نُصرْتُ بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجداً وطهوراً فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائمُ ولم تحل لأحد قبلي وأُعْطِيتُ الشفاعةَ وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصة وَبُعِثْتُ إلى الناسِ عامة ). تفسير : ولكن لماذا خص الله أمة محمد بهذه النعمة؟ لأن الإسلام جاء على موعد مع ارتقاءات العقل وطموحات الدنيا .. كلما ارتقى العقل في علوم الدنيا كشف قوانين وتغلب على عقبات .. وجاء بمبتكرات ومخترعات تفتن عقول الناس .. وتجذبهم بعيدا عن الدين فيعبدون الأسباب بدلاً من خالق الأسباب. يريد الحق تبارك وتعالى أن يجعل عبادتهم له مُيَسَّرَة دائماً حتى يعصمهم من هذه الفتنة .. وهو جل جلاله يريدنا حين نرى التليفزيون مثلاً ينقل الأحداث من أقصى الأرض إلى أقصاها ومن القمر إلى الأرض في نفس لحظة حدوثها .. أن نسجد لله على نعمه التي كشف لنا عنها في أي مكان نكون فيه .. فخصائص الغلاف الجوي موجودة في الكون منذ خلق الله السماوات والأرض .. لم يضعها أحد من خلق الله في كون الله هذه الأيام .. ولكنها خُلِقَت مع خَلْقِ الكون .. وشاء الله ألاَّ ندرك وجودها ونستخدمها إلا هذه الأيام .. فلابد أن نسجد لله شكراً على نعمه التي كشفت لنا أسرارا في الكون لم نكن نعرفها .. وهذه الأسرار تبين لنا دقة الخلق وتقربنا إلى قضايا الغيب. فإذا قيل لنا إن يوم القيامة سيقف خلق الله جميعاً وهم يشاهدون الحساب .. وإن كل واحد منهم سيرى الحساب لحظة حدوثه .. لا تتعجب ونقول هذا مستحيل .. لأن أحداث العالم الهامة نراها الآن كلها لحظة حدوثها ونحن في منتهى الراحة .. ونحن جالسون في منازلنا أمام التليفزيون .. أي أننا نراها جميعاً في وقت واحد دون جهد .. فإذا كانت هذه هي قدرات البشر للبشر .. فكيف بقدرات خالق البشر للبشر؟. عندما نرى أسرار قوانين الله في كونه .. لابد أن نسجد لعظمة الخالق سبحانه وتعالى، الذي وضع كل هذا العلم والإعجاز في الكون .. وهذا السجود يقتضي أن تكون الأرض كلها مساجد حتى يمكنك وأنت في مكانك أن تسجد لله شكراً .. ولا تضطر للذهاب إلى مكان آخر قد يكون بعيداً أو الطريق إليه شاقاً فينسيك هذا شكر الله والسجود له .. فالله سبحانه وتعالى شاء أن يوسع على المؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم دائرة الالتقاء بربهم؛ لأن هناك أشياء ستأتي الرسالة المحمدية في موعد كشفها لخلق الله .. وكلما انكشف سر من أسرار الوجود اغتر الإنسان بنفسه .. وما دام الغرور قد دخل إلى النفس البشرية .. فلابد أن يجعل الله في الكون ما يعدل هذا الغرور. لقد كانت الأمور عكس ذلك قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم .. كانت الأمور فطرية فإذا امتنعت الأمطار ونضبت العيون والآبار .. لم يكن أمامهم إلا أن يتوجهوا إلى السماء بصلاة الاستسقاء .. وكذلك في كل أمر يصعب عليهم مواجهته .. ولكن الآن بعد أن كشف الله لخلقه عن بعض أسراره في كونه .. أصبحت هناك أكثر من وسيلة يواجه بها الإنسان عدداً من أزمات الكون .. هذه الوسائل قد جعلت البشر يعتقدون أنهم قادرون على حل مشكلاتهم .. بعيداً عن الله سبحانه وتعالى وبجهودهم الخاصة .. فبدأ الاعتماد على الخلق بدلاً من الاعتماد على الحق .. ولذلك نزل قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ..} تفسير : [النور: 35-36]. ما هي هذه البيوت التي يرى فيها الناس نور الله تبارك وتعالى؟ هي المساجد .. فَعُمَّارُ المساجد وزوارها الدائمون على الصلاة فيها هم الذين يرون نور الله .. فإذا أتى قوم يجترئون عليها ويمنعون أن يذكر اسم الله فيها .. فمعنى ذلك أن المؤمنين القائمين على هذه المساجد ضعفاء الإيمان ضعفاء الدين تجرأ عليهم أعداؤهم .. لأنهم لو كانوا أقوياء ما كان يجرؤ عدوهم على أن يمنع ذكر اسم الله في مساجد الله .. أو أن يسعى إلى خرابها فَتُهْدَمُ ولا تقام فيها صلاة الجمعة .. ولكن ساعة يوجد من يخرب بيتاً من بيوت الله .. يهب الناس لمنعه والضرب على يده يكون الإيمان قوياً .. فإن تركوه فقد هان المؤمنون على عدوهم .. لماذا؟ لأن الكافر الذي يريد أن يطفئ مكان إشعاع نور الله لخلقه .. يعيش في حركة الشر في الوجود التي تقوى وتشتد كلما استطاع غير المؤمنين أن يمنعوا ذكر اسم الله في بيته وأن يخربوه. وقول الحق سبحانه وتعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} [البقرة: 114] .. أي أن هؤلاء الكفار ما كان يصح لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين أن يفتك بهم المؤمنون من أصحاب المسجد والمصلين فيه .. فإذا كانوا قد دخلوا غير خائفين .. فمعنى ذلك أن وازع الإيمان في نفوس المؤمنين قد ضعف. قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ} [البقرة: 114] .. معناها أنه لا يوجد أحد أظلم من ذلك الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه .. أي أن هذا هو الظلم العظيم .. ظلم القمة .. وقوله تعالى: {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} [البقرة: 114] .. أي في إزالتها أو بقائها غير صالحة لأداء العبادة .. والسعي في خراب المسجد هو هدمه. ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقولة: {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 114] .. أي لن يتركهم الله في الدنيا ولا في الآخرة .. بل يصيبهم في الدنيا خزي .. والخزي هو الشيء القبيح الذي تكره أن يراك عليه الناس .. قوله تعالى: {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} [البقرة: 114] .. هذا مظهر غيرة الله على بيوته .. وانظر إلى ما أذاقهم الله في الدنيا بالنسبة ليهود المدينة الذين كانوا يسعون في خراب مساجد الله .. لقد أخذت أموالهم وطردوا من ديارهم .. هذا حدث .. وهذا معنى قوله تعالى الخزي في الدنيا .. أما في الآخرة فإن أعداء الله سيحاسبون حساباً عسيراً لتطاولهم على مساجد الله سبحانه، ولكن في الوقت نفسه فإن المؤمنين الذين سكتوا على هذا وتخاذلوا عن نُصْرَةِ دين الله والدفاع عن بيوت الله .. سيكون لهم أيضاً عذاب أليم. إنني أحذر كل مؤمن أن يتخاذل أو يضعف أمام أولئك الذين يحاولون أن يمنعوا ذكر الله في مساجده .. لأنه في هذه الحالة يكون مرتكباً لنفس ذنبهم وربما أكثر .. ولا يتركه الله يوم القيامة بل يسوقه إلى النار.
الأندلسي
تفسير : {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} الآية. لما جرى ذكر اليهود والنصارى وان مشركي العرب تقول مثل مقالتهم، وكانوا ساعين في خراب المواضع التي أعدت لذكر الله تعالى نزل: ومن أظلم. وكان قد تقدم لبعض ملوك الروم خراب بيت المقدس وبقي خراباً إلى زمان عمر بن الخطاب وكان المشركون أيضاً صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسجد الحرام وكثر في القرآن مجيء: ومن أظلم. قيل: والمعنى لا أحد أظلم. فهو استفهام معناه النفي فكان خبراً وهو نفي الأظلمية ونفي الأظلمية لا يستدعي نفي الظالمية، وإذا لم: يدل على نفي الظالمية لم يكن في تكرير ومن أظلم تناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلمية. وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممن وصف بذلك يزيد على الآخر، وصار المعنى: لا أحد أظلم ممن منع وممن افترى وممن ذكر. ولا يدل على أن أحد هؤلاء أظلم من الآخر كما أنك، إذا قلت: لا أحد أفقه من زيد وعمرو وبكر، لا يدل على أن أحدهم أفقه من الآخر، بل نفي أن يكون أحد أفقه منهم، لا يقال: إن من منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها ولم يفتر على الله الكذب أقل ظلماً ممن جمع بينهما فلا يكون مساوياً في الأظلمية لأن هذه الآيات كلها في الكفار فهم متساوون في الأظلمية وإذا اختلفت طرق الأظلمية فكلها صائرة إلى الكفر فهو شيء واحد لا يمكن فيه الزيادة لإِفراد من اتصف به وإنما يمكن الزيادة في الظلم بالنسبة لهم ولعصاة المؤمنين بجامع ما اشتركا فيه من المخالفة. فنقول: الكافر أظلم من العاصي. ونقول: لا أحد أظلم من الكافر. ومن في ممن موصولة. {أَن يُذْكَرَ} مفعول ثان لمنع أو على إسقاط حرف الجر أو بدل اشتمال أو مفعول له على حذف مضاف، أي دخول مساجد الله وكني بذكر اسمه عن ما يوقع فيها من الصلوات. {وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} أما