Verse. 122 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَلِلہِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ۝۰ۤ فَاَيْنَـمَا تُوَلُّوْا فَثَمَّ وَجْہُ اؘ۝۰ۭ اِنَّ اللہَ وَاسِعٌ عَلِيْمٌ۝۱۱۵
Walillahi almashriqu waalmaghribu faaynama tuwalloo fathamma wajhu Allahi inna Allaha wasiAAun AAaleemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

ونزل لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت «ولله المشرق والمغرب» أي الأرض كلها لأنهما ناحيتها «فأينما تولوا» وجوهكم في الصلاة بأمره «فثمَّ» هناك «وجه الله» قبلته التي رضيها «إن الله واسع» يسع فضله كل شئ «عليم» بتدبير خلقه.

115

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، الضابط أن الأكثرين زعموا أنها إنما نزلت في أمر يختص بالصلاة ومنهم من زعم أنها إنما نزلت في أمر لا يتعلق بالصلاة، أما القول الأول فهو أقوى لوجهين، أحدها: أنه هو المروي عن كافة الصحابة والتابعين وقولهم حجة. وثانيهما: أن ظاهر قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } يفيد التوجه إلى القبلة في الصلاة، ولهذا لا يعقل من قوله: {أية : فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } تفسير : [البقرة: 144] إلا هذا المعنى إذا ثبت هذا فنقول: القائلون بهذا القول اختلفوا على وجوه: أحدها: أنه تعالى أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة، فبين تعالى أن المشرق والمغرب وجميع الجهات والأطراف كلها مملوكة له سبحانه ومخلوقة له، فأينما أمركم الله باستقباله فهو القبلة، لأن القبلة ليست قبلة لذاتها، بل لأن الله تعالى جعلها قبلة، فإن جعل الكعبة قبلة فلا تنكروا ذلك لأنه تعالى يدبر عباده كيف يريد وهو واسع عليم بمصالحهم فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر، فيصير ذلك مقدمة لما كان يريد تعالى من نسخ القبلة. وثانيها: أنه لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت الآية رداً عليهم وهو قول ابن عباس وهو نظير قوله: {أية : قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [البقرة: 142]. وثالثها: قول أبي مسلم وهو أن اليهود والنصارى كل واحد منهم قال: إن الجنة له لا لغيره، فرد الله عليهم بهذه الآية لأن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى صعد السماء من الصخرة والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى عليه السلام إنما ولد هناك على ما حكى الله ذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ فِى ٱلْكِتَـٰبِ مَرْيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } تفسير : [مريم: 16] فكل واحد من هذين الفريقين وصف معبوده بالحلول في الأماكن ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق، فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق. ورابعها: قال بعضهم: إن الله تعالى نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجه إلى بيت المقدس مع أنه كان له أن يتوجه حيث شاء، ثم أنه تعالى نسخ ذلك بتعيين الكعبة، وهو قول قتادة وابن زيد. وخامسها: أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة فإن له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد. وسادسها: ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية وهذا الحديث يدل على أنهم كانوا قد نقلوا حينئذ إلى الكعبة لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ قبلة بيت المقدس. وسابعها: أن الآية نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث تتوجه به راحلته. وعن سعيد بن جبير عن ابن عمر أنه قال: إنما نزلت هذه الآية في الرجل يصلي إلى حيث توجهت به راحلته في السفر. وكان عليه السلام إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يوميء برأسه نحو المدينة، فمعنى الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فقد صادفتم المطلوب: {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ } الفضل غني، فمن سعة فضله وغناه رخص لكم في ذلك لأنه لو كلفكم استقبال القبلة في مثل هذه الحال لزم أحد الضررين، إما ترك النوافل، وإما النزول عن الراحلة والتخلف عن الرفقة بخلاف الفرائض، فإنها صلوات معدودة محصورة فتكليف النزول عن الراحلة عند أدائها واستقبال القبلة فيها لا يفضي إلى الحرج بخلاف النوافل، فإنها غير محصورة، فتكليف الاستقبال يفضي إلى الحرج. فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصواب. قلنا: إن قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } مشعر بالتخيير والتخيير لا يثبت إلا في صورتين. أحدهما: في التطوع على الراحلة. وثانيهما: في السفر عند تعذر الاجتهاد للظلمة أو لغيرها، لأن في هذين الوجهين المصلي مخير فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير وقول من يقول: إن الله تعالى خير المكلفين في استقبال أي جهة شاءوا بهذه الآية، وهم كانوا يختارون بيت المقدس لا لأنه لازم، بل لأنه أفضل وأولى بعيد لأنه لا خلاف أن لبيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة اختصاصاً في الشريعة ولو كان الأمر كما قالوا: لم يثبت ذلك الاختصاص وأيضاً فكان يجب أن يقال: إن بيت المقدس صار منسوخاً بالكعبة فهذه الدلالة تقتضي أن يكون حمل الآية على الوجه الثالث والرابع، وأما الذين حملوا الآية على الوجه الأول فلهم أن يقولوا: إن القبلة لما حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القبلتين في المأذون فيه فثم وجه الله، قالوا: وحمل الكلام على هذا الوجه أولى، لأنه يعم كل مصل، وإذا حمل على الأول لا يعم لأنه يصير محمولاً على التطوع دون الفرض، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه فهو أولى من التخصيص، وأقصى ما في الباب أن يقال: إن على هذا التأويل لا بد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } من الجهات المأمور بها: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } إلا أن هذا الإضمار لا بد منه على كل حال، لأنه من المحال أن يقول تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } بحسب ميل أنفسكم {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك فقد زالت طريقة التخيير ونظيره: إذا أقبل أحدنا على ولده وقد أمره بأمور كثيرة مترتبة فقال له: كيف تصرفت فقد اتبعت رضائي، فإنه يحمل ذلك على ما أمره على الوجه الذي أمره من تضييق أو تخيير، ولا يحمل ذلك على التخيير المطلق فكذا ههنا. القول الثاني: وهو قول من زعم أن هذه الآية نزلت في أمر سوى الصلاة فلهم أيضاً وجوه: أولها: أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم أنهم أينما ولوا هاربين عني وعن سلطاني فإن سلطاني يلحقهم، وقدرتي تسبقهم وأنا عليم بهم، لا يخفى علي مكانهم وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها، وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ عَلِيمٌ } نظير قوله: {أية : إِنِ ٱسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَـٰرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فَٱنفُذُواْ لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَـٰنٍ } تفسير : [الرحمن: 33] فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } تفسير : [الحديد: 4] وقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَـٰثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } تفسير : [المجادلة: 7] وقوله: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً} تفسير : [غافر: 7] وقوله: {أية : وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } تفسير : [طه: 98] أي عم كل شيء بعلمه وتدبيره وإحاطته به وعلوه عليه. وثانيها: قال قتادة: إن النبي عليه السلام قال: «حديث : إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم» تفسير : فنزل قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِـئَايَـٰتِ ٱللهِ ثمناً قليلاً أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن ٱلله سريع ٱلحساب } تفسير : [آل عمران: 199] فقالوا: إنه كان يصلي إلى غير القبلة، فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ومعناها أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب وما بينهما، كلها لي فمن وجه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق وهو نحو قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ } تفسير : [البقرة: 143]. وثالثها: لما نزل قوله تعالى: {أية : ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60] قالوا: أين ندعوه فنزلت هذه الآية، وهو قول الحسن ومجاهد والضحاك. ورابعها: أنه خطاب للمسلمين، أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فلله المشرق والمغرب والجهات كلها، وهو قول علي بن عيسى. وخامسها: من الناس من يزعم أنها نزلت في المجتهدين الوافين بشرائط الاجتهاد سواء كان في الصلاة أو في غيرها، والمراد منه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد فهو مصيب. المسألة الثانية: إن فسرنا الآية بأنها تدل على تجويز التوجه إلى أي جهة أريد، فالآية منسوخة وإن فسرناها بأنها تدل على نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة فالآية ناسخة، وإن فسرناها بسائر الوجوه فهي لا ناسخة ولا منسوخة. المسألة الثالثة: اللام في قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } لام الاختصاص أي هو خالقهما ومالكهما، وهو كقوله: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ ٱلْمَغْرِبَيْنِ } تفسير : [الرحمن: 17] وقوله: {أية : بِرَبّ ٱلْمَشَـٰرِقِ وَٱلْمَغَـٰرِبِ} تفسير : [المعارج:40] و{أية : رَبُّ ٱلْمَشَـرِقِ وَٱلْمَغَـرِبِ } تفسير : [المزمل:9] ثم أنه سبحانه أشار بذكرهما إلى ذكر من بينهما من المخلوقات، كما قال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11]. المسألة الرابعة: الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه، وبيانه من وجهين، الأول: أنه تعالى قال: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } فبين أن هاتين الجهتين مملوكتان له وإنما كان كذلك لأن الجهة أمر ممتد في الوهم طولاً وعرضاً وعمقاً، وكل ما كان كذلك فهو منقسم، وكل منقسم فهو مؤلف مركب، وكل ما كان كذلك فلا بد له من خالق وموجد، وهذه الدلالة عامة في الجهات كلها، أعني الفوق والتحت، فثبت بهذا أنه تعالى خالق الجهات كلها، والخالق متقدم على المخلوق لا محالة، فقد كان الباري تعالى قبل خلق العالم منزهاً عن الجهات والأحياز، فوجب أن يبقى بعد خلق العالم كذلك لا محالة لاستحالة انقلاب الحقائق والماهيات. الوجه الثاني: أنه تعالى قال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } ولو كان الله تعالى جسماً وله وجه جسماني لكان وجهه مختصاً بجانب معين وجهة معينة فما كان يصدق قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } فلما نص الله تعالى على ذلك علمنا أنه تعالى منزه عن الجسمية واحتج الخصم بالآية من وجهين، الأول: أن الآية تدل على ثبوت الوجه لله تعالى والوجه لا يحصل إلا من كان جسماً. الثاني: أنه تعالى وصف نفسه بكونه واسعاً، والسعة من صفة الأجسام. والجواب عن الأول: أن الوجه وإن كان في أصل اللغة عبارة عن العضو المخصوص لكنا بينا أنا لو حملناه ههنا على العضو لكذب قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } لأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً، فإذن لا بد فيه من التأويل وهو من وجوه. الأول: أن إضافة وجه الله كإضافة بيت الله وناقة الله، والمراد منها الإضافة بالخلق والإيجاد على سبيل التشريف، فقوله: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } أي: فثم وجهه الذي وجهكم إليه لأن المشرق والمغرب له بوجهيهما، والمقصود من القبلة إنما يكون قبلة لنصبه تعالى إياها فأي وجه من وجوه العالم المضاف إليه بالخلق والإيجاد نصبه وعينه فهو قبلة. الثاني: أن يكون المراد من الوجه القصد والنية قال الشاعر:شعر : استغفر الله ذنباً لست أحصيه رب العباد إليه الوجه والعمل تفسير : ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 79]. الثالث: أن يكون المراد منه فثم مرضاة الله، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ} تفسير : [الإنسان: 9] يعني لرضوان الله، وقوله: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] يعني ما كان لرضا الله، ووجه الاستعارة أن من أراد الذهاب إلى إنسان فإنه لا يزال يقرب من وجهه وقدامه، فكذلك من يطلب مرضاة أحد فإنه لا يزال يقرب من مرضاته، فلهذا سمي طلب الرضا بطلب وجهه. الرابع: أن الوجه صلة كقوله: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} تفسير : [القصص: 88] ويقول الناس هذا وجه الأمر لا يريدون به شيئاً آخر غيره، إنما يريدون به أنه من ههنا ينبغي أن يقصد هذا الأمر، واعلم أن هذا التفسير صحيح في اللغة إلا أن الكلام يبقى، فإنه يقال لهذا القائل: فما معنى قوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } مع أنه لا يجوز عليه المكان فلا بد من تأويله بأن المراد: فثم قبلته التي يعبد بها، أو ثم رحمته ونعمته وطريق ثوابه والتماس مرضاته. والجواب عن الثاني: وهو أنه وصف نفسه بكونه واسعاً فلا شك أنه لا يمكن حمله على ظاهره وإلا لكان متجزئاً متبعضاً فيفتقر إلى الخالق، بل لا بد وأن يحمل على السعة في القدرة والملك، أو على أنه واسع العطاء والرحمة، أو على أنه واسع الإنعام ببيان المصلحة للعبيد لكي يصلوا إلى رضوانه، ولعل هذا الوجه بالكلام أليق، ولا يجوز حمله على السعة في العلم، وإلا لكان ذكر العليم بعده تكراراً، فأما قوله: {عَلِيمٌ } في هذا الموضع فكالتهديد ليكون المصلي على حذر من التفريط من حيث يتصور أنه تعالى يعلم ما يخفي وما يعلن، وما يخفى على الله من شيء، فيكون متحذراً عن التساهل، ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {وٰسِعٌ عَلِيمٌ } أنه تعالى واسع القدرة في توفية ثواب من يقوم بالصلاة على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل عنها. المسألة الخامسة: ولى إذا أقبل، وولى إذا أدبر، وهو من الأضداد ومعناه ههنا الإقبال، وقرأ الحسن: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } بفتح التاء من التولي، يريد فأينما توجهوا القبلة.