Verse. 123 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللہُ وَلَدًا۝۰ۙ سُبْحٰنَہٗ۝۰ۭ بَلْ لَّہٗ مَا فِي السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ كُلٌّ لَّہٗ قٰنِتُوْنَ۝۱۱۶
Waqaloo itakhatha Allahu waladan subhanahu bal lahu ma fee alssamawati waalardi kullun lahu qanitoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقالوا» بواو وبدونها اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله «اتخذ الله ولداً» قال تعالى «سبحانه» تنزيها له عنه «بل له ما في السماوات والأرض» ملكا وخلقا وعبيدا والملكية تنافي الولادة وعبر بما تغليبا لما لا يعقل «كل له قانتون» مطيعون كل بما يراد منه وفيه تغليب العاقل.

116

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع العاشر من مقابح أفعال اليهود والنصارى والمشركين، واعلم أن الظاهر قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } أن يكون راجعاً إلى قوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ } تفسير : [البقرة: 114] وقد ذكرنا أن منهم من تأوله على النصارى، ومنهم من تأوله على مشركي العرب، ونحن قد تأولناه على اليهود وكل هؤلاء أثبتوا الولد لله تعالى، لأن اليهود قالوا: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله فلا جرم صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات، قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ووهب بن يهودا فإنهم جعلوا عزيراً ابن الله، أما قوله تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ } فهو كلمة تنزيه ينزه بها نفسه عما قالوه، كما قال تعالى في موضع آخر: {أية : سُبْحَـٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } تفسير : [النساء: 171] فمرة أظهره، ومرة اقتصر عليه لدلالة الكلام عليه، واحتج على هذا التنزيه بقوله: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ووجه الاستدلال بهذا على فساد مذهبهم من وجوه. الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً، أما بيان أن ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، فلأنه لو وجد موجودان واجبان لذاتهما لاشتركا في وجوب الوجود، ولامتاز كل واحد منهما عن الآخر بما به التعين، وما به المشاركة، غير ما به الممايزة، ويلزم تركب كل واحد منهما من قيدين، وكل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه من غيره، فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره، وكل مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته، فكل واحد من الموجودين الواجبين لذاتهما ممكن لذاته، هذا خلف، ثم نقول: إن كان كل واحد من ذينك الجزءين واجباً عاد التقسيم المذكور فيه، ويقضي إلى كونه مركباً من أجزاء غير متناهية، وذلك محال، ومع تسليم أنه غير محال فالمقصود حاصل، لأن كل كثرة فلا بد فيها من الواحد، فتلك الآحاد إن كانت واجبة لذواتها كانت مركبة على ما ثبت، فالبسيط مركب هذا خلف، وإن كانت ممكنة كان المركب المفتقر إليها أولى بالإمكان، فثبت بهذا البرهان أن كل ما عدا الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، وتأثير ذلك المؤثر فيه إما أن يكون حال عدمه أو حال وجوده، فإن كان الأول فذلك الممكن محدث، وإن كان الثاني فاحتياج ذلك الموجود إلى المؤثر، إما أن يكون حال بقائه أو حال حدوثه، والأول محال لأنه يقتضي إيجاد الوجود فتعين الثاني وذلك يقتضي كون ذلك الممكن محدثاً فثبت أن كل ما سوى الله محدث مسبوق بالعدم وأن وجوده إنما حصل بخلق الله تعالى وإيجاده وإبداعه، فثبت أن كل ما سواه فهو عبده وملكه فيستحل أن يكون شيء مما سواه ولداً له، وهذا البرهان إنما استفدناه من قوله: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي له كل ما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع. والثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده إما أن يكون قديماً أزلياً أو محدثاً، فإن كان أزلياً لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرداً من غير دليل وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له. والثالث: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازاً عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كل واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك محال، فإذن المجانسة ممتنعة فالولدية ممتنعة. الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً، واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وقال في مريم: {أية : ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ ٱلْحَقّ ٱلَّذِى فِيهِ يَمْتُرُون مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَـٰنَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [مريم: 34، 35] وقال أيضاً في آخر هذه السورة: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ اتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } تفسير : [مريم: 88 ـ 93] فإن قيل: ما الحكمة في أنه تعالى استدل في هذه الآية بكونه مالكاً لما في السموات والأرض، وفي سورة مريم بكونه مالكاً لمن في السموات والأرض على ما قال: {إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ إِلاَّ اتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً } قلنا: قوله تعالى في هذه السورة: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أتم، لأن كلمة (ما) تتناول جميع الأشياء، وأما قوله تعالى: {أية : كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } تفسير : [الروم: 26] ففيه مسائل: المسألة الأولى: القنوت: أصله الدوام، ثم يستعمل على أربعة أوجه: الطاعة، كقوله تعالى: {أية : يٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِى لِرَبّكِ } تفسير : [آل عمران: 43] وطول القيام، كقوله عليه السلام لما سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت» وبمعنى السكوت، كما قال زيد ابن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } تفسير : [البقرة: 238] فأمسكنا عن الكلام، ويكون بمعنى الدوام، إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } أي كل ما في السموات والأرض قانتون مطيعون، والتنوين في كل عوض عن المضاف إليه وهو قول مجاهد وابن عباس، فقيل لهؤلاء الكفار: ليسوا مطيعين، فعند هذا قال آخرون: المعنى أنهم يطيعون يوم القيامة، وهو قول السدي، فقيل لهؤلاء: هذه صفة المكلفين، وقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ } يتناول من لا يكون مكلفاً فعند هذا فسروا القنوت بوجوه أخر. الأول: بكونها شاهدة على وجود الخالق سبحانه بما فيها من آثار الصنعة وأمارات الحدوث والدلالة على الربوبية. الثاني: كون جميعها في ملكه وقهره يتصرف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم، وعلى هذين الوجهين الآية عامة. الثالث: أراد به الملائكة وعزيراً والمسيح، أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليهم بالولد أنهم قانتون له، يحكى عن علي بن أبي طالب قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله لصرت على دينه، فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله، فقال علي رضي الله عنه: فإن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره إنما العبد هو الذي يليق به العبادة، فانقطع النصراني. المسألة الثانية: لما كان القنوت في أصل اللغة عبارة عن الدوام كان معنى الآية أن دوام الممكنات وبقاءها به سبحانه ولأجله وهذا يقتضي أن العالم حال بقائه واستمراره محتاج إليه سبحانه وتعالى، فثبت أن الممكن يقتضي أن لا تنقطع حاجته عن المؤثر لا حال حدوثه ولا حال بقائه. المسألة الثالثة: يقال كيف جاء بما الذي لغير أولي العلم مع قوله: {قَـٰنِتُونَ } جوابه: كأنه جاء بما دون من تحقيراً لشأنهم. أما قوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: البديع والمبدع بمعنى واحد. قال القفال: وهو مثل أليم بمعنى مؤلم وحكيم بمعنى محكم، غير أن في بديع مبالغة للعدول فيه وأنه يدل على استحقاق الصفة في غير حال الفعل على تقدير أن من شأنه الإبداع فهو في ذلك بمنزلة: سامع وسميع وقد يجيء بديع بمعنى مبدع، والإبداع الإنشاء ونقيض الإبداع الاختراع على مثال ولهذا السبب فإن الناس يسمون من قال أو عمل ما لم يكن قبله مبتدعاً. المسألة الثانية: اعلم أن هذا من تمام الكلام الأول، لأنه تعالى قال: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فبين بذلك كونه مالكاً لما في السموات والأرض ثم بين بعده أنه المالك أيضاً للسموات والأرض، ثم أنه تعالى بين أنه كيف يبدع الشيء فقال: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال بعض الأدباء: القضاء مصدر في الأصل سمي به ولهذا جمع على أقضية كغطاء وأغطية، وفي معناه القضية، وجمعها القضايا ووزنه فعال من تركيب «ق ض ى» وأصله «قضاي» إلا أن الياء لما وقعت طرفاً بعد الألف الزائدة اعتلت فقلبت ألفاً، ثم لما لاقت هي ألف فعال قلبت همزة لامتناع التقاء الألفين لفظاً، ومن نظائره المضاء والإتاء، من مضيت وأتيت والسقاء والشفاء، من سقيت وشفيت، والدليل على إصالة الياء دون الهمزة ثباتها في أكثر تصرفات الكلمة تقول: قضيت وقضينا، وقضيت إلى قضيتن، وقضيا وقضين، وهما يقضيان، وهي وأنت تقضي، والمرأتان وأنتما تقضيان، وهن يقضين، وأما أنت تقضين، فالياء فيه ضمير المخاطبة، وأما معناه فالأصل الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من ذلك قولهم؛ قضى القاضي لفلان على فلان بكذا قضاء إذا حكم، لأنه فصل للدعوى، ولهذا قيل: حاكم فيصل إذا كان قاطعاً للخصومات وحكى ابن الأنباري عن أهل اللغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها، وقولهم انقضى الشيء إذا تم وانقطع، وقولهم: قضى حاجته، معناه قطعها عن المحتاج ودفعها عنه وقضى دينه إذا أداه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه أو انقطع كل منهما عن صاحبه، وقولهم: قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه، ومنه قوله تعالى: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} تفسير : [فصلت: 12] وهو من هذا لأن في إتمام العمل قطعاً له وفراغاً منه، ومنه: درع قضاء من قضاها إذا أحكمها وأتم صنعها، وأما قولهم؛ قضى المريض وقضى نحبه إذا مات، وقضى عليه: قتله فمجاز مما ذكر والجامع بينهما ظاهر، وأما تقضي البازي فليس من هذا التركيب، ومما يعضد ذلك دلالة ما استعمل من تقليب ترتيب هذا التركيب عليه وهو القيض والضيق، أما الأول فيقال: قاضه فانقاض، أي شقه فانشق، ومنه قيض البيض لما انفلق من قشره الأعلى، وانقاض الحائط إذا انهدم من غير هدم، والقطع والشق والفلق والهدم متقاربة، وأما الضيق وما يشتق منه فدلالته على معنى القطع بينة، وذلك أن الشيء إذا قطع ضاق أو على العكس، ومما يؤكد ذلك أن ما يقرب من هذا التركيب يدل أيضاً على معنى القطع، فأولها: قضبه إذا قطعه، ومنه القضبة المرطبة، لأنها تقضب أي تقطع تسمية بالمصدر، والقضيب: الغصن، فعيل بمعنى مفعول، والمقضب ما يقضب به كالمنجل. وثانيها؛ القضم وهو الأكل بأطراف الأسنان، لأن فيه قطعاً للمأكول، وسيف قضيم: في طرفه تكسر وتفلل. وثالثها: القضف وهو الدقة، يقال رجل قضيف، أي: نحيف، لأن القلة من مسببات القطع. ورابعها: القضأة فعلة وهي الفساد، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة. المسألة الثانية: في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا: أنه يستعمل على وجوه. أحدها: بمعنى الخلق، قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } يعني خلقهن. وثانيها: بمعنى الأمر قال تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ } تفسير : [الإسراء: 23]. وثالثها: بمعنى الحكم، ولهذا يقال للحاكم: القاضي. ورابعاً: بمعنى الإخبار، قال تعالى: {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الإسراء: 4] أي أخبرناهم، وهذا يأتي مقروناً بإلى. وخامسها: أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى: {أية : فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } تفسير : [الأحقاف: 29] يعني لما فرغ من ذلك، وقال تعالى: {أية : وَقُضِىَ ٱلأَمْرُ وَٱسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِىّ } تفسير : [هود: 44] يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال: {أية : لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } تفسير : [الحج: 29] بمعنى ليفرغوا منه، إذا عرفت هذا فنقول: قوله: {أية : إِذَا قَضَى أَمْرًا } تفسير : [آل عمران: 47] قيل: إذا خلق شيئاً، وقيل: حكم بأنه يفعل شيئاً، وقيل: أحكم أمراً، قال الشاعر:شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : المسألة الثالثة: اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه. المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: {أية : كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 47] بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين: في أول آل عمران: {أية : كُنْ فَيَكُونُ ٱلْحَقّ } تفسير : [آل عمران: 59، 60] وفي الأنعام: {أية : كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [الأنعام: 73] فإنه رفعهما، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن، والباقون بالرفع في كل القرآن، أما النصب فعلى جواب الأمر، وقيل هو بعيد، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون. المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: {أية : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 47] هو أنه تعالى يقول له: {كُنَّ } فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه. الأول: أن قوله: {كُنْ فَيَكُونُ } إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على {كُنَّ } إنما قلنا: إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه. الأول: أن كلمة {كُنَّ } لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً. الثاني: أن كلمة {إِذَا } لا تدخل إلا على سبيل الإستقبال، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثاً لأنه دخل عليه حرف {إِذَا } وقوله {كُنَّ } مرتب على القضاء بفاء التعقيب لأنه تعالى قال: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ } والمتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون: {كُنَّ } قديماً. الثالث: أنه تعالى رتب تكون المخلوق على قوله: {كُنَّ } بفاء التعقيب فيكون قوله: {كُنَّ } مقدماً على تكون المخلوق بزمان واحد والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثاً فقوله: {كُنَّ } لا يجوز أن يكون قديماً، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله: {كُنَّ } محدثاً لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: {كُنَّ } وقوله: {كُنَّ } أيضاً محدث فيلزم افتقار: {كُنَّ } آخر ويلزم إما التسلسل وإما الدور وهما محالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقف إحداث الحوادث على قوله: {كُنَّ }. الحجة الثانية: أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بكن قبل دخوله في الوجود أو حال دخوله في الوجود، والأول: باطل لأن خطاب المعدوم حال عدمه سفه، والثاني: أيضاً باطل لأنه يرجع حاصله إلى أنه تعالى أمر الموجود بأن يصير موجوداً وذلك أيضاً لا فائدة فيه. الحجة الثالثة: أن المخلوق قد يكون جماداً، وتكليف الجماد عبث ولا يليق بالحكيم. الحجة الرابعة: أن القادر هوالذي يصح منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله: {كُنَّ } فإما أن يتمكن من الإيجاد والأحداث أو لا يتمكن، فإن تمكن لم يكن الإيجاد موقوفاً على قوله: {كُنَّ } وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم أن لا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بكن فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمعتم القدرة بكن وذلك نزاع في اللفظ. الحجة الخامسة: أن {كُنَّ } لو كان له أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير، ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة. الحجة السادسة: أن {كُنَّ } كلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون الكاف متقدماً على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما، فإن كان الأول لم يكن لكلمة {كُنَّ } أثر البتة، بل التأثير لأحد هذين الحرفين، وإن كان الثاني فهو محال، لأنه لا وجود لهذا المجموع البتة لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثاني حاصلاً، وحين جاء الثاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود البتة استحال أن يكون للمجموع أثر البتة. الحجة السابعة: قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [آل عمران: 59] بين أن قوله: {كُنَّ } متأخر عن خلقه إذ المتأخر عن الشيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله: {كُنَّ } في وجود الشيء فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، وإذا ثبت هذا فنقول لا بد من التأويل وهو من وجوه: الأول: وهو الأقوى أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة ونظيره قوله تعالى عند وصف خلق السموات والأرض: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] من غير قول كان منهما لكن على سبل سرعة نفاذ قدرته في تكوينهما من غير ممانعة ومدافعة ونظيره قول العرب: قال الجدار للوتد لم تشقني؟ قال: سل من يدقني فإن الذي ورائي ما خلاني ورائي ونظيره قوله تعالى: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } تفسير : [الإسراء: 44]. الثاني: أنه علامة يفعلها الله تعالى للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً يحكى ذلك عن أبي الهذيل. الثالث: أنه خاص بالموجودين الذين قال لهم؛ {أية : كُونُواْ قِرَدَةً خَـٰسِئِينَ } تفسير : [البقرة: 65] ومن جرى مجراهم وهو قول الأصم. الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة والكل ضعيف والقوي هو الأول.

القرطبي

تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} هذا إخبار عن النصارى في قولهم: المسيح ٱبن الله. وقيل عن اليهود في قولهم: عُزَيْزٌ ٱبن الله. وقيل عن كفرة العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. وقد جاء مثل هذه الأخبار عن الجهلة الكفار في «مريم» و «الأنبياء». الثانية: قوله: {سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ} الآية: خرّج البخاري عن ٱبن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله تعالى كذّبني ٱبن آدم ولم يكن له ذلك وشَتَّمني ولم يكن له ذلك فأمّا تكذيبه إياي فزَعَم أني لا أقدِر أن أعيده كما كان وأمّا شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً».تفسير : الثالثة: «سُبْحَانَ» منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه والمحاشاة، من قولهم: ٱتخذ الله ولداً؛ بل هو الله تعالى واحد في ذاته، أحَدٌ في صفاته، لم يلد فيحتاج إلى صاحبة، {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأنعام: 101] ولم يولد فيكون مسبوقاً؛ جلّ وتعالى عمّا يقول الظالمون والجاحدون عُلُوًّا كبيرا! {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} «ما» رفع بالابتداء والخبر في المجرور؛ أي كل ذلك له ملك بالإيجاد والاختراع. والقائل بأنه ٱتخذ ولداً داخل في جملة السموات والأرض. وقد تقدّم أن معنى سبحان الله: براءة الله من السوء. الرابعة: لا يكون الولد إلا من جنس الوالد، فكيف يكون للحق سبحانه أن يتخذ ولداً من مخلوقاته وهو لا يشبهه شيء؛ وقد قال: {أية : إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 93] كما قال هنا: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} فالولدية تقتضي الجنسية والحدوث، والقدم يقتضي الوحدانية والثبوت؛ فهو سبحانه القديم الأزلي الواحد الأحد، الفَرْد الصَّمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُواً أحدٌ. ثم إن البنوّة تنافي الرّق والعبودية ـ على ما يأتي بيانه في سورة «مريم» إن شاء الله تعالى ـ فكيف يكون ولد عبدا! هذا محال، وما أدّى إلى المحال محال. الخامسة: قوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} ٱبتداء وخبر، والتقدير كلهم، ثم حذف الهاء والميم. «قَانِتُونَ» أي مطيعون وخاضعون؛ فالمخلوقات كلها تَقْنُت لله، أي تخضع وتطيع. والجمادات قُنُوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم. فالقنوت الطاعة، والقنوت السكوت؛ ومنه قول زيد بن أرْقَم: كنا نتكلّم في الصلاة، يُكَلِّم الرجل صاحبَه إلى جنبه حتى نزلت: {أية : وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ}تفسير : [البقرة: 238] فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام. والقنوت: الصلاة؛ قال الشاعر:شعر : قانِتاً لله يَتْلُو كُتُبَه وعلى عمد من الناس ٱعتزل تفسير : وقال السُّدّى وغيره في قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي يوم القيامة. الحسن: كل قائم بالشهادة أنه عبده. والقنوت في اللغة أصله القيام؛ ومنه الحديث: «حديث : أفضل الصلاة طول القنوت»تفسير : قاله الزجاج. فالخلق قانتون؛ أي قائمون بالعبودية إمّا إقراراً وإمّا أن يكونوا على خلاف ذلك؛ فأثر الصنعة بيِّنٌ عليهم. وقيل: أصله الطاعة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلْقَانِتِينَ وَٱلْقَانِتَاتِ}تفسير : [الأحزاب: 35]. وسيأتي لهذا مزيد بيان عند قوله تعالى، {أية : وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ}تفسير : [البقرة: 238].