حقيقة كتخريب بيت المقدس أو مجازاً بانقطاع الذكر منها ومنع قاصديها إذ تؤل بذلك إلى الخراب. {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ} أي ما ينبغي لهم. {أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} وجلين من عقابه. فكيف لهم أن يمنعوا من ذكر اسم الله فيها ويسعوا في خرابها إذ هي بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، أولئك حمل على معنى من ومن إذا كانت موصولة أو استهاماً أو شرطاً يجوز مراعاة المعنى فيها أما إذا كانت موصوفة كما أجازه أبو البقاء في ممن منع وفي مررت بمن محسن لك فليس في محفوظي من كلام العرب مراعاة المعنى فيها. {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} وهو الهوان والإِذلال وهو مناسب لإِخمال المساجد بمنع ذكر الله فيها. {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وهو مناسب لتخريب المساجد بتخريب هياكلهم وصورهم بالعذاب مراراً كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها. {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} أباح لهم ابتداء أن يصلوا حيث توجهوا ونسخ ذلك. ويظهر انتظامها بما قبلها أنه لما ذكر منع المساجد من ذكر الله والسعي في تخريبها نبه على أن ذلك لا يمنع من أداء الصلوات ولا من ذكر الله، إذ المشرق والمغرب لله فأي جهة أدّيتم فيها العبادة فهي لله يثيب على ذلك، ولا يختص مكان التأدية بالمسجد. ومعنى تولوا: تستقبلوا بوجوهكم. فثم وجه الله، أي: جلاله وعظمته. ويستحيل أن يحمل على العضو أو على الذات. {وَاسِعٌ} أي واسع المغفرة والقدرة.
الجيلاني
تفسير : {وَمَنْ} على الله المظهر للعباد ليعرفوه، ويتوجهوا نحوه في الأمكنة المعدة للتوجه {أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ} الموضوعة {أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ} أي: يذكر فيها أساؤه، والمؤمنون الموقنون بأسمائه الحسنى {وَ} مع المنع {سَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ} ليستأصلها ويخرجها عما يعدله {أُوْلَـٰئِكَ} المشركون {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ} لنجاستهم وخباثتهم، وإن دخلوها لحاجة أحياناً لا بد لهم أن يدخلوها {إِلاَّ خَآئِفِينَ} خاضعين متذللين مستوحشين، بحيث لم يتوجهوا يمنةً ويسرةً استحياء من الله، بل منكوسين رءوسهم على الأرض إلى أن يخرجوا، قل يا أكمل الرسل نيابة عنا: {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ} [البقرة: 114] حرمان عن الكمال الإنساني يكفرهم وظلمهم. {وَ} قل للمؤمنين يا أكمل الرسل تسلية لهم: لا تغتموا على منعهم منا وسعيهم في تخريبها، ولا تحصروا توجهكم إلى الله في الأمكنة المخصوصة، بل {للَّهِ} المتجلي في الآفاق {ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} فهما كنايتان عن طرفي العالم {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} توجهوا نحوه {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} أي: ذاته؛ إذهو منتهى الجهات محيط بها {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ} أجل من أن تحيط به القلوب إلا من وسعه الله بلطفه كما أخبر سبحانه بقوله: "لا يسعني أرضي ولا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن" {عَلِيمٌ} [البقرة: 115] لا يغيب عن علمه شيء، وحيث اتجهتم نحوه علمه قبل توجهكم، بل توجهكم عين توجهه فلا يتوجه إليه إلا هو، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه. ومن غاية جهلهم بالله الواسع العليم الذي لا يسعه الأرض والسماء {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255] حصروه سبحانه في شخص وتخيلوه جسماً، وأثبتوا له لوازم الأجسام {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} قتل وإجلاء وسبي وذلة {وَلَهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} كعيسى وعزير عليهما السلام {سُبْحَـٰنَهُ} وتعالى، عز الصمد الذين شأنه {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 3-4] أن