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} «المشرق» موضع الشروق. «والمغرب» موضع الغروب؛ أي هُمَا له ملك وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع؛ كما تقدّم. وخصَّهما بالذكر والإضافة إليه تشريفاً؛ نحو بيت الله، وناقة الله، ولأن سبب الآية ٱقتضى ذلك؛ على ما يأتي. الثانية: قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} شَرْطٌ، ولذلك حذفت النون، و «أين» العاملة، و «ما» زائدة، والجواب {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}. وقرأ الحسن «تَوَلَّوْا» بفتح التاء واللام، والأصل تتولّوا. و «ثَمَّ» في موضع نصب على الظرف، ومعناها البعد؛ إلا أنها مبنية على الفتح غير مُعْربة لأنها مبهمة، تكون بمنزلة هناك للبُعْد، فإن أردت القُرب قلت هنا. الثالثة: ٱختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} على خمسة أقوال: فقال عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن صلّى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة؛ أخرجه الترمذي عنه عن أبيه قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سفرٍ في ليلة مظلمة فلم نَدْر أين القِبلة، فصلّى كل رجل منّا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبيّ صلى الله عليه وسلم فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}. قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، لا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث بن سعيد أبو الربيع يُضعَّف في الحديث. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا؛ قالوا: إذا صلّى في الغيم لغير القِبلة ثم ٱستبان له بعد ذلك أنه صلّى لغير القبلة فإن صلاته جائزة؛ وبه يقول سفيان وٱبن المبارك وأحمد وإسحٰق. قلت: وهو قول أبي حنيفة ومالك، غير أن مالكاً قال: تُستحب له الإعادة في الوقت، وليس ذلك بواجب عليه؛ لأنه قد أدّى فرضه على ما أُمِر، والكمال يُستدرك في الوقت؛ ٱستدلالاً بالسنة فيمن صلّى وحده ثم أدرك تلك الصلاة في وقتها في جماعة أنه يعيد معهم؛ ولا يعيد في الوقت ٱستحباباً إلا من ٱستدبر القبلة أو شرّق أو غرّب جدًّا مجتهداً، وأمّا من تيامن أو تياسر قليلاً مجتهداً فلا إعادة عليه في وقت ولا غيره. وقال المُغِيرة والشافعي: لا يحزيه؛ لأن القِبلة شَرْط من شروط الصلاة. وما قاله مالك أصح؛ لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المُسايفة، وتبيحها أيضاً الرّخصة حالة السفر. وقال ٱبن عمر: نزلت في المسافر يتنّفل حيثما توجّهت به راحلته. أخرجه مسلم عنه؛ قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي وهو مُقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيث كان وجهه، قال: وفيه نزلت {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}. ولا خلاف بين العلماء في جواز النافلة على الراحلة لهذا الحديث وما كان مثله. ولا يجوز لأحد أن يَدَع القبلة عامداً بوجهٍ من الوجوه إلا في شدّة الخوف؛ على ما يأتي. وٱختلف قول مالك في المريض يصلّي على مَحْمَله؛ فمرَّةً قال: لا يصلّي على ظهر البعير فريضة وإن ٱشتدّ مرضه. قال سُحْنُون: فإن فعل أعاد؛ حكاه الباجي. ومَرّةً قال: إن كان ممن لا يصلي بالأرض إلا إيماءً فلْيُصَلِّ على البعير بعد أن يوقَف له ويستقبل القبلة. وأجمعوا على أنه لا يجوز لأحد صحيح أن يصلّي فريضة إلا بالأرض إلا في الخوف الشديد خاصة؛ على ما يأتي بيانه. وٱختلف الفقهاء في المسافر سفراً لا تقصر في مثله الصلاة؛ فقال مالك وأصحابه والثَّوْرِي: لا يتطوع على الراحلة إلا في سفر تقصر في مثله الصلاة؛ قالوا: لأن الأسفار التي حُكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يتطوّع فيها كانت مما تقصر فيه الصلاة. وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والحسن بن حَيّ واللّيث بن سعد وداود بن عليّ: يجوز التطوّع على الراحلة خارج المصر في كل سفر، وسواء كان مما تقصر فيه الصلاة أو لا؛ لأن الآثار ليس فيها تخصيص سفرٍ من سفر، فكلّ سفرٍ جائز ذلك فيه، إلا أن يخص شيء من الأسفار بما يجب التسليم له. وقال أبو يوسف: يصلّي في المصر على الدابة بالإيماء؛ لحديث يحيى ابن سعيد عن أنس بن مالك أنه صلّى على حمار في أزقّة المدينة يومىء إيماء. وقال الطبري: يجوز لكل راكب وماش حاضراً كان أو مسافراً أن ينتفل على دابته وراحلته وعلى رجليه (بالإيماء). وحكى عن بعض أصحاب الشافعي أن مذهبهم جواز التنفل على الدابة في الحَضَر والسَّفر. وقال الأثرم: قيل لأحمد بن حنبل الصلاة على الدابة في الحضر؛ فقال: أمّا في السفر فقد سمعتُ، وما سمعتُ في الحضر. قال ٱبن القاسم: من تنفّل في محمله تنفّل جالساً، قيامُه تربّع، يركع واضعاً يديه على ركبتيه ثم يرفع رأسه. وقال قتادة: نزلت في النَّجاشي، وذلك أنه: لما مات دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى الصلاة عليه خارج المدينة، فقالوا: كيف نصلّي على رجل مات؟ وهو يصلي لغير قِبْلتنا، وكان النَّجاشي ملك الحَبَشة ـ وٱسمه أَصْحَمَة وهو بالعربية عطية ـ يصلّي إلى بيت المقدس حتى مات، وقد صُرفت القبلة إلى الكعبة فنزلت الآية، ونزل فيه: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران:199] فكان هذا عُذْراً للنجاشي؛ وكانت صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بأصحابه سنة تسع من الهجرة. وقد ٱستدّل بهذا من أجاز الصلاة على الغائب، وهو الشافعي. قال ٱبن العربي: ومن أغرب مسائل الصلاة على الميت ما قال الشافعي: يصلي على الغائب؛ وقد كنت ببغداد في مجلس الإمام فخر الإسلام فيدخل عليه الرجل من خراسان فيقول له: كيف حال فلان؟ فيقول له: مات؛ فيقول: إنّا لله وإنّا إليه راجعون! ثم يقول لنا: قوموا فلأصل لكم؛ فيقوم فيصلّي عليه بنا، وذلك بعد ستة أشهر من المدّة، وبينه وبين بلده ستة أشهر. والأصل عندهم في ذلك صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم على النجاشي. وقال علماؤنا رحمة الله عليهم: النبيّ صلى الله عليه وسلم بذلك مخصوص لثلاثة أوجه: أحدها: أن الأرض دُحِيتْ له جنوباً وشمالاً حتى رأى نعش النجاشي، كما دُحيت له شمالاً وجنوباً حتى رأى المسجد الأقصى. وقال المخالف: وأيّ فائدة في رؤيته، وإنما الفائدة في لحوق بركته. الثاني: أن النجاشي لم يكن له هناك وَلِيّ من المؤمنين يقوم بالصلاة عليه. قال المخالف: هذا محال عادة! مَلِك على دين لا يكون له أتباع، والتأويل بالمحال محال. الثالث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما أراد بالصلاة على النجاشي إدخال الرحمة عليه وٱستئلاف بقية الملوك بعده إذا رأوا الاهتمام به حيًّا وميتاً. قال المخالف: بركة الدعاء من النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن سواه تلحق الميت بٱتفاق. قال ٱبن العربيّ: والذي عندي في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي أنه علم أن النجاشي ومَن آمن معه ليس عندهم من سُنة الصلاة على الميت أَثَر، فعُلم أنهم سيدفنونه بغير صلاة فبادر إلى الصلاة عليه. قلت: والتأويل الأول أحسن؛ لأنه إذا رآه فما صلّى على غائب وإنما صلّى على مَرْئيّ حاضر، والغائب ما لا يُرَى. والله تعالى أعلم. القول الرابع: قال ٱبن زيد: كانت اليهود قد ٱستحسنت صلاة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس وقالوا: ما ٱهتدى إلا بنا؛ فلما حُوّل إلى الكعبة قالت اليهود: ما وَلاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؛ فنزلت: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} فوَجْه النظم على هذا القول: أن اليهود لما أنكروا أمر القبلة بين الله تعالى أن له أن يتعبّد عباده بما شاء، فإن شاء أمرهم بالتوجّه إلى بيت الْمَقدس، وإن شاء أمرهم بالتوجّه إلى الكعبة، فعل لا حجة عليه، ولا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون. القول الخامس: أن الآية منسوخة بقوله: {أية : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 144] ذكره ٱبن عباس؛ فكأنه كان يجوز في الابتداء أن يصلّي المرء كيف شاء ثم نسخ ذلك. وقال قتادة: الناسخ قوله تعالى: {أية : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ} تفسير : [البقرة: 144] أي تلقاءه؛ حكاه أبو عيسى الترمذي. وقول سادس: رُويَ عن مجاهد والضحاك أنها مُحْكَمة، المعنى: أينما كنتم من شَرْق وَغَرْب فَثَمَّ وجهُ الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة. وعن مجاهد أيضاً وٱبن جُبير لما نزلت: {ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قالوا: إلى أين؟ فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}. وعن ٱبن عمر والنَّخَعِيّ: أينما تولُّوا في أسفاركم ومنصرفاتكم فَثَمّ وجه الله. وقيل: هي متصلة بقوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ}تفسير : [البقرة: 114] الآية؛ فالمعنى أن بلاد الله أيها المؤمنون تَسَعكم، فلا يمنعكم تخريب من خرّب مساجد الله أن تولُّوا وجوهكم نحو قِبلة الله أينما كنتم من أرضه. وقيل: نزلت حين صُدّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيت عامَ الحُدَيْبِيَة فٱغتم المسلمون لذلك. فهذه عشرة أقوال. ومن جعلها منسوخة فلا ٱعتراض عليه من جهة كونها خبراً؛ لأنها محتملة لمعنى الأمر. يحتمل أن يكون معنى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}: وَلُّوا وجوهكم نحو وجه الله؛ وهذه الآية هي التي تلا سعيد بن جُبير رحمه الله لما أمر الحجاجُ بذبحه إلى الأرض. الرابعة: اختلف الناس في تأويل الوجه المضاف إلى الله تعالى في القرآن والسُّنة؛ فقال الحُذّاق: ذلك راجع إلى الوجود، والعبارة عنه بالوجه من مجاز الكلام، إذ كان الوجه أظهر الأعضاء في الشاهد وأجلّها قدراً. وقال ٱبن فُورك: قد تُذكر صفة الشيء والمراد بها الموصوف توسُّعاً؛ كما يقول القائل: رأيت عِلم فلان اليوم، ونظرت إلى علمه؛ إنما يريد بذلك رأيت العالم ونظرت إلى العالم؛ كذلك إذا ذُكر الوجه هنا، والمراد من له الوجه، أي الوجود. وعلى هذا يتأوّل قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 9] لأن المراد به: لله الذي له الوجه؛ وكذلك قوله: {أية : إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الليل: 20] أي الذي له الوجه. قال ٱبن عباس: الوجه عبارة عنه عز وجلّ؛ كما قال: {أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 27]. وقال بعض الأئمة: تلك صفة ثابتة بالسمع زائدةٌ على ما توجبه العقول من صفات القديم تعالى. قال ٱبن عطية: وضعّف أبو المعالي هذا القول، وهو كذلك ضعيف؛ وإنما المراد وجوده. وقيل: المراد بالوجه هنا الجهة التي وُجِّهنا إليها أي القبلة. وقيل: الوجه القصد؛ كما قال الشاعر:شعر : أستغفر الله ذنباً لستُ مُحْصِيَه رَبِّ العباد إليه الوَجْهُ والعَمَلُ تفسير : وقيل: المعنى فَثمّ رضا الله وثوابه كما قال: {أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ}تفسير : [الإنسان: 9] أي لرضائه وطلب ثوابه؛ ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة»تفسير : . وقوله: «حديث : يُجاء يوم القيامة بصحف مُختمة فتُنصب بين يدي الله تعالى فيقول عز وجل لملائكته ألقوا هذا وٱقبلوا هذا فتقول الملائكة وعزّتك يا ربّنا ما رأينا إلا خيراً وهو أعلم فيقول إن هذا كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما ٱبتغى به وجهي»تفسير : أي خالصاً لي؛ خرّجه الدارقطنّي. وقيل: المراد فَثمّ الله؛ والوجه صلة؛ وهو كقوله: «وَهُوَ مَعَكُمْ». قاله الكَلْبي والقُتَبِيّ، ونحوه قول المعتزلة. الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } أي يوسّع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل: «واسع» بمعنى أنه يَسَع علمه كل شيء؛ كما قال: {أية : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [طه: 98]. وقال الفَرّاء: الواسع هو الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء؛ دليله قوله تعالى: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} تفسير : [الأعراف: 156]. وقيل: واسع المغفرة أي لا يتعاظمه ذنب. وقيل: متفضّل على العباد وغنِيٌّ عن أعمالهم؛ يقال: فلان يسع ما يُسئل، أي لا يبخل؛ قال الله تعالى: {أية : لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}تفسير : [الطلاق: 7] أي لينفق الغني مما أعطاه الله. وقد أتينا عليه في الكتاب «الأسنى» والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} يريد بهما ناحيتي الأرض، أي له الأرض كلها لا يختص به مكان، دون مكان، فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام، أو الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجداً. {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } أي جهته التي أمر بها، فإن إمكان التولية لا يختص بمسجد أو مكان. أو {فَثَمَّ } ذاته: أي هو عالم مطلع بما يفعل فيه {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ} بإحاطته بالأشياء. أو برحمته يريد التوسعة على عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها وعن ابن عمر رضي الله عنهما وأنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة. وقيل: في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارك. وقيل؛ هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة.