البيضاوي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} نزلت لما قال اليهود: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] والنصارى: {أية : ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] ومشركوا العرب: الملائكة بنات الله، وعطفه على قالت اليهود، أو منع، أو مفهوم قوله تعالى ومن أظلم. وقرأ ابن عامر بغير واو {سُبْحَـٰنَهُ } تنزيه له عن ذلك، فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء، ألا ترى أن الأجرام الفلكية ـ مع إمكانها وفنائها ـ لما كانت باقية ما دام العالم، لم تتخذ ما يكون لها كالولد اتخاذ الحيوان والنبات، اختياراً أو طبعاً. {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} رد لما قالوه، واستدلال على فساده، والمعنى أنه تعالى خالق ما في السموات والأرض، الذي من جملته الملائكة وعزير والمسيح {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } منقادون لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه، وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته: فلا يكون له ولد، لأن من حق الولد أن يجانس والده، وإنما جاء بما الذي لغير أولي العلم، وقال قانتون على تغليب أولي العلم تحقيراً لشأنهم، وتنوين كل عوض عن المضاف إليه، أي كل ما فيهما. ويجوز أن يراد كل من جعلوه ولداً له مطيعاً مقرون بالعبودية، فيكون إلزاماً بعد إقامة الحجة، والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه، واحتج بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه، لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك، وذلك يقتضي تنافيهما.

ابن كثير

تفسير : اشتملت هذه الآية الكريمة والتي تليها على الرد على النصارى، عليهم لعائن الله، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب؛ ممن جعل الملائكة بنات الله، فأكذب الله جميعهم في دعواهم وقولهم: إن لله ولداً، فقال تعالى: {سُبْحَـٰنَهُ} أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السموات والأرض ومن فيهنّ، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم ومقدرهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم، والولد إنما يكون متولداً من شيئين متناسبين، وهو تبارك وتعالى ليس له نظير ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد؟ كما قال تعالى: {أية : بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَـٰحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 101] وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِى ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَـٰهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فَرْداً}تفسير : [مريم: 88 ـ 95] وقال تعالى: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1 ـ4]. فقرر تعالى في هذه الآيات الكريمة أنه السيد العظيم الذي لا نظير له، ولا شبيه له، وأن جميع الأشياء غيره مخلوقة له مربوبة، فكيف يكون له منها ولد؟ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من البقرة: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن عبد الله بن أبي الحسين، حدثنا نافع بن جبير، هو ابن مطعم، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله تعالى: كذبني ابن آدم، ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي، فقوله: إن لي ولداً، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً»تفسير : انفرد به البخاري من هذا الوجه. وقال ابن مردويه: حدثنا أحمد بن كامل أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي، أخبرنا محمد بن إسحاق بن محمد الفَرْوي أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم، وما ينبغي له أن يكذبني، وشتمني، وما ينبغي له أن يشتمني، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق بأهون عليَّ من إعادته؛ وأما شتمه إياي، فقوله: اتخذ الله ولداً. وأنا الله الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد»تفسير : وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم»تفسير : وقوله: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو سعيد الأشج، أخبرنا أسباط عن مطرف عن عطية عن ابن عباس قال: {قانتين}: مصلين، وقال عكرمة وأبو مالك: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} مقرون له بالعبودية، وقال سعيد بن جبير: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ}، يقول: الإخلاص، وقال الربيع بن أنس: يقول: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} أي: قائم يوم القيامة، وقال السدي: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} أي: مطيعون يوم القيامة، وقال خصيف عن مجاهد: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} قال: مطيعون، كن إنساناً فكان، وقال: كن حماراً فكان، وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد: كل له قانتون: مطيعون، قال: طاعة الكافر في سجود ظله، وهو كاره، وهذا القول عن مجاهد، وهو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت والطاعة والاستكانة إلى الله وهو شرعي وقدري كما قال الله تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَـٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلأَصَالِ}تفسير : [الرعد: 15] وقد ورد حديث فيه بيان القنوت في القرآن ما هو المراد به، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يوسف بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث أن دراجاً أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة»تفسير : وكذا رواه الإمام أحمد: عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة عن دراج بإسناده مثله، ولكن في هذا الإسناد ضعف لا يعتمد عليه، ورفع هذا الحديث منكر، وقد يكون من كلام الصحابي أو من دونه، والله أعلم. وكثير ما يأتي بهذا الاسناد تفاسير فيها نكارة، فلا يغتر بها فإن السند ضعيف، والله أعلم. وقوله تعالى: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: خالقهما على غير مثال سبق؛ قال مجاهد والسدي: وهو مقتضى اللغة، ومنه يقال للشيء المحدث: بدعة، كما جاء في صحيح مسلم: «حديث : فإن كل محدثة بدعة»تفسير : والبدعة على قسمين: تارة تكون بدعة شرعية، كقوله: «حديث : فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»تفسير : ، وتارة تكون بدعة لغوية، كقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن جمعه إياهم على صلاة التراويح واستمرارهم: نعمت البدعة هذه، وقال ابن جرير: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}: مبدعهما، وإنما هو مفعل، فصرف إلى فعيل، كما صرف المؤلم إلى الأليم، والمسمع إلى السميع، ومعنى المبدع: المنشىء والمحدث، ما لا يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد، قال: ولذلك سمي المبتدع في الدين، مبتدعاً؛ لإحداثه فيه ما لم يسبق إليه غيره، وكذلك كل محدث قولاً أو فعلاً لم يتقدم فيه متقدم، فإن العرب تسميه مبتدعاً، ومن ذلك قول أعشى بن ثعلبة في مدح هوذة بن علي الحنفي:شعر : يدعىٰ إلى قولِ ساداتِ الرجالِ إذا أبدَوْا لهُ الحزمَ أو ما شاءَه ابتدَعا تفسير : أي: يحدث ما شاء، قال ابن جرير: فمعنى الكلام: سبحان الله أن يكون له ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد له جميعها بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة، وهو بارئها وخالقها وموجدها، من غير أصل ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله لعباده، أن ممن يشهد له بذلك المسيح، الذي أضافوا إلى الله بنوته، وإخبار منه لهم، أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل، وعلى غير مثال، هو الذي ابتدع المسيح عيسى من غير والد بقدرته، وهذا من ابن جرير رحمه الله كلام جيد، وعبارة صحيحة. وقوله تعالى: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه إذا قدر أمراً وأراد كونه، فإنما يقول له: كن، أي: مرة واحدة، فيكون، أي: فيوجد، على وفق ما أراد كما قال تعالى: {إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}، وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}تفسير : [النحل: 40]، وقال تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ}تفسير : [القمر: 50] وقال الشاعر:شعر : إذا ما أرادَ الله أمراً فإنَّما يقولُ لهُ: كنْ قولة فيكون تفسير : ونبه بذلك أيضاً، على أنه خلق عيسى بكلمة كن، فكان كما أمره الله، قال الله تعالى:{أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران: 59].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالُواْ } بواو ودونها أي اليهود والنصارى ومن زعم أنّ الملائكة بنات الله {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا } قال تعالى: {سُبْحَٰنَهُ } تنزيها له عنه {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } ملكاً وخلقاً وعبيداً والملكية تنافي الولادة وعبر ب«ما» تغليبا لما لا يعقل {كُلٌّ لَّهُ قَٰنِتُونَ } مطيعون كل بما يراد منه وفيه تغليب العاقل.

الشوكاني

تفسير : قوله: {وَقَالُواْ } هم اليهود والنصارى، وقيل اليهود: أي قالوا: {أية : عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 30] وقيل النصارى: أي: {أية : قَالُواْ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 30] وقيل: هم كفار العرب: أي: قالوا الملائكة بنات الله. وقوله: {سُبْحَـٰنَهُ } قد تقدم تفسيره، والمراد هنا تبرؤ الله تعالى عما نسبوه إليه من اتخاذ الولد. وقوله: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } ردّ على القائلين: بأنه اتخذ ولداً، أي بل هو مالك لما في السموات، والأرض، وهؤلاء القائلون داخلون تحت ملكه، والولد من جنسهم لا من جنسه، ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد. والقانت: المطيع الخاضع، أي: كل من في السموات والأرض مطيعون له، خاضعون لعظمته، خاشعون لجلاله. والقنوت في أصل اللغة أصله القيام. قال الزجاج: فالخلق قانتون، أي: قائمون بالعبودية، إما إقراراً، وإما أن يكونوا على خلاف ذلك، فأثر الصنعة بين عليهم، وقيل أصله الطاعة، ومنه {أية : وَٱلْقَـٰنِتِينَ وَٱلْقَـٰنِتَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 35] وقيل: السكون، ومنه قوله: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } تفسير : [البقرة: 238] ولهذا قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت {وَقُومُواْ لِلَّهِ قَـٰنِتِينَ } فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. وقيل القنوت: الصلاة، ومنه قول الشاعر:شعر : قَانِتاً لله يَتْلو كتُبْه وَعَلى عَمدٍ من النَّاسِ اعْتَزَل تفسير : والأولى أن القنوت لفظ مشترك بين معان كثيرة، قيل: هي ثلاثة عشر معنى، وهي مبنية، وقد نظمها بعض أهل العلم، كما أوضحت ذلك في شرحي علم المنتقى. وبديع: فعيل للمبالغة، وهو خبر مبتدأ، محذوف، أي: هو بديع سمواته، وأرضه، أبدع الشيء: أنشأه لا عن مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع. وقوله: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا } أي: أحكمه، وأتقنه. قال الأزهري: قضى في اللغة على وجوه مرجعها الى انقطاع الشيء، وتمامه، قيل: هو مشترك بين معان، يقال قضى بمعنى: خلق، ومنه: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } تفسير : [فصلت: 12] وبمعنى أعلم، ومنه: {أية : وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِى إِسْرٰءيلَ فِى ٱلْكِتَـٰبِ }تفسير : [الإسراء: 4] وبمعنى أمر، ومنه: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ ألا لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إيّاه } تفسير : [الإسراء: 23] وبمعنى ألزم، ومنه: قضى عليه القاضي، وبمعنى أوفاه، ومنه: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأجَلَ }تفسير : [القصص: 29] وبمعنى أراد ومنه: {أية : فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ }تفسير : [غافر: 68]، والأمر واحد الأمور. وقد ورد في القرآن على أربعة عشر معنى: الأوّل الدين، ومنه: {أية : حَتَّىٰ جَاء ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ } تفسير : [التوبة: 48] الثاني: بمعنى القول، ومنه: {أية : فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } تفسير : [المؤمنون: 27] الثالث: العذاب، ومنه قوله: {أية : لَمَّا قُضِىَ ٱلأمْرُ } تفسير : [إبراهيم: 22] الرابع: عيسى، ومنه: {أية : فَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً }تفسير : [مريم: 35] أي: أوجد عيسى عليه السلام. الخامس القتل، ومنه {أية : فَإِذَا جَـاء أَمْرُ ٱللَّهِ }تفسير : [غافر: 78] السادس: فتح مكة، ومنه: {أية : فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ }تفسير : [التوبة: 24]. السابع: قتل بني قريظة، وإجلاء النضير، ومنه: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ } تفسير : [البقرة: 109]، الثامن: القيامة، ومنه: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 1] التاسع: القضاء، ومنه: {أية : يُدَبّرُ ٱلأمْرَ } تفسير : [يونس: 3]، العاشر الوحي، ومنه: {أية : يَتَنَزَّلُ ٱلأمْرُ بَيْنَهُنَّ }تفسير : [الطلاق: 12] الحادي عشر: أمر الخلائق، ومنه: {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأمُورُ }تفسير : [الشورى: 53] الثاني عشر: النصر، ومنه: {أية : هَل لَّنَا مِنَ ٱلأمْرِ مِن شَىْء } تفسير : [البقرة: 154]. الثالث عشر: الذنب، ومنه: {أية : فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } تفسير : [الطلاق: 9] الرابع عشر: الشأن، ومنه: {أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود: 97] هكذا أورد هذه المعاني بأطول من هذا بعض المفسرين، وليس تحت ذلك كثير فائدة، وإطلاقه على الأمور المختلفة لصدق اسم الأمر عليها. وقوله: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} الظاهر في هذا المعنى الحقيقي، وأنه يقول سبحانه هذا اللفظ، وليس في ذلك مانع، ولا جاء ما يوجب تأويله، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تفسير : [يس: 82] وقال تعالى: {أية : إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ }تفسير : [النحل: 40] وقال: {أية : وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وٰحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ }تفسير : [القمر: 50] ومنه قول الشاعر:شعر : إذا ما أراد الله أمراً فإنما يقول له كن قوله فيكون تفسير : وقد قيل: إن ذلك مجاز، وأنه لا قول، وإنما هو: قضاء يقضيه، فعبر عنه بالقول، ومنه قول الشاعر، وهو عمر بن حممة الدوسي:شعر : فَأصْبَحْتُ مِثْل النَّسْرِ طَارَ فَرِاخُه إذَا رَامَ تَطْيَاراً يُقَالُ لَهُ قَعِ تفسير : وقال آخر:شعر : قالت جناحاه لساقيه الحقا ونجيا لحكمكما أن يمزقا تفسير : والمراد بقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } اليهود، وقيل النصارى، ورجّحه ابن جرير؛ لأنهم المذكورون في الآية؛ وقيل مشركو العرب، و "لَوْلاَ" حرف تحضيض، أي: هلا {يُكَلّمُنَا ٱللَّهُ } بنبوّة محمد، فنعلم أنه نبيّ، {أَوْ تَأْتِينَا } بذلك علامة على نبوّته. والمراد بقوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم } قيل: هم اليهود، والنصارى، في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة، في قول من جعل الذين لا يعلمون اليهود، والنصارى، أو اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النصارى {تَشَـٰبَهَتْ } أي: في التعنت، والاقتراح، وقال الفراء: {تَشَـٰبَهَتْ } في اتفاقهم على الكفر، {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي: يعترفون بالحق، وينصفون في القول، ويذعنون لأوامر الله سبحانه لكونهم مصدقين له سبحانه مؤمنين بآياته متبعين لما شرعه لهم. وقد أخرج البخاري من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : قال الله تعالى: «كذبني ابن آدم وشتمني، فأما تكذيبه إياي، فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد، فسبحاني أن اتخذ صاحبة، أو ولداً»تفسير : . وأخرج نحوه أيضاً من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {سُبْحَـٰنَه} قال: تنزيه الله نفسه عن السوء. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الأسماء والصفات عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإنسان: سبحان الله، قال: حديث : برأه الله من السوء.تفسير : وأخرجه الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي من طريق طلحة بن يحيـى بن طلحة عن أبيه عن جدّه طلحة بن عبيد الله، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله، فقال: حديث : تنزيه الله من كل سوء. تفسير : وأخرجه ابن مردويه، عنه من طريق أخرى مرفوعاً. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والضياء في المختارة، عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت، فهو الطاعة»تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ } قال مطيعون. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ } يقول: ابتدع خلقهما، ولم يشركه في خلقهما أحد. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس؛ قال: قال رافع بن حُرَيْملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد، إن كنت رسولاً من الله كما تقول، فقل لله، فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة؛ أنهم كفار العرب. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال: هم النصارى، والذين من قبلهم يهود.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} فيه قولان: أحدهما: أنهم النصارى في قولهم: المسيح ابن الله. والثاني: أنهم مشركو العرب في قولهم: الملائكة بنات الله. {سُبْحَانَهُ، بَل لَّهُ مَا في السَّمَواتِ والأَرْضِ} قوله: {سُبْحَانَهُ} تنزيهاً له من قولهم {اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً}. قوله: {لَهُ مَا في السَّمَواتِ والأَرْضِ} أي خالق ما في السموات والأرض. {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أي مطيعون، وهذا قول قتادة، والسدي، ومجاهد. والثاني: أي مقرون له بالعبودية، وهو قول عكرمة. والثالث: أي قائمون، يعني يوم القيامة، وهذا قول الربيع، والقانت في اللغة القائم، ومنه القنوت في الصلاة، لأنه الدعاء في القيام. قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَواتِ والأَرْضِ} يعني منشئها على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه، يقال له مبدع، ولذلك قيل لمن خالف في الدين: مبتدع، لإحداثه ما لم يسبق إليه {وَإِذَا قَضَى أَمْراً} أي أحكمه وحتمه، وأصله الإحكام والفراغ، ومنه قيل للحاكم قاض، لفصله الأمور وإحكامه بين الخصوم، وقيل للميت قد قَضَى أي فرغ من الدنيا، قال أبو ذؤيب: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تُبّع تفسير : معنى قضاهما أي أحكمهما. وقال الشاعر في عمر بن الخطاب: شعر : قضيت أموراً ثم غادرت بعدها بوائج في أكمامها لم تفتق تفسير : {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فإن قيل في أي حال يقول له كن فيكون؟ أفي حالة عدمه أم في حال وجوده؟ فإن كان في حال عدمه، استحال أن يأمر إلا مأموراً، كما يستحيل أن يكون الأمر إلا من آمر، وإن كان في حال وجوده، فتلك حال لا يجوز أن يأمر فيها بالوجود والحدوث، لأنه موجود حادث؟. قيل: عن هذا السؤال أجوبة ثلاثة: أحدها: أنه خبر من الله تعالى عن نفوذ أوامره في خلقه الموجود، كما أمر في بني إسرائيل، أن يكونوا قردة خاسئين، ولا يكون هذا وارداً في إيجاد المعدومات. الثاني: أن الله عز وجل عالم، بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن وهي كائنة بعلمه، قبل كونها مشابهة للأشياء التي هي موجودة، فجاز أن يقول لها كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود، لتصور جميعها له ولعلمه بها في حال العدم. والثالث: أن ذلك خبر من الله تعالى، عامٌ عن جميع ما يُحْدِثُه، ويكوّنه، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً، كقول أبي النجم: شعر : قد قالت الأنساع للبطن الحق قدما فآضت كالغسق المحقق تفسير : ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن، وكقوله عمرو بن حممة الدوسي. شعر : فأصبحت مثل النسر طارت فراخه إذا رام تطياراً يقال له قَعِ