يتخذ صاحبة وولداً {بَل لَّهُ} مظاهر {مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَ} مظاهر {ٱلأَرْضِ} ليظهر عليها ويتجلى لها؛ إظهاراً لكمالاتها المترتبة على صفاته المندرجة في ذاته ونسبته تعالى إلى جميع المظاهر في التكوين والخلق على السوى من غير تفاوت، وعيسى وعزير - عليهما السلام - أيضاً من جملة المظاهر، ومرجع جميع المظان إلى الظاهر؛ إذ {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] خاضعون منقادون مقرون على ما هم عليه قبل ظهورهم من العدم مقرون بأنه: {بَدِيعُ} مبدع {ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} من العدم بلا سبق مادةٍ وزمانٍ {وَ} من بدائع إبداعه أنه {إِذَا قَضَىٰ} أراد أن يوجد {أَمْراً} مما في خزائن علمه ولوحه المحفوظ وكتابه المبين {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} إمضاءً لحكمه ونفاذاً لإرادته {كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 117] بلا تراخٍ ولا مهلةٍ، بحيث لا يسع التعقيب أيضا إلا لضيق التعبير، والألفاظ بمعزل عن أداء سرعة نفوذ القضاء.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لا أحد أظلم وأشد جرما، ممن منع مساجد الله، عن ذكر الله فيها، وإقامة الصلاة وغيرها من الطاعات. { وَسَعَى } أي: اجتهد وبذل وسعه { فِي خَرَابِهَا } الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها، وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها، وهذا عام، لكل من اتصف بهذه الصفة، فيدخل في ذلك أصحاب الفيل، وقريش، حين صدوا رسول الله عنها عام الحديبية، والنصارى حين أخربوا بيت المقدس، وغيرهم من أنواع الظلمة، الساعين في خرابها، محادة لله، ومشاقة، فجازاهم الله، بأن منعهم دخولها شرعا وقدرا، إلا خائفين ذليلين، فلما أخافوا عباد الله، أخافهم الله، فالمشركون الذين صدوا رسوله، لم يلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا يسيرا، حتى أذن الله له في فتح مكة، ومنع المشركين من قربان بيته، فقال تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } . تفسير : وأصحاب الفيل، قد ذكر الله ما جرى عليهم، والنصارى، سلط الله عليهم المؤمنين، فأجلوهم عنه. وهكذا كل من اتصف بوصفهم، فلا بد أن يناله قسطه، وهذا من الآيات العظيمة، أخبر بها الباري قبل وقوعها، فوقعت كما أخبر. واستدل العلماء بالآية الكريمة، على أنه لا يجوز تمكين الكفار من دخول المساجد. { لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ } أي: فضيحة كما تقدم { وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } . وإذا كان لا أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، فلا أعظم إيمانا ممن سعى في عمارة المساجد بالعمارة الحسية والمعنوية، كما قال تعالى: {أية : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } . تفسير : بل قد أمر الله تعالى برفع بيوته وتعظيمها وتكريمها، فقال تعالى: {أية : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ } . تفسير : وللمساجد أحكام كثيرة، يرجع حاصلها إلى مضمون هذه الآيات الكريمة.
همام الصنعاني
تفسير : 109- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا مَعْمر، عن قتادة، في قولِهِ تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ}: [الآية: 114]، هُوَ بُخْت نصّر: "بُخْتنصَّر" وأصحابه. حرقوا بيت المقدس وأعانته على ذلِكَ اليهود والنصارى. قال الله: {أُوْلَـٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ}: [الآية: 114]، وهُمُ النَّصارى لا يدخلون المسجد إلاَّ مسارَقَة إنْ قُدر عليهم عُوقِبُوا، {لَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا خِزْيٌ}، قال: يُعْطُون الجزيةَ عن يَدٍ وهُمْ صاغِرون. 110- عبد الرزّاق، قال معمر، وقال قتادة، عن ابن المسيّب: صلَّوا بِمكَّةَ، بَعْدَما قَدِمُوا المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس. 111- قال معمر، وقال الزهري: ثمانية عشر شهراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):