ابن كثير

تفسير : وهذا، والله أعلم، فيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذين أخرجوا من مكة، وفارقوا مسجدهم ومصلاهم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة، وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد، ولهذا يقول تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}، قال أبو عبيد القاسم ابن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ: أخبرنا حجاج بن محمد أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء عن ابن عباس قال: أول ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا، والله أعلم، شأن القبلة. قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه إلى بيته العتيق، ونسخها. فقال: {أية : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}تفسير : [البقرة: 150] وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 144] إلى قوله: {أية : فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} تفسير : [البقرة: 144] فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: {قُل لّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ}، وقال: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}. وقال عكرمة عن ابن عباس {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} قال: قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً. وقال مجاهد {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها الكعبة. وقال ابن أبي حاتم بعد رواية الأثر المتقدم عن ابن عباس في نسخ القبلة عن عطاء عنه: وروي عن أبي العالية والحسن وعطاء الخراساني وعكرمة وقتادة والسدي وزيد بن أسلم نحو ذلك، وقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها ليعلم نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب، لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهاً من ذلك وناحية، إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية، لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان كما قال تعالى: {وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ}، قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فرض عليهم التوجه إلى المسجد الحرام، هكذا قال. وفي قوله: وأنه تعالى لا يخلو منه مكان، إن أراد علمه تعالى فصحيح، فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذناً من الله أن يصلي المتطوع، حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف. حدثنا أبو كريب، أخبرنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك، هو ابن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير عن ابن عمر، أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته، ويذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}، ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه، من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان به، وأصله في الصحيحين، من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية. وفي صحيح البخاري من حديث نافع عن ابن عمر، وأنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها، ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك، صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم وركباناً مستقبلي القبلة وغير مستقبليها. قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم. (مسألة) ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه، بين سفر المسافة وسفر العدوى، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة، خلافاً لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف عن أنس ابن مالك رضي الله عنه، واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضاً. قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت الآية في قوم عميت عليهم القبلة، فلم يعرفوا شطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله تعالى: لي المشارق والمغارب، فأين وليتم وجوهكم فهناك وجهي، وهو قبلتكم، فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية. حدثنا محمد بن إسحاق الأهوازي، أخبرنا أبو أحمد الزبيري أخبرنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً يصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذ نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} الآية، ثم رواه عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن أبي الربيع السمان بنحوه. ورواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن وكيع وابن ماجه عن يحيى بن حكيم عن أبي داود عن أبي الربيع السمان، ورواه ابن أبي حاتم عن الحسن ابن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان عن أبي الربيع السمان، واسمه أشعث بن سعيد البصري، وهو ضعيف الحديث، وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث الأشعث السمان، وأشعث يضعف في الحديث. قلت: وشيخه عاصم أيضاً ضعيف. قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك، والله أعلم. وقد روي من طريق آخر، عن جابر، فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية: أخبرنا إسماعيل بن علي ابن إسماعيل، أخبرنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبد الله بن الحسن، قال: وجدت في كتاب أبي: أخبرنا عبد الملك العزرمي عن عطاء عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة، فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة هي ههنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطوطاً، فلما أصبحوا وطلعت الشمس، أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا، سألنا النبي صلى الله عليه وسلم فسكت، وأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء عن جابر به، وقال الدارقطني: قرىء على عبد الله بن عبد العزيز وأنا أسمع: حدثكم داود بن عمرو أخبرنا محمد بن يزيد الواسطي عن محمد بن سالم عن عطاء عن جابر، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فأصابنا غيم، فتحيرنا، فاختلفنا في القبلة، فصلى كل رجل منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: «حديث : قد أجزأت صلاتكم»تفسير : ، ثم قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم، وقال غيره: عن محمد بن عبيد الله العزرمي عن عطاء، وهما ضعيفان. ورواه ابن مردويه أيضاً من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة، ثم استبان لهم بعد أن طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبلة، فلما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه، فأنزل الله تعالى في هذه الآية: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضاً، وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه، ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم. قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي كما حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا هشام بن معاذ حدثني أبي عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أخاً لكم قد مات، فصلوا عليه» تفسير : قالوا: نصلي على رجلٍ ليس بمسلم؟ قال: فنزلت {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَـٰشِعِينَ للَّهِ}تفسير : [آل عمران: 199] قال قتادة: فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} وهذا غريب، والله أعلم. وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة، وذكر القرطبي أنه لما مات، صلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب، قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه، أحدها: أنه عليه السلام، شاهده حين سوى عليه طويت له الأرض. الثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه، واختاره ابن العربي. قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا: لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث: أنه عليه الصلاة والسلام إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم. وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق»تفسير : وله مناسبة ههنا، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر، واسمه نجيح بن عبد الرحمن السدي المدني، به: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة»تفسير : وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة، وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، ثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن بكر المروزي، أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنسي عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة»تفسير : ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وحكي عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح، قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبله» تفسير : منهم عمر بن الخطاب وعلي وابن عباس رضي الله عنهم أجمعين. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة، ثم قال ابن مردويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن أخبرنا يعقوب بن يوسف مولى بني هاشم، أخبرنا شعيب بن أيوب أخبرنا ابن نمير عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة»تفسير : وقد رواه الدارقطني والبيهقي، وقال: المشهور عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنهما قوله. قال ابن جرير: ويحتمل فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي، فهنالك وجهي، أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، أخبرنا الحسين حدثني حجاج قال: قال ابن جريج، قال مجاهد: لما نزلت: {أية : ٱدْعُونِىۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] قالوا: إلى أين؟، فنزلت: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} قال ابن جرير: ومعنى قوله: {إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ} يسع خلقه كلهم بالكفاية والجود والإفضال، وأما قوله: {عَلِيمٌ} فإنه يعني: عليم بأعمالهم، ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم.

المحلي و السيوطي

تفسير : ونزل لما طعن اليهود في نسخ القبلة أو في صلاة النافلة على الراحلة في السفر حيثما توجهت {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ } أي الأرض كلها لأنهما ناحيتاها {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } وجوهكم في الصلاة بأمره {فَثَمَّ } هناك {وَجْهُ ٱللَّهِ } قبلته التي رضيها {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ } يسع فضله كل شيء {عَلِيمٌ } بتدبير خلقه.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَاللهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} اختلف أهل التأويل في تأويلها، وسبب نزولها، على سبعة أقاويل: أحدها: أن سبب ذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يستقبل بصلاته بيت المقدس بعد هجرته ستة عشر شهراً، أو سبعة عشر شهراً، حتى قالت اليهود: إن محمداً وأصحابه، ما دروا أين قبلتهم حتى هديناهم، فأمرهم الله تعالى باستقبال الكعبة، فتكلمت اليهود، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أن هذه الآية نزلت قبل أن يفرض استقبال القبلة، فأباح لهم أن يتوجهوا بصلاتهم حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، وهذا قول قتادة وابن زيد. والثالث: أنها نزلت في صلاة التطوع للسائر حيث توجه، وللخائف حيث تمكن من مشرق أو مغرب، وهذا قول ابن عمر، روى سعيد بن جبير عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية {فَأَينَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} أن تصلي أينما توجهت بك راحلتك في السفر تطوعاً، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجع من مكة يصلي على راحلته تطوعاً، يومئ برأسه نحو المدينة. والرابع: أنها نزلت، فيمن خفيت عليهم القبلة، ولم يعرفوا جهتها، فَصَلُّوا إلى جهات مختلفة. روى عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة، فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار، فيعمل مسجداً يصلي فيه، فلما أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فقلنا: يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه إلى غير القبلة، فأنزل الله تعالى هذه الآية. والخامس: أنها نزلت في النجاشي، وروى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إِنَّ أَخَاكُم النَّجَاشِيّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ" تفسير : قالوا نصلي على رجل ليس بمسلم، قال فنزلت: {أية : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم خَاشِعِينَ لِلُّه} تفسير : [سورة آل عمران الآية: 199] قالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمغْرِبُ فَأينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}. والسادس: أن سبب نزولها أن الله تعالى لما أنزل قوله: {ادعُوني أسْتَجِبْ لَكُم} قالوا إلى أين؟ فنزلت: {أية : فأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} تفسير : [البقرة: 115]. والسابع: أن معناه وحيثما كنتم من مشرق أو مغرب، فلكم قبلة تستقبلونها، يعني جهة إلى الكعبة، وهذا قول مجاهد. ويجيء من هذا الاختلاف في قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} تأويلان: أحدهما: معناه فثم قبلة الله. والثاني: فثم الله تعالى، ويكون الوجه عبارة عنه، كما قال تعالى: {أية : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} تفسير : [الرحمن: 27]. وأما {ثَمَّ} فهو لفظ يستعلم في الإشارة إلى مكان، فإن كان قريباً قيل: (هنا زيد)، وإن كان بعيداً قيل: (هناك زيد).

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ} لما حولت [القبلة إلى] الكعبة تكلمت اليهود فيها فنزلت، أو أذن لهم قبل فرض الاستقبال أن يتوجهوا حيث شاءوا من نواحي المشرق والمغرب، أو في صلاة التطوع في السفر، وللخائف ـ أيضاً ـ، أو في قوم من الصحابة خفيت عليهم القبلة فصلوا على جهات مختلفة ثم أخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت، أو في النجاشي فإنه كان يصلي إلى غير القبلة، أو قالوا لما نزل قوله تعالى: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر: 60] قالوا: إلى أين؟ فنزلت، أو أين ما كنتم من شرق أو غرب فلكم قبلة هي الكعبة. {فَثَمَّ} إشارة إلى المكان البعيد. {وَجْهُ اللَّهِ} قبلته، أو فثم الله كقوله تعالى: { أية : وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ}تفسير : [الرحمن: 27].

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ...} قال في سورة المعارج: {أية : فَلآ أُقْسِمُ بِرَبِّ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ }. تفسير : قال ابن عرفة: إما على أن الأرض كروية فتعدد المشرق والمغرب ظاهر لأن كل موضع مغرب لقوم مشرق لآخرين، وإن قلنا: إنها بسيطة فهو مغرب واحد ومشرق واحد لكنها تتعدد بالفصول فمشرق الصيف غير مشرق الشتاء. (قال ابن عرفة: وفيه إبطال للقول بالجسم والجهة، لأنه لو كان الإلاه جسما للزم عليه حلول الجسم الواحد في الزمن الواحد في مجال متعدد وهو محال). قيل لابن عرفة: يقول صاحب هذا القول: إنه كالفلك فإنه دائر بالعالم كله بدليل قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} والتولي إنما يكون فيما يحوزه الفلك بل في بعضه فقط. وإنما أبطلوا الجسمية بدليل آخر فكما أنّا أيْنَما (نولّ نَرَ) الفلك بعضه (فكذلك هو) لكن لا نراه والفلك جسم؟ فقال لفظ "ثَمّ" يقتضي وجوده في المكان الذي يقع فيه التولي حقيقة، وإذا كان كالفلك فليس هو في ذلك المكان. قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قال ابن عرفة: هذا إما ترغيب وترهيب أي هو واسع الرحمة عليهم بأعمال العباد فيجازيهم عليها، وإما ترغيب وتأكيد للترغيب أي هو واسع الرحمة مع علمه بأعمال العباد، وهذا أبلغ في رحمته لأن الإنسان قد يرحم عدوه إذا كان جاهلا بِعَداوَتِهِ وعصيانه ولا يرحمه إذا علم بذلك.