ابن عطية

تفسير : قرأ هذه الآية عامة القراء "وقالوا" بواو تربط الجملة بالجملة، أو تعطف على {أية : سعى} تفسير : [البقرة: 114]، وقرأ ابن عامر وغيره "قالوا" بغير واو، وقال أبو علي: وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، وحذف منه الواو يتجه من وجهين، أحدهما أن هذه الجملة مرتبطة في المعنى بالتي قبلها فذلك يغني عن الواو، والآخر أن تستأنف هذه الجملة ولا يراعى ارتباطها بما تقدم، واختلف على من يعود الضمير في {قالوا}، فقيل: على النصارى، لأنهم قالوا المسيح ابن الله. قال القاضي أبو محمد: وذكرهم أشبه بسياق الآية، وقيل: على اليهود، لأنهم قالوا عزير ابن الله، وقيل: على كفرة العرب لأنهم قالوا الملائكة بنات الله، و {سبحانه} مصدر معناه تنزيهاً له وتبرئة مما قالوا، و {ما} رفع بالابتداء، والخبر في المجرور، أو في الاستقرار المقدر، أي كل ذلك له ملك، والذي {قالوا اتخذ الله ولداً} داخل في جملة {ما في السماوات والأرض} ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد لا من المخلوقات المملوكات. والقنوت في اللغة الطاعة، والقنوت طول القيام في عبادة، ومنه القنوت في الصلاة، فمعنى الآية أن المخلوقات كلها تقنت لله أي تخضع وتطيع، والكفار والجمادات قنوتهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظله وهو كاره. و {بديع} مصروف من مبدع كبصير من مبصر، ومثله قول عمرو ابن معديكرب: [الوافر]: شعر : أَمِنْ ريحانة الداعي السميعِ تفسير : يريد المسمع، والمبدع المخترع المنشيء، ومنه أصحاب البدع، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صلاة رمضان: "نعمت البدعة هذه". وخص {السماوات والأرض} بالذكر لأنها أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا، و {قضى}، معناه قدر، وقد يجيء بمعنى أمضى، ويتجه في هذه الآية المعنيان، فعلى مذهب أهل السنة قدر في الأزل وأمضى فيه، وعلى مذهب المعتزلة أمضى عند الخلق والإيجاد. والأمر واحد الأمور، وليس هنا بمصدر أمر يأمر، ويكون رفع على الاستئناف، قال سيبويه: "معناه فهو يكون"، قال غيره: "يكون" عطف على "يقول"، واختاره الطبري وقرره، وهو خطأ من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن القول مع التكوين والوجود، وتكلم أبو علي الفارسي في هذه المسألة بما هو فاسد من جملة الاعتزال لا من جهة العربية. وقرأ ابن عامر "فيكونَ" بالنصب، وضعفه أبو علي، ووجهه مع ضعفه على أن يشفع له شبه اللفظ، وقال أحمد بن موسى في قراءة ابن عامر: "هذا لحن". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: لأن الفاء لا تعمل في جواب الأمر إلا إذا كانا فعلين يطرد فيهما معنى الشرط، تقول أكرم زيداً فيكرمك، والمعنى إن تكرم زيداً يكرمك، وفي هذه الآية لا يتجه هذا، لأنه يجيء تقديره: إن تكن يكن، ولا معنى لهذا، والذي يطرد فيه معنى الشرط هو أن يختلف الفاعلان أو الفعلان فالأول أكرم زيداً فيكرمك والثاني أكرم زيداً فتسود. وتلخيص المعتقد في هذه الآية، أن الله عز وجل لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخر المقدورات، عالماً مع تأخر وقوع المعلومات، فكل ما في الآية مما يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات، إذ المحدثات تجيء بعد أن لم تكن، وكل ما يستند إلى الله تعالى من قدرة وعلم وأمر فهو قديم لم يزل، ومن جعل من المفسرين {قضى} بمعنى أمضى عند الخلق والإيجاد، فكأن إظهار المخترعات في أوقاتها المؤجلة قول لها {كن}، إذ التأمل يقتضي ذلك، على نحو قول الشاعر [أبو النجم العجلي]: [الرجز] شعر : وقالتِ الأقرابُ للبطن الحق تفسير : قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يجري مع قول المعتزلة، والمعنى الذي تقتضيه عبارة {كن} هو قديم قائم بالذات، والوضوح التام في هذه المسألة يحتاج أكثر من هذا البسط. وقوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون} الآية، قال الربيع والسدي: هم كفار العرب. قال القاضي أبو محمد: وقد طلب عبد الله بن أبي أمية وغيره من النبي صلى الله عليه نحو هذا، فنفى عنهم العلم لأنهم لا كتاب عندهم ولا اتباع نبوة، وقال مجاهد: هم النصارى لأنهم المذكورون في الآية أولاً، ورجحه الطبري، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود، لأن رافع بن حريملة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله، وقيل: الإشارة بقوله {لا يعلمون} إلى جميع هذه الوظائف، لأن كلهم قال هذه المقالة أو نحوها، ويكون {الذين من قبلهم} قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، و {لولا} تحضيض بمعنى هلا، كما قال الأشهب بن رميلة: [الطويل] شعر : تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفضلَ مجدِكُمْ بني ضَوْطَرى لولا الكميّ المقنعا تفسير : وليست هذه {لولا} التي تعطي منع الشيء لوجوب غيره، وفرق بينهما أنها في التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهراً أو مقدراً، وعلى بابها في المنع للوجوب يليها الابتداء، وجرت العادة بحذف الخبر، والآية هنا العلامة الدالة، وقد تقدم القول في لفظها، و {الذين من قبلهم} اليهود والنصارى في قول من جعل {الذين لا يعلمون} كفار العرب، وهم الأمم السالفة في قول من جعل {الذين لا يعلمون} كفار العرب والنصارى واليهود، وهم اليهود في قول من جعل {الذين لا يعلمون} النصارى، والكاف الأولى من {كذلك} نعت لمصدر مقدر، و {مثل} نعت لمصدر محذوف، ويصح أن يعمل فيه، {قال}: وتشابه القلوب هنا في طلب ما لا يصح أو في الكفر وإن اختلفت ظواهرهم، وقرأ ابن أبي إسحاق وأبو حيوة "تَشَّابهت" بشد الشين، قال أبو عمرو الداني: وذلك غير جائز لأنه فعل ماض. وقوله تعالى: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} لما تقدم ذكر الذين أضلهم الله حتى كفروا بالأنبياء وطلبوا ما لا يجوز لهم أتبع ذلك الذين بين لهم ما ينفع وتقوم به الحجة، لكن البيان وقع وتحصل للموقنين، فلذلك خصهم بالذكر، ويحتمل أن يكون المعنى قد بينا البيان الذي هو خلق الهدى، فكأن الكلام قد هدينا من هدينا، واليقين إذا اتصف به العلم خصصه وبلغ به نهاية الوثاقة، وقوله تعالى {بينا} قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينة أخرى، وهي أن الكلام مدح لهم، وأما اليقين في استعمال الفقهاء إذا لم يتصف به العلم فإنه أحط من العلم، لأن العلم عندهم معرفة المعلوم على ما هو به واليقين معتقد يقع للموقن في حقه والشيء على خلاف معتقده، ومثال ذلك تيقن المقادة ثبوت الصانع، ومنه قول مالك - رحمه الله - في "الموطأ" في مسألة الحالف على الشيء يتيقنه الشيء في نفسه على غير ذلك. قال القاضي أبو محمد: وأما حقيقة الأمر فاليقين هو الأخص وهو ما علم على الوجه الذي لا يمكن أن يكون إلا عليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَلَداً} نزلت في النصارى، لقولهم في المسيح صلى الله عليه وسلم، أو في العرب، قالوا: الملائكة بنات الله. {قَانِتُونَ} مطيعون أو مقرون بالعبودية، أو قائمون يوم القيامة، والقنوت: القيام.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {وقالوا اتخذ الله ولداً} نزلت في يهود المدينة حيث قالوا: عزيزا ابن الله، وفي نصارى نجران حيث قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات الله {سبحانه} أي تنزيهاً لله فنزه الله نفسه عن اتخاذ الولد وعن قولهم: وافترائهم عليه (خ) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: "حديث : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم إني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً" تفسير : {بل له ما في السموات والأرض} يعني عبيداً وملكاً فكيف ينسب إليه الولد وهو داخل فيهما. وقيل: إن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد والله تعالى منزه عن الشبيه والنظير. وقيل: إن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه والانتفاع به عند عجز الوالد وكبره، والله تعالى منزه عن ذلك كله فإضافة الولد إليه محال {كل له قانتون} يعني أن أهل السموات والأرض مطيعون لله ومقرون له بالعبودية، وأصل القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع. وقيل: أصله: القيام ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصلاة طول القنوت" تفسير : فعلى هذا يكون معنى الآية كل له قائمون بالشهادة ومقرون له بالوحدانية. وقيل: قانتون أي مذللون مسخرون لما خلقوا له. واختلف العلماء في حكم الآية فقال بعضهم: هو خاص ثم سلكوا في تخصيصه طريقين. أحدهما: قالوا هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة. والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الكفار وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام لأن لفظة كل تقتضي الشمول والإحاطة ثم سلكوا في الكفار طريقين. أحدهما أن ظلالهم تسجد لله وتطيعه. والثاني أن هذه الطاعة تكون في يوم القيامة. ومن ذهب إلى تخصيص حكم الآية أجاب عن لفظة كل بأنها لا تقتضي الشمول والإحاطة بدليل قوله تعالى: {أية : وأوتيت من كل شيء} تفسير : [النحل: 23] ولم تؤت ملك سليمان فدل على أن لفظة كل لا تقتضي ذلك.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} ذمهم بالوصف الأعم لأنّ اتخاذ الولد يصدق على الابن حقيقة وعلى ابن التبني. قوله تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} إن رجع الإضراب إلى قوله "سُبْحَانَهُ" فهو إضراب انتقال، وإن رجع إلى قوله: {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} (إضراب) إبطال. قال ابن عطية: قرأ الجمهور "وَقَالُواْ" بالواو، وأسقطها ابن عامر، إما لأن هذه الجملة في معنى ما قبلها أو مستأنفة. قال ابن عرفة: هذا بعيد لأنه أمر واحد ومقالة واحدة، إلاّ أن يكون التعدد باعتبار اختلاف الحالات والأشخاص. واحتجوا بالآية على أن أعمال العباد مخلوقة لله عز وجل. واحتج بها اللّخمي على أن من ملك ولده عتق عليه، لأن (الآية) اقتضت منافاة الملك (للولدية) أي لو/ كان لله ولد لما صدق أنه مالك لجميع ما في السماوات والأرض و(اللازم) باطل فالملزوم مثله. وأجيب بالفرق بين المقامين فهذا ملك حقيقي وذلك ملك جعلي، فما يلزم من منافاة الملك الحقيقي للولدية منافاة الملك الجعلي لها. قوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} قال ابن عطية: أي كل شيء له ملك. قال الزمخشري: أي كل ما هو في السماوات والأرض. ابن عطية: والقنوت إما الخضوع فيصدق على الحيوان والجمادات، وإما الطاعة، فالكافر يسجد ظله وهو (كاره). قيل لابن عرفة: كيف يُوصَف الظل بالسّجود وهل هو موجود أم لا؟ فقال: الظل ظلمة خاصة باعتبار الكم والكيف فيجري على الخلاف في الظلمة: هل هو أمر وجودي أو عدمي؟ والصحيح أنها وجودية، ونص بعضهم على أن الظل عرض قام بجسم الهواء.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَـٰنَهُ...} الآية: اختلف علَىٰ مَنْ يعود ضميرُ «قَالُوا»، فقيل: على النصارَىٰ، وهو الأشبه، وقيل: على اليهود؛ لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ٱبْنُ اللَّهِ، وقيل: على كفرة العربِ؛ لأنهم قالوا: الملائكة بنَاتُ اللَّه. * ت *: وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ: ويحتمل أن يعني بالآية كلُّ من تقدَّم ذكره من الكفرة، وقد تقدَّم ذكر اليهود والنصارَىٰ والذين لا يعلمون، وهم المشركون، وكلُّهم قد ٱدعَىٰ للَّه ولداً، تعالى اللَّه عن قولهم. انتهى من «مختصر الطبريِّ». و {سُبْحَـٰنَهُ}: مصدر، معناه: تنزيهاً له وتبرئةً مما قالوا، والقُنُوتُ؛ في اللغة: الطاعةُ، والقنوتُ: طول القيام، فمعنى الآية: إن المخلوقات تقنُتُ للَّه، أي: تخشع، وتطيع، والكفار قنوتُهم في ظهور الصنعة عليهم وفيهم، وقيل: الكافر يسجد ظلُّه، وهو كارهٌ، و {بَدِيعُ }: مصروفٌ من مُبْدعٍ، والمُبْدِعُ: المخترعُ المنشيءُ، وخص السَّموات والأرضَ بالذكْر؛ لأنها أعظم ما نَرَىٰ من مخلوقاته جلَّ وعلاَ. و {قَضَى}: معناه: قدَّر، وقد يجــيء بمعنى: أَمْضَىٰ، ويتجه في هذه الآية المعنَيَانِ، والأمر: واحد الأمور، وليس هو هنا بمصدر أَمَرَ يَأْمُرُ، وتلخيص المعتَقَدِ في هذه الآية؛ أنَّ اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودِهَا، قادراً مع تأخُّر المقدورات، عالماً مع تأخُّر وقوع المعلوماتِ، فكلُّ ما في الآية ممَّا يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأموراتِ إِذ المحدَثَاتُ تجــيء بعد أنْ لم تكنْ، وكل ما يستند إِلى اللَّه تعالَىٰ من قدرةٍ وعلمٍ وأمر، فهو قديمٌ لم يزَلْ، والمعنى الَّذي تقتضيه عبارةُ {كُن} هو قديمٌ قائمٌ بالذاتِ، والوضوح التامُّ في هذه المسألة [لا] يحتاج أكثر من هذا البَسْط. * ت *: وقد قدَّمنا ما يزيدُ هذا المعنَىٰ وضُوحاً عند قوله تعالَىٰ: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ }،تفسير : [البقرة:34] فٱنظره.