ابن عادل

تفسير : قوله: عز وجل: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ}: جملة مرتبطة بقوله: {مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ، وسَعَى في خَرَابِهَا}. يعنى: أنه إن سعى في المنع من ذكره ـ تعالى ـ وفي خراب بيوته، فليس في ذلك مانعاً من أداء العبادة في غيرها؛ لأن المشرق والمغرب، وما بينهما له تعالى، والتنصيص على ذكر المشرق والمغرب دون غيرها لوجهين: أحدهما: لشرفهما حيث جعلا لله تعالى. والثاني: أن يكون من حذف المعلوم للعلم، أي: لله المشرق والمغرب وما بينهما، كقوله: {أية : تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ}تفسير : [النحل:81] أي والبرد؛ وكقول الشاعر: [البسيط] شعر : 748ـ تَنْفِي يَدَاهَا الحَصَى في كُلِّ هاجِرَةٍ نَفْيَ الدَّرَاهِيمِ تَنْقَادُ الصَّيارِيفِ تفسير : أي: يداها ورِجْلاَها؛ ومثله: [الطويل] شعر : 749ـ كأَنَّ الحَصَى مِنْ خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا إذَا نَجَلَتْهُ رِجْلُهَا خَذْفُ أَعْسَرَا تفسير : أي: رجلُها ويدَاها. وفي المشرق والمغرب قولان: أحدهما: أنهما اسما مكان الشروق والغروب. والثاني: أنهما اسما مصدر، أي: الإشراق والإغراب، والمعنى: لله تعالى تولي إشراق الشمس من مشرقها، وإغرابها من مغْربها، وهذا يبعده قوله تعالى: "فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ"، وأفرد المشرق والمغرب إذ المراد ناحيتاهما، أو لأنهما مصدران، وجاء المَشَارق والمغارب باعتبار وقوعهما في كل يوم، والمشرقين والمغربين باعتبار مشرق الشتاء والصيف ومغربيهما، وكان من حقهما فتح العين لما تقدم من أنه إذا لم تنكسر عين المضارع، فحق اسم المصدر والزمان والمكان فتح العين، ويجوز ذلك قياساً لا تلاوة. قوله تعالى: "فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ" "أَيْنَ" هنا اسم شرط بمعنى "إنْ" و "ما" مزيدةٌ عليها، و "تولوا" مجزوم بها. وزيادة "ما" ليست لازمةً لها؛ بدليل قوله: [الخفيف] شعر : 750ـ أَيْنَ تَضْرِبْ بِنَا العُدَاةَ تَجِدْنَا .................. تفسير : وهي ظرف مكان، والناصب لها ما بعدها، وتكون اسم استفهام أيضاً، فهي لفظ مشترك بين الشرط والاستفهام كـ "مَنْ" و "مَا". وزعم بعضهم أن أصلها السؤال عن الأمكنة، وهي مبنية على الفتح لتضمنها معنى حرف شرط أو الاستفهام. وأصل تُولُّوا: تُولِّيوا فأعل بالحذف، وقرأ الجمهور: "تُوَلُّوا" بضم التاء واللام بمعنى تستقبلوا، فإن "ولى" وإن كان غالب استعمالها أدبر، فإنها تقتضي الإقبال إلى ناحية ما. تقول: وليت عن كذا إلى كذا، وقرأ الحسن: "تَوَلَّوا" بفتحهما. وفيها وجهان: أحدهما: أن يكون مضارعاً، والأصل: تتولوا من التولية، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، نحو: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ}تفسير : [القدر: 4]. والثاني: أن يكون ماضياً، والضمير للغائبين ردّاً على قوله: "لَهُمْ في الدُّّنْيَا ولهم في الآخرة" فتتناسق الضمائر. وقال أبو البقاء: والثاني: أنه ماض والضمير للغائبين، والتقدير: إينما يَتَولّوا، يعنى: أنه وإن كان ماضياً لفظاً فهو مستقبل معنى ثم قال: وقد يجوز أن يكون ماضياً قد وقع، ولا يكون "أين" شرطاً في اللفظ، بل في المعنى، كما تقول: "ما صنعتَ صنعتُ" إذا أردت الماضي، وهذا ضعيف؛ لأن "أين" إما شرط، أو استفهام، وليس لها معنى ثالث. انتهى وهو غير واضح. قوله: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} الفاء وما بعدها جواب الشَّرْط، فالجملة في محلّ جزم، و "ثَمَّ" خبر مقدم، و "وَجْهُ اللهِ" رفع بالابتداء، و "ثَمَّ" اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل: هنا وهنَّا بتشديد النون، وهو مبني على الفتح لتضمّنه معنى حرف الإشارة أو حرف الخطاب. قال أبو البقاء: لأنك تقول في الحاضر هنا وفي الغائب هناك، وثَمَّ ناب عن هناك [وهذا ليس بشيء]. وقيل: بني لشبهه بالحَرْفِ في الافتقار، فإنه يفتقر إلى مشار إليه، ولا ينصرف بأكثر من جره بـ "من". ولذلك غَلِط بعضهم في جعله مفعولاً في قوله: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ}تفسير : [الإنسان:20]، بل مفعول "رَأَيْتَ" محذوف. فصل في نفي التجسيم وهذه الآية من أقوى الدلائل على نفي التجسيم وإثبات التنزيه؛ لأنه لو كان الله ـ تعالى ـ جسماً، وله وجه جسماني لكان مختصًّا بجانب معين وجهةٍ معينة، ولو كان كذلك لكان قوله: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} كذباً، ولأن الوجه لو كان محاذياً للمشرق لاستحال في ذلك الزمان أن يكون محاذياً للمغرب أيضاً، وإذا ثبت هذا، فلا بد فيه من التأويل، ومعنى "وَجْهُ اللهِ" جهته التي ارتضاها قِبْلَةً وأمر بالتوجه نحوها، أو ذاته نحو: {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص:88]، أو المراد به الجَاهُ، أي: فَثَمَّ جلال الله وعظمته من قولهم: هو وجه القول، أو يكون صلةً زائداً، وليس بشيء. وقيل: المراد به العمل قاله الفراء؛ وعليه قوله: [البسيط] شعر : 751ـ أَسْتَغْفِرُ اللهَ ذَنْباً لَسْتُ مُحْصِيَهُ رَبَّ العِبَادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ تفسير : [قوله تعالى: "وَاسِع عَليم" أي: يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم. وقيل: واسع المغفرة. فصل في سبب نزول الآية في سبب نزول الآية قولان: أحدهما: أنه أمر يتعلّق بالصلاة. والثاني: في أمر لا يتعلق بالصلاة. فأما القول الأول فاختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أنه ـ تعالى ـ أراد به تحويل المؤمنين عن استقبال "بيت المقدس" إلى الكعبة، فبيّن تعالى أن المشرق والمغرب، وجميع الجهات كلّها مملوكة له سبحانه وتعالى، فإينما أمركم الله ـ عزّ وجلّ ـ باستقباله فهو القبلة؛ لأن القبلة ليست قبلة لذاتها؛ بل لأن الله ـ تعالى ـ جعلها قبلة، فهو يدبر عباده كيف يريد] وكيف يشاء فكأنه تعالى ذكر ذلك بياناً لجواز نسخ القبلة من جانب إلى جانب آخر. وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما ـ لما تحولت القِبْلَة عن "بيت المقدس" أنكرت اليهود ذلك، فنزلت الآية ونظيره قوله تعالى: {أية : قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [البقرة:142]. وثالثها: قال أبو مسلم: إن اليهود والنَّصَارى كل واحد منهم قال: إنَّ الجنة له لا لغيره، فردَّ الله عليهم بهذه الآية؛ لأن اليهود إنما استقبلوا "بيت المقدس"؛ لأنهم اعتقدوا أن الله ـ تعالى ـ صعد السماء من الصَّخرة والنصارى استقبلوا المشرق؛ لأن مريم انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فولدت عيسى ـ عليهما الصلاة والسلام ـ هناك، فردَّ الله عليهم أقوالهم. ورابعها: قال قتادة وابن زيد: إن الله ـ تعالى ـ نسخ "بيت المقدس" بالتخيير إلى أي جهة شاء بهذه الآية، فكان للمسلمين أن يتوجّهوا إلى حيث شاءوا في الصلاة، إلاَّ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يختار التوجّه إلى "بيت المقدس"، مع أنه كان له أن يتوجّه حيث شاء، ثم إنه ـ تعالى ـ نسخ ذلك بتعيين الكعبة. وخامسها: أن المراد بالآية من هو مشاهد للكعبة، فإنّ له أن يستقبلها من أي جهة شاء وأراد. [وسادسها: ما روى عبد الله بن عامر بن ربيعة ـ رضي الله عنه ـ قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل واحد منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه، ثم صلينا فلما أصبحنا، فإذا نحن على غير القِبْلَةِ، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فأنزل الله ـ تعالى ـ هذه الآية، وهذا الحديث يدلّ على أنهم نقلوا حينئذٍ إلى الكعبة؛ لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ "بيت المقدس"]. وسابعها: أن الآية نزلت في المسافر يصلى النوافل حيث تتوجّه به راحتله. وعن سعيد بن جبر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "إنما نزلت هذه الآية في الرَّجل يصلي إلى حيث توجّهت به راحلته في السفر". قال ابن الخطيب: فإن قيل: فأي هذه الأقاويل أقرب إلى الصَّواب؟ قلنا: إن قوله تبارك وتعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} مشعر بالتخيير، والتخيير لا يَثْبُت إلا في صورتين: إحداهما: في التَّطوع على الراحلة. وثانيتهما: في السفر عند تعذُّر الاجتهاد لظلمة أو لغيرها؛ لأن في هذين الوجهين المصلّي مخير. فأما على غير هذين الوجهين فلا تخيير، والذين حملوا الآية على الوجه الأول، فلهم أن يقولوا: إن القِبْلَةَ لمّا حولت تكلم اليهود في صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وصلاة المؤمنين إلى بيت المقدس، فبين تعالى بهذه الآية أن تلك القبلة كان التوجه إليها صواباً في ذلك الوقت، والتوجه إلى الكعبة صواب في هذا الوقت، وبين أنهم أينما يولوا من هاتين القِبْلَتَين في المأذون فيه، فَثَمَّ وجه الله، قالوا: وحمل الكلام على هذا الوجه أولى؛ لأنه يعم كل مصلٍّ، وإذا حمل على الأول لا يعم؛ لأنه يصير محمولاً على التَّطوع دون الفرد، وعلى السفر في حالة مخصوصة دون الحضر، وإذا أمكن إجراء اللفظ العام على عمومه، فهو أولى من التخصيص، وأقصى ما في الباب أن يقال: إنَّ على هذا التأويل لا بد أيضاً من ضرب تقييد وهو أن يقال: "فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا" من الجهات المأمور بها {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللهِ} إلاَّ أن هذا الإضمار لا بد منه على كلّ حال؛ لأنه من المحال أن يقول تعالى: "فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا" بحسب ميل أنفسكم {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللهِ}، بل لا بد من الإضمار الذي ذكرناه، وإذا كان كذلك، فقد زالت طريقة التخيير. القول الثاني: أنَّ هذه الآية نزلت في آمر سوى الصَّلاة وفيه وجوه: أولها: أن المعنى أن هؤلاء الذين ظلموا بمنع مساجدي أن يذكر فيها اسمي، وسعوا في خرابها أولئك لهم كذا وكذا، ثم إنهم أينما ولُّوا هاربين عني وعن سلطاني، فإن سلطاني يلحقهم، [وتدبيري] يسبقهم، فعلى هذا يكون المراد منه [سعة القدرة والسلطان] وهو نظير قوله: {أية : وَهُوَ مَعَكُمْ أيْنَمَا كُنْتُمْ} تفسير : [الحديد:4]، وقوله: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا}تفسير : [غافر:7]، وقوله: {أية : وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً}تفسير : [طه:98]. وثانيها: قال قَتَادة: إن النبي ـ عليه السلام ـ قال: "حديث : إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَصَلُّوا عَلَيْهِ، قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم فنزل قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لاَ يَشْتَرُونَ} [آل عمران:199] فقالوا: إنه كان لا يصلي [إلى القِبْلَة، فأنزل الله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ، فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}"تفسير : ومعناه أن الجهات التي يصلي إليها أهل الملل من شرق وغرب، وما بينهما كلها لي، فمتى وجّه وجهه نحو شيء منها بأمر يريدني، ويبتغي طاعتي وجدني هناك أي وجد ثوابي فكان هذا عذراً للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبالهم المشرق، وهو نحو قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}تفسير : [البقرة:143]. وثالثها: قال الحسن، ومجاهد والضحاك رضي الله عنهم: لما نزل قوله ـ سبحانه وتعالى: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ}تفسير : [غافر:60] قالوا: أين ندعوه؟ فنزلت هذه الآية. ورابعها: قال علي بن عيسى رحمه الله: إنه خطاب للمؤمنين ألا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله ـ تعالى ـ عن ذكره حيث كنتم من أرضهم، فللَّه المشرق والمغرب، والجهات كلها. وخامسها: زعم بعضهم أنها نزلت في المجتهدين الوافدين بشرائط الاجتهاد فهو مصيب].

السيوطي

تفسير : أخرج أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال ‏"‏أوّل ما نسخ لنا من القرآن فيما ذكر لنا والله أعلم شأن القبلة‏.‏ قال الله تعالى ‏ {‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله‏} فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله تعالى إلى البيت العتيق ونسخها‏.‏ فقال ‏{أية : ‏ومن حيث خرجت فول وجهك‏}‏ تفسير : ‏[‏البقرة: 149‏] الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله ‏ {‏ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله‏}‏ قال ‏"‏كان الناس يصلون قبل بيت المقدس، فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة على رأس ثمانية عشر شهراً من مهاجره، وكان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به، فنسختها قبل الكعبة‏"‏‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والنحاس في ناسخه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوّعاً أينما توجهت به، ثم قرأ ابن عمر هذه الآية ‏ {‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏} ‏ وقال ابن عمر‏:‏ في هذا نزلت هذه الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عمر قال‏:‏ أنزلت ‏ {‏أينما تولوا فثم وجه الله‏} أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوّع‏.‏ وأخرج البخاري والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال‏:‏ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهاً قبل المشرق تطوّعا‏ً.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري والبيهقي عن جابر بن عبدالله ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى‏"‏. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي عن أنس ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر وأراد أن يتطوّع بالصلاة استقبل بناقته القبلة وكبر، ثم صلى حيث توجهت الناقة‏"‏‏.‏ وأخرج أبو داود والطيالسي وعبد بن حميد والترمذي وضعفه وابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم والعقيلي وضعفه والدارقطني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه عن عامر بن ربيعة قال ‏"حديث : ‏كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلاً، فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً فيصلي فيه، فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة، فقلنا‏:‏ يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة، فأنزل الله ‏ {‏ولله المشرق والمغرب‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏.‏ فقال مضت صلاتكم‏ "‏‏.تفسير : ‏ وأخرج الدارقطني وابن مردويه والبيهقي عن جابر بن عبدالله قال ‏"‏بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا‏:‏ القبلة ههنا قبل الشمال، فصلوا وخطوا خطا‏ً.‏ وقال بعضنا‏:‏ القبلة ههنا قبل الجنوب، فصلوا وخطوا خطاً‏.‏ فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة، فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فسكت، فأنزل الله ‏ {‏ولله المشرق والمغرب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن عطاء ‏"‏أن قوماً عميت عليهم القبلة، فصلى كل إنسان منهم إلى ناحية، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فأنزل الله ‏ {‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏} ‏"‏. وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سريه فأصابتهم ضبابه فلم يهتدوا إلى القبله فصلوا لغير القبله، ثم استبان لهم بعدما طلعت الشمس أنهم صلوا لغير القبله، فلما جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثوه، فأنزل الله ‏ {‏ولله المشرق والمغرب‏.‏‏.‏‏.‏‏} ‏ الآية‏"‏‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ حديث : إن أخا لكم قد مات - يعني النجاشي - فصلوا عليه‏ تفسير : . قالوا‏:‏ نصلي على رجل ليس بمسلم‏.‏‏.‏‏.‏‏!‏ فأنزل الله ‏{أية : ‏وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله‏.‏‏.‏‏.‏‏} تفسير : ‏[‏آل عمران: 199‏].‏ قالوا‏:‏ فإنه كان لا يصلي إلى القبلة، فأنزل الله ‏ {‏ولله المشرق والمغرب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏"‏‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال‏:‏ لما نزلت ‏{أية : ‏ادعوني أستجب لكم‏} تفسير : ‏[‏غافر: 60‏]‏ قالوا‏:‏ إلى أين‏؟‏ فأنزلت ‏ {‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏ {‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏} ‏ قال‏:‏ قبلة الله أينما توجهت شرقا أو غربا‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي والبيهقي في سننه عن مجاهد ‏ {‏فثم وجه الله‏}‏ قال‏:‏ قبلة الله، فأينما كنتم في شرق أو غرب فاستقبلوها‏.‏ وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن قتادة في هذه الآية قال‏:‏ هي منسوخة نسخها قوله تعالى ‏{أية : ‏فول وجهك شطر المسجد الحرام}تفسير : [‏البقرة: 149‏]‏ أي تلقاءه‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏حديث : ما بين المشرق والمغرب قبلة‏ . تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر قال‏:‏ ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجهت قبل البيت‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أي له كلُّ الأرض التي هي عبارة عن ناحيتي المشرقِ والمغربِ لا يختصّ به - من حيث الملكُ والتصرفُ ومن حيث المحلّيةُ لعبادته - مكانٌ منها دون مكان، فإن مُنعتم من إقامة العبادةِ في المسجد الأقصى أو المسجد الحرام {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} أي ففي أي مكان فعلتم توليةَ وجوهِكم شطرَ القبلة {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} ثَمَّ اسمُ إشارة للمكان البعيد خاصة مبنيٌّ على الفتح ولا يتصرَّف سوى الجر بمن وهو خبر مقدمٌ ووجهُ الله مبتدأ والجملة في محل الجزم على أنها جواب الشرط أي هناك جهتُه التي أمر بها فإن إمكان التوليةِ غيرُ مختصَ بمسجد دون مسجد أو مكان دون آخر، أو فثَمَّ ذاتُه بمعنى الحضورِ العلميّ أي فهو عالم بما يُفعل فيه ومثيبٌ لكم على ذلك وقرىء بفتح التاء واللام أي فأينما تَوَجَّهوا للقبلة {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ} بإحاطته بالأشياء أو برحمته يريد التوسعةَ على عباده {عَلِيمٌ} بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلِّها والجملة تعليلٌ لمضمون الشرطية وعن ابن عمرَ رضي الله عنهما نزلت في صلاة المسافرين على الراحلة أينما توجّهوا وقيل في قوم عمِيت: عليهم القِبلةُ فصلُّوا إلى أنحاءَ مختلفةٍ فلما أصبحوا تبـينوا خطأهم. وعلى هذا لو أخطأ المجتهدُ ثم تبـين له الخطأ لم يلزمه التدارُك، وقيل: هي توطئة لنسخ القِبلة وتنزيهٌ للمعبود عن أن يكون في جهة {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} حكاية لطرفٍ آخرَ من مقالاتهم الباطلةِ المحكية فيما سلف معطوفةٌ على ما قبلها من قوله تعالى: {أية : وَقَالَت} تفسير : [المائدة، الآية: 18] الخ لا على صلةِ مَنْ لما بـينهما من الجمل الكثيرة الأجنبـيةِ، والضميرُ لليهود والنصارى ومن شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون، وقرىء بغير واو على الاستئناف نزلت حين قالت اليهودُ: عزيرٌ ابنُ الله والنصارى: المسيحُ ابنُ الله ومشركو العربِ: الملائكةُ بناتُ الله. والاتخاذُ إما بمعنى الصُنع والعمل فلا يتعدَّى إلا إلى واحد، وإما بمعنى التصيـير، والمفعولُ الأول محذوف أي صَيَّر بعضَ مخلوفاته ولداً {سُبْحَـٰنَهُ} تنزيهٌ وتبرئةٌ له تعالى عما قالوا وسبحانَ عَلَمٌ للتسبـيح كعُثمانَ للرجل، وانتصابُه على المصدرية ولا يكاد يُذكر ناصبُه أي أُسبِّحُ سبحانه أي أنزّهُه تنزيهاً لائقاً به وفيه من التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض ومن جهة النقلِ إلى التفعيل ومن جهة العُدول من المصدر إلى الاسمِ الموضوعِ له خاصةً لا سيما العلمُ المشيرُ إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة إقامتِه مُقامَ المصدر مع الفعل ما لا يخفى، وقيل: هو مصدر كغُفرانٍ بمعنى التنزُّه أي تنَزَّهَ بذاته تنزُّهاً حقيقاً به ففيه مبالغةٌ من حيث إسنادُ البراءةِ إلى الذات المقدسة وإن كان التنزيهُ اعتقادَ نزاهتِه تعالى عما لا يليق به لا إثباتَها له تعالى وقولُه تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ} رد لما زعموا وتنبـيهٌ على بطلانه وكلمةُ (بل) للإضراب عما تقتضيه مقالتُهم الباطلةُ من مجانسته سبحانه وتعالى لشيء من المخلوقات ومن سرعة فَنائِه المَحوِجة إلى اتخاذ ما يقوم مَقامه فإن مجرد الإمكان والفَناء لا يوجب ذلك. ألا يُرى أن الأجرامَ الفَلَكيةَ مع إمكانها وفَنائِها بالآخرة مستغنيةٌ بدوامها وطولِ بقائها عما يجري مجرَى الولدِ من الحيوان أي ليس الأمرُ كما زعموا بل هو خالقٌ جميعَ الموجودات التي من جملتها عزيرٌ والمسيحُ والملائكة {كُلٌّ} التنوين عوضٌ عن المضاف إليه أي كلُّ ما فيهما كائناً ما كان من أولي العلم وغيرِهم {لَّهُ قَـٰنِتُونَ} منقادون لا يستعصي شيءٌ منهم على تكوينه وتقديره ومشيئتِه، ومن كان هذا شأنُه لم يُتصوَّرْ مجانستُه لشيء، ومن حق الولدِ أن يكون من جنس الوالد، وإنما جيءَ (بما) المختصةِ بغير أولي العلم تحقيراً لشأنهم وإيذانا بكمال بُعدِهم عما نسَبوا إلى بعضٍ منهم، وصيغةُ جمع العقلاء في (قانتون) للتغليب أو كلُّ مَنْ جعلوه لله تعالى ولداً له قانتون أي مطيعون عابدون له معترفون بربوبـيته تعالى {أية : أُولَـئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ} تفسير : [الإسراء، الآية: 57].

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} [الآية: 115]. قال أبو منصور: وجهُهُ حيث توجهت وقصده أين قصدت وقال أيضًا: هذا مثل إبداء الحق للخلق كمثل الهلال يُرى من جميع الأقطار، ويحتجب بالرسوم والآثار، فإذا ارتفعت الرسوم صار ناظرًا لا منظورًا، وقال بعض البغداديين: القصد توجُّهك والطريقة إليه استقامتك منك بفهمك وعنك بعلمك، ارتبط كل شىء بضده وانفرد بنفسه.

القشيري

تفسير : الإشارة منها إلى مشارق القلوب ومغاربها. وللقلوب شوارق وطوارق. وطوارقها هواجس النفوس تطرق في ظلمات المنى والشهوات. وشوارقها نجوم العلوم وأقمار الحضور وشموس المعارف. فما دامت الشوارق طالعة فَقِبلْةُ القلوب، واضحة ظاهرة، فإذا استولت الحقائق خَفَى سلطانُ الشوارق، كالنجوم تستتر عند طلوع الشمس، كذلك عند ظهور الحق يحصل اصطلام وقهر، فلا شهود رسم، ولا بقاء حِسِّ وفَهْم، ولا سلطان عقل وعلم، ولا ضياء عرفان. فإن وجدان هذه الجملة صفات لائقة ببقاء البشرية، وإذا صار الموصوف محواً فأنَّى لهم ببقاء الصفة. قال تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} ما دام يبقى من الإحساس والتمييز بقية - ولو شظية - فالقِبْلة مقصودة، فإن لم تكن معلومة تكون مطلوبة. وعلى لسان العلم إذا اشتبهت الدلائلُ بكلِّ وِجْهَةٍ، ولا معرفةَ بالقِبْلة تَسَاوَتْ الجهاتُ في جواز الصلاة إلى كل واحدٍ منها إذا لم يكن للنية ترجيح.

البقلي

تفسير : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} اى فاينما تولوّا بعبون الاسرار فثمّ مكاشفه الانوار وايضاً اشارَ بهذه الاية الى مشاهدة المشهود في الشواهد كما كشف خليله حيث قال هذا ربىّ اذا نظر فى دائرة الكون وفهم هذه الاية انّه مَنْ نظر بعين العقل فقلبته الايات ومن نظر بيعن الروح فقلبت الصفات وقال ابن منصوب وجهه حيث توجهت وقده اين فقدت فقال بعضهم القصد اليه توجهك والطريقة اليه استقامتك منك بفهمك وعنك بعلمك ارتبط كل شئ بضده وانفرد بنفسه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولله المشرق والمغرب} يريد بهما ناحيتى الارض اذ لا وجه لارادة موضعى الشروق والغروب بخصوصهما اى له الارض كلها لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان فان منعتم ان تصلوا فى المسجد الحرام او الاقصى فقد جعلت لكم الارض مسجدا {فأينما تولوا} اى ففى اى مكان فعلتم تولية وجوهكم القبلة. قال الامام ولى اذا اقبل وولى اذا ادبر وهو من الاضداد والمراد ههنا الاقبال {فثم وجه الله} اى هناك جهته التى امر بها ورضيها قبلة فان امكان التولية غير مختص بمسجد دون مسجد او مكان دون آخر او فثمة ذاته بمعنى الحضور العلمى فيكون الوجه مجازا من قبيل اطلاق اسم الجزء على الكل والمعنى ففى أى مكان فعلتم التولية فهو موجود فيه يمكنكم الوصول اليه اذ ليس هو جوهرا او عرضا حتى يكون بكونه فى جانب مفرغا جانبا ولما امتنع عليه ان يكون فى مكان اريد ان علمه محيط بما يكون فى جميع الاماكن والنواحى اى فهو عالم بما يفعل فيه ومثيب لكم على ذلك وفى الحديث "حديث : لو انكم دليتم بحبل الى الارض السفلى لهبط على الله ". تفسير : معناه ان علم الله شمل جميع الاقطار فالتقدير لهبط على علم الله والله تعالى منزه عن الحلول فى الاماكن لانه كان قبل ان يحدث الاماكن كذا فى المقاصد الحسنة. واعلم ان اين شرط فى الامكنة وهو ههنا منصوب بتولوا وما مزيدة للتأكيد وثم ظرف مكان بمنزلة هناك تقول لما قرب من المكان هنا ولما بعد ثم وهناك وهو خبر مقدم ووجه الله مبتدأ والجملة فى محل الجزم على انها جواب الشرط {ان الله واسع} باحاطته بالاشياء ملكا وخلقا فيكون تذييلا لقوله ولله المشرق والمغرب وكذا ان فسرت السعة بسعة الرحمة فان قوله ولله المشرق والمغرب لما اشتمل على معنى قولنا لا تختص العبادة والصلاة ببعض المساجد بل الارض كلها مسجد لكم فصلوا فى اي بقعة شئتم من بقاعها فهم منه انه واسع الشريعة بالترخيص والتوسعة على عباده فى دينهم لا يضطرهم الى ما يعجزون عن ادائه والمقصود التوسعة على عباده والتيسير عليهم فى كل ما يحتاجون اليه فيدخل فيه التوسعة فى امر القبلة دخولا اولويا وهذا التعميم مستفاد من اطلاق واسع حيث لم يقيد بشئ دون شئ. قال الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى الواسع مشتق من السعة والسعة تضاف مرة الى العلم اذا اتسع واحاط بالمعلومات الكثيرة وتضاف اخرى الى الاحسان وبسط النعم وكيفما قدر وعلى اى شئ نزل فالواسع المطلق هو الله تعالى لانه ان نظر الى علم فلا ساحل لبحر معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مداداً لكلماته وان نظر الى احسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته وكل سعة وان عظمت فتنتهى الى طرف والذى لا يتناهى الى طرف فهو أحق باسم السعة والله تعالى هو الواسع المطلق لان كل واسع بالاضافة الى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهى الى طرف فالزيادة عليها متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة وسعة العبد فى معارفه واخلاقه فان كثرت علومه فهو واسع بقدر سعة علمه وان اتسعت اخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر وغيظ الحسود وغلبة الحرص وسائر الصفات المذمومة فهو واسع وكل ذلك فهو الى نهاية وانما الواسع المطلق هو الله تعالى: قال فى المنثوى شعر : اى سك كركين زشت از حرص وجوش بوستين شير را بر خود مبوش غره شيرت بخواهد امتحان نقش شير وانكه اخلاق سكان تفسير : {عليم} بمصالحهم واعمالهم كلها وهذا لا يخلو عن افادة التهديد ليكون المصلى على حذر من التفريط والتساهل كما انه يتضمن الوعد بتوفية ثواب المصلين فى جميع الاماكن فقد ظهر ان هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى {أية : ومن أظلم ممن منع مساجد الله} تفسير : [البقرة: 114] الآية. وان المعنى ان بلاد الله ايها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله ان تولوا وجوهكم نحو قبلة الله اينما كنتم من ارضه. وقال مجاهد والحسن لما نزل {أية : وقال ربكم ادعونى أَستجب لكم} تفسير : [غافر: 60]قالوا اين ندعوه فأنزل الله {ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فيم وجه الله} بلا جهة وتحيز. ان قيل ما معنى رفع الايدى الى السماء عند الدعاء مع انه تعالى منزه عن الجهة والمكان قلنا ان الانبياء والاولياء قاطبة فعلوا كذلك لا بمعنى ان الله فى كل مكان بل بمعنى ان خزائنه تعالى فى السماء كما قال تعالى {أية : وفى السماء رزقكم وما توعدون} تفسير : [الذاريات: 22]ٍ. وقال تعالى {أية : وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم} تفسير : [الحجرات: 21]. فالعرش مظهر لاستواء الصفة الرحمانية فرفع الايدى اذا الى السماء والنظر اليها وقت الدعاء بمنزلة ان يشير سائل الى الخزينة السلطانية ثم يطلب من السلطان ان يعطى له عطاء من تلك الخزينة ـ يروى ـ ان امام الحرمين رفع الله درجته فى الدارين نزل ببعض الاكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والاكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه تعالى عن المكان وهو قال {أية : الرحمن على العرش استوى} تفسير : [طه: 5] فقال الدليل عليه قول يونس عليه السلام فى بطن الحوت {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87]. فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ههنا فقير مديون بالف درهم اد عنه دينه حتى ابينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذهب فى المعراج الى ما شاء من العلى قال "حديث : لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ". تفسير : ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين}تفسير : [الأنبياء: 87]. فكل منهما خاطبه بقوله انت وهو خطاب الحضور فلو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان وفى الحديث "حديث : لا تفضلونى على يونس بن متى فانه رأى فى بطن الحوت ما رأيته فى اعلى العرش ". تفسير : يشير عليه السلام بذلك الى ما وقع له وليونس عليه السلام من تجلى الذات وقيل نزلت الآية لما طعن اليهود فى نسخ القبلة ـ روى ـ انه عليه السلام كان يصلى بمكة مع اصحابه الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة امره الله ان يصلى نحو بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود فصلى نحوه ستة عشر شهرا وكان يقع فى روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة ابيه ابراهيم واقدم القبلتين وادعى للقرب الى الايمان كما قال الله تعالى {أية : قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها} تفسير : [البقرة: 144]. وذلك فى مسجد بنى سلمة فصلى الظهر ولما صلى الركعتين نزل قوله تعالى {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام} تفسير : [البقرة: 144]. فتحول فى الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين فلما تحولت القبلة انكر من أنكر فكان هذا ابتلاء من الله تعالى كما قال تعالى {أية : وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} تفسير : [البقرة: 143] اللهم اهدنا وسددنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فللمؤمن حقا ان يعتصم بالله ويدور مع الامر الالهى حيث يدور ويتبع الرسل ولا يتبع عقله العاجز وفهمه القاصر ويتعلم الادب من معدن الرسالة حيث لم يسأل تحويل القبلة بل انتظر الى امر الله فاكرمه الله باعطاء مرامه وفضله على سائر الانبياء عليهم الصلاة والسلام. اعلم ان الذين شقت عليهم التحويلة طائفتان محجوبتان بالخلق عن الحق. اما الطائفة الاولى فقد عرفت ان التحويلة من الكعبة الى بيت المقدس كانت صورة العروج من مقام المكاشفة اعنى مقام القلب الى مقام المشاهدة اعنى مقام الروح فحسبوا التحويلة من بيت المقدس الى الكعبة بعد ابعد القرب ونزولا بعد العروج وظنوا ضياع السعى الى المقام الاشرف والسقوط عن الرتبة فشق عليهم ولم يعلموا انه صورة الرجوع الى مقام القلب حالة التمكين للدعوة ومشاهدة الجمع فى عين التفصيل والتفصيل فى عين اجمع حتى لا يحتجب العبد بالوحدة عن الكثرة ولا بالكثرة عن الوحدة. واما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة عملهم ولم يعرفوا حكمة التحويلة فحسبوا صحة العبادة الثانية دون الاولى فشق عليهم ضياعها على ما توهموا واما الذين سبقت لهم من الله الحسنى فلم يحتجبوا بحجاب واهتدوا الى ما هو الصواب فوصلوا الى التوحيد الذاتى المحمدى اللهم اجعلنا من المهتدين واحشرنا مع الانبياء والمرسلين. وقال اهل التأويل {ولله المشرق والمغرب} اى عالم النور والظهور الذى هو جهة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه وعالم الظلمة والاختفاء الذى هو جهة اليهود وقبلتهم بالحقيقة ظاهره {فأينما تولوا} اى أى جهة توجهوا من الظاهر والباطن {فثم وجه الله} اى ذاته المتجلية بجميع صفاته الجمالية والجلالية اذ بعد الاشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلى لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم فيه والقروب فيها بتستره واحجابه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأى جهة توجهوا حينئذ فثم وجهه ليس الا هو وحده: قال الحافظ شعر : ميان كعبه وتبخانه هيج فرقى نيست بهر طرف كه نظر ميكنى برابر اوست تفسير : واعلم ان شهود الحق بالخلق وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب باحدهما عن الآخر هو مقام جمع الجمع والبقاء وذلك لا يحصل الا بالتجلى العينى بعد العلمى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره واذا امر بالارشاد يعود لخدمة الحق ألا يرى ان موسى عليه السلام لما وصل الى الطور لاقتباس النار لاهله {أية : نودى يا موسى إنى أنا ربك} تفسير : [طه: 11-12]. فتجلى الربوبية اولا ثم قيل {أية : فاخلع نعليك} تفسير : [طه: 12]. وهما الطبيعة والنفس امر بتركهما ثم قيل {أية : وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إننى أَنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى} تفسير : [طه: 13-14] فتجلى الالوهية ثم بعدهما تجلى الذات وامر بارشاد فرعون فترك اهله هناك ولم يلتفت وجاء الى فرعون وكان دخوله بمصر فى نصف الليل فدق باب فرعون بعصاه امتثالا لامر الله تعالى قيل انه شابت لحية فرعون فى ذلك الوقت بمهابة دقه فقال أكنت وليدا مربى عندنا قال موسى نعم ولذلك دعوتك قبل الكل لسبق حقك على رعاية له فأرادوا قتله فألقى عصاه فصارت ثعبانا مبينا فبينا عزم على ابتلاعهم فاستأمنوا فأعطاهم الامان وكان يريد ان يؤمن ولكنه منعه هامان فبعد دعوة فرعون جاء الى اهله فوجدها قد وضعت الحمل فاحاطتها ذئاب من اطرافها لمحافظتها فلم يقدر ان يمر من هنا مار فانظر الى قدرة الله تعالى ـ روى ـ ان الامام الاعظم والهمام الاقدم رحمه الله لم يشتغل بالدعوة الى مذهبه الا بالاشارة النبوية فى المنام بعد ما قصد الانزواء فهذا اعدل دليل الى وصوله الى الحقيقة وكان يقوم كل الليل وسمع رحمه الله هاتفا فى الكعبة ان يا أبا حنيفة اخلصت خدمتى واحسنت معرفتى فقد غفرت لك ولمن تبعك الى قيام الساعة كذا فى عين العلم للشيخ محمد البلخى رحمه الله. وعن بعض العارفين قبلة البشر الكعبة وقبلة اهل السماء البيت المعمور وقبلة الكروبيين الكرسى وقبلة حملة العرش العرش ومطلوب الكل وجه الله سبحانه وتعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {أينما} شرطية، و {تولوا} شَرْطُها، وجملة {فثم} جوابها، و(وَلْي) يستعمل بمعنى أدبر وبمعنى أقبل، تقول: وليت عن كذا أو كذا، والوجه هنا بمعنى الجهة، تقول: سافرت في وجه كذا، أي في جهة كذا. قاله ابن عطية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولله المشرق والمغرب}، والجهات كلها له، لا يختص ملكه بمكان دون آخر، فإذا مُنعتم من الصلاة في المساجد ففي أي مكان كنتم ووليتم وجهكم إلى القبلة التي أمرتم بالتوجه إليها فثم جهته التي أمر بها، أو فثم ذاته المقدسة، أي: عالم مطلع على ما يفعل فيه، {إن الله واسع} بإحاطته بالإشياء، أو برحمته يريد التوسعة على عباده {عليم} بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها. وعن ابن عمر: أنها نزلت في صلاة المسار على الراحلة حيثما توجهت به، وقيل: في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم، وعلى هذا: لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ، لم يلزمه التدارك. قاله البيضاوي. الإشارة: اعلم أن الأماكن والجهات، وكل ما ظهر من الكائنات، قائمة بأنوار الصفات، ممحوة بأحدية الذات، "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان"؛ إذ لا وجود لشيء مع الله، {فأينما تولوا فثم وجه الله}، محق الآثار بإفلاك الأنوار، وانمحت الأنوار بأحدية الأسرار، وانفرد بالوجود الواحد القهار، ولله درّ القائل: شعر : مُذْ عرَفتُ الإلهَ لم أرَ غيراً وكذا الغيرُ عِنْدنَا مَمْنُوعُ مُذْ تجمعتُ ما خَشِيتُ افتِرقاً فأنا اليومَ واصلٌ مجمُوعُ تفسير : وقال آخر: شعر : فالكلُّ دونَ إنْ حَققتَهُ عَدم على التفصيلِ والإجمالِ مَن لاَ وجُودَ لذاتهِ مِنْ ذاتِهِ فوجُودُهُ لولاهُ عينُ مُحَالِ تفسير : وقال صاحب العينية: شعر : تَجلَّى حبيبي في مَرَائي جَمَالِهِ ففي كلِّ مرئي للحبيبِ طلائعُ فلما تَبدَّى حُسْنه مُتَنوعاً تَسمَّى بأسْماءٍ فهُنَّ مَطالِعُ تفسير : وقال الششتري: شعر : مَحْبوبي قدْ عَمَّ الوجودْ وقدْ ظهرَ في بيضٍ وسُودْ تفسير : قال بعض السلف: (دخلت ديراً جاء وقت الصلاة، فقلت لبعض النصارى: دُلني على بقعة طاهرة أصلي فيها، فقال لي: طهر قلبك عما سواه، وقف حيث شئت، قال: فخَجِلت منه). ويحكى عن أبي يزيد رضي الله عنه أنه كان يصلي إلى جهة شاء، ويتلو هذه الآية، فالوجه عند أهل التحقيق هو عين الذات، يعني أسرار الذات وأنوار الصفات. قال تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} أي: كل شيء فانٍ ومستهلك في الحال والاستقبال إلا ذاته المقدسة، وأنشدوا: شعر : فالعارِفُون فَنَوْا بأَن لَمْ يَشْهَدُوا شيئاً سِوَى المتكبر المتَعالِي ورَأوْا سواهُ على الحقيقةِ هالكاً في الحالِ والماضِي والاستقْبالِ تفسير : وقلت في تائيتي الخمرية في وصف الخمرة الأزلية: شعر : تَنَزَّهْت عن حُكْم الحُلُولِ في وَصْفِهِا فلَيسَ لهَا في سوى شَكْلهِ حَلَّتِ تَجلَّتْ عَرُوساً في مَرَائِي جَمَالِها وأرْخَتْ سُتُورَ الكبرياءِ بِعزَّةِ فمَا ظَهَر في الكونٍ غَيْرُ بهائها وما احتجبت إلا لحجب سريرة تفسير : ولما قالت اليهود: عُزَير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت المشركون: الملائكة بنات الله، ردَّ الله تعالى عليهم.