ابن عادل

تفسير : فصل قرأ الجمهور: "وَقَالُوا" بالواو عطفاً لهذه الجملة الخبرية على ما قبلها، وهو أحسن في الربط. وقيل: هي معطوفة على قوله: "وَسَعَى" فيكون قد عطف على الصّلة مع الفعل بهذه الجمل الكثيرة، وهذا ينبغي أن ينزّه القرآن عن مثله. وقرأ ابن عامر ـ وكذلك هي في مصاحف "الشام": "قَالُوا" من غير "واو"، وكذلك يحتمل وجهين: أحدهما: الاستئناف. والثاني: حذف حرف العَطْف وهو مراد، استغناءً عنه بربط الضَّمير بما قبل هذه الجملة، و "اتَّخَذَ" يجوز أن يكون بمعنى عمل وصنع، فيتعدّى لمفعول واحد، وأن يكون بمعنى صَيَّر، فيتعدّى لاثنين، ويكون الأول هنا محذوفاً تقديره: وقالوا: اتخذ الله بعض الموجودات ولداً، إلا أنه مع كثرة دور هذا التركيب لم يذكر معها إلا مَفْعُول واحد: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً}تفسير : [الأنبياء:26]، {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ}تفسير : [المؤمنون:91]، {أية : وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً}تفسير : [مريم:92]. والوَلد فعل بمعنى مفعول كالقَبْض والنقص وهو غير مقيس والمصدر: الولادة والوليدية وهذا الثاني غريب. وقوله: "سبحانه". قال القرطبي رحمه الله تعالى: "سُبْحَان" منصوب على المصدر، ومعناه التبرئة والتنزيه عما قالوا. قوله تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}. "بَل" إضراب وانتقال، و "لَهُ" خبر مقدم، و "ما" مبتدأ مؤخر، وأتى هنا بـ "مَا"؛ لأنه إذا اختلط العاقل بغيره كان المتكلّم مخيراً في "مَا" و "مَنْ"، ولذلك لما اعتبر العقلاء غلبهم في قوله "قَانِتُونَ"، فجاء بصيغة السَّلامة المختصّة بالعقلاء. قال الزمخشري فإن قلت: كيف جاء بـ "مَا" التي لغير أولي العلم مع قوله: "قَانِتُونَ". قلت: هو كقوله: "سبحان ما سخركن لنا" وكأنه جاء بـ "ما" دون "من" تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم، وهذا جنوح منه إلى أن "ما" قد تقع على أولي العلم، ولكن المشهور خلافه. وأما قوله: "سُبْحان ما سَخَّرَكُنَّ لَنَا" فسبحان غير مضاف، بل هو كقوله: شعر : 752ـ............... سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ.......... تفسير : و "ما" مصدرية ظرفية. قوله تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} مبتدأ وخبر، و"كُلٌّ" مضافة إلى محذوف تقديراً، أي: كلّ مَنْ في السموات والأرض. وقال الزمخشري: ويجوز أن يكون كل من جعلوه لله ولداً كذا قال أبو حيان رحمه الله تعالى. وهذا بعيد جداً، لأن المجعول ولداً لم يَجْرِ له ذكر، ولأن الخبر يشترك فيه المجعول ولداًَ وغيره. قوله: "لم يَجْرِ له ذكر" بل قد جرى ذكره فلا بُعْدَ فيه. وجمع "قَانِتُونَ" حملاً على المعنى لما تقدم من أن "كُلاًّ" إذا قطعت عن الإضافة جاز فيها مراعاة اللفظ، [ومراعاة المعنى، وهو الأكثر نحوه: {أية : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ}تفسير : [الأنبياء:33] {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ}تفسير : [النمل:87] ومن مراعاة] اللَّفظ: {أية : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}تفسير : [الإسراء:84] {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ}تفسير : [العنكبوت:40]، وحسن الجمع هنا لِتَوَاخي رُؤُوس الآي. والقُنُوت: أصله الدوام، ويستعمل على أربعة أوجه: الطاعة والانقياد، كقوله تعالى: {أية : يَٰمَرْيَمُ ٱقْنُتِي لِرَبِّكِ}تفسير : [آل عمران:43] وطول القيام، كقوله عليه السلام "حديث : لما سئل: أي الصَّلاة أفضل؟ قال: طول القُنُوت"تفسير : وبمعنى السّكوت [كقول زيد بن أرقم رضي الله عنه: كنا نتكلّم في الصلاة حتى نزل قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ}تفسير : [البقرة:238] فأمسكنا عن الكلام والدعاء، ومنه القنوت. قال ابن عباس ومجاهد رضي الله عنهما: "قانتون" أي: أن كل من في السموات والأرض مطيعون. وأورد على هذا أن الكفار ليسوا مطيعين. وقال السّدي رحمه الله تعالى: يطيعون يوم القيامة، وأوردوا على هذا أيضاً بأن هذا صفة المتّكلين]. وقوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ} يتناول مَنْ لا يكون مكلفاً، فعند هذا فسّروا القنوت بوجوه أخر: الأول: بكونها شاهدةً على وجود الخالق ـ سبحانه ـ بما فيها من آثار الصّنعة، وأمارات الحدوث والدلائل على الربوبية. الثاني: كون جميعها في ملكه وقهره يتصرّف فيها كيف يشاء، وهو قول أبي مسلم رحمه الله تعالى، وعلى هذين الوجهين الآية عامة. الثالث: أراد بما في السَّموات الملائكة وما في الأرض عيسى والعزير؛ أي كل من هؤلاء الذين حكموا عليه بالولدية أنهم قانتون له. فصل فيمن قال اتخذ الله ولداً قال ابن الخطيب: اعلم أن الظاهر من قوله: {وَقَالُواْ: ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} أن يكون راجعاً إلى قوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:114] وقد ذكرنا أن منهم من تأوّله على النصارى. ومنهم من تأوّله على مشركي العرب. ونحن قد تأولناه على اليهود، وكل هؤلاء أثبوا الولد لله تعالى؛ لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنَّصَارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله، فلا جَرَمَ صحت هذه الحكاية على جميع التقديرات. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إنها نزلت في كعب بن الأشرف، وكعب بن الأسد، ووهب بن يهوذا؛ فإنهم جعلوا عزيراً ابن الله [سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً. وروى ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما] عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: "حديث : كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أنِّي لاَ أََقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ فَسُبْحَانِي أنْ أَتْخِذَ صَاحِبَةً أوْ وَلَداً ". تفسير : فصل في تنزيه الله تعالى قال ابن الخطيب رحمه الله: احتج على التنزيه بقوله تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ووجه الاستدلال من وجوه: الأول: أن كل ما سوى الموجود الواجب ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً [لأن المخلوق محدث مسبوق بالعدم، ووجوده إنما حصل بخلق الله ـ تعالى ـ وإيجاده وإبداعه، فثبت أن ما سواه فهو عبده، وملكه، فيستحيل أن يكون كل شيء مما سواه ولداً له، كلّ هذا مستفاد من قوله: {بل له ما في السموات والأرض} أي: له كلّ مما سواه على سبيل الملك والخلق والإيجاد والإبداع]. والثاني: أن هذا الذي أضيف إليه بأنه ولده، إما أن يكون قديماً أزليًّا أو محدثاً، فإن كان أزليًّا لم يكن حكمنا بجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكماً مجرّداً من غير دليل، وإن كان الولد حادثاً كان مخلوقاً لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له. والثالث: أن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد، فلو فرضنا له ولداً لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازاً عنه من وجه آخر، وذلك يقتضي كون كلّ واحد منهما مركباً ومحدثاً وذلك مُحَال، فإذن المجانسة ممتنعةٌ، فالولدية ممتنعة. الرابع: أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر، ورجاء الانتفاع بمعونته حال عَجْزِ الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصحّ على من يصح عليه الفَقْر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال، كان إيجاد الولد عليه سبحانه وتعالى محالاً. [يحكى أن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله عز وجل لصرت على دينه فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع جده في طاعة الله تعالى؟ فقال علي رضي الله عنه: فإن كان عيسى إلهاً فكيف يعبد غيره، إنما العبد هو الذي تليق به العبادة، فانقطع النصراني]. قوله تعالى: "بَدِيعُ السَّمَوَاتِ" المشهور رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو بديع. وقرىء بالجر على أنه بدل من الضمير في "لَهُ" [وفيه الخلاف المشهور] وقرىء بالنصب على المدح. و "بديع السموات" من باب الصفة المشبهة أضيفت إلى منصوبها الذي كان فاعلاً في الأصل، والأصل بديع سماواتُه، أي بَدُعَت لمجيئها على شكل فائق حسن غريب، ثم شبهت هذه الصفة باسم الفاعل، فنصبت ما كان فاعلاً، ثم أضيفت إليه تخفيفاً، وهكذا كلّ ما جاء نظائره، فالإضافة لا بد وأن تكون من نصب؛ لئلا يلزم إضافة الصفة إلى فاعلها، وهو لا يجوز في اسم الفاعل الذي هو الأصل. وقال الزمخشري رحمه الله تعالى: و "بديعُ السَّمَوَاتِ" من باب إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها. ورده أبو حيان بما تقدم، ثم أجاب عنه بأنه يحتمل أن يريد إلى فاعلها في الأصل قبل أن يشبه. وأجاز الزمخشري فيه وجهاً ثانياً: وهو أن يكون "بديع" بمعنى مُبْدِع؛ كما أن سميعاً في قول عَمْرو بمعنى مسمع؛ نحو: [الوافر] شعر : 753ـ أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعي السَّمِيعُ يُؤَرِّقُنِي وأصْحَابِي هُجُوعُ؟ تفسير : إلا أنه قال: "وفيه نظر"، وهذا الوجه لم يذكر ابن عطية غيره، وكأن النظر الذى ذكره الزمخشري ـ والله أعلم ـ هو أن "فعيلاً" بمعنى "مُفْعِل" غيرُ مقيس، وبيت عمرو رضي الله عنه متأول، وعلى هذا القول يكون بديع السموات من باب إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تقديراً. والمبدع: المخترع المنشىء، والبديع: الشيء الغريب الفائق غيره حسناً. قوله تعالى: {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً} العامل في "إذا" محذوف يدل عليه الجواب من قوله: "فَإنَّمَا يَقُولُ"، والتقدير: إذا قضى أمراً يكون، فيكون هو الناصب له. و "قضى" له معانٍ كثيرة. قال الأزهري رحمه الله تعالى: "قضى" على وجوه مرجعُها إلى انقطاع الشَّيء وتمامه؛ قال أبو ذُؤَيْبٍ: [الكامل] شعر : 754ـ وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعُ السَّوَابِغِ تُبَّعُ تفسير : وقال الشَّماخ: [الطويل] شعر : 755ـ قَضَيْتَ أُمُوراً ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا بَوَائِقَ في أَكْمَامِهَا لم تُفَتَّقِ تفسير : فيكون بمعنى"خَلَقَ" نحو: {أية : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ}تفسير : [فصلت:12] وبمعنى أَعلم: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ}تفسير : [الإسراء:4]. وبمعنى أمر: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء:23]. وبمعنى وَفَّى: {أية : فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ}تفسير : [القصص:29]. وبمعنى ألزم: قضى القاضي بكذا. وبمعنى أراد: {وَإِذَا قَضَى أَمْراً}. وبمعنى أَنْهَى، ويجيء بمعنى قَدَّر وأَمْضَى، تقول: قَضَى يَقْضِي قََضَاءً؛ قال: [الطويل] شعر : 756ـ سَأَغْسِلُ عَنِّي العَارَ بَالسَّيْفِ جَالِباً عَلَيَّ قَضَاءُ اللهِ مَا كَانَ جَالِبَا تفسير : ومعناه الذي يدل تركيبه عليه هو معنى القطع، من قولهم: قضى القاضي لفلان على فلان بكذا إذا حكم؛ لأنه فصل للدعوى. ولهذا قيل: حاكم فَيْصل إذا كان قاطعاً للخصومات. وحكى ابن الأنباري عن أهل اللّغة أنهم قالوا: القاضي معناه القاطع الأمور المحكم لها. ومنه: انقضى الشيء: إذا تم وانقطع. وقولهم: قضى حاجته أي: قطعها عن المحتاج ودفعها عنه. وقضى دينه: إذا أدَّاه إليه كأنه قطع التقاضي والاقتضاء عن نفسه، أو انتفع كل منهما من صاحبه. وقولهم: قضى الأمر، إذا أتمه وأحكمه. وأما قولهم: قضى المريض وقضى نَحْبَه: إذا مات، وقضى عليه: قتله فمجاز. [واختلفوا في الأمر هل هو حقيقة في القول المخصوص أو حقيقة في الفعل وفي القدر المشترك وهو كذا في أصول الفقه والله أعلم]. قال القرطبي رحمه الله تعالى: والأمر في القرآن يتصرف على أربعة عشر وجهاً: الأول: الدين؛ قال الله تعالى: {أية : حَتَّىٰ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:48] يعني: دينه. الثاني: القول؛ قال تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَمْرُنَا}تفسير : [المؤمنون:27] يعني قولنا. وقوله: {أية : فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ}تفسير : [طه:62] يعنى قولهم. الثالث: العذاب؛ قال تعالى: {أية : لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُُ} تفسير : [إبراهيم:22] يعني لما وجب العذاب بأهل النار. الرابع: عيسى عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: {أية : إِذَا قَضَىٰ أَمْراً}تفسير : [مريم:35] يعنى: عيسى عليه الصلاة والسلام. الخامس: القتل بـ "بدر"، قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا جَـآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [غافر:78] يعنى: القتل بـ "بدر" وقوله: {أية : لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}تفسير : [الأنفال:42] يعنى قتل كفار "مكة". السادس: فتح "مكة"؛ قال الله تعالى: {أية : فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [التوبة:42] يعنى فتح "مكة". السابع: قتل "قريظة" وجلاء "بني النضير"؛ قال الله تعالى: {أية : فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ}تفسير : [البقرة:109]. الثامن: القيامة، قال الله تعالى: {أية : أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل:1]. التاسع: القضاء؛ قال الله تعالى: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ}تفسير : [الرعد:2] يعنى القضاء. العاشر: الوحي؛ قال الله تعالى: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ}تفسير : [السجدة:5] يعني الوحي. الحادي عشر: أمر الخلق؛ قال الله تعالى: {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ}تفسير : [الشورى:53]. الثاني عشر: النصر، قال الله تعالى: {أية : يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلأَمْرِ مِن شَيْءٍ}تفسير : [آل عمران:154] يعنون: النصر، {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ}تفسير : [آل عمران:154] يعني النصر. الثالث عشر: الذنب؛ قال الله تعالى: {أية : فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا}تفسير : [الطلاق:9] يعنى جزاء ذنبها. الرابع عشر: الشأن والفعل، قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ}تفسير : [هود:97] لعله: وشأنه. قوله تعالى: "فيكون" الجمهور على رفعه، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مستأنفاً أي خبراً لمبتدأ محذوف أي: فهو يكون، ويعزى لسيبوبه، وبه قال الزَّجَّاج في أحد قوليه. والثاني: أن يكون معطوفاً على "يقول"، وهو قول الزَّجاج والطبري، ورد ابن عطية هذا القول، وقال: إنه خطأ من جهة المعنى؛ لأنه يقتضي أن القول مع التَّكوين والوجود. انتهى. يعني أن الأمر قديم والتكوين حادث فكيف يعطف عليه بما يقتضي تعقيبه له؟ وهذا الرد إنما يلزم إذا قيل بأن الأمر حقيقة. أما إذا قيل بأنه على سبيل التمثيل، وهو [الأصح] فلا. ومثله قوله أبي النجم: [الرجز] شعر : 757ـ إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الْحَقي تفسير : الثالث: أن يكون معطوفاً على "كن" من حيث المعنى، وهو قول الفارسي، وضَعَّفَ أن يكون عطفاً على "يقول"؛ لأن من المواضع ما ليس فيه "يقول" كالموضع الثاني في "آل عمران"، وهو {أية : ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران:59] ولم ير عطفه على "قال" من حيثُ إنه مضارع، فلا يعطف على ماضي، فأورد على نفسه: [الكامل] شعر : 758ـ وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لاَ يَعْنِينِي تفسير : فقال: "أَمُرُّ بمعنى مَرَرْتُ". قال بعضهم: ويكون في هذه الآية ـ يعني في آية "آل عمران"، بمعنى "كان" فَلْيَجُزْ عَطْفُهُ على "قال". وقرأ ابن عامر: "فيكونَ" نصباً هنا، وفي الأولى من "آل عمران"، وهي {كُن فَيَكُونُ}، تحرزاً من قوله تعالى: {أية : كُن فَيَكُونُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ}تفسير : [آل عمران:59 ـ 60]. وفي مريم: {أية : كُن فَيَكُونُ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ}تفسير : [مريم:35 ـ 36]. وفي غافر: {أية : كُن فيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَادِلُونَ}تفسير : [غافر:68 ـ 69]. ووافقه الكسائي على ما في "النحل" و"يس". وهي: {أية : أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [يس:82]. أما آيتا "النحل" و "يس" فظاهرتان: لأن ما قبل الفعل منصوباً يصح عطفه عليه، وسيأتي. وأما ما انفرد به ابن عامر في هذه المواضع الأربعة، فقد اضطرب كلام النَّاس فيها، وهي لَعَمْري تحتاج إلى فضل نظر وتأمل، ولذلك تجرأ بعض الناس على هذا الإمام الكبير، فقال ابن مجاهد: قرأ ابن عامر: "فَيَكُونَ" نصباً، وهذا غير جائز في العربية؛ لأنه لا يكون الجواب هنا للأمر بالفاء إلاَّ في "يس" و"النحل"، فإنه نسق لا جواب. وقال في "آل عمران": قرأ ابن عامر وحده: "كُنْ فَيَكُونَ" بالنصب وهو وَهَمٌ. قال: وقال هشام: كان أيوب بن تميم يقرأ: "فَيَكُونَ" نصباً، ثم رجع فقرأ: "يَكُونُ" رفعاً. وقال الزجاج: "كُنْ فَيَكُونُ" رفع لا غير. وأكثر ما أجابوا بأن هذا مما روعي فيه ظاهر اللَّفظ من غير نظر للمعنى، يريدون أنه قد وجد في اللفظ صورة أمر فَنُصِبَتا في جوابه بالفاء. وأما إذا نظرنا إلى جانب المعنى، فإن ذلك لا يصح لوجهين: أحدهما: أن هذا وإن كان بلفظ الأمر، فمعناه الخبر نحو: {أية : فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [مريم:75]. أي فيمدّ، وإذا كان معناه الخبر، لم ينتصب في جوابه بالفاء إلا ضرورة؛ كقوله: [الوافر] شعر : 759ـ سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ وَأََلْحَقُ بِالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 760ـ لَنَا هَضْبَةٌ لاَ يَنْزِلُ الذُّلُّ وَسْطَهَا وَيأْوِي إلَيْهَا المُسْتَجِيرُ فَيُعْصَمَا تفسير : والثاني: أن من شرط النصب بالفاء في جواب الأمر أن ينعقد منهما شرط وجزاء نحو: "ائتني فأكرمك" تقديره: "إن أتيتني أكرمتك". وها هنا لا يصح ذلك إذ يصير التقدير: إن تكن تكن، فيتحد فعلا الشرط والجزاء معنى وفاعلاً، وقد علمت أنه لا بد من تغايرهما، وإلا يلزم أن يكون الشيء شرطاً لنفسه وهو مُحَال، قالوا: والمُعَاملة اللفظية، واردةٌ في كلامهم نحو: {أية : قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ}تفسير : [إبراهيم:31] {أية : قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ}تفسير : [الجاثية:14]. وقال عمر بن أبي ربيعة: [الطويل] شعر : 761ـ فَقُلْتُ لجَنَّادٍ خُذِ السَّيْفَ وَاشْتَمِلْ عَلَيْهِ بِرِفْقٍ وَارْقُبِ الشَّمْسَ تَغْرُبِ وَأَسْرِجْ لِيَ الدَّهْمَاءَ وَاذْهَبْ بِمِمْطَرِي ولاَ يَعْلَمَنْ خَلْقٌ مِنَ النَّاسِ مَذهَبِي تفسير : فجعل "تَغْرُب" جواباً لـ "ارقب" وهو غير مترتِّب عليه، وكذلك لا يلزمُ من قوله أَنْ يفعلوا، وإنما ذلك مُرَاعاة لجانب اللفظ. أما ما ذكره في بيت عمر فصحيح. وأما الآيات فلا نسلم أَنَّه غير مترتب عليه؛ لأنه أراد بالعباد الخُلّص، وبذلك أضافهم إليه. أو تقولُ: إن الجزمَ على حَذْفِ لامِ الأمر، وسيأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال ابن مالك: "إنَّ" "أنْ" الناصبةَ قد تُضْمر بعد الحَصْر بـ "إنما" اختياراً، وحكاه عن بعض الكوفيين. قال: وحكوا عن العرب: إنما هي ضربة من الأسد فتحطمَ ظهره بنصب "تحطم"، فعلى هذا يكون النَّصْب في قراءة ابن عامر محمولاً على ذلك إلاَّ أنَّ هذا الذي نصبوه دليلاً لا دليل فيه لاحتمال أن يكون من باب العطف على الاسم تقديره: إنما هي ضَرْبَة فَحَطم؛ كقوله: [الوافر] شعر : 762ـ لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ تفسير : فصل في تحرير كلمة كن قال ابن الخطيب: اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُن فَيَكُونُ} هو أنه ـ تعالى ـ يقول له: "كُن"، فحينئذ يتكون ذلك الشيء، فإن ذلك فاسد، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن قوله تعالى: "كُن" إما أن يكون قديماً أو محدثاً، والقسمان فاسدان، فبطل القول بتوقّف حدوث الأشياء على "كُن" إنما قلنا إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه: الأول: أن كلمة "كُن" لفظة مركّبة من الكاف والنون بشرط تقدّم الكاف على النون فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد، يجب أن يكون محدثاً. الثاني: أن كلمة "إذا" لا تدخل إلا على الاستقبال، فذلك القضاء لا بد وأن يكون محدثاً؛ لأنه دخل عليه حرف إذا وقوله: "كُن" مرتّب على القضاء بـ "فاء" التعقيب؛ لأنه قال: {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن} والمتأخر عن المحدث محدث، فاستحال أن يكون "كُن" قديماً. الثالث: أنه ـ تعالى ـ رتّب تكوين المخلوق على قوله: "كُن" بـ "فاء" التعقيب، فيكون قوله: "كُن" مقدماً على تكوين المخلوق بزمان واحد، والمتقدم على المحدث بزمان واحد لا بد وأن يكون محدثاً، فقوله: "كُن" لا يجوز أن يكون قديماً، ولا جائز أيضاً أن يكون قوله: "كُن" محدثاً؛ لأنه لو افتقر كل محدث إلى قوله: "كُن"،وقوله "كُن" أيضاً محدث، فيلزم افتقار "كُن" إلى "كُن" آخر، ويلزم التسلسل والدور، وهما مُحَالان، فثبت بهذا الدليل أنه لا يجوز توقّف إحداث الحوادث على قوله: "كُن" وأن قوله: "كن" إن [كان] خطاباً له حال وجوده، فتحصيل للحاصل، قاله أبو الحسن الماوردي. قال القرطبي رحمه الله: والجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أنه خبر من الله ـ تعالى ـ عن نفوذ أوامره في خلقه، كما في بني إسرائيل أن يكونوا قِرَدَةً خاسئين، ولا يكون هذا في إيجاد المعدومات. الثاني: أن الله ـ تعالى ـ عالم بما هو كائن قبل كونه، فكانت الأشياء التي لم تكن كائنة لعلمه بها قبل كونها مشابهة للتي هي موجودة، فجاز أن يقول لها: كوني، ويأمرها بالخروج من حال العدم إلى حال الوجود؛ لتصير جميعها له، ولعلمه بها في حال العدم. الثالث: أن ذلك خبر من الله ـ تعالى ـ عام عن جميع ما يحدث ويكوِّنه، إذا أراد خلقه وإنشاءه كان ووجد من غير أن يكون هناك قول يقوله، وإنما هو قضاء يريده، فعبر عنه بالقول وإن لم يكن قولاً، كقول أبي النَّجْم: [الرجز] شعر : 763ـ إذْ قَالَتِ الأَنْسَاعُ لِلْبَطْنِ الحَقِي تفسير : ولا قول هناك، وإنما أراد أن الظهر قد لحق بالبطن. وكقول عمرو بن هممة الدَّوْسِيّ: [الطويل] شعر : 764ـ فَأَصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طَارَتْ فِرَاخُهُ إِذَا رَامَ تَطْيَاراً يُقَالُ لَهُ: قَعِ تفسير : وقال الآخر: [الرجز] شعر : 765ـ قَالَتْ جَنَاحَاهُ لِسَاقَيْهِ الحَقَا وَنَجِّيَا لَحْمَيْكُمَا أَنْ يُمْزَقَا تفسير : الحجة الثانية: أنه تعالى إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود، أو حال دخوله في الوجود، والأول باطل؛ لأن خطاب المعدوم حال عدمه سَفَه. والثاني أيضاً باطل؛ لأنه يرجع حاصله إلى أنه ـ تعالى ـ أمر الموجود بأن يصير موجوداً، وذلك أيضاً لا فائدة فيه. الحجة الثالثة: أن المخلوق قد يكون جماداً، وتكليف الجماد عبث، ولا يليق بالحكيم. الحجة الرابعة: أن القادر هو الذي يصحّ منه الفعل وتركه بحسب الإرادات، فإذا فرضنا القادر المريد منفكًّا عن قوله: "كُن" فإما أن يتمكّن من الإيجاد والإحداث، أو لا يتمكّن، فإن تمكن لم يكن الإيحاد موقوفاً على قوله "كن"، وإن لم يتمكن فحينئذ يلزم ألاَّ يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ "كن" فيرجع حاصل الأمر إلى أنكم سمّيتم القدرة بـ "كن" وذلك نزاع لفظي. الحجة الخامسة: أن "كُن" كلمة لو كان لها أثر في التكوين لكنا إذا تكلمنا بهذه الكلمة وجب أن يكون لها ذلك التأثير ولما علمنا بالضرورة فساد ذلك علمنا أنه لا تأثير لهذه الكلمة. الحجة السادسة: أن لفظة "كُن" ككلمة مركبة من الكاف والنون، بشرط كون الكاف متقدماً على النون، فالمؤثر إما أن يكون هو أحد هذين الحرفين أو مجموعهما؛ فإن كان الأول لم يكن لكلمة "كُن" أثر ألبتة بل التأثير لأحد هذه الحرفين، وإن كان الثَّاني فهو مُحَال؛ لأنه لا وجود لهذا المجموع ألبتة؛ لأنه حين حصل الحرف الأول لم يكن الثَّاني حاصلاً، وحين جاء الثَّاني فقد فات الأول، وإن لم يكن للمجموع وجود ألبتة استحال أن يكون للمجموع أثر ألبتة. الحجة السابعة: قوله تعالى: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}تفسير : [آل عمران:59] بين أن قوله "كُن" متأخر عن خلقه، إذ المتأخر عن الشَّيء لا يكون مؤثراً في المتقدم عليه، فعلمنا أنه لا تأثير لقوله: "كُن" في وجود الشيء، فظهر بهذه الوجوه فساد هذا المذهب، فإذا ثبت هذا فنقول: لا بد من التأويل وهو من وجوه: الأول: أن المراد من هذه الكلمة سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه ـ تعالى ـ يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة. الثاني: قال أبو الهُذَيل: إنه علامة يفعلها الله ـ تعالى ـ للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً. الثالث: قال الأصم: إنه خاصٌّ بالموجودين الذين قال لهم: {أية : كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ}تفسير : [البقرة:65]، ومن جرى مجراهم. الرابع: أنه أمر للأحياء بالموت، وللموتى بالحياة. والكل ضعيف، والقوي هو الأول. وقال الطبري رحمه الله: التكوين مع الأمر لا يتقدم الموجود، ولا يتأخر عنه، فلا يكون الشيء مأموراً بالوجود إلاّ وهو موجود بالأمر، ولا موجود إلا وهو مأمور بالوجود، ونظيره قيام الناس من قبورهم لا يتقدم دعاء الله تعالى ولا يتأخر عنه كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ ٱلأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ}تفسير : [الروم:25]. قال القرطبي رحمه الله تعالى: وتلخيص المعتقد في هذه الآية: أن الله ـ عز وجل ـ لم يزل آمراً للمعدومات بشرط وجودها، قادراً مع تأخّر المقدورات، عالماً مع تأخر المعلومات، فكل ما في الآية يقتضي الاستقبال، فهو بحسب المأمورات؛ إذ المحدَثَات تجيء بعد أن لم تكن. كل ما يسند إلى الله ـ تعالى ـ من قدرة وعلم، فهو قديم لم يزل والمعنى الذي تقتضيه عبارة "كُن"؛ هو قديم قائم بالذات.