الطوسي

تفسير : اللغة: المشرق والشرق: اسمان لمطلع الشمس، والمغرب، والغرب: اسمان لغربها. يقال: شرق شروقا، واشرق إشراقا، وتشرق تشريقاً. والمشرقان والمغربان: مشرقا الشتاء والصيف، ومغرباهما. والمشارق مطالع الشمس في كل يوم حتى تعود إلى المشرق الاول في الحول. وشرقت الشمس: اذا طلت، واشرقت: اذا اضاءت. وتقول: لا افعل ذلك ماذر شارق: أي ما طلع قرن الشمس. وشرق يشرق شرقاً: اذا اغتص. وقال عدي بن زيد: شعر : لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري تفسير : والمشرقة حيث يقعد المشرق في وجه الشمس. قال الشاعر: شعر : تحبين الطلاق وأنت عندي بعيش مثل مشرقة الشتاء تفسير : وشرق الثوب بالصبغ: اذا احمر واشتدت حمرته، ولطمه فشرق الدم في عينه: اذا احمرت. وتقول: اشرورقت عينه، واغرورقت. وناقة شرقاء: اذا شقت أذنها بنصفين طولا، وكذلك الشاة. وأيام التشريق أيام مشرق اللحم في الظل. وقال صاحب العين: كانوا يشرقون اللحم تلك الايام في الشمس. وقوله: {أية : فأخذتهم الصيحة مشرقين } تفسير : أي حيث طلعت عليهم الشمس. والشرق طائر من الطيور الصوائد. مثل الصقر، والشاهين وقال الشاعر: شعر : قد اغتدى والصبح ذو بريق بملحَم احمر سو ذنيق أجدل أو شرق من الشروق تفسير : وكل شيء طلع من الشمس يقال: شرق يشرق. وفي الحديث:حديث : لا تشريق إلا في مصر، ومسجد جامعتفسير : ، أي لا صلاة عيد، لانها وقت طلوع الشمس. واصل الباب الطلوع. والمغرب والمغيب نظائر. تقول: غرب يغرب غروبا، واغترب اغترابا واستغرب استغرابا، وغرّب تغريباً. وسمي الغراب غراباً لبعده ونفوره وانه أشد الطيور خوفا وأصل الباب الحد والتباعد حتى بلغ النهاية. ومن هذا مغرب الشمس. والرجل الغريب المتباعد. وشطت غربة النوى أي بعد المتنائي: وهو أبعد البعد. وغرب السيف والسهم: حدّه سمي بذلك، لانه يمضي فلا يرد، فهو مأخوذ من الابعاد. ويقال لموضع الرداء: غارب. وقولهم للدابة: مغرب: اذا ابيضت حدقته، واهدابه. شبيه بابيضاض الشمس عند الغروب. وقولك للرجل: أغرُب معناه أبعد. وثوبي غربي: اذا لم تستحكم حمرته. مأخوذ من الدابة الغرب. وتقول: اصابه حجر غرب: اذا أتاه من حيث لا يدري. وأتاه حجر غرب: اذا رمى غيره فاصابه. ويقال: إقطع غرب لسان فلان عني: أي اقطع حدة لسانه. وناقة ذات غرب، أي حدة الغرب. والغرب: الدمع الحار الفاسد. وقال الكميت: شعر : أبى غرب عينيك إلا انهمالا تفسير : وجمعه غروب. والغرب دلو ضخم يتخذ من جلد تام. والغرب: ما قطر من الماء من الدلاء من الحوض، والبئر ويقال: اغرب الحوض: اذا سال من جوانبه وفاض والغرب: جنس من الشجر خارج عن حد ما يحمل بحمل، أو طيب ريح، أو صلابة. وغاية مغربة: أي بعيدة. والغرب: الفضة. وقيل: انه جام من فضة. وقيل: انه الذهب. قال الشاعر: شعر : كما دعدع سافي الاعاجم الغربا تفسير : والغارب: اعلى الموج. والغارب: ما بين يدي السنام. وعنقاء مغرب: موضوع على طائر لا يعرف حده والغربيب: الاسود الشديد السواد. وأصل الباب: الغرب: الحد. واللام في قوله: {ولله المشرق} لام الملك وأصلها لام الاضافة وهي على ثمانية اوجه: الملك، والفعل، والعله، والولادة، والاختصاص، والاستغاثة، ولام كي. وهي لام الغرض ولام العاقبة. فلام الملك كقولك: له مال، والفعل: له كلام، والعلة: هو اسود لما فيه السواد، ولام الولادة: أب له ولد له أخ، والاختصاص: له علم، وله ارادة والاستغاثة يالبكر، ولام كي: {أية : وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون }،تفسير : ولام العاقبة: {فالتقطة آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} فهذه وجوه لام الاضافة. وانما قيل: {ولله المشرق والمغرب} بالتوحيد وله جميع المشارق والمغارب لاحد امرين: احدهما ـ انه اخرج ذلك مخرج الجنس، فدل على الجمع، كما قيل اهلك الناس الدينار والدرهم. والآخر ـ انه على الحذف. كأنه قيل المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم. وانما خص الله تعالى ذكر ذلك ها هنا لاحد امور: احدها ـ قال ابن عباس: واختاره الجبائي انه رد على اليهود لما انكروا تحويل القبلة إلى الكعبة، وقال: ليس هو في جهة دون جهة، كما تقول المشبهة. والثاني: قال ابن زيد وقتادة، كان للمسلمين التوجه بوجوههم إلى الصلاة حيث شاؤوا ثم نسخ ذلك بقوله: {أية : فول وجهك شطر المسجد الحرام } تفسير : وانما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) اولا اختار التوجه الى بيت المقدس، وقد كان له التوجه إلى حيث شاء. وقال آخرون: كان ابن عمر يصلي حيث توجهت به راحلته في السفر تطوعا، وذكر أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يفعل ذلك ويتاول عليه الآية. وقيل: نزلت في قوم صلوا في ظلمة وقد خفيت عليهم جهة القبلة، فلما اصبحوا اذا هم صلوا إلى غير القبلة، فانزل الله هذه الآية. وهذا قول عبد الله بن عامر عن ابيه. والنخعي والاول اقوى الوجوه. وقوله: {فثم وجه الله} المراد بالوجه، فيه اختلاف. قال الحسن، ومجاهد: المراد به، فثم جهة القبلة، وهي الكعبة، لانه يمكن التوجه اليها من كل مكان. قال ابن بيض: شعر : أي الوجوه انتجعت قلت لها لاي وجه إلا إلى الحكم متى يقل صاحبا يرادفه هذا ابن بيض بالباب يبتسم تفسير : وقيل: معناه فثم وجه الله، فادعوه كيف توجهتم. وقال آخرون، واختاره الرماني والجبائي: فثم رضوان الله. كما يقال: هذا وجه العمل، وهذا وجه الصواب وكانه قال: الوجه الذى يؤدي إلى رضوان الله. وتقدير الآية واتصالها بما قبلها، كأنه قال: لا يمنعكم تخريب من خرب المساجد ان تذكروه حيث كنتم من أي وجه، وله المشرق والمغرب، والجهات كلها. المعنى: وقوله: {والله واسع عليم} قال قوم: معناه غني، فكانه قيل: واسع المقدور. وقال الزجاج: يدل على التوسعة للناس فيما رخص لهم في الشريعة، وكانه قيل: واسع الرحمة، وكذلك رخص في الشريعة. ومعنى القول الاول انه غني عن طاعتكم، وانما يريدها لمنفعتكم. وقال الجبائي: معناه واسع الرحمة. اللغة: والسعة والفسحة والمباعدة نظائر. وضد السعة الضيق يقال: وسع يسع سعة، وأوسع إيساعا، وتوسع توسعاً، واتسع اتساعا، ووسع توسعة، والوسع: جدة الرجل وقدرة ذات يده، فرحمة الله وسعت كل شيء وانه ليسعنى ما وسعك. وتقول: وسعت الوعاء فاتسع فعل لازم. وكذلك اتوسع. وسع الفرس سعة ووساعة، فهو وساع. وأوسع الرجل: اذا كان ذا سعة في المال، فهو موسع، وموسع عليه. وتقول سير وسيع ووساع. وفي القرآن {أية : لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} تفسير : أي طاقتها واصل الباب: السعة نقيض الضيق. المعنى: ومعنى عليم انه عالم يوجه الحكمة، فبادروا إلى ما أمركم به من الطاعة. وقيل واسع الرحمة عليم ابن يضعها على وجوه الحكمة. ومعنى (ثم) هناك تقول لما قرب من المكان: هنا، وما تراخى: ثم وهناك. الاعراب: وانما بني، لان فيه معنى الاشارة إلى المكان لابهامها، وبني على الحركة لالتقاء الساكنين، وفتح لخفة الفتحة في المضاعف. وقوله: {فأينما تولوا} جزم باينما. والجواب فثم وجه الله. "وثم" موضعه النصب لكنه بني على الفتح وقوله: "أينما" تكتب موصولة في اربعة مواضع ليس في القرآن غيرها. هذه واحدة، وفي النحل {أية : أينما يوجهه} تفسير : وفي الاحزاب {أية : ملعونين أينما ثقفوا} تفسير : وفى الشعراء {أية : أينما كنتم تعبدون} تفسير : ومن الناس من يجعل معها التي في النساء {أية : أينما تكونوا يدرككم الموت } تفسير : وكلها على القياس إلا التي في الشعراء، فان قياسها ان تكتب مفصولة، لان (ما) اسم موصول بما بعده بمعنى الذي.

اطفيش

تفسير : {ولله المشرق والمغرب فأينما تُوَلّوا فَثمّ وجْهُ الله}: أى جهات الأرض كلها لله شرقيها وغربيها، فأى موضع وجهتم إليه وجوهكم بأمر الله فى الصلاة، ففيه الله بالعلم والقدرة والحفظ، لا بالاحتواء والحلول، وهو فى كل مكان كذلك. وخص المشرق وهو مواضع شروق الشمس، أى إضاءتها وظهورها، والمغرب وهو مواضع غروبها بالذكر، لأن المشرق جهة الكعبة المتحول إليها، والمغرب جهة بيت المقدس المتحول عنها بالنسبة إلى المدينة، مع أن قسم الشئ إلى جهتين متقابلتين استغراق لجهاته، بأن يأخذ كل منهما ما يليه من جانبيها، والفاء سببية، وأين ظرف مكان مبنى لتضمنه معنى حرف الشرط، متعلق بشرطها عند بعض، وهو (تولوا) أو بجوانبها عند بعض وهو قوله: {فثم وجه الله} وإنما صح التعليق به بالنظر إلى المعنى المراد منه وهو قولك الله عالم بتوليتكم، أو متعلق باستقرار: ثم، فإنه ظرف مبنى لتضمنه معنى الإنشاء، وهو هنا الإشارة، فإن الأصل أن تودى بالحرف كالنهى، والاستفهام متعلق بمحذوف خبر، ووجه مبتدأ لكن على أن نجعل أينما مراداً به أوسع من (ثم) مثل أن يوقع (ثم) على الكعبة، وأين على جهات المشرق، أو نجعل ذلك على العكس، وما صلة لتأكيد العموم، ومفعول (تولوا) محذوف، أى تولوا وجوهكم، وقد يقال هذا من المواضع التى لم يتعلق أغراض العرب فيه بالمفعول، فلا يقدر له مفعول، فيكون جارياً مجرى اللازم، أى أينما فعلتم التولية، كقولك: زيد يعطى، تريد الإخبار بأنه ليس شحيحاً، لا الإخبار بأنه يعطى فلاناً، ولا بأنه يعطى ديناراً أو كذا. وقرأ الحسن (تولوا) بفتح التاء واللام وإسكان الواو بعدها إسكاناً حياً على أن الأصل تتولوا بتائين، أى توجهتم بوجوهكم و (وجه الله) ذاته ونفسه تعالى وذاته ونفسه هو، وعبر عن العلم بالتولية بقوله: (فثم وجه الله)، لأنه يلزم فى الجملة من وجود أحد فى موضع أن يكون عالماً بما فيه، ويجوز أن يكون وجه الله سبحانه بمعنى رضى الله أو مرضيه، فإن وجه الشئ خالصه وما يرضى، فكأنه قيل: فثم مرضى الله ومختاره وهو الجهة المأمور بها، المرضية المختارة، وهى القبلة التى هى الكعبة، أو يقدر مضاف أى رضى وجه الله، أو مرضى وجه الله، أى ذات الله جل وعلا، ويجوز أن يكون الوجه بمعنى الجهة، أى جهة الله، أى الجهة التى يرضاها الله قبلة، وقد علمت من قولى: بأمر الله أنه ليس لهم التوجه فى الصلاة حيث شاءوا، وقيل إنه لا قبلة واجبة قبل الكعبة على المؤمنين، بل لهم أن يصلوا إلى أى جهة أرادوا، وأن هذا معنى الآية، ثم وجبت القبلة، وقيل كان، صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون يصلون النفل فى السفر حيث ما توجهت رواحلهم، وطعن اليهود فى ذلك فنزلت الآية. قال ابن عمر: نزلت الآية فى المسافر يصلى التطوع حيث ما توجهت به راحلته، وكان ابن عمر يفعل ذلك، وعنه: حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يسبح على ظهر دابته حيث كان وجهه يومئ.تفسير : وروى مسلم: حديث : كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيث ما توجهت، وفيه نزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله}.تفسير : وقال عبدالله بن عامر بن ربيعة: نزلت فيمن اجتهد فى القبلة فأخطأ. قال عامر ابن ربيعة: كنا مع النبى صلى الله عليه وسلم فى سفر فى ليلة مظلمة، فتحرى قوم القبلة وعلموا علامات، فلما أصبحوا رأوا أنهم قد أخطأوها، فعرفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت الآية. رواه الترمذى، وقال: حديث غريب عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، وكذا روى الكلبى عن ابن عباس: حديث : أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان فى سفر فى يوم غائم فصلوا الصلاة بعضهم نحو المشرق، وبعضهم نحو المغرب، فذكروا ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.تفسير : وروى غير الكلبى عن ابن عباس كذلك، لكن ذكر أنه، صلى الله عليه وسلم، لم يكن معهم فى السفر، ولما قدموا سألوه فنزلت. وروى عطاء: أن رهطاً من أصحاب النبى، صلى الله عليه وسلم، انطلقوا فى سفر والقبلة يومئذ بيت المقدس، فتحيروا فمنهم من صلى إلى المشرق، ومنهم من صلى إلى المغرب، فلما طلعت الشمس استبان لهم، فنزلت الآية. وعلى هذه الرواية التى فيها الصلاة للمشرق والمغرب تكون نكتة تخصيص المشرق والمغرب بالذكر لوقوعها إليهما. وسئل الحسن عن رجل صلى ولما فرغ من صلاته إذا هو لغير القبلة؟ فقال: جازت صلاته. قال الله تعالى: {فأينما تولوا فثم وجه}. وعن بعض السلف: حديث : إذا صلى الرجل ثم استبان أنه صلى لغير القبلة مضت صلاته، وإن استبان له بعد ما صلى ركعة انحرف إلى القبلة فى باقى صلاته وصحت له،تفسير : ومفهومه أنه إن استبان قبل تمام الركعة خرج منها وأعاد، وقيل إذا أحرم واستبان استقبل وتمت، ومن اشتبهت علية القبلة اجتهد وصلى وأجزته، ولو استبان أنه لم يستقبل ولو بقى الوقت، وذكرت فى شرح النيل أقوالا. ويصلى الغريق والمشدود ومن تعذر عنه الاستقبال كما أمكنهم. وقال إبراهيم النخعى: ليست الآية خاصة بالصلاة، والمعنى: أينما تولوا فى متصرفاتكم ومساعيكم فثم وجه الله، أى موضع رضاه وثوابه وجهة رحمته التى يوصل إليها بالطاعة، فدخل فيها الدعاء والصلاة وغيرهما من أحوال الإنسان. وقيل المراد أينما تولوا للدعاء والذكر لا للصلاة، والآية على ذلك كله منقطعة عما قبلها، وقيل: إن المعنى إن منعتم أن تصلوا فى المسجد الحرام أو الأقصى، فقد جعلت لكم الأرض مسجداً، وقيل نزلت حين صد المشركون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن البيت عام الحديبية، وعلى القولين تكون الآية متصلة بما قبلها، وعلى كل حال فالجهة ليست قبلة بالذات، بل لأن الله ـ جل وعلا ـ أمر بها. {إن الله واسع}: حذف مضاف، أى واسع رحمته، أو إن رحمة الله واسعة، فلما حذفت كلمة الرحمة سقطت التاء من قولك واسعة، وهو يزيد التوسعة والتسهيل لعباده، فهو كثير الإنعام عليهم، وغير مضيق فى دينه وفضله، يسع كل شئ، وقيل واسع المغفرة. كما ورد فى الآية الأخرى، وقيل من السعة التى هى الغنى يشير به إلى أنه جواد مفضال، وقيل واسع التدبير والإحاطة. {عليمٌ}: بأعمالكم وأقوالكم ونياتكم التى هى ملاك الأعمال ومصالحكم، فلا يخفى عنه توجهكم حيث توجهتم فى الصلاة والدعاء والذكر وغير ذلك، وفى قوله: {إن الله واسع عليم}، تنزيه له عن التحقير كما أفاده قوله: {فأينما تولوا}.

الالوسي

تفسير : {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} أي الناحيتان المعلومتان المجاورتان لنقطة تطلع منها الشمس وتغرب، وكنى بمالكيتهما عن مالكية كل الأرض، وقال بعضهم: إذا كانت الأرض كروية يكون كل مشرق بالنسبة مغرباً بالنسبة ـ والأرض كلها كذلك ـ فلا حاجة إلى التزام الكناية، وفيه بعد {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} أي ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة، وقرأ الحسن {تَوَلَّوْاْ} على الغيبة {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} أي فهناك جهته سبحانه التي أمرتم بها، فإذاً مكان ـ التولية ـ لا يختص بمسجد دون مسجد ولا مكان دون آخر {فَأَيْنَمَا} ظرف لازم الظرفية متضمن لمعنى الشرط وليس مفعولاً لـ {تَوَلَّوْاْ} ـ والتولية ـ بمعنى الصرف منزل منزلة اللازم، و (ثم) اسم إشارة للمكان البعيد خاصة ـ مبني على الفتح ـ ولا يتصرف فيه بغير ـ من ـ وقد وهم من أعربه مفعولاً به في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً }تفسير : [الإنسان: 20] وهو خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر، والجملة جواب الشرط ـ والوجه ـ الجهة ـ كالوزن والزنة ـ واختصاص الإضافة باعتبار كونها مأموراً بها، وفيها رضاه سبحانه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل ومجاهد وقتادة وقيل: الوجه بمعنى الذات مثله في قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] إلا أنه جعل هنا كناية عن علمه واطلاعه بما يفعل هناك، وقال أبو منصور: بمعنى الجاه، ويؤل إلى الجلال والعظمة، والجملة ـ على هذا ـ اعتراض لتسلية قلوب المؤمنين بحل الذكر والصلاة في جميع الأرض ـ لا في المساجد خاصة ـ وفي الحديث الصحيح: «حديث : جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» تفسير : ولعل غيره عليه الصلاة والسلام لم تبح له الصلاة في غير البيع والكنائس، وصلاة عيسى عليه السلام ـ في أسفاره ـ في غيرها كانت عن ضرورة ـ فلا حاجة إلى القول باختصاص المجموع ـ. وجوّز أن تكون (أينما) مفعول {تَوَلَّوْاْ} بمعنى الجهة، فقد شاع في الاستعمال (أينما) توجهوا، بمعنى أي جهة توجهوا ـ بناءً على ما روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ـ أن الآية نزلت في صلاة المسافر والتطوع على الراحلة، وعلى ما روي عن جابر أنها نزلت في قوم عميت عليهم ـ القبلة ـ في غزوة كنت فيها معهم، فصلوا إلى الجنوب والشمال، فلما أصبحوا تبين خطؤهم، ويحتمل ـ على هاتين الروايتين ـ أن تكون (أينما) كما في الوجه الأول أيضاً، ويكون المعنى في أي مكان فعلتم أي ـ تولية ـ لأن حذف المفعول به يفيد العموم، واقتصر عليه بعضهم مدعياً أن ما تقدم لم يقل به أحد من أهل العربية، ومن الناس من قال: الآية توطئة لنسخ القبلة، وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة، وإلا لكانت أحق بالاستقبال، وهي محمولة على العموم غير مختصة بحال السفر أو حال التحري، والمراد بـ (أينما) أي جهة، وبالوجه الذات ووجه الارتباط حينئذٍ أنه لما جرى ذكر ـ المساجد ـ سابقاً أورد بعدها تقريباً حكم ـ القبلة ـ على سبيل الاعتراض، وادعى بعضهم أن هذا أصح الأقوال، وفيه تأمل. {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ} أي محيط بالأشياء ملكاً أو رحمة، فلهذا ـ وسع ـ عليكم ـ القبلة ـ ولم يضيق عليكم {عَلِيمٌ} بمصالح العباد وأعمالهم/ في الأماكن، والجملة على الأول: تذييل لمجموع {وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} الخ وعلى الثاني: تذييل لقوله سبحانه: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ} الخ، ومن الغريب جعل ذلك تهديداً ـ لمن منع مساجد الله ـ وجعل الخطاب المتقدم لهم أيضاً، فيؤول المعنى إلى أنه لا مهرب من الله تعالى لمن طغى، ولا مفر لمن بغى، لأن فلك سلطانه حدد الجهات، وسلطان علمه أحاط بالأفلاك الدائرات:شعر : أين المفر ولا مفر لهارب وله البسيطان الثرى والماء تفسير : ومن باب الإشارة: أن المشرق عبارة عن عالم النور والظهور وهو جنة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه، والمغرب عالم الأسرار والخفاء وهو جنة اليهود وقبلتهم بالحقيقة باطنه، أو المشرق عبارة عن إشراقه سبحانه على القلوب بظهور أنواره فيها والتجلي لها بصفة جماله حالة الشهود، والمغرب عبارة عن الغروب بتستره واحتجابه واختفائه بصفة جلاله حالة البقاء بعد الفناء ولله تعالى كل ذلك فأي جهة يتوجه المرء من الظاهر والباطن {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} المتحلي بجميع الصفات المتجلي بما شاء منزهاً عن الجهات وقد قال قائل القوم:شعر : وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعدد تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ وٰسِعٌ} لا يخرج شيء عن إحاطته {عَلِيمٌ} [البقرة: 115] فلا يخفى عليه شيء من أحوال خليقته ومظاهر صفته.