السيوطي

تفسير : أخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"حديث : ‏قال الله تعالى‏:‏ كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، فإما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا‏ً‏ ". تفسير : وأخرج البخاري وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : يقول الله‏:‏ كذبني ابن آدم ولم ينبغ له أن يكذبني، وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني، أما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أوّل الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الله الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد‏‏ ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن مردويه والبيهقي عن أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله‏.‏ إنهم يجعلون له ولداً، ويشركون به وهو يرزقهم ويعافيهم ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن غالب بن عجرد قال‏:‏ حدثني رجل من أهل الشام قال‏:‏ بلغني أن الله لما خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر لم يكن في الأرض شجرة يأتيها بنو آدم إلا أصابوا منها ثمرة، حتى تكلم فجرة بني آدم بتلك الكلمة العظيمة قولهم ‏ {‏اتخذ الله ولدا‏ً} ‏ فلما تكلموا بها اقشعرت الأرض وشاك الشجر‏.‏ وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ‏{‏وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه‏} ‏ قال‏:‏ إذا قالوا عليه البهتان سبح نفسه‏.‏ أما قوله تعالى:‏ {‏سبحانه‏}‏ ‏.‏ أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والمحاملي في أماليه عن ابن عباس في قوله ‏ {‏سبحان الله‏}‏ قال‏:‏ تنزيه الله نفسه عن السوء‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"حديث : ‏أنه سئل عن التسبيح أن يقول الإِنسان سبحان الله‏؟‏ قال‏: براءة الله من السوء‏.‏ وفي لفظ‏:‏ انزاهه عن السوء مرسل‏ "‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير والديلمي والخطيب في الكفايه من طرق أخرى موصولاً عن موسى بن طلحه بن عبيد الله عن أبيه عن جده طلحه بن عبيد الله قال ‏‏حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير ‏ {‏سبحان الله‏} ‏ قال‏:‏ هو تنزيه الله من كل سوء ‏ ". تفسير : وأخرج ابن مردويه من طريق سفيان الثوري عن عبد الله بن عبيد الله بن موهب أنه سمع طلحة قال ‏"‏حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ‏{‏سبحان الله‏}‏ قال‏:‏ تنزيه الله عن كل سوء‏ ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران‏.‏ أنه سئل عن ‏{‏سبحان الله‏}‏ فقال‏:‏ اسم يعظم الله به ويحاشى عن السوء‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس أن ابن الكواء سأل علياً عن قوله ‏ {‏سبحان الله‏} ‏ فقال علي‏:‏ كلمة رضيها الله لنفسه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال ‏ {‏سبحان الله‏}‏ اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلوه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن يزيد بن الأصم قال‏:‏ جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنه فقال‏:‏ لا إله إلا الله نعرفها أنه لا إله غيره، والحمد لله نعرفها أن النعم كلها منه وهو المحمود عليها، والله أكبر نعرفها أنه لا شيء أكبر منه، فما سبحان الله‏؟‏ فقال ابن عباس‏:‏ وما تنكر منها‏.‏‏.‏‏.‏‏؟‏‏!‏ هي كلمة رضيها الله لنفسه وأمر بها ملائكته، وفرغ إليها الأخيار من خلقه‏.‏ أما قوله تعالى‏:‏ ‏ {‏كل له قانتون‏}‏ . أخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن حبان والطبراني في الأوسط وأبو نصر السجزي في الإِبانة وأبو نعيم في الحلية والضياء في المختارة عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏حديث : كل حرف في القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طرق عن ابن عباس في قوله ‏ {‏قانتون‏}‏ قال‏:‏ مطيعون‏.‏ وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس‏.‏ أن نافع ابن الأزرق سأله عن قوله ‏{‏كل له قانتون‏}‏ قال‏:‏ مقرون‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول عدي بن زيد‏:‏ شعر : قانتاً لله يرجو عفوه يوم لا يكفر عبد ما ادخر تفسير : وأخرج ابن جرير عن عكرمة ‏ {‏كل له قانتون‏} ‏ قال‏:‏ مقرون بالعبودية‏.‏ وأخرج ابن جرير عن قتادة ‏ {‏كل له قانتون‏} ‏أي مطيع مقر بأن الله ربه وخالقه‏.‏

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ}. مَكَرَ بهم لم يُفْنِهم - من الإفناء - في الحال، بل جعل موجب اغترارهم طول الإمهال، فنطقوا بعظيم الفِرْية على الله، واستنبطوا عجيب المِرْية في وصف الله، فوصفوه بالولد! وأنَّى بالولد وهو أحدي الذات؟! لا حدَّ لذاتِه، ولا تجوز الشهوة في صفاته. قوله جلّ ذكره: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}. أي ليس في الكون شيء من الآثار المفتقرة أو الأعيان المستقلة إلا وتنادي عليه آثار الحِلْقَة، وتفصح منه شواهد الفطرة، وكل صامتِ منها ناطق، وعلى وحدانيته - سبحانه - دليلٌ وشاهد.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقالوا} نزلت لما قالت اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله ومشركوا العرب الملائكة بنات الله فضمير قالوا راجع الى الفرق الثلاث المذكورة سابقا اما اليهود والنصارى فقد ذكروا صريحا واما المشركون فقد ذكروا بقوله تعالى {أية : كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم} تفسير : [البقرة: 113] اى قال اليهود والنصارى وما شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون {اتخذ الله ولدا} الاتخاذ بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى الا الى واحد واما بمعنى التصيير والمفعول الاول محذوف اى صير بعض مخلوقاته ولدا وادعى انه ولده لا انه ولده حقيقة وكما يستحيل عليه تعالى ان يلد حقيقة كذا يستحيل عليه تعالى التبنى واتخاذ الولد فنزه الله تعالى نفسه عما قالوا فى حقه فقال {سبحانه} تنزيهه والاصل سبحه سبحانا على انه مصدر بمعنى التسبيح وهو التنزيه اى منزه عن السبب المقتضى للولد وهو الاحتياج الى من يعينه فى حياته ويقوم مقامه بعد مماته وعما يقتضيه الولد وهو التشبيه فان الولد لا يكون الا من جنس والده فكيف يكون للحق سبحانه ولد وهو لا يشبهه شئ: قال فى المثنوى شعر : لم يلد لم يولداست او از قدم نى بدر دارد نه فرزند و نه عم تفسير : {بل له ما فى السموات والارض} رد لما قالوه واستدلال على فساده فان الاضراب عن قول المبطلين معناه الرد والانكار. وفى الوسيط بل اى ليس الامر كما زعموا والمعنى انه خالق ما فى السموات والارض جميعا الذى يدخل فيه الملائكة وعزير والمسيح دخولا اوليا فكان المستفاد من الدليل امتناع ان يكون شئ ما مما فى السموات والارض ولدا سواء كان ذلك ما زعموا انه ولد له ام لا {كل} اى كل ما فيهما كائنا ما كان من اولى العلم وغيرهم {له} اى لله سبحانه وتعالى {قانتون} منقادون لا يمتنع شئ منهم على مشيئته وتكوينه وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته فلا يكون له ولد لانه من حق الولد ان يجانس والده وانما عبر عن جميع الموجودات اولا بما يعبر به عن غير ذوى العلم وعبر عنه آخر بما يختص بالعقلاء وهو لفظ قانتون تحقيرا لشأن العقلاء الذين جعلوه ولدا لله سبحانه.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: هذه الجملة معطوفة على قوله: {وقالت اليهود...} الخ، ومن قرأ بغير واو جعلَها مستأنفة، و {بديع}: بمعنى مُبدِع، والإبداع: اختراع الشيء من غير تقدم شيء. وقوله: {كن فيكون} قَدَّره سبيويه: فهو يكون، وقرأ ابن عامر بنصب المضارع، ولَحَّنه بعضُهم؛ لأن المنصوبَ في جواب الأمر لا بد أن يصلح جواباً لشرطه، تقول: اضرب زيداً فيستقيم، أي: إن تضربه يستقيم. ولا يصلح أن تقول هنا: إن يكن يكن، وقد يجاب بحمله على المعنى، والتقدير: إن قلت كن يكن. يقول الحقّ جلّ جلاله: وقالت اليهود والنصارى والمشركون: {اتخذ الله ولدا} تعالى الله عن قولهم، وتنزه عن ذلك؛ لأنه يقتضي الجنسية والمشابهة والاحتياج، والحق منزَّهٌ عن ذلك. بل كل ما استقر في السماوات السبع والأرَضين السبع ملكه وعبيده، فكيف يكون العبد ولداً لمالكه؟. وأيضاً كل ما ظهر في الوجود كله قانت، أي: خاضع ومطيع لله، وعابد له، ومقهور تحت حكمه ومشيئته، وذلك مُنافٍ لحال البُنوة. وأيضاً: كل ما دخل عالم التكوين فهو مُبْدَع ومَخترَع لله، ومصنوع من مصنوعات الله، فلا يصح أن يكون ولداً، وأيضاً: الولد يحتاج إلى صاحبة ومعالجة ومهلة، والحق تعالى أمره بين الكاف والنون، بل أسرع من لحظ العيون، فإذا {قضى أمراً} أي: أراده، {فإنما يقول له كن فيكون}، لا يتوقف على لفظة {كن}، وإنما هو كناية عن سرعة الاقتدار. قال البيضاوي: واعلم أن السبب في هذه الضلالة أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى، باعتبار أنه السبب الأول، حتى قالوا: إن الأب هو الرب الأصغر، والله تعالى هو الرب الأكبر، ثم ظنّ الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليداً، ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقاً حسماً لمادة الفساد. هـ. الإشارة: اعلم أنك إذا نظرت بعين البصيرة، أو بحق البصيرة، إلى الوجود بأسره، وجدته ذاتاً واحدة، ونسبته من الحق نسبة واحدة، أنوار ظاهرة، وأسرار باطنة، حكمته ظاهرة، وقدرته باطنة حسن ظاهر، ومعنى باطن، عبودية ظاهرية، وأسرار معاني الربوبية باطنة؛ إذا لا قيام للعبودية إلا بأسرار معاني الربوبية، قال تعالى:{أية : إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولاَ}تفسير : [فَاطِر: 41]، وقال تعالى:{أية : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}تفسير : [النُّور: 35]، وقال في الحكم: "الأكوان ظاهرها غرة وباطنها عبرة، فالنفس تنظر إلى ظاهر بهجتها، والقلب ينظر إلى باطن عبرتها". فأهل الفَرْقِ يثبتون الأشياء مستقلة مع الله، وربما تغالى بعضهم فأشركها معه في الألوهية، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. قال محيي الدين الحاتمي: من رأى الخلق لا فعلَ لهم فقد فاز، ومن رآهم لا حياة لهم فقد جاز، ومن رآهم بعين العدم فقد وصل. هـ. قلت: ومن أثبتهم بالله فقد تمكن وصاله، وأنشدوا: شعر : مَن أبصرَ الخلقَ كالسرابِ فقَد تَرقَّى عن الحجابِ إلى وُجودٍ تراهُ رتقا بِلاَ ابتعادٍ ولا اقْتِرابِ ولم تُشَاهِدْ به سواهُ هناك تهدي إلى الصوابِ فَلا خِطابَ بِه إليهِ وَلا مُشِيرَ إلى الخطابِ تفسير : هـ. ولما قال رافع بن حريملة - من أحبار يهود - للرسول صلى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله إن كنت رسوله، أو أرنا آية تصدقك.

الطوسي

تفسير : القراءة: قرأ ابن عامر وحده: "قالوا" بلا واو. المعنى: والمعنى بهذه الآية النصارى وقال قوم: النصارى، ومشركوا العرب معاً، من حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وقالت النصارى: المسيح بن الله ـ هذا قول الزجاج. ـ وفي هذه الآية دلالة على انه لا يجوز الولد على وجه من الوجوه، لأنه اذا كان جميع ما في السماوات والارض ملكا له، فالمسيح عبد مربوب، وكذلك الملائكة المقربون، لان الولد لا يكون إلا من جنس الوالد، ولا يكون المفعول إلا من جنس الفاعل، وكل جسم فعل لله فلا مثل له ولا نظير على وجه من الوجوه (تعالى الله) عن صفات المخلوقين. وقوله: {كل له قانتون}. الاصل في القنوت الدوام. وينقسم اربعة اقسام: الطاعة، كقوله: {كل له قانتون} أي مطيعون والقنوت الصلاة كقوله: {أية : يامريم اقنتي لربك واسجدي واركعي}.تفسير : والقنوت: طول القيام. وروي عن جابر بن عبد الله قال: سئل النبي (صلى الله عليه وسلم) أي الصلاة أفضل فقال:حديث : طول القنواتتفسير : . ويكون القنوت السكوت، كما قال زيد بن ارقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت {أية : وقوموا لله قانتين}تفسير : فامسكنا عن الكلام. وقيل في "قانتون" ها هنا ثلاثة أقوال : [الاول] قال مجاهد: معناه مطيعون، وطاعة الكافر في سجود ظله. وقال ابن عباس: مطيعون. الثاني ـ قال السدي: كل له مطيعون يوم القيامة. وقال الربيع: كل له قائم يوم القيامة. الثالث ـ قال الحسن: كل قائم له بالشهاده عبدة. وقالت فرقة رابعة ـ وهو الاقوى ـ: كل دائم على حالة واحدة بالشهادة بما فيه من آثار الصنيعة، والدلالة على الربوبية. وزعم الفراء: انها خاصة لاهل الطاعة، بدلالة انا نجد كثيراً من الخلق غير طائعين. وعلى ما اخترناه لا يحتاج إلى التخصيص. اللغة: وأما القنوت في اللغة فقد يكون بمعنى الطاعة. تقول: قنت يقنت قنوتاً، فهو قانت: اذا اطاع وقال صاحب العين: القنوت في الصلاة دعاء بعد القراءة في آخر الوتر، يدعو قائما. ومنه قوله: {أية : أمن هو قانت أناء الليل ساجداً وقائما}. تفسير : والقنوت، والدعاء: قيام في هذا الموضع. وقيل في قوله: {أية : وقوموا لله قانتين} تفسير : أي خاشعين. وقال ابن دريد: القنوت: الطاعة. وقال ابو عبيدة: القانتات: الطائعات، والقنوت في الصلاة: طول القيام ـ على ما قاله المفسرون ـ في قوله: {وقوموا لله قانتين}. واصل الباب: المداومة على الشيء.

الجنابذي

تفسير : {وَقَالُواْ} اليهود والنّصارى والمشركون {ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} حين قالوا: عزير ابن الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وهو عطفٌ على أقوالهم السّابقة واظهارٌ لحمقٍ آخر لهم {سُبْحَانَهُ} مصدر سبح كمنع بمعنى تنزّه يعنى تنزّه عن نسبة الولد والنّقائص الّلازمة منها من الحاجة والتّحديد والاثنينيّة تنزّهاً {بَل لَّهُ} من حيث انّه مصدر الكلّ ومنتهاه ومالكه {مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} اى السّماوات والارض وما فيهما فلا يكون شيء فيهما ولداً له وعلى تعميم السّماوات لسماوات الارواح والاراضى لجملة عالم الطّبع فلا يكون ممّا سوى الله ولد له فانّ الولد نسبته الى الوالد ليست نسبة المملوكيّة {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} القنوت الدّعاء والطّاعة والتّواضع وهذه شأن العبيد لا الاولاد الّذين اذا بلغوا كانوا مماثلين مجانسين للوالد.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ} ينزِّه نفسه عمَّا يقولون. ثم قال: {بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ}. أي مُقِرّون بالعبودية. وقال بعضهم: يعني اليهود والنصارى ومشركي العرب، كلٌّ لَهُ قَانِتُونَ، أي: كل له قائم بالشهادة بأنهُ عبدٌ له. وإنما خصّ المفسّر، وهو الحسن، اليهود والنصارى ومشركي العرب لأنهم هم الذين كانوا بحضرة النبي عليه السلام يومئذ. وقال في آية أخرى: (أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) تفسير : [الزخرف:87] وقال الكلبي: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي: مطيعون في الآخرة، أي فلا يقبل ذلك منهم إذا لم يكونوا آمنوا في الدنيا. قوله: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: أنه ابتدعها من غير مثال. {وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ} قبل أن يكون {كُن فَيَكُونُ}. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} وهم مشركو العرب {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللهُ أَوْ تَأْتِينَا ءَايَةٌ} هو كقوله: (أية : فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ) تفسير : [الأنبياء:5] وكقوله: (أية : أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً) تفسير : [الإِسراء:92] وكقوله: (أية : لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا) تفسير : [الفرقان:21]. قال الله: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} أي مثل قوم موسى إذ قالوا: (أية : أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً) تفسير : [النساء:153] وما سألوه من الآيات. قال الله: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي على الكفر، وهو كقوله: {أية : يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ} تفسير : [التوبة:30]، وكقوله: (أية : أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)تفسير : [الذاريات:53]. قوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} يعني محمداً عليه السلام {بِالْحَقِّ بَشِيراً} أي بشيراً بالجنة لمن أطاعك {وَنَذِيراً} أي من النار لمن عصاك. {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ} أي: لا تُسأل عنهم إذا أقمت عليهم الحجّة. وهي تقرأ على وجه آخر: (ولا تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ). فمن قرأها بالنصب قال: النبي عليه السلام كان سأل عن أُمَّة فأنزل الله: {وَلاَ تَسْألْ عَنْ أَصْحَابِ الجَحِيمِ}.

اطفيش

تفسير : {وقالوا اتخذ الله ولداً}: عطف على قالت اليهود، أو على قالت النصارى، أو على قال الذين لا يعلمون، لجواز اختلاف وجه الشبه فى المتعاطفات، أى قال الذين لا يعلمون مثل ذلك القول الصادر منهم فى اللفظ والمعنى {وقالوا اتخذ الله ولداً} مثل ذلك القول فى الخطأ كما أخطأوا فى قولهم: {لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى} كذلك أخطأ من قال: {اتخذ الله ولداً} كقولك زيد كالأسد وحاتم، أى كالأسد فى الشجاعة وكحاتم فى الجود، أو عطف على معنى فيكون، روعى معنى من فى أولئك وما بعده وفى قوله: قالوا، وروعى لفظها فى قوله منع وسعى، وكأنه قيل: من أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى فى خرابها، وقالوا اتخذ الله ولداً، أى وممن قالوا اتخذ الله ولداً أو عطف على المعنى من قوله: {ومن أظلم} فكأنه قيل ومنعوا مساجد الله وسعوا فى خرابها، وقالوا اتخذ الله له ولدا ولا أظلم ممن فعل ذلك، أولا أظلم ممن منعوها. وسعوا فى خرابها، وقالوا اتخذ الله ولداً، ويجوز كونه مستأنفاً، ويدل له قراءة ابن عامر قالوا بدون واو قبل القاف، والذين قالوا اتخذ الله ولداً هم النصارى، إذ قالوا: المسيح ابن الله، حاشا. على ما اختار بعض، وقيل اليهود إذ قالوا: عزير ابن الله، وقيل مشركو العرب إذ قالوا الملائكة بنات الله، وأقول اليهود والنصارى ومشركو العرب، فإذا هو كما قال القاضى والحسن البصرى وأبو عبدالله اللخمى فى مختصر الطبرى والحمد لله، فاليهود والنصارى مذكورون بهذين اللفظين، ومشركو العرب مذكورون بقوله كذلك {قال الذين لا يعلمون}. {سبحانه}: تنزيه لله سبحانه عن اتخاذ الولد، وفى صحيح البخارى عن ابن عباس عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: حديث : قال الله عز وجل كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمنى ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياى فزعم أنى لا أقدر أعيده كما كان، وأما شتمه إياى فقوله لى ولد، فسبحانى أن أتخذ صاحبة أو ولداً، تفسير : نفى الله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد، لأن ثبوت الولادة لله عز وجل يقتضى التشبيه والتحيز، والحلول والتركيب، والاحياج وسرعة الفناء، ألا ترى أن الأجزام الفلكية مع أنها تفنى، ومع أن وجودها ممكن غير واجب بالذات لما قضى الله عليها أن تبقى ما دامت الدنيا باقية لم يصيرها تلد بالاختيار كالحيوان، ولا بالطبع كالأرض والنبات، فإن الأرض تلد النبات، والنبات يلد نباتاً آخر، كالأغصان والثمار والبذر، فإن البذر يولد ويلد، وذكر أن القائلين عزير ابن الله يهود المدينة، والقائلين المسيح ابن الله نصارى نجران، والمشهور أن ذلك قول شائع فى اليهود والنصارى مطلقاً، والسبب فى قول اليهود والنصارى بذلك أن أسلافهم أو أصحاب الشرائع المتقدمة عليهم كانوا يطلقون الآب على الله سبحانه وتعالى، إما باعتبار أنه هو الذى وجدت به الأشياء أولا، وإما باعتبار التعظيم حتى قالوا إن الآب هو الرب الأصغر، والله سبحانه هو الرب الأكبر، فظنت الجهلة منهم أن المراد معنى الولادة، فاعتقدوا ذلك تقليداً، وحرفوا قوله تعالى فى عيسى: أنت نبى وأنا ولدتك بتقديم النون وتشديد اللام، بأن قدموا الباء وخففوا اللام، ولذلك كفر قائله وأشرك، ومنع منهم مطلقا قطعا لمادة الفساد، ولو أراد قائله التعظيم أو أنه وجدت الأشياء به، لأنه يوهم الباطل، وكذا كل لفظ يوهم الباطل كبعض اللحن، فإنه يوهم الشرك أو الكفر غير الشرك، فإنه حرام، ولو لم يعتقد الناطق به إلا الحق واللحن كله لا يجوز لمن أطاق تركه، وكان بعض البربر فى مغربنا هذا يقولون باب ربى بفتح باء باب الثانية الآب، وكذا بعض برابر فاس أو أعماله حتى نظم فيهم بعض العرب، وقال: شعر : يقولون للرحمن باب بجهلهم ومن قال للرحمن باب فقد كفر تفسير : والذى عندى أن من قال هذا لا يشرك إن لم يعتقد تشبيها ولا معنى لفظه، بل التعظيم لكونه منافق لأنه سمى الله باسم قبيح موهم. {بَل له ما فى السمٰوات والأرض}: إبطال لقولهم اتخذ الله ولداً، أو إضراب عنه واستدلال على فساده، بأن من ملك السمٰوات والأرض الذى من جملته عزير والمسيح والملائكة، لا يكون عزير والمسيح والملائكة أولاداً له، بل هم عبيد له ومماليك، والملكية تنافى الولادة، فإن الولد ليس ملكاً لوالده كما يملك العبد، ففى الآية دليل على أن من ملك ولده عتق عليه، لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك، وذلك يقتضى تنافيهما قاله القاضى، وأيضاً الولد يتخذ للحاجة إليه والانتفاع به عند عجز الوالد أو كبره والانتصار به، ودفع المكاره به والهموم، والله ـ جل وعلا ـ غنى على الإطلاق ولا يحتاج إلى شئ ولا يحلقه ضعف ولا مكروه ولا هم. {كل له قانتون}: أى كل ما فى السمٰوات والأرض قانتون لله، ومن كان بهذه الصفة من قنوت ما فى السمٰوات والأرض له لا يجانسه شئ ولا يشبهه شئ، ولا يكون نظيراً له، والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، فلم يصح أن يكون عزير والمسيح والملائكة أولاداً له، ومعنى {قانتون} منقادون لمشيئته لا يخالفون أمره، والكفار أيضاً منقادون بالأجسام والأحوال، فإن الله يتصرف فى أجسامهم بما شاء ويجرى عليهم قاضاءه، وتسجد ظلالهم فأجسامهم مقرة كغيرها بالعبودية، والقنوت لغة طول القيام، كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصلاة طول القنوت" تفسير : وأطلق هنا على الانقياد والطاعة والخضوع، ويجوز كونه بمعنى القيام، أى كل ما فى السمٰوات والأرض قائمون لشهادة أنه الواحد الأحد، المالك لهم، الفعال ما يريد، ويطلق أيضاً فى اللغة على الطاعة، وقيل {قانتون} ذليلون خاضعون، وما تقدم من تقدير ما أضيف إليه كل عاما هو الصحيح، فجمع القانت جمع مذكر السالم تغليب للعاقل وغير أولا بما مع أنها لغير العاقل تغليباً بجانب من يحقر وهو غير العاقل، لأن العقلاء كالملائكة، وعزير والمسيح محقورون أيضاً فى هذا المقام مقام ما ينسب إلى الله من الولادة، فليس فى الوجود ولا فى الإمكان شئ يصح أو يليق أن يكون ولداً له، لأن الولادة فى نفسها نقص ككائنة ما كانت، فلا يتأهل لها الملائكة ولا عزير ولا المسيح، ويجوز تقدير ما أضيف إليه كل خاصا هكذا كل من ادعوه ولداً له تعالى من عزير والمسيح والملائكة قانتون له لا لغيره، مقرون بأنهم عبيده، فكيف تثبتون الولادة لهم وهم ينفونها عن أنفسهم، ويشهدون على أنفسهم بالعبودية، فألزمهم بقوله: {كل له قانتون}، بعد ما احتج عليهم بقوله: {له ما فى السمٰوات}، وعن ابن عباس أنه يقدر خاصا بأهل الإيمان، وأن القنوت قنوت بالقلب والجوارح بالاختيار والعمد والقصد، فيكون التقدير هكذا كل المؤمنين له قانتون. وقال الكلبى التقدير كل ما فى السمٰوات والأرض قانتون، لكن قنوت الكفار وهو انقيادهم يكون فى الآخرة حيث لا ينفعهم.

اطفيش

تفسير : {وَقَالُوا} عطف على منع، أى ومن أظلم ممن منع وسعى، وقالوا، أى وممن قالوا {اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً} قالت العرب وبعض النصارى، الملائكة والجن بنات الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزير ابن الله. ومن قال بالأبوة والنبوة بمعنى الرحمة لم يجز له ذلك، لأن لفظ الكفر كفر، ولم لم يعتقد ظاهره، وإن صح أن عيسى قال بذلك على معنى الرحمن فقد قيل به على ظاهره بعده، فيكون لفظ الشرك بحكم الشرع قطعاً لمادة الشرك، وقد كان بعض بربر الغرب يقولون للرحمن باب، فقال بعض علماء المغرب: شعر : يَقُولُونَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ بِجَهْلِهِمْ وَمَنْ قَالَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ فقَدْ كَفَرْ تفسير : وأجاب بعض بأنه لا كفر، إذ لم يقصدوا الإشراك، ومن قاله ولم يرد الإشراك فليس شركا لكن ينهى عن قوله {سُبْحَٰنَهُ} نزهوه أيها المؤمنون عن الولد تنزيها، لأن الوالد له جهات وحدوث وفناء فيخلفه ولده، والله بخلاف ذلك {بَلْ لَّهُ مَا فِي السَّمَٰوٰتِ وَالأَرْضِ} من غير العقلاء، ولفظ ما هنا للأنواع، والأنواع غير عاقلة، وإنما العاقل بعض الأفراد، والمملوك والمخلوق لا يكونان ولدا ومخلوقا للخالق والمالك {كُلٌّ} مما فى السماوات والأرض، عليهما وما فيهما من أجزاء {لَّهُ قَٰنِتُونَ} عابدون عبادة يعلمها الله، أو منقادون لما أراد الله، ومن زعموه ولدا فقد أذعن للعبودية لله، وهم ممن فى السماوات والأرض فليسوا بأولاد، الآية تناسب حديث: من ملك ذا رحم، أى وكان محرما، عتق عليه، وجمع السلامة للمذكر تغليل، وتلويح بأن الجمادات وغيرها كالعقلاء فى الانقياد، أو لأن الله خلق تمييزاً للجمادات يتعبدون به، أو جمع سلامة للمذكر تغليب للعقلاء الذكور.

الالوسي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا} نزلت في اليهود حيث ـ قالوا عزيز ابن الله ـ وفي نصارى نجران حين قالوا المسيح ابن الله وفي مشركي العرب حيث قالوا ـ الملائكة بنات الله ـ فالضمير لما سبق ذكره من النصارى واليهود والمشركين الذين لا يعلمون، وعطفه على {أية : قَالَتْ ٱلْيَهُودُ } تفسير : [البقرة: 113] وقال أبو البقاء على {أية : وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ }تفسير : [البقرة: 111]. وجوز أن يكون عطفاً على {أية : مَنَعَ }تفسير : [البقرة: 114] أو على مفهوم ـ من أظلم ـ دون لفظه للاختلاف إنشائية وخبرية، والتقدير ظلموا ظلماً شديداً بالمنع، وقالوا: وإن جعل من عطف القصة على القصة لم يحتج إلى تأويل، والاستئناف حينئذٍ بياني كأنه قيل بعدما عدد من قبائحهم هل انقطع خيط إسهابهم في الافتراء على الله تعالى أم امتد؟ فقيل: بل امتد فإنهم قالوا ما هو أشنع وأفظع، و ـ الاتخاذ ـ إما بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى إلا إلى واحد، وإما بمعنى التصيير، والمفعول الأول محذوف أي صير بعض مخلوقاته ولداً، وقرأ ابن عباس وابن عامر وغيرهما (قالوا) بغير واو على الاستئناف أو ملحوظاً فيه معنى العطف، واكتفى بالضمير، والربط به عن الواو كما في «البحر» {سُبْحَـٰنَهُ} تنزيه وتبرئة له تعالى عما قالوا: بأبلغ صيغة ومتعلق ـ سبحان ـ محذوف كما ترى لدلالة الكلام عليه. {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} إبطال لما زعموه وإضراب عما تقتضيه مقالتهم الباطلة من التشبيه بالمحدثات في التناسل والتوالد، والحاجة إلى الولد في القيام بما يحتاج الوالد إليه، وسرعة الفناء لأنه لازم للتركيب اللازم للحاجة، وكل محقق قريب سريع، ولإن الحكمة في التوالد هو أن يبقى النوع محفوظاً بتوارد الأمثال فيما لا سبيل إلى بقاء الشخص بعينه مدة بقاء الدهر، وكل ذلك يمتنع على الله تعالى فإنه الأبدي الدائم والغنى المطلق المنزع عن مشابهة المخلوقات، واللام في {لَهُ} قيل للملك، وقيل: إنها كالتي في قولك لزيد ـ ضرب ـ تفيد نسبة الأثر إلى المؤثر، وقيل: للاختصاص بأي وجه كان، وهو الأظهر، والمعنى ليس الأمر كما افتروا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها ما زعموه ولداً، والخالق لكل موجود لا حاجة له إلى الولد إذ هو يوجد ما يشاء منزهاً عن الاحتياج إلى التوالد. {كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ} أي كل ما فيهما كائناً ما كان جميعاً/ منقادون له لا يستعصي شيء منهم على مشيئته وتكوينه إيجاداً وإعداماً وتغيراً من حال إلى حال، وهذا يستلزم الحدوث والإمكان المنافي للوجوب الذاتي فكل من كان متصفاً بهذه الصفة لا يكون والداً لأن من حق الولد أن يشارك والده في الجنس لكونه بعضاً منه، وإن لم يماثله، وكان الظاهر كلمة من مع {قَـٰنِتُونَ} كيلا يلزم اعتبار التغليب فيه، ويكون موافقاً لسوق الكلام فإن الكلام في العزير والمسيح والملائكة وهم عقلاء إلا أنه جاء بكلمة (ما) المختصة بغير أولي العلم كما قاله بعضهم محتجاً بقصة الزبعرى مخالفاً لما عليه الرضى من أنها في الغالب لما لا يعلم، ولما عليه الأكثرون من عمومها كما في «التلويح»، واعتبر التغليب في {قَـٰنِتُونَ} إشارة إلى أن هؤلاء الذين جعلوهم ولد الله تعالى سبحانه وتعالى في جنب عظمته جمادات مستوية الأقدام معها في عدم الصلاحية لاتخاذ الولد، وقيل: أتى بما في الأول لأنه إشارة إلى مقام الألوهية، والعقلاء فيه بمنزلة الجمادات، وبجمع العقلاء في الثاني لأنه إشارة إلى مقام العبودية، والجمادات فيه بمنزلة العقلاء. ويحتمل أن يقدر المضاف إليه كل ما جعلوه ولداً لدلالة المقول لا عاماً لدلالة مبطله، ويراد بالقنوت الانقياد لأمر التكليف كما أنه على العموم الانقياد لأمر التكوين، وحينئذ لا تغليب في {قَـٰنِتُونَ} وتكون الجملة إلزاماً بأن ما زعموه ولداً مطيع لله تعالى مقر بعبوديته بعد إقامة الحجة عليهم بما سبق، وترك العطف للتنبيه على استقلال كل منهما في الدلالة على الفساد واختلافهما في كون أحدهما حجة والآخر إلزاماً، وعلى الأول يكون الأخير مقرراً لما قبله. وذكر الجصاص أن في هذه الآية دلالة على أن ملك الإنسان لا يبقى على ولده لأنه نفى الولد باثبات الملك باعتبار أن اللام له فمتى ملك ولده عتق عليه، وقد حكم صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك في الوالد إذا ملكه ولده؛ ولا يخفى أن هذا بعيد عما قصد بالآية لا سيما إذا كان الأظهر الاختصاص كما علمت.

ابن عاشور

تفسير : الضمير المرفوع بقالوا عائد إلى جميع الفرق الثلاث وهي اليهود والنصارى والذين لا يعلمون إشارة إلى ضلال آخر اتفق فيه الفرق الثلاث. وقد قرىء بالواو (وقالوا) على أنه معطوف على قوله {أية : وقالت اليهود}تفسير : [البقرة: 113] وهي قراءة الجمهور. وقرأه ابن عامر بدون واو عطف وكذلك ثبتت الآية في المصحف الإمام الموجه إلى الشام فتكون استئنافاً كأنَّ السامع بعد أن سمع ما مر من عجائب هؤلاء الفرق الثلاث جمعاً وتفريقاً تسنى له أن يقول لقد أسمعتنا من مساويهم عجباً فهل انتهت مساويهم أم لهم مساوٍ أخرى لأن ما سمعناه مؤذن بأنها مساوٍ لا تصدر إلا عن فطر خبيثة. وقد اجتمع على هذه الضلالة الفرق الثلاث كما اتفقوا على ما قبلها، فقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال المشركون الملائكة بنات الله فتكون هاته الآية رجوعاً إلى جمعهم في قَرَن إتماماً لجمع أحوالهم الواقع في قوله: {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين}تفسير : [البقرة: 105] وفي قوله: {أية : كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم}تفسير : [البقرة: 113]. وقد ختمت هذه الآية بآية جمعت الفريق الثالث في مقالة أخرى وذلك قوله تعالى: {أية : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله}تفسير : [البقرة: 118] إلى قوله: {أية : كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم}تفسير : [البقرة: 118]. والقول هنا على حقيقته وهو الكلام اللساني ولذلك نصب الجملة وأريد أنهم اعتقدوا ذلك أيضاً لأن الغالب في الكلام أن يكون على وفق الاعْتِقَاد. وقوله: {اتخذ الله ولداً} جاء بلفظ (اتخذ) تعريضاً بالاستهزاء بهم بأن كلامهم لا يلتئم لأنهم أثبتوا ولداً لله ويقولون اتخذه الله. والاتخاذ الاكتساب وهو ينافي الولدية إذ الولدية تولد بدون صنع فإذا جاء الصنع جاءت العبودية لا محالة وهذا التخالف هو ما يعبر عنه في علم الجدل بفساد الوضع وهو أن يستنتج وجود الشيء من وجود ضده كما يقول قائل: القتلُ جناية عظيمةٌ فلا تكفَّر مثل الردة. وأصل هذه المقالة بالنسبة للمشركين ناشىء عن جهالة وبالنسبة لأهل الكتابين ناشىء عن توغلهما في سوء فهم الدين حتى توهموا التشبيهات والمجازات حقائق فقد ورد وصف الصالحين بأنهم أبناء الله على طريقة التشبيه وورد في كتاب النصارى وصف الله تعالى بأنه أبو عيسى وأبو الأمة فتلقفته عقول لا تعرف التأويل ولا تؤيد اعتقادها بواضح الدليل فظنته على حقيقته. جاء في التوراة في الإصحاح 14 من سفر التثنية «أنتم أولاد للرب إلهكم لا تخمشوا أجسامكم» وفي إنجيل متى الإصحاح 5 «طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدْعَون» وفيه «وصَلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات» وفي الإصحاح 6 «انظروا إلى طيور السماء إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن وأبوكم السماوي يقوتها» وتكرر ذلك في الأناجيل غير مرة ففهموها بسوء الفهم على ظاهر عبارتها ولم يراعوا أصول الديانة التي توجب تأويلها ألا ترى أن المسلمين لما جاءتهم أمثال هاته العبارات أحسنوا تأويلها وتبينوا دليلها كما في الحديث: «حديث : الخلقُ عيال الله» تفسير : . وقوله: {سبحانه} تنزيه لله عن شنيع هذا القول. وفيه إشارة إلى أن الوَلَدِيَّة نقص بالنسبة إلى الله تعالى وإن كانت كمالاً في الشاهد لأنها إنما كانت كمالاً في الشاهد من حيث إنها تسد بعض نقائصه عند العجز والفقر وتسد مكانه عند الاضمحلال والله منزه عن جميع ذلك فلو كان له ولد لآذن بالحدوث وبالحاجة إليه. وقوله: {بل له ما في السماوات والأرض} إضراب عن قولهم لإبطاله، وأقام الدليل على الإبطال بقوله: {له ما في السماوات والأرض} فالجملة استئناف ابتدائي وَاللام للملك و(ما في السماوات والأرض) أي ما هو موجود فإن السماوات والأرض هي مجموع العوالم العلوية والسفلية. و(ما) من صيغ العموم تقع على العاقل وغيره وعلى المجموع وهذا هو الأصح الذي ذهب إليه في «المفصل» واختاره الرضي. وقيل: (ما) تَغْلِب أو تختص بغير العقلاء ومَنْ تختص بالعقلاء وربما استعمل كل منهما في الآخر وهذا هو المشتهر بين النحاة وإن كان ضعيفاً وعليه فهم يجيبون على نحو هاته الآية بأنها من قبيل التغليب تنزيلاً للعقلاء في كونهم من صنع الله بمنزلة مساويةٍ لغيره من بقية الموجودات تصغيراً لشأن كل موجود. والقنوت الخضوع والانقياد مع خوف وإنما جاء {قانتون} بجمع المذكر السالم المختص بالعقلاء تغليباً لأنهم أهل القنوت عن إرادة وبصيرة. والمضاف إليه المحذوف بعد (كلّ) دلّ عليه قوله: {ما في السماوات والأرض} أي كل ما في السماوات والأرض أي العقلاء له قانتون وتنوين (كل) تنوين عوض عن المضاف إليه وسيأتي بيانه عند قوله تعالى: {أية : ولكل وجهة هو موليها}تفسير : [البقرة: 148] في هذه السورة. وفي قوله: {له قانتون} حجة ثالثة على انتفاء الولد لأن الخضوع من شعار العبيد أما الولد فله إدلال على الوالد وإنما يبرُّ به ولا يقنت، فكان إثبات القنوت كناية عن انتفاء الولدية بانتفاء لازمها لثبوت مُساوي نقيضه ومُساوي النقيض نقيضٌ وإثبات النقيض يستلزم نفي ما هو نقيض له. وفصل جملة {كل له قانتون} لقصد استقلالها بالاستدلال حتى لا يظن السامع أنها مكملة للدليل المسوق له قوله: {له ما في السماوات والأرض}. وقد استدل بها بعض الفقهاء على أن من ملك ولده أُعتق عليه لأن الله تعالى جعل نفي الولدية بإثبات العبودية فدل ذلك على تنافي الماهيتين وهو استرواح حسن.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}. هذا الولد المزعوم - على زاعمه لعائن الله - قد جاء مفصلاً في آيات أخر كقوله: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ذٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [التوبة: 30] وقوله: {أية : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ} تفسير : [النحل: 57] الآية.

الواحدي

تفسير : {وقالوا اتخذ الله ولداً} يعني: اليهود في قولهم: {أية : عزير ابنُ الله} تفسير : والنصارى في قولهم: {أية : والمسيح ابنُ الله} تفسير : والمشركين في قولهم: الملائكة بناتُ الله، ثمَّ نزَّه نفسه عن الولد فقال: {سبحانه بل} ليس الأمر كذلك {له ما في السموات والأرض} عبيداً وملكاً. {كلٌّ له قانتون} مطيعون: يعني: أهل طاعته دون النَّاس أجمعين. {بديع السموات والأرض} خالقهما وموجدهما لا على مثالٍ سبق. {وإذا قضى أمراً} قدَّره وأراد خلقه {فإنما يقول له كن فيكون} أَيْ: إنما يُكوِّنه فيكون، وشرطه أن يتعلَّق به أمره. [وقال الأستاذ أبو الحسن: يُكوِّنه بقدرته فيكون على ما أراد]. {وقال الذين لا يعلمون} يعني: مشركي العرب قالوا لمحمَّدٍ: لن نؤمن لك حتى {يكلّمنا الله} أنَّك رسوله {أو تأتينا آية} يعني: ما سألوا من الآيات الأربع في قوله تعالى: {أية : وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا...} تفسير : الآيات. ومعنى {لولا يكلِّمنا الله} أَيْ: هلاَّ يُكلِّمنا الله أنَّك رسوله. {كذلك قال الذين من قبلهم} يعني: كفَّار الأمم الماضية كفروا بالتَّعنُّتِ بطلب الآيات كهؤلاء {تشابهت قلوبهم} أشبه بعضها بعضاً في الكفر والقسوة ومسألة المحال {قد بيَّنا الآيات لقوم يوقنون} أَيْ: مَنْ أيقن وطلب الحقَّ فقد أتته الآيات؛ لأنَّ القرآن برهانٌ شافٍ. {إنا أرسلناك بالحق} بالقرآن والإسلام، أَيْ: مع الحقِّ {بشيراً} مُبشِّراً للمؤمنين {ونذيراً} مُخوِّفاً ومُحذِّراً للكافرين {ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم} أَيْ: لست بمسؤولٍ عنهم، وذلك أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لو أنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل بأسه باليهود لآمنوا تفسير : ،فأنزل الله تعالى هذه الآية، أَيْ: ليس عليك من شأنهم عُهدةٌ ولا تبعة. {ولن ترضى عنك اليهود...} الآية نزلت في تحويل القبلة، وذلك أنَّ اليهود والنَّصارى كانوا يرجون أنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم يرجع إلى دينهم، فلمَّا صرف الله تعالى القِبلة إلى الكعبة شقَّ عليهم، وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} يعني: دينهم وتصلِّي إلى قبلتهم {قل إنَّ هدى الله هو الهدى} أَي: الصِّراط الذي دعا إليه، وهدى إليه هو طريق الحقِّ {ولَئِنِ اتبعت أهواءهم} يعني: ما كانوا يدعونه إليه من المهادنة والإِمهال {بعد الذي جاءك من العلم} أَي: البيان بأنَّ دين الله عزَّ وجلَّ هو الإسلام وأنَّهم على الضَّلالة {مالك من الله من وليٍّ ولا نصير}.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سبحانه: تنزه وتقدس عن كل نقص ومنه أن يكون له ولد. قانتون: خاضعون مطيعون تجري عليهم أقداره وتنفذ فيهم أحكامه. بديع السماوات: مبدعها أي موجدها على غير مثال سابق. قضى أمراً: حكم بإيجاده. أو تأتينا آية: كآيات موسى وعيسى في العصا وإحياء الموتى. ولا تسأل: قرىء بالتاء للمجهول، ولا نافية والفعل مرفوع وقرىء بالبناء للمعلوم ولا ناهية والفعل مجزوم. الجحيم: دركة من دركات النار وهي أشدها عذاباً. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في ذكر أباطيل الكافرين من أهل الكتاب والمشركين والرد عليها بما يظهر زيفها ويبطلها نهائياً ففي الآيتين الأولى [116] والثانية [117] يذكر تعالى قول أهل الكتاب والمشركين في أن الله اتخذ ولداً إذا قالت اليهود العزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله وقال بعض مشركي العرب الملائكة بنات الله، ذكر تعالى قولهم اتخذ الله ولداً ثم نزّه نفسه عن هذا القول الباطل والفرية الممقوتة، وذكر الأدلة المنطقية العقلية على بطلان الدعوى. فأولاً: مِلْكِيَةُ الله تعالى لما في السماوات والأرض، وخضوع كل من فيهما لحكمه وتصريفه وتدبيره يتنافى عقلاً مع اتخاذ ولد منهم. ثانياً: قدرة الله تعالى المتجلية في إبداعه السماوات والأرض وفي قوله للشيء كن فيكون يتنافى معها احتياجه إلى الولد، وهو مالك كل شيء وربّ كل شيء وفي الآية الثالثة [118] يرد تعالى على قولة المشركين الجاهلين: {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} حيث اقترحوا ذلك ليؤمنوا ويوحدوا فأخبر تعالى أن مثل هذا الطلب طلبه مَنْ قَبْلَهُم فتشابهت قلوبهم في الظلمة والإِنتكاس، فقد قال اليهود لموسى أرنا الله جهرة، أما رؤية الله وتكليمه إياهم فغير ممكن في هذه الحياة حياة الامتحان والتكليف ولذا لم يجب إليه أحداً من قبلهم ولا من بعدهم، وأما الآيات فما أنزل الله تعالى وَبَيَّنَهُ في كتابه من الآيات الدالة على الإِيمان بالله ووجوب عبادته وتوحيده فيها، وعلى صدق نبيه في رسالته ووجوب الإِيمان به واتباعه كاف ومغنٍ عن أية آية مادية يريدونها، ولكن القوم لكفرهم وعنادهم لم يروا في آيات القرآن ما يهديهم وذلك لعدم إيقانهم، والآيات يراها وينتفع بها الموقنون لا الشاكون المكذبون. وفي الآية الرابعة [119] يخفف تعالى على نبيّه هَمَّ مطالبة المشركين بالآيات بأنه غير مكلف بهداية أحد ولا ملزم بإيمان آخر، ولا هو مسئول يوم القيامة عمن يدخل النار من الناس، إذ مهمته محصورة في التبشير والإِنذار تبشير من آمن وعمل صالحاً بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وإنذار من كفر وعمل سوءاً بدخول النار والعذاب الدائم فيها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- حرمة نسبة أي شيء إلى الله تعالى بدون دليل من الوحي الإِلهي إذ أنكر تعالى نسبة الولد إليه أنكره على أهل الكتاب والمشركين معا. 2- تشابه قلوب أهل الباطل في كل زمان ومكان لاستجابتهم للشيطان وطاعتهم له. 3- لا ينتفع بالآيات إلا أهل اليقين لصحة عقولهم وسلامة قلوبهم. 4- على المؤمن أن يدعو إلى الله تعالى، وليس عليه أن يهدى، إذ الهداية بيد الله، وأما الدعوة فهي في قدرة الإِنسان، وهو مكلّف بها.

القطان

تفسير : قانتون: خاضعون، طائعون. بديع السماوات: مبدعها، خالقها ومخترعها. في هاتين الآيتين انتقال الى موضوع جديد، هو نسبة الولد الى الله، فقد قال اليهود: عُزَير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقال المشركون قديما: الملائكة بنات الله. وهنا ينفي سبحانه هذا كله فيقول: ان له كل ما السماوات والأرض، ومن كان هذا شأنه، وجميع ما في الكون مسخر لأمره، فهو ارفع من ان يحتاج الى نسل او يتخذ ولدا. وكيف يتخذ ولدا من أبدع هذا الكون العجيب بما فيه من سماوات وأرض ونجوم وكواكب، وقد اذعن كل ما فيه لإرادته، واذا أراد أمراً فاما يقول له: كن فيكون؟؟

د. أسعد حومد

تفسير : {سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {قَانِتُونَ} (116) - رَدَّ اللهُ تَعَالَى بِهذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَى النَّصَارَى الذِينَ ادَّعَوْا أَنَّ المَسِيحَ هُوَ ابْنُ اللهَ، وَعَلَى فِئَةٍ مِنَ اليَهُودِ ادَّعَتْ أَنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللهِ، وَعَلَى فِئَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ ادَّعَتْ أَنَّ المَلائِكَةَ بَنَاتُ اللهِ، فَكَذَّبَهُمْ جَمِيعاً فِي دَعَاوَاهُمْ، تَنَزَّهَ اسْمُُهُ وَتَقَدَّسَ، فَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا افْتَرَوْا وَكَذَبُوا، وَإِنَّمَا هُوَ إِله وَاحِدٌ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ, وَلاَ وَلَدٌ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَجَميعُ مَنْ فِيهِنَّ مُقِرٌّ لَهُ بالعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ. قَانِتُونَ - مُقِرُّونَ للهِ بِالعُبُودِيَّةِ وَالطَّاعَةِ. سَبْحَانَهُ - تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بَيَّنَ الله سبحانه وتعالى أن له كل شيء في الكون لا يشغله شيء عن شيء .. أراد أن يرد على الذين حاولوا أن يجعلوا لله معيناً في ملكه .. الذين قالوا اتخذ الله ولداً .. الله تبارك وتعالى رد عليهم أنه لماذا يتخذ ولداً وله ما في السماوات والأرض كل له قانتون .. وجاء الرد مركزاً في ثلاث نقاط .. قوله تعالى: "سبحانه" أي تنزه وتعالى أن يكون له ولد .. وقوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 116] .. فإذا كان هذا ملكه وإذا كان الكون كله من خلقه وخاضعاً له فما حاجته للولد؟ وقوله سبحانه: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .. أي كل من في السماوات والأرض عابدون لله جل جلاله مقرون بألوهيته. قضية إن لله سبحانه وتعالى ولداً جاءت في القرآن الكريم تسع عشرة مرة ومعها الرد عليها .. ولأنها قضية في قمة العقيدة فقد تكررت وتكرر الرد عليها مرة بعد أخرى .. وإذا نظرت للذين قالوا ذلك تجد أن هناك أقوالاً متعددة .. هناك قول قاله المشركون .. واقرأ القرآن الكريم: {أية : أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ عَلَىٰ ٱلْبَنِينَ} تفسير : [الصافات: 151-153]. وقول اليهود كما يروي لنا القرآن: {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [التوبة: 30]. وقول النصارى: {أية : وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ..} تفسير : [التوبة: 30]. ثم في قصة خلق عيسى عليه السلام من مريم بدون رجل .. الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ ٱلسَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً} تفسير : [مريم: 88-93]. والله سبحانه وتعالى يريدنا أن نعرف أن هذا ادعاء خطير مستقبح مستنكر وممقوت .. لقد عالجت سورة مريم المسألة علاجاً واسعاً .. علاجاً اشترك فيه انفعال كل أجناس الكون غير الإنسان .. انفعال السماوات والأرض والجبال وغيرها من خلق الله التي تلعن كل من قال ذلك .. بل وتكاد شعوراً منها بفداحة الجريمة أنْ تنفطر السماء أي تسقط قطعاً صغيرة .. وتنشق الأرض أي تتمزق .. وتخر الجبال أي تسقط كتراب .. كل هذا من هول ما قيل ومن كذب ما قيل .. لأن هذا الادعاء افتراء على الله. ولقد جاءت كل هذه الآيات في سورة مريم التي أعطتنا معجزة خلق عيسى .. كما وردت القضية في عدة سور أخرى. والسؤال هنا ما هي الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله؟ ما الذي جعلهم يلجأون إلى هذا الافتراء؟ القرآن يقول عن عيسى بن مريم .. كلمة الله ألقاها إلى مريم .. نقول لهم كلنا كلمة "كن". لماذا فتنتم في عيسى ابن مريم هذه الفتنة؟ والله سبحانه وتعالى يشرح المسألة فيقول: {أية : إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 59]. قوله كمثل آدم لمجرد مجاراة الخصم .. ولكن المعجزة في آدم أقوى منها في عيسى عليه السلام .. أنتم فتنتم في عيسى لأن عنصر الأبوة ممتنع .. وآدم امتنع فيه عنصر الأبوة والأمومة .. إذن فالمعجزة أقوى .. وكان الأولى أن تفتنوا بآدم بدل أن تفتنوا بعيسى .. ومن العجيب أنكم لم تذكروا الفتنة في آدم وذكرتم الفتنة فيما فيه عنصر غائب من عنصرين غائبين في آدم .. وكان من الواجب أن تنسبوا هذه القضية إلى آدم ولكنكم لم تفعلوا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم .. قال له الله إن القضية ليست قضية إنكار ولكنها قضية كاذبة .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81]. أي لن يضير الله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد .. ولكنه جل جلاله لم يتخذ ولداً .. فلا يمكن أن يعبد الناس شيئاً لم يكن لله .. وإنما ابتدعوه واختلقوه .. الله جل جلاله يقول: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 116] .. قوله تعالى: {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 116] تعطي الله سبحانه وتعالى الملكية لكل ما في الكون .. والملكية تنافي الولدية .. لماذا؟ لأن الملكية معناها أن كل ما في الكون من خلق الله .. كل شيء هو خالقه بدون معارض .. وما دام هو خالقه وموجده .. فلا يمكن أن يكون هذا الشيء جزءاً منه .. لأن الذي يخلق شيئاً يكون فاعلاً .. والفاعل له مفعول .. والمفعول لا يكون منه أبداً .. هل رأيت واحداً صنع صنعة منه؟ الذي يصنع سيارة مثلاً .. هل صنعها من لحمه أو من لحم البشر؟ وكذلك الطائرة والكرسي والساعة والتليفزيون .. هل هذه المصنوعات من جنس الذي صنعها؟ طبعاً لا. إذن ما دام ملكية .. فلا يقال إنها من نفس جنس صانعها .. ولا يقال إن الفاعل أوجد من جنسه .. لأن الفاعل لا يوجد من جنسه أبداً .. كل فاعل يوجد شيئاً أقل منه .. فقول الله: "سبحانه" .. أي تنزيه له تبارك وتعالى .. لماذا؟ لأن الولد يتخذ لاستبقاء حياة والده التي لا يضمنها له واقع الكون .. فهو يحمل اسمه بعد أن يموت ويرث أملاكه .. إذن هو من أجل بقاء نوعه .. والذي يريد بقاء النوع لا يكفيه أن يكون له ولد واحد. لو فرضنا جدلاً أَنَّ له ولداً واحداً فالمفروض أن هذا الولد يكون له .. ولكننا لم نر أولاداً لمن زعموا أنه ابن الله .. وعندما وقبلما يوجد الولد ماذا كان الله سبحانه وتعالى يفعل وهو بدون ولد؟ وماذا استجد على الله وعلى كونه بعد أن اتخذ ولداً كما يزعمون .. لم يتغير شيء في الوجود .. إذن إن وجود ولد بالنسبة للإله لم يعطه مظهراً من مظاهر القوة .. لأن الكون قبل أن يوجد الولد المزعوم وبعده لم يتغير فيه شيء. إذن فما سبب اتخاذ الولد؟ معونة؟ الله لا تضعف قوته .. ضمان للحياة؟ الله حياته أزلية .. هو الذي خلق الحياة وهو الذي يهبها وهو حي لا يموت .. فما هي حاجته لأي ضمان للحياة؟ الحق سبحانه وتعالى تنفعل له الأشياء .. أي إنه قادر على إبراز الشيء بمقتضى حكمه .. وهو جل جلاله له كمال الصفات أزلاً .. وبكمال صفاته خلق هذا الكون وأوجده .. لذلك فهو ليس في حاجة إلى أحد من خلقه .. لأنه ساعة خلق كانت له كل صفات القدرة على الخلق .. بل قبل أن يخلق كانت له كل صفات الخالق وبهذه الصفات خلق .. والله سبحانه وتعالى كان خالقاً قبل أن يخلق أحداً من خلقه .. وكان رزاقاً قبل أن يوجد من يرزقه .. وكان قهاراً قبل أن يوجد من يقهره .. وكان تواباً قبل أن يوجد من يتوب عليه .. وبهذه الصفات أوجد وخلق ورزق وقهر وتاب على خلقه. إذن كل هذا الكون لم يضف صفة من صفات الكمال إلى الله .. بل إن الله بكمال صفاته هو الذي أوجد. ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في حديث قدسي: (حديث : يا عبادي لَوْ أَنَّ أولَكُم وَآخِرَكُم وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنسان مَسْألته ما نقص ذلك مِنْ ملكي شيئاً إلا كما يَنْقُصُ المخِيطُ إذا غُمس في البحر .. ). تفسير : ثم إذا كان لله سبحانه وتعالى زوجة وولد .. فمن الذي وجد أولاً؟ .. إذا كان الله سبحانه وتعالى قد وجد أولاً .. ثم بعد ذلك أوجد الزوجة والولد فهو خالق وهما مخلوقان .. وإن كان كل منهم قد أوجد نفسه فهم ثلاثة آلهة وليسوا إلها واحداً .. إذن فالولد إما أن يكون مخلوقاً أو يكون إلهاً .. والكمال الأول لله لم يزده الولد شيئاً .. ومن هنا يصبح وجوده لا قيمة له .. وحين يعرض الحق تبارك وتعالى هذه القضية يعرضها عرضاً واسعاً في كثير من سور القرآن الكريم وأولها سورة مريم في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً} تفسير : [مريم: 88]. إنه سبحانه منزه عن التماثل مع خلقه .. لا بالذات ولا بالصفات ولا بالأفعال .. كل شيء تراه في الوجود .. الله منزه عنه .. وكل شيء يخطر على بالك فالله غير ذلك .. قوله تعالى: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 116] .. فتلك قضية تناقض اتخاذ الولد لأن كل ما في السماوات والأرض خاضع لله .. قوله تعالى؛ {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .. أي خاضعون، وهذا يؤكد لنا أن كون الله في قبضة الله خاضع مستجيب اختياراً أو قهراً لأمر الله.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى افتراء اليهود والنصارى وزعمهم أن الجنة خاصة بهم لا يشاركهم فيها أحد أعقبه بذكر بعض قبائحهم وقبائح المشركين في ادعائهم أنَّ لله ولداً حيث زعم اليهود أن عزيراً ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله فأكذبهم الله وردّ دعواهم بالحجة الدامغة والبرهان القاطع. اللغَة: {سُبْحَانَهُ} سبحان مصدر سبّح بمعنى نزّه ومعناه التبرئة والتنزيه عما لا يليق بجلاله تعالى {قَانِتُونَ} مطيعون خاضعون من القنوت وهو الطاعة والخضوع {بَدِيعُ} البديع: المبدع من الإِبداع، والإِبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق {قَضَىٰ} أراد وقدّر {بَشِيراً} البشير: المبشّر وهو المخبر بالأمر الصادق السار {نَذِيراً} النذير: المنذر وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه {ٱلْجَحِيمِ} المتأجج من النار {مِلَّتَهُمْ} أي دينهم وجمعها ملل وأصل الملّة: الطريقة المسلوكة ثم جعلت اسماً للشريعة التي أنزلها الله {عَدْلٌ} فداء. التفسِير: {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} هو قول اليهود والنصارى والمشركين فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله فأكذب الله الجميع في دعواهم فقال {سُبْحَانَهُ} أي تقدس وتنزّه عما زعموا تنزهاً بليغاً {بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} بل للإِضراب أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} أي الكل منقادون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق {وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} أي إِذا أراد إيجاد شيء حصل من غير امتناع ولا مهلة فمتى أراد شيئاً وجد بلمح البصر، فمراده نافذ وأمره لا يتخلف {أية : وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِٱلْبَصَرِ} تفسير : [القمر: 50] {وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} المراد بهم جهلة المشركين وهم كفار قريش {لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ} أي هلاّ يكلمنا الله مشافهة أو بإِنزال الوحي علينا بأنك رسوله {أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ} أي تكون برهاناً وحجة على صدق نبوتك، قالوا ذلك استكباراً وعناداً {كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ} أي مثل هذا الباطل الشنيع قال المكذبون من أسلافهم لرسلهم {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتكذيب للأنبياء وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم {قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين لقومٍ يطلبون الحق واليقين، وكلها ناطقة بصدق ما جئت به {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي أرسلناك يا محمد بالشريعة النيّرة والدين القويم بشيراً للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيراً للكافرين من عذاب الجحيم {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} أي أنت لست مسئولاً عمن لم يؤمن منهم بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم {أية : فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ} تفسير : [الرعد: 40] {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} أى لن ترضى عنك الطائفتان "اليهود والنصارى" حتى تترك الإِسلام المنير وتتبع دينهم الأعوج {قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ} أي قل لهم يا محمد إِن الإِسلام هو الدين الحق وما عداه فهو ضلال {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ} أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة وأهوائهم الفاسدة بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة {مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} أي ليس لك من يحفظك أو يدفع عنك عقابة الأليم {ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ} مبتدأ وهم طائفة من اليهود والنصارى أسلموا {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أي يقرءونه قراءة حقة كما أنزل {أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} هذا خبر المبتدأ أي فأولئك هم المؤمنون حقاً دون المعاندين المحرفين لكلام الله {وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي ومن كفر بالقرآن فقد خسر دنياه وآخرته {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي اذكروا نعمي الكثيرة عليكم وعلى آبائكم {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي واذكروا تفضيلي لكم على سائر الأمم في زمانكم {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا تغني فيه نفس عن نفس ولا تدفع عنها من عذاب الله شيئاً، لأن كل نفسٍ بما كسبت رهينة {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي لا يقبل منها فداء {وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} أي لا تفيدها شفاعة أحد لأنها كفرت بالله {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48] {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي لا يدفع عنهم أحد عذاب الله ولا يجيرهم من سطوة عقابه. البَلاَغَة: 1- {سُبْحَانَهُ} جملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد قال أبو السعود: وفيه من التنزيه البليغ من حيث الاشتقاق من "السَّبح" ومن جهة النقل إلى التفعيل "التسبيح" ومن جهة العدول إلى المصدر ما لا يخفى والمراد أنزهه تنزيهاً لائقاً به. 2- {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} صيغة جمع العقلاء في {قَانِتُونَ} للتغليب أي تغليب العقلاء على غير العقلاء، والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان. 3- التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة {أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ} إِيذانٌ بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم فلا يرجى منهم الرجوع عن الكفر والضلال إِلى الإِيمان والإِذعان. 4- إِيراد الهدى معرفاً بأل في قوله {هُوَ ٱلْهُدَىٰ} مع اقترانه بضمير الفصل "هو" يفيد قصر الهداية على دين الله فهو من باب قصر الصفة على الموصوف فالإِسلام هو الهدى كله وما عداه فهو هوى وعمى. 5- {وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ} هذا من باب التهييج والإِلهاب. تنبيه: قال القرطبي: {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حدّ ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إِليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إِمام وفي البخاري "حديث : نعمت البدعة هذه" تفسير : يعني قيام رمضان.. ثم قال: وكل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أَن يكون لها أصل في الشرع أولا؟ فإِن كان لها أصل فهي في حيز المدح ويعضده قول عمر "نعمت البدعة هذه" وإِلاّ فهي في حيز الذم والإِنكار وقد بيّن هذا الحديث الشريف "حديث : من سنَّ في الإِسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها.. ومن سنَّ في الإِسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها.. ".

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ} معناهُ مُطِيعونَ.

الأندلسي

تفسير : {وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً} قالت اليهود: عزير بن الله. وقالت النصارى: المسيح بن الله. وقال المشركون: الملائكة بنات الله. والضمير في قالوا شامل للجميع ومتى ذكر اتخاذ الولد في القرآن فلا يأتي إلا متعدياً إلى واحد ولما كان اتخاذ الولد في غاية الاستحالة قال: {سُبْحَـٰنَهُ} أي تنزيهاً له عن ما نسبه إليه الكفار. ثم بين أن جميع ما في السماوات والأرض ملك له والولادة تنافي الملكية وأن الجميع. {قَانِتُونَ} له مطيعون خاضعون. وما شامل لمن يعقل وما لا يعقل. وجمع بالواو والنون التي هي حقيقة فيما يعقل فاندرج فيه ما لا يعقل على حكم تغليب من يعقل. فحين ذكر الملك أتى بلفظة ما، وحين ذكر القنوت أتى بجمعٍ من يعقل، و"جنح" الزمخشري: إلى أن ما وقعت على من يعلم، قال: تحقيراً لهم وتصغيراً لشأنهم. وقانتون: خبر كل مراعي فيه معنى كل لأنه حذف ما يضاف إليه كل والحمل على المعنى إذ ذاك أكثر وأفصح ولمراعاة الفاصلة. {بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} لما ذكر المظروف ذكر الظرفين وخصهما بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات. والاضافة من باب الصفة المشبهة أصله بديع سماواته والاضافة من نصيب. وقال الزمخشري: من رفع وهو قول قيل. وقيل: بديع بمعنى مبدع. ولم يذكر ابن عطية غير هذا الوجه. وقرىء: بديع بالرفع والنصب والجر بدل من ضمير له. ولما ذكر ما دل على الاختراع ذكر سرعة تكوين ما يريد تكوينه. {إِذَا قَضَىٰ أَمْراً} أي أنشأ. {فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} كناية عن سرعة تكوين ما أراد ولا خطاب هناك لأن المعدوم لا يؤمر والموجود لا يؤمر بإِيجاده وهو من مجاز التمثيل. وقرىء: برفع فيكون أي فهو يكون وبالنصب على جواب الأمر شبه الأمر المجازي بالأمر الحقيقي إذ الأمر الحقيقي ينتظم منه شرط وجزاء فلا بد من التغاير، إذ لا يصح تقدير أن يكنْ يكن ومن قال: إن النصب لحن فهو مخطىء والقراءة في السبعة فهي من المتواتر.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { وَقَالُوا } أي: اليهود والنصارى والمشركون، وكل من قال ذلك: { اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } فنسبوه إلى ما لا يليق بجلاله، وأساءوا كل الإساءة، وظلموا أنفسهم. وهو - تعالى - صابر على ذلك منهم، قد حلم عليهم، وعافاهم، ورزقهم مع تنقصهم إياه. { سُبْحَانَهُ } أي: تنزه وتقدس عن كل ما وصفه به المشركون والظالمون مما لا يليق بجلاله، فسبحان من له الكمال المطلق، من جميع الوجوه، الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه. ومع رده لقولهم، أقام الحجة والبرهان على تنزيهه عن ذلك فقال: { بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: جميعهم ملكه وعبيده، يتصرف فيهم تصرف المالك بالمماليك، وهم قانتون له مسخرون تحت تدبيره، فإذا كانوا كلهم عبيده، مفتقرين إليه، وهو غني عنهم، فكيف يكون منهم أحد، يكون له ولدا، والولد لا بد أن يكون من جنس والده، لأنه جزء منه. والله تعالى المالك القاهر، وأنتم المملوكون المقهورون، وهو الغني وأنتم الفقراء، فكيف مع هذا، يكون له ولد؟ هذا من أبطل الباطل وأسمجه. والقنوت نوعان: قنوت عام: وهو قنوت الخلق كلهم، تحت تدبير الخالق، وخاص: وهو قنوت العبادة. فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني: كما في قوله تعالى: {أية : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } . تفسير : ثم قال: { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } أي: خالقهما على وجه قد أتقنهما وأحسنهما على غير مثال سبق. { وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فلا يستعصى عليه، ولا يمتنع منه.