ابن عاشور

تفسير : لما جاء بوعيدهم ووعد المؤمنين عطف على ذلك تسلية المؤمنين على خروجهم من مكة ونكاية المشركين بفسخ ابتهاجهم بخروج المؤمنين منها وانفرادهم هم بمزية جوار الكعبة فبين أن الأرض كلها لله تعالى وأنها ما تفاضلت جهاتها إلا بكونها مظنة للتقرب إليه تعالى وتذكر نعمه وآياته العظيمة فإذا كانت وجهة الإنسان نحو مرضاة الله تعالى فأينما تولى فقد صادف رضى الله تعالى كانت وجهته الكفر والغرور والظلم فما يغني عنه العياذ بالمواضع المقدسة بل هو فيها دخيل لا يلبث أن يقلع منها قال تعالى: {أية : وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون}تفسير : [الأنفال: 34] وقال صلى الله عليه وسلم في بني إسرائيل: «حديث : نحن أحق بموسى منهم»تفسير : . فالمراد من {المشرق والمغرب} في الآية تعميم جهات الأرض لأنها تنقسم بالنسبة إلى مسير الشمس قسمين قسم يبتدىء من حيث تطلع الشمس وقسم ينتهي في حيث تغرب وهو تقسيم اعتباري كان مشهوراً عند المتقدمين لأنه المبني على المشاهدة مناسب لجميع الناس والتقسيم الذاتي للأرض هو تقسيمها إلى شمالي وجنوبي لأنه تقسيم ينبني على اختلاف آثار الحركة الأرضية. وقد قيل إن هذه الآية إذن للرسول صلى الله عليه وسلم بأن يتوجه في الصلاة إلى أية جهة شاء، ولعل مراد هذا القائل أن الآية تشير إلى تلك المشروعية لأن الظاهر أن الآية نزلت قبيل نسخ استقبال بيت المقدس إذ الشأن توالى نزول الآيات وآية نسخ القبلة قريبة الموقع من هذه، والوجه أن يكُونَ مقصد الآية عاماً كما هو الشأن فتشمل الهجرة من مكة والانصراف عن استقبال الكعبة. وتقديم الظرف للاختصاص أي إن الأرض لله تعالى فقط لا لهم، فليس لهم حق في منع شيء منها عن عباد الله المخلصين. و{وجه الله} بمعنى الذات وهو حقيقة لغوية تقول: لوجه زيد أي ذاته كما تقدم عند قوله: {أية : من أسلم وجهه لله}تفسير : [البقرة: 112] وهو هنا كناية عن عمله فحيث أمرهم باستقبال بيت المقدس فرضاه منوط بالامتثال لذلك، وهو أيضاً كناية رمزية عن رضاه بهجرة المؤمنين في سبيل الدين لبلاد الحبشة ثم للمدينة ويؤيد كون الوجه بهذا المعنى قوله في التذييل: {إن الله واسع عليم} فقوله: {واسع} تذييل لمدلول {ولله المشرق والمغرب} والمراد سعة ملكه أو سعة تيسيره والمقصود عظمة الله، أنه لا جهة له وإنما الجهات التي يقصد منها رضى الله تفضل غيرها وهو عليم بمن يتوجه لقصد مرضاته، وقد فسرت هذه الآية بأنها المراد بها القبلة في الصلاة.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 115- وإذا كان المشركون قد منعوا المسلمين من الصلاة فى المسجد الحرام، فلن يمنعهم هذا من الصلاة وعبادة الله، فجميع الجهات وجميع البقاع فى الأرض لله، وإن الله ليتقبل من المسلم صلاته ويقبل عليه برضاه أياً كانت البقعة التى يؤدى فيها عبادته، فالله واسع لا يضيِّق على عباده، وهو عليم بنية من يتجه إليه. 116- ومن كان هذا شأنه، وكان جميع ما فى الكون مسخراً لأمره، خاضعاً لمشيئته، فهو أرفع وأجل من أن يحتاج لنسل أو يتخذ ولداً كما يقول هؤلاء اليهود والنصارى والمشركون. 117- وكيف يحتاج لنسل أو يتخذ ولداً من أبدع السموات والأرض وأذعن كل ما فيها لإرادته فلا يستعصى شئ عليه، وإذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن، فيكون؟. 118- هذا ويمعن المشركون من العرب فى عنادهم لمحمد، فيطلبون إليه مثل ما طلبته الأمم السابقة من أنبيائهم، فقد قالوا: إنهم لم يؤمنوا به إلا إذا كلمهم الله وجاءتهم آية حسية تدل على صدقه، كما قال بنو إسرائيل لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله ويكلمنا، وكما طلب أصحاب عيسى منه أن ينزل عليهم مائدة من السماء، وما ذلك إلا لأن قلوب الكفار والمعاندين فى كل أمة متشابهة، وأنه لا يستبين الحقَّ إلا من صفت بصائرهم وأذعنت عقولهم لليقين، وطلبت الحق. 119- وقد أرسلناك بحقائق يقينية بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، وليس عليك إلا تبليغ رسالتنا، ولن تُسأل عن عدم إيمان من لم يؤمن بك من أصحاب الجحيم.

القطان

تفسير : قال بعض المفسرين: نزلت هذه الآية قبل الأمر بالتوجه الى استقبال الكعبة في الصلاة. وفيها إبطال لما كان يعتقده أرباب المِلل السابقة من ان العبادة لا تصح الا في المعابد، لأن الله موجود في كل مكان. انه رب المشارق والمغارب. ثم شُرعت بعد ذلك القبلة الموحدة، وجعلت الكعبة رمزاً لذلك. ولا يزال بعض مفهوم هذه الآية سارياً الى الآن على من لم يعرف أين القبلة. والذي يرجحه ابن جرير في تفسيره ان هذه الآية ليست منسوخة بل ان حكمها باق ومعمول به على أساس انه "اينما تولّوا وجوهكم في حال سيركم في أسفاركم، في صلاتكم التطوّع وفي حال مسايفتكم عدوَّكم، في تطوعكم ومكتوبتكم، فثم وجه الله" وفي هذا توسيع كبير.

د. أسعد حومد

تفسير : {وَاسِعٌ} (115) - بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى المَدِينَةِ كَانَ يُصَلِّي مُتَّجِهاً إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الكَعْبَةَ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَيَدْعُو اللهَ وَيَقلِّبُ طَرْفَهُ فِي السَّمَاءِ فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيهِ قَوْلَهُ: {أية : قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}. تفسير : فَقَالَ يَهُودُ المَدِينَةِ: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِم التِي كَانُوا عَلَيْها؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هذِهِ الآيَةَ. وَمَعْنَى الآيَةِ: إِنَّ المَشْرِقَ وَالمَغْرِبَ كُلُّ ذَلِكَ للهِ، وَإِلى أيِّ مَكَانٍ اتَّجَهَ الإِنْسَانُ فِي صَلاَتِهِ كَانَ تَوَجُّهُهُ إِلى اللهِ، لاَ يَقْصِدُ بِصَلاَتِهِ غَيْرَهُ، فَلاَ يَخْلُو مَكَانٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى. وَاللهُ وَاسِعٌ لاَ يُحْصَرُ وَلاَ يُحَدُّ، يَسَعُ خَلْقَهُ بِالكِفَايَةِ وَالجُودِ، وَهُوَ عَليمٌ بِأَعْمَالِهِمْ، لاَ يَغِيبُ عَنْهُ شَيءٌ مِنْهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى جزاء الذين يخربون مساجد الله ويهدمونها .. ويمنعون أن يُذْكَرَ فيها اسمه والعذاب الذي ينتظرهم في الآخرة أراد أن يذكرنا بأن تنفيذ هذا على مستوى تام وكامل عملية مستحيلة لأن الأرض كلها مساجد .. وتخريبها معناه أن تخرب الأرض كلها .. لأن الله تبارك وتعالى موجود في كل مكان فأينما كنتم فستجدون الله مقبلاً عليكم بالتجليات. وقوله تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} [البقرة: 115] .. أي هناك وجه الله .. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115] .. أي لا تضيقوا بمكان التقاءاتكم بربكم؛ لأن الله واسع موجود في كل مكان في هذا الكون وفي كل مكان خارج هذا الكون .. ولكن إذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} [البقرة: 115] لا يعني تحديد جهة الشرق أو جهة الغرب فقط .. ولكنه يتعداها إلى كل الجهات شرقها وغربها .. شمالها وجنوبها والشمال الشرقي والجنوب الغربي وكل جهة تفكر فيها. ولكن لماذا ذكرت الآية الشرق والغرب فقط؟ لأن بعد ذلك كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها .. فهناك شمال شرقي وجنوب شرقي وشمال غربي وجنوب غربي .. كما إن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند الناس .. فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس ولا إلى أين تغرب .. فأنت كل يوم ترى شروقاً وترى غروباً. الله سبحانه وتعالى حين يقول: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} [البقرة: 115] فليس معناها حصر الملكية لهاتين الجهتين ولكنه ما يعرف بالاختصاص بالتقديم .. كما تقول بالقلم كتبت وبالسيارة أتيت .. أي أن الكتابة هي خصوص القلم والإتيان خصوص السيارة .. وهذا ما يعرف بالاختصاص .. فهذا مختص بكذا وليس لغيره شيء فيه .. ولذلك فإن معنى: {وَللَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ} [البقرة: 115] .. أن الملكية لله سبحانه وتعالى لا يشاركه فيها أحد .. وتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليس معناه أن الله تبارك وتعالى في بيت المقدس والاتجاه بعد ذلك إلى الكعبة ليس معناه إن الله جل جلاله في الكعبة. إن توحيد القبلة ليس معناه أكثر من أن يكون للمسلمين اتجاه واحد في الصلاة .. وذلك دليل على وحدة الهدف .. فيجب أن تفرق بين اتجاه في الصلاة واتجاه في غير الصلاة .. اتجاه في الصلاة نكون جميعاً متجهين إلى مكان محدد إختاره الله لنا لنتجه إليه في الصلاة .. والناس تصلي في جميع أنحاء العالم متجهة إلى الكعبة .. الكعبة مكانها واحد لا يتغير .. ولكن اتجاهنا إليها من بقاع الأرض هو الذي يتغير .. فواحد يتجه شمالاً وواحد يتجه جنوباً وواحد يتجه شرقاً وواحد يتجه غرباً .. كل منا يتجه اتجاهاً مختلفاً حسب البقعة التي يوجد عليها من الأرض .. ولكننا جميعاً نتجه إلى الكعبة رغم اختلاف وجهاتنا إلا أننا نلتقي في اتجاهنا إلى مكان واحد. الله جل جلاله يريدنا أن نعرف أننا إذا قلنا: "وللهِ المشرقُ" فلا نظن أن المشرق اتجاه واحد بل إن المشرق يختلف باختلاف المكان .. فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب .. فإذا أشرقت الشمس في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر .. تشرق عندي وتغرب عند غيري .. وبعد دقيقة تشرق عند قوم وتغرب عند آخرين .. فإذا نظرت إلى الشرق وإلى الغرب بالنسبة لشروق الشمس الظاهري وغروبها .. تجد أن المشرق والمغرب لا ينتهيان من على سطح الأرض .. في كل دقيقة شروق وغروب. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 115] .. أي يتسع لكل ملكه لا يشغله شيء عن شيء .. ولذلك عندما سئل الإمام علي كرم الله وجهه .. كيف يحاسب الله الناس جميعاً في وقت واحد؟ قال كما يرزقهم جميعاً في وقت واحد .. إذن فالله لا يشغله شيء عن شيء .. ولا يحتاج في عمله إلى شيء .. إنما عمله "كن فيكون".

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السلامُ: معناهُ قِبلةُ الله. تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} قيلَ جوادٌ كَريمٌ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ } خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكا لها، كان مالكا لكل الجهات. { فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا } وجوهكم من الجهات، إذا كان توليكم إياها بأمره، إما أن يأمركم باستقبال الكعبة بعد أن كنتم مأمورين باستقبال بيت المقدس، أو تؤمرون بالصلاة في السفر على الراحلة ونحوها، فإن القبلة حيثما توجه العبد أو تشتبه القبلة، فيتحرى الصلاة إليها، ثم يتبين له الخطأ، أو يكون معذورا بصلب أو مرض ونحو ذلك، فهذه الأمور، إما أن يكون العبد فيها معذورا أو مأمورا. وبكل حال، فما استقبل جهة من الجهات، خارجة عن ملك ربه. { فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ } فيه إثبات الوجه لله تعالى، على الوجه اللائق به تعالى، وأن لله وجها لا تشبهه الوجوه، وهو - تعالى - واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم. فمن سعته وعلمه، وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } [115] 17- أخبرني محمد بن آدم بن سليمان، عن ابن المبارك، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُصلي على راحلته حيث توجَّهت به ثم تلا هذه الآية: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ } .